Полный текст (2 914 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وَعُقُودٌ لَا تَصِحُّ مَعَ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ وَهِيَ كَمَا يَلِي:
(١) الْبَيْعُ (٢) الْقِسْمَةُ (٣) الْإِجَارَةُ (٤) إجَازَاتُ الْعَقْدِ (٥) الصُّلْحُ عَنْ سُكُوتٍ أَوْ عَنْ إنْكَارٍ أَوْ إقْرَارٍ بِمَالٍ عَنْ مَالٍ (٦) الْإِبْرَاءُ عَنْ الدَّيْنِ (٧) الْمُزَارَعَةُ (٨) الْمُسَاقَاةُ (٩) الْوَقْفُ.
مِثَالٌ: لَوْ قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: إنَّنِي بِعْتُك حِصَانِي بِشَرْطِ أَنْ أَرْكَبَهُ شَهْرًا يَكُونُ الْبَيْعُ فَاسِدًا بِهَذَا الشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَهُوَ فَاسِدٌ.
كَذَلِكَ لَوْ قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: إنَّنِي أَجَّرْتُك دَارِي بِكَذَا قِرْشًا عَلَى أَنْ تُقْرِضَنِي كَذَا مَبْلَغًا أَوْ تُهْدِيَنِي هَدِيَّةً أَوْ قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ إنَّنِي أَبْرَأْتُك مِنْ دَيْنِي بِشَرْطِ أَنْ تَشْتَغِلَ عِنْدِي مُدَّةَ كَذَا فَلَا تَصِحُّ هَذِهِ الْعُقُودُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذِهِ الْعُقُودَ التِّسْعَةَ إذَا شُرِطَ فِيهَا شَرْطٌ فَاسِدٌ فَإِنَّهُ يُفْسِدُهَا.
[ (الْمَادَّةُ ٨٤) الْمَوَاعِيدُ بِصُوَرِ التَّعَالِيقِ تَكُونُ لَازِمَةً]
(الْمَادَّةُ ٨٤) (الْمَوَاعِيدُ بِصُوَرِ التَّعَالِيقِ تَكُونُ لَازِمَةً) ؛ لِأَنَّهُ يَظْهَرُ فِيهَا حِينَئِذٍ مَعْنَى الِالْتِزَامِ وَالتَّعَهُّدِ.
هَذِهِ الْمَادَّةُ مَأْخُوذَةٌ عَنْ الْأَشْبَاهِ مِنْ كِتَابِ (الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ) حَيْثُ يَقُولُ (وَلَا يَلْزَمُ الْوَعْدُ إلَّا إذَا كَانَ مُعَلَّقًا) وَقَدْ وَرَدَتْ فِي الْبَزَّازِيَّةُ أَيْضًا بِالشَّكْلِ الْآتِي: " لِمَا أَنَّ الْمَوَاعِيدَ بِاكْتِسَاءِ صُوَرِ التَّعْلِيقِ تَكُونُ لَازِمَةً ".
يُفْهَمُ مِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ أَنَّهُ إذَا عُلِّقَ وَعْدٌ عَلَى حُصُولِ شَيْءٍ أَوْ عَلَى عَدَمِ حُصُولِهِ فَثُبُوتُ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ أَيْ الشَّرْطِ كَمَا جَاءَ فِي الْمَادَّةِ (٨٢) يُثْبِتُ الْمُعَلَّقَ أَوْ الْمَوْعُودَ.
مِثَالُ ذَلِكَ: لَوْ قَالَ رَجُلٌ لِآخَرَ: بِعْ هَذَا الشَّيْءَ مِنْ فُلَانٍ وَإِذَا لَمْ يُعْطِك ثَمَنَهُ فَأَنَا أُعْطِيك إيَّاهُ فَلَمْ يُعْطِهِ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ لَزِمَ عَلَى الرَّجُلِ أَدَاءُ الثَّمَنِ الْمَذْكُورِ بِنَاءً عَلَى وَعْدِهِ.
أَمَّا لَوْ تُوُفِّيَ الْمَدِينُ قَبْلَ أَنْ يُطَالِبَهُ الدَّائِنُ بِالدَّيْنِ بَطَلَ الضَّمَانُ أَيْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْكَفِيلَ؛ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ عَلَى شَرْطٍ يَكُونُ مَعْدُومًا وَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِثُبُوتِ الشَّرْطِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ كَمَا جَاءَ فِي الْمَادَّةِ (٨٢) (وَهَذِهِ الْمَادَّةُ بِمَثَابَةِ فَرْعٍ مِنْهَا) وَمَا لَمْ يُطَالَبْ الْمَدِينُ بِالدَّيْنِ وَيَمْتَنِعُ أَوْ يُمَاطِلُ فَلَا يَتَحَقَّقُ امْتِنَاعُ الْمَدِينِ عَنْ الْأَدَاءِ وَلَمَّا لَمْ يَثْبُتْ هُنَا شَرْطُ الِامْتِنَاعِ بِمَوْتِ الْمَدِينِ فَلَا يَلْزَمُ الضَّمَانَ الْمُعَلَّقَ عَلَى ذَلِكَ الشَّرْطِ.
أَمَّا إذَا كَانَ الْوَعْدُ وَعْدًا مُجَرَّدًا أَيْ غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِصُورَةٍ مِنْ صُوَرِ التَّعْلِيقِ فَلَا يَكُونُ لَازِمًا.
مِثَالُ ذَلِكَ: لَوْ بَاعَ شَخْصٌ مَالًا مِنْ آخَرَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ أَوْ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ وَبَعْدَ أَنْ تَمَّ الْبَيْعُ وَعَدَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ بِإِقَالَتِهِ مِنْ الْبَيْعِ إذَا رَدَّ لَهُ الثَّمَنَ فَلَوْ أَرَادَ الْبَائِعُ اسْتِرْدَادَ الْمَبِيعِ وَطَلَبَ إلَى الْمُشْتَرِي أَخْذَ الثَّمَنِ وَإِقَالَتَهُ مِنْ الْبَيْعِ فَلَا يَكُونُ الْمُشْتَرِي مُجْبَرًا عَلَى إقَالَةِ الْبَيْعِ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ الْوَعْدِ؛ لِأَنَّهُ وَعْدٌ مُجَرَّدٌ.
стр. 72
كَذَلِكَ: لَوْ قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ ادْفَعْ دَيْنِي مِنْ مَالِك وَالرَّجُلُ وَعَدَهُ بِذَلِكَ ثُمَّ امْتَنَعَ عَنْ الْأَدَاءِ فَلَا يَلْزَمُ بِوَعْدِهِ هَذَا عَلَى أَدَاءِ الدَّيْنِ.
(مُسْتَثْنَيَاتُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ) قُلْنَا إنَّ الْوَعْدَ الْمُجَرَّدَ لَا يُلْزِمُ الْوَاعِدَ بِشَيْءٍ وَلَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْحُكْمِ مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ: لَوْ بَاعَ شَخْصٌ مِنْ آخَرَ مَالًا بِثَمَنٍ دُونَ ثَمَنِ الْمِثْلِ بِكَثِيرٍ أَيْ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ بَيْعًا مُطْلَقًا وَالْمُشْتَرِي أَشْهَدَ بِمَحْضَرٍ مِنْ النَّاسِ أَنَّ الْبَائِعَ إذَا رَدَّ لَهُ الثَّمَنَ يَفْسَخُ لَهُ الْبَيْعَ فَيَجِبُ الْقِيَامُ بِذَلِكَ الْوَعْدِ مِنْ الْمُشْتَرِي نَفْسِهِ إذَا كَانَ فِي قَيْدِ الْحَيَاةِ أَوْ مِنْ وَرَثَتِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَيَكُونُ ذَلِكَ الْبَيْعُ بَيْعَ وَفَاءٍ.
وَمَعْنَى ذَلِكَ عَلَى مَا يُظَنُّ أَنَّهُ لَمَّا عَقَدَ الْبَيْعَ الْمَذْكُورَ عَلَى غَبْنٍ فَاحِشٍ وَالْمُشْتَرِي وَعَدَ بِإِعَادَةِ الْمَبِيعِ لِلْبَائِعِ عِنْدَ رَدِّهِ الثَّمَنَ فَهُوَ بِالْحَقِيقَةِ بَيْعُ وَفَاءٍ وَبِمَا أَنَّ بَيْعَ الْوَفَاءِ حُكْمُهُ حُكْمُ الرَّهْنِ فَيُمْكِنُ لِكُلٍّ مِنْ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فَسْخُهُ.
[ (الْمَادَّةُ ٨٥) الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ]
(الْمَادَّةُ ٨٥) :
الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ هَذِهِ الْمَادَّةُ هِيَ نَفْسُ الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» وَهِيَ الْمَادَّةُ ٨٧ (الْغُرْمُ بِالْغُنْمِ) :
وَالْمَادَّةُ ٨٨ كُلُّهَا بِمَعْنَى وَاحِدٍ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْأَلْفَاظُ فَكَانَ مِنْ الْوَاجِبِ الِاكْتِفَاءُ بِوَاحِدَةٍ مِنْهَا.
الْخَرَاجُ: هُوَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ مِلْكِ الْإِنْسَانِ أَيْ مَا يُنْتَجُ مِنْهُ مِنْ النِّتَاجِ وَمَا يُغَلُّ مِنْ الْغَلَّاتِ كَلَبَنِ الْحَيَوَانِ وَنَتَائِجِهِ، وَبَدَلِ إجَارَةِ الْعَقَارِ، وَغِلَالِ الْأَرْضِينَ وَمَا إلَيْهَا مِنْ الْأَشْيَاءِ. وَيُقْصَدُ بِالضَّمَانِ الْمُؤْنَةُ كَالْإِنْفَاقِ عَلَى الْحَيَوَانِ وَمَصَارِيفِ الْعِمَارَةِ لِلْعَقَارِ وَيُفْهَمُ مِنْهَا أَنَّهُ مَنْ يَضْمَنُ شَيْئًا لَوْ تَلِفَ يَنْتَفِعُ بِهِ فِي مُقَابَلَةِ الضَّمَانِ مَثَلًا لَوْ رَدَّ الْمُشْتَرِي حَيَوَانًا بِخِيَارِ الْعَيْبِ وَكَانَ قَدْ اسْتَعْمَلَهُ مُدَّةً لَا تَلْزَمُهُ أُجْرَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ قَدْ تَلِفَ فِي يَدِهِ قَبْلَ الرَّدِّ لَكَانَ مِنْ مَالِهِ.
يَعْنِي أَنَّ مَنْ يَضْمَنُ شَيْئًا إذَا تَلِفَ يَكُونُ نَفْعُ ذَلِكَ الشَّيْءِ لَهُ فِي مُقَابَلَةِ ضَمَانِهِ حَالَ التَّلَفِ وَمِنْهُ أُخِذَ قَوْلُهُمْ الْغُرْمُ بِالْغُنْمِ.
وَقَدْ حَكَمَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِالْأُجْرَةِ لِلْبَائِعِ وَلَكِنَّهُ لَمَّا اطَّلَعَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» نَقَضَ ذَلِكَ الْحُكْمَ.
وَقَدْ أَوْرَدَ صَاحِبُ الْأَشْبَاهِ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ سُؤَالَيْنِ وَأَجَابَ عَلَيْهِمَا وَذَلِكَ مَا يَأْتِي: السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: لَوْ كَانَ الِانْتِفَاعُ فِي الشَّيْءِ مُقَابِلَ ضَمَانِهِ لَكَانَ مِنْ اللَّازِمِ أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ الْحَاصِلَةُ فِي الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ كَمَا جَاءَ فِي الْمَادَّةِ (٣٩٣) فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ وَالْحَالُ أَنَّهُ بِمُقْتَضَى الْمَادَّةِ (٢٣٦) أَنَّ الثَّمَرَةَ أَوْ الزِّيَادَةَ الَّتِي تَحْصُلُ فِي الْمَبِيعِ بَعْدَ الْعَقْدِ وَقَبْلَ الْقَبْضِ تَعُودُ لِلْمُشْتَرِي فَمَا الْوَجْهُ فِي ذَلِكَ يَا تُرَى؟
стр. 73
جَوَابُ هَذَا السُّؤَالِ: فَالْوَجْهُ فِي ذَلِكَ هُوَ أَنَّ الِانْتِفَاعَ بِالْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ يُقَابِلُ الْمِلْكِيَّةَ. وَبَعْدَ الْقَبْضِ يَكُونُ مُقَابِلَ الْمِلْكِ وَالضَّمَانِ مَعًا.
السُّؤَالُ الثَّانِي: لَمَّا كَانَ الْمَالُ الْمَغْصُوبُ بِمُقْتَضَى الْمَادَّةِ (٨٩١) هُوَ فِي ضَمَانِ الْغَاصِبِ فَكَانَ مِنْ الْوَاجِبِ أَنْ تَكُونَ زَوَائِدُ الْمَغْصُوبِ مِلْكًا لَهُ مَا دَامَ الِانْتِفَاعُ فِي الشَّيْءِ مُقَابِلَ ضَمَانِهِ وَالْمَادَّةُ (٩٠٣) تَقُولُ زَوَائِدُ الْمَغْصُوبِ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ فَمَا الْوَجْهُ فِي ذَلِكَ؟ .
جَوَابُهُ - أَنَّ الضَّمَانَ فِي هَذِهِ ضَمَانٌ خَاصٌّ أَيْ يُقْصَدُ بِهِ ضَمَانُ الْمِلْكِ. وَخُلَاصَةُ ذَلِكَ هُوَ أَنَّ نَفْعَ الشَّيْءِ يَعُودُ لِلشَّخْصِ الَّذِي إذَا تَلِفَ ذَلِكَ الشَّيْءُ يَتْلَفُ عَلَيْهِ أَمَّا الْغَاصِبُ وَإِنْ كَانَ الْمَالُ فِي ضَمَانِهِ فَلَيْسَ مَالِكًا لَهُ.
[ (الْمَادَّةُ ٨٦) الْأَجْرُ وَالضَّمَانُ لَا يَجْتَمِعَانِ]
(الْمَادَّةُ ٨٦) :
الْأَجْرُ وَالضَّمَانُ لَا يَجْتَمِعَانِ
هَذِهِ الْقَاعِدَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْمَجَامِعِ.
وَيُفْهَمُ مِنْهَا أَنَّهُ لَا تَجِبُ الْأُجْرَةُ فِي الْحَالِ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا الضَّمَانُ يَعْنِي أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا اسْتَأْجَرَ دَابَّةً وَهَلَكَتْ بِلَا تَعَدٍّ لَا يَضْمَنُ سِوَى الْأُجْرَةَ.
وَإِذَا غَصَبَ دَابَّةً فَهَلَكَتْ يَضْمَنُ قِيمَتَهَا وَلَا أُجْرَةَ عَلَيْهِ.
وَالضَّمَانُ كَمَا عُرِفَ فِي الْمَادَّةِ (٤١٦) هُوَ إعْطَاءُ مِثْلِ الشَّيْءِ إذَا كَانَ مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ وَقِيمَتِهِ إذَا كَانَ مِنْ الْقِيَمِيَّاتِ.
مِثَالٌ: إذَا اُسْتُكْرِيَ حَيَوَانٌ لِلرُّكُوبِ لَا يَجُوزُ تَحْمِيلُهُ وَذَلِكَ بِمُقْتَضَى الْمَادَّةِ (٥٥٠) فَإِذَا حَمَلَ وَتَلِفَ يَضْمَنُ الْمُسْتَأْجِرُ قِيمَةَ الْحَيَوَانِ وَمِنْ ثَمَّ لَا يَجُوزُ تَكْلِيفُهُ بِتَأْدِيَةِ الْأَجْرِ الْمُسَمَّى.
كَذَلِكَ إذَا غَصَبَ شَخْصٌ حَيَوَانًا وَاسْتَعْمَلَهُ فَبِمَا أَنَّهُ لَوْ تَلِفَ بِيَدِهِ يَكُونُ ضَامِنًا فَإِذَا رَدَّهُ لِصَاحِبِهِ لَا تَلْزَمُهُ أُجْرَةٌ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ إيَّاهُ مَا لَمْ يَكُنْ مَالَ يَتِيمٍ أَوْ وَقْفًا أَوْ مَالًا مُعَدًّا لِلِاسْتِغْلَالِ.
كَذَلِكَ إذَا اسْتَعْمَلَ الْمُسْتَأْجِرُ الْحَيَوَانَ الْمَأْجُورَ مُدَّةً تَزِيدُ عَنْ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ فَبِمَا أَنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ حُكْمُهُ حُكْمُ الْغَاصِبِ وَيَكُونُ ذَلِكَ الْحَيَوَانُ فِي ضَمَانِهِ فَلَا تَلْزَمُهُ أُجْرَةٌ عَنْ الْمُدَّةِ الزَّائِدَةِ.
وَيُشْتَرَطُ فِي عَدَمِ اجْتِمَاعِ الْأُجْرَةِ وَالضَّمَانِ اتِّحَادُ السَّبَبِ وَالْمَحِلِّ فِيهِمَا وَإِلَّا فَالِاثْنَانِ قَدْ يَلْزَمَانِ فِي وَقْتٍ مَعًا وَمِثَالُ ذَلِكَ:
لَوْ أَجَّرَ شَخْصٌ حَيَوَانًا مِنْ آخَرَ لِيَرْكَبَهُ وَحْدَهُ إلَى مَحِلٍّ مُعَيَّنٍ فَرَكِبَ الرَّجُلُ وَأَرْدَفَ خَلْفَهُ شَخْصًا آخَرَ وَلَوْ صَغِيرًا (بِحَيْثُ يَسْتَطِيعُ الْوُقُوفَ بِنَفْسِهِ) فَتَلِفَ الْحَيَوَانُ بَعْدَ الْوُصُولِ إلَى الْمَحِلِّ الْمَقْصُودِ، يُنْظَرُ فَإِذَا كَانَ الْحَيَوَانُ قَادِرًا عَلَى حَمْلِ الِاثْنَيْنِ يَلْزَمُ الْأَجْرُ الْمُسَمَّى مَعَ ضَمَانِ نِصْفِ قِيمَةِ ذَلِكَ الْحَيَوَانِ. فَيَلْزَمُ الْأَجْرُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَوْفَى الْمَنْفَعَةَ الْمُرَادَةَ مِنْ اسْتِئْجَارِ ذَلِكَ الْحَيَوَانِ بِوُصُولِهِ لِلْمَكَانِ الْمَقْصُودِ وَيَلْزَمُ ضَمَانَ نِصْفِ قِيمَةِ الْحَيَوَانِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ قَدْ تَعَدَّى بِإِرْدَافِهِ شَخْصًا خَلْفَهُ
стр. 74
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ سَبَبُ لُزُومِ الْأَجْرِ وَسَبَبُ الضَّمَانِ مُخْتَلِفَيْنِ يَلْزَمَانِ فِي وَقْتٍ مَعًا وَلَا يُقَالُ بِأَنَّ الضَّمَانَ قَدْ اجْتَمَعَ وَالْأَجْرَ فَلِكُلٍّ سَبَبٌ غَيْرُ سَبَبِ الْآخَرِ.
[ (الْمَادَّةُ ٨٧) الْغُرْمُ بِالْغُنْمِ]
(الْمَادَّةُ ٨٧) :
الْغُرْمُ بِالْغُنْمِ هَذِهِ الْمَادَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْمَجَامِع وَهِيَ عَكْسُ الْمَادَّةِ (٨٥) أَيْ أَنَّ مَنْ يَنَالَ نَفْعَ شَيْءٍ يَجِبُ أَنْ يَتَحَمَّلَ ضَرَرَهُ مَثَلًا أَحَدُ الشُّرَكَاءِ فِي الْمَالِ يَلْزَمُهُ مِنْ الْخَسَارَةِ بِنِسْبَةِ مَا لَهُ مِنْ الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ كَمَا يَأْخُذُ مِنْ الرِّبْحِ.
وَإِلَيْكَ فِيمَا يَلِي بَعْضُ الْمَسَائِلِ الْمُتَفَرِّعَةِ عَنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ كُلُّ مَسْأَلَةٍ تَحْتَ عِنْوَانٍ مِنْ نَوْعِهَا.
الْبَيْعُ - أُجْرَةُ كِتَابَةِ سَنَدِ الْمُبَايَعَةِ وَحُجَّةِ الْبَيْعِ تَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ السَّنَدِ تَعُودُ عَلَيْهِ لَا عَلَى الْبَائِعِ (رَاجِعْ الْمَادَّةَ ٢٩٢) .
الشَّرِكَةُ - إذَا احْتَاجَ مِلْكٌ مُشْتَرَكٌ لِلتَّعْمِيرِ وَالتَّرْمِيمِ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الشُّرَكَاءِ أَنْ يَدْفَعَ مِنْ النَّفَقَاتِ بِنِسْبَةِ حِصَّتِهِ فِي الْمِلْكِ (رَاجِعْ الْمَادَّةَ ١٣٠٨) .
كَذَلِكَ النَّهْرُ الْمُشْتَرَكُ إذَا احْتَاجَ إلَى تَصْلِيحٍ فَيَشْتَرِكُ فِي التَّعْمِيرِ كُلُّ مَنْ لَحِقَهُ ضَرَرٌ بِالْخَرَابِ وَكُلَّمَا انْتَهَى التَّصْلِيحُ لِأَرْضِ أَحَدِهِمْ وَتَجَاوَزَهَا خَلَصَ صَاحِبُ تِلْكَ الْأَرْضِ مِنْ الِاشْتِرَاكِ فِي نَفَقَاتِ التَّصْلِيحِ حَيْثُ تَكُونُ مَضَرَّتُهُ قَدْ انْتَهَتْ وَهَلُمَّ جَرَّا إلَى آخِرِ النَّهْرِ.
[ (الْمَادَّةُ ٨٨) النِّعْمَة بِقَدْرِ النِّقْمَةِ وَالنِّقْمَةُ بِقَدْرِ النِّعْمَةِ]
(الْمَادَّةُ ٨٨) :
(النِّعْمَةُ بِقَدْرِ النِّقْمَةِ وَالنِّقْمَةُ بِقَدْرِ النِّعْمَةِ) إنَّ الْفِقْرَةَ الْأُولَى مِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ مُرَادِفَةٌ لِلْمَادَّةِ السَّابِقَةِ، وَالثَّانِيَةَ مَأْخُوذَةٌ عَنْ كَلِمَةِ (لِأَنَّ الْغُنْمَ بِالْغُرْمِ) الْوَارِدَةِ فِي الْكُتُبِ الْفِقْهِيَّةِ وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ الْمَادَّةِ (٨٥) إلَّا الْأَلْفَاظَ.
مِثَالُ ذَلِكَ: لَمَّا كَانَتْ نَفَقَةُ اللَّقِيطِ (وَهُوَ الْوَلَدُ الْمَتْرُوكُ فِي الشَّوَارِعِ مَجْهُولَ الْأَبِ وَالْأَوْلِيَاءِ) تَلْزَمُ بَيْتَ الْمَالِ وَيُؤَدَّى عَنْهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فِيمَا لَوْ قَتَلَ شَخْصًا دِيَةَ الْقَتِيلِ.
فَتَرِكَتُهُ تَعُودُ إلَى بَيْتِ الْمَالِ لَوْ مَاتَ فَبَيْتُ الْمَالِ الَّذِي يَغْرَمُ نَفَقَاتِ اللَّقِيطِ وَيَتَحَمَّلُ عَنْهُ الدَّيْنَ يَغْنَمُ تَرِكَتَهُ.
[ (الْمَادَّةُ ٨٩) يُضَافُ الْفِعْلُ إلَى الْفَاعِلِ لَا الْآمِرِ مَا لَمْ يَكُنْ مُجْبَرًا]
(الْمَادَّةُ ٨٩) :
يُضَافُ الْفِعْلُ إلَى الْفَاعِلِ لَا الْآمِرِ مَا لَمْ يَكُنْ مُجْبَرًا.
هَذِهِ الْمَادَّةُ فَرْعٌ لِلْمَادَّةِ (٩٥) ، وَقَدْ أَخَذْتُ مِنْ كَلِمَةِ " الْآمِرِ لَا يَضْمَنُ بِالْأَمْرِ " الْوَارِدَةَ فِي الْمَجَامِعِ وَوَكَالَةِ الْأَشْبَاهِ.
مِثَالُ ذَلِكَ: لَوْ قَالَ إنْسَانٌ لِآخَرَ: أَتْلِفْ مَالَ فُلَانٍ فَفَعَلَ كَانَ الضَّمَانُ عَلَى الْمَأْمُورِ إذَا فَعَلَ حَيْثُ لَا يُعَدُّ الْآمِرُ مُجْبِرًا شَرْعًا كَمَا يُعْلَمُ مِنْ بَابِ الْإِكْرَاهِ وَلِأَنَّ الْآمِرَ إذَا لَمْ يَكُنْ مَالِكًا فَأَمْرُهُ بِالتَّصَرُّفِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بَاطِلٌ (رَاجِعْ الْمَادَّةَ ٢٩٥) .
كَذَلِكَ لَوْ أَمَرَ شَخْصٌ رَجُلًا بِذَبْحِ شَاةٍ قَدْ بَاعَهَا مِنْ آخَرَ وَلَمْ يُسَلِّمْهَا فَذَبَحَهَا الرَّجُلُ وَهُوَ
стр. 75
يَعْلَمُ أَنَّهَا مَبِيعَةٌ فَلِلْمُشْتَرِي حَقُّ تَضْمِينِهَا لِلذَّابِحِ وَلَيْسَ لِهَذَا أَنْ يَرْجِعَ بِذَلِكَ عَلَى الْآمِرِ
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِالضَّمَانِ عَلَى الْآمِرِ مَا لَمْ يَكُنْ مُكْرَهًا إكْرَاهًا مُعْتَبَرًا.
(مُسْتَثْنَيَاتُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ)
لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ مُسْتَثْنًى وَاحِدٌ: وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ أَمَرَ رَجُلٌ بَالِغٌ عَاقِلٌ صَبِيًّا بِإِتْلَافِ مَالٍ فَأَتْلَفَهُ الصَّبِيُّ فَالضَّمَانُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ حَسَبَ الْمَادَّةِ (٩٦٠) إلَّا أَنَّ لِوَلِيِّهِ الرُّجُوعَ عَلَى الْآمِرِ بِمَا دَفَعَهُ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ الْآمِرُ صَبِيًّا فَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ.
[ (الْمَادَّةُ ٩٠) إذَا اجْتَمَعَ الْمُبَاشِرُ وَالْمُتَسَبِّبُ أُضِيفَ الْحُكْمُ إلَى الْمُبَاشِرِ]
(الْمَادَّةُ ٩٠) :
إذَا اجْتَمَعَ الْمُبَاشِرُ وَالْمُتَسَبِّبُ أُضِيفَ الْحُكْمُ إلَى الْمُبَاشِرِ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْأَشْبَاهِ. وَيُفْهَمُ مِنْهَا أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ الْمُبَاشِرُ أَيْ عَامِلُ الشَّيْءِ وَفَاعِلُهُ بِالذَّاتِ مَعَ الْمُتَسَبِّبِ وَهُوَ الْفَاعِلُ لِلسَّبَبِ الْمُفْضِي لِوُقُوعِ ذَلِكَ الشَّيْءِ وَلَمْ يَكُنْ السَّبَبُ مَا يُؤَدِّي إلَى النَّتِيجَةِ السَّيِّئَةِ إذَا هُوَ لَمْ يُتْبَعْ بِفِعْلِ فَاعِلٍ آخَرَ، يُضَافُ الْحُكْمُ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَى الْفِعْلِ إلَى الْفَاعِلِ الْمُبَاشِرِ دُونَ الْمُتَسَبِّبِ وَبِعِبَارَةٍ أَخْصَرُ يُقَدَّمُ الْمُبَاشِرُ فِي الضَّمَانِ عَنْ الْمُتَسَبِّبِ.
تَعْرِيفُ الْمُبَاشِرِ - هُوَ الَّذِي يَحْصُلُ التَّلَفُ مِنْ فِعْلِهِ دُونَ أَنْ يَتَخَلَّلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّلَفِ فِعْلُ فَاعِلٍ آخَرَ.
مِثَالٌ: لَوْ حَفَرَ رَجُلٌ بِئْرًا فِي الطَّرِيقِ الْعَامِّ فَأَلْقَى أَحَدٌ حَيَوَانَ شَخْصٍ فِي ذَلِكَ الْبِئْرِ ضَمِنَ الَّذِي أَلْقَى الْحَيَوَانَ وَلَا شَيْءَ عَلَى حَافِرِ الْبِئْرِ؛ لِأَنَّ حَفْرَ الْبِئْرِ بِحَدِّ ذَاتِهِ لَا يَسْتَوْجِبُ تَلَفَ الْحَيَوَانِ وَلَوْ لَمْ يَنْضَمَّ إلَيْهِ فِعْلُ الْمُبَاشِرِ وَهُوَ إلْقَاءُ الْحَيَوَانِ فِي الْبِئْرِ لَمَا تَلِفَ الْحَيَوَانُ بِحَفْرِ الْبِئْرِ فَقَطْ.
وَرُبَّ قَائِلٍ يَقُولُ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ فِعْلُ الْحَفْرِ لَمَا تَأَتَّى فِعْلُ الْإِلْقَاءِ.
