Полный текст (1 968 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
الْوُضُوءُ عَلَى الْجُنُبِ وَنَحْوِهِ (وَاحْتَاجَ لِلُبْثٍ) فِي الْمَسْجِدِ ابْتِدَاءً أَوْ دَوَامًا لِحَبْسٍ أَوْ خَوْفٍ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالٍ وَنَحْوِهِ (جَازَ) اللُّبْثُ (بِلَا تَيَمُّمٍ) نَصًّا. وَاحْتُجَّ بِأَنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ " قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَنْزَلَهُمْ الْمَسْجِدَ " وَالْأَوْلَى أَنْ يَتَيَمَّمَ (وَتَيَمَّمَ) جُنُبٌ وَنَحْوُهُ (لِلَّبْثِ لِغُسْلٍ فِيهِ) أَيْ الْمَسْجِدِ إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ عَاجِلًا، وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ لِلُّبْثِ، خِلَافًا لِابْنِ قُنْدُسٍ، لِأَنَّهُ إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ جَازَ بِلَا تَيَمُّمٍ
(وَلَا يُكْرَهُ) غُسْلٌ فِي الْمَسْجِدِ (وَلَا وُضُوءٌ) فِيهِ (مَا لَمْ يُؤْذِ) الْمَسْجِدَ أَوْ مَنْ بِهِ (بِهِمَا) أَيْ بِمَاءِ الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ (وَتُكْرَهُ إرَاقَةُ مَاءَيْهِمَا بِهِ) أَيْ الْمَسْجِدِ (وَبِمَا يُدَاسُ) تَنْزِيهًا لِلْمَاءِ (وَمُصَلَّى الْعِيدِ، لَا) مُصَلَّى (الْجَنَائِزِ مَسْجِدٌ) لِقَوْلِهِ ﷺ «وَلْيَعْتَزِلْنَ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى» .
وَأَمَّا صَلَاةُ الْجَنَائِزِ فَلَيْسَتْ ذَاتَ رُكُوعٍ وَلَا سُجُودٍ بِخِلَافِ الْعِيدِ (وَيُمْنَعُ مِنْهُ مَجْنُونٌ وَسَكْرَانُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] وَالْمَجْنُونُ أَوْلَى مِنْهُ.
(وَ) يُمْنَعُ مِنْهُ (مَنْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ تَتَعَدَّى) لِئَلَّا يُلَوِّثَهُ (وَيُكْرَهُ تَمْكِينُ صَغِيرٍ) قَالَ فِي الْآدَابِ: وَالْمُرَادُ صَغِيرٌ لَا يُمَيِّزُ لِغَيْرِ فَائِدَةٍ. وَقَالَ: يُبَاحُ غَلْقُ بَابِهِ، لِئَلَّا يَدْخُلَهُ مَنْ يُكْرَهُ دُخُولُهُ إلَيْهِ نَصَّ عَلَيْهِ (وَيَحْرُمُ تَكَسُّبٌ بِصَنْعَةٍ فِيهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يُبْنَ لِذَلِكَ. وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ الْكِتَابَةَ لِأَنَّهَا نَوْعُ تَحْصِيلٍ لِلْعِلْمِ. وَيَحْرُمُ فِيهِ أَيْضًا الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ. وَلَا يَصِحَّانِ وَإِنْ عَمِلَ لِنَفْسِهِ نَحْوَ خِيَاطَةٍ لَا لِلتَّكَسُّبِ. فَاخْتَارَ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ الْجَوَازَ، وَقَالَ ابْنُ الْبَنَّاءِ: لَا يَجُوزُ.
[فَصْلٌ وَالْأَغْسَالُ الْمُسْتَحَبَّةُ]
ُ سِتَّةَ عَشَرَ غُسْلًا (آكَدُهَا) الْغُسْلُ (لِصَلَاةِ جُمُعَةٍ) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» وَقَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. وَقَوْلُهُ " وَاجِبٌ " أَيْ مُتَأَكِّدُ الِاسْتِحْبَابِ.
وَيَدُلُّ لِعَدَمِ وُجُوبِهِ مَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ. وَمَنْ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ. وَاخْتُلِفَ فِي سَمَاعِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ. وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ: لَا يَصِحُّ سَمَاعُهُ مِنْهُ.
وَيُعَضِّدُهُ مَجِيءُ عُثْمَانَ إلَيْهَا بِلَا غُسْلٍ (فِي يَوْمِهَا) أَيْ الْجُمُعَةِ فَلَا يُجْزِي الِاغْتِسَالُ قَبْلَ طُلُوعِ فَجْرِهِ، الْمَفْهُومُ مِمَّا سَبَقَ مِنْ الْأَحَادِيثِ (لِذَكَرٍ حَضَرَهَا) أَيْ الْجُمُعَةَ. لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» (وَلَوْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ) الْجُمُعَةُ كَالْعَبْدِ وَالْمُسَافِرِ (إنْ صَلَّى) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ (وَ) اغْتِسَالُهُ (عِنْدَ جِمَاعٍ
стр. 72
أَفْضَلُ) لِلْخَبَرِ، وَيَأْتِي فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ (ثُمَّ) يَلِيهِ الْغُسْلُ (لِغُسْلِ مَيِّتٍ) كَبِيرٍ أَوْ صَغِيرٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ.
وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ فِي ثَوْبٍ. لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ (ثُمَّ) يَلِيهِ بَقِيَّةُ الْأَغْسَالِ الْآتِيَةِ، وَهِيَ الْغُسْلُ (ل) صَلَاةِ (عِيدٍ فِي يَوْمِهَا لِحَاضِرِهَا) أَيْ الصَّلَاةِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْفَاكِهِ بْنِ سَعْدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
(إنْ صَلَّى) الْعِيدَ (وَلَوْ مُنْفَرِدًا) بَعْدَ صَلَاةِ الْإِمَامِ، لِأَنَّ الْغُسْلَ لِلصَّلَاةِ كَالْجُمُعَةِ فَلَا يُشْرَعُ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ وَلَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ.
(وَ) الرَّابِعُ الْغُسْلُ (ل) صَلَاةِ (كُسُوفٍ وَ) الْخَامِسُ: الْغُسْلُ لِصَلَاةِ (اسْتِسْقَاءٍ) قِيَاسًا عَلَى الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ، بِجَامِعِ الْإِجْمَاعِ لَهُمَا (وَ) السَّادِسُ: الْغُسْلُ (لِجُنُونٍ.
وَ) السَّابِعُ: الْغُسْلُ (لِلْإِغْمَاءِ) لِإِنْزَالٍ (بِاحْتِلَامٍ) أَوْ بِغَيْرِهِ (فِيهِمَا) أَيْ الْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ ; لِأَنَّهُ ﷺ «اغْتَسَلَ لِلْإِغْمَاءِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ احْتَلَمَ وَلَمْ يَشْعُرْ، وَالْجُنُونُ فِي مَعْنَاهُ بَلْ أَبْلَغُ. فَإِنْ أَنْزَلَ وَجَبَ الْغُسْلُ (وَ) الثَّامِنُ: الْغُسْلُ (لِاسْتِحَاضَةٍ) فَيُسَنُّ لِلْمُسْتَحَاضَةِ أَنْ تَغْتَسِلَ (لِكُلِّ صَلَاةٍ) «لِأَمْرِهِ ﷺ بِهِ أُمَّ حَبِيبَةَ لَمَّا اُسْتُحِيضَتْ، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَ) التَّاسِعُ: الْغُسْلُ (لِإِحْرَامٍ) بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، لِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ " أَنَّهُ «رَأَى النَّبِيَّ ﷺ تَجَرَّدَ لِإِهْلَالِهِ وَاغْتَسَلَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ (حَتَّى حَائِضٌ وَنُفَسَاءُ) فَيُسَنُّ لَهُمَا الْغُسْلُ لِلْإِحْرَامِ، لِلْخَبَرِ وَكَغَيْرِهِمَا.
(وَ) الْعَاشِرُ: الْغُسْلُ (لِدُخُولِ مَكَّةَ) قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: حَتَّى لِحَائِضٍ.
قُلْت: وَنُفَسَاءَ، قِيَاسًا عَلَى الْإِحْرَامِ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ بِالْحَرَمِ، كَمَنْ بِمِنَى إذَا أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ سُنَّ لَهُ الْغُسْلُ لِدُخُولِهَا.
(وَ) الْحَادِيَ عَشَرَ: لِدُخُولِ (حَرَمِهَا) أَيْ مَكَّةَ.
(وَ) الثَّانِي عَشَرَ: ل (وُقُوفٍ بِعَرَفَةَ) رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ.
(وَ) الثَّالِثَ عَشَرَ: الْغُسْلُ ل (طَوَافِ زِيَارَةٍ) وَهُوَ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ.
(وَ) الرَّابِعَ عَشَرَ: الْغُسْلُ لِطَوَافِ (وَدَاعٍ وَ) الْخَامِسَ عَشَرَ: ل (مَبِيتٍ بِمُزْدَلِفَةِ وَ) السَّادِسَ عَشَرَ: الْغُسْلُ ل (رَمْي جِمَارٍ) لِأَنَّ هَذِهِ كُلَّهَا أَنْسَاكٌ يَجْتَمِعُ لَهَا النَّاسُ فَاسْتُحِبَّ لَهَا الْغُسْلُ. كَالْإِحْرَامِ وَدُخُولِ مَكَّةَ. وَوَقْتُ الْغُسْلِ لِصَلَاةِ اسْتِسْقَاءٍ: عِنْدَ إرَادَةِ الْخُرُوجِ إلَيْهَا. وَوَقْتُ الْكُسُوفِ: عِنْدَ وُقُوعِهِ، وَفِي الْحَجِّ: عِنْدَ إرَادَةِ النُّسُكِ الَّذِي يُسَنُّ لَهُ قَرِيبًا مِنْهُ.
стр. 73
وَعُلِمَ مِمَّا سَبَقَ: أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ لِغَيْرِ الْمَذْكُورَاتِ، كَالْحِجَامَةِ وَدُخُولِ طَيْبَةَ وَكُلِّ مُجْتَمَعٍ
(وَيَتَيَمَّمُ) اسْتِحْبَابًا (لِلْكُلِّ) أَيْ كُلِّ مَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْغُسْلُ (لِحَاجَةٍ) تُبِيحُ التَّيَمُّمَ، كَتَعَذُّرِ الْمَاءِ، لِعَدَمٍ أَوْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ (وَ) يَتَيَمَّمُ أَيْضًا اسْتِحْبَابًا (لِمَا يُسَنُّ لَهُ الْوُضُوءُ) مِنْ قِرَاءَةٍ وَأَذَانٍ وَشَكٍّ وَغَضَبٍ، وَنَحْوِهَا مِمَّا تَقَدَّمَ (لِعُذْرٍ) يُبِيحُهُ، إلْحَاقًا لِلْمَسْنُونِ بِالْوَاجِبِ بِجَامِعِ الْأَمْرِ.
[فَصْلٌ فِي صِفَةِ الْغُسْلِ]
ِ وَهُوَ كَامِلٌ وَمُجْزِئٌ (وَصِفَةُ الْغُسْلِ الْكَامِلِ) وَاجِبًا كَانَ أَوْ مُسْتَحَبًّا (أَنْ يَنْوِيَ) رَفْعَ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ، أَوْ الْغُسْلَ لِلصَّلَاةِ، أَوْ الْجُمُعَةِ مَثَلًا (وَيُسَمِّيَ) أَيْ يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ، بَعْدَ النِّيَّةِ (وَيَغْسِلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا) خَارِجَ الْمَاءِ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا الْإِنَاءَ وَيَصُبُّ الْمَاءَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ (وَ) يَغْسِلُ (مَا لَوَّثَهُ) طَاهِرًا، كَالْمَنِيِّ، أَوْ نَجِسًا كَالْمَذْيِ.
(ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءًا كَامِلًا وَيُرَوِّي) بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ (رَأْسَهُ) أَيْ أُصُولَ شَعْرِهِ (ثَلَاثًا) يَحْثِي الْمَاءَ عَلَيْهِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ (ثُمَّ) يَغْسِلُ (بَقِيَّةَ جَسَدِهِ) بِإِفَاضَةِ الْمَاءِ عَلَيْهِ (ثَلَاثًا) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ غَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُخَلِّلُ شَعْرَهُ بِيَدَيْهِ، حَتَّى إذَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ رَوَى بَشَرَتَهُ أَفَاضَ الْمَاءَ عَلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَّلَ سَائِرَ جَسَدِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَيَتَيَامَنُ) أَيْ يَبْدَأُ بِمَيَامِنِهِ اسْتِحْبَابًا لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ «: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ دَعَا بِشَيْءٍ نَحْوَ الْحِلَابِ، فَأَخَذَ بِكَفَّيْهِ فَبَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ الْأَيْسَرِ، ثُمَّ أَخَذَ بِكَفَّيْهِ فَقَالَ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَيُدَلِّكَهُ) أَيْ جَسَدَهُ اسْتِحْبَابًا، لِيَصِلَ الْمَاءُ إلَيْهِ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، «لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِأُمِّ سَلَمَةَ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ إنَّمَا يَكْفِيَكِ أَنْ تَحْثِيَ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَيُعِيدُ غَسْلَ رِجْلَيْهِ بِمَكَانٍ آخَرَ) لِأَنَّ فِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ عَنْ مَيْمُونَةَ " ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ " وَتُكْرَهُ إعَادَةُ وُضُوءٍ بَعْدَ غُسْلِ (وَيَكْفِي الظَّنُّ) أَيْ ظَنُّ الْمُغْتَسِلِ (فِي الْإِسْبَاغِ) أَيْ وُصُولِ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ، دَفْعًا لِلْحَرَجِ وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: يُحَرِّكُ خَاتَمَهُ، لِيَتَيَقَّنَ وُصُولَ الْمَاءِ.
(وَ) صِفَةُ الْغُسْلِ (الْمُجْزِئِ: أَنْ يَنْوِيَ وَيُسَمِّيَ) كَمَا مَرَّ (وَيَعُمَّ بِالْمَاءِ بَدَنَهُ) جَمِيعَهُ، سِوَى دَاخِلِ عَيْنٍ، فَلَا يَجِبُ وَلَا يُسَنُّ (حَتَّى مَا يَظْهَرُ مِنْ
стр. 74
فَرْجِ امْرَأَةٍ عِنْدَ قُعُودِهَا ل) قَضَاءِ (حَاجَةِ) بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ (وَ) حَتَّى (بَاطِنِ شَعْرٍ) خَفِيفٍ وَكَثِيفٍ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى ; لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الْبَدَنِ لَا مَشَقَّةَ فِي غَسْلِهِ. فَوَجَبَ كَبَاقِيهِ،
وَيَتَفَقَّدُ أُصُولَ شَعْرِهِ. وَغَضَارِيفَ أُذُنَيْهِ، وَتَحْتَ حَلْقِهِ وَإِبِطَيْهِ، وَعُمْقَ سُرَّتِهِ وَبَيْنَ أَلْيَتَيْهِ، وَطَيْ رُكْبَتَيْهِ، وَتَقَدَّمَ: لَا يَجِبُ غَسْلُ دَاخِلِ فَرْجٍ وَحَشَفَةٍ غَيْرِ مَفْتُوقٍ مِنْ جَنَابَةٍ (وَيَجِبُ نَقْضُ) شَعْرِ امْرَأَةٍ (ل) غُسْلِ (حَيْضٍ) وُجُوبًا، لِحَدِيثِ «عَائِشَةَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ لَهَا إذَا كُنْتِ حَائِضًا خُذِي مَاءَكِ وَسِدْرَكِ، وَامْتَشِطِي» وَلَا يَكُونُ الْمَشْطُ إلَّا فِي شَعْرٍ غَيْرِ مَضْفُورٍ. وَلِلْبُخَارِيِّ " اُنْقُضِي شَعْرَكِ وَتَمَشَّطِي " وَلِابْنِ مَاجَهْ " اُنْقُضِي شَعْرَكِ وَاغْتَسِلِي " وَلِتَحَقُّقِ وُصُولِ الْمَاءِ إلَى مَا يَجِبُ غَسْلُهُ،
وَعُفِيَ عَنْهُ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ، لِأَنَّهُ يَكْثُرُ فَيَشُقُّ ذَلِكَ فِيهِ، بِخِلَافِ الْحَيْضِ، وَنِفَاسٌ مِثْلُهُ (وَيَرْتَفِعُ حَدَثٌ) أَصْغَرُ أَوْ أَكْبَرُ مِنْ جَنَابَةٍ أَوْ حَيْضٍ أَوْ غَيْرِهِمَا (قَبْلَ زَوَالِ حُكْمِ خَبَثٍ) لَا يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ، كَطَاهِرٍ عَلَيْهِ لَا يَمْنَعُ، بِخِلَافِ مَا يَمْنَعُهُ
(وَتُسَنُّ مُوَالَاةٌ) فِي غُسْلٍ لِفِعْلِهِ ﷺ وَلَا تَجِبُ كَالتَّرْتِيبِ، لِأَنَّ الْبَدَنَ شَيْءٌ وَاحِدٌ (فَإِنْ فَاتَتْ) الْمُوَالَاةُ بِأَنْ أَخَّرَ غُسْلَ بَقِيَّةِ بَدَنِهِ زَمَنًا يَجِفُّ فِيهِ مَا غَسَلَهُ قَبْلَهُ " جَدَّدَ لِإِتْمَامِهِ " أَيْ الْغُسْلِ " نِيَّةً " لِانْقِطَاعِ النِّيَّةِ بِفَوَاتِ الْمُوَالَاةِ فَيَقَعُ غَسْلُ مَا بَقِيَ بِغَيْرِ نِيَّةٍ.
(وَ) يُسَنُّ (سِدْرٌ فِي غُسْلِ كَافِرٍ أَسْلَمَ) لِحَدِيثِ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ. وَتَقَدَّمَ
(كَ) مَا يُسَنُّ لِكَافِرٍ أَسْلَمَ (إزَالَةُ شَعْرِهِ) «لِقَوْلِهِ ﷺ لِرَجُلٍ أَسْلَمَ أَلْقِ عَنْكَ شَعْرَ الْكُفْرِ وَاخْتَتِنْ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد
(وَ) يُسَنُّ أَيْضًا سِدْرٌ فِي غُسْلِ (حَائِضٍ طَهُرَتْ) مِنْ حَيْضٍ وَمِثْلُهَا نُفَسَاءُ. لِحَدِيثِ عَائِشَةَ
(وَ) يُسَنُّ أَيْضًا (أَخْذُهَا) أَيْ الْحَائِضِ (مِسْكًا فَإِنْ لَمْ تَجِدْ) مِسْكًا (فَطِيبًا) أَيَّ طِيبٍ كَانَ، إنْ لَمْ تَكُنْ مُحْرِمَةً، أَوْ كَانَتْ حَادَّةً أَيْضًا (فَإِنْ لَمْ تَجِدْ) طِيبًا (فَطِينًا تَجْعَلُهُ) أَيْ مَا تَأْخُذُهُ مِنْ مِسْكٍ أَوْ طِيبٍ أَوْ طِينٍ (فِي فَرْجِهَا) لِيَقْطَعَ رَائِحَةَ الْحَيْضِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ (فِي قُطْنَةٍ أَوْ غَيْرِهَا) مِمَّا يُمْسِكُهُ.
وَيَكُونَ هَذَا الْفِعْلُ (بَعْدَ غُسْلِهَا) لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ لَمَّا سَأَلَتْهُ أَسْمَاءُ عَنْ غُسْلِ الْحَيْضِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِيهِ ثُمَّ تَأْخُذُ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَطَهَّرُ بِهَا " وَالْفِرْصَةُ: الْقِطْعَةُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَنِفَاسٌ مِثْلُهُ، كَمَا يَأْتِي، قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ وَغَيْرِهِمَا: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ الطِّينَ فَبِمَاءٍ طَهُورٍ
(وَسُنَّ تَوَضُّؤٌ بِمُدٍّ) مِنْ مَاءٍ، لِحَدِيثِ أَنَسٍ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ، وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَزِنَتُهُ) أَيْ (الْمُدِّ) (مِائَةٌ وَأَحَدٌ وَسَبْعُونَ) دِرْهَمًا (وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ) إسْلَامِيٍّ
стр. 75
(وَهِيَ) بِالْمَثَاقِيلِ (مِائَةٌ وَعِشْرُونَ مِثْقَالًا وَ) بِالْأَرْطَالِ (رِطْلٌ وَثُلُثٌ عِرَاقِيٌّ وَمَا وَافَقَهُ) فِي زِنَتِهِ مِنْ الْبُلْدَانِ (وَرِطْلٌ وَسُبُعُ) رِطْلٍ (وَثُلُثُ سُبُعِ) رِطْلٍ (مِصْرِيٍّ وَمَا وَافَقَهُ) كَالْمَكِّيِّ.
وَذَلِكَ رِطْلٌ وَأُوقِيَّتَانِ وَسُبُعَا أُوقِيَّةٍ (وَهِيَ ثَلَاثُ أَوَاقٍ وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ أُوقِيَّةٍ بِوَزْنِ دِمِشْقَ وَمَا وَافَقَهُ. وَهِيَ أُوقِيَّتَانِ وَسِتَّةُ أَسْبَاعِ) أُوقِيَّةٍ (ب) الْوَزْنِ (الْحَلَبِيِّ وَمَا وَافَقَهُ. وَ) هِيَ (أُوقِيَّتَانِ وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعٍ بِالْقُدْسِيِّ وَمَا وَافَقَهُ) وَتَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْمِيَاهِ بَيَانُ الْمُوَافِقِ لِمَا ذُكِرَ
(وَ) سُنَّ (اغْتِسَالٌ (بِصَاعٍ)) لِحَدِيثِ أَنَسٍ، وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ، فَتَكُونُ (زِنَتُهُ) بِالدِّرْهَمِ (سِتُّمِائَةِ) دِرْهَمٍ (وَخَمْسَةٌ وَثَمَانُونَ) دِرْهَمًا (وَخَمْسَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ) إسْلَامِيٍّ (وَهِيَ بِالْمَثَاقِيلِ أَرْبَعُمِائَةِ) مِثْقَالٍ (وَثَمَانُونَ مِثْقَالًا. وَ) بِالْأَرْطَالِ (خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثِ) رِطْلٍ (عِرَاقِيَّةٍ) لِقَوْلِهِ ﷺ لِكَعْبٍ " أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ فَرَقًا مِنْ طَعَامٍ " قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ النَّاسِ أَعْلَمُهُ أَنَّ الْفَرَقَ ثَلَاثَةُ آصُعٍ،.
وَالْفَرَقُ بِفَتْحِ الرَّاءِ: سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا بِالْعِرَاقِيِّ. وَيُعْتَبَرُ (بِالْبُرِّ الرَّزِينِ) أَيْ الْجَيِّدِ. وَيَأْتِي أَنَّهُ مَا يُسَاوِي الْعَدَسَ فِي زِنَتِهِ (وَ) ذَلِكَ (أَرْبَعَةُ) أَرْطَالٍ (وَخَمْسَةُ أَسْبَاعِ) رِطْلٍ (وَثُلُثُ سُبْعِ رِطْلٍ مِصْرِيٍّ) وَمَا وَافَقَهُ، أَيْ أَرْبَعَةُ أَرْطَالٍ وَتِسْعُ أَوَاقٍ وَسُبْعُ أُوقِيَّةٍ مِصْرِيَّةٍ (وَ) ذَلِكَ (رِطْلٌ وَسُبْعُ رِطْلٍ دِمَشْقِيٍّ) وَمَا وَافَقَهُ (وَ) ذَلِكَ (إحْدَى عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ) أُوقِيَّةٍ (حَلَبِيَّةٍ) وَمَا وَافَقَهَا (وَ) ذَلِكَ (عَشْرُ أَوَاقٍ وَسُبْعَانِ) مِنْ أُوقِيَّةٍ (قُدْسِيَّةٍ) وَمَا وَافَقَهَا.
قَالَ (الْمُنَقِّحُ وَهَذَا) أَيْ بَيَانُ قَدْرِ الْمُدِّ وَالصَّاعِ بِهَذِهِ الْأَوْزَانِ (يَنْفَعُكَ هُنَا وَفِي الْفِطْرَةِ) أَيْ زَكَاةِ الْفِطْرِ (وَ) فِي (الْفِدْيَةِ) فِي الْحَجِّ وَفِي الْعُمْرَةِ (وَ) فِي (الْكَفَّارَةِ) أَيْ كَفَّارَةِ ظِهَارٍ وَيَمِينٍ وَنَحْوِهِمَا (وَ) فِي (غَيْرِهَا) كَنَذْرِ الصَّدَقَةِ بِمُدٍّ أَوْ صَاعٍ (وَكُرِهَ) اغْتِسَالٌ (عُرْيَانًا) إنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ وَإِلَّا حُرِّمَ. قَالَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ، وَقَدْ دَخَلَا الْمَاءَ وَعَلَيْهِمَا بُرْدَانِ " إنَّ لِلْمَاءِ سُكَّانًا " وَفِي الْإِقْنَاعِ: لَا بَأْسَ خَالِيًا وَالسَّتْرُ أَفْضُلُ
(وَ) كُرِهَ أَيْضًا (إسْرَافٌ) فِي وُضُوءٍ وَغُسْلٍ، وَلَوْ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ، لِحَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِسَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَقَالَ: مَا هَذَا السَّرَفُ؟ فَقَالَ: أَفِي الْوُضُوءِ إسْرَافٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ»
وَ (لَا) يُكْرَهُ (إسْبَاغٌ) فِي وُضُوءٍ أَوْ غُسْلٍ (بِدُونِ مَا ذُكِرَ) مِنْ الْوُضُوءِ بِالْمُدِّ وَالْغُسْلِ بِالصَّاعِ. لِحَدِيثِ «عَائِشَةَ كَانَتْ تَغْتَسِلُ هِيَ وَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ يَسَعُ ثَلَاثَةَ أَمْدَادٍ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَالْإِسْبَاغُ: تَعْمِيمُ الْعُضْوِ بِالْمَاءِ، بِحَيْثُ يَجْرِي عَلَيْهِ ; فَلَا يَكْفِي
стр. 76
مَسْحُهُ وَلَا إمْرَارُ الثَّلْجِ عَلَيْهِ وَلَوْ ابْتَلَّ بِهِ الْعُضْوُ إنْ لَمْ يَذُبْ. وَيَجْرِي عَلَيْهِ
(وَمَنْ نَوَى بِغُسْلٍ رَفْعَ الْحَدَثَيْنِ) الْأَكْبَرِ وَالْأَصْغَرِ وَاغْتَسَلَ أَجْزَأَ عَنْهُمَا
(أَوْ) نَوَى بِغُسْلِهِ رَفْعَ (الْحَدَثِ وَأَطْلَقَ) فَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالْأَكْبَرِ وَلَا بِالْأَصْغَرِ أَجْزَأَ عَنْهُمَا
(أَوْ نَوَى بِغُسْلِهِ أَمْرًا) أَيْ فِعْلَ أَمْرٍ (لَا يُبَاحُ إلَّا بِوُضُوءٍ وَغُسْلٍ) كَصَلَاةٍ وَطَوَافٍ وَمَسِّ مُصْحَفٍ وَاغْتَسَلَ (أَجْزَأَ) الْغُسْلُ (عَنْهُمَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا جُنُبًا إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] جَعَلَ الْغُسْلَ غَايَةً لِلْمَنْعِ مِنْ الصَّلَاةِ.
