Полный текст (1 968 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
الْفَاتِحَةِ، لِتَرْكِهِ حَرْفًا مِنْهَا ; لِأَنَّ الْحَرْفَ الْمُشَدَّدَ أُقِيمَ مَقَامَ حَرْفَيْنِ، هَذَا إذَا فَاتَ مَحَلُّهَا وَبَعُدَ عَنْهُ، بِحَيْثُ يُخِلُّ بِالْمُوَالَاةِ، أَمَّا لَوْ كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ فَأَعَادَ الْكَلِمَةَ أَجْزَأَ ذَلِكَ، كَمَنْ نَطَقَ بِالْكَلِمَةِ عَلَى غَيْرِ الصَّوَابِ، ثُمَّ أَتَى بِهَا عَلَى وَجْهِهِ.
وَإِنْ لَيَّنَهَا وَلَمْ يُحَقِّقْهَا عَلَى الْكَمَالِ، فَلَا إعَادَةَ (أَوْ) تَرَكَ (تَرْتِيبَهَا) أَيْ الْفَاتِحَةِ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهَا ; لِأَنَّ تَرْكَ التَّرْتِيبِ مُخِلٌّ بِالْإِعْجَازِ (أَوْ قَطَعَهَا) أَيْ الْفَاتِحَةَ (غَيْرُ مَأْمُومٍ) بِأَنْ كَانَ إمَامًا أَوْ مُنْفَرِدًا (بِسُكُوتٍ طَوِيلٍ) عُرْفًا (أَوْ) ب (ذِكْرٍ كَثِيرٍ أَوْ دُعَاءٍ) كَثِيرٍ، غَيْرِ مَشْرُوعٍ لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهَا ; لِقَطْعِهِ مُوَالَاتَهَا (أَوْ) قَطَعَهَا غَيْرُ مَأْمُومٍ ب (قُرْآنٍ كَثِيرٍ) عُرْفًا (لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهَا) أَيْ أَنْ يَبْتَدِئَهَا مِنْ أَوَّلِهَا (إنْ تَعَمَّدَ) الْقَطْعَ الْمُبْطِلَ،
فَلَوْ كَانَ سَهْوًا عُفِيَ عَنْهُ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: لَوْ سَكَتَ كَثِيرًا نِسْيَانًا أَوْ نَوْمًا أَوْ انْتَقَلَ إلَى غَيْرِهَا غَلَطًا، فَطَالَ. بَنَى عَلَى مَا قَرَأَ مِنْهَا (وَكَانَ) الْقَطْعُ (غَيْرَ مَشْرُوعٍ) فَإِنْ كَانَ مَشْرُوعًا، كَسُكُوتِهِ لِاسْتِمَاعِ قِرَاءَةِ إمَامِهِ بَعْدَ شُرُوعِهِ هُوَ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، وَكَسُجُودٍ لِتِلَاوَةٍ وَسُؤَالِهِ الرَّحْمَةَ عِنْدَ آيَةِ رَحْمَةٍ، وَتَعَوُّذٍ عِنْدَ آيَةِ عَذَابٍ، وَلَوْ كَثِيرًا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِعْرَاضٍ، وَلَا يَبْطُلُ مَا مَضَى مِنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ بِنِيَّةِ قَطْعِهَا فِي أَثْنَائِهَا مُطْلَقًا (فَإِذَا فَرَغَ) مِنْ الْفَاتِحَةِ (قَالَ) بَعْدَ سَكْتَةٍ لَطِيفَةٍ، لِيُعْلِمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْقُرْآنِ، وَإِنَّمَا هِيَ طَابِعُ الدُّعَاءِ (آمِينَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مَعَ الْمَدِّ، فِي الْأَشْهَرِ،
وَيَجُوزُ الْقَصْرُ وَالْإِمَالَةُ. وَهِيَ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى اسْتَجِبْ، مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْفَتْحِ كَلَيْتَ، وَتُسَكَّنُ عِنْدَ الْوَقْفِ (وَحَرُمَ وَبَطَلَتْ) صَلَاتُهُ (إنْ شَدَّدَ مِيمَهَا) ; لِأَنَّهَا تَصِيرُ كَلَامًا أَجْنَبِيًّا، فَيُبْطِلُهَا عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ وَجَهْلُهُ، مَعَ أَنَّ بَعْضَهُمْ حَكَاهُ لُغَةً فِيهَا (وَيَجْهَرُ بِهَا) أَيْ آمِينَ (إمَامٌ وَمَأْمُومٌ مَعًا) اسْتِحْبَابًا ; لِقَوْلِ عَطَاءٍ " كُنْتُ أَسْمَعُ الْأَئِمَّةَ: ابْنَ الزُّبَيْرِ وَمَنْ بَعْدَهُ يَقُولُونَ: آمِينَ، وَمَنْ خَلْفَهُمْ آمِينَ، حَتَّى إنَّ لِلْمَسْجِدِ لَلَجَّةً " رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بِسَنَدِهِ.
وَاللَّجَّةُ بِفَتْحِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ: اخْتِلَاطُ الْأَصْوَاتِ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ رَفَعَ صَوْتَهُ وَقَالَ: آمِينَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ. وَقَالَ إنَّهُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَالتَّأْمِينُ لِقِرَاءَةِ الْإِمَامِ لَا لِلْمَأْمُومِ، فَلِذَلِكَ تَبِعَهُ فِي الْجَهْرِ، وَلِهَذَا يَجْهَرُ الْمُنْفَرِدُ بِالتَّأْمِينِ فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ،
صَرَّحَ بِهِ الزَّرْكَشِيُّ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ (وَيَجْهَرُ بِهَا غَيْرُهُمَا) أَيْ غَيْرُ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَهُوَ الْمُنْفَرِدُ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ مِنْ الْقِرَاءَةِ
стр. 177
تَبَعًا لَهَا (فَإِنْ تَرَكَهُ) أَيْ التَّأْمِينَ (إمَامٌ) فِي جَهْرِيَّةٍ (أَوْ أَسَرَّهُ) الْإِمَامُ فِيهَا (أَتَى بِهِ مَأْمُومٌ جَهْرًا) ; لِأَنَّ جَهْرَ الْمَأْمُومِ بِهِ سُنَّةٌ. فَلَا يَسْقُطُ بِتَرْكِ الْإِمَامِ لَهُ، كَتَرْكِهِ التَّعَوُّذَ ; وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا نَسِيَهُ الْإِمَامُ فَيَجْهَرُ بِهِ الْمَأْمُومُ لِيُذَكِّرَهُ، فَيَأْتِي بِهِ. فَإِنْ زَادَ عَلَى آمِينَ: رَبَّ الْعَالَمِينَ،
فَقِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ: لَا يُسْتَحَبُّ لِمَا تَقَدَّمَ فِي التَّكْبِيرِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي (وَيَلْزَمُ جَاهِلًا) أَيْ مَنْ لَا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ (تَعَلُّمُهَا) أَيْ الْفَاتِحَةِ، لِيَحْفَظَهَا كَبَقِيَّةِ الْأَرْكَانِ ; لِأَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِهَا (فَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ) عَنْ تَعَلُّمِهِمَا أَوْ عَجَزَ عَنْهُ سَقَطَ لُزُومُهُ.
وَ (لَزِمَهُ قِرَاءَةُ قَدْرِهَا) أَيْ الْفَاتِحَةِ (فِي الْحُرُوفِ) عَدَدًا (وَ) فِي (الْآيَاتِ) مِنْ أَيْ سُورَةٍ شَاءَ مِنْ الْقُرْآنِ، لِمَا يَأْتِي فِي حَدِيثِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «فَإِنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فَاقْرَأْهُ» (فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ إلَّا آيَةً) مِنْ الْفَاتِحَةِ أَوْ غَيْرِهَا (كَرَّرَهَا) أَيْ الْآيَةَ (بِقَدْرِهَا) أَيْ الْفَاتِحَةِ ; لِأَنَّهَا بَدَلٌ عَنْ الْفَاتِحَةِ فَتُعْتَبَرُ الْمُمَاثَلَةُ حَسَبَ الْإِمْكَانِ.
وَإِنْ أَحْسَنَ آيَةً فَأَكْثَرَ مِنْ الْفَاتِحَةِ بِقَدْرِهَا، لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُهَا. ذَكَرَهُ الْقَاضِي ; لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَيْهَا مِنْ غَيْرِهَا، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ إلَّا بَعْضَ آيَةٍ لَمْ يُكَرِّرْهُ، وَعَدَلَ إلَى الذِّكْرِ الْآتِي (فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ قُرْآنًا) أَيْ آيَةً مِنْهُ (حَرُمَ تَرْجَمَتُهُ) أَيْ تَعْبِيرُهُ عَنْهُ بِلُغَةٍ أُخْرَى ; لِأَنَّ التَّرْجَمَةَ عَنْهُ تَفْسِيرٌ لَا قُرْآنٌ، فَلَا يَحْنَثُ بِهَا مَنْ حَلَفَ لَا يَقْرَأُ.
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُوحِيَ إلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] فَالْإِنْذَارُ مَعَ التَّرْجَمَةِ يَحْصُلُ بِالْمُفَسَّرِ الَّذِي هُوَ الْقُرْآنُ لَا بِالتَّفْسِيرِ (وَلَزِمَ) مَنْ لَا يُحْسِنُ آيَةً مِنْ الْقُرْآنِ (قَوْلُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ) لِحَدِيثِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَ رَجُلًا الصَّلَاةَ، فَقَالَ: إنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فَاقْرَأْهُ، وَإِلَّا فَاحْمَدْ اللَّهَ وَكَبِّرْهُ وَهَلِّلْهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
وَظَاهِرُهُ وُجُوبُ ذَلِكَ وَالِاكْتِفَاءُ بِهِ، وَنُقْصَانُ الْبَدَلِ عَنْ الْمُبْدَلِ فِي الْقَدَرِ إذَا اخْتَلَفَ جِنْسُهُمَا غَيْرَ مُمْتَنِعٍ، كَالتَّيَمُّمِ، وَمَسْحِ الْخُفِّ (فَإِنْ) لَمْ يَعْرِفْ هَذَا الذِّكْرَ كُلَّهُ، بَلْ (عَرَفَ بَعْضَهُ كَرَّرَهُ) أَيْ ذَلِكَ الْبَعْضَ (بِقَدْرِهِ) كَمَنْ عَرَفَ آيَةً فَأَكْثَرَ مِنْ الْفَاتِحَةِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ شَيْئًا مِنْ الذِّكْرِ (وَقَفَ بِقَدْرِ الْقِرَاءَةِ) أَيْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ ; لِأَنَّ الْقِيَامَ مَقْصُودٌ بِنَفْسِهِ ; لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَهُ الْأَخْرَسُ أَوْ النَّاطِقُ وَقَرَأَ قَاعِدًا، لَمْ تُجْزِئْهُ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِالْعَجْزِ عَنْ الْقِرَاءَةِ
وَلِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وَأَمَّا مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا فَسُقُوطُ
стр. 178
الْقِيَامِ عَنْهُ رُخْصَةٌ لِئَلَّا تَفُوتَهُ الرَّكْعَةُ. وَلَا يَلْزَمُ الْعَاجِزَ عَنْ الْقِرَاءَةِ الصَّلَاةُ خَلْفَ قَارِئٍ عَلَى الصَّحِيحِ ; لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ فِي الْخَبَرِ السَّابِقِ (وَمَنْ صَلَّى وَتَلَقَّفَ) أَيْ أَخَذَ بِسُرْعَةٍ (الْقِرَاءَةَ مِنْ لَفْظِ غَيْرِهِ صَحَّتْ) صَلَاتُهُ لِإِتْيَانِهِ بِفَرْضِهَا مَعَ التَّوَالِي، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِسُرْعَةٍ، بَلْ مَعَ تَفْرِيقٍ طَوِيلٍ لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا.
وَفِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ عَلَى الْأَشْهَرِ: يَلْزَمُ غَيْرَ حَافِظٍ أَنْ يَقْرَأَ مِنْ مُصْحَفٍ.
(ثُمَّ يَقْرَأُ) الْمُصَلِّي بَعْدَ الْفَاتِحَةِ (سُورَةً كَامِلَةً نَدْبًا) لِلْخَبَرِ السَّابِقِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَفْتَتِحَهَا بِالْبَسْمَلَةِ سِرًّا (مِنْ طِوَالِ) بِكَسْرِ الطَّاءِ (الْمُفَصَّلِ فِي) صَلَاةِ (الْفَجْرِ وَ) مِنْ (قِصَارِهِ) أَيْ الْمُفَصَّلِ (فِي) صَلَاةِ (الْمَغْرِبِ، وَفِي الْبَاقِي) مِنْ الْخَمْسِ، وَهِيَ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ وَالْعِشَاءُ (مِنْ أَوْسَاطِهِ) أَيْ الْمُفَصَّلِ لِحَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «مَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَشْبَهَ صَلَاةً بِالنَّبِيِّ ﷺ مِنْ فُلَانٍ، قَالَ سُلَيْمَانُ: فَصَلَّيْتُ خَلْفَهُ، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الْغَدَاةِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ.
وَفِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِهِ، وَفِي الْعِشَاءِ بِوَسَطِ الْمُفَصَّلِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ. وَلَفْظُهُ لَهُ.
وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ (وَلَا يُكْرَهُ) أَنْ يَقْرَأَ مُصَلٍّ (لِعُذْرٍ، كَمَرَضٍ وَسَفَرٍ وَنَحْوِهِمَا) كَخَوْفٍ وَغَلَبَةِ نُعَاسٍ وَلُزُومِ غَرِيمٍ (بِأَقْصَرَ مِنْ ذَلِكَ) فِي فَجْرٍ وَغَيْرِهَا لِلْعُذْرِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ (كُرِهَ بِقِصَارِهِ فِي) صَلَاةِ (فَجْرٍ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ. وَ (لَا) تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ (بِطِوَالِهِ فِي مَغْرِبٍ) نَصَّ عَلَيْهِ. لِلْخَبَرِ " أَنَّهُ ﷺ قَرَأَ فِيهَا بِالْأَعْرَافِ " وَالسُّورَةُ وَإِنْ قَصُرَتْ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضِ سُورَةٍ.
قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: وَتُجْزِئُ آيَةٌ إلَّا أَنَّ أَحْمَدَ اسْتَحَبَّ كَوْنَهَا طَوِيلَةً، كَآيَةِ الدَّيْنِ وَالْكُرْسِيِّ (وَأَوَّلُهُ) أَيْ الْمُفَصَّلِ: سُورَةُ (ق) وَلَا يُعْتَدُّ بِالسُّورَةِ قَبْلَ الْفَاتِحَةِ) وَآخِرُهُ: آخِرُ الْقُرْآنِ، وَطِوَالُهُ عَلَى مَا قَالَ بَعْضُهُمْ: إلَى عَمَّ، وَأَوْسَاطُهُ إلَى الضُّحَى. وَالْبَاقِي: قِصَارُهُ (وَحَرُمَ تَنْكِيسُ الْكَلِمَاتِ) الْقُرْآنِيَّةِ لِإِخْلَالِهِ بِنَظْمِهَا (وَتَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (بِهِ) ; لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالْكَلَامِ الْأَجْنَبِيِّ، يُبْطِلُهَا عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ
وَ (لَا) يَحْرُمُ تَنْكِيسُ (السُّوَرِ، وَ) لَا تَنْكِيسُ (الْآيَاتِ) وَلَا تَبْطُلُ بِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِنَظْمِ الْقُرْآنِ، لَكِنَّ الْفَاتِحَةَ يُعْتَبَرُ تَرْتِيبُهَا، وَتَقَدَّمَ (وَيُكْرَهُ) تَنْكِيسُ السُّوَرِ وَالْآيَاتِ فِي رَكْعَةٍ أَوْ رَكْعَتَيْنِ، وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِأَنَّهُ ﷺ تَعَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ، وَعِنْدَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ: تَرْتِيبُ الْآيَاتِ وَاجِبٌ ; لِأَنَّهُ بِالنَّصِّ
وَتَرْتِيبُ السُّوَرِ بِالِاجْتِهَادِ، وَلِهَذَا تَنَوَّعَتْ مَصَاحِفُ الصَّحَابَةِ لَكِنْ لَمَّا اتَّفَقُوا عَلَى
стр. 179
الْمُصْحَفِ زَمَنَ عُثْمَانَ ﵁ صَارَ مِمَّا سَنَّهُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ. وَقَدْ دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ لَهُمْ سُنَنًا يَجِبُ اتِّبَاعُهَا (ك) مَا تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ (بِكُلِّ الْقُرْآنِ فِي) صَلَاةِ (فَرْضٍ) لِلْإِطَالَةِ وَعَدَمِ نَقْلِهِ، وَعُلِمَ مِنْهُ: أَنَّهُ لَا تُكْرَهُ بِكُلِّهِ فِي نَفْلٍ (أَوْ) أَيْ وَتُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ (بِالْفَاتِحَةِ فَقَطْ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَعَلَى الْمَذْهَبِ: تُكْرَهُ الْفَاتِحَةُ فَقَطْ اهـ. وَظَاهِرُهُ: فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ.
وَ (لَا) يُكْرَهُ (تَكْرَارُ سُورَةٍ) فِي رَكْعَتَيْنِ لِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِالْأَعْرَافِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا» رَوَاهُ سَعِيدٌ (أَوْ) أَيْ وَلَا يُكْرَهُ (تَفْرِيقُهَا) أَيْ السُّورَةِ (فِي رَكْعَتَيْنِ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ مَرْفُوعًا «كَانَ يَقْرَأُ الْبَقَرَةَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. .
(وَ) لَا يُكْرَهُ أَيْضًا (جَمْعُ سُورَةٍ فِي رَكْعَةٍ، وَلَوْ فِي فَرْضٍ) لِمَا فِي الصَّحِيحِ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ كَانَ يَؤُمُّهُمْ، فَكَانَ يَقْرَأُ قَبْلَ كُلِّ رَكْعَةٍ سُورَةَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةً أُخْرَى مَعَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَا يَحْمِلُك عَلَى لُزُومِ هَذِهِ السُّورَةِ؟ فَقَالَ: إنِّي أُحِبُّهَا، فَقَالَ حُبُّكَ إيَّاهَا أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ» وَفِي الْمُوَطَّأِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ (أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْمَكْتُوبَةِ سُورَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ.
(وَ) لَا يُكْرَهُ أَيْضًا (قِرَاءَةُ أَوَاخِرِ السُّوَرِ وَأَوْسَاطِهَا) لِعُمُومِ ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠] وَلِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «كَانَ يَقْرَأُ فِي الْأُولَى مِنْ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ قَوْله تَعَالَى: قُولُوا آمَنَّا بِاَللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْنَا، وَفِي الثَّانِيَةِ: الْآيَةَ فِي آلِ عِمْرَانَ: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ. الْآيَةَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ (أَوْ) أَيْ وَلَا يُكْرَهُ لِمُصَلٍّ (مُلَازَمَةُ) قِرَاءَةِ (سُورَةٍ) بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ صَلَاتِهِ (مَعَ اعْتِقَادِ جَوَازِ غَيْرِهَا) وَمَعَ اعْتِقَادِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ بِغَيْرِهَا لِلْخَبَرِ، وَإِلَّا حَرُمَ اعْتِقَادُهُ لِفَسَادِهِ.
(وَيَجْهَرُ إمَامٌ بِقِرَاءَةِ) الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ (فِي الصُّبْحِ) وَ (فِي) أُولَتَيْ (مَغْرِبٍ وَعِشَاءٍ) وَجُمُعَةٍ وَعِيدٍ وَاسْتِسْقَاءٍ وَكُسُوفٍ وَتَرَاوِيحَ وَوِتْرٍ بَعْدَهَا. وَيُسِرُّ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ لِثُبُوتِ ذَلِكَ بِنَقْلِ الْخَلَفِ عَنْ السَّلَفِ عَنْهُ ﷺ وَإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ كُسُوفٍ (وَكُرِهَ) جَهْرٌ بِقِرَاءَةِ (الْمَأْمُومِ) ; لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِاسْتِمَاعِ قِرَاءَةِ إمَامِهِ، وَالْإِنْصَاتِ لَهَا، وَإِسْمَاعُهُ الْقِرَاءَةَ لِغَيْرِهِ غَيْرُ مَقْصُود.
(وَ) كُرِهَ لِمُصَلٍّ جَهْرُهُ بِقِرَاءَةٍ (نَهَارًا فِي نَفْلٍ) غَيْرِ كُسُوفٍ وَاسْتِسْقَاءٍ.
قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ: وَالْأَظْهَرُ: أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا بِالنَّهَارِ: مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ، لَا مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ. وَبِاللَّيْلِ: مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلَى طُلُوعِهَا (وَيُخَيَّرُ مُنْفَرِدٌ) فِي جَهْرٍ
стр. 180
بِقِرَاءَةٍ وَإِخْفَاتٍ فِي جَهْرِيَّةٍ وَيُخَيَّرُ أَيْضًا (قَائِمٌ لِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ) مِنْ صُبْحٍ وَأُولَتَيْ مَغْرِبٍ وَعِشَاءٍ، وَتَرْكُ الْجَهْرِ أَفْضُلُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ إسْمَاعُ نَفْسِهِ،
وَجَازَ لَهُ الْجَهْرُ، لِشَبَهِهِ بِالْإِمَامِ فِي عَدَمِ الْأَمْرِ بِالْإِنْصَاتِ (وَيُسِرُّ) مُصَلٍّ بِقِرَاءَةٍ (فِي قَضَاءِ صَلَاةِ جَهْرٍ) كَصُبْحٍ (نَهَارًا) اعْتِبَارًا بِزَمَنِ الْقَضَاءِ (وَيَجْهَرُ بِهَا) أَيْ الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ جَهْرٍ قَضَاهَا (لَيْلًا فِي جَمَاعَةٍ) اعْتِبَارًا بِزَمَنِ الْقَضَاءِ. وَشَبَّهَهَا بِالْأَدَاءِ لِكَوْنِهَا فِي جَمَاعَةٍ.
(وَ) مُصَلٍّ لَيْلًا (فِي نَفْلٍ يُرَاعِي الْمَصْلَحَةَ) فِي جَهْرٍ وَإِخْفَاتٍ، فَيُسِرُّ مَعَ مَنْ يَتَأَذَّى بِجَهْرِهِ، وَيَجْهَرُ مَعَ مَنْ يَأْنَسُ بِهِ، وَنَحْوُهُ.
وَتَحْرُمُ الْقِرَاءَةُ (وَلَا تَصِحُّ) صَلَاةٌ (بِقِرَاءَةٍ تَخْرُجُ عَنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ) بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، كَقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ " لِعَدَمِ تَوَاتُرِهَا، وَعُلِمَ مِنْهُ صِحَّةُ الصَّلَاةِ بِقِرَاءَةٍ لَا تَخْرُجُ عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ الْعَشَرَةِ، حَيْثُ صَحَّ سَنَدُهُ.
