← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 21693

شرح منتهى الإرادات للبهوتي = دقائق أولي النهى ط عالم الكتب

البهوتي

Полный текст (1 968 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

«وَإِذَا كَانَ الثَّوْبُ وَاسِعًا فَخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاشْدُدْهُ عَلَى حِقْوِكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلِأَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ وَاجِبٌ خَارِجَ الصَّلَاةِ فَفِيهَا أَوْلَى (أَوْ) لَمْ يَجِدْ إلَّا (مَا يَسْتُرُ الْفَرْجَيْنِ) سَتَرَهُمَا ; لِأَنَّهُمَا عَوْرَةٌ بِلَا خِلَافٍ وَأَفْحَشُ فِي النَّظَرِ (أَوْ) لَمْ يَجِدْ إلَّا مَا يَسْتُرُ (أَحَدَهُمَا سَتَرَهُ، وَالدُّبُرُ أَوْلَى) مِنْ الْقُبُلِ ; لِأَنَّهُ أَفْحَشُ. وَيَنْفَرِجُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (إلَّا إذَا كَفَتْ) السُّتْرَةُ عَوْرَتَهُ فَقَطْ، أَوْ (مَنْكِبَهُ وَعَجُزَهُ فَقَطْ) دُونَ دُبُرِهِ، قَالَهُ فِي شَرْحِهِ، وَالظَّاهِرُ دُونَ قُبُلِهِ (فَيَسْتُرُهُمَا) أَيْ الْمَنْكِبَ وَالْعَجُزَ وُجُوبًا ;. لِأَنَّ سَتْرَ الْمَنْكِبِ لَا بَدَلَ لَهُ، وَصَحَّ الْحَدِيثُ بِالْأَمْرِ بِهِ فَمُرَاعَاتُهُ أَوْلَى (وَيُصَلِّي جَالِسًا) نَدْبًا لِسَتْرِ الْعَوْرَةِ الْمُغَلَّظَةِ (وَيَلْزَمُهُ) أَيْ الْعُرْيَانَ (تَحْصِيلُ سُتْرَةٍ بِثَمَنِ مِثْلِهَا) فِي مَكَانِهَا مَعَ الْقُدْرَةِ. وَكَذَا لَوْ وَجَدَهَا تُؤَجَّرُ، وَقَدَرَ عَلَى الْأُجْرَةِ فَاضِلَةً عَنْ حَاجَتِهِ (فَإِنْ زَادَ) ثَمَنُهَا عَنْ قِيمَةِ مِثْلِهَا فِي مَكَانِهَا (فَكَمَاءِ وُضُوءٍ) إنْ كَانَتْ يَسِيرَةً لَزِمَتْهُ، وَإِلَّا فَلَا. وَيَلْزَمُهُ (قَبُولُهَا عَارِيَّةً) إنْ بُذِلَتْ لَهُ. لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى سَتْرِ عَوْرَتِهِ بِمَا لَا تَكْثُرُ فِيهِ الْمِنَّةُ. وَعُلِمَ مِنْهُ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ اسْتِعَارَتُهَا، و (لَا) قَبُولُهَا (هِبَةً) لِعِظَمِ الْمِنَّةِ فِيهِ (فَإِنْ عَدِمَ) السُّتْرَةَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا بِبَيْعٍ وَلَا إجَارَةٍ، وَلَمْ تُبْذَلْ لَهُ عَارِيَّةٌ (صَلَّى جَالِسًا نَدْبًا، يُومِئ) بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ (وَلَا يَتَرَبَّعُ) فِي جُلُوسِهِ (بَلْ يَنْضَمُّ) أَيْ يَضُمُّ إحْدَى فَخِذَيْهِ إلَى الْأُخْرَى. لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا فِي قَوْمٍ انْكَسَرَتْ بِهِمْ مَرَاكِبُهُمْ فَخَرَجُوا عُرَاةً قَالَ: «يُصَلُّونَ جُلُوسًا يُومِئُونَ بِرُءُوسِهِمْ» وَلَمْ يُنْقَلْ خِلَافُهُ. وَلِأَنَّ السَّتْرَ آكَدُ مِنْ الْقِيَامِ، لِأَنَّهُ لَا يَسْقُطُ فِي فَرْضٍ، وَلَا نَفْلٍ وَلَا يَخْتَصُّ بِالصَّلَاةِ، فَإِنْ صَلَّى قَائِمًا جَازَ، وَيَرْكَعُ وَيَسْجُدُ بِالْأَرْضِ (وَإِنْ وَجَدَهَا) أَيْ السُّتْرَةَ (مُصَلٍّ) عُرْيَانًا (قَرِيبَةً) مِنْهُ (عُرْفًا) أَيْ بِحَيْثُ تُعَدُّ فِي الْعُرْفِ قَرِيبَةً (سَتَرَ) بِهَا مَا وَجَبَ عَلَيْهِ سَتْرُهُ (وَبَنَى) عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ، قِيَاسًا عَلَى أَهْلِ قُبَاءَ، لَمَّا عَلِمُوا بِتَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ اسْتَدَارُوا إلَيْهَا وَأَتَمُّوا صَلَاتَهُمْ (وَإِلَّا) إنْ كَانَتْ بَعِيدَةً وَلَا يُمْكِنُهُ السَّتْرُ بِهَا إلَّا بِعَمَلٍ كَثِيرٍ وَزَمَنٍ طَوِيلٍ سَتَرَ، و (ابْتَدَأَ) صَلَاتَهُ لِبُطْلَانِهَا (وَكَذَا مَنْ عَتَقَتْ) فِيهَا أَيْ الصَّلَاةِ (وَاحْتَاجَتْ إلَيْهَا) أَيْ السُّتْرَةِ بِأَنْ لَمْ تَكُنْ مُسْتَتِرَةً كَحُرَّةٍ، فَإِنْ كَانَ الْخِمَارُ قَرِيبًا تَخَمَّرَتْ وَبَنَتْ، وَإِلَّا تَخَمَّرَتْ وَابْتَدَأَتْ، وَكَذَا مَنْ أَطَارَتْ الرِّيحُ ثَوْبَهَا فِيهَا، فَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ بِالْعِتْقِ أَوْ وُجُوبِ السَّتْرِ، أَوْ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهَا مَعَ كَشْفِ مَا يَجِبُ سَتْرُهُ وَقُدْرَتِهَا عَلَيْهِ (وَيُصَلِّي الْعُرَاةُ جَمَاعَةً وَإِمَامُهُمْ وَسَطًا) أَيْ لَا

стр. 142

يَتَقَدَّمُهُمْ (وُجُوبًا فِيهِمَا) أَيْ فِي مَسْأَلَتَيْ وُجُوبِ الْجَمَاعَةِ عَلَيْهِمْ، وَكَوْنِ إمَامِهِمْ وَسَطَهُمْ، أَمَّا الْأُولَى: فَلِأَنَّهُمْ قَدَرُوا عَلَى الْجَمَاعَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ. أَشْبَهُوا الْمُسْتَتِرِينَ وَكَحَالِ الْخَوْفِ وَأَوْلَى، وَلَا تَسْقُطُ الْجَمَاعَةُ بِفَوْتِ سُنَّةِ الْمَوْقِفِ، وَأَمَّا الثَّانِيَة، فَلِأَنَّهُ سِتْرٌ مِنْ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ تَقَدَّمَهُمْ بَطَلَتْ، إنْ لَمْ يَكُونُوا عُمْيَانًا أَوْ فِي ظُلْمَةٍ. فَإِنْ كَانَ الْعُرَاةُ أَكْثَرَ مِنْ نَوْعٍ كَنِسَاءٍ وَرِجَالٍ، صَلَّى (كُلُّ نَوْعٍ جَانِبًا) لِأَنْفُسِهِمْ، حَتَّى لَا يَرَى بَعْضُهُمْ عَوْرَةَ بَعْضٍ إنْ اتَّسَعَ الْمَحَلُّ (فَإِنْ شَقَّ) ذَلِكَ لِنَحْوِ ضِيقٍ (صَلَّى الْفَاضِلُ) وَهُمْ الرِّجَالُ (وَاسْتَدْبَرَ مَفْضُولٌ) وَهُمْ النِّسَاءُ (ثُمَّ عَكَسَ) فَيُصَلِّي النِّسَاءُ وَيَسْتَدْبِرْهُنَّ الرِّجَالُ، لِأَنَّ النِّسَاءَ إنْ وَقَفْنَ مَعَ الرِّجَالِ صَفًّا مَعَ سَعَةِ الْمَحَلِّ أَخْطَأْنَ سُنَّةَ الْمَوْقِفِ، وَإِنْ صَلَّيْنَ خَلْفَهُمْ شَاهَدْنَ عَوْرَاتِهِمْ، وَرُبَّمَا اُفْتُتِنَّ بِهِمْ (وَمَنْ أَعَارَهُ) وَنَحْوُهُ (سُتْرَتَهُ) لِمَنْ يُصَلِّي فِيهَا (وَصَلَّى) أَيْ صَاحِبُهَا (عُرْيَانًا لَمْ تَصِحَّ) صَلَاتُهُ لِتَرْكِهِ السَّتْرَ مَعَ الْقُدْرَةِ. (وَتُسَنُّ) إعَارَةُ السُّتْرَةِ لِلصَّلَاةِ (إذَا صَلَّى) رَبُّهَا لِتَكْمُلَ صَلَاةُ الْمُسْتَعِيرِ (وَيُصَلِّي بِهَا) بَعْدَ رَبِّهَا، إنْ تَعَدَّدَ الْعُرَاةُ (وَاحِدٌ فَآخَرُ) حَتَّى يَنْتَهُوا مَعَ سَعَةِ الْوَقْتِ، لِقُدْرَتِهِمْ عَلَى الصَّلَاةِ بِشَرْطِهَا. (وَيُقَدَّمُ إمَامٌ مَعَ ضِيقِ الْوَقْتِ) وَيَقِفُ قُدَّامَهُمْ لِاسْتِتَارِ عَوْرَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّهَا صَلَّى وَصَلَحَ لِلْإِمَامَةِ صَلَّى بِهِمْ (وَالْمَرْأَةُ) الْعَارِيَّةُ (أَوْلَى) بِالسُّتْرَةِ تُعَارُ مِنْ الرَّجُلِ حَتَّى الْإِمَامِ ; لِأَنَّ عَوْرَتَهَا أَفْحَشُ وَسَتْرُهَا أَبْعَدُ مِنْ الْفِتْنَةِ. فَصْلٌ فِي جُمْلَةٍ مِنْ أَحْكَامِ اللِّبَاسِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا (كُرِهَ فِي صَلَاةٍ) فَقَطْ (سَدْلٌ وَهُوَ طَرْحُ ثَوْبٍ عَلَى كَتِفَيْهِ) أَيْ الْمُصَلِّي (وَلَا يَرُدُّ طَرَفَهُ) أَيْ الثَّوْبِ (عَلَى) الْكَتِفِ (الْأُخْرَى) سَوَاءٌ كَانَ تَحْتَهُ ثَوْبٌ أَوْ لَا. وَالنَّهْيُ فِيهِ صَحِيحٌ عَنْ عَلِيٍّ وَخَبَرُ أَبِي هُرَيْرَةَ نُقِلَ هُنَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لَكِنْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ لَمْ يُضَعِّفْهُ أَحْمَدُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ. وَإِنْ رَدَّ طَرَفَهُ عَلَى الْكَتِفِ الْأُخْرَى. وَفِي الْإِقْنَاعِ وَغَيْرِهِ: أَوْ ضَمَّ طَرَفَيْهِ بِيَدَيْهِ لَمْ يُكْرَهْ، وَلَا بَأْسَ بِطَرْحِ الْقَبَاءِ عَلَى كَتِفَيْهِ بِلَا إدْخَالِ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ. (وَ) كُرِهَ أَيْضًا فِي صَلَاةٍ (اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ وَهُوَ أَنْ يَضْطَبِعَ بِثَوْبٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ، وَأَنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ بِالثَّوْبِ الْوَاحِدِ، لَيْسَ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ مِنْهُ، يَعْنِي شَيْءٌ» أَخْرَجُوهُ.

стр. 143

وَالِاضْطِبَاعُ: أَنْ يَجْعَلَ وَسَطَ الرِّدَاءِ تَحْتَ عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ وَطَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ. فَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ ثَوْبٌ فَلَا كَرَاهَةَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَبَدَتْ عَوْرَتُهُ فِي الصَّلَاةِ بَطَلَتْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا، وَإِنْ احْتَبَى وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ جَازَ، وَإِلَّا حَرُمَ. (وَ) كُرِهَ أَيْضًا فِي صَلَاةٍ (تَغْطِيَةُ وَجْهٍ، وَتَلَثُّمٌ عَلَى فَمٍ وَأَنْفٍ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُغَطِّيَ الرَّجُلُ فَاهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى كَرَاهَةِ تَغْطِيَةِ الْوَجْهِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى تَغْطِيَةِ الْفَمِ، وَقِيَاسُهُ: تَغْطِيَةُ الْأَنْفِ، وَفِي تَغْطِيَةِ الْوَجْهِ تَشَبُّهٌ بِالْمَجُوسِ عِنْدَ عِبَادَتِهِمْ النِّيرَانَ، وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا مَنَعَ تَحْقِيقَ الْحُرُوفِ. (وَ) كُرِهَ أَيْضًا فِي صَلَاةٍ (لَفُّ كُمٍّ) لِقَوْلِهِ ﷺ «وَلَا أَكُفَّ شَعَرًا وَلَا ثَوْبًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. زَادَ فِي الرِّعَايَةِ: وَتَشْمِيرُهُ وَمَحَلُّ كَرَاهَةِ تَغْطِيَةِ وَجْهٍ وَمَا بَعْدَهُ: إنْ كَانَ (بِلَا سَبَبٍ) قَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ بِتَغْطِيَةِ الْوَجْهِ لِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ. وَقِيَاسُهُ: كَفُّ الْكُمِّ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ كَانَ السَّدْلُ وَمَا بَعْدَهُ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ لَمْ يُكْرَهْ. (وَ) كُرِهَ (مُطْلَقًا) فِي صَلَاةٍ وَغَيْرِهَا (تَشَبُّهٌ بِكُفَّارٍ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَقَلُّ أَحْوَالِهِ أَيْ هَذَا الْحَدِيث أَنْ يَقْتَضِيَ تَحْرِيمَ التَّشَبُّهِ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي كُفْرَ الْمُتَشَبَّهِ بِهِمْ. وَقَالَ: وَلَمَّا صَارَتْ الْعِمَامَةُ الصَّفْرَاءُ وَالزَّرْقَاءُ مِنْ شِعَارِهِمْ: حَرُمَ لُبْسُهُمَا. (وَ) كُرِهَ أَيْضًا مُطْلَقًا جَعْلُ صِفَةِ (صَلِيبٍ فِي ثَوْبٍ وَنَحْوِهِ) كَعِمَامَةٍ وَخَاتَمٍ ; لِأَنَّهُ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالنَّصَارَى. وَظَاهِرُ نَقْلِ صَالِحٍ: تَحْرِيمُهُ، وَصَوَّبَهُ فِي الْإِنْصَافِ. (وَ) كُرِهَ أَيْضًا مُطْلَقًا (شَدُّ وَسَطٍ) بِفَتْحِ السِّينِ (ب) شَيْءٍ (شِبْهِ) شَدِّ (زُنَّارٍ) بِوَزْنِ تُفَّاحٍ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالْيَهُودِ وَقَدْ نَهَى ﷺ النَّبِيُّ عَنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ. فَقَالَ «لَا تَشْتَمِلُوا اشْتِمَالَ الْيَهُودِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. فَأَمَّا شَدُّ الرَّجُلِ وَسَطَهُ بِمَا لَا يُشْبِه ذَلِكَ. فَقَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ بِهِ. أَلَيْسَ قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ إلَّا وَهُوَ مُحْتَزِمٌ» وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ الرَّجُلِ يُصَلِّي وَعَلَيْهِ الْقَمِيصُ، يَأْتَزِرُ بِالْمِنْدِيلِ؟ قَالَ: نَعَمْ فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ. (وَ) كُرِهَ شَدُّ وَسَطِ (أُنْثَى مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ يُشْبِهُ شَدَّ زُنَّارٍ أَوْ لَا ; لِأَنَّهُ يُبَيَّنُ بِهِ حَجْمُ عَجِيزَتِهَا، وَتُبَيَّنُ بِهِ تَقَاطِيعُ بَدَنِهَا. وَحَمَلَهُ صَاحِبُ الْإِقْنَاعِ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ فِي الصَّلَاةِ فَقَطْ، دُونَ خَارِجِهَا. وَاسْتَدَلَّ لَهُ (وَ) كُرِهَ أَيْضًا (مَشْيٌ بِنَعْلٍ وَاحِدَةٍ) لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا يَمْشِي أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَنَصُّهُ: وَلَوْ يَسِيرًا، لِإِصْلَاحِ الْأُخْرَى لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ

стр. 144

«إذَا انْقَطَعَ شِسْعُ نَعْلِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَمْشِ فِي الْأُخْرَى حَتَّى يُصْلِحَهَا» وَأَيْضًا عَنْ جَابِرٍ، وَفِيهِ «وَلَا خُفٍّ وَاحِدٍ» وَلِأَنَّهُ مِنْ الشُّهْرَةِ. وَيُسَنُّ كَوْنُ النَّعْلِ أَصْفَرَ وَالْخُفِّ أَحْمَرَ وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي مِنْ أَصْحَابِنَا أَوْ أَسْوَدَ. وَيُسَنُّ تَعَاهُدُهَا عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ لِنَعْلِهِ ﷺ قِبَالَانِ بِكَسْرِ الْقَافِ وَهُوَ السَّيْرُ بَيْنَ الْوُسْطَى وَاَلَّتِي تَلِيهَا، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَاسْتَحَبَّ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَغَيْرُهُ: الصَّلَاةَ فِي النَّعْلِ الطَّاهِرِ. وَقَالَ صَاحِبُ النَّظْمِ: الْأَوْلَى حَافِيًا. وَفِيَ الْإِقْنَاعِ: لَا يُكْرَهُ الِانْتِعَالُ قَائِمًا. وَفِي النَّظْمِ: يُكْرَهُ لُبْسُ خُفٍّ وَإِزَارٍ وَسَرَاوِيلَ قَائِمًا، وَلَعَلَّهُ جَالِسًا أَوْلَى (وَ) كُرِهَ أَيْضًا مُطْلَقًا (لُبْسُهُ) أَيْ الرَّجُلِ لَا الْمَرْأَةِ (مُعَصْفَرًا) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «رَأَى النَّبِيُّ ﷺ عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ، فَقَالَ: إنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ، فَلَا تَلْبَسْهَا» وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى عَلَيْهِ رَيْطَةً مُضَرَّجَةً بِالْعُصْفُرِ. فَقَالَ: مَا هَذِهِ؟ قَالَ: فَعَرَفْتُ مَا كَرِهَ. فَأَتَيْت أَهْلِي وَهُمْ يَسْجُرُونَ تَنُّورَهُمْ، فَقَذَفْتهَا فِيهِ. ثُمَّ أَتَيْته فَأَخْبَرْته، فَقَالَ: أَلَا كَسَوْتهَا بَعْضَ أَهْلِك؟ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِلنِّسَاءِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. (فِي غَيْرِ إحْرَامٍ) فَلَا يُكْرَهُ الْمُعَصْفَرُ فِيهِ نَصًّا (وَ) كُرِهَ أَيْضًا لُبْسُ رَجُلٍ (مُزَعْفَرًا) لِأَنَّهُ ﷺ «نَهَى الرِّجَالَ عَنْ التَّزَعْفُرِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَ) كُرِهَ أَيْضًا لُبْسُ رَجُلٍ (أَحْمَرَ مُصْمَتًا) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ عَلَيْهِ بُرْدَانِ أَحْمَرَانِ، فَسَلَّمَ فَلَمْ يَرُدَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ» وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ بِطَانَةً، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُصْمَتًا أَيْ مُنْفَرِدًا، فَلَا كَرَاهَةَ وَعَلَيْهِ حُمِلَ لُبْسُهُ ﷺ الْحُلَّةَ الْحَمْرَاءَ. (وَ) كُرِهَ أَيْضًا لُبْسُ رَجُلٍ (طَيْلَسَانًا، وَهُوَ الْمُقَوَّرُ) لِأَنَّهُ يُشْبِهُ لُبْسَ رُهْبَانِ الْمَلَكِيِّينَ مِنْ النَّصَارَى. وَلَا يُكْرَهُ لُبْسُ غَيْرِ الْمُقَوَّرِ. (وَ) يُكْرَهُ أَيْضًا لُبْسُهُ (جِلْدًا مُخْتَلَفًا فِي نَجَاسَتِهِ وَافْتِرَاشُهُ) مَعَ الْحُكْمِ بِطَهَارَتِهِ، خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ، وَمَعَ الْحُكْمِ بِنَجَاسَتِهِ يَحْرُمُ، إلَّا مَا نَجِسَ بِمَوْتِهِ وَدُبِغَ، كَمَا سَبَقَ. و (لَا) يُكْرَهُ (إلْبَاسُهُ) أَيْ الْجِلْدِ الْمُخْتَلَفِ فِي نَجَاسَتِهِ (دَابَّتَهُ) لِأَنَّ حُرْمَتَهَا لَيْسَتْ كَحُرْمَةِ الْآدَمِيِّ، وَيَحْرُمُ إلْبَاسُهَا ذَهَبًا وَفِضَّةً، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَحَرِيرًا. (وَ) يُكْرَهُ (كَوْنُ ثِيَابِهِ) أَيْ الرَّجُلِ (فَوْقَ نِصْفِ سَاقِهِ) نَصًّا. وَلَعَلَّهُ لِئَلَّا تَبْدُوَ عَوْرَتُهُ (أَوْ تَحْتَ كَعْبِهِ بِلَا حَاجَةٍ) لِلْخَبَرِ. فَإِنْ كَانَ ثَمَّ حَاجَةٌ كَحُمُوشَةِ سَاقِهِ لَمْ يُكْرَهْ، إنْ لَمْ يَقْصِدْ التَّدْلِيسَ (وَ) يُبَاحُ (لِلْمَرْأَةِ زِيَادَةُ) ذَيْلِهَا (إلَى ذِرَاعٍ) لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ

стр. 145

«يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَصْنَعُ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ؟ قَالَ: يُرْخِينَ شِبْرًا، فَقَالَتْ: إذَنْ تَنْكَشِفُ أَقْدَامُهُنَّ قَالَ: فَيُرْخِينَ ذِرَاعًا لَا يَزِدْنَ عَلَيْهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ (وَحَرُمَ أَنْ يُسْبِلَهَا) أَيْ ثِيَابَ الرَّجُلِ (بِلَا حَاجَةٍ خُيَلَاءَ) قَمِيصًا كَانَتْ أَوْ إزَارًا أَوْ سَرَاوِيلَ أَوْ عِمَامَةً، فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، لِحَدِيثِ «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إلَيْهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ لِحَاجَةٍ بِلَا خُيَلَاءَ (فِي غَيْرِ حَرْبٍ) وَفِيهِ: لَا يَحْرُمُ لِإِرْهَابِ الْعَدُوِّ. (وَ) حَرُمَ (حَتَّى عَلَى أُنْثَى لُبْسُ مَا فِيهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ وَتَعْلِيقُهُ، وَسَتْرُ جُدُرٍ بِهِ، وَتَصْوِيرُهُ) لِقَوْلِهِ ﷺ «إنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيُقَالُ: لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» وَقَالَ «إنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لَا تَدْخُلُهُ الْمَلَائِكَةُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَائِشَةَ. وَعَنْ جَابِرٍ «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الصُّورَةِ فِي الْبَيْتِ، وَنَهَى أَنْ يُصْنَعَ ذَلِكَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَإِنْ أُزِيلَ مِنْ الصُّورَةِ مَا لَا يَبْقَى مَعَهُ حَيَاةٌ لَمْ يُكْرَه. نَصًّا، وَمِثْلُهُ صُورَةُ شَجَرٍ وَنَحْوِهِ، وَكَذَا تَصْوِيرُهُ. و (لَا) يَحْرُمُ (افْتِرَاشُهُ) أَيْ الْمُصَوَّرِ (وَجَعْلُهُ مِخَدًّا) وَلَا يُكْرَهُ، لِأَنَّهُ ﷺ «اتَّكَأَ عَلَى مِخَدَّةٍ فِيهَا صُورَةٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. (وَ) حَرُمَ (عَلَى غَيْرِ أُنْثَى) مِنْ رَجُلٍ وَخُنْثَى (حَتَّى كَافِرٍ لُبْسُ مَا كُلُّهُ وَمَا غَالِبُهُ ظُهُورًا حَرِيرٌ، وَلَوْ) كَانَ (بِطَانَةً) لِحَدِيثِ عُمَرَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ، فَإِنَّهُ مَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسهُ فِي الْآخِرَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَكَوْنُ عُمَرَ «بَعَثَ بِمَا أَعْطَاهُ النَّبِيُّ ﷺ إلَى أَخٍ لَهُ مُشْرِكٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي لُبْسِهَا. وَقَدْ «بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ إلَى عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَأُسَامَةَ» وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ إبَاحَةُ لُبْسِهِ، وَالْكُفَّارُ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ (وَ) وَحَرُمَ أَيْضًا عَلَى غَيْرِ أُنْثَى (افْتِرَاشُهُ) أَيْ الْحَرِيرِ لِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نَشْرَبَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَأَنْ نَأْكُلَ فِيهَا أَوْ أَنْ نَلْبَسَ الْحَرِيرَ وَالدِّيبَاجَ، وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. و (لَا) يَحْرُمُ افْتِرَاشُهُ (تَحْتَ) حَائِلٍ (صَفِيقٍ) فَيَجُوزُ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى الْحَائِلِ (وَيُصَلِّيَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مُفْتَرِشٌ لِلْحَائِلِ، مُجَانِبٌ لِلْحَرِيرِ. (وَ) يَحْرُمُ أَيْضًا عَلَى غَيْرِ أُنْثَى (اسْتِنَادٌ إلَيْهِ، وَتَعْلِيقُهُ) أَيْ الْحَرِيرِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ: بُشْخَانَةٌ وَخَيْمَةٌ وَنَحْوُهُمَا، وَحَرُمَ الْأَكْثَرُ اسْتِعْمَالَهُ مُطْلَقًا، فَدَخَلَ فِيهِ: تِكَّةٌ وَشِرَابَةٌ مُفْرَدَةٌ، وَخَيْطُ مِسْبَحَةٍ. (وَ) يَحْرُمُ أَيْضًا (كِتَابَةُ مَهْرٍ فِيهِ) أَيْ فِي الْحَرِيرِ. وَقِيلَ: يُكْرَهُ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ. (وَ) يَحْرُمُ أَيْضًا (سَتْرُ جُدُرٍ بِهِ) أَيْ بِالْحَرِيرِ لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ لَهُ، أَشْبَهَ لُبْسَهُ (غَيْرَ الْكَعْبَةِ

