Полный текст (1 968 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
[فَصْلٌ يَجِبُ عَلَى غَاصِبٍ رَدُّ مَغْصُوبٍ إلَى مَحَلٍّ]
(فَصْلٌ: وَ) يَجِبُ (عَلَى غَاصِبٍ رَدُّ مَغْصُوبٍ إلَى مَحَلِّهِ) إنْ (قَدَرَ) الْغَاصِبُ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى رَدِّهِ (وَلَوْ) كَانَ رَدُّهُ (بِأَضْعَافِ قِيمَتِهِ) أَيْ: الْمَغْصُوبِ (لِكَوْنِهِ بُنِيَ عَلَيْهِ) بِأَنْ غَصَبَ حَجَرًا أَوْ خَشَبًا قِيمَتُهُ دِرْهَمٌ مَثَلًا وَبُنِيَ عَلَيْهِ وَاحْتَاجَ فِي إخْرَاجِهِ وَرَدِّهِ إلَى خَمْسَةِ دَرَاهِمَ (أَوْ) لِكَوْنِهِ (بَعُدَ) بِأَنْ حُمِلَ إلَى بَلَدٍ بَعِيدَةٍ بِحَيْثُ تَكْثُرُ أُجْرَةُ رَدِّهِ عَلَى قِيمَتِهِ (أَوْ) لِكَوْنِهِ (خُلِطَ بِمُتَمَيِّزٍ) كَأَنْ غَصَبَ سِمْسِمًا وَخَلَطَهُ بِبُرٍّ وَاحْتَاجَ فِي تَخْلِيصِهِ إلَى أُجْرَةٍ (وَنَحْوِهِ) كَأَنْ غَصَبَ حَيَوَانًا فَانْفَلَتَ بِمَكَانٍ يَعْسُرُ مَسْكُهُ فِيهِ وَيَحْتَاجُ فِيهِ إلَى أُجْرَةٍ، فَتَلْزَمُ الْغَاصِبَ لِحَدِيثِ " «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّهُ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. وَلِحَدِيثِ " «لَا يَأْخُذَنَّ أَحَدُكُمْ مَتَاعَ أَخِيهِ لَاعِبًا أَوْ جَادًّا فَإِذَا أَخَذَ عَصَا أَخِيهِ فَلْيَرُدَّهَا إلَيْهِ أَوْ يَرُدُّهَا عَلَيْهِ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ; وَلِأَنَّهُ حَصَلَ بِتَعَدِّيهِ فَكَانَ أَوْلَى بِغُرْمِهِ مِنْ مَالِكِهِ.
(وَإِنْ قَالَ رَبُّ) مَغْصُوبٍ (عَبْدٍ) لِغَاصِبٍ بَعْدَهُ: (دَعْهُ) بِالْبَلَدِ الَّذِي هُوَ بِهَا (وَأَعْطِنِي أُجْرَةَ رَدِّهِ إلَى بَلَدٍ غَصْبِهِ لَمْ يَجِبْ) أَيْ: لَمْ يَلْزَمْ الْغَاصِبَ إجَابَتُهُ إلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ.
وَكَذَا لَوْ طَلَبَ مِنْ غَاصِبٍ حَمْلَهُ إلَى مَكَانٍ آخَرَ فِي غَيْرِ طَرِيقِ الرَّدِّ وَكَذَا لَوْ بَذَلَ الْغَاصِبُ لِمَالِكِهِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ وَلَا يَسْتَرِدُّهُ وَأَبَى الْمَالِكُ. وَإِنْ أَرَادَ مَالِكٌ مِنْ غَاصِبٍ رَدَّهُ إلَى بَعْضِ الطَّرِيقِ فَقَطْ لَزِمَهُ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ إلَى جَمِيعِ الْمَسَافَةِ فَلَزِمَهُ إلَى بَعْضِهَا، كَمَدِينٍ أَسْقَطَ عَنْهُ رَبُّ الدَّيْنِ بَعْضَهُ وَطَلَبَ بَاقِيَهُ. وَكَذَا إنْ طَلَبَ إبْقَاءَهُ بِمَحَلِّهِ وَيَجُوزُ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ.