وَكَرِهَ أَحْمَدُ قِرَاءَةَ حَمْزَةَ وَالْكِسَائِيِّ، وَعَنْهُ وَالْإِدْغَامَ الْكَبِيرَ لِأَبِي عَمْرٍو، وَاخْتَارَ قِرَاءَةَ نَافِعٍ مِنْ رِوَايَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْهُ، ثُمَّ قِرَاءَةَ عَاصِمٍ، وَقَالَ لَهُ الْمَيْمُونِيُّ: أَيَّ الْقِرَاءَةِ تَخْتَارُ لِي فَأَقْرَأُ بِهَا؟ قَالَ: قِرَاءَةَ ابْنِ الْعَلَاءِ لُغَةَ قُرَيْشٍ وَالْفُصَحَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃، وَإِنْ كَانَ فِي قِرَاءَةٍ زِيَادَةُ حَرْفٍ مِثْلُ " فَأَزَلَّهُمَا " وَ " أَزَالَهُمَا " وَ " وَصَّى " وَ " أَوْصَى " فَهِيَ أَفْضُلُ لِأَجْلِ الْعَشْرِ حَسَنَاتٍ،
نَقَلَهُ حَرْبٌ. وَ " مَالِكِ " أَحَبُّ إلَى أَحْمَدَ مِنْ " مَلِكِ " (ثُمَّ) بَعْدَ الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ (يَرْكَعُ مُكَبِّرًا) أَيْ قَائِلًا فِي هَوِيِّهِ لِرُكُوعِهِ: اللَّهُ أَكْبَرُ (رَافِعًا يَدَيْهِ مَعَ ابْتِدَائِهِ) أَيْ التَّكْبِيرِ لِحَدِيثِ أَبِي قِلَابَةَ " أَنَّهُ رَأَى «مَالِكَ بْنَ الْحُوَيْرِثِ إذَا صَلَّى، كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَيُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَنَعَ هَكَذَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ «فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَفِي الْبَابِ غَيْرُهُ. وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ﵃
(فَيَضَعُ) رَاكِعٌ (يَدَيْهِ مُفَرَّجَتَيْ الْأَصَابِعِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ) نَدْبًا، إنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ عُذْرٌ يَمْنَعُهُ، وَإِنْ أَمْكَنَهُ وَضْعُ إحْدَاهُمَا وَضَعَهَا، وَالتَّطْبِيقُ مَنْسُوخٌ لِحَدِيثِ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ " صَلَّيْت إلَى جَنْبِ أُبَيٍّ، فَطَبَّقْت بَيْنَ كَفَّيْ، ثُمَّ وَضَعْتُهُمَا بَيْنَ فَخِذَيَّ فَنَهَانِي عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: كُنَّا
стр. 181
نَفْعَلُ هَذَا فَأُمِرْنَا أَنْ نَضَعَ أَيْدِيَنَا عَلَى الرُّكَبِ " رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.
وَعَنْ عُمَرَ " الرُّكَبُ سُنَّةٌ لَكُمْ، فَخُذُوا بِالرُّكَبِ " رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. (وَيَمُدُّ) رَاكِعٌ (ظَهْرَهُ مُسْتَوِيًا وَيَجْعَلُ رَأْسَهُ حِيَالَهُ) أَيْ حِيَالَ ظَهْرِهِ فَلَا يَرْفَعُهُ عَنْ ظَهْرِهِ، وَلَا يَخْفِضُهُ لِقَوْلِ أَبِي حُمَيْدٍ فِي حَدِيثِهِ " وَرَكَعَ فَاعْتَدَلَ، وَلَمْ يُصَوِّبْ رَأْسَهُ وَلَمْ يُقْنِعْهُ " (وَيُجَافِي مِرْفَقَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ) لِحَدِيثِ أَبِي مَسْعُودِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو " أَنَّهُ رَكَعَ فَجَافَى يَدَيْهِ وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَفَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ مِنْ وَرَاءِ رُكْبَتَيْهِ. وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. (وَالْمُجْزِئُ) مِنْ رُكُوعٍ: الِانْحِنَاءُ (بِحَيْثُ يُمْكِنُ) مُصَلِّيًا (وَسَطًا) فِي الْخِلْقَةِ (مَسُّ رُكْبَتَيْهِ بِيَدَيْهِ) لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى رَاكِعًا بِدُونِ ذَلِكَ (وَقَدْرُهُ) أَيْ وَقَدْرُ الِانْحِنَاءِ (مِنْ غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْوَسَطِ، كَطَوِيلِ الْيَدَيْنِ وَقَصِيرِهِمَا، فَيَنْحَنِي حَتَّى يَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ كَانَ مِنْ أَوْسَاطِ النَّاسِ لَأَمْكَنَهُ مَسُّ رُكْبَتَيْهِ بِيَدَيْهِ (وَ) قَدْرُ الْمُجْزِئِ (مِنْ قَاعِدٍ مُقَابَلَةُ وَجْهِهِ) بِانْحِنَائِهِ (مَا وَرَاءَ رُكْبَتَيْهِ مِنْ أَرْضٍ أَدْنَى) أَيْ أَقَلُّ (مُقَابَلَةٍ) لِأَنَّهُ مَا دَامَ قَاعِدًا مُعْتَدِلًا لَا يَنْظُرُ مَا وَرَاءَ رُكْبَتَيْهِ مِنْ الْأَرْضِ،
فَإِذَا انْحَنَى بِحَيْثُ يَرَى مَا وَرَاءَ رُكْبَتَيْهِ مِنْهَا أَجْزَأَهُ ذَلِكَ مِنْ الرُّكُوعِ (وَتَتِمَّتُهَا) أَيْ تَتِمَّةُ مُقَابَلَةِ مَا وَرَاءَ رُكْبَتَيْهِ مِنْ الْأَرْضِ (الْكَمَالُ) فِي رُكُوعِ قَاعِدٍ. وَقَالَ الْمَجْدُ: ضَابِطُ الْإِجْزَاءِ الَّذِي لَا يَخْتَلِفُ: أَنْ يَكُونَ انْحِنَاؤُهُ إلَى الرُّكُوعِ الْمُعْتَدِلِ أَقْرَبَ مِنْهُ إلَى الْقِيَامِ الْمُعْتَدِلِ وَمَنْ انْحَنَى لِتَنَاوُلِ شَيْءٍ لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ الرُّكُوعُ لَمْ يُجْزِئْهُ (وَيَنْوِيهِ) أَيْ الرُّكُوعَ (أَحْدَبُ لَا يُمْكِنُهُ) رُكُوعٌ، كَسَائِرِ الْأَفْعَالِ الَّتِي يَعْجِزُ عَنْهَا،
فَإِنْ أَمْكَنَهُ بَعْضَهُ، كَعَاجِزٍ عَنْ رُكُوعٍ يُجْزِئُ الصَّحِيحَ، وَمَنْ بِهِ عِلَّةٌ لَا يَقْدِرُ مَعَهَا عَلَى الِانْحِنَاءِ إلَّا عَلَى أَحَدِ جَانِبَيْهِ يَلْزَمُهُ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (وَيَقُولُ) فِي رُكُوعِهِ (سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ) لِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ «لَمَّا نَزَلَتْ: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّك الْعَظِيمِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ، فَلَمَّا نَزَلَتْ: سَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى، قَالَ: اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَصَحَّحَهُ.
وَالْأَفْضَلُ عَدَمُ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ فَإِنْ زَادَ: وَبِحَمْدِهِ، فَلَا بَأْسَ، وَحِكْمَةُ التَّخْصِيصِ: أَنَّ الْأَعْلَى أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ، بِخِلَافِ الْعَظِيمِ. وَالسُّجُودُ: غَايَةُ التَّوَاضُعِ، لِمَا فِيهِ مِنْ وَضْعِ الْجَبْهَةِ،
стр. 182
وَهِيَ أَشْرَفُ الْأَعْضَاءِ عَلَى مَوَاطِئِ الْأَقْدَامِ، وَلِهَذَا كَانَ أَفْضَلَ مِنْ الرُّكُوعِ فَجُعِلَ الْأَبْلَغُ مَعَ الْأَبْلَغِ، وَالْمُطْلَقُ مَعَ الْمُطْلَقِ. وَالْوَاجِبُ مِنْ التَّسْبِيحِ مَرَّةً لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَذْكُرْ عَدَدًا فِيمَا سَبَقَ.
وَسُنَّ تَكْرِيرُهُ (ثَلَاثًا) فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ (وَهُوَ) أَيْ التَّكْرَارُ ثَلَاثًا (أَدْنَى الْكَمَالِ) لِحَدِيثِ عَوْنٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا «إذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ. وَإِذَا سَجَدَ فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاثًا، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، لَكِنَّهُ مُرْسَلٌ.
كَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ، لِأَنَّ عَوْنًا لَمْ يَسْمَعْ مِنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، لَكِنْ عَضَّدَهُ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ وَفَتْوَى أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ (وَأَعْلَاهُ) أَيْ الْكَمَالِ فِي التَّسْبِيحِ (لِإِمَامٍ عَشْرُ) مَرَّاتٍ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ " أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ يُصَلِّي كَصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ فَحَزَرُوا ذَلِكَ بِعَشْرِ تَسْبِيحَاتٍ " (وَ) أَعْلَى الْكَمَالِ (الْمُنْفَرِدِ الْعُرْفُ) أَيْ الْمُتَعَارَفُ فِي مَوْضِعِهِ،
وَسَكَتَ عَنْ مَأْمُومٍ ; لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِإِمَامِهِ (وَكَذَا سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى فِي سُجُودٍ) فَحُكْمُهُ كَتَسْبِيحِ الرُّكُوعِ فِيمَا يَجِبُ وَأَدْنَى الْكَمَالِ وَأَعْلَاهُ لِمَا تَقَدَّمَ (وَالْكَمَالُ فِي) قَوْلِ مُصَلٍّ (رَبِّ اغْفِرْ لِي، بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: ثَلَاثَ) مَرَّاتٍ إمَامًا كَانَ أَوْ مُنْفَرِدًا (فِي غَيْرِ صَلَاةِ كُسُوفٍ فِي الْكُلِّ) أَيْ تَسْبِيحُ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَرَبِّ اغْفِرْ لِي، لِاسْتِحْبَابِ التَّطْوِيلِ الزَّائِدِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِيهَا.
وَتُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ فِي رُكُوعٍ وَسُجُودٍ (ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مَعَ يَدَيْهِ) إلَى حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ، فَرْضًا كَانَتْ أَوْ نَفْلًا، صَلَّى قَائِمًا أَوْ جَالِسًا، وَهُوَ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ. حَيْثُ شَرَعَ (قَائِلًا، إمَامٌ وَمُنْفَرِدٌ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، مُرَتَّبًا وُجُوبًا) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ فِي صِفَةِ صَلَاتِهِ ﷺ «وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ أَيْ رَفَعَ يَدَيْهِ إلَى حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ وَقَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» . قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ رَفَعَ يَدَيْهِ حِينَ أَخَذَ فِي رَفْعِ رَأْسِهِ كَقَوْلِهِ " إذَا كَبَّرَ " أَيْ أَخَذَ فِي التَّكْبِيرِ، وَلِأَنَّهُ مَحَلُّ رَفْعِ الْمَأْمُومِ، فَكَانَ مَحَلَّ رَفْعِ الْإِمَامِ، كَالرُّكُوعِ. وَرَفْعُ الْيَدَيْنِ فِي الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ: قَوْلُ مَنْ تَقَدَّمَ ذَكَرَهُمْ فِي رَفْعِهِمَا عِنْدَ الرُّكُوعِ.
وَيَدُلُّ لِوُجُوبِ التَّسْمِيعِ عَلَى غَيْرِ مَأْمُومٍ: حَدِيثُ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «إذَا قَالَ الْإِمَامُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ» وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مِثْلَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. فَقَسَمَ الذِّكْرَ بَيْنَهُمَا، وَالْقِسْمَةُ تَقْطَعُ الشَّرِكَةَ. وَمَعْنَى " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " أَيْ تَقَبَّلَهُ وَجَازَاهُ عَلَيْهِ،
فَإِنْ
стр. 183
نَكَّسَ التَّسْمِيعَ فَقَالَ: لِمَنْ حَمِدَهُ سَمِعَ اللَّهُ لَمْ يُجْزِهِ، كَمَا لَوْ نَكَّسَ التَّكْبِيرَ، وَلِتَغْيِيرِ الْمَعْنَى لِأَنَّ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ: خَبَرٌ، مَعْنَاهُ الدُّعَاءُ، فَإِذَا نُكِّسَتْ صَارَتْ صِيغَةَ شَرْطٍ لَا تَصِحُّ لِلدُّعَاءِ (ثُمَّ) بَعْدَ رَفْعٍ مِنْ الرُّكُوعِ (إنْ شَاءَ وَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ أَوْ أَرْسَلَهُمَا) بِجَانِبَيْهِ، فَيُخَيَّرُ نَصًّا (فَإِذَا قَامَ) أَيْ اسْتَوَى قَائِمًا حَتَّى رَجَعَ كُلُّ عُضْوٍ إلَى مَوْضِعِهِ
لِقَوْلِ أَبِي حُمَيْدٍ فِي صِفَةِ صَلَاتِهِ ﷺ " فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ اسْتَوَى قَائِمًا، حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ " (قَالَ: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ) أَيْ بَعْدَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ كَالْكُرْسِيِّ وَغَيْرِهِ، مِمَّا لَا يَعْلَمُ سَعَتَهُ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى. وَالْمَعْنَى: حَمْدًا لَوْ كَانَ أَجْسَامًا لَمَلَأَ ذَلِكَ.
وَإِثْبَاتُ وَاوِ " وَلَك " أَفْضَلُ نَصًّا لِلِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَلِأَنَّهُ أَكْثَرُ حُرُوفًا وَيَتَضَمَّنُ الْحَمْدَ مُقَدَّرًا وَمُظْهَرًا، أَيْ رَبَّنَا حَمِدْنَاك وَلَك الْحَمْدُ إذْ الْوَاوُ لِلْعَطْفِ، وَلَا مَعْطُوفَ عَلَيْهِ فِي اللَّفْظِ، فَيُقَدَّرُ " مِلْءُ " يَجُوزُ نَصْبُهُ عَلَى الْحَالِ، وَرَفْعُهُ عَلَى الصِّفَةِ.
وَالْمَعْرُوفُ فِي الْأَخْبَارِ " السَّمَوَاتُ " لَكِنْ قَالَ الْإِمَامُ وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ: بِالْإِفْرَادِ، وَلَهُ قَوْلُ " اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ " وَبِلَا وَاوٍ أَفْضَلُ. وَإِنْ عَطَسَ فِي رَفْعِهِ فَحَمِدَ اللَّهَ لَهُمَا لَمْ يُجْزِهِ نَصًّا. وَصَحَّحَ الْمُوَفَّقُ الْإِجْزَاءَ، كَمَا لَوْ قَالَهُ ذَاهِلًا، وَإِنْ نَوَى أَحَدُهُمَا تَعَيَّنَ، وَلَمْ يُجْزِهِ عَنْ الْآخَرِ.
وَكَذَا لَوْ عَطَسَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ (وَيُحَمِّدُ) بِالتَّشْدِيدِ، أَيْ يَقُولُ: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ (فَقَطْ) فَلَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ (مَأْمُومٌ، وَيَأْتِي بِهِ فِي رَفْعِهِ) لِحَدِيثِ أَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إذَا قَالَ الْإِمَامُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
فَاقْتَصَرَ عَلَى أَمْرِهِمْ بِقَوْلِهِ " رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ " فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَشْرَعُ لَهُمْ غَيْرُهُ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ كَالتَّنْقِيحِ: لَا تُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ لِإِمَامٍ وَمُنْفَرِدٍ عَلَى قَوْلِ " وَمِلْءَ مَا شِئْت مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ " وَصَحَّحَ فِي الْإِنْصَافِ، تَبَعًا لِلْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَغَيْرِهِمَا: اسْتِحْبَابَ زِيَادَةِ " أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ، وَكُلُّنَا لَك عَبْدٌ: لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْت، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْت، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْك الْجَدُّ " وَغَيْرُهُ مِمَّا صَحَّ،
وَمَنْ أَرَادَ رُكُوعًا فَسَقَطَ إلَى الْأَرْضِ قَامَ فَرَكَعَ وَإِنْ سَقَطَ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَطْمَئِنَّ عَادَ إلَيْهِ لِيَطْمَئِنَّ، وَلَا يَلْزَمُهُ ابْتِدَاؤُهُ عَنْ انْتِصَابٍ لِأَنَّهُ سَبَقَ مِنْهُ، وَإِنْ رَكَعَ وَاطْمَأَنَّ، ثُمَّ سَقَطَ انْتَصَبَ قَائِمًا
стр. 184
لِيَحْصُلَ فَرْضُ الِاعْتِدَالِ عَنْهُ وَإِنْ رَكَعَ وَاطْمَأَنَّ، فَحَدَثَتْ بِهِ عِلَّةٌ مَنَعَتْهُ الْقِيَامَ سَقَطَ عَنْهُ الرَّفْعُ وَيَسْجُدُ فَإِنْ زَالَتْ عِلَّتُهُ بَعْدَ سُجُودِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْعَوْدُ لِلرَّفْعِ، وَإِنْ زَالَتْ قَبْلَهُ عَادَ إلَيْهِ ; لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَيْهِ قَبْلَ حُصُولِهِ فِي الرُّكْنِ، وَيَأْتِي حُكْمُ مَنْ نَسِيَ التَّسْبِيحَ فِي سُجُودِ السَّهْوِ
(ثُمَّ) بَعْدَ الِاعْتِدَالِ (يَخِرُّ) سَاجِدًا (مُكَبِّرًا، وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ " وَكَانَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو حُمَيْدٍ فِي وَصْفِ صَلَاتِهِ ﷺ (فَيَضَعُ رُكْبَتَيْهِ) أَوَّلًا بِالْأَرْضِ، لِحَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٌ قَالَ «رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ إذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَإِذَا نَهَضَ رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَأَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، قَالَ الْخَطَّابِيِّ: هُوَ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَيْ الَّذِي فِيهِ " وَضْعُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الرُّكْبَتَيْنِ " وَرَوَى الْأَثْرَمُ عَنْهُ «إذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِرُكْبَتَيْهِ، وَلَا يَبْرُكُ بُرُوكَ الْبَعِيرِ» وَعَنْ سَعْدٍ قَالَ «كُنَّا نَضَعُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الرُّكْبَتَيْنِ فَأُمِرْنَا بِوَضْعِ الرُّكْبَتَيْنِ قَبْلَ الْيَدَيْنِ» لَكِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ. (ثُمَّ) يَضَعُ (يَدَيْهِ) أَيْ كَفَّيْهِ (ثُمَّ) يَضَعُ (جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ وَيَكُونُ) فِي سُجُودِهِ (عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ) أَيْ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ، مَثْنِيَّةً إلَى الْقِبْلَةِ لِحَدِيثِ «أُمِرْت أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ» .
وَرُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ سَجَدَ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا قَابِضَهُمَا» (وَالسُّجُودُ عَلَى هَذِهِ الْأَعْضَاءِ) السَّبْعَةِ مَعَ الْأَنْفِ (بِالْمُصَلَّى) بِفَتْحِ اللَّامِ مِنْ أَرْضٍ أَوْ حَصِيرٍ أَوْ نَحْوِهِمَا (رُكْنٌ مَعَ الْقُدْرَةِ) عَلَيْهِ
لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ وَلَا يَكُفَّ شَعَرًا وَلَا ثَوْبًا: الْجَبْهَةِ، وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَالرِّجْلَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِلْأَثْرَمِ وَسَعِيدٍ فِي سُنَنِهِمَا عَنْ عِكْرِمَةَ مَرْفُوعًا «لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يُصِيبُ الْأَنْفَ مِنْهَا مَا يُصِيبُ الْجَبْهَةَ» وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَضَعْ أَنْفَهُ عَلَى الْأَرْضِ» وَ (لَا) تَجِبُ (مُبَاشَرَتُهَا) أَيْ الْمُصَلَّى (بِشَيْءٍ مِنْهَا) أَيْ أَعْضَاءِ السُّجُودِ،
وَأَجْمَعُوا عَلَيْهِ فِي الْقَدَمَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَيَشْهَدُ لَهُ فِي الْجَبْهَةِ حَدِيثُ أَنَسٍ «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ جَبْهَتَهُ مِنْ الْأَرْضِ بَسَطَ ثَوْبَهُ، فَسَجَدَ عَلَيْهِ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ كَانَ يَسْجُدُ عَلَى كَوْرِ عِمَامَتِهِ»
стр. 185
(وَكُرِهَ تَرْكُهَا) أَيْ مُبَاشَرَةِ الْمُصَلَّى بِالْيَدَيْنِ وَالْأَنْفِ وَالْجَبْهَةِ (بِلَا عُذْرٍ) مِنْ نَحْوِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ مَرَضٍ، خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ، وَأَخْذًا بِالْعَزِيمَةِ (وَيُجْزِئُ بَعْضُ كُلِّ عُضْوٍ) فِي السُّجُودِ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُقَيِّدْ فِي الْحَدِيث،
وَإِنْ سَجَدَ عَلَى ظَهْرِ كَفَّيْهِ أَوْ أَطْرَافِ أَصَابِعِ يَدَيْهِ فَظَاهِرُ الْخَبَرِ: يُجْزِئُهُ ; لِأَنَّهُ قَدْ سَجَدَ عَلَى يَدَيْهِ. وَكَذَا لَوْ سَجَدَ عَلَى ظُهُورِ قَدَمَيْهِ (وَمَنْ عَجَزَ) عَنْ سُجُودٍ (بِالْجَبْهَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ) سُجُودٌ (بِغَيْرِهَا) مِنْ أَعْضَاءِ السُّجُودِ، لِأَنَّهَا الْأَصْلُ فِيهِ، وَغَيْرُهَا تَبَعٌ لَهَا لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «إنَّ الْيَدَيْنِ يَسْجُدَانِ كَمَا يَسْجُدُ الْوَجْهُ، فَإِذَا وَضَعَ أَحَدُكُمْ وَجْهَهُ فَلْيَضَعْ يَدَيْهِ وَإِذَا رَفَعَهُ فَلْيَرْفَعْهُمَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ وَضْعَهُمَا بَعْدَ الْوَجْهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
بَلْ إنَّهُمَا تَابِعَانِ لَهُ فِي السُّجُودِ، وَغَيْرُهُمَا أَوْلَى أَوْ مِثْلُهُمَا فِي ذَلِكَ، لِعَدَمِ الْفَارِقِ (وَيُومِئ) عَاجِزٌ عَنْ السُّجُودِ عَلَى جَبْهَتِهِ غَايَةَ (مَا يُمْكِنُهُ) وُجُوبًا بِالْحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وَلَا يُجْزِئُ وَضْعُ بَعْضِ أَعْضَاءِ السُّجُودِ فَوْقَ بَعْضٍ، كَوَضْعِ رُكْبَتَيْهِ أَوْ جَبْهَتِهِ عَلَى يَدَيْهِ. (وَسُنَّ أَنْ يُجَافِيَ) رَجُلٌ فِي سُجُودِهِ (عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ) وَأَنْ يُجَافِيَ (بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ وَهُمَا) أَيْ وَأَنْ يُجَافِيَ فَخِذَيْهِ (عَنْ سَاقَيْهِ) لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا سَجَدَ تَجَنَّحَ فِي سُجُودِهِ، حَتَّى يُرَى وَضَحُ إبْطَيْهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (مَا لَمْ يُؤْذِ جَارَهُ) بِهِ فَيَجِبُ تَرْكُهُ، لِحُصُولِ الْإِيذَاءِ الْمُحَرَّمِ بِهِ.
(وَ) سُنَّ لَهُ أَنْ (يَضَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ مَضْمُومَتَيْ الْأَصَابِعِ) لِحَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ مَرْفُوعًا «كَانَ إذَا سَجَدَ مَكَّنَ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ مِنْ الْأَرْضِ، وَنَحَّى يَدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَوَضَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
وَفِي حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٌ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا سَجَدَ ضَمَّ أَصَابِعَهُ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ (وَلَهُ) أَيْ الْمُصَلِّي (أَنْ يَعْتَمِدَ بِمَرْفِقَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، إنْ طَالَ) سُجُودُهُ لِيَسْتَرِيحَ. لِقَوْلِهِ ﷺ وَقَدْ شَكَوْا إلَيْهِ مَشَقَّةَ السُّجُودِ عَلَيْهِمْ «اسْتَعِينُوا بِالرُّكَبِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. .
(وَ) سُنَّ لَهُ أَنْ (يُفَرِّقَ رُكْبَتَيْهِ) لِمَا فِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ «وَإِذَا سَجَدَ فَرَّجَ بَيْنَ فَخِذَيْهِ، غَيْرَ حَامِلٍ بَطْنَهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَخِذَيْهِ» .
(وَ) سُنَّ لَهُ أَنْ يُفَرِّقَ (أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ وَيُوَجِّهَهَا إلَى الْقِبْلَةِ) لِمَا فِي الْبُخَارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «سَجَدَ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا قَابِضِهِمَا، وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ» وَفِيَ رِوَايَةِ «وَفَتَحَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ» (وَيَقُولُ) فِي سُجُودٍ (تَسْبِيحَهُ) أَيْ سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى وَتَقَدَّمَ مَا
стр. 186
يُجْزِئُ مِنْهُ.