стр. 146

الْمُشَرَّفَةِ) زَادَهَا اللَّهُ تَعْظِيمًا وَتَشْرِيفًا فَيَجُوزُ سَتْرُهَا بِالْحَرِيرِ. وَكَلَامُ أَبِي الْمَعَالِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَحَلُّ وِفَاقٍ وَمَحَلُّ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ الْحَرِيرِ. إذَا كَانَ (بِلَا ضَرُورَةٍ) كَبَرْدٍ أَوْ حَكَّةٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ قَمْلٍ، لِحَدِيثِ أَنَسٍ «أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرَ شَكَوْا الْقَمْلَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَرَخَّصَ لَهُمَا فِي قَمِيصِ الْحَرِيرِ وَرَأَيْتُهُ عَلَيْهِمَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَمَا ثَبَتَ فِي حَقِّ صَحَابِيٍّ يَثْبُتُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، إذْ لَا دَلِيلَ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِهِ، وَقِسْ عَلَى الْقَمْلِ غَيْرَهُ مِمَّا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى لُبْسِ الْحَرِيرِ. (وَ) حَرُمَ أَيْضًا عَلَى غَيْرِ أُنْثَى ثَوْبٌ (مَنْسُوجٌ) بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ (وَمُمَوَّهٌ بِذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ) إلَّا خُوذَةً أَوْ مِغْفَرًا أَوْ جَوْشَنًا وَنَحْوَهَا بِفِضَّةٍ، وَكَذَا مَا طُلِيَ أَوْ كُفِتَ أَوْ طُعِّمَ بِأَحَدِهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْآنِيَةِ، وَمَا حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ حَرُمَ تَمْلِيكُهُ وَتَمَلُّكُهُ لِذَلِكَ، وَعَمَلُ خِيَاطَتِهِ لِمَنْ حَرُمَ عَلَيْهِ وَأُجْرَتُهُ، نَصًّا. و (لَا) يَحْرُمُ (مُسْتَحِيلٌ لَوْنُهُ) مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ (وَلَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ شَيْءٌ) لَوْ عُرِضَ عَلَى النَّارِ، لِزَوَالِ عِلَّةِ التَّحْرِيمِ مِنْ السَّرَفِ وَالْخُيَلَاءِ، وَكَسْرِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ. (وَ) لَا يَحْرُمُ أَيْضًا (حَرِيرٌ سَاوَى مَا نُسِجَ مَعَهُ) مِنْ قُطْنٍ أَوْ كَتَّانٍ أَوْ صُوفٍ وَنَحْوِهِ (ظُهُورًا) بِأَنْ كَانَ ظُهُورُهُمَا عَلَى السَّوَاءِ، وَلَوْ زَادَ الْحَرِيرُ وَزْنًا فَلَا يَحْرُمُ، لِأَنَّ الْغَالِبَ لَيْسَ بِحَرِيرٍ، فَيَنْتَفِي دَلِيلُ الْحُرْمَةِ. وَيَبْقَى أَصْلُ الْإِبَاحَةِ (وَ) لَا يَحْرُمُ أَيْضًا (خَزٌّ) أَيْ ثَوْبٌ يُسَمَّى الْخَزَّ (وَهُوَ مَا سُدِيَ بِإِبْرَيْسَمٍ) أَوْ حَرِيرٍ (وَأُلْحِمَ بِصُوفٍ، أَوْ وَبَرٍ وَنَحْوِهِ) كَقُطْنٍ وَكَتَّانٍ. لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «إنَّمَا نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الثَّوْبِ الْمُصْمَتِ مِنْ الْحَرِيرِ، أَمَّا عَلَمُ وَسَدَى الثَّوْبِ فَلَيْسَ بِهِ بَأْسٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْأَثْرَمُ. وَأَمَّا مَا عُمِلَ مِنْ سَقَطِ الْحَرِيرِ وَمُشَاقَّتِهِ وَمَا يُلْقِيهِ الصَّانِعُ مِنْ فَمِهِ مِنْ تَقْطِيعِ الطَّاقَاتِ إذَا دُقَّ وَغُسِلَ وَنُسِجَ، فَهُوَ كَحَرِيرٍ خَالِصٍ فِي ذَلِكَ وَإِنْ سُمِّيَ الْآنَ خَزًّا، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ (أَوْ) أَيْ وَلَا يَحْرُمُ (خَالِصٌ) مِنْ حَرِيرٍ (لِمَرَضٍ أَوْ حَكَّةٍ) سَوَاءٌ أَثَّرَ فِي زَوَالِهَا أَوْ لَا لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ) خَالِصٌ (لِحَرْبٍ) مُبَاحٌ إذَا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ إلَى انْقِضَاءِ الْقِتَالِ (وَلَوْ بِلَا حَاجَةٍ) نَصًّا ; لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ لُبْسِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخُيَلَاءِ، وَهُوَ غَيْرُ مَذْمُومٍ فِي الْحَرْبِ (وَلَا) يَحْرُمُ (الْكَلُّ) وَهُوَ مَا فِيهِ صُورَةٌ وَالْحَرِيرُ وَالْمَنْسُوجُ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ (لِحَاجَةٍ) بِأَنْ عُدِمَ غَيْرُهُ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: مَنْ احْتَاجَ إلَى لُبْسِ الْحَرِيرِ لِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ تَحَصُّنٍ مِنْ عَدُوٍّ وَنَحْوِهِ أُبِيحَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: يَجُوزُ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ الذَّهَبِ، كَدِرْعٍ مُمَوَّهٍ بِهِ لَا يُسْتَغْنَى عَنْ لُبْسِهِ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ (وَحَرُمَ تَشَبُّهُ رَجُلٍ بِأُنْثَى وَعَكْسِهِ) وَهُوَ تَشَبُّهُ أُنْثَى

стр. 147

بِرَجُلٍ (فِي لِبَاسٍ وَغَيْرِهِ) لِأَنَّهُ ﷺ «لَعَنَ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنْ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنْ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ «وَلَعَنَ أَيْضًا الرَّجُلَ يَلْبَسُ لُبْسَ الْمَرْأَةِ وَالْمَرْأَةَ تَلْبَسُ لُبْسَ الرَّجُلِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد. قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: إسْنَادُهُ صَحِيحٌ. فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا الْعَصَائِبُ الْكِبَارُ الَّتِي تُشْبِهُ عَمَائِمَ الرِّجَالِ. (وَ) حَرُمَ أَيْضًا عَلَى وَلِيٍّ (إلْبَاسُ صَبِيٍّ مَا حَرُمَ عَلَى رَجُلٍ) فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ فِيهِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ «حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي» وَلِقَوْلِ جَابِرٍ «كُنَّا نَنْزِعُهُ عَنْ الْغِلْمَانِ وَنَتْرُكُهُ عَلَى الْجَوَارِي» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَكَوْنِ الصِّبْيَانِ مَحَلًّا لِلزِّينَةِ مَعَ تَحْرِيمِ الِاسْتِمْتَاعِ بِهِمْ أَبْلَغَ فِي التَّحْرِيمِ (فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ فِيهِ) ، أَيْ فِي الثَّوْبِ الْحَرِيرِ. (وَيُبَاحُ مِنْ حَرِيرٍ كَيْسُ مُصْحَفٍ) تَعْظِيمًا لَهُ، وَلِأَنَّهُ يَسِيرٌ (وَ) يُبَاحُ أَيْضًا (أَزْرَارٌ وَخِيَاطَةٌ بِهِ) أَيْ الْحَرِيرِ. لِأَنَّهُ يَسِيرٌ. (وَ) يُبَاحُ أَيْضًا مِنْ حَرِيرٍ (حَشْوُ جِبَابٍ وَفُرُشٍ) لِأَنَّهُ لَا فَخْرَ فِيهِ، وَلَا عُجْبَ وَلَا خُيَلَاءَ. وَلَيْسَ لُبْسًا لَهُ وَلَا افْتِرَاشًا (وَ) يُبَاحُ أَيْضًا مِنْ حَرِيرٍ (عَلَمُ ثَوْبٍ وَهُوَ طِرَازُهُ) لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَيُبَاحُ أَيْضًا مِنْ حَرِيرٍ (لَبِنَةُ جَيْبٍ، وَهُوَ الزِّيقُ) أَيْ الْمُحِيطُ بِالْعُنُقِ (وَالْجَيْبُ مَا يُفْتَحُ عَلَى نَحْرٍ أَوْ طَوْقٍ) . وَفِي الْقَامُوسِ: وَجَيْبُ الْقَمِيصِ وَنَحْوُهُ بِالْفَتْحِ: طَوْقُهُ (وَ) يُبَاحُ أَيْضًا مِنْ حَرِيرٍ (رِقَاعٌ وَسِجْفُ فِرَاءٍ) وَنَحْوِهَا قَدْرَ أَرْبَعِ أَصَابِعَ فَمَا دُونُ. و (لَا) يُبَاحُ مِنْ ذَلِكَ (فَوْقَ أَرْبَعِ أَصَابِعَ مَضْمُومَةٍ) لِحَدِيثِ عُمَرَ «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الْحَرِيرِ إلَّا مَوْضِعَ أُصْبُعَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَإِذَا لَبِسَ ثِيَابًا فِي كُلِّ ثَوْبٍ مِنْ الْحَرِيرِ مَا يُعْفَى عَنْهُ وَلَوْ جُمِعَ صَارَ ثَوْبًا فَفِي الْمُسْتَوْعِبِ وَابْنِ تَمِيمٍ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَفِي الرِّعَايَةِ. لَا يَحْرُمُ، بَلْ يُكْرَهُ. " تَتِمَّةٌ " يُسَنُّ أَنْ يَأْتَزِرَ الرَّجُلُ فَوْقَ سُرَّتِهِ وَيَشُدَّ سَرَاوِيلَهُ فَوْقَهَا، وَسَعَةُ كَمِّ قَمِيصِ الْمَرْأَةِ يَسِيرًا وَقِصَرُهُ، وَطُولُ كَمِّ قَمِيصِ الرَّجُلِ عَنْ أَصَابِعِهِ قَلِيلًا دُونَ سَعَتِهِ كَثِيرًا، فَلَا تَتَأَذَّى الْيَدُ بِحَرٍّ وَلَا بَرْدٍ، وَلَا تَمْنَعُهَا خِفَّةَ الْحَرَكَةِ وَالْبَطْشِ. وَيُبَاحُ ثَوْبٌ مِنْ صُوفٍ وَوَبَرٍ وَشَعْرٍ مِنْ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ. وَيُكْرَهُ رَقِيقٌ يَصِفُ الْبَشَرَةَ وَخِلَافُ زِيِّ أَهْلِ بَلَدِهِ بِلَا عُذْرٍ، وَمُزْرِيَةٌ وَكَثْرَةُ الْإِرْفَاهِ. وَزِيُّ أَهْلِ الشِّرْكِ وَثَوْبُ شُهْرَةٍ مَا يَشْتَهِرُ بِهِ عِنْدَ النَّاسِ وَيُشَارُ إلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ لِئَلَّا يَحْمِلَهُمْ عَلَى غَيْبَتِهِ فَيُشَارِكَهُمْ فِي الْإِثْمِ. وَيُبَاحُ لُبْسُ السَّوَادِ وَالْقَبَاءِ، حَتَّى لِلنِّسَاءِ وَالْمَشْيُ فِي قُبْقَابٍ خَشَبٍ. قَالَ أَحْمَدُ: إنْ كَانَ حَاجَةً، وَيُكْرَهُ لُبْسُ نَعْلٍ صَرَّارَةٍ نَصًّا. وَقَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يُلْبَسَ لِلْوُضُوءِ. وُفِيَ الرِّعَايَةِ: يُسَنُّ التَّوَاضُعُ فِي اللِّبَاسِ، وَلُبْسُ الْبَيَاضِ وَالنَّظَافَةُ فِي بَدَنِهِ وَثَوْبِهِ،

стр. 148

وَمَجْلِسِهِ، وَالتَّطَيُّبُ فِي بَدَنِهِ وَثَوْبِهِ، وَالتَّحَنُّكُ وَالذُّؤَابَةُ وَإِرْسَالُهَا خَلْفَهُ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَإِطَالَتُهَا كَثِيرًا مِنْ الْإِسْبَالِ، وَيُسَنُّ لِمَنْ لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا قَوْلُ " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسَانِي هَذَا وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ " وَأَنْ يَتَصَدَّقَ بِالْخَلَقِ الْعَتِيقِ النَّافِعِ. [بَابُ اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ] ِ (وَهِيَ) أَيْ النَّجَاسَةُ لُغَةً: ضِدُّ الطَّهَارَةِ وَشَرْعًا (عَيْنٌ) كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ (أَوْ صِفَةٌ) كَأَثَرِ بَوْلٍ بِمَحَلٍّ طَاهِرٍ (مَنَعَ الشَّرْعُ مِنْهَا بِلَا ضَرُورَةٍ، لَا لِأَذًى فِيهَا طَبْعًا) احْتِرَازًا عَنْ نَحْوِ السُّمِّيَّاتِ مِنْ النَّبَاتِ، فَإِنَّهُ مَمْنُوعٌ مِمَّا يَضُرُّ مِنْهَا فِي بَدَنٍ أَوْ عَقْلٍ لِأَذَاهَا و (لَا لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى) احْتِرَازًا عَنْ صَيْدِ الْحَرَمِ، أَوْ عَنْ صَيْدِ الْبَرِّ لِلْمُحْرِمِ (أَوْ) لِحَقِّ (غَيْرِهِ شَرْعًا) احْتِرَازًا عَنْ مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَيَحْرُمُ تَنَاوُلُهُ لِمَنْعِ الشَّرْعِ مِنْهُ لِحَقِّ مَالِكِهِ زَادَ بَعْضُهُمْ: وَلَا لِحُرْمَتِهَا، احْتِرَازًا عَنْ مَيْتَةِ الْآدَمِيِّ وَلَا لِاسْتِقْذَارِهَا، احْتِرَازًا عَنْ نَحْوِ مَنِيٍّ وَمُخَاطٍ (حَيْثُ لَمْ يُعْفَ عَنْهَا) مُتَعَلِّقٌ بِاجْتِنَابِ (بَدَنَ مُصَلٍّ) مَنْصُوبٌ بِاجْتِنَابٍ (وَثَوْبَهُ وَبُقْعَتَهُمَا) مَعْطُوفٌ عَلَى بَدَنٍ (وَعَدَمِ حَمْلِهَا) عَطْفٌ عَلَى اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ وَهُوَ مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ: قَوْلُهُ (شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٤] وَقَوْلِهِ ﷺ «تَنَزَّهُوا مِنْ الْبَوْلِ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ» وَقَوْلِهِ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ دَمِ الْحَيْضِ يَكُونُ فِي الثَّوْبِ «اُقْرُصِيهِ وَصَلِّي فِيهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ «وَأَمَرَهُ ﷺ بِصَبِّ ذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ عَلَى بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ، إذْ بَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ» وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا فِيهَا، وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ. وَالنَّهْيُ عَنْهُ فِي الْعِبَادَاتِ يَقْتَضِي الْفَسَادَ (فَتَصِحُّ) الصَّلَاةُ (مِنْ حَامِلٍ مُسْتَجْمِرًا) لِأَنَّ أَثَرَ الِاسْتِجْمَارِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ فِي مَحَلِّهِ (أَوْ) مِنْ حَامِلٍ (حَيَوَانًا طَاهِرًا) كَالْهِرِّ، لِأَنَّ مَا بِهِ مِنْ نَجَاسَةٍ فِي مَعِدَتِهَا فَهِيَ كَالنَّجَاسَةِ فِي جَوْفِ الْمُصَلِّي و «صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ حَامِلًا أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ» (وَ) تَصِحُّ (مِمَّنْ مَسَّ ثَوْبُهُ ثَوْبًا) نَجِسًا (أَوْ حَائِطًا نَجِسًا لَمْ يَسْتَنِدْ إلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلًّا لِثَوْبِهِ وَلَا بَدَنِهِ. فَإِنْ اسْتَنَدَ إلَيْهِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالْبُقْعَةِ لَهُ (أَوْ) أَيْ وَتَصِحُّ مِمَّنْ (قَابَلَهَا) أَيْ النَّجَاسَةَ (رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا وَلَمْ يُلَاقِهَا) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِصَلَاتِهِ وَلَا مَحْمُولًا فِيهَا. وَكَذَا لَوْ كَانَتْ بَيْنَ

стр. 149

رِجْلَيْهِ وَلَمْ يُصِبْهَا، فَإِنْ لَاقَاهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ (أَوْ صَلَّى عَلَى مَحَلٍّ طَاهِرٍ مِنْ) حَصِيرٍ أَوْ بِسَاطٍ (مُتَنَجِّسٍ طَرَفُهُ) فَتَصِحُّ (وَلَوْ تَحَرَّكَ) الْمُتَنَجِّسُ (بِحَرَكَتِهِ مِنْ غَيْرِ مُتَعَلِّقٍ يَنْجَرُّ بِهِ) وَكَذَا لَوْ كَانَ تَحْتَ قَدَمِهِ حَبْلٌ طَاهِرٌ مَشْدُودٌ فِي نَجَاسَةٍ. لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَامِلٍ لِلنَّجَاسَةِ وَلَا مُصَلٍّ عَلَيْهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ صَلَّى عَلَى أَرْضٍ طَاهِرَةٍ مُتَّصِلَةٍ بِأَرْضٍ نَجِسَةٍ، فَإِنْ كَانَ النَّجَسُ مُتَعَلِّقًا بِالْمُصَلِّي بِحَيْثُ يَنْجَرُّ مَعَهُ إذَا مَشَى، كَمَا لَوْ كَانَ بِيَدِهِ أَوْ وَسَطِهِ حَبْلٌ مَشْدُودٌ فِي نَجَاسَةٍ، أَوْ حَيَوَانٌ نَجِسٌ أَوْ سَفِينَةٌ صَغِيرَةٌ فِيهَا نَجَاسَةٌ بِحَيْثُ تَنْجَرُّ مَعَهُ إذَا مَشَى لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ ; لِأَنَّهُ مُتَتَبِّعٌ لِلنَّجَاسَةِ. أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ حَامِلَهَا، فَإِنْ كَانَتْ السَّفِينَةُ كَبِيرَةً، أَوْ الْحَيَوَانُ كَبِيرًا، لَا يَقْدِرُ عَلَى جَرِّهِ إذَا اسْتَعْصَى عَلَيْهِ صَحَّتْ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَّبِعٍ لَهَا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: أَنَّ مَا لَا يَنْجَرُّ تَصِحُّ لَوْ انْجَرَّ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ خِلَافُهُ وَهُوَ أَوْلَى. وَلَوْ كَانَ بِيَدِهِ حَبْلٌ طَرَفُهُ عَلَى نَجَاسَةٍ يَابِسَةٍ. فَمُقْتَضَى كَلَامِ الْمُوَفَّقِ: الصِّحَّةُ. وَفِي الْإِقْنَاعِ: لَا تَصِحُّ (أَوْ سَقَطَتْ عَلَيْهِ) نَجَاسَةٌ (فَزَالَتْ) سَرِيعًا (أَوْ أَزَالَهَا سَرِيعًا) فَتَصِحُّ صَلَاتُهُ. لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ «فَبَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ إذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ، فَخَلَعَ النَّاسُ نِعَالَهُمْ. فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ، قَالَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إلْقَاءِ نِعَالِكُمْ؟ قَالُوا: رَأَيْنَاك أَلْقَيْت نَعْلَك فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا، قَالَ: إنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهَا قَذَرًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَلِأَنَّ مِنْ النَّجَاسَةِ مَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهَا فَعُفِيَ عَنْ يَسِيرِ زَمَنِهَا. كَكَشْفِ الْعَوْرَةِ و (لَا) تَصِحُّ صَلَاتُهُ (إنْ عَجَزَ عَنْ إزَالَتِهَا) أَيْ النَّجَاسَةِ (عَنْهُ) سَرِيعًا، لِإِفْضَائِهِ إلَى اسْتِصْحَابِ النَّجَاسَةِ فِي الصَّلَاةِ زَمَنًا طَوِيلًا. أَوْ لِعَمَلٍ كَثِيرٍ. إنْ أَخَذَ يُطَهِّرُهَا (أَوْ نَسِيَهَا) أَيْ النَّجَاسَةَ (أَوْ جَهِلَ عَيْنَهَا) بِأَنْ أَصَابَهُ شَيْءٌ لَا يَعْلَمُهُ طَاهِرًا أَوْ نَجِسًا، ثُمَّ عَلِمَ نَجَاسَتَهُ (أَوْ) جَهِلَ (حُكْمَهَا) بِأَنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ إزَالَتَهَا شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ (أَوْ) جَهِلَ (أَنَّهَا كَانَتْ فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ عَلِمَ) تَصِحُّ صَلَاتُهُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ وَنَحْوِهَا، لِأَنَّ اجْتِنَابَ النَّجَاسَةِ شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِالنِّسْيَانِ وَلَا بِالْجَهْلِ، كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ وَعَنْهُ: تَصِحُّ صَلَاتُهُ إذَا نَسِيَ، أَوْ جَهِلَ النَّجَاسَةَ. قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهِيَ الصَّحِيحَةُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْمُتَأَخِّرِينَ (أَوْ حَمَلَ قَارُورَةً) بَاطِنُهَا نَجِسٌ وَصَلَّى، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ (أَوْ) حَمَلَ (آجُرَّةً) وَاحِدَةً الْآجُرُّ، وَهُوَ الطُّوبُ الْمَشْوِيُّ (بَاطِنُهَا نَجِسٌ أَوْ) حَمَلَ (بَيْضَةً فِيهَا فَرْخٌ مَيِّتٌ، أَوْ) حَمَلَ بَيْضَةً (مَذِرَةً، أَوْ)

