Полный текст (1 968 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
لِأَنَّهُ الْعُرْفُ وَبِهِ يَتَمَكَّنُ الْمُكْتَرِي مِنْ الِانْتِفَاعِ (وَلُزُومِ دَابَّةٍ لِنُزُولِ الْحَاجَةِ) بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ وَكَذَا طَهَارَةٌ (وَوَاجِبٍ) كَفَرْضِ صَلَاةٍ.
قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ: وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ كَالْعَيْنِ، وَيَدَعُ الْبَعِيرَ وَاقِفًا حَتَّى يَقْضِيَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ فِعْلُ ذَلِكَ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، بِخِلَافِ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا يُمْكِنُ رَاكِبًا (وَ) عَلَى مُؤَجِّرٍ (تَبْرِيكُ بَعِيرٍ لِامْرَأَةٍ وَشَيْخٍ وَمَرِيضٍ) لِرُكُوبٍ وَنُزُولٍ ; لِأَنَّهُمْ لَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْهُ إلَّا بِذَلِكَ، وَكَذَا كُلُّ مَنْ ضَعُفَ عَنْ الرُّكُوبِ وَالْبَعِيرُ قَائِمٌ لِسِمَنٍ وَنَحْوِهِ. فَإِنْ أَرَادَ مُكْتَرٍ إتْمَامَ الصَّلَاةِ وَطَلَبَهُ الْجَمَّالُ بِقَصْرِهَا لَمْ يَلْزَمْهُ بَلْ تَكُونُ خَفِيفَةً فِي تَمَامٍ. قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَمَنْ اكْتَرَى بَعِيرًا لِإِنْسَانٍ يَرْكَبُهُ لِنَفْسِهِ وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ لَمْ يَلْزَمْهُ سِوَى ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ وَفَاءٌ لَهُ بِمَا عَقَدَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا عَقَدَ عَلَى أَنْ يُسَافِرَ مَعَهُ (وَ) عَلَى مُؤَجِّرٍ (مَا يَتَمَكَّنُ بِهِ) مُسْتَأْجِرٌ (مِنْ نَفْعٍ كَتَرْمِيمِ دَارٍ) مُؤَجَّرَةٍ (بِإِصْلَاحِ مُنْكَسِرٍ وَإِقَامَةِ مَائِلٍ) مِنْ حَائِطٍ وَسَقْفٍ وَبَلَاطٍ (وَعَمَلِ بَابٍ وَتَطْيِينِ سَطْحٍ وَتَنْظِيفِهِ مِنْ ثَلْجٍ وَنَحْوِهِ) كَإِصْلَاحِ بِرْكَةِ دَارٍ وَأَحْوَاضِ حَمَّامٍ وَمَجَارِي مِيَاهِهِ وَسَلَالِيمِ الْأَسْطِحَةِ ; لِأَنَّ بِذَلِكَ وَشَبَهِهِ يَتَمَكَّنُ مُسْتَأْجِرٌ مِنْ النَّفْعِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ.
(وَلَا يُجْبَرُ) مُؤَجِّرٌ (عَلَى تَجْدِيدِ) بَيْتٍ زَائِدٍ عَمَّا فِي الدَّارِ حَالَ الْإِجَارَةِ وَلَا عَلَى هَدْمِ عَامِرٍ وَإِعَادَتِهِ جَدِيدًا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْعَقْدُ.
(وَلَوْ) أَجَّرَ دَارًا أَوْ حَمَّامًا وَنَحْوَهُ وَ (شَرَطَ) مُؤَجِّرٌ (عَلَيْهِ) أَيْ: الْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَقُومَ بِأُجْرَتِهَا (مُدَّةَ تَعْطِيلِهَا) إنْ تَعَطَّلَتْ لَمْ يَصِحَّ (أَوْ) شَرَطَ عَلَيْهِ (أَنْ يَأْخُذَ) أَيْ: يَنْتَفِعَ بِمُؤَجَّرَةٍ (بِقَدْرِهَا) مُدَّةَ تَعْطِيلِهَا (بَعْدَ) مُدَّةِ الْإِجَارَةِ عَلَيْهَا لَمْ يَصِحَّ (أَوْ) شَرَطَ عَلَيْهِ (الْعِمَارَةَ) لَمْ يَصِحَّ (أَوْ جَعَلَهَا) أَيْ: الْعِمَارَةَ فِي الْمُؤَجَّرَةِ (أُجْرَةً) لَهُ (لَمْ يَصِحَّ) أَمَّا فِي الْأُولَى ; فَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَجِّرَ مُدَّةً لَا يُمْكِنُهُ الِانْتِفَاعُ فِي بَعْضِهَا.
وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْجَهْلِ بِانْتِهَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ وَأَمَّا فِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ ; فَلِأَنَّ الْعِمَارَةَ لَا تَنْضَبِطُ فَيُؤَدِّي إلَى جَهَالَةِ الْأُجْرَةِ (لَكِنْ لَوْ عَمَّرَ) مُكْتَرٍ (بِهَذَا الشَّرْطِ) الْمَذْكُورِ رَجَعَ (أَوْ) عَمَّرَ مُكْتَرٍ (بِإِذْنِهِ) أَيْ: الْمُكْرِي لَهُ فِي الْعِمَارَةِ (رَجَعَ) مُكْتَرٍ عَلَى مُكْرٍ ; لِأَنَّهُ أَنْفَقَ عَلَى عَيْنٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا. أَشْبَهَ مَا لَوْ أَذِنَهُ فِي النَّفَقَةِ عَلَى عَبْدِهِ أَوْ دَابَّتِهِ. وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ النَّفَقَةِ فِي الْعِمَارَةِ وَلَا بَيِّنَةَ رَجَعَ (بِمَا قَالَ مُكْرٍ) بِيَمِينِهِ ; لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ.
(وَ) يَجِبُ (عَلَى مُكْتَرٍ) بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْمُؤَجِّرَ، بَلْ إنْ أَرَادَهُ مُكْتَرٍ فَمِنْ مَالِهِ (مَحْمِلٌ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ: كَمَجْلِسٍ شِقَّتَانِ عَلَى الْبَعِيرِ يُحْمَلُ فِيهِمَا الْعَدِيلَانِ (وَمِظَلَّةٌ) بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ: مِنْ الْأَخْبِيَةِ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: (وَوِطَاءٌ فَوْقَ
стр. 912
الرَّحْلِ وَحَبْلُ قِرَانٍ وَبَيْنَ الْمَحْمِلَيْنِ وَدَلِيلٌ) إنْ جَهِلَا الطَّرِيقَ ; لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ مَصْلَحَةِ الْمُكْتَرِي وَهُوَ خَارِجٌ عَنْ الدَّابَّةِ وَآلَتِهَا. أَشْبَهَ الزَّادَ، وَإِذَا اكْتَرَى لِلْحَجِّ رَكِبَ إلَى عَرَفَةَ ثُمَّ لِلْعَوْدِ إلَى مَكَّةَ ثُمَّ إلَى مِنًى ثُمَّ إلَى رَمْيِ الْجِمَارِ. وَإِنْ اكْتَرَى إلَى مَكَّةَ لَمْ يَتَجَاوَزْهَا.
(وَ) مَنْ اكْتَرَى بِئْرًا لِيَسْقِيَ مِنْهَا فَعَلَيْهِ أَيْ: الْمُكْتَرِي (بَكَرَةٌ وَحَبْلٌ وَدَلْوٌ) كَمُكْتَرٍ أَرْضًا لِزَرْعٍ فَآلَةُ حَرْثٍ وَنَحْوِهِ عَلَيْهِ.
(وَ) عَلَى مُكْتِرِ دَارٍ أَوْ حَمَّامٍ وَنَحْوَهُ (تَفْرِيغُ بَالُوعَةٍ وَكَنِيفٍ وَدَارٍ مِنْ قُمَامَةٍ وَزِبْلٍ وَنَحْوِهِ) كَرَمَادٍ (إنْ حَصَلَ بِفِعْلِهِ) أَيْ: الْمُكْتَرِي كَمَا لَوْ أَلْقَى فِيهَا جِيفَةً أَوْ تُرَابًا وَنَحْوَهُ (وَعَلَى مُكْرٍ تَسْلِيمُهَا) أَيْ: الْمُؤَجَّرَةِ (فَارِغَةً) بَالُوعَتِهَا وَكَنِيفِهَا وَنَحْوِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِذَلِكَ مَعَ امْتِلَائِهِ (وَ) عَلَى مُكْرٍ (تَسْلِيمُ مِفْتَاحٍ) لِأَنَّ بِهِ يَتَمَكَّنُ مِنْ الِانْتِفَاعِ وَيُتَوَصَّلُ إلَيْهِ (وَهُوَ) أَيْ: الْمِفْتَاحُ (أَمَانَةٌ بِيَدِ مُسْتَأْجِرٍ) كَالْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ فَإِنْ ضَاعَ بِلَا تَفْرِيطٍ فَعَلَى مُؤَجِّرٍ بَدَلُهُ، وَلَا يَلْزَمُ تَحْسِينُ وَلَا تَزْوِيقُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِإِمْكَانِ الِانْتِفَاعِ بِدُونِهِ.
[فَصْلٌ وَالْإِجَارَةُ عَقْدٌ لَازِمٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ]
(فَصْلٌ وَالْإِجَارَةُ عَقْدٌ لَازِمٌ) مِنْ الطَّرَفَيْنِ لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْهُمَا فَسْخُهَا بِلَا مُوجِبٍ. لِأَنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ كَالْبَيْعِ. (فَإِنْ لَمْ يَسْكُنْ مُسْتَأْجِرٌ) مُؤَجَّرَةً لِعُذْرٍ يَخْتَصُّ بِهِ أَوْ لَا فَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ (أَوْ تَحَوَّلَ) مُسْتَأْجِرٌ مِنْهَا (فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ فَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ) ; لِاقْتِضَاءِ الْإِجَارَةِ تَمْلِيكَ الْمُؤَجِّرِ الْأَجْرَ، وَالْمُسْتَأْجِرِ النَّفْعَ، فَإِذَا تَرَكَهُ مُسْتَأْجِرٌ اخْتِيَارًا مِنْهُ لَمْ تَنْفَسِخْ الْإِجَارَةُ، وَلَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْ الْمَنَافِعِ كَمَنْ اشْتَرَى شَيْئًا وَقَبَضَهُ وَتَرَكَهُ، وَلَا يَجُوزُ لِمُؤَجِّرٍ تَصَرُّفٌ فِيهَا فَإِنْ فَعَلَ وَيَدُ مُسْتَأْجِرٍ عَلَيْهَا كَأَنْ سَكَّنَ الدَّارَ أَوْ أَجَّرَهَا لِغَيْرِ مُسْتَأْجِرٍ فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِمُسْتَأْجِرٍ، وَعَلَى مُسْتَأْجِرٍ الْأُجْرَةُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهَا لَهُ.
وَإِنْ تَصَرَّفَ قَبْلَ تَسْلِيمِهَا أَوْ امْتَنَعَ مِنْهُ حَتَّى انْقَضَتْ الْمُدَّةُ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ وَإِنْ سَلَّمَهَا لَهُ فِي أَثْنَائِهَا انْفَسَخَتْ فِيمَا مَضَى وَوَجَبَ أَجْرُ الْبَاقِي بِالْحِصَّةِ. (وَإِنْ حَوَّلَهُ) أَيْ: الْمُسْتَأْجِرَ (مَالِكُ) الدَّارِ وَنَحْوِهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ فَلَا أُجْرَةَ لِمَا سُكِنَ قَبْلَ أَنْ يُحَوِّلَهُ الْمُؤَجِّرُ نَصًّا.
(أَوْ امْتَنَعَ) مُؤَجِّرُ دَابَّةٍ (مِنْ تَسْلِيمِ الدَّابَّةِ) الْمُؤَجَّرَةِ (فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ أَوْ) فِي أَثْنَاءِ (الْمَسَافَةَ) الْمُؤَجَّرَةِ لِلرُّكُوبِ أَوْ الْحَمْلِ عَلَيْهَا فَلَا أُجْرَةَ لِرُكُوبِهِ أَوْ حَمْلِهِ عَلَيْهَا قَبْلَ الْمَنْعِ مِنْهُ (أَوْ) امْتَنَعَ (الْأَجِيرُ) لِعَمَلٍ (مِنْ تَكْمِيلِ الْعَمَلِ فَلَا أُجْرَةَ) لَهُ لِمَا عَمِلَهُ قَبْلُ ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ لَمْ يُسَلِّمْ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ عَقْدُ الْإِجَارَةِ فَلَمْ يَسْتَحِقَّ
стр. 913
شَيْئًا، كَمَنْ اسْتَأْجَرَ مَنْ يَحْمِلُ لَهُ كِتَابًا إلَى بَلَدٍ بِعَيْنِهِ فَحَمَلَهُ بَعْضَ الطَّرِيقِ، أَوْ لِيَحْفِرَ لَهُ أَذْرُعًا فَحَفَرَ بَعْضَهَا وَامْتَنَعَ مِنْ حَفْرِ الْبَاقِي.
(وَإِنْ شَرَدَتْ) دَابَّةٌ (مُؤَجَّرَةٌ، أَوْ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ بَاقِي النَّفْعِ بِغَيْرِ فِعْلِ أَحَدِهِمَا) أَيْ: الْمُؤَجِّرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ (فَ) عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ مِنْ (الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مَا اسْتَوْفَى) مِنْ النَّفْعِ قَبْلَ ذَلِكَ لِعُذْرِ كُلٍّ مِنْهُمَا.
(وَإِنْ هَرَبَ أَجِيرٌ) مُدَّةَ الْعَمَلِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ بَعْضِ النَّفْعِ حَتَّى انْقَضَتْ انْفَسَخَتْ (أَوْ) هَرَبَ (مُؤَجِّرُ عَيْنٍ بِهَا) أَيْ: قَبْلَ اسْتِيفَاءِ بَعْضِ النَّفْعِ حَتَّى انْقَضَتْ انْفَسَخَتْ. (أَوْ شَرَدَتْ) دَابَّةٌ مُؤَجَّرَةٌ (قَبْلَ اسْتِيفَاءِ بَعْضِ النَّفْعِ حَتَّى انْقَضَتْ) مُدَّةُ الْإِجَارَةِ (انْفَسَخَتْ) الْإِجَارَةُ لِفَوَاتِ زَمَنِهَا الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ. فَإِنْ عَادَتْ انْقِضَاءُ الْمُدَّةِ اسْتَوْفَى مَا بَقِيَ مِنْهَا ; لِأَنَّهَا تَنْفَسِخُ شَيْئًا فَشَيْئًا.
، وَلَا أُجْرَةَ لِزَمَنِ هَرَبٍ (فَلَوْ كَانَتْ) الْإِجَارَةُ (عَلَى عَمَلٍ) مَوْصُوفٍ بِذِمَّةٍ كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ وَبِنَاءِ حَائِطٍ، أَوْ حَمْلٍ إلَى مَحَلٍّ مَعْلُومٍ وَهَرَبَ الْأَجِيرُ (اُسْتُؤْجِرَ مِنْ مَالِهِ مَنْ يَعْمَلُهُ) كَالْمُسْلَمِ إلَيْهِ إذَا هَرَبَ وَنَحْوَهُ (فَإِنْ تَعَذَّرَ) اسْتِئْجَارُ مَنْ يَعْمَلُهُ مِنْ مَالِهِ (خُيِّرَ مُسْتَأْجِرٌ بَيْنَ فَسْخِ) إجَارَةٍ (وَ) بَيْنَ (صَبْرٍ) إلَى قُدْرَةٍ عَلَيْهِ فَيُطَالِبُهُ بِعَمَلِهِ ; لِأَنَّ مَا فِي ذِمَّتِهِ لَا يَفُوتُ بِهَرَبِهِ.
(وَإِنْ هَرَبَ) جَمَّالٌ أَوْ نَحْوُهُ (أَوْ مَاتَ جَمَّالٌ أَوْ نَحْوُهُ) كَحَمَّارٍ وَبَغَّالٍ (وَتَرَكَ بَهَائِمَهُ) الَّتِي أَكْرَاهَا (وَلَهُ) أَيْ: الْهَارِبِ (مَالٌ) مَقْدُورٌ عَلَيْهِ (أَنْفَقَ عَلَيْهَا) أَيْ: الْبَهَائِمِ (مِنْهُ) أَيْ: الْمَالِ (حَاكِمٌ) لِوُجُوبِ نَفَقَتِهَا عَلَيْهِ وَهُوَ غَائِبٌ وَالْحَاكِمُ نَائِبُهُ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَقْدِرْ لِلْهَارِبِ عَلَى مَالٍ (فَأَنْفَقَ عَلَيْهَا مُكْتَرٍ بِإِذْنِ حَاكِمٍ) رَجَعَ لِقِيَامِ إذْنِ الْحَاكِمِ مَقَامَ إذْنِ رَبِّهَا (أَوْ) أَنْفَقَ عَلَيْهَا مُكْتَرٍ بِدُونِ إذْنِ حَاكِمٍ (بِنِيَّةِ رُجُوعٍ رَجَعَ) عَلَى مَالِكِهَا بِمَا أَنْفَقَهُ سَوَاءٌ قَدَرَ عَلَى اسْتِئْذَانِ الْحَاكِمِ أَوْ لَا، أَشْهَدَ عَلَى نِيَّةِ رُجُوعِهِ بِأَنْ قَالَ: اشْهَدُوا أَنِّي مَا أَنْفَقْتُ عَلَى هَذِهِ الْبَهَائِمِ إلَّا بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ أَوْ لَا، لِقِيَامِهِ عَنْهُ بِوَاجِبٍ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِيمَا أَنْفَقَهُ وَكَانَ الْحَاكِمُ قَدَّرَهُ، قُبِلَ قَوْلُ الْمُكْتَرِي فِي ذَلِكَ دُونَ مَا زَادَ، وَإِنْ لَمْ يُقَدِّرْهُ قُبِلَ قَوْلُهُ فِي قَدْرِ النَّفَقَةِ بِالْمَعْرُوفِ.
قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ: (فَإِذَا انْقَضَتْ الْإِجَارَةُ بَاعَهَا) أَيْ: الْبَهَائِمَ (حَاكِمٌ وَوَفَّاهُ) مَا أَنْفَقَهُ عَلَى الْبَهَائِمِ ; لِأَنَّ فِيهِ تَخْلِيصًا لِذِمَّةِ الْغَائِبِ وَإِيفَاءَ الْمُنْفِقِ (وَحِفْظَ بَاقِي ثَمَنِهَا لِمَالِكِهَا) ; لِأَنَّ عَلَيْهِ حِفْظَ مَالِ الْغَائِبِ.
(وَتَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِتَلَفِ) مَحَلٍّ (مَعْقُودٍ عَلَيْهِ) كَدَابَّةٍ أَوْ عَبْدٍ مَاتَ أَوْ دَارٍ انْهَدَمَتْ قَبَضَهَا الْمُسْتَأْجِرُ أَوْ لَا ; لِزَوَالِ الْمَنْفَعَةِ بِتَلَفِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَقَبْضُهَا إنَّمَا يَكُونُ بِاسْتِيفَائِهَا أَوْ التَّمَكُّنِ مِنْهُ وَلَمْ يَحْصُلُ ذَلِكَ.
(وَ) إنْ تَلِفَ مُؤَجَّرٌ (فِي الْمُدَّةِ
стр. 914
وَقَدْ مَضَى) مِنْهَا (مَا لَهُ أُجْرَةٌ) عَادَةً انْفَسَخَتْ (فِيمَا بَقِيَ) مِنْ الْمُدَّةِ كَتَلَفِ إحْدَى صُبْرَتَيْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ بِجَائِحَةٍ، وَيُعْطِيهِ بِحِسَابِ مَا انْتَفَعَ، وَإِنْ اخْتَلَفَ الْأَجْرُ بِحَسَبِ الزَّمَنِ كَمَوْسِمٍ وَتَفَرُّجٍ اُعْتُبِرَ بِحَسَبِهِ.
(وَ) تَنْفَسِخُ إجَارَةٌ ب (انْقِلَاعِ ضِرْسٍ اكْتَرَى لِقَلْعِهِ، أَوْ) اكْتَرَى (مُدَّةً مَعْلُومَةً لِبُرْئِهِ) ; لِتَعَذُّرِ اسْتِيفَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ كَالْمَوْتِ فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ أَوْ امْتَنَعَ مُسْتَأْجِرٌ مِنْ فِعْلِهِ لَمْ يُجْبَرْ (وَنَحْوِهِ) أَيْ: تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِنَحْوِ مَا ذُكِرَ، كَمَنْ اُسْتُؤْجِرَ لِيَقْتَصَّ مِنْ آخَرَ أَوْ يَحُدُّهُ فَمَاتَ أَوْ لِيُدَاوِيه فَبَرِئَ أَوْ مَاتَ. وَسَوَاءٌ كَانَ التَّلَفُ بِفِعْلِ آدَمِيٍّ كَقَتْلِهِ الْعَبْدَ الْمُؤَجَّرَ أَوْ لَا بِفِعْلِ أَحَدٍ كَمَوْتِهِ حَتْفَ أَنْفِهِ. وَسَوَاءٌ كَانَ الْقَاتِلُ الْمُسْتَأْجِرَ أَوْ غَيْرَهُ. وَيَضْمَنُ مَا أَتْلَفَ، كَالْمَرْأَةِ تَقْطَعُ ذَكَرَ زَوْجِهَا تَضْمَنُهُ وَتَمْلِكُ الْفَسْخَ.
(وَ) تَنْفَسِخُ إجَارَةٌ ب (مَوْتِ مُرْتَضِعٍ) أَوْ امْتِنَاعِهِ مِنْ الرَّضَاعِ مِنْهَا ; لِتَعَذُّرِ اسْتِيفَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ غَيْرَهُ لَا يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الِارْتِضَاعِ لِاخْتِلَافِ الْمُرْتَضِعِينَ فِيهِ، وَقَدْ يُدَرُّ اللَّبَنُ عَلَى وَاحِدٍ دُونَ آخَرَ، وَكَذَا إنْ مَاتَتْ مُرْضِعَةٌ.
(لَا) تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِ (رَاكِبٍ اكْتَرَى لَهُ) مُطْلَقًا، أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ لَهُ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ أَوْ لَا. وَسَوَاءٌ كَانَ هُوَ الْمُكْتَرِيَ أَوْ غَيْرَهُ اكْتَرَى لَهُ ; لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مَنْفَعَةُ الدَّابَّةِ دُونَ الرَّاكِبِ ; لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُرْكِبَ مَنْ يُمَاثِلُهُ وَإِنَّمَا ذَكَرَ الرَّاكِبَ لِتَتَقَدَّرَ بِهِ الْمَنْفَعَةُ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا قُطْنًا مُعَيَّنًا فَتَلِفَ (وَلَا) تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ (مُكْرٍ، أَوْ) أَيْ: وَلَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ (مُكْتَرٍ) لِلُزُومِهَا كَالْبَيْعِ.
وَكَمَا لَوْ زَوَّجَ عَبْدَهُ الصَّغِيرَ أَمَةَ غَيْرِهِ ثُمَّ مَاتَ السَّيِّدَانِ (أَوْ) أَيْ: وَلَا تَنْفَسِخُ ب (عُذْرٍ لِأَحَدِهِمَا بِأَنْ يَكْتَرِيَ) جَمَلًا مَثَلًا لِيَحُجَّ عَلَيْهِ (فَتَضِيعَ نَفَقَتُهُ) فَلَا يُمْكِنُهُ الْحَجُّ (أَوْ) يَكْتَرِيَ دُكَّانًا مَثَلًا لِيَبِيعَ مَتَاعَهُ فَ (يَحْتَرِقَ مَتَاعُهُ) ; لِأَنَّهَا عَقْدٌ لَا يَجُوزُ فَسْخُهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ. فَلَمْ يَجُزْ لِعُذْرٍ مِنْ غَيْرِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ كَالْبَيْعِ، بِخِلَافِ الْإِبَاقِ (فَانْقَطَعَ مَاؤُهَا) أَيْ: الْأَرْضِ (أَوْ انْهَدَمَتْ) الدَّارُ قَبْلَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ (انْفَسَخَتْ فِيمَا بَقِيَ) مِنْ الْمُدَّةِ لِتَعَطُّلِ النَّفْعِ فِيهِ (وَيُخَيَّرُ مُكْتَرٍ فِيمَا) أَيْ: مُؤَجَّرٍ (انْهَدَمَ بَعْضُهُ) كَدَارٍ انْهَدَمَ مِنْهَا بَيْتٌ خُيِّرَ بَيْنَ فَسْخٍ وَإِمْسَاكٍ لِلْعَيْبِ (فَإِنْ أَمْسَكَ فَبِالْقِسْطِ مِنْ الْأُجْرَةِ) ; لِأَنَّهُ رَضِيَ بِهِ نَاقِصًا. فَأَشْبَهَ مَا لَوْ رَضِيَ بِالْمَبِيعِ مَعِيبًا، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.
(وَمَنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا بِلَا مَاءٍ) لِلزَّرْعِ وَهُمَا يَعْلَمَانِ أَنْ لَا مَاءَ لَهُمَا. صَحَّ ; لِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ زَرْعِهَا رَجَاءَ الْمَاءِ وَمِنْ النُّزُولِ وَوَضْعِ رَحْلِهِ وَجَمْعِ الْحَطَبِ فِيهَا. وَلَهُ زَرْعُهَا بَعْدَ حُصُولِ الْمَاءِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ فِيهَا وَلَا يَغْرِسَ ; لِأَنَّهُ يُرَادُ لِلتَّأْبِيدِ، وَتَقْدِيرُ الْإِجَارَةِ بِمُدَّةٍ تَقْتَضِي تَفْرِيغَهَا عِنْدَ انْقِضَائِهَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ صَرَّحَ بِالْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ ; لِأَنَّ
стр. 915
التَّصْرِيحَ يَصْرِفُ التَّقْدِيرَ عَنْ مُقْتَضَاهُ بِظَاهِرِهِ فِي التَّفْرِيغِ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ (أَوْ أَطْلَقَ) بِأَنْ قَالَ: أَجَّرْتُك هَذِهِ الْأَرْضَ سَنَةً بِكَذَا. فَقَالَ الْمُسْتَأْجِرُ: قَبِلْت (مَعَ عِلْمِهِ بِحَالِهَا) أَيْ: أَنْ لَا مَاءَ لَهَا (صَحَّ) ; لِأَنَّهُمَا دَخَلَا فِي الْعَقْدِ عَلَى أَنْ لَا مَاءَ لَهَا. فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَاهُ، وَلَهُ الِانْتِفَاعُ بِهَا كَمَا فِي الْأُولَى وَالْأَرْضُ الَّتِي لَهَا مَاءٌ غَيْرُ دَائِمٍ أَوْ الظَّاهِرُ انْقِطَاعُهُ قَبْلَ الزَّرْعِ أَوْ لَا يَكْفِي الزَّرْعَ كَالَّتِي لَا مَاءَ لَهَا.
وَ (لَا) تَصِحُّ الْإِجَارَةُ لِأَرْضٍ لَا مَاءَ لَهَا (إنْ ظَنَّ إمْكَانَ تَحْصِيلِهِ) أَيْ: الْمَاءِ. أَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا لَا مَاءَ لَهَا ; لِأَنَّهُ رُبَّمَا دَخَلَ فِي الْعَقْدِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُؤَجَّرَ يَحْصُلُ لَهُ، وَأَنَّهُ يَكْتَرِيهَا لِلزِّرَاعَةِ مَعَ تَعَذُّرِهَا (وَإِنْ عَلِمَ) مُسْتَأْجِرٌ وُجُودَهُ (أَوْ ظَنَّ وُجُودَهُ) أَيْ: الْمَاءِ (بِأَمْطَارٍ) مُعْتَادَةٍ (أَوْ زِيَادَةٍ) مُعْتَادَةٍ، كَالْأَرْضِ الَّتِي تَشْرَبُ مِنْ الْمُعْتَادِ غَالِبًا فِي النِّيلِ أَوْ الْفُرَاتِ وَنَحْوِهِمَا (صَحَّ) الْعَقْدُ عَلَيْهَا وَلَوْ مَعَ عَدَمِ مَائِهَا ; لِأَنَّ حُصُولَهُ مُعْتَادٌ. وَالظَّاهِرُ وُجُودُهُ، وَالْأَرْضُ الَّتِي لَا مَاءَ لَهَا لَكِنْ مَا زُرِعَ أَوْ غُرِسَ فِيهَا يَكْفِيهِ الشُّرْبُ بِعُرُوقِهِ لِنَدَاوَتِهَا وَقُرْبِهَا مِنْ الْمَاءِ فَكَالَّتِي لَهَا مَاءٌ دَائِمٌ، لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِانْقِطَاعِهِ أَوْ لَا يَنْقَطِعُ إلَّا مُدَّةً لَا تُؤَثِّرُ فِي الزَّرْعِ.
وَالْأَرْضُ الَّتِي يَنْدُرُ مَجِيءُ الْأَمْطَارِ إلَيْهَا كَالَّتِي لَا يَكْفِيهَا إلَّا الْمَطَرُ الْكَثِيرُ الَّذِي يَنْدُرُ وُجُودُهُ أَوْ تَشْرَبُ مِنْ فَيْضِ وَادٍ مَجِيئُهُ نَادِرًا أَوْ مِنْ زِيَادَةٍ نَادِرَةٍ فِي نَهْرٍ أَوْ عَيْنٍ عَالِيَةٍ فَإِجَارَتُهَا بَعْدَ وُجُودِ مَا يَسْقِيهَا تَصِحُّ وَإِنْ أُجِّرَتْ قَبْلَهُ لِزَرْعٍ أَوْ غَرْسٍ تَوَقُّعًا لِحُصُولِ الْمَاءِ لَمْ تَصِحَّ لِتَعَذُّرِ النَّفْعِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ظَاهِرًا، كَإِجَارَةِ الْآبِقِ.
(وَلَوْ زَرَعَ) مُسْتَأْجِرٌ (فَغَرِقَ) الزَّرْعُ (أَوْ تَلِفَ) بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا (أَوْ لَمْ يَنْبُتْ) الزَّرْعُ (فَلَا) ضَمَانَ عَلَى مُؤَجِّرٍ وَلَا (خِيَارَ) لِمُسْتَأْجِرٍ (وَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ) نَصًّا ; لِأَنَّ التَّالِفَ غَيْرُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَسَبَبُهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَى الْمُؤَجِّرِ.