فَإِذَا اغْتَسَلَ وَجَبَ أَنْ لَا يُمْنَعَ مِنْهَا وَلِأَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ مِنْ جِنْسٍ فَدَخَلَتْ الصُّغْرَى فِي الْكُبْرَى، كَالْعُمْرَةِ فِي الْحَجِّ إذَا كَانَ قَارِنًا. وَإِنْ نَوَى الْغُسْلَ مِنْ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ أَوْ لِقِرَاءَةٍ ; لَمْ يَرْتَفِعْ الْأَصْغَرُ. وَإِنْ نَوَتْ مَنْ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا حِلَّ الْوَطْءُ بِغُسْلِهَا صَحَّ. وَإِنْ أَحْدَثَ مَنْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثَيْنِ وَنَحْوَهُ فِي أَثْنَاءِ غُسْلِهِ ; أَتَمَّ غُسْلَهُ، ثُمَّ إذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ تَوَضَّأَ. وَفُهِمَ مِنْهُ: سُقُوطُ التَّرْتِيبِ وَالْمُوَالَاةِ فِي الْوُضُوءِ. وَصَرَّحَ بِهِ قَبْلُ، فَلَوْ اغْتَسَلَ إلَّا أَعْضَاءَ وُضُوئِهِ، ثُمَّ أَرَادَ غُسْلَهَا مِنْ الْحَدَثَيْنِ لَمْ يَجِبْ التَّرْتِيبُ فِيهَا وَلَا الْمُوَالَاةُ ; لِأَنَّ حُكْمَ الْجَنَابَةِ بَاقٍ
(وَسُنَّ لِكُلِّ) مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ غُسْلٌ (مِنْ جُنُبٍ وَلَوْ) كَانَ (أُنْثَى، وَ) مِنْ (حَائِضٍ وَنُفَسَاءَ انْقَطَعَ دَمُهُمَا: غَسْلُ فَرْجِهِ وَوُضُوءُهُ لِنَوْمٍ) لِمَا فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ : «أَيَرْقُدُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرْقُدْ» .
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " «ذَكَرَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ قَضِيَّةَ الْجَنَابَةِ مِنْ اللَّيْلِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ، ثُمَّ نَمْ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (وَكُرِهَ تَرْكُهُ) أَيْ تَرْكُ الْجُنُبِ وَنَحْوِهِ الْوُضُوءَ (لَهُ) أَيْ لِلنَّوْمِ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ (فَقَطْ) أَيْ دُونَ الْأَكْلِ وَنَحْوِهِ.
(وَ) سُنَّ لِجُنُبٍ أَيْضًا الْوُضُوءُ (لِمُعَاوَدَةِ وَطْءٍ) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتَوَضَّأْ» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْحَاكِمُ، وَزَادَ " فَإِنَّهُ أَنْشَطُ " (وَالْغُسْلُ) لِمُعَاوَدَةِ وَطْءٍ (أَفْضَلُ) لِأَنَّهُ أَزْكَى وَأَطْيَبُ وَأَطْهَرُ، كَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ
(وَ) سُنَّ أَيْضًا لِجُنُبٍ وَحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ انْقَطَعَ دَمُهُمَا الْوُضُوءُ (لِأَكْلٍ وَشُرْبٍ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ «رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْجُنُبِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ أَنْ يَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ بَعْدَ انْقِطَاعِ دَمِهِمَا فِي مَعْنَاهُ (وَلَا يَضُرُّ نَقْضُهُ) أَيْ الْوُضُوءُ (بَعْدُ) فَلَا تُسَنُّ إعَادَتُهُ. وَإِنْ أَحْدَثَ بَعْدَ مَا تَوَضَّأَ لَهُ ; لِأَنَّهُ لِتَخْفِيفِ الْحَدَثِ أَوْ النَّشَاطِ، وَقَدْ حَصَلَ
стр. 77
[فَصْلٌ فِي الْحَمَّامِ]
ِ) وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ الْحَمِيمِ، أَيْ الْمَاءِ الْحَارِّ. وَأَوَّلُ مَنْ اتَّخَذَهُ: سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد ﵉ (يُكْرَهُ بِنَاءُ الْحَمَّامِ وَبَيْعُهُ وَإِجَارَتِهِ) لِمَا يَقَعُ فِيهِ مِنْ كَشْفِ عَوْرَةٍ وَغَيْرِهِ. قَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْحَكَمِ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مَنْ بَنَاهُ لِلنِّسَاءِ.
(وَ) تُكْرَه (الْقِرَاءَةُ) فِيهِ. وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ خَفَضَ صَوْتَهُ.
(وَ) يُكْرَهُ (السَّلَامُ فِيهِ) . رَدًّا وَابْتِدَاءً.
وَفِي الشَّرْحِ: الْأَوْلَى جَوَازُهُ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ «أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» وَلِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ. وَالْأَشْيَاءُ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَ (لَا) يُكْرَهُ (الذِّكْرُ) فِيهِ. لِمَا رَوَى النَّخَعِيّ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ " دَخَلَ الْحَمَّامَ فَقَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ "
(وَدُخُولُهُ) أَيْ دُخُولُ ذَكَرٍ حَمَّامًا (بِسُتْرَةٍ مَعَ أَمْنِ الْوُقُوعِ فِي مُحَرَّمٍ مُبَاحٍ) نَصًّا لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ دَخَلَ حَمَّامًا كَانَ بِالْجُحْفَةِ. «وَرُوِيَ عَنْهُ ﷺ وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ نِعْمَ الْبَيْتُ الْحَمَّامُ، يُذْهِبُ الدَّرَنَ وَيُذَكِّرُ النَّارَ» (وَإِنْ خِيفَ) بِدُخُولِهِ الْوُقُوعُ فِي مَحْرَمٍ (كُرِهَ) دُخُولُهُ، خَشْيَةَ الْمَحْظُورِ.
وَعَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ " بِئْسَ الْبَيْتُ الْحَمَّامُ يُبْدِي الْعَوْرَةَ، وَيُذْهِبُ الْحَيَاءَ " رَوَاهُ ابْن أَبِي شَيْبَة فِي مُصَنَّفِهِ (وَإِنْ عَلِمَ) الْوُقُوعَ فِي مُحَرَّمٍ بِدُخُولِهِ (حَرُمَ) لِأَنَّ الْوَسَائِلَ لَهَا أَحْكَامُ الْمَقَاصِدِ (أَوْ دَخَلَتْهُ أُنْثَى بِلَا عُذْرٍ) مِنْ مَرَضٍ أَوْ حَيْضٍ (حَرُمَ) لِقَوْلِهِ ﷺ «سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمْ أَرْضُ الْعَجَمِ، وَسَتَجِدُونَ فِيهَا حَمَّامَاتٍ ; فَامْنَعُوا نِسَاءَكُمْ، إلَّا حَائِضًا وَنُفَسَاءَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
فَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ وَأَمِنَتْ الْوُقُوعَ فِي مُحَرَّمٍ جَازَ. وَإِنْ لَمْ يَتَعَذَّرْ غُسْلُهَا بِبَيْتِهَا، خِلَافًا لِلْمُوَفَّقِ وَغَيْرِهِ وَالْإِقْنَاعِ. وَلَا يُكْرَهُ دُخُولُهُ قُرْبَ الْغُرُوبِ وَلَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ وَيُقَدِّمُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى فِي دُخُولِهِ، وَيَقْصِدُ مَوْضِعًا خَالِيًا وَلَا يَدْخُلُ بَيْتًا حَارًّا حَتَّى يَعْرَقَ فِي الْأَوَّلِ، وَيُقِلُّ الِالْتِفَاتَ وَلَا يُطِيلُ الْمَقَامَ، بَلْ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، وَيَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إذَا خَرَجَ بِمَاءٍ بَارِدٍ وَيَغْسِلُ أَيْضًا قَدَمَيْهِ وَإِبِطَيْهِ عِنْدَ دُخُولِهِ بِمَاءٍ بَارِدٍ.
[بَاب التَّيَمُّمِ]
ِ) لُغَةً: الْقَصْدُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] وَشَرْعًا (اسْتِعْمَالُ تُرَابٍ مَخْصُوصٍ) أَيْ طَهُورٍ مُبَاحٍ غَيْرِ مُحْتَرِقٍ
стр. 78
لَهُ غُبَارٌ (لِ) مَسْحِ (وَجْهٍ وَيَدَيْنِ) عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ، وَهُوَ (بَدَلُ طَهَارَةِ مَاءٍ) أَيْ وُضُوءٍ أَوْ غُسْلٍ أَوْ غُسْلِ نَجَاسَةٍ بِبَدَنٍ (لِ) فِعْلِ (كُلِّ مَا يُفْعَلُ بِهِ) أَيْ بِالْمَاءِ، أَيْ بِطَهَارَتِهِ، كَصَلَاةٍ وَطَوَافٍ وَمَسِّ مُصْحَفٍ، وَقِرَاءَةٍ وَسُجُودِ تِلَاوَةٍ وَشُكْرٍ، وَلُبْثٍ بِمَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ (عِنْدَ عَجْزٍ) مُتَعَلِّقٌ بِاسْتِعْمَالٍ، أَوْ صِفَةٌ لِبَدَلٍ (عَنْهُ أَيْ الْمَاءِ (شَرْعًا) أَيْ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ.
وَإِنْ لَمْ يَعْجِزْ عَنْهُ حِسًّا، بِأَنْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا أَصْلًا (سِوَى نَجَاسَةٍ عَلَى غَيْرِ بَدَنٍ) كَثَوْبٍ وَبُقْعَةٍ. فَلَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ لَهَا ; إذْ لَا نَصَّ فِيهِ، وَلَا قِيَاسَ يَقْتَضِيهِ.
(وَ) سِوَى (لُبْثٍ بِمَسْجِدٍ لَحَاجَةٍ) لِلُّبْثِ فِيهِ مَعَ تَعَذُّرِ الْمَاءِ، فَلَا يَجِبُ التَّيَمُّمَ لِذَلِكَ. وَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِ: لِكُلِّ مَا يُفْعَلُ بِهِ. وَالتَّيَمُّمُ مَشْرُوعٌ بِالْإِجْمَاعِ فِي الْجُمْلَةِ. وَسَنَدُهُ: الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ (وَهُوَ) أَيْ التَّيَمُّمِ (عَزِيمَةٌ) كَمَسْحِ الْجَبِيرَةِ. فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ. وَ (يَجُوزُ بِسَفَرِ الْمَعْصِيَةِ) كَالسَّفَرِ الْمُبَاحِ، بِخِلَافِ مَسْحِ الْخُفِّ، وَالْفِطْرِ وَالْقَصْرِ بِالسَّفَرِ، وَهُوَ مُبِيحٌ لَا رَافِعٌ لِلْحَدَثِ
(وَشُرُوطُهُ) أَيْ التَّيَمُّمِ الزَّائِدَةُ عَلَى شُرُوطِ مُبْدَلِهِ (ثَلَاثَةٌ) أَحَدُهَا (دُخُولُ وَقْتِ الصَّلَاةِ) يُرِيدُ التَّيَمُّمَ لَهَا (وَلَوْ) كَانَتْ (مَنْذُورَةً ب) زَمَنٍ (مُعَيَّنٍ) كَمَنْ نَذَرَ صَلَاةَ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الزَّوَالِ بِعَشْرِ دَرَجٍ مَثَلًا (فَلَا يَصِحُّ) التَّيَمُّمُ لِهَذِهِ قَبْلَ الْوَقْتِ الْمَذْكُورِ. وَلَا (ل) صَلَاةٍ (حَاضِرَةٍ) أَيْ مُؤَدَّاةٍ (وَلَا) لِصَلَاةِ (عِيدٍ مَا لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهُمَا.
وَلَا ل) فَرِيضَةٍ (فَائِتَةٍ إلَّا إذَا ذَكَرَهَا وَأَرَادَ فِعْلَهَا، وَلَا ل) صَلَاةِ (كُسُوفٍ قَبْلَ وُجُودِهِ) أَيْ الْكُسُوفِ (وَلَا ل) صَلَاةِ (اسْتِسْقَاءٍ مَا لَمْ يَجْتَمِعُوا) أَيْ النَّاسُ لَهَا (وَلَا ل) صَلَاةِ (جِنَازَةٍ إلَّا إذَا غُسِّلَ الْمَيِّتُ) إنْ أَمْكَنَ (أَوْ يُمِّمَ لِعُذْرٍ) وَيُعَانِي بِهَا. فَيُقَالُ: شَخْصٌ لَا يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ قَبْلَ تَيَمُّمِ غَيْرِهِ، وَهِيَ هَذِهِ الصُّورَةُ مِنْ نَحْوِ تَقَطُّعٍ أَوْ عَدَمِ مَاءٍ (وَلَا لِ) صَلَاةِ (نَفْلِ وَقْتٍ نُهِيَ عَنْهَا لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ ضَرُورَةٌ، فَتُقَيَّدُ بِالْوَقْتِ كَطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ ; وَلِأَنَّهُ قَبْلَ الْوَقْتِ مُسْتَغْنًى عَنْهُ. فَأَشْبَهَ التَّيَمُّمَ بِلَا عُذْرٍ.
الشَّرْطُ (الثَّانِي: تَعَذُّرُ) اسْتِعْمَالِ (الْمَاءِ لِعَدَمِهِ) أَيْ الْمَاءِ (وَلَوْ بِحَبْسٍ) لِلْمَاءِ، بِأَنْ يُوضَعُ فِي مَكَان لَا يَقْدِرُ عَلَى الْوُصُولِ إلَيْهِ أَوْ يَعْجِزُ الشَّخْصُ عَنْ الْخُرُوج فِي طَلَبِهِ (أَوْ) كَانَ عَدَمُ الْمَاءِ بِسَبَبِ (قَطْعِ عَدُوٍّ مَاءَ بَلَدِهِ أَوْ) بِسَبَبِ (عَجْزٍ عَنْ تَنَاوُلِهِ) أَيْ الْمَاءِ مِنْ بِئْرٍ وَنَحْوِهِ، لِعُمُومِ
стр. 79
قَوْله تَعَالَى ﴿: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] وَقَوْلِهِ ﷺ : «إنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ. فَإِنْ وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ» .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ وَهَذَا عَامٌّ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ الطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ. وَلِأَنَّهُ عَادِمٌ لِلْمَاءِ أَشْبَهَ الْمُسَافِرَ. فَأَمَّا لِلْآيَةِ فَلَعَلَّ ذِكْرَ السَّفَرِ فِيهَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، كَذِكْرِهِ فِي الرَّهْنِ. فَلَا يَكُونُ مَفْهُومُهُ مُعْتَبَرًا (وَلَوْ بِفَمٍ لِفَقْدِ آلَةٍ) كَمَقْطُوعِ يَدَيْنِ، وَصَحِيحٍ عَدِمَ مَا يَسْتَقِي بِهِ مِنْ نَحْوِ بِئْرٍ كَحَبْلٍ وَدَلْوٍ، أَوْ يَدَاهُ نَجِسَتَانِ وَالْمَاءُ قَلِيلٌ.
فَإِنْ قَدَرَ عَلَى تَنَاوُلِهِ بِنَحْوِ فَمٍ أَوْ عَلَى غَمْسِ أَعْضَائِهِ بِمَاءٍ كَثِيرٍ، لَزِمَهُ لِأَنَّهُ فَرَضَهُ (أَوْ) تَعَذَّرَ الْمَاءُ مَعَ وُجُودِهِ (ل) عَارِضٍ مِنْ (مَرَضٍ) يَعْجِزُ مَعَهُ عَنْ الْوُضُوءِ بِنَفْسِهِ (مَعَ عَدَمِ مُوَضِّئٍ) لَهُ، أَوْ مَنْ يَصُبُّ الْمَاءَ مَعَ عَجْزِهِ عَنْهُ (أَوْ) غَيْبَتِهِ عَنْهُ مَعَ (خَوْفِهِ فَوْتَ الْوَقْتِ بِانْتِظَارِهِ) أَيْ الْمُوَضِّئِ أَوْ الصَّابِّ (أَوْ خَوْفِهِ) أَيْ الْمَرِيضِ الْقَادِرِ عَلَى الْوُضُوءِ بِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ (بِاسْتِعْمَالِهِ) أَيْ الْمَاءِ (بُطْءَ بُرْءٍ) أَيْ طُولَ مَرَضٍ (أَوْ) خَوْفِهِ بِاسْتِعْمَالِهِ الْمَاءَ (بَقَاءَ شَيْنٍ) أَيْ أَثَرَ قُرُوحٍ تَفْحُشُ.
قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَكَذَا لَوْ خَافَ حُدُوثَ نَزْلَةٍ وَنَحْوِهَا اهـ، لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ [المائدة: ٦] وَلِأَنَّهُ يُبَاحُ لَهُ التَّيَمُّمُ إذَا خَافَ ذَهَابَ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ أَوْ ضَرَرًا فِي نَفْسِهِ مِنْ لِصٍّ أَوْ سَبُعٍ. فَهُنَا أَوْلَى (أَوْ) خَوْفِهِ بِاسْتِعْمَالِهِ الْمَاءَ (ضَرَرَ بَدَنِهِ مِنْ جُرْحٍ) فِيهِ بَعْدَ غَسْلِ مَا يُمْكِنُ غَسْلُهُ (أَوْ) مِنْ (بَرْدٍ شَدِيدٍ) وَلَمْ يَجِدْ مَا يُسَخِّنُ بِهِ الْمَاءَ، وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا ضَرَرَ فِيهِ (أَوْ) خَوْفِهِ بِاسْتِعْمَالِهِ (فَوْتَ رِفْقَةٍ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِ: وَلَوْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا بِفَوَاتِ الرِّفْقَةِ، لِفَوَاتِ الْأُلْفِ وَالْأُنْسِ (أَوْ) خَوْفِهِ بِاسْتِعْمَالِهِ فَوْتَ (مَالِهِ، أَوْ) خَوْفِهِ بِاسْتِعْمَالِهِ (عَطَشَ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ بَهِيمَةٍ مُحْتَرَمَيْنِ) بِخِلَافِ نَحْوِ حَرْبِيٍّ وَخِنْزِيرٍ وَكَلْبٍ عَقُورٍ، أَوْ أَسْوَدَ بَهِيمٍ وَمَنْ مَعَهُ طَاهِرٌ وَنَجِسٌ وَخَافَ عَطَشًا ; حَبَسَ الطَّاهِرَ وَأَرَاقَ النَّجِسَ، إنْ اسْتَغْنَى عَنْهُ، وَإِلَّا حَبَسَهُ (أَوْ) خَوْفِهِ بِاسْتِعْمَالِهِ (احْتِيَاجَهُ) أَيْ الْمَاءَ (لِعَجْنٍ أَوْ طَبْخٍ) .
فَمَنْ خَافَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ أُبِيحَ لَهُ التَّيَمُّمُ، دَفْعًا لِلضَّرَرِ وَالْحَرَجِ عَنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَرَفِيقِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا كَانَ مَعَهُ مَاءٌ فَخَشِيَ الْعَطَشَ: أَنَّهُ يُبْقِي مَاءَهُ لِلشُّرْبِ وَيَتَيَمَّمُ (أَوْ) تَعَذَّرَ الْمَاءُ (لِعَدَمِ بَذْلِهِ إلَّا بِزِيَادَةٍ كَثِيرَةٍ عَادَةً عَلَى ثَمَنِ مِثْلِهِ فِي مَكَانِهِ) لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي دَفْعِ الزِّيَادَةِ
стр. 80
الْكَثِيرَةِ.
فَلَمْ يَلْزَمْهُ تَحَمُّلُهُ، كَضَرَرِ النَّفْسِ (وَلَا إعَادَةَ فِي الْكُلِّ) أَيْ كُلِّ مَا مَرَّ مِنْ الْمَسَائِلِ. لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ، فَخَرَجَ مِنْ عُهْدَتِهِ (وَيَلْزَمُ) مِنْ عَدَمِ الْمَاءِ وَاحْتِيَاجِهِ (شِرَاءُ مَاءٍ أَوْ) شِرَاءُ (حَبْلٍ وَدَلْوٍ) احْتَاجَ إلَيْهِمَا لِيَسْتَسْقِيَ بِهِمَا (بِثَمَنِ مِثْلٍ أَوْ) شَيْءٍ (زَائِدٍ) عَنْهُ (يَسِيرًا) عَادَةً فِي مَكَانِهِ (فَاضِلٍ) صِفَةٌ لِثَمَنٍ (عَنْ حَاجَتِهِ) كَقَضَاءِ دَيْنِهِ وَنَفَقَةٍ وَمُؤْنَةِ سَفَرٍ لَهُ وَلِعِيَالِهِ ; لِأَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى ثَمَنِ الْعَيْنِ كَالْقُدْرَةِ عَلَيْهَا فِي عَدَمِ جَوَازِ الِانْتِقَالِ إلَى الْبَدَلِ.
وَالزِّيَادَةُ الْيَسِيرَةُ لَا أَثَرَ لَهَا إذْ الضَّرَرُ الْيَسِيرُ قَدْ اُغْتُفِرَ فِي النَّفْسِ، فَفِي الْمَالِ أَحْرَى. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَا يَفْضُلُ عَنْ حَاجَتِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ، وَلَوْ وَجَدَهُ يُبَاعُ فِي الذِّمَّةِ وَقَدَرَ عَلَيْهِ بِبَلَدِهِ، لَكِنْ إنْ اشْتَرَى إذَنْ فَهُوَ أَفْضُلُ. وَلَيْسَ إسْرَافًا بِخِلَافِ عَطْشَانَ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَشْرَبْ فَيَأْثَمُ.
(وَ) يَلْزَمُهُ أَيْضًا (اسْتَعَارَتُهُمَا) أَيْ طَلَبُ الْحَبْلِ وَالدَّلْوِ عَارِيَّةً مِمَّنْ هُمَا مَعَهُ.
(وَ) يَلْزَمُهُ أَيْضًا (قَبُولُهُمَا) إنْ بُذِلَا لَهُ (عَارِيَّةً، وَ) قَبُولُ (مَاءٍ قَرْضًا) لِاسْتِقْرَاضِهِ.
(وَ) يَلْزَمُهُ قَبُولُ (هِبَةٍ) لِاسْتِيهَابِهِ (وَ) يَلْزَمُهُ قَبُولُ ثَمَنِهِ فَرْضًا وَلَهُ وَفَاءٌ) لِأَنَّ الْمِنَّةَ فِي ذَلِكَ يَسِيرَةٌ فِي الْعَادَةِ، فَلَا يَضُرُّ احْتِمَالُهَا. وَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ ثَمَنِهِ هِبَةً لَلْمِنَّةَ، وَلَا اسْتِقْرَاضُ ثَمَنِهِ (وَيَجِبُ) عَلَى مَنْ مَعَهُ مَاءٌ فَاضِلٌ عَنْ حَاجَةِ شُرْبِهِ (بَذْلُهُ لِعَطْشَانَ) وَلَوْ كَانَ الْمَاءُ نَجِسًا ; لِأَنَّهُ إنْقَاذٌ مِنْ هَلَكَةٍ كَإِنْقَاذِ الْغَرِيقِ.
(وَيُيَمَّمُ رَبُّ مَاءٍ مَاتَ) بَدَلَ غُسْلِهِ (لِعَطَشِ رَفِيقِهِ) كَمَا لَوْ كَانَ حَيًّا (وَيَغْرَمُ) رَفِيقُهُ (ثَمَنَهُ) أَيْ قِيمَةَ الْمَاءِ (مَكَانَهُ وَقْتَ إتْلَافِهِ) لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ، وَإِنْ قُلْنَا: الْمَاءُ مِثْلِيٌّ ; لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا بِالْوَارِثِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي النِّهَايَةِ: إنْ غَرِمَهُ مَكَانَهُ فَبِمِثْلِهِ
(وَمَنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِهِ) أَيْ الْمَاءِ (ثُمَّ يَجْمَعَهُ وَيَشْرَبَهُ) بَعْدَ وُضُوئِهِ (لَمْ يَلْزَمْهُ) لِأَنَّ النَّفْسَ تَعَافُهُ (وَمَنْ قَدَرَ عَلَى مَاءِ بِئْرٍ بِثَوْبٍ يُدَلِّيهِ فِيهَا يَبُلُّهُ ثُمَّ) يُخْرِجُهُ فَ (يَعْصِرُهُ لَزِمَهُ) ذَلِكَ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْمَاءِ (مَا لَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهُ) أَيْ الثَّوْبِ بِذَلِكَ (أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمَاءِ) فَلَا يَلْزَمُهُ، كَشِرَائِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ، وَحَيْثُ لَزِمَهُ فَعَلَ.
(وَلَوْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ) لِقُدْرَتِهِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ. أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ مَعَهُ آلَةُ الِاسْتِسْقَاءِ الْمُعْتَادَةُ (وَمَنْ بَعْضُ بَدَنِهِ جَرِيحٌ وَنَحْوُهُ) بِأَنْ كَانَ بِهِ قُرُوحٌ أَوْ رَمَدٌ، وَتَضَرَّرَ بِغُسْلِ ذَلِكَ، وَهُوَ جُنُبٌ أَوْ مُحْدِثٌ (وَلَمْ يَتَضَرَّرْ بِمَسْحِهِ بِالْمَاءِ وَجَبَ) الْمَسْحُ بِالْمَاءِ، إنْ لَمْ يَكُنْ الْجُرْحُ نَجِسًا. قَالَهُ فِي التَّلْخِيصِ.
(وَأَجْزَأَ) لِأَنَّ الْمَسْحَ بِالْمَاءِ بَعْضُ الْغُسْلِ، وَقَدَرَ عَلَيْهِ فَلَزِمَهُ. لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وَكَمَنْ عَجَزَ عَنْ الرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ وَقَدَرَ عَلَى الْإِيمَاءِ (وَإِلَّا) بِأَنْ تَضَرَّرَ
стр. 81
بِمَسْحِهِ أَيْضًا (تَيَمَّمَ لَهُ) أَيْ لِلْجَرِيحِ وَنَحْوِهِ، دَفْعًا لِلْحَرَجِ (وَ) يَتَيَمَّمُ أَيْضًا (لِمَا يَتَضَرَّرُ بِغُسْلِهِ مِمَّا قَرُبَ) مِنْ الْجَرِيحِ وَنَحْوِهِ، دَفْعًا لِلْحَرَجِ.
(وَ) يَتَيَمَّمُ أَيْضًا (لِمَا يَتَضَرَّرُ بِغُسْلِهِ مِمَّا قَرُبَ) مِنْ الْجَرِيحِ وَنَحْوِهِ، لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْحُكْمِ (وَإِنْ عَجَزَ عَنْ ضَبْطِهِ) أَيْ الْجَرِيحِ وَمَا قَرُبَ مِنْهُ (وَقَدَرَ أَنْ يَسْتَنِيبَ مَنْ يَضْبِطُهُ) وَلَوْ بِأُجْرَةٍ فَاضِلَةٍ عَنْ حَاجَتِهِ (لَزِمَهُ) أَنْ يَسْتَنِيبَ لِيُؤَدِّيَ الْفَرْضَ
فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الِاسْتِنَابَةِ أَيْضًا تَيَمَّمَ وَصَلَّى وَأَجْزَأَتْهُ (وَيَلْزَمُ مَنْ جُرْحُهُ) وَنَحْوَهُ (بِبَعْضِ أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ إذَا تَوَضَّأَ تَرْتِيبٌ) لِوُجُوبِهِ فِي الْوُضُوءِ (فَيَتَيَمَّمُ لَهُ) أَيْ لِلْعُضْوِ الْجَرِيحِ وَنَحْوِهِ (عِنْدَ غَسْلِهِ لَوْ كَانَ صَحِيحًا) فَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ وَنَحْوُهُ فِي الْوَجْهِ وَعَمَّهُ تَيَمَّمَ أَوَّلًا ثُمَّ أَتَمَّ وُضُوءَهُ، وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِهِ خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يَغْسِلَ صَحِيحَهُ ثُمَّ يَتَيَمَّمَ لِجُرْحِهِ وَعَكْسِهِ، ثُمَّ يُتِمَّ وُضُوءَهُ وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِ عُضْوٍ آخَرَ لَزِمَهُ غُسْلُ مَا قَبْلَهُ، ثُمَّ كَانَ فِيهِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْوَجْهِ، وَإِنْ كَانَ فِي وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ احْتَاجَ فِي كُلِّ عُضْوٍ إلَى تَيَمُّمٍ فِي مَحَلِّ غُسْلِهِ، لِيَحْصُلَ التَّرْتِيبُ، فَإِنْ غَسَلَ صَحِيحٌ وَجْهَهُ ثُمَّ تَيَمَّمَ لَهُ وَلِيَدَيْهِ تَيَمُّمًا.