وَأَدْنَى الْكَمَالِ مِنْهُ وَأَعْلَاهُ، وَإِنْ عَلَا مَوْضِعُ رَأْسِهِ فَلَمْ تَسْتَعْمِلْ أَسَافِلَهُ بِلَا حَاجَةٍ جَازَ، ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ. وَإِنْ خَرَجَ عَنْ صِفَةِ السُّجُودِ لَمْ يُجْزِئْهُ، قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ، وَإِنْ سَقَطَ بِجَنْبِهِ ثُمَّ انْقَلَبَ سَاجِدًا وَنَوَاهُ أَجْزَأَهُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ
(ثُمَّ يَرْفَعُ) مِنْ سُجُودِهِ مُكَبِّرًا لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَفِيهِ «ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ «وَيَجْلِسُ مُفْتَرِشًا عَلَى يُسْرَاهُ» بِأَنْ يَبْسُطَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَجْلِسَ عَلَيْهَا (وَيَنْصِبَ يُمْنَاهُ) أَيْ يُمْنَى رِجْلَيْهِ، وَيُخْرِجَهَا مِنْ تَحْتَهُ (وَيَثْنِيَ أَصَابِعَهَا نَحْوَ الْقِبْلَةِ) فَيَجْعَلُ بُطُونَ أَصَابِعِهَا عَلَى الْأَرْضِ مُعْتَمِدًا عَلَيْهَا. لِقَوْلِ أَبِي حُمَيْدٍ " ثُمَّ ثَنَى رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَقَعَدَ عَلَيْهَا، ثُمَّ اعْتَدَلَ حَتَّى رَجَعَ كُلُّ عَظْمٍ فِي مَوْضِعِهِ ".
قَالَ الْأَثْرَمُ: تَفَقَّدْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فَوَجَدْتُهُ يَفْتَحُ أَصَابِعَ رِجْلِهِ الْيُمْنَى، وَيَسْتَقْبِلُ بِهَا الْقِبْلَةَ (وَيَبْسُطُ يَدَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ مَضْمُومَتَيْ الْأَصَابِعِ) كَجُلُوسِ التَّشَهُّدِ وَلِنَقْلِ الْخَلَفِ عَنْ السَّلَفِ (ثُمَّ يَقُولُ: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتَقَدَّمَ) عِنْدَ ذِكْرِ تَسْبِيحِ الرُّكُوعِ وَإِنْ قَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لَنَا، أَوْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي فَلَا بَأْسَ،
قَالَهُ فِي الشَّرْحِ (ثُمَّ يَسْجُدُ) سَجْدَةً أُخْرَى (كَالْأُولَى) فِي الْهَيْئَةِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّسْبِيحِ، لِفِعْلِهِ ﷺ (ثُمَّ يَرْفَعُ) مِنْ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ (مُكَبِّرًا قَائِمًا) فَلَا يَجْلِسُ لِلِاسْتِرَاحَةِ (عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ) أَطْلَقَ صُدُورَ عَلَى صَدْرَيْنِ، وَلَمْ يُعَبِّرْ بِهِ، لِاسْتِثْقَالِ الْجَمْعِ بَيْنَ تَثْنِيَتَيْنِ فِيمَا هُوَ كَالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ (مُعْتَمِدًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ) لَا عَلَى يَدَيْهِ لِحَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٌ قَالَ «رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ إذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ وَإِذَا نَهَضَ رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالْأَثْرَمُ.
وَفِي لَفْظٍ (إذَا نَهَضَ نَهَضَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَاعْتَمَدَ عَلَى فَخِذَيْهِ) وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَعْتَمِدَ الرَّجُلُ عَلَى يَدَيْهِ إذَا نَهَضَ فِي الصَّلَاةِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (فَإِنْ شَقَّ) عَلَيْهِ اعْتِمَادُهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ (فَ) إنَّهُ يَعْتَمِدُ (بِالْأَرْضِ) لِقَوْلِ عَلِيٍّ إنَّ مِنْ السُّنَّةِ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، إذَا نَهَضَ الرَّجُلُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ: أَنْ لَا يَعْتَمِدَ بِيَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ " رَوَاهُ الْأَثْرَمُ،
وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ حَدِيثُ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ فِي صِفَةِ صَلَاتِهِ ﷺ «لَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ اسْتَوَى قَاعِدًا، ثُمَّ اعْتَمَدَ عَلَى الْأَرْضِ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (ثُمَّ يَأْتِي ب) رَكْعَةٍ (مِثْلِهَا) أَيْ الْأُولَى لِأَنَّهُ ﷺ وَصَفَ الرَّكْعَةَ الْأُولَى لِلْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ، ثُمَّ قَالَ «افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا»
стр. 187
(إلَّا فِي تَجْدِيدِ نِيَّةٍ فَيَكْفِي) اسْتِصْحَابُ حُكْمِهَا،
قَالَ جَمْعٌ: وَلَا حَاجَةَ لِاسْتِثْنَائِهِ. لِأَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ لَا رُكْنٌ.
(وَ) إلَّا فِي (تَحْرِيمِهِ) فَلَا تُعَادُ.
(وَ) إلَّا فِي (اسْتِفْتَاحٍ) فَلَا يُشْرَعُ فِي غَيْرِ الْأُولَى مُطْلَقًا.
(وَ) إلَّا فِي (تَعَوُّذٍ) فَلَا يُعَادُ (إنْ تَعَوَّذَ فِي) الرَّكْعَةِ (الْأُولَى) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا " كَانَ «إذَا نَهَضَ مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ اسْتَفْتَحَ الْقِرَاءَةَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَلَمْ يَسْكُتْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَسْتَعِيذُ، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ كُلَّهَا جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ. فَالْقِرَاءَةُ فِيهَا كُلِّهَا كَالْقِرَاءَةِ الْوَاحِدَةِ ; وَأَمَّا الْبَسْمَلَةُ فَفِي كُلِّ رَكْعَةٍ، لِأَنَّهُ يَسْتَفْتِحُ بِهَا السُّورَةَ، فَأَشْبَهَ أَوَّلَ رَكْعَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَتَعَوَّذْ فِي الْأُولَى وَلَوْ عَمْدًا أَتَى بِهِ فِيمَا بَعْدَهَا.
(ثُمَّ يَجْلِسُ) بَعْدَ فَرَاغٍ مِنْ ثَانِيَة (مُفْتَرِشًا) كَجُلُوسٍ بَيْنَ سَجْدَتَيْنِ (وَيَضَعُ يَدَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ) وَلَا يُلْقِمُهُمَا رُكْبَتَيْهِ (يَقْبِضُ مِنْ) أَصَابِعِ (يُمْنَاهُ: الْخِنْصَرِ وَالْبِنْصِرِ، وَيُحَلِّقُ الْإِبْهَامَ مَعَ الْوُسْطَى وَيَبْسُطُ أَصَابِعَ يُسْرَاهُ مَضْمُومَةً إلَى الْقِبْلَةِ) لِيَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ كَانَ إذَا صَلَّى اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ بِكُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى بِنَعْلَيْهِ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ.
وَفِي حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٌ فِي صِفَةِ صَلَاتِهِ ﷺ «أَنَّهُ وَضَعَ مِرْفَقَهُ الْأَيْمَنَ عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ عَقَدَ مِنْ أَصَابِعِهِ الْخِنْصَرَ وَاَلَّتِي تَلِيهَا، وَحَلَّقَ حَلْقَةً بِأُصْبُعِهِ الْوُسْطَى عَلَى الْإِبْهَامِ، وَرَفَعَ السَّبَّابَةَ يُشِيرُ بِهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.
وَصِفَةُ التَّحْلِيقِ: أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ رَأْسِ الْإِبْهَامِ وَالْوُسْطَى فَيُشْبِهُ الْحَلْقَةَ مِنْ حَدِيدٍ وَنَحْوِهِ (ثُمَّ يَتَشَهَّدُ) وُجُوبًا (سِرًّا) اسْتِحْبَابًا لِخَبَرِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَيُخَفِّفُهُ، وَلَا يُسْتَحَبُّ بَدْؤُهُ بِالْبَسْمَلَةِ، وَلَا يُكْرَهُ بَلْ تَرْكُهَا أَوْلَى (فَيَقُولُ: التَّحِيَّاتُ) جَمْعُ تَحِيَّةٍ، أَيْ الْعَظَمَةُ، رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَوْ الْمُلْكُ وَالْبَقَاءُ.
وَعَنْ ابْنِ الْأَنْبَارِيِّ: السَّلَامُ. وَجُمِعَ لِأَنَّ مُلُوكَ الْأَرْضِ يُحَيَّوْنَ بِتَحِيَّاتٍ مُخْتَلِفَةٍ (لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ) قِيلَ: الْخَمْسُ، وَقِيلَ: الْمَعْلُومَةُ فِي الشَّرْعِ، وَقِيلَ الرَّحْمَةُ. وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الْعِبَادَاتُ كُلُّهَا. وَقِيلَ: الْأَدْعِيَةُ، أَيْ هُوَ الْمَعْبُودُ بِهَا (وَالطَّيِّبَاتُ) أَيْ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ، رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَوْ الْكَلَامُ.
قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ (السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ) بِالْهَمْزِ، مِنْ النَّبَأِ، وَهُوَ الْخَبَرُ ; لِأَنَّهُ يُنَبِّئُ النَّاسَ، وَيُنَبَّأُ هُوَ بِالْوَحْيِ، وَبِتَرْكِ الْهَمْزِ تَسْهِيلًا أَوْ مِنْ النُّبُوَّةِ وَهُوَ الرِّفْعَةُ لِرِفْعَةِ مَنْزِلَتِهِ عَلَى الْخَلْقِ (وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ) جَمْعُ بَرَكَةٍ وَهِيَ النَّمَاءُ وَالزِّيَادَةُ.
(السَّلَامُ عَلَيْنَا) أَيْ الْحَاضِرِينَ مِنْ إمَامٍ وَمَأْمُومٍ وَمَلَائِكَةٍ (وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ
стр. 188
الصَّالِحِينَ) الصَّالِحُ: الْقَائِمُ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ عِبَادِهِ، أَوْ الْإِكْثَارُ مِنْ الْعَمَلِ الصَّالِحِ بِحَيْثُ لَا يُعْرَفُ مِنْهُ غَيْرُهُ، وَيَدْخُلُ فِيهِ النِّسَاءُ، وَمَنْ لَمْ يُشَارِكْهُ فِي صَلَاتِهِ، لِقَوْلِهِ: ﷺ «فَإِنَّكُمْ إذَا قُلْتُمُوهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ لِلَّهِ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» .
قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الدَّقَّاقُ: لَيْسَ شَيْءٌ أَشْرَفَ، وَلَا اسْمٌ أَتَمَّ لِلْمُؤْمِنِ مِنْ الْوَصْفِ بِالْعُبُودِيَّةِ (أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ) أَيْ: أُخْبِرُ بِأَنِّي قَاطِعٌ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، وَمِنْ خَوَاصِّ الْهَيْلَلَةِ: أَنَّ حُرُوفَهَا كُلَّهَا جَوْفِيَّةٌ، لَيْسَ فِيهَا حَرْفٌ شَفَوِيٌّ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْإِخْلَاصُ فَيَأْتِي بِهَا مِنْ خَالِصِ جَوْفِهِ وَهُوَ الْقَلْبُ لَا مِنْ الشَّفَتَيْنِ،
وَكُلُّ حُرُوفِهَا مُهْمَلَةٌ، دَالَّةٌ عَلَى التَّجَرُّدِ مِنْ كُلِّ مَعْبُودٍ سِوَى اللَّهِ تَعَالَى (وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ «كُنَّا إذَا جَلَسْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ، السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ. فَسَمِعَنَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ. فَإِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ» . إلَى آخِرِهِ، قَالَ ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ مِنْ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إلَيْهِ، فَيَدْعُوَ بِهِ ".
وَفِي لَفْظٍ «عَلَّمَنِي النَّبِيُّ ﷺ التَّشَهُّدَ، كَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ، كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ أَصَحُّ حَدِيثٍ فِي التَّشَهُّدِ.
وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَر أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ: وَلَيْسَ فِي الْمُتَّفَق عَلَيْهِ حَدِيثٌ غَيْرُهُ، وَرَوَاهُ أَيْضًا ابْنُ عُمَرَ وَجَابِرٌ. وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةُ ﵃ أَجْمَعِينَ. وَيَتَرَجَّحُ بِأَنَّهُ اخْتَصَّ بِأَنَّهُ ﷺ «أَمَرَهُ بِأَنْ يُعَلِّمَهُ النَّاسَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ (وَيُشِيرُ بِسَبَّابَةِ) يَدِهِ (الْيُمْنَى) بِأَنْ يَرْفَعَهَا (مِنْ غَيْرِ تَحْرِيكٍ) لَهَا.
سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُشِيرُ بِهَا لِلسَّبِّ. وَسَبَّابَةٌ لِأَنَّهُ يُشِيرُ بِهَا لِلتَّوْحِيدِ (فِي تَشَهُّدِهِ وَدُعَائِهِ مُطْلَقًا) ، أَيْ: فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا (عِنْدَ ذِكْرِ) لَفْظِ (اللَّهِ تَعَالَى) لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ مَرْفُوعًا «كَانَ يُشِيرُ بِأُصْبُعِهِ وَلَا يُحَرِّكُهَا إذَا دَعَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ.
وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: «مَرَّ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا أَدْعُو بِأُصْبُعِي. فَقَالَ: أَحَدٌ أَحَدٌ وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: لَا يُشِيرُ بِسَبَّابَةِ الْيُسْرَى وَلَا غَيْرِهَا. وَلَوْ عُدِمَتْ سِبَابَةُ الْيُمْنَى (ثُمَّ يَنْهَضُ) قَائِمًا (فِي) صَلَاةِ (مَغْرِبٍ وَرُبَاعِيَّةٍ) كَظُهْرٍ (مُكَبِّرًا) لِأَنَّهُ انْتِقَالٌ إلَى قِيَامٍ. فَأَشْبَهَ الْقِيَامَ مِنْ سُجُودِ الْأُولَى (وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الرِّوَايَاتِ. وَلَكِنَّهُ صَحَّ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ.
فَلِهَذَا اخْتَارَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ.
стр. 189
وَقَالَ فِي الْمُبْدِعِ: إنَّهُ الْأَظْهَرُ (وَيُصَلِّي الْبَاقِي) مِنْ صَلَاتِهِ وَهُوَ رَكْعَةٌ مِنْ مَغْرِبٍ وَرَكْعَتَانِ مِنْ رُبَاعِيَّةٍ (كَذَلِكَ) أَيْ: كَالرَّكْعَةِ الثَّانِيَة (إلَّا أَنَّهُ يُسِرُّ) الْقِرَاءَةَ إجْمَاعًا (وَلَا يَزِيدُ عَلَى الْفَاتِحَةِ) لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ وَتَقَدَّمَ، وَعَنْ عَلِيٍّ " أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِذَلِكَ " وَكَتَبَ عُمَرُ إلَى شُرَيْحٍ يَأْمُرُهُ بِهِ.
وَرَوَى الشَّالَنْجِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ: قَالَ: " لَا أَعْلَمُهُمْ يَخْتَلِفُونَ أَنَّهُ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَتَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ. وَفِي الْأَخِيرَتَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ " وَلَا تُكْرَهُ الزِّيَادَةُ (ثُمَّ يَجْلِسُ) لِلتَّشَهُّدِ الثَّانِي (مُتَوَرِّكًا) بِأَنْ (يَفْرِشَ) رِجْلَهُ (الْيُسْرَى وَيَنْصِبَ) رِجْلَهُ (الْيُمْنَى وَيُخْرِجَهُمَا) أَيْ: رِجْلَيْهِ مِنْ تَحْتَهُ (عَنْ يَمِينِهِ، وَيَجْعَلُ أَلْيَتَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ) لِقَوْلِ أَبِي حُمَيْدٍ فِي صِفَةِ صَلَاتِهِ ﷺ «: فَإِذَا كَانَ فِي الرَّابِعَةِ أَفْضَى بِوَرِكِهِ الْيُسْرَى إلَى الْأَرْضِ، وَأَخْرَجَ قَدَمَيْهِ مِنْ نَاحِيَةٍ وَاحِدَةٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَخُصَّ التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ بِالِافْتِرَاشِ وَالثَّانِي بِالتَّوَرُّكِ خَوْفَ السَّهْوِ. وَلِأَنَّ الْأَوَّلَ خَفِيفٌ، وَالْمُصَلِّي بَعْدَهُ يُبَادِرُ بِالْقِيَامِ، بِخِلَافِ الثَّانِي. فَلَيْسَ بَعْدَهُ عَمَلٌ. بَلْ يُسَنُّ مُكْثُهُ لِنَحْوِ تَسْبِيحٍ وَدُعَاءٍ (ثُمَّ يَتَشَهَّدُ) سِرًّا (التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ، ثُمَّ يَقُولُ سِرًّا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْت عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ) أَيْ: عَلَى إبْرَاهِيمَ وَآلِهِ (إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْت عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ. إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) .
لِحَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ قُلْنَا «: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَلِمْنَا، أَوْ عَرَفْنَا كَيْفَ السَّلَامُ، فَكَيْفَ الصَّلَاةُ؟ قَالَ: قُولُوا فَذَكَرَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (أَوْ) يَقُولُ (كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَآلِ إبْرَاهِيمَ، وَكَمَا بَارَكْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَآلِ إبْرَاهِيمَ) لِوُرُودِهِ أَيْضًا.
(وَ) الصِّفَةُ (الْأُولَى أَوْلَى) لِكَوْنِ حَدِيثِهَا مُتَّفَقًا عَلَيْهِ. وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِمْ: أَنَّهُ لَوْ قَدَّمَ الصَّلَاةَ عَلَى التَّشَهُّدِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا، لِفَوَاتِ التَّرْتِيبِ بَيْنَهُمَا.
وَالْجَوَابُ عَنْ تَشْبِيهِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ بِالصَّلَاةِ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَآلِهِ: أَنَّ التَّشْبِيهَ وَقَعَ بَيْنَ عَطِيَّةٍ تَحْصُلُ لَهُ ﷺ لَمْ تَكُنْ حَصَلَتْ لَهُ قَبْلَ الدُّعَاءِ ; لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِمَعْدُومٍ مُسْتَقْبَلٍ. فَهُمَا كَرَجُلَيْنِ أُعْطِيَ أَحَدُهُمَا أَلْفًا وَالْآخَر أَلْفَيْنِ، ثُمَّ طُلِبَ لِصَاحِبِ الْأَلْفَيْنِ مِثْلُ مَا أُعْطِيَ صَاحِبُ الْأَلْفِ فَيَحْصُلُ لَهُ ثَلَاثَةُ آلَافٍ، فَلَا يُرَدُّ السُّؤَالُ مِنْ أَصْلِهِ. ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ. وَلَوْ أَبْدَلَ آلَ بِأَهْلٍ لَمْ يَجُزْ، لِمُخَالَفَةِ الْأَمْرِ، وَتَغَايُرِ الْمَعْنَى، إذْ الْأَهْلُ الْقَرَابَةُ.
وَالْآلُ الْأَتْبَاعُ فِي الدِّينِ (ثُمَّ يَقُولُ نَدْبًا: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا
стр. 190
وَالْمَمَاتِ) أَيْ: الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ (وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «إذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ. فَلْيَتَعَوَّذْ بِاَللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ.
وَالْمَسِيحُ: بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى الْمَعْرُوفِ (وَإِنْ دَعَا) فِي تَشَهُّدِهِ الْأَخِير (بِمَا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ) أَيْ: الْقُرْآنِ نَحْوَ ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] فَلَا بَأْسَ (أَوْ) دَعَا بِمَا وَرَدَ فِي (السُّنَّةِ) نَحْوَ «اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْت نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذَّنْبَ إلَّا أَنْتَ. فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِك، وَارْحَمْنِي إنَّك أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ الصِّدِّيقِ، قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ «عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ» .
قَالَ قُلْ - فَذَكَرَهُ " (أَوْ) دَعَا بِمَا (وَرَدَ عَنْ الصَّحَابَةِ) كَحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا وَذَهَبَ إلَيْهِ أَحْمَدُ قَالَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: " اللَّهُمَّ كَمَا صُنْت وَجْهِي عَنْ السُّجُودِ لِغَيْرِك، فَصُنْ وَجْهِي عَنْ الْمَسْأَلَةِ لِغَيْرِك " (أَوْ) دَعَا بِمَا وَرَدَ عَنْ (السَّلَفِ) الصَّالِحِ فَلَا بَاسَ (أَوْ) دَعَا (بِأَمْرِ الْآخِرَةِ) اللَّهُمَّ أَحْسِنْ خَاتِمَتِي (وَلَوْ لَمْ يُشْبِهْ مَا وَرَدَ) مِمَّا سَبَقَ فَلَا بَاسَ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا (ثُمَّ يَدْعُو لِنَفْسِهِ بِمَا بَدَا لَهُ) (أَوْ) دَعَا (لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ بِغَيْرِ كَافِ الْخِطَابِ) كَمَا كَانَ أَحْمَدُ يَدْعُو لِجَمَاعَةٍ فِي الصَّلَاةِ، مِنْهُمْ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ (وَتَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (بِهِ) أَيْ: بِالدُّعَاءِ بِكَافِ الْخِطَابِ، كَمَا لَوْ خَاطَبَ آدَمِيًّا بِغَيْرِ الدُّعَاءِ (فَلَا بَاسَ) لِعُمُومِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّابِقِ.
وَقَوْلُهُ ﷺ «: أَمَّا السُّجُودُ فَكَثِّرُوا فِيهِ الدُّعَاءَ» وَلَمْ يُعَيِّنْ لَهُمْ مَا يَدْعُونَ بِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَبَاحَ لَهُمْ جَمِيع الدُّعَاءِ، إلَّا مَا خَرَجَ مِنْهُ بِدَلِيلٍ. وَلِقَوْلِهِ ﷺ «: اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَمَسْلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ» وَلَا تَبْطُلُ أَيْضًا بِقَوْلِ: لَعَنَهُ اللَّهُ، عِنْدَ ذِكْرِ الشَّيْطَانِ، وَلَا بِتَعْوِيذِ نَفْسِهِ بِقُرْآنٍ لِحُمَّى، وَنَحْوِهَا.
وَلَا يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ لِلَدْغِ الْعَقْرَبِ وَنَحْوِهِ، أَوْ لَوْ جَمَعَ مَرِيضٌ عِنْدَ قِيَامٍ وَانْحِطَاطٍ، وَعُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ: أَوْ بِأَمْرِ الْآخِرَةِ: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الدُّعَاءُ بِمَا يَقْصِدُ مِنْهُ مَلَاذَ الدُّنْيَا وَشَهَوَاتِهَا، كَاللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي جَارِيَةً حَسْنَاءَ، أَوْ طَعَامًا طَيِّبًا، أَوْ بُسْتَانًا أَنِيقًا، فَتَبْطُلُ بِهِ. لِحَدِيثِ «إنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (مَا لَمْ يَشُقَّ) إمَامٌ بِالدُّعَاءِ (عَلَى مَأْمُومٍ ;، أَوْ يَخَفْ)
стр. 191
مُصَلٍّ بِدُعَائِهِ (سَهْوًا) بِإِطَالَتِهِ فَيَتْرُكُهُ.
(وَكَذَا) أَيْ: كَالدُّعَاءِ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِير الدُّعَاءُ فِي (رُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَنَحْوِهِمَا) كَقُنُوتٍ، وَاسْتُحِبَّ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ: إكْثَارُ الدُّعَاءِ فِي السُّجُودِ، لِلْخَبَرِ (ثُمَّ يَقُولُ) وُجُوبًا: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ (عَنْ يَمِينِهِ) اسْتِحْبَابًا (ثُمَّ) يَقُولُ (عَنْ يَسَارِهِ) كَذَلِكَ: (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ) لِحَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ «: كُنْت أَرَى النَّبِيَّ ﷺ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (مُرَتَّبًا، مُعَرَّفًا) بِأَلْ (وُجُوبًا) فَلَا يُجْزِئُ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، وَلَا سَلَامِي عَلَيْكُمْ، وَلَا سَلَامُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْكُمْ السَّلَامُ، وَلَا السَّلَامُ عَلَيْهِمْ. لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ قَدْ صَحَّتْ بِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقُولُ: " السَّلَامُ عَلَيْكُمْ " وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ خِلَافُهُ. وَقَالَ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» فَإِنْ تَعَمَّدَ قَوْلًا مِمَّا ذُكِرَ. بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، لِأَنَّهُ يُغَيِّرُ الْوَارِدَ، وَيُخِلُّ بِحَرْفٍ يَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاقَ.