فَبِمَا أَنَّ فِعْلَ الْإِلْقَاءِ هُوَ الْوَصْفُ الْأَخِيرُ فَقَدْ أُضِيفَ التَّلَفُ إلَيْهِ وَقَدْ وَرَدَ فِي الْوَلْوَالِجِيَّةِ (كُلُّ حُكْمٍ يَثْبُتُ بِعِلَّةٍ ذَاتِ وَصْفَيْنِ يُضَافُ الْحُكْمُ إلَى الْوَصْفِ الَّذِي وُجِدَ مِنْهُمَا أَخِيرًا) .
أَمَّا إذَا كَانَ ذَلِكَ الْحَيَوَانُ سَقَطَ بِنَفْسِهِ فِي الْبِئْرِ فَإِذَا كَانَ حَافِرُ الْبِئْرِ قَدْ حَفَرَهُ بِدُونِ أَمْرٍ مِنْ وَلِيِّ الْأَمْرِ فَالضَّمَانُ كَمَا سَيَرِدُ فِي الْمَادَّةِ الْآتِيَةِ يَتَرَتَّبُ عَلَى حَافِرِ الْبِئْرِ.
كَذَلِكَ لَوْ دَلَّ شَخْصٌ لِصًّا عَلَى مَالٍ لِآخَرَ لِيَسْرِقَهُ فَسَرَقَهُ اللِّصُّ فَلَيْسَ عَلَى الدَّالِّ ضَمَانٌ وَإِنَّمَا الضَّمَانُ عَلَى اللِّصِّ.
كَذَلِكَ لَوْ فَتَحَ أَحَدٌ بَابَ دَارِ آخَرَ وَفَكَّ فَرَسَهُ مِنْ قُيُودِهِ فَجَاءَ لِصٌّ وَسَرَقَ الْفَرَسَ فَالضَّمَانُ عَلَى السَّارِقِ.
كَذَلِكَ لَوْ أَمْسَكَ شَخْصٌ بِآخَرَ وَجَاءَ ثَالِثٌ فَاغْتَصَبَ مَا مَعَ الرَّجُلِ مِنْ النُّقُودِ فَالضَّمَانُ عَلَى الْمُغْتَصِبِ الْمُبَاشِرِ لِاسْتِلَابِ الْمَالِ دُونَ الْآخَرِ الْمُتَسَبِّبِ بِذَلِكَ.
أَمَّا إذَا كَانَ السَّبَبُ مَا يَقْضِي مُبَاشَرَةً إلَى التَّلَفِ فَيَتَرَتَّبُ الْحُكْمُ عَلَى الْمُتَسَبِّبِ.
مِثَالُ ذَلِكَ لَوْ
стр. 76
تَمَاسَكَ شَخْصَانِ فَأَمْسَكَ أَحَدُهُمَا بِلِبَاسِ الْآخَرِ فَسَقَطَ مِنْهُ شَيْءٌ كَسَاعَةٍ مَثَلًا فَكُسِرَتْ فَيَتَرَتَّبُ الضَّمَانُ عَلَى الشَّخْصِ الَّذِي أَمْسَكَ بِلِبَاسِ الرَّجُلِ رَغْمًا مِنْ كَوْنِهِ مُتَسَبِّبًا وَالرَّجُلُ الَّذِي سَقَطَتْ مِنْهُ السَّاعَةُ مُبَاشِرٌ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ هُنَا قَدْ أَفْضَى إلَى التَّلَفِ مُبَاشَرَةً دُونَ أَنْ يَتَوَسَّطَ بَيْنَهُمَا فِعْلُ فَاعِلٍ آخَرَ.
كَذَا لَوْ شَقَّ شَخْصٌ زِقًّا مَمْلُوءًا زَيْتًا أَوْ قَطَعَ حَبْلًا مُعَلَّقًا بِهِ قِنْدِيلٌ فَتَلِفَ الزَّيْتُ الَّذِي فِيهِ فَيَتَرَتَّبُ الضَّمَانُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ مُتَسَبِّبًا فَقَطْ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الشَّقِّ وَفِعْلَ الْقَطْعِ سَبَبَانِ نَشَأَ عَنْهُمَا التَّلَفُ مُبَاشَرَةً.
(مُسْتَثْنَيَاتُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ) لَوْ دَلَّ مُودِعٌ لِصًّا عَلَى مَكَانِ الْوَدِيعَةِ الَّتِي أُودِعَتْ عِنْدَهُ فَسَرَقَهَا اللِّصُّ فَالضَّمَانُ عَلَى الْمُودَعِ الْمُتَسَبِّبِ لِتَقْصِيرِهِ بِحِفْظِ الْوَدِيعَةِ وَذَلِكَ بِمُقْتَضَى الْمَادَّةِ (٧٨٧) وَاللِّصُّ بِمَا أَنَّهُ مُبَاشِرٌ وَيَتَرَتَّبُ الضَّمَانُ عَلَيْهِ حَسَبَ هَذِهِ الْمَادَّةِ فَيَحِقُّ لِلْمُودِعِ أَنْ يَرْجِعَ بِالضَّمَانِ عَلَيْهِ أَيْضًا.
كَذَلِكَ الْقَضَاءُ هُوَ مِنْ مُسْتَثْنَيَاتِ هَذِهِ الْمَادَّةِ وَإِيضَاحُ ذَلِكَ هُوَ أَنَّهُ إذَا رَجَعَ الشُّهُودُ عَنْ شَهَادَتِهِمْ بَعْدَ أَنْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِمُقْتَضَاهَا يَتَرَتَّبُ الضَّمَانُ عَلَى الشُّهُودِ الْمُتَسَبِّبِينَ دُونَ الْحَاكِمِ الْمُبَاشِرِ مَعَ أَنَّهُ بِمُقْتَضَى هَذِهِ الْمَادَّةِ كَانَ مِنْ الْوَاجِبِ أَنْ يَكُونَ الضَّمَانُ عَلَى الْحَاكِمِ دُونَ الشُّهُودِ وَقَدْ ذَهَبَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ إلَى هَذَا الرَّأْيِ تَمَسُّكًا بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ، وَوَجْهُ اسْتِثْنَاءِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُوَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْحَاكِمُ مُجْبَرًا عَلَى الْحُكْمِ بَعْدَ أَدَاءِ الشُّهُودِ الشَّهَادَةَ وَتَحَقُّقِهِ مِنْ عَدَالَتِهِمْ وَيَأْثَمُ فِيمَا لَوْ امْتَنَعَ عَنْهُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُكْرَهِ عَلَى الْحُكْمِ، وَالشُّهُودُ هُمْ الْمُكْرِهُونَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَوْ وَجَبَ الضَّمَانُ عَلَى الْحَاكِمِ لَامْتَنَعَ النَّاسُ عَنْ تَقَلُّدِ الْقَضَاءِ.
وَفِي ذَلِكَ مَا فِيهِ مِنْ اخْتِلَالِ الْأُمُورِ.
فَقَدْ تَرَتَّبَ الضَّمَانُ عَلَى الشُّهُودِ وَهُمْ الْمُتَسَبِّبُونَ دُونَ الْحَاكِمِ الْمُبَاشِرِ.
[ (الْمَادَّةُ ٩١) الْجَوَازُ الشَّرْعِيُّ يُنَافِي الضَّمَانَ]
(الْمَادَّةُ ٩١) :
الْجَوَازُ الشَّرْعِيُّ يُنَافِي الضَّمَانَ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْمَجَامِعِ، وَيُفْهَمُ مِنْهَا أَنَّهُ لَوْ فَعَلَ شَخْصٌ مَا أُجِيزَ لَهُ فِعْلُهُ شَرْعًا وَنَشَأَ عَنْ فِعْلِهِ هَذَا ضَرَرٌ مَا فَلَا يَكُونُ ضَامِنًا لِلْخَسَارَةِ النَّاشِئَةِ عَنْ ذَلِكَ.
مِثَالٌ: لَوْ حَفَرَ إنْسَانٌ فِي مِلْكِهِ بِئْرًا فَوَقَعَ فِيهِ حَيَوَانُ رَجُلٍ وَهَلَكَ لَا يَضْمَنُ حَافِرُ الْبِئْرِ شَيْئًا؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْمَرْءِ بِمِلْكِهِ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ، أَمَّا لَوْ تَلِفَ الْحَيَوَانُ فِي بِئْرٍ حَفَرَهُ شَخْصٌ فِي الطَّرِيقِ الْعَامِّ بِدُونِ إذْنِ وَلِيِّ الْأَمْرِ أَوْ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ أَوْ فِي الْمِلْكِ الْمُشْتَرَكِ فَيَلْزَمُ حِينَئِذٍ ضَمَانُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِقُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْفِرَ بِئْرًا فِي أَرْضٍ بِدُونِ مُسَوِّغٍ شَرْعِيٍّ. وَلَكِنَّ الْمِقْدَارَ الَّذِي يَلْزَمُ ضَمَانُهُ فِيمَا لَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ مُشْتَرَكَةً بَيْنَ اثْنَيْنِ مُنَاصَفَةً مَثَلًا وَحَفَرَ أَحَدُهُمَا فِيهَا بِئْرًا فَسَقَطَ فِيهِ حَيَوَانٌ وَتَلِفَ - نِصْفُ قِيمَةِ الْحَيَوَانِ.
وَيَتَفَرَّعُ عَنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ بَعْضُ فُرُوعِ الْإِجَارَةِ، وَالْأَمَانَاتِ، وَالْهِبَةِ، وَالشَّرِكَةِ وَهِيَ كَمَا يَلِي:
стр. 77
إجَارَةٌ - لَوْ حَمَّلَ الْمُسْتَأْجِرُ الْحَيَوَانَ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ الْمِقْدَارَ الَّذِي اشْتَرَطَ عَلَى صَاحِبِهِ تَحْمِيلَهُ إيَّاهُ وَمِثْلَهُ أَوْ مَا دُونَهُ فَتَلِفَ ذَلِكَ الْحَيَوَانُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ " رَاجِعْ الْفِقْرَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ الْمَادَّةِ (٦٠٥) "
الْأَمَانَاتُ - كَذَلِكَ لَا يَضْمَنُ الْمُسْتَوْدَعُ فِيمَا إذَا كَانَ صَاحِبُ الْوَدِيعَةِ غَائِبًا كَمَا وَرَدَ فِي الْمَادَّةِ (٧٩٩) وَفَرَضَ الْحَاكِمُ مِنْ الدَّرَاهِمِ الْمُودَعَةِ نَفَقَةً لِمَنْ يَلْزَمُ صَاحِبَ الْوَدِيعَةِ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ، وَالْمُسْتَوْدَعُ أَدَّى تِلْكَ النَّفَقَةَ الْمَفْرُوضَةَ مِنْ الْمَالِ الْمُودَعِ فَالْمَوَادُّ (٧٩٦) وَ (٨٢٢) وَ (٨٢٤) هِيَ مِنْ مُتَفَرِّعَاتِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ.
الْهِبَةُ - إذَا أَبَاحَ شَخْصٌ لِآخَرَ شَيْئًا مِنْ طَعَامِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِقِيمَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِإِبَاحَتِهِ لَهُ إيَّاهُ.
الشَّرِكَةُ بِمَا أَنَّ الشَّرِيكَ كَمَا جَاءَ فِي الْمَادَّةِ (١٠٧٥) أَنْ يَسْكُنَ فِي الدَّارِ مُدَّةً بِدُونِ إذْنِ الشَّرِيكِ فَإِذَا سَكَنَهَا أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ بِدُونِ إذْنِ الْآخَرِ وَاحْتَرَقَتْ الدَّارُ أَثْنَاءَ سُكْنَاهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
الْوَكَالَةُ - بِمَا أَنَّ لِلْوَكِيلِ بِمُقْتَضَى الْمَادَّةِ (١٥٠٠) أَنْ يَأْخُذَ مُقَابِلَ ثَمَنِ الْمَالِ الَّذِي بَاعَهُ بِالنَّسِيئَةِ رَهْنًا أَوْ كَفِيلًا فَإِذَا تَلِفَ الرَّهْنُ أَوْ أَفْلَسَ الْكَفِيلُ فَلَا يَكُونُ الْوَكِيلُ ضَامِنًا.
كَذَلِكَ إذَا وَكَّلَ الْمُتَوَلِّي وَكِيلًا عَنْهُ وَتَرَتَّبَ بِذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَى الْوَقْفِ فَبِمَا أَنَّ لِلْمُتَوَلِّي شَرْعًا أَنْ يُوَكِّلَ فَلَا يَضْمَنُ.
إنَّ الْمَادَّةَ (٣٣) تُقَيِّدُ هَذِهِ الْمَادَّةَ بَعْضَ التَّقْيِيدِ؛ لِأَنَّهُ مَعَ وُجُودِ جَوَازٍ شَرْعِيٍّ لِلْأَكْلِ مِنْ طَعَامِ الْغَيْرِ فِي حَالَةِ الْوُصُولِ إلَى دَرَجَةِ الْهَلَاكِ كَمَا مَرَّ مَعَنَا يَكُونُ الضَّمَانُ لَازِمًا.
كَذَلِكَ الْمَادَّةُ (١٠٨٦) مِنْ مُسْتَثْنَيَاتِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ.
[ (الْمَادَّةُ ٩٢) الْمُبَاشِرُ ضَامِنٌ وَإِنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ]
(الْمَادَّةُ ٩٢) :
الْمُبَاشِرُ ضَامِنٌ وَإِنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ
أَيْ أَنَّهُ سَوَاءٌ تَعَمَّدَ الْمُبَاشِرُ إتْلَافَ مَالِ الْغَيْرِ أَوْ لَمْ يَتَعَمَّدْ يَكُونُ ضَامِنًا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُتَسَبِّبِ هُوَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِضَمَانِ الْمُتَسَبِّبِ أَنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا وَالْمُبَاشِرُ يَضْمَنُ عَلَى حَالَيْنِ كَمَا أَسْلَفْنَا وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمُبَاشَرَةَ هِيَ عِلَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ وَسَبَبٌ لِلتَّلَفِ قَائِمٌ بِذَاتِهِ فَلَا يَجُوزُ إسْقَاطُ حُكْمِهَا بِدَاعِي عَدَمِ التَّعَمُّدِ. وَبِمَا أَنَّ السَّبَبَ لَيْسَ بِالْعِلَّةِ الْمُسْتَقِلَّةِ لَزِمَ أَنْ يَقْتَرِنَ الْعَمَلُ فِيهِ بِصِفَةِ الِاعْتِدَاءِ لِيَكُونَ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ.
فَعَلَيْهِ لَوْ أَتْلَفَ أَحَدٌ مَالَ غَيْرِهِ الَّذِي فِي يَدِهِ أَوْ فِي يَدِ أَمِينِهِ قَصْدًا أَوْ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَيَكُونُ بِمُقْتَضَى الْمَادَّةِ (٩١٢) ضَامِنًا.
كَذَا يَضْمَنُ مَنْ يُتْلِفُ مَالًا لِآخَرَ بِسُقُوطِهِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ بِمُقْتَضَى الْمَادَّةِ (٩١٣)
مِثَالٌ: - لَوْ دَخَلَ شَخْصٌ حَانُوتَ بَقَّالٍ فَزَلَقَتْ رِجْلُهُ فَسَقَطَ عَلَى زِقِّ عَسَلٍ فَشَقَّهُ يَضْمَنُ.
стр. 78
كَذَلِكَ لَوْ تَطَايَرَتْ شَرَارَةٌ مِنْ دُكَّانِ حَدَّادٍ وَهُوَ يَطْرُقُ الْحَدِيدَ فَحَرَقَتْ لِبَاسَ إنْسَانٍ لَزِمَهُ ضَمَانُهَا.
كَذَا لَوْ تَطَايَرَتْ قِطْعَةُ حَطَبٍ وَالْحَطَّابُ يَكْسِرُ الْحَطَبَ فَكَسَرَتْ زُجَاجَ نَافِذَةِ دَارِ الْجَارِ يَكُونُ الْحَطَّابُ ضَامِنًا.
كَذَا لَوْ اسْتَأْجَرَ شَخْصٌ إنْسَانًا لَأَنْ يَهْدِمَ لَهُ حَائِطًا فَوَقَعَ مِنْ الْحَائِطِ حَجَرٌ فَأَصَابَ شَخْصًا فَتَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى الْعَامِلِ.
كَذَلِكَ لَوْ أَطْلَقَ شَخْصٌ عِيَارًا نَارِيًّا فَأَتْلَفَ مَالًا لِآخَرَ فَيَلْزَمُهُ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مُبَاشِرًا لَا يُشْتَرَطُ التَّصَدِّي لِلُزُومِ الضَّمَانِ.
[ (الْمَادَّةُ ٩٣) الْمُتَسَبِّبُ لَا يَضْمَنُ إلَّا بِالتَّعَمُّدِ]
(الْمَادَّةُ ٩٣) - (الْمُتَسَبِّبُ لَا يَضْمَنُ إلَّا بِالتَّعَمُّدِ) قَدْ أُخِذَتْ هَذِهِ الْمَادَّةُ عَنْ قَاعِدَةِ (الْمُبَاشِرُ ضَامِنٌ وَالْمُتَسَبِّبُ غَيْرُ ضَامِنٍ إلَّا إذَا كَانَ مُتَعَمِّدًا) الْوَارِدَةِ فِي الْأَشْبَاهِ وَيُشْتَرَطُ فِي ضَمَانِ الْمُتَسَبِّبِ شَيْئَانِ: (١) : أَنْ يَكُونَ مُتَعَمِّدًا.
(٢) : أَنْ يَكُونَ مُعْتَدِيًا.
فَعَلَيْهِ لَوْ ذُعِرَ حَيَوَانُ شَخْصٍ مِنْ آخَرَ وَفَرَّ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الشَّخْصِ الَّذِي فَرَّ مِنْهُ الْحَيَوَانُ مَا لَمْ يَكُنْ مُتَعَمِّدًا كَذَلِكَ لَوْ أَحْرَقَ شَخْصٌ أَعْشَابًا جَافَّةً فِي أَرْضِهِ فَسَرَتْ النَّارُ إلَى شَيْءٍ لِأَحَدٍ مَا فَأَحْرَقَتْهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إلَّا إذَا كَانَ مُتَعَدِّيًا بِأَنْ كَانَ إحْرَاقُ الْأَعْشَابِ فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الرِّيحِ.
كَذَا لَوْ حَفَرَ شَخْصٌ بِئْرًا فِي الطَّرِيقِ الْعَامِّ وَلَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا بِذَلِكَ مِنْ قِبَلِ وَلِيِّ الْأَمْرِ فَسَقَطَ فِي الْبِئْرِ حَيَوَانٌ وَتَلِفَ فَيَكُونُ ضَامِنًا بِافْتِيَاتِهِ عَلَى مَا لَيْسَ لَهُ فِيهِ حَقٌّ وَتَعَدِّيهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ اسْتَأْذَنَ لِحَفْرِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
أَمَّا لَوْ حَفَرَ إنْسَانٌ بِئْرًا فِي مِلْكِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ ضَمَانٌ؛ لِأَنَّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مِلْكِهِ كَيْفَمَا شَاءَ فَلَا يُعَدُّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ مَهْمَا كَانَ تَعَدِّيًا (اُنْظُرْ ٩٢٤) .
كَذَلِكَ: لَوْ أَسْقَى مَنْ لَهُ حَقُّ الشَّرَابِ أَرَاضِيه حَسَبَ الْعَادَةِ فَطَفَتْ الْمِيَاهُ عَلَى أَرَاضِيِ جِيرَانِهِ فَأَحْدَثَتْ ضَرَرًا فِيهَا فَلَيْسَ مِنْ ضَمَانٍ عَلَيْهِ. أَمَّا لَوْ كَانَ الْإِسْقَاءُ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ فَيَكُونُ ضَامِنًا.
فَائِدَةٌ - إذَا اجْتَمَعَ مُسَبِّبَانِ كَاجْتِمَاعِ حَالِ الْقَيْدِ وَفَاتِحِ الْبَابِ كَمَا سَيَأْتِي فَالضَّمَانُ عَلَى فَاتِحِ الْبَابِ مِثَالٌ: لَوْ وَضَعَ شَخْصٌ فَرَسَهُ مُقَيَّدًا فِي إصْطَبْلِهِ فَجَاءَ شَخْصَانِ فَحَلَّ أَحَدُهُمَا قَيْدَ الْفَرَسِ وَفَتَحَ الْآخَرُ بَابَ الْإِصْطَبْلِ فَالضَّمَانُ عَلَى فَاتِحِ الْبَابِ.
стр. 79
[ (الْمَادَّةُ ٩٤) جِنَايَةُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ]
(الْمَادَّةُ ٩٤) :
(جِنَايَةُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ) هَذِهِ الْقَاعِدَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ الْمَرْوِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ» وَقَدْ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ (إتْلَافُ الْبَهِيمَةِ هَدَرٌ لَا ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِهَا) .
أَيْ: إنَّ الْحَيَوَانَ إذَا أَتْلَفَ شَيْئًا أَوْ تَسَبَّبَ بِخَسَارَةٍ وَضَرَرٍ لِأَحَدِ النَّاسِ فَلَيْسَ عَلَى صَاحِبِهِ شَيْءٌ مِنْ الضَّمَانِ مَا لَمْ يَنْشَأْ ذَلِكَ عَنْ تَعَدٍّ مِنْهُ أَوْ تَقْصِيرٍ.
مِثَالُ ذَلِكَ: لَوْ رَبَطَ شَخْصَانِ فَرَسَيْهِمَا فِي مَكَانٍ مُعَدٍّ لِذَلِكَ فَأَتْلَفَ فَرَسُ أَحَدِهِمَا فَرَسَ الْآخَرِ فَلَيْسَ مِنْ ضَمَانٍ عَلَى صَاحِبِ الْحَيَوَانِ الْمُتْلِفِ (رَاجِعْ الْمَادَّةَ ٩٢٩) .
كَذَلِكَ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى صَاحِبِ الْهِرَّةِ ضَمَانٌ فِيمَا لَوْ أَتْلَفَتْ طَيْرًا لِإِنْسَانٍ وَإِنْ نَطَحَتْ جَامُوسَةُ إنْسَانٍ إنْسَانًا فَقَتَلَتْهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِهَا وَإِذَا رَفَسَ حَيَوَانُ إنْسَانٍ حَيَوَانًا لِآخَرَ وَتَلِفَ فَلَا ضَمَانَ كَذَلِكَ عَلَى صَاحِبِ الْحَيَوَانِ الْمُتْلِفِ.
قُلْنَا (مَا لَمْ يَنْشَأْ ذَلِكَ عَنْ تَعَدٍّ مِنْ صَاحِبِ الْحَيَوَانِ أَوْ تَقْصِيرٍ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَتْلَفَ الْحَيَوَانُ شَيْئًا وَكَانَ ذَلِكَ بِتَعَدٍّ مِنْ صَاحِبِهِ أَوْ تَقْصِيرٍ يَكُونُ بِمَا أَتْلَفَ الْحَيَوَانُ ضَامِنًا وَإِلَيْكَ الْمِثَالُ.
لَوْ أَطْلَقَ شَخْصٌ حَيَوَانَهُ فِي مَزْرُوعَاتِ آخَرَ يَكُونُ ضَامِنًا بِمَا يُتْلِفُ الْحَيَوَانُ.
وَلَوْ رَأَى إنْسَانٌ حَيَوَانَهُ وَهُوَ فِي مَزْرُوعَاتِ آخَرَ وَلَمْ يَمْنَعْهُ فَيَكُونُ ضَامِنًا بِكُلِّ مَا يُحْدِثُهُ الْحَيَوَانُ مِنْ الْأَضْرَارِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مُتَعَدِّيًا فِي الْحَالِ الْأُولَى وَمُقَصِّرًا فِي الْحَالِ الثَّانِيَةِ (رَاجِعْ الْمَادَّةَ ٩٢٩) .
وَلَوْ تَرَكَ إنْسَانٌ حَيَوَانَهُ مُطْلَقًا فِي الطَّرِيقِ الْعَامِّ وَهُوَ مَا لَا يُطْلَقُ فِي الشَّوَارِعِ فَأَتْلَفَ مَالًا أَوْ قَتَلَ إنْسَانًا فَتَلْزَمُهُ دِيَةُ الْقَتِيلِ أَوْ قِيمَةُ الْمَالِ الْمُتْلَفِ وَقَدْ وَرَدَ فِي الْمَادَّةِ (٩٢٩) أَنَّ صَاحِبَ الثَّوْرِ النَّطُوحِ وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ يَكُونُ ضَامِنًا بِمَا أَتْلَفَاهُ فِيمَا إذَا تَقَدَّمَ إلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ مَحَلَّتِهٍ أَوْ قَرْيَتِهِ بِقَوْلِهِ: حَافِظْ عَلَى حَيَوَانِك وَلَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهِ.
[ (الْمَادَّةُ ٩٥) الْأَمْرُ بِالتَّصَرُّفِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بَاطِلٌ]
(الْمَادَّةُ ٩٥) :
الْأَمْرُ بِالتَّصَرُّفِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بَاطِلٌ هَذِهِ الْمَادَّةُ قَدْ أُخِذَتْ مِنْ الْمَجَامِعِ الْمِلْكُ هُوَ مَا مَلَكَهُ الْإِنْسَانُ سَوَاءٌ أَكَانَ عِيَانًا أَوْ مَنَافِعَ (رَاجِعْ الْمَادَّةَ ١٢٥) وَيُفْهَمُ مِنْهَا أَنَّهُ إذَا أَمَرَ شَخْصٌ آخَرَ بِالتَّصَرُّفِ فِي مِلْكِ الْآخَرِ فَالْأَمْرُ غَيْرُ صَحِيحٍ وَلَا مُعْتَبَرٌ وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمٌ مِنْ الْأَحْكَامِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْأَمْرُ الْبَاطِلُ وَغَيْرُ الصَّحِيحِ بِمَنْزِلَةِ الْمَشُورَةِ وَالنَّصِيحَةِ فَلَا يَتَرَتَّبُ بِحَقِّ الْأَمْرِ حُكْمٌ.
لَوْ أَمَرَ شَخْصٌ آخَرَ بِأَنْ يَأْخُذَ مَالَ إنْسَانٍ أَوْ يُلْقِيَهُ فِي الْبَحْرِ أَوْ يَحْرِقَ لِبَاسَ أَحَدِ النَّاسِ، أَوْ يَذْبَحَ شَاةً لِآخَرَ فَأَخَذَ الْمَالَ أَوْ أَلْقَاهُ أَوْ مَزَّقَ اللِّبَاسَ أَوْ ذَبَحَ الشَّاةَ فَالضَّمَانُ عَلَى الْفَاعِلِ دُونَ الْآمِرِ (رَاجِعْ الْمَادَّةَ ١٥١) .
стр. 80
فَعَلَيْهِ لَيْسَ لِإِنْسَانٍ حَقُّ الِادِّعَاءِ عَلَى آخَرَ بِأَنَّهُ أَمَرَ شَخْصًا بِإِتْلَافِ مَالِهِ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ مَا لَمْ يَكُنْ مُجْبَرًا (رَاجِعْ الْمَادَّةَ ١٠٠٧) .
أَمَّا لَوْ أَمَرَ إنْسَانٌ آخَرَ بِإِتْلَافِ مَالِ إنْسَانٍ وَالْمَأْمُورُ لَا يَعْلَمُ إلَّا أَنَّهُ مَالُ الْآمِرِ وَأَنَّ الْأَمْرَ صَحِيحٌ فَيَحِقُّ لِلْمَأْمُورِ بَعْدَ أَنْ يَضْمَنَ الْمَالَ الْمُتْلَفَ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى الْآمِرِ بِتَقْرِيرِهِ إيَّاهُ.
كَذَلِكَ لَوْ أَمَرَ إنْسَانٌ مَدِينَهُ بِأَنْ يُلْقِيَ الدَّيْنَ الْمَطْلُوبَ لَهُ مِنْهُ فِي الْبَحْرِ فَبِمَا أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَمْ يَكُنْ مُضَافًا لِمَالٍ يَمْلِكُهُ الْآمِرُ فَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ فَإِذَا أَلْقَى الْمَأْمُورُ بِالْمِقْدَارِ الَّذِي يُسَاوِي الدَّيْنَ إلَى الْبَحْرِ فَيَكُونُ قَدْ غَرَّرَ بِنَفْسِهِ وَأَضَاعَ الْمَبْلَغَ الْمُلْقَى عَلَى نَفْسِهِ.
كَذَلِكَ لَوْ أَمَرَ إنْسَانٌ بَنَّاءً بِفَتْحِ بَابٍ فِي حَائِطٍ وَفَعَلَ الرَّجُلُ ثُمَّ عَلِمَ بِأَنَّ الْحَائِطَ لَيْسَتْ لِلْآمِرِ فَالضَّمَانُ عَلَى الْمَأْمُورِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى الْآمِرِ.
أَمَّا إذَا قَالَ الْآمِرُ: افْتَحْ لِي بَابًا فِي حَائِطِي أَوْ كَانَ سَاكِنًا فِي الْبَيْتِ الَّذِي فِيهِ الْحَائِطُ وَقَالَ افْتَحْ بَابًا فِي هَذِهِ الْحَائِطِ فَلِلْبَنَّاءِ أَنْ يَرْجِعَ بِالضَّمَانِ عَلَى الْآمِرِ.