(وَإِنْ تَعَذَّرَ زَرْعُ) مُؤَجَّرَةٍ (لِغَرَقٍ) حَصَلَ بِهَا (أَوْ قَلَّ الْمَاءُ قَبْلَ زَرْعِهَا) بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ الزَّرْعُ (أَوْ) قَلَّ الْمَاءُ (بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ زَرْعِهَا بِحَيْثُ لَا يَكْفِي لِلزَّرْعِ (أَوْ عَابَتْ) الْأَرْضُ (بِغَرَقٍ يَعِيبُ بِهِ الزَّرْعُ) أَوْ يَهْلِكُ بَعْضُهُ (فَلَهُ) أَيْ: الْمُسْتَأْجِرِ (الْخِيَارُ) لِنَقْصِ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ، فَإِنْ اخْتَارَ الْفَسْخَ بَعْدَ زَرْعٍ بَقِيَ الزَّرْعُ إلَى الْحَصَادِ، وَعَلَيْهِ مِنْ الْمُسَمَّى بِحِصَّتِهِ إلَى الْفَسْخِ وَأُجْرَةُ الْمِثْلِ لِمَا بَقِيَ مُتَّصِفَةً بِذَلِكَ الْعَيْبِ، وَأَرْضٌ غَارِقَةٌ بِالْمَاءِ لَا يُمْكِنُ زَرْعُهَا قَبْلَ انْحِسَارِهِ وَهُوَ تَارَةً يَنْحَسِرُ وَتَارَةً لَا يَنْحَسِرُ، لَا تَصِحُّ إجَارَتُهَا إذَنْ ; لِتَعَذُّرِ الِانْتِفَاعِ بِهَا فِي الْحَالِ وَفِي الْمَآلِ غَيْرُ ظَاهِرٍ ; لِأَنَّهُ لَا يَزُولُ غَالِبًا قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَمَا لَمْ يُرْوَ مِنْ الْأَرْضِ فَلَا أُجْرَةَ لَهُ اتِّفَاقًا، وَإِنْ قَالَ فِي الْإِجَارَةِ:
стр. 916
مَقِيلًا وَمَرَاحًا أَوْ أَطْلَقَ لِأَنَّهُ لَا يُرَدُّ عَلَيْهِ عَقْدٌ كَالْبَرِّيَّةِ.
(وَإِنْ اسْتَأْجَرَهَا) أَيْ: الْأَرْضَ (سَنَةً فَزَرَعَهَا) زَرْعًا جَرَتْ الْعَادَةُ بِنَبَاتِهِ فِيهَا (فَلَمْ يَنْبُتْ إلَّا فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ فَعَلَيْهِ) أَيْ: الْمُسْتَأْجِرِ (الْأُجْرَةُ) لِلْأَرْضِ (مُدَّةَ احْتِبَاسِهَا) كَمَا لَوْ أَعَارَهُ إيَّاهَا ثُمَّ رَجَعَ (وَلَيْسَ لِرَبِّهَا) أَيْ: الْأَرْضِ (قَلْعُهُ) أَيْ: الزَّرْعِ (قَبْلَ إدْرَاكِهِ) ; لِأَنَّهُ لَا تَفْرِيطَ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ بِتَأْخِيرِهِ أَشْبَهَ زَرْعَ الْمُسْتَعِيرِ.
(وَإِنْ غُصِبَتْ مُؤَجَّرَةٌ مُعَيَّنَةٌ لِعَمَلٍ) بِأَنْ قَالَ: اسْتَأْجَرْتُ مِنْك هَذِهِ الْفَرَسَ لِأَرْكَبَهَا إلَى مَحَلِّ كَذَا، أَوْ هَذَا الْعَبْدَ لِيَبْنِيَ لِي هَذَا الْحَائِطَ بِكَذَا. فَغُضِبَتْ الْفَرَسُ أَوْ الْعَبْدُ (خُيِّرَ) مُسْتَأْجِرٌ (بَيْنَ فَسْخِ) إجَارَةٍ، كَمَا لَوْ تَعَذَّرَ تَسْلِيمُ مَبِيعٍ (وَ) بَيْنَ (صَبْرٍ إلَى أَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهَا) ; لِأَنَّ الْحَقَّ فِي ذَلِكَ لَهُ فَإِذَا أَخَّرَهُ جَازَ.
(وَ) إنْ غُصِبَتْ مُؤَجَّرَةٌ مُعَيَّنَةٌ (لِمُدَّةٍ) كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ الْعَبْدَ سَنَةً لِلْخِدْمَةِ. فَغُصِبَ (خُيِّرَ) مُسْتَأْجِرٌ (بَيْنَ فَسْخٍ وَ) بَيْنَ (إمْضَاءٍ) أَيْ: إبْقَاءِ الْعَقْدِ بِلَا فَسْخٍ (وَمُطَالَبَةِ غَاصِبٍ بِأَجْرِ مِثْلٍ) وَلَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِمُجَرَّدِ غَصْبٍ ; لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ لَمْ يَفُتْ مُطْلَقًا بَلْ إلَى بَدَلٍ وَهُوَ الْقِيمَةُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَتْلَفَ الْمَبِيعَ بِكَيْلٍ وَنَحْوِهِ آدَمِيٌّ (مُتَرَاخِيًا وَلَوْ بَعْدَ فَرَاغِهَا) أَيْ: الْمُدَّةِ فَلَا يَسْقُطُ إلَّا بِمَا يَدُلُّ عَلَى رِضَاهُ (فَإِنْ فَسَخَ) الْإِجَارَةَ (فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ مَا مَضَى) مِنْ الْمُدَّةِ قَبْلَ الْفَسْخِ بِالْقِسْطِ. وَإِنْ أَمْضَى فَعَلَيْهِ الْمُسَمَّى تَامًّا، وَيَرْجِعُ عَلَى غَاصِبٍ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ رُدَّتْ) مُؤَجَّرَةٌ مَغْصُوبَةٌ (فِي أَثْنَائِهَا) أَيْ: الْمُدَّةِ (قَبْلَ فَسْخِ) مُسْتَأْجِرٍ (اسْتَوْفَى مَا بَقِيَ) مِنْ الْمُدَّةِ (وَخُيِّرَ فِيمَا مَضَى) وَالْعَيْنُ بِيَدِ غَاصِبٍ، وَإِنْ لَمْ يَفْسَخْ حَتَّى انْقَضَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالرُّجُوعِ بِالْمُسَمَّى وَبَيْنَ الْبَقَاءِ عَلَى الْعَقْدِ وَيُطَالِبُ الْغَاصِبَ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَلَهُ) أَيْ: الْمُسْتَأْجِرِ (بَدَلٌ مَوْصُوفَةٌ بِذِمَّةٍ) غُصِبَتْ ; لِأَنَّ الْعَقْدَ عَلَى مَا فِي الذِّمَّةِ كَمَا لَوْ وَجَدَ الْمُسْلَمَ فِيهِ مَعِيبًا (فَإِنْ تَعَذَّرَ) الْبَدَلُ (فَلَهُ) أَيْ: الْمُسْتَأْجِرِ (الْفَسْخُ) وَالصَّبْرُ إلَى الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا وَتَنْفَسِخُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ إنْ كَانَتْ إلَى مُدَّةٍ.
(وَإِنْ كَانَ الْغَاصِبُ) لِلْمُؤَجَّرَةِ (الْمُؤَجِّرَ) لَهَا (فَلَا أُجْرَةَ لَهُ مُطْلَقًا) نَصًّا، أَيْ: سَوَاءٌ كَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى عَمَلٍ أَوْ إلَى مُدَّةٍ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ عَلَى مُعَيَّنَةٍ أَوْ مَوْصُوفَةٍ، وَسَوَاءٌ غَصَبَهَا قَبْلَ الْمُدَّةِ أَوْ فِيهَا لِمَا تَقَدَّمَ (وَحُدُوثُ خَوْفٍ عَامٍّ) يَمْنَعُ الِانْتِفَاعَ بِمُؤَجَّرَةٍ (كَغَصْبٍ) فَلِمُسْتَأْجِرٍ الْخِيَارُ فَإِنْ كَانَ الْخَوْفُ خَاصًّا بِمُسْتَأْجِرٍ كَخَوْفِهِ مِنْ السَّفَرِ لِقُرْبِ عَدُوِّهِ مِنْ مَحَلٍّ يُرِيدُ سُلُوكِهِ لَمْ يَمْلِكْ الْفَسْخَ ; لِأَنَّهُ عُذْرٌ يَخْتَصُّ بِهِ لَا يَمْنَعُ اسْتِيفَاءَ الْمَنْفَعَةِ بِالْكُلِّيَّةِ أَشْبَهَ مَرَضَهُ.
(وَمَنْ اُسْتُؤْجِرَ لِعَمَلٍ فِي الذِّمَّةِ)
стр. 917
كَخِيَاطَةٍ وَبِنَاءٍ (وَلَمْ تُشْتَرَطْ مُبَاشَرَتُهُ) لَهُ فِي الْعَقْدِ (فَمَرِضَ أُقِيمَ عِوَضُهُ) مَنْ يَعْمَلُهُ لِيَخْرُجَ مِمَّا وَجَبَ فِي ذِمَّتِهِ كَالْمُسْلَمِ فِيهِ (وَالْأُجْرَةُ عَلَيْهِ) أَيْ: الْمَرِيضِ ; لِأَنَّهَا فِي مُقَابَلَةِ مَا لَزِمَهُ، وَلَا يَلْزَمُ الْمُسْتَأْجِرَ إنْظَارُهُ ; لِأَنَّ الْعَقْدَ بِإِطْلَاقِهِ يَقْتَضِي التَّعْجِيلَ (وَإِنْ اخْتَلَفَ فِيهِ) أَيْ: فِي الْعَمَلِ (الْقَصْدُ، كَنَسْخٍ) لِاخْتِلَافِهِ بِاخْتِلَافِ الْخُطُوطِ (وَنَحْوه) كَتِجَارَةٍ لِاخْتِلَافِهَا بِاخْتِلَافِ الْحِذْقِ فَلَا (أَوْ وَقَعَتْ) الْإِجَارَةُ (عَلَى عَيْنِهِ) كَالْأَجِيرِ الْخَاصِّ فَلَا (أَوْ شُرِطَتْ مُبَاشَرَتُهُ) الْعَمَلَ (فَلَا) يَلْزَمُ الْمُسْتَأْجِرَ قَبُولُ عَمَلِ غَيْرِهِ ; لِأَنَّ الْغَرَضَ لَا يَحْصُلُ بِهِ. أَشْبَهَ مَا لَوْ أَسْلَمَ فِي نَوْعٍ فَسَلَّمَ إلَيْهِ غَيْرَهُ. (وَلِمُسْتَأْجِرٍ الْفَسْخُ) ; لِتَعَذُّرِ تَعْجِيلِ حَقِّهِ الْوَاجِبِ تَعْجِيلُهُ.
(وَإِنْ ظَهَرَ) بِمُؤَجَّرَةٍ عَيْبٌ بِأَنْ كَانَ بِهَا حِينَ الْعَقْدِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ مُسْتَأْجِرٌ كَمَا لَوْ وَجَدَ الدَّابَّةَ جَمُوحًا أَوْ عَضُوضًا أَوْ عَرْجَاءَ بِحَيْثُ تَتَأَخَّرُ بِهِ عَنْ الْقَافِلَةِ وَنَحْوَهُ كَعَمًى (أَوْ حَدَثَ) بِمُؤَجَّرٍ، عَيْبٌ كَجُنُونِ أَجِيرٍ أَوْ مَرَضِهِ وَنَحْوِهِ (وَهُوَ) أَيْ: الْعَيْبُ (مَا يَظْهَرُ بِهِ تَفَاوُتُ الْأُجْرَةِ) بِأَنْ تَكُونَ الْأُجْرَةُ مَعَهُ دُونَهَا مَعَ عَدَمِهِ (فَلِمُسْتَأْجِرٍ الْفَسْخُ) لِأَنَّهُ عَيْبٌ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ. أَشْبَهَ الْعَيْبَ فِي بُيُوعِ الْأَعْيَانِ وَالْمَنَافِعِ لَا يَحْصُلُ قَبْضُهَا إلَّا شَيْئًا فَشَيْئًا. فَإِذَا حَدَثَ الْعَيْبُ فَقَدْ وُجِدَ قَبْلَ قَبْضِ الْبَاقِي مِنْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، فَأَثْبَتَ الْفَسْخَ فِيمَا بَقِيَ مِنْهَا (إنْ لَمْ يَزُلْ) الْعَيْبُ (بِلَا ضَرَرٍ يَلْحَقُهُ) أَيْ: الْمُسْتَأْجِرَ.
فَإِنْ اسْتَدَّتْ الْبَالُوعَةُ وَفَتَحَهَا مُؤَجِّرٌ فِي زَمَنٍ يَسِيرٍ لَا تَتْلَفُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ تَضُرُّ بِالْمُسْتَأْجِرِ فَلَا خِيَارَ لَهُ (وَ) لِمُسْتَأْجِرٍ أَيْضًا (الْإِمْضَاءُ مَجَّانًا) بِلَا أَرْشٍ لِعَيْبٍ قَدِيمٍ أَوْ حَدِيثٍ لِرِضَاهُ بِالنَّقْصِ. وَفِيهِ وَجْهٌ لَهُ الْأَرْشُ.
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْمَوْجُودِ هَلْ هُوَ عَيْبٌ؟ رُجِعَ فِيهِ إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ (وَيَصِحُّ بَيْعُ) عَيْنٍ (مُؤَجَّرَةٍ) نَصًّا سَوَاءٌ كَانَتْ الْإِجَارَةُ مُدَّةً لَا تَلِي الْعَقْدَ ثُمَّ بِيعَتْ قَبْلَهَا أَوْ أَثْنَاءَ الْمُدَّةِ ; لِأَنَّ الْإِجَارَةَ عَقْدٌ عَلَى الْمَنَافِعِ فَلَا تَمْنَعُ الْبَيْعَ كَبَيْعِ الْمُزَوَّجَةِ.
وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى إجَارَةِ الْمُسْتَأْجِرِ ; لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فِي الْإِجَارَةِ غَيْرُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فِي الْبَيْعِ (وَلِمُشْتَرٍ لَمْ يَعْلَمْ) أَنَّ الْمَبِيعَ مُؤَجَّرٌ (فَسْخٌ أَوْ إمْضَاءٌ) لِلْبَيْعِ (مَجَّانًا) أَيْ: بِلَا أَرْشٍ.
وَفِي الرِّعَايَةِ: الْفَسْخُ أَوْ الْأَرْشُ. قَالَ أَحْمَدُ: هُوَ عَيْبٌ (وَالْأُجْرَةُ) مِنْ حِينِ الشِّرَاءِ (وَلَهُ) نَصًّا وَاسْتُشْكِلَ بِكَوْنِ الْمَنَافِعِ مُدَّةَ الْإِجَارَةِ غَيْرَ مَمْلُوكَةٍ لِلْبَائِعِ فَلَا تَدْخُلُ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ، فَكَيْفَ يَكُونُ عِوَضُهَا وَهُوَ الْأُجْرَةُ لِلْمُشْتَرِي؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَالِكَ يَمْلِكُ عِوَضَهَا وَهُوَ الْأُجْرَةُ لَمْ يَسْتَقِرَّ بَعْدُ وَلَوْ انْفَسَخَ الْعَقْدُ لَرَجَعَتْ الْمَنَافِعُ إلَى الْبَائِعِ.
فَإِذَا بَاعَ الْعَيْنَ وَلَمْ يَسْتَثْنِ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الْمَنَافِعُ وَلَا عِوَضُهَا
стр. 918
مُسْتَحَقًّا لَهُ لِشُمُولِ الْبَيْعِ لِلْعَيْنِ وَمَنَافِعِهَا، فَيَقُومُ الْمُشْتَرِي مَقَامَ الْبَائِعِ فِيمَا كَانَ يَسْتَحِقُّهُ مِنْهَا وَهُوَ اسْتِحْقَاقُ عِوَضِ الْمَنَافِعِ مَعَ بَقَاءِ الْأُجْرَةِ إنْ كَانَ الْمُشْتَرِي غَيْرَ الْمُسْتَأْجِرِ. فَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُسْتَأْجِرُ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ لِلْبَائِعِ الْأُجْرَةُ وَالثَّمَنُ ; لِأَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ لَمْ يَشْمَلْ الْمَنَافِعَ الْجَارِيَةَ فِي مِلْكِهِ بِعَقْدِ التَّاجِرِ ; لِأَنَّ شِرَاءَ الْإِنْسَانِ لِمِلْكِ نَفْسِهِ مُحَالٌ.
(وَلَا تَنْفَسِخُ) الْإِجَارَةُ (بِبَيْعٍ وَلَا هِبَةٍ) لِعَيْنٍ مُؤَجَّرَةٍ (وَلَوْ) كَانَ الْبَيْعُ أَوْ الْهِبَةُ (لِمُسْتَأْجِرٍ) ; لِأَنَّهُ مَلَكَ الْمَنْفَعَةَ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ ثُمَّ مَلَكَ الْعَيْنَ بِعَقْدِ الْبَيْعِ أَوْ الْهِبَةِ، فَلَمْ يَتَنَافَيَا، كَمَا لَوْ مَلَكَ الثَّمَرَةَ بِعَقْدٍ ثُمَّ مَلَكَ الْعَيْنَ بِعَقْدٍ آخَرَ.
(وَلَا) تَبْطُلُ الْإِجَارَةُ (بِوَقْفِ) عَيْنٍ مُؤَجَّرَةٍ (وَلَا بِانْتِقَالِ) الْمِلْكِ فِيهَا (بِإِرْثٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ خُلْعٍ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ صُلْحٍ وَنَحْوِهِ) كَجَعَالَةٍ، لِوُرُودِهَا عَلَى مَا يَمْلِكُهُ الْمُؤَجِّرُ مِنْ الْعَيْنِ الْمَسْلُوبَةِ النَّفْعِ زَمَنَ الْإِجَارَةِ. فَإِنْ اسْتَأْجَرَ مِنْ أَبِيهِ دَارًا أَوْ نَحْوَهَا ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ وَخَلَّفَ الْمُسْتَأْجِرَ وَأَخَاهُ فَالدَّارُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَالْمُسْتَأْجِرُ أَحَقُّ بِهَا لِبَقَاءِ الْإِجَارَةِ فِيهَا، وَمَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ الْأَجْرِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ. وَإِنْ كَانَ أَبُوهُ قَبَضَ الْأُجْرَةَ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ مِنْهَا عَلَى أَخِيهِ وَلَا تَرِكَةَ أَبِيهِ وَمَا خَلَّفَهُ أَبُوهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
[فَصْلٌ وَلَا ضَمَانَ عَلَى أَجِيرٍ خَاصٍّ]
(فَصْلٌ وَلَا ضَمَانَ عَلَى أَجِيرٍ خَاصٍّ، وَهُوَ مَنْ اسْتَأْجَرَ مُدَّةَ سَلَّمَ نَفْسَهُ) لِمُسْتَأْجِرٍ كَأَنْ عَمِلَ بِبَيْتِهِ (وَلَا) بِأَنْ عَمِلَ بِبَيْتِ نَفْسِهِ (فِيمَا يَتْلَفُ بِيَدِهِ) أَيْ: الْأَجِيرِ نَصًّا كَمَا لَوْ انْكَسَرَتْ مِنْهُ الْجَرَّةُ الَّتِي يَسْتَقِي بِهَا أَوْ الْآلَةُ الَّتِي يَحْرُثُ بِهَا أَوْ الْمَكِيلُ الَّذِي يَكِيلُ بِهِ أَوْ نَحْوَهُ، لِأَنَّ عَمَلَهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ. فَلَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهِ، كَسِرَايَةِ الْقِصَاصِ وَالْحَدِّ. وَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ " كَانَ يُضَمِّنُ الْأُجَرَاءَ، وَيَقُولُ: لَا يُصْلِحُ النَّاسَ إلَّا هَذَا " فَهُوَ مُرْسَلٌ وَالصَّحِيحُ فِيهِ: أَنَّهُ كَانَ يُضَمِّنُ الصَّبَّاغَ وَالصَّوَّاغَ، وَالْمُطْلَقُ مَحْمُولٌ عَلَى هَذَا الْمُقَيَّدِ. ; وَلِأَنَّ الْخَاصَّ نَائِبٌ عَنْ الْمِلْكِ فِي صَرْفِ مَنَافِعِهِ إلَى مَا أَمَرَ بِهِ فَلَمْ يُضَمَّنْ (إلَّا أَنْ يَتَعَمَّدَ) إتْلَافًا فَيُضَمَّنُ لِإِتْلَافِهِ مَالَ غَيْرِهِ عَلَى وَجْهِ التَّعَدِّي (أَوْ يُفَرِّطَ) أَيْ: يُقَصِّرُ فِي الْحِفْظِ فَيُضَمَّنُ كَسَائِرِ الْأُمَنَاءِ.
(وَلَا) ضَمَانَ عَلَى (حَجَّامٍ أَوْ خَتَّانٌ أَوْ بَيْطَارٍ أَوْ طَبِيبٍ خَاصًّا) كَانَ (أَوْ مُشْتَرَكًا) بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ (حَاذِقًا) أَيْ: عَارِفًا فِي صِنَاعَتِهِ ; لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَحِلَّ لَهُ مُبَاشَرَةُ الْفِعْلِ، فَيَضْمَنُ بِسِرَايَتِهِ كَمَا لَوْ تَعَدَّى بِهِ، وَأَنْ لَا يَتَجَاوَزَ بِفِعْلِهِ مَا لَا يَنْبَغِي تَجَاوُزَهُ بِأَنْ (لَمْ تَجْنِ يَدُهُ) فَإِنْ تَجَاوَزَ بِالْخِتَانِ إلَى
стр. 919
الْحَشَفَةِ أَوْ بِقَطْعِ السَّلْعَةِ أَوْ نَحْوِهَا مَحَلَّ الْقَطْعِ، أَوْ قَطَعَ فِي وَقْتٍ لَا يَصْلُحُ فِيهِ الْقَطْعُ، أَوْ بِآلَةٍ كَالَّةٍ وَنَحْوِهَا ضَمِنَ ; لِأَنَّهُ إتْلَافٌ لَا يَخْتَلِفُ ضَمَانُهُ بِالْعَمْدِ وَالْخَطَأِ كَإِتْلَافِ الْمَالِ (وَأَذِنَ فِيهِ) أَيْ: الْفِعْلِ (مُكَلَّفٌ) وَقَعَ الْفِعْلُ بِهِ (أَوْ) أَذِنَ فِيهِ (وَلِيُّ) صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ وَقَعَ بِهِ الْفِعْلُ. فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِيهِ ضَمِنَ ; لِأَنَّهُ فِعْلٌ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا رُوِيَ " أَنَّ عُمَرَ قَضَى بِهِ فِي طِفْلَةٍ مَاتَتْ مِنْ الْخِتَانِ بِدِيَتِهَا عَلَى عَاقِلَةِ خَاتِنَتِهَا ".
(وَلَا) ضَمَانَ عَلَى (رَاعٍ لَمْ يَتَعَدَّ أَوْ يُفَرِّطُ بِنَوْمٍ أَوْ غَيْبَتِهَا) أَيْ: الْمَاشِيَةِ (عَنْهُ وَنَحْوِهِ) كَإِسْرَافٍ فِي ضَرْبٍ أَوْ سُلُوكِهِ مَوْضِعًا يَتَعَرَّضَ لِتَلَفِهَا بِهِ ; لِأَنَّهُ أَمِينٌ عَلَى حِفْظِهَا، فَلَا يَضْمَنُهَا بِدُونِ مَا ذُكِرَ كَالْمُؤَجَّرَةِ فَإِنْ تَعَدَّى أَوْ فَرَّطَ ضَمِنَ كَالْوَدِيعِ. فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي تَعَدٍّ أَوْ تَفْرِيطٍ فَقَوْلُ رَاعٍ ; لِأَنَّهُ أَمِينٌ. وَإِنْ فَعَلَ فِعْلًا وَاخْتُلِفَا فِي أَنَّهُ تَعَدٍّ أَوْ لَا رُجِعَ إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ (وَإِنْ ادَّعَى) رَاعٍ (مَوْتًا) لَهَا أَوْ لِبَعْضِهَا قُبِلَ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ (وَلَوْ لَمْ يُحْضِرْ جِلْدًا) وَلَا غَيْرَهُ مِنْهَا ; لِأَنَّهُ أَمِينٌ كَالْوَدِيعِ. وَلِأَنَّهُ مِمَّا يَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ فِي الْغَالِبِ.
(أَوْ ادَّعَى مُكْتَرٍ أَنَّ) الرَّقِيقَ (الْمُكْتَرَى أَبَقَ أَوْ مَرِضَ، أَوْ) أَنَّ الْحِمْلَ الْمُكْتَرَى (شَرَدَ أَوْ مَاتَ فِي الْمُدَّةِ) لِلْإِجَارَةِ (أَوْ بَعْدَهَا قُبِلَ) قَوْلُهُ (بِيَمِينِهِ) ; لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ. وَالْأَصْلُ عَدَمُ انْتِفَاعِهِ، وَسَوَاءٌ جَاءَ بِهِ صَحِيحًا أَوْ لَا. وَكَذَا لَوْ صَدَّقَهُ مَالِكٌ عَلَى وُجُودِ نَحْوِ إبَاقٍ وَاخْتَلَفَا فِي وَقْتِهِ، وَلَا بَيِّنَةَ لِمَالِكٍ فَقَوْلُ مُسْتَأْجِرٍ. فِيهِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْعَمَلِ. وَلِأَنَّهُ حَصَلَ فِي يَدِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِوَقْتِهِ (كَدَعْوَى حَامِلٍ تَلَفَ مَحْمُولٍ) عَلَى وَجْهٍ لَا يَضْمَنُهُ، فَيُقْبَلُ بِيَمِينِهِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَهُ) أَيْ: الْحَامِلِ (أُجْرَةُ حَمْلِهِ) إلَى مَحَلِّ تَلَفِهِ. ذَكَرَهُ فِي التَّبْصِرَةِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ ; لِأَنَّ مَا عَمِلَ فِيهِ مِنْ عَمَلٍ بِإِذْنٍ، وَعَدَمُ تَمَامِ الْعَمَلِ لَيْسَ مِنْ جِهَتِهِ. ذَكَرَهُ فِي شَرْحِهِ. وَلَا يُعَارِضُهُ مَا يَأْتِي فِيمَا إذَا تَلِفَ الْمَحْمُولُ ; لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ هُنَاكَ لَكِنْ يَأْتِي: إنْ لَمْ يُسَلِّمْ إلَيْهِ عَمَلَهُ لَا أُجْرَةَ لَهُ.
(وَإِنْ عَقَدَ) إجَارَةٌ (عَلَى) رَعْيِ إبِلٍ أَوْ بَقَرٍ أَوْ غَنَمٍ (مُعَيَّنَةٍ تَعَيَّنَتْ) كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ لِخِيَاطَةِ ثَوْبٍ بِعَيْنِهِ (فَلَا تُبَدَّلُ وَيَبْطُلُ الْعَقْدُ فِيمَا تَلِفَ) مِنْهَا لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، كَمَوْتِ الرَّضِيعِ (وَ) إنْ عَقَدَ (عَلَى) رَعْيِ (مَوْصُوفٍ) فِي ذِمَّةٍ (فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ نَوْعِهِ) فَلَا يَكْفِي ذِكْرُ الْجِنْسِ كَإِبِلٍ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ نَوْعِهَا كَبَخَاتِيٍّ أَوْ عِرَابٍ لِاخْتِلَافِ أَتْعَابِ الرَّاعِي (وَ) لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ (كِبَرِهِ أَوْ صِغَرِهِ أَوْ عَدَدِهِ) لِاخْتِلَافِ الْعَمَلِ بِاخْتِلَافِهِ، وَالْعَادَةُ تَخْتَلِفُ فِيهِ وَتَتَبَايَنُ كَثِيرًا. (وَلَا يَلْزَمُهُ) أَيْ: الرَّاعِيَ (رَعْيُ سِخَالِهَا)
стр. 920
; لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ لَمْ يَشْمَلْهَا الْعَقْدُ.
(وَإِنْ عَمِلَ) أَجِيرٌ خَاصٌّ (لِغَيْرِ مُسْتَأْجِرِهِ فَأَضَرَّهُ فَلَهُ) أَيْ: الْمُسْتَأْجِرِ عَلَى الْأَجِيرِ (قِيمَةُ مَا فَوَّتَهُ) عَلَيْهِ مِنْ مَنْفَعَتِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالْأَجْرِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْ الْآخَرِ، فَإِنْ لَمْ يَضُرَّهُ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّهُ وَفَّاهُ عَمَلَهُ عَلَى التَّمَامِ، كَمَا لَوْ عَمِلَ وَهُوَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ (وَيَضْمَنُ) الْأَجِيرُ (الْمُشْتَرَكُ) وَهُوَ مَنْ قُدِّرَ نَفْعُهُ بِالْعَمَلِ، سَوَاءٌ تَعَرَّضَ فِيهِ لِلْمُدَّةِ كَكَحَّالٍ يُكَحِّلُهُ شَهْرًا كُلَّ يَوْمٍ كَذَا كَذَا مَرَّةً أَوْ لَا كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ. وَتَقَدَّمَ وَجْهُ تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ (مَا تَلِفَ بِفِعْلِهِ) أَيْ: الْمُشْتَرَكِ (مِنْ تَخْرِيقِ) قَصَّارٍ الثَّوْبَ بِدَقِّهِ أَوْ مَدِّهِ أَوْ عَصْرِهِ أَوْ بَسْطِهِ (وَغَلَطِ) خَيَّاطٍ (فِي تَفْصِيلٍ) وَكَذَا طَبَّاخٌ وَحَائِكٌ وَخَبَّازٌ وَمَلَّاحٌ فَيَضْمَنُ مَا تَلِفَ مِنْ يَدِهِ أَوْ حَذَفَهُ أَوْ مَا يُعَالِجُ بِهِ السَّفِينَةَ، سَوَاءٌ كَانَ رَبُّ الْمَتَاعِ مَعَهُ أَوْ لَا وَيَضْمَنُ جَمَّالٌ مَا تَلِفَ بِقَوْدِهِ وَسَوْقِهِ وَانْقِطَاعِ حَبْلٍ شَدَّ بِهِ حِمْلَهُ.
(وَ) يَضْمَنُ حَامِلٌ مَا تَلِفَ (بِزَلْقِهِ) أَوْ عَثْرَتِهِ وَسُقُوطِهِ عَنْهُ كَيْفَ كَانَ (وَسُقُوطٍ عَنْ دَابَّةٍ، وَ) يَضْمَنُ أَيْضًا مَا نَقَصَ (بِخَطَئِهِ) فِي فِعْلِهِ، كَصَبَّاغٍ أُمِرَ بِصَبْغِ ثَوْبٍ أَصْفَرَ فَصَبَغَهُ أَسْوَدَ، وَخَيَّاطٍ أُمِرَ بِتَفْصِيلِهِ قَبَاءً فَفَصَّلَهُ قَمِيصًا، أَوْ ثَوْبَ رَجُلٍ فَقَطَعَهُ قَمِيصَ امْرَأَةٍ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ عَلِيٍّ " أَنَّهُ كَانَ يُضَمِّنُ الصَّبَّاغَ وَالصَّيَّاغَ، وَيَقُولُ: لَا يُصْلِحُ النَّاسَ إلَّا ذَلِكَ " وَرَوَى الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عَلِيٍّ " أَنَّهُ كَانَ يُضَمِّنُ الْأُجَرَاءَ وَيَقُولُ: لَا يُصْلِحُ النَّاسَ إلَّا هَذَا " ; وَلِأَنَّ عَمَلَ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ فَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ، كَالْعُدْوَانِ بِقَطْعِ عُضْوٍ.