لَمْ يُجْزِهِ، لِأَدَائِهِ إلَى سُقُوطِ التَّرْتِيبِ بَيْنَ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَأَمَّا التَّيَمُّمُ عَنْ جُمْلَةِ الطَّهَارَةِ فَالْحُكْمُ لَهُ دُونَهَا.
(وَ) يَلْزَمُ أَيْضًا مَنْ جُرْحُهُ بِبَعْضِ أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ إذَا تَوَضَّأَ (مُوَالَاةٌ) لِوُجُوبِهَا فِيهِ فَلَوْ كَانَ بِرِجْلِهِ، وَتَيَمَّمَ لَهُ عِنْدَ غُسْلِهَا وَمَضَى مَا تَفُوتُ فِيهِ ثُمَّ خَرَجَ الْوَقْتُ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ (فَ) يُعِيدُهُ (وَيُعِيدُ غَسْلَ الصَّحِيحَ عِنْدَ كُلِّ تَيَمُّمٍ) كَمَا لَوْ أَخَّرَ غَسْلَهُ حَتَّى فَاتَتْ وَلَوْ اغْتَسَلَ لِجَنَابَةٍ، ثُمَّ تَيَمَّمَ لِنَحْوِ جُرْحٍ وَخَرَجَ الْوَقْتُ.
لَمْ يَعُدْ سِوَى التَّيَمُّمِ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ تَرْتِيبٌ، وَلَا مُوَالَاةٌ (وَإِنْ وَجَدَ) مَنْ لَزِمَهُ طَهَارَةٌ (حَتَّى الْمُحْدِثُ) حَدَثًا أَصْغَرَ (مَاءً لَا يَكْفِي لِطَهَارَةٍ اسْتَعْمَلَهُ) وُجُوبًا (ثُمَّ تَيَمَّمَ) لِلْبَاقِي، لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» فَإِنْ تَيَمَّمَ قَبْلَ اسْتِعْمَالِهِ لَمْ يَصِحَّ لِمَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة: ٦] فَإِنْ وَجَدَ تُرَابًا لَا يَكْفِيهِ، اسْتَعْمَلَهُ وَصَلَّى وَيُعِيدُ إذَا وَجَدَ مَا يَكْفِيهِ مِنْ مَاءٍ أَوْ تُرَابٍ قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْإِنْصَافِ.
قُلْت: مُقْتَضَى مَا يَأْتِي: لَا يَزِيدُ عَلَى مَا يُجْزِئُ، وَلَا إعَادَةَ وَإِنْ وَجَدَ جُنُبٌ مَا يَكْفِي أَعْضَاءَ وُضُوئِهِ فَقَطْ اسْتَعْمَلَهُ فِيهَا نَاوِيًا رَفْعَ الْحَدَثَيْنِ وَمَنْ بِبَدَنِهِ نَجَاسَةٌ وَهُوَ مُحْدِثٌ وَالْمَاءُ يَكْفِي أَحَدَهُمَا غَسَلَ بِهِ النَّجَاسَةَ، ثُمَّ يَتَيَمَّمُ لِلْحَدَثِ نَصًّا.
قَالَ الْمَجْدُ: إلَّا أَنْ تَكُونَ النَّجَاسَةُ فِي مَحَلٍّ يَصِحُّ تَطْهِيرُهُ مِنْ
стр. 82
الْحَدَثِ، فَيَسْتَعْمِلُهُ فِيهِ عَنْهُمَا وَكَذَا إنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي ثَوْبِهِ. أَزَالَهَا بِهِ، ثُمَّ تَيَمَّمَ (وَمَنْ) لَزِمَتْهُ طَهَارَةٌ وَ (عَدِمَ الْمَاءَ لَزِمَهُ إذَا) أَيْ كُلَّمَا (خُوطِبَ بِصَلَاةٍ) بِأَنْ دَخَلَ وَقْتُهَا فَلَا أَثَرَ لِلطَّلَبِ قَبْلَهُ. لِأَنَّهُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِالطَّهَارَةِ إذَنْ (طَلَبُهُ فِي رَحْلِهِ) بِأَنْ يُفَتِّشُ مِنْ مَسْكَنِهِ وَمَا يَسْتَصْحِبُهُ مِنْ أَثَاثِهِ وَرَحْلِهِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ.
(وَمَا قَرُبَ) مِنْهُ (عَادَةً) بِأَنْ يَنْظُرَ أَمَامَهُ وَوَرَاءَهُ وَعَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِالسَّعْيِ إلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ سَائِرًا طَلَبَهُ أَمَامَهُ، فَإِنْ رَأَى خُضْرَةً أَوْ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا قَصَدَهُ فَاسْتَبْرَأَهُ.
(وَ) يَلْزَمُهُ أَيْضًا: طَلَبُهُ (مِنْ رَفِيقِهِ) فَيَسْأَلُ عَنْ مَوَارِدِهِ، أَوْ عَنْ مَاءٍ مَعَهُ يَبِيعُهُ، أَوْ يَبْذُلُهُ لَهُ.
فَإِنْ تَيَمَّمَ قَبْلَ الطَّلَبِ لَمْ يَصِحَّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] وَلَا يُقَالُ: لَمْ يَجِدْ إلَّا لِمَنْ طَلَبَ وَلِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ بِقُرْبِهِ مَاءٌ لَا يَعْلَمُهُ وَسَوَاءٌ تَحَقَّقَ وُجُودَهُ أَوْ ظَنَّهُ، أَوْ ظَنَّ عَدَمَهُ، أَوْ اسْتَوَى عِنْدَهُ الْأَمْرَانِ (مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ عَدَمُهُ) أَيْ الْمَاءِ، فَلَا يَلْزَمُهُ طَلَبُهُ، لِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لَهُ (وَمَنْ تَيَمَّمَ) لِعَدَمِ الْمَاءِ (ثُمَّ رَأَى مَا يَشُكُّ مَعَهُ فِي) وُجُودِ (الْمَاءِ) كَخُضْرَةٍ وَرَكْبٍ قَادِمٍ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مَاءٌ (لَا فِي صَلَاةٍ، بَطَلَ تَيَمُّمُهُ) لِوُجُوبِ طَلَبِهِ عَلَيْهِ إذَنْ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ فَلَا تَبْطُلُ وَلَا تَيَمُّمُهُ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ طَلَبُهُ إذَنْ (فَإِنْ دَلَّهُ) أَيْ عَادِمَ الْمَاءِ (عَلَيْهِ) أَيْ الْمَاءِ (ثِقَةٌ) قَرِيبًا عُرْفًا لَزِمَهُ قَصْدُهُ (أَوْ عَلِمَهُ) أَيْ عَلِمَ الْمَاءَ عَادِمُهُ (قَرِيبًا عُرْفًا) مِنْهُ (وَلَمْ يَخَفْ) بِقَصْدِهِ إيَّاهُ (فَوْتَ وَقْتٍ وَلَوْ) كَانَ الْوَقْتُ الْمَخُوفُ فَوَاتُهُ (لِلِاخْتِيَارِ) بِأَنْ ظَنَّ أَنْ لَا يُدْرِكَ الصَّلَاةَ بِوُضُوءٍ إلَّا وَقْتَ الضَّرُورَةِ (أَوْ) لَمْ يَخَفْ بِقَصْدِهِ فَوْتَ (رِفْقَةٍ، أَوْ) فَوْتَ (عَدُوٍّ، أَوْ) فَوْتَ (مَالٍ، أَوْ) لَمْ يَخَفْ بِقَصْدِهِ (عَلَى نَفْسِهِ) نَحْوَ لِصٍّ أَوْ سَبُعٍ أَوْ عَدُوٍّ.
(وَلَوْ) كَانَ الْمَخُوفُ مِنْهُ (فُسَّاقًا) يَفْسُقُونَ بِطَالِبِ الْمَاءِ (غَيْرَ جَبَانٍ) يَخَافُ بِلَا سَبَبٍ يُخَافُ مِنْهُ (أَوْ) لَمْ يَخَفْ بِقَصْدِهِ عَلَى (مَالِهِ) كَشُرُودِ دَابَّتِهِ، أَوْ عَلَى أَهْلِهِ مِنْ لِصٍّ أَوْ سَبُعٍ أَوْ نَحْوِهِ (لَزِمَهُ قَصْدُهُ) أَيْ الْمَاءِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْهُ بِلَا ضَرَرٍ (وَإِلَّا) بِأَنْ خَافَ شَيْئًا مِمَّا تَقَدَّمَ (تَيَمَّمَ) وَسَقَطَ طَلَبُهُ، لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْوَقْتِ بِلَا ضَرَرٍ فَأَشْبَهَ عَادِمَهُ إعَادَةً وَلَيْسَ لَهُ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ إلَى الْأَمْنِ.
وَإِذَا تَيَمَّمَ لِسَوَادٍ بِاللَّيْلِ يَظُنُّهُ عَدُوًّا، فَتَبَيَّنَ عَدَمَهُ بَعْدَ أَنْ صَلَّى فَلَا إعَادَةَ لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِهِ فِي الْأَسْفَارِ (وَلَا يَتَيَمَّمُ) مَعَ الْمَاءِ (لِخَوْفِ فَوْتِ جِنَازَةٍ) بِالْوُضُوءِ (وَلَا) لِخَوْفِ فَوْتِ وَقْتِ (فَرْضٍ) إنْ
стр. 83
تَوَضَّأَ لِمَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة: ٦] (إلَّا هُنَا) أَيْ فِيمَا إذَا عَلِمَ الْمُسَافِرُ الْمَاءَ أَوْ دَلَّهُ عَلَيْهِ ثِقَةٌ قَرِيبًا وَخَافَ بِقَصْدِهِ فَوْتَ الْوَقْتِ.
(وَ) إلَّا فِيمَا (إذَا وَصَلَ مُسَافِرٌ إلَى مَاءٍ وَقَدْ ضَاقَ الْوَقْتُ) عَنْ طَهَارَتِهِ (أَوْ) لَمْ يَضِقْ الْوَقْتُ عَنْهَا لَكِنْ (عَلِمَ أَنَّ النَّوْبَةَ لَا تَصِلُ إلَيْهِ) لِيَسْتَعْمِلَهُ (إلَّا بَعْدَهُ) أَيْ الْوَقْتِ، فَيَتَيَمَّمُ، لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي الْوَقْتِ. فَاسْتُصْحِبَ حَالُ عَدَمِهِ لَهُ، بِخِلَافِ مَنْ وَصَلَ إلَيْهِ وَتَمَكَّنَ مِنْ الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ، ثُمَّ أَخَّرَ حَتَّى ضَاقَ فَكَحَاضِرٍ لِتَحَقُّقِ قُدْرَتِهِ (وَمَنْ تَرَكَ مَا يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ) مِنْ مَاءٍ أَوْ ثَمَنِهِ أَوْ آلَتِهِ (أَوْ) تَرَكَ مَا يَلْزَمُهُ (تَحْصِيلُهُ مِنْ مَاءٍ وَغَيْرِهِ) كَحَبْلٍ وَدَلْوٍ (وَتَيَمَّمَ وَصَلَّى.
أَعَادَ) لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ لَاحِقٍ لَهُ. فَلَمْ يَصِحَّ تَيَمُّمُهُ، كَوَاجِدِهِ (وَمَنْ خَرَجَ) إلَى أَرْضٍ مِنْ أَعْمَالِ بَلَدِهِ (لِحَرْثٍ أَوْ صَيْدٍ وَنَحْوِهِ) كَاحْتِطَابٍ (حَمَلَهُ) أَيْ الْمَاءَ مَعَهُ (إنْ أَمْكَنَهُ) لِأَنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُ إذَنْ. وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ وَاجِبٌ (وَ) مَتَى حَمَلَهُ وَفَقَدَهُ، أَوْ لَمْ يَحْمِلْهُ وَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ (تَيَمَّمَ إنْ فَاتَتْ حَاجَتُهُ) الَّتِي خَرَجَ إلَيْهَا (بِرُجُوعِهِ) إلَى الْمَاءِ (وَلَا يُعِيدُ) صَلَاتَهُ بِهِ، لِأَنَّهُ شَبِيهٌ بِالْمُسَافِرِ إلَى قَرْيَةٍ أُخْرَى.
(وَمَنْ فِي الْوَقْتِ) لِلصَّلَاةِ (أَرَاقَهُ) أَيْ الْمَاءَ (أَوْ مَرَّ بِهِ) أَيْ الْمَاءِ (وَأَمْكَنَهُ الْوُضُوءُ) مِنْهُ وَلَمْ يَفْعَلْ (وَ) هُوَ (يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَجِدُ غَيْرَهُ أَوْ بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ) فِي الْوَقْتِ لِغَيْرِ مَنْ يَلْزَمُ بَذْلُهُ لَهُ (حَرُمَ) عَلَيْهِ ذَلِكَ (وَلَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ) مِنْ بَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ لِتَعَلُّقِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَلَمْ يَصِحَّ نَقْلُ الْمِلْكِ فِيهِ كَأُضْحِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ
(ثُمَّ إنْ تَيَمَّمَ) لِعَدَمِ غَيْرِهِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى رَدِّ الْمَبِيعِ وَالْمَوْهُوبِ (وَصَلَّى لَمْ يُعِدْ) لِأَنَّهُ عَادِمٌ لِلْمَاءِ حَالَ التَّيَمُّمِ أَشْبَهَ مَا لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ الْوَقْتِ، فَإِنْ كَانَ مَا سَبَقَ قَبْلَ الْوَقْتِ فَلَا إثْمَ لَهُ وَلَا إعَادَةَ بِالْأَوْلَى (وَمَنْ ضَلَّ عَنْ رَحْلِهِ وَبِهِ الْمَاءُ. وَقَدْ طَلَبَهُ) أَيْ رَحْلَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَتَيَمَّمَ أَجْزَأَهُ أَوْ ضَلَّ (عَنْ مَوْضِعِ بِئْرٍ كَانَ يَعْرِفُهَا فَتَيَمَّمَ أَجْزَأَهُ) وَلَا إعَادَةَ بَعْدَ وُجُودِ مَاءٍ ضَلَّ عَنْهُ ; لِأَنَّهُ حَالَ تَيَمُّمِهِ عَادِمُ الْمَاءِ.
فَدَخَلَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُفَرِّطٍ (وَلَوْ بَانَ بَعْدَ) التَّيَمُّمِ وَالصَّلَاةِ (بِقُرْبِهِ بِئْرٌ خَفِيَّةٌ لَمْ يَعْرِفْهَا) فَلَا إعَادَةَ لِعَدَمِ تَفْرِيطِهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَتْ أَعْلَامُهَا ظَاهِرَةً أَوْ كَانَ يَعْرِفُهَا (لَا إنْ نَسِيَهُ أَيْ الْمَاءَ) أَوْ جَهِلَهُ بِمَوْضِعٍ يُمْكِنُهُ اسْتِعْمَالُهُ
(وَلَوْ مَعَ نَحْوِ عَبْدِهِ (وَتَيَمَّمَ) وَصَلَّى. فَلَا يُجْزِئُهُ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ تَجِبُ مَعَ الْعِلْمِ وَالذِّكْرِ فَلَا تَسْقُطُ بِالنِّسْيَانِ وَالْجَهْلِ، كَمَنْ صَلَّى نَاسِيًا حَدَثَهُ وَ
стр. 84
(كَمُصَلٍّ عُرْيَانًا وَمُكَفِّرٍ بِصَوْمٍ نَاسِيًا لِلسُّتْرَةِ وَالرَّقَبَةِ) فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ، وَلَا يُجْزِئُهُ صَوْمُهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ (وَيُتَيَمَّمُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، أَيْ يُشْرَعُ التَّيَمُّمُ (لِكُلِّ حَدَثٍ) أَكْبَرَ أَوْ أَصْغَرَ.
لِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ «: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُعْتَزِلٍ فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ؟ فَقَالَ أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ، وَلَا مَاءَ قَالَ: عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ. فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِحَدِيثِ عَمَّارٍ، وَحَائِضٍ أَوْ نُفَسَاءَ انْقَطَعَ دَمُهُمَا كَجُنُبٍ (وَ) تَيَمَّمَ (ل) كُلِّ (نَجَاسَةٍ بِبَدَنٍ) مُتَيَمِّمٌ.
قَالَ أَحْمَدُ: هُوَ بِمُنْزِلَةِ الْجُنُبِ (لِعَدَمِ مَاءٍ أَوْ لِضَرَرٍ) فِي بَدَنِهِ وَلَوْ كَانَ الضَّرَرُ (مِنْ بَرْدٍ حَضَرَا) مَعَ عَدَمِ مَا يُسَخَّنُ بِهِ الْمَاءُ (بَعْدَ تَخْفِيفِهَا) أَيْ النَّجَاسَةِ عَنْ بَدَنِهِ (مَا أَمْكَنَ) بِمَسْحِ رَطْبِهِ أَوْ حَكِّ يَابِسِهِ (لُزُومًا وَلَا إعَادَةَ) عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَتْ بِمَحَلٍّ صَحِيحٍ أَوْ جَرِيحٍ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ «: ﷺ الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ» وَقَوْلِهِ: «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ فِي الْبَدَنِ تُرَادُ لِلصَّلَاةِ، فَأَشْبَهَتْ طَهَارَةَ الْحَدَثِ.
وَعُلِمَ مِنْهُ: أَنَّهُ لَا تَيَمُّمَ لِغَيْرِ نَجَاسَةٍ بِبَدَنٍ وَتَقَدَّمَ (وَإِنْ تَعَذَّرَ) عَلَى مُرِيدِ الصَّلَاةِ (الْمَاءُ وَالتُّرَابُ لِعَدَمٍ) كَمَنْ حُبِسَ بِمَحَلٍّ لَا مَاءَ فِيهِ وَلَا تُرَابَ (أَوْ لِقُرُوحٍ لَا يَسْتَطِيعُ مَعَهَا مَسَّ الْبَشَرَةِ بِمَاءٍ وَلَا تُرَابٍ (وَنَحْوِهَا) أَيْ الْقُرُوحِ كَجِرَاحَاتٍ لَا يُمْكِنُ مَسُّهَا وَكَذَا مَرِيضٌ عَجَزَ عَنْ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ أَوْ عَمَّنْ يُطَهِّرُهُ بِأَحَدِهِمَا (صَلَّى الْفَرْضَ فَقَطْ) دُونَ النَّوَافِلِ (عَلَى حَسَبِ حَالِهِ) لِأَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ فَلَمْ تُؤَخَّرْ الصَّلَاةُ عِنْدَ عَدَمِهِ كَالسُّتْرَةِ.
(وَلَا يَزِيدُ) عَادِمُ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ (عَلَى مَا يُجْزِئُ) فِي الصَّلَاةِ فَلَا يَقْرَأُ زَائِدًا عَلَى الْفَاتِحَةِ وَلَا يَسْتَفْتِحُ، وَلَا يَتَعَوَّذُ وَلَا يُبَسْمِلُ، وَلَا يُسَبِّحُ زَائِدًا عَلَى الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ وَلَا يَزِيدُ عَلَى مَا يُجْزِئُ فِي طُمَأْنِينَةِ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ أَوْ جُلُوسٍ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَإِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ رَكَعَ فِي الْحَالِ، وَإِذَا فَرَغَ مِمَّا يُجْزِئُ فِي التَّشَهُّدِ نَهَضَ أَوْ سَلَّمَ فِي الْحَالِ لِأَنَّهَا صَلَاةُ ضَرُورَةٍ فَتَقَيَّدَتْ بِالْوَاجِبِ. إذْ لَا ضَرُورَةَ لِزَائِدٍ وَلَا يَقْرَأُ خَارِجَ الصَّلَاةِ إنْ كَانَ جُنُبًا
(وَلَا يَؤُمُّ) عَادِمُ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ (مُتَطَهِّرًا بِأَحَدِهِمَا) أَيْ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ كَالْعَاجِزِ عَنْ الِاسْتِقْبَالِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الشُّرُوطِ لَا يَؤُمُّ قَادِرًا عَلَيْهِ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى التُّرَابِ، فِي الصَّلَاةِ فَكَالْمُتَيَمِّمِ يَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ (وَلَا إعَادَةَ) عَلَى مَنْ عَدِمَ الْمَاءَ وَالتُّرَابَ وَصَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ فَخَرَجَ مِنْ عُهْدَتِهِ (وَتَبْطُلُ) صَلَاتُهُ (بِحَدَثٍ وَنَحْوِهِ)
стр. 85
كَنَجَاسَةٍ غَيْرِ مَعْفُوٍّ عَنْهَا (فِيهَا) لِأَنَّهُ مُنَافٍ لِلصَّلَاةِ، فَأَبْطَلَهَا عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَتْ، ثُمَّ يَسْتَأْنِفُهَا عَلَى حَسَبِ حَالِهِ.
وَتَبْطُلُ صَلَاةٌ عَلَى مَيِّتٍ لَمْ يُغَسَّلْ وَلَمْ يُيَمَّمْ بِغُسْلِهِ مُطْلَقًا، وَتُعَادُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ بِهِ وَيُيَمَّمُ، وَيَجُوزُ نَبْشُهُ لِأَحَدِهِمَا مَعَ أَمْنِ تَفَسُّخِهِ (وَإِنْ وَجَدَ) عَادِمٌ (ثَلْجًا وَتَعَذَّرَ تَذْوِيبُهُ مَسَحَ بِهِ أَعْضَاءَهُ) لُزُومًا، لِأَنَّهُ مَاءٌ جَامِدٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ إلَّا كَذَلِكَ، فَوَجَبَ، لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» .
وَظَاهِرُهُ: لَا يَتَيَمَّمُ مَعَ وُجُودِهِ، لِأَنَّهُ وَاجِدٌ لِلْمَاءِ (وَصَلَّى وَلَمْ يُعِدْ) صَلَاتَهُ (إنْ جَرَى) الثَّلْجُ أَيْ سَالَ (بِمَسِّ الْأَعْضَاءِ) الْوَاجِبِ غَسْلُهَا، لِأَنَّهُ يَصِيرُ غَسْلًا خَفِيفًا، فَإِنْ لَمْ يَجْرِ بِمَسٍّ. أَعَادَ، وَمِثْلُهُ لَوْ صَلَّى بِلَا تَيَمُّمٍ وَعِنْدَهُ: طِينٌ يَابِسٌ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى دَقِّهِ لِيَكُونَ لَهُ غُبَارٌ الشَّرْطُ (الثَّالِثُ: تُرَابٌ) فَلَا يَصِحُّ تَيَمُّمٌ بِرَمْلٍ أَوْ نُورَةٍ أَوْ جِصٍّ، أَوْ نَحْتِ حِجَارَةٍ أَوْ نَحْوِهِ (طَهُورٌ) بِخِلَافِ مَا يَتَنَاثَرُ مِنْ الْمُتَيَمِّمِ، لِأَنَّهُ اُسْتُعْمِلَ فِي طَهَارَةِ إبَاحَةِ الصَّلَاةِ، أَشْبَهَ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ فِي طَهَارَةٍ وَاجِبَةٍ، وَإِنْ تَيَمَّمَ جَمَاعَةٌ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، صَحَّ، كَمَا لَوْ تَوَضَّئُوا مِنْ حَوْضٍ يَغْتَرِفُونَ مِنْهُ (مُبَاحٌ) فَلَا يَصِحُّ بِمَغْصُوبٍ، كَالْوُضُوءِ بِهِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ وَلَوْ تُرَابَ مَسْجِدٍ، وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ، فَإِنَّهُ لَا يُكْرَهُ بِتُرَابِ زَمْزَمَ، مَعَ أَنَّهُ مَسْجِدٌ (غَيْرُ مُحْتَرِقٍ) فَلَا يَصِحُّ بِمَا دَقَّ مِنْ نَحْوِ خَزَفٍ، لِأَنَّ الطَّبْخَ أَخْرَجَهُ عَنْ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ التُّرَابِ (يَعْلَقُ غُبَارُهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] وَمَا لَا غُبَارَ لَهُ لَا يُمْسَحُ بِشَيْءٍ مِنْهُ " فَلَوْ ضَرَبَ عَلَى نَحْوِ لَبَدٍ أَوْ بِسَاطٍ أَوْ حَصِيرٍ أَوْ صَخْرَةٍ أَوْ بَرْذَعَةِ حِمَارٍ أَوْ عَدْلِ شَعِيرٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا عَلَيْهِ غُبَارٌ طَهُورٌ يَعْلَقُ بِيَدِهِ، صَحَّ تَيَمُّمُهُ بِخِلَافِ سَبَخَةٍ وَنَحْوِهَا لَا غُبَارَ لَهَا.
(فَإِنْ خَالَطَهُ) أَيْ التُّرَابَ الطَّهُورُ (ذُو غُبَارٍ) غَيْرُهُ، كَالْجِصِّ، وَالنُّورَةِ (فَكَمَاءٍ) طَهُورٍ (خَالَطَهُ طَاهِرٌ) فَإِنْ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلتُّرَابِ جَازَ التَّيَمُّمُ بِهِ وَإِنْ كَانَتْ لِلْمُخَالَطِ لَمْ يَجُزْ فَإِنْ كَانَ الْمُخَالَطُ لَا غُبَارَ لَهُ لَمْ يُمْنَعْ التَّيَمُّمُ بِالتُّرَابِ، كَبُرٍّ وَشَعِيرٍ، وَإِنْ خَالَطَتْهُ نَجَاسَةٌ لَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ بِهِ وَإِنْ كَثُرَ.
ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِتُرَابِ مَقْبَرَةٍ تَكَرَّرَ نَبْشُهَا، وَإِلَّا جَازَ وَإِنْ شَكَّ فِي التَّكْرَارِ صَحَّ التَّيَمُّمُ بِهِ، وَلَا بِطِينٍ، لَكِنْ إنْ أَمْكَنَهُ تَجْفِيفُهُ، وَالتَّيَمُّمُ بِهِ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ جَازَ، لَا بَعْدَهُ وَأَعْجَبَ أَحْمَدَ حَمْلُ التُّرَابِ لِلتَّيَمُّمِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَا يَحْمِلُهُ وَظَهَرَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَصَوَّبَهُ فِي الْإِنْصَافِ، إذْ لَمْ يَنْقُلْ.
стр. 86
[فَصْلٌ فَرَائِضُ التَّيَمُّمِ]
فَصْلٌ وَفَرَائِضُهُ أَيْ التَّيَمُّمِ خَمْسَةٌ فِي الْجُمْلَةِ أَحَدُهَا (مَسْحُ وَجْهِهِ) وَمِنْهُ اللِّحْيَةُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] (سِوَى مَا تَحْتَ) شَعْرٍ، وَلَوْ كَانَ الشَّعْرُ (خَفِيفًا وَ) سِوَى (دَاخِلِ فَمٍ وَأَنْفٍ، وَيُكْرَهُ) إدْخَالُ التُّرَابِ فَمَهُ وَأَنْفَهُ لِتَقْذِيرِهِ.
(وَ) الثَّانِي مَسْحُ (يَدَيْهِ إلَى كُوعَيْهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وَإِذَا عُلِّقَ حُكْمٌ بِمُطْلَقِ الْيَدَيْنِ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ الذِّرَاعُ، كَقَطْعِ السَّارِقِ وَمَسِّ الْفَرْجِ.