كَذَا لَوْ أَمَرَ رَجُلٌ وَلَدَهُ بِأَنْ يُتْلِفَ مَالَ إنْسَانٍ وَأَتْلَفَهُ فَالضَّمَانُ يَتَرَتَّبُ بِحَقِّ الْمُتْلِفِ وَلَا يَتَرَتَّبُ بِحَقِّ الْأَبِ الْآمِرِ وَخُلَاصَةُ الْقَوْلِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي بُطْلَانِ الْأَمْرِ:
١ - أَنْ يَكُونَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ ٢ - أَنْ لَا يَكُونَ وِلَايَةً لِلْآمِرِ فَإِذَا أَمَرَ إنْسَانٌ آخَرَ بِأَنْ يَتَصَرَّفَ فِيمَا يَمْلِكُهُ مِنْ مَالِ أَوْ غَيْرِهِ فَأَمْرُهُ صَحِيحٌ فَلَوْ نَدِمَ الْآمِرُ عَلَى أَمْرِهِ وَطَلَبَ تَضْمِينَ الْمَأْمُورِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ
[ (الْمَادَّةُ ٩٦) لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِلَا إذْنِهِ]
(الْمَادَّةُ ٩٦) :
لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِلَا إذْنِهِ هَذِهِ الْمَادَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الْفِقْهِيَّةِ (لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ التَّصَرُّفُ فِي مَالِ غَيْرِهِ بِلَا إذْنِهِ وَلَا وِلَايَتِهِ) الْوَارِدَةِ فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ. فَعَلَيْهِ إذَا أَرَادَ شَخْصٌ أَنْ يَبْنِيَ بِنَاءً مُحَاذِيًا لِحَائِطِ بِنَاءِ إنْسَانٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ حَائِطَ ذَلِكَ الشَّخْصِ بِدُونِ إذْنِهِ حَتَّى وَلَوْ أَذِنَهُ صَاحِبُ الْحَائِطِ فَلَهُ بَعْدَئِذٍ حَقُّ الرُّجُوعِ عَنْ إذْنِهِ.
كَذَلِكَ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَدْخُلَ دَارَ الْآخَرِ أَوْ مَزْرَعَتَهُ الْمُسَيَّجَةَ بِدُونِ إذْنِهِ؛ لِأَنَّهُ بِدُخُولِهِ الدَّارَ أَوْ الْمَزْرَعَةَ يَكُونُ قَدْ اسْتَعْمَلَهَا.
كَذَلِكَ لَيْسَ لِأَحَدِ الشُّرَكَاءِ أَنْ يَرْكَبَ الْحَيَوَانَ الْمُشْتَرَكَ أَوْ أَنْ يُحَمِّلَهُ مَتَاعًا بِدُونِ إذْنِ الشَّرِيكِ الْآخَرِ فَإِذَا رَكِبَهُ أَوْ حَمَّلَهُ وَتَلِفَ يَكُونُ ضَامِنًا حِصَّةَ الشَّرِيكِ.
كَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ حَائِطٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَاتَّفَقَا عَلَى نَقْضِهَا وَأَرَادَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَزِيدَ ارْتِفَاعَهَا عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْلًا فَيَحِقُّ لِلشَّرِيكِ أَنْ يَمْنَعَهُ عَنْ ذَلِكَ.
стр. 81
فَعَدَمُ جَوَازِ فَتْحِ بَابٍ عَلَى طَرِيقٍ خَاصٍّ مِنْ شَخْصٍ لَيْسَ لَهُ حَقُّ الْمُرُورِ بِتِلْكَ الطَّرِيقِ وَاشْتِرَاطُ كَوْنِ الْبَائِعِ وَالْمُؤَجِّرِ وَالْوَاهِبِ وَالْمُصَالِحِ مَالِكًا لِذَلِكَ الْمَالِ أَوْ وَكِيلًا عَنْ صَاحِبِهِ أَوْ وَصِيًّا عَلَيْهِ أَوْ وَلِيًّا لِنَفَاذِ الْبَيْعِ، وَالْإِجَارَةُ وَالْهِبَةُ وَالصُّلْحُ عَنْ الْمَالِ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُتَفَرِّعَةِ عَنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ (رَاجِعْ الْمَوَادَّ ١٢١٩ و ٣٦٥ و ٤٤٦ و ٨٥٧ و ١٥٤٦ و ١٠٧٥) قَدْ ذُكِرَ بِهَذِهِ الْمَادَّةِ قَيْدٌ وَهُوَ (عَدَمُ الْإِذْنِ) ؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ فِي مِلْكِ الْإِنْسَانِ بِإِذْنِهِ جَائِزٌ.
وَالْإِذْنُ إمَّا أَنْ يَكُونَ صَرَاحَةً وَهُوَ كَمَا مَرَّ مَعَنَا فِي الْمَادَّةِ (٩٥) وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ دَلَالَةً وَهُوَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْمَادَّتَيْنِ (١٠٧٨ و ١٠٧٩) .
فَالْإِذْنُ صَرَاحَةً هُوَ كَاَلَّذِي يَحْصُلُ فِي تَوْكِيلِ إنْسَانٍ آخَرَ لَأَنْ يَشْتَغِلَ فِي إحْدَى الْخُصُوصَاتِ الَّتِي يُمْكِنُ لِلْمُوَكِّلِ الْقِيَامُ بِهَا كَتَوْكِيلِ إنْسَانٍ آخَرَ لَأَنْ يَبِيعَ لَهُ مَالًا أَوْ أَنْ يُؤَجِّرَ لَهُ عَقَارًا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
أَمَّا الْإِذْنُ دَلَالَةً فَهُوَ كَذَبْحِ الرَّاعِي شَاةً مُشْرِفَةً عَلَى الْهَلَاكِ فَالرَّاعِي وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا صَرَاحَةً فَقَدْ اُعْتُبِرَ اسْتِحْسَانًا مَأْذُونًا.
أَمَّا لَوْ كَانَ ذَابِحُ الشَّاةِ غَيْرَ الرَّاعِي فَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ فَالْبَعْضُ مِنْهُمْ يَقُولُ بِعَدَمِ ضَمَانِ الذَّابِحِ؛ لِأَنَّهُ يُعَدُّ كَالرَّاعِي مَأْذُونًا وَالْبَعْضُ قَالَ بِوُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ.
قَدْ مَرَّ مَعَنَا فِي شَرْحِ هَذِهِ الْمَادَّةِ بِأَنَّ (لِلْوَلِيِّ وَالْوَصِيِّ حَقَّ التَّصَرُّفِ بِلَا إذْنِ الشَّخْصِ الَّذِي هُوَ تَحْتَ وِلَايَتِهِ أَوْ وِصَايَتِهِ) ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْوَلِيِّ وَالْوَصِيِّ كَمَا وَرَدَ فِي الْمَادَّتَيْنِ (٣٦٥ و ٦٣٧) .
نَافِذٌ فَإِذَا شَبَّتْ النَّارُ فِي دَارٍ مَثَلًا فَلِإِمَامِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَأْمُرَ بِهَدْمِ الدُّورِ الَّتِي فِي جَانِبِهَا مَنْعًا لِسَرَيَانِ النَّارِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ لِلْإِمَامِ وِلَايَةٌ عَامَّةٌ فَأَمْرُهُ صَحِيحٌ وَمَشْرُوعٌ.
أَمَّا إذَا وَجَدَ ضَرُورَةً فَيَجُوزُ لِكُلِّ إنْسَانٍ التَّصَرُّفُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِدُونِ إذْنِهِ كَمَا لَوْ سَقَطَ رِدَاءُ شَخْصٍ عَلَى دَارِ جَارِهِ وَخَافَ مِنْ الْجَارِ أَنْ يُخْفِيَهُ فَلِصَاحِبِ الرِّدَاءِ دُخُولُ الدَّارِ بِدُونِ إذْنِ صَاحِبِهَا وَإِنْ عُدَّ ذَلِكَ مِنْهُ تَصَرُّفًا فِيمَا لَيْسَ لَهُ فِيهِ حَقٌّ فَقَدْ جُوِّزَ لِلضَّرُورَةِ (رَاجِعْ الْمَادَّةَ ٢٧) .
وَإِلَيْك فِيمَا يَلِي بَعْضُ الْأَمْثِلَةِ عَلَى الْإِذْنِ بِالدَّلَالَةِ:
إذَا مَرِضَ الْوَلَدُ أَوْ الْوَالِدُ فَلِلْوَالِدِ أَوْ الْوَلَدِ أَنْ يَصْرِفَ بِدُونِ إذْنِ الْمَرِيضِ مِنْ مَالِهِ لِمُدَاوَاتِهِ وَإِطْعَامِهِ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ بِمُدَاوَاةِ الْمَرِيضِ وَإِطْعَامِهِ ثَابِتٌ عَادَةً فَاحْتِيَاجُ الْمَرِيضِ لِلْمُدَاوَاةِ وَالْإِطْعَامِ بِمَنْزِلَةِ الْإِذْنِ الصَّرِيحِ.
كَذَلِكَ: إذَا خَرَجَ جَمَاعَةٌ إلَى سَفَرٍ فَمَاتَ أَحَدُهُمْ فِي الطَّرِيقِ فَلِرُفَقَائِهِ بَيْعُ أَمْتِعَتِهِ لِتَجْهِيزِهِ مِنْهَا وَتَسْلِيمِ مَا بَقِيَ إلَى وَرَثَتِهِ.
كَذَا: لَوْ أُغْمِيَ عَلَى شَخْصٍ وَهُوَ مُسَافِرٌ فَلِرُفَقَائِهِ أَنْ يُنْفِقُوا عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؛ لِأَنَّ الرَّفِيقَ فِي السَّفَرِ بِمَنْزِلَةِ الْأَهْلِ وَالْعِيَالِ.
стр. 82
[ (الْمَادَّةُ ٩٧) لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مَالَ أَحَدٍ بِلَا سَبَبٍ شَرْعِيٍّ]
(الْمَادَّةُ ٩٧) :
لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مَالَ أَحَدٍ بِلَا سَبَبٍ شَرْعِيٍّ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْمَجَامِعِ وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ «لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مَتَاعَ أَخِيهِ لَاعِبًا وَلَا جَادًّا فَإِنْ أَخَذَهُ فَلْيَرُدَّهُ» فَإِذَا أَخَذَ أَحَدٌ مَالَ الْآخَرِ بِدُونِ قَصْدِ السَّرِقَةِ هَازِلًا مَعَهُ أَوْ مُخْتَبِرًا مَبْلَغَ غَضَبِهِ فَيَكُونُ قَدْ ارْتَكَبَ الْفِعْلَ الْمُحَرَّمَ شَرْعًا؛ لِأَنَّ اللَّعِبَ فِي السَّرِقَةِ جَدٌّ فَعَلَى ذَلِكَ يَجِبُ أَنْ تُرَدَّ اللُّقَطَةُ الَّتِي تُؤْخَذُ بِقَصْدِ امْتِلَاكِهَا أَوْ الْمَالِ الَّذِي يُؤْخَذُ رِشْوَةً أَوْ سَرِقَةً أَوْ غَصْبًا لِصَاحِبِهَا عَيْنًا إذَا كَانَتْ مَوْجُودَةً وَبَدَلًا فِيمَا إذَا اُسْتُهْلِكَتْ (رَاجِعْ الْمَادَّتَيْنِ ٨٩٩ و ٨٩١) .
كَذَا لَوْ ادَّعَى إنْسَانٌ عَلَى آخَرَ بِحَقٍّ وَبَعْدَ أَنْ تَصَالَحَا ظَهَرَ بِأَنْ لَيْسَ لِلْمُدَّعِي حَقٌّ بِمَا ادَّعَى فَيَحِقُّ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ اسْتِرْدَادُ بَدَلِ الصُّلْحِ مِنْهُ.
كَمَا لَوْ صَالَحَ الْبَائِعُ الْمُشْتَرِيَ عَلَى عَيْبٍ ادَّعَاهُ فِي الْمَبِيعِ بَعْدَ أَنْ أَنْكَرَهُ هُوَ فَتَبَيَّنَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الْمَبِيعَ خَالٍ مِنْ الْعَيْبِ أَوْ كَانَ فِيهِ فَزَالَ بِنَفْسِهِ فَلِلْبَائِعِ حَقُّ اسْتِرْدَادِ بَدَلِ الصُّلْحِ مِنْ الْمُشْتَرِي.
وَهَكَذَا إذَا دَفَعَ إنْسَانٌ شَيْئًا إلَى آخَرَ غَيْرَ وَاجِبٍ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ فَلَهُ اسْتِرْدَادُهُ مَا لَمْ يَكُنْ أَعْطَاهُ إيَّاهُ عَلَى سَبِيلِ الْهِبَةِ وَوُجِدَ مَا يَمْنَعُ مِنْ رَدِّهَا.
فَإِذَا دَفَعَ إنْسَانٌ رِشْوَةً لِقَاضٍ فَنَدِمَ عَلَى إعْطَائِهِ إيَّاهَا فَلَهُ حَقُّ اسْتِرْدَادِهَا قَدْ قُيِّدَتْ هَذِهِ الْمَادَّةُ بِقَوْلِهِ (بِلَا سَبَبٍ شَرْعِيٍّ) لِأَنَّهُ بِالْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ كَالْبَيْعِ، وَالْإِجَارَةِ، وَالْهِبَةِ، وَالْكَفَالَةِ، وَالْحَوَالَةِ يَحِقُّ أَخْذُ مَالِ الْغَيْرِ، فَلَوْ بَاعَ إنْسَانٌ مَالًا بِخَمْسِينَ قِرْشًا فَلِلْمُشْتَرِي بِمُقْتَضَى الْمَادَّةِ ٣٦٩ أَخْذُ ذَلِكَ الْمَالِ كَمَا لِلْبَائِعِ أَيْضًا أَخْذُ الْخَمْسِينَ قِرْشًا.
[ (الْمَادَّةُ ٩٨) تَبَدُّلُ سَبَبِ الْمِلْكِ قَائِمٌ مَقَامَ تَبَدُّلِ الذَّاتِ]
(الْمَادَّةُ ٩٨) :
تَبَدُّلُ سَبَبِ الْمِلْكِ قَائِمٌ مَقَامَ تَبَدُّلِ الذَّاتِ.
هَذِهِ الْقَاعِدَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ قَاعِدَتَيْ (اخْتِلَافُ الْأَسْبَابِ بِمَنْزِلَةِ اخْتِلَافِ الْأَعْيَانِ) وَ (تَبَدُّلُ سَبَبِ الْمِلْكِ قَائِمٌ مَقَامَ تَبَدُّلِ الذَّاتِ) الْوَارِدَتَيْنِ فِي الْمَجَامِعِ.
وَيُفْهَمُ مِنْهَا أَنَّهُ إذَا تَبَدَّلَ سَبَبُ تَمَلُّكِ شَيْءٍ مَا وَإِنْ لَمْ يَتَبَدَّلْ هُوَ حَقِيقَةً يُعَدُّ مُتَبَدِّلًا.
فَعَلَيْهِ إذَا وَهَبَ شَخْصٌ فَرَسًا لِآخَرَ وَسَلَّمَهُ إيَّاهُ فَوَهَبَهُ الرَّجُلُ لِآخَرَ وَتَسَلَّمَهُ مِنْهُ فَعَادَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْأَخِيرُ وَتَصَدَّقَ بِالْفَرَسِ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ الْأَوَّلِ أَوْ بَاعَهُ مِنْهُ فَلَيْسَ لِلْوَاهِبِ الْأَوَّلِ أَنْ يَسْتَرِدَّ الْفَرَسَ لِاخْتِلَافِ سَبَبِ الْمِلْكِ " رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٨٦٩) ".
وَهَذِهِ حِيلَةٌ شَرْعِيَّةٌ يَتَّخِذُهَا الْمَوْهُوبُ لَهُمْ عَادَةً لِمَنْعِ الْوَاهِبِينَ مِنْ اسْتِرْدَادِ هِبَاتِهِمْ.
كَذَلِكَ يَجُوزُ زِيَادَةُ الثَّمَنِ الْمُسَمَّى بَعْدَ عَقْدِ الْبَيْعِ مِنْ الْمُشْتَرِي فِي حَيَاتِهِ وَمِنْ الْوَرَثَةِ بَعْدَ وَفَاتِهِ كَمَا سَيَجِيءُ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٢٥٥) ؛ لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ ذَلِكَ وُجُودُ الشَّيْءِ الْمَبِيعِ.
стр. 83
فَإِذَا اشْتَرَى أَحَدٌ بَغْلًا مِنْ آخَرَ مَثَلًا ثُمَّ بَاعَهُ مِنْ غَيْرِهِ ثُمَّ اشْتَرَاهُ مِنْ ذَلِكَ الشَّخْصِ فَأَرْجَعَهُ إلَى مِلْكِهِ ثَانِيَةً فَبِمَا أَنَّ رُجُوعَ الْبَغْلِ إلَى مِلْكِهِ بِسَبَبٍ غَيْرِ السَّبَبِ الْأَوَّلِ وَتَبَدُّلَ السَّبَبِ تَبَدُّلٌ لِلذَّاتِ فَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَزِيدَ فِي الثَّمَنِ الْمُسَمَّى وَلَوْ زَادَ فَزِيَادَتُهُ غَيْرُ صَحِيحَةٍ.
[ (الْمَادَّةُ ٩٩) مَنْ اسْتَعْجَلَ الشَّيْءَ قَبْلَ أَوَانِهِ عُوقِبَ بِحِرْمَانِهِ]
(الْمَادَّةُ ٩٩) :
مَنْ اسْتَعْجَلَ الشَّيْءَ قَبْلَ أَوَانِهِ عُوقِبَ بِحِرْمَانِهِ.
هَذِهِ الْقَاعِدَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ قَوَاعِدِ (مَنْ اسْتَعْجَلَ الشَّيْءَ قَبْلَ أَوَانِهِ عُوقِبَ بِحِرْمَانِهِ) وَ (مَنْ اسْتَعْجَلَ مَا أَخَّرَهُ الشَّرْعُ يُجَازَى بِرَدِّهِ) وَ (مَنْ اسْتَعْجَلَ شَيْئًا قَبْلَ أَوَانِهِ وَلَمْ تَكُنْ الْمَصْلَحَةُ فِي ثُبُوتِهِ عُوقِبَ بِحِرْمَانِهِ) الْوَارِدَةِ فِي الْأَشْبَاهِ، وَالْكِفَايَةِ، وَزَوَاهِرِ الْجَوَاهِرِ.
فَعَلَيْهِ إذَا قَتَلَ شَخْصٌ مُوَرِّثَهُ قَتْلًا يُوجِبُ الْقِصَاصَ أَوْ الْكَفَّارَةَ يُحْرَمُ مِنْ الْمِيرَاثِ؛ لِأَنَّهُ بِقَتْلِهِ مُوَرِّثَهُ تَعَجَّلَ الْوَقْتَ الَّذِي يَرِثُهُ بِهِ فَيُعَاقَبُ بِالْحِرْمَانِ فَلَا يَكُونُ وَارِثًا لِلْمُوَرِّثِ.
كَذَلِكَ لَوْ أَوْصَى شَخْصٌ لِآخَرَ بِمَالِ فَقَتَلَ الْمُوصَى لَهُ الْمُوصِيَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فَيُحْرَمُ مِنْ الْمَالِ الْمُوصَى بِهِ.
قَدْ قَيَّدْنَا الْقَتْلَ الَّذِي يُوجِبُ الْحِرْمَانَ مِنْ الْإِرْثِ بِاَلَّذِي يُوجِبُ الْقِصَاصَ أَوْ الْكَفَّارَةَ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ الَّذِي لَا يُوجِبُ ذَلِكَ غَيْرُ مَانِعٍ مِنْ الْمِيرَاثِ فَالْقَتْلُ الَّذِي يُوقِعُهُ الصَّبِيُّ أَوْ الْمَجْنُونُ وَالْقَتْلُ بِسَبَبٍ وَقَتْلُ الزَّوْجَةِ أَوْ إحْدَى الْمَحَارِمِ مِنْ ذَوَاتِ الرَّحِمِ بِسَبَبِ الزِّنَا فَلَا تُوجِبُ الْحِرْمَانَ مِنْ الْإِرْثِ.
هَذَا وَقَدْ جَاءَ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ (الْمَقْتُولُ مَيِّتٌ بِأَجَلِهِ أَيْ الْوَقْتِ الْمُقَدَّرِ لِمَوْتِهِ) فَكَانَ مِنْ الْوَاجِبِ نَظَرًا إلَى هَذِهِ الْقَضِيَّةِ الْمَشْهُورَةِ أَلَّا يُعَدَّ قَتْلُ الْمُوَرِّثِ أَوْ الْمُوصِي فَرْعًا لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ.
وَلَكِنْ بِمَا أَنَّ إجْرَاءَ الْعِقَابِ وَالْقِصَاصِ وَأَمْثَالِهِ فِي حَقِّ الْقَاتِلِ إنَّمَا لِارْتِكَابِهِ الْأَمْرَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ وَإِقْدَامِهِ عَلَى الْفِعْلِ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ الْمَوْتُ عَادَةً فَذَلِكَ أَمْرٌ تَعَبُّدِيٌّ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالشُّئُونِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ.
(مُسْتَثْنَيَاتُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ)
يُوجَدُ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ بَعْضُ الْمُسْتَثْنَيَاتِ:
مِنْهَا لَوْ قَتَلَ الدَّائِنُ مَدِينَهُ الَّذِي تَأَجَّلَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ إلَى سَنَةٍ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ فَيَحِلُّ الْأَجَلُ بِمَوْتِ الْمَدِينِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ لِلْقَاتِلِ حَالًا اسْتِيفَاءُ دَيْنِهِ مِنْ تَرِكَةِ الْمَقْتُولِ.
[ (الْمَادَّةُ ١٠٠) مَنْ سَعَى فِي نَقْضِ مَا تَمَّ مِنْ جِهَتِهِ فَسَعْيُهُ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ]
(الْمَادَّةُ ١٠٠) :
مَنْ سَعَى فِي نَقْضِ مَا تَمَّ مِنْ جِهَتِهِ فَسَعْيُهُ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ.
هَذِهِ الْقَاعِدَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْأَشْبَاهِ.
وَيُفْهَمُ مِنْهَا أَنَّهُ إذَا عَمِلَ شَخْصٌ عَلَى نَقْضِ مَا أَجْرَاهُ وَتَمَّ مِنْ جِهَتِهِ فَلَا اعْتِبَارَ لِعَمَلِهِ.
стр. 84
مِثَالٌ: لَوْ بَاعَ إنْسَانٌ مَالَهُ مِنْ آخَرَ فَادَّعَى أَحَدُهُمَا بِأَنَّهُ قَدْ جَرَى فُضُولًا وَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ وَالنَّفَاذِ حَتَّى وَلَوْ جَاءَ رَجُلٌ وَادَّعَى بِأَنَّهُ بَاعَ الْمَالَ بِدُونِ إذْنِهِ وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً.
كَذَلِكَ لَوْ بَاعَ رَجُلٌ مَالًا مِنْ آخَرَ وَجَاءَ رَجُلٌ فَكَفَلَهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَطْلُوبِ فِي الْمَادَّةِ (٦١٦) فَلَا يُقْبَلُ ادِّعَاؤُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمِلْكِيَّةِ ذَلِكَ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ لَمَّا كَانَتْ مَشْرُوطَةً فِي عَقْدِ الْبَيْعِ وَالْبَيْعُ لَا يَتِمُّ إلَّا بِهَا فَادِّعَاءُ الْكَفِيلِ بِمِلْكِيَّتِهِ لِلْمَالِ نَقْضٌ لِمَا تَمَّ مِنْ جِهَتِهِ فَهُوَ غَيْرُ مَقْبُولٍ مِنْهُ.
كَذَلِكَ لَوْ رَهَنَ شَخْصٌ مَالًا لِآخَرَ وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَقَرَّ بِأَنَّ الْمَالَ الْمَرْهُونَ هُوَ لِفُلَانٍ فَإِقْرَارُهُ هَذَا وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُصَدَّقٍ بِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ فَهُوَ مُلْزَمٌ بِهِ بَعْدَ أَدَائِهِ الدَّيْنَ وَاسْتِرْدَادِهِ الرُّهُونَ.
كَذَلِكَ إذَا طَلَبَ شَخْصٌ وَدِيعَةً مِنْ الْمُسْتَوْدَعِ مُدَّعِيًا أَنَّهُ وَكِيلُ الْمُسْتَوْدِعِ بِالْقَبْضِ فَإِذَا سَلَّمَهُ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ فَلَيْسَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ اسْتِرْدَادُهَا مِنْهُ بِدَاعِي أَنَّهُ لَمْ يُثْبِتْ وَكَالَتَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ نَقْضَ مَا تَمَّ مِنْ جِهَتِهِ.
كَذَلِكَ لَوْ بَاعَ الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ الْمُحْتَمِلُ الْبُلُوغَ أَوْ اشْتَرَى وَاعْتَرَفَ بِالْبُلُوغِ ثُمَّ ادَّعَى عَدَمَ الْبُلُوغِ فَلَا يُلْتَفَتُ لِادِّعَائِهِ وَيَنْفُذُ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ.
(مُسْتَثْنَيَاتُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ) لَوْ بَاعَ وَالِدُ الصَّغِيرِ أَوْ مُتَوَلِّي الْوَقْفِ أَوْ وَصِيُّ التَّرِكَةِ مَالَ الصَّغِيرِ أَوْ مَالَ الْوَقْفِ أَوْ مَالَ التَّرِكَةِ مِنْ آخَرَ وَادَّعَى أَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ يُقْبَلُ ادِّعَاؤُهُ وَيُنْقَضُ الْبَيْعُ الْمَذْكُورُ عِنْدَ ثُبُوتِ ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ وَالِدُ الصَّغِيرِ مَثَلًا بِأَنَّ الْبَيْعَ قَدْ وَقَعَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ فَلَا يَحِقُّ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَدَّعِيَ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَنَاقُضٌ مَانِعٌ مِنْ سَمَاعِ الدَّعْوَى (رَاجِعْ الْمَادَّةَ ٩٧) .
كَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى أَحَدُ الْمُبَايِعَيْنِ بَعْدَ وُقُوعِ الْبَيْعِ بِوُجُودِ فَسَادِ مَا فِي الْبَيْعِ وَهُوَ غَيْرُ عَالِمٍ بِهِ حِينَ الْبَيْعِ فَكَمَا أَنَّ ادِّعَاءَهُ يَكُونُ مَقْبُولًا فَلَوْ ادَّعَى شَخْصٌ اشْتَرَى شَيْئًا وَقَبَضَهُ بِأَنَّ الْبَائِعَ كَانَ قَدْ بَاعَ الشَّيْءَ الْمَذْكُورَ مِنْ شَخْصٍ غَيْرَهُ غَائِبٍ قَبْلَ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْهُ فَيُقْبَلُ مِنْهُ الِادِّعَاءُ وَالْإِثْبَاتُ أَيْضًا.
كَذَلِكَ يُقْبَلُ ادِّعَاءُ الْمُشْتَرِي بِعَقَارٍ بِأَنَّ الْبَائِعَ قَبْلَ بَيْعِهِ مِنْهُ كَانَ اتَّخَذَهُ مَسْجِدًا أَوْ مَقْبَرَةً أَوْ أَنَّ الْبَائِعَ وَقَفَهُ عَلَى مَسْجِدٍ مِنْ الْمَسَاجِدِ وَيُنْقَضُ الْبَيْعُ بَعْدَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ.
стр. 85
[الْكِتَابُ الْأَوَّلُ الْبُيُوعُ]
ُ يَنْقَسِمُ إلَى مُقَدِّمَةٍ وَسَبْعَةِ أَبْوَابٍ
(كِتَابٌ) لُغَةً بِمَعْنَى الْكِتَابَةِ وَاصْطِلَاحًا هُوَ جَمْعُ الْمَسَائِلِ الْمُسْتَقِلَّةِ (بَحْرٌ)
تَقْدِيمُ الْبَيْعِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ كَالْإِجَارَةِ، وَالْكَفَالَةِ، وَالْحَوَالَةِ وَغَيْرِهَا إنَّمَا هُوَ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِ، بُيُوعٌ جَمْعُ - بَيْعٍ، وَهُوَ مِنْ الْأَضْدَادِ. فَإِذَا قِيلَ (قَدْ بَاعَ فُلَانٌ الشَّيْءَ الْفُلَانِيَّ) فَكَمَا يُفْهَمُ أَنَّهُ أَخْرَجَ ذَلِكَ الْمَالَ مِنْ مِلْكِهِ يُفْهَمُ أَيْضًا أَنَّهُ أَدْخَلَهُ إلَى مِلْكِهِ. إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ اسْتِعْمَالُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ فِي الْمَعْنَى الْأَوَّلِ هُوَ الْغَالِبُ أَصْبَحَتْ لَا تُحْمَلُ إلَّا عَلَيْهِ. تَرِدُ كَلِمَةُ (الْبَيْعِ) بِمَعْنَى (مَبِيعٍ) حَمْلًا عَلَى اسْمِ الْمَفْعُولِ
وَلَكِنْ بِمَا أَنَّ لِلْمَبِيعِ أَنْوَاعًا مُخْتَلِفَةً (مَنْقُولٌ، وَعَقَارٌ، وَحَيَوَانٌ، وَمَكِيلٌ، وَمَوْزُونٌ) وَغَيْرُهُ فَقَدْ جَاءَتْ هُنَا بِصِيغَةِ الْجَمْعِ.