(وَإِنْ سَمَّرَ) غَاصِبٌ (بِالْمَسَامِيرِ) الْمَغْصُوبَةِ (بَابًا) أَوْ غَيْرَهُ (قَلَعَهَا) وُجُوبًا (وَرَدَّهَا) لِرَبِّهَا لِلْخَبَرِ، وَلَا أَثَرَ لِضَرَرِهِ ; لِأَنَّهُ بِتَعَدِّيهِ. (وَإِنْ زَرَعَ) الْغَاصِبُ (الْأَرْضَ) الْمَغْصُوبَةَ (فَلَيْسَ لِرَبِّهَا) أَيْ: الْأَرْضِ إذَا رُدَّتْ (بَعْدَ حَصْدِ) الزَّرْعِ (إلَّا الْأُجْرَةُ) أَيْ: أُجْرَةُ الْمِثْلِ مِنْ وَضْعِ يَدِهِ عَلَى الْأَرْضِ إلَى رَدِّهَا، وَلَيْسَ لَهُ تَمَلُّكُ الزَّرْعِ بَعْدَ حَصَادِهِ ; لِأَنَّهُ انْفَصَلَ عَنْ مِلْكِهِ كَمَا لَوْ غَرَسَ فِيهَا غَرْسًا ثُمَّ قَلَعَهُ.
(وَيُخَيَّرُ) رَبُّ أَرْضٍ قَدَرَ عَلَيْهَا مِنْ غَاصِبٍ (قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ حَصَادِهِ (بَيْنَ تَرْكِهِ) أَيْ: الزَّرْعِ فِي أَرْضِهِ (إلَيْهِ) أَيْ: الْحَصَادِ (بِأُجْرَتِهِ) أَيْ: أُجْرَةِ مِثْلِهِ (أَوْ تَمَلُّكِهِ) أَيْ: الزَّرْعِ (بِنَفَقَتِهِ وَهِيَ مِثْلُ الْبَذْرِ، وَعِوَضُ لَوَاحِقِهِ) مِنْ حَرْثٍ وَسَقْيٍ وَنَحْوِهِمَا. لِحَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ مَرْفُوعًا «مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَلَيْسَ لَهُ مِنْ الزَّرْعِ شَيْءٌ وَلَهُ نَفَقَتُهُ»
стр. 947
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
قَالَ أَحْمَدُ: إنَّمَا أَذْهَبُ إلَى هَذَا الْحُكْمِ اسْتِحْسَانًا عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ ; وَلِأَنَّ فِي كُلٍّ مِنْ تَبْقِيَتِهِ بِأُجْرَتِهِ وَتَمَلُّكِهِ بِنَفَقَتِهِ تَحْصِيلًا لِغَرَضِ رَبِّ الْأَرْضِ فَمَلَكَ الْخِيَرَةَ بَيْنَهُمَا. وَلَا يُجْبَرُ غَاصِبٌ عَلَى قَلْعِ زَرْعِهِ ; لِأَنَّهُ أَمْكَنَ رَدُّ الْمَغْصُوبِ إلَى مَالِكِهِ بِلَا إتْلَافِ مَالِ الْغَاصِبِ عَلَى قُرْبٍ مِنْ الزَّمَانِ فَلَمْ يَجُزْ إتْلَافُهُ، كَسَفِينَةٍ غَصَبَهَا وَحَمَلَ فِيهَا مَتَاعَهُ وَأَدْخَلَهَا اللُّجَّةَ، بِخِلَافِ الشَّجَرِ ; لِأَنَّ مُدَّتَهُ تَطُولُ وَلَا يُعْلَمُ انْتِهَاؤُهَا. وَحَدِيثُ " «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» " وَرَدَ فِي الْغَرْسِ وَحَدِيثُ رَافِعٍ فِي الزَّرْعِ فَعَمَلُ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي مَوْضِعِهِ أَوْلَى مِنْ إبْطَالِ أَحَدِهِمَا.
(وَإِنْ غَرَسَ) غَاصِبُ أَرْضٍ فِيهَا (أَوْ بَنَى فِيهَا أُخِذَ) أَيْ: أُلْزِمَ (بِقَلْعِ غِرَاسِهِ أَوْ بِنَائِهِ) لِحَدِيثِ «لَيْسَ لِعِرَقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ (وَ) أَخَذَ بِ (تَسْوِيَتِهَا وَأَرْشِ نَقْصِهَا) لِحُصُولِهِ بِتَعَدِّيهِ (وَأُجْرَتِهَا) إلَى تَسْلِيمِهَا لِتَلَفِ مَنَافِعِهَا تَحْتَ يَدِهِ الْعَادِيَةِ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا لَزِمَهُ أُجْرَتُهَا، وَأَرْشُ نَقْصِهَا إنْ نَقَصَتْ بِتَرْكِ زَرْعِهَا ذَلِكَ الْعَامَ، كَأَرَاضِي الْبَصْرَةِ كَمَا لَوْ نَقَصَتْ بِغَيْرِهِ (حَتَّى وَلَوْ كَانَ) الْغَاصِبُ (أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ) فِي الْأَرْضِ (أَوْ لَمْ يَغْصِبْهَا) الْغَارِسُ أَوْ الْبَانِي فِيهَا (لَكِنْ فَعَلَهُ بِغَيْرِ إذْنٍ) لِلتَّعَدِّي (وَلَا يَمْلِكُ) رَبُّ أَرْضٍ (أَخْذَهُ) أَيْ: الْغِرَاسِ أَوْ الْبِنَاءِ (بِقِيمَتِهِ) ; لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِ الْغَاصِبِ.