(وَسُنَّ الْتِفَاتُهُ عَنْ يَسَارِهِ أَكْثَرَ) مِنْ الْتِفَاتِهِ عَنْ يَمِينِهِ، لِحَدِيثِ عَمَّارٍ مَرْفُوعًا «كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ، وَإِذَا سَلَّمَ عَنْ يَسَارِهِ يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ وَالْأَيْسَرِ» رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ بِإِسْنَادِهِ.
(وَ) سُنَّ أَيْضًا (حَذْفُ السَّلَامِ) لِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ " حَذْفُ السَّلَامِ سُنَّةٌ ".
وَرُوِيَ مَرْفُوعًا، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. (وَهُوَ) أَيْ: حَذْفُ السَّلَامِ (أَنْ لَا يُطَوِّلَهُ وَلَا يَمُدُّهُ فِي الصَّلَاةِ وَلَا عَلَى النَّاسِ) إذَا سَلَّمَ عَلَيْهِمْ، لِعُمُومِ مَا سَبَقَ.
(وَ) سُنَّ أَيْضًا (جَزْمُهُ) أَيْ: السَّلَامِ لِقَوْلِ النَّخَعِيّ: " السَّلَامُ جَزْمٌ، وَالتَّكْبِيرُ جَزْمٌ " (بِأَنْ يَقِفَ عَلَى آخِرِ كُلِّ تَسْلِيمَةٍ) إذْ الْجَزْمُ لُغَةً الْقَطْعُ، أَيْ: قَطْعُ إعْرَابِهِ بِتَسْكِينِ آخِرِهِ.
(وَ) سُنَّ أَيْضًا (نِيَّتُهُ) أَيْ: الْمُصَلِّي (بِهِ) أَيْ: السَّلَامِ (الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ) لِتَكُونَ النِّيَّةُ شَامِلَةً لِطَرَفَيْ الصَّلَاةِ، وَلَا يَجِبُ، لِأَنَّ النِّيَّةَ شَمِلَتْ جَمِيعَ الصَّلَاةِ، وَإِنْ نَوَى بِهِ الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ مَعَ السَّلَامِ عَلَى الْحَفَظَةِ وَالْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ جَازَ، وَلَا يُسْتَحَبُّ نَصًّا.
وَكَذَا لَوْ نَوَى ذَلِكَ دُونَ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ (وَلَا يُجْزِئُ إنْ لَمْ يَقُلْ: وَرَحْمَةُ اللَّهِ) فِي غَيْرِ جِنَازَةٍ، لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقُولُهُ، أَيْ: فِي التَّشَهُّدِ، وَهُوَ سَلَامٌ فِي صَلَاةٍ، وَرَدَ مَقْرُونًا بِالرَّحْمَةِ فَلَمْ يَجُزْ بِدُونِهَا كَالسَّلَامِ (وَالْأَوْلَى: أَنْ لَا يَزِيدَ وَبَرَكَاتُهُ) لِعَدَمِ وُرُودِهِ فِي أَكْثَرِ الْأَخْبَارِ، لَكِنَّهُ لَا يَضُرُّ، لِفِعْلِهِ ﷺ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ وَائِلٍ (وَأُنْثَى كَرَجُلٍ، حَتَّى فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ) لِشُمُولِ الْخِطَابِ لَهَا فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 192
«: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَلِأَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ كَانَتْ تَرْفَعُ يَدَيْهَا.
رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ (لَكِنْ تَجْمَعُ نَفْسَهَا فِي نَحْوِ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ ; فَلَا يُسَنُّ لَهَا التَّجَافِي) لِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ حَبِيبٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ عَلَى امْرَأَتَيْنِ تُصَلِّيَانِ، فَقَالَ: إذَا سَجَدْتُمَا فَضُمَّا بَعْضَ اللَّحْمِ إلَى بَعْضٍ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ لَيْسَتْ فِي ذَلِكَ كَالرَّجُلِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مَرَاسِيلِهِ، وَلِأَنَّهَا عَوْرَةٌ، فَالْأَلْيَقُ بِهَا الِانْضِمَامُ (وَتَجْلِسُ) امْرَأَةٌ (مُسْدِلَةٌ رِجْلَيْهَا عَنْ يَمِينِهَا وَهُوَ أَفْضَلُ) مِنْ تَرَبُّعِهَا، لِأَنَّهُ غَالِبُ جُلُوسِ عَائِشَةَ ﵂ وَأَشْبَهُ بِجِلْسَةِ الرَّجُلِ، وَأَبْلَغُ فِي الْإِكْمَالِ وَالضَّمِّ، وَأَسْهَلُ عَلَيْهَا (أَوْ) تَجْلِسُ (مُتَرَبِّعَةً) لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَأْمُرُ النِّسَاءَ أَنْ يَتَرَبَّعْنَ فِي الصَّلَاةِ (وَتُسِرُّ) وُجُوبًا (بِالْقِرَاءَةِ إنْ سَمِعَهَا أَجْنَبِيٌّ) خَشْيَةَ الْفِتْنَةِ بِهَا (وَالْخُنْثَى كَأُنْثَى) فِيمَا تَقَدَّمَ احْتِيَاطًا.
[فَصَلِّ مَا يُسَنُّ عَقِبَ كُلِّ صَلَاةٍ]
فَصْلٌ ثُمَّ يُسَنُّ عَقِبَ مَكْتُوبَةٍ (أَنْ يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ ثَلَاثًا، وَيَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْك السَّلَامُ تَبَارَكْت يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) لِلْخَبَرِ، قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ: وَيَقْرَأُ آيَةَ الْكُرْسِيِّ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ، زَادَ بَعْضُهُمْ وَ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْأَكْثَرُ، وَمِمَّا وَرَدَ أَيْضًا " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْت، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْت، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ " (وَ) يَقُولُ (ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ) لِلْخَبَرِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ أَنَّهُ حَيْثُ ذُكِرَ الْعَدَدُ فِي ذَلِكَ فَإِنَّمَا قُصِدَ أَنْ لَا يُنْقَصَ مِنْهُ، أَمَّا الزِّيَادَةُ فَلَا تَضُرُّ لَا سِيَّمَا مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ ; لِأَنَّ الذِّكْرَ مَشْرُوعٌ فِي الْجُمْلَةِ فَهُوَ يُشْبِهُ الْمُقَدَّرَ فِي الزَّكَاةِ إذَا زَادَ عَلَيْهِ (وَيَفْرُغُ مِنْ عَدَدِ الْكُلِّ) أَيْ: قَوْلِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ (مَعًا) قَالَهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد، لِلنَّصِّ وَاخْتَارَ الْقَاضِي: الْإِفْرَادَ،
وَيُسْتَحَبُّ الْجَهْرُ بِذَلِكَ. وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ أَهْلِ الْمَذَاهِبِ الْمَتْبُوعَةِ خِلَافَهُ، وَكَلَامُ أَصْحَابِنَا مُخْتَلِفٌ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، قَالَ: وَيَتَوَجَّهُ يَجْهَرُ بِقَصْدِ التَّعْلِيمِ فَقَطْ ثُمَّ يَتْرُكُهُ (وَيَعْقِدُهُ) أَيْ: يَعْقِدُ التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ وَالتَّكْبِيرَ بِعُقَدِ أَصَابِعِهِ اسْتِحْبَابًا.
(وَ) يَعْقِدُ (الِاسْتِغْفَارَ بِيَدِهِ) لِحَدِيثِ بُسْرَةَ قَالَتْ: «قَالَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ : عَلَيْكُنَّ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّقْدِيسِ، وَلَا تَغْفُلْنَ فَتَنْسَيْنَ الْهِمَّةَ، وَاعْقِدْنَ بِالْأَنَامِلِ فَإِنَّهُنَّ مَسْئُولَاتٌ مُسْتَنْطَقَاتٌ»
стр. 193
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ.
وَمِمَّا وَرَدَ أَيْضًا " اللَّهُمَّ أَجِرْنِي مِنْ النَّارِ سَبْعَ مَرَّاتٍ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَالصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ " وَمِنْهُ أَيْضًا بَعْدَ كُلٍّ مِنْهُمَا عَشْرًا " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ " (وَيَدْعُو الْإِمَامُ) اسْتِحْبَابًا (بَعْدَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ) : لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ [الشرح: ٧] خُصُوصًا بَعْدَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ لِحُضُورِ الْمَلَائِكَةِ فِيهِمَا فَيُؤَمِّنُونَ.
وَمِنْ آدَابِ الدُّعَاءِ: بَسْطُ يَدَيْهِ وَرَفْعُهُمَا إلَى صَدْرِهِ، وَكَشْفُهُمَا أَوْلَى هُنَا، وَعِنْدَ إحْرَامٍ، وَالْبُدَاءَة بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَخَتْمُهُ بِهِ وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ قَالَ الْآجُرِّيُّ: وَوَسَطُهُ: لِخَبَرِ جَابِرٍ. وَسُؤَالِهِ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ بِدُعَاءٍ جَامِعٍ مَأْثُورٍ، بِتَأَدُّبٍ، وَخُشُوعٍ، وَخُضُوعٍ وَعَزْمٍ وَرَغْبَةٍ وَخُضُوعِ قَلْبٍ وَرَجَاءٍ. وَيَكُونُ مُتَطَهِّرًا مُسْتَقْبِلًا الْقِبْلَةَ، وَيُلِحُّ بِهِ وَيُكَرِّرُهُ ثَلَاثًا وَيَبْدَأُ بِنَفْسِهِ،
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيُعِمُّ، وَيُؤَمِّنُ مُسْتَمِعٌ فَيَصِيرُ كَدَاعٍ، وَيُؤَمِّنُ دَاعٍ فِي أَثْنَاءِ دُعَائِهِ وَيَخْتِمُهُ بِهِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ: لَا يُكْرَهُ رَفْعُ بَصَرِهِ إلَى السَّمَاءِ فِيهِ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَادِ مَرْفُوعًا «رَفْعُ بَصَرِهِ إلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَطْعِمْ مَنْ أَطْعَمَنِي وَاسْقِ مَنْ سَقَانِي» (وَلَا يُكْرَهُ) لِلْإِمَامِ (أَنْ يَخُصَّ نَفْسَهُ) بِالدُّعَاءِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَالْمُرَادُ الَّذِي لَا يُؤَمِّنُ عَلَيْهِ كَالْمُنْفَرِدِ وَبَعْدَ التَّشَهُّدِ، بِخِلَافِ الْإِمَامِ مَعَ الْمَأْمُومِينَ فَيَعُمُّ، وَإِلَّا فَقَدْ خَانَهُمْ.
وَفِي حَدِيثِ ثَوْبَانَ «ثَلَاثَةٌ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَفْعَلَهُنَّ، لَا يَؤُمُّ الرَّجُلُ قَوْمًا فَيَخُصُّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ دُونَهُمْ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ خَانَهُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ (وَشُرِطَ) لِلدُّعَاءِ (الْإِخْلَاصُ) لِأَنَّ الدُّعَاءَ عِبَادَةٌ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] .
قَالَ الْآجُرِّيُّ (وَاجْتِنَابُ الْحَرَامِ) وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ مِنْ الْأَدَبِ، وَقَالَ شَيْخُنَا: تَبْعُدُ إجَابَتُهُ إلَّا مُضْطَرًّا، أَوْ مَظْلُومًا قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ.
[فَصْلٌ مَا يُكْرَهُ فِي الصَّلَاةِ]
فَصْلٌ يُكْرَهُ فِيهَا أَيْ: الصَّلَاةِ (الْتِفَاتٌ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: «سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الِالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (بِلَا
стр. 194
حَاجَةٍ كَخَوْفٍ وَنَحْوِهِ) كَمَرَضٍ لِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ قَالَ: «ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي وَهُوَ يَلْتَفِتُ إلَى الشِّعْبِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد قَالَ: " وَكَانَ أَرْسَلَ فَارِسًا إلَى الشِّعْبِ يَحْرُسُ " وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ «: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَلْتَفِتُ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَا يَلْوِي عُنُقَهُ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. فَإِنْ كَانَ بِوَجْهِهِ فَقَطْ. أَوْ بِهِ صَدْرُهُ لَمْ تَبْطُلْ (وَإِنْ اسْتَدَارَ بِجِلْسَتِهِ، أَوْ اسْتَدْبَرَهَا لَا فِي الْكَعْبَةِ) أَيْ: الْقِبْلَةِ مُصَلٍّ (أَوْ فِي شِدَّةِ خَوْفٍ، أَوْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ) حَيْثُ كَانَ فَرْضُهُ الِاجْتِهَادَ (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ، لِتَرْكِهِ الِاسْتِقْبَالَ، وَأَمَّا فِي الصُّوَرِ الْمُسْتَثْنَاةِ فَلَا ; لِأَنَّهُ فِي الْكَعْبَةِ إذَا اسْتَدْبَرَ مِنْهَا شَيْئًا كَانَ مُسْتَقْبِلًا مَا قَابَلَهُ، وَفِي شِدَّةِ الْخَوْفِ يَسْقُطُ الِاسْتِقْبَالُ. وَفِي صُورَةِ الِاجْتِهَادِ صَارَتْ قِبْلَتُهُ الَّتِي تَغَيَّرَ إلَيْهَا اجْتِهَادُهُ.
وَلِذَا وَجْهٌ فِي الْإِنْصَافِ: عَدَمُ اسْتِثْنَائِهَا ; لِأَنَّهُ إنَّمَا اسْتَدَارَ إلَى قِبْلَتِهِ (وَ) يُكْرَهُ فِي صَلَاةٍ (رَفْعُ بَصَرِهِ) إلَى السَّمَاءِ، لِحَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إلَى السَّمَاءِ فِي صَلَاتِهِمْ فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى قَالَ: لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ، أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
و (لَا) يُكْرَهُ رَفْعُ بَصَرِهِ (حَالَ التَّجَشِّي) فِي الصَّلَاةِ جَمَاعَةً، فَيَرْفَعُ وَجْهَهُ، لِئَلَّا يُؤْذِيَ مَنْ حَوْلَهُ بِالرَّائِحَةِ.
(وَ) يُكْرَهُ فِي صَلَاةٍ (تَغْمِيضُهُ) نَصَّ عَلَيْهِ وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ فِعْلُ الْيَهُودِ، وَمَظِنَّةُ النَّوْمِ، وَنَقَلَ: أَبُو دَاوُد إنْ نَظَرَ امْرَأَتَهُ عُرْيَانَةً غَمَّضَ وَمِنْ بَابِ أَوْلَى: إذَا رَأَى مَنْ يُحَرَّمُ نَظَرُهُ إلَيْهِ (و) يُكْرَهُ أَيْضًا فِيهَا (حَمْلُ مُشْغِلٍ عَنْهَا) ، لِأَنَّهُ يُذْهِبُ الْخُشُوعَ.
(وَ) يُكْرَهُ فِيهَا (افْتِرَاشُ ذِرَاعَيْهِ سَاجِدًا) لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «إذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَعْتَدِلْ، وَلَا يَفْتَرِشْ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ الْكَلْبِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ (وَ) يُكْرَهُ (إقْعَاؤُهُ) فِي جُلُوسِهِ (بِأَنْ يَفْتَرِشَ قَدَمَيْهِ وَيَجْلِسَ عَلَى عَقِبَيْهِ) كَذَا فَسَّرَهُ بِهِ أَحْمَدُ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ وَالْمُغْنِي وَالْمُقْنِعِ وَالْإِقْنَاعِ وَغَيْرِهَا (، أَوْ) أَنْ يَجْلِسَ (بَيْنَهُمَا) أَيْ: بَيْنَ عَقِبَيْهِ عَلَى أَلْيَتَيْهِ (نَاصِبًا قَدَمَيْهِ) وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَأَمَّا الْإِقْعَاءُ عِنْدَ الْعَرَبِ: فَهُوَ جُلُوسُ الرَّجُلِ عَلَى أَلْيَتَيْهِ، نَاصِبًا فَخِذَيْهِ، مِثْلُ إقْعَاءِ الْكَلْبِ،
قَالَ فِي شَرْحِهِ: وَكُلٌّ مِنْ الْجِلْسَتَيْنِ مَكْرُوهٌ، لِمَا رَوَى الْحَارِثُ الْأَعْوَرُ عَنْ عَلِيٍّ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تُقْعِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ» وَعَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «إذَا رَفَعْت رَأْسَكَ مِنْ السُّجُودِ فَلَا تُقْعِ كَمَا يُقْعِي الْكَلْبُ» رَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ.
(وَ) يُكْرَهُ فِيهَا
стр. 195
(عَبَثٌ) لِأَنَّهُ ﷺ «رَأَى رَجُلًا يَعْبَثُ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ» (وَ) يُكْرَهُ فِيهَا (تَخَصُّرٌ) أَيْ: وَضْعُ يَدِهِ عَلَى خَاصِرَتِهِ. لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ «نَهَى أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُتَخَصِّرًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَ) يُكْرَهُ فِيهَا (تَمَطٍّ) لِأَنَّهُ يُخْرِجُهُ عَنْ هَيْئَةِ الْخُشُوعِ (وَ) يُكْرَهُ فِيهَا (فَتْحُ فَمِهِ وَوَضْعِهِ فِيهِ شَيْئًا) لِأَنَّهُ يُذْهِبُ الْخُشُوعَ، وَيَمْنَعُ كَمَالَ الْحُرُوفِ.
و (لَا) يُكْرَهُ وَضْعُهُ شَيْئًا (فِي يَدِهِ) نَصًّا وَلَا فِي كُمِّهِ.
(وَ) يُكْرَهُ فِيهَا (اسْتِقْبَالُ صُورَةٍ) مَنْصُوبَةٍ، نَصَّ عَلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ. وَظَاهِرُهُ وَلَوْ صَغِيرَةً، لَا تَبْدُو لِنَاظِرٍ إلَيْهَا، وَأَنَّهُ لَا يُكْرَهُ إلَى غَيْرِ مَنْصُوبَةٍ، وَلَا سُجُودُهُ عَلَى صُورَةٍ، وَلَا صُورَةٌ خَلْفَهُ فِي الْبَيْتِ، وَلَا فَوْقَ رَأْسِهِ فِي سَقْفٍ، وَلَا عَنْ أَحَدِ جَانِبَيْهِ، ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ.
(وَ) يُكْرَهُ فِيهَا اسْتِقْبَالُ (وَجْهِ آدَمِيٍّ) نَصًّا.
وَإِلَى امْرَأَةٍ تُصَلِّي بَيْنَ يَدَيْهِ، لَا حَيَوَانٍ غَيْرِ آدَمِيٍّ، لِأَنَّهُ ﷺ «كَانَ يَعْرِضُ رَاحِلَتَهُ وَيُصَلِّي إلَيْهَا» .
(وَ) يُكْرَهُ أَيْضًا اسْتِقْبَالُ (مَا يَلِيهِ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ، فَنَظَرَ إلَى أَعْلَامِهَا نَظْرَةً، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إلَى أَبِي جَهْمٍ، وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ، فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلَاتِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالْخَمِيصَةُ: كِسَاءٌ مُرَبَّعٌ،
وَالْأَنْبِجَانِيَّة: كِسَاءٌ غَلِيظٌ (وَ) يُكْرَهُ فِيهَا اسْتِقْبَالُ (نَارٍ مُطْلَقًا) أَيْ: سَوَاءٌ كَانَتْ نَارَ حَطَبٍ، أَوْ سِرَاجٍ، أَوْ فِي قَنَادِيلَ، أَوْ شَمْعَةٍ. نَصًّا، لِأَنَّهُ تَشَبُّهٌ بِالْمَجُوسِ.
(وَ) يُكْرَهُ فِيهَا اسْتِقْبَالُ (مُتَحَدِّثٍ) «لِنَهْيِهِ ﷺ عَنْ الصَّلَاةِ إلَى النَّائِمِ وَالْمُتَحَدِّثِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلِأَنَّهُ يَشْغَلُهُ عَنْ حُضُورِ قَلْبِهِ فِيهَا.
(وَ) يُكْرَهُ فِيهَا اسْتِقْبَالُ (نَائِمٍ) لِلْخَبَرِ.
(وَ) يُكْرَهُ فِيهَا اسْتِقْبَالُ (كَافِرٍ) لِأَنَّهُ نَجَسٌ.
(وَ) يُكْرَهُ أَيْضًا (تَعْلِيقُ شَيْءٍ فِي قِبْلَتِهِ) لَا وَضْعِهِ بِالْأَرْضِ. قَالَ أَحْمَدُ: كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَجْعَلُوا فِي الْقِبْلَةِ شَيْئًا حَتَّى الْمُصْحَفَ، وَتُكْرَهُ أَيْضًا الْكِتَابَةُ فِي قِبْلَتِهِ، وَأَنْ يُصَلِّيَ وَبَيْن يَدَيْهِ نَجَاسَةٌ، أَوْ بَابٌ مَفْتُوحٌ.
قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: (وَ) يُكْرَهُ أَيْضًا لِمُصَلٍّ (حَمْلُ ثَوْبٍ، أَوْ فَصٍّ وَنَحْوِهِ فِيهِ صُورَةٌ) وَتَقَدَّمَ: يُكْرَهُ صَلِيبٌ فِي ثَوْبٍ وَنَحْوِهِ (وَ) يُكْرَهُ أَيْضًا (مَسُّ الْحَصَا وَتَقْلِيبُهُ) لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَلَا يَمْسَحُ الْحَصَا فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَتَسْوِيَةُ التُّرَابِ بِلَا عُذْرٍ) لِأَنَّهُ مِنْ الْعَبَثِ، فَإِنْ كَانَ لِحَاجَةٍ لَمْ يُكْرَهْ.
(وَ) يُكْرَهُ أَيْضًا (تَرَوُّحٌ بِمِرْوَحَةٍ وَنَحْوِهَا بِلَا حَاجَةٍ)
стр. 196
إلَيْهِ لِأَنَّهُ مِنْ الْعَبَثِ.
(وَ) يُكْرَهُ أَيْضًا (فَرْقَعَةُ أَصَابِعِهِ وَتَشْبِيكِهَا) لِقَوْلِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا «: لَا تُقَعْقِعْ أَصَابِعَك وَأَنْتَ فِي الصَّلَاةِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ،
وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «رَأَى رَجُلًا قَدْ شَبَّكَ أَصَابِعَهُ فِي الصَّلَاةِ، فَفَرَّجَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ أَصَابِعِهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ - فِي الَّذِي يُصَلِّي وَهُوَ مُشَبِّكٌ " تِلْكَ صَلَاةُ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
(وَ) يُكْرَهُ لَهُ أَيْضًا (مَسُّ لِحْيَتِهِ) لِأَنَّهُ مِنْ الْعَبَثِ (وَ) يُكْرَهُ لَهُ أَيْضًا (عَقْصُ شَعْرِهِ وَكَفُّ ثَوْبِهِ) وَتَشْمِيرُ كُمِّهِ، وَلَوْ لِعَمَلٍ قَبْلَ الصَّلَاةِ. لِحَدِيثِ «وَلَا أَكُفُّ ثَوْبًا وَلَا شَعَرًا.»
و" رَأَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ يُصَلِّي وَرَأْسُهُ مَعْقُوصٌ مِنْ وَرَائِهِ فَقَامَ، فَجَعَلَ يَحِلُّهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: مَالَكَ وَلِرَأْسِي؟ قَالَ سَمِعْت النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ «: إنَّمَا مَثَلُ هَذَا مَثَلُ الَّذِي يُصَلِّي وَهُوَ مَكْتُوفٌ» وَنَهَى أَحْمَدُ رَجُلًا كَانَ إذَا سَجَدَ جَمَعَ ثَوْبَهُ بِيَدِهِ الْيُسْرَى.
وَنَقَلَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يُشَمِّرَ ثِيَابَهُ، لِقَوْلِهِ:: " تَرِبَ تَرِبَ ".