وَتَرِدُ عَلَى أَصْلِهَا بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ وَتُجْمَعُ حِينَئِذٍ بِالنِّسْبَةِ لِأَنْوَاعِ الْبَيْعِ.
فَالْبَيْعُ بِاعْتِبَارِ نَفْسِهِ نَافِذٌ وَمَوْقُوفٌ وَفَاسِدٌ وَبَاطِلٌ أَمَّا بِاعْتِبَارِ الْمَبِيعِ (فَمُقَايَضَةٌ، سَلَمٌ، صَرْفٌ وَمُطْلَقٌ) وَبِاعْتِبَارِ الثَّمَنِ (مُرَابَحَةٌ، تَوْلِيَةٌ، وَضِيعَةٌ، وَمُسَاوَمَةٌ) . وَسَنَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ عَلَى بَيَانِ ذَلِكَ كُلِّهِ بِالتَّفْصِيلِ.
مَشْرُوعِيَّةُ الْبَيْعِ - إنَّ مَشْرُوعِيَّةَ الْبَيْعِ ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَالْإِجْمَاعِ.
فَقَدْ وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وَالنَّبِيُّ ﷺ قَدْ بَاشَرَ الْبَيْعَ بِنَفْسِهِ وَشَاهَدَ النَّاسَ يَتَعَاطَوْنَ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ فَأَقَرَّهُمْ وَلَمْ يَنْهَاهُمْ عَنْهُ وَقَدْ أَجْمَعَ الْأَئِمَّةُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْبَيْعِ وَأَنَّهُ أَحَدُ أَسْبَابِ التَّمَلُّكِ. وَقِيلَ: إنَّ أَفْضَلَ الْكَسْبِ التِّجَارَةُ.
стр. 86
[مُقَدِّمَةٌ فِي بَيَانِ الِاصْطِلَاحَاتِ الْفِقْهِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْبُيُوعِ]
ِ الِاصْطِلَاحُ: لُغَةً الِاتِّفَاقُ، وَاصْطِلَاحًا: هُوَ إخْرَاجُ طَائِفَةٍ مِنْ النَّاسِ مُعَيَّنَةٍ لَفْظًا مِنْ الْأَلْفَاظِ عَنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ وَوَضْعُهُ لِمَعْنًى آخَرَ وَتَخْصِيصُهُ بِهِ.
وَذَلِكَ كَوَضْعِ الْفُقَهَاءِ كَلِمَةَ (الْإِيجَابِ) لِلْمَعْنَى الْوَارِدِ فِي الْمَادَّةِ (١٠١) وَكَلِمَةَ الْبَيْعِ لِلْمَعْنَى الْوَارِدِ فِي الْمَادَّةِ (١٠٥) وَكَلِمَةَ الْإِجَارَةِ لِلْمَعْنَى الْوَارِدِ فِي الْمَادَّةِ (٤٠٥) .
فَكَلِمَةُ الْإِيجَابِ مَثَلًا مَعْنَاهَا اللُّغَوِيُّ: الْإِثْبَاتُ فَاصْطَلَحَ الْفُقَهَاءُ عَلَى اسْتِعْمَالِهَا (لِأَوَّلِ كَلَامٍ يَصْدُرُ مِنْ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ) كَمَا سَيَجِيءُ فِي الْمَادَّةِ التَّالِيَةِ:
(الْمَادَّةُ ١٠١) الْإِيجَابُ أَوَّلُ كَلَامٍ يَصْدُرُ مِنْ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ لِأَجْلِ إنْشَاءِ التَّصَرُّفِ وَبِهِ يُوجَبُ وَيَثْبُتُ التَّصَرُّفُ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقَعَ الْكَلَامُ مِنْ الْبَائِعِ أَوْ يَقَعَ مِنْ الْمُشْتَرِي فَإِذَا قَالَ الْبَائِعُ: قَدْ بِعْتُكَ هَذَا الْمَتَاعَ وَالْمُشْتَرِي قَالَ: اشْتَرَيْتُهُ، أَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتُ مِنْكَ هَذَا الْمَتَاعَ بِكَذَا، فَقَالَ الْبَائِعُ: وَأَنَا قَدْ بِعْتُكَ إيَّاهُ، فَكَمَا أَنَّ كَلَامَ الْبَائِعِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى إيجَابٌ وَفِي الثَّانِيَةِ قَبُولٌ فَكَلَامُ الْمُشْتَرِي فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ إيجَابٌ وَفِي الْأُولَى قَبُولٌ أَيْضًا.
وَيُفْهَمُ مِنْ عِبَارَةِ (لِإِنْشَاءِ التَّصَرُّفِ) الْوَارِدَةِ فِي التَّعْرِيفِ أَنَّ الْإِيجَابَ لَا يَحْصُلُ بِصِيغَةِ الْإِخْبَارِ رَاجِعْ الْمَادَّةَ (١٦٨) .
الْإِيجَابُ: لُغَةً الْإِثْبَاتُ الَّذِي هُوَ نَقِيضُ السَّلْبِ وَلَقَدْ سُمِّيَ الْإِيجَابُ إيجَابًا لِكَوْنِ الْمُوجَبِ بِإِيجَابِهِ يُثْبِتُ لِلْآخَرِ حَقَّ الْقَبُولِ.
يُسْتَفَادُ مِمَّا مَرَّ مَعَنَا فِي التَّفْصِيلَاتِ الْآنِفَةِ أَنَّ الْوُجُوبَ الْمَذْكُورَ هُنَا لَيْسَ بِالْوُجُوبِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي يَأْثَمُ تَارِكُهُ.
هَذَا وَيَنْطَبِقُ تَعْرِيفُ الْإِيجَابِ الْوَارِدُ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ عَلَى الْإِيجَابِ فِي عَقْدِ الْإِجَارَةِ وَالْهِبَةِ وَغَيْرِهَا إذَا هُوَ جُرِّدَ مِنْ بَعْضِ الْقُيُودِ الَّتِي اقْتَضَاهَا الْمَقَامُ فِي شَرْحِ هَذِهِ الْمَادَّةِ.
стр. 87
قَدْ يَعْتَرِضُ الْبَعْضُ عَلَى تَعْرِيفِ الْإِيجَابِ الْوَارِدِ هُنَا قَائِلًا:
١ - يُسْتَدَلُّ مِنْ كَلِمَةِ (ثَانِي كَلَامٍ) الْوَارِدَةِ فِي الْمَادَّةِ الْآتِيَةِ مَادَّةِ (١٠٢) بِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِي كَلِمَةِ (أَوَّلِ كَلَامٍ) الْوَارِدَةِ فِي الْمَادَّةِ هَذِهِ هُوَ وُجُوبُ تَقْدِيمِ الْإِيجَابِ عَلَى الْقَبُولِ وَلَمَّا كَانَ الْبَيْعُ كَمَا سَيَجِيءُ فِي الْمَادَّةِ (١٦٧) يَنْعَقِدُ إذَا صَدَرَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ مَعًا فِي آنٍ وَاحِدٍ فَالتَّعْرِيفُ هَذَا غَيْرُ جَامِعٍ لِأَفْرَادِهِ.
٢ - وَذَكَرَ فِي التَّعْرِيفِ أَنَّهُ (كَلَامٌ) (أَيْ الْإِيجَابُ) وَالْحَالُ أَنَّهُ كَذَلِكَ يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِالتَّعَاطِي أَيْضًا كَمَا جَاءَ فِي الْمَادَّةِ (١١٥) وَفِي التَّعَاطِي لَا يُسْتَعْمَلُ كَلَامٌ فَعَلَى ذَلِكَ لَا يَكُونُ تَعْرِيفُ الْإِيجَابِ الْوَارِدُ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ وَتَعْرِيفُ الْقَبُولِ الَّذِي سَيَأْتِي فِي الْمَادَّةِ التَّالِيَةِ جَامِعَيْنِ لِأَفْرَادِهِمَا أَيْضًا.
٣ - بِمَا أَنَّ كَلِمَةَ (بِعْت، وَاشْتَرَيْت) مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمَوْضُوعَةِ لِلْإِخْبَارِ وَلَيْسَتْ مِنْ أَلْفَاظِ الْإِنْشَاءِ فَكَيْفَ يَنْشَأُ بِهِمَا عَقْدُ الْبَيْعِ.
فَجَوَابُ ذَلِكَ كَمَا يَأْتِي: جَوَابُ الْأَوَّلِ: لَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ وَعَدَمِهِ إذَا صَدَرَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ مَعًا وَلَمْ يَتَقَدَّمْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَالْبَعْضُ مِنْهُمْ يَقُولُ بِانْعِقَادِهِ وَالْبَعْضُ الْآخَرُ يَقُولُ بِعَدَمِ الِانْعِقَادِ (مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ، الدُّرُّ الْمُنْتَقَى، الْبَحْرُ) وَالْمَجَلَّةُ وَإِنْ لَمْ تَذْكُرْ مَا يُفِيدُ تَرْجِيحَهَا أَحَدَ الْقَوْلَيْنِ فَكَلِمَةُ (أَوَّلُ) فِي الْمَادَّةِ (١٠١) وَكَلِمَةُ ثَانِي فِي الْمَادَّةِ (١٠٢) يُسْتَدَلُّ مِنْهُمَا بِأَنَّهَا اخْتَارَتْ الْقَوْلَ الثَّانِيَ أَيْ عَدَمَ الصِّحَّةِ فَلَيْسَ بِذَلِكَ مِنْ مَأْخَذٍ يُؤْخَذُ عَلَيْهَا.
جَوَابُ الثَّانِي: أَجَلْ إنَّ الْإِيجَابَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْبَيْعِ الَّذِي يَحْصُلُ بِالْقَوْلِ أَمَّا فِي الْبَيْعِ الَّذِي يَنْعَقِدُ بِالْفِعْلِ فَلَيْسَ ثَمَّةَ إيجَابٌ فِيهِ وَإِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ مَعْرِفَةِ الثَّمَنِ تَعَاطٍ لَيْسَ إلَّا.
جَوَابُ الثَّالِثِ: أَمَّا كَلِمَتَا (بِعْت، وَاشْتَرَيْت) وَإِنْ كَانَتَا بِحَسَبِ الْوَضْعِ الْأَصْلِيِّ لِلْإِخْبَارِ فَقَدْ اسْتَعْمَلَهَا الشَّرْعُ بِمَعْنَى الْإِنْشَاءِ فَأَصْبَحَتْ مِنْ أَلْفَاظِ الْإِنْشَاءِ بِحَسَبِ الِاصْطِلَاحِ الشَّرْعِيِّ، فَإِذَا قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: قَدْ بِعْتُك مَالِي، وَقَالَ الْآخَرُ: قَدْ اشْتَرَيْت فَلَا يَكُونُ مَعْنَى ذَلِكَ إخْبَارًا بِبَيْعٍ وَقَعَ قَبْلًا بَلْ إنْشَاءً لِعَقْدِ بَيْعٍ فِي ذَلِكَ الْمَالِ مُجَدَّدًا؛ لِأَنَّ صِيَغَ الْعُقُودِ لَا تَدُلُّ عَلَى زَمَنٍ. هَذَا وَإِنَّ كَلِمَتَيْ بِعْتُ وَاشْتَرَيْتُ كَثِيرٌ مَا يُرَادُ بِهِمَا الْإِخْبَارُ فَمَتَى أُرِيدَ بِهِمَا هَذَا الْمَعْنَى فَلَا يَنْعَقِدُ بِهِمَا بَيْعٌ فَلَوْ سَأَلَ شَخْصٌ آخَرَ قَائِلًا: مَا فَعَلْت بِفَرَسِك فَأَجَابَهُ بِعْته مِنْ زَيْدٍ، فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ: قَدْ اشْتَرَيْتُهُ مِنْك فَلَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أُرِيدَ بِكَلِمَةِ " بِعْتُ " هُنَا الْإِخْبَارُ لَيْسَ إلَّا، كَمَا يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ مِنْ سِيَاقِ الْكَلَامِ.
[ (الْمَادَّةُ ١٠٢) الْقَبُولُ]
(الْمَادَّةُ ١٠٢) الْقَبُولُ ثَانِي كَلَامٍ يَصْدُرُ مِنْ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ لِأَجْلِ إنْشَاءِ التَّصَرُّفِ وَبِهِ يَتِمُّ الْعَقْدُ.
أَيْ أَنَّ كُلَّ كَلَامٍ جَاءَ بَعْدَ الْإِيجَابِ لِإِنْشَاءِ التَّصَرُّفِ وَبِقَصْدِ إتْمَامِ الْعَقْدِ سُمِّيَ قَبُولًا وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ أَكَانَ الْمُشْتَرِي هُوَ الْمُتَكَلِّمُ أَمْ كَانَ الْبَائِعُ فَلَوْ قَالَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي: بِعْتُك مَالِي هَذَا بِكَذَا قِرْشًا
стр. 88
فَقَالَ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتُهُ، أَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي: بِعْتَ مَالَكَ الْفُلَانِيَّ بِكَذَا -، فَقَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُهُ لَكَ، فَكَمَا أَنَّ كَلَامَ الْمُشْتَرِي فِي الصُّورَةِ الْأُولَى قَبُولٌ فَكَلَامُ الْبَائِعِ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ قَبُولٌ أَيْضًا.
[ (الْمَادَّةُ ١٠٣) الْعَقْدُ]
(الْمَادَّةُ ١٠٣) الْعَقْدُ الْتِزَامُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَتَعَهُّدُهُمَا أَمْرًا وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ ارْتِبَاطِ الْإِيجَابِ بِالْقَبُولِ.
يُقَالُ عَقَدَ الْبَيْعَ كَمَا يُقَالُ عَقَدَ الْحَبْلَ.
وَالْمُرَادُ بِالْعَقْدِ هُنَا الِانْعِقَادُ فَعَقْدُ الْبَيْعِ مَثَلًا الْمُرَادُ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ يُقْصَدُ بِهِ الْتِزَامُ وَتَعَهُّدُ كُلٍّ مِنْ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي بِالْمُبَادَلَةِ الْمَالِيَّةِ.
[ (الْمَادَّةُ ١٠٤) الِانْعِقَادُ]
(الْمَادَّةُ ١٠٤) الِانْعِقَادُ تَعَلُّقُ كُلٍّ مِنْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ بِالْآخَرِ عَلَى وَجْهٍ مَشْرُوعٍ يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي مُتَعَلَّقِهِمَا.
فَمُتَعَلَّقُ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ هُوَ الْبَيْعُ الَّذِي يَكُونُ مَوْجُودًا وَمَقْدُورَ التَّسْلِيمِ وَمَالًا مُتَقَوِّمًا مَعَ الثَّمَنِ.
وَالْأَثَرُ: هُوَ أَنْ يُصْبِحَ الْبَائِعُ مَالِكًا لِلثَّمَنِ وَالْمُشْتَرِي مَالِكًا لِلْمَبِيعِ.
وَالِانْعِقَادُ: يَخْتَصُّ بِالْبَيْعِ الصَّحِيحِ مُطْلَقًا وَبِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ بَعْدَ حُصُولِ الْقَبْضِ أَمَّا الْبَيْعُ الْبَاطِلُ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ انْعِقَادٌ (رَاجِعْ الْمَوَادَّ ٣٦٩ و ٣٧٠ و ٣٧١) وَسَنَأْتِي فِي الْمَادَّةِ (٣٦١) عَلَى الصُّورَةِ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا الْبَيْعُ مُنْعَقِدًا.
[ (الْمَادَّةُ ١٠٥) الْبَيْعُ مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ]
(الْمَادَّةُ ١٠٥) الْبَيْعُ: مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالِ وَيَكُونُ مُنْعَقِدًا وَغَيْرَ مُنْعَقِدٍ.
يَعْنِي أَنَّ الْبَيْعَ هُوَ تَمْلِيكُ مَالٍ مُقَابِلَ مَالٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ وَيُقْسَمُ بِاعْتِبَارِهِ مُطْلَقًا إلَى بَيْعٍ مُنْعَقِدٍ وَغَيْرِ مُنْعَقِدٍ.
وَهَذَا التَّعْرِيفُ كَمَا أَنَّهُ تَعْرِيفٌ لِلْبَيْعِ فَهُوَ تَعْرِيفٌ لِلشِّرَاءِ أَيْضًا وَكَمَا أَنَّهُ يَنْطَبِقُ عَلَى الْبَيْعِ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ فَهُوَ مُنْطَبِقٌ عَلَى الشِّرَاءِ مِنْ كُلِّ وُجُوهِهِ أَيْضًا.
هَذَا إلَّا أَنَّ بِقَوْلِهِ " مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ " تَخْرُجُ الْإِجَارَةُ وَالنِّكَاحُ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ كَمَا سَيَجِيءُ فِي الْمَادَّةِ (٤٠٥) هِيَ (بَدَلُ الْمَنْفَعَةِ) وَالنِّكَاحُ هُوَ (مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْبُضْعِ) أَبُو السُّعُودِ. وَتَخْرُجُ الْهِبَةُ وَالْإِعَارَةُ أَيْضًا.
أَمَّا بِقَوْلِهِ (عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ) الْوَارِدِ فِي الشَّرْحِ فَيَخْرُجُ أَيْضًا التَّبَرُّعُ وَالْهِبَةُ بِشَرْطِ الْعِوَضِ. فَالْوَجْهُ الْمَخْصُوصُ لِلْبَيْعِ هُوَ اسْتِعْمَالُ كَلِمَةِ (بِعْتُ وَاشْتَرَيْتُ) أَوْ التَّعَاطِي.
مِثَالُ ذَلِكَ: لَوْ وَهَبَ شَخْصٌ آخَرَ مَالًا وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ وَالْمَوْهُوبُ لَهُ وَهَبَ ذَلِكَ الْوَاهِبَ مَالًا آخَرَ غَيْرَهُ وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ أَيْضًا فَلَا
стр. 89
يُعَدُّ ذَلِكَ بَيْعًا وَيَخْرُجُ عَنْ تَعْرِيفِ الْبَيْعِ وَإِنْ كَانَ هُنَالِكَ مُبَادَلَةَ مَالٍ بِمَالٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَعْمِلْ فِي الْعَقْدِ الْمَذْكُورِ كَلِمَتَيْ (بِعْتُ وَاشْتَرَيْتُ) الْمُخْتَصَّتَيْنِ بِالْبَيْعِ.
وَلَرُبَّ قَائِلٍ يَقُولُ:
١ - قَدْ اُشْتُرِطَ الرِّضَاءُ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ [النساء: ٢٩] وَجَاءَ تَعْرِيفُ الْبَيْعِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ الْفِقْهِيَّةِ بِأَنَّهُ (مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ بِالرِّضَاءِ) فَتَعْرِيفُ الْمَجَلَّةِ غَيْرُ مَانِعٍ لِأَغْيَارِهِ إذْ يَدْخُلُ بِهِ بَيْعُ الْمُكْرَهِ.
٢ - بِمَا أَنَّ بَعْضَ الْكُتُبِ الْفِقْهِيَّةِ بِتَعْرِيفِهَا الْبَيْعَ (أَنَّهُ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ مُفِيدٍ) قَدْ قَيَّدْتُهُ بِكَلِمَةِ (مُفِيدٍ) إخْرَاجًا لِلْبَيْعِ غَيْرِ الْمُفِيدِ وَهُوَ الَّذِي يَقَعُ فِي مُبَادَلَةِ مَالَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ وَزْنًا وَصِفَةً كَمُبَادَلَةِ دِرْهَمَيْنِ فِضَّةً بِدِرْهَمَيْنِ فِضَّةً مُسَاوِيَيْنِ بَعْضُهُمَا الْبَعْضَ وَزْنًا، وَعِيَارًا، وَوَصْفًا وَالْمَنْفَعَةُ فِي الْبَيْعِ شَرْطٌ وَالْبَيْعُ غَيْرُ الْمُفِيدِ يَكُونُ فَاسِدًا فَتَعْرِيفُ الْمَجَلَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ هَذَا الْمُقَيِّدَ كَانَ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ أَيْضًا غَيْرُ مَانِعٍ لِأَغْيَارِهِ.
٣ - بِمَا أَنَّ تَقْسِيمَ الْبَيْعِ الْوَارِدَ فِي تَعْرِيفِ الْمَجَلَّةِ (وَهُوَ تَقْسِيمُ الْبَيْعِ إلَى مُنْعَقِدٍ وَغَيْرِ مُنْعَقِدٍ) هُوَ تَقْسِيمٌ لِلْبَيْعِ الْمُعَرَّفِ (بِأَنَّهُ مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ) كَمَا يُفْهَمُ مِنْ سِيَاقِ الْكَلَامِ.
وَذَلِكَ (كَتَقْسِيمِ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ وَإِلَى قَسِيمِهِ) أَيْ نَقِيضِهِ وَبَيْعُ الْمَيْتَةِ وَبَيْعُ الْحُرِّ لَيْسَ فِيهِمَا مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ؛ لِأَنَّ الْمَيْتَةَ وَالْحُرَّ لَا يُعَدَّانِ مَالًا فَيَكُونُ الْبَيْعُ الْمُقَسَّمُ لَيْسَ مِنْ أَفْرَادِ الْبَيْعِ الْمُعَرَّفِ بَلْ هُوَ مِنْ أَغْيَارِهِ.
فَالتَّعْرِيفُ الْمَذْكُورُ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ غَيْرُ صَحِيحٍ.
فَجَوَابُ ذَلِكَ كَمَا يَلِي: جَوَابُ الْأَوَّلِ: بِمَا أَنَّ بَيْعَ الْمُكْرَهِ هُوَ بَيْعٌ فَاسِدٌ وَالْبَيْعُ الْفَاسِدُ يَدْخُلُ فِي التَّعْرِيفِ بِطَبْعِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَقْسَامِ الْبَيْعِ فَلَمْ تَرَ الْمَجَلَّةُ لُزُومًا لِلْإِتْيَانِ بِقَيْدِ الرِّضَا لِلْإِحَاطَةِ بِأَفْرَادِ الْبَيْعِ.
جَوَابُ الثَّانِي: وَبِمَا أَنَّ الْبَيْعَ غَيْرَ الْمُفِيدِ هُوَ مِنْ أَقْسَامِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ أَيْضًا فَلَا لُزُومَ لِإِضَافَةِ قَيْدِ (مُفِيدٍ) الْمَذْكُورِ حَتَّى يَكُونَ التَّعْرِيفُ جَامِعًا لِأَفْرَادِهِ.
جَوَابُ الِاعْتِرَاضِ الثَّالِثِ: إنَّ التَّقْسِيمَ الْوَارِدَ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ لَا يُقْصَدُ بِهِ تَقْسِيمُ الْبَيْعِ الْمُعَرَّفِ بِهَا بَلْ إنَّمَا هُوَ تَقْسِيمٌ لِمُطْلَقِ الْبَيْعِ الَّذِي هُوَ مُبَادَلَةُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ وَيُقَالُ عَنْهُ فِي اللُّغَةِ بَيْعًا. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مَالًا أَوْ غَيْرَ مَالٍ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠] وَقَوْلِهِ ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١] الدُّرُّ الْمُخْتَارُ وَرَدُّ الْمُحْتَارِ.
[ (الْمَادَّةُ ١٠٦) الْبَيْعُ الْمُنْعَقِدُ]
(الْمَادَّةُ ١٠٦) الْبَيْعُ الْمُنْعَقِدُ هُوَ الْبَيْعُ الَّذِي يَنْعَقِدُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ وَيَنْقَسِمُ إلَى صَحِيحٍ، وَفَاسِدٍ، وَنَافِذٍ، وَمَوْقُوفٍ.
وَلِهَذِهِ الْأَقْسَامِ تَعَارِيفُ جَاءَتْ فِي الْمَادَّةِ (١٠٨) وَمَا يَلِيهَا عَلَى أَنَّهَا قَدْ تَتَدَاخَلُ بِبَعْضِهَا فَإِنَّهُ وَإِنْ
стр. 90
وُجِدَ تَبَايُنٌ بَيْنَ الْبَيْعِ الصَّحِيحِ وَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَبَيْنَ النَّافِذِ وَبَيْنَ الْمَوْقُوفِ فَلَيْسَ مِنْ تَبَايُنٍ بَيْنَ النَّافِذِ وَبَيْنَ الْفَاسِدِ وَبَيْنَ الصَّحِيحِ وَالنَّافِذِ وَيُمْكِنُ اجْتِمَاعُهَا وَتَدَاخُلُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ.
وَعَلَى ذَلِكَ يُسْتَفَادُ أَنَّ التَّقْسِيمَ الْوَارِدَ هُنَا اعْتِبَارِيٌّ لَا حَقِيقِيٌّ.
[ (الْمَادَّةُ ١٠٧) الْبَيْعُ غَيْرُ الْمُنْعَقِدِ]
(الْمَادَّةُ ١٠٧) الْبَيْعُ غَيْرُ الْمُنْعَقِدِ هُوَ الْبَيْعُ الْبَاطِلُ.
إنَّ كَلِمَةَ الْبَيْعِ غَيْرِ الْمُنْعَقِدِ مُرَادِفَةٌ لِكَلِمَةِ الْبَيْعِ الْبَاطِلِ فَكِلْتَاهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ.
وَقَدْ عَرَّفَتْ الْمَادَّةُ (١١٠) الْبَيْعَ الْبَاطِلَ بِأَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ أَصْلًا.
[ (الْمَادَّةُ ١٠٨) الْبَيْعُ الصَّحِيحُ]
(الْمَادَّةُ ١٠٨) الْبَيْعُ الصَّحِيحُ هُوَ الْبَيْعُ الْجَائِزُ وَهُوَ الْبَيْعُ الْمَشْرُوعُ أَصْلًا وَوَصْفًا.
فَالْبَيْعُ الصَّحِيحُ يُفِيدُ الْمِلْكِيَّةَ حَتَّى قَبْلَ الْقَبْضِ رَاجِعْ الْمَادَّتَيْنِ (٢٦٢ و ٢٦٣) أَيْ بِمُجَرَّدِ حُصُولِ هَذَا الْبَيْعِ يُصْبِحُ الْمُشْتَرِي مَالِكًا لِلْمَبِيعِ كَمَا أَنَّ الْبَائِعَ يُصْبِحُ مَالِكًا لِلثَّمَنِ وَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ الْقَبْضُ.
وَقَدْ عَرَّفَتْ الْكُتُبُ الْفِقْهِيَّةُ الْبَيْعَ الصَّحِيحَ بِأَنَّهُ (مَا كَانَ مَشْرُوعًا بِأَصْلِهِ وَوَصْفِهِ) . وَعَرَّفَ عُلَمَاءُ الْأُصُولِ الصِّحَّةَ فِي الْعَقْدِ بِأَنَّهَا " وَأَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ مُوَصِّلًا لِلْمَقْصُودِ الدُّنْيَوِيِّ عَلَى الْوَجْهِ اللَّائِقِ " أَيْ بِأَنْ يَكُونَ فِي الْعِبَادَاتِ مُفْرِغًا وَمُخَلِّصًا لِلذِّمَّةِ وَفِي الْمُعَامَلَاتِ مُوَصِّلًا (لِلِاخْتِصَاصَاتِ) الشَّرْعِيَّةِ مِثْلِ الْأَغْرَاضِ الَّتِي تَتَرَتَّبُ بِالْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ.
فَتَعْرِيفُ الْأُصُولِيِّينَ هَذَا يَجْرِي حُكْمُهُ فِي الْإِجَارَةِ، وَالْكَفَالَةِ، وَالْحَوَالَةِ، وَالْهِبَةِ، وَسَائِرِ الْمُعَامَلَاتِ الشَّرْعِيَّةِ وَيَجْرِي كَذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ، وَيَدْخُلُ فِي تَعْرِيفِ الْبَيْعِ الصَّحِيحِ الْبَيْعُ النَّافِذُ وَالْبَيْعُ الْمَوْقُوفُ غَيْرُ الْفَاسِدِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَقْسَامِهِ.
أَمَّا الْبَيْعُ الْفَاسِدُ فَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْبَيْعِ بِقَيْدِ (الْمَشْرُوعُ وَصْفًا) الْوَارِدِ فِي التَّعْرِيفِ.
هَذَا وَلَمَّا كَانَ الْبَيْعُ الصَّحِيحُ يَأْتِي فِي بَعْضِ الْأَحَايِينِ بِمَعْنَى نَقِيضِ الْبَاطِلِ وَيَدْخُلُ فِيهِ حِينَئِذٍ الْبَيْعُ الْفَاسِدُ، وَالْمُرَادُ هُنَا إنَّمَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمُقَابِلُ لِلْفَاسِدِ فَقَدْ جِيءَ فِي الْمَجَلَّةِ بِقَيْدِ (الْجَائِزِ) احْتِرَازًا عَنْ الْخَطَأِ فِي التَّعْرِيفِ.