وَدَلِيلُ ضَمَانِ عَمَلِهِ عَلَيْهِ: أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ إلَّا بِالْفِعْلِ وَأَنَّ الثَّوْبَ لَوْ تَلِفَ فِي حِرْزِهِ بَعْدَ عَمَلِهِ لَا أَجْرَ لَهُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْخَاصِّ، وَسَوَاءٌ حَضَرَهُ رَبُّ الْمَالِ أَوْ لَا ; لِأَنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ عَلَيْهِ لِجِنَايَةِ يَدِهِ كَالْعُدْوَانِ. فَإِنْ تَبَرَّعَ قَصَّارٌ وَنَحْوَهُ بِعَمَلِهِ لَمْ يُضَمَّنْ جِنَايَةَ يَدِهِ نَصًّا لِأَنَّهُ أَمِينٌ مَحْضٌ فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي أَنَّهُ أَجِيرٌ أَوْ مُتَبَرِّعٌ فَقَوْلُ قَصَّارٍ وَنَحْوِهِ. لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَتُهُ (وَلَوْ بِدَفْعِهِ) أَيْ: الثَّوْبِ وَنَحْوِهِ (إلَى غَيْرِ رَبِّهِ) أَيْ: غَلَطًا فَيَضْمَنُهُ ; لِأَنَّهُ فَوَّتَهُ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لِلْمَدْفُوعِ إلَيْهِ لُبْسُهُ إذَا عَلِمَ وَعَلَيْهِ رَدُّهُ لِلْقَصَّارِ نَصًّا، (وَغَرِمَ قَابِضٌ) لَهُ (قَطَعَهُ أَوْ لَبِسَهُ جَهْلًا) أَنَّهُ ثَوْبُ غَيْرِهِ (أَرْشُ قَطْعِهِ وَأُجْرَةُ لُبْسِهِ) ; لِتَعَدِّيهِ عَلَى مِلْكِ غَيْرِهِ (وَرَجَعَ) قَابِضٌ (بِهِمَا) أَيْ: بِأَرْشِ قَطْعِهِ وَأُجْرَةِ لُبْسِهِ (عَلَى دَافِعٍ) نَصًّا ; لِأَنَّهُ غَرَّهُ. وَيُطَالِبُهُ بِثَوْبِهِ إنْ وَجَدَهُ، وَإِلَّا ضَمِنَهُ الْأَجِيرُ لِأَنَّهُ أَمْسَكَهُ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ بَعْدَ طَلَبِهِ كَمَا لَوْ عَلِمَ.
وَ (لَا) يُضَمَّنُ أَجِيرٌ (مَا تَلِفَ بِحِرْزِهِ أَوْ) بِسَبَبٍ
стр. 921
(غَيْرِ فِعْلِهِ) ; لِأَنَّهُ عَيْنٌ مَقْبُوضَةٌ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ لَمْ يُتْلِفْهَا بِفِعْلِهِ. أَشْبَهَ الْمُسْتَأْجَرَةَ ; وَلِأَنَّهُ قَبَضَهَا بِإِذْنِ مَالِكِهَا لِنَفْعٍ يَعُودُ عَلَيْهِمَا. أَشْبَهَ الْمُضَارِبَ (إنْ لَمْ يَتَعَدَّ) الْأَجِيرُ أَوْ يُفَرِّطْ نَصًّا فَإِنْ تَعَدَّى أَوْ فَرَّطَ ضَمِنَ كَسَائِرِ الْأُمَنَاءِ (وَلَا أُجْرَةَ لَهُ) لِعَمَلِهِ فِيهِ سَوَاءٌ عَمِلَ فِيهِ فِي بَيْتِ رَبِّهِ أَوْ غَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ عَمَلَهُ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ، إذْ لَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ إلَّا بِتَسْلِيمِ الْمَعْمُولِ. فَلَمْ يَسْتَحِقَّ عِوَضَهُ كَمَكِيلٍ بِيعَ وَتَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ.
(وَلَهُ) أَيْ: الْأَجِيرِ (حَبْسُ مَعْمُولٍ) كَثَوْبٍ صَبَغَهُ أَوْ قَصَّرَهُ أَوْ خَاطَهُ (عَلَى أُجْرَتِهِ إنْ أَفْلَسَ رَبُّهُ) أَيْ: حُكِمَ بِفَلَسِهِ وَرَجَعَ بِهِ ; لِأَنَّ زِيَادَتَهُ لِلْمُفْلِسِ فَأُجْرَتُهُ عَلَيْهِ وَعِوَضُ الْأُجْرَةِ وَعَمَلُهُ مَوْجُودٌ فِي عَيْنِ الثَّوْبِ، فَمَلَكَ حَبْسَهُ مَعَ ظُهُورِ عُسْرَةِ الْمُسْتَأْجِرِ كَمَنْ أَجَّرَ مِلْكَهُ لِآخَرَ بِأُجْرَةٍ حَالَةٍ ثُمَّ ظَهَرَتْ عُسْرَتُهُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ لَهُ فَإِنْ لِلْمُؤَجِّرِ فَسْخَ الْإِجَارَةِ، فَإِنْ كَانَ أُجْرَتُهُ أَكْثَرَ مِمَّا زَادَتْ بِهِ قِيمَتُهُ أَخَذَ الزِّيَادَةَ وَحَاصَصَ الْغُرَمَاءُ بِبَاقِي الْأُجْرَةِ (وَإِلَّا) يُفَلِّسُ رَبُّهُ بِأُجْرَتِهِ فَلَيْسَ لِأَجِيرٍ حَبْسُهُ عَلَى أُجْرَتِهِ بَعْدَ عَمَلِهِ.
فَإِنْ فَعَلَ فَكَغَاصِبٍ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَرْهَنْهُ عِنْدَهُ وَلَا أَذِنَهُ فِي إمْسَاكِهِ، وَلَا يَتَضَرَّرُ بِدَفْعِهِ قَبْلَ أَخْذِ أُجْرَتِهِ، وَمَتَى فَعَلَ (فَتَلِفَ أَوْ أَتْلَفَهُ) أَجِيرٌ (بَعْدَ عَمَلِهِ أَوْ) بَعْدَ (حَمْلِهِ) إذَا اُسْتُؤْجِرَ لَهُ (خُيِّرَ مَالِكٌ بَيْنَ تَضْمِينِهِ) أَيْ: الْأَجِيرِ (إيَّاهُ) أَيْ: الْمَعْمُولِ أَوْ الْمَحْمُولَ (غَيْرَ مَعْمُولٍ) أَيْ: مَنْسُوجٍ أَوْ نَحْوَهُ (أَوْ) غَيْرَ (مَحْمُولٍ) بِأَنْ يُطَالِبَهُ بِقِيمَتِهِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي سَلَّمَهُ إلَيْهِ فِيهِ لِيَحْمِلَهُ مِنْهُ (وَلَا أُجْرَةَ لَهُ) أَيْ: الْأَجِيرِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ عَمَلَهُ (أَوْ) تَضْمِينِهِ الْمَعْمُولَ أَوْ الْمَحْمُولَ التَّالِفَ تَعَدِّيًا بِقِيمَتِهِ (مَعْمُولًا) أَيْ: مَصْبُوغًا وَنَحْوَهُ (وَمَحْمُولًا) إلَى مَكَان تَلِفَ فِيهِ (وَلَهُ الْأُجْرَةُ) أَيْ: أُجْرَةُ عَمَلِهِ وَحَمْلِهِ ; لِأَنَّ تَضْمِينَهُ إيَّاهُ كَذَلِكَ فِي مَعْنَى تَسْلِيمِ الْعَمَلِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَإِنَّمَا خُيِّرَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ ; لِأَنَّ مِلْكَهُ مُسْتَصْحَبٌ عَلَيْهِ إلَى حِينِ التَّلَفِ فَمَلَكَ الْمُطَالَبَةَ بِقِيمَتِهِ قَبْلَ عَمَلِهِ وَحِينَ تَلَفِهِ.
(وَإِذَا جَذَبَ الدَّابَّةَ مُسْتَأْجِرٌ، أَوْ) ضَرَبَهَا (مُعَلِّمُهَا السَّيْرَ لِتَقِفَ أَوْ ضَرَبَاهَا) أَيْ: مُسْتَأْجِرُهَا وَمُعَلِّمُهَا السَّيْرَ (كَعَادَةِ) ضَرْبِهَا فِي ذَلِكَ (لَمْ يَضْمَنْ) ضَارِبٌ مِنْهُمَا (مَا تَلِفَ بِهِ) بِهِ أَيْ: الضَّرْبِ الْمُعْتَادِ لِلْإِذْنِ فِيهِ عَادَةً، وَلِنَخْسِهِ ﷺ " بَعِيرَ جَابِرٍ وَضَرْبِهِ " وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ يَنْخُسُ بَعِيرَهُ بِمِحْجَنِهِ فَإِنْ زَادَ عَلَى الْعَادَةِ ضَمِنَ ; لِأَنَّهُ جِنَايَةٌ.
(وَإِنْ اسْتَأْجَرَ مُشْتَرِكٌ) أَجِيرًا (خَاصًّا) كَخَيَّاطٍ أَوْ صَبَّاغٍ يَسْتَأْجِرُ أَجِيرًا مُدَّةً مَعْلُومَةً يَسْتَعْمِلُهُ فِيهَا (فَلِكُلٍّ) مِنْهُمَا (حُكْمُ نَفْسِهِ) فَمَا تَقَبَّلَهُ صَاحِبُ الدُّكَّانِ وَدَفَعَهُ إلَى أَجِيرِهِ
стр. 922
فَتَلِفَ فِي يَدِهِ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَفْرِيطٍ لَمْ يَضْمَنْهُ، لِأَنَّهُ أَجِيرٌ خَاصٌّ وَضَمِنَهُ صَاحِبُ الدُّكَّانِ لِأَنَّهُ مُشْتَرَكٌ (وَإِنْ اسْتَعَانَ) مَنْ يَتَقَبَّلُ الْأَعْمَالَ أَحْسَنَهَا أَوْ لَا (وَلَمْ يَعْمَلْ فَلَهُ الْأُجْرَةُ) الْمُسَمَّاةُ فِي الْعَقْدِ (لِضَمَانِهِ) الْتِزَامِهِ الْعَمَلَ (لَا لِتَسْلِيمِ الْعَمَلِ) وَتَقَدَّمَ فِي الشَّرِكَةِ: أَنَّ التَّقَبُّلَ يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَى الْمُتَقَبِّلِ وَيَسْتَحِقُّ بِهِ الرِّبْحَ، وَسَوَاءٌ عَمِلَ فِيهِ شَيْئًا أَوْ لَا.
(وَ) إنْ قَالَ الْأَجِيرُ: (أَذِنْتَ) لِي (فِي تَفْصِيلِهِ) أَيْ: الثَّوْبِ (قَبَاءً) وَ (قَالَ) الْمُسْتَأْجِرُ: (بَلْ) أَذِنْتُ لَك فِي تَفْصِيلِهِ (قَمِيصًا فَ) الْقَوْلُ (قَوْلُ الْخَيَّاطِ) وَكَذَا إنْ قَالَ: أَذِنْتُ فِي قَطْعِهِ قَمِيصَ امْرَأَةٍ، قَالَ: بَلْ قَمِيصُ رَجُلٍ، أَوْ فِي صَبْغِهِ أَسْوَدَ فَقَالَ: بَلْ أَحْمَرُ وَنَحْوُهُ ; لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى الْإِذْنِ وَاخْتِلَافِهِمَا فِي صِفَتِهِ. فَقُبِلَ قَوْلُ الْمَأْذُونِ كَالْمُضَارَبَةِ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَتُهُ، فَيَحْلِفُ وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْغُرْمُ (وَلَهُ) أَيْ: الْأَجِيرِ (أُجْرَةُ مِثْلِهِ) لِأَنَّهُ عَمِلَ بِعِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ. وَلَا يَسْتَحِقُّ الْمُسَمَّى لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِدَعْوَاهُ. وَكَذَا لَوْ صَاغَ لَهُ صَائِغٌ ذَهَبًا سِوَارَيْنِ فَقَالَ رَبُّهُ: إنَّمَا أَذِنْتُكَ بِصِيَاغَتِهِ خَلْخَالَيْنِ فَقَوْلُ الصَّائِغِ بِيَمِينِهِ، وَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ كَالَّتِي قَبْلَهَا.
(وَ) مَنْ دَفَعَ ثَوْبًا إلَى خَيَّاطٍ وَقَالَ: (إنْ كَانَ يَكْفِينِي فَفَصِّلْهُ، فَقَالَ: يَكْفِيَكَ فَفَصَّلَهُ فَلَمْ يَكْفِهِ ضَمِنَهُ، كَمَا لَوْ قَالَ اقْطَعْهُ قَبَاءً فَقَطَعَهُ قَمِيصًا) ; لِأَنَّهُ إنَّمَا أَذِنَهُ فِي قَطْعِهِ بِشَرْطِ كِفَايَتِهِ فَقَطَعَهُ بِدُونِ شَرْطِهِ وَ (لَا) يَضْمَنُ (إنْ قَالَ) الْخَيَّاطُ لِرَبِّهِ: (يَكْفِيكَ فَقَالَ: اقْطَعْهُ) فَقَطَعَهُ ; لِأَنَّهُ أَذِنَهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا.
[فَصْلٌ وَتَجِبُ أَيْ تَمَلُّكُ أُجْرَةٍ فِي إجَارَةِ عَيْنٍ]
(فَصْلٌ وَتَجِبُ) أَيْ: تَمَلُّكُ (أُجْرَةٍ فِي إجَارَةِ عَيْنٍ) وَلَوْ مُدَّةً لَا تَلِي الْعَقْدَ (أَوْ) إجَارَةٍ عَلَى مَنْفَعَةٍ فِي (ذِمَّةٍ) كَحَمْلٍ مُعَيَّنٍ إلَى مَكَان مُعَيَّنٍ (بِعَقْدٍ) شُرِطَ فِيهِ الْحُلُولُ أَوْ أُطْلِقَ، كَمَا يَجِبُ الثَّمَنُ بِعَقْدِ الْبَيْعِ وَالصَّدَاقِ بِالنِّكَاحِ. وقَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] وَحَدِيثُ " «أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ لَا يُعَارِضُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْإِيتَاءِ فِي وَقْتٍ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَهُ قَبْلَهُ. كَقَوْلِهِ ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤] وَالصَّدَاقُ يَجِبُ قَبْلَ الِاسْتِمْتَاعِ (وَتُسْتَحَقُّ) الْأُجْرَةُ (كَامِلَةً) أَنْ يَمْلِكَ الْمُؤَجِّرُ الْمُطَالَبَةَ بِهَا (بِتَسْلِيمِ عَيْنٍ) مُعَيَّنَةً كَانَتْ أَوْ مَوْصُوفَةً لِجَرَيَانِ تَسْلِيمِهَا مَجْرَى تَسْلِيمِ نَفْعِهَا (أَوْ بَذْلِهَا) أَيْ: الْعَيْنِ، بِأَنْ يَأْتِيَ بِهَا مُؤَجِّرٌ إلَى مُسْتَأْجِرٍ لِيَسْتَوْفِيَ نَفْعَهَا فَيَمْتَنِعَ مِنْ تَسَلُّمِهَا ; لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا
стр. 923
عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ بَذَلَ الْبَائِعُ الْعَيْنَ الْمَبِيعَةَ.
(وَتَسْتَقِرُّ) أَيْ: تَثْبُتُ الْأُجْرَةُ كَامِلَةً بِذِمَّةِ مُسْتَأْجِرٍ كَسَائِرِ الدُّيُونِ (بِفَرَاغِ عَمَلٍ مَا) اُسْتُؤْجِرَ لِعَمَلِهِ وَهُوَ (بِيَدِ مُسْتَأْجِرٍ) كَطَبَّاخٍ اُسْتُؤْجِرَ لِطَبْخٍ بِبَيْتِ مُسْتَأْجِرٍ فَوَفَّى بِهِ، لِأَنَّهُ أَتَمَّ مَا عَلَيْهِ وَهُوَ بِيَدِ رَبِّهِ فَاسْتَقَرَّ. وَفِي شَرْحِهِ وَالْإِقْنَاعِ فِي الْفَصْلِ قَبْلَهُ: وَلَا أُجْرَةَ لَهُ فِيمَا عَمِلَهُ أَيْ: وَتَلِفَ قَبْلَ تَسَلُّمِهِ سَوَاءٌ عَمِلَهُ فِي بَيْتِ الْمُسْتَأْجِرِ أَوْ فِي بَيْتِهِ (وَيَدْفَعُ غَيْرَهُ) أَيْ: غَيْرَ مَا بِيَدِ مُسْتَأْجِرٍ كَخَيَّاطٍ اُسْتُؤْجِرَ لِيَخِيطَ ثَوْبًا بِدُكَّانِهِ فَخَاطَهُ وَسَلَّمَهُ لِرَبِّهِ (مَعْمُولًا) ; لِأَنَّهُ سَلَّمَ مَا عَلَيْهِ فَاسْتَحَقَّ عِوَضَهُ.
(وَ) تَسْتَقِرُّ أَيْضًا (بِانْتِهَاءِ الْمُدَّةِ) أَيْ: مُدَّةِ الْإِجَارَةِ إذَا كَانَتْ عَلَى مُدَّةٍ وَسُلِّمَتْ إلَيْهِ الْعَيْنُ بِلَا مَانِعٍ وَلَوْ لَمْ يَنْتَفِعْ لِتَلَفِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ تَحْتَ يَدِهِ وَهُوَ حَقُّهُ، فَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ عِوَضُهُ كَثَمَنِ الْمَبِيعِ إذَا أُتْلِفَ بِيَدِ مُشْتَرٍ (وَ) تَسْتَقِرُّ أَيْضًا (بِبَذْلِ تَسْلِيمِ عَيْنٍ لِعَمَلٍ فِي الذِّمَّةِ إذَا مَضَتْ مُدَّةٌ يُمْكِنُ الِاسْتِيفَاءُ) أَيْ: اسْتِيفَاءُ الْعَمَلِ (فِيهَا) أَيْ: الْمُدَّةِ لِتَلَفِ الْمَنَافِعِ تَحْتَ يَدِهِ بِاخْتِيَارِهِ فَاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ كَتَلَفِ الْمَبِيعِ تَحْتَ يَدِ الْمُشْتَرِي. فَلَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا إلَى مَكَّةَ مَثَلًا ذَهَابًا وَإِيَابًا بِكَذَا وَسَلَّمَهَا لَهُ وَمَضَى مَا يُمْكِنُ ذَهَابُهُ إلَيْهَا وَرُجُوعُهُ فِيهِ عَلَى الْعَادَةِ وَلَمْ يَفْعَلُ اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ الْأُجْرَةُ.
(وَيَصِحُّ شَرْطُ تَعْجِيلِهَا) أَيْ: الْأُجْرَةِ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ سَنَةَ تِسْعٍ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَشَرَطَ عَلَيْهِ تَعْجِيلَ الْأُجْرَةِ يَوْمَ الْعَقْدِ (وَ) يَصِحُّ شَرْطُ (تَأْخِيرِهَا) أَيْ: الْأُجْرَةِ بِأَنْ تَكُونَ مُؤَجَّلَةً بِأَجَلٍ مَعْلُومٍ كَالثَّمَنِ.
(وَلَا تَجِبُ) أُجْرَةٌ (بِبَذْلِ) تَسْلِيمِ عَيْنٍ (فِي) إجَارَةٌ (فَاسِدَةٍ) ; لِأَنَّ مَنَافِعَهَا لَمْ تَتْلَفْ تَحْتَ يَدِهِ وَلَا فِي مِلْكِهِ (فَإِنْ تَسَلَّمَ) الْمُؤَجَّرَةَ فِي إجَارَةٍ فَاسِدَةٍ حَتَّى مَضَتْ الْمُدَّةُ أَوْ مَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ عَمَلٍ مَعْقُودٍ عَلَيْهِ أَوْ لَا (فَ) عَلَيْهِ (أُجْرَةُ الْمِثْلِ) مُدَّة بَقَائِهَا بِيَدِهِ (وَإِنْ لَمْ يَنْتَفِعْ) بِهَا لِتَلَفِ مَنَافِعِهَا تَحْتَ يَدِهِ بِعِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لِمُؤْجِرٍ فَرَجَعَ إلَى قِيمَتِهَا كَمَا لَوْ اسْتَوْفَاهَا.
(وَإِذَا انْقَضَتْ) أَيْ: انْتَهَتْ (مُدَّةُ إجَارَةِ أَرْضٍ وَبِهَا غِرَاسٌ أَوْ بِنَاءٌ لَمْ يُشْتَرَطْ) فِي الْإِجَارَةِ (قَلْعُهُ) عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ (أَوْ شُرِطَ) عَلَى رَبِّ أَرْضٍ (بَقَاؤُهُ) أَيْ: الْغِرَاسِ أَوْ الْبِنَاءِ فِي الْأَرْضِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ (خُيِّرَ مَالِكُهَا) أَيْ: الْأَرْضِ (بَيْنَ أَخْذِهِ) أَيْ: تَمَلُّكِ غِرَاسٍ أَوْ بِنَاءٍ (بِقِيمَتِهِ) بِأَنْ تُقَوَّمَ الْأَرْضُ مَغْرُوسَةً أَوْ مَبْنِيَّةً ثُمَّ خَالِيَةً مِنْهُمَا فَمَا بَيْنَهُمَا قِيمَتُهُ (أَوْ تَرْكِهِ) أَيْ: الْغِرَاسِ أَوْ الْبِنَاءِ (بِأُجْرَتِهِ) أَيْ: أُجْرَةِ مِثْلِهِ (أَوْ قَلْعِهِ) جَبْرًا (وَضَمَانِ نَقْصِهِ) أَيْ: الْغِرَاسِ أَوْ الْبِنَاءِ ; لِأَنَّ فِيهِ جَمْعًا بَيْنَ الْحَقَّيْنِ وَإِزَالَةِ ضَرَرِ الْمَالِكَيْنِ فَلَا أَثَرَ لِاشْتِرَاطِ الْمُسْتَأْجِرِ تَبْقِيَةَ غَرْسِهِ أَوْ بِنَائِهِ (مَا لَمْ يَقْلَعْهُ) أَيْ:
стр. 924
الْغِرَاسَ أَوْ الْبِنَاءَ (مَالِكُهُ) عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ. فَإِنْ أَرَادَهُ فَلَيْسَ لِرَبِّ الْأَرْضِ مَنْعُهُ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ مِلْكُهُ.
(وَمَا لَمْ يَكُنْ الْبِنَاءُ) الَّذِي بَنَاهُ مُسْتَأْجَرٌ بِمُؤَجَّرَةٍ (مَسْجِدًا أَوْ نَحْوَهُ) كَمَدْرَسَةٍ وَسِقَايَةٍ وَقَنْطَرَةٍ (فَلَا يُهْدَمُ وَتَلْزَمُ الْأُجْرَةُ إلَى زَوَالِهِ) وَكَذَا لَوْ بُنِيَ بِهَا بِنَاءٌ وَقَفَهُ عَلَى مَسْجِدٍ، كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. فَإِذَا انْهَدَمَ زَالَ حُكْمُ الْوَقْفِ وَأَخَذُوا أَرْضَهُمْ فَانْتَفَعُوا بِهَا (وَلَا يُعَادُ) مَسْجِدٌ أَوْ غَيْرُهُ انْهَدَمَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ (بِغَيْرِ رِضَا رَبِّ الْأَرْضِ) ; لِزَوَالِ حُكْمِ الْإِذْنِ بِزَوَالِ الْعَقْدِ. (تَنْبِيهٌ) ظَاهِرُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ التَّخْيِيرَ بَاقٍ وَلَوْ وَقَفَ مُسْتَأْجِرٌ مَا بَنَاهُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ فَإِنْ لَمْ يُتْرَكْ بِالْأُجْرَةِ فَيَتَوَجَّهُ أَنْ لَا يَبْطُلَ الْوَقْفُ مُطْلَقًا انْتَهَى. فَإِنْ تَمَلَّكَهُ رَبُّ الْأَرْضِ اشْتَرَى بِقِيمَتِهِ، مِثْلَهُ وَكَذَا إنْ هَدَمَهُ وَضَمِنَ نَقْصَهُ صَرَفَ نَقْضَهُ وَمَا أَخَذَ فِي مِثْلِهِ.
(وَفِي الْفَائِقِ. قُلْتُ لَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ) الْمُؤَجَّرَةُ لِغَرْسٍ أَوْ بِنَاءٍ (وَقْفًا) وَانْقَضَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ (لَمْ يُتَمَلَّكْ) غِرَاسٌ وَلَا بِنَاءٌ لِجِهَةِ وَقْفِ الْأَرْضِ (إلَّا بِشَرْطِ وَاقِفٍ) بِأَنْ كَانَ شَرَطَهُ فِي وَقْفِهِ (أَوْ) إلَّا (بِرِضَا مُسْتَحِقٍّ) لِرَيْعِ وَقْفٍ إنْ لَمْ يَكُنْ شُرِطَ ; لِأَنَّ فِي دَفْعِ قِيمَتِهِ مِنْ رَيْعِ الْوَقْفِ تَفْوِيتًا عَلَى الْمُسْتَحِقِّ. وَقَالَ (الْمُنَقِّحُ) : قُلْتُ: (بَلْ إذَا حَصَلَ بِهِ) أَيْ: التَّمَلُّكِ (نَفْعٌ) لِجِهَةِ الْوَقْفِ، بِأَنْ كَانَ أَحَظَّ مِنْ بَقَائِهِ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ (كَانَ لَهُ ذَلِكَ) أَيْ: تَمَلُّكُهُ لِجِهَةِ الْوَقْفِ ; لِأَنَّ فِيهِ مَصْلَحَةً تَعُودُ إلَى مُسْتَحِقِّ الرَّيْعِ، كَشِرَاءِ وَلِيٍّ بِنَاءً لِيَتِيمٍ إذَا رَآهُ مَصْلَحَةً.
وَفِي الْإِقْنَاعِ وَمَالَ إلَيْهِ ابْنُ رَجَبٍ: لَا يَتَمَلَّكُ غَيْرُ تَامِّ الْمِلْكِ كَالْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ وَالْمُسْتَأْجَرِ، وَفِيهِ أَيْضًا: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: لَا يُقْلَعُ الْغِرَاسُ إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ وَقْفًا.
(وَ) مُؤْنَةُ (الْقَلْعِ عَلَى مُسْتَأْجِرٍ) كَنَقْلِ مَتَاعِهِ عِنْدَ انْتِهَاءِ الْمُدَّةِ ; لِأَنَّ عَلَيْهِ تَفْرِيغَ الْمُؤَجَّرَةِ مِمَّا أَشْغَلَهَا بِهِ مِنْ مِلْكِهِ (وَكَذَا تَسْوِيَةُ حُفَرٍ) حَصَلَتْ بِقَلْعٍ فَتَلْزَمُ مُسْتَأْجِرًا (إنْ اخْتَارَهُ) أَيْ: الْقَلْعَ، مُسْتَأْجِرٌ دُونَ رَبِّ الْأَرْضِ. ; لِأَنَّهُ أَدْخَلَ نَقْصًا عَلَى مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ. فَلَزِمَهُ إزَالَتُهُ. فَإِنْ اخْتَارَهُ مُؤَجِّرٌ فَلَا شَيْءَ عَلَى مُسْتَأْجِرٍ ; لِأَنَّهُ الَّذِي أَدْخَلَ الضَّرَرَ عَلَى نَفْسِهِ.
(وَإِنْ شُرِطَ) عَلَى مُسْتَأْجِرِ أَرْضٍ بِغِرَاسٍ أَوْ بِنَاءٍ (قَلْعُهُ) عِنْدَ انْتِهَاءِ مُدَّةِ إجَارَةٍ (لَزِمَهُ قَلْعُهُ) وَفَاءً بِمُوجَبِ شَرْطِهِ (وَلَيْسَ عَلَيْهِ) أَيْ: الْمُسْتَأْجِرِ مَعَ هَذَا الشَّرْطِ (تَسْوِيَةُ حُفَرٍ) تَحْصُلُ بِقَلْعٍ (وَلَا إصْلَاحُ أَرْضٍ) ; لِدَلَالَةِ الشَّرْطِ عَلَى رِضَا رَبِّ الْأَرْضِ بِذَلِكَ (إلَّا بِشَرْطٍ) بِأَنْ شَرَطَهُ رَبُّ الْأَرْضِ عَلَيْهِ فَيَلْزَمُهُ وَفَاءٌ بِالشَّرْطِ.
(وَلَا) يَجِبُ (عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ) إذَا
стр. 925
شَرَطَ الْقَلْعَ عِنْدَ انْتِهَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ (غَرَامَةُ نَقْصٍ) بِقَلْعٍ لِدُخُولِهِمَا عَلَى ذَلِكَ لِرِضَاهُمَا بِالْقَلْعِ. وَإِنْ بَاعَ مُسْتَأْجِرٌ غَرْسَهُ أَوْ بِنَاءَهُ لِمَالِكِ أَرْضٍ أَوْ غَيْرِهِ قَبْلَ قَلْعِهِ جَازَ. وَالْإِجَارَةُ الْفَاسِدَةُ كَالصَّحِيحَةِ فِي ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ شَرِيكًا لِمُؤَجِّرٍ فِي الْأَرْضِ وَغَرَسَ أَوْ بَنَى، ثُمَّ انْقَضَتْ مُدَّتُهُ فَلِلْمُؤَجِّرِ أَخْذُ حِصَّةِ نَصِيبِهِ مِنْ الْأَرْضِ فِي الْغِرَاسِ أَوْ الْبِنَاءِ بِقِيمَتِهِ. وَلَيْسَ لَهُ إلْزَامُهُ بِقَلْعٍ لِاسْتِلْزَامِهِ قَلْعَ مَا لَا يَجُوزُ قَلْعُهُ. قَالَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ (وَإِنْ بَقِيَ) بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ إجَارَةِ (زَرْعٍ) فِي مُؤَجَّرَةٍ (بِلَا تَفْرِيطِ مُسْتَأْجِرٍ) كَأَنْ أَبْطَأَ الزَّرْعُ لِنَحْوِ بَرْدٍ (لَزِمَ) مُؤَجِّرًا (تَرْكُهُ) إلَى كَمَالِهِ (بِأُجْرَتِهِ) أَيْ: أُجْرَةِ مِثْلِهِ لِمَا زَادَ عَلَى مُدَّةِ إجَارَةٍ كَالْمُسْتَعِيرِ إذَا زَرَعَ وَرَجَعَ الْمُعِيرُ قُلْت: وَمِثْلُهُ لَوْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا سَنَةً مَثَلًا فَأَكْثَرَ لِزَرْعِ نَحْوِ قُطْنٍ أَوْ قَصَبٍ وَبَقِيَتْ عُرُوقُهُ بَعْدَهَا بِالْأَرْضِ فَلَا تُقْلَعُ ; لِأَنَّهَا وُضِعَتْ بِحَقٍّ. وَعَلَى مُسْتَأْجِرٍ أُجْرَةُ الْمِثْلِ مَا بَقِيَتْ مَا لَمْ يَتْرُكْهَا لِرَبِّ الْأَرْضِ.