(وَ) يُكْرَهُ لَهُ أَيْضًا (أَنْ يَخُصَّ جَبْهَتَهُ بِمَا يَسْجُدُ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ مِنْ شِعَارِ الرَّافِضَةِ (وَ) يُكْرَهُ لَهُ فِيهَا (مَسْحُ أَثَرِ سُجُودِهِ) .
وَفِي الْمُغْنِي: إكْثَارُهُ مِنْهُ، وَلَوْ بَعْدَ التَّشَهُّدِ.
(وَ) يُكْرَهُ لَهُ (تَكْرَارُ الْفَاتِحَةِ) لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ، وَخُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَبْطَلَهَا بِهِ، لِأَنَّهَا رُكْنٌ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الرُّكْنِ الْقَوْلِيِّ وَالْفِعْلِيِّ: أَنَّ تَكْرَارَ الْقَوْلِيِّ لَا يُخِلُّ بِهَيْئَةِ الصَّلَاةِ.
(وَ) يُكْرَهُ (اسْتِنَادُهُ) إلَى نَحْوِ جِدَارٍ ; لِأَنَّهُ يُزِيلُ مَشَقَّةَ الْقِيَامِ (بِلَا حَاجَةٍ) إلَيْهِ ; لِأَنَّهُ ﷺ «لَمَّا أَسَنَّ وَأَخَذَهُ اللَّحْمُ اتَّخَذَ عَمُودًا فِي مُصَلَّاهُ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (فَإِنْ سَقَطَ) مُسْتَنِدٌ (لَوْ أُزِيلَ) مَا اسْتَنَدَ إلَيْهِ (لَمْ تَصِحَّ) صَلَاتُهُ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ قَائِمٍ.
(وَ) يُكْرَهُ (ابْتِدَاؤُهَا) أَيْ: الصَّلَاةِ (فِيمَا) أَيْ: حَالَ (يَمْنَعُ كَمَالَهَا كَحَرٍّ) مُفْرِطٍ (وَبَرْدٍ وَجُوعٍ) مُفْرِطٍ (وَعَطَشٍ مُفْرِطٍ) لِأَنَّهُ يُقْلِقُهُ وَيَشْغَلُهُ عَنْ حُضُورِ قَلْبِهِ فِيهَا (أَوْ) أَنْ يَبْتَدِئَهَا (حَاقِنًا) بِالنُّونِ، أَيْ: مُحْتَبِسَ بَوْلٍ (، أَوْ حَاقِبًا) بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ: مُحْتَبِسَ غَائِطٍ (أَوْ) يَبْتَدِئَهَا (مَعَ رِيحٍ مُحْتَبَسَةٍ) وَنَحْوِهِ مِمَّا يُزْعِجُهُ، كَتَعَبٍ شَدِيدٍ (أَوْ) يَبْتَدِئَهَا (تَائِقًا) أَيْ: مُشْتَاقًا (لِطَعَامٍ وَنَحْوِهِ) كَجِمَاعٍ وَشَرَابٍ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ خَافَ فَوْتَ الْجَمَاعَةِ. لِمَا فِي الْبُخَارِيِّ " كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُوضَعُ لَهُ الطَّعَامُ وَتُقَامُ الصَّلَاةُ، فَلَا يَأْتِيهَا حَتَّى يَفْرُغَ، وَأَنَّهُ لَيَسْمَعُ
стр. 197
قِرَاءَةَ الْإِمَامِ " (مَا لَمْ يَضِقْ الْوَقْتُ) عَنْ الْمَكْتُوبَةِ، أَيْ: عَنْ فِعْلِ جَمِيعِهَا فِيهِ (فَتَجِبُ) الْمَكْتُوبَةُ (وَيَحْرُمُ اشْتِغَالُهُ بِغَيْرِهَا) إذَنْ، لِتَعَيُّنِ الْوَقْتِ لَهَا، وَيُكْرَهُ نَفْخُهُ فِيهَا، وَاعْتِمَادُهُ عَلَى يَدَيْهِ فِي جُلُوسِهِ بِلَا حَاجَةٍ، وَصَلَاتُهُ مَكْتُوفًا (وَسُنَّ) لِمُصَلٍّ (تَفْرِقَتُهُ) بَيْنَ قَدَمَيْهِ (وَمُرَاوَحَتُهُ بَيْنَ قَدَمَيْهِ) بِأَنْ يَقَرَّ عَلَى أَحَدِهِمَا مَرَّةً، ثُمَّ عَلَى الْأُخْرَى أُخْرَى، إذَا طَالَ قِيَامُهُ.
قَالَ الْأَثْرَمُ: رَأَيْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُفَرِّجُ بَيْنَ قَدَمَيْهِ وَرَأَيْته يُرَاوِحُ بَيْنَهُمَا، وَرَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي صَافًّا بَيْنَ قَدَمَيْهِ فَقَالَ: لَوْ رَاوَحَ هَذَا بَيْنَ قَدَمَيْهِ كَانَ أَفْضَلَ " وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَفِيهِ،
قَالَ: " أَخْطَأَ السُّنَّةَ، لَوْ رَاوَحَ بَيْنَهُمَا كَانَ أَعْجَبَ إلَيَّ " (وَتُكْرَهُ كَثْرَتُهُ) أَيْ: كَثْرَةُ أَنْ يُرَاوِحَ بَيْنَ قَدَمَيْهِ ; لِأَنَّهُ يُشْبِهُ تَمَايُلَ الْيَهُودِ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ بِإِسْنَادِهِ مَرْفُوعًا «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَكِّنْ أَطْرَافَهُ، وَلَا يَمِلْ مَيْلَ الْيَهُودِ» (و) يُكْرَهُ أَيْضًا (حَمْدُهُ) أَيْ: الْمُصَلِّي (إذَا عَطَسَ، أَوْ) إذَا (وَجَدَ مَا يَسُرُّهُ
و) يُكْرَهُ أَيْضًا (اسْتِرْجَاعُهُ) أَيْ: قَوْلُهُ: إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ (إذَا وَجَدَ مَا يَغُمُّهُ) وَكَذَا قَوْلُ: بِسْمِ اللَّهِ إذَا لُسِعَ، أَوْ سُبْحَانَ اللَّهِ، إذَا رَأَى مَا يُعْجِبُهُ وَنَحْوَهُ، خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَبْطَلَ الصَّلَاةَ بِهِ. وَكَذَا لَوْ خَاطَبَ بِشَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ، كَقَوْلِهِ لِمَنْ دَقَّ عَلَيْهِ ﴿: اُدْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمَنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦] وَلِمَنْ اسْمُهُ يَحْيَى ﴿يَا يَحْيَى خُذْ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢] وَمَنْ أَتَى بِصَلَاةٍ عَلَى وَجْهٍ مَكْرُوهٍ اُسْتُحِبَّ لَهُ إعَادَتُهَا فِي الْوَقْتِ، عَلَى وَجْهٍ غَيْرِ مَكْرُوهٍ.
وَ (سُنَّ) لِمُصَلٍّ (رَدُّ مَارٍّ بَيْنَ يَدَيْهِ) كَبِيرٍ، أَوْ صَغِيرٍ، أَوْ بَهِيمَةٍ بِلَا عُنْفٍ لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي حُجْرَةِ أُمِّ سَلَمَةَ فَمَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ، أَوْ عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، فَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا فَرَجَعَ، فَمَرَّتْ بَيْنَ يَدَيْهِ زَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا فَمَضَتْ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: هُنَّ أَغْلَبُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَعَنْ عَمْرُو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى إلَى جِدَارٍ اتَّخَذَهُ قِبْلَةً، وَنَحْنُ خَلْفَهُ فَجَاءَتْ بَهِيمَةٌ تَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَمَا زَالَ يُدَارِيهَا، حَتَّى لَصِقَ بَطْنُهُ بِالْجِدَارِ، فَمَرَّتْ مِنْ وَرَائِهِ» (مَا لَمْ يَغْلِبْهُ) الْمَارُّ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ (أَوْ يَكُنْ) الْمَارُّ (مُحْتَاجًا) إلَى مُرُورٍ، لِضِيقِ الطَّرِيقِ، وَتُكْرَهُ صَلَاتُهُ بِمَوْضِعٍ يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْمُرُورِ (أَوْ) يَكُنْ (بِمَكَّةَ) نَصًّا ; لِأَنَّهُ ﷺ «صَلَّى بِمَكَّةَ وَالنَّاسُ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا سُتْرَةٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ.
وَفِي الْمُغْنِي: وَالْحَرَمُ
стр. 198
كَهِيَ (فَإِنْ أَبَى) الْمَارُّ إلَّا الْمُرُورَ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي وَدَفَعَهُ الْمُصَلِّي (فَإِنْ أَصَرَّ) عَلَى إرَادَةِ الْمُرُورِ وَلَمْ يَنْدَفِعْ بِالدَّفْعِ (فَلَهُ) أَيْ: الْمُصَلِّي (قِتَالُهُ) لَا بِنَحْوِ سَيْفٍ، وَلَوْ مَشَى لَهُ قَلِيلًا، وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي إلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنْ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلْيَدْفَعْهُ فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَبِي دَاوُد «إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلْيَدْرَأْ مَا اسْتَطَاعَ فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ» أَيْ: فِعْلُهُ فِعْلُ شَيْطَانٍ، أَوْ هُوَ يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: مَعَهُ شَيْطَانٌ (وَلَا يُكَرِّرُهُ) أَيْ: الدَّفْعَ (إنْ خَافَ فَسَادَهَا) أَيْ: الصَّلَاةِ ; لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى فَسَادِ صَلَاتِهِ (وَيَضْمَنُهُ) أَيْ: يَضْمَنُ مُصَلٍّ مَارًّا بَيْنَ يَدَيْهِ (مَعَهُ) أَيْ: مَعَ تَكْرَارِ الدَّفْعِ مِنْ خَوْفِ الْفَسَادِ، لِعَدَمِ الْإِذْنِ فِيهِ إذَنْ وَعُلِمَ مِنْهُ: أَنَّهُ لَا يَضْمَنُهُ بِدُونِهِ.
وَتَنْقُصُ صَلَاةُ مَنْ لَمْ يَرُدَّ مَارًّا بَيْنَ يَدَيْهِ بِلَا عُذْرٍ (وَيَحْرُمُ مُرُورٌ بَيْنَهُ) أَيْ: الْمُصَلِّي (وَبَيْنَ سُتْرَتِهِ. وَلَوْ) كَانَتْ (بَعِيدَةً) لِحَدِيثِ أَبِي جَهْمٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ مَرْفُوعًا «لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ، لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ سَنَةً خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ» وَلِمُسْلِمٍ «لَأَنْ يَقِفَ أَحَدُكُمْ مِائَةَ عَامٍ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْ أَخِيهِ وَهُوَ يُصَلِّي» .
وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ: إنْ احْتَاجَ إلَى الْمُرُورِ أَلْقَى شَيْئًا ثُمَّ مَرَّ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُصَلِّي سُتْرَةٌ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ الْمُرُورُ (فَفِي ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ فَأَقَلَّ) مِنْ قَدَمِ الْمُصَلِّي (وَلَهُ) أَيْ: يُبَاحُ لِلْمُصَلِّي (عَدُّ آيِ) جَمْعِ آيَةٍ بِأَصَابِعِهِ.
(وَ) لَهُ عَدُّ (تَسْبِيحٍ بِأَصَابِعِهِ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى عَدِّ الْآيِ.
(وَ) لِمُصَلٍّ (قَوْلُ: سُبْحَانَكَ، فَبَلَى إذَا قَرَأَ ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠] نَصًّا، فَرْضًا كَانَتْ أَوْ نَفْلًا لِلْخَبَرِ.
وَأَمَّا ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ؟﴾ [التين: ٨] فَفِي الْخَبَرِ فِيهَا نَظَرٌ، ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ (وَ) لِمُصَلٍّ " قِرَاءَةٌ فِي الْمُصْحَفِ، وَنَظَرٌ فِيهِ " أَيْ: الْمُصْحَفِ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ الْقِيَامَ وَهُوَ يَنْظُرُ فِي الْمُصْحَفِ، قِيلَ لَهُ: الْفَرِيضَةُ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ فِيهَا شَيْئًا.
وَسُئِلَ الزُّهْرِيُّ عَنْ رَجُلٍ يَقْرَأُ فِي رَمَضَانَ فِي الْمُصْحَفِ، فَقَالَ: كَانَ خِيَارُنَا يَقْرَءُونَ فِي الْمَصَاحِفِ (وَ) لِمُصَلٍّ أَيْضًا (سُؤَالُ) اللَّهِ الرَّحْمَةَ (عِنْدَ) قِرَاءَتِهِ، أَوْ سَمَاعِهِ (آيَةَ رَحْمَةٍ وَتَعَوُّذٍ بِهِ) أَيْ: أَنْ يَسْتَعِيذَ بِاَللَّهِ (عِنْدَ) مُرُورِهِ عَلَى (آيَةِ عَذَابٍ
و) لَهُ (نَحْوُهُمَا) أَيْ: الْمَذْكُورَاتُ، كَالتَّسْبِيحِ عِنْدَ آيَةٍ هُوَ فِيهَا، لِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ قَالَ:
стр. 199
«صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ، فَقُلْت: يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ، ثُمَّ مَضَى - إلَى أَنْ قَالَ - إذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ» مُخْتَصَرٌ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلِأَنَّهُ دُعَاءٌ بِخَيْرٍ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْفَرْضُ وَالنَّفَلُ (وَ) لِمُصَلٍّ، أَيْضًا (رَدُّ السَّلَامِ إشَارَةً) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كَانَ يُشِيرُ فِي الصَّلَاةِ» حَدِيثُ أَنَسٍ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَأَبُو دَاوُد، وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. فَإِنْ رَدَّهُ الْمُصَلِّي لَفْظًا بَطَلَتْ، وَلَا يَرُدُّهُ فِي نَفْسِهِ، بَلْ يُسْتَحَبُّ بَعْدَهَا، وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ: لَوْ صَافَحَ إنْسَانًا يُرِيدُ السَّلَامَ لَمْ تَبْطُلْ. وَلَا بَأْسَ بِالْإِشَارَةِ فِي الصَّلَاةِ بِالْيَدِ وَالْعَيْنِ، لِمَا تَقَدَّمَ، وَلَا بِالسَّلَامِ عَلَى الْمُصَلِّي.
(وَ) لَهُ أَيْضًا (قَتْلُ حَيَّةً وَعَقْرَبٍ وَقَمْلَةٍ) لِأَنَّهُ ﷺ «أَمَرَ بِقَتْلِ الْأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ: الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ
وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ وَابْنُ عُمَرَ. وَأَنَسٌ: كَانَا يَقْتُلَانِ الْقَمْلَةَ فِيهَا. قَالَ الْقَاضِي: وَالتَّغَافُلُ عَنْهُ أَوْلَى، وَإِذَا قَتَلَهَا فِي الْمَسْجِدِ دَفَنَهَا، أَوْ أَخْرَجَهَا.
(وَ) لَهُ أَيْضًا (لُبْسُ عِمَامَةٍ وَثَوْبٍ) لِحَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٌ أَنَّهُ ﷺ «الْتَحَفَ بِإِزَارِهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ» (مَا لَمْ يُطِلْ) وَلَا يَتَقَيَّدُ الْجَائِزُ مِنْهُ بِثَلَاثٍ وَلَا بِغَيْرِهَا مِنْ الْعَدَدِ ; لِأَنَّ فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ فِي «فَتْحِهِ الْبَابَ لِعَائِشَةَ» وَغَيْرِهِ، ظَاهِرُهُ زِيَادَتُهُ عَلَى الثَّلَاثِ. كَتَأَخُّرِهِ حَتَّى تَأَخَّرَ الرِّجَالُ فَانْتَهَوْا إلَى صَفِّ النِّسَاءِ.
وَكَذَلِكَ مَشَى أَبِي بَرْزَةَ مَعَ دَابَّتِهِ، وَلِأَنَّ التَّقْدِيرَ: بَابُهُ التَّوْقِيفُ، وَهَذَا لَا تَوْقِيفَ فِيهِ. فَإِنْ طَالَ عُرْفًا وَتَوَالَى أَبْطَلَ الصَّلَاةَ عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ وَجَهْلُهُ، إلَّا لِضَرُورَةٍ. وَيَأْتِي، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةٌ وَاحْتَاجَ إلَيْهِ قَطَعَ الصَّلَاةَ، وَفَعَلَهُ،
ثُمَّ اسْتَأْنَفَهَا (وَ) لِمَأْمُومٍ (فَتْحٌ عَلَى إمَامِهِ إذَا أُرْتِجَ) بِتَخْفِيفِ الْجِيمِ، أَيْ: الْتَبَسَ عَلَيْهِ (، أَوْ غَلِطَ) فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ، رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ ﵃، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «صَلَّى صَلَاةً فَلَبِسَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لِأَبِي: أَصَلَّيْت مَعَنَا؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَمَا مَنَعَك أَنْ تُنَبِّهَ عَلَيْنَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
قَالَ الْخَطَّابِيِّ: إسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَكَالتَّنْبِيهِ بِالتَّسْبِيحِ (وَيَجِبُ) فَتْحُهُ عَلَى إمَامِهِ إذَا أُرْتِجَ عَلَيْهِ، أَوْ غَلِطَ (فِي الْفَاتِحَةِ، كَنِسْيَانِ إمَامِهِ سَجْدَةً) فَيَلْزَمُهُ تَنْبِيهُهُ عَلَيْهَا لِتَوَقُّفِ صِحَّةِ صَلَاتِهِ عَلَيْهِ. قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَإِنْ عَجَزَ عَنْ إتْمَامِ الْفَاتِحَةِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ،
صَحَّحَهُ الْمُوَفَّقُ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى الصَّلَاةِ بِهَا كَالْأُمِّيِّ يَقْدِرُ
стр. 200
عَلَى تَعَلُّمِهَا قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، فَإِنْ كَانَ إمَامًا فَلَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مَنْ يُصَلِّي بِهِمْ، وَكَذَا لَوْ عَجَزَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ عَنْ رُكْنٍ يَمْنَعُ الِائْتِمَام بِهِ كَالرُّكُوعِ، فَإِنَّهُ يَسْتَخْلِفُ مَنْ يُتِمُّ بِهِمْ، وَيُكْرَهُ فَتْحُ مُصَلٍّ عَلَى غَيْرِ إمَامِهِ
(وَإِذَا نَابَهُ) أَيْ: عَرَضَ لِمُصَلٍّ (شَيْءٌ) أَيْ: أَمْرٌ (كَاسْتِئْذَانٍ عَلَيْهِ، وَسَهْوِ إمَامِهِ) عَنْ وَاجِبٍ، أَوْ بِفِعْلِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ (سَبَّحَ) بِإِمَامٍ وُجُوبًا، وَبِمُسْتَأْذِنٍ اسْتِحْبَابًا (رَجُلٌ، وَلَا تَبْطُلُ) صَلَاتُهُ (إنْ كَثُرَ) تَسْبِيحُهُ ; لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ (وَصَفَّقَتْ امْرَأَةٌ بِبَطْنِ كَفِّهَا عَلَى ظَهْرِ الْأُخْرَى) لِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مَرْفُوعًا «إذَا نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي صَلَاتِكُمْ، فَلْتُسَبِّحْ الرِّجَالُ، وَلْتُصَفِّقْ النِّسَاءُ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَتَبْطُلُ صَلَاتُهَا إنْ كَثُرَ) تَصْفِيقُهَا ; لِأَنَّهُ عَمَلٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا (وَكُرِهَ) تَنْبِيهٌ مِنْهُمَا (بِنَحْنَحَةٍ) لِلِاخْتِلَافِ فِي الْإِبْطَالِ بِهَا (وَ) كُرِهَ (بِصَفِيرٍ) : لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥] ".
(وَ) كُرِهَ (تَصْفِيقُهُ) لِتَنْبِيهٍ، أَوْ غَيْرِهِ، لِلْآيَةِ (وَ) كُرِهَ (تَسْبِيحُهَا) لِلتَّنْبِيهِ ; لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا أُمِرَتْ بِهِ.
وَ (لَا) يُكْرَهُ تَنْبِيهٌ مِنْهُمَا (بِقِرَاءَةٍ وَتَهْلِيلٍ وَتَكْبِيرٍ وَنَحْوِهِ) كَتَحْمِيدٍ وَاسْتِغْفَارٍ. كَمَا لَوْ أَتَى بِهِ لِغَيْرِ تَنْبِيهٍ. وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ: لَا تَبْطُلُ بِتَصْفِيقِهَا عَلَى وَجْهِ اللَّعِبِ، وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ، وَتَبْطُلُ بِهِ، لِمُنَافَاةِ الصَّلَاةِ. ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ (وَمَنْ غَلَبَهُ تَثَاؤُبٌ كَظَمَ نَدْبًا، وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكْظِمْ، قَالَ فِي شَرْحِهِ: لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ (وَضَعَ يَدَهُ عَلَى فِيهِ) لِحَدِيثِ «إذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ فَاهُ» .
" رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِلتِّرْمِذِيِّ «فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى فِيهِ» " قَالَ بَعْضُهُمْ: الْيُسْرَى بِظَهْرِهَا لِيُشْبِهَ الدَّافِعَ لَهُ (وَإِنْ بَدَرَهُ) أَيْ: الْمُصَلِّيَ (بُصَاقٌ، أَوْ مُخَاطٌ، أَوْ نُخَامَةٌ، أَزَالَهُ فِي ثَوْبِهِ) وَعَطَفَ أَحْمَدُ بِوَجْهِهِ - وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ - فَبَصَقَ خَارِجَهُ (وَيُبَاحُ) أَنْ يَبْصُقَ وَنَحْوَهُ (بِغَيْرِ مَسْجِدٍ عَنْ يَسَارِهِ وَتَحْتَ قَدَمِهِ) زَادَ بَعْضُهُمْ: الْيُسْرَى، لِحَدِيثِ «فَإِذَا تَنَخَّعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَنَخَّعْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ» .
فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَقُلْ هَكَذَا، وَوَصَفَ الْقَاسِمُ، «فَتَفَلَ فِي ثَوْبِهِ، ثُمَّ مَسَحَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ» " وَلِحَدِيثِ «الْبُصَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَهَلْ الْمُرَادُ بِالْخَطِيئَةِ الْحُرْمَةُ، أَوْ الْكَرَاهَةُ؟ قَوْلَانِ، قَالَهُ السُّيُوطِيّ.
(وَ) بَصْقُهُ وَنَحْوُهُ (فِي ثَوْبٍ أَوْلَى) مِنْ كَوْنِهِ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ، لِئَلَّا يُؤْذِيَ بِهِ (وَيُكْرَهُ) بَصْقُهُ وَنَحْوُهُ (يَمْنَةً وَأَمَامًا) لِظَاهِرِ الْخَبَرِ، وَاحْتِرَامًا لِحَفَظَةِ الْيَمِينِ
стр. 201
(وَلَزِمَ) مَنْ رَأَى نَحْوَ بُصَاقٍ فِي مَسْجِدٍ (حَتَّى غَيْرَ بَاصِقٍ: إزَالَتُهُ مِنْ مَسْجِدٍ) لِخَبَرِ أَبِي ذَرٍّ «وَجَدْت فِي مَسَاوِئِ أَعْمَالِنَا النُّخَامَةَ تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا تُدْفَنُ» . " رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَسُنَّ تَخْلِيقُ مَحَلِّهِ) أَيْ: الْبُصَاقِ وَنَحْوِهِ. أَيْ: طَلْيُ مَحَلِّ الْبُصَاقِ وَنَحْوِهِ بِالْخَلُوقِ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الطِّيبِ، لِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ.
(وَ) سُنَّ أَيْضًا (فِي نَفْلٍ: صَلَاةٌ عَلَيْهِ) أَيْ: النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ قِرَاءَتِهِ) أَيْ: الْمُصَلِّي (ذَكَرَهُ) نَصًّا، وَأَطْلَقَهُ بَعْضُهُمْ.