[ (الْمَادَّةُ ١٠٩) الْبَيْعُ الْفَاسِدُ]
(الْمَادَّةُ ١٠٩) الْبَيْعُ الْفَاسِدُ هُوَ الْمَشْرُوعُ أَصْلًا لَا وَصْفًا يَعْنِي أَنَّهُ يَكُونُ صَحِيحًا بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ فَاسِدًا بِاعْتِبَارِ بَعْضِ أَوْصَافِهِ الْخَارِجَةِ (رَاجِعْ الْبَابَ السَّابِعَ) .
يَكُونُ الْبَيْعُ فَاسِدًا إذَا كَانَ الْبَيْعُ أَوْ الثَّمَنُ مَجْهُولًا أَوْ كَانَ الْأَجَلُ الَّذِي سَيُدْفَعُ فِيهِ الثَّمَنُ
стр. 91
مَجْهُولًا أَوْ كَانَ شَرْطُ انْعِقَادِ الْبَيْعِ غَيْرَ مَشْرُوعٍ بِاعْتِبَارِ بَعْضِ أَوْصَافِهِ الْخَارِجَةِ، أَمَّا إذَا كَانَ الْبَيْعُ نَفْسُهُ غَيْرَ صَحِيحٍ بِاعْتِبَارِ أَوْصَافِهِ الْخَارِجَةِ فَلَا يَكُونُ فَاسِدًا بَلْ بَاطِلًا وَهَذَا الْبَيْعُ يُفِيدُ الْحُكْمَ عِنْدَ الْقَبْضِ أَيْ أَنَّهُ يَصِيرُ نَافِذًا، وَتَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي حِينَئِذٍ فِي الْبَيْعِ يَكُونُ جَائِزًا.
وَالْمُرَادُ بِالصِّحَّةِ وَالْمَشْرُوعِيَّة فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ هُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مَالًا مُتَقَوِّمًا وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِمَا جَوَازَ الْبَيْعِ وَصِحَّتَهُ إذْ أَنَّ فَسَادَهُ مَانِعٌ مِنْ صِحَّتِهِ.
وَقَدْ عَرَّفَ الْأُصُولِيُّونَ الْفَسَادَ بِأَنَّهُ (أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ مُوَصِّلًا لِلْغَايَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِاعْتِبَارِ أَرْكَانِهِ وَشَرَائِطِهِ لَا بِاعْتِبَارِ أَوْصَافِهِ الْخَارِجَةِ) وَيَشْمَلُ هَذَا التَّعْرِيفُ كُلَّ مَا هُوَ فَاسِدٌ مِنْ الْعُقُودِ كَالْإِجَارَةِ وَغَيْرِهَا (الإزميري) رَاجِعْ الْمَوَادَّ (٣٦٤ و ٢١٣ و ٢٣٧ و ٢٤٨) .
وَقَدْ يُطْلَقُ الْبَيْعُ الْفَاسِدُ عَلَى الْبَيْعِ الْبَاطِلِ أَحْيَانًا فَقَدْ جَاءَ الْفَاسِدُ فِي قَوْلِ الزَّاهِدِيِّ (إنَّ بَيْعَ الْأَبِ مَالَ الصَّغِيرِ فِي نَفْسِهِ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ فَاسِدٌ إجْمَاعًا وَكَذَا شِرَاؤُهُ مَالَهُ لِنَفْسِهِ بِذَلِكَ) بِمَعْنَى الْبَاطِلِ.
[ (الْمَادَّةُ ١١٠) الْبَيْعُ الْبَاطِلُ]
(الْمَادَّةُ ١١٠) الْبَيْعُ الْبَاطِلُ مَا لَا يَصِحُّ أَصْلًا يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَكُونُ مَشْرُوعًا أَصْلًا.
أَيْ أَنَّ هَذَا الْبَيْعَ هُوَ الْبَيْعُ غَيْرُ الصَّحِيحِ بِحَسَبِ الْأَصْلِ وَالذَّاتِ وَالصِّفَاتِ، وَلَوْ قَبَضَ الْمُشْتَرِي فِي الْبَيْعِ الْبَاطِلِ الْمَبِيعَ بِإِذْنِ الْبَائِعِ فَلَا يُصْبِحُ لَهُ مَالِكًا وَيَكُونُ كَأَمَانَةٍ عِنْدَهُ وَذَلِكَ بِعَكْسِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ كَمَا مَرَّ مَعَنَا.
أَمَّا لَوْ قَبَضَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ بِدُونِ إذْنِ الْبَائِعِ فَيُعَدُّ غَاصِبًا (رَدُّ الْمُحْتَارِ) وَقَدْ عَرَّفَ الْأُصُولِيُّونَ الْبُطْلَانَ بِأَنَّهُ (أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ بِحَالَةٍ غَيْرِ مُوَصِّلَةٍ لِلْمَقْصُودِ الدُّنْيَوِيِّ أَصْلًا) .
وَيَشْمَلُ هَذَا التَّعْرِيفُ الْبُطْلَانَ فِي جَمِيعِ الْعُقُودِ وَيَنْطَبِقُ عَلَيْهَا كُلِّهَا، وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ أَنَّهُ فَكَمَا أَنَّ الْبَيْعَ الْبَاطِلَ يَخْتَلِفُ عَنْ الْفَاسِدِ مِنْ حَيْثُ الْمَاهِيَّةُ يَخْتَلِفُ عَنْهُ أَيْضًا مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ.
[ (الْمَادَّةُ ١١١) الْبَيْعُ الْمَوْقُوفُ]
(الْمَادَّةُ ١١١) (الْبَيْعُ الْمَوْقُوفُ بَيْعٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ كَبَيْعِ الْفُضُولِيِّ) وَيُعَرَّفُ الْبَيْعُ الْمَوْقُوفُ أَنَّهُ هُوَ الْبَيْعُ الصَّحِيحُ أَصْلًا وَوَصْفًا وَاَلَّذِي يُفِيدُ الْمِلْكَ عَلَى وَجْهِ التَّوَقُّفِ.
وَهَذَا التَّعْرِيفُ بِمَا أَنَّهُ يَتَوَافَقُ بِتَعَارِيفِ الْفَاسِدِ وَالصَّحِيحِ وَالْبَاطِلِ.
السَّابِقَةِ الذِّكْرِ وَلَا يَتَنَافَرُ مَعَهَا بِشَيْءٍ وَيَتَنَاوَلُ بَيْعَ الْمُمَيِّزِ الْمَحْجُورِ فَهُوَ أَشْمَلُ مِنْ تَعْرِيفِ الْمَجَلَّةِ وَأَضْبَطُ.
هَذَا وَبِمَا أَنَّ تَعْرِيفَ الْبَيْعِ الصَّحِيحِ يَنْطَبِقُ عَلَى الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ فَالْبَيْعُ الْمَوْقُوفُ هُوَ بَيْعٌ صَحِيحٌ لَا بَيْعٌ
стр. 92
فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي الْبَيْعِ الصَّحِيحِ هُوَ أَنْ يُفِيدَ الْمِلْكِيَّةَ بِدُونِ قَبْضٍ وَالْمَوْقُوفُ يُفِيدُ الْمِلْكِيَّةَ بِدُونِ قَبْضٍ أَيْضًا.
وَانْعِقَادُ هَذَا الْبَيْعِ مَوْقُوفًا عَلَى الْإِجَازَةِ لَا يُنَافِي كَوْنَهُ صَحِيحًا كَمَا لَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الْبَيْعِ الصَّحِيحِ كَوْنُهُ مَوْقُوفًا عَلَى إسْقَاطِ الْخِيَارِ.
غَيْرَ أَنَّ هَذَا الْبَيْعَ (الْبَيْعَ الْمَوْقُوفَ) مُقَابِلٌ لِلْبَيْعِ النَّافِذِ أَيْ أَنَّهُ لَيْسَ بِبَيْعٍ نَافِذٍ.
[ (الْمَادَّةُ ١١٢) تَعْرِيف الْفُضُولِيُّ]
(الْمَادَّةُ ١١٢) الْفُضُولِيُّ: هُوَ مَنْ يَتَصَرَّفُ بِحَقِّ الْغَيْرِ بِدُونِ إذْنٍ شَرْعِيٍّ، إنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ هُوَ تَعْرِيفُ الْفُضُولِيِّ شَرْعًا أَمَّا تَعْرِيفُهُ لُغَةً فَهُوَ الَّذِي يَتَدَاخَلُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ.
وَيُقْصَدُ بِقَوْلِهِ (بِدُونِ إذْنٍ شَرْعِيٍّ) هُوَ أَلَّا يَكُونَ لَهُ وِلَايَةٌ أَوْ وِصَايَةٌ أَوْ وَكَالَةٌ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْوَلِيِّ وَالْوَصِيِّ وَالْوَكِيلِ لَا يُعَدُّ فُضُولًا.
الْفُضُولِيُّ: نِسْبَةً إلَى الْفُضُولِ، وَالْفُضُولُ جَمْعُ فَضْلٍ، وَالْفَضْلُ بِمَعْنَى الزِّيَادَةِ. وَقَدْ كَانَ الْوَاجِبُ قِيَاسًا أَنْ يُقَالَ (فَضْلِيٌّ) ؛ لِأَنَّ (يَاءَ) النِّسْبَةِ لَا تَدْخُلُ عَلَى الْجَمْعِ وَلَكِنْ قَدْ اُسْتُعْمِلَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ كَعَلَمٍ وَمُفْرَدٍ بِطَرِيقِ الْغَلَبَةِ، مِثْلُ قَوْلِهِمْ: الْأَنْصَارِيُّ وَالْأَعْرَابِيُّ وَمَا إلَى ذَلِكَ مِنْ الْأَلْفَاظِ.
قُلْنَا: إنَّ تَصَرُّفَ الْوَلِيِّ وَالْوَصِيِّ وَالْوَكِيلِ لَا يُعَدُّ فُضُولًا فَإِذَا ضَمَمْنَا إلَى ذَلِكَ تَصَرُّفَ الْإِمَامِ وَالْقَاضِي وَقَاضِي الْجَيْشِ لِمَا لَهُمْ مِنْ الْوِلَايَةِ فَنَكُونُ قَدْ فَسَّرْنَا التَّعْرِيفَ تَفْسِيرًا تَامًّا؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْإِمَامِ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأُمُورِ الْعَامَّةِ بِشَرْطِ اقْتِرَانِهِ بِالْمَنْفَعَةِ تَصَرُّفٌ نَافِذٌ وَمَشْرُوعٌ فَلَوْ أَوْقَفَ الْإِمَامُ أَرْضًا مِنْ الْأَرَاضِيِ الْأَمِيرِيَّةِ لِيَصْرِفَ رِيعَهَا فِي سَبِيلِ الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ فَتَصَرُّفُهُ نَافِذٌ وَلَا يُعَدُّ فُضُولًا.
وَكَذَلِكَ الْقَاضِي وَقَائِدُ الْجَيْشِ فَلَوْ تَصَرَّفَ الْقَاضِي بِأَمْوَالِ الْأَيْتَامِ لِتَنْمِيَتِهَا أَوْ تَصَرَّفَ الْقَائِدُ بِالْغَنَائِمِ لِتَقْسِيمِهَا فَلَا يُعَدُّ تَصَرُّفُهُمَا فُضُولًا وَيَكُونُ نَافِذًا.
[ (الْمَادَّةُ ١١٣) الْبَيْعُ النَّافِذُ]
(الْمَادَّةُ ١١٣) الْبَيْعُ النَّافِذُ بَيْعٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ وَهُوَ يَنْقَسِمُ إلَى لَازِمٍ وَغَيْرِ لَازِمٍ
الْبَيْعُ النَّافِذُ (يُفِيدُ الْحُكْمَ فِي الْحَالِ) وَذَلِكَ بِمُقْتَضَى الْمَادَّةِ (٣٧٤) .
وَالْبَيْعُ النَّافِذُ هُوَ مُقَابِلٌ لِلْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ، فَمَتَى قِيلَ: بَيْعٌ نَافِذٌ، أُرِيدَ أَنَّهُ بَيْعٌ غَيْرُ مَوْقُوفٍ.
مَعْنَى النَّفَاذِ: هُوَ تَرَتُّبُ أَثَرِ التَّصَرُّفِ فِي الْحَالِ فَالْمِلْكِيَّةُ الَّتِي هِيَ أَثَرٌ لِلْبَيْعِ تَثْبُتُ فِي الْحَالِ وَيُصْبِحُ الْمُشْتَرِي مَالِكًا لِلْبَيْعِ بِمُجَرَّدِ عَقْدِ الْبَيْعِ.
بِعَكْسِ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ فَلَا تَثْبُتُ الْمِلْكِيَّةُ إلَّا عِنْدَ الْإِجَازَةِ كَمَا لَا تَثْبُتُ الْمِلْكِيَّةُ إلَّا عِنْدَ سُقُوطِ الْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ الَّذِي يُوجَدُ فِيهِ أَحَدُ الْخِيَارَاتِ.
[ (الْمَادَّةُ ١١٤) الْبَيْعُ اللَّازِمُ]
(الْمَادَّةُ ١١٤) الْبَيْعُ اللَّازِمُ هُوَ الْبَيْعُ النَّافِذُ الْعَارِي عَنْ الْخِيَارَاتِ وَبِعِبَارَةٍ
стр. 93
أُخْرَى فَالْبَيْعُ اللَّازِمُ هُوَ الْبَيْعُ الْخَالِي مِنْ الْخِيَارَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْفُصُولِ السَّبْعَةِ مِنْ الْبَابِ السَّادِسِ لِكِتَابِ الْبُيُوعِ.
وَحُكْمُ الْبَيْعِ اللَّازِم كَمَا جَاءَ فِي الْمَادَّةِ (٣٧٥) هُوَ الْبَيْعُ الَّذِي لَا يَحِقُّ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ الرُّجُوعُ عَنْهُ بِدُونِ رِضَاءِ الْآخَرِ.
وَقَدْ عَرَّفَ الْأُصُولِيُّونَ اللُّزُومَ بِقَوْلِهِمْ (هُوَ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ رَفْعُهُ) وَفِي الْوَاقِعِ لَا يَحِقُّ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي بَيْعٍ أَوْ إجَارَةٍ أَوْ قِسْمَةٍ لَيْسَ فِيهَا خِيَارُ فَسْخِ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْعُقُودِ.
وَالْبَيْعُ اللَّازِمُ هُوَ مُقَابِلٌ لِلْبَيْعِ غَيْرِ اللَّازِمِ وَتُقْسَمُ الْعُقُودُ بِاعْتِبَارِهِ لَازِمَةٌ أَوْ غَيْرُ لَازِمَةٍ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
١ - الْعُقُودُ اللَّازِمَةُ بِحَقِّ الطَّرَفَيْنِ وَهِيَ الْعُقُودُ الْآتِيَةُ:
(١) الْبَيْعُ (٢) السَّلَمُ (٣) الْإِجَارَةُ " وَإِنْ جَازَ فَسْخُهَا بِبَعْضِ الْأَعْذَارِ " (٤) الصُّلْحُ (٥) الْحَوَالَةُ (٦) الْمُسَاقَاةُ (٧) الْوَصِيَّةُ الَّتِي تُقْبَلُ بَعْدَ وَفَاةِ الْمُوصِي (٨) النِّكَاحُ (٩) الصَّدَاقُ (أَيْ الْمَهْرُ) (١٠) الصَّدَقَةُ الْمَقْبُوضَةُ (١١) الْهِبَةُ الْمَقْبُوضَةُ الْخَالِيَةُ مِنْ الْمَوَانِعِ السَّبْعَةِ.
٢ - عَقْدُ الرَّهْنِ وَهُوَ لَازِمٌ بِحَقِّ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ دُونَ الْآخَرِ فَالْمُرْتَهِنُ لَهُ فَسْخُ عَقْدِ الرَّهْنِ وَلَوْ لَمْ يَرْضَ الرَّاهِنُ وَلَيْسَ لِلرَّاهِنِ فَسْخُ عَقْدِ الرَّهْنِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ إلَّا إذَا اشْتَرَطَ فِي الْعَقْدِ الْخِيَارَ.
٣ - الْعُقُودُ غَيْرُ اللَّازِمَةِ لِأَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ وَاَلَّتِي يَحِقُّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا فَسْخُهُمَا بِدُونِ رِضَاءِ الطَّرَفِ الثَّانِي وَهِيَ:
(١) الشَّرِكَةُ، (٢) الْوَكَالَةُ، (٣) الْعَارِيَّةُ الَّتِي تُعْطَى لِغَيْرِ الرَّهْنِ (٤) الْمُضَارَبَةُ، (٥) الْوَدِيعَةُ، (٦) الْقَضَاءُ، (٧) الْوِصَايَةُ قَبْلَ قَبُولِ الْوَصِيِّ (٨) الْوَصِيَّةُ قَبْلَ مَوْتِ الْوَصِيِّ.
[ (الْمَادَّةُ ١١٥) الْبَيْعُ غَيْرُ اللَّازِمِ]
(الْمَادَّةُ ١١٥) (الْبَيْعُ غَيْرُ اللَّازِمِ هُوَ الْبَيْعُ النَّافِذُ الَّذِي فِيهِ أَحَدُ الْخِيَارَاتِ) فَالْبَيْعُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ أَحَدُ الْخِيَارَاتِ يَحِقُّ لِصَاحِبِ الْخِيَارِ فَسْخُهُ (رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٣٧٦)) .
[ (الْمَادَّةُ ١١٦) الْخِيَارُ هُوَ كَوْنُ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ مُخَيَّرًا]
(الْمَادَّةُ ١١٦) (الْخِيَارُ كَوْنُ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ مُخَيَّرًا عَلَى مَا سَيَجِيءُ فِي بَابِهِ) .
الْخِيَارُ هُوَ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ مُخَيَّرًا بَيْنَ تَنْفِيذِ الْعَقْدِ وَبَيْنَ فَسْخِهِ وَهَذَا التَّعْرِيفُ يَشْمَلُ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْخِيَارَاتِ.
الِاخْتِيَارُ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَإِذَا كَانَ الْبَائِعُ مُخَيَّرًا بِخِيَارِ الشَّرْطِ مَثَلًا فَخِيَارُ الشَّرْطِ
стр. 94
هُنَا قَائِمٌ بِالْبَائِعِ وَبِذَلِكَ يَكُونُ الْبَائِعُ وَحْدُهُ مُقْتَدِرًا عَلَى إنْفَاذِ الْبَيْعِ أَوْ فَسْخِهِ وَلَوْ لَمْ يَرْضَ الْمُشْتَرِي كَمَا لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي هُوَ الْمُخَيَّرُ فَالْخِيَارُ يَكُونُ قَائِمًا بِهِ وَلَهُ حَقُّ إنْفَاذِ الْبَيْعِ أَوْ فَسْخِهِ بِدُونِ رِضَاءِ الْبَائِعِ وَمُوَافَقَتِهِ.
[ (الْمَادَّةُ ١١٧) الْبَيْعُ الْبَاتُّ هُوَ الْبَيْعُ الْقَطْعِيُّ]
(الْمَادَّةُ ١١٧) (الْبَيْعُ الْبَاتُّ هُوَ الْبَيْعُ الْقَطْعِيُّ) يُسْتَعْمَلُ هَذَا الْبَيْعُ تَارَةً عَلَى أَنَّهُ مُقَابِلٌ لِلْبَيْعِ بِالْوَفَاءِ وَأُخْرَى عَلَى أَنَّهُ مُقَابِلٌ لِلْبَيْعِ بِالْخِيَارِ.
فَاسْتُعْمِلَ فِي الْبَزَّازِيَّةُ عِنْدَ قَوْلِهَا (هَلَاكُ الْمَبِيعِ بَاتًّا أَوْ بِخِيَارِ الشَّرْطِ فِي يَدِ الْبَائِعِ.) عَلَى أَنَّهُ مُقَابِلٌ لِلْبَيْعِ بِالْخِيَارِ وَفِي رَدِّ الْمُحْتَارِ قُبَيْلَ بَابِ الْكَفَالَةِ حَيْثُ يَقُولُ (ادَّعَى الْبَائِعُ وَفَاءً وَالْمُشْتَرِي بَاتًّا أَوْ عَكْسًا فَالْقَوْلُ لِمُدَّعِي الْبَاتِّ) قَدْ اُسْتُعْمِلَ عَلَى أَنَّهُ مُقَابِلٌ لِبَيْعِ الْوَفَاءِ.
أَمَّا فِي الْمَجَلَّةِ فَقَدْ جَاءَ عَلَى أَنَّهُ مُقَابِلٌ لِلْبَيْعِ بِالْوَفَاءِ (اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ١٦٥٨) . (وَالْبَتُّ) مَأْخُوذٌ مِنْ مَصْدَرِ (بَتَّ) وَهُوَ بِمَعْنَى الْقَطْعِ فَيُقَالُ: بَتَّ فُلَانٌ الشَّيْءَ إذَا قَطَعَهُ.
[ (الْمَادَّةُ ١١٨) بَيْعُ الْوَفَاءِ]
(الْمَادَّةُ ١١٨) بَيْعُ الْوَفَاءِ هُوَ الْبَيْعُ بِشَرْطِ أَنَّ الْبَائِعَ مَتَى رَدَّ الثَّمَنَ يَرُدُّ الْمُشْتَرِي إلَيْهِ الْمَبِيعَ وَهُوَ فِي حُكْمِ الْبَيْعِ الْجَائِزِ بِالنَّظَرِ إلَى انْتِفَاعِ الْمُشْتَرِي بِهِ وَفِي حُكْمِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ بِالنَّظَرِ إلَى كَوْنِ كُلٍّ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ مُقْتَدِرًا عَلَى الْفَسْخِ وَفِي حُكْمِ الرَّهْنِ بِالنَّظَرِ إلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَقْدِرُ عَلَى بَيْعِهِ إلَى الْغَيْرِ.
إنَّ بَيْعَ الْوَفَاءِ يُشْبِهُ الْبَيْعَ الصَّحِيحَ مِنْ جِهَةٍ وَالْبَيْعَ الْفَاسِدَ مِنْ جِهَةٍ وَعَقْدَ الرَّهْنِ مِنْ جِهَةٍ.
فَيُشْبِهُ الْبَيْعَ الصَّحِيحَ؛ لِأَنَّ لِلْمُشْتَرِي حَقَّ الِانْتِفَاعِ بِالْمَبِيعِ كَمَا هُوَ الْحَالُ فِي الْبَيْعِ الصَّحِيحِ وَلَهُ أَيْضًا فِي حَالَةِ وُقُوعِ الْبَيْعِ بِشَرْطِ الِاسْتِغْلَالِ أَنْ يُؤَجِّرَ الْمَبِيعَ بَعْدَ قَبْضِهِ لِلْبَائِعِ.
وَهُنَا يَتَبَايَنُ حُكْمُ هَذَا الْبَيْعِ وَحُكْمُ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ تَوْفِيقًا لِلْمَادَّةِ (٧٥٠) أَنْ يَنْتَفِعَ بِالْمَرْهُونِ كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ تَأْجِيرُهُ لِلرَّاهِنِ فَإِذَا أَجَّرَهُ فَالْإِجَارَةُ بَاطِلَةٌ وَلَهُ حَقُّ اسْتِرْدَادِ الْمَرْهُونِ مِنْ الرَّاهِنِ.
وَيُشْبِهُ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ؛ لِأَنَّ لِلْفَرِيقَيْنِ بِمُقْتَضَى الْمَادَّةِ (٣٩٦) حَقَّ فَسْخِهِ وَفِي الْبَيْعِ الصَّحِيحِ اللَّازِمِ لَيْسَ لِأَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ حَقُّ فَسْخِ الْبَيْعِ بِدُونِ رِضَاءِ الْفَرِيقِ الْآخَرِ.
وَلِهَذَا فَقَدْ كَانَ حُكْمُ بَيْعِ الْوَفَاءِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ حُكْمُ الْفَاسِدِ.
وَيُشْبِهُ الرَّهْنَ (١) لِأَنَّهُ لَا يَحِقُّ فِيهِ لِلْمُشْتَرِي بَيْعُ الْمَبِيعِ لِآخَرَ (٢) لِأَنَّهُ لَا يَحِقُّ لَهُ أَنْ يَرْهَنَهُ (٣) لِأَنَّهُ يَكُونُ بَعْدَ وَفَاةِ الْبَائِعِ أَحَقُّ بِهِ مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ (٤) لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ وُجُودُ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فِي الْمُحَاكَمَةِ عِنْدَ ادِّعَاءِ شَخْصٍ بِالْمَبِيعِ رَاجِعْ الْمَادَّةَ ١٦٣٧ (٥) لِأَنَّ وَرَثَةَ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ تَقُومُ مَقَامَهُ بَعْدَ الْوَفَاةِ فِي أَحْكَامِ هَذَا الْبَيْعِ (٦) لِأَنَّ الشُّفْعَةَ لَا تَجْرِي فِي هَذَا الْبَيْعِ (٧) لِأَنَّ حَقَّ الشُّفْعَةِ فِي الْعَقَارِ
стр. 95
الْمُجَاوِرِ لِلْمَبِيعِ بَيْعَ وَفَاءٍ لِلْبَائِعِ وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي (٨) لِعَدَمِ تَمَامِهِ بِدُونِ تَسْلِيمٍ (٩) لِلُزُومِ نَفَقَاتِ تَعْمِيرِ الْمَبِيعِ بَيْعًا وَفَائِيًّا لِلْبَائِعِ.
كُلُّ هَذِهِ الْأَحْكَامِ مُنَافِيَةٌ لَأَنْ يَكُونَ بَيْعُ الْوَفَاءِ بَيْعًا صَحِيحًا (اُنْظُرْ مَادَّتَيْ ٧٠٦ و ٧٢٤)
وَعَلَيْهِ فَلَوْ بَاعَ شَخْصٌ دَارِهِ بَيْعًا وَفَائِيًّا لِدَائِنِهِ مُقَابِلَ دَيْنِهِ وَاحْتَرَقَتْ الدَّارُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَالتَّسْلِيمِ فَطَالَبَ الدَّائِنُ الْمَدِينَ بِالدَّيْنِ فَلَيْسَ لِلْمَدِينِ بِدَاعِي سُقُوطِهِ اسْتِنَادًا عَلَى الْمَادَّةِ (٣٩٩) حَقُّ الِامْتِنَاعِ عَنْ دَفْعِهِ.
كَذَلِكَ لَوْ تُوُفِّيَ الْمَدِينُ قَبْلَ تَسْلِيمِ الْمَالِ الْمُبَاعِ مِنْ قِبَلِهِ وَفَاءً لِلْمُشْتَرِي فَيَحِقُّ لِغَيْرِهِ مِنْ غُرَمَاءِ الْمَدِينِ فِي حَالِ زِيَادَةِ الدَّيْنِ الَّذِي بِذِمَّتِهِ عَنْ التَّرِكَةِ الْمُخَلَّفَةِ عِنْدَ إدْخَالِ الدَّارِ الْمَذْكُورَةِ فِي التَّرِكَةِ وَاقْتِسَامِهَا مَعَ الْمُشْتَرِي بِصِفَتِهِ أَحَدُ الدَّائِنِينَ وَلَا يُلْتَفَتُ فِي ذَلِكَ إلَى حُكْمِ الْمَادَّةِ (٧٢٩) وَالْحَاصِلُ أَنَّ بَيْعَ الْوَفَاءِ وَإِنْ وُجِدَ فِيهِ تِسْعَةُ أَقْوَالٍ فَأَرْجَحُهَا الْقَوْلُ الَّذِي اتَّبَعَتْهُ الْمَجَلَّةُ فِي قَوْلِهَا " وَهُوَ فِي حُكْمِ الْبَيْعِ الْجَائِزِ بِالنَّظَرِ إلَى انْتِفَاعِ الْمُشْتَرِي بِهِ وَفِي حُكْمِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ بِالنَّظَرِ إلَى كَوْنِ كُلٍّ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ مُقْتَدِرًا عَلَى الْفَسْخِ وَفِي حُكْمِ الرَّهْنِ بِالنَّظَرِ إلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَقْدِرُ عَلَى بَيْعِهِ إلَى الْغَيْرِ ".
وَلَكِنْ عَلَى كُلٍّ فَوَجْهُ الشَّبَهِ فِيهِ بِالرَّهْنِ أَبْيَنُ وَأَرْجَحُ كَمَا تَبَيَّنَ مِمَّا مَرَّ مَعَنَا مِنْ التَّفْصِيلَاتِ أَمَّا حُكْمُ الْبَيْعِ الصَّحِيحِ وَحُكْمُ الْفَاسِدِ وَحُكْمُ الرَّهْنِ فَقَدْ جَاءَتْ فِي الْمَوَادِّ (٣٦٩، ٣٧٢، ٨٢٩) مِنْ الْمَجَلَّةِ.
هَذَا وَقَدْ ذَكَرَتْ الْمَجَلَّةُ فِي الْبَيْعِ بِالْوَفَاءِ الْمَبِيعَ بِصُورَةٍ مُطْلَقَةٍ، وَجَاءَ فِي الْمَتْنِ التُّرْكِيِّ (الْمَالُ) بَدَلًا مِنْ الْمَبِيعِ عَلَى أَنَّ الْفُقَهَاءَ وَإِنْ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِهِ فِي الْعَقَارِ فَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِهِ فِي الْمَنْقُولِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِالْجَوَازِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُجِزْهُ وَقَدْ أَفْتَى كَثِيرُونَ مِنْ شُيُوخِ الْمُسْلِمِينَ بِعَدَمِ جَوَازِهِ.