стр. 150

(عُنْقُودًا) مِنْ عِنَبٍ (حَبَّاتُهُ مُسْتَحِيلَةٌ خَمْرًا) لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ لِحَمْلِهِ نَجَاسَةً فِي غَيْرِ مَعِدَتِهَا أَشْبَهَ مَا لَوْ حَمَلَهَا فِي كَمِّهْ. (وَإِنْ طَيَّنَ) أَرْضًا (نَجِسَةً) وَصَلَّى عَلَيْهَا (أَوْ بَسَطَ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى أَرْضٍ نَجِسَةٍ طَاهِرًا صَفِيقًا أَوْ رَطْبَةٍ وَلَمْ تَنْفُذْ إلَى ظَاهِرِهِ (أَوْ) بَسَطَ (عَلَى حَيَوَانٍ نَجِسٍ) طَاهِرًا صَفِيقًا (أَوْ) بَسَطَ عَلَى (حَرِيرٍ طَاهِرًا صَفِيقًا) لَا خَفِيفًا أَوْ مُهَلْهَلًا (أَوْ غَسَلَ وَجْهَ آجُرٍّ وَصَلَّى عَلَيْهِ، أَوْ صَلَّى عَلَى بِسَاطٍ بَاطِنُهُ فَقَطْ نَجِسٌ) وَظَاهِرُهُ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ طَاهِرٌ (أَوْ) صَلَّى عَلَى (عُلْوٍ سُفْلُهُ غَصْبٌ، أَوْ) صَلَّى عَلَى (سَرِيرٍ تَحْتَهُ نَجِسٌ كُرِهَتْ) صَلَاتُهُ، لِاعْتِمَادِهِ عَلَى مَا لَا تَصِحُّ عَلَيْهِ (وَصَحَّتْ) لِأَنَّهُ لَيْسَ حَامِلًا لِلنَّجَاسَةِ وَلَا مُبَاشِرًا لِمَا لَا تَصِحُّ عَلَيْهِ. (وَإِنْ خِيطَ جُرْحٌ أَوْ جُبِرَ عَظْمٌ) مِنْ آدَمِيٍّ (ب) خَيْطٍ (نَجِسٍ أَوْ عَظْمٍ نَجِسٍ فَصَحَّ) الْجُرْحُ أَوْ الْعَظْمُ (لَمْ تَجِبْ إزَالَتُهُ) أَيْ النَّجِسِ مِنْهُمَا (مَعَ) خَوْفِ (ضَرَرٍ) عَلَى نَفْسٍ أَوْ عُضْوٍ أَوْ حُصُولِ مَرَضٍ ; لِأَنَّ حِرَاسَةَ النَّفْسِ وَأَطْرَافِهَا وَاجِبٌ وَأَهَمُّ مِنْ رِعَايَةِ شَرْطِ الصَّلَاةِ وَلِهَذَا لَا يَلْزَمُهُ شِرَاءُ مَاءٍ وَلَا سُتْرَةٍ بِزِيَادَةٍ كَثِيرَةٍ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ، وَإِذَا جَازَ تَرْكُ شَرْطٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ لِحِفْظِ مَالِهِ، فَتَرْكُ شَرْطٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ لِحِفْظِ بَدَنِهِ أَوْلَى، فَإِنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا لَزِمَهُ (وَ) حَيْثُ لَمْ تَجِبْ إزَالَتُهُ (لَا يَتَيَمَّمُ لَهُ) أَيْ الْخَيْطِ أَوْ الْعَظْمِ النَّجِسِ (إنْ غَطَّاهُ اللَّحْمُ) لِإِمْكَانِ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ فِي جَمِيعِ مَحَلِّهَا، فَإِنْ لَمْ يُغَطِّهِ اللَّحْمُ تَيَمَّمَ لَهُ لِعَدَمِ إمْكَانِ غَسْلِهِ (وَمَتَى وَجَبَتْ) إزَالَتُهُ (فَمَاتَ) قَبْلَ إزَالَتِهِ (أُزِيلَ) وُجُوبًا لِقِيَامِ مَنْ يَلِيه مَقَامَهُ (إلَّا مَعَ الْمُثْلَةِ) بِإِزَالَتِهِ فَتَسْقُطُ لِلضَّرَرِ بِهَا، كَالْحَيِّ (وَلَا يَلْزَمُ شَارِبَ خَمْرٍ قَيْءٌ) لِلْخَمْرِ، لِأَنَّهُ وَصَلَ إلَى مَحَلٍّ يَسْتَوِي فِيهِ الطَّاهِرُ وَالنَّجِسُ. وَكَذَا سَائِرُ النَّجَاسَاتِ تَحْصُلُ بِالْجَوْفِ (وَإِنْ أُعِيدَتْ سِنُّ) آدَمِيٍّ قُلِعَتْ (أَوْ) أُعِيدَتْ (أُذُنٌ) مِنْهُ قُطِعَتْ (أَوْ) أُعِيدَ (نَحْوُهُمَا) مِنْ أَعْضَائِهِ فَأَعَادَهَا بِحَرَارَتِهَا (فَثَبَتَتْ) أَوْ لَمْ تَثْبُتْ (فَ) هِيَ (طَاهِرَةٌ) لِأَنَّهَا جُزْءٌ مِنْ جُمْلَةٍ، فَحُكْمُهُمَا حُكْمُهُ. وَتَقَدَّمَ: مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ كَمَيْتَتِهِ. [فَصْلٌ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهَا] مُطْلَقًا وَمَا يَصِحّ فِيهِ النَّفَلُ دُونَ الْفَرْضِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ (وَلَا تَصِحُّ تَعَبُّدًا صَلَاةُ) فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ (فِي مَقْبَرَةٍ) قَدِيمَةٍ أَوْ حَدِيثَةٍ تَقَلَّبَتْ أَوْ لَا، وَهِيَ مَدْفَنُ الْمَوْتَى. لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 151

«لَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ (وَلَا يَضُرُّ) صِحَّةَ الصَّلَاةِ (قَبْرَانِ وَلَا مَا دُفِنَ بِدَارِهِ) وَلَوْ زَادَ عَلَى ثَلَاثَةِ قُبُورٍ ; لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مَقْبَرَةً، بَلْ هِيَ ثَلَاثَةُ قُبُورٍ فَأَكْثَرُ، نَقَلَهُ فِي الِاخْتِبَارَاتِ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَبُنِيَ لَفْظُهَا مِنْ الْقَبْرِ لِأَنَّ الشَّيْءَ إذَا كَثُرَ بِمَكَانٍ جَازَ أَنْ يُبْنَى لَهُ اسْمٌ مِنْ اسْمِهِ كَمَسْبَعَةٍ وَمَضْبَعَةٍ لِمَا كَثُرَ فِيهِ مِنْ السِّبَاعِ وَالضِّبَاعِ، وَأَمَّا الْخَشْخَاشَةُ وَتُسَمَّى الْفَسْقِيَّةَ فِيهَا أَمْوَاتٌ كَثِيرُونَ، فَهِيَ قَبْرٌ وَاحِدٌ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ بَحْثًا. (وَ) لَا تَصِحُّ أَيْضًا تَعَبُّدًا صَلَاةٌ (فِي حَمَّامٍ) لِقَوْلِهِ ﷺ «الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إلَّا الْحَمَّامَ وَالْمَقْبَرَةَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَ) لَا تَصِحُّ أَيْضًا (فِيمَا يَتْبَعُهُ فِي بَيْعٍ) لِتَنَاوُلِ اسْمِهِ لَهُ. فَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَكَانِ الْغُسْلِ وَالْمَسْلَخِ وَالْأَتُونِ وَكُلِّ مَا يُغْلَقُ عَلَيْهِ بَابُهُ (وَ) لَا تَصِحُّ أَيْضًا تَعَبُّدًا صَلَاةٌ فِي (حَشٍّ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَضْمِهَا فَيُمْنَعُ مِنْ الصَّلَاةِ دَاخِلَ بَابِهِ، وَلَوْ غَيْرَ مَوْضِعِ الْكَنِيفِ، وَلَوْ مَعَ طَهَارَتِهِ مِنْ النَّجَاسَةِ لِأَنَّهُ لَمَّا مَنَعَ الشَّرْعُ مِنْ الْكَلَامِ وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ، كَانَ مَنْعُ الصَّلَاةِ أَوْلَى، وَهُوَ لُغَةً الْبُسْتَانُ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى مَحَلِّ قَضَاءِ الْحَاجَةِ: لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يَقْضُونَ حَوَائِجَهُمْ فِي الْبُسْتَانِ، وَهِيَ الْحُشُوشُ: فَسُمِّيَتْ الْأَخْلِيَةُ فِي الْحَضَرِ حُشُوشًا بِذَلِكَ. (وَ) لَا تَصِحُّ أَيْضًا تَعَبُّدًا صَلَاةٌ فِي (أَعْطَانِ إبِلٍ) جَمْعُ عَطَنٍ بِفَتْحِ الطَّاءِ وَهِيَ الْمَعَاطِنُ جَمْعُ مَعْطِنٍ بِكَسْرِهَا لِحَدِيثِ «صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ وَلَا تُصَلُّوا فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد. وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: لَمْ نَرَ خِلَافًا بَيْنَ عُلَمَاءِ الْحَدِيث أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ صَحِيحٌ " وَهِيَ " أَيْ الْأَعْطَانُ (مَا تُقِيمُ فِيهَا) الْإِبِلُ (وَتَأْوِي إلَيْهَا) طَاهِرَةً كَانَتْ أَوْ نَجِسَةً، فِيهَا إبِلٌ حَالَ الصَّلَاةِ أَوْ لَا لِعُمُومِ الْخَبَرِ. وَأَمَّا مَا تَبِيتُ فِيهِ الْإِبِلُ فِي مَسِيرهَا أَوْ تَنَاخُ فِيهِ لِعَلَفِهَا أَوْ سَقْيِهَا، فَلَا يُمْنَعُ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَطَنٍ. (وَ) لَا تَصِحُّ صَلَاةٌ أَيْضًا (فِي مَجْزَرَةٍ) مَكَانَ الذَّبْحِ (وَ) لَا فِي (مَزْبَلَةٍ) مَلْقَى الزُّبَالَةِ. (وَ) لَا فِي (قَارِعَةِ الطَّرِيقِ) أَيْ مَحَلِّ قَرْعِ الْأَقْدَامِ مِنْ الطَّرِيقِ. وَهِيَ الْمَحَجَّةُ، سَوَاءٌ كَانَ فِيهَا سَالِكٌ أَوْ لَا. لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «سَبْعُ مَوَاطِنَ لَا تَجُوزُ فِيهَا الصَّلَاةُ: ظَهْرُ بَيْتِ اللَّهِ، وَالْمَقْبَرَةُ، وَالْمَزْبَلَةُ، وَالْمَجْزَرَةُ، وَالْحَمَّامُ، وَمَعْطِنُ الْإِبِلِ، وَمَحَجَّةُ الطَّرِيقِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: لَيْسَ إسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ. وَرَوَاهُ

стр. 152

اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا. وَتَصِحُّ فِي طَرِيقِ أَبْيَاتٍ قَلِيلَةٍ (وَ) لَا تَصِحُّ صَلَاةٌ تَعَبُّدًا أَيْضًا عَلَى (أَسْطِحَتِهَا) أَيْ أَسْطِحَةِ تِلْكَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهَا ; لِأَنَّ الْهَوَاءَ تَابِعٌ لِلْقَرَارِ لِمَنْعِ الْجُنُبِ مِنْ اللُّبْثِ بِسَطْحِ الْمَسْجِدِ، وَحَنِثَ مَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا بِدُخُولِ سَطْحِهَا (وَ) لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ أَيْضًا قَصْدًا فِي (سَطْحِ نَهْرٍ) وَكَذَا سَابَاطٌ وَجِسْرُهَا عَلَيْهِ. قَالَ السَّامِرِيُّ: لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ كَالطَّرِيقِ قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي وَجَزَمَ ابْنُ تَمِيمٍ بِالصِّحَّةِ، وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ: صِحَّةُ الصَّلَاةِ فِي الْمَدْبَغَةِ (سِوَى صَلَاةِ جِنَازَةٍ فِي مَقْبَرَةٍ) فَتَصِحُّ لِصَلَاتِهِ ﷺ عَلَى الْقَبْرِ فَيَكُونُ مُخَصَّصًا لِلنَّهْيِ السَّابِقِ (وَسِوَى جُمُعَةٍ وَعِيدٍ وَجِنَازَةٍ وَنَحْوِهَا) كَصَلَاةِ كُسُوفٍ وَاسْتِسْقَاءٍ (بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ) بِأَنْ ضَاقَ الْمَسْجِدُ أَوْ الْمُصَلَّى وَاضْطُرُّوا لِلصَّلَاةِ فِي الطَّرِيقِ لِلْحَاجَةِ (وَ) سِوَى جُمُعَةٍ وَعِيدٍ وَجِنَازَةٍ وَنَحْوِهَا بِمَوْضِعِ (غَصْبٍ) أَيْ مَغْصُوبٍ. نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْجُمُعَةِ ; لِأَنَّهُ إذَا صَلَّاهَا الْإِمَامُ فِي الْغَصْبِ وَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ الصَّلَاةِ مَعَهُ فَاتَتْهُمْ، وَلِذَلِكَ صَحَّتْ الْجُمُعَةُ خَلْفَ الْخَوَارِجِ وَالْمُبْتَدِعَةِ فِي الطَّرِيقِ لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا. وَكَذَلِكَ الْأَعْيَادُ وَالْجِنَازَةُ (وَ) سِوَى الصَّلَاةِ (عَلَى رَاحِلَةٍ بِطَرِيقٍ) عَلَى التَّفْصِيلِ الْآتِي فِي الْبَابِ بَعْدَهُ مُوَضَّحًا (وَتَصِحُّ) الصَّلَاةُ (فِي الْكُلِّ) أَيْ كُلِّ الْأَمَاكِنِ الْمُتَقَدِّمَةِ (لِعُذْرٍ) كَمَا لَوْ حُبِسَ فِيهَا، بِخِلَافِ خَوْفِ فَوْتِ الْوَقْتِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ (وَتُكْرَهُ) الصَّلَاةُ (إلَيْهَا) لِحَدِيثِ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ مَرْفُوعًا «لَا تُصَلُّوا إلَى الْقُبُورِ وَلَا تَجْلِسُوا إلَيْهَا» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَأُلْحِقَ بِذَلِكَ بَاقِي الْمَوَاضِعِ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ تَعَبُّدِيٌّ. فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ (بِلَا حَائِلٍ) فَإِنْ كَانَ حَائِلٌ لَمْ تُكْرَهْ الصَّلَاةُ (وَلَوْ) كَانَ (كَمُؤَخَّرَةِ رَحْلٍ) كَسُتْرَةِ الْمُتَخَلِّي، فَلَا يَكْفِي الْخَطُّ، وَيَكْفِي حَائِطُ الْمَسْجِدِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ أَنَّ مُرَادَهُمْ: لَا يَضُرُّ بَعْدَ كَثِيرٍ عُرْفًا لَا أَثَرَ لَهُ فِي مَارٍّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي. و (لَا) تُكْرَهُ الصَّلَاةُ (فِيمَا عَلَا عَنْ جَادَّةِ الْمُسَافِرِ يَمْنَةً وَيَسَرَةً) نَصًّا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحَجَّةٍ (وَلَوْ غُيِّرَتْ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، مَوَاضِعُ النَّهْيِ (بِمَا يُزِيلُ اسْمَهَا) كَجَعْلِ حَمَّامٍ دَارًا (أَوْ مَسْجِدًا وَصَلَّى فِيهِ صَحَّتْ) لِزَوَالِ الْمَانِعِ. وَكَذَا لَوْ نُبِشَتْ قُبُورٌ غَيْرُ مُحْتَرَمَةٍ وَحُوِّلَ مَا فِيهَا مِنْ الْمَوْتَى، وَجُعِلَتْ مَسْجِدًا لِقِصَّةِ مَسْجِدِهِ ﷺ " (وَكَمَقْبَرَةٍ) فِي الصَّلَاةِ

стр. 153

فِيهَا (مَسْجِدٌ حَدَثَ بِهَا) أَيْ الْمَقْبَرَةِ فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهِ، سِوَى صَلَاةِ جِنَازَةٍ أَوْ لِعُذْرٍ. قَالَ الْآمِدِيُّ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَسْجِدِ الْقَدِيمِ وَالْحَدِيث انْتَهَى. وَإِنْ حَدَثَتْ الْقُبُورُ بَعْدَهُ، حَوْلَهُ أَوْ فِي قِبْلَتِهِ، كُرِهَتْ الصَّلَاةُ إلَيْهَا بِلَا حَائِلٍ، وَفِي الْهَدْيِ: لَوْ وُضِعَ الْقَبْرُ وَالْمَسْجِدُ مَعًا. لَمْ يَجُزْ وَلَمْ يَصِحَّ الْوَقْفُ وَلَا الصَّلَاةُ اهـ. وَلَوْ حَدَثَ طَرِيقٌ بَعْدَ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ صَحَّتْ فِيهِ (وَلَا يَصِحُّ فَرْضُ) الصَّلَاةِ (فِي الْكَعْبَةِ وَلَا عَلَى ظَهْرِهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] وَالشَّطْرُ: الْجِهَةُ وَالْمُصَلِّي فِيهَا أَوْ عَلَى سَطْحِهَا غَيْرُ مُسْتَقْبِلٍ لِجِهَتِهَا، وَلِأَنَّهُ يَسْتَدْبِرُ مِنْ الْكَعْبَةِ مَا لَوْ اسْتَقْبَلَهُ مِنْهَا خَارِجَهَا صَحَّتْ، وَلِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى ظَهْرِهَا وَرَدَ صَرِيحًا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ السَّابِقِ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا، لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الْمَعْنَى وَالْجِدَارُ لَا أَثَرَ لَهُ إذْ الْمَقْصُود الْبُقْعَةُ ; لِأَنَّهُ يُصَلِّي إلَيْهَا حَيْثُ لَا جِدَارَ (إلَّا إذَا وَقَفَ) الْمُصَلِّي (عَلَى مُنْتَهَاهَا بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ وَرَاءَهُ شَيْءٌ) مِنْهَا (أَوْ) وَقَفَ (خَارِجَهَا) أَيْ الْكَعْبَةِ (وَسَجَدَ فِيهَا) فَيَصِحُّ فَرْضُهُ، لِأَنَّهُ مُسْتَقْبِلٌ لِطَائِفَةٍ مِنْ الْكَعْبَةِ غَيْرُ مُسْتَدْبِرٍ لِشَيْءٍ مِنْهَا، كَمَا لَوْ صَلَّى إلَى أَحَدِ أَرْكَانِهَا (وَتَصِحُّ نَافِلَةٌ) فِي الْكَعْبَةِ وَعَلَيْهَا. (وَ) تَصِحُّ (مَنْذُورَةٌ فِيهَا وَعَلَيْهَا) وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ شَاخِصٌ مُتَّصِلٌ بِهَا، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْبَيْتَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ فَلَمَّا فَتَحُوا كُنْت أَوَّلَ مَنْ وَلَجَ، فَلَقِيت بِلَالًا، فَسَأَلْته: هَلْ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ فِي الْكَعْبَةِ؟ قَالَ: رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ، عَنْ يَسَارِك إذَا دَخَلْت، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى فِي وَجْهِ الْكَعْبَةِ رَكْعَتَيْنِ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ، وَلَا يُعَارِضُهُ رِوَايَتُهُمَا أَيْضًا عَنْ أُسَامَةَ، وَلَا رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ ﷺ لَمْ يُصَلِّ فِي الْكَعْبَةِ» ; لِأَنَّ الدُّخُولَ كَانَ مَرَّتَيْنِ، فَلَمْ يُصَلِّ فِي الْأَوْلَى وَصَلَّى فِي الثَّانِيَةِ، كَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ. وَأُلْحِقَ النَّذْرُ بِالنَّفْلِ، وَفِي الِاخْتِيَارَاتِ: النَّذْرُ الْمُطْلَقُ يُحْذَى بِهِ حَذْوَ الْفَرَائِضِ (مَا لَمْ يَسْجُدْ عَلَى مُنْتَهَاهَا) أَيْ الْكَعْبَةِ فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ مُطْلَقًا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَقْبِلْهَا فِيهِ (وَيُسَنُّ نَفْلُهُ) أَيْ تَنَفُّلُهُ بِالصَّلَاةِ (فِيهَا) أَيْ الْكَعْبَةِ لِمَا تَقَدَّمَ. (وَ) يُسَنُّ أَيْضًا نَفْلُهُ (فِي الْحِجْرِ، وَهُوَ مِنْهَا) أَيْ الْكَعْبَةِ نَصًّا. لِخَبَرِ عَائِشَةَ (وَقَدْرُهُ) أَيْ الْحِجْرِ الدَّاخِلِ فِي حُدُودِ الْبَيْتِ (سِتَّةُ أَذْرُعٍ وَشَيْءٌ) فَلَا يَصِحُّ

стр. 154

اسْتِقْبَالُ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ، لَكِنْ يَطُوفُ مِنْ وَرَائِهِ جَمِيعِهِ احْتِيَاطًا (وَيَصِحُّ التَّوَجُّهُ إلَيْهِ) أَيْ الْحِجْرِ (مُطْلَقًا) أَيْ مِنْ مَكِّيٍّ وَغَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ مِنْ الْكَعْبَةِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الصَّلَاةُ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا (وَالْفَرْضُ فِيهِ) أَيْ الْحِجْرِ (كَدَاخِلِهَا) أَيْ الْكَعْبَةِ، لَا يَصِحُّ إلَّا إذَا وَقَفَ عَلَى مُنْتَهَاهُ وَلَمْ يَبْقَ وَرَاءَهُ شَيْءٌ. أَوْ وَقَفَ خَارِجَهُ وَسَجَدَ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْكَعْبَةِ. قَالَ أَحْمَدُ: الْحِجْرُ مِنْ الْبَيْتِ (وَتُكْرَهُ) الصَّلَاةُ (بِأَرْضِ الْخَيْفِ) لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ مَسْخُوطٌ عَلَيْهِ، وَكَذَا كُلُّ بُقْعَةٍ نَزَلَ بِهَا عَذَابٌ، كَأَرْضِ بَابِلَ وَالْحِجْرِ وَمَسْجِدِ الضِّرَارِ، وَتُكْرَهُ أَيْضًا فِي مَقْصُورَةٍ تُحْمَى نَصًّا. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لِأَنَّهَا كَانَتْ تَخْتَصُّ بِالظَّلَمَةِ وَقَالَ أَحْمَدُ مَا سَمِعْت فِي الرَّحَى بِشَيْءٍ، وَتَصِحُّ فِي أَرْضِ السِّبَاخِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَلَا تُكْرَهُ (بِبَيْعَةٍ وَكَنِيسَةٍ) وَلَوْ مَعَ صُوَرٍ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَلَيْسَتْ مِلْكًا لِأَحَدٍ وَلَيْسَ لَهُمْ مَنْعُ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ، لِأَنَّا صَالَحْنَاهُمْ عَلَيْهِ، وَلَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ. وَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ، وَلَوْ مَزْرُوعَةً، أَوْ عَلَى مُصَلَّاهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، بِلَا غَصْبٍ وَلَا ضَرَرٍ. [بَابٌ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ] ِ شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: «وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ» قَالَ عَلِيٌّ: شَطْرُهُ قِبَلُهُ. وَلِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا قُمْت إلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغْ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ» وَلِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي أَهْلِ قُبَاءَ لَمَّا حُوِّلَتْ الْقِبْلَةُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَأَصْلُ الْقِبْلَةِ لُغَةً: الْحَالَةُ الَّتِي يُقَابِلُ الشَّيْءَ غَيْرُهُ عَلَيْهَا، كَالْجِلْسَةِ ثُمَّ صَارَتْ كَالْعَلَمِ لِلْجِهَةِ الَّتِي يَسْتَقْبِلُهَا الْمُصَلِّي لِإِقْبَالِ النَّاسِ عَلَيْهَا، «وَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِالْمَدِينَةِ نَحْوَ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا» اُخْتُلِفَ فِي صَلَاتِهِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَقَدْ ذَكَرْت بَعْضَهُ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ (مَعَ الْقُدْرَةِ) عَلَيْهِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ كَالْمَرْبُوطِ وَالْمَصْلُوبِ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ وَالْعَاجِزِ عَنْ الِالْتِفَاتِ لِلْقِبْلَةِ، لِمَرَضٍ أَوْ مَنْعِ مُشْرِكٍ وَنَحْوِهِ عِنْدَ الْتِحَامِ حَرْبٍ، أَوْ هَرَبٍ مِنْ عَدُوٍّ، أَوْ سَيْلٍ أَوْ سَبُعٍ وَنَحْوِهِ سَقَطَ الِاسْتِقْبَالُ وَصَلَّى عَلَى حَالِهِ لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (إلَّا فِي نَفْلِ مُسَافِرٍ وَلَوْ) كَانَ

стр. 155

(مَاشِيًا) فَيُصَلِّي لِجِهَةِ سَيْرِهِ عَلَى مَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ لِلْخَبَرِ فِي الرَّاكِبِ وَيَأْتِي. وَأُلْحِقَ بِهِ الْمَاشِي، لِمُسَاوَاتِهِ لَهُ فِي خُسُوفِ الِانْقِطَاعِ عَنْ الْقَافِلَةِ فِي السَّفَرِ (سَفَرًا مُبَاحًا) أَيْ غَيْرَ مَكْرُوهٍ وَلَا مُحَرَّمٍ. لِأَنَّ نَفْلَهُ كَذَلِكَ رُخْصَةٌ، وَهِيَ لَا تُنَاطُ بِالْمَعَاصِي (وَلَوْ) كَانَ السَّفَرُ (قَصِيرًا) نَصَّ عَلَيْهِ، فِيمَا دُونَ فَرْسَخٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] قَالَ ابْنُ عُمَرَ " نَزَلَتْ فِي التَّطَوُّعِ خَاصَّةً " وَلِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ يُومِئُ بِرَأْسِهِ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِلْبُخَارِيِّ " إلَّا الْفَرَائِضَ " وَلِأَنَّ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ فِي التَّطَوُّعِ، لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى تَقْلِيلِهِ أَوْ قَطْعِهِ فَاسْتَوَيَا فِيهِ. و (لَا) يَسْقُطُ الِاسْتِقْبَالُ فِي نَفْلِ رَاكِبٍ (تَعَاسِيفَ) وَهُوَ رُكُوبُ الْفَلَاةِ وَقَطْعِهَا عَلَى غَيْرِ صَوْبٍ، كَمَا لَا يَقْصُرُ وَلَا يُفْطِرُ بِرَمَضَانَ (لَكِنْ إنْ لَمْ يُعْذَرْ مَنْ عَدَلَتْ بِهِ دَابَّتُهُ) إلَى غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ، بِأَنْ عَلِمَ بِعُدُولِهَا وَقَدَرَ عَلَى رَدِّهَا وَلَمْ يَفْعَل بَطَلَتْ. (أَوْ عَدَلَ هُوَ إلَى غَيْرِهَا) أَيْ لِقِبْلَةٍ (عَنْ جِهَةِ سَيْرِهِ مَعَ عِلْمِهِ) بِعُدُولِهِ بَطَلَتْ، لِأَنَّهُ تَرَكَ قِبْلَتَهُ عَمْدًا، وَسَوَاءٌ طَالَ عُدُولُهُ أَوْ لَا (أَوْ عُذِرَ) مَنْ عَدَلَتْ بِهِ دَابَّتُهُ، لِعَجْزِهِ عَنْهَا لِجِمَاحِهَا أَوْ نَحْوِهِ، أَوْ عُذِرَ مَنْ عَدَلَ إلَى غَيْرِهَا لِغَفْلَةٍ أَوْ نَوْمٍ أَوْ جَهْلٍ أَوْ ظَنَّ أَنَّهَا جِهَةُ سَيْرِهِ (وَطَالَ) عُدُولُ دَابَّتِهِ أَوْ عُدُولُهُ عُرْفًا (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ ; لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَمَلِ الْكَثِير مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ، فَيُبْطِلُهَا عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ. فَإِنْ كَانَ عُذْرٌ وَلَمْ يَطُلْ لَمْ تَبْطُلْ ; لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَمَلِ الْيَسِيرِ، وَإِنْ كَانَ عُذْرُهُ لِسَهْوٍ سَجَدَ لَهُ وَيُعَايَا بِهَا، فَيُقَالُ: شَخْصٌ سَجَدَ بِفِعْلِ غَيْرِهِ، وَلَيْسَ إمَامًا لَهُ، وَإِنْ كَانَ الْعُدُولُ إلَى الْقِبْلَةِ لَمْ تَبْطُلْ أَيْضًا ; لِأَنَّ التَّوَجُّهَ إلَيْهَا هُوَ الْأَصْلُ، وَإِذَا دَاسَ نَجَاسَةً عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، لَا إنْ دَاسَهَا مَرْكُوبُهُ (وَإِنْ وَقَفَ) الْمُسَافِرُ الْمُتَنَفِّلُ لِجِهَةِ سَيْرِهِ (لِتَعَبِ دَابَّتِهِ، أَوْ) وَقَفَ (مُنْتَظِرًا رُفْقَةً، أَوْ) وَقَفَ لِكَوْنِهِ (لَمْ يَسِرْ لِسَيْرِهِمْ) أَيْ الرُّفْقَةِ (أَوْ نَوَى النُّزُولَ بِبَلَدٍ دَخَلَهُ، أَوْ نَزَلَ فِي أَثْنَائِهَا) أَيْ الصَّلَاةِ (اسْتَقْبَلَ) الْقِبْلَةَ (وَيُتِمُّهَا) أَيْ الصَّلَاةَ كَالْخَائِفِ يَأْمَنُ فِي أَثَنَاء الصَّلَاةِ (وَيَصِحُّ) أَيْ يَنْعَقِدُ (نَذْرُ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا) أَيْ الرَّاحِلَةِ، بِأَنْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ مَثَلًا عَلَى رَاحِلَتِهِ فَيَنْعَقِدُ نَذْرُهُ (وَإِنْ رَكِبَ مَاشٍ) مُتَنَفِّلٌ (فِي نَفْلٍ أَتَمَّهُ) رَاكِبًا ; لِأَنَّهُ انْتَقَلَ مِنْ حَالَةٍ مُخْتَلَفٍ فِي التَّنَفُّلِ فِيهَا إلَى حَالَةٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِيهَا، مَعَ كَوْنِ