(وَ) إنْ كَانَ بَقَاؤُهُ (بِتَفْرِيطِهِ) أَيْ: الْمُسْتَأْجِرِ كَزَرْعِهِ مَا لَا تَجْرِي الْعَادَةُ بِكَمَالِهِ فِي مُدَّتِهَا (فَلِمَالِكِ) الْأَرْضِ (ذَلِكَ) أَيْ: تَرْكُهُ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ إلَى كَمَالِهِ (وَ) لَهُ (أَخْذُهُ) أَيْ: الزَّرْعِ (بِقِيمَتِهِ) لِتَعَدِّيهِ فِيهِ. أَشْبَهَ زَرْعَ الْغَاصِبِ (مَا لَمْ يَخْتَرْ مُسْتَأْجِرٌ قَلْعَهُ) أَيْ: الزَّرْعِ (وَ) يَخْتَرْ (تَفْرِيغَهَا فِي الْحَالِ) فَلَا يَمْلِكُ رَبُّ الْأَرْضِ أَخْذَهُ بِقِيمَتِهِ لِزَوَالِ الضَّرَرِ وَعَوْدِ أَرْضِهِ إلَيْهِ عَلَى مُقْتَضَى الْعَقْدِ. وَلِمَالِكٍ مَنْعُ مُسْتَأْجِرٍ أَرَادَ زَرْعَ مَا لَا يُدْرَكُ عَادَةً فِي مُدَّةِ إجَارَةٍ. فَإِنْ زَرَعَ لَمْ يَمْلِكْ طَلَبَهُ بِقَلْعِهِ قَبْلَ الْمُدَّةِ لِمِلْكِهِ نَفْعَهَا.
(وَاكْتِرَاءُ) أَرْضٍ (مُدَّةً لِزَرْعٍ لَا يَكْمُلُ فِيهَا) الزَّرْعُ كَخَمْسَةِ أَشْهُرٍ لِمَا لَا يُدْرَكُ إلَّا فِي سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ (إنْ شَرَطَ) فِي الْعَقْدِ (قَلْعَهُ) أَيْ: الزَّرْعِ (بَعْدَهَا) أَيْ: مُدَّةِ الْإِجَارَةِ (صَحَّ) الْعَقْدُ ; لِأَنَّهُ لَا يُفْضِي إلَى الزِّيَادَةِ عَلَى مُدَّتِهِ. وَقَدْ يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ لِأَخْذِهِ قَصِيلًا وَنَحْوِهِ. وَيَلْزَمُهُ مَا الْتَزَمَ وَإِلَّا يَشْتَرِطُ ذَلِكَ، بَلْ أَطْلَقَ أَوْ شَرَطَ الْإِبْقَاءَ حَتَّى يَكْمُلَ فَلَا ; لِأَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِزَرْعِهِ فِيهَا. أَشْبَهَ إجَارَةَ الْأَرْضِ السَّبِخَةِ لِلزَّرْعِ. وَلَا يُطَالَبُ بِالْقَلْعِ إنْ زَرَعَ.
(وَمَتَى انْقَضَتْ) مُدَّةُ الْإِجَارَةِ (رَفَعَ) مُسْتَأْجِرٌ (يَدَهُ) عَنْ مُؤَجَّرَةٍ (وَلَمْ يَلْزَمْهُ رَدٌّ وَلَا مُؤْنَةٌ كَمُودَعٍ) ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَا يَقْتَضِي الضَّمَانَ. فَلَا يَقْتَضِي رَدَّهُ وَمُؤْنَتَهُ، بِخِلَافِ الْعَارِيَّةِ. فَإِنْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ بِيَدِهِ بِلَا تَفْرِيطٍ لَمْ يَضْمَنْهَا وَلَوْ تَمَكَّنَ مِنْ الرَّدِّ كَمَا لَوْ تَلِفَتْ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ. لَكِنْ إنْ شُرِطَ أَنْ لَا يَسِيرَ بِهَا لَيْلًا أَوْ وَقْتَ قَائِلَةٍ أَوْ مُتَأَخِّرًا عَنْ الْقَافِلَةِ أَوْ فِي آخِرِهَا وَنَحْوِهِ مِمَّا فِيهِ غَرَضٌ فَخَالَفَ ضَمِنَ وَمَتَى طَلَبَهَا رَبُّهَا خَلَّى بَيْنَهُ
стр. 926
وَبَيْنَهَا. فَإِنْ مَنَعَهُ مِنْهَا ضَمِنَهَا كَالْمَغْصُوبَةِ. وَنَمَاؤُهَا كَهِيَ. وَلَيْسَ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ. ; لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْعَقْدِ وَإِنْ شَرَطَ عَلَى مُسْتَأْجِرٍ ضَمَانَ مُؤَجَّرَةٍ فَسَدَ الشَّرْطُ لِمُنَافَاتِهِ مُقْتَضَى الْعَقْدِ.
وَفِي التَّبْصِرَةِ: يَلْزَمُهُ رَدٌّ بِشَرْطٍ (وَلِ) مُؤَجِّرٍ (مُشْتَرِطٍ) عَلَى مُسْتَأْجِرٍ (عَدَمَ سَفَرٍ ب) عَيْنٍ (مُؤَجَّرَةٍ الْفَسْخُ بِهِ) أَيْ: سَفَرِهِ بِهَا لِمُخَالِفَتِهِ الشَّرْطَ. وَعُلِمَ مِنْهُ: أَنَّ لَهُ السَّفَرَ مَعَ الْإِطْلَاقِ، وَلَيْسَ لِسَيِّدٍ آجَرَ رَقِيقَهُ السَّفَرُ بِهِ.
(وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ بِعَقْدِ) بَيْعٍ أَوْ إجَارَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا (فَأَعْطَى) بَائِعًا أَوْ مُؤَجِّرًا وَنَحْوَهُ (عَنْهَا دَنَانِيرَ) أَوْ غَيْرَهَا، بِأَنْ عَوَّضَهُ عَنْهَا عِوَضًا (ثُمَّ انْفَسَخَ) عَقْدُ الْبَيْعِ أَوْ الْإِجَارَةِ وَنَحْوِهِ رَجَعَ مُشْتَرٍ أَوْ مُسْتَأْجِرٌ وَنَحْوِهِ بِالدَّرَاهِمِ ; لِأَنَّهَا عِوَضُ الْعَقْدِ، وَالْبَائِعُ أَوْ الْمُؤَجِّرُ وَنَحْوُهُ إنَّمَا أَخَذَ الدَّنَانِيرَ أَوْ نَحْوَهَا بِعَقْدٍ آخَرَ وَلَمْ يَنْفَسِخْ. أَشْبَهَ مَا لَوْ قَبَضَ الدَّرَاهِمَ ثُمَّ صَرَفَهَا بِدَنَانِيرَ أَوْ اشْتَرَى بِهَا عَرَضًا مِنْهُ.
[بَابُ الْمُسَابَقَةِ]
ِ مِنْ السَّبَقِ وَهُوَ بُلُوغُ الْغَايَةِ قَبْلَ غَيْرِهِ. وَالسَّبَقُ بِفَتْحِ الْبَاءِ، وَالسِّبْقَةُ: الْجُعْلُ يُتَسَابَقُ عَلَيْهِ. وَهِيَ (الْمُجَارَاةُ بَيْنَ حَيَوَانٍ وَنَحْوِهِ) كَرِمَاحٍ وَمَنَاجِقَ وَكَذَا السِّبَاقُ (وَالْمُنَاضَلَةُ) مِنْ النَّضْلِ (الْمُسَابَقَةُ بِالرَّمْيِ) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ السَّهْمَ التَّامُّ يُسَمَّى نَضْلًا فَالرَّمْيُ بِهِ عَمَلٌ بِالنَّضْلِ.
(وَتَجُوزُ) الْمُسَابَقَةُ (فِي سُفُنٍ وَمَزَارِيقُ وَطُيُورٍ وَغَيْرِهَا) كَمَقَالِيعَ وَأَحْجَارٍ (وَعَلَى الْأَقْدَامِ وَكُلِّ الْحَيَوَانَاتِ) كَإِبِلٍ وَخَيْلٍ وَبِغَالٍ وَحَمِيرٍ وَفِيَلَةٍ وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِهَا فِي الْجُمْلَةِ. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] وَحَدِيثِ مُسْلِمٍ " «إنَّ سَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ سَابَقَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ ﷺ » ".
وَفِي الْوَسِيلَةِ يُكْرَهُ الرَّقْصُ وَاللَّعِبُ كُلُّهُ وَمَجَالِسُ الشِّعْرِ. وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ يُكْرَهُ لُعْبَةٌ بِأُرْجُوحَةٍ وَنَحْوِهَا.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ: لَا يَجُوزُ اللَّعِبُ الْمَعْرُوفُ بِالطَّابِ وَالنَّقِيلَةِ: وَقَالَ: يَجُوزُ مَا قَدْ يَكُونُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ بِلَا مَضَرَّةٍ. وَيُسْتَحَبُّ بِآلَةِ حَرْبٍ. قَالَ جَمَاعَةٌ: وَالثَّقَّافُ وَلَيْسَ مِنْ اللَّهْوِ تَأْدِيبُ فَرَسِهِ وَمُلَاعَبَةُ أَهْلِهِ وَرَمْيُهُ لِلْخَبَرِ.
وَ (لَا) تَجُوزُ مُسَابَقَةٌ (بِعِوَضٍ) أَيْ: مَالٍ لِمَنْ سَبَقَ (إلَّا فِي مُسَابَقَةِ خَيْلٍ وَإِبِلٍ وَسِهَامٍ) أَيْ: نُشَّابٍ وَنَبْلٍ لِلرِّجَالِ قَالَهُ فِي الْإِقْنَاعِ. لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا "
стр. 927
«لَا سَبَقَ إلَّا فِي نَصْلٍ أَوْ خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ» " رَوَاهُ الْخَمْسَةُ. وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ مَاجَهْ " نَصْلٍ " ; وَلِأَنَّهَا آلَاتُ الْحَرْبِ الْمَأْمُورِ بِتَعَلُّمِهَا وَأَحْكَامِهَا.
فَلِذَلِكَ اخْتَصَّ بِهَا. وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ تَحْرِيمَ الرَّهْنِ فِي غَيْرِ الثَّلَاثَةِ إجْمَاعًا (بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ. أَحَدُهَا: تَعْيِينُ الْمَرْكُوبَيْنِ) فِي الْمُسَابَقَةِ (وَ) تَعْيِينُ (الرُّمَاةِ) فِي الْمُنَاضَلَةِ (بِرُؤْيَةٍ) فِيهِمَا (سَوَاءٌ كَانَا اثْنَيْنِ أَوْ جَمَاعَتَيْنِ) ; لِأَنَّ الْقَصْدَ فِي الْمُسَابَقَةِ مَعْرِفَةُ ذَاتِ الْمَرْكُوبَيْنِ الْمُسَابَقِ عَلَيْهِمَا وَمَعْرِفَةُ عَدَدِهِمَا وَفِي الْمُنَاضَلَةِ: مَعْرِفَةُ حِذْقِ الرُّمَاةِ وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِالتَّعْيِينِ بِالرُّؤْيَةِ. فَإِنْ عَقَدَ اثْنَانِ مُنَاضَلَةً وَمَعَ كُلٍّ مِنْهُمَا نَفَرٌ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ بَانَ بَعْضُ الْحِزْبِ كَثِيرُ الْإِصَابَةِ أَوْ عَكْسِهِ فَادَّعَى أَحَدُهُمَا ظَنَّ خِلَافِهِ لَمْ يُقْبَلْ. وَ (لَا) يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ (الرَّاكِبَيْنِ وَلَا الْقَوْسَيْنِ) ; لِأَنَّهُمَا آلَةٌ لِلْمَقْصُودِ كَالسَّرْجِ. وَالْقَصْدُ مَعْرِفَةُ عَدْوِ الْفَرَسِ وَحِذْقِ الرَّامِي كَمَا سَبَقَ.
وَكُلُّ مَا تَعَيَّنَ لَا يَجُوزُ إبْدَالُهُ كَمَا فِي الْبَيْعِ، وَمَا لَا يَتَعَيَّنُ يَجُوزُ إبْدَالُهُ مُطْلَقًا. وَإِنْ شُرِطَ أَنْ لَا يَرْمِيَ بِغَيْرِ هَذَا الْقَوْس أَوْ السَّهْمِ أَوْ لَا يَرْكَبَ غَيْرُ فُلَانٍ فَفَاسِدٌ لِمُنَافَاتِهِ مُقْتَضَى الْعَقْدِ. الشَّرْطُ (الثَّانِي: اتِّحَادُ الْمَرْكُوبَيْنِ) بِالنَّوْعِ فِي الْمُسَابَقَةِ (أَوْ) اتِّحَادُ (الْقَوْسَيْنِ بِالنَّوْعِ) فِي الْمُنَاضَلَةِ ; لِأَنَّ التَّفَاوُتَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ مَعْلُومٌ بِحُكْمِ الْعَادَةِ. أَشْبَهَا الْجِنْسَيْنِ (فَلَا تَصِحُّ) مُسَابَقَةٌ (بَيْنَ) فَرَسٍ (عَرَبِيٍّ وَ) فَرَسٍ (هَجِينٍ) أَيْ: أَبُوهُ فَقَطْ عَرَبِيٌّ (وَلَا) الْمُنَاضَلَةُ بَيْنَ (قَوْسٍ عَرَبِيَّةٍ) أَيْ: قَوْسِ النَّبْلِ (وَ) قَوْسٍ (فَارِسِيَّةٍ) أَيْ: قَوْسِ النُّشَّابِ. قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ. وَلَا يُكْرَهُ الرَّمْيُ بِهَا.
فَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ أَنْوَاعُ الْقَوْسِ الَّتِي يَرْمِيَانِ بِهَا فِي الِابْتِدَاءِ لَمْ يَصِحَّ. الشَّرْطُ (الثَّالِثُ: تَحْدِيدُ الْمَسَافَةِ) بِالِابْتِدَاءِ (وَالْغَايَةِ وَ) تَحْدِيدُ (مَدَى رَمْيٍ بِمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ) أَمَّا فِي الْمُسَابَقَةِ ; فَلِأَنَّ الْغَرَضَ مَعْرِفَةُ الْأَسْبَقِ. وَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِالتَّسَاوِي فِي الْغَايَةِ ; لِأَنَّ مِنْ الْحَيَوَانِ مَا يُقَصِّرُ فِي أَوَّلِ عَدْوِهِ وَيُسْرِعُ فِي انْتِهَائِهِ وَبِالْعَكْسِ. فَيَحْتَاجُ إلَى غَايَةٍ تَجْمَعُ حَالَيْهِ. فَإِنْ اسْتَبَقَا بِلَا غَايَةٍ لِيُنْظَرَ أَيَّهُمَا يَقِفُ أَوَّلًا لَمْ يَجُزْ ; لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ لَا يَقِفَ أَحَدُهُمَا حَتَّى يَنْقَطِعَ فَرَسُهُ وَيَتَعَذَّرُ الْإِشْهَادُ عَلَى السَّبَقِ فِيهِ. وَأَمَّا فِي الْمُنَاضَلَةِ ; فَلِأَنَّ الْإِصَابَةَ تَخْتَلِفُ بِالْقُرْبِ وَالْبُعْدِ. فَإِنْ قُيِّدَ بِمَدًى تَتَعَذَّرُ فِيهِ الْإِصَابَةُ غَالِبًا وَهُوَ مَا زَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ ذِرَاعٍ لَمْ يَصِحَّ. ; لِأَنَّهُ يَفُوتُ بِهِ الْغَرَضُ الْمَقْصُودُ بِالرَّمْيِ. وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ مَا رَمَى فِي أَرْبَعِمِائَةِ ذِرَاعٍ إلَّا عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ.
الشَّرْطُ (الرَّابِعُ: عِلْمُ عِوَضٍ) ; لِأَنَّهُ مَالٌ فِي عَقْدٍ. فَوَجَبَ الْعِلْمُ بِهِ كَسَائِرِ الْعُقُودِ وَيُعْلَمُ بِالْمُشَاهَدَةِ أَوْ الْوَصْفِ. وَيَجُوزُ حَالًّا وَمُؤَجَّلًا وَبَعْضُهُ حَالٌّ
стр. 928
وَبَعْضُهُ مُؤَجَّلٌ كَالْبَيْعِ (وَإِبَاحَتُهُ) أَيْ: الْعِوَضِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَهُوَ) أَيْ: الْعِوَضُ أَيْ: بَذْلُهُ (تَمْلِيكٌ) لِلسَّابِقِ (بِشَرْطِ سَبْقِهِ) وَلِهَذَا قَالَ فِي الِانْتِصَارِ فِي شَرِكَةِ الْعِنَانِ: الْقِيَاسُ لَا يَصِحُّ الشَّرْطُ (الْخَامِسُ: الْخُرُوجُ) بِالْعِوَضِ (عَنْ شِبْهِ قِمَارٍ) بِكَسْرِ الْقَافِ. يُقَالُ: قَامَرَهُ قِمَارًا وَمُقَامَرَةً فَقَمَرَهُ إذَا رَاهَنَهُ فَغَلَبَهُ (بِأَنْ لَا يُخْرِجَ جَمِيعُهُمْ) الْعِوَضَ. لِأَنَّهُ إذَا أَخْرَجَهُ كُلٌّ مِنْهُمْ لَمْ يَخْلُ عَنْ أَنْ يَغْنَمَ أَوْ يَغْرَمَ وَهُوَ شِبْهُ الْقِمَارِ.
(فَإِنْ كَانَ) الْجُعْلُ (مِنْ الْإِمَامِ) عَلَى أَنَّ مَنْ سَبَقَ فَهُوَ لَهُ. جَازَ وَلَوْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. ; لِأَنَّ فِيهِ مَصْلَحَةً وَحَثًّا عَلَى تَعَلُّمِ الْجِهَادِ وَنَفْعًا لِلْمُسْلِمِينَ (أَوْ) كَانَ الْجُعْلُ مِنْ (غَيْرِهِ) أَيْ: الْإِمَامِ عَلَى أَنَّ مَنْ سَبَقَ فَهُوَ لَهُ جَازَ. لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ وَالْقُرْبَةِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى بِهِ سِلَاحًا أَوْ خَيْلًا (أَوْ) كَانَ الْجُعْلُ (مِنْ أَحَدِهِمَا) أَيْ: الْمُتَسَابِقَيْنِ أَوْ مِنْ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ مِنْهُمْ إذَا كَثَرُوا وَثَمَّ مَنْ لَمْ يَخْرُجْ (عَلَى أَنَّ مَنْ سَبَقَ أَخْذُهُ جَازَ) ; لِأَنَّهُ إذَا جَازَ بَذْلُهُ مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَوْلَى أَنْ يَجُوزَ مِنْ بَعْضِهِمْ.
(فَإِنْ جَاءَا) أَيْ: الْمُتَسَابِقَانِ مُنْتَهَى الْغَايَةِ (مَعًا فَلَا شَيْءَ لَهُمَا) مِنْ الْجُعْلِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ (وَإِنْ سَبَقَ مُخْرِجُ) عِوَضٍ (أَحْرَزَهُ. وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْ صَاحِبِهِ شَيْئًا) لِئَلَّا يَكُونَ قِمَارًا (وَإِنْ سَبَقَ الْآخَرُ) الَّذِي لَمْ يُخْرِجْ (أَحْرَزَ سَبْقَ صَاحِبِهِ) فَمَلَكَهُ كَسَائِرِ مَالِهِ، كَالْعِوَضِ فِي الْجَعَالَةِ إذَا وَفَّى بِالْعَمَلِ. فَإِنْ كَانَ عَيْنًا أَخَذَهُ وَإِنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ فَدَيْنٌ يُقْضَى بِهِ عَلَيْهِ. وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مُوسِرًا. وَإِنْ أَفْلَسَ ضُرِبَ بِهِ مَعَ الْغُرَمَاءِ (وَإِنْ أَخْرَجَا) أَيْ: الْمُتَسَابِقَانِ (مَعًا لَمْ يَجُزْ) تَسَاوِيًا أَوْ تَفَاضُلًا ; لِأَنَّهُ قِمَارٌ، إذْ لَا يَخْلُو كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ أَنْ يَغْنَمَ أَوْ يَغْرَمَ (إلَّا بِمُحَلِّلٍ لَا يُخْرِجُ شَيْئًا.
(وَلَا يَجُوزُ) كَوْنُ مُحَلِّلٍ (أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ) لِدَفْعِ الْحَاجَةِ بِهِ (يُكَافِئُ مَرْكُوبُهُ) أَيْ: الْمُحَلِّلِ (مَرْكُوبَيْهِمَا) فِي الْمُسَابَقَةِ (أَوْ) يُكَافِئُ (رَمْيُهُ رَمْيَهُمَا) فِي الْمُنَاضَلَةِ. لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا " «مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَهُوَ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ فَلَيْسَ قِمَارًا. وَمَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَقَدْ أَمِنَ أَنْ يَسْبِقَ فَهُوَ قِمَارٌ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلِأَنَّ غَيْرَ الْمُكَافِئِ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ.
(فَإِنْ سَبَقَاهُ) أَيْ: سَبَقَ الْمُخْرِجَانِ الْمُحَلِّلَ وَلَمْ يَسْبِقْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ (أَحْرَزَا سَبَقَيْهِمَا) أَيْ: أَحْرَزَ كُلٌّ مِنْهُمَا سَبَقَهُ ; لِأَنَّهُ لَا سَابِقَ مِنْهُمَا. وَلَا شَيْءَ لِلْمُحَلِّلِ. لِأَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ أَحَدَهُمَا (وَلَمْ يَأْخُذَا مِنْهُ شَيْئًا) لِئَلَّا يَكُونَ قِمَارًا (وَإِنْ سَبَقَ هُوَ) أَيْ: الْمُحَلِّلُ الْمُخْرِجَيْنِ أَحْرَزَ السَّبَقَيْنِ (أَوْ) سَبَقَ (أَحَدُهُمَا) أَيْ: أَحَدُ الْمُخْرِجَيْنِ صَاحِبَهُ وَالْمُحَلِّلَ (أَحْرَزَ السَّبَقَيْنِ) لِوُجُودِ شَرْطِهِ (وَإِنْ سَبَقَا) أَيْ: الْمُحَلِّلُ وَأَحَدُ الْمُخْرِجَيْنِ
стр. 929
(مَعًا فَسَبْقُ مَسْبُوقٍ بَيْنَهُمَا) نِصْفَيْنِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي السَّبَقِ وَمَا أَخْرَجَهُ السَّابِقُ مَعَ الْمُحَلِّلِ فَهُوَ لَهُ بِسَبْقِهِ.
(وَإِنْ قَالَ غَيْرُهُمَا) أَيْ: غَيْرُ الْمُتَسَابِقَيْنِ الْمُخْرِجَ لِلْعِوَضِ (مَنْ سَبَقَ) مِنْكُمَا (أَوْ صَلَّى فَلَهُ عَشَرَةٌ لَمْ يَصِحَّ مَعَ اثْنَيْنِ) ; لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي طَلَبِ السَّبَقِ إذَنْ فَلَا حِرْصَ عَلَيْهِ لِلتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا (وَإِنْ زَادَ) عَلَى اثْنَيْنِ صَحَّ (أَوْ قَالَ) مُخْرِجٌ: مَنْ سَبَقَ فَلَهُ عَشَرَةٌ (وَمَنْ صَلَّى فَلَهُ خَمْسَةٌ وَكَذَا عَلَى التَّرْتِيبِ لِلْأَقْرَبِ) فَالْأَقْرَبِ (السَّابِقِ) كَمَا لَوْ قَالَ: وَمَنْ تَلَى فَلَهُ أَرْبَعَةٌ (صَحَّ) لِاجْتِهَادِ كُلٍّ مِنْهُمْ عَلَى أَنْ يَكُونَ سَابِقًا لِيُحْرِزَ الْأَكْثَرَ.
(وَخَيْلُ الْحَلْبَةِ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ (مُرَتَّبَةٌ) وَهِيَ خَيْلٌ تَجْتَمِعُ لِلسِّبَاقِ مِنْ كُلِّ أَوْبٍ، لِتَخْرُجَ مِنْ إسْطَبْلٍ وَاحِدٍ كَمَا يُقَالُ لِلْقَوْمِ إذَا جَاءُوا مِنْ أَوْبٍ لِلنُّصْرَةِ: قَدْ أَحْلَبُوا. قَالَ فِي الصِّحَاحِ. أَوَّلُهَا (مُجَلٍّ) بِالْجِيمِ وَهُوَ السَّابِقُ لِجَمِيعِ خَيْلِ الْحَلْبَةِ (فَمُصَلٍّ) ; لِأَنَّ رَأْسَهُ تَكُونُ عِنْدَ صَلَا الْمُجَلِّي. وَالصَّلَوَانِ: عِرْقَانِ أَوْ عَظْمَانِ مِنْ جَانِبَيْ الذَّنَبِ. .
وَفِي الْأَثَرِ عَنْ عَلِيٍّ " سَبَقَ أَبُو بَكْرٍ وَصَلَى عُمَرُ، وَخَبَطَتْنَا فِتْنَةٌ " وَهِيَ مَوْتُ عُثْمَانَ (فَتَالٍ) الْجَائِي بَعْدَ الْمُصَلِّي (فَبَارِعٌ) الرَّابِعُ (فَمُرْتَاحٌ) الْخَامِسُ (فَحَظِيٌّ) السَّادِسُ (فَعَاطِفٌ) السَّابِعُ (فَمُؤَمَّلٌ) بِوَزْنِ مُعَظَّمٍ الثَّامِنُ (فَلَطِيمٌ) التَّاسِعُ (فَسُكَيْتٌ) بِوَزْنِ كُمَيْتٍ، وَقَدْ تُشَدَّدُ يَاؤُهُ: الْعَاشِرُ آخِرُ خَيْلِ الْحَلْبَةِ (فَفُسْكُلٌ) كَقُنْفُذٍ وَزَبْرَجٍ وَبِرْذَوْنٍ: الَّذِي يَجِيءُ آخِرِ الْخَيْلِ وَيُسَمَّى الْقَاشُورُ وَالْقَاشِرَ، هَكَذَا فِي التَّنْقِيحِ.
وَفِي الْكَافِي وَالْمُطْلِعِ: مُجَلٍّ فَمُصَلٍّ فَمُسْلٍ فَتَالٍ فَمُرْتَاحٌ إلَى آخِرِهَا وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْفِسْكِلُ بِالْكَسْرِ الَّذِي يَجِيءُ فِي الْحَلْبَةِ آخِرَ الْخَيْلِ. وَمِنْهُ رَجُلٌ فُسْكُلٌ إذَا كَانَ رَذْلًا انْتَهَى. فَكَانَ الصَّوَابُ عَطْفَهُ بِالْوَاوِ
(وَيَصِحُّ عَقْدٌ لَا شَرْطٌ) فَيَلْغُو (فِي) قَوْلِ أَحَدِ الْمُتَسَابِقَيْنِ لِلْآخَرِ (إنْ سَبَقْتَنِي فَلَكَ كَذَا وَلَا أَرْمِي أَبَدًا أَوْ) لَا أَرْمِي (شَهْرًا) وَنَحْوَهُ (أَوْ) شَرَطَا (أَنَّ السَّابِقَ يُطْعِمُ السَّبَقَ) بِفَتْحِ الْبَاءِ أَيْ: الْجُعْلَ (أَصْحَابَهُ أَوْ) أَنَّهُ يُطْعِمُهُ (بَعْضَهُمْ أَوْ) أَنَّهُ يُطْعِمُهُ (غَيْرَهُمْ) وَوَجْهُ صِحَّةِ الْعَقْدِ مَعَ هَذِهِ: أَنَّهُ قَدْ تَمَّ بِأَرْكَانِهِ وَشُرُوطِهِ كَالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ.
وَأَمَّا إلْغَاءُ نَحْوِ: لَا أَرْمِي أَبَدًا أَوْ شَهْرًا ; فَلِأَنَّهُ مَنَعَ نَفْسَهُ مِنْ شَيْءٍ مَطْلُوبٍ مِنْهُ شَرْعًا. أَشْبَهَ قَوْلَهُ: وَلَا أُجَاهِدُ أَوْ نَحْوَهُ، وَأَمَّا إلْغَاءُ إطْعَامِ غَيْرِهِ ; فَلِأَنَّهُ عِوَضٌ عَلَى عَمَلٍ فَلَا يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُ الْعَامِلِ، كَعِوَضِ الْجَعَالَةِ.
стр. 930
[فَصْلٌ وَالْمُسَابَقَةُ جَعَالَةٌ]
ٌ ; لِأَنَّ الْجُعْلَ فِي نَظِيرِ عَمَلِهِ وَسَبَقِهِ (لَا يُؤْخَذُ بِعِوَضِهَا رَهْنٌ وَلَا كَفِيلٌ) ; لِأَنَّهُ جُعِلَ عَلَى مَا لَا تَتَحَقَّقُ الْقُدْرَةُ عَلَى تَسْلِيمِهِ، وَهُوَ السَّبَقُ أَوْ الْإِصَابَةُ. أَشْبَهَ الْجُعْلَ فِي رَدِّ الْآبِقِ (وَلِكُلٍّ) مِنْ الْمُتَسَابِقَيْنِ (فَسْخُهَا) كَسَائِرِ الْجَعَالَاتِ (مَا لَمْ يَظْهَرْ لِصَاحِبِهِ فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ) أَيْ: الْمَفْضُولِ، بِأَنْ سَبَقَهُ فِي بَعْضِ الْمَسَافَةِ أَوْ أَصَابَ أَكْثَرَ مِنْهُ فِي أَثْنَاءِ الرَّمْيِ، لِئَلَّا يَفُوتَ غَرَضُ الْمُسَابَقَةِ بِفَسْخِ مَنْ ظَهَرَ لَهُ فَضْلُ صَاحِبِهِ وَأَمَّا الْفَاضِلُ فَلَهُ الْفَسْخُ.
(وَيَبْطُلُ) سِبَاقٌ (بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا) كَسَائِرِ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ (أَوْ) بِمَوْتِ (أَحَدِ الْمَرْكُوبَيْنِ) لِتَعَلُّقِ الْعَقْدِ بِعَيْنِهِ وَ (لَا) يَبْطُلُ بِمَوْتِ (أَحَدِ الرَّاكِبَيْنِ) أَوْ هُمَا (أَوْ تَلَفِ إحْدَى الْقَوْسَيْنِ) ; لِأَنَّهُ غَيْرُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ كَمَوْتِ أَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ.
(وَ) يَحْصُلُ (سَبَقٌ فِي خَيْلٍ مُتَمَاثِلِي الْعُنُقِ بِرَأْسٍ) (وَفِي) خَيْلِ (مُخْتَلِفَيْهِمَا) أَيْ: الْعُنُقَيْنِ بِكَتِفٍ (وَ) فِي (إبِلٍ بِكَتِفٍ) لِتَعَذُّرِ اعْتِبَارِ الرَّأْسِ هُنَا. فَإِنَّ طَوِيلَ الْعُنُقِ قَدْ تَسْبِقُ رَأْسُهُ لِطُولِ عُنُقِهِ لَا بِسُرْعَةِ عَدْوِهِ، وَفِي الْإِبِلِ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ. وَمِنْهَا مَا يَمُدُّ عُنُقَهُ فَرُبَّمَا سَبَقَ رَأْسُهُ لِمَدِّ عُنُقِهِ لَا بِسَبَقِهِ، فَإِنْ سَبَقَ رَأْسُ صَغِيرِ الْعُنُقِ فَقَدْ سَبَقَ بِالضَّرُورَةِ. وَإِنْ سَبَقَ رَأْسُ طَوِيلِ الْعُنُقِ بِأَكْثَرَ مِمَّا بَيْنَهُمَا فِي طُولِ الْعُنُقِ فَقَدْ سَبَقَ وَإِنْ كَانَ بِقَدْرِهِ فَلَا سَبَقَ. وَبِأَقَلَّ فَالْآخَرُ سَابِقٌ. وَإِنْ شَرَطَا السَّبَقَ بِأَقْدَامٍ مَعْلُومَةٍ لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّهُ لَا يَنْضَبِطُ، وَلَا يَقِفُ الْفَرَسَانِ عِنْدَ الْغَايَةِ بِحَيْثُ يُعْرَفُ مَسَافَةُ مَا بَيْنَهُمَا. وَيُعْتَبَرُ لِمُسَابَقَةٍ بِعِوَضٍ إرْسَالُ الْفَرَسَيْنِ أَوْ الْبَعِيرَيْنِ دَفْعَةً وَاحِدَةٍ وَأَنْ يَكُونَ عِنْدَ أَوَّلِ الْمَسَافَةِ مَنْ يُشَاهِدُ إرْسَالَهُمَا وَعِنْدَ الْغَايَةِ مَنْ يَضْبِطُ السَّابِقَ مِنْهُمَا لِئَلَّا يَخْتَلِفَا فِي ذَلِكَ.