وَنَحْنُ نَرَى أَنَّ الْمَجَلَّةَ ذَكَرَتْ الْمَالَ بِصُورَةٍ مُطْلَقَةٍ وَبِمَا أَنَّ هَذَا الْبَيْعَ هُوَ بِحُكْمِ الرَّهْنِ وَالرَّهْنُ جَائِزٌ فِي الْمَنْقُولَاتِ، جَوَازَ بَيْعِ الْوَفَاءِ فِي الْمَالِ الْمَنْقُولِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْبَيْعَ فِي الْغَالِبِ إنَّمَا يَجْرِي بَيْنَ النَّاسِ فِي الْمَنْقُولِ فَقَطْ.
وَقَدْ قَصَدَ بِكَلِمَةِ (الْمَالُ) الْوَارِدَةِ فِي الْمَتْنِ التُّرْكِيِّ بَدَلًا مِنْ كَلِمَةِ، الْمَبِيعِ، الَّتِي جَاءَتْ فِي مَتْنِ الْمَجَلَّةِ الْعَرَبِيّ الِاحْتِرَازَ مِنْ الْمُسْتَغَلَّاتِ الْمَوْقُوفَةِ وَالْأَرَاضِيِ الْأَمِيرِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجْرِي فِيهَا الْبَيْعُ بِالْوَفَاءِ، وَالْفَرَاغُ بِالْوَفَاءِ الَّذِي يَجْرِي فِيهِمَا يَفْتَرِقُ عَنْ الْبَيْعِ بِالْوَفَاءِ اسْمًا وَحُكْمًا.
[ (الْمَادَّةُ ١١٩) بَيْعُ الِاسْتِغْلَالِ]
(الْمَادَّةُ ١١٩) (بَيْعُ الِاسْتِغْلَالِ هُوَ بَيْعُ وَفَاءٍ عَلَى أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ الْبَائِعُ) وَبِعِبَارَةٍ أَوْضَحَ إنَّ بَيْعَ الِاسْتِغْلَالِ هُوَ بَيْعُ الْوَفَاءِ الَّذِي يُشْتَرَطُ فِيهِ اسْتِئْجَارُ الْبَائِعِ الْمَبِيعَ مِنْ الْمُشْتَرِي.
стр. 96
يُفْهَمُ مِنْ هَذَا (بِأَنَّ بَيْعَ الِاسْتِغْلَالِ مُرَكَّبٌ مِنْ بَيْعِ وَفَاءٍ وَعَقْدِ إجَارَةٍ) فَتَاوَى أَبُو السُّعُودِ فِي الْبَيْعِ.
مِثَالٌ: فَلَوْ بَاعَ شَخْصٌ دَارِهِ الْمَمْلُوكَةَ لَهُ لِآخَرَ بِعَشَرَةِ آلَافِ قِرْشٍ عَلَى أَنْ يَرُدَّهَا لَهُ عِنْدَ إعَادَةِ الثَّمَنِ وَعَلَى أَنْ يُؤَجِّرَهَا لَهُ وَبَعْدَ إخْلَاءِ الدَّارِ وَتَسْلِيمِهَا لِلْمُشْتَرِي اسْتَأْجَرَهَا الْبَائِعُ مِنْ الْمُشْتَرِي بِأَلْفِ قِرْشٍ لِمُدَّةِ سَنَةٍ فَهَذَا الْبَيْعُ هُوَ بَيْعُ اسْتِغْلَالٍ وَالْأَلْفُ قِرْشٍ غَلَّةُ الْبَيْعِ هِيَ الْفَائِدَةُ الَّتِي تَعُودُ عَلَى الْمُشْتَرِي مِنْ الْمَبِيعِ.
وَلَمَّا كَانَتْ الْمَجَلَّةُ لَمْ تَذْكُرْ شَيْئًا مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ أَلْبَتَّةَ وَبِمَا أَنَّ مَسَائِلَ الِاسْتِغْلَالِ تَتَعَلَّقُ بِالْإِجَارَةِ مُبَاشَرَةً فَقَدْ عَزَمْنَا عَلَى ذِكْرِ بَعْضِ الْمَسَائِلِ عَنْهَا فِي شَرْحِ كِتَابِ الْإِجَارَةِ.
[ (الْمَادَّةُ ١٢٠) الْبَيْعُ بِاعْتِبَارِ الْمَبِيعِ يَنْقَسِمُ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ]
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: بَيْعُ الْمَالِ بِالثَّمَنِ وَبِمَا أَنَّ هَذَا الْقِسْمَ أَشْهَرُ الْبُيُوعِ يُسَمَّى بِالْبَيْعِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: هُوَ الصَّرْفُ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: بَيْعُ الْمُقَايَضَةِ.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: السَّلَمُ) .
إنَّ الْبَيْعَ يُقْسَمُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ بَيْعٌ مُطْلَقٌ إلَى قِسْمَيْنِ كَمَا مَرَّ مَعَنَا فِي الْمَادَّةِ (١٠٥) وَيُقْسَمُ بِاعْتِبَارِ الْمَبِيعِ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي مَتْنِ هَذِهِ الْمَادَّةِ. وَتَعَارِيفُ هَذِهِ الْبُيُوعِ سَتَأْتِي فِي الْمَوَادِّ الْآتِيَةِ.
(الْمَادَّةُ ١٢١) (الصَّرْفُ بَيْعُ النَّقْدِ بِالنَّقْدِ) يَعْنِي أَنَّ بَيْعَ الصَّرْفِ هُوَ بَيْعُ الذَّهَبِ الْمَسْكُوكِ أَوْ غَيْرِ الْمَسْكُوكِ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَالْفِضَّةِ بِذَهَبٍ أَوْ مِثْلِهَا فِضَّةً.
فَلَوْ أَعْطَى شَخْصٌ آخَرَ جُنَيْهًا مِصْرِيًّا أَوْ لِيرَةً عُثْمَانِيَّةً وَأَخَذَ مِنْهُ مُقَابِلَهَا نُقُودًا فِضِّيَّةً أَوْ نُقُودًا ذَهَبِيَّةً مِنْ (أَجْزَاءِ اللِّيرَةِ) فَذَلِكَ الْبَيْعُ هُوَ بَيْعُ الصَّرْفِ.
وَأَحْكَامُ بَيْعِ الصَّرْفِ وَمَسَائِلُهُ الْمَخْصُوصَةُ قَدْ وَرَدَتْ فِي الْكُتُبِ الْفِقْهِيَّةِ أَمَّا الْمَجَلَّةُ فَلَمْ تَأْتِ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا.
(الْمَادَّةُ ١٢٢) (بَيْعُ الْمُقَايَضَةِ بَيْعُ الْعَيْنِ بِالْعَيْنِ أَيْ مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ غَيْرِ النَّقْدَيْنِ)
يُفْهَمُ مِنْ هَذَا التَّعْرِيفِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمُقَايَضَةِ (١) أَلَّا يَكُونَ الْمَالَيْنِ نَقْدًا؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الِاثْنَانِ نَقْدَيْنِ فَالْبَيْعُ صَرْفٌ وَإِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا نَقْدًا فَالْبَيْعُ يَكُونُ هُوَ الْبَيْعَ الْمَشْهُورَ.
(٢) أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْ الْمَالَيْنِ عَيْنًا. كَمُبَادَلَةِ فَرَسٍ مُعَيَّنٍ بِفَرَسٍ مُعَيَّنٍ وَإِلَّا فَبَيْعُ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ بِآخَرَ غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَأَنْ يَبِيعَ شَخْصٌ
стр. 97
فَرَسًا مُعَيَّنًا بِخَمْسِينَ كَيْلَةً مِنْ الْحِنْطَةِ دَيْنًا لَا يُعَدُّ مُقَايَضَةً بَلْ يَكُونُ بَيْعًا مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ أَقْسَامِ الْبَيْعِ الَّتِي جَاءَ ذِكْرُهَا فِي الْمَادَّةِ (١٢٠) .
(الْمَادَّةُ ١٢٣) (بَيْعُ السَّلَمِ مُؤَجَّلٌ بِمُعَجَّلٍ) وَبِعِبَارَةٍ أَوْضَحَ هُوَ الْبَيْعُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الثَّمَنُ مُعَجَّلًا وَاسْتِلَامُ الْمَبِيعِ مُؤَجَّلًا. وَهُوَ بِعَكْسِ الْبَيْعِ الْمُؤَجَّلِ فَالْبَيْعُ الْمُؤَجَّلُ هُوَ الَّذِي فِيهِ يَكُونُ الْمَبِيعُ مُعَجَّلًا وَالثَّمَنُ مُؤَجَّلًا.
فَيُقَالُ فِي هَذَا الْبَيْعِ لِلْمُشْتَرِي (صَاحِبُ الدَّرَاهِمِ) (رَبُّ السَّلَمِ) (وَمُسَلِّمٌ) بِكَسْرِ اللَّامِ مَعَ تَشْدِيدِهَا وَلِلْبَائِعِ (مُسَلَّمٌ إلَيْهِ) وَلِلثَّمَنِ (رَأْسُ مَالِ السَّلَمِ) وَلِلْمَالِ الْمُبَاعِ (مُسْلَمٌ فِيهِ) - رَدُّ الْمُحْتَارِ فِي السَّلَمِ.
وَكَمَا يَجُوزُ فِي السَّلَمِ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ نَقْدًا يَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ مَالًا قِيَمِيًّا أَوْ مِثْلِيًّا.
هَذَا وَالْبَيْعُ كَمَا مَرَّ مَعَنَا بِالنِّسْبَةِ إلَى تَسْمِيَةِ الْبَدَلِ يُقْسَمُ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
(١) - الْمُسَاوَمَةُ (٢) - الْمُرَابَحَةُ (٣) - التَّوْلِيَةُ (٤) - الْوَضِيعَةُ.
بَيْعُ الْمُسَاوَمَةِ - هُوَ الَّذِي يَقَعُ بِاتِّفَاقٍ مِنْ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي عَلَى الثَّمَنِ بِدُونِ أَنْ يَذْكُرَ الْبَائِعُ الثَّمَنَ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ ذَلِكَ الْمَالَ كَأَنْ يَبِيعَ أَحَدٌ لِآخَرَ ثَوْبَ قُمَاشٍ بِمِائَةِ قِرْشٍ بِدُونِ أَنْ يَذْكُرَ لِلْمُشْتَرِي الْقِيمَةَ الَّتِي كَانَ دَفَعَهَا ثَمَنًا لِذَلِكَ الْقُمَاشِ.
بَيْعُ الْمُرَابَحَةِ - هُوَ الْبَيْعُ الَّذِي يَقَعُ بَعْدَ بَيَانِ الْبَائِعِ ثَمَنَ الْمَبِيعِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ عَلَى رِبْحٍ مَعْلُومٍ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ الثَّمَنِ وَذَلِكَ كَأَنْ يَقُولَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي: قَدْ كَلَّفَنِي هَذَا الْمَالُ مِائَةَ قِرْشٍ فَأَبِيعُهُ لَك بِمِائَةٍ وَعَشْرَةِ قُرُوشٍ.
بَيْعُ التَّوْلِيَةِ - هُوَ الْبَيْعُ الَّذِي يَقَعُ بَعْدَ بَيَانِ الْبَائِعِ ثَمَنَ الْمَبِيعِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ بِدُونِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ عَلَى ذَلِكَ الثَّمَنِ وَذَلِكَ كَمَا لَوْ اشْتَرَى أَحَدٌ مَالًا بِعَشْرِ ذَهَبَاتٍ فَبَاعَهُ مِنْ آخَرَ بِعَشْرٍ أَيْضًا.
بَيْعُ الْوَضِيعَةِ - هُوَ الَّذِي يَقَعُ بِنَقْصٍ فِي ثَمَنِ الْمَبِيعِ عَمَّا اشْتَرَاهُ بِهِ الْبَائِعُ. وَذَلِكَ كَأَنْ يَشْتَرِيَ شَخْصٌ مَالًا بِعَشْرَةِ جُنَيْهَاتٍ فَيَبِيعَهُ بِسَبْعَةٍ.
[ (الْمَادَّةُ ١٢٤) عَقْدُ الِاسْتِصْنَاعُ]
(الْمَادَّةُ ١٢٤) " الِاسْتِصْنَاعُ عَقْدُ مُقَاوَلَةٍ مَعَ أَهْلِ الصَّنْعَةِ عَلَى أَنْ يَعْمَلُوا شَيْئًا فَالْعَامِلُ صَانِعٌ وَالْمُشْتَرِي مُسْتَصْنِعٌ وَالشَّيْءُ مَصْنُوعٌ ". الِاسْتِصْنَاعُ: لُغَةً طَلَبُ الْعَمَلِ وَتَعْرِيفُهُ الْوَارِدُ فِي الْمَجَلَّةِ هُوَ التَّعْرِيفُ الشَّرْعِيُّ لَهُ وَشُرُوطُهُ أَنْ
стр. 98
يَكُونَ الْعَمَلُ وَالْعَيْنُ مِنْ الصَّانِعِ وَإِلَّا فَإِذَا كَانَتْ الْعَيْنُ مِنْ الْمُسْتَصْنِعِ فَهُوَ عَقْدُ إجَارَةٍ (اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ٤٢١)
مِثَالٌ: إذَا قَاوَلَ شَخْصٌ خَيَّاطًا عَلَى صُنْعِ جُبَّةٍ، وَقُمَاشُهَا وَكُلُّ لَوَازِمِهَا مِنْ الْخَيَّاطِ فَيَكُونُ قَدْ اسْتَصْنَعَهُ تِلْكَ الْجُبَّةَ وَذَلِكَ هُوَ الَّذِي يُدْعَى بِالِاسْتِصْنَاعِ.
أَمَّا لَوْ كَانَ الْقُمَاشُ مِنْ الْمُسْتَصْنِعِ وَقَاوَلَهُ عَلَى صُنْعِهَا فَقَطْ فَيَكُونُ قَدْ اسْتَأْجَرَهُ وَالْعَقْدُ حِينَئِذٍ عَقْدُ إجَارَةٍ لَا عَقْدَ اسْتِصْنَاعٍ.
[ (الْمَادَّةُ ١٢٥) الْمِلْكُ مَا مَلَكَهُ الْإِنْسَانُ]
(الْمَادَّةُ ١٢٥) (الْمِلْكُ مَا مَلَكَهُ الْإِنْسَانُ سَوَاءٌ كَانَ أَعْيَانًا أَوْ مَنَافِعَ) أَيْ أَنَّهُ هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي يَكُونُ مَمْلُوكًا لِلْإِنْسَانِ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ التَّصَرُّفُ بِهِ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِصَاصِ.
أَعْيَانٌ - جَمْعُ عَيْنٍ وَقَدْ جَاءَ تَعْرِيفُهَا فِي الْمَادَّةِ (١٥٩) الْمَنَافِعُ - جَمْعُ مَنْفَعَةٍ وَهِيَ الْفَائِدَةُ الَّتِي تَحْصُلُ بِاسْتِعْمَالِ الْعَيْنِ فَكَمَا أَنَّ الْمَنْفَعَةَ تُسْتَحْصَلُ مِنْ الدَّارِ بِسُكْنَاهَا تُسْتَحْصَلُ مِنْ الدَّابَّةِ بِرُكُوبِهَا.
وَلَمَّا كَانَتْ الْمَنْفَعَةُ كَالْحَرَكَةِ مِنْ الْأَعْرَاضِ الزَّائِلَةِ وَهِيَ مَعْدُومَةٌ فَيَجِبُ قِيَاسًا أَلَّا تَكُونَ مَحِلًّا لِلْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ بِضَرُورَةِ الْحَاجَةِ قَدْ أَعْطَاهَا حُكْمَ الْمَوْجُودِ وَجَوَّزَ بِأَنْ تَكُونَ مَحِلًّا لِلْعَقْدِ فَأَقَامَ الْعَقْدَ مَقَامَ الْمَنْفَعَةِ فِي الْعُقُودِ فَيُقَالُ فِي تَأْجِيرِ دَارٍ مَثَلًا قَدْ أَجَّرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ فَتَنْعَقِدُ الْإِجَارَةُ بِقَبُولِ الْمُسْتَأْجِرِ، أَمَّا إذَا قِيلَ: قَدْ أَجَّرْتُكَ مَنْفَعَةَ الدَّارِ فَعَلَى قَوْلٍ لَا تَصِحُّ الْإِجَارَةُ وَلَا تَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ مَعْدُومَةٌ فَإِضَافَةُ الْعَقْدِ إلَيْهَا غَيْرُ صَحِيحٍ (إزميري) وَعَلَى قَوْلٍ آخَرَ فَإِنَّهَا تَكُونُ مُنْعَقِدَةً وَصَحِيحَةً وَسَيَجِيءُ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي شَرْحِ كِتَابِ الْإِجَارَةِ.
[ (الْمَادَّةُ ١٢٦) تَعْرِيف الْمَالُ]
(الْمَادَّةُ ١٢٦) (الْمَالُ هُوَ مَا يَمِيلُ إلَيْهِ طَبْعُ الْإِنْسَانِ وَيُمْكِنُ ادِّخَارُهُ إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ مَنْقُولًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَنْقُولٍ) فَكُلُّ شَيْءٍ أُبِيحَ الِانْتِفَاعُ بِهِ أَوْ لَمْ يُبَحْ وَكُلُّ مَا هُوَ مَمْلُوكٌ بِالْفِعْلِ أَوْ لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا مِنْ الْمُبَاحَاتِ وَيُمْكِنُ ادِّخَارُهُ فَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ هَذَا التَّعْرِيفِ.
هَذَا وَيُوجَدُ فَرْقٌ بَيْنَ (مَالِيَّةِ) الشَّيْءِ وَبَيْنَ تَقَوُّمِهِ فَالْمَالِيَّةُ تَثْبُتُ بِتَمَوُّلِ النَّاسِ جَمِيعِهِمْ أَوْ بَعْضِهِمْ أَمَّا التَّقَوُّمُ فَيَثْبُتُ بِتَمَوُّلِ النَّاسِ وَجَعْلِ الشَّرْعِ إيَّاهُ مُبَاحًا لِلِانْتِفَاعِ (حَمَوِيٌّ) .
الِادِّخَارُ - بِتَشْدِيدِ الدَّالِ هُوَ الْجَمْعُ.
أَمَّا بِقَوْلِهِ فِي التَّعْرِيفِ (وَهُوَ مَا يَمِيلُ إلَيْهِ طَبْعُ الْإِنْسَانِ) فَيَخْرُجُ لَحْمُ الْمَيْتَةِ، وَالْإِنْسَانُ الْحُرُّ.
стр. 99
وَبِقَوْلِهِ (وَيُمْكِنُ ادِّخَارُهُ لِوَقْتِ الْحَاجَةِ) يَخْرُجُ كُلُّ مَا لَا يَقَعُ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ كَحَبَّةٍ مِنْ الْقَمْحِ مَثَلًا إلَى كُلِّ مَا هُوَ مِنْ قَبِيلِهَا مِنْ الْجُزْئِيَّاتِ، وَكُلُّ مَا هُوَ مِنْ الْمَنَافِعِ غَيْرِ الْمُسْتَقِرَّةِ وَاَلَّتِي لَا يُمْكِنُ ادِّخَارُهَا وَحِفْظُهَا. وَعَلَى ذَلِكَ فَقَدْ أَصْبَحَ هَذَا التَّعْرِيفُ بِإِخْرَاجِهِ مَا مَرَّ تَامًّا؛ لِأَنَّ حَبَّةَ الْقَمْحِ وَمَا حَبَّةٌ مِنْ الْقَمْحِ فِي الْوَاقِعِ لَيْسَتْ مِمَّا يُدَّخَرُ. وَكَذَلِكَ الْمَنَافِعُ لَيْسَتْ بِمَالٍ فَلَا يُمْكِنُ ادِّخَارُهَا إذْ لَا ادِّخَارَ بِدُونِ بَقَاءٍ وَإِنْ عُدَّتْ الْمَنْفَعَةُ فِي عَقْدِ الْإِجَارَةِ كَمَا مَرَّ بِضَرُورَةِ الْحَاجَةِ مُتَقَوِّمَةً (رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
هَذَا وَيُفْهَمُ مَا مَرَّ مَعَنَا مِنْ التَّفْصِيلَاتِ أَنَّهُ يُوجَدُ بَيْنَ الْمِلْكِ وَالْمَالِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ فَكُلُّ مَالٍ كَفَرَسٍ مَثَلًا مِلْكٌ وَلَيْسَ كُلُّ مِلْكٍ كَالْمَنَافِعِ مَثَلًا يُعَدُّ مَالًا.
[ (الْمَادَّةُ ١٢٧) الْمَالُ الْمُتَقَوِّمُ]
(الْمَادَّةُ ١٢٧) (الْمَالُ الْمُتَقَوِّمِ يُسْتَعْمَلُ فِي مَعْنَيَيْنِ:
الْأَوَّلُ: مَا يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ.
وَالثَّانِي: بِمَعْنَى الْمَالِ الْمُحْرَزِ فَالسَّمَكُ فِي الْبَحْرِ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ وَإِذَا اُصْطِيدَ صَارَ مُتَقَوِّمًا بِالْإِحْرَازِ) .
فَالْمَعْنَى الْأَوَّلِيُّ هُوَ مَعْنَى الْمَالِ الشَّرْعِيِّ وَالثَّانِي مَعْنَاهُ الْعُرْفِيُّ.
فَلَحْمُ الْخَرُوفِ الْمَذْبُوحِ مَثَلًا، بِمَا أَنَّ أَكْلَهُ وَتَنَاوُلَهُ مُبَاحٌ فَهُوَ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ مَالٌ وَمُتَقَوِّمٌ أَيْضًا. أَمَّا لَحْمُ غَيْرِ الْمَذْبُوحِ كَالْمَخْنُوقِ خَنْقًا فَبِمَا أَنَّ أَكْلَهُ وَتَنَاوُلَهُ حَرَامٌ وَمَمْنُوعٌ فَمِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ يُعَدُّ غَيْرَ مُتَقَوِّمٍ وَإِنْ عَدَّهُ الْبَعْضُ مَالًا.
كَذَلِكَ حَبَّةُ الْحِنْطَةِ وَإِنْ تَكُنْ وَفْقًا لِهَذَا الْمَعْنَى مُتَقَوِّمَةً أَيْ أَنَّ الِانْتِفَاعَ بِهَا مُبَاحٌ فَلَيْسَتْ بِمَالٍ كَمَا قَدْ أَسْلَفْنَا. كَذَلِكَ الْحَيَوَانُ الَّذِي يَمُوتُ حَتْفَ أَنْفِهِ لَا يُعَدُّ مَالًا.
فَعَلَى هَذَا يُفْهَمُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ فُقِدَ مِنْهُ كُلٌّ مِنْ التَّمَوُّلِ وَالتَّقَوُّمِ فَلَا يَكُونُ مَالًا وَلَا يُعَدُّ مُتَقَوِّمًا وَسَيَأْتِي فِي الْمَادَّةِ (٣٦٣) الْإِيضَاحُ عَلَى جَوَازِ اسْتِعْمَالِ كَلِمَةِ (الْمُتَقَوِّمِ) فِي كِلَا الْمَعْنَيَيْنِ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ وَالثَّانِي.
[ (الْمَادَّةُ ١٢٨) الْمَنْقُولُ هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي يُمْكِنُ نَقْلُهُ مِنْ مَحِلٍّ إلَى آخَرَ]
(الْمَادَّةُ ١٢٨) الْمَنْقُولُ هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي يُمْكِنُ نَقْلُهُ مِنْ مَحِلٍّ إلَى آخَرَ وَيَشْمَلُ النُّقُودَ وَالْعُرُوضَ وَالْحَيَوَانَاتِ وَالْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ.
وَكَذَلِكَ الْأَبْنِيَةُ وَالْأَشْجَارُ الْمَمْلُوكَةُ الْوَاقِعَةُ فِي أَرْضِ الْوَقْفِ أَوْ فِي الْأَرَاضِي الْأَمِيرِيَّةِ هِيَ فِي حُكْمِ الْمَنْقُولِ (رَاجِعْ الْمَادَّةَ ١٠١٩) .
فَلِلْأَبْنِيَةِ وَالْأَشْجَارِ اعْتِبَارَانِ:
(١) - فَإِذَا اُعْتُبِرَتْ الْأَبْنِيَةُ وَالْأَشْجَارُ مَعَ الْأَرَاضِي الْوَاقِعَةِ عَلَيْهَا تُعَدُّ حِينَئِذٍ عَقَارًا.
(٢) - أَمَّا إذَا اُعْتُبِرَتْ لِوَحْدِهَا بِدُونِ الْأَرَاضِي الْوَاقِعَةِ عَلَيْهَا فَتُعَدُّ مَنْقُولًا.
стр. 100
هَذَا وَبِمَا أَنَّ الْمَذْرُوعَاتِ وَالْعَدَدِيَّاتِ دَاخِلَةٌ فِي الْعُرُوضِ فَلَمْ تَرَ الْمَجَلَّةُ حَاجَةً لِتَخْصِيصِهَا بِالذِّكْرِ.
[ (الْمَادَّةُ ١٢٩) غَيْرُ الْمَنْقُولِ مَا لَا يُمْكِنُ نَقْلُهُ مِنْ مَحِلٍّ إلَى آخَرَ]
(الْمَادَّةُ ١٢٩) غَيْرُ الْمَنْقُولِ مَا لَا يُمْكِنُ نَقْلُهُ مِنْ مَحِلٍّ إلَى آخَرَ كَالدُّورِ وَالْأَرَاضِيِ مِمَّا يُسَمَّى بِالْعَقَارِ.
وَعَلَيْهِ يُفْهَمُ بِأَنَّ الْعَقَارَ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ مَبْنِيٍّ كَالدُّورِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْمَبَانِي وَغَيْرِ مَبْنِيٍّ وَهُوَ الْأَرَاضِي إلَّا أَنَّ الْبِنَاءَ بِدُونِ الْأَرْضِ يُعَدُّ مَنْقُولًا (بَحْرٌ وَذَخِيرَةٌ) فَإِذَا بَنَى أَحَدٌ دَارًا مَثَلًا فِي غَيْرِ مِلْكِهِ فَتَكُونُ الدَّارُ مَنْقُولًا.
[ (الْمَادَّةُ ١٣٠) النُّقُودُ جَمْعُ نَقْدٍ وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ]
سَوَاءٌ كَانَا مَسْكُوكَيْنِ أَوْ لَمْ يَكُونَا كَذَلِكَ وَيُقَالُ لِلذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ النَّقْدَانِ وَالْحِجَارَانِ وَدَعَتْهُمَا الْمَادَّةُ ١٢٢ بِالنَّقْدَيْنِ.
وَقَدْ اُعْتُبِرَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ هُمَا الْمِقْيَاسُ الَّذِي تُقَدَّرُ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ أَثْمَانُ الْأَشْيَاءِ وَقِيمَتُهَا وَيُعَدَّانِ ثَمَنًا.
أَمَّا النُّقُودُ النُّحَاسِيَّةُ وَالْأَوْرَاقُ النَّقْدِيَّةُ (البانكنوط) فَتُعَدُّ سِلْعَةً وَمَتَاعًا فَهِيَ فِي وَقْتِ رَوَاجِهَا تُعْتَبَرُ مِثْلِيَّةً وَثَمَنًا وَفِي وَقْتِ الْكَسَادِ تُعَدُّ قِيَمِيَّةً وَعُرُوضًا (رَاجِعْ الْمَادَّةَ ١٣٣٩) رَدُّ الْمُحْتَارِ.
وَالنُّقُودُ الْمَعْدِنِيَّةُ الْمُتَدَاوَلَةُ فِي أَيَّامِنَا هَذِهِ لَيْسَتْ بِثَمَنٍ فِي الْأَصْلِ وَلَكِنْ بِمَا أَنَّهُ يُحْتَاجُ إلَيْهَا فِي شِرَاءِ الْأَشْيَاءِ الْبَخْسَةِ فَهِيَ بِمَقَامِ أَجْزَاءٍ ضُرِبَتْ لِلتَّسْهِيلِ عَلَى النَّاسِ إذْ لَوْ أَرَادَ الْمُشْتَرِي شِرَاءَ شَيْءٍ بِقِرْشٍ فَلَيْسَ فِي إمْكَانِهِ اسْتِخْرَاجُ الْمِقْدَارِ الْمُسَاوِي لِهَذِهِ الْقِيمَةِ فِضَّةً مِنْ الرِّيَالِ أَوْ ذَهَبًا مِنْ الْجُنَيْهِ (الدُّرُّ الْمُنْتَقَى)
[ (الْمَادَّةُ ١٣١) تَعْرِيف الْعُرُوض]
(الْمَادَّةُ ١٣١) الْعُرُوض جَمْعُ عَرَضٍ بِالتَّحْرِيكِ وَهِيَ مَا عَدَا النُّقُودِ وَالْحَيَوَانَاتِ وَالْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ كَالْمَتَاعِ وَالْقُمَاشِ وَكَذَلِكَ الْكِتَابُ، وَالْمَلْبُوسَاتُ، وَاللِّحَافُ، وَالْكُرْسِيُّ، وَالْفِرَاشُ، وَمَا أَشْبَهَهَا مِنْ الْأَشْيَاءِ كُلُّهَا عُرُوضٌ أَمَّا الْعَقَارُ فَلَيْسَ بِعَرَضٍ.