(وَ) سُنَّ أَنْ تَكُونَ (الصَّلَاةُ إلَى سُتْرَةٍ) فَإِنْ كَانَ فِي مَسْجِدٍ، أَوْ بَيْتٍ: صَلَّى إلَى حَائِطٍ، أَوْ سَارِيَةٍ، وَإِنْ كَانَ فِي فَضَاءٍ، صَلَّى إلَى سُتْرَةٍ بَيْنَ يَدَيْهِ (مُرْتَفِعَةٍ) قَدْرَ ذِرَاعٍ فَأَقَلَّ، لِحَدِيثِ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَرْفُوعًا «إذَا وَضَعَ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلَ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ، فَلْيُصَلِّ وَلَا يُبَالِي مَنْ مَرَّ وَرَاءَ ذَلِكَ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَمُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ: عُودٌ فِي مُؤَخِّرَتِهِ، ضِدُّ قَادِمَتِهِ، وَتَخْتَلِفُ، فَتَارَةً تَكُونُ ذِرَاعًا وَتَارَةً تَكُونُ دُونَهُ
وَالْمُرَادُ: رَحْلُ الْبَعِيرِ، وَهُوَ أَصْغَرُ مِنْ الْقَتَبِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْحَضَرُ وَالسَّفَرُ، خَشِيَ مَارًّا بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ لَا، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ " تُرْكَزُ لَهُ الْحَرْبَةُ فِي السَّفَرِ فَيُصَلِّي إلَيْهَا، وَيَعْرِضُ لَهُ الْبَعِيرُ فَيُصَلِّي إلَيْهِ " (وَعَرْضُهَا) أَيْ: السُّتْرَةِ (أَعْجَبُ إلَى) الْإِمَامِ (أَحْمَدَ) قَالَ: مَا كَانَ أَعْرَضَ فَهُوَ أَعْجَبُ إلَيَّ اهـ. لِحَدِيثِ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا «اسْتَتِرُوا فِي الصَّلَاةِ وَلَوْ بِسَهْمٍ» " رَوَاهُ الْأَثْرَمُ،
فَقَوْلُهُ " وَلَوْ بِسَهْمٍ " يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَيْرَهُ أَوْلَى مِنْهُ (وَ) سُنَّ (قُرْبُهُ) أَيْ: الْمُصَلِّي (مِنْهَا) أَيْ: السُّتْرَةِ (نَحْوَ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ مِنْ قَدَمَيْهِ) لِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ مَرْفُوعًا «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إلَى سُتْرَةٍ فَلْيَدْنُ مِنْهَا لَا يَقْطَعْ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ «كَانَ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ السُّتْرَةِ مَمَرُّ الشَّاةِ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
«وَصَلَّى فِي الْكَعْبَةِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ نَحْوُ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ.
(وَ) سُنَّ (انْحِرَافُهُ عَنْهَا) أَيْ: السُّتْرَةِ (يَسِيرًا) لِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، مِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَادِ بِإِسْنَادٍ لَيِّنٍ، لَكِنْ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ، عَلَى مَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ (وَإِنْ تَعَذَّرَ) عَلَى مُصَلٍّ (غَرْزُ عَصًا، وَضَعَهَا) بَيْنَ يَدَيْهِ، نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ (وَيَصِحُّ) تَسَتُّرٌ (وَلَوْ بِخَيْطٍ، أَوْ مَا اعْتَقَدَهُ سُتْرَةً) وَسُتْرَةٌ مَغْصُوبَةٌ كَغَيْرِهَا،
قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَفِيهِ وَجْهٌ، قَالَ النَّاظِمُ: وَعَلَى قِيَاسِهِ: سُتْرَةُ الذَّهَبِ.
وَفِي الْإِنْصَافِ: الصَّوَابُ أَنَّ النَّجِسَةَ لَيْسَتْ كَالْمَغْصُوبَةِ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) شَيْئًا (خَطَّ) خَطًّا
стр. 202
(كَالْهِلَالِ) وَصَلَّى إلَيْهِ. قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَكَيْفَمَا خَطَّ أَجْزَأَهُ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ شَيْئًا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَنْصِبْ عَصًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَصًا فَلْيَخُطَّ خَطًّا ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ مَنْ مَرَّ أَمَامَهُ» .
" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (فَإِذَا مَرَّ مِنْ وَرَائِهَا) أَيْ: السُّتْرَةِ (شَيْءٌ، لَمْ يُكْرَهْ) لِمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ) سُتْرَةٌ (فَمَرَّ) لَا إنْ وَقَفَ (بَيْنَ يَدَيْهِ كَلْبٌ أَسْوَدُ بَهِيمٌ) أَيْ: لَا يُخَالِطُهُ لَوْنٌ آخَرُ (بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) وَكَذَا لَوْ مَرَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سُتْرَتِهِ، لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَإِنَّهُ يَسْتُرُهُ مِثْلَ آخِرَةِ الرَّحْلِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ: الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ» .
" «قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّامِتِ: مَا بَالُ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْكَلْبِ الْأَحْمَرِ مِنْ الْكَلْبِ الْأَصْفَرِ؟ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَمَا سَأَلْتَنِي فَقَالَ: الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ. وَ (لَا) تَبْطُلُ، إنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ (امْرَأَةٌ وَحِمَارٌ وَشَيْطَانٌ) وَكَلْبٌ غَيْرُ مَا سَبَقَ. لِأَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ " مَرَّتْ بَيْنَ يَدَيْهِ ﷺ فَلَمْ تَقْطَعْ صَلَاتَهُ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
وَعَنْ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ فِي بَادِيَةٍ فَصَلَّى فِي الصَّحْرَاءِ، لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ، وَحِمَارٌ لَنَا وَكُلَيْبَةٌ يَعْبَثَانِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَمَا بَالَى بِذَلِكَ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد. لَكِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ «لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فَيَرْوِيهِ مُجَاهِدٌ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
(وَسُتْرَةُ الْإِمَامِ: سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ) رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " كَانَ يُصَلِّي إلَى سُتْرَةٍ " وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِسُتْرَةٍ أُخْرَى فَلَا يَضُرُّهُمْ مُرُورُ شَيْءٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَلَوْ مِمَّا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ، وَإِنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْ الْإِمَامِ مَا يَقْطَعُ صَلَاتَهُ قَطَعَ صَلَاتَهُمْ أَيْضًا.
وَهَلْ يَرُدُّ الْمَأْمُومُونَ مَنْ مَرَّ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ؟ وَهَلْ يَأْثَمُ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ مَيْلُ صَاحِبِ الْفُرُوعِ: إلَى أَنَّ لَهُمْ رَدَّهُ، وَأَنَّهُ يَأْثَمُ. وَصَوَّبَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ، وَالْمُرَادُ بِمَنْ خَلْفَهُ: مَنْ اقْتَدَى بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ وَرَاءَهُ أَوْ بِجَانِبِهِ أَوْ قُدَّامَهُ حَيْثُ صَحَّتْ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ.
стр. 203
[فَصْلٌ أَفْعَالُ الصَّلَاةِ وَأَقْوَالُهَا]
فَصْلٌ تَنْقَسِمُ أَفْعَالُ الصَّلَاةِ وَأَقْوَالُهَا إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ الْأَوَّلُ: مَا لَا يَسْقُطُ عَمْدًا، وَلَا سَهْوًا وَهِيَ الْأَرْكَانُ، لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَتِمُّ إلَّا بِهَا فَشُبِّهَتْ بِرُكْنِ الْبَيْتِ الَّذِي لَا يَقُومُ إلَّا بِهِ، وَبَعْضُهُمْ سَمَّاهَا فُرُوضًا. الثَّانِي: مَا تَبْطُلُ بِتَرْكِهِ عَمْدًا وَيَسْقُطُ سَهْوًا، وَيَسْجُدُ لَهُ، وَيُسَمَّى الْوَاجِبَ. الثَّالِثُ: مَا لَا تَبْطُلُ بِتَرْكِهِ مُطْلَقًا.
وَهُوَ السُّنَنُ فَ (أَرْكَانُهَا: مَا كَانَ فِيهَا) احْتِرَازًا عَنْ الشُّرُوطِ (وَلَا تَسْقُطُ عَمْدًا) خَرَّجَ السُّنَنَ، وَ (لَا) تَسْقُطُ (سَهْوًا) خَرَّجَ الْوَاجِبَاتِ (وَهِيَ) أَرْبَعَةَ عَشَرَ رُكْنًا (قِيَامُ قَادِرٍ فِي فَرْضٍ) وَلَوْ عَلَى الْكِفَايَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] " وَحَدِيثِ عِمْرَانَ «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا - إلَى آخِرِهِ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
وَخُصَّ بِالْفَرْضِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «كَانَ ﷺ يُصَلِّي لَيْلًا طَوِيلًا قَاعِدًا» " الْحَدِيثَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (سِوَى خَائِفٍ بِهِ) أَيْ: بِالْقِيَامِ، كَمَنْ بِمَكَانٍ لَهُ حَائِطٌ يَسْتُرُهُ جَالِسًا فَقَطْ، وَيَخَافُ بِقِيَامِهِ نَحْوَ عَدُوٍّ. فَيَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ جَالِسًا.
(وَ) سِوَى (عُرْيَانٍ) لَا يَجِدُ سُتْرَةً، فَيُصَلِّي جَالِسًا نَدْبًا وَيَنْضَمُّ وَتَقَدَّمَ.
(وَ) سِوَى مَرِيضٍ يُمْكِنُهُ قِيَامٌ لَكِنْ لَا تُمْكِنُ مُدَاوَاتُهُ قَائِمًا. فَيَسْقُطُ عَنْهُ الْقِيَامُ (لِمُدَاوَاةٍ) وَيُصَلِّي جَالِسًا، دَفْعًا لِلْحَرَجِ.
(وَ) كَذَا يُصَلِّي جَالِسًا لِأَجْلِ (قِصَرِ سَقْفٍ لِعَاجِزٍ عَنْ خُرُوجٍ) كَحَبْسٍ وَنَحْوِهِ بِمَكَانٍ قَصِيرِ السَّقْفِ.
(وَ) كَذَا قَادِرٌ يُصَلِّي عَلَى قِيَامٍ قَاعِدًا (خَلْفَ إمَامِ الْحَيِّ) أَيْ: الرَّاتِبِ (الْعَاجِزِ عَنْ الْقِيَامِ بِشَرْطِهِ) وَهُوَ أَنْ يُرْجَى زَوَالُ عِلَّتِهِ،
وَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي الْجَمَاعَةِ (وَحَدُّهُ) أَيْ: الْقِيَامِ (مَا لَمْ يَصِرْ رَاكِعًا) أَيْ: لَا يَصِير إلَى الرُّكُوعِ الْمُجْزِئِ. وَلَا يَضُرُّهُ خَفْضُ رَأْسِهِ عَلَى هَيْئَةِ الْإِطْرَاقِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: يَكْفِي لَوْ قَامَ عَلَى رِجْلٍ وَاحِدَةٍ.
وَفِي الْمَذْهَبِ: لَا يُجْزِئُهُ. وَنَقَلَ خَطَّابُ بْنُ بَشِيرٍ: لَا أَدْرِي.
(وَ) الثَّانِي (تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاعْدِلُوا صُفُوفَكُمْ، وَسُدُّوا الْفُرَجَ فَإِذَا قَالَ إمَامُكُمْ: اللَّهُ أَكْبَرُ فَقُولُوا: اللَّهُ أَكْبَرُ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ،
وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ بِغَيْرِهَا، وَقَالَ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» ".
(وَ) الثَّالِثُ (قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ) فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَتَقَدَّمَ مُوَضَّحًا، وَيَحْتَمِلُهَا إمَامٌ عَنْ مَأْمُومٍ.
стр. 204
وَيَأْتِي (وَ) الرَّابِعُ (رُكُوعٌ) إجْمَاعًا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا﴾ [الحج: ٧٧] " وَقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ الْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ «ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا» ". الْخَامِسُ (رَفْعٌ مِنْهُ) أَيْ: الرُّكُوعِ، لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ: «ثُمَّ ارْفَعْ» (إلَّا مَا) أَيْ: رُكُوعًا وَرَفْعًا مِنْهُ (بَعْدَ) رُكُوعٍ (أَوَّلَ فِي كُسُوفٍ) فِي كُلِّ رَكْعَةٍ،
فَالرُّكُوعُ الْأَوَّلُ وَالرَّفْعُ مِنْهُ رُكْنٌ وَمَا بَعْدَهُ لَيْسَ بِرُكْنٍ.
(وَ) السَّادِسُ (اعْتِدَالٌ) لِقَوْلِهِ: ﷺ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ «: ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا» " وَالْمُرَادُ: الِاعْتِدَالُ عَمَّا بَعْدَ أَوَّلَ فِي كُسُوفٍ، لِأَنَّ الرَّفْعَ وَالِاعْتِدَالَ تَابِعَانِ لِلرُّكُوعِ. وَلَوْ أَخَّرَ: إلَّا مَا بَعْدَ أَوَّلَ فِي كُسُوفٍ: إلَى هُنَا: لَكَانَ وَاضِحًا فِي الْمَقْصُود.
(وَلَا تَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (إنْ طَالَ) اعْتِدَالُهُ. لِأَنَّ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ «أَنَّهُ ﷺ طَوَّلَهُ قَرِيبَ قِيَامِهِ وَرُكُوعِهِ» ".
(وَ) السَّابِعُ (سُجُودٌ) إجْمَاعًا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مَرَّتَيْنِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: " وَاسْجُدُوا " وَلِحَدِيثِ الْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ.
(وَ) الثَّامِنُ (رَفْعٌ مِنْهُ) أَيْ: السُّجُودِ.
(وَ) التَّاسِعُ (جُلُوسٌ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ) لِقَوْلِهِ ﷺ لِلْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ: «ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا» ".
(وَ) الْعَاشِرُ (طُمَأْنِينَةٌ فِي كُلِّ فِعْلٍ) مِمَّا تَقَدَّمَ، لِأَمْرِهِ ﷺ لِلْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ عِنْدَ ذِكْرِ كُلِّ فِعْلٍ مِنْهَا بِالطُّمَأْنِينَةِ (وَهِيَ) أَيْ: الطُّمَأْنِينَةِ (السُّكُونُ، وَإِنْ قَلَّ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: اطْمَأَنَّ الرَّجُلُ اطْمِئْنَانًا وَطُمَأْنِينَةً أَيْ: سَكَنَ.
وَقِيلَ: بِقَدْرِ الذِّكْرِ الْوَاجِبِ، لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الْإِتْيَانِ بِهِ.
(وَ) الْحَادِيَ عَشَرَ (تَشَهُّدٌ أَخِيرٌ) لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ «كُنَّا نَقُولُ، قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْنَا التَّشَهُّدُ: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ» " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَصَحَّحَاهُ. وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى فَرْضِيَّتِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا، قَوْلُهُ: «قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْنَا التَّشَهُّدُ» "، وَالثَّانِي قَوْلُهُ ﷺ : " قُولُوا " وَالْأَمْرُ: لِلْوُجُوبِ،
وَقَدْ ثَبَتَ الْأَمْرُ بِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا.
(وَ) الثَّانِيَ عَشَرَ (جُلُوسٌ لَهُ) أَيْ: التَّشَهُّدِ الْأَخِير (وَ) جُلُوسٌ (لِلتَّسْلِيمَتَيْنِ) لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ وَاظَبَ عَلَى الْجُلُوسِ لِذَلِكَ. وَقَالَ «: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» " (وَالرُّكْنُ مِنْهُ) أَيْ: التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، بَعْدُ) أَيْ: مَعَ (مَا يُجْزِئُ مِنْ) التَّشَهُّدِ (الْأَوَّلِ) وَيَأْتِي بِهَا مُؤَخَّرَةً عَنْهُ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ سُنَّةٌ.
(وَ) الثَّالِثَ عَشَرَ (التَّسْلِيمَتَانِ) عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي سَبَقَتْ لِحَدِيثِ «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» " وَيَكْفِي فِي جِنَازَةٍ وَسُجُودِ تِلَاوَةٍ
стр. 205
وَشُكْرٍ: تَسْلِيمَةٌ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ: أَنَّ النَّفَلَ كَالْفَرْضِ.
وَاخْتَارَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْمَجْدُ يُجْزِئُ تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَفِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: خِلَافٌ، لِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ النَّفْلِ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ، قَالَ الْقَاضِي: فِي رِوَايَةٍ وَاحِدَةٌ. (وَ) الرَّابِعَ عَشَرَ (التَّرْتِيبُ) بَيْنَ الْأَرْكَانِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ هُنَا، وَفِي صِفَةِ الصَّلَاةِ، لِحَدِيثِ الْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ، حَيْثُ عَلَّمَهُ إيَّاهَا مُرَتَّبَةً بِثُمَّ الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّرْتِيبِ، وَصَحَّ أَنَّهُ ﷺ «كَانَ يُصَلِّي كَذَلِكَ» " وَقَالَ «: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» ". فَصْلٌ وَالضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ أَقْوَالِ الصَّلَاةِ وَأَفْعَالِهَا.
(وَاجِبَاتُهَا) وَهِيَ (مَا كَانَ فِيهَا) خَرَّجَ الشَّرْطَ (وَتَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (بِتَرْكِهِ عَمْدًا) خَرَّجَ السُّنَنَ (وَ) يَسْقُطُ لِلسَّهْوِ (وَيَسْجُدُ لَهُ) أَيْ: لِتَرْكِهِ (سَهْوًا) خَرَّجَ الْأَرْكَانَ وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ، الْأَوَّلُ: (تَكْبِيرَةٌ لِغَيْرِ إحْرَامٍ) لِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا «إذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ وَرَكَعَ فَكَبِّرُوا وَارْكَعُوا، وَإِذَا كَبَّرَ وَسَجَدَ فَكَبِّرُوا وَاسْجُدُوا» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ.
وَهَذَا أَمْرٌ ; وَهُوَ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ (وَ) لِغَيْرِ (رُكُوعِ مَسْبُوقٍ أَدْرَكَ إمَامَهُ رَاكِعًا) فَكَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ ثُمَّ رَكَعَ مَعَهُ (فَ) إنَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ (رُكْنٌ) مُطْلَقًا لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) تَكْبِيرَةُ رُكُوعِ مَسْبُوقٍ أَدْرَكَ إمَامَهُ رَاكِعًا (سُنَّةٌ) لِلِاجْتِزَاءِ عَنْهَا بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، فَإِنْ نَوَى بِتَكْبِيرِهِ أَنَّهُ لِلْإِحْرَامِ وَالرُّكُوعِ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ.
(وَ) الثَّانِي (تَسْمِيعٌ) أَيْ: قَوْلُ " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " (لِإِمَامٍ وَمُنْفَرِدٍ) دُونَ مَأْمُومٍ لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يَأْتِي بِهِ.
وَقَالَ «: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» ".
(وَ) الثَّالِثُ (تَحْمِيدٌ) أَيْ: قَوْلُ " رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ " لِإِمَامٍ وَمَأْمُومٍ وَمُنْفَرِدٍ، لِقَوْلِهِ: ﷺ «إذَا قَالَ الْإِمَامُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» " مَعَ مَا تَقَدَّمَ.
(وَ) الرَّابِعُ (تَسْبِيحَةٌ أُولَى فِي رُكُوعٍ، وَ) الْخَامِسُ تَسْبِيحَةٌ أُولَى فِي (سُجُودٍ) وَتَقَدَّمَ دَلِيلُهُ.
(وَ) السَّادِسُ (رَبِّ اغْفِرْ لِي، إذَا جَلَسَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ) مَرَّةً (لِلْكُلِّ) الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ، لِثُبُوتِهِ عَنْهُ ﷺ وَقَوْلِهِ «: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» " (وَمَحَلُّ ذَلِكَ) أَيْ: مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَكْبِيرِ الِانْتِقَالِ وَالتَّسْمِيعِ، وَكَذَا التَّحْمِيدُ لِمَأْمُومٍ (بَيْنَ) ابْتِدَاءِ (انْتِقَالٍ وَانْتِهَائِهِ) لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ لَهُ، فَاخْتُصَّ بِهِ (فَلَوْ) كَمَّلَهُ فِي جُزْءٍ مِنْهُ أَجْزَأَهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ بِهِ عَنْ مَحَلِّهِ.
وَإِنْ (شَرَعَ
стр. 206
فِيهِ) أَيْ: الْمَذْكُورِ (قَبْلَ) شُرُوعِهِ فِي الِانْتِقَالِ، بِأَنْ كَبَّرَ لِسُجُودٍ قَبْلَ هَوِيِّهِ إلَيْهِ، أَوْ سَمِعَ قَبْلَ رَفْعِهِ مِنْ رُكُوعٍ لَمْ يُجْزِئْهُ (أَوْ كَمَّلَهُ بَعْدَ انْتِهَائِهِ) كَأَنْ أَتَمَّ تَكْبِيرَ الرُّكُوعِ فِيهِ (لَمْ يُجْزِئْهُ) لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، وَكَذَا لَوْ شَرَعَ فِي تَسْبِيحِ رُكُوعٍ، أَوْ سُجُودٍ قَبْلَهُ، أَوْ كَمَّلَهُ بَعْدَهُ. وَكَذَا سُؤَالُ الْمَغْفِرَةِ لَوْ شَرَعَ فِيهِ قَبْلَ الْجُلُوسِ، أَوْ كَمَّلَهُ بَعْدَهُ، وَكَذَا تَحْمِيدُ إمَامٍ وَمُنْفَرِدٍ، لَوْ شَرَعَ فِيهِ قَبْلَ اعْتِدَالِهِ وَكَمَّلَهُ بَعْدَ هَوِيِّهِ مِنْهُ (كَتَكْمِيلِهِ وَاجِبَ قِرَاءَةٍ رَاكِعًا، وَكَتَشَهُّدِهِ قَبْلَ قُعُودٍ) لِلتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَالْأَخِيرِ.
قَالَ الْمَجْدُ: هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُعْفَى عَنْ ذَلِكَ، لِأَنَّ التَّحَرُّزَ عَنْهُ يَعْسُرُ، وَالسَّهْوَ بِهِ يَكْثُرُ، فَفِي الْإِبْطَالِ بِهِ وَالسُّجُودِ لَهُ مَشَقَّةٌ (وَمِنْهَا) أَيْ: الْوَاجِبَاتِ (تَشَهُّدٌ أَوَّلُ) وَهُوَ السَّابِعُ.
(وَ) الثَّامِنُ (جُلُوسٌ لَهُ) لِلْأَمْرِ بِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، مَعَ مَا تَقَدَّمَ، وَلِأَنَّهُ ﷺ سَجَدَ لِتَرْكِهِ (عَلَى غَيْرِ مَنْ قَامَ إمَامُهُ) إلَى ثَالِثَةٍ (سَهْوًا) فَيُتَابِعُهُ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ، وَجُلُوسُهُ لَهُ لِحَدِيثِ «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» ".
(وَالْمُجْزِئُ مِنْهُ) أَيْ: التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ (التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، سَلَامٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، سَلَامٌ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) ، أَوْ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَمَنْ تَرَكَ حَرْفًا مِنْ ذَلِكَ عَمْدًا، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، لِلِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ فِي كُلِّ الْأَحَادِيثِ (وَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ (عَمْدًا لِشَكٍّ فِي وُجُوبِهِ) بِأَنْ تَرَدَّدَ: أَوَاجِبٌ هُوَ أَمْ لَا؟ (لَمْ يَسْقُطْ) وُجُوبُهُ وَلَزِمَهُ الْإِعَادَةُ، لِأَنَّهُ تَرَكَ عَمْدًا مَا يَحْرُمُ تَرْكُهُ.
وَكَمَنْ تَرَدَّدَ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ فَلَمْ يَبْنِ عَلَى الْيَقِينِ، وَتَشَهَّدَ وَسَلَّمَ، بِخِلَافِ مَنْ تَرَكَ وَاجِبًا جَاهِلًا حُكْمَهُ، بِأَنْ لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ أَنَّ عَالِمًا قَالَ بِوُجُوبِهِ، فَهُوَ كَالسَّاهِي، فَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ إنْ عَلِمَ قَبْلَ فَوَاتِ مَحَلِّهِ، وَإِلَّا فَلَا، وَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، وَإِنْ اعْتَقَدَ مُصَلٍّ الْفَرْضَ سُنَّةً، أَوْ عَكْسَهُ، أَوْ لَمْ يَعْتَقِدْ شَيْئًا، أَوْ لَمْ يَعْرِفْ الشَّرْطَ مِنْ الرُّكْنِ، وَأَدَّى الصَّلَاةَ عَلَى وَجْهِهَا، فَهِيَ صَحِيحَةٌ، اكْتِفَاءً بِعِلْمِهِ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ الصَّلَاةِ.