وَلِحَدِيثِ عَمَّارٍ قَالَ: «بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ فِي حَاجَةٍ فَأَجْنَبْت، فَلَمْ أَجِدْ الْمَاءَ ; فَتَمَرَّغْت فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَتَمَرَّغُ الدَّابَّةُ ثُمَّ أَتَيْت النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: إنَّمَا كَانَ يَكْفِيك أَنْ تَقُولَ بِيَدِك هَكَذَا، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَلَوْ أَمَرَّ الْمَحَلَّ) الْمَمْسُوحَ فِي التَّيَمُّمِ (عَلَى تُرَابٍ) وَمَسَحَهُ بِهِ صَحَّ (أَوْ صَمَدَهُ) أَيْ نَصَبَ الْمَحَلَّ الَّذِي يَمْسَحُ فِي التَّيَمُّمِ (لِرِيحٍ فَعَمَّهُ) التُّرَابُ (وَمَسَحَهُ بِهِ صَحَّ) تَيَمُّمُهُ إنْ نَوَاهُ، كَمَا لَوْ صَمَّدَ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ لِمَاءٍ فَجَرَى عَلَيْهَا (لَا إنْ سَفَتْهُ) أَيْ سَفَتْ رِيحٌ الْمَحَلَّ بِتُرَابٍ مِنْ غَيْرِ تَصْمِيدٍ (فَمَسَحَهُ بِهِ) لِأَمْرِهِ تَعَالَى بِقَصْدِ الصَّعِيدِ.
(وَإِنْ تَيَمَّمَ بِبَعْضِ يَدَيْهِ، أَوْ) تَيَمَّمَ (بِحَائِلٍ) كَخِرْقَةٍ وَنَحْوِهَا، فَكَوُضُوءٍ يَصِحُّ حَيْثُ مَسَحَ مَا يَجِبُ مَسْحُهُ، لِوُجُودِ الْمَأْمُورِ بِهِ (أَوْ يَمَّمَهُ غَيْرُهُ فَكَوُضُوءٍ) يَصِحُّ حَيْثُ نَوَاهُ الْمُتَيَمِّمُ، وَلَمْ يُكْرَهْ مُيَمَّمٌ.
(وَ) الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ (تَرْتِيبٌ وَمُوَالَاةٌ لِحَدَثٍ أَصْغَرَ) دُونَ حَدَثٍ أَكْبَرَ وَنَجَاسَةِ بَدَنٍ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ مَبْنِيٌّ عَلَى طَهَارَةِ الْمَاءِ، وَهُمَا فَرْضَانِ فِي الْوُضُوءِ دُونَ مَا سِوَاهُ
(وَهِيَ) أَيْ الْمُوَالَاةُ (هُنَا بِقَدْرِهَا) زَمَنًا (فِي وُضُوءٍ) فَهِيَ أَنْ لَا يُؤَخِّرَ مَسْحَ عُضْوٍ حَتَّى يَجِفَّ مَا قَبْلَهُ لَوْ كَانَ مَغْسُولًا بِزَمَنٍ مُعْتَدِلٍ.
(وَ) الْخَامِسُ (تَعْيِينُ نِيَّةِ اسْتِبَاحَةِ مَا يَتَيَمَّمُ لَهُ) كَصَلَاةٍ أَوْ طَوَافٍ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا أَوْ غَيْرَهُمَا (مِنْ) مُتَعَلِّقٌ بِاسْتِبَاحَةِ (حَدَثٍ) أَصْغَرَ أَوْ أَكْبَرَ، جَنَابَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (أَوْ نَجَاسَةٍ) بِبَدَنٍ، وَيَكْفِيهِ لَهَا تَيَمُّمٌ وَاحِدٌ. وَإِنْ تَعَدَّدَتْ مَوَاضِعُهَا.
فَإِنْ نَوَى رَفْعَ حَدَثٍ لَمْ يَصِحَّ تَيَمُّمُهُ لِأَنَّهُ مُبِيحٌ لَا رَافِعٌ لِأَنَّهُ طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ (فَلَا يَكْفِي) مَنْ هُوَ مُحْدِثٌ وَبِبَدَنِهِ نَجَاسَةُ التَّيَمُّمِ (لِأَحَدِهِمَا) عَنْ الْآخَر.
(وَ) لَا يَكْفِي مَنْ هُوَ مُحْدِثٌ وَجُنُبٌ التَّيَمُّمُ عَنْ غُسْلِهِ لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» .
وَإِذَا تَيَمَّمَ لِلْجَنَابَةِ أُبِيحَ لَهُ مَا يُبَاحُ لِلْمُحْدِثِ: مِنْ قِرَاءَةٍ وَلُبْثٍ بِمَسْجِدٍ دُونَ صَلَاةٍ
стр. 87
وَطَوَافٍ وَمَسِّ مُصْحَفٍ وَإِذَا أَحْدَثَ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي هَذَا التَّيَمُّمِ.
(وَإِنْ نَوَاهُمَا) أَيْ الْحَدَثَيْنِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ (أَوْ) نَوَى الْحَدَثَ وَنَجَاسَةً بِبَدَنٍ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَ عَنْهُمَا أَوْ نَوَى (أَحَدَ أَسْبَابِ أَحَدِهِمَا) أَيْ الْحَدَثَيْنِ، بِأَنْ بَالَ وَتَغَوَّطَ وَخَرَجَ مِنْهُ رِيحٌ وَنَحْوُهُ، وَنَوَى وَاحِدًا مِنْهُمَا وَتَيَمَّمَ (أَجْزَأَ) التَّيَمُّمُ (عَنْ الْجَمِيع) وَكَذَا لَوْ وُجِدَ مِنْهُ مُوجِبَانِ لِلْغُسْلِ وَنَوَى أَحَدَهُمَا، لَكِنَّ قِيَاسَ مَا تَقَدَّمَ فِي الْوُضُوءِ: لَا إنْ نَوَى أَنْ لَا يَسْتَبِيحَ مِنْ غَيْرِهِ.
(وَمَنْ نَوَى) بِتَيَمُّمِهِ (شَيْئًا) تُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ مِنْ صَلَاةٍ وَغَيْرِهَا (اسْتِبَاحَةً) أَيْ مَا نَوَاهُ.
(وَ) اسْتَبَاحَ (مِثْلَهُ) فَمَنْ تَيَمَّمَ لِظُهْرٍ اسْتَبَاحَهَا وَمَا يُجْمَعُ إلَيْهَا وَفَائِتَةٍ فَأَكْثَرَ (وَ) اسْتَبَاحَ (دُونَهُ) كَمَنْذُورَةٍ وَنَافِلَةٍ وَمَسِّ مُصْحَفٍ بِالْأَوْلَى
(فَأَعْلَاهُ) أَيْ أَعْلَى مَا يُسْتَبَاحُ بِالتَّيَمُّمِ (فَرْضُ عَيْنٍ) كَوَاحِدَةٍ مِنْ الْخَمْسِ (فَنَذْرٌ فَ) فَرْضُ (كِفَايَةٍ) كَصَلَاةِ عِيدٍ (فَنَافِلَةٌ) كَرَاتِبَةٍ وَتَحِيَّةِ مَسْجِدٍ (فَطَوَافُ) فَرْضٍ، فَطَوَافُ (نَفْلٍ) كَمَا أَوْضَحْته فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ (فَمَسُّ مُصْحَفٍ، فَقِرَاءَةُ) قُرْآنٍ (فَلُبْثِ) بِمَسْجِدٍ. وَلَمْ يَذْكُرُوا وَطْءَ حَائِضٍ وَنُفَسَاءَ وَلَعَلَّهُ بَعْدَ اللُّبْثِ. وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّ مَنْ نَوَى شَيْئًا لَا يَسْتَبِيحُ مَا فَوْقَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهِ، وَلَا تَابِعَ لِمَا نَوَاهُ، وَقَدْ قَالَ ﷺ : " وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ".
(وَإِنْ أَطْلَقَهَا) أَيْ نِيَّةَ الِاسْتِبَاحَةِ (لِصَلَاةٍ أَوْ طَوَافٍ) بِأَنْ لَمْ يُعَيِّنْ فَرْضَهُمَا وَلَا نَفْلَهُمَا وَتَيَمَّمَ (لَمْ يَفْعَلْ إلَّا نَفْلَهُمَا) لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الْفَرْضَ، فَلَمْ يَحْصُل لَهُ. وَفَارَقَ طَهَارَةَ الْمَاءِ ; لِأَنَّهَا تَرْفَعُ الْحَدَثَ فَيُبَاحُ لَهُ جَمِيعُ مَا يَمْنَعُهُ.
(وَتَسْمِيَةٌ فِيهِ) أَيْ التَّيَمُّمِ (ك) تَسْمِيَةٍ فِي (وُضُوءٍ) فَتَجِبُ قِيَاسًا عَلَيْهِ وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ عَنْ نَجَاسَةٍ بِبَدَنٍ كَالنِّيَّةِ وَتَسْقُطُ سَهْوًا.
(وَيَبْطُلُ) التَّيَمُّمُ (حَتَّى تَيَمَّمَ جُنُبٌ لِقِرَاءَةٍ وَلُبْثٍ بِمَسْجِدٍ وَ) حَتَّى تَيَمَّمَ (حَائِضٌ لِوَطْءٍ: بِخُرُوجِ وَقْتٍ) لِقَوْلِ عَلِيٍّ " التَّيَمُّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ " وَلِأَنَّهُ طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ. فَتَقَيَّدَتْ بِالْوَقْتِ كَطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ وَأَوْلَى. فَلَوْ تَيَمَّمَ وَقْتَ الصُّبْحِ بَطَلَ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ.
وَكَذَا لَوْ تَيَمَّمَ بَعْدَ الشُّرُوقِ، بَطَلَ بِالزَّوَالِ (ك) لَوْ تَيَمَّمَ ل (طَوَافٍ، وَ) لِصَلَاةِ (جِنَازَةٍ وَنَافِلَةٍ وَنَحْوِهَا) كَسُجُودِ شُكْرٍ (وَ) كَذَا لَوْ تَيَمَّمَ عَنْ (نَجَاسَةٍ) بِبَدَنٍ، فَيَبْطُلُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ، لِانْتِهَاءِ مُدَّتِهِ كَمَسْحِ الْخُفِّ، فَإِنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ بَطَلَتْ (مَا لَمْ يَكُنْ فِي صَلَاةِ جُمُعَةٍ) فَلَا تَبْطُلُ إذَا خَرَجَ وَقْتُهَا لِأَنَّهَا لَا تُقْضَى (أَوْ) مَا لَمْ (يَنْوِ الْجَمْعَ فِي وَقْتٍ ثَانِيَةٍ) مَنْ يُبَاحُ لَهُ.
فَإِنْ نَوَاهُ ثُمَّ تَيَمَّمَ فِي وَقْتِ الْأُولَى لَهَا أَوْ لِفَائِتَةٍ لَمْ تَبْطُلْ بِخُرُوجِهِ.
стр. 88
لِأَنَّ نِيَّةَ الْجَمْعِ صَيَّرَتْ الْوَقْتَيْنِ كَالْوَقْتِ الْوَاحِدِ (وَ) يَبْطُلُ أَيْضًا (بِوُجُودِ مَاءٍ) مَقْدُورٍ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ بِلَا ضَرَرٍ كَمَا مَرَّ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ إجْمَاعًا وَلَوْ انْدَفَقَ أَوْ كَانَ قَلِيلًا فَيَسْتَعْمِلُهُ ثُمَّ يَتَيَمَّمُ لِلْبَاقِي.
(وَ) يَبْطُلُ أَيْضًا ب (زَوَالِ مُبِيحٍ) كَبُرْءِ مَرَضٍ أَوْ جُرْحٍ تَيَمَّمَ لَهُ، لِأَنَّهُ طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ، فَيَزُولُ بِزَوَالِهَا.
(وَ) يَبْطُلُ أَيْضًا ب (مُبْطِلٍ مَا تَيَمَّمَ لَهُ) مِنْ الطَّهَارَتَيْنِ، فَيَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ عَنْ وُضُوءٍ بِمَا يُبْطِلُهُ مِنْ نَوْمٍ وَنَحْوِهِ، وَعَنْ غُسْلٍ بِمَا يُنْقِضُهُ كَخُرُوجِ مَنِيٍّ بِلَذَّةٍ، وَلَوْ تَيَمَّمَ لِلْجَنَابَةِ وَالْحَدَثِ تَيَمُّمًا وَاحِدًا، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ رِيحٌ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ لِلْحَدَثِ وَبَقِيَ لِلْجَنَابَةِ بِحَالِهِ.
(وَ) يَبْطُلُ أَيْضًا (بِخَلْعِ مَا يُمْسَحُ) كَخُفٍّ وَعِمَامَةٍ وَجَبِيرَةٍ لُبِسَتْ عَلَى طَهَارَةِ مَاءٍ (إنْ تَيَمَّمَ) بَعْدَ حَدَثِهِ.
(وَهُوَ عَلَيْهِ) سَوَاءٌ مَسَحَهُ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ لَا، لِقِيَامِ تَيَمُّمِهِ مَقَامَ وُضُوئِهِ وَهُوَ يَبْطُلُ بِخَلْعِ ذَلِكَ فَكَذَا مَا قَامَ مَقَامَهُ وَالتَّيَمُّمُ وَإِنْ اُخْتُصَّ بِعُضْوَيْنِ صُورَةً فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِالْأَرْبَعَةِ حُكْمًا، وَكَذَا لَوْ انْقَضَتْ مُدَّةُ مَسْحٍ وَ (لَا) يَبْطُلُ تَيَمُّمٌ (عَنْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ بِحَدَثِ غَيْرِهِمَا) كَجِمَاعٍ وَإِنْزَالٍ كَالْغُسْلِ لَهُمَا. وَالْوَطْءُ وَنَحْوُهُ يُوجِبُ حَدَثَ الْجَنَابَةِ.
(وَإِنْ وَجَدَ الْمَاءَ) مَنْ تَيَمَّمَ لِعَدَمِهِ (فِي صَلَاةٍ أَوْ طَوَافٍ بَطَلَا) لِبُطْلَانِ طَهَارَتِهِ، فَيَتَوَضَّأُ أَوْ يَغْتَسِلُ، وَيَبْتَدِئُ الصَّلَاةَ أَوْ الطَّوَافَ.
(وَ) إنْ تَيَمَّمَ لِعَدَمِ الْمَاءِ ثُمَّ وَجَدَهُ بَعْدَ (أَنْ انْقَضَيَا) أَيْ الصَّلَاةُ وَالطَّوَافُ (لَمْ تَجِبْ إعَادَتُهُمَا) وَلَوْ لَمْ يَخْرُجْ الْوَقْتُ، وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ تَيَمَّمَ وَهُوَ يَرَى بُيُوتَ الْمَدِينَةِ. فَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَدِينَةَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ فَلَمْ يُعِدْ وَلِأَنَّهُ أَدَّى فَرْضَهُ كَمَا أُمِرَ فَلَمْ تَلْزَمْهُ إعَادَةٌ كَمَا لَوْ وَجَدَهُ بَعْدَ الْوَقْتِ.
(وَ) إنْ تَيَمَّمَ جُنُبٌ لِعَدَمِ مَاءٍ ثُمَّ وَجَدَهُ (فِي قِرَاءَةٍ وَوَطْءٍ وَنَحْوِهِمَا) كَلُبْثٍ بِمَسْجِدٍ (يَجِبُ التَّرْكُ) أَيْ تَرْكُ قِرَاءَةٍ وَوَطْءٍ وَنَحْوِهِمَا لِبُطْلَانِ تَيَمُّمِهِ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ ﷺ «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ (وَبِغُسْلِ مَيِّتٍ) يُمِّمَ لِعَدَمِ مَاءٍ (وَلَوْ صُلِّيَ عَلَيْهِ) وَلَمْ يُدْفَنْ حَتَّى وُجِدَ مَاءٌ (وَتُعَادُ) الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَلَوْ بِتَيَمُّمٍ وَالْأَوْلَى بِوُضُوءٍ.
(وَسُنَّ لِعَالِمٍ) وُجُودَ مَاءٍ (وَلِرَاجٍ وُجُودَ مَاءٍ، أَوْ مُسْتَوٍ عِنْدَهُ الْأَمْرَانِ) أَيْ وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ (تَأْخِيرُ التَّيَمُّمِ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ) أَيْ يَمْكُثُ وَيَنْتَظِرُ لِقَوْلِ عَلِيٍّ فِي الْجُنُبِ " يَتَلَوَّمُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخِرِ الْوَقْتِ فَإِنْ وَجَدَ الْمَاءَ وَإِلَّا تَيَمَّمَ " فَإِنْ تَيَمَّمَ وَصَلَّى أَجْزَأَهُ، وَلَوْ وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدُ، كَمَنْ صَلَّى عُرْيَانًا ثُمَّ قَدَرَ عَلَى السُّتْرَةِ، أَوْ لِمَرَضٍ جَالِسًا ثُمَّ قَدَرَ عَلَى قِيَامٍ.
(وَصِفَتُهُ) أَيْ التَّيَمُّمِ (أَنْ يَنْوِيَ) اسْتِبَاحَةَ فَرْضِ الصَّلَاةِ أَوْ نَحْوِهِ
стр. 89
مِنْ حَدَثٍ أَصْغَرَ أَوْ نَحْوِهِ (ثُمَّ يُسَمِّي) وُجُوبًا (وَيَضْرِبُ التُّرَابَ بِيَدَيْهِ مَفَرَّجَتَيْ الْأَصَابِعِ) لِيَصِلَ التُّرَابُ إلَى مَا بَيْنَهُمَا، وَيَنْزِعُ نَحْوَ خَاتَمٍ (ضَرْبَةً وَاحِدَةً) فَإِنْ كَانَ التُّرَابُ نَاعِمًا فَوَضَعَ يَدَيْهِ بِلَا ضَرْبٍ. فَعَلِقَ بِهِمَا كَفَى. وَيُكْرَهُ نَفْخُ التُّرَابِ إنْ كَانَ قَلِيلًا. فَإِنْ ذَهَبَ بِهِ أَعَادَ الضَّرْبَ (ثُمَّ يَمْسَحُ وَجْهَهُ) جَمِيعَهُ. فَإِنْ بَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ لَمْ يَصِلْ التُّرَابُ إلَيْهَا أَمَرَّ يَدَهُ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَفْصِلْ رَاحَتَهُ.
فَإِنْ فَصَلَهَا فَإِنْ بَقِيَ عَلَيْهَا غُبَارٌ جَازَ أَيْضًا الْمَسْحُ بِهَا. وَإِلَّا ضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرَى (بِبَاطِنِ أَصَابِعِهِ. وَ) يَمْسَحُ ظَاهِرَ (كَفَّيْهِ بِرَاحَتَيْهِ) لِحَدِيثِ عَمَّارٍ. وَتَقَدَّمَ.
قَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ؟ فَقَالَ: نَعَمْ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، وَمَنْ قَالَ ضَرْبَتَيْنِ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ زَادَهُ اهـ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قِيلَ فِي حَدِيثِ عَمَّارٍ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ فَتَكُونُ مُفَسِّرَةً لِلْمُرَادِ بِالْكَفَّيْنِ؟ أُجِيبَ: بِأَنَّهُ لَا يُعَوَّلُ عَلَى هَذَا الْحَدِيث إنَّمَا رَوَاهُ أَبُو سَلَمَةَ وَشَكَّ فِيهِ. ذَكَرَهُ النَّسَائِيّ مَعَ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِ، وَخَالَفَ بِهِ سَائِرَ الرُّوَاةِ الثِّقَاتِ. وَاسْتَحَبَّ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ ضَرْبَتَيْنِ ضَرْبَةً لِلْوَجْهِ وَأُخْرَى لِلْيَدَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ
(وَإِنْ بُذِلَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ فِيهِ وَفِيمَا بَعْدَهُ - مَاءٌ لِأَوْلَى جَمَاعَةٍ: (أَوْ نُذِرَ) مَاءٌ لِأَوْلَى جَمَاعَةٍ (أَوْ وُقِفَ) مَاءٌ عَلَى أَوْلَى جَمَاعَةٍ (أَوْ وُصِّيَ بِمَاءٍ لِأَوْلَى جَمَاعَةٍ: قُدِّمَ) بِهِ مِنْهُمْ (غُسْلُ طِيبِ مُحْرِمٍ) لِأَنَّ تَأْخِيرَ غُسْلِهِ بِلَا عُذْرٍ يُوجِبُ الْفِدْيَةَ.
(فَ) إنْ فَضَلَ مِنْهُ شَيْءٌ قُدِّمَ غُسْلُ (نَجَاسَةِ ثَوْبٍ) لِوُجُوبِ إعَادَةِ الصَّلَاةِ فِيهِ عَلَى عَادِمِ غَيْرِهِ (فَ) إنْ فَضَلَ شَيْءٌ قُدِّمَ غُسْلُ نَجَاسَةِ (بُقْعَةٍ) تَعَذَّرَتْ الصَّلَاةُ فِي غَيْرِهَا لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ تَجِبْ إعَادَةُ الصَّلَاةِ فِيهَا لَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ لَهَا (فَ) إنْ فَضَلَ شَيْءٌ قُدِّمَ غُسْلُ نَجَاسَةِ (بَدَنٍ) لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي صِحَّةِ التَّيَمُّمِ لَهَا، بِخِلَافِ حَدَثٍ (فَ) إنْ فَضَلَ شَيْءٌ قُدِّمَ (مَيِّتٌ) فَيُغَسَّلُ بِهِ. لِأَنَّ غُسْلَهُ خَاتِمَةُ طَهَارَتِهِ.
وَالْأَحْيَاءُ يَرْجِعُونَ إلَى الْمَاءِ فَيَغْتَسِلُونَ (فَ) إنْ فَضَلَ عَنْهُ شَيْءٌ قُدِّمَتْ بِهِ (حَائِضٌ) انْقَطَعَ دَمُهَا، لِغُسْلِهَا مِنْ الْحَيْضِ. لِأَنَّهُ أَغْلَظُ مِنْ الْجَنَابَةِ (فَ) إنْ فَضَلَ شَيْءٌ قُدِّمَ بِهِ (جُنُبٌ) لِأَنَّ الْجَنَابَةَ أَغْلَظُ مِنْ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ. وَأَيْضًا يَسْتَفِيدُ بِهِ الْجُنُبُ مَا لَا يَسْتَفِيدُهُ الْمُحْدِثُ بِهِ.
(فَ) إنْ فَضَلَ شَيْءٌ تَوَضَّأَ بِهِ (مُحْدِثٌ لَا إنْ كَفَاهُ) أَيْ الْمُحْدِثَ لِلْوُضُوءِ (وَحْدَهُ) أَيْ دُونَ الْجُنُبِ، بِأَنْ كَانَ لَا يَكْفِيهِ لِغُسْلِهِ (فَيُقَدَّمُ) بِهِ الْمُحْدِثُ (عَلَى جُنُبٍ) لِأَنَّ اسْتِعْمَالَهُ فِي طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ أَوْلَى مِنْ اسْتِعْمَالِهِ فِي بَعْضِ طَهَارَةٍ، بِأَنْ لَمْ يَكْفِ كُلًّا مِنْهُمَا قُدِّمَ بِهِ جُنُبٌ. لِأَنَّهُ
стр. 90
يَسْتَفِيدُ بِهِ فِي تَطْهِير بَعْضِ أَعْضَائِهِ.
(وَيُقْرَعُ مَعَ التَّسَاوِي) كَحَائِضَيْنِ فَأَكْثَرَ، وَمُحْدِثَيْنِ فَأَكْثَرَ، وَالْمَاءُ لَا يَكْفِي إلَّا أَحَدَهُمَا، لِعَدَمِ الْمُرَجِّحِ فَمَنْ قَرَعَ رَفِيقَهُ رُجِّحَ بِالْقُرْعَةِ (وَإِنْ تَطَهَّرَ بِهِ) أَيْ الْمَاءِ الْمَذْكُور (غَيْرُ الْأَوْلَى) بِهِ، كَمُحْدِثٍ مَعَ ذِي نَجَسٍ (أَسَاءَ) لِفِعْلِهِ مَا لَيْسَ لَهُ (وَصَحَّتْ طَهَارَتُهُ) لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَمْلِكْهُ بِكَوْنِهِ أَوْلَى وَإِنَّمَا رُجِّحَ لِشِدَّةِ حَاجَتِهِ. وَإِنْ كَانَ مِلْكًا لِأَحَدِهِمْ تَعَيَّنَ لَهُ. وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُؤْثِرَ غَيْرَهُ بِهِ، وَلَوْ أَبَاهُ. إنْ كَانَ مُشْتَرَكًا، تَطَهَّرَ كُلٌّ بِنَصِيبِهِ مِنْهُ، ثُمَّ تَيَمَّمَ لِلْبَاقِي، وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ غُسِّلَ بِهِ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِوَارِثِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا فَلِلْحَاضِرِ أَخْذُهُ لِلطَّهَارَةِ بِثَمَنِهِ فِي مَوْضِعِهِ
(وَالثَّوْبُ) الْمَبْذُولُ لِحَيٍّ وَمَيِّتٍ يَحْتَاجَانِهِ (يُصَلِّي فِيهِ) الْحَيُّ (ثُمَّ يُكَفَّنُ بِهِ) الْمَيِّتُ، جَمْعًا بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ وَإِنْ احْتَاجَ حَيٌّ لِكَفَنِ مَيِّتٍ، لِنَحْوِ بَرْدٍ، قُدِّمَ الْحَيُّ عَلَيْهِ. وَيُصَلِّي فِيهِ عَادِمُ السُّتْرَةِ عُرْيَانًا لَا فِي إحْدَى لِفَافَتَيْهِ.
[بَابٌ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ]
ِ أَيْ الطَّارِئَةِ عَلَى عَيْنٍ طَاهِرَةٍ. وَذَكَرَ فِيهِ أَيْضًا النَّجَاسَاتِ، وَمَا يُعْفَى عَنْهُ مِنْهَا. وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ (يُشْتَرَطُ ل) تَطْهِيرِ (كُلِّ مُتَنَجِّسٍ حَتَّى أَسْفَلَ خُفٍّ، وَ) أَسْفَلَ (حِذَاءٍ) بِالْمَدِّ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ أَوَّلُهُ، أَيْ نَعْلٌ (وَ) حَتَّى (ذَيْلِ امْرَأَةٍ سَبْعُ غَسَلَاتٍ) لِعُمُومِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أُمِرْنَا بِغُسْلِ الْأَنْجَاسِ سَبْعًا» فَيَنْصَرِفُ إلَى أَمْرِهِ ﷺ وَقِيَاسًا عَلَى نَجَاسَةِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ.
وَقِيسَ أَسْفَلُ الْخُفِّ وَالْحِذَاءِ عَلَى الرَّجُلِ، وَذَيْلُ الْمَرْأَةِ عَلَى بَقِيَّةِ ثَوْبِهَا وَيُعْتَبَرُ فِي كُلِّ غَسْلَةٍ، أَنْ تَسْتَوْعِبَ الْمَحَلَّ. فَيَجِبُ الْعَدَدُ مِنْ أَوَّلِ غَسْلَةٍ، وَلَوْ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ فَلَا يَضُرُّ بَقَاؤُهَا. فَيُجْزِئُ (إنْ أَنْقَتْ) السَّبْعُ غَسَلَاتٍ النَّجَاسَةَ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ تُنْقَ بِهَا (فَ) يَزِيدُ عَلَى السَّبْعِ (حَتَّى تُنْقَى) النَّجَاسَةُ (بِمَاءٍ طَهُورٍ) أَيْ يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ كُلُّ غَسْلَةٍ مِنْ السَّبْعِ بِمَاءٍ طَهُورٍ.
لِحَدِيثِ أَسْمَاءَ قَالَتْ «جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إحْدَانَا يُصِيبُ ثَوْبَهَا مِنْ دَمِ الْحَيْضَةِ. كَيْفَ تَصْنَعُ؟ قَالَ: تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، ثُمَّ تَنْضَحُهُ، ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ " (وَأَمَرَ بِصَبِّ ذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ
стр. 91
فَأُهْرِيقَ عَلَى بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ " وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ مُشْتَرَطَةٌ. فَأَشْبَهَتْ طَهَارَةَ الْحَدَثِ.