هَذَا وَقَدْ جَاءَتْ (كَلِمَةُ عَرْضٍ) فِي الصِّحَاحِ بِسُكُونِ الرَّاءِ (عُرُوضٌ) وَذَكَرَ بِأَنَّهَا تُطْلَقُ عَلَى جَمِيعِ الْأَمْوَالِ مَا عَدَا الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ أَمَّا فِي " الْمُغْرِبِ " فَقَدْ جَاءَتْ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالرَّاءِ كَمَا مَرَّ مَعَنَا فِي مَتْنِ الْمَادَّةِ عَلَى أَنَّ الْعَرَضَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي بَعْضِ الْأَحَايِينِ عَلَى أَنَّهُ مُقَابِلٌ لِلْعَقَارِ وَالْحَيَوَانِ وَحِينَئِذٍ تَدْخُلُ الْمَكِيلَاتُ وَالْمَوْزُونَاتُ فِي الْعُرُوضِ.
стр. 101
[ (الْمَادَّةُ ١٣٢) الْمَقْدُورَاتُ مَا تَتَعَيَّنُ مَقَادِيرُهَا بِالْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ أَوْ الْعَدَدِ أَوْ الذِّرَاعِ]
(الْمَادَّةُ ١٣٢) الْمَقْدُورَاتُ مَا تَتَعَيَّنُ مَقَادِيرُهَا بِالْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ أَوْ الْعَدَدِ أَوْ الذِّرَاعِ وَهِيَ شَامِلَةٌ لِلْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ وَالْعَدَدِيَّاتِ، وَالْمَذْرُوعَاتِ.
وَيُقَالُ لِلْمَكِيلَاتِ، وَالْمَوْزُونَاتِ، وَالْعَدَدِيَّاتِ، وَالْمَذْرُوعَاتِ (الْمُقَدَّرَاتُ الْأَرْبَعَةُ) .
[ (الْمَادَّةُ ١٣٣) الْمَكِيلُ هُوَ مَا يُكَالُ بِهِ]
(الْمَادَّةُ ١٣٣) الْكَيْلِيُّ وَالْمَكِيلُ هُوَ مَا يُكَالُ بِهِ
وَيُقَالُ لَهُ كَيْلٌ أَيْضًا كَمَا جَاءَ فِي الْمَتْنِ التُّرْكِيِّ
الْكَيْلُ مَصْدَرٌ عَلَى وَزْنِ سَيْلٍ.
وَكَمَا أَنَّ الْكَيْلَ يَجِيءُ بِمَعْنَى كَيْلِ الشَّيْءِ يَجِيءُ أَيْضًا بِمَعْنَى الْمِكْيَالِ.
وَكَلِمَةُ كَيْلٍ الْوَارِدَةُ فِي الْمَتْنِ التُّرْكِيِّ قَدْ أُرِيدَ بِهَا الِاحْتِرَازُ عَمَّا يُكَالُ بِالذِّرَاعِ مِنْ الْمَذْرُوعَاتِ وَالْكَيْلِيُّ: هُوَ الْقَمْحُ وَالشَّعِيرُ وَالذُّرَةُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْحُبُوبَاتِ الَّتِي تُبَاعُ بِالْكَيْلِ.
[ (الْمَادَّةُ ١٣٤) الْمَوْزُونُ هُوَ مَا يُوزَنُ]
(الْمَادَّةُ ١٣٤) الْوَزْنِيُّ وَالْمَوْزُونُ هُوَ مَا يُوزَنُ الْوَزْنِيُّ - بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الزَّايِ جَمْعُهُ وَزْنِيَّاتٌ. وَالْوَزْنِيُّ مَنْسُوبٌ إلَى الْوَزْنِ وَيُجْمَعُ مَوْزُونٌ عَلَى مَوْزُونَاتٍ وَالْوَزْنُ - هُوَ اخْتِبَارُ الثِّقَلِ وَالْخِفَّةِ.
[ (الْمَادَّةُ ١٣٥) الْمَعْدُودُ هُوَ مَا يُعَدُّ]
(الْمَادَّةُ ١٣٥) الْعَدَدِيُّ وَالْمَعْدُودُ هُوَ مَا يُعَدُّ الْعَدَدِيُّ - بِصِيغَةِ اسْمِ الْمَنْسُوبِ مِنْ الْعَدَدِ وَيُجْمَعُ عَلَى عَدَدِيَّاتٍ وَالْمَعْدُودُ - بِصِيغَةِ اسْمِ الْمَفْعُولِ وَيُجْمَعُ عَلَى مَعْدُودَاتٍ. وَالْعَدُّ: هُوَ ضَمُّ أَعْدَادٍ إلَى أُخْرَى غَيْرِهَا
[ (الْمَادَّةُ ١٣٦) الْمَذْرُوعُ هُوَ مَا يُقَاسُ بِالذِّرَاعِ]
(الْمَادَّةُ ١٣٦) الذَّرِعِي أَوْ الْمَذْرُوعُ هُوَ مَا يُقَاسُ بِالذِّرَاعِ كَالْقُمَاشِ، وَالْعَرْصَةِ، وَالْبُسْتَانِ وَمَا إلَيْهَا (رَاجِعْ الْمَادَّةَ ١١٤٨) وَيُجْمَعُ ذَرْعِيٌّ عَلَى ذَرْعِيَّاتٍ، وَمَذْرُوعٌ عَلَى مَذْرُوعَاتٍ وَيُرَادُ بِقَوْلِ الْمَتْنِ (بِالذِّرَاعِ) الِاحْتِرَازُ عَنْ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تُكَالُ كَيْلًا
[ (الْمَادَّةُ ١٣٧) الْمَحْدُودُ هُوَ مَا يُمْكِنُ تَعْيِينُ حُدُودِهِ وَأَطْرَافِهِ]
(الْمَادَّةُ ١٣٧) الْمَحْدُودُ هُوَ الْعَقَارُ الَّذِي يُمْكِنُ تَعْيِينُ حُدُودِهِ وَأَطْرَافِهِ كَالْعَرْصَةِ وَالْمَزْرَعَةِ
стр. 102
حُدُودٌ: جَمْعُ حَدٍّ وَالْحَدُّ لُغَةً مَعْنَاهُ الْمَنْعُ وَيُطْلَقُ عَلَى الْحَائِلِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مَانِعٌ مِنْ اخْتِلَاطِهِمَا
[ (الْمَادَّةُ ١٣٨) الْمُشَاعُ مَا يَحْتَوِي عَلَى حِصَصٍ شَائِعَةٍ]
(الْمَادَّةُ ١٣٨) الْمُشَاعُ مَا يَحْتَوِي عَلَى حِصَصٍ شَائِعَةٍ كَالنِّصْفِ وَالرُّبْعِ وَالسُّدُسِ وَالْعُشْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْحِصَصِ السَّارِيَةِ إلَى كُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَالِ مَنْقُولًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَنْقُولٍ وَقَدْ سُمِّيَتْ الْحِصَّةُ السَّارِيَةُ فِي الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ شَائِعَةً لِعَدَمِ تَعَيُّنِهَا فِي أَيِّ قِسْمٍ مِنْ أَقْسَامِ الْمَالِ الْمَذْكُورِ حِصَصٌ: جَمْعُ حِصَّةٍ وَالْجَمْعُ هُنَا يُسْتَعْمَلُ لِمَا فَوْقَ الْوَاحِدِ وَالْمُشَاعُ: الشَّائِعُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَيُطْلَقَانِ عَلَى الْحِصَّةِ الْمُشْتَرَكَةِ غَيْرِ الْمُقَسَّمَةِ
(طَحْطَاوِيٌّ) وَعَلَيْهِ فَالْحِصَّةُ السَّارِيَةُ هِيَ الْحِصَّةُ الشَّائِعَةُ أَوْ الْمُشَاعَةُ وَمَجْمُوعُ الْحِصَصِ الْمُشْتَرَكَةِ لَا يُعَدُّ مُشَاعًا فَالْمَزْرَعَةُ الْمُشْتَرَكَةُ مِنْ حَيْثُ كُلُّ حِصَّةٍ عَلَى حِدَتِهَا مُشَاعَةٌ وَمِنْ حَيْثُ الْمَجْمُوعُ غَيْرُ مُشَاعَةٍ.
[ (الْمَادَّةُ ١٣٩) الْحِصَّةُ الشَّائِعَةُ]
(الْمَادَّةُ ١٣٩) الْحِصَّةُ الشَّائِعَةُ هِيَ السَّهْمُ السَّارِي إلَى كُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ.
كَمَا لَوْ كَانَتْ دَارٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْخَاصٍ بِالتَّسَاوِي فَيَكُونُ كُلُّ مَا فِيهَا مِنْ غُرَفٍ، وَأَخْشَابٍ، وَحِجَارَةٍ، وَمَسَامِيرَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ شُرَكَاءِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثُهُ
[ (الْمَادَّةُ ١٤٠) تَعْرِيف الْجِنْسُ]
(الْمَادَّةُ ١٤٠) الْجِنْسُ: مَا لَا يَكُونُ بَيْنَ أَفْرَادِهِ تَفَاوُتٌ فَاحِشٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْغَرَضِ مِنْهُ هَذَا التَّعْرِيفُ هُوَ التَّعْرِيفُ الْفِقْهِيُّ لِلْجِنْسِ أَمَّا تَعْرِيفُهُ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ؛ فَهُوَ الشَّيْءُ الَّذِي يُوجَدُ تَفَاوُتٌ فَاحِشٌ بَيْنَ أَفْرَادِهِ فِي الْغَرَضِ وَالْمَقْصِدِ. كَالْإِنْسَانِ فَهُوَ جِنْسٌ فِقْهِيٌّ؛ لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ لَا جِنْسٌ حَقِيقِيٌّ؛ لِأَنَّ أَحْكَامَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ تَتَفَاوَتُ عَنْ بَعْضِهَا فَالرَّجُلُ أَهْلٌ لِلنُّبُوَّةِ، وَالْخِلَافَةِ، وَالْإِمَامَةِ، وَالشَّهَادَةِ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ بِعَكْسِ الْمَرْأَةِ فَهِيَ لَيْسَتْ بِأَهْلٍ لِذَلِكَ. كَذَلِكَ الْقُمَاشُ جِنْسٌ فِقْهِيٌّ فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ أَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ مِنْ الْأَقْمِشَةِ الْمُتَغَايِرَةِ كَالْجُوخِ، وَالْحَرِيرِ، وَمِنْهُ الْهِنْدِيُّ وَالشَّامِيُّ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأَنْوَاعِ.
النَّوْعُ: هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي لَا يُوجَدُ تَفَاوُتٌ بَيْنَ أَفْرَادِهِ مِنْ حَيْثُ الْغَرَضُ كَالرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، فَالرَّجُلُ نَوْعٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِنْ الرِّجَالِ أَهْلٌ لَأَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ إمَامًا وَهُوَ أَهْلٌ لِلشَّهَادَةِ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ. عَلَى أَنَّهُ وَإِنْ كَانَتْ الْأَفْرَادُ الَّتِي تَتَنَاوَلُهَا كَلِمَةُ (رَجُلٍ) فِي الْوَاقِعِ غَيْرَ مُتَسَاوِيَةٍ حُكْمًا فَمِنْهَا
стр. 103
الْعَاقِلُ الَّذِي يَكُونُ أَهْلًا لِلشَّهَادَةِ وَالْإِمَامَةِ وَمِنْهُمْ الْمَجْنُونُ الَّذِي لَا يَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
فَهَذَا الِاخْتِلَافُ لَمَّا كَانَ اخْتِلَافًا عَارِضًا وَلَيْسَ بِأَصْلِيٍّ فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ.
هَذَا وَبِمَا أَنَّ أَهْلَ الْمِيزَانِ يَبْحَثُونَ فِي الْأَشْيَاءِ مِنْ حَيْثُ الذَّاتُ وَالْعَرَضُ وَالْحَقِيقَةُ فَيَعُدُّونَ الْإِنْسَانَ نَوْعًا، أَمَّا أَهْلُ الشَّرْعِ فَبِمَا أَنَّهُمْ يَبْحَثُونَ عَنْ الْإِنْسَانِ مِنْ حَيْثُ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِهِ فَيَعُدُّونَهُ جِنْسًا وَعَلَيْهِ يُفْهَمُ مِنْ هَذِهِ التَّفْصِيلَاتِ كُلِّهَا أَنَّ التَّعْرِيفَ الَّذِي وَرَدَ فِي الْمَجَلَّةِ تَعْرِيفًا لِلْجِنْسِ غَيْرَ مُنْطَبِقٍ عَلَى تَعْرِيفِ الْأُصُولِيِّينَ وَلَا تَعْرِيفِ الْفُقَهَاءِ.
وَقَدْ عَرَّفَتْ الْمَجَلَّةُ الْجِنْسَ هُنَا لِلُزُومِهِ فِي الْبُيُوعِ وَالْوَكَالَةِ.
[ (الْمَادَّةُ ١٤١) الْمُجَازَفَةُ بَيْعُ مَجْمُوعٍ بِلَا تَقْدِيرٍ]
(الْمَادَّةُ ١٤١) الْجُزَافُ وَالْمُجَازَفَةُ: بَيْعُ مَجْمُوعٍ بِلَا تَقْدِيرٍ الْجُزَافُ: تَعْرِيبُ كَلِمَةِ (كُزَافْ) الْفَارِسِيَّةِ. وَهُوَ الْبَيْعُ بِالنَّظَرِ وَالْحَدْسِ وَالتَّخْمِينِ بِلَا كَيْلٍ وَلَا وَزْنٍ (شَرْحُ الْمَجْمَعِ) .
وَيَكُونُ الْجُزَافُ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:
١ - فِي الْمَبِيعِ كَبَيْعِ صُبْرَةِ حِنْطَةٍ بِدُونِ ذِكْرِ كَيْلِهَا وَبَيْعِ كَوْمِ تِبْنٍ بِدُونِ ذِكْرِ وَزْنِهِ.
وَهَذَا هُوَ بَيْعُ الْجُزَافِ. وَسَيَأْتِي فِي الْمَادَّةِ (٤٢١٨) مَا يُوَضِّحُ ذَلِكَ تَمَامَ التَّوْضِيحِ.
٢ - فِي الثَّمَنِ: وَذَلِكَ كَأَنْ يَقُولَ شَخْصٌ لِآخَرَ: قَدْ اشْتَرَيْت دَارَك هَذِهِ بِمَا فِي هَذَا الْكِيسِ مِنْ الْجُنَيْهَاتِ وَلَمْ يَكُنْ عَدَدُهَا وَلَا وَزْنُهَا مَعْلُومًا. وَهَذَا الْبَيْعُ لَا يَكُونُ بَيْعَ جُزَافٍ.
٣ - فِي الْبَيْعِ وَفِي الثَّمَنِ مَعًا: وَذَلِكَ كَشِرَاءِ صُبْرَةِ حِنْطَةٍ بِنُقُودٍ يُشَارُ إلَيْهَا وَمِقْدَارُ الْحِنْطَةِ وَمِقْدَارُ النُّقُودِ غَيْرُ مَعْلُومَيْنِ. وَهَذَا الْبَيْعُ يُعَدُّ جُزَافًا بِالنَّظَرِ إلَى الْمَبِيعِ.
[ (الْمَادَّةُ ١٤٢) حَقُّ الْمُرُورِ هُوَ حَقُّ الْمَشْيِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ]
(الْمَادَّةُ ١٤٢) حَقُّ الْمُرُورِ هُوَ حَقُّ الْمَشْيِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ وَذَلِكَ بِأَنْ تَكُونَ رَقَبَةُ الطَّرِيقِ مَمْلُوكَةً لِشَخْصٍ وَلِآخَرَ الْحَقُّ بِأَنْ يَمُرَّ مِنْهَا فَقَطْ. وَهَذَا الْحَقُّ مِنْ الْحُقُوقِ الْمُجَرَّدَةِ الَّتِي تَسْقُطُ بِالْإِسْقَاطِ كَمَا سَيَجِيءُ فِي الْمَادَّةِ (١٢٢٧) .
[ (الْمَادَّةُ ١٤٣) حَقُّ الشُّرْبِ هُوَ نَصِيبٌ مُعَيَّنٌ مَعْلُومٌ مِنْ النَّهْرِ]
(الْمَادَّةُ ١٤٣) حَقُّ الشُّرْبِ: هُوَ نَصِيبٌ مُعَيَّنٌ مَعْلُومٌ مِنْ النَّهْرِ وَيَكُونُ عَامًّا أَوْ خَاصًّا بِمَزْرَعَةٍ أَوْ بُسْتَانٍ أَوْ حَدِيقَةٍ. (رَاجِعْ الْمَادَّةَ ١٢٦٢) وَيُعَيَّنُ مِقْدَارُ هَذَا الْحَقِّ بِالزَّمَنِ تَارَةً وَأُخْرَى بِأَنَابِيبَ أَوْ فَجَوَاتٍ ذَاتِ اتِّسَاعٍ مُعَيَّنٍ.
стр. 104
[ (الْمَادَّةُ ١٤٤) حَقُّ الْمَسِيلِ حَقُّ جَرَيَانِ الْمَاءِ]
(الْمَادَّةُ ١٤٤) حَقُّ الْمَسِيلِ حَقُّ جَرَيَانِ الْمَاءِ وَالسَّيْلُ والتوكاف مِنْ دَارٍ إلَى الْخَارِجِ.
أَيْ أَنْ يَكُونَ الْمَحِلُّ الَّذِي يَسِيلُ إلَيْهِ الْمَاءُ مِلْكًا لِغَيْرِ صَاحِبِ الدَّارِ وَلِصَاحِبِ الدَّارِ حَقُّ الْإِسَالَةِ إلَى ذَلِكَ الْمَحِلِّ فَقَطْ وَحَقُّ الْمَسِيلِ هَذَا كَحَقِّ الْمُرُورِ مِنْ الْحُقُوقِ الْمُجَرَّدَةِ الَّتِي تَسْقُطُ بِإِسْقَاطِهَا وَالْمَسِيلُ هُنَا مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ وَيُطْلَقُ عَلَى الْمَحِلِّ الَّذِي يَسِيلُ الْمَاءُ مِنْهُ. وَحَقُّ الْمَسِيلِ بِمَعْنَى حَقِّ التَّسْيِيلِ أَوْ حَقِّ الْإِسَالَةِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
[ (الْمَادَّةُ ١٤٥) الْمِثْلِيُّ مَا يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي السُّوقِ]
(الْمَادَّةُ ١٤٥) الْمِثْلِيُّ: مَا يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي السُّوقِ بِدُونِ تَفَاوُتٍ يُعْتَدُّ بِهِ كَالْكَيْلِ وَالْمَوْزُونِ وَالْعَدَدِيَّاتِ الْمُتَقَارِبَةِ مِثْلِ الْجَوْزِ وَالْبَيْضِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) رَاجِعْ الْمَادَّةَ (١١١٩) ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ وُجِدَ تَفَاوُتٌ فِي الْكِبَرِ وَالصِّغَرِ بَيْنَ أَفْرَادِ الْبَيْضِ وَالْجَوْزِ وَآحَادِهِمَا فَذَلِكَ التَّفَاوُتُ لَا يُوجِبُ اخْتِلَافًا فِي الثَّمَنِ وَيُبَاعُ الْكَبِيرُ مِنْهُمَا بِمِثْلِ مَا يُبَاعُ بِهِ الصَّغِيرُ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
هَذَا وَلْيَكُنْ مَعْلُومًا بِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَكِيلٍ وَلَا كُلُّ مَوْزُونٍ بِمِثْلِيٍّ فَالْقَمْحُ الْمَخْلُوطُ بِشَعِيرٍ وَالْكَأْسُ الْمَصْنُوعُ مِنْ فِضَّةٍ وَذَهَبٍ لَيْسَا بِمِثْلِيَّيْنِ وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ مَكِيلًا وَالثَّانِي مَوْزُونًا.
[ (الْمَادَّةُ ١٤٦) الْقِيَمِيُّ مَا لَا يُوجَدُ لَهُ مِثْلٌ فِي السُّوقِ]
(الْمَادَّةُ ١٤٦) الْقِيَمِيُّ: مَا لَا يُوجَدُ لَهُ مِثْلٌ فِي السُّوقِ أَوْ يُوجَدُ لَكِنْ مَعَ التَّفَاوُتِ الْمُعْتَدِّ بِهِ فِي الْقِيمَةِ كَالْمِثْلِيِّ الْمَخْلُوطِ بِغَيْرِهِ وَهُوَ مِثْلُ الْحِنْطَةِ الْمَخْلُوطَةِ بِشَعِيرٍ أَوْ ذُرَةٍ كَمَا مَرَّ مَعَنَا، وَالْخَيْلُ وَالْحَمِيرُ وَالْغَنَمُ، وَالْبَقَرُ وَالْبِطِّيخُ وَكَتْبُ الْخَطِّ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأَشْيَاءِ الَّتِي يُوجَدُ تَفَاوُتٌ بَيْنَ أَفْرَادِهَا بِحَيْثُ تَتَفَاوَتُ فِي الْأَثْمَانِ تَفَاوُتًا بَعِيدًا.
فَفَرَسٌ مِنْ الْخَيْلِ قَدْ يُسَاوِي مِائَتَيْ جُنَيْهٍ وَآخَرُ قَدْ لَا يُسَاوِي مِعْشَارَ ذَلِكَ كَذَلِكَ الْغَنَمُ مِنْهَا مَا يُسَاوِي خَمْسَةَ جُنَيْهَاتٍ وَمِنْهَا لَا يُسَاوِيَ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ جُنَيْهٍ، وَالْبِطِّيخُ يُوجَدُ مِنْهُ الْكَبِيرَةُ الَّتِي تُسَاوِي خَمْسَةَ قُرُوشٍ وَالصَّغِيرَةُ الَّتِي لَا تُسَاوِي الْقِرْشَ الْوَاحِدَ، وَكِتَابٌ بِخَطٍّ جَيِّدٍ لَا يَسْتَوِي بِكِتَابِ رَدِيءِ الْخَطِّ. فَالْأَوَّلُ قَدْ يُسَاوِي الْعَشَرَةَ جُنَيْهَاتٍ أَمَّا الثَّانِي رُبَّمَا كَانَ لَا يُسَاوِي عُشْرَ مِعْشَارِ هَذِهِ الْقِيمَةِ.
[ (الْمَادَّةُ ١٤٧) الْعَدَدِيَّاتُ الْمُتَقَارِبَةُ]
(الْمَادَّةُ ١٤٧) الْعَدَدِيَّاتُ الْمُتَقَارِبَةُ هِيَ الْمَعْدُودَاتُ الَّتِي لَا يَكُونُ بَيْنَ أَفْرَادِهَا وَآحَادِهَا تَفَاوُتٌ فِي الْقِيمَةِ فَجَمِيعُهَا مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ كَالْبَيْضِ وَالْجَوْزِ (اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ١١١٩) وَتُعَدُّ الْعَدَدِيَّاتُ الْمُتَقَارِبَةُ كَمَا مَرَّ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (١٤٥) مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ عَلَى رَغْمِ التَّفَاوُتِ الْمَوْجُودِ
стр. 105
بَيْنَ أَفْرَادِهَا وَآحَادِهَا؛ لِأَنَّهُ تَفَاوُتٌ جُزْئِيٌّ فَلَا تَأْثِيرَ لَهُ عَلَى أَثْمَانِهَا.
[ (الْمَادَّةُ ١٤٨) الْعَدَدِيَّاتُ الْمُتَفَاوِتَةُ]
(الْمَادَّةُ ١٤٨) الْعَدَدِيَّاتُ الْمُتَفَاوِتَةُ هِيَ الْمَعْدُودَاتُ الَّتِي يَكُونُ بَيْنَ أَفْرَادِهَا وَآحَادِهَا تَفَاوُتٌ فِي الْقِيمَةِ فَجَمِيعُهَا قِيَمِيَّاتٌ بِنِصْفِ قِرْشٍ وَأُخْرَى لَا يُمْكِنُ أَخْذُهَا بِثَلَاثَةِ قُرُوشٍ أَوْ خَمْسَةٍ وَالْأَشْيَاءُ الْأُخْرَى الْقِيَمِيَّةُ كُلُّهَا عَلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ.
[ (الْمَادَّةُ ١٤٩) رُكْنُ الْبَيْعِ]
(الْمَادَّةُ ١٤٩) رُكْنُ الْبَيْعِ: يَعْنِي مَاهِيَّتَهُ عِبَارَةٌ عَنْ مُبَادَلَةِ مَالٍ بِمَالٍ وَيُطْلَقُ عَلَى الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ أَيْضًا لِدَلَالَتِهِمَا عَلَى الْمُبَادَلَةِ الرُّكْنُ هُنَا هُوَ الَّذِي إذَا فُقِدَ مِنْ شَيْءٍ لَا يُمْكِنُ وُجُودُ ذَلِكَ الشَّيْءِ وَكَمَا يُطْلَقُ الرُّكْنُ عَلَى مَعْنَى (الْمُتَمِّمِ لِمَاهِيَّةِ الشَّيْءِ) قَدْ يُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى مَعْنَى (الْجُزْءِ لِمَاهِيَّةِ الشَّيْءِ) كَقَوْلِهِمْ (الْقِيَامُ رُكْنُ الصَّلَاةِ) فَالْقِيَامُ هُوَ جُزْءٌ مِنْ الصَّلَاةِ.
وَالْمَعْنَى الْأَوَّلُ هُوَ الْمُرَادُ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ.
وَالْمُتَمِّمُ لِمَاهِيَّةِ الْبَيْعِ بِحَدِّ ذَاتِهِ هُوَ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ وَإِنْ أُطْلِقَ أَحْيَانًا عَلَى الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ أَوْ عَلَى التَّعَاطِي الَّذِي يَقُومُ مَقَامَهُمَا فَذَلِكَ إنَّمَا هُوَ مِنْ قَبِيلِ إطْلَاقِ اسْمِ الْمَدْلُولِ عَلَى الدَّالِّ (مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ) .
وَيُفْهَمُ مِنْ مَاهِيَّةِ الْبَيْعِ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْ الْبَدَلَيْنِ مَالًا، فَتَنَزُّلُ الْإِمَامِ أَوْ الْخَطِيبِ أَوْ الْمُؤَذِّنِ عَنْ إمَامَتِهِ أَوْ وَظِيفَتِهِ لِآخَرَ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا يَقُومُ مَقَامَ الْإِذْنِ مِنْ الْمُتَوَلِّي وَلَا يَحِقُّ لَهُ الرُّجُوعُ عَمَّا تَنَزَّلَ عَنْهُ فِيمَا أَنَّ ذَلِكَ الْمُتَنَزَّلَ عَنْهُ لَيْسَ بِمَالٍ فَلَا يُعَدُّ بَيْعًا وَإِنَّمَا هُوَ فَرَاغٌ وَتَنَزُّلٌ.
[ (الْمَادَّةُ ١٥٠) مَحِلُّ الْبَيْعِ]
(الْمَادَّةُ ١٥٠) مَحِلُّ الْبَيْعِ هُوَ الْمَبِيعُ وَهُوَ الْمَالُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْبَيْعُ (رَاجِعْ الْمَادَّةَ ٣٦٦٣) .
فَمَحِلُّ الْبَيْعِ وَالْمَبِيعِ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ فَهُمَا كَلِمَتَانِ مُتَرَادِفَتَانِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) وَالثَّمَنُ وَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا فِي الْبَيْعِ وَيُخَالُ أَنَّهُ مَحِلٌّ لَهُ كَالْمَبِيعِ فَبِمَا أَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَصْلِيَّ فِي الْبَيْعِ إنَّمَا هُوَ الْبَيْعُ فَهُوَ وَحْدَهُ مَحِلُّ الْبَيْعِ فَقَطْ.
[ (الْمَادَّةُ ١٥١) الْمَبِيعُ هُوَ مَا يُبَاعُ]
(الْمَادَّةُ ١٥١) الْمَبِيعُ: مَا يُبَاعُ وَهُوَ الْعَيْنُ الَّتِي تَتَعَيَّنُ فِي الْبَيْعِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ مِنْ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ إنَّمَا يَكُونُ بِالْأَعْيَانِ، وَالْأَثْمَانُ وَسِيلَةٌ لِلْمُبَادَلَةِ وَسَوَاءٌ كَانَ مِثْلِيًّا أَوْ قِيَمِيًّا فَمَتَى تَعَيَّنَ فِي الْبَيْعِ وَفْقًا لِمَا جَاءَ فِي الْمَادَّةِ (٢٠٤) فَلَيْسَ لِلْبَائِعِ أَنْ يُعْطِيَ لِلْمُشْتَرِي سِلْعَةً أُخْرَى مُمَاثِلَةً لَهُ أَوْ أَحْسَنَ مِنْهُ، فَلَوْ قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: قَدْ بِعْتُكَ هَذِهِ الْحِنْطَةَ
стр. 106
الْمَوْجُودَةَ فِي الْمَخْزَنِ الْفُلَانِيِّ وَقَبِلَ مِنْهُ الْمُشْتَرِي فَلَيْسَ لِلْبَائِعِ أَنْ يُسَلِّمَهُ خِلَافَ الْحِنْطَةِ الْمُبَاعَةِ وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ مِنْ جِنْسٍ أَعْلَى مِنْ جِنْسِ تِلْكَ.