[فَصْلٌ سُنَنُ الصَّلَاةِ]
فَصْلٌ وَالثَّالِثُ مِنْ أَقْوَالِ الصَّلَاةِ وَأَفْعَالِهَا (سُنَنُهَا. وَهِيَ مَا كَانَ فِيهَا. وَلَا تَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (بِتَرْكِهِ) أَيْ: الْمُصَلِّي لَهُ (وَلَوْ عَمْدًا) بِخِلَافِ الْأَرْكَانِ وَالْوَاجِبَاتِ (وَيُبَاحُ السُّجُودُ لِسَهْوِهِ) أَيْ: تَرْكِهِ سَهْوًا،
стр. 207
فَلَا يَجِبُ، وَلَا يُسْتَحَبُّ (وَهِيَ) ضَرْبَانِ: أَقْوَالٌ، وَهِيَ (اسْتِفْتَاحٌ وَتَعَوُّذٌ) مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، قَبْلَ الْقِرَاءَةِ فِي الْأَوَّلِ فِي الْأُولَى (وَقِرَاءَةُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ، وَكُلِّ سُورَةٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ.
(وَقِرَاءَةُ سُورَةٍ فِي فَجْرٍ، وَجُمُعَةٍ وَعِيدٍ، وَتَطَوُّعٍ، وَأُولَتَيْ مَغْرِبٍ وَرُبَاعِيَّةٍ، وَقَوْلُ: آمِينَ، وَقَوْلُ: مِلْءَ السَّمَوَاتِ) إلَى آخِرِهِ (بَعْدَ التَّحْمِيدِ لِغَيْرِ مَأْمُومٍ) وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَلَا يَزِيدُ عَلَى " رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ " (وَمَا زَادَ عَلَى مَرَّةٍ فِي تَسْبِيحِ) رُكُوعٍ وَسُجُودٍ، (وَ) مَا زَادَ عَلَى مَرَّةٍ (فِي سُؤَالِ الْمَغْفِرَةِ) بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ (وَدُعَاءٌ فِي تَشَهُّدٍ أَخِيرٍ، وَقُنُوتٌ فِي وِتْرٍ) وَمَا زَادَ عَلَى الْمُجْزِئِ فِي تَشَهُّدٍ أَوَّلَ وَأَخِيرٍ (وَسُنَنُ الْأَفْعَالِ مَعَ الْهَيْئَاتِ: خَمْسٌ وَأَرْبَعُونَ وَسُمِّيَتْ) أَيْ: سَمَّاهَا صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرُهُ (هَيْئَةً، لِأَنَّهَا) أَيْ: الْهَيْئَةَ (صِفَةٌ فِي غَيْرِهَا) وَمِنْ ذَلِكَ: رَفْعُ الْيَدَيْنِ مَبْسُوطَتَيْنِ مَمْدُودَتَيْ الْأَصَابِعِ، مُسْتَقْبِلًا بِبُطُونِهَا الْقِبْلَةَ إلَى حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ، عِنْدَ الْإِحْرَامِ وَالرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ،
وَوَضْعُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، وَجَعْلُهُمَا تَحْتَ سُرَّتِهِ، وَنَظَرُهُ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ وَتَفْرِقَتُهُ بَيْنَ قَدَمَيْهِ، وَمُرَاوَحَتُهُ بَيْنَهُمَا يَسِيرًا فِي قِيَامِهِ، وَقَبْضُ رُكْبَتَيْهِ بِيَدَيْهِ فِي الرُّكُوعِ، وَكَوْنُهُمَا مُفَرَّجَتَيْ الْأَصَابِعِ فِيهِ، وَمَدُّ ظَهْرِهِ مُسْتَوِيًا، وَجَعْلُ رَأْسِهِ حِيَالَهُ، وَمُجَافَاةُ عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ فِيهِ، وَبُدَاءَتُهُ بِوَضْعِ رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ يَدَيْهِ فِي سُجُودِهِ، وَتَمْكِينُ جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ وَسَائِرِ أَعْضَاءِ سُجُودِهِ بِالْأَرْضِ، وَتَفْرِيقُهُ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ يَدَيْهِ فِي سُجُودِهِ، وَإِقَامَةُ قَدَمَيْهِ، وَجَعْلُ بُطُونِ أَصَابِعِهِمَا عَلَى الْأَرْضِ، وَوَضْعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ مَبْسُوطَتَيْنِ مَضْمُومَتَيْ الْأَصَابِعِ، مُوَجَّهَتُهُمَا إلَى الْقِبْلَةِ فِيهِ، وَقِيَامُهُ إلَى الثَّانِيَةِ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ، وَكَذَلِكَ إلَى الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ.
وَاعْتِمَادُهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ عِنْدَ نُهُوضِهِ، وَافْتِرَاشُهُ إذَا جَلَسَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، وَتَوَرُّكُهُ فِي الْأَخِيرِ، وَوَضْعُ يَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الـ ﴿يُمْنَى، وَالْيُسْرَى عَلَى الْيُسْرَى، مَمْدُودَتَيْ الْأَصَابِعِ إذَا جَلَسَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَوَضْعُ الْيَدِ الْيُمْنَى عَلَى الْفَخِذِ الْيُمْنَى فِي تَشَهُّدِهِ مُحَلِّقًا إبْهَامَ يَدِهِ مَعَ الْوُسْطَى، قَابِضًا الْخِنْصَرَ وَالْبِنْصِرَ، وَالْإِشَارَةُ بِسَبَّابَتِهَا عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَوَضْعُ يَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى مَضْمُومَةَ الْأَصَابِعِ مَمْدُودَتَهَا مُوَجَّهَةً نَحْوَ الْقِبْلَةِ، وَالْتِفَاتُهُ يَمِينًا وَشِمَالًا فِي سَلَامِهِ، وَتَفْضِيلُ الشِّمَالِ عَلَى الْيَمِينِ فِي الْتِفَاتٍ
стр. 208
(فَدَخَلَ) فِي سُنَنِ الْهَيْئَاتِ (جَهْرُ) إمَامٍ بِنَحْوِ تَكْبِيرٍ وَتَسْمِيعٍ وَتَسْلِيمَةٍ أُولَى، وَقِرَاءَةٍ فِي جَهْرِيَّةٍ. وَدَخَلَ (وَإِخْفَاتٌ) بِنَحْوِ تَشَهُّدِ تَسْبِيحِ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ، وَسُؤَالِ مَغْفِرَةٍ وَتَحْمِيدٍ، وَقِرَاءَةٍ فِي غَيْرِ مَحَلِّ جَهْرٍ. وَكَذَا بِنَحْوِ تَكْبِيرٍ وَتَسْلِيمٍ، وَتَسْمِيعٍ لِغَيْرِ إمَامٍ، إلَّا الْمَأْمُومَ لِحَاجَةٍ.
(وَ) دَخَلَ (تَرْتِيلُ) قِرَاءَةٍ (وَتَخْفِيفُ) صَلَاةِ الْإِمَامِ (وَإِطَالَةُ الرَّكْعَةِ الْأُولَى) (وَتَقْصِيرُ) الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ ; لِأَنَّ هَذِهِ صِفَاتٌ فِي غَيْرِهَا فَهِيَ مِنْ الْهَيْئَاتِ.
وَعَدَّهَا بَعْضُهُمْ مِنْ سُنَنِ الْأَقْوَالِ (وَيُسَنُّ خُشُوعٌ) فِي صَلَاةٍ، وَهُوَ مِنْ عَمَلِ الْقَلْبِ.
قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ، فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] " أَيْ: الْمُخْبِتِينَ. وَالْخُشُوعُ: الْإِخْبَاتُ قَالَ: وَالْخُضُوعُ اللِّينُ وَالِانْقِيَادُ وَلِذَلِكَ يُقَالُ: الْخُشُوعُ بِالْجَوَارِحِ، وَالْخُضُوعُ بِالْقَلْبِ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] " أَيْ: خَائِفُونَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، مُتَذَلِّلُونَ لَهُ، مُلْزِمُونَ أَبْصَارَهُمْ مَسَاجِدَهُمْ وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْخُشُوعُ الْخُضُوعُ وَالْإِخْبَاتُ.
[بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ]
ِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ: السَّهْوُ فِي الشَّيْءِ تَرْكُهُ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ، وَعَنْ الشَّيْءِ: تَرْكُهُ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ (يُشْرَعُ) أَيْ: يَجِبُ، أَوْ يُسَنُّ، كَمَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ (لِزِيَادَةٍ) فِي الصَّلَاةِ (وَنَقْصٍ) مِنْهَا سَهْوًا، وَ (لَا) يُشْرَعُ إذَا زَادَ، أَوْ نَقَصَ مِنْهَا (عَمْدًا) لِأَنَّ السُّجُودَ يُضَافُ إلَى السَّهْوِ فَدَلَّ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِهِ. وَالشَّرْعُ إنَّمَا وَرَدَ بِهِ فِيهِ، وَيَلْزَمُ مِنْ انْجِبَارِ السَّهْوِ انْجِبَارُ الْعَمْدِ، لِوُجُوبِ الْعُذْرِ فِي السَّهْوِ.
(وَ) يُشْرَعُ أَيْضًا سُجُودُ السَّهْوِ (لِشَكٍّ فِي الْجُمْلَةِ) أَيْ: بَعْضِ الْمَسَائِلِ، كَمَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ، فَلَا يُشْرَعُ لِكُلِّ شَكٍّ، بَلْ وَلَا لِكُلِّ زِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ، كَمَا سَتَقِفُ عَلَيْهِ.
وَ (لَا) يُشْرَعُ سُجُودُ السَّهْوِ (إذَا كَثُرَ) الشَّكُّ (حَتَّى صَارَ كَوَسْوَاسٍ) لِأَنَّهُ يَخْرُجُ بِهِ إلَى نَوْعٍ مِنْ الْمُكَابَرَةِ فَيَقْضِي الزِّيَادَةَ فِي الصَّلَاةِ، مَعَ تَيَقُّنِ إتْمَامِهَا فَلَزِمَهُ طَرْحُهُ وَاللَّهْوُ عَنْهُ (بِنَفْلٍ) مُتَعَلِّقٍ بِشَرْعٍ (وَفَرْضٍ) لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ : «إذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» ".
وَلِأَنَّ النَّفَلَ صَلَاةٌ ذَاتُ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ أَشْبَهَ الْفَرِيضَةَ (سِوَى) صَلَاةِ (جِنَازَةٍ) فَلَا سُجُودَ
стр. 209
لِسَهْوٍ فِيهَا لِأَنَّهُ لَا سُجُودَ فِي صُلْبِهَا فَجَبْرُهَا أَوْلَى.
(وَ) سِوَى (سُجُودِ تِلَاوَةٍ، وَ) سُجُودِ (شُكْرٍ) لِئَلَّا يَلْزَمَ زِيَادَةُ الْجَابِرِ عَلَى الْأَصْلِ.
(وَ) سِوَى سُجُودِ (سَهْوٍ) حَكَاهُ إِسْحَاقُ إجْمَاعًا، لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى التَّسَلْسُلِ.
وَكَذَا لَوْ سَهَا بَعْدَ سُجُودِ السَّهْوِ، وَلَمْ يَسْجُدْ لِذَلِكَ (فَمَتَى زَادَ) سَهْوًا (فِعْلًا مِنْ جِنْسِهَا) أَيْ: الصَّلَاةِ (قِيَامًا، أَوْ قُعُودًا، وَلَوْ) كَانَ الْقُعُودُ عَقِبَ رَكْعَةٍ، وَكَانَ (قَدْرَ جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ) سَجَدَ لِذَلِكَ ; لِأَنَّهُ زَادَ جِلْسَةً أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ قَائِمًا فَجَلَسَ (أَوْ) زَادَ
(رُكُوعًا، أَوْ سُجُودًا) سَهْوًا (أَوْ نَوَى الْقَصْرَ) حَيْثُ يُبَاحُ (قَائِمٌ سَهْوًا، سَجَدَ لَهُ) وُجُوبًا إلَّا فِي الْإِتْمَامِ فَاسْتِحْبَابًا لِحَدِيثِ «إذَا زَادَ الرَّجُلُ، أَوْ نَقَصَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَ) إنْ كَانَ فِعْلُهُ ذَلِكَ (عَمْدًا بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ ; لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِهَيْئَتِهَا (إلَّا فِي الْإِتْمَامِ) أَيْ: إذَا نَوَى الْقَصْرَ، فَأَتَمَّ عَمْدًا، فَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ رَجَعَ إلَى الْأَصْلِ.
(وَإِنْ قَامَ) مُصَلٍّ (لِرَكْعَةٍ زَائِدَةٍ) سَهْوًا، كَثَالِثَةٍ فِي فَجْرٍ، وَرَابِعَةٍ فِي مَغْرِبٍ، وَخَامِسَةٍ فِي رُبَاعِيَّةٍ (جَلَسَ) بِلَا تَكْبِيرٍ (مَتَى ذَكَرَ) أَنَّهَا زَائِدَةٌ وُجُوبًا لِئَلَّا يُغَيِّرَ هَيْئَةَ الصَّلَاةِ (وَلَا يَتَشَهَّدُ إنْ) كَانَ (تَشَهَّدَ) قَبْلَ قِيَامِهِ، لِوُقُوعِهِ مَوْقِعَهُ.
وَإِنْ كَانَ تَشَهَّدَ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ .
صَلَّى عَلَيْهِ (وَسَجَدَ) لِلسَّهْوِ (وَسَلَّمَ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَشَهَّدَ قَبْلَ قِيَامِهِ تَشَهَّدَ وَسَجَدَ وَسَلَّمَ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ حَتَّى خَرَجَ مِنْهَا، سَجَدَ لَهَا لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ «: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَمْسًا فَلَمَّا انْفَتَلَ تَوَشْوَشَ الْقَوْمُ بَيْنَهُمْ فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ زِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: لَا فَقَالُوا: فَإِنَّكَ صَلَّيْتَ خَمْسًا، فَانْفَتَلَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى، كَمَا تَنْسَوْنَ فَإِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» .
" وَفِي رِوَايَةِ «إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَذْكُرُ كَمَا تَذْكُرُونَ، وَأَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ لِلسَّهْوِ» " وَفِي رِوَايَةِ قَالَ «وَإِذَا زَادَ الرَّجُلُ، أَوْ نَقَصَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» " رَوَاهُ بِطُرُقِهِ مُسْلِمٌ.
(وَمَنْ نَوَى) صَلَاةَ (رَكْعَتَيْنِ) نَفْلًا (فَقَامَ إلَى ثَالِثَةٍ نَهَارًا فَالْأَفْضَلُ) لَهُ (أَنْ يُتِمَّهَا أَرْبَعًا وَلَا يَسْجُدُ لِسَهْوٍ) لِإِبَاحَةِ ذَلِكَ، وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ، وَإِنْ قَامَ إلَى خَامِسَةٍ فَأَكْثَرَ، رَجَعَ وَسَجَدَ، وَإِلَّا بَطَلَتْ.
(وَ) إنْ نَوَى رَكْعَتَيْنِ نَفْلًا فَقَامَ إلَى ثَالِثَةٍ (لَيْلًا فَكَقِيَامِهِ إلَى) رَكْعَةٍ (ثَالِثَةٍ ب) صَلَاةِ (فَجْرٍ) نَصًّا. لِحَدِيثِ «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» " وَلِأَنَّهَا
стр. 210
صَلَاةٌ شُرِعَتْ رَكْعَتَيْنِ أَشْبَهَتْ الْفَرِيضَةَ ;
(وَمَنْ) سَهَا عَلَيْهِ فَ (نَبَّهَهُ ثِقَتَانِ) وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ امْرَأَتَيْنِ (فَأَكْثَرَ) سَوَاءٌ شَارَكُوهُ فِي الْعِبَادَةِ، بِأَنْ كَانَ إمَامًا لَهُمْ، أَوْ لَا (وَيَلْزَمُهُمْ تَنْبِيهُهُ. لَزِمَهُ الرُّجُوعُ) لِيَرْجِعَ لِلصَّوَابِ إلَى تَنْبِيهُهُمْ ; لِأَنَّهُ ﷺ قَبِلَ قَوْلَ الْقَوْمِ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ ; فَإِنْ نَبَّهَهُ وَاحِدٌ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِ ; لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَرْجِعْ لِذِي الْيَدَيْنِ وَحْدَهُ. وَكَذَا حُكْمُ طَوَافٍ، فَإِذَا قَالَ: اثْنَانِ فَأَكْثَرُ: طُفْت كَذَا، عَمِلَ بِقَوْلِهِمَا وَإِلَّا عَمِلَ بِالْيَقِينِ.
(وَلَوْ ظَنَّ) الْمُصَلِّي (خَطَأَهُمَا) أَيْ: الْمُنَبِّهَيْنِ لَهُ، كَمَا يَلْزَمُ الْحَاكِمَ الرُّجُوعُ إلَى شَهَادَةِ الْعَدْلَيْنِ (مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ) مُصَلٍّ (صَوَابَ نَفْسِهِ) فَلَا يَجُوزُ رُجُوعُهُ، كَالْحَاكِمِ إذَا عَلِمَ كَذِبَ الْبَيِّنَةِ (أَوْ) لَا مَا لَمْ (يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ مَنْ يُنَبِّهُهُ) فَيَسْقُطُ قَوْلُهُمْ، كَبَيِّنَتَيْنِ تَعَارَضَتَا، وَ (لَا) يَلْزَمُهُ رُجُوعٌ إلَى (فِعْلِ مَأْمُومِينَ) مِنْ نَحْوِ قِيَامٍ وَقُعُودٍ بِلَا تَنْبِيهٍ، لِأَمْرِ الشَّارِعِ بِالتَّنْبِيهِ: بِتَسْبِيحِ الرِّجَالِ، وَتَصْفِيقِ النِّسَاءِ.
(فَإِنْ أَبَاهُ) أَيْ: الرُّجُوعَ (إمَامٌ) وَجَبَ عَلَيْهِ (قَامَ ل) رَكْعَةٍ (زَائِدَةٍ) مَثَلًا (بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) لِتَعَمُّدِهِ تَرْكَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ (ك) صَلَاةِ (مُتَّبِعِهِ) أَيْ: مَأْمُومٍ تَابَعَهُ فِي الزِّيَادَةِ (عَالِمًا) بِزِيَادَتِهَا (ذَاكِرًا) لَهَا لِأَنَّهُ إنْ قِيلَ: بِبُطْلَانِ صَلَاةِ الْإِمَامِ لَمْ يَجُزْ اتِّبَاعُهُ فِيهَا، وَإِنْ قِيلَ بِصِحَّتِهَا فَهُوَ يَعْتَقِدُ خَطَأَهُ،
وَأَنَّ مَا قَامَ إلَيْهِ لَيْسَ مِنْ صَلَاتِهِ، فَإِنْ تَبِعَهُ جَاهِلًا، أَوْ نَاسِيًا، أَوْ فَارَقَهُ صَحَّتْ لَهُ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ تَابَعُوا فِي الْخَامِسَةِ لِتَوَهُّمِ النَّسْخِ، وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِالْإِعَادَةِ، وَيَلْزَمُ مَنْ عَلِمَ الْحَالَ مُفَارَقَتُهُ (وَلَا يَعْتَدُّ بِهَا) أَيْ: بِالزَّائِدَةِ (مَسْبُوقٌ) دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ فِيهَا جَاهِلًا زِيَادَتَهَا ; لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ لَا يَعْتَدُّ بِهَا الْإِمَامُ،
وَلَا تَجِبُ مُتَابَعَتُهُ فِيهَا، عَلَى عَالِمٍ بِالْحَالِ، فَلَمْ يَعْتَدَّ بِهَا الْمَسْبُوقُ، وَعُلِمَ مِنْهُ: انْعِقَادُ صَلَاتِهِ إنْ لَمْ يَعْلَمْ لِلْعُذْرِ (وَيُسَلِّمُ) الْمَأْمُومُ (الْمُفَارِقُ) لِإِمَامِهِ بَعْدَ قِيَامِهِ إلَى الزَّائِدَةِ، وَتَنْبِيهِهِ وَإِبَائِهِ الرُّجُوعَ، إذَا أَتَمَّ التَّشَهُّدَ الْأَخِيرَ (وَلَا تَبْطُلُ) صَلَاةُ إمَامٍ (إنْ أَبَى أَنْ يَرْجِعَ لِجُبْرَانِ نَقْصٍ) كَمَا لَوْ نَهَضَ عَنْ تَشَهُّدٍ أَوَّلَ وَنَحْوِهِ، وَنَبَّهُوهُ بَعْدَ أَنْ قَامَ وَلَمْ يَرْجِعْ لِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَيَأْتِي مُوَضَّحًا.
(وَعَمَلٌ مُتَوَالٍ مُسْتَكْثَرٍ عَادَةً) فَلَا يَتَقَيَّدُ بِثَلَاثٍ وَلَا غَيْرِهَا مِنْ الْعَدَدِ، بَلْ مَا عُدَّ فِي الْعَادَةِ كَثِيرًا، بِخِلَافِ مَا يُشْبِهُ فِعْلَهُ ﷺ كَمَا تَقَدَّمَ فِي فَتْحِهِ الْبَابَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا
وَتَأَخُّرِهِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ، وَفِعْلِ أَبِي بَرْزَةَ لَمَّا نَازَعَتْهُ دَابَّتُهُ، فَهَذَا لَا يُبْطِلُهَا (مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا) أَيْ:
стр. 211
الصَّلَاةِ، كَلَفِّ عِمَامَةٍ وَلُبْسٍ وَمَشْيٍ (يُبْطِلُهَا) أَيْ: الصَّلَاةَ (عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ وَجَهْلُهُ) لِأَنَّهُ يَقْطَعُ الْمُوَالَاةَ بَيْنَ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ (إنْ لَمْ تَكُنْ ضَرُورِيَّةً: كَخَوْفٍ وَهَرَبٍ مِنْ عَدُوٍّ وَنَحْوِهِ) كَسَيْلٍ وَحَرِيقٍ وَسَبُعٍ،
فَإِنْ كَانَتْ ضَرُورَةً لَمْ تَبْطُلْ. وَعَدَّ ابْنُ الْجَوْزِيِّ مِنْ الضَّرُورَةِ مَنْ بِهِ حَكٌّ لَا يَصْبِرُ عَنْهُ، وَكَذَا إنْ كَانَ يَسِيرًا، أَوْ لَمْ يَتَوَالَ، وَلَوْ كَثُرَ (وَإِشَارَةُ أَخْرَسَ كَفِعْلِهِ) لَا كَقَوْلِهِ: فَلَا تُبْطِلُ الصَّلَاةَ إلَّا إذَا كَثُرَتْ وَتَوَالَتْ.
(وَكُرِهَ) عَمَلٌ (يَسِيرٌ) فِي الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا (بِلَا حَاجَةٍ) إلَيْهِ ; لِأَنَّهُ عَبَثٌ (وَلَا يُشْرَعُ لَهُ سُجُودٌ) وَلَوْ سَهْوًا، لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ وَلَا لِحَدِيثِ نَفْسٍ ; لِأَنَّهُ يَعْسُرُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ (وَلَا تَبْطُلُ) صَلَاةٌ (بِعَمَلِ قَلْبٍ) وَلَوْ طَالَ نَصًّا، لِمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ.
(وَ) لَا تَبْطُلُ أَيْضًا ب (إطَالَةِ نَظَرٍ إلَى شَيْءٍ) وَلَوْ إلَى كِتَابٍ وَقِرَاءَتِهِ مَا فِيهِ بِقَلْبِهِ دُونَ لِسَانِهِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ فَعَلَهُ (وَلَا) تَبْطُلُ أَيْضًا (بِأَكْلٍ وَشُرْبٍ يَسِيرَيْنِ عُرْفًا، سَهْوًا، أَوْ جَهْلًا) لِعُمُومِ «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ» " فَإِنْ كَثُرَ أَحَدُهُمْ بَطَلَتْ ; لِأَنَّهُ عَمَلٌ مُسْتَكْثَرٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا.