فَإِنْ كَانَتْ إحْدَى الْغَسَلَاتِ بِغَيْرِ مَاءٍ طَهُورٍ. لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا (مَعَ حَتٍّ وَقَرْصٍ) لِمَحَلِّ النَّجَاسَةِ، وَهُوَ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ: الدَّلْكُ بِأَطْرَافِ الْأَصَابِعِ وَالْأَظْفَارِ مَعَ صَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ (لِحَاجَةٍ) إلَى ذَلِكَ وَلَوْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ (إنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ الْمَحَلُّ) بِالْحَتِّ أَوْ الْقَرْصِ فَيَسْقُطُ.
(وَ) مَعَ (عَصْرٍ مَعَ إمْكَانِ) الْعَصْرِ (فِيمَا تَشْرَبُ) النَّجَاسَةُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، بِحَيْثُ لَا يُخَافُ فَسَادُهُ (كُلَّ مَرَّةٍ) مِنْ السَّبْعِ (خَارِجَ الْمَاءِ) لِيَحْصُلَ انْفِصَالُ الْمَاءِ عَنْهُ (وَإِلَّا) يَعْصِرْهُ خَارِجَ الْمَاءِ، بَلْ عَصَرَهُ فِيهِ وَلَوْ سَبْعًا (فَ) هِيَ (غَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ يَبْنِي عَلَيْهَا) مَا بَقِيَ مِنْ السَّبْعِ (أَوْ دَقُّهُ) أَيْ مَا تَشْرَبُ النَّجَاسَةُ (أَوْ تَقْلِيبُهُ) إنْ لَمْ يَكُنْ عَصْرُهُ (أَوْ تَثْقِيلُهُ) كُلَّ غَسْلَةٍ، حَتَّى يَذْهَبَ أَكْثَرُ مَا فِيهِ مِنْ الْمَاءِ، دَفْعًا لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ.
وَلَا يَكْفِي عَنْ عَصْرِهِ وَنَحْوِهِ تَجْفِيفُهُ، وَمَا لَا يَتَشَرَّبُ يَطْهُرُ بِمُرُورِ الْمَاءِ عَلَيْهِ وَانْفِصَالِهِ عَنْهُ (وَ) يُشْتَرَطُ (كَوْنُ إحْدَاهَا) أَيْ السَّبْعِ غَسَلَاتٍ (فِي مُتَنَجِّسٍ بِكَلْبٍ أَوْ) مُتَنَجِّسٍ ب (خِنْزِيرٍ أَوْ مُتَوَلِّدٍ) مِنْهُمَا أَوْ (مِنْ أَحَدِهِمَا) أَيْ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ (بِتُرَابٍ طَهُورٍ) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» .
وَلَا يَكْفِي تُرَابٌ نَجِسٌ وَلَا مُسْتَعْمَلٌ (يَسْتَوْعِبُ) أَيْ يَعُمُّ التُّرَابُ (الْمَحَلَّ) الْمُتَنَجِّسَ. لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَعُمَّهُ لَمْ تَكُنْ غَسْلَةً (إلَّا فِيمَا) أَيْ مَحَلٍّ (يَضُرُّهُ) التُّرَابُ (فَيَكْفِي مُسَمَّاهُ) أَيْ مَا يُسَمَّى تُرَابًا دَفْعًا لِلضَّرَرِ (وَيُعْتَبَرُ مَائِعٌ يُوصِلُهُ) أَيْ التُّرَابَ (إلَيْهِ) أَيْ الْمَحَلِّ النَّجَسِ، فَلَا يَكْفِي أَنْ يَذُرَّهُ عَلَيْهِ وَيُتْبِعَهُ الْمَاءَ.
وَالْمُرَادُ بِالْمَائِعِ هُنَا: الْمَاءُ الطَّهُورُ، كَمَا أَوْضَحْتُهُ فِي الْحَاشِيَةِ عَنْ ابْنِ قُنْدُسٍ (وَ) الْغَسْلَةُ (الْأُولَى) يُجْعَلُ التُّرَابُ فِيهَا (أَوْلَى) مِمَّا بَعْدَهَا، لِمُوَافَقَةِ لَفْظِ الْخَبَرِ. وَلِيَأْتِيَ الْمَاءُ بَعْدَهُ فَيُنَظِّفَهُ. فَإِنْ جَعَلَهُ فِي غَيْرِهَا جَازَ. لِأَنَّهُ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ " إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ ".
وَفِي حَدِيثٍ " أُولَاهُنَّ ".
وَفِي حَدِيثٍ " فِي الثَّامِنَةِ " فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَحَلَّ التُّرَابِ مِنْ الْغَسَلَاتِ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ (وَيَقُومُ أُشْنَانٌ وَنَحْوُهُ) كَصَابُونٍ وَنُخَالَةٍ (مَقَامَهُ) أَيْ التُّرَابِ. لِأَنَّهَا أَبْلَغُ مِنْهُ فِي الْإِزَالَةِ.
فَنَصُّهُ عَلَى التُّرَابِ تَنْبِيهٌ عَلَيْهَا. وَلِأَنَّهُ جَامِدٌ أُمِرَ بِهِ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ. فَأُلْحِقَ بِهِ مَا يُمَاثِلُهُ، كَالْحَجَرِ فِي الِاسْتِجْمَارِ (وَيَضُرُّ بَقَاءُ طَعْمِ) النَّجَاسَةِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى بَقَاء الْعَيْنِ، وَلِسُهُولَةِ إزَالَتِهِ. فَلَا يَطْهُرُ الْمَحَلُّ مَعَ بَقَائِهِ. وَ (لَا) يَضُرُّ (بَقَاءُ لَوْنٍ أَوْ رِيحٍ أَوْ بَقَاؤُهُمَا عَجْزًا) عَنْ إزَالَتِهِمَا، دَفْعًا لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ.
стр. 92
وَيَطْهُرُ الْمَحَلُّ (وَإِنْ لَمْ تُزَلْ النَّجَاسَةُ إلَّا بِمِلْحٍ أَوْ نَحْوِهِ) كَأُشْنَانٍ (مَعَ الْمَاءِ لَمْ يَجِبْ) اسْتِعْمَالُهُ مَعَهُ (وَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ مَطْعُوم) كَدَقِيقٍ (فِي إزَالَتِهَا) أَيْ النَّجَاسَةِ. لِأَنَّ فِيهِ إفْسَادَ الطَّعَامِ بِالتَّنْجِيسِ، وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُ النُّخَالَةِ الْخَالِصَةِ وَنَحْوِهَا فِي غَسْلِ الْأَيْدِي وَنَحْوِهَا لِلتَّنْظِيفِ (وَمَا تَنَجَّسَ ب) إصَابَةِ مَاءِ (غَسْلَةٍ يُغْسَلُ عَدَدَ مَا بَقِيَ بَعْدَهَا) أَيْ تِلْكَ الْغَسْلَة لِأَنَّهَا نَجَاسَةٌ تَطْهُرُ فِي مَحَلِّهَا بِمَا بَقِيَ مِنْ الْغَسَلَاتِ. فَطَهُرَتْ بِهِ فِي مِثْلِهِ.
فَمَا تَنَجَّسَ بِرَابِعَةٍ مَثَلًا غُسِلَ ثَلَاثًا، إحْدَاهُنَّ (بِتُرَابٍ طَهُورٍ حَيْثُ اُشْتُرِطَ) التُّرَابُ، كَنَجَاسَةِ كَلْبٍ (وَلَمْ يُسْتَعْمَلْ) قَبْلَ تَنَجُّسِ الثَّانِي. فَإِنْ كَانَ اُسْتُعْمِلَ لَمْ يُعِدْ (وَيُغْسَلُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ (بِخُرُوجِ مَذْيٍ) مِنْ ذَكَرٍ (ذَكَرٍ وَأُنْثَيَانِ مَرَّةً) لِحَدِيثِ عَلِيٍّ. قِيلَ لِتَبْرِيدِهِمَا. وَقِيلَ: لِتَلْوِيثِهِمَا غَالِبًا.
لِنُزُولِهِ مُتَسَبِّبًا (وَ) يُغْسَلُ (مَا أَصَابَهُ) الْمَذْيُ مِنْ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ، وَمِنْ سَائِرِ الْبَدَنِ وَالثِّيَابِ (سَبْعًا) كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ (وَيُجْزِي فِي بَوْلِ غُلَامٍ) وَمِثْلُهُ قَيْئُهُ (لَمْ يَأْكُلْ طَعَامًا لِشَهْوَةٍ نَضْحُهُ، وَهُوَ غَمْرُهُ بِمَاءٍ) وَإِنْ لَمْ يَقْطُرْ مِنْهُ شَيْءٌ.
وَلَا يَحْتَاجُ إلَى مَرْسٍ وَعَصْرٍ. لِحَدِيثِ أُمِّ قَيْسِ بِنْتِ مُحْصِنٍ " أَنَّهَا «أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَجْلَسَهُ فِي حِجْرِهِ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِقَوْلِهِ ﷺ : «إنَّمَا يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْأُنْثَى، وَيُنْضَحُ مِنْ بَوْلِ الذَّكَرِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ لُبَابَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ.
وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يُغْسَلُ مِنْ الْغَائِطِ مُطْلَقًا وَبَوْلِ الْأُنْثَى وَالْخُنْثَى وَبَوْلِ صَبِيٍّ أَكَلَ الطَّعَامَ لِشَهْوَةٍ. فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ نُضِحَ. لِأَنَّهُ قَدْ يَلْعَقُ الْعَسَلَ سَاعَةَ يُولَدُ. وَالنَّبِيُّ ﷺ حَنَّكَ بِالتَّمْرِ.
(وَ) يُجْزِئُ (فِي صَخْرٍ وَأَجْرِنَةٍ صِغَارٍ) مَبْنِيَّةٍ أَوْ كَبِيرَةٍ مُطْلَقًا، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ (وَأَحْوَاضٍ وَنَحْوِهَا) كَحِيطَانٍ (وَأَرْضٍ تَنَجَّسَتْ بِمَائِعٍ وَلَوْ مِنْ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ: مُكَاثَرَتُهَا بِالْمَاءِ، حَتَّى يَذْهَبَ لَوْنُ نَجَاسَةٍ وَرِيحُهَا) لِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ. فَنَهَاهُمْ النَّبِيُّ ﷺ . فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ، فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَإِنْ بَقِيَا أَوْ أَحَدُهُمَا لَمْ تَطْهُرْ لِأَنَّهُ دَلِيلُ بَقَائِهَا (مَا لَمْ يُعْجَزْ) عَنْ إذْهَابِهِمَا أَوْ إذْهَابِ أَحَدِهِمَا. فَتَطْهُرُ كَغَيْرِ الْأَرْضِ (وَلَوْ لَمْ يُزَلْ) الْمَاءُ (فِيهِمَا) أَيْ فِي مَسْأَلَةِ الْمَنْضُوحِ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ، وَمَسْأَلَةِ الْأَرْضِ وَنَحْوِهَا. فَيَطْهُرَانِ مَعَ بَقَاء الْمَاءِ عَلَيْهِمَا. لِظَاهِرِ مَا تَقَدَّمَ
(وَلَا يَطْهُرُ دُهْنٌ) تَنَجَّسَ
стр. 93
لِأَنَّهُ ﷺ «سُئِلَ عَنْ السَّمْنِ تَقَعُ فِيهِ الْفَأْرَةُ، فَقَالَ: إنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلَوْ أَمْكَنَ تَطْهِيرُهُ لَمَا أُمِرْنَا بِإِرَاقَتِهِ (وَلَا) تَطْهُرُ (أَرْضٌ اخْتَلَطَتْ بِنَجَاسَةٍ ذَاتِ أَجْزَاءٍ) مُتَفَرِّقَةٍ، كَالرِّمَمِ وَالدَّمِ إذَا جَفَّ، وَالرَّوْثِ إذَا اخْتَلَطَ بِأَجْزَاءِ الْأَرْضِ.
فَلَا تَطْهُرُ بِالْغَسْلِ. لِأَنَّ عَيْنَهَا لَا تَنْقَلِبُ، بَلْ بِإِزَالَةِ أَجْزَاءِ الْمَكَانِ، بِحَيْثُ يُتَيَقَّنُ زَوَالُ أَجْزَاءِ النَّجَاسَةِ (وَلَا) يَطْهُرُ (بَاطِنُ حَبٍّ وَلَا إنَاءٌ وَعَجِينٌ وَلَحْمٌ تَشَرَّبَهَا) أَيْ النَّجَاسَةَ بِغَسْلٍ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَأْصِلُ أَجْزَاءَ النَّجَاسَةِ مِمَّا ذُكِرَ (وَ) لَا تَطْهُرُ (سِكِّينٌ سَقَيْتهَا) النَّجَاسَةَ (بِغَسْلٍ) .
قَالَ أَحْمَدُ، فِي الْعَجِينِ: يُطْعَمُ النَّوَاضِحَ وَلَا يُطْعَمُ الشَّيْءَ يُؤْكَلُ فِي الْحَالِ وَلَا يُحْلَبُ لَبَنُهُ، لِئَلَّا يَتَنَجَّسَ بِهِ، وَهُوَ يَصِيرُ كَالْجَلَّالَةِ (وَ) لَا يَطْهُرُ (صَقِيلٌ كَالسَّيْفِ) وَمِرْآةٌ وَزُجَاجٌ (بِمَسْحٍ) بَلْ لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ كَالْأَوَانِي فَإِنْ قَطَعَ بِهِ قَبْلَ غَسْلِهِ مَا فِيهِ بَلَلٌ كَبِطِّيخٍ نَجَّسَهُ.
وَإِنْ كَانَ رَطْبًا لَا بَلَلَ فِيهِ كَجَيْنٍ، فَلَا بَأْسَ بِهِ (وَ) لَا تَطْهُرُ (أَرْضٌ بِشَمْسٍ وَرِيحٍ وَجَفَافٍ) لِأَنَّهُ أَمَرَ أَنْ يُصَبَّ عَلَى بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَلِأَنَّهُ مَحَلُّ نَجَسٍ فَلَمْ يَطْهُرْ بِغَيْرِ الْغَسْلِ كَالثِّيَابِ (وَ) لَا تَطْهُرُ (نَجَاسَةٌ بِنَارٍ فَرَمَادُهَا) وَدُخَانُهَا وَبُخَارُهَا وَغُبَارُهَا (نَجَسٌ) إذَا لَمْ تَتَغَيَّرْ إلَّا هَيْئَةُ جِسْمُهَا، كَالْمَيْتَةِ تَصِيرُ بِتَطَاوُلِ الزَّمَنِ تُرَابًا.
وَكَذَا صَابُونٌ عُمِلَ مِنْ زَيْتٍ نَجَسٍ (وَلَا) تَطْهُرُ النَّجَاسَةُ أَيْضًا (بِاسْتِحَالَةٍ فَالْمُتَوَلَّدُ مِنْهَا كَدُودِ جُرْحٍ وَصَرَاصِيرَ كُنُفٍ) جَمْعُ كَنِيفٍ، وَكَالْكِلَابِ تُلْقَى فِي مَلَّاحَةٍ فَتَكُونُ مِلْحًا (نَجِسَةٌ) كَالدَّمِ يَسْتَحِيلُ قَيْحًا «وَلِأَنَّهُ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِ الْجَلَّالَةِ وَأَلْبَانِهَا» لِأَكْلِهَا النَّجَاسَةَ.
فَلَوْ كَانَتْ تَطْهُرُ بِالِاسْتِحَالَةِ لَمْ يُؤَثِّرْ أَكْلُهَا النَّجَاسَةَ لِأَنَّهَا تَسْتَحِيلُ (إلَّا عَلَقَةٌ يُخْلَقُ مِنْهَا) حَيَوَانٌ (طَاهِرٌ) فَيَتَطَهَّرُ بِذَلِكَ (وَ) إلَّا (خَمْرَةٌ انْقَلَبَتْ بِنَفْسِهَا خَلًّا) فَتَطْهُرُ لِأَنَّ نَجَاسَتَهَا لِشِدَّتِهَا الْمُسْكِرَةِ الْحَادِثَةِ لَهَا. وَقَدْ زَالَتْ مِنْ غَيْرِ نَجَاسَةٍ خَلَّفَتْهَا، كَالْمَاءِ الْمُتَغَيِّرِ الْكَثِيرِ يَزُولُ تَغَيُّرُهُ بِنَفْسِهِ. بِخِلَافِ النَّجَاسَاتِ الْعَيْنِيَّةِ (أَوْ) انْقَلَبَتْ خَلًّا (بِنَقْلٍ) مِنْ دَنٍّ إلَى آخَرَ، أَوْ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى غَيْرِهِ. فَتَطْهُرُ لِمَا تَقَدَّمَ.
وَ (لَا) تَطْهُرُ بِنَقْلٍ مِمَّا ذُكِرَ (لِقَصْدِ تَخْلِيلٍ) لِخَبَرِ النَّهْيِ عَنْ تَخْلِيلِهَا. فَلَا تَطْهُرُ (وَدَنُّهَا) أَيْ الْخَمْرِ وَهُوَ وِعَاؤُهَا (مِثْلُهَا) يَطْهُرُ بِطَهَارَتِهَا. لِأَنَّ مِنْ لَازِمِ الْحُكْمِ بِطَهَارَتِهَا الْحُكْمَ بِطَهَارَتِهِ، حَتَّى مَا لَمْ يُلَاقِ الْخَلَّ مِمَّا فَوْقَهُ مِمَّا أَصَابَهُ الْخَمْرُ فِي غَلَيَانِهِ (كَمُحْتَفَرٍ) فِي أَرْضٍ فِيهِ مَاءٌ كَثِيرٌ تَغَيَّرَ بِنَجَاسَةٍ ثُمَّ زَالَ تَغَيُّرُهُ بِنَفْسِهِ، فَيَتَطَهَّرُ هُوَ وَمَحَلُّهُ تَبَعًا لَهُ.
وَكَذَا مَا بُنِيَ بِالْأَرْضِ كَالصَّهَارِيجِ وَالْبَحَرَاتِ (وَلَا) يَطْهُرُ (إنَاءٌ طَهُرَ مَاؤُهُ) بِزَوَالِ تَغَيُّرِهِ
стр. 94
بِنَفْسِهِ أَوْ بِإِضَافَةٍ أَوْ نَزْحٍ. لِأَنَّ الْأَوَانِيَ وَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً لَا تَطْهُرُ إلَّا بِسَبْعِ غَسَلَاتٍ. فَإِنْ انْفَصَلَ عَنْهُ الْمَاءُ حَسَبَ غَسْلَهُ ثُمَّ تُكْمَلُ، وَلَا يَطْهُرُ الْإِنَاءُ بِدُونِ إرَاقَتِهِ (وَيُمْنَعُ غَيْرُ خَلَّالٍ) أَيْ صَانِعِ الْخَلِّ (مِنْ إمْسَاكِهَا) أَيْ الْخَمْرِ (لِتُخَلَّلَ) أَيْ لِتَصِيرَ خَلًّا، لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى إمْسَاكِهَا وَهِيَ مَأْمُورٌ بِإِرَاقَتِهَا.
وَأَمَّا الْخَلَّالُ فَلَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ لِئَلَّا يَضِيعَ مَالُهُ، وَالْخَلُّ الْمُبَاحُ أَنْ يُصَبَّ عَلَى الْعِنَبِ أَوْ الْعَصِيرِ خَلٌّ قَبْلَ غَلَيَانِهِ، حَتَّى لَا يَغْلِيَ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ أَحْمَدَ، قِيلَ لَهُ: فَإِنْ صُبَّ عَلَيْهِ خَلٌّ فَغَلَى؟ فَقَالَ يُهْرَاقُ (ثُمَّ إنْ تَخَلَّلَتْ) الْخَمْرَةُ بِنَفْسِهَا بِيَدِ مُمْسِكِهَا وَلَوْ غَيْرَ خَلَّال حَلَّتْ (أَوْ اتَّخَذَ عَصِيرًا لِتَخْمِيرٍ فَتَخَلَّلَ بِنَفْسِهِ) مِنْ غَيْرِ ضَمِّ شَيْءٍ إلَيْهِ، وَلَا نُقِلَ بِقَصْدِ تَخْلِيلٍ (حَلَّ) أَيْ طَهُرَ، لِمَا تَقَدَّمَ
(وَمَنْ بَلَعَ لَوْزًا أَوْ نَحْوَهُ) كَبُنْدُقٍ (فِي قِشْرِهِ ثُمَّ قَاءَهُ أَوْ نَحْوِهِ) بِأَنْ خَرَجَ مِنْ أَيَّ مَحَلٍّ كَانَ (لَمْ يَنْجُسْ بَاطِنُهُ) لِصَلَابَةِ الْحَائِطِ (كَبَيْضٍ فِي خَمْرٍ صُلِقَ) وَنَحْوِهِ مِنْ النَّجَاسَاتِ، فَلَا يَنْجُسُ بَاطِنُهُ، لِأَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تَصِلُ إلَيْهِ بِخِلَافِ نَحْوِ لَحْمٍ وَخُبْزٍ
(وَأَيُّ نَجَاسَةٍ خَفِيَتْ) فِي بَدَنٍ أَوْ ثَوْبٍ (غُسِلَ) مَا احْتَمَلَ أَنَّ النَّجَاسَةَ أَصَابَتْهُ (حَتَّى يَتَيَقَّنَ غَسْلَهَا) لِيَخْرُجَ مِنْ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ، فَإِنْ جَهِلَ جِهَتَهَا مِنْ بَدَنٍ أَوْ ثَوْبٍ، غَسَلَهُ كُلَّهُ وَإِنْ عَلِمَهَا فِي إحْدَى يَدَيْهِ أَوْ إحْدَى كُمَّيْهِ وَنَسِيَهُ، وَإِنْ عَلِمَهَا غَسَلَهُمَا.
فِيمَا يُدْرِكُهُ بَصَرُهُ مِنْ بَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ، غَسَلَ مَا يُدْرِكُهُ مِنْهَا فَإِنْ صَلَّى قَبْلَ ذَلِكَ، لَمْ تَصِحَّ لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ الْمَانِعَ فَهُوَ كَمَنْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ وَ (لَا) يَلْزَمُهُ غَسْلٌ إنْ خَفِيَتْ النَّجَاسَةُ (فِي صَحْرَاءَ وَنَحْوِهَا) كَالْحُوشِ الْوَاسِعِ، فَلَا يَجِبُ غَسْلُ جَمِيعِهِ، لِأَنَّهُ يَشُقُّ (وَيُصَلِّي فِيهَا بِلَا تَحَرٍّ) دَفْعًا لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ، فَإِنْ كَانَ صَغِيرًا كَالْبَيْتِ وَالْحُوشِ الصَّغِيرِ وَخَفِيَتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ وَأَرَادَ الصَّلَاةَ فِيهِ، لَزِمَهُ غَسْلُهُ كُلِّهِ كَالثَّوْبِ.
[فَصْلٌ فِي النَّجَاسَاتِ وَمَا يُعْفَى عَنْهُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ]
فَصْلٌ فِي ذِكْرِ النَّجَاسَاتِ وَمَا يُعْفَى عَنْهُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ (الْمُسْكِرُ) نَجَسٌ، خَمْرًا كَانَ أَوْ نَبِيذًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: " إنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ - إلَى قَوْلِهِ - رِجْسٌ " وَلِأَنَّهُ يَحْرُمُ تَنَاوُلُهَا مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ. أَشْبَهَ الدَّمَ
стр. 95
وَلِقَوْلِهِ ﷺ : «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّ النَّبِيذَ شَرَابٌ فِيهِ شِدَّةٌ مُطْرِبَةٌ. أَشْبَهَ الْخَمْرَةَ. وَكَذَا الْحَشِيشَةُ الْمُسْكِرَةُ. قَالَهُ فِي شَرْحِهِ.
(وَمَا لَا يُؤْكَلُ مِنْ الطَّيْرِ وَالْبَهَائِمِ فَمَا فَوْقَ الْخَمْرِ خِلْقَةً) نَجَسٌ، كَالْعُقَابِ وَالصَّقْرِ وَالْحِدَأَةِ وَالْبُومَةِ وَالنَّسْرِ وَالرَّخَمِ وَغُرَابِ الْبَيْنِ وَالْأَبْقَعِ وَالْفِيلِ وَالْبَغْلِ وَالْحِمَارِ وَالْأَسَدِ وَالنَّمِرِ وَالذِّئْبِ وَالْفَهْدِ وَالْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَابْنِ آوَى وَالدُّبِّ وَالْقِرْدِ وَالسِّمْعِ وَالْعِسْبَارِ. وَأَمَّا مَا دُونَ ذَلِكَ فِي الْخِلْقَةِ فَهُوَ طَاهِرٌ، كَالنِّمْسِ وَالنَّسْنَاسِ وَابْنِ عُرْسٍ وَالْقُنْفُذِ وَالْفَأْرِ
(وَمَيْتَةُ غَيْرِ الْآدَمِيِّ، وَ) غَيْرِ (سَمَكٍ، وَ) غَيْرِ (جَرَادٍ، وَ) غَيْرِ (مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ كَالْعَقْرَبِ) نَجِسَةٌ. وَأَمَّا مَيْتَةُ الْآدَمِيِّ فَطَاهِرَةٌ. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] وَلِحَدِيثِ «إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ» لِأَنَّهُ لَوْ نَجِسَ لَمْ يَطْهُرْ بِالْغُسْلِ. وَأَجْزَاؤُهُ وَأَبْعَاضُهُ كَجُمْلَتِهِ. وَمَيْتَةُ السَّمَكِ وَسَائِرِ مَا لَا يَعِيشُ إلَّا فِي الْمَاءِ وَالْجَرَادِ طَاهِرَةٌ أَيْضًا. لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ نَجِسَةً لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهَا، بِخِلَافِ مَا يَعِيشُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، فَمَيْتَتُهُ نَجِسَةٌ، كَالضُّفْدَعِ.
وَمَيْتَةُ مَا لَا نَفْسَ أَيْ دَمَ لَهُ يَسِيلُ، كَالْخُنْفُسَاءِ وَالْعَنْكَبُوتِ وَالذُّبَابِ وَالنَّحْلِ وَالزُّنْبُورِ وَالنَّمْلِ وَالدُّودِ مِنْ طَاهِرٍ وَالْقَمْلِ وَالصَّرَاصِيرِ مِنْ غَيْرِ نَجَاسَةٍ وَنَحْوِهَا طَاهِرَةٌ. لِحَدِيثِ «إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَمْقُلْهُ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الْآخَرِ شِفَاءً» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَفِي لَفْظٍ " فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ " وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ بَارِدٍ وَحَارٍّ وَدُهْنٍ مِمَّا يَمُوتُ الذُّبَابُ بِغَمْسِهِ فِيهِ. فَلَوْ كَانَ يُنَجِّسُهُ كَانَ آمِرًا بِإِفْسَادِهِ (إلَّا الْوَزَغُ وَالْحَيَّةُ) فَمَيْتَتُهُمَا نَجِسَةٌ لِأَنَّ لَهُمَا نَفْسًا سَائِلَةً
(وَالْعَلَقَةُ يُخْلَقُ مِنْهَا حَيَوَانٌ. وَلَوْ) كَانَ (آدَمِيًّا أَوْ طَاهِرًا) نَجِسَةٌ لِأَنَّهَا دَمٌ خَارِجٌ مِنْ الْفَرْجِ (وَالْبَيْضَةُ تَصِيرُ دَمًا) نَجِسَةٌ كَالْعَلَقَةِ. وَكَذَا بَيْضُ مَذَرٍ، ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي.
وَفِي التَّلْخِيصِ: وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ. وَنَقَلَ فِي الْإِنْصَافِ عَنْ ابْنِ تَمِيمٍ أَنَّ الصَّحِيحَ: طَهَارَتُهَا
(وَلَبَنُ) غَيْرِ آدَمِيٍّ وَمَأْكُولٍ كَلَبَنِ هِرٍّ نَجَسٌ (وَمَنِيُّ غَيْرِ آدَمِيٍّ وَمَأْكُولٍ) نَجَسٌ. وَأَمَّا مَنِيُّ الْمَأْكُولِ فَطَاهِرٌ. وَكَذَا مَنِيُّ الْآدَمِيِّ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى عَنْ احْتِلَامٍ أَوْ جِمَاعٍ أَوْ غَيْرِهِمَا. فَلَا يَجِبُ فَرْكٌ وَلَا غُسْلٌ. وَظَاهِرُهُ وَلَوْ عَنْ اسْتِجْمَارٍ. وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَخْرَجِ نَجَاسَةٌ، فَالْمَنِيُّ نَجَسٌ لَا يُعْفَى عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ.
ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ (وَبَيْضُهُ) أَيْ غَيْرِ الْمَأْكُولِ نَجَسٌ (وَالْقَيْءُ) مِمَّا لَا يُؤْكَلُ نَجَسٌ (وَالْوَدْيُ) مِمَّا لَا يُؤْكَلُ نَجَسٌ، وَهُوَ مَاءٌ أَبْيَضُ يَخْرُجُ عَقِبَ الْبَوْلِ غَيْرُ لَزِجٍ (وَالْمَذْيُ) مِمَّا لَا يُؤْكَلُ نَجَسٌ، وَهُوَ مَاءٌ أَبْيَضُ رَقِيقٌ لَزِجٍ، كَمَاءِ السَّيْسَبَانِ يَخْرُجُ عِنْدَ مَبَادِي
стр. 96
الشَّهْوَةِ وَالِانْتِشَارِ
(وَالْبَوْلُ وَالْغَائِطُ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ أَوْ) مِنْ (آدَمِيٍّ) نَجَسٌ. وَأَمَّا مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَبَوْلُهُ وَرَوْثُهُ طَاهِرٌ. لِحَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ فِي الْإِبِلِ. وَقِيسَ عَلَيْهِ الْبَاقِي. وَكَذَا مِمَّا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً، كَمَا ذَكَرَهُ الْمَجْدُ.
وَفِي الْإِقْنَاعِ وَغَيْرِهِ (وَالنَّجَسُ هُنَا) كَالْوَدْيِ وَالْمَذْيِ وَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ (طَاهِرٌ مِنْهُ ﷺ وَ) مِنْ (سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ) عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تَكْرِيمًا لَهُمْ
(وَمَاءُ قُرُوحٍ) نَجَسٌ كَدَمٍ (وَدَمٌ) نَجَسٌ (غَيْرِ) مَا يَبْقَى مِنْهُ (فِي عِرْقٍ مَأْكُولٍ) بَعْدَ ذَبْحِهِ (وَلَوْ ظَهَرَتْ حُمْرَتُهُ) أَيْ حُمْرَةُ دَمِ عِرْقِ الْمَأْكُولِ فَإِنَّهُ طَاهِرٌ مُبَاحٌ. وَكَذَا مَا يَبْقَى فِي خَلَلِ اللَّحْمِ بَعْدَ الذَّبْحِ طَاهِرٌ (وَ) غَيْرُ دَمِ (سَمَكٍ وَ) غَيْرُ دَمِ (بَقٍّ وَقَمْلٍ وَبَرَاغِيث وَذُبَابٍ وَنَحْوِهِ) مِمَّا لَا يَسِيلُ دَمُهُ فَدَمُهُ طَاهِرٌ (وَ) غَيْرُ دَمِ (شَهِيدٍ عَلَيْهِ) فَإِنَّهُ طَاهِرٌ مَا دَامَ عَلَيْهِ.
فَإِنْ فُصِلَ عَنْهُ فَنَجَسٌ (وَقَيْحٌ) نَجَسٌ (وَصَدِيدٌ نَجَسٌ) لِأَنَّهُمَا مُتَوَلِّدَانِ مِنْ الدَّمِ النَّجَسِ (وَيُعْفَى فِي غَيْرِ مَائِعٍ، وَ) غَيْرُ (مَطْعُومٍ عَنْ يَسِيرٍ لَمْ يَنْقُضْ الْوُضُوءَ) خُرُوجُ قَدْرِهِ مِنْ الْبَدَنِ (مِنْ دَمٍ. وَلَوْ) كَانَ الدَّمُ (حَيْضًا وَنِفَاسًا وَاسْتِحَاضَةً) كَغَيْرِهَا لِأَنَّهُ يَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْهُ (وَ) يُعْفَى أَيْضًا فِي غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ عَنْ يَسِيرٍ مِنْ (قَيْحٍ وَصَدِيدٍ) لِتَوَلُّدِهِمَا مِنْهُ، فَهُمَا أَوْلَى مِنْهُ بِالْعَفْوِ (وَلَوْ) كَانَ الدَّمُ وَالْقَيْحُ وَالصَّدِيدُ (مِنْ غَيْرِ مُصَلٍّ) بِأَنْ أَصَابَتْ الْمُصَلِّيَ مِنْ غَيْرِهِ، كَمَا لَوْ كَانَتْ مِنْهُ.
وَ (لَا) يُعْفَى عَنْ شَيْءٍ مِنْ دَمٍ أَوْ قَيْحٍ أَوْ صَدِيدٍ (مِنْ حَيَوَانٍ نَجَسٍ) كَكَلْبٍ وَحِمَارٍ، لِأَنَّهُ لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ فَضَلَاتِهِ، كَعَرَقِهِ وَرِيقِهِ، فَدَمُهُ أَوْلَى (أَوْ) كَانَ الدَّمُ أَوْ الْقَيْحُ أَوْ الصَّدِيدُ مِنْ (سَبِيلٍ) قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ: فَلَا يُعْفَى عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ. لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ.
(وَ) يُعْفَى (عَنْ أَثَرِ اسْتِجْمَارٍ بِمَحَلِّهِ) بَعْدَ الْإِنْقَاءِ وَاسْتِيفَاءِ الْعَدَدِ بِلَا خِلَافٍ، وَعُلِمَ مِنْهُ: أَنَّهُ لَوْ تَعَدَّى مَحَلُّهُ إلَى الثَّوْبِ أَوْ الْبَدَنِ لَمْ يُعْفَ عَنْهُ، وَيُعْفَى أَيْضًا عَنْ يَسِيرِ سَلَسِ بَوْلٍ بَعْدَ كَمَالِ التَّحَفُّظِ، لِمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ.
(وَ) يُعْفَى أَيْضًا عَنْ (دُخَانِ نَجَاسَةٍ وَغُبَارِهَا وَبُخَارِهَا مَا لَمْ تَظْهَرْ لَهُ) أَيْ الدُّخَانِ وَالْغُبَارِ وَالْبُخَارِ (صِفَةٌ) فِي الشَّيْءِ الطَّاهِرِ، لِأَنَّهُ يَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْهُ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ: مَا لَمْ يَتَكَاثَفْ
(وَ) يُعْفَى أَيْضًا عَنْ (يَسِيرِ مَاءٍ نَجَسٍ بِمَا) أَيْ بِشَيْءٍ (عُفِيَ عَنْ يَسِيرِهِ) كَدَمٍ وَقَيْحٍ وَصَدِيدٍ (قَالَهُ ابْنُ حَمْدَانَ) فِي رِعَايَتِهِ، وَعِبَارَتُهُ: وَعَنْ يَسِيرِ الْمَاءِ النَّجَسِ بِمَا عُفِيَ عَنْ يَسِيرِهِ مِنْ دَمٍ وَنَحْوِهِ (وَأَطْلَقَهُ) أَيْ أَطْلَقَ الْقَوْلَ بِالْعَفْوِ عَنْ يَسِيرِ الْمَاءِ النَّجَسِ (الْمُنَقَّحُ) فِي التَّنْقِيحِ (عَنْهُ) أَيْ عَنْ ابْنِ حَمْدَانَ، فَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِمَا عُفِيَ عَنْ
стр. 97
يَسِيرِهِ.
وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمَاءَ الْمُتَنَجِّسَ بَلْ كُلَّ مُتَنَجِّسٍ حُكْمُهُ حُكْمُ نَجَاسَتِهِ. فَإِنْ عُفِيَ عَنْ يَسِيرِهَا كَالدَّمِ عُفِيَ عَنْ يَسِيرِهِ، وَإِلَّا كَالْبَوْلِ لَمْ يُعْفَ عَنْهُ. لِأَنَّهُ فَرْعُهَا. وَالْفَرْعُ يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ أَصْلِهِ (وَيُضَمُّ) نَجَسٌ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ (مُتَفَرِّقٌ بِثَوْبٍ) وَاحِدٍ. فَإِنْ كَانَ فِيهِ بُقَعٌ مِنْ دَمٍ أَوْ قَيْحٍ أَوْ صَدِيدٍ. فَإِنْ صَارَ بِالضَّمِّ كَثِيرًا لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ فِيهِ، وَإِلَّا عُفِيَ عَنْهُ.
(وَلَا) يُضَمُّ مُتَفَرِّقٌ فِي (أَكْثَرَ) بَلْ يُعْتَبَرُ كُلُّ ثَوْبٍ عَلَى حِدَتِهِ (وَ) يُعْفَى عَنْ (نَجَاسَةٍ بِعَيْنٍ) وَتَقَدَّمَ: لَا يَجِبُ غَسْلُهَا لِلتَّضَرُّرِ بِهِ (وَ) يُعْفَى أَيْضًا عَنْ (حَمْلِ كَثِيرِهَا) أَيْ النَّجَاسَةِ (فِي صَلَاةِ خَوْفٍ) لِلضَّرُورَةِ (وَعَرَقٍ وَرِيقٍ مِنْ) حَيَوَانٍ (طَاهِرٍ) مَأْكُولٍ أَوْ غَيْرِ مَأْكُولٍ طَاهِرٍ.
(وَالْبَلْغَمُ) مِنْ صَدْرٍ أَوْ رَأْسٍ أَوْ مَعِدَةٍ طَاهِرٌ (وَلَوْ أَزْرَقَ) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّهُ ﷺ : رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، فَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَقَالَ: مَا بَالُ أَحَدِكُمْ يَقُومُ مُسْتَقْبِلَ رَبِّهِ فَيَتَنَخَّعُ أَمَامَهُ؟ أَيُحِبُّ أَنْ يُسْتَقْبَلَ فَيُتَنَخَّعَ فِي وَجْهِهِ؟ فَإِذَا تَنَخَّعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَنَخَّعْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَقُلْ هَكَذَا - وَوَصَفَهُ الْقَاسِمُ - فَتَفَلَ فِي ثَوْبِهِ، ثُمَّ مَسَحَ بَعْضَهُ فِي بَعْضٍ» " وَلَوْ كَانَتْ نَجَاسَةً لَمَا أَمَرَ بِمَسْحِهَا فِي ثَوْبِهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ وَلَا تَحْتَ قَدَمِهِ، وَلَوْ كَانَ نَجَسًا لَنَجَّسَ الْفَمَ ; وَلِأَنَّهُ مُنْعَقِدٌ مِنْ الْأَبْخِرَةِ أَشْبَهَ الْمُخَاطَ (وَرُطُوبَةُ فَرْجِ آدَمِيَّةٍ) طَاهِرَةٌ، لِأَنَّ الْمَنِيَّ طَاهِرٌ، وَلَوْ عَنْ جِمَاعٍ،
فَلَوْ كَانَتْ نَجِسَةً لَكَانَ نَجِسًا لِخُرُوجِهِ مِنْهُ (وَسَائِلٌ مِنْ فَمِ) : ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ (وَقْتَ نَوْمٍ) طَاهِرٌ كَالْبُصَاقِ (وَدُودُ قَزٍّ) وَبُزَيْرُهُ طَاهِرٌ قَالَ بَعْضُهُمْ: بِلَا خِلَافٍ (وَمِسْكٌ وَفَأْرَتُهُ) طَاهِرَانِ، وَهُوَ سُرَّةُ الْغَزَالِ. وَانْفِصَالُهُ بِطَبْعِهِ كَالْجَنِينِ. قَالَ فِي شَرْحِهِ: وَكَذَا. الزَّبَادُ طَاهِرٌ ; لِأَنَّهُ عِرْقُ سِنَّوْرٍ بَرِّيٍّ، وَقِيلَ: لَبَنُ سِنَّوْرٍ بَحْرِيٍّ.
وَفِي الْإِقْنَاعِ: نَجَسٌ ; لِأَنَّهُ عِرْقُ حَيَوَانٍ بَرِّيٍّ أَكْبَرُ مِنْ الْهِرِّ.
قَالَ ابْنُ الْبَيْطَارِ فِي مُفْرَدَاتِهِ: قَالَ الشَّرِيفُ الْإِدْرِيسِيُّ: (الزَّبَادُ) نَوْعٌ مِنْ الطِّيبِ يُجْمَعُ مِنْ بَيْنِ أَفْخَاذِ حَيَوَانٍ مَعْرُوفٍ يَكُونُ بِالصَّحْرَاءِ، يُصَادُ وَيُطْعَمُ اللَّحْمَ، ثُمَّ يَعْرَقُ فَيَكُونُ مِنْ عَرَقٍ بَيْنَ فَخِذَيْهِ حِينَئِذٍ. وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْ الْهِرِّ الْأَهْلِيِّ. (وَالْعَنْبَرُ) طَاهِرٌ، وَطِينُ شَارِعٍ ظُنَّتْ نَجَاسَتُهُ طَاهِرٌ. وَكَذَا تُرَابُهُ، عَمَلًا بِالْأَصْلِ. فَإِنْ تَحَقَّقَتْ نَجَاسَتُهُ عُفِيَ عَنْ يَسِيرِهِ،
وَلَا يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُ سُؤْرِ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ، وَهُوَ فَضْلُ مَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ مِنْهُ غَيْرُ دَجَاجَةٍ مُخْلَاةٍ، أَيْ غَيْرُ مَضْبُوطَةٍ فَيُكْرَهُ سُؤْرُهَا، احْتِيَاطًا. وَقِيلَ: وَسُؤْرُ الْفَأْرِ ; لِأَنَّهُ يُنْسِي. وَلَوْ أَكَلَ هِرٌّ
стр. 98
وَنَحْوُهُ، وَكَنِمْسٍ وَفَأْرٍ وَقُنْفُذٍ، وَدَجَاجَةٍ وَبَهِيمَةٍ: نَجَاسَةً (أَوْ أَكَلَ طِفْلٌ نَجَاسَةً ثُمَّ شَرِبَ) الْهِرُّ وَنَحْوُهُ أَوْ الطِّفْلُ (وَلَوْ قَبْلَ، أَنْ يَغِيبَ) بَعْدَ أَكْلِ النَّجَاسَةِ (مِنْ مَاءٍ يَسِيرٍ) أَوْ مَائِعٍ لَا يُؤَثِّرُ، لِمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ.
(أَوْ وَقَعَ فِيهِ) أَيْ الْمَاءِ الْيَسِيرِ أَوْ مَائِعٍ غَيْرِهِ (هِرٌّ وَنَحْوُهُ مِمَّا يَنْضَمَّ دُبُرُهُ إذَا وَقَعَ فِي مَائِعٍ) كَالْفَأْرِ (وَخَرَجَ حَيًّا. لَمْ يُؤَثِّرْ) لِعَدَمِ وُصُولِ نَجَاسَةٍ إلَيْهِ (وَكَذَا) لَوْ وَقَعَ (فِي جَامِدٍ) وَخَرَجَ حَيًّا. لَمْ يُؤَثِّرْ (وَهُوَ) أَيْ الْجَامِدُ (مَا يَمْنَعُ انْتِقَالَهَا) أَيْ النَّجَاسَةِ (فِيهِ) لِكَثَافَتِهِ
(وَإِنْ مَاتَ) حَيَوَانٌ يَنْجُسُ بِمَوْتٍ، (أَوْ وَقَعَ مَيِّتًا فِي دَقِيقٍ وَنَحْوِهِ) كَسَمْنٍ جَامِدٍ (أَلْقَى) الْمَيِّتَ (وَمَا حَوْلَهُ) مِنْ دَقِيقٍ وَنَحْوِهِ، لِمُلَاقَاتِهِ النَّجَسَ وَاسْتُعْمِلَ الْبَاقِي (وَإِنْ اخْتَلَطَ) النَّجَسُ بِغَيْرِهِ (وَلَمْ يَنْضَبِطْ. حَرُمَ) الْكُلُّ، تَغْلِيبًا لِلْحَظْرِ. وَكَذَا لَوْ كَانَ مَائِعًا لِلْخَبَرِ.
[بَابُ الْحَيْضِ]
ِ) لُغَةً: السَّيَلَانُ، مَصْدَرُ حَاضَ، مَأْخُوذٌ مِنْ حَاضَ الْوَادِي. إذَا سَالَ. وَحَاضَتْ الشَّجَرَةُ إذَا سَالَ مِنْهَا شِبْهُ الدَّمِ وَهُوَ الصَّمْغُ الْأَحْمَرُ، وَتَحَيَّضَتْ: قَعَدَتْ أَيَّامَ حَيْضِهَا عَنْ نَحْوِ صَلَاةٍ. وَمِنْ أَسْمَائِهِ: الطَّمْثُ وَالْعِرَاكُ وَالضَّحِكُ وَالْإِعْصَارُ وَالْإِكْبَارُ وَالنِّفَاسُ وَالْفِرَاكُ وَالدِّرَاسُ، وَاسْتُحِيضَتْ الْمَرْأَةُ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ بَعْدَ أَيَّامِهَا.
وَشَرْعًا (دَمُ طَبِيعَةٍ وَجِبِلَّةٍ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا، أَيْ سَجِيَّةً وَخِلْقَةً. جَبَلَ اللَّهُ بَنَاتِ آدَمَ عَلَيْهَا (تُرْخِيهِ الرَّحِمُ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا مَعَ كَسْرِ الْحَاءِ وَسُكُونِهَا فِيهِمَا، بَيْتُ مَنْبَتِ الْوَلَدِ وَوِعَائِهِ، وَمَخْرَجُهُ مِنْ قَعْرِهِ (يَعْتَادُ) ذَلِكَ الدَّمُ (أُنْثَى إذَا بَلَغَتْ، فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَةٍ) فِي الْغَالِبِ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ سِتَّةَ أَيَّامٍ، أَوْ سَبْعَةً، إنْ لَمْ تَكُنْ الْمَرْأَةُ حَامِلًا وَلَا مُرْضِعًا، وَلِأَنَّهُ لَا مَصْرِفَ لَهُ إذَنْ، فَإِذَا حَمَلَتْ صَرَفَهُ اللَّهُ لِغِذَاءِ الْوَلَدِ. وَلِذَلِكَ لَا تَحِيضُ الْحَامِلُ.
فَإِذَا أَرْضَعَتْ قَلَبَهُ اللَّهُ لَبَنًا يَتَغَذَّى بِهِ، وَلِذَلِكَ قَلَّ أَنْ تَحِيضَ الْمُرْضِعُ (وَيَمْنَعُ الْحَيْضُ) اثْنَيْ عَشَرَ شَيْئًا (الْغُسْلَ لَهُ، فَلَا) يَصِحُّ لِقِيَامِ مُوجِبِهِ. (وَلَا) يَمْنَعُ الْغُسْلَ (لِجَنَابَةٍ) أَوْ نَحْوِ إحْرَامٍ (بَلْ يُسَنُّ) الْغُسْلُ لِذَلِكَ، تَخْفِيفًا لِلْحَدَثِ.
(وَ) يَمْنَعُ (الْوُضُوءَ) فَلَا يَصِحُّ لِمَا
стр. 99
تَقَدَّمَ (وَ) يَمْنَعُ (وُجُوبَ الصَّلَاةِ) إجْمَاعًا فَلَا تَقْضِيهَا إجْمَاعًا.
قِيلَ لِأَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: فَإِنْ أَحَبَّتْ أَنْ تَقْضِيَهَا؟ قَالَ: لَا، هَذَا خِلَافٌ. أَيْ بِدْعَةٌ. وَتَفْعَلُ رَكْعَتَيْ طَوَافٍ لِأَنَّهَا نُسُكٌ لَا آخِرَ لِوَقْتِهِ ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ بِمَعْنَاهُ.
(وَ) يَمْنَعُ أَيْضًا (فِعْلَهَا) أَيْ الصَّلَاةِ وَلَوْ سَجْدَةَ تِلَاوَةٍ لِمُسْتَمِعَةٍ لِقِيَامِ الْمَانِعِ بِهَا.
(وَ) يَمْنَعُ أَيْضًا (فِعْلَ طَوَافٍ) لِقَوْلِهِ ﷺ : «غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ» وَلِأَنَّهُ صَلَاةٌ وَوُجُوبُهُ بَاقٍ فَتَفْعَلُهُ إذَا طَهُرَتْ أَدَاءً، لِأَنَّهُ لَا آخِرَ لِوَقْتِهِ.
وَيَسْقُطُ عَنْهَا وُجُوبُ طَوَافٍ لِلْوَدَاعِ. كَمَا يَأْتِي.
(وَ) يَمْنَعُ أَيْضًا فِعْلَ (صَوْمٍ) إجْمَاعًا لِقَوْلِهِ ﷺ : «أَلَيْسَتْ إحْدَاكُنَّ إذَا حَاضَتْ لَمْ تَصُمْ وَلَمْ تُصَلِّ؟ قُلْنَ: بَلَى» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَ (لَا) يَمْنَعُ الْحَيْضُ (وُجُوبَهُ) أَيْ الصَّوْمِ، فَتَقْضِيهِ إجْمَاعًا.
لِحَدِيثِ مُعَاذَةَ قَالَتْ " سَأَلْت عَائِشَةَ، فَقُلْت: «مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ فَقُلْت: لَسْت بِحَرُورِيَّةٍ وَلَكِنِّي أَسْأَلُ. فَقَالَتْ: كُنَّا نَحِيضُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَضَاؤُهُ بِالْأَمْرِ السَّابِقِ، لَا بِأَمْرٍ جَدِيدٍ (وَ) يَمْنَعُ أَيْضًا (مَسَّ مُصْحَفٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (لَا يَمَسُّهُ إلَّا الْمُطَهَّرُونَ) (وَ) يَمْنَعُ أَيْضًا (قِرَاءَةَ قُرْآنٍ) مُطْلَقًا لِقَوْلِهِ ﷺ «: لَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ.
(وَ) يَمْنَعُ أَيْضًا (اللُّبْثَ بِمَسْجِدٍ) لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا لِجُنُبٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَلَوْ) كَانَ (اللُّبْثُ) بِوُضُوءٍ، مَعَ أَمْنِ التَّلْوِيثِ.
فَلَا يَصِحُّ اعْتِكَافُهَا وَ (لَا) يَمْنَعُ الْحَيْضُ (الْمُرُورَ) بِالْمَسْجِدِ (إنْ أَمِنَتْ تَلْوِيثَهُ نَصًّا) فَإِنْ لَمْ تَأْمَنْهُ مُنِعَتْ.
(وَ) يَمْنَعُ الْحَيْضُ أَيْضًا وَطْئًا فِي فَرْجٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] الْآيَةَ وَهُوَ مَوْضِع الْحَيْضِ، صَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ. وَلَيْسَ بِكَبِيرَةٍ. وَإِنْ أَرَادَ وَطْأَهَا فَادَّعَتْهُ قُبِلَ مِنْهَا. نَصًّا إنْ أَمْكَنَ كَطُهْرِهَا (إلَّا لِمَنْ بِهِ شَبَقٌ) مَرَضٌ مَعْرُوفٌ.
فَيُبَاحُ لَهُ الْوَطْءُ فِي الْحَيْضِ (بِشَرْطِهِ) بِأَنْ يُخَافَ تَشَقُّقُ أُنْثَيَيْهِ، إنْ لَمْ يَطَأْ، وَلَا تَنْدَفِعُ شَهْوَتُهُ بِدُونِهِ فِي الْفَرْجِ. وَلَا يَجِدُ غَيْرَ الْحَائِضِ مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ سُرِّيَّةٍ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى مَهْرِ حُرَّةٍ أَوْ ثَمَنِ أَمَةٍ.
(وَ) يَمْنَعُ الْحَيْضُ أَيْضًا (سُنَّةَ طَلَاقٍ) لِأَنَّ الطَّلَاقَ فِيهِ بِدْعَةٌ مُحَرَّمَةٌ. كَمَا يَأْتِي مُوَضَّحًا فِي بَابِهِ (مَا لَمْ تَسْأَلْهُ) أَيْ الْحَائِضُ الزَّوْجَ (خُلْعًا أَوْ طَلَاقًا
стр. 100
عَلَى عِوَضٍ) فَيُبَاحُ لَهُ إجَابَتُهَا. لِأَنَّ الْمَنْعَ لِتَضَرُّرِهَا بِطُولِ الْعِدَّةِ، وَمَعَ سُؤَالِهَا قَدْ أَدْخَلَتْ الضَّرَرَ عَلَى نَفْسِهَا.
وَعُلِمَ مِنْهُ: أَنَّهُ لَا يُبَاحُ إنْ سَأَلَتْهُ طَلَاقًا بِلَا عِوَضٍ. وَلَا إنْ كَانَ السَّائِلُ غَيْرَهَا.
(وَ) يَمْنَعُ أَيْضًا (اعْتِدَادًا بِأَشْهُرٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فَأَوْجَبَ الْعِدَّةَ بِالْقُرُوءِ، وَلِمَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاَللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [الطلاق: ٤] الْآيَةَ (إلَّا) الِاعْتِدَادُ (لِوَفَاةٍ) فَبِالْأَشْهُرِ إنْ لَمْ تَكُنْ حَامِلًا، وَلَوْ أَنَّهَا تَحِيضُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]
(وَيُوجِبُ) الْحَيْضُ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ (الْغُسْلَ) لِقَوْلِهِ ﷺ : «دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا. ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَ) يُوجِبُ (الْبُلُوغَ) لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، فَأَوْجَبَ أَنْ تَسْتَتِرَ لِأَجْلِ الْحَيْضِ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّكْلِيفَ حَصَلَ بِهِ.
(وَ) يُوجِبُ (الِاعْتِدَادَ بِهِ إلَّا لِوَفَاةٍ) وَتَقَدَّمَ مَعْنَاهُ. زَادَ فِي الْإِقْنَاعِ الْحُكْمَ بِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ فِي الِاعْتِدَادِ وَالِاسْتِبْرَاءِ إذْ الْحَامِلُ لَا تَحِيضُ.
وَالْكَفَّارَةُ بِالْوَطْءِ فِيهِ (وَنِفَاسٌ مِثْلُهُ) أَيْ مِثْلُ الْحَيْضِ فِيمَا يَمْنَعُهُ وَيُوجِبُهُ (إلَّا) فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءٍ (اعْتِدَادٍ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقُرُوءٍ، فَلَا تَتَنَاوَلُهُ الْآيَةُ (وَكَوْنُهُ) أَيْ النِّفَاسِ (لَا يُوجِبُ بُلُوغًا) لِأَنَّهُ حَصَلَ بِالْإِنْزَالِ السَّابِقِ لِلْحَمْلِ (وَ) كَوْنُهُ (لَا يُحْتَسَبُ بِهِ فِي مُدَّةِ إيلَاءٍ) أَيْ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ الَّتِي تُضْرَبُ لِلْمَوْلَى لِطُولِ مُدَّتِهِ، بِخِلَافِ الْحَيْضِ (وَلَا يُبَاحُ قَبْلَ غُسْلٍ بِانْقِطَاعِ دَمِ الْحَيْضِ غَيْرَ صَوْمٍ) لِأَنَّ وُجُوبَ الْغُسْلِ لَا يَمْنَعُ فِعْلَهُ كَالْجَنَابَةِ (وَ) غَيْرَ (طَلَاقٍ) لِأَنَّ تَحْرِيمَهُ لِتَطْوِيلِ الْعِدَّةِ.
وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ وَيُبَاحُ أَيْضًا بَعْدَ انْقِطَاعِهِ: لُبْثٌ بِمَسْجِدٍ بِوُضُوءٍ. وَتَقَدَّمَ (وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ) زَوْجٌ وَسَيِّدٌ (مِنْ حَائِضٍ بِدُونِ فَرْجٍ) مِمَّا بَيْنَ سُرَّتِهَا وَرُكْبَتَيْهَا. لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] أَيْ اعْتَزِلُوا نِكَاحَ فُرُوجِهِنَّ. وَلِأَنَّ الْمَحِيضَ اسْمٌ لِمَكَانِ الْحَيْضِ كَالْمَقِيلِ وَالْمَبِيتِ، فَيُخَصُّ التَّحْرِيمُ بِهِ.