(وَيَحْرُمُ أَنْ يُجَنِّبَ أَحَدَهُمَا مَعَ فَرَسِهِ) أَيْ: بِجَانِبِهِ فَرَسًا (أَوْ) يُجَنِّبَ (وَرَاءَهُ فَرَسًا) لَا رَاكِبَ عَلَيْهِ (يُحَرِّضُهُ عَلَى الْعَدْوِ. وَ) يَحْرُمُ (أَنْ يَصِيحَ بِهِ) أَيْ: بِفَرَسِهِ (فِي وَقْتِ سِبَاقِهِ) لِقَوْلِهِ ﷺ " «لَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ فِي الرِّهَانِ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ. قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَيُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَجْلَبَ عَلَى الْخَيْلِ يَوْمَ الرِّهَانِ فَلَيْسَ مِنَّا» ".
стр. 931
[فَصْلٌ وَشَرْطُ الْمُنَاضَلَةِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ]
(فَصْلٌ وَشَرْطُ الْمُنَاضَلَةِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ) أَحَدُهَا (كَوْنُهَا عَلَى مَنْ يُحْسِنُ الرَّمْيَ) ; لِأَنَّ الْغَرَضَ مَعْرِفَةُ الْحِذْقِ بِهِ. وَمَنْ لَا حِذْقَ لَهُ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ (وَتَبْطُلُ) مُنَاضَلَةٌ بَيْنَ حِزْبَيْنِ إذَا كَانَ فِي أَحَدِ الْحِزْبَيْنِ مَنْ لَا يُحْسِنُ الرَّمْيَ (فِيمَنْ لَا يُحْسِنُهُ مِنْ أَحَدِ الْحِزْبَيْنِ وَيَخْرُجُ مِثْلُهُ) أَيْ: مَنْ جُعِلَ بِإِزَائِهِ (مِنْ) الْحِزْبِ (الْآخَرِ) إذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الرَّئِيسَيْنِ يَخْتَارُ إنْسَانًا وَالْآخَرُ فِي مُقَابَلَتِهِ آخَرُ. فَمَنْ لَا يُحْسِنُ الرَّمْيَ بَطَلَ الْعَقْدُ فِيهِ وَأُخْرِجَ مُقَابِلُهُ، كَالْبَيْعِ إذَا بَطَلَ فِي بَعْضِ الْمَبِيعِ سَقَطَ مَا قَابَلَهُ مِنْ الثَّمَنِ (وَلَهُمْ) أَيْ: الْبَاقِينَ (الْفَسْخُ إنْ أَحَبُّوا) لِتَبْعِيضِ الصَّفْقَةِ فِي حَقِّهِمْ.
(وَإِنْ تَعَاقَدُوا لِيَقْتَسِمُوا بَعْدَ الْعَقْدِ حِزْبَيْنِ) أَيْ: لِيُعَيَّنَ رَئِيسُ كُلِّ حِزْبٍ مَعَهُ (بِرِضَاهُمْ لَا بِقُرْعَةٍ. صَحَّ) ; لِأَنَّ الْقُرْعَةَ قَدْ تَقَعُ عَلَى الْحُذَّاقِ فِي أَحَدِ الْحِزْبَيْنِ وَعَلَى الْكَوَادِنِ فِي الْآخَرِ. فَيَبْطُلُ مَقْصُودُ النِّضَالِ ; وَلِأَنَّهَا إنَّمَا تُخْرِجُ الْمُبْهَمَاتِ. وَالْعَقْدُ لَا يَتِمُّ حَتَّى يَتَمَيَّزَ كُلُّ حِزْبٍ " وَيُجْعَلُ لِكُلِّ حِزْبٍ رَئِيسٌ، فَيَخْتَارُ أَحَدُهُمَا " أَيْ: أَحَدُ الرَّئِيسَيْنِ (وَاحِدًا) مِنْ الرُّمَاةِ يَكُونُ مَعَهُ (ثُمَّ) يَخْتَارُ (الْآخَرُ) مِنْ الرَّئِيسَيْنِ (آخَرُ) مِنْ الرُّمَاةِ (حَتَّى يَفْرُغَا) فَيَتِمُّ الْعَقْدُ عَلَى الْمُعَيَّنِينَ بِالِاخْتِيَارِ إذَنْ. وَلَا يَجُوزُ اخْتِيَارُ كُلٍّ مِنْهُمَا أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ. لِأَنَّ اخْتِيَارَ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ يَبْعُدُ مِنْ التَّسَاوِي وَالْعَدْلِ.
(وَإِنْ تَشَاحَّا فِيمَنْ يَبْدَأُ) مِنْ الرَّئِيسَيْنِ (بِالْخِيَرَةِ اقْتَرَعَا) فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ اخْتَارَ أَوَّلًا. إذْ الْقُرْعَةُ تُمَيِّزُ الْمُسْتَحِقَّ بَعْدَ ثُبُوتِ الِاسْتِحْقَاقِ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ وَتَسَاوِي أَهْلِهِ (وَلَا يَجُوزُ جَعْلُ رَئِيسِ الْحِزْبَيْنِ وَاحِدًا) ; لِأَنَّهُ لَا يَضُرُّهُ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ سَبَقَ لِتَدْبِيرِهِ لَهُمَا، فَيَفُوتُ مَقْصُودُ الْمُنَاضَلَةِ (وَلَا) يَجُوزُ جَعْلُ (الْخِيَرَةِ فِي تَمْيِيزِهِمَا) أَيِّ الْحِزْبَيْنِ (إلَيْهِ) أَيْ: إلَى وَاحِدٍ لِمَا تَقَدَّمَ. وَإِنْ أَرَادُوا الْقُرْعَةَ لِإِخْرَاجِ الزَّعِيمَيْنِ جَازَ لِقِلَّةِ الْغَرَرِ. وَلَا يُشْتَرَطُ اسْتِوَاءُ عَدَدِ الرُّمَاةِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحِزْبَيْنِ عَشَرَةً وَالْآخَرِ ثَمَانِيَةً وَنَحْوُهُ. الشَّرْطُ (الثَّانِي: مَعْرِفَةُ عَدَدِ الرَّمْيِ) لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى الِاخْتِلَافِ. فَقَدْ يُرِيدُ أَحَدُهُمَا الْقَطْعَ وَيُرِيدُ الْآخَرُ الزِّيَادَةَ.
وَالرِّشْقُ بِكَسْرِ الرَّاءِ عَدَدُ الرَّمْيِ، وَبِفَتْحِهَا مَصْدَرُ رَشَقَ الشَّيْءَ رَشْقًا (وَ) مَعْرِفَةُ عَدَدِ (الْإِصَابَةِ) لِتَبَيُّنِ مَقْصُودِ الْمُنَاضَلَةِ وَهُوَ الْحِذْقُ. فَيُقَالُ مَثَلًا: الرِّشْقُ عِشْرُونَ، وَالْإِصَابَةُ خَمْسَةٌ وَنَحْوُهَا.
стр. 932
وَيُشْتَرَطُ إمْكَانُ قِسْمَةِ عَدَدِ الرَّمْيِ عَلَى الرُّمَاةِ بِلَا كَسْرٍ. فَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ ثُلُثٌ، أَوْ أَرْبَعَةً فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ رُبُعٌ. وَهَكَذَا لِئَلَّا يَبْقَى مَا لَا يُمَكِّنُ الْجَمَاعَةَ الِاشْتِرَاكَ فِيهِ. وَيُشْتَرَطُ اسْتِوَاؤُهُمَا فِي عَدَدِ الرَّمْيِ وَالْإِصَابَةِ وَصِفَتِهَا وَسَائِرُ أَحْوَالِ الرَّمْيِ لِأَنَّ مَوْضُوعَهَا عَلَى الْمُسَاوَاةِ، وَالْغَرَضُ مَعْرِفَةُ الْحِذْقِ.
الشَّرْطُ (الثَّالِثُ: تَبْيِينُ كَوْنِهِ) أَيْ: الرَّمْيِ (مُفَاضَلَةً ك) قَوْلِهِمْ (أَيْنَا فَضَلَ صَاحِبَهُ بِخَمْسِ إصَابَاتٍ مِنْ عِشْرِينَ رَمْيَةً فَقَدْ سَبَقَ) وَنَحْوُهُ. وَيَلْزَمُ فِيهَا إتْمَامُ الرَّمْيِ إنْ كَانَ فِيهِ فَائِدَةٌ (أَوْ) تَبْيِينُ كَوْنِ الرَّمْيِ (مُبَادَرَةً، كَأَيْنَا سَبَقَ إلَى خَمْسِ إصَابَاتٍ مِنْ عِشْرِينَ رَمْيَةً فَقَدْ سَبَقَ) وَنَحْوُهُ. فَإِذَا رَمَيَا عَشْرًا عَشْرًا فَأَصَابَ أَحَدُهُمَا خَمْسًا وَلَمْ يُصِبْ الْآخَرَ خَمْسًا، فَمُصِيبٌ الْخَمْسِ هُوَ السَّابِقُ سَوَاءٌ أَصَابَ الْآخَرُ مَا دُونَهَا أَوْ لَمْ يُصِبْ شَيْئًا (وَلَا يَلْزَمُ إنْ سَبَقَ إلَيْهَا وَاحِدٌ إتْمَامُ الرَّمْيِ) ; لِأَنَّ السَّبْقَ قَدْ صَارَ لِلسَّابِقِ.
وَإِنْ أَصَابَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الْعَشَرَةِ خَمْسًا فَلَا سَابِقَ فِيهِمَا وَلَا يُكْمِلَانِ الرَّشْقَ. ; لِأَنَّ جَمِيعَ الْإِصَابَةِ الْمَشْرُوطَةِ قَدْ حَصَلَتْ وَاسْتَوَيَا فِيهَا (أَوْ) تَبْيِينُ كَوْنِ الرَّمْيِ (مُحَاطَّةً بِأَنْ) اشْتَرَطَا أَنْ (يُحَطَّ مَا تَسَاوَيَا فِيهِ مِنْ إصَابَةٍ مِنْ رَمْيٍ مَعْلُومٍ مَعَ تَسَاوِيهِمَا فِي) عَدَدِ (الرَّمَيَاتِ فَأَيُّهُمَا فَضَلَ) صَاحِبَهُ (بِإِصَابَةٍ مَعْلُومَةٍ فَقَدْ سَبَقَ) وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُفَاضَلَةِ وَالْمُحَاطَّةِ: أَنَّ الْمُحَاطَّةَ تُقَدَّرُ فِيهَا الْإِصَابَةُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ بِخِلَافِ الْمُفَاضَلَةِ.
وَفِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَالْإِقْنَاعِ: الْمُفَاضَلَةُ هِيَ الْمُحَاطَّةُ (وَإِنْ أَطْلَقَا الْإِصَابَةَ) فِي الْمُنَاضَلَةِ (أَوْ قَالَا) أَيْ: شَرَطَا أَنَّهَا (خَوَاصِلَ) بِخَاءِ مُعْجَمَةٍ وَصَادٍ مُهْمَلَةٍ (تَنَاوَلَهَا) أَيْ: تَنَاوَلَ اللَّفْظُ الْإِصَابَةَ (عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَتْ) .
قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: يُقَالُ خَصَلْتُ مُنَاضِلِي خَصْلَةً وَخَصْلًا. وَسُمِّيَ ذَلِكَ الْقَرْعَ. وَالْقَرْطَسَةَ يُقَالُ: قَرْطَسَ إذَا أَصَابَ. وَعُلِمَ مِنْهُ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ وَصْفُ الْإِصَابَة لَكِنْ يُسَنُّ.
(وَإِنْ قَالَا) أَيْ: اشْتَرَطَا أَنَّ الْإِصَابَةَ (خَوَاسِقَ أَوْ خَوَازِقَ بِالزَّايِ أَوْ مُقَرْطَسَ) وَهِيَ (مَا خَرَقَ الْغَرَضَ وَثَبَتَ فِيهِ) (أَوْ) اشْتَرَطَا أَنَّ الْإِصَابَة (خَوَارِقَ بِالرَّاءِ أَوْ مَوَارِقُ) وَهِيَ (مَا خَرَقَهُ) أَيْ: الْغَرَضَ (وَلَمْ يَثْبُتْ) فِيهِ (أَوْ) اشْتَرَطَا أَنَّهَا (خَوَاصِرَ) وَهِيَ (مَا وَقَعَ فِي أَحَدِ جَانِبَيْهِ) (أَوْ) اشْتَرَطَا أَنَّهَا (خَوَارِمَ) ، وَهِيَ (مَا خَرَمَ جَانِبَهُ) .
(أَوْ) اشْتَرَطَا أَنَّهَا (حَوَابِي) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَهِيَ (مَا وَقَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ وَثَبَ إلَيْهِ) أَيْ: الْغَرَضِ (أَوْ شَرَطَا إصَابَةَ مَوْضِعٍ مِنْهُ) مُعَيَّنٍ (كَدَائِرَتِهِ) أَيْ: الْغَرَضِ (تَقَيَّدَتْ) الْمُنَاضَلَةُ
стр. 933
(بِهِ) أَيْ: بِمَا شَرَطَاهُ ; لِأَنَّهُ مَرْجِعُ الْمُنَاضَلَةِ. وَإِنْ شَرَطَا الْخَوَاسِقَ وَالْحَوَابِي مَعًا صَحَّ. قَالَهُ فِي الشَّرْحِ (وَلَا يَصِحُّ شَرْطُ إصَابَةٍ نَادِرَةٍ) كَتِسْعَةٍ مِنْ عَشَرَةٍ. لِأَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ وُجُودِهَا فَيَفُوتُ الْمَقْصُودُ.
(وَلَا) يَصِحُّ (تَنَاضُلُهُمَا عَلَى أَنَّ السَّبَقَ لَا يَعْدُوهُمَا رَمْيًا) إذْ الْغَرَضُ مِنْ الرَّمْيِ الْإِصَابَةُ لِقَتْلِ الْعَدُوِّ أَوْ جَرْحِهِ أَوْ الصَّيْدِ وَنَحْوِهِ، وَهُوَ إنَّمَا يَحْصُلُ مِنْ الْإِصَابَةِ لَا مِنْ بُعْدِ الرَّمْيِ. الشَّرْطُ (الرَّابِعُ: مَعْرِفَةُ قَدْرِهِ) أَيْ: الْغَرَضِ (طُولًا وَعَرْضًا وَسُمْكًا وَارْتِفَاعًا) مِنْ الْأَرْضِ بِمُشَاهَدَةٍ أَوْ تَقْدِيرٍ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ ; لِاخْتِلَافِ الْإِصَابَةِ بِصِغَرِهِ وَكِبَرِهِ وَغِلَظِهِ وَرِقَّتِهِ وَارْتِفَاعِهِ وَانْخِفَاضِهِ. وَالْغَرَضُ مَا تُقْصَدُ إصَابَتَهُ بِالرَّمْيِ مِنْ قِرْطَاسٍ أَوْ جِلْدٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ قَرْعٍ أَوْ غَيْرِهِ. وَسُمِّيَ أَيْضًا: شَارَةً وَشَنًّا (وَإِنْ تَشَاحَّا) أَيْ الْمُتَنَاضِلَانِ (فِي الِابْتِدَاءِ) أَيْ: فِي الْبَادِئِ مِنْهُمَا بِالرَّمْيِ (أُقْرِعَ) بَيْنَهُمَا ; لِأَنَّهُ لَا مُرَجِّحَ غَيْرُهَا.
فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ فَبَدَرَهُ الْآخَرُ وَرَمَى لَمْ يُعْتَدَّ لَهُ بِسَهْمٍ أَصَابَ أَوْ أَخْطَأَ. وَيُسْتَحَبُّ تَعْيِينُ الْمُبْتَدِئِ بِالرَّمْيِ فِي الْعَقْدِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَرْمِيَا سَهْمًا سَهْمًا وَخَمْسًا خَمْسًا وَأَنْ يَرْمِيَ كُلُّ وَاحِدٍ جَمِيعَ الرِّشْقِ وَإِنْ شَرَطَا شَيْئًا حُمِلَ عَلَيْهِ. فَإِنْ أَطْلَقَا تَرَاسَلَا سَهْمًا سَهْمًا ; لِأَنَّهُ الْعُرْفُ. وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي مَوْضِعِ الْوُقُوفِ عَنْ يَمِينِ الْغَرَضِ أَوْ يَسَارِهِ فَالْأَمْرُ إلَى الْبَادِئِ مِنْهُمَا. فَإِذَا صَارَ الثَّانِي إلَى الْغَرَضِ صَارَ الْخِيَارُ إلَيْهِ لِيَسْتَوِيَا.
وَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا اسْتِقْبَالَ الشَّمْسِ وَالْآخَرُ اسْتِدْبَارَهَا أُجِيبَ مَنْ طَلَبَ اسْتِدْبَارَهَا (وَإِذَا بَدَأَ) أَحَدُهُمَا (فِي وَجْهٍ) هُوَ رَمْيُ الْقَوْمِ بِأَجْمَعِهِمْ جَمِيعَ السِّهَامِ (بَدَأَ الْآخَرُ) فِي الْوَجْهِ (الثَّانِي) عَدْلًا بَيْنَهُمَا فَإِنْ شَرَطَا الْبُدَاءَةِ لِأَحَدِهِمَا فِي كُلِّ الْوُجُوهِ لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّ مَوْضُوعَ الْمُنَاضَلَةِ عَلَى الْمُسَاوَاةِ، وَهَذَا تَفَاضُلٌ، وَإِنْ فَعَلَاهُ بِتَرَاضِيهِمَا بِلَا شَرْطٍ جَازَ، إذْ لَا أَثَرَ لِلْبُدَاءَةِ فِي الْإِصَابَةِ (وَسُنَّ جَعْلُ غَرَضَيْنِ) فِي الْمُنَاضَلَةِ يَرْمِي الرَّسِيلَانِ أَحَدَهُمَا ثُمَّ يَمْضِيَانِ إلَى الْمَرْمِيِّ فَيَأْخُذَانِ السِّهَامَ وَيَرْمِيَانِ الْآخَرَ. لِأَنَّهُ فِعْلُ أَصْحَابِهِ ﷺ وَعَنْهُ ﷺ " «مَا بَيْنَ الْغَرَضَيْنِ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ» " وَقَالَ إبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: رَأَيْتُ حُذَيْفَةَ يَشْتَدُّ بَيْنَ الْهَدَفَيْنِ يَقُولُ: أَنَالُهَا فِي قَمِيصٍ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ مِثْلُهُ.
وَالْهَدَفُ مَا يُنْصَبُ الْغَرَضُ عَلَيْهِ مِنْ نَحْو تُرَابٍ مَجْمُوعٍ أَوْ حَائِطٍ. (وَإِذَا) كَانَ غَرَضَانِ فَ (بَدَأَ أَحَدُهُمَا) أَيْ: الْمُتَنَاضِلَيْنِ (بِغَرَضٍ بَدَأَ الْآخَرُ بِالثَّانِي) لِحُصُولِ التَّعَادُلِ (وَإِنْ أَطَارَتْهُ) أَيْ: الْغَرَضَ (الرِّيحُ فَوَقَعَ السَّهْمُ مَوْضِعَهُ) أَيْ: الْمُتَنَاضِلَيْنِ (خَوَاسِقَ أَوْ نَحْوُهَا) كَخَوَارِقَ وَمُقَرْطَسٍ (لَمْ
стр. 934
يُحْتَسَبْ لَهُ) أَيْ: الرَّامِي (بِهِ) أَيْ: بِالسَّهْمِ (وَلَا عَلَيْهِ) ; لِأَنَّا لَا نَدْرِي هَلْ كَانَ يَثْبُتُ فِي الْغَرَضِ لَوْ كَانَ مَوْجُودًا أَوْ لَا؟ وَإِنْ كَانَ شَرْطُهُمْ خَوَاصِلَ اُحْتُسِبَ بِهِ لِرَامِيهِ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْغَرَضُ مَوْضِعَهُ لَأَصَابَهُ، وَكَذَا لَوْ كَانَا أَطْلَقَا الْإِصَابَةَ. وَإِنْ بَقِيَ الْغَرَضُ مَوْضِعَهُ وَشَرْطُهُمْ خَوَاصِلَ وَأَصَابَ السَّهْمُ الْغَرَضَ بِعَرْضِهِ أَوْ بِفَوْقِهِ، بِأَنْ انْقَلَبَ بَيْنَ يَدَيْ الْغَرَضِ فَأَصَابَهُ فَوْقَهُ أَوْ انْكَسَرَ السَّهْمُ قِطْعَتَيْنِ وَأَصَابَ الْغَرَضَ وَاحِدَةً مِنْهُمَا لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ.
(وَإِنْ عَرَضَ) لِأَحَدِهِمَا (عَارِضٌ مِنْ كَسْرِ قَوْسٍ أَوْ قَطْعِ وَتَرٍ أَوْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ) فَأَخْطَأَ أَوْ أَصَابَ (لَمْ يُحْتَسَبْ) لَهُ (بِالسَّهْمِ) وَلَا عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْعَارِضَ يَجُوزُ أَنْ يَصْرِفَهُ عَنْ الصَّوَاب إلَى الْخَطَأِ كَعَكْسِهِ. وَإِنْ حَالَ حَائِلٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغَرَضِ فَنَفِدَ مِنْهُ وَأَصَابَ الْغَرَضَ حُسِبَ لَهُ ; لِأَنَّهُ مِنْ سَدَادِ الرَّمْيِ وَقُوَّتِهِ (وَإِنْ عَرَضَ مَطَرٌ أَوْ ظُلْمَةٌ) عِنْدَ رَمْيٍ (جَازَ تَأْخِيرُهُ) ; لِأَنَّ الْمَطَرَ يُرْخِي الْوَتَرَ وَالظُّلْمَةُ عُذْرٌ لَا يُمْكِنُ مَعَهُ فِعْلُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَالْعَادَةُ الرَّمْيُ نَهَارًا، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَاهُ لَيْلًا فَيَلْزَمُ. فَإِنْ كَانَتْ اللَّيْلَةُ مُقْمِرَةً مُنِيرَةً اُكْتُفِيَ بِهِ وَإِلَّا رَمَيَا فِي ضَوْءِ شَمْعَةٍ أَوْ مِشْعَلٍ.
وَيُمْنَعُ كُلٌّ مِنْهُمَا مِنْ كَلَامٍ يَغِيظُ بِهِ صَاحِبَهُ، كَأَنْ يَرْتَجِزَ أَوْ يَفْتَخِرَ وَيَتَبَجَّحَ بِالْإِصَابَةِ وَيُعَنِّفَ صَاحِبَهُ عَلَى الْخَطَأِ أَوْ يُظْهِرَ أَنَّهُ يُعَلِّمُهُ (وَكُرِهَ) لِمَنْ حَضَرَهُمَا مِنْ أَمِينٍ وَشُهُودٍ وَغَيْرِهِمْ (مَدْحُ أَحَدِهِمَا أَوْ) مَدْحُ (الْمُصِيبِ وَعَيْبُ الْمُخْطِئِ لِمَا فِيهِ مِنْ كَسْرِ قَلْبِ صَاحِبِهِ) وَغَيْظِهِ وَحَرَّمَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ فِي شَيْخِ الْعِلْمِ وَغَيْرِهِ مَدْحُ الْمُصِيبِ مِنْ الطَّلَبَةِ وَعَيْبُ غَيْرِهِ كَذَلِكَ.
وَفِي الْإِنْصَافِ قُلْتُ: إنْ كَانَ مَدْحُهُ يُفْضِي إلَى تَعَاظُمِ الْمَمْدُوحِ أَوْ كَسْرِ قَلْبِ غَيْرِهِ قَوِيَ التَّحْرِيمُ.
وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَحْرِيضٌ عَلَى الِاشْتِغَالِ وَنَحْوِهِ قَوِيَ الِاسْتِحْبَابُ (وَمَنْ قَالَ) لِآخَرَ: (ارْمِ عَشَرَةَ أَسْهُمٍ فَإِنْ كَانَ صَوَابُكَ) أَيْ: إصَابَتُك فِيهَا (أَكْثَرَ مِنْ خَطَئِك فَلَكَ دِرْهَمٌ) صَحَّ (أَوْ) قَالَ: (لَكَ بِكُلِّ سَهْمٍ أَصَبْتَ بِهِ دِرْهَمٌ) صَحَّ، أَوْ قَالَ: فَلَكَ بِكُلِّ سَهْمٍ زَائِدٍ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْمُصَابَاتِ دِرْهَمٌ صَحَّ (أَوْ) قَالَ: (ارْمِ هَذَا السَّهْمَ فَإِنْ أَصَبْتَ بِهِ فَلَكَ دِرْهَمٌ صَحَّ) وَكَانَ جَعَالَةً فِي الْجَمِيعِ (وَلَزِمَهُ) الْجُعْلُ (بِذَلِكَ) أَيْ: بِوُجُودِ الْإِصَابَةِ الْمَشْرُوطَةِ ; لِأَنَّهُ بَذْلُ مَالٍ عَلَى عَمَلٍ فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ. وَلَيْسَ نِضَالًا. ; لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا بَيْنَ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ. فَإِنْ قَالَ: وَإِنْ كَانَ خَطَؤُك أَكْثَرَ فَعَلَيْكَ دِرْهَمٌ أَوْ نَحْوُهُ لَمْ يَصِحَّ. وَ (لَا إنْ قَالَ: وَإِنْ أَخْطَأْتَ فَعَلَيْكَ دِرْهَمٌ) ; لِأَنَّهُ قِمَارٌ. وَإِنْ قَالَ: مَنْ أَرَادَ رَمْيَ سَهْمٍ لِحَاضِرِهِ إنْ أَخْطَأْتُ فَلَكَ دِرْهَمٌ لَمْ يَجُزْ ; لِأَنَّ الْجُعْلَ إنَّمَا يَكُونُ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلٍ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ الْحَاضِرِ.
стр. 935
[كِتَابُ الْعَارِيَّةِ]
كِتَابُ الْعَارِيَّةِ بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَتَشْدِيدِهَا مِنْ عَارَ الشَّيْءُ إذَا ذَهَبَ وَجَاءَ. وَمِنْهُ قِيلَ لِلْبَطَّالِ: عَيَّارٌ لِتَرَدُّدِهِ فِي بَطَالَتِهِ. وَأَعَارَهُ وَعَارَهُ لُغَتَانِ كَ أَطَاعَهُ وَطَاعَهُ، أَوْ مِنْ الْعُرْيِ وَهُوَ التَّجَرُّدُ لِتَجَرُّدِهَا عَنْ الْعِوَضِ، أَوْ مِنْ التَّعَاوُرِ وَهُوَ التَّنَاوُبُ لِجَعْلِ الْمَالِكِ لِلْمُسْتَعِيرِ نَوْبَةً فِي الِانْتِفَاعِ. وَهِيَ (الْعَيْنُ الْمَأْخُوذَةُ) مِنْ مَالِكٍ وَلَوْ كَانَ الْمَالِكُ لِمَنْفَعَتِهَا أَوْ وَكِيلُهُ (لِلِانْتِفَاعِ بِهَا مُطْلَقًا) أَوْ زَمَنًا مَعْلُومًا (بِلَا عِوَضٍ) وَتُطْلَقُ كَثِيرًا عَلَى الْإِعَارَةِ مَجَازًا (وَالْإِعَارَةُ إبَاحَةُ نَفْعِهَا) أَيْ: الْعَيْنِ أَيْ: رَفْعُ الْحَرَجِ عَنْ تَنَاوُلِهَا. وَلَيْسَتْ تَمْلِيكًا يَسْتَفِيدُ بِهِ التَّصَرُّفَ فِيهَا كَمَا يَسْتَفِيدُهُ بِالْإِجَارَةِ (بِلَا عِوَضٍ) وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ بِالْإِجْمَاعِ.
وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى " ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] وَهِيَ مِنْ الْبِرِّ وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧] .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ " الْعَوَارِيّ " وَفَسَّرَ ابْنُ مَسْعُودٍ الْعَوَارِيّ: بِالْقِدْرِ وَالْمِيزَانِ وَالدَّلْوِ. وَحَدِيثُ " «الْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ» " قَالَ التِّرْمِذِيُّ " حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَتْ هِبَةُ الْأَعْيَانِ جَازَتْ هِبَةُ الْمَنَافِعِ. وَلِذَلِكَ صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ بِهِمَا (وَتُسْتَحَبُّ) الْإِعَارَةُ ; لِأَنَّهَا مِنْ الْبِرِّ وَالْمَعْرُوفِ، وَلَا تَجِبُ لِحَدِيثِ " «إذَا أَدَّيْتَ زَكَاةَ مَالِكَ فَقَدْ قَضَيْتَ مَا عَلَيْكَ» " رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. وَلِحَدِيثِ " «لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ» " وَنَحْوُهُ، فَيُرَدُّ مَا خَالَفَهُ إلَيْهِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ.
(وَتَنْعَقِدُ) الْإِعَارَةُ (بِكُلِّ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهَا) أَيْ: الْإِعَارَةِ، ك أَعَرْتُكَ هَذِهِ الدَّابَّةَ أَوْ ارْكَبْهَا إلَى كَذَا، أَوْ اسْتَرِحْ عَلَيْهَا أَوْ خُذْهَا تَحْتَك وَنَحْوُهُ كَدَفْعِهِ دَابَّةً لِرَفِيقِهِ عِنْدَ تَعَبِهِ وَتَغْطِيَتِهِ بِكِسَائِهِ لِبَرْدِهِ، كَدَفْعِ الصَّدَقَةِ فَإِذَا رَكِبَ الدَّابَّةَ أَوْ اسْتَبْقَى الْكِسَاءَ عَلَيْهِ كَانَ قَبُولًا. وَكَذَا لَوْ سُمِعَ مَنْ يَقُولُ: مَنْ يُعِيرُنِي كَذَا؟ فَأَعْطَاهُ كَفَى
стр. 936
لِأَنَّهُ إبَاحَةٌ لَا عَقْدٌ. نَقَلَهُ بِمَعْنَاهُ فِي الْفُرُوعِ عَنْ التَّرْغِيبِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ.
(وَشُرِطَ) لِصِحَّةِ الْإِعَارَةِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ. أَحَدُهَا (كَوْنُ عَيْنٍ) مُعَارَةٍ (مُنْتَفَعًا بِهَا مَعَ بَقَائِهَا) كَدَوَابَّ وَرَقِيقٍ وَدُورٍ وَلِبَاسٍ وَأَوَانٍ. بِخِلَافِ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إلَّا مَعَ تَلَفِ عَيْنِهِ كَأَطْعِمَةٍ وَأَشْرِبَةٍ. فَإِنْ أَعْطَاهَا بِلَفْظِ إعَارَةٍ فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إبَاحَةُ الِانْتِفَاعِ عَلَى وَجْهِ الْإِتْلَافِ. نَقَلَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ. .