стр. 156

كُلٍّ مِنْهَا حَالَةَ سَيْرٍ (وَتَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (بِرُكُوبِ غَيْرِهِ) أَيْ الْمَاشِي، فَلَوْ تَنَفَّلَ النَّازِلُ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ، وَرَكِبَ فِي أَثَنَاءِ نَفْلِهِ. بَطَلَ، سَوَاءٌ كَانَ يُصَلِّي قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا ; لِأَنَّ حَالَتَهُ حَالَةُ إقَامَةٍ، فَرُكُوبُهُ فِيهَا بِمَنْزِلَةِ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ (وَ) يَجِبُ (عَلَى) مُسَافِرٍ (مَاشٍ) يَتَنَفَّلُ (إحْرَامٌ إلَى الْقِبْلَةِ وَرُكُوعٌ وَسُجُودٌ إلَيْهَا) بِالْأَرْضِ، لِتَيَسُّرِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَيَفْعَلُ مَا سِوَاهُ إلَى جِهَةِ سَيْرِهِ. وَصَحَّحَ الْمَجْدُ: يُومِئُ بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ إلَى جِهَةِ سَيْرِهِ كَرَاكِبٍ (وَيَسْتَقْبِلُ) الْقِبْلَةَ مُتَنَفِّلٌ (رَاكِبٌ) فِي كُلِّ صَلَاتِهِ (وَيَرْكَعُ وَيَسْجُدُ) وُجُوبًا (إنْ أَمْكَنَ) ذَلِكَ (بِلَا مَشَقَّةٍ) كَرَاكِبِ الْمِحَفَّةِ الْوَاسِعَةِ وَالسَّفِينَةِ وَالرَّاحِلَةِ الْوَاقِفَةِ ; لِأَنَّهُ كَالْمُقِيمِ فِي عَدَمِ الْمَشَقَّةِ. فَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَدُورَ فِي السَّفِينَةِ وَالْمِحَفَّةِ إلَى الْقِبْلَةِ فِي الْفَرْضِ لَزِمَهُ نَصًّا، غَيْرَ مَلَّاحٍ لِحَاجَتِهِ. وَإِنْ أَمْكَنَهُ الِافْتِتَاحُ إلَى الْقِبْلَةِ دُونَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، أَتَى بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ وَأَوْمَأَ بِهِمَا لِحَدِيثِ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا سَافَرَ، فَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ اسْتَقْبَلَ بِنَاقَتِهِ الْقِبْلَةَ، فَكَبَّرَ، ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ وَجَّهَهُ رِكَابُهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ، كَرَاكِبِ بَعِيرٍ مَقْطُورٍ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الِاسْتِدَارَةُ بِنَفْسِهِ، أَوْ رَاكِبِ حَرُونٍ تَصْعُبُ عَلَيْهِ إدَارَتُهُ، وَلَا يُمْكِنُهُ رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ (فَ) يُحْرِمُ (إلَى جِهَةِ سَيْرِهِ وَيُومِئُ) بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ. (وَيَلْزَمُ قَادِرًا) عَلَى الْإِيمَاءِ (جَعْلُ سُجُودِهِ أَخْفَضَ) مِنْ رُكُوعِهِ. لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَاجَةٍ فَجِئْت وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، وَالسُّجُودُ أَخْفَضُ مِنْ الرُّكُوعِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (و) تَلْزَمُهُ (الطُّمَأْنِينَةُ) لِأَنَّهَا رُكْنٌ قَدَرَ عَلَى الْإِتْيَانِ بِهِ فَلَزِمَهُ، كَمَا لَوْ كَانَ بِالْأَرْضِ. وَتَجُوزُ صَلَاةُ النَّافِلَةِ مِنْ وِتْرٍ وَغَيْرِهِ لِلْمُسَافِرِ عَلَى الْبَعِيرِ وَالْفَرَسِ وَالْبَغْلِ وَالْحِمَارِ وَنَحْوِهَا. قَالَ ابْنُ عُمَرَ «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ، وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إلَى خَيْبَرَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ طَهَارَةُ مَا تَحْتَ الرَّاكِبِ مِنْ نَحْوِ بَرْذَعَةِ، وَإِنْ كَانَ الْحَيَوَانُ نَجِسَ الْعَيْنِ وَلَا كَرَاهَةَ هُنَا لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ كَمَا صَحَّحَهُ الْمَجْدُ، وَلِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُصَلِّي عَلَى حِمَارِهِ: النَّفَلَ» وَرَاكِبُ الْقُمَارِيَّةِ يَدُورُ فِيهَا إلَى الْقِبْلَةِ فِي الْفَرْضِ، كَرَاكِبِ السَّفِينَةِ.

стр. 157

[فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَا يَجِبُ اسْتِقْبَالُهُ وَأَدِلَّةُ الْقِبْلَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا] (وَفَرْضُ مَنْ قَرُبَ مِنْهَا) أَيْ الْكَعْبَةِ: وَهُوَ مَنْ يُمْكِنُهُ الْمُشَاهَدَةُ أَوْ مَنْ يُخْبِرُهُ عَنْ يَقِينٍ إصَابَةُ عَيْنِ الْكَعْبَةِ بِبَدَنِهِ، بِحَيْثُ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ شَيْءٌ عَنْهَا، فَإِنْ كَانَ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، أَوْ عَلَى ظَهْرِهِ، فَظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ خَارِجَهُ فَإِنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ بِنَظَرِهِ أَوْ عِلْمِهِ، أَوْ خَبَرِ عَالِمٍ بِهِ، فَإِنَّ مَنْ نَشَأَ بِمَكَّةَ أَوْ أَقَامَ بِهَا كَثِيرًا يُمْكِنُهُ الْيَقِينُ فِي ذَلِكَ، وَلَوْ مَعَ حَائِلٍ حَادِثٍ كَالْأَبْنِيَةِ (أَوْ) أَيْ وَفَرْضُ مَنْ قَرُبَ (مِنْ مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ إصَابَةُ الْعَيْنِ بِبَدَنِهِ) لِأَنَّ قِبْلَتَهُ مُتَيَقَّنَةُ الصِّحَّةِ ; لِأَنَّهُ ﷺ لَا يُقِرُّ عَلَى الْخَطَأِ. وَرَوَى أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ «أَنَّهُ ﷺ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ قِبَلَ الْقِبْلَةِ وَقَالَ: هَذِهِ الْقِبْلَةُ» قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ صَلَاةَ الصَّفِّ الْمُسْتَطِيلِ فِي مَسْجِدِهِ ﷺ صَحِيحَةٌ مَعَ خُرُوجِ بَعْضِهِمْ عَنْ اسْتِقْبَالِ عَيْنِ الْكَعْبَةِ، لِكَوْنِ الصَّفِّ أَطْوَلَ مِنْهَا. وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ ﷺ لَا يُقِرُّ عَلَى الْخَطَأِ: صَحِيحٌ لَكِنْ إنَّمَا الْوَاجِبُ عَلَيْهِ اسْتِقْبَالُ الْجِهَةِ، وَقَدْ فَعَلَهُ، وَهُوَ الْجَوَابُ عَنْ الْحَدِيث الْمَذْكُورِ انْتَهَى. وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِمْ: فَرْضُهُ: اسْتِقْبَالُ الْعَيْنِ، أَيْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ وَمَا قَرُبَ مِنْهُ الِانْحِرَافُ عَنْهُ يَمْنَةً وَلَا يَسْرَةً، كَمَنْ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ; لِأَنَّ قِبْلَتَهُ بِالنَّصِّ فَلَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ: قَالَ النَّاظِمُ: وَفِي مَعْنَاهُ أَيْ مَسْجِدِهِ ﷺ كُلُّ مَوْضِعٍ ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ صَلَّى فِيهِ إذَا ضُبِطَتْ جِهَتُهُ (وَلَا يَضُرُّ عُلُوٌّ) عَنْ الْكَعْبَةِ، كَالْمُصَلِّي عَلَى جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ. (وَ) لَا يَضُرُّ (نُزُولٌ) عَنْهَا، كَمَنْ فِي حُفْرَةٍ فِي الْأَرْضِ، فَنَزَلَ بِهَا عَنْ مُسَامَتَتِهَا، لِأَنَّ الْجِدَارَ لَا أَثَرَ لَهُ، وَالْمَقْصُود الْبُقْعَةُ وَهَوَاؤُهَا. وَلِذَلِكَ يُصَلِّي إلَيْهَا حَيْثُ لَا جِدَارَ (إلَّا إنْ تَعَذَّرَ) عَلَى مَنْ قَرُبَ مِنْ الْكَعْبَةِ إصَابَةُ عَيْنِهَا (بِحَائِلٍ أَصْلِيٍّ كَجَبَلٍ) كَالْمُصَلِّي خَلْفَ أَبِي قُبَيْسٍ (فَ) إنَّهُ (يَجْتَهِدُ إلَى عَيْنِهَا) لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . وَالْأَعْمَى أَوْ الْغَرِيبُ إذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ بِنَحْوِ دَارٍ بِمَكَّةَ: فَرْضُهُ الْخَبَرُ عَنْ يَقِينٍ. وَلَيْسَ لَهُ الِاجْتِهَادُ، كَالْحَاكِمِ يَجِدُ النَّصَّ (وَ) فَرْضُ (مَنْ بَعُدَ) عَنْ الْكَعْبَةِ وَمَسْجِدِهِ ﷺ و (هُوَ مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمُعَايَنَةِ) كَذَلِكَ و (لَا) يَقْدِرُ (عَلَى مَنْ يُخْبِرُهُ) بِالْيَقِينِ (عَنْ عِلْمِ إصَابَةِ الْجِهَةِ) أَيْ جِهَةِ الْكَعْبَةِ (بِالِاجْتِهَادِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ»

стр. 158

رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَلِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الِاثْنَيْنِ الْمُتَبَاعِدَيْنِ يَسْتَقْبِلَانِ قِبْلَةً وَاحِدَةً وَعَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الصَّفِّ الطَّوِيلِ عَلَى خَطٍّ مُسْتَوٍ لَا يُقَالُ: مَعَ الْبُعْدِ يَتَّسِعُ الْمُحَاذِي لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَّسِعُ مَعَ التَّقَوُّسِ، لَا مَعَ عَدَمِهِ (وَيُعْفَى عَنْ انْحِرَافٍ يَسِيرٍ) يَمْنَةً وَيَسْرَةً، لِلْخَبَرِ، وَإِصَابَةُ الْعَيْنِ بِالِاجْتِهَادِ مُتَعَذِّرَةٌ. فَسَقَطَتْ وَأُقِيمَتْ الْجِهَةُ مَقَامَهَا لِلضَّرُورَةِ (فَإِنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ) أَيْ مَعْرِفَةُ فَرْضِهِ، مِنْ عَيْنٍ أَوْ جِهَةٍ (بِخَبَرِ مُكَلَّفٍ عَدْلٍ ظَاهِرًا وبَاطِنًا) حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً (عَنْ يَقِينٍ) وَلَوْ أَخْبَرَهُ بِالْمَشْرِقِ أَوْ الْمَغْرِبِ، أَوْ نَجْمٍ، فَأَخَذَ الْقِبْلَةَ مِنْهُ لَزِمَهُ الْعَمَلُ بِهِ وَلَمْ يَجْتَهِدْ كَالْحَاكِمِ يَجِدُ النَّصَّ. وَعُلِمَ مِنْهُ: أَنَّهُ لَا يُعْمَلُ بِخَبَرِ صَغِيرٍ، وَلَا فَاسِقٍ وَلَا عَدْلٍ أَخْبَرَ عَنْ اجْتِهَادٍ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: يَصِحُّ التَّوَجُّهُ إلَى قِبْلَتِهِ ; أَيْ الْفَاسِقِ فِي بَيْتِهِ. وَفِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: قُلْت: إنْ كَانَ هُوَ عَمِلَهَا فَهُوَ كَإِخْبَارِهِ بِهَا وَإِنْ شَكَّ فِي حَالِهِ قُبِلَ فِي قَوْلِهِ فِي الْأَصَحِّ. لَا إنْ شَكَّ فِي إسْلَامِهِ ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ (أَوْ) أَمْكَنَهُ (الِاسْتِدْلَال) عَلَى الْقِبْلَةِ (بِمَحَارِيبَ عُلِمَ أَنَّهَا لِلْمُسْلِمِينَ) عُدُولًا كَانُوا أَوْ فُسَّاقًا (لَزِمَهُ الْعَمَلُ بِهِ) لِأَنَّ اتِّفَاقَهُمْ عَلَيْهَا مَعَ تَكْرَارِ الْأَعْصَارِ إجْمَاعٌ عَلَيْهَا. وَإِنْ وَجَدَ مَحَارِيبَ وَلَمْ يَعْلَمْهَا لِلْمُسْلِمِينَ لَمْ يَعْمَلْ بِهَا، وَإِنْ كَانَ بِقَرْيَةٍ وَلَمْ يَجِدْ مَحَارِيبَ يَعْمَلُ بِهَا لَزِمَهُ السُّؤَالُ. (وَمَتَى اشْتَبَهَتْ) الْقِبْلَةُ (سَفَرًا) وَحَانَ وَقْتُ الصَّلَاةِ (اُجْتُهِدَ فِي طَلَبِهَا) وُجُوبًا (بِالدَّلَائِلِ) جَمْعِ دَلِيلٍ بِمَعْنَى دَالٍّ، لِأَنَّ مَا وَجَبَ اتِّبَاعُهُ عِنْدَ وُجُودِهِ وَجَبَ الِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ عِنْدَ خَفَائِهِ، كَالْحَاكِمِ فِي الْحَادِثَةِ (وَيُسْتَحَبُّ تَعَلُّمُهَا) أَيْ أَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ (مَعَ أَدِلَّةِ الْوَقْتِ) وَلَمْ يَجِبْ لِنُدْرَتِهِ (فَإِنْ دَخَلَ) الْوَقْتُ (وَخَفِيَتْ عَلَيْهِ) أَدِلَّةُ الْقِبْلَةِ (لَزِمَهُ) تَعَلُّمُهَا لِأَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِ مَعَ قِصَرِ زَمَنِهِ، فَإِنْ صَلَّى قَبْلَهُ لَمْ تَصِحَّ، ذَكَرَهُ فِي الشَّارِحِ (وَيُقَلِّدُ لِضَيْقِهِ) أَيْ الْوَقْتِ عَنْ تَعَلُّمِ الْأَدِلَّةِ. وَلَا يُعِيدُ: لِأَنَّ الِاسْتِقْبَالَ يَجُوزُ تَرْكُهُ لِلضَّرُورَةِ كَشِدَّةِ الْخَوْفِ، بِخِلَافِ الطَّهَارَةِ، وَالدَّلِيلُ هُنَا: أُمُورٌ، أَصَحُّهَا النُّجُومُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿جَعَلَ لَكُمْ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا﴾ [الأنعام: ٩٧] وَقَالَ عُمَرُ " تَعَلَّمُوا مِنْ النُّجُومِ مَا تَعْرِفُونَ بِهِ الْقِبْلَةَ وَالطَّرِيقَ " وَقَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْت لِأَحْمَدَ: مَا تَرَى فِي تَعَلُّمِ هَذِهِ النُّجُومِ، الَّتِي يُعْلَمُ بِهَا

стр. 159

كَمْ مَضَى مِنْ النَّهَارِ، وَكَمْ يَبْقَى؟ فَقَالَ: مَا أَحْسَنَ تَعَلُّمَهَا (وَأَثْبَتُهَا الْقُطْبُ) بِتَثْلِيثِ الْقَافِ، حَكَاهُ ابْنُ سِيدَهْ لِأَنَّهُ لَا يَزُولُ عَنْ مَكَانِهِ وَيُمْكِنُ كُلُّ أَحَدٍ مَعْرِفَتُهُ، وَيَلِيه الْجَدْيُ (وَهُوَ) أَيْ الْقُطْبُ (نَجْمٌ) خَفِيٌّ شَمَالِيٌّ يَرَاهُ حَدِيدُ الْبَصَرِ إذَا لَمْ يَقْوَ نُورُ الْقَمَرِ وَحَوْلَهُ أَنْجُمٌ دَائِرَةٌ كَفَرَاشَةِ الرَّحَا فِي أَحَدِ طَرَفَيْهَا الْفَرْقَدَانِ، وَفِي الْأُخْرَى الْجَدْيُ، وَحَوْلَهَا بَنَاتُ نَعْشٍ مِمَّا يَلِي الْفَرْقَدَيْنِ، تَدُورُ حَوْلَهَا (يَكُونُ) الْقُطْبُ (وَرَاءَ ظَهْرِ الْمُصَلِّي بِالشَّامِ وَمَا حَاذَاهَا) كَالْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ وَسَائِرِ الْجَزِيرَةِ لَا تَتَفَاوَتُ فِي ذَلِكَ إلَّا تَفَاوُتًا يَسِيرًا مَعْفُوًّا عَنْهُ، ذَكَرَهُ الْمَجْدُ (وَ) يَكُونُ الْقُطْبُ مِنْ الْمُصَلِّي (خَلْفَ أُذُنِهِ الْيُمْنَى بِالْمَشْرِقِ) ، وَيَكُونُ الْقُطْبُ مِنْ الْمُصَلِّي (عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ بِمِصْرَ وَمَا وَالَاهَا) مِنْ الْبِلَاد (وَ) مِنْ دَلِيلِ الْقِبْلَةِ (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَمَنَازِلُهُمَا وَمَا يَقْتَرِنُ بِهَا) أَيْ بِمَنَازِلِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ (وَمَا يُقَارِبُهَا، كُلُّهَا تَطْلُعُ مِنْ الْمَشْرِقِ وَتَغْرُبُ بِالْمَغْرِبِ) وَالْمَنَازِلُ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ شَامِيَّةً تَطْلُعُ مِنْ وَسَطِ الْمَشْرِقِ مَائِلَةً عَنْهُ إلَى الشِّمَالِ أَوَّلُهَا السَّرَطَانُ، وَآخِرُهَا السِّمَاكُ. وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ يَمَانِيَّةٌ، تَطْلُعُ مِنْ الْمَشْرِقِ مَائِلَةً إلَى الْيَمِينِ، وَلِكُلِّ نَجْمٍ مِنْ الشَّامِيَّةِ رَقِيبٌ مِنْ الْيَمَانِيَّةِ، إذَا طَلَعَ أَحَدُهُمَا غَابَ رَقِيبُهُ. فَأَوَّلُ الْيَمَانِيَّةِ وَآخِرُ الشَّامِيَّةِ يَطْلُعُ مِنْ وَسَطِ الْمَشْرِقِ، وَلِكُلِّ نَجْمٍ مِنْ هَذِهِ النُّجُومِ نُجُومٌ تُقَارِبُهُ وَتَسِيرُ بِسَيْرِهِ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، يَكْثُرُ عَدَدُهَا، فَحُكْمُهَا حُكْمُهُ، يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَيْهِ. وَعَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ. (وَ) مِنْ دَلَائِلِ الْقِبْلَةِ (الرِّيَاحُ) قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: الِاسْتِدْلَال بِهَا ضَعِيفٌ (وَأُمَّهَاتُهَا) أَيْ الرِّيَاحِ (أَرْبَعٌ) أَحَدهَا (الْجَنُوبُ، وَمَهَبُّهَا: قِبْلَةُ أَهْلِ الشَّامِ مِنْ مَطْلَعِ سُهَيْلٍ) وَهُوَ نَجْمٌ كَبِيرٌ مُضِيءٌ يَطْلُعُ مِنْ مَهَبِّ الْجَنُوبِ ثُمَّ يَسِيرُ حَتَّى يَصِيرَ فِي قِبْلَةِ الْمُصَلِّي، وَيَتَجَاوَزَهَا حَتَّى يَغْرُبَ بِقُرْبِ مَهَبِّ الدَّبُورِ (إلَى مَطْلَعِ الشَّمْسِ فِي الشِّتَاءِ. و) مَهَبُّهَا (بِالْعِرَاقِ إلَى بَطْنِ كَتِفِ الْمُصَلِّي الْيُسْرَى مَارَّةً إلَى يَمِينِهِ، و) الثَّانِيَةُ مِنْ أُمَّهَاتِ الرِّيَاحِ (الشَّمَالُ: مُقَابِلَتُهَا) أَيْ الْجَنُوبِ، تَهُبُّ إلَى مَهَبّه (وَمَهَبُّهَا) أَيْ الشَّمَالِ (مِنْ الْقُطْبِ إلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ فِي الصَّيْفِ، وَ) الثَّالِثَةُ مِنْ أُمَّهَاتِ الرِّيَاحِ (الصَّبَا، وَتُسَمَّى الْقَبُولَ) لِأَنَّهَا تُقَابِلُ بَابَ الْكَعْبَةِ. وَمَهَبُّهَا (مِنْ يَسْرَةِ الْمُصَلِّي بِالشَّامِ. لِأَنَّهُ) أَيْ مَهَبُّهَا (مِنْ مَطْلَعِ الشَّمْسِ صَيْفًا إلَى مَطْلَعِ الْعَيُّوقِ) نَجْمٌ أَحَمَرُ مُضِيءٌ فِي طَرَفِ الْمَجَرَّةِ