وَلَمَّا كَانَ الْمَبِيعُ هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ مِنْ الْبَيْعِ فَقَدْ اُشْتُرِطَ فِيهِ كَمَا وَرَدَ فِي الْمَوَادِّ (١٩٤ و ١٩٧ و ١٩٨) أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا وَمَقْدُورَ التَّسْلِيمِ وَيَنْفَسِخُ الْبَيْعُ بِتَلَفِهِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ. أَمَّا الثَّمَنُ فَهُوَ لَيْسَ كَذَلِكَ وَهُوَ لَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فِي الْعَقْدِ (اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ٢٤٣) .
فَلَوْ بَاعَ شَخْصٌ خَمْسِينَ كَيْلَةً مِنْ الْحِنْطَةِ وَكَانَ حِينَ الْبَيْعِ لَا يَمْلِكُ الْحِنْطَةَ الْمَذْكُورَةَ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ (اُنْظُرْ شَرْحَ الْمَادَّةِ ١١٥) وَلَا يَنْقَلِبُ الْبَيْعُ إلَى حَالِ الصِّحَّةِ لَوْ أَصْبَحَ الْبَائِعُ بَعْدَ ذَلِكَ مَالِكًا لِهَذَا الْمِقْدَارِ مِنْ الْحِنْطَةِ حَتَّى وَلَوْ سَلَّمَهَا لِلْمُشْتَرِي.
أَمَّا لَوْ اشْتَرَى الْمُشْتَرِي مَالًا بِمِائَةِ جُنَيْهٍ وَكَانَ لَا يَمْلِكُ الْمِائَةَ جُنَيْهٍ حِينَ الْعَقْدِ فَلَا يَطْرَأُ بِذَلِكَ خَلَلٌ مَا عَلَى الْعَقْدِ وَلَهُ بَعْدَئِذٍ أَنْ يَتَدَارَكَهَا وَيَدْفَعَهَا لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ إنَّمَا يَكُونُ بِالْأَعْيَانِ، وَالْأَثْمَانُ إنْ هِيَ إلَّا وَسِيلَةٌ لِلْمُبَادَلَةِ.
أَعْيَانٌ: جَمْعُ عَيْنٍ وَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ كَمَا عُرِّفَتْ فِي الْمَادَّةِ (١٥٩) تَشْمَلُ الثَّمَنَ الْمَوْجُودَ فَبِالنَّظَرِ لِلْمُقَابَلَةِ الْوَارِدَةِ هُنَا يُعْلَمُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَعْيَانِ إنْ هُوَ إلَّا غَيْرُ الثَّمَنِ.
الْأَمْوَالُ: جَمْعُ مَالٍ وَكَلِمَةُ الْمَالِ وَإِنْ تَكُنْ كَمَا فُهِمَ مِنْ الْمَادَّةِ (١٢٦) تَشْمَلُ الثَّمَنَ أَيْضًا وَلَكِنْ بِمَا أَنَّهَا جَاءَتْ هُنَا مُقَابِلَةً لِلثَّمَنِ فَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ قَدْ أُرِيدَ بِهَا غَيْرُ الْأَثْمَانِ مِنْ الْأَمْوَالِ.
[ (الْمَادَّةُ ١٥٢) الثَّمَنُ مَا يَكُونُ بَدَلًا لِلْمَبِيعِ وَيَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ]
(الْمَادَّةُ ١٥٢) الثَّمَنُ مَا يَكُونُ بَدَلًا لِلْمَبِيعِ وَيَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ حَتَّى وَلَوْ أُشِيرَ إلَى الثَّمَنِ حِينَ الْعَقْدِ وَإِنْ كَانَ نَقْدًا فَلَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُشَارِ إلَيْهِ بَلْ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ كَمَا سَيَجِيءُ فِي الْمَادَّةِ (٢٤٣) لَا يَتَعَيَّنُ بِتَعْيِينِهِ فِي الْعَقْدِ.
وَالثَّمَنُ: لُغَةً هُوَ قِيمَةُ الشَّيْءِ وَهَذَا الْمَعْنَى أَعَمُّ مِنْ مَعْنَاهُ الشَّرْعِيِّ فَنَقْلُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ إلَى الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ هُوَ مِنْ نَقْلِ الْعَامِّ إلَى الْخَاصِّ.
وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ الثَّمَنُ بِمَعْنَى الْبَدَلِ مُطْلَقًا وَقَدْ وَرَدَ فِي الْمَادَّةِ (٤٦٣) بِهَذَا الْمَعْنَى فَسَيَأْتِي فِي شَرْحِهَا إيضَاحُهُ وَتَفْصِيلُهُ (مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ) .
وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ أَنَّ لِلثَّمَنِ مَعْنَيَيْنِ بِمَعْنَى أَنَّهُ قِيمَةُ الْمَبِيعِ وَيَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ وَهُوَ الْمَعْنَى الْوَارِدُ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ، وَمَعْنَى أَنَّهُ بَدَلٌ: أَيْ أَنَّهُ الْمَالُ الَّذِي يَكُونُ عِوَضًا عَنْ الْمَبِيعِ.
فَيَدْخُلُ فِيهِ وَهُوَ فِي الْمَعْنَى الْأَوَّلِ الْمَكِيلَاتُ، وَالْمَوْزُونَاتُ، وَالْعَدَدِيَّاتُ الْمُتَقَارِبَةُ وَالنُّقُودُ دُونَ الْأَعْيَانِ لِعَدَمِ إمْكَانِ تَرَتُّبِهَا بِالذِّمَّةِ.
وَيَدْخُلُ فِيهِ بِمَعْنَاهُ الثَّانِي النُّقُودُ وَالْمَكِيلَاتُ وَالْمَوْزُونَاتُ وَالْأَعْيَانُ غَيْرُ الْمِثْلِيَّةِ كَالْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ وَمَا إلَيْهَا هَذَا وَالثَّمَنُ نَوْعَانِ:
стр. 107
النَّوْعُ الْأَوَّلُ: الثَّمَنُ الْمُسَمَّى.
النَّوْعُ الثَّانِي: ثَمَنُ الْمِثْلِ. وَسَيَأْتِي فِي الْمَادَّتَيْنِ الْآتِيَتَيْنِ تَعْرِيفُهُمَا.
وَقُصَارَى الْقَوْلِ أَنَّهُ بِمَا أَنَّ الثَّمَنَ لَمْ يَكُنْ هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ مِنْ الْمَبِيعِ فَلَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ.
وَلِلسَّبَبِ نَفْسِهِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي وَقْتَ الْعَقْدِ وَأَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا وَمَقْدُورَ التَّسْلِيمِ حِينَئِذٍ.
وَإِذَا تَلِفَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَلَا يُفْسَخُ الْبَيْعُ.
مِثَالٌ: لَوْ اشْتَرَى شَخْصٌ مَالًا بِخَمْسِينَ دِينَارًا وَكَانَ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ حِينَ الْعَقْدِ فَالشِّرَاءُ صَحِيحٌ كَمَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ يَمْلِكُ خَمْسِينَ دِينَارًا فَاشْتَرَى بِهَا مَالًا وَقَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَهَا لِلْبَائِعِ تَلِفَتْ بِيَدِهِ فَلَا يَطْرَأُ خَلَلٌ مَا عَلَى عَقْدِ الْبَيْعِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
أَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ الثَّمَنِ وَالْمَبِيعِ فَسَيَأْتِي الْبَحْثُ عَنْهُ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (١٥٥) .
[ (الْمَادَّةُ ١٥٣) الثَّمَنُ الْمُسَمَّى]
(الْمَادَّةُ ١٥٣) الثَّمَنُ الْمُسَمَّى هُوَ الثَّمَنُ الَّذِي يُسَمِّيهِ وَيُعَيِّنُهُ الْعَاقِدَانِ وَقْتَ الْبَيْعِ بِالتَّرَاضِي سَوَاءٌ كَانَ مُطَابِقًا لِلْقِيمَةِ الْحَقِيقِيَّةِ أَوْ نَاقِصًا عَنْهَا أَوْ زَائِدًا عَلَيْهَا.
وَعَلَى ذَلِكَ كَمَا أَنَّ الثَّمَنَ الْمُسَمَّى قَدْ يَكُونُ بِقِيمَةِ الْمَبِيعِ الْحَقِيقِيَّةِ يَكُونُ أَيْضًا أَزْيَدَ مِنْ الْقِيمَةِ الْحَقِيقِيَّةِ أَوْ أَنْقَصَ.
مِثَالٌ: لَوْ بَاعَ إنْسَانٌ فَرَسًا لَهُ قِيمَتُهُ الْحَقِيقِيَّةُ خَمْسِينَ جُنَيْهًا بِخَمْسِينَ جُنَيْهًا فَيَكُونُ قَدْ بَاعَهُ بِقِيمَتِهِ الْحَقِيقِيَّةِ أَوْ لَوْ بَاعَهُ بِسِتِّينَ فَيَكُونُ قَدْ بَاعَهُ بِعَشَرَةِ جُنَيْهَاتٍ زِيَادَةً عَنْ قِيمَتِهِ، أَمَّا لَوْ بَاعَهُ بِأَرْبَعِينَ فَيَكُون الثَّمَنُ الْمُسَمَّى قَدْ نَقَصَ عَنْ الْقِيمَةِ الْحَقِيقِيَّةِ لِلْفَرَسِ.
هَذَا وَلَمَّا كَانَتْ كَلِمَةُ (قِيمَةٍ) كَمَا يُفْهَمُ مِنْ الْمَادَّةِ الْآتِيَةِ هِيَ السِّعْرُ الْحَقِيقِيُّ لِثَمَنِ الْمَبِيعِ فَوَصْفُهَا بِالْحَقِيقِيَّةِ إنَّمَا هُوَ وَصْفٌ تَفْسِيرِيٌّ.
حَاشِيَةٌ لِبَيَانِ بَعْضِ الِاصْطِلَاحَاتِ الْفِقْهِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالثَّمَنِ:
١ - الْغِشُّ الْغَالِبُ: هُوَ أَنْ تَكُونَ كَمِّيَّةُ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ فِي النُّقُودِ أَقَلَّ مِنْ الْكَمِّيَّةِ الْمَعْدِنِيَّةِ الْمَمْزُوجَةِ مَعَهَا كَأَنْ يَكُونَ الثُّلُثُ فِضَّةً أَوْ ذَهَبًا وَالثُّلُثَانِ نُحَاسًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْمَعَادِنِ الْأُخْرَى.
٢ - الْغِشُّ الْمَغْلُوبُ: وَذَلِكَ هُوَ النُّقُودُ الَّتِي تَكُونُ كَمِّيَّةُ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ فِيهَا أَزْيَدَ مِنْ الْمَعَادِنِ الْأُخْرَى الْمَمْزُوجَةِ بِهَا.
٣ - النَّقْدُ الْخَالِصُ: وَهُوَ النُّقُودُ الذَّهَبِيَّةُ أَوْ الْفِضِّيَّةُ الَّتِي لَمْ تُمْزَجْ بِمَعْدِنٍ آخَرَ مِنْ الْمَعَادِنِ.
стр. 108
زُيُوفٌ: جَمْعُ زَيْفٍ هِيَ الدَّرَاهِمُ الَّتِي لَا يُوجَدُ فِيهَا ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ مِثْلُ الْأَجْزَاءِ الْمَعْدِنِيَّةِ أَوْ النُّحَاسِيَّةِ الْبَحْتَةِ.
٥ - الْكَسَادُ: وَهُوَ أَنْ يَبْطُلَ التَّدَاوُلُ بِنَوْعٍ مِنْ الْعُمْلَةِ وَيَسْقُطَ رَوَاجُهَا فِي الْبِلَادِ كَافَّةً.
٦ - الِانْقِطَاعُ: هُوَ عَدَمُ وُجُودِ مِثْلِ الشَّيْءِ مَا فِي الْأَسْوَاقِ. وَلَوْ وُجِدَ ذَلِكَ الْمِثْلُ فِي الْبُيُوتِ فَإِنَّهُ مَا لَمْ يُوجَدْ فِي الْأَسْوَاقِ فَيُعَدُّ مُنْقَطِعًا.
٧ - الرُّخْصُ: هُوَ تَنَزُّلُ قِيمَةِ شَيْءٍ مَا أَيْ نُقْصَانُهَا.
٨ - الْغَلَاءُ: تَزَايُدُ قِيمَةِ الشَّيْءِ أَيْ ارْتِفَاعُهَا (رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
[ (الْمَادَّةُ ١٥٤) الْقِيمَةُ هِيَ الثَّمَنُ الْحَقِيقِيُّ لِلشَّيْءِ]
(الْمَادَّةُ ١٥٤) الْقِيمَةُ هِيَ الثَّمَنُ الْحَقِيقِيُّ لِلشَّيْءِ وَكَذَلِكَ ثَمَنُ الْمِثْلِ.:
أَيْ أَنَّهَا الْمِقْيَاسُ لِلْمَالِ بِدُونِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ.
فَالْقِيمَةُ بِمَا أَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْمِقْيَاسِ فَلَا تَكُونُ زَائِدَةً أَوْ نَاقِصَةً (رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
وَتُجْمَعُ الْقِيمَةُ عَلَى قِيَمٍ كَعِنَبٍ وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْقِيَامِ؛ لِأَنَّ السِّعْرَ لَمَّا كَانَ يَقُومُ مَقَامَ الْمَتَاعِ فَقَدْ سُمِّيَ قِيمَةً.
وَكَمَا بَيَّنَّا فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (١٥٢) أَنَّ الثَّمَنَ الْمُسَمَّى وَثَمَنَ الْمِثْلِ هُمَا مِنْ أَقْسَامِ الثَّمَنِ فَالثَّمَنُ هُوَ الْمُطْلَقُ الْأَعَمُّ أَمَّا الثَّمَنُ الْمُسَمَّى وَثَمَنُ الْمِثْلِ فَهُمَا الْمُطْلَقُ الْأَخَصُّ.
عَلَى أَنَّهُ يُوجَدُ بَيْنَ الثَّمَنِ الْمُسَمَّى وَبَيْنَ ثَمَنِ الْمِثْلِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ فَيَجْتَمِعَانِ فِي مَادَّةٍ وَيَفْتَرِقَانِ فِي اثْنَتَيْنِ.
مَادَّةُ الِاجْتِمَاعِ - هِيَ كَمَا لَوْ بَاعَ شَخْصٌ مَالَهُ الَّذِي يُسَاوِي مِائَةَ قِرْشٍ بِمِائَةِ قِرْشٍ ثَمَنًا مُسَمِّيًا فَالْمِائَةُ قِرْشٍ كَمَا أَنَّهَا الثَّمَنُ الْمُسَمَّى لِلْمَبِيعِ فَهِيَ الْقِيمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ لَهُ أَوْ ثَمَنُ الْمِثْلِ.
افْتِرَاقُ الْقِيمَةِ عَنْ الثَّمَنِ الْمُسَمَّى - وَذَلِكَ كَمَا لَوْ بَاعَ شَخْصٌ مَالًا يُسَاوِي مِائَةَ قِرْشٍ بِخَمْسِينَ قِرْشًا بَيْعًا فَاسِدًا وَتَلِفَ الْمَبِيعُ بِيَدِ الْمُشْتَرِي فَتَلْزَمُهُ الْمِائَةُ قِرْشٍ قِيمَةُ الْمَبِيعِ الْحَقِيقِيَّةُ وَيَضْمَنُهَا لِلْبَائِعِ. فَهُنَا قَدْ وُجِدَتْ الْقِيمَةُ وَلَمْ يُوجَدْ الثَّمَنُ الْمُسَمَّى.
افْتِرَاقُ الثَّمَنِ الْمُسَمَّى عَنْ الْقِيمَةِ - وَذَلِكَ كَأَنْ يَبِيعَ شَخْصٌ مَالًا يُسَاوِي مِائَةَ قِرْشٍ بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ بَيْعًا صَحِيحًا فَالْمِائَةُ وَالْخَمْسُونَ هِيَ الثَّمَنُ الْمُسَمَّى لِلْمَبِيعِ وَلَيْسَتْ قِيمَتُهُ.
[ (الْمَادَّةُ ١٥٥) الْمُثَمَّنُ هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي يُبَاعُ بِالثَّمَنِ]
(الْمَادَّةُ ١٥٥) الْمُثَمَّنُ الشَّيْءُ الَّذِي يُبَاعُ بِالثَّمَنِ
الْمُثَمَّنِ: مِنْ التَّثْمِينِ بِضَمِّ الْمِيمِ الْأُولَى مَعَ فَتْحِ الثَّاءِ وَالْمِيمِ الثَّانِيَةِ الْمُشَدَّدَةِ.
التَّثْمِينُ: بِمَعْنَى وَضْعِ الْقِيمَةِ وَالسِّعْرِ.
стр. 109
يُوجَدُ فَرْقٌ بَيْنَ الْمُثَمَّنِ وَالْمَبِيعِ بَلْ بَيْنَ هَذِهِ الْمَادَّةِ وَبَيْنَ الْمَادَّةِ (١٥١) . فَالْمُثَمَّنُ كَمَا جَاءَ فِي الْمَادَّةِ (١٥٢) بِتَعْرِيفِ الثَّمَنِ هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي يُبَاعُ مُقَابِلَ بَدَلٍ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ أَمَّا فِي بَيْعِ الْمُقَايَضَةِ وَإِنْ قُبِلَ لِلْبَدَلَيْنِ بَيْعٌ فَلَا يُطْلَقُ عَلَيْهِمَا مُثَمَّنٌ. فَعَلَى ذَلِكَ يُفْهَمُ بِأَنَّهُ يُوجَدُ بَيْنَ الْمُثَمَّنِ وَبَيْنَ الْمَبِيعِ عُمُومٌ مُطْلَقٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ فَالْمُثَمَّنُ هُوَ الْمُطْلَقُ الْأَخَصُّ، فَإِذَا بِيعَ مَالٌ مَثَلًا بِخَمْسِينَ قِرْشًا فَكَمَا أَنَّهُ يُقَالُ لِلْمَالِ مَبِيعٌ يُقَالُ لَهُ أَيْضًا مُثَمَّنٌ.
أَمَّا إذَا بِيعَ حِصَانٌ بِجَمَلٍ بَيْعَ مُقَايَضَةٍ فَيُقَالُ لِلْحِصَانِ وَالْجَمَلِ: مَبِيعٌ، فَقَطْ. وَلَا تُطْلَقُ عَلَيْهِمَا لَفْظَةُ مُثَمَّنٍ.
هَذَا وَلَمَّا كَانَ فَهْمُ الْمَادَّتَيْنِ (٢٥٢ و ٢٥٣) فَهْمًا جَيِّدًا يَقْتَضِي مَعْرِفَةَ الْفَرْقِ بَيْنَ الثَّمَنِ وَالْمَبِيعِ وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَهُمَا فَنَرَى أَنْ نَأْتِيَ هُنَا بِالْإِيضَاحَاتِ الْآتِيَةِ:
الْأَعْيَانُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: وَهِيَ الْأَعْيَانُ الَّتِي تَكُونُ دَائِمًا أَثْمَانًا. وَتِلْكَ هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.
وَلَا يَكُونُ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ إلَّا ثَمَنٌ سَوَاءٌ دَخَلَتْ عَلَيْهِمَا (الْبَاءُ) وَهِيَ الْأَدَاةُ الْمُخْتَصَّةُ بِالثَّمَنِ أَوْ لَمْ تَدْخُلْ وَسَوَاءٌ كَانَ مُقَابِلُهُمَا فِي الْبَيْعِ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ مِثْلُهُمَا أَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِمَا مِنْ سَائِرِ الْمِثْلِيَّاتِ وَالْقِيَمِيَّاتِ.
وَعَلَيْهِ لَا تَتَعَيَّنُ بِتَعْيِينِهَا فِي الْعَقْدِ وَإِذَا تَلِفَتْ قَبْلَ التَّسْلِيمِ لَا يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ بِتَلَفِهَا.
الْقِسْمُ الثَّانِي:
وَهُوَ الْأَعْيَانُ الَّتِي تَكُونُ أَبَدًا مَبِيعَةً. وَهَذِهِ هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ الْأَعْيَانِ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ وَلَا مِنْ الْعَدَدِيَّاتِ الْمُتَفَاوِتَةِ كَالْحَيَوَانَاتِ وَالدُّورِ وَالْأَثْوَابِ وَمَا إلَيْهَا مِنْ الْأَمْوَالِ الْقِيَمِيَّةِ، وَهَذِهِ الْأَمْوَالُ سَوَاءٌ دَخَلَتْ عَلَيْهَا (الْبَاءُ) أَدَاةُ الثَّمَنِ وَاسْتُعْمِلَتْ مَعَهَا أَوْ لَمْ تَدْخُلْ وَسَوَاءٌ اُسْتُبْدِلَتْ بِأَمْوَالٍ مِنْ جِنْسِهَا أَوْ مِنْ جِنْسٍ آخَرَ فَلَا تَتَغَيَّرُ عَنْ وَضْعِيَّتِهَا وَتَبْقَى مَبِيعًا أَبَدًا لِهَذَا فَقَدْ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ مُعَيَّنَةً وَمَعْلُومَةً فِي الْبَيْعِ لِأَجْلِ صِحَّتِهِ (اُنْظُرْ الْمَادَّتَيْنِ ٢٠٠ و ٢٠٣) .
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ كُلُّ مَا كَانَ مُتَرَاوِحًا بَيْنَ الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ وَذَلِكَ كَالْمَكِيلَاتِ، وَالْمَوْزُونَاتِ، وَالْعَدَدِيَّاتِ، الْمُتَقَارِبَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ. وَسَيَتَّضِحُ لَك ذَلِكَ بِالتَّفْصِيلَاتِ الْآتِيَةِ:
١ - إذَا تَقَابَلَتْ الْمَكِيلَاتُ وَالْمَوْزُونَاتُ وَالْعَدَدِيَّاتُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ أَيْ كُلُّ مَا كَانَ غَيْرَ النَّقْدِ بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ فَهُنَاكَ احْتِمَالَانِ:
الْأَوَّلُ: هُوَ كَوْنُ تِلْكَ الْمِثْلِيَّاتِ مُتَعَيِّنَةً وَعَلَى ذَلِكَ فَتُعَدُّ مِنْ الْمَبِيعَاتِ فَلَوْ قَالَ الْبَائِعُ: قَدْ بِعْتُ حِنْطَتِي الْمَوْجُودَةَ فِي الْمَحِلِّ الْفُلَانِيِّ لَكَ بِكَذَا دِينَارًا وَعَقَدَ الْبَيْعَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ فَالْمِثْلِيَّاتُ تَكُونُ مَبِيعًا مُتَعَيَّنًا فَيَجِبُ مُرَاعَاةُ شُرُوطِ الْمَبِيعِ فِيهَا.
الِاحْتِمَالُ الثَّانِي - كَوْنُ الْمِثْلِيَّاتِ الْمَذْكُورَةِ غَيْرَ مُقْتَرِنَةٍ بِحَرْفِ (الْبَاءِ) أَدَاةِ الثَّمَنِ فَيَكُونُ الْعَقْدُ عَقْدَ سَلَمٍ وَالْمِثْلِيَّاتُ الْمَذْكُورَةُ (مُسْلَمٌ فِيهِ) .
стр. 110
وَتَجِبُ فِيهِ مُرَاعَاةُ. شَرَائِطَ السَّلَمِ وَذَلِكَ كَمَا لَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي: قَدْ اشْتَرَيْتُ كَذَا كَيْلَةً حِنْطَةً بِكَذَا دِينَارًا فَالْحِنْطَةُ الْمَذْكُورَةُ مَبِيعٌ مُسْلَمٌ فِيهِ. (رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
٢ - مَتَى تَقَابَلَتْ الْمَكِيلَاتُ وَالْمَوْزُونَاتُ وَالْعَدَدِيَّاتُ الْمُتَقَارِبَةُ (أَيْ كُلُّ الْأَمْوَالِ الْمِثْلِيَّةِ مَا عَدَا النَّقْدَيْنِ) بِعَيْنٍ وَفِي ذَلِكَ احْتِمَالَانِ أَيْضًا:
الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ - هُوَ كَوْنُ الْمِثْلِيَّاتِ الْمَذْكُورَةِ مُتَعَيِّنَةً فَتَكُونُ بِذَلِكَ ثَمَنًا كَمَا لَوْ قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: بِعْتُكَ هَذَا الْحِصَانَ بِصُبْرَةِ هَذِهِ الْحِنْطَةِ أَوْ بِعْتُكَ صُبْرَةَ هَذِهِ الْحِنْطَةِ بِهَذَا الْحِصَانِ فَالْحِنْطَةُ تَكُونُ ثَمَنًا وَالْحِصَانُ مَبِيعًا (رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
الِاحْتِمَالُ الثَّانِي - هُوَ كَوْنُ الْمِثْلِيَّاتِ غَيْرَ مُتَعَيِّنَةٍ وَعَلَى ذَلِكَ فَتَكُونُ تِلْكَ الْمِثْلِيَّاتُ مَبِيعًا وَمُسْلَمًا فِيهِ، وَذَلِكَ كَمَا لَوْ قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: قَدْ اشْتَرَيْتُ مِنْكَ كَذَا كَيْلَةً مِنْ الْحِنْطَةِ بِهَذَا الْفَرَسِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ ٢) .
٣ - أَمَّا إذَا تَقَابَلَتْ الْمَكِيلَاتُ وَالْمَوْزُونَاتُ وَالْعَدَدِيَّاتُ الْمُتَقَارِبَةُ أَيْ كُلُّ مَا كَانَ مِثْلِيًّا مِنْ الْأَمْوَالِ مَا عَدَا النَّقْدَيْنِ بِأَمْثَالِهَا أَيْ بِمَالٍ مِثْلِيٍّ مِنْ نَوْعِهَا فَإِذَا كَانَ الْمُقَابِلُ (بِالْكَسْرِ) وَالْمُقَابَلُ (بِالْفَتْحِ) عَيْنًا فَيُعَدُّ الْبَدَلَانِ مَبِيعًا وَالْبَيْعُ بَيْعَ مُقَايَضَةٍ.
مِثَالُ ذَلِكَ: لَوْ قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: بِعْتُ هَذِهِ الْخَمْسِينَ كَيْلَةَ حِنْطَةٍ بِهَذِهِ الْعَشَرَةِ قَنَاطِيرَ أُرْزٍ فَالْبَدَلَانِ مَبِيعَانِ وَالْبَيْعُ بَيْعُ مُقَايَضَةٍ.
[ (الْمَادَّةُ ١٥٦) التَّأْجِيلُ تَعْلِيقُ الدَّيْنِ وَتَأْخِيرُهُ إلَى وَقْتٍ مُعَيَّنٍ]
(الْمَادَّةُ ١٥٦) التَّأْجِيلُ: تَعْلِيقُ الدَّيْنِ وَتَأْخِيرُهُ إلَى وَقْتٍ مُعَيَّنٍ. وَهُوَ لُغَةً بِمَعْنَى التَّأْخِيرِ وَتَحْدِيدِ الْأَجَلِ
وَشَرْعًا هُوَ كَمَا وَرَدَ فِي تَعْرِيفِ هَذِهِ الْمَادَّةِ.
وَيُقَالُ لِلزَّمَنِ الْمَضْرُوبِ فِي التَّأْجِيلِ وَلِلْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ فِيهِ (أَجَلٌ) وَلِلدَّيْنِ (مُؤَجَّلٌ) وَيُقَالُ لِلدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ (الدَّيْنُ الْحَالُّ) يُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّ التَّأْجِيلَ قَدْ خُصِّصَ أَوَّلًا: بِالدَّيْنِ ثَانِيًا: بِالْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ.
أَمَّا إذَا أُجِّلَتْ الْعَيْنُ الَّتِي تَكُونُ ثَمَنًا أَوْ مَبِيعًا أَوْ كَانَ الْأَجَلُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ وَمَجْهُولًا فَالتَّأْجِيلُ حِينَئِذٍ غَيْرُ مَشْرُوعٍ وَالْبَيْعُ يَكُونُ فَاسِدًا.
هَذَا وَالتَّأْجِيلُ لَازِمٌ فِي غَيْرِ الْقَرْضِ وَلَيْسَ لِلْمُؤَجِّلِ الرُّجُوعُ عَنْ تَأْجِيلِهِ.
وَيَحْصُلُ التَّأْجِيلُ (١) حِينَ الْعَقْدِ وَذَلِكَ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ اللَّذَيْنِ يُعْقَدَانِ عَلَى أَنْ يُؤَدَّى بَدَلُهُمَا بَعْدَ سَنَةٍ مَثَلًا.
(٢) بَعْدَ الْعَقْدِ وَذَلِكَ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ اللَّذَيْنِ يُشْتَرَطُ فِيهِمَا تَعْجِيلُ الثَّمَنِ أَوْ الْبَدَلِ حِينَ الْعَقْدِ ثُمَّ يُؤَجَّلَانِ لِمُدَّةِ سَنَةٍ مَثَلًا " اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٢٤٨) ".
هَذَا وَيُقَابِلُ تَأْجِيلَ الدَّيْنِ حُلُولُ أَجَلِهِ.
(رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
следующие страницы →