(وَ) الثَّانِي (كَوْنُ مُعِيرٍ أَهْلًا لِلتَّبَرُّعِ شَرْعًا) ; لِأَنَّهَا نَوْعُ تَبَرُّعٍ، إذْ هِيَ إبَاحَةُ مَنْفَعَةٍ.
(وَ) الثَّالِثُ: كَوْنُ (مُسْتَعِيرٍ أَهْلًا لِلتَّبَرُّعِ لَهُ) بِتِلْكَ الْعَيْنِ الْمُعَارَةِ بِأَنْ يَصِحَّ مِنْهُ قَبُولُهَا مِنْهُ لِشِبْهِ الْإِبَاحَةِ بِالْهِبَةِ. فَلَا تَصِحُّ إعَارَةُ عَبْدٍ مُسْلِمٍ لِكَافِرٍ لِخِدْمَتِهِ (وَصَحَّ فِي) إعَارَةٍ (مُؤَقَّتَةٍ شَرْطُ عِوَضٍ مَعْلُومٍ، وَتَصِيرُ إجَارَةً) كَمَا يَصِحُّ شَرْطُ الْعِوَضِ فِي الْهِبَةِ، وَتَصِيرُ بَيْعًا تَغْلِيبًا لِلْمَعْنَى عَلَى اللَّفْظِ. فَإِنْ أُطْلِقَتْ الْإِعَارَةُ أَوْ جُهِلَ الْعِوَضُ فَإِجَارَةٌ فَاسِدَةٌ. وَلَوْ أَعَارَهُ عَبْدَهُ عَلَى أَنْ يُعِيرَهُ الْآخَرُ فَرَسَهُ فَهِيَ إجَارَةٌ فَاسِدَةٌ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ. ذَكَرَهُ فِي التَّلْخِيصِ وَفَسَادُهَا إمَّا لِاشْتِرَاطِ عَقْدٍ فِي عَقْدٍ آخَرَ أَوْ لِعَدَمِ تَقْدِيرِ الْمَنْفَعَتَيْنِ.
(وَإِعَارَةِ نَقْدٍ وَنَحْوِهِ) كَسَائِرِ الْمَوْزُونَاتِ وَالْمَكِيلَاتِ (لَا لِمَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ مَعَ بَقَائِهِ) كَاسْتِعَارَةِ نَقْدٍ لِيُنْفِقَهُ أَوْ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ لِيَأْكُلَهُ (قَرْضٌ) ; لِأَنَّ هَذَا مَعْنَى الْقَرْضِ، وَهُوَ مُغَلَّبٌ عَلَى اللَّفْظِ كَمَا تَقَدَّمَ. فَإِنْ اسْتَعَارَهُ لِمَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ مَعَ بَقَائِهِ كَوَزْنٍ وَتَحَلٍّ فَلَيْسَ بِقَرْضٍ. .
(وَ) الشَّرْطُ الرَّابِعُ (كَوْنُ نَفْعِ) عَيْنٍ مُعَارَةٍ (مُبَاحًا) لِمُسْتَعِيرٍ ; لِأَنَّ الْإِعَارَةَ لَا تُبِيحُ لَهُ إلَّا مَا أَبَاحَهُ الشَّرْعُ فَلَا تَصِحُّ إعَارَةٌ لِغِنَاءٍ أَوْ زَمْرٍ وَنَحْوِهِ وَلَا إنَاءٍ مِنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ وَلَا حُلِيٍّ مُحَرَّمٍ، وَلَا أَمَةٍ لِيَطَأَهَا أَوْ يُقَبِّلَهَا وَنَحْوِهِ (وَلَوْ لَمْ يَصِحَّ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ) أَيْ: النَّفْعِ الْمُبَاحِ (كَ) إعَارَةِ (كَلْبٍ لِصَيْدٍ أَوْ فَحْلٍ لِضِرَابٍ) لِإِبَاحَةِ نَفْعِهِمَا. وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ الْعِوَضُ الْمَأْخُوذُ عَنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ ﷺ ذَكَرَ فِي حَقِّ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ وَالْبَقَرِ إطْرَاقُ فَحْلِهَا.
(وَتَجِبُ إعَارَةُ مُصْحَفٍ لِمُحْتَاجٍ لِقِرَاءَةٍ) إذَا (عَدِمَ) مُصْحَفًا (غَيْرَهُ) وَخَرَّجَ ابْنُ عَقِيلٍ وُجُوبَ الْإِعَارَةِ أَيْضًا فِي كُتُبِ عِلْمٍ لِلْمُحْتَاجِ إلَيْهَا مِنْ الْقُضَاةِ وَالْحُكَّامِ وَأَهْلِ الْفَتَاوَى (وَتُكْرَهُ إعَارَةُ أَمَةٍ جَمِيلَةٍ لِذَكَرٍ غَيْرِ مَحْرَمٍ) مُطْلَقًا ; لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا. وَتَحْرُمُ عَلَيْهِ الْخَلْوَةُ بِهَا وَالنَّظَرُ إلَيْهَا بِشَهْوَةٍ، فَإِنْ وَطِئَهَا فَزَانٍ، وَعَلَيْهِ الْحَدُّ إنْ لَمْ يَجْهَلْ التَّحْرِيمَ.
وَلِسَيِّدِهَا الْمَهْرُ وَإِنْ طَاوَعَتْ، أَيْ: إذَا لَمْ يَأْذَنْ السَّيِّدُ فِي الْوَطْءِ. فَإِنْ كَانَتْ شَوْهَاءَ أَوْ كَبِيرَةً لَا يُشْتَهَى مِثْلُهَا أُبِيحَتْ إعَارَتُهَا لَهُ، كَإِعَارَةِ الْأَمَةِ لِمَحْرَمِهَا
стр. 937
مُطْلَقًا أَوْ لِامْرَأَةٍ ; لِأَنَّهُ مَأْمُونٌ عَلَيْهَا عِنْدَهُمَا.
(وَ) تُكْرَهُ (اسْتِعَارَة أَصْلِهِ) كَأَبِيهِ وَأُمِّهِ وَجَدِّهِ وَجَدَّتِهِ وَإِنْ عَلَوْا (لِخِدْمَتِهِ) ; لِكَرَاهَةِ اسْتِخْدَامِهِ أَصْلَهُ (وَصَحَّ رُجُوعُ مُعِيرٍ) فِي عَارِيَّةً (وَلَوْ قَبْلَ أَمَدٍ عَيَّنَهُ) ; لِأَنَّ الْمَنَافِعَ الْمُسْتَقْبَلَةَ لَمْ تَحْصُلْ فِي يَدِ الْمُسْتَعِيرِ ; لِأَنَّهَا تُسْتَوْفَى شَيْئًا فَشَيْئًا. فَكُلُّ مَا اسْتَوْفَى شَيْئًا فَقَدْ قَبَضَهُ وَاَلَّذِي لَمْ يَسْتَوْفِهِ لَمْ يَقْبِضْهُ، فَجَازَ الرُّجُوعُ فِيهِ كَالْهِبَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ.
وَ (لَا) يَصِحُّ رُجُوعُهُ (فِي حَالٍ يَسْتَضِرُّ بِهِ) أَيْ: بِرُجُوعِهِ فِيهِ (مُسْتَعِيرٌ) لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ الْمَنْفِيِّ شَرْعًا (فَمَنْ أَعَارَ سَفِينَةً لِحَمْلٍ، أَوْ) أَعَارَ (أَرْضًا لِدَفْنِ مَيِّتٍ، أَوْ) لِ (زَرْعٍ. لَمْ يَرْجِعْ) فِي الْإِعَارَةِ (حَتَّى تَرْسِي) السَّفِينَةُ (أَوْ يَبْلَى) الْمَيِّتُ (أَوْ يُحْصَدُ) الزَّرْعُ عِنْدَ أَوَانِهِ. وَلَيْسَ لِمُعِيرٍ تَمَلُّكُ زَرْعِهِ بِقِيمَتِهِ نَصًّا ; لِأَنَّ لَهُ وَقْتًا يَنْتَهِي إلَيْهِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ) الزَّرْعُ (يُحْصَدُ قَصِيلًا) أَيْ: أَخْضَرَ قَبْلَ أَوَانِ حَصَادِهِ فَعَلَى الْمُسْتَعِيرِ قَطْعُهُ فِي وَقْتٍ جَرَتْ الْعَادَةُ بِقَطْعِهِ فِيهِ إذَا رَجَعَ الْمُعِيرُ لِعَدَمِ الضَّرَرِ إذَنْ. (وَكَذَا حَائِطٌ) أُعِيرَ (لِحَمْلِ خَشَبٍ لِتَسْقِيفٍ أَوْ سُتْرَةٍ) فَلَا رُجُوعَ لِمَالِكِ الْحَائِطِ فِيهِ إذَا وَضَعَهُ وَبَنَى عَلَيْهِ (قَبْلَ أَنْ يَسْقُطَ) الْخَشَبُ ; لِأَنَّهُ يُرَادُ لِلْبَقَاءِ وَفِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ بِقَلْعِهِ، وَلَوْ قَالَ مُعِيرٌ لِمُسْتَعِيرٍ: أَدْفَعُ لَك قِيمَةَ مَا يَنْقُصُ بِالْقَلْعِ ; لِأَنَّهُ إذَا فَعَلَهُ انْقَلَعَ مَا فِي مِلْكِ الْمُسْتَعِيرِ مِنْهُ.
وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ قَلْعُ شَيْءٍ مِنْ مِلْكِهِ بِضَمَانِ الْقِيمَةِ (فَإِنْ سَقَطَ) الْخَشَبُ عَنْ الْحَائِطِ (لِهَدْمٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يُعَدْ إلَّا بِإِذْنِهِ) أَيْ: الْمُعِيرِ وَلَوْ سَقَطَ بِسَبَبِ هَدْمِ الْحَائِطِ وَأُعِيدَتْ بِآلَتِهَا لِعَدَمِ لُزُومِ الْعَارِيَّةِ وَزَوَالِ الضَّرَرِ الَّذِي كَانَ لِأَجْلِهِ امْتَنَعَ الرُّجُوعُ (أَوْ عِنْدَ الضَّرُورَةِ) بِأَنْ لَا يُمْكِنَ تَسْقِيفٌ إلَّا بِهِ فَيَجُوزُ. وَلَيْسَ لِرَبِّهِ مَنْعُهُ إذَنْ لِمَا تَقَدَّمَ فِي الصُّلْحِ (إنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ الْحَائِطُ) بِوَضْعِ الْخَشَبِ عَلَيْهِ فَإِنْ تَضَرَّرَ لَمْ يَجُزْ وَضْعُهُ عَلَيْهِ بِلَا إذْنِ رَبِّهِ.
(وَمَنْ أَعَارَ أَرْضًا لِغَرْسٍ أَوْ لِبِنَاءٍ وَشَرَطَ) عَلَى مُسْتَعِيرٍ (قَلْعَهُ) أَيْ: غِرَاسِهِ أَوْ بِنَائِهِ (بِوَقْتٍ) مُعَيَّنٍ (أَوْ) ب (رُجُوعٍ لَزِمَ) مُسْتَعِيرًا غَرَسَ أَوْ بَنَى قَلْعُهُ (عِنْدَهُ) أَيْ: عِنْدَ الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ أَوْ رُجُوعِ الْمُعِيرِ وَلَوْ لَمْ يَأْمُرْهُ بِهِ مُعِيرٌ. لِحَدِيثِ " «الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» " قَالَ فِي الشَّرْحِ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَلِأَنَّهَا عَارِيَّةٌ مُقَيَّدَةٌ فَلَمْ تَتَنَاوَلْ مَا عَدَا الْمُقَيَّدَ، وَالْمُسْتَعِيرُ دَخَلَ فِي الْعَارِيَّةِ رَاضِيًا بِالْتِزَامِ الضَّرَرِ الدَّاخِلِ عَلَيْهِ بِالْقَلْعِ وَلَا ضَمَانَ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ لِنَقْصِهِ. وَ (لَا) يَلْزَمُ مُسْتَعِيرًا (تَسْوِيَتُهَا) أَيْ: الْحُفَرِ فِي الْأَرْضِ بِسَبَبِ قَلْعِ غَرْسِهِ أَوْ بِنَائِهِ (بِلَا شَرْطٍ) لِرِضَا الْمُعِيرِ بِذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَشْتَرِطْهَا.
فَإِنْ شَرَطَهَا عَلَى
стр. 938
الْمُسْتَعِيرِ لَزِمَتْهُ لِدُخُولِهِ عَلَى ذَلِكَ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ الْمُعِيرُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ قَلْعَ غَرْسِهِ أَوْ بِنَائِهِ بِوَقْتٍ أَوْ رُجُوعٍ وَأَبَى مُسْتَعِيرٌ قَلْعَهُ لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ ; لِمَفْهُومِ حَدِيثِ " «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» " ; لِأَنَّهُ بِإِذْنِ رَبِّ الْأَرْضِ وَلَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ قَلْعَهُ وَعَلَيْهِ فِيهِ ضَرَرٌ بِنَقْصِ قِيمَتِهِ بِذَلِكَ.
فَإِنْ أَمْكَنَ الْقَلْعُ مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ أُجْبِرَ عَلَيْهِ مُسْتَعِيرٌ وَمَتَى لَمْ يُمْكِنْ قَلْعُهُ بِلَا نَقْصٍ وَأَبَاهُ مُسْتَعِيرٌ (فَلِمُعِيرٍ أَخْذُهُ) أَيْ: الْغِرَاسِ أَوْ الْبِنَاءِ بِأَنْ يَتَمَلَّكَهُ (بِقِيمَتِهِ) قَهْرًا عَلَيْهِ كَالشَّفِيعِ وَلَوْ مَعَ دَفْعِ مُسْتَعِيرٍ قِيمَةَ أَرْضٍ ; لِأَنَّهَا أَصْلٌ. وَالْغِرَاسُ أَوْ الْبِنَاءُ تَابِعٌ بِدَلِيلِ تَبَعِهِمَا لَهَا فِي الْبَيْعِ دُونَ تَبَعِهَا لَهُمَا فِيهِ (أَوْ) أَيْ: وَلِمُعِيرٍ (قَلْعُهُ) أَيْ: الْغِرَاسِ أَوْ الْبِنَاءِ (وَيَضْمَنُ) الْمُعِيرُ (نَقْصَهُ) بِالْقَلْعِ جَمْعًا بَيْنَ الْحَقَّيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْإِجَارَةِ (وَمَتَى اخْتَارَهُ) أَيْ: الْقَلْعَ (مُسْتَعِيرٌ) مَعَ بَذْلِ الْمُعِيرِ الْقِيمَةَ وَلَمْ يَشْتَرِطْهُ عَلَيْهِ (سَوَّاهَا) أَيْ: الْحُفَرَ غَيْرُهُ ; لِأَنَّهُ خَلَّصَ مِلْكَهُ مِنْ مِلْكِ غَيْرِهِ مِنْ إلْجَاءٍ أَشْبَهَ الْمُشْتَرِيَ إذَا أَخَذَ غِرَاسَهُ أَوْ بِنَاءً مِنْ الْمَشْفُوعِ (فَإِنْ أَبَاهُمَا) أَيْ: الْأَخْذَ بِالْقِيمَةِ وَأَرْشَ نَقْصِ الْقَلْعِ (مُعِيرُ الْأَرْضِ وَ) امْتَنَعَ (الْمُسْتَعِيرُ مِنْ) دَفْعِ (أُجْرَةِ) غِرَاسِهِ أَوْ بِنَائِهِ.
(وَ) مِنْ (قَلْعٍ بِيعَتْ أَرْضٌ بِمَا فِيهَا) مِنْ غِرَاسٍ أَوْ بِنَاءٍ (إنْ رَضِيَا) أَيْ: الْمُعِيرُ وَالْمُسْتَعِيرُ (أَوْ) رَضِيَ بِهِ (أَحَدُهُمَا وَبِجَبْرِ الْآخَرِ) بِطَلَبِ مَنْ رَضِيَ ; لِأَنَّهُ طَرِيقٌ لِإِزَالَةِ الْمُضَارَّةِ بَيْنَهُمَا وَتَحْصِيلِ مَالِيَّتِهِ (وَ) إذَا بِيعَا (دَفَعَ لِرَبِّ الْأَرْضِ) مِنْ الثَّمَنِ (قِيمَتَهَا فَارِغَةً) مِنْ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ (وَ) دَفَعَ (الْبَاقِي) مِنْ الثَّمَنِ (لِلْآخَرِ) وَهُوَ رَبُّ الْغِرَاسِ أَوْ الْبِنَاءِ.
(وَلِكُلٍّ) مِنْ رَبِّ أَرْضٍ وَغِرَاسٍ أَوْ بِنَاءٍ (بَيْعُ مَا لَهُ مُنْفَرِدًا) مِنْ صَاحِبِهِ وَغَيْرِهِ (وَيَكُونُ مُشْتَرٍ كَبَائِعٍ) فِيمَا تَقَدَّمَ وَكَذَا إجَارَةٌ (فَإِنْ أَبَيَاهُ) أَيْ: أَبَى مُعِيرٌ وَمُسْتَعِيرٌ الْبَيْعَ (تُرِكَ) غِرَاسٌ أَوْ بِنَاءٌ (بِحَالِهِ) فِي الْأَرْضِ حَتَّى يَتَّفِقَا ; لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا.
(وَلِمُعِيرٍ الِانْتِفَاعُ بِأَرْضِهِ) مَعَ بَقَاءِ غِرَاسٍ أَوْ بِنَاءٍ بِهَا ; لِأَنَّهُ يَمْلِكُ عَيْنَهَا وَنَفْعَهَا (عَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرُّ بِمَا فِيهَا) مِنْ غَرْسِ مُسْتَعِيرٍ أَوْ بِنَائِهِ لِاحْتِرَامِهِمَا بِإِذْنِ مُعِيرٍ فِي وَضْعِهِمَا (وَلِمُسْتَعِيرٍ) غَرَسَهَا (الدُّخُولُ لِسَقْيٍ وَإِصْلَاحٍ وَأَخْذِ ثَمَرٍ) إذْ الْإِذْنُ فِي شَيْءٍ إذْنٌ فِيمَا يَعُودُ بِصَلَاحِهِ. وَ (لَا) يَجُوزُ لِمُسْتَعِيرٍ الدُّخُولُ (لِتَفَرُّجٍ وَنَحْوِهِ) كَمَبِيتٍ ; لِأَنَّهُ لَا يَعُودُ بِصَلَاحِ مَالِهِ، فَلَيْسَ مَأْذُونًا فِيهِ نُطْقًا وَلَا عُرْفًا.
(وَلَا أُجْرَةَ) عَلَى مُسْتَعِيرٍ لِمُعِيرٍ (مُنْذُ رَجَعَ) إلَى زَوَالِ ضَرَرِ مُسْتَعِيرٍ حَيْثُ كَانَ الرُّجُوعُ يَضُرُّ بِهِ إذَنْ، وَلَا إذَا أَعَارَ لِغَرْسٍ أَوْ بِنَاءٍ ثُمَّ رَجَعَ إلَى تَمَلُّكِهِ بِقِيمَتِهِ أَوْ قَلْعِهِ مَعَ ضَمَانِ نَقْصِهِ ; لِأَنَّ بَقَاءَ ذَلِكَ بِحُكْمِ الْإِعَارَةِ ; لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ
стр. 939
الرُّجُوعَ فِي الْمَنْفَعَةِ فِي حَالِ تَضَرُّرِ الْمُسْتَعِيرِ، فَلَا يَمْلِكُ طَلَبَ بَدَلِهَا كَالْعَيْنِ الْمَوْهُوبَةِ ; وَلِأَنَّهُ إذَا أَبَى أَخْذَ الْغِرَاسِ أَوْ الْبِنَاءِ بِقِيمَتِهِ أَوْ قَلْعِهِ وَضَمَانِ نَفْسِهِ فَإِبْقَاؤُهُ فِي الْأَرْضِ مِنْ جِهَتِهِ.
فَلَا أُجْرَةَ لَهُ كَمَا قَبْلَ الرُّجُوعِ (إلَّا فِي الزَّرْعِ) أَيْ: إذَا أَعَارَهُ لِلزَّرْعِ وَزَرَعَ ثُمَّ رَجَعَ الْمُعِيرُ قَبْلَ أَوَانِ حَصْدِهِ. وَلَا يُحْصَدُ قَصِيلًا فَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِ الْأَرْضِ مِنْ رُجُوعِهِ إلَى الْحَصَادِ ; لِوُجُوبِ تَبْقِيَتِهِ فِيهَا قَهْرًا عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ. بِدَلِيلِ رُجُوعِهِ ; وَلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ أَخْذَ الزَّرْعِ بِقِيمَتِهِ ; لِأَنَّ لَهُ أَمَدًا يَنْتَهِي إلَيْهِ. وَهُوَ قَصِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْغَرْسِ فَلَا دَاعِيَ إلَيْهِ وَلَا إلَى قَلْعِهِ وَضَمَانِ نَقْصِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ نَقْلُهُ إلَى أَرْضٍ أُخْرَى، بِخِلَافِ الْغِرَاسِ وَآلَاتِ الْبِنَاءِ. وَالْمُسْتَعِيرُ إذَا اخْتَارَ قَلْعَ زَرْعِهِ رُبَّمَا يُفَوِّتُ عَلَى الْمَالِكِ الِانْتِفَاعَ بِأَرْضِهِ ذَلِكَ الْعَامَ فَيَتَضَرَّرُ بِهِ فَيَتَعَيَّنُ إبْقَاؤُهُ بِأُجْرَتِهِ إلَى حَصَادِهِ جَمْعًا بَيْنَ الْحَقَّيْنِ.
(وَإِنْ غَرَسَ) مُسْتَعِيرٌ (أَوْ بَنَى) فِيمَا اسْتَعَارَهُ لِذَلِكَ (بَعْدَ رُجُوعِ) مُعِيرٍ: فَغَاصِبٌ (أَوْ) غَرَسَ أَوْ بَنَى بَعْدَ (أَمَدِهَا) أَيْ: الْعَارِيَّةِ (فِي) عَارِيَّةٍ (مُؤَقَّتَةٍ) وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بَعْدَهُ بِالرُّجُوعِ (فَغَاصِبٌ) ; لِتَصَرُّفِهِ فِي مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ لِزَوَالِ الْإِعَارَةِ بِالرُّجُوعِ وَبِانْتِهَاءِ وَقْتِهَا إذَا قُيِّدَتْ بِوَقْتٍ. فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْمُدَّةِ، فَقَالَ مُسْتَعِيرٌ: هِيَ سَنَتَانِ، وَقَالَ مُعِيرٌ: هِيَ سَنَةٌ، أَوْ قَالَ: أَذِنْتَ لِي فِي رُكُوبِ الدَّابَّةِ فَرْسَخَيْنِ، فَقَالَ الْمَالِكُ: بَلْ فَرْسَخًا فَقَوْلُ مَالِكٍ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِعَارَةِ فِي الْقَدْرِ الزَّائِدِ.
(وَالْمُشْتَرِي) بِعَقْدٍ فَاسِدٍ (وَالْمُسْتَأْجِرُ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ) إذَا غَرَسَ أَوْ بَنَى فِيمَا اشْتَرَاهُ أَوْ اسْتَأْجَرَهُ (كَمُسْتَعِيرٍ) فِي أَنَّ الْبَائِعَ وَالْمُؤَجِّرَ لَا يَمْلِكُ قَلْعَ غَرْسِهِ أَوْ بِنَائِهِ بِلَا ضَمَانِ نَقْصٍ ; لِتَضَمُّنِهِ إذْنًا، لَكِنْ تَقَدَّمَ فِي الْإِجَارَةِ يَلْزَمُ الْمُسْتَأْجِرَ أُجْرَةُ الْمِثْلِ مُدَّةَ وَضْعِ يَدِهِ. وَيَأْتِي فِي الْغَصْبِ أَنَّهُ يَلْزَمُ فِي الْمَقْبُوضِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ أُجْرَةُ مِثْلِهِ. وَإِذَا غَرَسَ مُشْتَرٍ بِعَقْدٍ صَحِيحٍ أَوْ بَنَى ثُمَّ فُسِخَ بَيْعٌ لِنَحْوِ عَيْبٍ فَكَغَرْسٍ أَوْ بِنَاءِ مُسْتَعِيرٍ.
(وَمَنْ حَمَلَ سَيْلٌ إلَى أَرْضِهِ بَذْرَ غَيْرِهِ) وَنَبَتَ بِهَا فَلَيْسَ لَهُ قَلْعُهُ وَلَا تَمَلُّكُهُ (فَ) الزَّرْعُ (لِرَبِّهِ) أَيْ: رَبِّ الْبَذْرِ (مَبْقِيٌّ إلَى) أَوَانِ (حَصَادٍ) ; لِأَنَّ قَلْعَهُ إتْلَافٌ لَهُ عَلَى مَالِكِهِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ تَفْرِيطٌ وَلَا يَدُومُ ضَرَرُهُ (بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ) ; لِأَنَّ إلْزَامَ رَبِّ الْأَرْضِ بِتَبْقِيَةِ زَرْعٍ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ فِي أَرْضِهِ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ إضْرَارٌ بِهِ وَشَغْلٌ لِمِلْكِهِ بِدُونِ اخْتِيَارِهِ بِلَا عِوَضٍ فَوَجَبَ عَلَى رَبِّ الْبَذْرِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، كَمُسْتَأْجِرٍ انْقَضَتْ مُدَّتُهُ وَبَقِيَ زَرْعُهُ (وَحَمَلَهُ) أَيْ: السَّيْلُ (لِغَرْسٍ أَوْ نَوًى وَنَحْوِهِ) كَجَوْزٍ وَلَوْزٍ وَبُنْدُقٍ (إلَى أَرْضِ غَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ مَالِكِ هَذِهِ (فَنَبَتَ) فِي الْأَرْضِ
стр. 940
الْمَحْمُولِ إلَيْهَا (كَغَرْسِ مُشْتَرٍ شِقْصًا يَأْخُذُهُ شَفِيعٌ) بِجَامِعِ عَدَمِ التَّعَدِّي، فَلِرَبِّ الْأَرْضِ أَخْذُهُ بِقِيمَتِهِ أَوْ قَلْعُهُ مَعَ ضَمَانِ نَقْصِهِ.
(وَإِنْ حَمَلَ) سَيْلٌ (أَرْضًا بِغَرْسِهَا إلَى) أَرْضٍ (أُخْرَى فَنَبَتَ كَمَا كَانَ) قَبْلَ نَقْلِهِ (فَ) هُوَ (لِمَالِكِهَا) أَيْ: الْأَرْضِ الْمَحْمُولَةِ لِعَدَمِ مَا يَنْقُلُ الْمِلْكَ فِيهِ (وَيُجْبَرُ) رَبُّ أَرْضٍ مَحْمُولَةٍ (عَلَى إزَالَتِهَا) ; لِأَنَّ إبْقَاءَهَا إشْغَالٌ لِمِلْكِ غَيْرِهِ بِمَا يَدُومُ ضَرَرُهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، أَشْبَهَ أَغْصَانَ شَجَرَةٍ إذَا حَصَلَتْ فِي مِلْكِ جَارِهِ (وَمَا تُرِكَ لِرَبِّ الْأَرْضِ) مِمَّا انْتَقَلَ إلَيْهَا (سَقَطَ طَلَبُهُ بِسَبَبِهِ) فَلَا يُطَالَبُ بِأُجْرَةٍ وَلَا نَقْلٍ وَلَا غَيْرِهِ ; لِحُصُولِهِ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ وَلَا عُدْوَانِهِ. وَيُخَيَّرُ رَبُّ الْأَرْضِ الْمَشْغُولَةِ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ لِنَفْسِهِ وَإِنْ شَاءَ قَلَعَهُ قُلْتُ: وَكَذَا فِي إجَارَةٍ وَنَحْوِهَا.
[فَصْلٌ وَمُسْتَعِيرٌ فِي اسْتِيفَاءِ نَفْعٍ مِنْ عَيْنٍ مُعَارَةٍ كَمُسْتَأْجِرٍ]
(فَصْلٌ وَمُسْتَعِيرٌ فِي اسْتِيفَاءِ نَفْعٍ) مِنْ عَيْنٍ (مُعَارَةٍ) (كَمُسْتَأْجِرٍ) فَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِنَفْسِهِ وَبِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، لِمِلْكِهِ التَّصَرُّفَ فِيهَا بِإِذْنِ مَالِكِهَا فَإِذَا أَعَارَهُ أَرْضًا لِغِرَاسٍ أَوْ بِنَاءٍ فَلَهُ أَنْ يَزْرَعَ فِيهَا مَا شَاءَ. وَصَحَّحَ الْحَارِثِيُّ إذَا أَعَارَهُ لِلْبِنَاءِ لَا يَزْرَعُ. وَإِنْ اسْتَعَارَهَا لِزَرْعٍ لَمْ يَغْرِسْ وَلَمْ يَبْنِ، وَلِغَرْسٍ لَا يَبْنِي، وَلِبِنَاءٍ لَا يَغْرِسُ ; لِأَنَّ ضَرَرَهُمَا مُخْتَلِفٌ. وَلَا إنْ اسْتَعَارَهَا مُدَّةً لِزَرْعٍ أَنْ يَزْرَعَ أَكْثَرَ مِنْهَا، وَلَا إنْ اسْتَعَارَهَا لِزَرْعِ شَعِيرٍ أَنْ يَزْرَعَهَا حِنْطَةً (إلَّا أَنَّهُ) أَيْ: الْمُسْتَعِيرَ (لَا يُعِيرُ) مَا اسْتَعَارَهُ (وَلَا يُؤَجِّرُ) لِعَدَمِ مِلْكِهِ مَنَافِعَهُ بِخِلَافِ الْمُسْتَأْجِرِ (إلَّا بِإِذْنِ) مُعِيرِهِ.
فَإِنْ أَذِنَهُ جَازَ، وَلَا يَضْمَنُ مُسْتَأْجِرٌ مِنْ مُسْتَعِيرٍ وَعَكْسِهِ تَلَفُ عَيْنٍ عِنْدَهُ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَفْرِيطٍ (فَإِنْ خَالَفَ) فَأَعَارَ أَوْ أَجَّرَ بِغَيْرِ إذْنِهِ (فَتَلِفَتْ) الْعَيْنُ (عِنْدَ الثَّانِي) مُسْتَأْجِرًا كَانَ أَوْ مُسْتَعِيرًا (ضَمَّنَ) مَالِكُ الْعَيْنِ الْأَوَّلَ ; فَلِأَنَّهُ سَلَّطَ غَيْرَهُ عَلَى أَخْذِ مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ. أَشْبَهَ مَا لَوْ سَلَّطَ عَلَيْهِ دَابَّةً. وَأَمَّا الثَّانِي فَلِفَوَاتِ الْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ عَلَى مَالِكِهَا تَحْتَ يَدِهِ (وَالْقَرَارُ) فِي ضَمَانِهِمَا (عَلَى الثَّانِي) مُسْتَعِيرًا كَانَ أَوْ مُسْتَأْجِرًا (إنْ عَلِمَ) الْحَالَ لِتَعَدِّيهِ إذَنْ (وَإِلَّا) يَعْلَمْ الثَّانِي الْحَالَ بَلْ ظَنَّهَا مِلْكَ الْمُعِيرِ لَهُ (ضَمِنَ الْعَيْنَ) فَقَطْ (فِي عَارِيَّةٍ) لِدُخُولِهِ عَلَى ضَمَانِهَا بِخِلَافِ الْمَنْفَعَةِ (وَيَسْتَقِرُّ ضَمَانُ الْمَنْفَعَةِ عَلَى) الْمُسْتَعِيرِ (الْأَوَّلِ) ; لِأَنَّهُ غَرَّ الثَّانِي بِدَفْعِهَا لَهُ وَالْإِجَارَةُ بِعَكْسِهَا. وَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ نَوْعِ الِانْتِفَاعِ فِي الْإِعَارَةِ. فَلَوْ أَعَارَهُ
стр. 941
مُطْلَقًا مَلَكَ الِانْتِفَاعَ بِالْمَعْرُوفِ فِي كُلِّ مَا هُوَ مُهَيَّأٌ لَهُ. وَلَهُ انْتِسَاخُ الْكِتَابِ الْمُعَارِ وَدَفْعُ الْخَاتَمِ الْمُعَارِ لِمَنْ يَنْقُشُ لَهُ عَلَى مِثْلِهِ.