стр. 160

الْأَيْمَنِ، يَتْلُو الثُّرَيَّا لَا يَتَقَدَّمُهَا (وَ) مَهَبُّهَا (بِالْعِرَاقِ إلَى خَلْفِ أُذُنِ الْمُصَلِّي الْيُسْرَى، مَارَّةً إلَى يَمِينِهِ، وَ) الرَّابِعَةُ مِنْ أُمَّهَاتِ الرِّيَاحِ (الدَّبُورُ مُقَابِلَتُهَا) أَيْ الصَّبَا سُمِّيَتْ دَبُورًا ; لِأَنَّ مَهَبَّهَا مِنْ دُبُرِ الْكَعْبَةِ (لِأَنَّهَا تَهُبُّ) بِالشَّامِ (بَيْنَ الْقِبْلَةِ وَالْمَغْرِبِ وَ) تَهُبُّ (بِالْعِرَاقِ مُسْتَقْبِلَةً شَطْرَ وَجْهِ الْمُصَلِّي الْأَيْمَنِ) وَبَيْنَ كُلِّ رِيحَيْنِ مِنْ الْأَرْبَعِ: رِيحٌ تُسَمَّى النَّكْبَاءَ. لِتَنَكُّبِهَا طَرِيقَ الرِّيَاحِ الْمَعْرُوفَةِ، وَلِكُلٍّ مِنْ هَذِهِ الرِّيَاحِ: صِفَاتٌ وَخَوَّاصٌ تُمَيِّزُهَا عِنْدَ ذَوِي الْخِبْرَةِ بِهَا، وَإِنَّمَا يَسْتَدِلُّ بِهَا مَنْ عَرَفَهَا فِي الصَّحَارِي وَالْقِفَارِ لَا بَيْنَ الْبُنْيَانِ وَالدُّورِ ; لِأَنَّهَا تَخْتَبِطُ، وَلَا يَنْتَظِمُ دَوَرَانُهَا عَلَى مَهَبِّهَا الْأَصْلِيِّ (وَلَا يَتْبَعُ مُجْتَهِدٌ مُجْتَهِدًا خَالَفَهُ) بِأَنْ ظَهَرَ لِكُلٍّ مِنْهَا جِهَةٌ غَيْرُ الَّتِي ظَهَرَتْ لِلْآخَرِ ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَعْتَقِدُ خَطَأَ الْآخَرِ. فَأَشْبَهَا الْمُجْتَهِدَيْنِ فِي الْحَادِثَةِ إذَا اخْتَلَفَا فِيهَا وَالْمُجْتَهِدَ الْعَالِمَ بِأَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ وَإِنْ جَهِلَ أَحْكَامَ الشَّرْعِ. (وَلَا يَقْتَدِي) أَيْ لَا يَأْتَمُّ مُجْتَهِدٌ (بِهِ) ، أَيْ بِمُجْتَهِدٍ خَالَفَهُ جِهَةً، كَمَا لَوْ خَرَجَ رِيحٌ مِنْ أَحَدِ اثْنَيْنِ، وَاعْتَقَدَ كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّهُ مِنْ الْآخَرِ (إلَّا إنْ اتَّفَقَا) فِي الْجِهَةِ. وَلَوْ مَالَ أَحَدُهُمَا يَمِينًا وَالْآخَرُ شِمَالًا لِلْعَفْوِ عَنْهُ (فَإِنْ) اجْتَهَدَ، أَوْ اتَّفَقَتْ جِهَتُهُمَا وَائْتَمَّ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ ثُمَّ (بَانَ لِأَحَدِهِمَا الْخَطَأُ) فِي اجْتِهَادِهِ (انْحَرَفَ) إلَى الْجِهَةِ الَّتِي تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ إلَيْهَا إمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا ; لِأَنَّهَا تَرَجَّحَتْ فِي ظَنِّهِ (وَأَتَمَّ) صَلَاتَهُ، وَلَا يَسْتَأْنِفُهَا ; لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ الْأَوَّلَ لَا يُبْطِلُ الثَّانِيَ (وَيَتْبَعُهُ مَنْ قَلَّدَهُ) فَيَنْحَرِفُ إلَى مَا انْحَرَفَ إلَيْهِ ; لِأَنَّ فَرْضَهُ التَّقْلِيدُ لِعَجْزِهِ عَنْ الِاجْتِهَادِ لِنَفْسِهِ. وَإِنْ قَلَّدَ اثْنَيْنِ لَمْ يَرْجِعْ بِرُجُوعِ أَحَدِهِمَا (وَيَنْوِي الْمُؤْتَمُّ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ مُجْتَهِدَيْنِ ائْتَمَّ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، ثُمَّ بَانَ لِأَحَدِهِمَا الْخَطَأُ (الْمُفَارَقَةَ) لِإِمَامِهِ لِلْعُذْرِ (وَيَتْبَعُ وُجُوبًا جَاهِلٌ) بِأَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ عَاجِزٌ عَنْ تَعَلُّمِهَا قَبْلَ خُرُوج وَقْتٍ: الْأَوْثَقَ عِنْدَهُ، وَيَتْبَعُ وُجُوبًا و (أَعْمَى، الْأَوْثَقَ عِنْدَهُ) ; لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إصَابَةٍ فِي نَظَرِهِ (وَلَا مَشَقَّةَ) عَلَيْهِ فِي مُتَابَعَتِهِ، بِخِلَافِ تَقْلِيدِ الْعَامِّيِّ الْأَعْلَمِ فِي الْأَحْكَامِ فَإِنْ فِيهِ حَرَجًا وَتَضْيِيقًا. وَمَا زَالَ عَوَامُّ كُلِّ عَصْرٍ يُقَلِّدُ أَحَدُهُمْ مُجْتَهِدًا فِي مَسْأَلَةٍ، وَآخَرَ فِي أُخْرَى. وَهَلُمَّ جَرًّا إلَى مَا لَا يُحْصَى وَلَمْ يُنْقَلْ إنْكَارُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ; وَلِأَنَّهُمْ أُمِرُوا بِتَحَرِّي الْأَعْلَمِ وَالْأَفْضَلِ فِي نَظَرِهِمْ. وَإِنْ أَمْكَنَ أَعْمَى اجْتِهَادٌ بِنَهْرٍ كَبِيرٍ أَوْ رِيحٍ أَوْ جَبَلٍ. لَزِمَهُ وَلَمْ يُقَلِّدْ (وَيُخَيَّرُ) جَاهِلٌ وَأَعْمَى وَجَدَ مُجْتَهِدَيْنِ فَأَكْثَرَ (مَعَ تَسَاوٍ) بِأَنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ أَفْضَلِيَّةَ وَاحِدٍ عَلَى غَيْرِهِ، فَيَتْبَعُ أَيَّهُمَا شَاءَ (ك) مَا يُخَيَّرُ (عَامِّيٌّ

стр. 161

فِي الْفُتْيَا) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَإِنْ صَلَّى بَصِيرًا حَضَرًا فَأَخْطَأَ، أَوْ) صَلَّى (أَعْمَى بِلَا دَلِيلٍ) مِنْ اسْتِخْبَارِ بَصِيرٍ ; أَوْ اسْتِدْلَالٍ بِلَمْسِ مِحْرَابٍ أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْقِبْلَةِ (أَعَادَا) أَيْ الْبَصِيرُ وَالْأَعْمَى وَلَوْ اجْتَهَدَ الْمُخْطِئُ وَلَوْ لَمْ يُخْطِئْ الْقِبْلَةَ ; لِأَنَّ الْحَضَرَ لَيْسَ بِمَحَلِّ الِاجْتِهَادِ، لِقُدْرَةِ مَنْ فِيهِ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِالْمَحَارِيبِ وَنَحْوِهَا، وَلِوُجُودِ الْمُخْبِرِ عَنْ يَقِينٍ غَالِبًا. فَهُوَ مُفَرِّطٌ، وَكَذَلِكَ الْأَعْمَى ; لِأَنَّ فَرْضَهُ التَّقْلِيدُ أَوْ الِاسْتِدْلَال، وَقَدْ تَرَكَهُ مَعَ الْقُدْرَةِ (فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لِمُجْتَهِدٍ جِهَةٌ) فِي السَّفَرِ، بِأَنْ تَعَادَلَتْ عِنْدَهُ الْأَمَارَاتُ، وَكَذَا لَوْ مَنَعَهُ مِنْ الِاجْتِهَادِ رَمَدٌ وَنَحْوُهُ، صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ. وَلَا إعَادَةَ، لِحَدِيثِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فَلَمْ نَدْرِ أَيْنَ الْقِبْلَةُ، فَصَلَّى كُلُّ رَجُلٍ حِيَالَهُ فَلَمَّا أَصْبَحْنَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] » رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ ; وَلِأَنَّ خَفَاءَ الْقِبْلَةِ فِي الْأَسْفَارِ لِوُجُودِ نَحْوِ غَيْمٍ يَكْثُرُ. فَيَشُقُّ إيجَابُ الْإِعَادَةِ (أَوْ لَمْ يَجِدْ أَعْمَى) مَنْ يُقَلِّدُهُ (أَوْ) لَمْ يَجِدْ (جَاهِلٌ) بِأَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ (مَنْ يُقَلِّدُهُ، فَتَحَرَّيَا) وَصَلَّيَا. فَلَا إعَادَةَ ; لِأَنَّهُمَا أَتَيَا بِمَا أُمِرَا بِهِ عَلَى وَجْهِهِ. فَسَقَطَتْ عَنْهُمَا الْإِعَادَةُ، كَالْعَاجِزِ عَنْ الِاسْتِقْبَالِ (أَوْ أَخْطَأَ مُجْتَهِدٌ قَلَّدَ) جَاهِلٌ مُجْتَهِدًا (فَأَخْطَأَ مُقَلَّدَهُ) بِفَتْحِ اللَّامِ (سَفَرًا) فَصَلَّى إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ (فَلَا إعَادَةَ) عَلَيْهِ ; لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ مَنْ قَلَّدَهُ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ حَضَرًا وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلًّا لِلِاجْتِهَادِ (وَيَجِبُ) عَلَى عَالِمٍ بِأَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ (تَحَرٍّ لِكُلِّ صَلَاةٍ) ; لِأَنَّهَا وَاقِعَةٌ مُتَجَدِّدَةٌ. فَتَسْتَدْعِي طَلَبًا جَدِيدًا، كَطَلَبِ الْمَاءِ فِي التَّيَمُّمِ، وَكَالْحَادِثَةِ لِمُفْتٍ وَمُسْتَفْتٍ (فَإِنْ تَغَيَّرَ) اجْتِهَادُهُ (وَلَوْ فِيهَا) أَيْ الصَّلَاةِ (عَمِلَ بِ) الِاجْتِهَادِ (الثَّانِي) ; لِأَنَّهُ تَرَجَّحَ فِي ظَنِّهِ. فَيَسْتَدِيرُ إلَى الْجِهَةِ الَّتِي ظَهَرَتْ لَهُ، (وَبَنَى) عَلَى مَا مَضَى مِنْ الصَّلَاةِ. نَصًّا وَلَيْسَ مِنْ نَقْضِ الِاجْتِهَادِ بِالِاجْتِهَادِ، بَلْ عَمِلَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا. كَمَا قَالَ عُمَرُ فِي الْمُشَرَّكَةِ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ " ذَاكَ عَلَى مَا قَضَيْنَاهُ. وَهَذَا عَلَى مَا نَقْضِي " (وَإِنْ ظَنَّ الْخَطَأَ) بِأَنْ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ يُصَلِّي إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ (فَقَطْ) بِأَنْ لَمْ تَظْهَرْ لَهُ جِهَةُ الْقِبْلَةِ (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ اسْتِدَامَتُهَا إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ جِهَةٌ يَتَوَجَّهُ إلَيْهَا. فَتَعَذَّرَ إتْمَامُهَا (وَمَنْ أُخْبِرَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (فِيهَا) أَيْ الصَّلَاةِ (بِالْخَطَأِ) لِلْقِبْلَةِ، وَكَانَ الْإِخْبَارُ (يَقِينًا) وَالْمُخْبِرُ ثِقَةٌ (لَزِمَهُ قَبُولُهُ) أَيْ الْخَبَرِ، فَيَعْمَلُ بِهِ وَيَتْرُكُ الِاجْتِهَادَ كَمَا لَوْ أَخْبَرَهُ قَبْلَهُ

стр. 162

[بَابُ النِّيَّةِ فِي الصَّلَاةِ] بَابُ النِّيَّةِ لُغَةً: الْقَصْدُ، يُقَالُ: نَوَاك اللَّهُ بِخَيْرٍ، أَيْ قَصْدَكَ بِهِ، وَمَحَلُّهَا: الْقَلْبُ، فَتُجْزِئُ وَإِنْ لَمْ يَتَلَفَّظْ. وَلَا يَضُرُّ سَبْقُ لِسَانِهِ بِغَيْرِ قَصْدِهِ وَتَلَفُّظُهُ بِمَا نَوَاهُ تَأْكِيدٌ وَشَرْعًا (الْعَزْمُ عَلَى فِعْلِ الشَّيْءِ) مِنْ عِبَادَةٍ وَغَيْرِهَا (يُزَادُ) فِي حَدِّ النِّيَّةِ (فِي عِبَادَةٍ: تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى) بِأَنْ لَا يُشْرِكَ فِي الْعِبَادَةِ بِاَللَّهِ غَيْرَهُ. فَلَوْ أُلْجِئَ إلَيْهَا (بِيَمِينٍ) أَوْ غَيْرِهِ فَفَعَلَ، وَلَمْ يَنْوِ قُرْبَةً لَمْ تَصِحَّ (وَهِيَ) أَيْ النِّيَّةُ (شَرْطٌ) لِلصَّلَاةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] وَالْإِخْلَاصُ: عَمَلُ الْقَلْبِ وَهُوَ مَحْضُ النِّيَّةِ وَلِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَلَا تَسْقُطُ بِحَالٍ) ; لِأَنَّ مَحَلَّهَا الْقَلْبُ، فَلَا يَتَأَتَّى الْعَجْزُ عَنْهَا (وَلَا يَمْنَعُ صِحَّتَهَا) أَيْ الصَّلَاةِ (قَصْدُ تَعْلِيمِهَا) لِفِعْلِهِ ﷺ فِي صَلَاتِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَغَيْرِهِ (أَوْ) قَصْدُ (خَلَاصٍ مِنْ خَصْمٍ، أَوْ إدْمَانِ سَهَرٍ) بَعْدَ إتْيَانِهِ بِالنِّيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ. وَذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِيمَا يُنْقِصُ الْأَجْرَ. وَمِثْلُهُ: قَصْدُهُ مَعَ نِيَّةِ الصَّوْمِ هَضْمَ الطَّعَامِ أَوْ قَصْدُهُ مَعَ نِيَّةِ الْحَجِّ رُؤْيَةَ الْبِلَادِ النَّائِيَةِ وَنَحْوَهُ ; لِأَنَّهُ قَصَدَ مَا يَلْزَمُ ضَرُورَةً. كَنِيَّةِ التَّبَرُّدِ أَوْ النَّظَافَةِ مَعَ نِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُمْتَرِجِ بِثَوْبٍ مِنْ الرِّيَاءِ وَحَظِّ النَّفْسِ: إنْ تَسَاوَى الْبَاعِثَانِ فَلَا لَهُ وَلَا عَلَيْهِ، وَإِلَّا أُثِيبَ، وَأَثِمَ بِقَدْرِهِ. وَكَلَامُ غَيْرِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ثَوْبَ الرِّيَاءِ يُبْطِلُ (وَالْأَفْضَلُ: أَنْ تُقَارِنَ) النِّيَّةُ (التَّكْبِيرَ) لِلْإِحْرَامِ لِتُقَارِنَ الْعِبَادَةَ وَخُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ (فَإِنْ تَقَدَّمَتْهُ) أَيْ التَّكْبِيرَ النِّيَّةُ بِزَمَنٍ (يَسِيرٍ، لَا) إنْ كَانَ التَّقَدُّمُ (قَبْلَ) دُخُولِ (وَقْتِ أَدَاءِ) مَكْتُوبَةٍ (وَرَاتِبَةٍ وَلَمْ يَرْتَدَّ) مَنْ قَدَّمَ النِّيَّةَ عَلَى التَّكْبِيرِ (وَلَمْ يَفْسَخْهَا) أَيْ النِّيَّةَ قَبْلَهُ (صَحَّتْ) الصَّلَاةُ ; لِأَنَّ تَقَدُّمَ نِيَّةِ الْفِعْلِ عَلَيْهِ لَا تُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ مَنْوِيًّا، كَالصَّوْمِ وَكَبَقِيَّةِ الشُّرُوطِ ; وَلِأَنَّ فِي اعْتِبَارِ الْمُقَارَنَةِ حَرَجًا وَمَشَقَّةً فَوَجَبَ سُقُوطُهُ. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] فَإِنْ تَقَدَّمَتْ النِّيَّةُ الْوَقْتَ لَمْ تُعْتَبَرْ، لِلِاخْتِلَافِ فِي كَوْنِهَا رُكْنًا. وَهُوَ لَا يَتَقَدَّمُ الْوَقْتَ كَبَقِيَّةِ الْأَرْكَانِ. وَكَذَا إنْ ارْتَدَّ أَوْ فَسَخَهَا لِبُطْلَانِهَا بِذَلِكَ (وَيَجِبُ اسْتِصْحَابُ حُكْمِهَا) أَيْ النِّيَّةِ إلَى آخِرِ الصَّلَاةِ، بِأَنْ لَا يَنْوِيَ قَطْعَهَا دُونَ ذِكْرِهَا، فَلَوْ ذَهَلَ عَنْهَا

стр. 163

أَوْ عَزَبَتْ عَنْهُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ لَمْ تَبْطُلْ ; لِأَنَّ التَّحَرُّزَ عَنْهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ وَكَالصَّوْمِ. وَإِنْ أَمْكَنَهُ اسْتِصْحَابُ ذِكْرِهَا فَهُوَ أَفْضَلُ (فَتَبْطُلُ) النِّيَّةُ وَالصَّلَاةُ (بِفَسْخِ) النِّيَّةِ (فِي الصَّلَاةِ) ; لِأَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي جَمِيعِهَا وَقَدْ قَطَعَهَا. وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْحَجِّ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ بِمَحْظُورَاتِهِ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فَإِنْ فَسَخَهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ لَمْ تَبْطُلُ. وَتَبْطُلُ أَيْضًا (وَتَرَدُّدٍ فِيهِ) أَيْ الْفَسْخِ ; لِأَنَّهُ يُبْطِلُ اسْتِدَامَتَهَا، فَهُوَ كَقَطْعِهَا (وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا (وَعَزْمٍ عَلَيْهِ) أَيْ الْفَسْخِ ; لِأَنَّ النِّيَّةَ عَزْمٌ جَازِمٌ. وَمَعَ الْعَزْمِ عَلَى فَسْخِهَا لَا جَزْمَ فَلَا نِيَّةَ. وَكَذَا لَوْ عَلَّقَهُ عَلَى شَرْطٍ و (لَا) تَبْطُلُ بِعَزْمٍ (عَلَى) فِعْلِ (مَحْظُورٍ) فِي صَلَاتِهِ بِأَنْ عَزَمَ عَلَى كَلَامٍ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ، أَوْ فِعْلِ حَدَثٍ وَنَحْوِهِ، وَلَمْ يَفْعَلْهُ لِعَدَمِ مُنَافَاتِهِ الْجَزْمَ الْمُتَقَدِّمَ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَفْعَلُ الْمَحْظُورَ وَقَدْ لَا يَفْعَل، وَلَا مُنَاقِضَ فِي الْحَالِ لِلنِّيَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَتَسْتَمِرُّ إلَى أَنْ يُوجَدَ مُنَاقِضٌ. (وَ) تَبْطُلُ النِّيَّةُ (بِشَكِّهِ) أَيْ الْمُصَلِّي (هَلْ نَوَى) الصَّلَاةَ فَعَمِلَ مَعَهُ عَمَلًا (أَوْ) شَكِّهِ (هَلْ عَيَّنَ) ظُهْرًا أَوْ عَصْرًا. أَوْ عَيَّنَ مَغْرِبًا أَوْ عِشَاءً (فَعَمِلَ مَعَهُ) أَيْ الشَّكِّ (عَمَلًا) فِعْلِيًّا، كَرُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ أَوْ رَفْعٍ، أَوْ قَوْلِيًّا، كَقِرَاءَةٍ وَتَسْبِيحٍ (ثُمَّ ذَكَرَ) أَنَّهُ كَانَ نَوَى أَوْ عَيَّنَ ; لِأَنَّ مَا عَمِلَهُ خَلَا عَنْ نِيَّةٍ جَازِمَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَحْدُثْ مَعَ الشَّكِّ عَمَلًا، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ نَوَى أَوْ عَيَّنَ، لَمْ تَبْطُلُ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ اسْتَأْنَفَ (وَشُرِطَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (مَعَ نِيَّةِ الصَّلَاةِ تَعْيِينُ مُعَيَّنَةٍ) فَرْضًا كَانَتْ أَوْ نَفْلًا فَيَنْوِي كَوْنَ الْمَكْتُوبَةِ ظُهْرًا أَوْ عَصْرًا، أَوْ كَوْنَ الصَّلَاةِ نَذْرًا، إنْ كَانَتْ كَذَلِكَ، أَوْ تَرَاوِيحَ أَوْ وِتْرًا، أَوْ رَاتِبَةً إنْ كَانَتْ، لَتَمْتَازُ عَنْ غَيْرِهَا، فَلَوْ كَانَتْ عَلَيْهِ صَلَوَاتٌ وَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ يَنْوِي بِهَا مِمَّا عَلَيْهِ، لَمْ تَصِحَّ (وَلَا) تُشْتَرَطُ نِيَّةُ (قَضَاءٍ فِي فَائِتَةٍ) ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الْآخَرِ يُقَالُ: قَضَيْتُ الدَّيْنَ وَأَدَّيْتُهُ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠] أَيْ أَدَّيْتُمُوهَا وَتَعْيِينُ الْوَقْتِ لَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ، وَلِذَلِكَ لَا يَلْزَمُ مَنْ عَلَيْهِ فَائِتَةٌ تَعْيِينُ يَوْمِهَا، بَلْ يَكْفِيهِ كَوْنُهَا السَّابِقَةَ أَوْ الْحَاضِرَةَ، فَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ ظُهْرَانِ فَائِتَةٌ وَحَاضِرَةٌ وَصَلَّاهُمَا، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ تَرَكَ شَرْطًا مِنْ أَحَدِهِمَا وَجَهِلَهَا لَزِمَهُ ظُهْرٌ وَاحِدَةٌ يَنْوِي بِهَا مَا عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ ظُهْرَانِ فَائِتَتَانِ اعْتَبَرَ تَعْيِينَ السَّابِقَةِ لِلتَّرْتِيبِ، بِخِلَافِ الْمَنْذُورَتَيْنِ (وَ) لَا تُشْتَرَطُ نِيَّةُ (أَدَاءً) فِي صَلَاةٍ (حَاضِرَةٍ) لِمَا تَقَدَّمَ،. (وَ) لَا نِيَّةُ (فَرْضِيَّةٍ فِي فَرْضٍ) وَلَا إعَادَةٌ فِي مُعَادَةٍ وَنَحْوِهِ،

стр. 164

كَالَّتِي قَبْلَهَا، لَكِنْ لَوْ ظَنَّ أَنَّ عَلَيْهِ ظُهْرًا فَائِتَةً فَقَضَاهَا فِي وَقْتِ ظُهْرٍ حَاضِرَةٍ، ثُمَّ بَانَ أَنْ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ الْحَاضِرَةِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهَا، وَلَوْ نَوَى ظُهْرَ الْيَوْمِ فِي وَقْتِهَا وَعَلَيْهِ فَائِتَةٌ، لَمْ تُجْزِ عَنْهَا وَلَا يُشْتَرَطُ فِي النِّيَّةِ أَيْضًا تَعْيِينُ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ بِأَنْ يَنْوِيَ الْفَجْرَ رَكْعَتَيْنِ وَالظُّهْرَ أَرْبَعًا، لَكِنْ إنْ نَوَى الظُّهْرَ مَثَلًا: ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا لَمْ تَصِحَّ. وَلَا يُشْتَرَطُ أَيْضًا نِيَّةُ الِاسْتِقْبَالِ، وَلَا إضَافَةُ الْفِعْلِ لِلَّهِ تَعَالَى، بَلْ يُسْتَحَبُّ بِأَنْ يَقُولَ: أُصَلِّي لِلَّهِ ; لِأَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَكُونُ إلَّا لِلَّهِ (وَتَصِحُّ نِيَّةُ) صَلَاةِ (فَرْضٍ مِنْ قَاعِدٍ) وَلَوْ قَدَرَ عَلَى قِيَامٍ ; لِأَنَّ اسْتِصْحَابَ النِّيَّةِ عِنْدَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ كَافٍ. وَكَذَا لَوْ نَوَى غَيْرَ مُسْتَقْبِلٍ أَوْ مَكْشُوفَ الْعَوْرَةِ أَوْ حَامِلَ نَجَاسَةٍ وَنَحْوِهِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ أَوْ سَتَرَهَا أَوْ أَلْقَى النَّجَاسَةَ وَنَحْوَهُ ثُمَّ أَحْرَمَ، اكْتِفَاءً بِاسْتِصْحَابِ النِّيَّةِ عِنْدَ الدُّخُولِ (وَيَصِحُّ قَضَاءُ) صَلَاةٍ (بِنِيَّةِ أَدَاءً) بِهَا إذَا بَانَ خِلَافُ ظَنِّهِ. كَمَا لَوْ أَحْرَمَ ظَانًّا أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَطْلُعْ يَصِحُّ أَدَاءً فَبَانَ طُلُوعُهَا. صَحَّتْ قَضَاءً (وَ) يَصِحُّ (عَكْسُهُ) أَيْ أَدَاءٌ بِنِيَّةِ قَضَاءٍ (إذَا بَانَ خِلَافُ ظَنِّهِ) بِأَنْ نَوَى عَصْرًا قَضَاءً ظَانًّا غُرُوبَ شَمْسٍ، فَتَبَيَّنَ عَدَمُهُ. صَحَّتْ أَدَاءً كَالْأَسِيرِ إذَا تَحَرَّى وَصَامَ، فَبَانَ أَنَّهُ وَافَقَ الشَّهْرَ أَوْ مَا بَعْدَهُ، وَلِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الْآخَرِ، كَمَا تَقَدَّمَ وَ (لَا) يَصِحُّ ذَلِكَ (إنْ عَلِمَ بَقَاءَ الْوَقْتِ) أَوْ خُرُوجَهُ وَنَوَى خِلَافَهُ وَقَصَدَ مَعْنَاهُ الْمُصْطَلَحَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ مُتَلَاعِبٌ (وَإِنْ أَحْرَمَ) مُصَلٍّ (بِفَرْضٍ) كَظُهْرٍ (فِي وَقْتِهِ الْمُتَّسَعِ) لَهُ وَلِغَيْرِهِ (ثُمَّ قَلَبَهُ نَفْلًا) بِأَنْ فَسَخَ نِيَّةَ الْفَرْضِيَّةِ دُونَ نِيَّةِ الصَّلَاةِ (صَحَّتْ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ صَلَّى الْأَكْثَرَ مِنْهَا أَوْ الْأَقَلَّ، وَسَوَاءٌ كَانَ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ أَوْ لَا ; لِأَنَّ النَّفَلَ يَدْخُلُ فِي نِيَّةِ الْفَرْضِ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَحْرَمَ بِفَرْضٍ فَبَانَ قَبْلَ وَقْتِهِ، وَكَمَا لَوْ قَلَبَهُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ. وَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ لَزِمَهُ ابْتِدَاءُ فَرْضِهِ (وَكُرِهَ) قَلْبُهُ (نَفْلًا لِغَيْرِ غَرَضٍ) صَحِيحٍ. فَإِنْ كَانَ كَمَنْ أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ أُقِيمَتْ الْجَمَاعَةُ لَمْ يُكْرَهْ أَنْ يَقْلِبَهُ نَفْلًا لِيُصَلِّيَ مَعَهَا. وَعَنْ أَحْمَدَ: فِيمَنْ صَلَّى رَكْعَةً مِنْ فَرْضٍ مُنْفَرِدًا ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ: أَعْجَبُ إلَيَّ أَنْ يَقْطَعَهُ وَيَدْخُلَ مَعَهُمْ، وَعَلَى هَذَا فَقَطْعُ النَّفْلِ أَوْلَى. (وَإِنْ انْتَقَلَ) مَنْ أَحْرَمَ بِفَرْضٍ كَظُهْرٍ (إلَى) فَرْضٍ (آخَرَ) كَعَصْرٍ (بَطَلَ فَرْضُهُ) الَّذِي انْتَقَلَ عَنْهُ (وَصَارَ) مَا انْتَقَلَ عَنْهُ (نَفْلًا إنْ اسْتَمَرَّ) عَلَى حَالِهِ ; لِأَنَّهُ قَطَعَ نِيَّةَ الْفَرْضِيَّةِ بِنِيَّةِ انْتِقَالِهِ عَنْهُ دُونَ نِيَّةِ الصَّلَاةِ فَتَصِيرُ