أَشْبَهَ مَا لَوْ وَضَعَ فِيهَا أَثَاثًا أَوْ نَحْوَهُ ; وَلِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ فَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا الْمَالِكُ. وَقَالَ الْمَجْدُ: فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: وَلِصَاحِبِ الْأَرْضِ تَمَلُّكُ الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ بِقِيمَتِهٍ مَقْلُوعًا إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ تَنْقُصُ بِقَلْعِهِ (وَإِنْ وَهَبَ) أَيْ: وَهَبَ غَارِسٌ أَوْ بَانَ غَرْسُهُ أَوْ بِنَاؤُهُ (لِمَالِكِهَا) أَيْ: الْأَرْضِ (لَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَبُولِهِ) ; لِأَنَّ فِيهِ إجْبَارًا عَلَى عَقْدٍ يُعْتَبَرُ فِيهِ الرِّضَا، وَإِنْ زَرَعَ فِيهَا نَوًى فَصَارَ شَجَرًا، فَكَمَا لَوْ حَمَلَ الْغَاصِبُ إلَيْهَا غَرْسًا، فَغَرَسَهُ فِيهَا (وَرُطَبُهُ وَنَحْوُهَا) مِمَّا يَتَكَرَّرُ حَمْلُهُ كَقِثَّاءٍ وَبَامِيَا (كَزَرْعٍ) فَلِرَبِّهَا إذَا أَدْرَكَهُ قَائِمًا أَنْ يَتَمَلَّكَهُ بِنَفَقَتِهِ أَوْ يَتْرُكَهُ بِأُجْرَتِهِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عِرْقٌ قَوِيٌّ أَشْبَهَ الْحِنْطَةَ (لَا) ك (غَرْسٍ لِمَا تَقَدَّمَ.
وَإِنْ أَثْمَرَ مَا غَرَسَهُ غَاصِبٌ فِي مَغْصُوبٍ) فَالثَّمَرُ لِلْغَاصِبِ عِنْدَ الْمُوَفَّقِ وَالشَّارِحُ وَصَاحِبِ الْفَائِقِ وَابْنِ رَزِينٍ.
وَفِي الْمُجَرَّدِ وَالْفُصُولِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَنَوَادِرِ الْمَذْهَبِ: كَالزَّرْعِ. وَاخْتَارَ الْحَارِثِيُّ الْأَوَّلَ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ.
(وَمَتَى كَانَتْ آلَاتُ الْبِنَاءِ مِنْ مَغْصُوبٍ) بِأَنْ ضَرَبَ مِنْ تُرَابِهِ لَبِنًا وَبَنَى بِهِ بَيْتًا فِيهَا (فَ) عَلَيْهِ (أُجْرَتُهَا مَبْنِيَّةً) ; لِأَنَّ الْأَرْضَ وَالْبِنَاءَ مِلْكُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ (وَلَا يَمْلِكُ)
стр. 948
غَاصِبٌ (هَدْمَهَا) ; لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ رَبُّهُ فَإِنْ نَقَضَهُ فَعَلَيْهِ أَرْشُ نَقْضِهِ. قُلْتُ: قِيَاسُ مَا يَأْتِي إنْ أَبْرَأَهُ رَبُّ أَرْضٍ مِنْ ضَمَانِهِ فَلَيْسَ لَهُ نَقْضُهُ، وَإِلَّا فَلَهُ نَقْضُهُ دَفْعًا لِضَرَرِهِ (وَإِلَّا) تَكُنْ آلَاتُ الْبِنَاءِ مِنْ مَغْصُوبٍ بِأَنْ بَنَاهَا بِلَبِنٍ مِنْ غَيْرِ تُرَابِهَا (فَ) عَلَيْهِ (أُجْرَتُهَا) أَيْ: الْأَرْضِ دُونَ الْبِنَاءِ ; لِأَنَّهُ مِلْكُهُ (فَلَوْ أَجَّرَهُمَا) أَيْ: أَجَّرَ غَاصِبٌ الْأَرْضَ وَبِنَاءَهُ الَّذِي لَيْسَ مِنْهَا (فَالْأُجْرَةُ) بَيْنَ الْغَاصِبِ وَرَبِّ الْأَرْضِ (بِقَدْرِ قِيمَتِهِمَا) أَيْ: تُوَزَّعُ بَيْنَهُمَا بِالْمُحَاصَّةِ بِقَدْرِ أُجْرَةِ مِثْلِ الْأَرْضِ وَأُجْرَةِ الْبِنَاءِ.