(وَالْعَوَارِيّ الْمَقْبُوضَةُ غَيْرُ وَقْفٍ كَكُتُبِ عِلْمٍ وَنَحْوِهَا) كَدُرُوعٍ مَوْقُوفَةٍ عَلَى غُزَاةٍ (تَلِفَتْ بِلَا تَفْرِيطٍ) كَسَرِقَةٍ مِنْ حِرْزِ مِثْلِهَا (مَضْمُونَةٌ) بِكُلِّ حَالٍ نَصًّا. وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَعَائِشَةُ وَأَبُو هُرَيْرَةَ. لِقَوْلِهِ ﷺ لِصَفْوَانَ «بَلْ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ» " فَأَثْبَتَ الضَّمَانَ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَلِحَدِيثِ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَأَمَّا الْوَقْفُ فَلَا يُضْمَنُ بِلَا تَفْرِيطٍ ; لِأَنَّ قَبْضَهُ لَيْسَ عَلَى وَجْهٍ يَخْتَصُّ مُسْتَعِيرٌ بِنَفْعِهِ ; لِأَنَّ تَعَلُّمَ الْعِلْمِ وَتَعْلِيمَهُ الْغَزْوَ مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ أَوْ لِكَوْنِ الْمِلْكِ فِيهِ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، أَوْ لِكَوْنِهِ مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْتَحَقِّينَ لَهُ. أَشْبَهَ سُقُوطَ قَنْطَرَةٍ بِمَشْيِهِ عَلَيْهَا (بِخِلَافِ حَيَوَانٍ مُوصَى بِنَفْعِهِ) إذَا قَبَضَهُ مُوصًى لَهُ وَتَلِفَ عِنْدَهُ فَلَا يَضْمَنُهُ إنْ لَمْ يُفَرِّطْ ; لِأَنَّ نَفْعَهُ مُسْتَحَقٌّ لَهُ. وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا «لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ غَيْرُ الْمُغِلِّ ضَمَانٌ» " أُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّ فِي إسْنَادِهِ عَمْرًا وَعُبَيْدًا وَهُمَا ضَعِيفَانِ، قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. فَإِنْ صَحَّ حُمِلَ عَلَى ضَمَانِ الْأَجْزَاءِ التَّالِفَةِ بِالِاسْتِعْمَالِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ (بِقِيمَةٍ مُتَقَوِّمَةٍ يَوْمَ تَلِفَ) ; لِأَنَّهُ يَوْمُ تَحَقُّقِ فَوَاتِهَا (وَمِثْلُ مِثْلِيَّةٍ) كَصَنْجَةٍ مِنْ نُحَاسٍ لَا صِنَاعَةَ بِهَا اسْتَعَارَهَا لِيَزِنَ بِهَا فَتَلِفَتْ فَعَلَيْهِ مِثْلُ وَزْنِهَا مِنْ نَوْعِهَا.
(وَيَلْغُو شَرْطُ عَدَمِ ضَمَانِهَا) أَيْ: الْعَارِيَّةِ (كَ) إلْغَاءِ (شَرْطِ ضَمَانِ أَمَانَةٍ) كَوَدِيعَةٍ ; لِأَنَّ مُقْتَضَى الْعَقْدِ فِي الْعَارِيَّةِ الضَّمَانُ، وَفِي الْأَمَانَةِ عَدَمُهُ فَإِذَا شُرِطَ خِلَافُهُ فَسَدَ ; لِمُنَافَاتِهِ مُقْتَضَى الْعَقْدِ.
(وَلَوْ أَرْكَبَ) إنْسَانٌ (دَابَّتَهُ) شَخْصًا (مُنْقَطِعًا لِلَّهِ، فَتَلِفَتْ) الدَّابَّةُ (تَحْتَهُ) أَيْ: الْمُنْقَطِعِ (لَمْ يَضْمَنْ) هَا ; لِأَنَّهَا غَيْرُ مَقْبُوضَةٍ ; لِأَنَّهَا بِيَدِ صَاحِبِهَا وَرَاكِبُهَا لَمْ يَنْفَرِدْ بِحِفْظِهَا. أَشْبَهَ مَا لَوْ غَطَّى ضَيْفَهُ بِلِحَافٍ فَتَلِفَ عَلَيْهِ لَمْ يَضْمَنْهُ (كَرَدِيفِ رَبِّهَا) أَيْ: الدَّابَّةِ، بِأَنْ أَرْكَبَ مَعَهُ آخَرَ عَلَى الدَّابَّةِ فَتَلِفَتْ تَحْتَهُمَا ; لِأَنَّ الدَّابَّةَ بِيَدِ رَبِّهَا (وَ) ك (رَائِضٍ) يَرْكَبُ الدَّابَّةَ لِمَصْلَحَتِهَا فَتَلِفَتْ تَحْتَهُ (وَ) ك (وَكِيلِ) رَبِّهَا إذَا تَلِفَتْ تَحْتَ يَدِهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهَا حُكْمُ الْعَارِيَّةِ.
(وَمَنْ قَالَ) لِرَبِّ دَابَّةٍ: (لَا أَرْكَبُ إلَّا بِأُجْرَةٍ فَقَالَ) لَهُ رَبُّهَا: (مَا آخُذُ) مِنْك لَهَا (أُجْرَةً) ثُمَّ رَكِبَهَا (فَعَارِيَّةٌ) ; لِأَنَّ رَبَّهَا لَمْ يَبْذُلْهَا إلَّا كَذَلِكَ (أَوْ اسْتَعْمَلَ الْمُودَعُ الْوَدِيعَةَ بِإِذْنِ رَبِّهَا فَعَارِيَّةٌ) فَيَضْمَنُ مَا تَلِفَ مِنْ ذَلِكَ.
(وَلَا يَضْمَنُ) مُسْتَعِيرٌ (وَلَدَ عَارِيَّةً سُلِّمَ مَعَهَا) بِتَلَفِهِ عِنْدَهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي
стр. 942
الْإِعَارَةِ وَلَا فَائِدَةَ لِمُسْتَعِيرٍ فِيهِ. أَشْبَهَ الْوَدِيعَةَ (وَلَا) يَضْمَنُ مُسْتَعِيرٌ (زِيَادَةً) حَدَثَتْ فِي مُعَارَةٍ (عِنْدَهُ) لِعَدَمِ وُرُودِ عَقْدِ الْعَارِيَّةِ عَلَيْهَا. فَإِنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً حَالَ الْعَقْدِ، بِأَنْ كَانَتْ سَمِينَةً فَهَزَلَتْ عِنْدَ مُسْتَعِيرٍ ضَمِنَ نَقْصَهَا (كَ) مَا لَا يَضْمَنُ (مُؤَجَّرَةً) وَلَا وَلَدَهَا وَلَا زِيَادَتَهَا ; لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ (بِلَا قَيْدٍ) مِنْ مُسْتَعِيرٍ أَوْ مُسْتَأْجِرٍ. فَإِنْ تَعَدَّيَا ضَمِنَا (وَلَا) تُضْمَنُ (هِيَ) أَيْ: الْعَارِيَّةُ (أَوْ جُزْؤُهَا بِاسْتِعْمَالٍ بِمَعْرُوفٍ) كَحَمْلِ مِنْشَفَةٍ أَوْ قَطِيفَةٍ وَكَثَوْبٍ بَلِيَ بِاللُّبْسِ ; لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي الِاسْتِعْمَالِ تَضَمَّنَ الْإِذْنَ فِي الْإِتْلَافِ بِهِ. وَمَا أُذِنَ فِي إتْلَافِهِ لَا يُضْمَنُ كَالْمَنَافِعِ. فَإِنْ حَمَلَ فِي الثَّوْبِ تُرَابًا فَتَلِفَ بِهِ ضَمِنَهُ لِتَعَدِّيهِ بِهِ، وَإِنْ جَرَحَ ظَهْرَ الدَّابَّةِ بِالْحَمْلِ ضَمِنَهُ مُطْلَقًا، ذَكَرَهُ الْحَارِثِيُّ.
(وَيُقْبَلُ قَوْلُ مُسْتَعِيرٍ بِيَمِينِهِ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ) الِاسْتِعْمَالَ بِالْمَعْرُوفِ ; لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ (وَعَلَيْهِ) أَيْ: الْمُسْتَعِيرِ (مُؤْنَةُ رَدِّهَا) أَيْ: الْعَارِيَّةِ. لِحَدِيثِ «الْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ» " وَحَدِيثِ " «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» " وَ (كَمَغْصُوبٍ) بِجَامِعِ أَنَّهُ قَبَضَهَا لَا لِمَصْلَحَةِ مَالِكِهَا فَيَرُدُّهَا إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَخَذَهَا مِنْهُ إنْ لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى رَدِّهَا إلَى غَيْرِهِ.
وَ (لَا) يَجِبُ عَلَى مُسْتَعِيرٍ (مُؤْنَتُهَا) أَيْ: الْعَارِيَّةِ مِنْ انْتِفَاعِهِ بِهَا (عِنْدَهُ) بَلْ هِيَ عَلَى مَالِكِهَا كَالْمُؤَجَّرَةِ (وَيَبْرَأُ) مُسْتَعِيرٌ (بِرَدِّ الدَّابَّةِ وَغَيْرِهَا) مِنْ الْعَوَارِيّ (إلَى مَنْ جَرَتْ عَادَتُهُ) أَيْ: الْإِنْسَانِ (بِهِ) أَيْ: الرَّدِّ (عَلَى يَدِهِ كَسَائِسِ) الدَّابَّةِ (وَخَازِنٍ وَزَوْجَةٍ وَوَكِيلٍ عَامٍّ) لِمَالِكٍ (فِي قَبْضِ حُقُوقِهِ) ; لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ عُرْفًا أَشْبَهَ مَا لَوْ أَذِنَ فِيهِ نُطْقًا. (وَلَا) يَبْرَأُ مُسْتَعِيرٌ (بِرَدِّهَا) أَيْ: الدَّابَّةِ (إلَى إصْطَبْلِهِ) بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ (أَوْ) إلَى (غُلَامِهِ) أَيْ: خَادِمِهِ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَرُدَّهَا إلَى مَالِكِهَا وَلَا إلَى نَائِبِهِ فِيهِ، كَرَدِّ السَّارِقِ مَا سَرَقَهُ إلَى الْحِرْزِ.
(وَمَنْ سَلَّمَ لِشَرِيكِهِ الدَّابَّةَ) الْمُشْتَرَكَةَ لِيَحْفَظَهَا بِلَا اسْتِعْمَالٍ (فَتَلِفَتْ بِلَا تَفْرِيطٍ أَوْ تَعَدٍّ لَمْ يَضْمَنْ) ; لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ بِيَدِهِ فَإِذَا أَذِنَ لَهُ فِي الِاسْتِعْمَالِ فَكَعَارِيَّةٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي نَظِيرِ إنْفَاقِهِ عَلَيْهَا أَوْ تَنَاوُبِهِ مَعَهُ، وَإِنْ اسْتَعْمَلَهَا بِلَا إذْنٍ فَغَصْبٌ. (تَتِمَّةٌ) يَجِبُ رَدُّ عَارِيَّةً بِطَلَبِ مَالِكٍ وَبِانْقِضَاءِ الْغَرَضِ مِنْهَا، وَبِانْتِهَاءِ التَّأْقِيتِ، وَبِمَوْتِ مُعِيرٍ أَوْ مُسْتَعِيرٍ. فَإِنْ أَخَّرَ الرَّدَّ بَعْدَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ ذَكَرَهُ الْحَارِثِيُّ.
стр. 943
[فَصْلٌ وَإِنْ اخْتَلَفَا أَيْ الْمَالِكُ وَالْقَابِضُ فِي الْعَارِيَّةِ]
(فَصْلٌ: وَإِنْ اخْتَلَفَا أَيْ: الْمَالِكُ وَالْقَابِضُ) (فَقَالَ) الْمَالِكُ (آجَرْتُك قَالَ) الْقَابِضُ: (بَلْ أَعَرْتنِي) وَاخْتِلَافُهُمَا (قَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةٍ) مِنْ الْقَبْضِ (لَهَا أُجْرَةٌ. فَقَوْلُ قَابِضٍ) بِيَمِينِهِ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَأْجِرْهَا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِجَارَةِ وَتُرَدُّ لِمَالِكِهَا (وَ) إنْ كَانَ اخْتِلَافُهُمَا (بَعْدَهَا) أَيْ: بَعْدَ مُدَّةٍ لَهَا أُجْرَةٌ (فَقَوْلُ مَالِكٍ فِيمَا مَضَى) بِيَمِينِهِ كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْتُكَهَا، وَقَالَ الْآخَرُ: وَهَبْتَنِيهَا فَيَحْلِفُ أَنَّهُ مَا أَعَارَهُ وَإِنَّمَا أَجَّرَهُ عَلَى كَلَامِ الْقَاضِي.
وَفِي التَّلْخِيصِ: لَا يَتَعَرَّضُ لِإِثْبَاتِ الْإِجَارَةِ وَلَا لِلْأُجْرَةِ الْمُسَمَّاةِ قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَهُوَ الْحَقُّ (وَ) يَجِبُ (لَهُ) أَيْ: الْمَالِكِ (أُجْرَةُ الْمِثْلِ) ; لِأَنَّ الْإِجَارَةَ لَا تَثْبُتُ بِدَعْوَى الْمَالِكِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ. وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ بَدَلَ الْمَنْفَعَةِ وَهُوَ أَجْرُ الْمِثْلِ. (وَكَذَا لَوْ ادَّعَى) زَارِعُ أَرْضِ غَيْرِهِ (أَنَّهُ زَرَعَ) الْأَرْضَ (عَارِيَّةً وَقَالَ رَبُّهَا) : زَرَعْتَهَا (إجَارَةً) فَقَوْلُ مَالِكٍ وَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ.
(وَ) إنْ قَالَ قَابِضٌ: لِمَالِكٍ (أَعَرْتنِي أَوْ) قَالَ لَهُ: (آجَرْتنِي. فَقَالَ) الْمَالِكُ: بَلْ (غَصَبْتَنِي) وَقَدْ مَضَتْ مُدَّةٌ لَهَا أُجْرَةٌ فَقَوْلُ مَالِكٍ ; لِأَنَّ الْقَابِضَ يَدَّعِي إبَاحَةَ الْمَنْفَعَةِ لَهُ وَالْمَالِكَ يُنْكِرُهَا وَالْأَصْلُ فِي الْقَابِضِ لِمَالِ غَيْرِهِ الضَّمَانُ.
(أَوْ) قَالَ الْمَالِكُ: (أَعَرْتُك، فَقَالَ) الْقَابِضُ: (بَلْ آجَرْتنِي وَالْبَهِيمَةُ) مَثَلًا (تَالِفَةٌ) عِنْدَ الِاخْتِلَافِ فَقَوْلُ مَالِكٍ بِيَمِينِهِ، لِمَا مَرَّ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْقَابِضِ لِمَالِ غَيْرِهِ الضَّمَانُ وَلَا أُجْرَةَ لَهُ فِي الثَّانِيَةِ (أَوْ اخْتَلَفَا فِي رَدِّهَا) أَيْ: الْعَارِيَّةِ (فَقَوْلُ مَالِكٍ) بِيَمِينِهِ ; لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ (وَكَذَا) لَوْ قَالَ الْقَابِضُ: (أَعَرْتنِي أَوْ) قَالَ (آجَرْتنِي: فَقَالَ) الْمَالِكُ: (غَصَبْتَنِي) وَالْعَيْنُ قَائِمَةٌ فَقَوْلُ مَالِكٍ بِيَمِينِهِ (فِي) وُجُوبِ (الْأُجْرَةِ) أَيْ: أُجْرَةِ الْمِثْلِ (وَ) فِي وُجُوبِ (رَفْعِ الْيَدِ) وَرَدِّ الْعَيْنِ لِمَالِكِهَا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا يَدَّعِيهِ الْقَابِضُ.
(وَ) إنْ قَالَ الْمَالِكُ: (أَعَرْتُك فَقَالَ) الْقَابِضُ: (أَوْدَعْتنِي فَقَوْلُ مَالِكٍ) بِيَمِينِهِ لِمَا سَبَقَ (وَلَهُ قِيمَةُ) عَيْنٍ (تَالِفَةٍ) لِثُبُوتِ حُكْمِ الْعَارِيَّةِ بِحَلِفِهِ عَلَيْهِ (وَكَذَا) يُقْبَلُ قَوْلُ مَالِكٍ بِيَمِينِهِ (فِي عَكْسِهَا) بِأَنْ قَالَ الْمَالِكُ: أَوْدَعْتُكَ، وَالْقَابِضُ أَعَرْتَنِي (وَلَهُ) أَيْ: الْمَالِكِ عَلَى الْقَابِضِ (أُجْرَةُ مَا انْتَفَعَ بِهَا) أَيْ: الْعَيْنِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ ضَمَانُ الْمَنَافِعِ عَلَيْهِ وَدَعْوَاهُ الْعَارِيَّةَ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، وَإِنْ قَالَ مَالِكٌ: غَصَبْتَنِي، قَالَ قَابِضٌ:. أَوْدَعْتنِي. فَقِيَاسُ مَا سَبَقَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ بِيَمِينِهِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي قَبْضِ مَالِ الْغَيْرِ الضَّمَانُ.
стр. 944
[بَابُ الْغَصْبِ]
(بَابُ الْغَصْبِ) مَصْدَرُ غَصَبَ يَغْصِبُ مِنْ بَابِ ضَرَبَ يَضْرِبُ. وَيُقَالُ: اغْتَصَبَهُ يَغْتَصِبُهُ اغْتِصَابًا وَالشَّيْءُ مَغْصُوبٌ وَغَصْبٌ. وَهُوَ لُغَةً أَخْذُ الشَّيْءِ ظُلْمًا. قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَابْنُ سِيدَهْ وَشَرْعًا (اسْتِيلَاءٌ غَيْرُ حَرْبِيٍّ) بِفِعْلٍ يُعَدُّ اسْتِيلَاءً (عُرْفًا عَلَى حَقِّ غَيْرِهِ قَهْرًا بِغَيْرِ حَقٍّ) وَمِنْهُ الْمَأْخُوذُ مَكْسًا وَنَحْوُهُ فَلَا يَحْصُلُ بِلَا اسْتِيلَاءٍ. فَلَوْ دَخَلَ دَارَ غَيْرِهِ أَوْ أَرْضَهُ لَمْ يَضْمَنْهَا بِدُخُولِهِ بِلَا إذْنِهِ، سَوَاءٌ كَانَ صَاحِبُهَا فِيهَا أَوْ لَا. لَكِنْ لَا يُشْتَرَطُ لِتَحَقُّقِ الْغَصْبِ نَقْلُ الْعَيْنِ. فَيَكْفِي مُجَرَّدُ الِاسْتِيلَاءِ وَنَحْوِهِ، كَمَا لَوْ رَكِبَ دَابَّةً وَاقِفَةً لَيْسَ عِنْدَهَا رَبُّهَا وَلَوْ دَخَلَ دَارًا قَهْرًا وَأَخْرَجَ رَبَّهَا فَغَاصِبٌ. وَإِنْ أَخْرَجَهُ قَهْرًا وَلَمْ يَدْخُلْ أَوْ دَخَلَ مَعَ حُضُورِ رَبِّهَا وَقُوَّتِهِ فَلَا. وَإِنْ دَخَلَ قَهْرًا وَلَمْ يُخْرِجْهُ فَقَدْ غَصَبَ مَا اسْتَوْلَى عَلَيْهِ إنْ أَرَادَ الْغَصْبَ.
وَإِنْ دَخَلَهَا قَهْرًا فِي غَيْبَةِ رَبِّهَا فَغَاصِبٌ، وَلَوْ كَانَ فِيهَا قُمَاشَةٌ. ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ. وَأَمَّا اسْتِيلَاءُ الْحَرْبِيِّ فَقَدْ سَبَقَ فِي الْغَنِيمَةِ. وَقَوْلُهُ: (عَلَى حَقِّ غَيْرِهِ) يَشْمَلُ الْمِلْكَ وَالِاخْتِصَاصَ، وَقَوْلُهُ " قَهْرًا " أَخْرَجَ بِهِ الْمَسْرُوقَ وَالْمُخْتَلَسَ وَنَحْوَهُ. وَقَوْلُهُ " بِغَيْرِ حَقٍّ " خَرَجَ بِهِ الشُّفْعَةُ وَالْغَصْبُ مُحَرَّمٌ إجْمَاعًا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
(وَيُضْمَنُ عَقَارٌ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ بِغَصْبٍ. لِحَدِيثِ " «مَنْ ظَلَمَ شِبْرًا مِنْ أَرْضٍ طَوَّقَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بِمَعْنَاهُ.
وَفِي لَفْظٍ " مَنْ غَصَبَ شِبْرًا مِنْ الْأَرْضِ " وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ الِاسْتِيلَاءُ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهٍ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِكِهِ كَسُكْنَاهُ الدَّارَ وَمَنْعِ صَاحِبِهَا مِنْهَا. أَشْبَهَ أَخْذَ الدَّابَّةِ وَالْمَتَاعِ. وَيَصِحُّ غَصْبُ مُشَاعٍ كَأَرْضٍ أَوْ دَارٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي أَيْدِيهِمَا فَيَنْزِلُ الْغَاصِبُ فِيهَا وَيُخْرِجُ أَحَدَهُمَا وَيُقِرُّ الْآخَرَ مَعَهُ عَلَى مَا كَانَ مَعَ الْمُخْرَجِ. فَلَا يَكُونُ غَاصِبًا إلَّا نَصِيبَ الْمُخْرَجِ حَتَّى لَوْ اسْتَغَلَّا الْمِلْكَ أَوْ انْتَفَعَا لَمْ يَلْزَمْهُ الْبَاقِي مِنْهُمَا لِشَرِيكِهِ الْمُخْرَجِ شَيْءٌ.
وَكَذَا لَوْ كَانَ عَبْدٌ لِاثْنَيْنِ كَفَّ الْغَاصِبُ يَدَ أَحَدِهِمَا عَنْهُ وَنَزَلَ فِي التَّسَلُّطِ عَلَيْهِ مَوْضِعَهُ مَعَ إقْرَارِ الْآخَرِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، حَتَّى لَوْ بَاعَاهُ بَطَلَ بَيْعُ الْغَاصِبِ لِلنِّصْفِ وَصَحَّ بَيْعُ الْآخَرِ لِنِصْفِهِ. وَلَوْ غَصَبَ مِنْ قَوْمٍ ضَيْعَةً ثُمَّ رَدَّ إلَى أَحَدِهِمْ نَصِيبَهُ مُشَاعًا لَمْ يُطْلَبْ لَهُ الِانْفِرَادُ بِالْمَرْدُودِ عَلَيْهِ. هَذَا مَعْنَى نَصِّهِ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ. قَالَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ مُلَخَّصًا.
(وَ) تُضْمَنُ (أُمُّ وَلَدٍ) بِغَصْبٍ ; لِأَنَّ حُكْمَهَا كَالْقِنِّ فِي الضَّمَانِ بِقِيمَتِهِمَا لَوْ قُتِلَتْ
стр. 945
دُونَ دَيْنِهَا. فَهُوَ دَلِيلُ مَالِيَّتِهَا (وَ) يُضْمَنُ (قِنٌّ) ذَكَرًا وَأُنْثَى وَلَوْ مُكَاتَبًا أَوْ مُدَبَّرًا أَوْ مُعَلَّقًا عِتْقُهُ بِصِفَةٍ (بِغَصْبِهِ) كَسَائِرِ الْمَالِ (لَكِنْ لَا تَثْبُتُ) يَدُ غَاصِبٍ (عَلَى بُضْعِ أَمَةٍ) مَغْصُوبَةٍ (فَيَصِحُّ) مِنْ مَالِكِهَا (تَزْوِيجُهَا) وَهِيَ بِيَدِ غَاصِبِهَا (وَلَا يَضْمَنُ) الْغَاصِبُ (نَفْعَهُ) أَيْ: الْبُضْعِ ; لِأَنَّهُ لَا تَصِحُّ الْمُعَاوَضَةُ عَلَيْهِ بِالْإِجَارَةِ.
(وَإِنْ غَصَبَ) شَخْصٌ (خَمْرَ مُسْلِمٍ ضَمِنَ) الْغَاصِبُ (مَا تَخَلَّلَ بِيَدِهِ) مِنْهَا إنْ تَلِفَتْ قَبْلَ رَدِّهِ ; لِأَنَّهَا صَارَتْ خَلًّا عَلَى حُكْمِ مِلْكِ الْمَغْصُوبَةِ مِنْهُ وَيَلْزَمُهُ رَدُّ مَا تَخَلَّلَ ; لِأَنَّ يَدَ الْأَوَّلِ لَمْ تَزُلْ عَنْهَا بِالْغَصْبِ فَكَأَنَّهَا تَخَلَّلَتْ فِي يَدِهِ.
وَ (لَا) يَضْمَنُ (مَا تَخَلَّلَ مِمَّا جَمَعَ) مِنْ خَمْرٍ (بَعْدَ إرَاقَتِهَا) لِزَوَالِ الْيَدِ بِالْإِرَاقَةِ (وَيُرَدُّ خَمْرُ ذِمِّيٍّ مُسْتَتِرَةً) غُصِبَتْ (كَخَمْرِ خَلَّالٍ) ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنْ إمْسَاكِهَا (وَ) يُرَدُّ (كَلْبٌ يُقْتَنَى) كَكَلْبِ صَيْدٍ لِجَوَازِ الِانْتِفَاعِ بِهِ، وَ (لَا) تُرَدُّ (قِيمَتُهَا) أَيْ: الْخَمْرِ لِذِمِّيٍّ أَوْ خَلَّالٍ وَلَا الْكَلْبِ (مَعَ تَلَفٍ) لِتَحْرِيمِهِمَا فَهُمَا كَالْمَيْتَةِ (وَلَا) يَلْزَمُ رَدُّ (جِلْدِ مَيْتَةٍ غُصِبَ ; لِأَنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِدَبْغٍ) فَلَا سَبِيلَ إلَى إصْلَاحِهِ وَفِيهِ وَجْهٌ وَصَحَّحَهُ الْحَارِثِيُّ وَفِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ وَالتَّوْضِيحِ: ; لِأَنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ بَعْدَ دَبْغِهِ فِي الْيَابِسَاتِ فَإِنْ تَلِفَ لَمْ يَلْزَمْهُ قِيمَتُهُ (وَلَا يَضْمَنُ حُرٌّ) كَبِيرًا أَوْ صَغِيرًا (بِاسْتِيلَاءٍ عَلَيْهِ) بِأَنْ حَبَسَهُ وَلَمْ يَمْنَعْهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ فَمَاتَ عِنْدَهُ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ (وَتُضْمَنُ ثِيَابُ حُرٍّ صَغِيرٍ وَحُلِيُّهُ) وَلَوْ لَمْ يَنْزَعْهُمَا عَنْهُ ; لِأَنَّ الصَّغِيرَ لَا مُمَانَعَةَ مَعَهُ عَنْ ذَلِكَ، أَشْبَهَ مَا لَوْ غَصَبَهُ مُنْفَرِدًا. وَعَلَى مَنْ أَبْعَدَهُ عَنْ بَيْتِ أَهْلِهِ رَدُّهُ إلَيْهِ وَمُؤْنَتُهُ عَلَيْهِ.
وَ (لَا) تُضْمَنُ (دَابَّةٌ) غُصِبَتْ وَ (عَلَيْهَا مَالِكُهَا الْكَبِيرُ وَمَتَاعُهُ) ; لِأَنَّهَا فِي يَدِ مَالِكِهَا (وَإِنْ اسْتَعْمَلَهُ) أَيْ: الْحُرُّ (كُرْهًا) فِي خِدْمَةٍ أَوْ خِيَاطَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا فَعَلَيْهِ أُجْرَتُهُ ; لِاسْتِيفَائِهِ مَنَافِعَهُ الْمُتَقَوِّمَةَ فَيَضْمَنُهَا كَمَنَافِعِ الْعَبْدِ (أَوْ حَبَسَهُ) أَيْ: الْحُرُّ (مُدَّةً) لَهَا أُجْرَةٌ (فَعَلَيْهِ أُجْرَتُهُ) مُدَّةَ حَبْسِهِ، ; لِأَنَّهُ فَوَّتَ مَنْفَعَتَهُ زَمَنَ الْحَبْسِ، وَهِيَ مَالٌ يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ كَمَنَافِعِ الْعَبْدِ.