стр. 165

نَفْلًا. وَلَا يَصِحُّ الْفَرْضُ الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ (إنْ لَمْ يَنْوِ) الْفَرْضَ (الثَّانِيَ مِنْ أَوَّلِهِ بِتَكْبِيرَةِ إحْرَامٍ) لِخُلُوِّ أَوَّلِهِ عَنْ نِيَّةِ تَعَيُّنِهِ، (فَإِنْ نَوَاهُ) مِنْ أَوَّلِهِ بِتَكْبِيرَةِ إحْرَامٍ (صَحَّ) كَمَا لَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ إحْرَامٌ بِغَيْرِهِ (وَمَنْ أَتَى بِمَا يُفْسِدُ الْفَرْضَ فَقَطْ) أَيْ دُونَ النَّفْلِ، كَتَرْكِ الْقِيَامِ بِلَا عُذْرٍ، وَتَرْكِ رَجُلٍ سَتْرَ أَحَدَ عَاتِقَيْهِ، وَصَلَاةٍ فِي الْكَعْبَةِ، وَاقْتِدَاءِ مُفْتَرِضٍ بِمُتَنَفِّلٍ وَصَبِيٍّ، وَشُرْبٍ يَسِيرٍ وَنَحْوِهِ مُعْتَقِدًا جَوَازَهُ. وَكَانَ نَوَى الْفَرْضَ (انْقَلَبَ) فَرْضُهُ (نَفْلًا) ; لِأَنَّهُ كَقَطْعِ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ. فَتَبْقَى نِيَّةُ الصَّلَاةِ (وَيَنْقَلِبُ نَفْلًا مَا) أَيْ فَرْضٍ (بِأَنْ عَدِمَهُ ك) مَا لَوْ أَحْرَمَ (بِفَائِتَةٍ) يَظُنُّهَا عَلَيْهِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ (لَمْ تَكُنْ) عَلَيْهِ فَائِتَةٌ (أَوْ) أَحْرَمَ بِفَرْضٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ (لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهُ) ; لِأَنَّ الْفَرْضَ لَمْ يَصِحَّ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُبْطِلُ النَّفَلَ، (وَإِنْ عَلِمَ) أَنْ لَا فَائِتَةَ عَلَيْهِ أَوْ أَنَّ الْفَرْضَ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهُ وَنَوَاهُ (لَمْ تَنْعَقِدْ) صَلَاتُهُ ; لِأَنَّهُ مُتَلَاعِبٌ. [فَصْلٌ وَتُشْتَرَطُ لِصَلَاةِ جَمَاعَةٍ نِيَّةٌ] ُ كُلٍّ مِنْ إمَامٍ وَمَأْمُومٍ () فَيَنْوِي الْإِمَامُ الْإِمَامَةَ، وَالْمَأْمُومُ الِاقْتِدَاءَ، كَالْجُمُعَةِ ; لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ تَتَعَلَّقُ بِهَا أَحْكَامٌ مِنْ وَجُوَبِ الِاتِّبَاعِ وَسُقُوطِ سُجُودِ السَّهْوِ وَالْفَاتِحَةِ عَنْ الْمَأْمُومِ، وَفَسَادُ صَلَاتِهِ بِفَسَادِ صَلَاةِ إمَامِهِ. وَإِنَّمَا يَتَمَيَّزُ الْإِمَامُ عَنْ الْمَأْمُومِ بِالنِّيَّةِ، فَكَانَتْ شَرْطًا لِانْعِقَادِ الْجَمَاعَةِ (وَإِنْ) كَانَتْ (نَفْلًا) كَالتَّرَاوِيحِ وَالْوِتْرِ. فَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ كُلٍّ مِنْهُمَا حَالُهُ كَالْفَرْضِ (فَإِنْ اعْتَقَدَ كُلٌّ) مِنْ مُصَلِّيَيْنِ (أَنَّهُ إمَامُ الْآخَرِ، أَوْ) اعْتَقَدَ كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّهُ (مَأْمُومُهُ) أَيْ الْآخَرِ لَمْ تَصِحَّ لَهُمَا. نَصًّا ; لِأَنَّهُ أَمَّ مَنْ لَمْ يَأْتَمَّ بِهِ فِي الْأُولَى، وَائْتَمَّ بِمَنْ لَيْسَ بِإِمَامٍ فِي الثَّانِيَةِ، وَكَذَا إنْ عَيَّنَ إمَامًا أَوْ مَأْمُومًا، فَأَخْطَأَ، لَا إنْ ظَنَّ (أَوْ نَوَى) مُصَلٍّ (إمَامَةَ مَنْ) أَيْ مُصَلٍّ (لَا يَصِحُّ أَنْ يَؤُمَّهُ، كَأُمِّيٍّ) لَا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ نَوَى أَنْ يَؤُمَّ (قَارِئًا) يُحْسِنُهَا، وَكَامْرَأَةٍ أَمَّتْ رَجُلًا لَمْ تَصِحَّ لَهُمَا ; لِفَسَادِ الْإِمَامَةِ وَالِائْتِمَامِ. (أَوْ شَكَّ) كُلٌّ مِنْهُمَا (فِي كَوْنِهِ إمَامًا أَوْ مَأْمُومًا. لَمْ تَصِحَّ) صَلَاتُهُمَا لِعَدَمِ جَزْمِهِمَا بِالنِّيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ لِلْجَمَاعَةِ. وَكَذَا لَوْ ائْتَمَّ بِإِمَامَيْنِ أَوْ بِأَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ (فَإِنْ ائْتَمَّ مُقِيمٌ بِمُقِيمٍ مِثْلِهِ إذَا سَلَّمَ إمَامٌ مُسَافِرٌ) قَصَرَ الصَّلَاةَ وَكَانَا ائْتَمَّا بِهِ صَحَّ (أَوْ) ائْتَمَّ (مَنْ سُبِقَ) بِرَكْعَةٍ فَأَكْثَرَ (بِمِثْلِهِ فِي قَضَاءِ مَا فَاتَهُمَا) بَعْدَ سَلَامِ

стр. 166

إمَامِهِمَا (فِي غَيْرِ جُمُعَةٍ صَحَّ) ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ انْتِقَالٌ مِنْ جَمَاعَةٍ إلَى جَمَاعَةٍ لِعُذْرِ السَّبْقِ، فَإِنْ ائْتَمَّ مَسْبُوقٌ بِإِمَامِ جَمَاعَةٍ أُخْرَى فِي قَضَاءِ مَا فَاتَهُ أَوْ كَانَا فِي جُمُعَةٍ لَمْ يَصِحَّ، قَالَ الْقَاضِي: لِأَنَّهَا إذَا أُقِيمَتْ بِمَسْجِدٍ لَمْ تُقَمْ فِيهِ مَرَّةً ثَانِيَةً، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنْ ذَلِكَ لَيْسَ إقَامَةً ثَانِيَةً، وَإِنَّمَا هُوَ تَكْمِيلٌ لَهَا بِجَمَاعَةٍ، فَغَايَتُهُ: أَنَّهَا فُعِلَتْ بِجَمَاعَتَيْنِ، وَهُوَ لَا يَضُرُّ، وَقِيلَ: لَعَلَّهُ لِاشْتِرَاطِ الْعَدَدِ لَهَا فَيَلْزَمُ لَوْ ائْتَمَّ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ بِآخَرَ يَصِحُّ (وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَأْتَمَّ) أَيْ ائْتِمَامُ (مَنْ لَمْ يَنْوِهِ) أَيْ الِائْتِمَامَ (أَوَّلًا) أَيْ فِي ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ ; لِأَنَّهُ مَحَلُّ النِّيَّةِ (إلَّا إذَا أَحْرَمَ) مُصَلٍّ (إمَامًا لِغَيْبَةِ إمَامِ الْحَيِّ) أَيْ الْإِمَامِ الرَّاتِبِ (ثُمَّ حَضَرَ) إمَامُ الْحَيِّ فَأَحْرَمَ (وَبَنَى) صَلَاتَهُ (عَلَى صَلَاةِ) الْإِمَامِ (الْأَوَّلِ) الَّذِي أَحْرَمَ لِغَيْبَتِهِ (وَصَارَ) هَذَا (الْإِمَامُ مَأْمُومًا) بِالْإِمَامِ الرَّاتِبِ سَوَاءٌ كَانَ الْإِمَامَ الْأَعْظَمَ أَوْ غَيْرَهُ. لَمَّا رَوَى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: «ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ، فَحَانَتْ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ فِي الصَّلَاةِ، فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ، فَاسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى اسْتَوَى فِي الصَّفِّ، فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى، ثُمَّ انْصَرَفَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. و (لَا) يَصِحُّ (أَنْ يَؤُمَّ) مَنْ لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ أَوَّلًا، وَلَوْ فِي نَفْلٍ. وَتَصِحُّ صَلَاتُهُ (بِلَا عُذْرِ السَّبْقِ وَالْقَصْرِ) السَّابِقَيْنِ (إلَّا إذَا اسْتَخْلَفَهُ إمَامٌ، لِحُدُوثِ مَرَضٍ) لِلْإِمَامِ (أَوْ) حُدُوثِ (خَوْفٍ أَوْ) حُدُوثِ (حَصْرٍ) لَهُ (عَنْ قَوْلٍ) وَاجِبٍ كَقِرَاءَةٍ وَتَشَهُّدٍ وَتَسْمِيعٍ وَتَكْبِيرٍ وَتَسْبِيحِ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَنَحْوِهِ، لِوُجُودِ الْعُذْرِ الْحَاصِلِ لِلْإِمَامِ، مَعَ بَقَاءِ صَلَاتِهِ وَصَلَاةِ الْمَأْمُومِينَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ سَبَقَ الْإِمَامَ الْحَدَثُ، لِبُطْلَانِ صَلَاةِ الْكُلِّ (وَيَبْنِي) خَلِيفَةُ الْإِمَامِ (عَلَى تَرْتِيبِ) الْإِمَامِ (الْأَوَّلِ) ; لِأَنَّهُ فَرْعُهُ، وَلِئَلَّا يَخْلِطَ عَلَى الْمَأْمُومِينَ (وَلَوْ) كَانَ الْمُسْتَخْلِفُ (مَسْبُوقًا) لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُ مِنْ أَوَّلِ الصَّلَاةِ فَيَجُوزُ اسْتِخْلَافُهُ، وَيَبْنِي عَلَى صَلَاةِ إمَامِهِ، فَإِنْ شَكَّ: كَمْ صَلَّى الْإِمَامُ؟ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ، فَإِنْ سَبَّحَ بِهِ الْمَأْمُومُ رَجَعَ (وَيَسْتَخْلِفُ) ذَلِكَ الْمَسْبُوقُ (مَنْ يُسَلِّمُ بِهِمْ) أَيْ الْمَأْمُومِينَ الَّذِينَ دَخَلُوا مَعَ الْإِمَامِ مِنْ أَوَّلِ الصَّلَاةِ (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) أَيْ يَسْتَخْلِفْ مَنْ يُسَلِّمُ بِهِمْ (فَلَهُمْ) أَيْ الْمَأْمُومِينَ (السَّلَامُ) لِأَنْفُسِهِمْ (وَلَهُمْ) (الِانْتِظَارُ) لَهُ حَتَّى يُتِمَّ صَلَاتَهُ وَيُسَلِّمَ بِهِمْ، نَصًّا. وَفِي مَوْضِعٍ مِنْ الْمُجَرَّدِ لِلْقَاضِي: يُسْتَحَبُّ انْتِظَارُهُ حَتَّى يُسَلِّمَ بِهِمْ

стр. 167

(وَالْأَصَحُّ يَبْتَدِئُ الْفَاتِحَةَ مَنْ) أَيْ مُسْتَخْلِفٍ (لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُ) فِي الصَّلَاةِ. قَالَ فِي التَّنْقِيحِ: وَلَهُ اسْتِخْلَافُ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُ نَصًّا وَيَبْنِي عَلَى تَرْتِيبِ الْأَوَّلِ، وَالْأَصَحُّ: يَبْتَدِئُ الْفَاتِحَةَ انْتَهَى. قَالَ الْمَجْدُ: وَالصَّحِيحُ عِنْدِي: أَنَّهُ يَقْرَأُ سِرًّا مَا فَاتَهُ مِنْ فَرْضِ الْقِرَاءَةِ، لِئَلَّا تَفُوتَهُ الرَّكْعَةُ، ثُمَّ يَبْنِي عَلَى قِرَاءَةِ الْأَوَّلِ إنْ كَانَتْ صَلَاةَ جَهْرٍ. (وَتَصِحُّ نِيَّةُ مُصَلٍّ) الْإِمَامَةَ (ظَانًّا حُضُورَ مَأْمُومٍ) يَأْتَمُّ بِهِ إقَامَةً لِلظَّنِّ مَقَامَ الْيَقِينِ. وَ (لَا) تَصِحُّ نِيَّةُ الْإِمَامَةِ (شَاكًّا) فِي حُضُورِ مَأْمُومٍ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، وَلَوْ حَضَرَ مَنْ يَأْتَمُّ بِهِ (وَتَبْطُلُ) صَلَاةُ مَنْ نَوَى الْإِمَامَةَ ظَانًّا حُضُورَ مَأْمُومٍ (إنْ لَمْ يَحْضُرْ) وَيَدْخُلْ مَعَهُ قَبْلَ رَفْعِهِ مِنْ رُكُوعٍ، أَوْ حَضَرَ وَلَمْ يَدْخُلْ مَعَهُ قَبْلَ رَفْعِهِ مِنْ الرُّكُوعِ (أَوْ كَانَ) مَنْ ظَنَّ دُخُولَهُ (مَعَهُ حَاضِرًا) فَأَحْرَمَ بِهِ فَانْصَرَفَ (وَلَمْ يَدْخُلْ مَعَهُ) ; لِأَنَّهُ نَوَى الْإِمَامَةَ بِمَنْ لَمْ يَأْتَمَّ بِهِ وَ (لَا) تَبْطُلُ (إنْ دَخَلَ مَعَهُ) مَنْ ظَنَّ حُضُورَهُ أَوْ غَيْرُهُ (ثُمَّ انْصَرَفَ) عَنْهُ قَبْلَ إتْمَامِ الصَّلَاةِ فَيُتِمُّهَا الْإِمَامُ مُنْفَرِدًا ; لِأَنَّهَا لَا فِي ضِمْنِهَا وَلَا مُتَعَلِّقَةً بِهَا، بِدَلِيلِ سَهْوِهِ وَعِلْمِهِ بِحَدَثِهِ (وَصَحَّ) لِمُصَلٍّ جَمَاعَةً (لِعُذْرٍ يُبِيحُ تَرْكَ الْجَمَاعَةِ أَنْ يَنْفَرِدَ) عَنْ الْجَمَاعَةِ (إمَامٌ وَمَأْمُومٌ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ: قَالَ «صَلَّى مُعَاذٌ بِقَوْمِهِ فَقَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَتَأَخَّرَ رَجُلٌ فَصَلَّى وَحْدَهُ، فَقِيلَ لَهُ: نَافَقْتَ، فَقَالَ: مَا نَافَقْتُ، وَلَكِنْ لَآتِيَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأُخْبِرُهُ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَفَتَّانٌ أَنْتَ يَا مُعَاذُ؟ مَرَّتَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِمُفَارَقَتِهِ، قَالَ فِي الْفُصُولِ: وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ يُعَجِّلُ وَلَا يَتَمَيَّزُ انْفِرَادُهُ عَنْهُ بِنَوْعِ تَعْجِيلٍ، لَمْ يَجُزْ انْفِرَادُهُ، وَإِنَّمَا يَمْلِكُ الِانْفِرَادَ إذَا اسْتَفَادَ بِهِ تَعْجِيلَ لُحُوقِهِ لِحَاجَتِهِ، فَإِنْ زَالَ عُذْرُ مَأْمُومٍ فَارَقَ إمَامَهُ فَلَهُ الدُّخُولُ مَعَهُ، وَفِي الْفُصُولِ: يَلْزَمُهُ لِزَوَالِ الرُّخْصَةِ. (وَيَقْرَأُ مَأْمُومٌ فَارَقَ) إمَامَهُ (فِي قِيَامٍ) قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ الْبَاقِيَ بِالْقِرَاءَةِ الْمَطْلُوبَةِ (أَوْ يُكْمِلُ) عَلَى قِرَاءَةِ إمَامِهِ إنْ كَانَ قَرَأَ الْبَعْضَ (وَبَعْدَهَا) أَيْ بَعْدَ قِرَاءَةِ إمَامِهِ (لَهُ) أَيْ الْمَأْمُومِ الْمُفَارِقِ (الرُّكُوعُ فِي الْحَالِ) ; لِأَنَّ قِرَاءَةَ إمَامِهِ قِرَاءَةٌ لَهُ (فَإِنْ ظَنَّ) مَأْمُومٌ فَارَقَ إمَامَهُ (فِي صَلَاةِ سِرٍّ) كَظُهْرٍ (أَنَّ إمَامَهُ قَرَأَ) الْفَاتِحَةَ (لَمْ يَقْرَأْ) أَيْ لَمْ تَلْزَمْهُ الْقِرَاءَةُ، إجْرَاءً لِلظَّنِّ مَجْرَى الْيَقِينِ. (وَ) إنْ فَارَقَهُ (فِي ثَانِيَةِ جُمُعَةٍ) وَأَدْرَكَ مَعَهُ الْأُولَى (يُتِمُّ) مُفَارِقٌ صَلَاتَهُ (جُمُعَةً) ; لِأَنَّهُ أَدْرَكَ مَعَ إمَامِهِ رَكْعَةً

стр. 168

(وَتَبْطُلُ صَلَاةُ مَأْمُومٍ بِبُطْلَانِ صَلَاةِ إمَامِهِ مُطْلَقًا) أَيْ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَلَا اسْتِخْلَافَ إنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ (لَا عَكْسُهُ) أَيْ لَا تَبْطُلُ صَلَاةُ إمَامٍ بِبُطْلَانِ صَلَاةِ مَأْمُومٍ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ فِي ضِمْنِهَا وَلَا مُتَعَلِّقَةً بِهَا (وَيُتِمُّهَا) الْإِمَامُ (مُنْفَرِدًا) إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ غَيْرُ مَنْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ (وَمَنْ خَرَجَ مِنْ صَلَاةٍ يَظُنُّ أَنَّهُ أَحْدَثَ) فَظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ (لَمْ يَكُنْ) أَحْدَثَ (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ، لِفَسْخِهِ نِيَّةَ الصَّلَاةِ بِخُرُوجِهِ مِنْهَا.

стр. 169

[بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ وَمَا يُكْرَهُ فِيهَا وَأَرْكَانِهَا وَوَاجِبَاتِهَا وَسُنَنِهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا] (سُنَّ خُرُوجٌ إلَيْهَا) أَيْ الصَّلَاةِ (بِسَكِينَةٍ) بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِهَا، وَتَخْفِيفِ الْكَافِ أَيْ طُمَأْنِينَةٍ وَتَأَنٍّ فِي الْحَرَكَاتِ وَاجْتِنَابِ الْبَعَثَاتِ (وَوَقَارٍ) كَسَحَابٍ. أَيْ رَزَانَةٍ، كَغَضِّ الطَّرْفِ وَخَفْضِ الصَّوْتِ وَعَدَمِ الِالْتِفَاتِ ; لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «إذَا سَمِعْتُمْ الْإِقَامَةَ فَامْشُوا وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» ، وَلِمُسْلِمٍ «فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إذَا كَانَ يَعْمِدُ إلَى الصَّلَاةِ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ» وَيُقَارِبُ فِي خُطَاهُ، لِتَكْثُرَ حَسَنَاتُهُ وَيَكُونُ مُتَطَهِّرًا، غَيْرَ مُشَبِّكٍ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، قَائِلًا مَا وَرَدَ، قَالَ أَحْمَدُ: فَإِنْ طَمِعَ أَنْ يُدْرِكَ التَّكْبِيرَةَ الْأُولَى فَلَا بَأْسَ أَنْ يُسْرِعَ شَيْئًا، مَا لَمْ تَكُنْ عَجَلَةٌ تَقْبَحُ. وَفِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ لِلشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ مَا مَعْنَاهُ: إنْ خَشِيَ فَوْتَ الْجَمَاعَةِ أَوْ الْجُمُعَةِ بِالْكُلِّيَّةِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُكْرَهَ لَهُ الْإِسْرَاعُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْجَبِرُ إذَا فَاتَ (وَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَالَ) عِنْدَ دُخُولِهِ اسْتِحْبَابًا بِسْمِ اللَّهِ، «وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ. وَيَقُولُ» أَيْ مَا ذُكِرَ. (إذَا خَرَجَ) مِنْ الْمَسْجِدِ (إلَّا أَنَّهُ يَقُولُ: أَبْوَابَ فَضْلِكَ) بَدَلَ " أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ ; " لِحَدِيثِ فَاطِمَةَ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ: يَتَعَوَّذُ إذَا خَرَجَ مِنْ الشَّيْطَانِ وَجُنُودِهِ لِلْخَبَرِ، وَيَجْلِسُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، وَلَا يَخُوضُ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا. (وَسُنَّ قِيَامُ إمَامٍ) إلَى الصَّلَاةِ فَقِيَامُ مَأْمُومٍ (غَيْرِ مُقِيمٍ) لِلصَّلَاةِ (إلَيْهَا إذَا قَالَ الْمُقِيمُ) لَهَا (قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ) لِفِعْلِهِ ﷺ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي أَوْفَى ; وَلِأَنَّهُ دُعَاءٌ إلَى الصَّلَاةِ فَاسْتُحِبَّتْ الْمُبَادَرَةُ إلَيْهَا عِنْدَهُ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا أَهْلُ الْحَرَمَيْنِ (إذَا رَأَى) الْمَأْمُومُ (الْإِمَامَ وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَرَ الْمَأْمُومُ الْإِمَامَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُقِيمِ: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ (فَ) أَنَّهُ يَقُومُ (عِنْدَ رُؤْيَتِهِ) لِإِمَامِهِ لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ مَرْفُوعًا «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي قَدْ خَرَجْتُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَالْمُقِيمُ يَأْتِي بِالْإِقَامَةِ كُلِّهَا قَائِمًا وَتَقَدَّمَ (ثُمَّ يُسَوِّي