(وَلَا) تَبْطُلُ أَيْضًا (بِبَلْعِ) مَصْلِ (مَا بَيْنَ أَسْنَانِهِ بِلَا مَضْغٍ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَكْلٍ وَيَسِيرٌ (وَلَوْ لَمْ يَجْرِ بِهِ) أَيْ: بِمَا بَيْنَ أَسْنَانِهِ (رِيقٌ) نَصًّا، قَالَ فِي التَّنْقِيحِ وَتَبِعَهُ الْعَسْكَرِيُّ ثُمَّ الشُّوَيْكِيُّ، وَقَالَ فِي الْإِقْنَاعِ، تَبَعًا لِلْمَجْدِ: وَمَا لَا يَجْرِي بِهِ رِيقُهُ بَلْ يَجْرِي بِنَفْسِهِ، وَهُوَ مَا لَهُ جُرْمٌ تَبْطُلُ بِهِ، أَيْ: لِأَنَّهُ لَا يَعْسُرُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ.
وَهُوَ مَفْهُومُ الرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ وَالْإِنْصَافِ وَالْمُبْدِعِ، وَإِنْ تَرَكَ فِي فَمِهِ لُقْمَةً بِلَا مَضْغٍ وَلَا بَلْعٍ كُرِهَ وَصَحَّتْ صَلَاتُهُ فَإِنْ لَاكَهَا بِلَا بَلْعٍ، فَكَالْعَمَلِ إنْ كَثُرَ بَطَلَتْ وَإِلَّا فَلَا.
(وَلَا) يَبْطُلُ (نَفْلُ) صَلَاةٍ (بِيَسِيرِ شُرْبٍ عَمْدًا) نَصًّا. رُوِيَ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ " أَنَّهُ شَرِبَ فِي التَّطَوُّعِ " لِأَنَّ مَدَّهُ وَإِطَالَتَهُ مُسْتَحَبَّةٌ مَطْلُوبَةٌ، فَيَحْتَاجُ مَعَهُ كَثِيرًا إلَى جُرْعَةِ مَاءٍ لِدَفْعِ عَطَشٍ، كَمَا سُومِحَ فِيهِ فِي الْجُلُوسِ وَعَلَى الرَّاحِلَةِ، وَعُلِمَ مِنْهُ: أَنَّهُ يُبْطِلُ الْفَرْضَ، وَأَنْ يَسِيرَ الْأَكْلِ عَمْدًا يُبْطِلُهُمَا ; لِأَنَّهُ يُنَافِي هَيْئَةَ الصَّلَاةِ، وَأَنَّ الْكَثِيرَ يُبْطِلُهُمَا وَلَوْ سَهْوًا، أَوْ جَهْلًا، لِأَنَّ الصَّلَاةَ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ فَيَنْدُرُ ذَلِكَ فِيهَا، وَهِيَ أَدْخَلُ فِي الْفَسَادِ بِدَلِيلِ الْحَدَثِ وَالنَّوْمِ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ، وَلِأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ عَنْ الْقِيَاسِ.
(وَبَلْعُ ذَوْبِ سُكَّرٍ وَنَحْوَهُ) كَحَلْوَى وَتَرْنْجَبِيلٍ (بِفَمٍ كَأَكْلٍ) فَتَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ مُطْلَقًا مَعَ الْعَمْدِ فَإِنْ كَثُرَ بَطَلَتْ وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ فَتَحَ فَاهُ فَحَصَلَ فِيهِ مَاءٌ فَابْتَلَعَهُ،
стр. 212
فَكَشُرْبٍ.
(وَسُنَّ سُجُودُ) سَهْوٍ لِمُصَلٍّ (لِإِتْيَانِهِ بِقَوْلٍ مَشْرُوعٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ سَهْوًا، كَقِرَاءَتِهِ سُورَةً فِي) الرَّكْعَتَيْنِ (الْأَخِيرَتَيْنِ) مِنْ رُبَاعِيَّةٍ، أَوْ فِي ثَالِثَةِ مَغْرِبٍ (أَوْ) قِرَاءَتِهِ (قَاعِدًا) ، أَوْ رَاكِعًا (أَوْ سَاجِدًا، وَكَتَشَهُّدِهِ قَائِمًا) لِعُمُومِ «إذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَكَالسَّلَامِ مِنْ نُقْصَانٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوعًا كَآمِينَ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا لَمْ يُشْرَعْ لَهُ سُجُودٌ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ مَنْ سَمِعَهُ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ " الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى ".
(وَإِنْ سَلَّمَ) مُصَلٍّ (قَبْلَ إتْمَامِهَا) أَيْ: الصَّلَاةِ (عَمْدًا بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ ; لِأَنَّهُ تَكَلَّمَ فِيهَا وَالْبَاقِي مِنْهَا إمَّا رُكْنٌ، أَوْ وَاجِبٌ، وَكِلَاهُمَا يُبْطِلُهَا تَرْكُهُ عَمْدًا (وَ) إنْ سَلَّمَ قَبْلَ إتْمَامِهَا (سَهْوًا) لَمْ تَبْطُلْ بِهِ، وَلَهُ إتْمَامُهَا ; لِأَنَّهُ ﷺ وَأَصْحَابَهُ فَعَلُوهُ، وَبَنَوْا عَلَى صَلَاتِهِمْ لِأَنَّ جِنْسَهُ مَشْرُوعٌ فِيهَا، أَشْبَهَ الزِّيَادَةَ فِيهَا مِنْ جِنْسِهَا.
(فَإِنْ ذَكَرَ) مَنْ سَلَّمَ قَبْلَ إتْمَامِهَا سَهْوًا: أَنَّهُ لَمْ يُتِمَّهَا (قَرِيبًا عُرْفًا وَلَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ) نَصًّا (أَوْ شَرَعَ فِي) صَلَاةٍ (أُخْرَى، وَتُقْطَعُ) الَّتِي شَرَعَ فِيهَا مَعَ قُرْبِ فَصْلٍ، وَعَادَ إلَى الْأُولَى (أَتَمَّهَا وَسَجَدَ لِسَهْوِهِ) لِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ «سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ مِنْ الْعَصْرِ، ثُمَّ قَامَ فَدَخَلَ الْحُجْرَةَ، فَقَامَ رَجُلٌ بَسِيطُ الْيَدَيْنِ، فَقَالَ: أَقُصِرَتْ الصَّلَاةُ، أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَخَرَجَ فَصَلَّى الرَّكْعَةَ الَّتِي كَانَ تَرَكَ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ، ثُمَّ سَلَّمَ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ سَهْوَهُ قَرِيبًا بِأَنْ طَالَ الزَّمَنُ عُرْفًا (بَطَلَتْ) لِفَوَاتِ الْمُوَالَاةِ بَيْنَ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ (أَوْ أَحْدَثَ) بَطَلَتْ لِأَنَّ الْحَدَثَ بِنَاءٌ فِيهَا.
(أَوْ تَكَلَّمَ مُطْلَقَا) أَيْ: إمَامًا كَانَ، أَوْ غَيْرَهُ، عَمْدًا، أَوْ سَهْوًا، أَوْ جَهْلًا، طَائِعًا، أَوْ مُكْرَهًا، فَرْضًا، أَوْ نَفْلًا، لِمَصْلَحَتِهَا، أَوْ لَا فِي صُلْبِهَا، أَوْ بَعْدَ سَلَامِهِ سَهْوًا وَاجِبًا، كَتَحْذِيرِ نَحْوِ ضَرِيرٍ، أَوْ لَا بَطَلَتْ لِحَدِيثِ «إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْهُ: لَا تَبْطُلُ بِيَسِيرٍ لِمَصْلَحَتِهَا وَمَشَى عَلَيْهِ فِي الْإِقْنَاعِ وَغَيْرِهِ، لِقِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ (أَوْ قَهْقَهَ هُنَا) أَيْ: بَعْدَ أَنْ سَلَّمَ سَهْوًا بَطَلَتْ (أَوْ) قَهْقَهَ (فِي صُلْبِهَا بَطَلَتْ) كَالْكَلَامِ، وَأَوْلَى.
وَ (لَا) تَبْطُلُ (إنْ نَامَ) مُصَلٍّ يَسِيرًا قَائِمًا، أَوْ جَالِسًا (فَتَكَلَّمَ، أَوْ سَبَقَ) الْكَلَامُ (عَلَى لِسَانِهِ حَالَ قِرَاءَتِهِ) لِأَنَّهُ مَغْلُوبٌ عَلَى
стр. 213
الْكَلَامِ. أَشْبَهَ مَا لَوْ غَلِطَ فِي الْقُرْآنِ فَأَتَى بِكَلِمَةِ مِنْ غَيْرِهِ وَلِأَنَّ النَّائِمَ مَرْفُوعٌ عَنْهُ الْقَلَمُ (وَكَكَلَامٍ) فِي الْحُكْمِ (إنْ تَنَحْنَحَ بِلَا حَاجَةٍ) فَبَانَ حَرْفًا (أَوْ نَفَخَ ; فَبَانَ حَرْفَانِ) فَتَبْطُلُ بِهِ صَلَاتُهُ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ " مَنْ نَفَخَ فِي صَلَاتِهِ فَقَدْ تَكَلَّمَ " رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا يَثْبُتُ عَنْهُمَا وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي فَإِنْ كَانَ التَّنَحْنُحُ لِحَاجَةٍ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ وَلَوْ بَانَ حَرْفَانِ.
قَالَ الْمَرْوَزِيِّ: كُنْت آتِي أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فَيَتَنَحْنَحُ فِي صَلَاتِهِ لِأَعْلَمَ أَنَّهُ يُصَلِّي.
وَ (لَا) تَبْطُلُ (إنْ انْتَحَبَ) مُصَلٍّ (خَشْيَةً) مِنْ اللَّهِ تَعَالَى (، أَوْ غَلَبَهُ سُعَالٌ،، أَوْ عُطَاسٌ،، أَوْ تَثَاؤُبٌ وَنَحْوُهُ) كَبُكَاءٍ وَلَوْ بَانَ مِنْهُ حَرْفَانِ نَصَّ عَلَيْهِ فِيمَنْ غَلَبَهُ الْبُكَاءُ وَقَالَ مُهَنَّا: صَلَّيْت إلَى جَنْبِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، فَتَثَاءَبَ خَمْسَ مُرَّاتٍ، وَسُمِعَتْ لِتَثَاؤُبِهِ هَاه هَاه وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْكَلَامِ تَقُولُ: تَثَاءَبْتُ، عَلَى وَزْنِ تَفَاعَلْتُ: وَلَا تَقُلْ تَثَاوَبْتُ قَالَ فِي الصِّحَاحِ: وَيُكْرَهُ اسْتِدْعَاءُ اُلْبُكَا كَضَحِكٍ، وَيُجِيبُ وَالِدَيْهِ فِي نَفْلٍ وَتَبْطُلُ بِهِ،
وَيَجُوزُ إخْرَاجُ زَوْجَةٍ مِنْ نَفْلٍ لِحَقِّ زَوْجِهَا. فَصْلٌ وَمَنْ تَرَكَ رُكْنًا غَيْرَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ
سَهْوًا كَرُكُوعٍ، أَوْ سُجُودٍ، أَوْ رَفَعَ مِنْ أَحَدِهِمَا، أَوْ طُمَأْنِينَةٍ (فَذَكَرَهُ) أَيْ: الرُّكْنَ الْمَتْرُوكَ (بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ رَكْعَةٍ أُخْرَى) غَيْرِ الَّتِي تَرَكَهُ مِنْهَا (بَطَلَتْ) الرَّكْعَةُ (الَّتِي تَرَكَهُ مِنْهَا) وَقَامَتْ الَّتِي تَلِيهَا مَقَامَهَا لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ اسْتِدْرَاكُ الْمَتْرُوكِ، لِتَلَبُّسِهِ بِفَرْضِ قِرَاءَةِ الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى فَلَغَتْ رَكْعَتُهُ.
قَالَ الْأَثْرَمُ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَجُلٍ صَلَّى رَكْعَةً، ثُمَّ قَامَ إلَى أُخْرَى، فَذَكَرَ أَنَّهُ إنَّمَا سَجَدَ سَجْدَةً وَاحِدَةٍ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى،
فَقَالَ: إنْ كَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ مَا قَامَ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ عَمَلًا لِلثَّانِيَةِ فَإِنَّهُ يَنْحَطُّ، وَيَسْجُدُ، وَيَعْتَدُّ بِهَا وَإِنْ كَانَ قَدْ أَحْدَثَ عَمَلًا لَهَا، جَعَلَ هَذِهِ الْأُولَى، وَأَلْغَى مَا قَبْلَهَا قُلْت: فَيَسْتَفْتِحُ، أَوْ يَجْتَزِئُ بِالِاسْتِفْتَاحِ الْأَوَّلِ؟ قَالَ: يُجْزِئُهُ الْأَوَّلُ قُلْت: فَنَسِيَ سَجْدَتَيْنِ مِنْ رَكْعَتَيْنِ؟ قَالَ: لَا يَعْتَدُّ بِتِلْكَ الرَّكْعَتَيْنِ وَأَمَّا تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ فَلَا تَنْعَقِدُ
стр. 214
بِتَرْكِهَا، وَكَذَا النِّيَّةُ إنْ قِيلَ: هِيَ رُكْنٌ (فَلَوْ رَجَعَ) مَنْ تَرَكَ رُكْنًا إلَيْهِ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي مَقْصُودِ الْقِيَامِ، وَهُوَ الْقِرَاءَةُ: إلْغَاءً لِعَمَلٍ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ.
وَإِنْ رَجَعَ نَاسِيًا، أَوْ جَاهِلًا لَمْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَلَا يَعْتَدُّ بِمَا فَعَلَهُ فِي الرَّكْعَةِ لِأَنَّهَا فَسَدَتْ بِشُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ غَيْرِهَا فَلَمْ تَعُدْ إلَى الصِّحَّةِ بِحَالٍ ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ.
(وَ) إنْ ذَكَرَ مَا تَرَكَهُ (قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ رَكْعَةٍ أُخْرَى لَزِمَهُ أَنْ يَعُودَ إلَى الرُّكْنِ الْمَتْرُوكِ لِيَأْتِيَ بِهِ (رُكْنٌ لَا يَسْقُطُ بِسَهْوٍ) وَلَا غَيْرِهِ.
وَيَأْتِي بِمَا بَعْدَهُ لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ لِأَنَّ مَحَلَّهُ بَعْدَ الرُّكْنِ الْمَنْسِيِّ فَلَوْ ذَكَرَ الرُّكُوعَ، وَقَدْ جَلَسَ عَادَةً فَأَتَى بِهِ وَبِمَا بَعْدَهُ، وَإِنْ سَجَدَ سَجْدَةً ثُمَّ قَامَ، فَإِنْ جَلَسَ لِلْفَصْلِ سَجَدَ الثَّانِيَةَ، وَلَمْ يَجْلِسْ وَإِلَّا جَلَسَ وَإِنْ كَانَ جَلَسَ لِلِاسْتِرَاحَةِ لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ جِلْسَةِ الْفَصْلِ (إنْ لَمْ يَعُدْ) إلَى ذَلِكَ عَالِمًا (عَمْدًا بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا يُمْكِنُهُ الْإِتْيَانُ بِهِ فِي مَحَلِّهِ عَالِمًا عَمْدًا أَشْبَهَ مَا لَوْ تَرَكَ سَجْدَةً مِنْ رَكْعَةٍ أَخِيرَةٍ وَسَلَّمَ - ثُمَّ ذَكَرَ، وَلَمْ يَسْجُدْهَا فِي الْحَالِ (وَ) إنْ لَمْ يَعُدْ (سَهْوًا) أَوْ جَهْلًا (بَطَلَتْ الرَّكْعَةُ) الْمَتْرُوكُ رُكْنُهَا بِشُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ مَا بَعْدَهَا.
(وَ) إنْ لَمْ يَذْكُرْ مَا تَرَكَهُ إلَّا (بَعْدَ السَّلَامِ فَ) ذَلِكَ (كَتَرْكِ رَكْعَةٍ) كَامِلَةٍ فَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ نَصَّ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةِ حَرْبٍ، إنْ لَمْ يَطُلْ فَصْلٌ، أَوْ يُحْدِثْ، أَوْ يَتَكَلَّمْ لِأَنَّ الرَّكْعَةَ بِتَرْكِ رُكْنِهَا لَغَتْ فَصَارَ وُجُودُهَا كَعَدَمِهَا فَكَأَنَّهُ سَلَّمَ عَنْ تَرْكِ رَكْعَةٍ (مَا لَمْ يَكُنْ) مَا ذَكَرَ بَعْدَ السَّلَامِ أَنَّهُ كَانَ تَرَكَهُ (تَشَهُّدًا أَخِيرًا، أَوْ) يَكُنْ (سَلَامًا فَيَأْتِيَ بِهِ) فَقَطْ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ غَيْرَهُ.
(وَيَسْجُدُ) لِلسَّهْوِ (وَيُسَلِّمُ) بَعْدَ التَّشَهُّدِ لِسُجُودِ السَّهْوِ كَمَا يَأْتِي، وَمَتَى مَضَى مُصَلٍّ فِي مَوْضِعٍ يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ، أَوْ رَجَعَ فِي مَوْضِعٍ يَلْزَمُهُ الْمُضِيُّ، عَالِمًا تَحْرِيمَهُ بَطَلَتْ لِأَنَّهُ كَتَرْكِ الْوَاجِبِ عَمْدًا وَإِنْ فَعَلَهُ يَعْتَقِدُ جَوَازَهُ لَمْ تَبْطُلُ، كَتَرْكِ الْوَاجِبِ سَهْوًا.
(وَإِنْ نَسِيَ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ: أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ) مِنْ كُلِّ رَكْعَةٍ سَجْدَةٌ (وَذَكَرَ وَقَدْ قَرَأَ فِي) رَكْعَةٍ (خَامِسَةٍ. فَهِيَ أُولَاهُ) لِأَنَّ الثَّانِيَةَ صَارَتْ أُولَاهُ بِشُرُوعِهِ فِي قِرَاءَتِهَا قَبْلَ تَمَامِ الْأُولَى، ثُمَّ صَارَتْ الثَّالِثَةُ أُولَاهُ أَيْضًا كَذَلِكَ، ثُمَّ الرَّابِعَةُ ثُمَّ الْخَامِسَةُ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ كُلَّ رَكْعَةٍ غَيْرِ تَامَّةٍ تَبْطُلُ بِشُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ الَّتِي بَعْدَهَا.
(وَ) إنْ ذَكَرَ الْمَنْسِيَّ مِنْ السَّجَدَاتِ (قَبْلَهُ) أَيْ: الشُّرُوعِ فِي قِرَاءَةِ الْخَامِسَةِ فَإِنَّهُ يَعُودُ فَ (يَسْجُدُ سَجْدَةً، فَتَصِحُّ لَهُ
стр. 215
رَكْعَةٌ) وَهِيَ الرَّابِعَةُ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْرَعْ فِي قِرَاءَةِ مَا بَعْدَهَا، وَتَصِيرُ أُولَاهُ (وَيَأْتِي بِثَلَاثِ) رَكَعَاتٍ لِأَنَّ الثَّلَاثَ قَبْلَ الرَّابِعَةِ لَغَتْ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) إنْ ذَكَرَ أَنَّهُ تَرَكَ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ (بَعْدَ السَّلَامِ، بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ مَنْ تَرَكَ رُكْنًا مِنْ رَكْعَةٍ وَلَمْ يَذْكُرْهُ حَتَّى سَلَّمَ: كَتَارِكِ رَكْعَةٍ فَيَكُونُ هَذَا كَتَارِكِ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ شَيْءٌ يَبْنِي عَلَيْهِ فَتَبْطُلُ.
(وَ) إنْ نَسِيَ مِنْ رُبَاعِيَّةٍ (سَجْدَتَيْنِ، أَوْ) نَسِيَ (ثَلَاثًا) مِنْ السَّجَدَاتِ (مِنْ رَكْعَتَيْنِ جَهِلَهُمَا) فَلَمْ يَدْرِ: أَهُمَا مِنْ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ، أَوْ الْأُولَى وَالثَّالِثَةِ، أَوْ الْأُولَى وَالرَّابِعَةِ، أَوْ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ، أَوْ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ؟ (أَتَى بِرَكْعَتَيْنِ) لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَتْرُوكُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الرَّابِعَةِ فَيَصِحُّ لَهُ رَكْعَتَانِ، يَبْنِي عَلَيْهِمَا وَيَأْتِي بِرَكْعَتَيْنِ.
(وَ) إنْ نَسِيَ (ثَلَاثًا، أَوْ أَرْبَعًا) مِنْ السَّجَدَاتِ (مِنْ ثَلَاثِ) رَكَعَاتٍ مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ وَجَهِلَهَا (أَتَى بِثَلَاثِ) رَكَعَاتٍ وُجُوبًا، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِ الْأَخِيرَةِ فَتَلْغُوَ بِشُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ الرَّابِعَة وَتَصِيرَ أُولَاهُ فَيَبْنِيَ عَلَيْهَا.
(وَ) إنْ نَسِيَ (خَمْسًا) مِنْ السَّجَدَاتِ (مِنْ أَرْبَعِ) رَكَعَاتٍ (، أَوْ) نَسِيَ خَمْسَ سَجَدَاتٍ مِنْ (ثَلَاثِ) رَكَعَاتٍ مِنْ أَرْبَعَ وَجَهِلَهَا (أَتَى بِسَجْدَتَيْنِ) فَتَتِمُّ لَهُ رَكْعَةٌ فِي الصُّورَتَيْنِ (ثُمَّ) يَأْتِي (بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ) إنْ كَانَ التَّرْكُ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ (أَوْ) يَأْتِي (بِرَكْعَتَيْنِ) إنْ كَانَ التَّرْكُ مِنْ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ.
(وَ) إنْ نَسِيَ (مِنْ) الرَّكْعَةِ (الْأُولَى سَجْدَةً.
وَ) نَسِيَ مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ سَجْدَتَيْنِ (وَ) نَسِيَ (مِنْ رَابِعَةٍ سَجْدَةً) وَأَتَى بِالثَّالِثَةِ تَامَّةً فَهِيَ أُولَاهُ وَ (أَتَى بِسَجْدَةٍ) فَتَتِمُّ لَهُ الرَّابِعَةُ، وَتَكُونُ ثَانِيَةً (ثُمَّ) يَأْتِي (بِرَكْعَتَيْنِ) فَتَتِمُّ لَهُ الْأَرْبَعُ.
(وَمَنْ ذَكَرَ) فِي صَلَاتِهِ (تَرْكَ رُكْنٍ جَهِلَهُ) بِأَنْ لَمْ يَعْلَمْ: أَهُوَ رُكُوعٌ، أَوْ رَفْعٌ مِنْهُ؟ (أَوْ) جَهِلَ (مَحَلَّهُ) بِأَنْ ذَكَرَ تَرْكَ سَجْدَةٍ، وَلَمْ يَعْلَمْ: أَهِيَ مِنْ الْأَخِيرَةِ، أَوْ مِمَّا قَبْلَهَا؟ (عَمِلَ) وُجُوبًا (بِاسْتِوَاءِ التَّقْدِيرَيْنِ) فَيَجْعَلُهُ فِي الْأُولَى رُكُوعًا وَفِي الثَّانِيَةِ مِمَّا قَبْلَ الْأَخِيرَةِ، فَيَقُومُ فِي الْأُولَى، وَيَرْكَعُ وَيَرْفَعُ وَيَعْتَدِلُ وَيَسْجُدُ لِتَحْصُلَ لَهُ تَأْدِيَةُ فَرْضِهِ يَقِينًا وَيَأْتِي فِي الثَّانِيَةِ بِرَكْعَةٍ كَامِلَةٍ كَذَلِكَ،
وَكَذَا كُلُّ مَا تَيَقَّنَ بِهِ إتْمَامَ صَلَاتِهِ لِئَلَّا يَخْرُجَ مِنْهَا وَهُوَ شَاكٌّ فِيهَا، فَيَكُونَ مُغَرِّرًا بِهَا وَفِي الْحَدِيثِ «لَا غِرَارَ فِي صَلَاةٍ وَلَا تَسْلِيمَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد،
وَقَالَ أَحْمَدُ: أَيْ: لَا يَخْرُجُ مِنْهَا إلَّا عَلَى يَقِينِ أَنَّهَا تَمَّتْ.
وَإِنْ نَسِيَ آيَتَيْنِ مِنْ
следующие страницы →