وَلِهَذَا لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ ﷺ : «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلَّا النِّكَاحَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي لَفْظٍ " إلَّا الْجِمَاعَ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ. وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ «أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ : مَا يَحِلُّ مِنْ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ؟ فَقَالَ: لَكَ مَا فَوْقَ الْإِزَارِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، فَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ حِزَامِ بْنِ حَكِيمٍ. وَقَدْ ضَعَّفَهُ ابْنُ حَزْمٍ
стр. 101
وَغَيْرُهُ،
وَبِهِ تَسْلِيمُ صِحَّتِهِ فَإِنَّهُ يُؤَوَّلُ بِالْمَفْهُومِ. وَالْمَنْطُوقُ رَاجِحٌ عَلَيْهِ. وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ «أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُنِي أَنْ أَتَّزِرَ فَيُبَاشِرَنِي وَأَنَا حَائِضٌ» فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ أَيْضًا لِلتَّحْرِيمِ ; لِأَنَّهُ كَانَ يَتْرُكُ بَعْضَ الْمُبَاحِ تَعَذُّرًا،
كَتَرْكِهِ أَكْلَ الضَّبِّ (وَيُسَنُّ سَتْرُهُ) أَيْ الْفَرْجِ (إذَا) أَيْ حِينَ اسْتِمْتَاعِهِ بِمَا دُونَهُ، لِحَدِيثِ عِكْرِمَةَ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ " أَنَّهُ كَانَ إذَا أَرَادَ مِنْ الْحَائِضِ شَيْئًا أَلْقَى عَلَى فَرْجِهَا خِرْقَةً " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (فَإِنْ أَوْلَجَ) فِي فَرْجِ حَائِضٍ (قَبْلَ انْقِطَاعِهِ) أَيْ الْحَيْضِ (مَنْ يُجَامِعُ مِثْلُهُ) وَهُوَ ابْنُ عَشْرٍ: حَشَفَتَهُ، أَوْ قَدْرَهَا إنْ كَانَ مَقْطُوعَهَا (وَلَوْ بِحَائِلٍ) لَفَّهُ عَلَى ذَكَرِهِ (فَعَلَيْهِ) أَيْ الْمُولِجِ (كَفَّارَةُ دِينَارٍ أَوْ نِصْفِهِ عَلَى التَّخْيِيرِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «فِي الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ قَالَ: يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.
وَتَخْيِيرُهُ بَيْنَ الشَّيْءِ وَنِصْفِهِ، كَتَخْيِيرِ الْمُسَافِرِ بَيْنَ الْقَصْرِ وَالْإِتْمَامِ. وَالدِّينَارُ هُنَا: الْمِثْقَالُ مِنْ الذَّهَبِ مَضْرُوبًا أَوْ لَا. وَيُجْزِي قِيمَتُهُ مِنْ الْفِضَّةِ فَقَطْ، سَوَاءٌ وَطِئَ فِي أَوَّلِ الْحَيْضِ أَوْ آخِرِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الدَّمُ أَحْمَرَ أَوْ أَصْفَرَ وَكَذَا لَوْ جَامَعَهَا وَهِيَ طَاهِرَةٌ فَحَاضَتْ، فَنَزَعَ فِي الْحَالِ لِأَنَّ النَّزْعَ جِمَاعٌ (وَلَوْ) كَانَ الْوَاطِئُ (مُكْرَهًا أَوْ نَاسِيًا) الْحَيْضَ (أَوْ جَاهِلًا الْحَيْضَ وَالتَّحْرِيمَ) لِعُمُومِ الْخَبَرِ، وَكَالْوَطْءِ فِي الْإِحْرَامِ (وَكَذَا هِيَ) أَيْ وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ فِي الْكَفَّارَةِ، قِيَاسًا عَلَيْهِ (إنْ طَاوَعَتْهُ) عَلَى الْوَطْءِ.
فَإِنْ أَكْرَهَهَا فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا وَقِيَاسُهُ: لَوْ كَانَتْ نَاسِيَةً أَوْ جَاهِلَةً (وَتُجْزِئُ) الْكَفَّارَةُ إنْ دَفَعَهَا (إلَى) مِسْكِينٍ (وَاحِدٍ) لِعُمُومِ الْخَبَرِ (كَنَذْرٍ مُطْلَقٍ) أَيْ كَمَا لَوْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِشَيْءٍ، وَأَطْلَقَ. جَازَ دَفْعُهُ لِوَاحِدٍ (وَتَسْقُطُ) الْكَفَّارَةُ (بِعَجْزٍ) عَنْهَا كَكَفَّارَةِ الْوَطْءِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، وَإِنْ كَرَّرَ الْوَطْءَ فِي حَيْضَةٍ أَوْ حَيْضَتَيْنِ فَكَالصَّوْمِ. وَبَدَنُ الْحَائِضِ طَاهِرٌ، وَلَا يُكْرَهُ عَجْنُهَا وَنَحْوُهُ، وَلَا وَضْعُ يَدِهَا فِي مَائِعٍ
(وَأَقَلُّ سِنِّ حَيْضٍ) أَيْ مِنْ امْرَأَةٍ يُمْكِنُ أَنْ تَحِيضَ (تَمَامُ تِسْعِ سِنِينَ) تَحْدِيدًا. لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْ النِّسَاءِ مَنْ تَحِيضُ قَبْلَ هَذَا السِّنِّ. وَلِأَنَّهُ خُلِقَ لِحِكْمَةِ تَرْبِيَةِ الْوَلَدِ، وَهَذِهِ لَا تَصْلُحُ لِلْحَمْلِ، فَلَا تُوجَدُ فِيهَا حِكْمَتُهُ. وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ «إذَا بَلَغَتْ الْجَارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ فَهِيَ امْرَأَةٌ» وَرُوِيَ مَرْفُوعًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ،
وَالْمُرَادُ حُكْمُهَا حُكْمُ الْمَرْأَةِ. فَمَتَى رَأَتْ دَمًا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا حُكِمَ بِكَوْنِهِ حَيْضًا وَبِبُلُوغِهَا وَإِنْ رَأَتْهُ قَبْلَ هَذَا السِّنِّ لَمْ يَكُنْ حَيْضًا (وَأَكْثَرُهُ) أَيْ أَكْثَرُ سِنٍّ
стр. 102
تَحِيضُ فِيهِ النِّسَاءُ (خَمْسُونَ سَنَةً) لِقَوْلِ عَائِشَةَ " إذَا بَلَغَتْ الْمَرْأَةُ خَمْسِينَ سَنَةً خَرَجَتْ مِنْ حَدِّ الْحَيْضِ " وَعَنْهَا أَيْضًا " لَنْ تَرَى الْمَرْأَةُ فِي بَطْنِهَا وَلَدًا بَعْدَ الْخَمْسِينَ " (وَالْحَامِلُ لَا تَحِيضُ) نَصًّا. لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا فِي سَبْيِ أَوْطَاسٍ «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد. فَجَعَلَ الْحَيْضَ عَلَمًا عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ مَعَهُ.
وَقَالَ ﷺ «لَمَّا طَلَّقَ ابْنُ عُمَرَ زَوْجَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ: لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا» فَجَعَلَ الْحَمْلَ عَلَمًا عَلَى عَدَمِ الْحَيْضِ، كَالطُّهْرِ. احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ. وَقَالَ: إنَّمَا تَعْرِفُ النِّسَاءُ الْحَمْلَ بِانْقِطَاعِ الدَّمِ. وَلِأَنَّهُ زَمَنٌ لَا يُرَى فِيهِ الدَّمُ غَالِبًا، فَلَمْ يَكُنْ مَا تَرَاهُ حَيْضًا كَالْآيِسَةِ. فَإِذَا رَأَتْ دَمًا فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ، فَلَا تُتْرَكُ لَهُ الصَّلَاةُ وَلَا يُمْنَعُ زَوْجُهَا مِنْ وَطْئِهَا.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَغْتَسِلَ بَعْدَ انْقِطَاعِهِ نَصًّا (وَأَقَلُّهُ) أَيْ أَقَلُّ زَمَنٍ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ دَمُهُ حَيْضًا (يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا) بِلَيَالِيِهَا.
لِقَوْلِ عَلِيٍّ " مَا زَادَ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ اسْتِحَاضَةٌ، وَأَقَلُّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ " (وَغَالِبُهُ سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ) «لِقَوْلِهِ ﷺ لِحَمْنَةَ تَحِيضِي فِي عِلْمِ اللَّهِ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا أَوْ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ وَكَمَا يَطْهُرْنَ لِمِيقَاتٍ» (وَأَقَلُّ طُهْرٍ بَيْنَ حَيْضَتَيْنِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ وَاحْتَجَّ بِهِ عَنْ " عَلِيٍّ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْهُ وَقَدْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، فَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ ثَلَاثَ حِيَضٍ.
فَقَالَ عَلِيٌّ لِشُرَيْحٍ: قُلْ فِيهَا. فَقَالَ شُرَيْحٌ: إنْ جَاءَتْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ بِطَانَةِ أَهْلِهَا مِمَّنْ يُرْضَى دِينُهُ وَأَمَانَتُهُ فَشَهِدَتْ بِذَلِكَ، وَإِلَّا فَهِيَ كَاذِبَةٌ. فَقَالَ عَلِيٌّ: قالون " أَيْ جَيِّدٌ بِالرُّومِيَّةِ. وَهَذَا لَا يَقُولُهُ إلَّا تَوْقِيفًا. وَانْتَشَرَ، وَلَمْ يُعْلَمْ خِلَافُهُ، وَوُجُودُ ثَلَاثِ حِيَضٍ فِي شَهْرٍ: دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الثَّلَاثَةَ عَشَرَ طُهْرٌ يَقِينًا.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُخْتَلَفُ أَنَّ الْعِدَّةَ تَصِحُّ أَنْ تَنْقَضِيَ فِي شَهْرٍ إذَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ (وَ) أَقَلُّ الطُّهْرِ (زَمَنُ حَيْضٍ) أَيْ فِي أَثْنَائِهِ (خُلُوصُ النَّقَاءِ، بِأَنْ لَا تَتَغَيَّرَ مَعَهُ قُطْنَةٌ احْتَشَتْ بِهَا) طَالَ الزَّمَنُ أَوْ قَصُرَ (وَلَا يُكْرَهُ وَطْؤُهَا) أَيْ مَنْ انْقَطَعَ دَمُهَا فِي أَثْنَاءِ عَادَتِهَا وَاغْتَسَلَتْ (زَمَنَهُ) أَيْ زَمَنَ طُهْرِهَا فِي أَثْنَاءِ حَيْضِهَا. لِأَنَّهُ تَعَالَى وَصَفَ الْحَيْضَ بِكَوْنِهِ أَذًى
، فَإِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ وَاغْتَسَلَتْ فَقَدْ زَالَ الْأَذَى (وَغَالِبُهُ) أَيْ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ (بَقِيَّةُ الشَّهْرِ) بَعْدَ مَا حَاضَتْهُ مِنْهُ. إذْ الْغَالِبُ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَحِيضُ فِي كُلِّ شَهْرٍ حَيْضَةً، فَمَنْ تَحِيضُ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً مِنْ الشَّهْرِ، فَغَالِبُ طُهْرِهَا أَرْبَعَةٌ
стр. 103
وَعِشْرُونَ أَوْ ثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا (وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ) أَيْ الطُّهْرِ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ تَحْدِيدُهُ شَرْعًا. وَمِنْ النِّسَاءِ مَنْ لَا تَحِيضُ الشَّهْرَ وَالثَّلَاثَ وَالسَّنَةَ فَأَكْثَرَ، وَمِنْهُنَّ مَنْ لَا تَحِيضُ أَصْلًا.
[فَصْلٌ وَالْمُبْتَدَأَةُ بِدَمٍ أَوْ صُفْرَةٍ أَوْ كُدْرَةٍ]
ٍ أَيْ الَّتِي ابْتَدَأَ بِهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ تِسْعِ سِنِينَ فَأَكْثَرَ (تَجْلِسُ) أَيْ تَدَعُ نَحْوَ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَطَوَافٍ وَقِرَاءَةٍ (بِمُجَرَّدِ مَا تَرَاهُ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ دَمٍ أَوْ صُفْرَةٍ أَوْ كُدْرَةٍ. لِأَنَّ الْحَيْضَ جِبِلَّةٌ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْفَسَادِ. فَإِنْ انْقَطَعَ قَبْلَ بُلُوغِ أَقَلِّ الْحَيْضِ لَمْ يَجِبْ لَهُ غُسْلٌ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ حَيْضًا، وَإِلَّا جَلَسَتْ (أَقَلَّهُ) يَوْمًا وَلَيْلَةً (ثُمَّ تَغْتَسِلُ) بَعْدَهُ، سَوَاءٌ انْقَطَعَ لِذَلِكَ أَوْ لَا (وَتُصَلِّي) وَتَصُومُ وَنَحْوَهُمَا. لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى أَقَلِّهِ يَحْتَمِلُ الِاسْتِحَاضَةَ، فَلَا تَتْرُكُ الْوَاجِبَ بِالشَّكِّ، وَلَا تُصَلِّي قَبْلَ الْغُسْلِ، لِوُجُوبِهِ لِلْحَيْضِ.
(فَإِذَا) جَاوَزَ الدَّمُ أَقَلَّ الْحَيْضِ ثُمَّ انْقَطَعَ (وَلَمْ يُجَاوِزْ أَكْثَرَهُ) أَيْ الْحَيْضِ، بِأَنْ انْقَطَعَ لِخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَمَا دُونَ (اغْتَسَلَتْ أَيْضًا) وُجُوبًا لِصَلَاحِيَّتِهِ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا (تَفْعَلُهُ) أَيْ مَا ذُكِرَ وَهُوَ جُلُوسُهَا يَوْمًا وَلَيْلَةً وَغُسْلُهَا عِنْدَ آخِرِهِمَا وَغُسْلُهَا عِنْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ (ثَلَاثًا) أَيْ فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، لِقَوْلِهِ ﷺ «دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ» وَهِيَ جَمْعٌ وَأَقَلُّهُ ثَلَاثٌ، فَلَا تَثْبُتُ الْعَادَةُ بِدُونِهَا،
وَلِأَنَّ مَا اُعْتُبِرَ لَهُ التَّكْرَارُ اُعْتُبِرَ فِيهِ الثَّلَاثُ، كَالْأَقْرَاءِ وَالشُّهُورِ فِي عِدَّةِ الْحُرَّةِ، وَكَخِيَارِ الْمُصَرَّاةِ، وَمُهْلَةِ الْمُرْتَدِّ (فَإِنْ لَمْ يَخْتَلِفْ) حَيْضُهَا فِي الشُّهُورِ الثَّلَاثَةِ (صَارَ عَادَةً تَنْتَقِلُ إلَيْهِ) فَتَجْلِسُ جَمِيعَهُ فِي الشَّهْرِ الرَّابِعِ، لِتَيَقُّنِهِ حَيْضًا (وَتُعِيدُ صَوْمَ فَرْضٍ) كَرَمَضَانَ وَقَضَائِهِ وَنَذْرٍ (وَنَحْوَهُ) كَطَوَافٍ وَاعْتِكَافٍ وَاجِبَيْنِ إذَا (وَقَعَ) ذَلِكَ (فِيهِ) لِأَنَّا تَبَيَّنَّا فَسَادَهُ، لِكَوْنِهِ فِي الْحَيْضِ.
وَإِنْ اخْتَلَفَ، فَمَا تَكَرَّرَ مِنْهُ ثَلَاثَةٌ، فَحَيْضٌ مُرَتَّبًا كَانَ، كَخَمْسَةٍ فِي أَوَّلِ شَهْرٍ، وَسِتَّةٍ فِي ثَانٍ، وَسَبْعَةٍ فِي ثَالِثٍ، أَوْ غَيْرِ مُرَتَّبٍ. و (لَا) تُعِيدُ ذَلِكَ (إنْ أَيِسَتْ قَبْلَ تَكْرَارِهِ) ثَلَاثًا (أَوْ لَمْ يَعُدْ) الدَّمُ إلَيْهَا إلَّا بِأَنْ لَمْ تَتَحَقَّقْ كَوْنُهُ حَيْضًا وَالْأَصْلُ بَرَاءَتُهَا (وَيَحْرُمُ وَطْؤُهَا) وَالدَّمُ بَاقٍ، وَلَوْ بَعْدَ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ (قَبْلَ تَكْرَارِهِ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ حَيْضٌ، وَإِنَّمَا أُمِرَتْ بِالْعِبَادَةِ فِيهِ احْتِيَاطًا، فَيَجِبُ أَيْضًا تَرْكُ وَطْئِهَا احْتِيَاطًا.
(وَلَا يُكْرَهُ) وَطْؤُهَا (إنْ طَهُرَتْ) فِي أَثْنَائِهِ (يَوْمًا
стр. 104
فَأَكْثَرَ) بَعْدَ غُسْلِهَا ; لِأَنَّهَا رَأَتْ النَّقَاءَ الْخَالِصَ صَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ، وَتَصْحِيحِ الْفُرُوعِ وَمَفْهُومُهُ: يُكْرَهُ إنْ كَانَ دُونَ يَوْمٍ وَلَا يُعَارِضُهُ مَا سَبَقَ لِأَنَّهُ فِي الْمُعْتَادَةِ، وَهَذَا فِي الْمُبْتَدَأَةِ. وَظَاهِرُ الْإِقْنَاعِ: لَا فَرْقَ (وَإِنْ جَاوَزَهُ) أَيْ جَاوَزَ دَمُ مُبْتَدَأَةٍ أَكْثَرَ حِيَضٍ (فَ) هِيَ (مُسْتَحَاضَةٌ) لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا وَالِاسْتِحَاضَةُ: سَيَلَانُ الدَّمِ فِي غَيْرِ زَمَنِ الْحَيْضِ مِنْ عِرْقٍ، يُقَالُ لَهُ: الْعَاذِلُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ.
وَقِيلَ: بِالْمُهْمَلَةِ، حَكَاهُمَا ابْنُ سِيدَهْ وَالْعَاذِرُ لُغَةٌ فِيهِ مِنْ أَدْنَى الرَّحِمِ، دُونَ قَعْرِهِ، إذْ الْمَرْأَةُ لَهَا فَرْجَانِ: دَاخِلٌ بِمَنْزِلَةِ الدُّبُرِ مِنْهُ الْحَيْضُ. وَخَارِجٌ بِمَنْزِلَةِ الْأَلْيَتَيْنِ، مِنْهُ الِاسْتِحَاضَةُ. وَالْمُسْتَحَاضَةُ مَنْ جَاوَزَ دَمُهَا أَكْثَرَ الْحَيْضِ وَالدَّمُ الْفَاسِدُ أَعَمُّ مِنْ الِاسْتِحَاضَةِ، ذَكَرَهُ فِي الْإِنْصَافِ بِمَعْنَاهُ. ثُمَّ لَا تَخْلُو مِنْ حَالَيْنِ، إمَّا أَنْ تَكُونَ مُمَيَّزَةً وَقَدْ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ: (فَمَا بَعْضُهُ) أَيْ بَعْضُ دَمِهَا (ثَخِينٌ) وَبَعْضُهُ رَقِيقٌ (أَوْ) بَعْضُهُ (أَسْوَدُ) وَبَعْضُهُ أَحْمَرُ (أَوْ) بَعْضُهُ (مُنْتِنٌ) وَبَعْضُهُ غَيْرُ مُنْتِنٍ.
(وَصَلُحَ) بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِهَا أَيْ الثَّخِينُ أَوْ الْأَسْوَدُ أَوْ الْمُنْتِنُ (حَيْضًا) بِأَنْ لَمْ يَنْقُصْ عَنْ أَقَلِّهِ وَلَمْ يُجَاوِزْ أَكْثَرَهُ (تَجْلِسُهُ) أَيْ تَدَعُ زَمَنَهُ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ وَنَحْوَهُمَا، مِمَّا تُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ، فَإِذَا مَضَى اغْتَسَلَتْ وَفَعَلَتْ ذَلِكَ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: «جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ. يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أُسْتَحَاضُ، فَلَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ ﷺ : إنَّمَا ذَلِكَ دَمُ عِرْقٍ، وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ. فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ فَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِلنَّسَائِيِّ وَأَبِي دَاوُد «إذَا كَانَ دَمُ الْحَيْضِ فَإِنَّهُ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَأَمْسِكِي عَنْ الصَّلَاةِ» فَإِذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَوَضَّئِي فَإِنَّمَا هُوَ دَمُ عِرْقٍ " وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ " أَمَّا مَا رَأَتْ الدَّمَ الْبَحْرَانِيَّ فَإِنَّهَا تَدَعُ الصَّلَاةَ، إنَّهَا وَاَللَّهِ إنْ تَرَى الدَّمَ بَعْدَ أَيَّامِ مَحِيضِهَا إلَّا كَغُسَالَةِ اللَّحْمِ " وَحَيْثُ صَلُحَ ذَلِكَ جَلَسَتْهُ.
(وَلَوْ لَمْ يَتَوَالَ) بِأَنْ كَانَتْ تَرَى يَوْمًا دَمًا أَسْوَدَ وَيَوْمًا دَمًا أَحْمَرَ، إلَى خَمْسَةَ عَشَرَ فَمَا دُونُ، ثُمَّ أَطْبَقَ الْأَحْمَرُ، فَتَضُمُّ الْأَسْوَدَ بَعْضَهُ إلَى بَعْضٍ وَتَجْلِسُهُ، وَمَا عَدَاهُ اسْتِحَاضَةٌ، وَكَذَا لَوْ رَأَتْ يَوْمًا أَسْوَدَ وَسِتَّةً أَحْمَرَ، فَتَجْلِسُ الثَّلَاثَةَ فِي زَمَنِ الْأَسْوَدِ (أَوْ) لَمْ (يَتَكَرَّرْ) فَتَجْلِسُ زَمَنَ الْأَسْوَدِ الصَّالِحِ فِي أَوَّلِ شَهْرٍ وَمَا بَعْدَهُ، وَلَا تَتَوَقَّفُ عَلَى تَكْرَارِهِ وَتَجْلِسُهُ أَيْضًا وَلَوْ انْتَفَى التَّوَالِي وَالتَّكْرَارُ مَعًا لِأَنَّ التَّمْيِيزَ أَمَارَةٌ فِي نَفْسِهِ فَلَا تَحْتَاجُ ضَمَّ غَيْرِهِ إلَيْهِ وَتَثْبُتُ الْعَادَةُ بِالتَّمْيِيزِ إذَا تَكَرَّرَ ثَلَاثَةَ
стр. 105
أَشْهُرٍ، فَتَجْلِسُهُ فِي الرَّابِعِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَمَيِّزًا.
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ غَيْرَ مُمَيِّزَةٍ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَعْضُ دَمِهَا ثَخِينًا أَوْ أَسْوَدَ أَوْ مُنْتِنًا، وَصَلُحَ حَيْضًا بِأَنْ كَانَ كُلُّهُ عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ الْأَسْوَدُ مِنْهُ وَنَحْوُهُ دُونَ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، أَوْ جَاوَزَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ (فَ) تَجْلِسُ (أَقَلَّ الْحَيْضِ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ) لِأَنَّهُ الْيَقِينُ (حَتَّى يَتَكَرَّرَ) دَمُهَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ لِأَنَّ الْعَادَةَ لَا تَثْبُتُ بِدُونِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ.
(فَتَجْلِسُ) إذَا تَكَرَّرَ (مِنْ) مِثْلِ (أَوَّلِ وَقْتِ ابْتِدَائِهَا) إنْ عَلِمَتْهُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ سِتًّا أَوْ سَبْعًا بِتَحَرٍّ (أَوْ) تَجْلِسُ مِنْ (أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ هِلَالِيٍّ إنْ جَهِلَتْهُ) أَيْ وَقْتَ ابْتِدَائِهَا بِالدَّمِ (سِتًّا أَوْ سَبْعًا) مِنْ الْأَيَّامِ بِلَيَالِيِهَا (بِتَحَرٍّ أَيْ بِاجْتِهَادٍ) فِي حَالِ الدَّمِ، وَعَادَةِ أَقَارِبِهَا مِنْ النِّسَاءِ، لِحَدِيثِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ، قَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً شَدِيدَةً كَبِيرَةً قَدْ مَنَعَتْنِي الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ. فَقَالَ: تَحِيضِي فِي عِلْمِ اللَّهِ سِتًّا أَوْ سَبْعًا، ثُمَّ اغْتَسِلِي» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ. وَعَمَلًا بِالْغَالِبِ
(وَإِنْ اُسْتُحِيضَتْ مَنْ لَهَا عَادَةٌ جَلَسَتْهَا) أَيْ عَادَتَهَا وَلَوْ كَانَ لَهَا تَمْيِيزٌ صَالِحٌ لِعُمُومِ «قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِأُمِّ حَبِيبَةَ: إذْ سَأَلَتْهُ عَنْ الدَّمِ اُمْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُك حَيْضَتُك، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّ الْعَادَةَ أَقْوَى، لِكَوْنِهَا لَا تُبْطِلُ دَلَالَتَهَا، بِخِلَافِ نَحْوِ اللَّوْنِ إذَا زَادَ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ بَطُلَتْ دَلَالَتُهُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْعَادَةُ مُتَّفِقَةً أَوْ مُخْتَلِفَةً.
و (لَا) تَجْلِسُ (مَا نَقَصَتْهُ) عَادَتُهَا (قَبْلَ) اسْتِحَاضَتِهَا فَإِذَا كَانَتْ عَادَتُهَا سِتَّةَ أَيَّامٍ فَصَارَتْ أَرْبَعَةً، ثُمَّ اُسْتُحِيضَتْ جَلَسَتْ الْأَرْبَعَةَ فَقَطْ وَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ النَّقْصُ وَإِنَّمَا تَجْلِسُ الْمُسْتَحَاضَةُ عَادَتَهَا (إنْ عَلِمَتْهَا) بِأَنْ تَعْرِفَ شَهْرَهَا، وَيَأْتِي وَتَعْرِفَ وَقْتَ حَيْضِهَا مِنْهُ وَوَقْتَ طُهْرِهَا وَعَدَدَ أَيَّامِهَا (وَإِلَّا) تَعْلَمْ عَادَتَهَا بِأَنْ جَهِلَتْ شَيْئًا مِمَّا ذُكِرَ (عَمِلَتْ) وُجُوبًا (بِتَمْيِيزٍ صَالِحٍ) لِلْحَيْضِ وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
لِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ وَتَقَدَّمَ (وَلَوْ تَنَقَّلَ) التَّمْيِيزُ، بِأَنْ لَمْ يَتَوَالَ (أَوْ لَمْ يَتَكَرَّرْ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُبْتَدَأَةِ (وَلَا تَبْطُلُ دَلَالَتُهُ) أَيْ التَّمْيِيزِ الصَّالِحِ (بِزِيَادَةِ الدَّمَيْنِ) وَهُمَا الْأَسْوَدُ وَالْأَحْمَرُ وَالثَّخِينُ وَالرَّقِيقُ أَوْ الْمُنْتِنُ وَغَيْرُهُ (عَلَى شَهْرٍ) أَيْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، نَحْوُ أَنْ تَرَى عَشَرَةً أَسْوَدَ وَثَلَاثِينَ فَأَكْثَرَ أَحْمَرَ دَائِمًا، فَتَجْلِسَ الْأَسْوَدَ لِأَنَّ الْأَحْمَرَ بِمَنْزِلَةِ الطُّهْرِ، وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ (وَلَا يُلْتَفَتُ لِتَمْيِيزٍ إلَّا مَعَ اسْتِحَاضَةٍ) فَتَجْلِسَ جَمِيعَ دَمٍ لَا يُجَاوِزُ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، وَلَوْ اخْتَلَفَ صِفَةً لِأَنَّهُ يَصْلُحُ حَيْضًا كُلُّهُ (فَإِنْ عُدِمَ) التَّمْيِيزُ وَجِهَاتُ عَادَتِهَا (فِ) هِيَ (مُتَحَيِّرَةٌ) لِتَحَيُّرِهَا فِي حَيْضِهَا، لِجَهْلِ عَادَتِهَا وَعَدَمِ تَمْيِيزِهَا
стр. 106
(لَا تَفْتَقِرُ اسْتِحَاضَتُهَا إلَى تَكْرَارٍ) بِخِلَافِ الْمُبْتَدَأَةِ.