стр. 170

إمَامٌ الصُّفُوفَ بِمَنْكِبٍ وَكَعْبٍ) اسْتِحْبَابًا فَيَلْتَفِتُ عَنْ يَمِينِهِ فَيَقُولُ: اسْتَوُوا رَحِمَكُمْ اللَّهُ، وَعَنْ يَسَارِهِ كَذَلِكَ لِحَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: «صَلَّيْتُ إلَى جَنْبِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يَوْمًا، فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي لِمَ صُنِعَ هَذَا الْعُودُ؟ فَقُلْتُ: لَا وَاَللَّهِ، فَقَالَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ أَخَذَهُ بِيَمِينِهِ، فَقَالَ: اعْتَدِلُوا وَسَوُّوا صُفُوفَكُمْ، ثُمَّ أَخَذَهُ بِيَسَارِهِ وَقَالَ: اعْتَدِلُوا وَسَوُّوا صُفُوفَكُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. قَالَ أَحْمَدُ: يَنْبَغِي أَنْ تُقَامَ الصُّفُوفُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ الْإِمَامُ (وَسُنَّ تَكْمِيلُ) صُفُوفٍ (أَوَّلَ فَأَوَّلَ) حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى الْآخِرِ، فَلَوْ تُرِكَ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ كُرِهَ لِحَدِيثِ «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ» وَتَقَدَّمَ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: يُحَافِظُ عَلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ، وَإِنْ فَاتَتْهُ رَكْعَةٌ، وَيُتَوَجَّهُ مِنْ نَصِّهِ: يُسْرِعُ إلَى الْأُولَى لِلْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا. وَالْمُرَادُ مِنْ كَلَامِهِمْ: إذَا لَمْ تَفُتْهُ الْجَمَاعَةُ بِالْكُلِّيَّةِ مُطْلَقًا، وَإِلَّا حَافَظَ عَلَيْهَا، فَيُسْرِعُ إلَيْهَا (وَ) سُنَّ (الْمُرَاصَّةُ) أَيْ الْتِصَاقُ بَعْضِ الْمَأْمُومِينَ بِبَعْضٍ وَسَدُّ خَلَلِ الصُّفُوفِ (وَيَمِينُهُ) أَيْ الْإِمَامِ لِرِجَالٍ أَفْضَلُ (وَ) صَفٌّ أَوَّلُ (لِرِجَالٍ) مَأْمُومِينَ (أَفْضَلُ) مِمَّا بَعْدَهُ. قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: وَلَهُ ثَوَابُهُ وَثَوَابُ مَنْ وَرَاءَهُ مَا اتَّصَلَتْ الصُّفُوفُ لِاقْتِدَائِهِمْ بِهِ اهـ، وَكُلَّمَا قَرُبَ مِنْهُ أَفْضَلُ وَكَذَا قُرْبُ الْأَفْضَلِ وَالصَّفِّ مِنْهُ، وَخَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا وَعَكْسُهُ النِّسَاءُ. وَتُكْرَهُ صَلَاةُ رَجُلٍ بَيْنَ يَدَيْهِ امْرَأَةٌ تُصَلِّي، وَيَأْتِي حُكْمُ إيثَارِهِ بِمَكَانِهِ الْأَفْضَلِ وَإِقَامَتِهِ غَيْرَهُ فِي الْجُمُعَةِ (وَهُوَ) أَيْ الصَّفُّ الْأَوَّلُ (مَا يَقْطَعُهُ الْمِنْبَرُ) يَعْنِي مَا يَلِي الْإِمَامَ وَلَوْ قَطَعَهُ الْمِنْبَرُ، فَلَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ تَامًّا (ثُمَّ يَقُولُ) مُصَلٍّ إمَامًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ (قَائِمًا مَعَ قُدْرَةٍ) عَلَى قِيَامٍ (لِمَكْتُوبَةٍ: اللَّهُ أَكْبَرُ) لَا تَنْعَقِدُ الصَّلَاةُ بِغَيْرِهِ نَصًّا لِحَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، قَالَ فِي شَرْحِهِ: مِنْ غَيْرِ دُعَاءٍ قَبْلَ ذَلِكَ، قِيلَ لِأَحْمَدَ: قَبْلَ التَّكْبِيرِ تَقُولُ شَيْئًا قَالَ: لَا يَعْنِي لَيْسَ قَبْلَهُ دُعَاءٌ مَسْنُونٌ، إذْ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ، اهـ. وَتَقَدَّمَ لَكَ كَلَامُهُ فِي آخِرِ الْأَذَانِ. وَيَكُونُ التَّكْبِيرُ (مُرَتَّبًا مُتَوَالِيًا) فَلَا يُجْزِئُ: أَكْبَرُ اللَّهُ، وَلَا إنْ سَكَتَ بَيْنَهُمَا

стр. 171

مَا يُمْكِنُ فِيهِ كَلَامٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ، وَتُسَمَّى تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ ; لِأَنَّهُ يَدْخُلُ بِهَا فِي عِبَادَةٍ يَحْرُمُ بِهَا أُمُورٌ، وَالْإِحْرَامُ الدُّخُولُ فِي حُرْمَةٍ لَا تُنْتَهَكُ، وَحِكْمَةُ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ بِهَذَا اللَّفْظِ: اسْتِحْضَارُ الْمُصَلِّي عَظَمَةَ مَنْ تَهَيَّأَ لِخِدْمَتِهِ، وَالْوُقُوفُ بَيْنَ يَدَيْهِ لِيَمْتَلِئَ هَيْبَةً فَيَحْضُرَ قَلْبُهُ وَيَخْشَعَ وَلَا يَغِيبُ. (فَإِنْ أَتَى بِهِ) أَيْ بِتَكْبِيرِ الْإِحْرَامِ كُلِّهِ غَيْرَ قَائِمٍ، بِأَنْ قَالَ وَهُوَ قَاعِدٌ أَوْ رَاكِعٌ وَنَحْوُهُ: اللَّهُ أَكْبَرُ (أَوْ ابْتَدَأَهُ) أَيْ التَّكْبِيرَ غَيْرَ قَائِمٍ، كَأَنْ ابْتَدَأَهُ قَاعِدًا وَأَتَمَّهُ قَائِمًا (أَوْ أَتَمَّهُ غَيْرَ قَائِمٍ) ، بِأَنْ ابْتَدَأَهُ قَائِمًا وَأَتَمَّهُ رَاكِعًا مَثَلًا (صَحَّتْ) صَلَاتُهُ (نَفْلًا) ; لِأَنَّ تَرْكَ الْقِيَامِ يُفْسِدُ الْفَرْضَ فَقَطْ دُونَ النَّفْلِ فَتَنْقَلِبُ بِهِ صَلَاتُهُ نَفْلًا (إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ) لِإِتْمَامِ النَّفْلِ وَالْفَرْضِ كُلِّهِ قَبْلَ خُرُوجِهِ، وَإِلَّا اسْتَأْنَفَ الْفَرْضَ قَائِمًا (وَتَنْعَقِدُ) الصَّلَاةُ (إنْ مَدَّ اللَّامَ) أَيْ لَامَ الْجَلَالَةِ ; لِأَنَّهَا مَمْدُودَةٌ، فَغَايَتُهُ: زِيَادَتُهَا مِنْ غَيْرِ إتْيَانٍ بِحَرْفٍ زَائِدٍ. وَ (لَا تَنْعَقِدُ إنْ مَدَّ هَمْزَةَ اللَّهِ، أَوْ) مَدَّ هَمْزَةَ (أَكْبَرَ) ; لِأَنَّهُ يَصِيرُ اسْتِفْهَامًا فَيَخْتَلُّ الْمَعْنَى (أَوْ قَالَ: أَكْبَارٌ) ; لِأَنَّهُ جَمْعُ كَبْرٍ. بِفَتْحِ الْكَافِ. وَهُوَ الطَّبْلُ (أَوْ) قَالَ اللَّهُ (الْأَكْبَرُ) لِحَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ وَغَيْرِهِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: اللَّهُ الْكَبِيرُ أَوْ الْجَلِيلُ وَنَحْوَهُ، أَوْ قَالَ: أَقْبَرُ، أَوْ اللَّهُ فَقَطْ، أَوْ أَكْبَرُ فَقَطْ، وَفِي: اللَّهُ الْأَكْبَرُ وَجْهٌ تَنْعَقِدُ ; لِأَنَّهُ لَا يُغَيِّرُ الْمَعْنَى (وَيَلْزَمُ جَاهِلًا) بِالتَّكْبِيرَةِ (تَعَلُّمُهَا) إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ فِي مَكَانِهِ وَمَا قَرُبَ مِنْهُ. وَفِي التَّلْخِيصِ: إنْ كَانَ فِي الْبَادِيَةِ لَزِمَهُ قَصْدُ الْبَلَدِ لِتَعَلُّمِهِ، وَلَا تَصِحُّ إنْ كَبَّرَ بِلُغَتِهِ، مَعَ قُدْرَةٍ عَلَى تَعَلُّمٍ ; لِأَنَّهُ ذِكْرٌ وَاجِبٌ فِي الصَّلَاةِ لَا تَصِحُّ إلَّا بِهِ فَلَزِمَهُ تَعَلُّمُهُ كَالْفَاتِحَةِ (فَإِنْ عَجَزَ) عَنْ تَعَلُّمِ التَّكْبِيرِ (أَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْهُ، كَبَّرَ بِلُغَتِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وَالْقِرَاءَةُ مُتَعَبَّدٌ بِهَا (وَإِنْ عَرَفَ لُغَاتٍ فِيهَا) أَيْ اللُّغَاتِ (أَفْضَلُ) مِنْ غَيْرِهِ (كَبَّرَ بِهِ) أَيْ الْأَفْضَلِ قَالَ فِي الْمُنَوِّرِ عَلَى الْمُحَرَّرِ: يُقَدَّمُ السُّرْيَانِيُّ، ثُمَّ الْفَارِسِيُّ، ثُمَّ التُّرْكِيُّ، وَصَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ بَعْضُهَا أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ، كَالتُّرْكِيِّ وَالْهِنْدِيِّ (فَ) إنَّهُ (يُخَيَّرُ) فَيُكَبِّرُ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا (وَكَذَا كُلُّ ذِكْرٍ وَاجِبٍ) كَتَسْمِيعٍ وَتَحْمِيدٍ وَتَسْبِيحٍ وَتَشَهُّدٍ وَسَلَامٍ، فَيَلْزَمُهُ تَعَلُّمُهُ إنْ قَدَرَ، وَإِلَّا أَتَى بِهِ بِلُغَتِهِ، وَإِنْ عَرَفَ لُغَاتٍ، فَكَمَا تَقَدَّمَ، بِخِلَافِ الْقِرَاءَةِ. وَتَأْتِي (وَإِنْ عَلِمَ الْبَعْضَ) مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، كَلَفْظِ: اللَّهُ، أَوْ أَكْبَرُ، أَوْ سُبْحَانَ، وَنَحْوِهِ (أَتَى بِهِ) لِحَدِيثِ

стр. 172

«إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وَتَرْجَمَ عَنْ الْبَاقِي (وَإِنْ تَرْجَمَ عَنْ) ذِكْرٍ (مُسْتَحَبٍّ بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ ; لِأَنَّهُ كَالْكَلَامِ الْأَجْنَبِيِّ مِنْهَا، لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ. وَإِنْ زَادَ عَارِفٌ بِعَرَبِيَّةٍ عَلَى التَّكْبِيرِ، كَقَوْلِهِ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، أَوْ اللَّهُ أَكْبَرُ وَأَعْلَمُ، أَوْ أَجَلُّ وَنَحْوِهِ كُرِهَ. (وَيَحْرُمُ أَخْرَسُ وَنَحْوُهُ) كَعَاجِزٍ عَنْ نُطْقٍ لِمَرَضٍ وَمَقْطُوعِ لِسَانٍ (بِقَلْبِهِ) وَلَا يُحَرِّكُ لِسَانَهُ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَلَوْ قِيلَ بِبُطْلَانِ صَلَاتِهِ بِذَلِكَ، لَكَانَ أَقْرَبَ. وَكَذَا حُكْمُ الْقِرَاءَةِ، وَبَاقِي الْأَذْكَارِ، وَالتَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ، وَالتَّكْبِيرِ مِنْ الصَّلَاةِ. لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ فِي الصَّلَاةِ «إنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» (وَسُنَّ جَهْرُ إمَامٍ بِتَكْبِيرِ) الصَّلَاةِ كُلِّهِ (وَبِتَسْمِيعٍ) أَيْ قَوْلِ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ (وَتَسْلِيمَةٍ أُولَى) لِيَقْتَدِيَ بِهِ الْمَأْمُومُ، بِخِلَافِ التَّسْلِيمَةِ الثَّانِيَةِ وَالتَّحْمِيدِ. (وَ) سُنَّ جَهْرُهُ أَيْضًا (بِقِرَاءَةٍ فِي صَلَاةٍ جَهْرِيَّةٍ، بِحَيْثُ يُسْمِعُ) الْإِمَامُ بِالتَّكْبِيرِ وَالتَّسْمِيعِ وَالتَّسْلِيمَةِ الْأُولَى وَالْقِرَاءَةِ فِي الْجَهْرِيَّةِ (مَنْ خَلْفَهُ) لِيُتَابِعُوهُ، وَيَحْصُلَ لَهُمْ اسْتِمَاعُ قِرَاءَتِهِ (وَأَدْنَاهُ) أَيْ أَدْنَى جَهْرِ الْإِمَامِ بِذَلِكَ (سَمَاعُ غَيْرِهِ) مِنْ الْمَأْمُومِينَ. (وَ) يُسَنُّ (إسْرَارُ غَيْرِهِ) أَيْ الْإِمَامِ، وَهُوَ الْمُنْفَرِدُ وَالْمَأْمُومُ (بِتَكْبِيرٍ) وَتَسْمِيعٍ (وَسَلَامٍ) كَغَيْرِهَا (وَفِي الْجَهْرِ) وَالْإِخْفَاتِ (بِالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ تَفْصِيلٌ. وَيَأْتِي) قَرِيبًا (وَكُرِهَ جَهْرُ مَأْمُومٍ) فِي صَلَاةٍ بِقَوْلٍ مِنْهَا (إلَّا بِتَكْبِيرٍ وَتَحْمِيدٍ وَسَلَامٍ لِحَاجَةٍ) بِأَنْ لَمْ يُمْكِنْ الْإِمَامُ إسْمَاعَ جَمِيعِهِمْ، لِنَحْوِ بُعْدٍ، وَكَثْرَةٍ (فَيُسَنُّ) جَهْرُ بَعْضِ الْمَأْمُومِينَ بِذَلِكَ. لِيَسْمَعَ مَنْ لَا يَسْمَعُ الْإِمَامَ لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ وَأَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ خَلْفَهُ فَإِذَا كَبَّرَ النَّبِيُّ ﷺ كَبَّرَ أَبُو بَكْرٍ، لِيُسْمِعَنَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَظَاهِرُهُ لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهِ وَإِنْ قَصَدَ بِهِ الْإِعْلَامَ ; لِأَنَّهُ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ، وَقَدْ أَوْضَحْتُهُ فِي الْحَاشِيَةِ بِكَلَامِ ابْنِ نَصْرِ اللَّهِ (وَجَهْرُ كُلِّ مُصَلٍّ) إمَامٍ أَوْ مَأْمُومٍ أَوْ مُنْفَرِدٍ (فِي رُكْنٍ) كَتَكْبِيرَةِ إحْرَامٍ وَتَشَهُّدٍ أَخِيرٍ وَسَلَامٍ. (وَ) فِي (وَاجِبٍ) كَتَسْمِيعٍ وَتَحْمِيدٍ، وَبَاقِي تَكْبِيرٍ وَتَشَهُّدٍ أَوَّلٍ (بِقَدْرِ مَا يُسْمِعُ نَفْسَهُ) حَيْثُ لَا مَانِعَ، وَ (مَعَ مَانِعٍ، بِحَيْثُ يَحْصُلُ السَّمَاعُ مَعَ عَدَمِهِ) أَيْ الْمَانِعِ (فَرْضٌ) خَبَرُ: جَهْرُ ; لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ آتِيًا بِذَلِكَ بِدُونِ صَوْتٍ، وَالصَّوْتُ يُسْمَعُ، وَأَقْرَبُ السَّامِعِينَ إلَيْهِ: نَفْسُهُ (وَسُنَّ) لِمَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ

стр. 173

بِصَلَاةٍ (رَفْعُ يَدَيْهِ) مَعًا مَعَ قُدْرَةٍ، وَالْأَوْلَى كَشْفُهُمَا هُنَا وَفِي الدُّعَاءِ (أَوْ) رَفْعُ (إحْدَاهُمَا عَجْزًا) عَنْ رَفْعِ الْأُخْرَى. لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وَيَكُونُ ابْتِدَاءُ الرَّفْعِ (مَعَ ابْتِدَاءِ التَّكْبِيرِ) حَالَ كَوْنِ يَدَيْهِ (مَمْدُودَتَيْ الْأَصَابِعِ مَضْمُومَتَيْهَا) أَيْ الْأَصَابِعِ (مُسْتَقْبِلًا بِبُطُونِهَا الْقِبْلَةَ) وَيَكُونُ الرَّفْعُ (إلَى حَذْوِ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ مُقَابِلِ (مَنْكِبَيْهِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْكَافِ: مَجْمَعُ عَظْمِ الْعَضُدِ وَالْكَتِفِ (إنْ لَمْ يَكُنْ) لِلْمُصَلِّي (عُذْرٌ) يَمْنَعُهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَإِنْ كَانَ عُذْرٌ، رَفَعَ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ (وَيُنْهِيهِ) أَيْ الرَّفْعَ (مَعَهُ) أَيْ التَّكْبِيرِ، لِحَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٌ " أَنَّهُ «رَأَى النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ التَّكْبِيرِ» وَلِلْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حِينَ يُكَبِّرُ» . وَفِي الْمُتَّفَق عَلَيْهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا " رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ «إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ» . وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ إذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ مَدًّا» وَأَمَّا خَبَرُهُ الْآخَرُ «كَانَ يَنْشُرُ أَصَابِعَهُ لِلتَّكْبِيرِ» فَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: خَطَأٌ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ، فَمَعْنَاهُ: الْمَدُّ، قَالَ أَحْمَدُ: أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ قَالُوا هَذَا الضَّمُّ، وَضَمَّ أَصَابِعَهُ، وَهَذَا النَّشْرُ، وَمَدَّ أَصَابِعَهُ. وَهَذَا التَّفْرِيقُ، وَفَرَّقَ أَصَابِعَهُ ; وَلِأَنَّ النَّشْرَ لَا يَقْتَضِي التَّفْرِيقَ، كَنَشْرِ الثَّوْبِ، وَرَفْعُهُمَا إشَارَةٌ إلَى رَفْعِ الْحِجَابِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ شِهَابٍ (وَيَسْقُطُ) اسْتِحْبَابُ الرَّفْعِ (بِفَرَاغِ التَّكْبِيرِ) لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ، فَإِنْ ذَكَرَهُ فِي أَثْنَاءِ التَّكْبِيرِ رَفَعَ فِيمَا بَقِيَ، لِبَقَاءِ مَحَلِّهِ (ثُمَّ) يُسَنُّ لَهُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ (وَضْعُ كَفِّ) يَدٍ (يُمْنَى عَلَى كُوعِ) يَدٍ (يُسْرَى) لِمَا رَوَى قَبِيصَةُ بْنُ هُلْبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَؤُمُّنَا، فَيَأْخُذُ شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. وَقَالَ: وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ (وَ) سُنَّ لَهُ أَيْضًا (جَعْلُهُمَا) أَيْ يَدَيْهِ (تَحْتَ سُرَّتِهِ) لِقَوْلِ عَلِيٍّ ﵁ " مِنْ السُّنَّةِ وَضْعُ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ تَحْتَ السُّرَّةِ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَمَعْنَاهُ: ذُلٌّ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ (وَ) سُنَّ لَهُ أَيْضًا (نَظَرُهُ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ) لِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

стр. 174

«كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] ، رَمَقُوا بِأَبْصَارِهِمْ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِمْ» ; وَلِأَنَّهُ أَخْشَعُ لِلْمُصَلِّي، وَأَكَفُّ لِبَصَرِهِ (إلَّا) إذَا كَانَ الْمُصَلِّي (فِي صَلَاةِ خَوْفٍ) مِنْ عَدُوٍّ (وَنَحْوِهِ) كَخَائِفٍ ضَيَاعَ مَالٍ وَنَحْوِهِ. فَيَنْظُرُ إلَى جِهَةِ الْعَدُوِّ وَمَالِهِ (لِحَاجَتِهِ) إلَى ذَلِكَ دَفْعًا لِلضَّرَرِ (ثُمَّ يَسْتَفْتِحُ، فَيَقُولُ) مَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ قَالَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إلَهَ غَيْرُكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ مِثْلُهُ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَرَوَاهُ أَنَسٌ أَيْضًا. وَعَمِلَ بِهِ عُمَرُ بَيْنَ يَدَيْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَلِذَلِكَ اخْتَارَهُ إمَامُنَا، وَجُوِّزَ الِاسْتِفْتَاحُ بِغَيْرِهِ مِمَّا وَرَدَ. وَقَوْلُهُ: " سُبْحَانَكَ " أَيْ تَنْزِيهًا لَكَ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِكَ مِنْ النَّقَائِصِ وَالرَّذَائِلِ، " وَبِحَمْدِكَ " أَيْ بِحَمْدِكَ سَبَّحْتُكَ " وَتَبَارَكَ اسْمُكَ " أَيْ كَثُرَتْ بَرَكَاتُهُ، وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِهِ تَعَالَى، وَلِذَلِكَ لَمْ يَتَصَرَّفْ مِنْهُ مُسْتَقْبَلٌ وَلَا اسْمُ فَاعِلٍ " وَتَعَالَى جَدُّكَ " أَيْ ارْتَفَعَ قَدْرُكَ وَعَظُمَ، وَقَالَ الْحَسَنُ: الْجَدُّ الْغِنَى. فَالْمَعْنَى: ارْتَفَعَ غِنَاكَ عَنْ أَنْ يُسَاوِيَهُ غِنَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ " وَلَا إلَهَ غَيْرُكَ " أَيْ لَا إلَهَ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ وَتُرْجَى رَحْمَتُهُ وَتُخَافُ سَطْوَتُهُ غَيْرُكَ (ثُمَّ يَسْتَعِيذُ) فَيَقُولُ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] أَيْ إذَا أَرَدْتَ الْقِرَاءَةَ. وَتَحْصُلُ الِاسْتِعَاذَةُ بِكُلِّ مَا أَدَّى مَعْنَاهَا، لَكِنْ مَا ذُكِرَ أَوْلَى، وَمَعْنَى أَعُوذُ: أَلْجَأُ، وَالشَّيْطَانُ: اسْمُ كُلِّ مُتَمَرِّدٍ عَاتٍ. وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ (ثُمَّ يَقْرَأُ الْبَسْمَلَةَ) أَيْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. لِحَدِيثِ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ أَنَّهُ قَالَ «صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ثُمَّ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، ثُمَّ قَالَ: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنِّي لَأَشْبَهَكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ » رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. وَإِنْ تَرَكَ الِاسْتِفْتَاحَ وَلَوْ عَمْدًا حَتَّى تَعَوَّذَ، أَوْ التَّعَوُّذَ، حَتَّى بَسْمَلَ أَوْ الْبَسْمَلَةَ حَتَّى أَخَذَ فِي الْقِرَاءَةِ. سَقَطَ (وَهِيَ) أَيْ الْبَسْمَلَةُ (آيَةٌ) مِنْ الْفَرَائِضِ. لِمَا رَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ بِسَنَدِهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَعَدَّهَا آيَةً، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ: آيَتَيْنِ» (فَاصِلَةٌ بَيْنَ كُلِّ سُورَتَيْنِ) وَفِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ (سِوَى بَرَاءَةٍ، فَيُكْرَهُ ابْتِدَاؤُهَا بِهَا) أَيْ الْبَسْمَلَةِ لِنُزُولِهَا بِالسَّيْفِ وَتُسْتَحَبُّ فِي ابْتِدَاءِ جَمِيعِ الْأَفْعَالِ، وَكِتَابَتُهَا أَوَائِلَ الْكُتُبِ، وَلَا تُكْتَبُ أَمَامَ

стр. 175

الشِّعْرِ وَلَا مَعَهُ، نَقَلَهُ ابْنُ الْحَكَمِ، وَذَكَرَ الشَّعْبِيُّ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَهُ، وَقَالَ الْقَاضِي: لِأَنَّهُ يَشُوبُهُ الْكَذِبُ وَالْهَجْرُ غَالِبًا، وَيُخَيَّرُ فِي الْجَهْرِ بِهَا خَارِجَ الصَّلَاةِ. (وَلَا يُسَنُّ جَهْرٌ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ الِاسْتِفْتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ وَالْبَسْمَلَةِ فِي الصَّلَاةِ، لِحَدِيثِ أَنَسٍ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَمَعْنَاهُ: أَنَّ الَّذِي يَسْمَعُهُ أَنَسٌ مِنْهُمْ (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ قَتَادَةَ «فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَجْهَرُ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» . وَفِي لَفْظٍ «فَكُلُّهُمْ يُخْفِي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» وَفِي لَفْظٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُسِرُّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄» رَوَاهُ ابْنُ شَاهِينِ، وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ: أَنَّ الْبَسْمَلَةَ لَيْسَتْ آيَةً مِنْ أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ وَلَا غَيْرِهَا لِحَدِيثِ «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الْحَدِيثَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. فَلَوْ كَانَتْ آيَةً لَعَدَّهَا وَبَدَأَ بِهَا، وَلِحَدِيثِ «سُورَةٌ هِيَ ثَلَاثُونَ آيَةً شَفَعَتْ لِقَارِئِهَا، أَلَا وَهِيَ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ» وَهِيَ ثَلَاثُونَ آيَةً سِوَى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (ثُمَّ) يَقْرَأُ (الْفَاتِحَةَ) تَامَّةً بِتَشْدِيدِ آيَاتِهَا، مُرَتَّبَةً مُرَتَّلَةً مُتَوَالِيَةً. يَقِفُ عَلَى كُلِّ آيَةٍ، كَقِرَاءَتِهِ ﷺ وَهِيَ أَفْضَلُ سُورَةٍ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَذَكَرَ مَعْنَاهُ ابْنُ شِهَابٍ وَغَيْرُهُ «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهَا أَعْظَمُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ، وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ، الَّذِي أُوتِيتُهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعْدِ بْنِ الْمُعَلَّى، وَآيَةُ الْكُرْسِيِّ أَعْظَمُ آيَةٍ ; لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ، وَالْفَاتِحَةُ رُكْنٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ; لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ مَرْفُوعًا «كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَتَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وَيُطَوِّلُ الْأُولَى، وَيُقَصِّرُ الثَّانِيَةَ، وَيُسْمِعُ الْآيَةَ أَحْيَانًا، وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ. وَقَالَ: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ; وَلِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» وَعَنْهُ وَعَنْ عُبَادَةَ قَالَا «أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نَقْرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ» رَوَاهُ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ الشَّالَنْجِيُّ (وَفِيهَا) أَيْ الْفَاتِحَةِ (إحْدَى عَشْرَةَ تَشْدِيدَةً) أَوَّلُهَا: اللَّامُ فِي اللَّهِ، وَآخِرُهَا: تَشْدِيدَتَا الضَّالِّينَ، وَيُكْرَهُ الْإِفْرَاطُ فِي التَّشْدِيدِ وَالْمَدِّ (فَإِنْ تَرَكَ) غَيْرُ مَأْمُومٍ (وَاحِدَةً) مِنْ تَشْدِيدَاتِهَا لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُ

стр. 176

الْفَاتِحَةِ، لِتَرْكِهِ حَرْفًا مِنْهَا ; لِأَنَّ الْحَرْفَ الْمُشَدَّدَ أُقِيمَ مَقَامَ حَرْفَيْنِ، هَذَا إذَا فَاتَ مَحَلُّهَا وَبَعُدَ عَنْهُ، بِحَيْثُ يُخِلُّ بِالْمُوَالَاةِ، أَمَّا لَوْ كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ فَأَعَادَ الْكَلِمَةَ أَجْزَأَ ذَلِكَ، كَمَنْ نَطَقَ بِالْكَلِمَةِ عَلَى غَيْرِ الصَّوَابِ، ثُمَّ أَتَى بِهَا عَلَى وَجْهِهِ. وَإِنْ لَيَّنَهَا وَلَمْ يُحَقِّقْهَا عَلَى الْكَمَالِ، فَلَا إعَادَةَ (أَوْ) تَرَكَ (تَرْتِيبَهَا) أَيْ الْفَاتِحَةِ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهَا ; لِأَنَّ تَرْكَ التَّرْتِيبِ مُخِلٌّ بِالْإِعْجَازِ (أَوْ قَطَعَهَا) أَيْ الْفَاتِحَةَ (غَيْرُ مَأْمُومٍ) بِأَنْ كَانَ إمَامًا أَوْ مُنْفَرِدًا (بِسُكُوتٍ طَوِيلٍ) عُرْفًا (أَوْ) ب (ذِكْرٍ كَثِيرٍ أَوْ دُعَاءٍ) كَثِيرٍ، غَيْرِ مَشْرُوعٍ لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهَا ; لِقَطْعِهِ مُوَالَاتَهَا (أَوْ) قَطَعَهَا غَيْرُ مَأْمُومٍ ب (قُرْآنٍ كَثِيرٍ) عُرْفًا (لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهَا) أَيْ أَنْ يَبْتَدِئَهَا مِنْ أَوَّلِهَا (إنْ تَعَمَّدَ) الْقَطْعَ الْمُبْطِلَ، فَلَوْ كَانَ سَهْوًا عُفِيَ عَنْهُ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: لَوْ سَكَتَ كَثِيرًا نِسْيَانًا أَوْ نَوْمًا أَوْ انْتَقَلَ إلَى غَيْرِهَا غَلَطًا، فَطَالَ. بَنَى عَلَى مَا قَرَأَ مِنْهَا (وَكَانَ) الْقَطْعُ (غَيْرَ مَشْرُوعٍ) فَإِنْ كَانَ مَشْرُوعًا، كَسُكُوتِهِ لِاسْتِمَاعِ قِرَاءَةِ إمَامِهِ بَعْدَ شُرُوعِهِ هُوَ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، وَكَسُجُودٍ لِتِلَاوَةٍ وَسُؤَالِهِ الرَّحْمَةَ عِنْدَ آيَةِ رَحْمَةٍ، وَتَعَوُّذٍ عِنْدَ آيَةِ عَذَابٍ، وَلَوْ كَثِيرًا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِعْرَاضٍ، وَلَا يَبْطُلُ مَا مَضَى مِنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ بِنِيَّةِ قَطْعِهَا فِي أَثْنَائِهَا مُطْلَقًا (فَإِذَا فَرَغَ) مِنْ الْفَاتِحَةِ (قَالَ) بَعْدَ سَكْتَةٍ لَطِيفَةٍ، لِيُعْلِمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْقُرْآنِ، وَإِنَّمَا هِيَ طَابِعُ الدُّعَاءِ (آمِينَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مَعَ الْمَدِّ، فِي الْأَشْهَرِ، وَيَجُوزُ الْقَصْرُ وَالْإِمَالَةُ. وَهِيَ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى اسْتَجِبْ، مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْفَتْحِ كَلَيْتَ، وَتُسَكَّنُ عِنْدَ الْوَقْفِ (وَحَرُمَ وَبَطَلَتْ) صَلَاتُهُ (إنْ شَدَّدَ مِيمَهَا) ; لِأَنَّهَا تَصِيرُ كَلَامًا أَجْنَبِيًّا، فَيُبْطِلُهَا عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ وَجَهْلُهُ، مَعَ أَنَّ بَعْضَهُمْ حَكَاهُ لُغَةً فِيهَا (وَيَجْهَرُ بِهَا) أَيْ آمِينَ (إمَامٌ وَمَأْمُومٌ مَعًا) اسْتِحْبَابًا ; لِقَوْلِ عَطَاءٍ " كُنْتُ أَسْمَعُ الْأَئِمَّةَ: ابْنَ الزُّبَيْرِ وَمَنْ بَعْدَهُ يَقُولُونَ: آمِينَ، وَمَنْ خَلْفَهُمْ آمِينَ، حَتَّى إنَّ لِلْمَسْجِدِ لَلَجَّةً " رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بِسَنَدِهِ. وَاللَّجَّةُ بِفَتْحِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ: اخْتِلَاطُ الْأَصْوَاتِ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ رَفَعَ صَوْتَهُ وَقَالَ: آمِينَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ. وَقَالَ إنَّهُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَالتَّأْمِينُ لِقِرَاءَةِ الْإِمَامِ لَا لِلْمَأْمُومِ، فَلِذَلِكَ تَبِعَهُ فِي الْجَهْرِ، وَلِهَذَا يَجْهَرُ الْمُنْفَرِدُ بِالتَّأْمِينِ فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ، صَرَّحَ بِهِ الزَّرْكَشِيُّ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ (وَيَجْهَرُ بِهَا غَيْرُهُمَا) أَيْ غَيْرُ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَهُوَ الْمُنْفَرِدُ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ مِنْ الْقِرَاءَةِ

стр. 177

تَبَعًا لَهَا (فَإِنْ تَرَكَهُ) أَيْ التَّأْمِينَ (إمَامٌ) فِي جَهْرِيَّةٍ (أَوْ أَسَرَّهُ) الْإِمَامُ فِيهَا (أَتَى بِهِ مَأْمُومٌ جَهْرًا) ; لِأَنَّ جَهْرَ الْمَأْمُومِ بِهِ سُنَّةٌ. فَلَا يَسْقُطُ بِتَرْكِ الْإِمَامِ لَهُ، كَتَرْكِهِ التَّعَوُّذَ ; وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا نَسِيَهُ الْإِمَامُ فَيَجْهَرُ بِهِ الْمَأْمُومُ لِيُذَكِّرَهُ، فَيَأْتِي بِهِ. فَإِنْ زَادَ عَلَى آمِينَ: رَبَّ الْعَالَمِينَ، فَقِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ: لَا يُسْتَحَبُّ لِمَا تَقَدَّمَ فِي التَّكْبِيرِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي (وَيَلْزَمُ جَاهِلًا) أَيْ مَنْ لَا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ (تَعَلُّمُهَا) أَيْ الْفَاتِحَةِ، لِيَحْفَظَهَا كَبَقِيَّةِ الْأَرْكَانِ ; لِأَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِهَا (فَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ) عَنْ تَعَلُّمِهِمَا أَوْ عَجَزَ عَنْهُ سَقَطَ لُزُومُهُ. وَ (لَزِمَهُ قِرَاءَةُ قَدْرِهَا) أَيْ الْفَاتِحَةِ (فِي الْحُرُوفِ) عَدَدًا (وَ) فِي (الْآيَاتِ) مِنْ أَيْ سُورَةٍ شَاءَ مِنْ الْقُرْآنِ، لِمَا يَأْتِي فِي حَدِيثِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «فَإِنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فَاقْرَأْهُ» (فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ إلَّا آيَةً) مِنْ الْفَاتِحَةِ أَوْ غَيْرِهَا (كَرَّرَهَا) أَيْ الْآيَةَ (بِقَدْرِهَا) أَيْ الْفَاتِحَةِ ; لِأَنَّهَا بَدَلٌ عَنْ الْفَاتِحَةِ فَتُعْتَبَرُ الْمُمَاثَلَةُ حَسَبَ الْإِمْكَانِ. وَإِنْ أَحْسَنَ آيَةً فَأَكْثَرَ مِنْ الْفَاتِحَةِ بِقَدْرِهَا، لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُهَا. ذَكَرَهُ الْقَاضِي ; لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَيْهَا مِنْ غَيْرِهَا، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ إلَّا بَعْضَ آيَةٍ لَمْ يُكَرِّرْهُ، وَعَدَلَ إلَى الذِّكْرِ الْآتِي (فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ قُرْآنًا) أَيْ آيَةً مِنْهُ (حَرُمَ تَرْجَمَتُهُ) أَيْ تَعْبِيرُهُ عَنْهُ بِلُغَةٍ أُخْرَى ; لِأَنَّ التَّرْجَمَةَ عَنْهُ تَفْسِيرٌ لَا قُرْآنٌ، فَلَا يَحْنَثُ بِهَا مَنْ حَلَفَ لَا يَقْرَأُ. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُوحِيَ إلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] فَالْإِنْذَارُ مَعَ التَّرْجَمَةِ يَحْصُلُ بِالْمُفَسَّرِ الَّذِي هُوَ الْقُرْآنُ لَا بِالتَّفْسِيرِ (وَلَزِمَ) مَنْ لَا يُحْسِنُ آيَةً مِنْ الْقُرْآنِ (قَوْلُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ) لِحَدِيثِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَ رَجُلًا الصَّلَاةَ، فَقَالَ: إنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فَاقْرَأْهُ، وَإِلَّا فَاحْمَدْ اللَّهَ وَكَبِّرْهُ وَهَلِّلْهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. وَظَاهِرُهُ وُجُوبُ ذَلِكَ وَالِاكْتِفَاءُ بِهِ، وَنُقْصَانُ الْبَدَلِ عَنْ الْمُبْدَلِ فِي الْقَدَرِ إذَا اخْتَلَفَ جِنْسُهُمَا غَيْرَ مُمْتَنِعٍ، كَالتَّيَمُّمِ، وَمَسْحِ الْخُفِّ (فَإِنْ) لَمْ يَعْرِفْ هَذَا الذِّكْرَ كُلَّهُ، بَلْ (عَرَفَ بَعْضَهُ كَرَّرَهُ) أَيْ ذَلِكَ الْبَعْضَ (بِقَدْرِهِ) كَمَنْ عَرَفَ آيَةً فَأَكْثَرَ مِنْ الْفَاتِحَةِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ شَيْئًا مِنْ الذِّكْرِ (وَقَفَ بِقَدْرِ الْقِرَاءَةِ) أَيْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ ; لِأَنَّ الْقِيَامَ مَقْصُودٌ بِنَفْسِهِ ; لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَهُ الْأَخْرَسُ أَوْ النَّاطِقُ وَقَرَأَ قَاعِدًا، لَمْ تُجْزِئْهُ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِالْعَجْزِ عَنْ الْقِرَاءَةِ وَلِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وَأَمَّا مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا فَسُقُوطُ

стр. 178

الْقِيَامِ عَنْهُ رُخْصَةٌ لِئَلَّا تَفُوتَهُ الرَّكْعَةُ. وَلَا يَلْزَمُ الْعَاجِزَ عَنْ الْقِرَاءَةِ الصَّلَاةُ خَلْفَ قَارِئٍ عَلَى الصَّحِيحِ ; لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ فِي الْخَبَرِ السَّابِقِ (وَمَنْ صَلَّى وَتَلَقَّفَ) أَيْ أَخَذَ بِسُرْعَةٍ (الْقِرَاءَةَ مِنْ لَفْظِ غَيْرِهِ صَحَّتْ) صَلَاتُهُ لِإِتْيَانِهِ بِفَرْضِهَا مَعَ التَّوَالِي، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِسُرْعَةٍ، بَلْ مَعَ تَفْرِيقٍ طَوِيلٍ لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا. وَفِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ عَلَى الْأَشْهَرِ: يَلْزَمُ غَيْرَ حَافِظٍ أَنْ يَقْرَأَ مِنْ مُصْحَفٍ. (ثُمَّ يَقْرَأُ) الْمُصَلِّي بَعْدَ الْفَاتِحَةِ (سُورَةً كَامِلَةً نَدْبًا) لِلْخَبَرِ السَّابِقِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَفْتَتِحَهَا بِالْبَسْمَلَةِ سِرًّا (مِنْ طِوَالِ) بِكَسْرِ الطَّاءِ (الْمُفَصَّلِ فِي) صَلَاةِ (الْفَجْرِ وَ) مِنْ (قِصَارِهِ) أَيْ الْمُفَصَّلِ (فِي) صَلَاةِ (الْمَغْرِبِ، وَفِي الْبَاقِي) مِنْ الْخَمْسِ، وَهِيَ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ وَالْعِشَاءُ (مِنْ أَوْسَاطِهِ) أَيْ الْمُفَصَّلِ لِحَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «مَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَشْبَهَ صَلَاةً بِالنَّبِيِّ ﷺ مِنْ فُلَانٍ، قَالَ سُلَيْمَانُ: فَصَلَّيْتُ خَلْفَهُ، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الْغَدَاةِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ. وَفِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِهِ، وَفِي الْعِشَاءِ بِوَسَطِ الْمُفَصَّلِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ. وَلَفْظُهُ لَهُ. وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ (وَلَا يُكْرَهُ) أَنْ يَقْرَأَ مُصَلٍّ (لِعُذْرٍ، كَمَرَضٍ وَسَفَرٍ وَنَحْوِهِمَا) كَخَوْفٍ وَغَلَبَةِ نُعَاسٍ وَلُزُومِ غَرِيمٍ (بِأَقْصَرَ مِنْ ذَلِكَ) فِي فَجْرٍ وَغَيْرِهَا لِلْعُذْرِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ (كُرِهَ بِقِصَارِهِ فِي) صَلَاةِ (فَجْرٍ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ. وَ (لَا) تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ (بِطِوَالِهِ فِي مَغْرِبٍ) نَصَّ عَلَيْهِ. لِلْخَبَرِ " أَنَّهُ ﷺ قَرَأَ فِيهَا بِالْأَعْرَافِ " وَالسُّورَةُ وَإِنْ قَصُرَتْ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضِ سُورَةٍ. قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: وَتُجْزِئُ آيَةٌ إلَّا أَنَّ أَحْمَدَ اسْتَحَبَّ كَوْنَهَا طَوِيلَةً، كَآيَةِ الدَّيْنِ وَالْكُرْسِيِّ (وَأَوَّلُهُ) أَيْ الْمُفَصَّلِ: سُورَةُ (ق) وَلَا يُعْتَدُّ بِالسُّورَةِ قَبْلَ الْفَاتِحَةِ) وَآخِرُهُ: آخِرُ الْقُرْآنِ، وَطِوَالُهُ عَلَى مَا قَالَ بَعْضُهُمْ: إلَى عَمَّ، وَأَوْسَاطُهُ إلَى الضُّحَى. وَالْبَاقِي: قِصَارُهُ (وَحَرُمَ تَنْكِيسُ الْكَلِمَاتِ) الْقُرْآنِيَّةِ لِإِخْلَالِهِ بِنَظْمِهَا (وَتَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (بِهِ) ; لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالْكَلَامِ الْأَجْنَبِيِّ، يُبْطِلُهَا عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ وَ (لَا) يَحْرُمُ تَنْكِيسُ (السُّوَرِ، وَ) لَا تَنْكِيسُ (الْآيَاتِ) وَلَا تَبْطُلُ بِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِنَظْمِ الْقُرْآنِ، لَكِنَّ الْفَاتِحَةَ يُعْتَبَرُ تَرْتِيبُهَا، وَتَقَدَّمَ (وَيُكْرَهُ) تَنْكِيسُ السُّوَرِ وَالْآيَاتِ فِي رَكْعَةٍ أَوْ رَكْعَتَيْنِ، وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِأَنَّهُ ﷺ تَعَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ، وَعِنْدَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ: تَرْتِيبُ الْآيَاتِ وَاجِبٌ ; لِأَنَّهُ بِالنَّصِّ وَتَرْتِيبُ السُّوَرِ بِالِاجْتِهَادِ، وَلِهَذَا تَنَوَّعَتْ مَصَاحِفُ الصَّحَابَةِ لَكِنْ لَمَّا اتَّفَقُوا عَلَى

стр. 179

الْمُصْحَفِ زَمَنَ عُثْمَانَ ﵁ صَارَ مِمَّا سَنَّهُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ. وَقَدْ دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ لَهُمْ سُنَنًا يَجِبُ اتِّبَاعُهَا (ك) مَا تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ (بِكُلِّ الْقُرْآنِ فِي) صَلَاةِ (فَرْضٍ) لِلْإِطَالَةِ وَعَدَمِ نَقْلِهِ، وَعُلِمَ مِنْهُ: أَنَّهُ لَا تُكْرَهُ بِكُلِّهِ فِي نَفْلٍ (أَوْ) أَيْ وَتُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ (بِالْفَاتِحَةِ فَقَطْ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَعَلَى الْمَذْهَبِ: تُكْرَهُ الْفَاتِحَةُ فَقَطْ اهـ. وَظَاهِرُهُ: فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ. وَ (لَا) يُكْرَهُ (تَكْرَارُ سُورَةٍ) فِي رَكْعَتَيْنِ لِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِالْأَعْرَافِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا» رَوَاهُ سَعِيدٌ (أَوْ) أَيْ وَلَا يُكْرَهُ (تَفْرِيقُهَا) أَيْ السُّورَةِ (فِي رَكْعَتَيْنِ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ مَرْفُوعًا «كَانَ يَقْرَأُ الْبَقَرَةَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. . (وَ) لَا يُكْرَهُ أَيْضًا (جَمْعُ سُورَةٍ فِي رَكْعَةٍ، وَلَوْ فِي فَرْضٍ) لِمَا فِي الصَّحِيحِ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ كَانَ يَؤُمُّهُمْ، فَكَانَ يَقْرَأُ قَبْلَ كُلِّ رَكْعَةٍ سُورَةَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةً أُخْرَى مَعَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَا يَحْمِلُك عَلَى لُزُومِ هَذِهِ السُّورَةِ؟ فَقَالَ: إنِّي أُحِبُّهَا، فَقَالَ حُبُّكَ إيَّاهَا أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ» وَفِي الْمُوَطَّأِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ (أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْمَكْتُوبَةِ سُورَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ. (وَ) لَا يُكْرَهُ أَيْضًا (قِرَاءَةُ أَوَاخِرِ السُّوَرِ وَأَوْسَاطِهَا) لِعُمُومِ ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠] وَلِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «كَانَ يَقْرَأُ فِي الْأُولَى مِنْ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ قَوْله تَعَالَى: قُولُوا آمَنَّا بِاَللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْنَا، وَفِي الثَّانِيَةِ: الْآيَةَ فِي آلِ عِمْرَانَ: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ. الْآيَةَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ (أَوْ) أَيْ وَلَا يُكْرَهُ لِمُصَلٍّ (مُلَازَمَةُ) قِرَاءَةِ (سُورَةٍ) بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ صَلَاتِهِ (مَعَ اعْتِقَادِ جَوَازِ غَيْرِهَا) وَمَعَ اعْتِقَادِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ بِغَيْرِهَا لِلْخَبَرِ، وَإِلَّا حَرُمَ اعْتِقَادُهُ لِفَسَادِهِ. (وَيَجْهَرُ إمَامٌ بِقِرَاءَةِ) الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ (فِي الصُّبْحِ) وَ (فِي) أُولَتَيْ (مَغْرِبٍ وَعِشَاءٍ) وَجُمُعَةٍ وَعِيدٍ وَاسْتِسْقَاءٍ وَكُسُوفٍ وَتَرَاوِيحَ وَوِتْرٍ بَعْدَهَا. وَيُسِرُّ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ لِثُبُوتِ ذَلِكَ بِنَقْلِ الْخَلَفِ عَنْ السَّلَفِ عَنْهُ ﷺ وَإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ كُسُوفٍ (وَكُرِهَ) جَهْرٌ بِقِرَاءَةِ (الْمَأْمُومِ) ; لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِاسْتِمَاعِ قِرَاءَةِ إمَامِهِ، وَالْإِنْصَاتِ لَهَا، وَإِسْمَاعُهُ الْقِرَاءَةَ لِغَيْرِهِ غَيْرُ مَقْصُود. (وَ) كُرِهَ لِمُصَلٍّ جَهْرُهُ بِقِرَاءَةٍ (نَهَارًا فِي نَفْلٍ) غَيْرِ كُسُوفٍ وَاسْتِسْقَاءٍ. قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ: وَالْأَظْهَرُ: أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا بِالنَّهَارِ: مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ، لَا مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ. وَبِاللَّيْلِ: مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلَى طُلُوعِهَا (وَيُخَيَّرُ مُنْفَرِدٌ) فِي جَهْرٍ

стр. 180

بِقِرَاءَةٍ وَإِخْفَاتٍ فِي جَهْرِيَّةٍ وَيُخَيَّرُ أَيْضًا (قَائِمٌ لِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ) مِنْ صُبْحٍ وَأُولَتَيْ مَغْرِبٍ وَعِشَاءٍ، وَتَرْكُ الْجَهْرِ أَفْضُلُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ إسْمَاعُ نَفْسِهِ، وَجَازَ لَهُ الْجَهْرُ، لِشَبَهِهِ بِالْإِمَامِ فِي عَدَمِ الْأَمْرِ بِالْإِنْصَاتِ (وَيُسِرُّ) مُصَلٍّ بِقِرَاءَةٍ (فِي قَضَاءِ صَلَاةِ جَهْرٍ) كَصُبْحٍ (نَهَارًا) اعْتِبَارًا بِزَمَنِ الْقَضَاءِ (وَيَجْهَرُ بِهَا) أَيْ الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ جَهْرٍ قَضَاهَا (لَيْلًا فِي جَمَاعَةٍ) اعْتِبَارًا بِزَمَنِ الْقَضَاءِ. وَشَبَّهَهَا بِالْأَدَاءِ لِكَوْنِهَا فِي جَمَاعَةٍ. (وَ) مُصَلٍّ لَيْلًا (فِي نَفْلٍ يُرَاعِي الْمَصْلَحَةَ) فِي جَهْرٍ وَإِخْفَاتٍ، فَيُسِرُّ مَعَ مَنْ يَتَأَذَّى بِجَهْرِهِ، وَيَجْهَرُ مَعَ مَنْ يَأْنَسُ بِهِ، وَنَحْوُهُ. وَتَحْرُمُ الْقِرَاءَةُ (وَلَا تَصِحُّ) صَلَاةٌ (بِقِرَاءَةٍ تَخْرُجُ عَنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ) بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، كَقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ " لِعَدَمِ تَوَاتُرِهَا، وَعُلِمَ مِنْهُ صِحَّةُ الصَّلَاةِ بِقِرَاءَةٍ لَا تَخْرُجُ عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ الْعَشَرَةِ، حَيْثُ صَحَّ سَنَدُهُ. وَكَرِهَ أَحْمَدُ قِرَاءَةَ حَمْزَةَ وَالْكِسَائِيِّ، وَعَنْهُ وَالْإِدْغَامَ الْكَبِيرَ لِأَبِي عَمْرٍو، وَاخْتَارَ قِرَاءَةَ نَافِعٍ مِنْ رِوَايَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْهُ، ثُمَّ قِرَاءَةَ عَاصِمٍ، وَقَالَ لَهُ الْمَيْمُونِيُّ: أَيَّ الْقِرَاءَةِ تَخْتَارُ لِي فَأَقْرَأُ بِهَا؟ قَالَ: قِرَاءَةَ ابْنِ الْعَلَاءِ لُغَةَ قُرَيْشٍ وَالْفُصَحَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃، وَإِنْ كَانَ فِي قِرَاءَةٍ زِيَادَةُ حَرْفٍ مِثْلُ " فَأَزَلَّهُمَا " وَ " أَزَالَهُمَا " وَ " وَصَّى " وَ " أَوْصَى " فَهِيَ أَفْضُلُ لِأَجْلِ الْعَشْرِ حَسَنَاتٍ، نَقَلَهُ حَرْبٌ. وَ " مَالِكِ " أَحَبُّ إلَى أَحْمَدَ مِنْ " مَلِكِ " (ثُمَّ) بَعْدَ الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ (يَرْكَعُ مُكَبِّرًا) أَيْ قَائِلًا فِي هَوِيِّهِ لِرُكُوعِهِ: اللَّهُ أَكْبَرُ (رَافِعًا يَدَيْهِ مَعَ ابْتِدَائِهِ) أَيْ التَّكْبِيرِ لِحَدِيثِ أَبِي قِلَابَةَ " أَنَّهُ رَأَى «مَالِكَ بْنَ الْحُوَيْرِثِ إذَا صَلَّى، كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَيُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَنَعَ هَكَذَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ «فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَفِي الْبَابِ غَيْرُهُ. وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ﵃ (فَيَضَعُ) رَاكِعٌ (يَدَيْهِ مُفَرَّجَتَيْ الْأَصَابِعِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ) نَدْبًا، إنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ عُذْرٌ يَمْنَعُهُ، وَإِنْ أَمْكَنَهُ وَضْعُ إحْدَاهُمَا وَضَعَهَا، وَالتَّطْبِيقُ مَنْسُوخٌ لِحَدِيثِ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ " صَلَّيْت إلَى جَنْبِ أُبَيٍّ، فَطَبَّقْت بَيْنَ كَفَّيْ، ثُمَّ وَضَعْتُهُمَا بَيْنَ فَخِذَيَّ فَنَهَانِي عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: كُنَّا
следующие страницы →