وَ (لَا) أُجْرَةَ (إنْ مَنَعَ) شَخْصٌ آخَرُ (وَلَوْ) كَانَ الْمَمْنُوعُ (قِنًّا: الْعَمَلَ مِنْ غَيْرِ حَبْسٍ) ; لِعَدَمِ تَلَفِهَا تَحْتَ يَدِهِ ; وَلِأَنَّهُ فِي يَدِ نَفْسِهِ أَوْ سَيِّدِهِ، وَمَنَافِعُهُ تَلِفَتْ مَعَهُ، كَمَا لَا يُضْمَنُ هُوَ وَلَا ثِيَابُهُ إذَنْ (وَلَا يُضْمَنُ رِبْحٌ فَاتَ) عَلَى مَالِكٍ (بِحَبْسِ) غَاصِبٍ (مَالِ تِجَارَةٍ) مُدَّةً يُمْكِنُ أَنْ يَرْبَحَ فِيهَا إذَا لَمْ يَتَّجِرْ فِيهِ غَاصِبٌ كَمَا لَوْ حَبَسَ عَبْدًا يُرِيدُ مَالِكُهُ أَنْ يُعَلِّمَهُ صِنَاعَةً مُدَّةً يُمْكِنُ تَعَلُّمُهَا فِيهَا ; لِأَنَّهَا لَا وُجُودَ لَهَا
стр. 946
[فَصْلٌ يَجِبُ عَلَى غَاصِبٍ رَدُّ مَغْصُوبٍ إلَى مَحَلٍّ]
(فَصْلٌ: وَ) يَجِبُ (عَلَى غَاصِبٍ رَدُّ مَغْصُوبٍ إلَى مَحَلِّهِ) إنْ (قَدَرَ) الْغَاصِبُ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى رَدِّهِ (وَلَوْ) كَانَ رَدُّهُ (بِأَضْعَافِ قِيمَتِهِ) أَيْ: الْمَغْصُوبِ (لِكَوْنِهِ بُنِيَ عَلَيْهِ) بِأَنْ غَصَبَ حَجَرًا أَوْ خَشَبًا قِيمَتُهُ دِرْهَمٌ مَثَلًا وَبُنِيَ عَلَيْهِ وَاحْتَاجَ فِي إخْرَاجِهِ وَرَدِّهِ إلَى خَمْسَةِ دَرَاهِمَ (أَوْ) لِكَوْنِهِ (بَعُدَ) بِأَنْ حُمِلَ إلَى بَلَدٍ بَعِيدَةٍ بِحَيْثُ تَكْثُرُ أُجْرَةُ رَدِّهِ عَلَى قِيمَتِهِ (أَوْ) لِكَوْنِهِ (خُلِطَ بِمُتَمَيِّزٍ) كَأَنْ غَصَبَ سِمْسِمًا وَخَلَطَهُ بِبُرٍّ وَاحْتَاجَ فِي تَخْلِيصِهِ إلَى أُجْرَةٍ (وَنَحْوِهِ) كَأَنْ غَصَبَ حَيَوَانًا فَانْفَلَتَ بِمَكَانٍ يَعْسُرُ مَسْكُهُ فِيهِ وَيَحْتَاجُ فِيهِ إلَى أُجْرَةٍ، فَتَلْزَمُ الْغَاصِبَ لِحَدِيثِ " «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّهُ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. وَلِحَدِيثِ " «لَا يَأْخُذَنَّ أَحَدُكُمْ مَتَاعَ أَخِيهِ لَاعِبًا أَوْ جَادًّا فَإِذَا أَخَذَ عَصَا أَخِيهِ فَلْيَرُدَّهَا إلَيْهِ أَوْ يَرُدُّهَا عَلَيْهِ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ; وَلِأَنَّهُ حَصَلَ بِتَعَدِّيهِ فَكَانَ أَوْلَى بِغُرْمِهِ مِنْ مَالِكِهِ.
(وَإِنْ قَالَ رَبُّ) مَغْصُوبٍ (عَبْدٍ) لِغَاصِبٍ بَعْدَهُ: (دَعْهُ) بِالْبَلَدِ الَّذِي هُوَ بِهَا (وَأَعْطِنِي أُجْرَةَ رَدِّهِ إلَى بَلَدٍ غَصْبِهِ لَمْ يَجِبْ) أَيْ: لَمْ يَلْزَمْ الْغَاصِبَ إجَابَتُهُ إلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ.
وَكَذَا لَوْ طَلَبَ مِنْ غَاصِبٍ حَمْلَهُ إلَى مَكَانٍ آخَرَ فِي غَيْرِ طَرِيقِ الرَّدِّ وَكَذَا لَوْ بَذَلَ الْغَاصِبُ لِمَالِكِهِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ وَلَا يَسْتَرِدُّهُ وَأَبَى الْمَالِكُ. وَإِنْ أَرَادَ مَالِكٌ مِنْ غَاصِبٍ رَدَّهُ إلَى بَعْضِ الطَّرِيقِ فَقَطْ لَزِمَهُ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ إلَى جَمِيعِ الْمَسَافَةِ فَلَزِمَهُ إلَى بَعْضِهَا، كَمَدِينٍ أَسْقَطَ عَنْهُ رَبُّ الدَّيْنِ بَعْضَهُ وَطَلَبَ بَاقِيَهُ. وَكَذَا إنْ طَلَبَ إبْقَاءَهُ بِمَحَلِّهِ وَيَجُوزُ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ.
(وَإِنْ سَمَّرَ) غَاصِبٌ (بِالْمَسَامِيرِ) الْمَغْصُوبَةِ (بَابًا) أَوْ غَيْرَهُ (قَلَعَهَا) وُجُوبًا (وَرَدَّهَا) لِرَبِّهَا لِلْخَبَرِ، وَلَا أَثَرَ لِضَرَرِهِ ; لِأَنَّهُ بِتَعَدِّيهِ. (وَإِنْ زَرَعَ) الْغَاصِبُ (الْأَرْضَ) الْمَغْصُوبَةَ (فَلَيْسَ لِرَبِّهَا) أَيْ: الْأَرْضِ إذَا رُدَّتْ (بَعْدَ حَصْدِ) الزَّرْعِ (إلَّا الْأُجْرَةُ) أَيْ: أُجْرَةُ الْمِثْلِ مِنْ وَضْعِ يَدِهِ عَلَى الْأَرْضِ إلَى رَدِّهَا، وَلَيْسَ لَهُ تَمَلُّكُ الزَّرْعِ بَعْدَ حَصَادِهِ ; لِأَنَّهُ انْفَصَلَ عَنْ مِلْكِهِ كَمَا لَوْ غَرَسَ فِيهَا غَرْسًا ثُمَّ قَلَعَهُ.
(وَيُخَيَّرُ) رَبُّ أَرْضٍ قَدَرَ عَلَيْهَا مِنْ غَاصِبٍ (قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ حَصَادِهِ (بَيْنَ تَرْكِهِ) أَيْ: الزَّرْعِ فِي أَرْضِهِ (إلَيْهِ) أَيْ: الْحَصَادِ (بِأُجْرَتِهِ) أَيْ: أُجْرَةِ مِثْلِهِ (أَوْ تَمَلُّكِهِ) أَيْ: الزَّرْعِ (بِنَفَقَتِهِ وَهِيَ مِثْلُ الْبَذْرِ، وَعِوَضُ لَوَاحِقِهِ) مِنْ حَرْثٍ وَسَقْيٍ وَنَحْوِهِمَا. لِحَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ مَرْفُوعًا «مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَلَيْسَ لَهُ مِنْ الزَّرْعِ شَيْءٌ وَلَهُ نَفَقَتُهُ»
стр. 947
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
قَالَ أَحْمَدُ: إنَّمَا أَذْهَبُ إلَى هَذَا الْحُكْمِ اسْتِحْسَانًا عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ ; وَلِأَنَّ فِي كُلٍّ مِنْ تَبْقِيَتِهِ بِأُجْرَتِهِ وَتَمَلُّكِهِ بِنَفَقَتِهِ تَحْصِيلًا لِغَرَضِ رَبِّ الْأَرْضِ فَمَلَكَ الْخِيَرَةَ بَيْنَهُمَا. وَلَا يُجْبَرُ غَاصِبٌ عَلَى قَلْعِ زَرْعِهِ ; لِأَنَّهُ أَمْكَنَ رَدُّ الْمَغْصُوبِ إلَى مَالِكِهِ بِلَا إتْلَافِ مَالِ الْغَاصِبِ عَلَى قُرْبٍ مِنْ الزَّمَانِ فَلَمْ يَجُزْ إتْلَافُهُ، كَسَفِينَةٍ غَصَبَهَا وَحَمَلَ فِيهَا مَتَاعَهُ وَأَدْخَلَهَا اللُّجَّةَ، بِخِلَافِ الشَّجَرِ ; لِأَنَّ مُدَّتَهُ تَطُولُ وَلَا يُعْلَمُ انْتِهَاؤُهَا. وَحَدِيثُ " «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» " وَرَدَ فِي الْغَرْسِ وَحَدِيثُ رَافِعٍ فِي الزَّرْعِ فَعَمَلُ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي مَوْضِعِهِ أَوْلَى مِنْ إبْطَالِ أَحَدِهِمَا.
(وَإِنْ غَرَسَ) غَاصِبُ أَرْضٍ فِيهَا (أَوْ بَنَى فِيهَا أُخِذَ) أَيْ: أُلْزِمَ (بِقَلْعِ غِرَاسِهِ أَوْ بِنَائِهِ) لِحَدِيثِ «لَيْسَ لِعِرَقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ (وَ) أَخَذَ بِ (تَسْوِيَتِهَا وَأَرْشِ نَقْصِهَا) لِحُصُولِهِ بِتَعَدِّيهِ (وَأُجْرَتِهَا) إلَى تَسْلِيمِهَا لِتَلَفِ مَنَافِعِهَا تَحْتَ يَدِهِ الْعَادِيَةِ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا لَزِمَهُ أُجْرَتُهَا، وَأَرْشُ نَقْصِهَا إنْ نَقَصَتْ بِتَرْكِ زَرْعِهَا ذَلِكَ الْعَامَ، كَأَرَاضِي الْبَصْرَةِ كَمَا لَوْ نَقَصَتْ بِغَيْرِهِ (حَتَّى وَلَوْ كَانَ) الْغَاصِبُ (أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ) فِي الْأَرْضِ (أَوْ لَمْ يَغْصِبْهَا) الْغَارِسُ أَوْ الْبَانِي فِيهَا (لَكِنْ فَعَلَهُ بِغَيْرِ إذْنٍ) لِلتَّعَدِّي (وَلَا يَمْلِكُ) رَبُّ أَرْضٍ (أَخْذَهُ) أَيْ: الْغِرَاسِ أَوْ الْبِنَاءِ (بِقِيمَتِهِ) ; لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِ الْغَاصِبِ.
أَشْبَهَ مَا لَوْ وَضَعَ فِيهَا أَثَاثًا أَوْ نَحْوَهُ ; وَلِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ فَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا الْمَالِكُ. وَقَالَ الْمَجْدُ: فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: وَلِصَاحِبِ الْأَرْضِ تَمَلُّكُ الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ بِقِيمَتِهٍ مَقْلُوعًا إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ تَنْقُصُ بِقَلْعِهِ (وَإِنْ وَهَبَ) أَيْ: وَهَبَ غَارِسٌ أَوْ بَانَ غَرْسُهُ أَوْ بِنَاؤُهُ (لِمَالِكِهَا) أَيْ: الْأَرْضِ (لَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَبُولِهِ) ; لِأَنَّ فِيهِ إجْبَارًا عَلَى عَقْدٍ يُعْتَبَرُ فِيهِ الرِّضَا، وَإِنْ زَرَعَ فِيهَا نَوًى فَصَارَ شَجَرًا، فَكَمَا لَوْ حَمَلَ الْغَاصِبُ إلَيْهَا غَرْسًا، فَغَرَسَهُ فِيهَا (وَرُطَبُهُ وَنَحْوُهَا) مِمَّا يَتَكَرَّرُ حَمْلُهُ كَقِثَّاءٍ وَبَامِيَا (كَزَرْعٍ) فَلِرَبِّهَا إذَا أَدْرَكَهُ قَائِمًا أَنْ يَتَمَلَّكَهُ بِنَفَقَتِهِ أَوْ يَتْرُكَهُ بِأُجْرَتِهِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عِرْقٌ قَوِيٌّ أَشْبَهَ الْحِنْطَةَ (لَا) ك (غَرْسٍ لِمَا تَقَدَّمَ.
وَإِنْ أَثْمَرَ مَا غَرَسَهُ غَاصِبٌ فِي مَغْصُوبٍ) فَالثَّمَرُ لِلْغَاصِبِ عِنْدَ الْمُوَفَّقِ وَالشَّارِحُ وَصَاحِبِ الْفَائِقِ وَابْنِ رَزِينٍ.
وَفِي الْمُجَرَّدِ وَالْفُصُولِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَنَوَادِرِ الْمَذْهَبِ: كَالزَّرْعِ. وَاخْتَارَ الْحَارِثِيُّ الْأَوَّلَ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ.
(وَمَتَى كَانَتْ آلَاتُ الْبِنَاءِ مِنْ مَغْصُوبٍ) بِأَنْ ضَرَبَ مِنْ تُرَابِهِ لَبِنًا وَبَنَى بِهِ بَيْتًا فِيهَا (فَ) عَلَيْهِ (أُجْرَتُهَا مَبْنِيَّةً) ; لِأَنَّ الْأَرْضَ وَالْبِنَاءَ مِلْكُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ (وَلَا يَمْلِكُ)
стр. 948
غَاصِبٌ (هَدْمَهَا) ; لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ رَبُّهُ فَإِنْ نَقَضَهُ فَعَلَيْهِ أَرْشُ نَقْضِهِ. قُلْتُ: قِيَاسُ مَا يَأْتِي إنْ أَبْرَأَهُ رَبُّ أَرْضٍ مِنْ ضَمَانِهِ فَلَيْسَ لَهُ نَقْضُهُ، وَإِلَّا فَلَهُ نَقْضُهُ دَفْعًا لِضَرَرِهِ (وَإِلَّا) تَكُنْ آلَاتُ الْبِنَاءِ مِنْ مَغْصُوبٍ بِأَنْ بَنَاهَا بِلَبِنٍ مِنْ غَيْرِ تُرَابِهَا (فَ) عَلَيْهِ (أُجْرَتُهَا) أَيْ: الْأَرْضِ دُونَ الْبِنَاءِ ; لِأَنَّهُ مِلْكُهُ (فَلَوْ أَجَّرَهُمَا) أَيْ: أَجَّرَ غَاصِبٌ الْأَرْضَ وَبِنَاءَهُ الَّذِي لَيْسَ مِنْهَا (فَالْأُجْرَةُ) بَيْنَ الْغَاصِبِ وَرَبِّ الْأَرْضِ (بِقَدْرِ قِيمَتِهِمَا) أَيْ: تُوَزَّعُ بَيْنَهُمَا بِالْمُحَاصَّةِ بِقَدْرِ أُجْرَةِ مِثْلِ الْأَرْضِ وَأُجْرَةِ الْبِنَاءِ.
(وَمَنْ غَصَبَ أَرْضًا وَغِرَاسًا مَنْقُولًا مِنْ) مَالِكٍ (وَاحِدٍ فَغَرَسَهُ) أَيْ: الْغِرَاسَ الْمَغْصُوبَ (فِيهَا) أَيْ: الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ (لَمْ يَمْلِكْ) الْغَاصِبُ (قَلْعَهُ) ; لِأَنَّ مَالِكَهُمَا وَاحِدٌ وَلَا يَتَصَرَّفُ غَيْرُهُ فِي مِلْكِهِ بِلَا إذْنِهِ (وَعَلَيْهِ) أَيْ: الْغَاصِبِ (إنْ فَعَلَ) أَيْ: قَلَعَ الْغِرَاسَ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكٍ: تَسْوِيَتُهَا وَأَرْشُ نَقْصِهَا وَأَرْشُ نَقْصِ غِرَاسٍ لِتَعَدِّيهِ بِهِ (أَوْ طَلَبَهُ) أَيْ: الْقَلْعَ (رَبُّهُمَا) أَيْ: رَبُّ الْأَرْضِ وَالْغِرَاسِ (لِغَرَضٍ صَحِيحٍ) بِأَنْ كَانَ لَا يَنْتُجُ مِثْلُهُ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ مَثَلًا (تَسْوِيَتُهَا) أَيْ: الْأَرْضِ (وَ) أَرْشُ (نَقْصِهَا وَ) أَرْشُ (نَقْصِ غِرَاسٍ) لِتَعَدِّيهِ بِهِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِمَالِكٍ غَرَضٌ صَحِيحٌ فِي قَلْعِهِ لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ غَاصِبٌ ; لِأَنَّهُ سَفَهٌ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ لَهُ فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ مَقْصُودٌ ; لِأَنَّهُ فَوَّتَ عَلَيْهِ غَرَضَهُ فَأَخَذَ بِإِعَادَتِهَا كَمَا كَانَتْ. وَإِنْ غَصَبَ أَرْضًا مِنْ وَاحِدٍ وَغَرْسًا مِنْ آخَرَ وَغَرَسَهُ فِيهَا فَكَمَا لَوْ حَمَلَ السَّيْلُ غِرَاسًا إلَى أَرْضِ آخَرَ وَتَقَدَّمَ. وَكَذَا لَوْ غَصَبَ أَرْضًا مِنْ وَاحِدٍ وَحَبًّا مِنْ آخَرَ وَزَرَعَهُ فِيهَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمَجْدُ.
(وَإِنْ غَصَبَ خَشَبًا فَرَقَّعَ بِهِ سَفِينَةً قُلِعَ) إنْ كَانَتْ فِي السَّاحِلِ أَوْ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ وَلَا يُخَافُ عَلَيْهَا مِنْ قَلْعِهِ لِكَوْنِهِ فِي أَعْلَاهَا وَدَفَعَ لِرَبِّهِ بِلَا إمْهَالٍ لِوُجُوبِهِ فَوْرًا (وَيُمْهَلُ) لِقَلْعٍ (مَعَ خَوْفٍ) عَلَى سَفِينَةٍ بِقَلْعِهِ بِأَنْ يَكُونَ فِي مَحَلٍّ يُخَافُ مِنْ قَلْعِهِ دُخُولُ الْمَاءِ إلَيْهَا وَهِيَ فِي اللُّجَّةِ (حَتَّى تَرْسِيَ) لِئَلَّا يُؤَدِّيَ قَلْعُهُ إلَى إفْسَادِ مَا فِي السَّفِينَةِ مِنْ الْمَالِ مَعَ إمْكَانِ رَدِّهِ بِدُونِهِ فِي زَمَنٍ يَسِيرٍ (فَإِنْ تَعَذَّرَ) الْإِرْسَاءُ لِبُعْدِ الْبَرِّ (فَلِمَالِكِ) خَشَبٍ مَغْصُوبٍ (أَخْذُ قِيمَتِهِ) لِلتَّضَرُّرِ بِرَدِّ عَيْنِهِ إذَنْ، وَمَتَى رَسَتْ وَاسْتَرْجَعَهُ رَدَّ الْقِيمَةَ كَمَنْ غَصَبَ عَبْدًا فَأَبَقَ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَا فِي السَّفِينَةِ حَيَوَانًا أَوْ غَيْرَهُ لِلْغَاصِبِ أَوْ غَيْرِهِ (وَعَلَيْهِ) أَيْ: الْغَاصِبِ (أُجْرَتُهُ) أَيْ: الْخَشَبُ الْمَغْصُوبِ (إلَيْهِ) أَيْ: أَخْذُ قِيمَتِهِ إنْ أَخَذَهَا وَإِلَّا فَإِلَى رَدِّهِ ; لِأَنَّهُ فَوَّتَ مَنَافِعَهُ عَلَى مَالِكِهِ (وَ) عَلَيْهِ أَرْشُ (نَقْصِهِ) لِحُصُولِهِ بِتَعَدِّيهِ عَلَى مِلْكِ غَيْرِهِ.
(وَإِنْ غَصَبَ مَا خَاطَ بِهِ جُرْحَ) حَيَوَانٍ
стр. 949
مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ (وَخِيفَ بِقَلْعِهِ) أَيْ الْخَيْطِ (ضَرَرُ آدَمِيٍّ أَوْ تَلَفُ) أَيْ: مَوْتُ حَيَوَانِ (غَيْرِهِ) أَيْ: الْآدَمِيِّ (فَ) الْوَاجِبُ (قِيمَتُهُ) لِمَالِكِهِ لِتَأَكُّدِ حُرْمَةِ الْآدَمِيِّ. وَلِهَذَا جَازَ لَهُ أَخْذُ مَالِ غَيْرِهِ لِحِفْظِ حَيَاتِهِ وَحُرْمَةُ الْحَيَوَانِ آكَدُ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَمْوَالِ. وَلِهَذَا جَازَ إتْلَافُ غَيْرِهِ وَهُوَ مَا يَطْعَمُهُ الْحَيَوَانُ لِأَجْلِ تَبْقِيَتِهِ (وَإِنْ حَلَّ) حَيَوَانٌ خِيطَ جُرْحِهِ بِمَغْصُوبٍ (لِغَاصِبٍ) كَشَاةٍ وَبَقَرَةٍ وَنَحْوِهِمَا وَخِيفَ مَوْتٌ بِقَلْعِهِ (أُمِرَ) غَاصِبٌ (بِذَبْحِهِ) أَيْ: الْحَيَوَانِ (وَيَرُدُّهُ) أَيْ: الْخَيْطَ الْمَغْصُوبَ وَلَوْ نَقَصَ الْحَيَوَانُ بِذَبْحِهِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْخَيْطِ، أَوْ لَمْ يُعَدَّ لِلذَّبْحِ كَالْخَيْلِ كَمَا لَوْ بُنِيَ عَلَى الْمَغْصُوبِ.
فَإِنْ كَانَ الْمَخِيطُ جُرْحُهُ بِهِ غَيْرَ مُحْتَرَمٍ كَخِنْزِيرٍ وَمُرْتَدٍّ وَجَبَ قَلْعُهُ وَرَدُّهُ فِي الْحَالِ كَمَا لَوْ خَاطَ بِهِ ثَوْبًا وَإِنْ كَانَ الْحَيَوَانُ غَيْرَ مَأْكُولٍ أَوْ كَانَ مَأْكُولًا، لَكِنْ لِغَيْرِ الْغَاصِبِ لَمْ يُذْبَحْ (كَ) مَا يُرَدُّ الْخَيْطُ (بَعْدَ مَوْتِ) حَيَوَانٍ (غَيْرِ آدَمِيٍّ) ; لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ بِخِلَافِ الْآدَمِيِّ، لِبَقَاءِ حُرْمَتِهِ فَتَتَعَيَّنَ قِيمَتُهُ. (وَمَنْ غَصَبَ جَوْهَرَةً) مَثَلًا (فَابْتَلَعَتْهَا بَهِيمَةٌ) بِتَفْرِيطِهِ أَوْ لَا (فَكَذَلِكَ) أَيْ حُكْمُهَا حُكْمُ الْخَيْطِ الَّذِي خَاطَ بِهِ جُرْحَهَا، (وَلَوْ ابْتَلَعَتْ شَاةُ شَخْصٍ) مَثَلًا (جَوْهَرَةَ آخَرَ غَيْرَ مَغْصُوبَةٍ وَلَا تَخْرُجُ) أَيْ: تَعَذَّرَ إخْرَاجُ الْجَوْهَرَةِ (إلَّا بِذَبْحِهَا وَهُوَ) أَيْ: ذَبْحُهَا (أَقَلُّ ضَرَرًا) مِنْ ضَرَرِ تَرْكِهَا (ذُبِحَتْ وَعَلَى رَبِّ الْجَوْهَرَةِ مَا نَقَصَ بِهِ) أَيْ: بِالذَّبْحِ ; لِأَنَّهُ لِتَخْلِيصِ مَتَاعِهِ (إنْ لَمْ يُفَرِّطْ رَبُّ الشَّاةِ بِكَوْنِ يَدِهِ عَلَيْهَا) حِينَ ابْتِلَاعِهَا الْجَوْهَرَةَ.
فَإِنْ كَانَتْ يَدُهُ عَلَيْهَا فَلَا شَيْءَ عَلَى رَبِّ الْجَوْهَرَةِ ; لِأَنَّ التَّفْرِيطَ مِنْ غَيْرِهِ. فَكَانَ الضَّرَرُ عَلَى الْمُفَرِّطِ (وَإِنْ حَصَلَ رَأْسُهَا) أَيْ: الشَّاةِ وَنَحْوِهَا (بِإِنَاءٍ وَلَمْ يَخْرُجْ) رَأْسُهَا (إلَّا بِذَبْحِهَا أَوْ كَسْرِهِ) أَيْ الْإِنَاءِ (وَلَمْ يُفَرِّطَا) أَيْ: رَبُّ الشَّاةِ، وَرَبُّ الْإِنَاءِ (كُسِرَ) الْإِنَاءُ (وَعَلَى مَالِكِهَا أَرْشُهُ) ; لِأَنَّهُ لِتَخْلِيصِ مَالِهِ (وَمَعَ تَفْرِيطِهِ) أَيْ: رَبِّ الشَّاةِ (تُذْبَحُ) أَيْ: الشَّاةُ (بِلَا ضَمَانٍ) عَلَى رَبِّ الْإِنَاءِ ; لِأَنَّ التَّفْرِيطَ مِنْ جِهَتِهِ فَهُوَ أَوْلَى بِالضَّرَرِ مِمَّنْ لَمْ يُفَرِّطْ (وَمَعَ تَفْرِيطِ رَبِّهِ) أَيْ: الْإِنَاءِ كَمَا لَوْ أَدْخَلَهُ بِيَدِهِ أَوْ أَلْقَى الْإِنَاءَ بِالطَّرِيقِ (يُكْسَرُ بِلَا أَرْشٍ) عَلَى رَبِّ الشَّاةِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَيَتَعَيَّنُ فِي) بَهِيمَةٍ (غَيْرِ مَأْكُولَةٍ) حَصَلَ رَأْسُهَا بِإِنَاءٍ وَلَمْ يَخْرُجْ إلَّا بِكَسْرِهِ (كَسَرَهُ) أَيْ: الْإِنَاءَ وَعَلَى رَبِّهَا أَرْشُهُ. إلَّا أَنْ يَكُونَ التَّفْرِيطُ مِنْ رَبِّ الْإِنَاءِ. وَإِنْ قَالَ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُرْمُ: أَنَا أُتْلِفُ مَالِي وَلَا أَغْرَمُ شَيْئًا. فَلَهُ ذَلِكَ (وَيَحْرُمُ تَرْكُ الْحَالِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ) أَيْ: تَرْكُ رَأْسِ الْبَهِيمَةِ فِي الْإِنَاءِ بِلَا ذَبْحٍ وَلَا كَسْرٍ. لِأَنَّهُ تَعْذِيبُ حَيَوَانٍ. فَإِنْ لَمْ يُفَرِّطْ رَبُّ الْإِنَاءِ وَامْتَنَعَ رَبُّ الْمَأْكُولَةِ مِنْ
стр. 950
ذَبْحِهَا وَمِنْ أَرْشِ كَسْرِ الْإِنَاءِ أَوْ رَبُّ غَيْرِ الْمَأْكُولَةِ مِنْ أَرْشِ الْكَسْرِ أُجْبِرَ ; لِأَنَّهُ مِنْ ضَرُورَةِ تَخْلِيصِهَا مِنْ الْعَذَابِ، فَلَزِمَ رَبَّهَا كَعَلَفِهَا.
(وَلَوْ حَصَلَ مَالُ شَخْصٍ) مِنْ حَيَوَانٍ أَوْ غَيْرِهِ (فِي دَارٍ آخَرَ وَتَعَذَّرَ إخْرَاجُهُ) مِنْ الدَّارِ (بِدُونِ نَقْضِ) بَعْضِهَا (وَجَبَ) النَّقْضُ وَأُخْرِجَ (وَعَلَى رَبِّهِ) أَيْ: الْمَالِ الْمُخْرَجِ (ضَمَانُهُ) أَيْ إصْلَاحُهُ. لِأَنَّهُ لِتَخْلِيصِ مَالِهِ (إنْ لَمْ يُفَرِّطْ صَاحِبُ الدَّارِ) فَإِنْ فَرَّطَ فَلَا ضَمَانَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ. لِأَنَّ الْمُفَرِّطَ أَوْلَى بِحُصُولِ الضَّرَرِ، كَمَا لَوْ كَانَ بِتَعَدِّيهِ.
(وَمَنْ غَصَبَ دِينَارًا أَوْ نَحْوَهُ) كَجَوْهَرَةٍ أَوْ دِرْهَمٍ (فَحَصَلَ) ذَلِكَ (فِي مِحْبَرَة آخَرَ أَوْ نَحْوِهَا) مِنْ كُلِّ إنَاءٍ ضَيِّقِ الرَّأْسِ بِفِعْلِ غَاصِبٍ أَوْ لَا (وَعَسُرَ إخْرَاجُهُ) مِنْهَا بِدُونِ كَسْرِهَا (فَإِنْ زَادَ ضَرَرُ الْكَسْرِ عَلَيْهِ) أَيْ: الدِّينَارِ بِأَنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا صَحِيحَةً دِينَارَيْنِ وَكَانَتْ قِيمَتُهَا مَكْسُورَةً نِصْفَ دِينَارٍ (فَعَلَى الْغَاصِبِ بَدَلُهُ) أَيْ الدِّينَارِ يُعْطِيهِ لِرَبِّهِ وَلَمْ تُكْسَرْ، لِأَنَّهُ إضَاعَةُ مَالٍ (وَأَلَّا) يَزِيدَ ضَرَرُ الْكَسْرِ عَلَى الدِّينَارِ بِأَنْ تَسَاوَيَا أَوْ كَانَ ضَرَرُ الْكَسْرِ أَقَلَّ (تَعَيَّنَ الْكَسْرُ) لِيُرَدَّ الْمَغْصُوبُ (وَعَلَيْهِ) أَيْ الْغَاصِبِ (ضَمَانُهَا) أَيْ: الْمِحْبَرَةِ لِتَسَبُّبِهِ بِالْغَصْبِ فِي إتْلَافِهَا (وَإِنْ حَصَلَ) الدِّينَارُ فِي الْمِحْبَرَةِ (بِلَا غَصْبٍ وَلَا فِعْلِ أَحَدٍ كُسِرَتْ) الْمِحْبَرَةُ (وَعَلَى رَبِّهِ) أَيْ: الدِّينَارِ (أَرْشُهَا) أَيْ: أَرْشُ نَقْصِهَا بِالْكَسْرِ. لِأَنَّهُ لِتَخْلِيصِ مَالِهِ (إلَّا أَنْ يَمْتَنِعَ) رَبُّ الدِّينَارِ (مِنْهُ) أَيْ: كَسْرِ الْمِحْبَرَةِ مَعَ ضَمَانِ نَقْصِ أَرْشِهَا (لِكَوْنِهَا) أَيْ: الْمِحْبَرَةِ (ثَمِينَةً) فَلَا تُكْسَرُ وَيَصْطَلِحَانِ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: قِيَاسُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا أَنْ يُقَالَ لِرَبِّ الدِّينَارِ: إنْ شِئْتَ أَنْ تَأْخُذَ فَاغْرَمْ أَوْ فَاتْرُكْ وَلَا شَيْءَ لَكَ (وَ) إنْ حَصَلَ الدِّينَارُ وَنَحْوُهُ فِيهَا (بِفِعْلِ مَالِكِهَا تُكْسَرُ مَجَّانًا) بِلَا ضَمَانٍ عَلَى رَبِّ الْمَالِ لِوُجُوبِ إعَادَةِ الدِّينَارِ إلَى مَالِكِهِ عَلَى رَبِّهَا. وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ بِدُونِ كَسْرِهَا وَالتَّفْرِيطُ مِنْ مَالِكِهَا (وَ) إنْ حَصَلَ فِيهَا (بِفِعْلِ رَبِّ الدِّينَارِ يُخَيَّرُ) رَبُّ الدِّينَارِ (بَيْنَ تَرْكِهِ) فِي الْمِحْبَرَةِ حَتَّى يَخْرُجَ بِكَسْرِهَا وَنَحْوِهِ (وَ) بَيْنَ (كَسْرِهَا وَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا) كَامِلَةً لِتَعَدِّيهِ (وَيَلْزَمُهُ) أَيْ: رَبَّ الدِّينَارِ (قَبُولُ مِثْلِهِ) أَيْ: الدِّينَارِ (إنْ بَذَلَهُ رَبُّهَا) أَيْ: الْمِحْبَرَةِ وَلَا يَكْسِرُهَا، سَوَاءٌ قِيلَ: يُجْبَرُ عَلَى كَسْرِهَا أَوْ لَا. لِأَنَّهُ بَذَلَ لَهُ مَالًا يَتَفَاوَتُ بِهِ حَقُّهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ، فَلَزِمَهُ قَبُولُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ. وَلَوْ بَادَرَ رَبُّ الدِّينَارِ وَكَسَرَهَا لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهَا مُطْلَقًا.
следующие страницы →