وَلِلْمُتَحَيِّرَةِ أَحْوَالٌ أَحَدُهَا: أَنْ تَنْسَى عَدَدَ أَيَّامِهَا دُونَ مَوْضِعِ حَيْضِهَا، وَقَدْ بَيَّنَهَا بِقَوْلِهِ (وَتَجْلِسُ نَاسِيَةُ الْعَدَدِ فَقَطْ غَالِبَ الْحَيْضِ) سِتًّا أَوْ سَبْعًا بِالتَّحَرِّي (فِي مَوْضِع حَيْضِهَا) مِنْ أَوَّلِهِ لِحَدِيثِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ وَتَقَدَّمَ (فَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ إلَّا شَهْرَهَا، وَهُوَ مَا يَجْتَمِعُ) لَهَا (فِيهِ حَيْضٌ وَطُهْرٌ صَحِيحَانِ) وَأَقَلُّهُ: أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا (فَ) تَجْلِسُ (فِيهِ) سِتًّا أَوْ سَبْعًا (إنْ اتَّسَعَ لَهُ) أَيْ لِغَالِبِ الْحَيْضِ كَأَنْ يَكُونَ شَهْرُهَا عِشْرِينَ فَأَكْثَرَ فَتَجْلِسَ فِي أَوَّلِهَا سِتًّا أَوْ سَبْعًا بِالتَّحَرِّي، ثُمَّ تَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ بَقِيَّةَ الْعِشْرِينَ ثُمَّ تَعُودَ إلَى فِعْلِ ذَلِكَ أَبَدًا.
(وَإِلَّا) يَتَّسِعْ شَهْرُهَا لِغَالِبِ الْحَيْضِ بِأَنْ يَكُونَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ فَمَا دُونَ (جَلَسَتْ الْفَاضِلَ بَعْدَ أَقَلِّ الطُّهْرِ) وَهُوَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ. فَإِنْ كَانَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جَلَسَتْ يَوْمًا بِلَيْلَتِهِ، وَإِنْ كَانَ خَمْسَةَ عَشَرَ جَلَسَتْ يَوْمَيْنِ. وَهَكَذَا. ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي بَقِيَّتَهُ. الثَّانِي: أَنْ تَذْكُرَ عَدَدَ أَيَّامِ الْحَيْضِ وَتَنْسَى مَوْضِعَهُ، وَإِلَيْهَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ (وَتَجْلِسُ الْعَدَدَ بِهِ) أَيْ بِشَهْرِهَا، أَيْ فِيهِ (مَنْ ذَكَرَتْهُ) أَيْ الْعَدَدَ (وَنَسِيَتْ الْوَقْتَ) مِنْ أَوَّلِ مُدَّةٍ عُلِمَ الْحَيْضُ فِيهَا وَضَاعَ مَوْضِعُهُ، كَنِصْفِ الشَّهْرِ الثَّانِي، وَإِلَّا فَمِنْ أَوَّلِ كُلِّ هِلَالِيٍّ، حَمْلًا عَلَى الْغَالِبِ.
الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ نَاسِيَةً لَهُمَا. وَقَدْ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ (وَ) تَجْلِسُ (غَالِبَ الْحَيْضِ مَنْ نَسِيَتْهُمَا) أَيْ الْعَدَدَ وَالْوَقْتَ (مِنْ أَوَّلِ كُلِّ مُدَّةٍ عُلِمَ الْحَيْضُ فِيهَا. وَضَاعَ مَوْضِعُهُ، كَنِصْفِ الشَّهْرِ الثَّانِي) أَوْ الْأَوَّلِ أَوْ الْعَشْرِ الْأَوْسَطِ مِنْهُ (فَإِنْ جَهِلَتْ) مُدَّةَ حَيْضِهَا (فَ) لَمْ تَدْرِ: أَكَانَتْ تَحِيضُ أَوَّلَ الشَّهْرِ أَوْ وَسَطَهُ أَوْ آخِرَهُ؟ جَلَسَتْ غَالِبَ الْحَيْضِ أَيْضًا (مِنْ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ هِلَالِيٍّ كَمُبْتَدَأَةٍ) أَيْ كَمَا تَفْعَلُ الْمُبْتَدَأَةُ ذَلِكَ.
لِقَوْلِهِ ﷺ لِحَمْنَةَ «تَحِيضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، أَوْ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، وَأَيَّامَهَا وَصُومِي» فَقَدَّمَ حَيْضَهَا عَلَى الطُّهْرِ، ثُمَّ أَمَرَهَا بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فِي بَقِيَّةِ الشَّهْرِ (وَمَتَى ذَكَرَتْ) النَّاسِيَةُ (عَادَتَهَا رَجَعَتْ إلَيْهَا) فَجَلَسَتْهَا ; لِأَنَّ تَرْكَ الْجُلُوسِ فِيهَا كَانَ لِعَارِضِ النِّسْيَانِ وَقَدْ زَالَ
فَرَجَعَتْ إلَى الْأَصْلِ (وَقَضَتْ الْوَاجِبَ) مِنْ نَحْوِ صَوْمِ (زَمَنِهَا) أَيْ زَمَنِ عَادَتِهَا، لِتَبَيُّنِ فَسَادِهِ، بِكَوْنِهِ صَادَفَ حَيْضَهَا (وَ) قَضَتْ الْوَاجِبَ أَيْضًا مِنْ نَحْوِ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ (زَمَنَ جُلُوسِهَا فِي غَيْرِهَا) أَيْ غَيْرِ عَادَتِهَا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ حَيْضَهَا. فَلَوْ كَانَتْ عَادَتُهَا سِتَّةً إلَى آخِرِ الْعَشْرِ الْأُوَلِ
стр. 107
فَجَلَسَتْ سَبْعَةً مِنْ أَوَّلِهِ، ثُمَّ ذَكَرَتْ. لَزِمَهَا قَضَاءُ مَا تَرَكَتْ مِنْ صَلَاةٍ وَالصِّيَامُ الْوَاجِبُ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأُولَى، وَقَضَاءُ مَا صَامَتْ مِنْ الْوَاجِبِ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَخِيرَةِ (وَمَا تَجْلِسُهُ نَاسِيَةً) لِعَادَتِهَا (مِنْ) حَيْضٍ (مَشْكُوكٍ فِيهِ،
فَهُوَ كَحَيْضٍ يَقِينًا) فِي أَحْكَامِهِ، مِنْ تَحْرِيمِ الصَّلَاةِ وَالْوَطْءِ وَالصَّوْمِ وَنَحْوِهَا (وَمَا زَادَ) عَلَى مَا تَجْلِسُهُ (إلَى أَكْثَرِهِ) أَيْ أَكْثَرِ الْحَيْضِ. فَهُوَ طُهْرٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ. وَحُكْمُهُ (كَطُهْرٍ مُتَيَقَّنٍ) فِي أَحْكَامِهِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَالْحَيْضُ وَالطُّهْرُ مَعَ الشَّكِّ فِيهِمَا كَالْيَقِينِ، فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ وَيُكْرَهُ وَيَجِبُ وَيُسْتَحَبُّ وَيُبَاحُ. وَيَسْقُطُ.
وَعَنْهُ يُكْرَهُ الْوَطْءُ فِي طُهْرٍ مَشْكُوكٍ فِيهِ، كَالِاسْتِحَاضَةِ (وَغَيْرِهِمَا) أَيْ غَيْرِ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ الْمَشْكُوكِ فِيهِمَا (اسْتِحَاضَةٌ) لِخَبَرِ حَمْنَةَ. وَلِأَنَّ الِاسْتِحَاضَةَ تَطُولُ مُدَّتُهَا غَالِبًا. وَلَا غَايَةَ لِانْقِطَاعِهَا تُنْتَظَرُ فَيَعْظُمُ مَشَقَّةُ قَضَاءِ مَا فَعَلَتْهُ فِي الطُّهْرِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ، بِخِلَافِ النِّفَاسِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَا يَتَكَرَّرُ غَالِبًا. وَبِخِلَافِ مَا زَادَ عَلَى الْأَقَلِّ فِي الْمُبْتَدَأَةِ، وَلَمْ يُجَاوِزْ الْأَكْثَرَ. وَعَلَى عَادَةِ الْمُعْتَادَةِ لِانْكِشَافِ أَمْرِهِ بِالتَّكْرَارِ
(وَإِنْ تَغَيَّرَتْ عَادَةٌ) مُعْتَادَةٌ (مُطْلَقًا) بِزِيَادَةٍ أَوْ تَقَدُّمٍ أَوْ تَأَخُّرٍ (فَ) الدَّمُ الزَّائِدُ عَلَى الْعَادَةِ أَوْ الْمُتَقَدِّمُ عَلَيْهَا أَوْ الْمُتَأَخِّرُ عَنْهَا (كَدَمٍ زَائِدٍ عَلَى أَقَلِّ حَيْضٍ مِنْ مُبْتَدَأَةٍ فِي) أَنَّهَا تَصُومُ وَتُصَلِّي فِيهِ وَتَغْتَسِلُ عِنْدَ انْقِضَائِهِ، إنْ لَمْ يُجَاوِزْ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، حَتَّى يَتَكَرَّرَ ثَلَاثًا.
وَفِي (إعَادَةِ صَوْمٍ وَنَحْوِهِ) كَطَوَافٍ وَاعْتِكَافٍ وَاجِبَيْنِ فَعَلَتْهُ فِيهِ إذَا تَكَرَّرَ ثَلَاثًا، لِأَنَّهُ زَمَنُ حَيْضٍ، وَصَارَ عَادَةً لَهَا، فَتَنْتَقِلُ إلَيْهِ (وَمَنْ انْقَطَعَ دَمُهَا) فِي عَادَتِهَا اغْتَسَلَتْ وَفَعَلَتْ كَالطَّاهِرَةِ (ثُمَّ) إنْ (عَادَ) الدَّمُ (فِي عَادَتِهَا جَلَسَتْهُ) وَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ لِأَنَّهُ صَادَفَ عَادَتَهَا.
أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَنْقَطِعْ و (لَا) تَجْلِسُ (مَا جَاوَزَهَا) أَيْ الْعَادَةَ (وَلَوْ لَمْ يَزِدْ عَلَى أَكْثَرِهِ) أَيْ الْحَيْضِ (حَتَّى يَتَكَرَّرَ) فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، فَتَجْلِسَهُ بَعْدُ ; لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ حَيْضٌ (وَصُفْرَةٌ وَكُدْرَةٌ) أَيْ شَيْءٌ كَالصَّدِيدِ يَعْلُوهُ صُفْرَةٌ وَكُدْرَةٌ (فِي أَيَّامِهَا) أَيْ الْعَادَةِ (حَيْضٌ) تَجْلِسُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢] وَهُوَ يَتَنَاوَلُهُمَا.
وَلِأَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ " يَبْعَثْنَ إلَى عَائِشَةَ بِالدُّرْجَةِ فِيهَا الصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ، فَتَقُولُ: لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ " تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مَنْ الْحَيْضِ.
وَفِي الْكَافِي: قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ: هِيَ مَاءٌ أَبِيضُ يَتْبَعُ الْحَيْضَةَ (لَا بَعْدَ) الْعَادَةِ، فَلَيْسَ الصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ حَيْضًا (وَلَوْ تَكَرَّرَ) ذَلِكَ. فَلَا تَجْلِسُهُ لِقَوْلِ أُمِّ عَطِيَّةَ " كُنَّا لَا نَعُدُّ الصُّفْرَةَ
стр. 108
وَالْكُدْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئًا " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبُخَارِيُّ، وَلَمْ يَذْكُرْ " بَعْدَ الطُّهْرِ ".
(وَمَنْ تَرَى يَوْمًا أَوْ أَقَلَّ دَمًا) مُتَفَرِّقًا (يَبْلُغُ مَجْمُوعُهُ) أَيْ الدَّمِ (أَقَلَّهُ) أَيْ الْحَيْضِ.
(وَ) تَرَى (نَقَاءً مُتَخَلِّلًا) لِتِلْكَ الدِّمَاءِ لَا يَبْلُغُ أَقَلَّ الطُّهْرِ (فَالدَّمُ حَيْضٌ) لِصَلَاحِيَّتِهِ لَهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُمَا طُهْرٌ، وَالنَّقَاءُ طُهْرٌ كَمَا تَقَدَّمَ (وَمَتَى انْقَطَعَ) الدَّمُ (قَبْلَ بُلُوغِ الْأَقَلِّ وَجَبَ الْغُسْلُ) إذَنْ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ حَيْضٌ لَا فَسَادٌ.
(فَإِنْ جَاوَزَ) الْمَجْمُوعُ أَيْ زَمَنَ الْحَيْضِ وَالنَّقَاءِ (أَكْثَرَهُ) أَيْ الْحَيْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا (كَمَنْ تَرَى يَوْمًا دَمًا وَيَوْمًا نَقَاءً إلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ) يَوْمًا (مَثَلًا فَ) هِيَ (مُسْتَحَاضَةٌ) تُرَدُّ إلَى عَادَتِهَا إنْ عَلِمَتْهَا، وَإِلَّا فَبِالتَّمْيِيزِ إنْ كَانَ، وَإِلَّا فَمُتَحَيِّرَةٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً وَلَا تَمْيِيزَ جَلَسَتْ أَقَلَّ الْحَيْضِ فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، ثُمَّ تَنْتَقِلُ إلَى غَالِبِهِ، قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَهَلْ تُلَفَّقُ لَهَا السَّبْعَةُ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَوْ تَجْلِسُ أَرْبَعَةً مِنْ سَبْعَةٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ اهـ. وَجَزَمَ فِي الْكَافِي بِالثَّانِي.
[فَصْلٌ مَنْ دَامَ حَدَثُهُ]
فَصْلٌ يَلْزَمُ كُلُّ مَنْ دَامَ حَدَثُهُ مِنْ مُسْتَحَاضَةٍ، وَمَنْ بِهِ سَلَسُ بَوْلٍ، أَوْ مَذْيٍ، أَوْ رِيحٍ، أَوْ جُرْحٍ لَا يَرْقَأُ دَمُهُ، أَوْ رُعَافٌ (غَسْلُ الْمَحَلِّ) الْمُلَوَّثِ بِالْحَدَثِ، لِإِزَالَتِهِ عَنْهُ (وَتَعْصِيبُهُ) أَيْ فِعْلُ مَا يَمْنَعُ الْخَارِجَ حَسَبَ الْإِمْكَانِ: مِنْ حَشْوٍ بِقُطْنٍ، وَشَدَّهُ بِخِرْقَةٍ طَاهِرَةٍ، وَتَسْتَثْفِرُ الْمُسْتَحَاضَةُ إنْ كَثُرَ دَمُهَا بِخِرْقَةٍ مَشْقُوقَةِ الطَّرَفَيْنِ، تَشُدُّهَا عَلَى جَنْبَيْهَا وَوَسَطِهَا عَلَى الْفَرْجِ، لِأَنَّ فِي حَدِيثٍ «تَسْتَثْفِرُ بِثَوْبٍ» وَقَالَ لِحَمْنَةَ، حِينَ شَكَتْ إلَيْهِ كَثْرَةَ الدَّمِ «أَنْعَتُ لَكِ الْكُرْسُفَ» يَعِنِي الْقُطْنَ " تَحْشِي بِهِ الْمَكَانَ قَالَتْ: إنَّهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ: تَلَجَّمِي " فَإِنْ لَمْ يُمْكِنُ شَدُّهُ كَبَاسُورٍ وَنَاصُورٍ وَجُرْحٍ لَا يُمْكِنُ شَدُّهُ، صَلِّي عَلَى حَسَبِ حَالِهِ. و (لَا) يَلْزَمُهُ (إعَادَتُهُمَا) أَيْ الْغُسْلِ وَالْعَصْبِ (لِكُلِّ صَلَاةٍ إنْ لَمْ يُفَرِّطْ) ، لِأَنَّ الْحَدَثَ مَعَ غَلَبَتِهِ وَقُوَّتِهِ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ قَالَتْ عَائِشَةُ: «اعْتَكَفَتْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ. فَكَانَتْ تَرَى الدَّمَ وَالصُّفْرَةَ، وَالطَّسْتَ تَحْتَهَا وَهِيَ تُصَلِّي» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (وَيَتَوَضَّأُ) مِنْ حَدَثٍ دَائِمٍ (لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ إنْ خَرَجَ شَيْءٌ) لِقَوْلِهِ ﷺ فِي
стр. 109
الْمُسْتَحَاضَةِ «وَتَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ.
وَلِقَوْلِهِ أَيْضًا لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ «وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ ; وَلِأَنَّهَا طَهَارَةُ عُذْرٍ، فَتَقَيَّدَتْ بِالْوَقْتِ، كَالتَّيَمُّمِ. فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ لَمْ يَبْطُلْ، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا: أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ لَوْ كَانَتْ تَوَضَّأَتْ قَبْلَهُ. قَالَ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ: وَهُوَ أَوْلَى. وَجَزَمَ بِهِ فِي نَظْمِ الْمُفْرَدَاتِ، وَسَوَّى فِي الْإِقْنَاعِ بَيْنَهُمَا، تَبَعًا لِأَبِي يَعْلَى. وَإِلَيْهِ مَيْلُهُ فِي الْإِنْصَافِ.
وَيُصَلِّي دَائِمُ الْحَدَثِ عَقِبَ طُهْرِهِ نَدْبًا (وَإِنْ اُعْتِيدَ انْقِطَاعُهُ) أَيْ الْحَدَثِ الدَّائِمِ (زَمَنًا يَتَّسِعُ لِلْفِعْلِ) أَيْ الصَّلَاةِ وَالطَّهَارَةِ لَهَا (تَعَيَّنَ) فِعْلُ الْمَفْرُوضَةِ فِيهِ، لِأَنَّهُ قَدْ أَمْكَنَهُ الْإِتْيَانُ بِهَا عَلَى وَجْهٍ لَا عُذْرَ مَعَهُ وَلَا ضَرُورَةَ. فَتَعَيَّنَ كَمَنْ لَا عُذْرَ لَهُ (وَإِنْ عَرَضَ هَذَا الِانْقِطَاعُ) أَيْ انْقِطَاعُ الْحَدَثِ زَمَنًا يَتَّسِعُ لِلْفِعْلِ (لِمَنْ عَادَتُهُ الِاتِّصَالُ) لِلْحَدَثِ وَهُوَ مُتَوَضِّئٌ (بَطَلَ وُضُوءُهُ) لِأَنَّهُ صَارَ بِهِ فِي حُكْمِ مَنْ حَدَثُهُ غَيْرُ دَائِمٍ.
وَعُلِمَ مِنْهُ: أَنَّ انْقِطَاعَهُ زَمَنًا لَا يَتَّسِعُ لِلْفِعْلِ لَا أَثَرَ لَهُ، لَكِنَّهُ يَمْنَعُ الشُّرُوعَ فِي الصَّلَاةِ وَالْمُضِيَّ فِيهَا، لِاحْتِمَالِ دَوَامِهِ (وَمَنْ تَمْتَنِعُ قِرَاءَتُهُ) فِي الصَّلَاةِ (قَائِمًا) لَا قَاعِدًا صَلَّى قَاعِدًا (أَوْ يَلْحَقُهُ السَّلَسُ) فِي الصَّلَاةِ (قَائِمًا) لَا قَاعِدًا (صَلَّى قَاعِدًا) لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ لَا بَدَلَ لَهَا، وَالْقِيَامَ بَدَلُهُ الْقُعُودُ.
وَإِنْ كَانَ لَوْ قَامَ لَمْ يَحْبِسْهُ وَإِنْ اسْتَلْقَى حَبَسَهُ، صَلَّى قَائِمًا، لِأَنَّ الْمُسْتَلْقِيَ لَا نَظِيرَ لَهُ اخْتِيَارًا (وَمَنْ لَمْ يَلْحَقْهُ) السَّلَسُ (إلَّا رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا رَكَعَ وَسَجَدَ) نَصًّا، كَالْمَكَانِ النَّجِسِ، وَلَا يَكْفِيه الْإِيمَاءُ (وَحَرُمَ وَطْءُ مُسْتَحَاضَةٍ مِنْ غَيْرِ خَوْفِ عَنَتٍ مِنْهُ أَوْ مِنْهَا) لِقَوْلِ عَائِشَةَ " الْمُسْتَحَاضَةُ لَا يَغْشَاهَا زَوْجُهَا " فَإِنْ خَافَهُ أَوْ خَافَتْهُ أُبِيحَ وَطْؤُهَا، وَلَوْ لِوَاجِدِ الطَّوْلِ، خِلَافًا لِابْنِ عَقِيلٍ.
وَكَذَا إنْ كَانَ بِهِ شَبَقٌ شَدِيدٌ. لِأَنَّهُ أَخَفُّ مِنْ الْحَيْضِ. وَمُدَّتُهُ تَطُولُ، بِخِلَافِ الْحَيْضِ. وَلِأَنَّ وَطْءَ الْحَائِضِ يَتَعَدَّى إلَى الْوَلَدِ فَيَكُونُ مَجْذُومًا. وَحَيْثُ حَرُمَ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ (وَلِرَجُلٍ شُرْبُ دَوَاءٍ مُبَاحٍ يَمْنَعُ الْجِمَاعَ) كَكَافُورٍ. لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ (وَلِأُنْثَى شُرْبُهُ) أَيْ الْمُبَاحِ (لِإِلْقَاءِ نُطْفَةٍ وَحُصُولِ حَيْضٍ) إذْ الْأَصْلُ الْحِلُّ حَتَّى يَرِدَ التَّحْرِيمُ. وَلَمْ يَرِدْ.
و (لَا) تَشْرَبُ مُبَاحًا (لِحُصُولِ حَيْضٍ قُرْبَ رَمَضَانَ لِتُفْطِرَهُ) أَيْ رَمَضَانَ كَالسَّفَرِ لِتُفْطِرَ.
(وَ) الْأُنْثَى أَيْضًا تَشْرَبُ مُبَاحًا (لِقَطْعِهِ) أَيْ الْحَيْضِ لِمَا تَقَدَّمَ و (لَا) يَجُوزُ لِأَحَدٍ (فِعْلُ الْأَخِيرِ) أَيْ مَا يَقَعُ الْحَيْضُ
стр. 110
(بِهَا بِلَا عِلْمِهَا) بِهِ: لِأَنَّهُ يُبْطِلُ حَقَّهَا مِنْ النَّسْلِ الْمَقْصُودِ.
وَفِي الْفَائِقِ: لَا يَجُوزُ مَا يَقْطَعُ الْحَمْلَ. ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ.
[فَصْلٌ النِّفَاسُ لَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ]
ِ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ تَحْدِيدُهُ. فَرَجَعَ فِيهِ إلَى الْوُجُودِ. وَقَدْ وُجِدَ قَلِيلًا وَكَثِيرًا. .
وَرُوِيَ «أَنَّ امْرَأَةً وَلَدَتْ عَلَى عَهْدِهِ ﷺ فَلَمْ تَرَ دَمًا. فَسُمِّيَتْ ذَاتَ الْجُفُوفِ» وَلِأَنَّ الْيَسِيرَ دَمٌ وُجِدَ عَقِبَ سَبَبِهِ. فَكَانَ نِفَاسًا كَالْكَثِيرِ (وَهُوَ) أَيْ النِّفَاسُ بَقِيَّةٌ لِلدَّمِ الَّذِي اُحْتُبِسَ فِي مُدَّة الْحَمْلِ مَأْخُوذٌ مِنْ النَّفَسِ.
وَهُوَ الْخُرُوجُ مِنْ الْجَوْفِ، أَوْ مِنْ نَفَّسَ اللَّهُ كُرْبَتَهُ، أَيْ فَرَّجَهَا، وَعُرْفًا (دَمٌ تُرْخِيهِ الرَّحِمُ مَعَ وِلَادَةٍ وَقَبْلَهَا) أَيْ الْوِلَادَةِ (بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ بِأَمَارَةٍ) أَيْ عَلَامَةٍ عَلَى الْوِلَادَةِ، كَالتَّأَلُّمِ. وَإِلَّا فَلَا تَجْلِسُهُ، عَمَلًا بِالْأَصْلِ. فَإِنْ تَبَيَّنَ عَدَمَهُ أَعَادَتْ مَا تَرَكَتْهُ (وَبَعْدَهَا) أَيْ الْوِلَادَةِ (إلَى تَمَامِ أَرْبَعِينَ) يَوْمًا (مِنْ ابْتِدَاءِ خُرُوجِ بَعْضِ الْوَلَدِ) فَأَكْثَرُهُ أَرْبَعُونَ.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: " أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى أَنَّ النُّفَسَاءَ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، إلَّا أَنْ تَرَى الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ فَتَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ ".
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ النَّاسِ (وَإِنْ جَاوَزَهَا) أَيْ الْأَرْبَعِينَ دَمُ النِّفَاسِ (وَصَادَفَ عَادَةَ حَيْضِهَا وَلَمْ يَزِدْ) عَنْ عَادَتِهَا.
فَالْمُجَاوِزُ حَيْضٌ ; لِأَنَّهُ فِي عَادَتِهَا. أَشْبَهُ مَا لَوْ لَمْ يَتَّصِلْ بِنِفَاسٍ (أَوْ زَادَ) الدَّمُ الْمُجَاوِزُ لِلْأَرْبَعِينَ عَنْ الْعَادَةِ (وَتَكَرَّرَ) ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ (وَلَمْ يُجَاوِزْ أَكْثَرَهُ) أَيْ الْحَيْضِ (فَهُوَ حَيْضٌ) لِأَنَّهُ دَمٌ مُتَكَرِّرٌ صَالِحٌ لِلْحَيْضِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ نِفَاسٌ. (وَإِلَّا) بِأَنْ زَادَ وَلَمْ يَتَكَرَّرْ، أَوْ جَاوَزَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ وَتَكَرَّرَ أَوَّلًا (أَوْ لَمْ يُصَادِفْ عَادَةَ) حَيْضٍ (فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ) إنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ حَيْضًا وَلَا نِفَاسًا،
فَإِنْ تَكَرَّرَ وَصَلُحَ حَيْضًا فَحَيْضٌ (وَلَا تَدْخُلُ اسْتِحَاضَةٌ فِي مُدَّةِ نِفَاسٍ) كَمَا لَا تَدْخُلُ فِي مُدَّةِ حَيْضٍ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْأَقْوَى (وَيَثْبُتُ حُكْمُهُ) أَيْ النِّفَاسِ (بِوَضْعِ مَا تَبَيَّنَ فِيهِ خَلْقُ إنْسَانٍ) وَلَوْ خَفِيًّا ; لِأَنَّهُ وِلَادَةٌ، لَا عَلَقَةٌ أَوْ مُضْغَةٌ لَا تَخْطِيطَ فِيهِمَا. وَأَقَلُّ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهِ خَلْقُهُ أَحَدٌ وَثَمَانُونَ يَوْمًا، وَيَأْتِي وَغَالِبُهُ كَمَا.
قَالَ الْمَجْدُ وَابْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ حَمْدَانَ وَغَيْرُهُمْ: ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ (وَالنَّقَاءُ زَمَنُهُ) أَيْ النِّفَاسِ (طُهْرٌ) كَالْحَيْضِ.
فَتَغْتَسِلُ وَتَفْعَلُ مَا تَفْعَلُ الطَّاهِرَاتُ (وَيُكْرَهُ وَطْؤُهَا فِيهِ)
следующие страницы →