(وَمَنْ غَصَبَ أَرْضًا وَغِرَاسًا مَنْقُولًا مِنْ) مَالِكٍ (وَاحِدٍ فَغَرَسَهُ) أَيْ: الْغِرَاسَ الْمَغْصُوبَ (فِيهَا) أَيْ: الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ (لَمْ يَمْلِكْ) الْغَاصِبُ (قَلْعَهُ) ; لِأَنَّ مَالِكَهُمَا وَاحِدٌ وَلَا يَتَصَرَّفُ غَيْرُهُ فِي مِلْكِهِ بِلَا إذْنِهِ (وَعَلَيْهِ) أَيْ: الْغَاصِبِ (إنْ فَعَلَ) أَيْ: قَلَعَ الْغِرَاسَ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكٍ: تَسْوِيَتُهَا وَأَرْشُ نَقْصِهَا وَأَرْشُ نَقْصِ غِرَاسٍ لِتَعَدِّيهِ بِهِ (أَوْ طَلَبَهُ) أَيْ: الْقَلْعَ (رَبُّهُمَا) أَيْ: رَبُّ الْأَرْضِ وَالْغِرَاسِ (لِغَرَضٍ صَحِيحٍ) بِأَنْ كَانَ لَا يَنْتُجُ مِثْلُهُ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ مَثَلًا (تَسْوِيَتُهَا) أَيْ: الْأَرْضِ (وَ) أَرْشُ (نَقْصِهَا وَ) أَرْشُ (نَقْصِ غِرَاسٍ) لِتَعَدِّيهِ بِهِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِمَالِكٍ غَرَضٌ صَحِيحٌ فِي قَلْعِهِ لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ غَاصِبٌ ; لِأَنَّهُ سَفَهٌ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ لَهُ فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ مَقْصُودٌ ; لِأَنَّهُ فَوَّتَ عَلَيْهِ غَرَضَهُ فَأَخَذَ بِإِعَادَتِهَا كَمَا كَانَتْ. وَإِنْ غَصَبَ أَرْضًا مِنْ وَاحِدٍ وَغَرْسًا مِنْ آخَرَ وَغَرَسَهُ فِيهَا فَكَمَا لَوْ حَمَلَ السَّيْلُ غِرَاسًا إلَى أَرْضِ آخَرَ وَتَقَدَّمَ. وَكَذَا لَوْ غَصَبَ أَرْضًا مِنْ وَاحِدٍ وَحَبًّا مِنْ آخَرَ وَزَرَعَهُ فِيهَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمَجْدُ.
(وَإِنْ غَصَبَ خَشَبًا فَرَقَّعَ بِهِ سَفِينَةً قُلِعَ) إنْ كَانَتْ فِي السَّاحِلِ أَوْ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ وَلَا يُخَافُ عَلَيْهَا مِنْ قَلْعِهِ لِكَوْنِهِ فِي أَعْلَاهَا وَدَفَعَ لِرَبِّهِ بِلَا إمْهَالٍ لِوُجُوبِهِ فَوْرًا (وَيُمْهَلُ) لِقَلْعٍ (مَعَ خَوْفٍ) عَلَى سَفِينَةٍ بِقَلْعِهِ بِأَنْ يَكُونَ فِي مَحَلٍّ يُخَافُ مِنْ قَلْعِهِ دُخُولُ الْمَاءِ إلَيْهَا وَهِيَ فِي اللُّجَّةِ (حَتَّى تَرْسِيَ) لِئَلَّا يُؤَدِّيَ قَلْعُهُ إلَى إفْسَادِ مَا فِي السَّفِينَةِ مِنْ الْمَالِ مَعَ إمْكَانِ رَدِّهِ بِدُونِهِ فِي زَمَنٍ يَسِيرٍ (فَإِنْ تَعَذَّرَ) الْإِرْسَاءُ لِبُعْدِ الْبَرِّ (فَلِمَالِكِ) خَشَبٍ مَغْصُوبٍ (أَخْذُ قِيمَتِهِ) لِلتَّضَرُّرِ بِرَدِّ عَيْنِهِ إذَنْ، وَمَتَى رَسَتْ وَاسْتَرْجَعَهُ رَدَّ الْقِيمَةَ كَمَنْ غَصَبَ عَبْدًا فَأَبَقَ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَا فِي السَّفِينَةِ حَيَوَانًا أَوْ غَيْرَهُ لِلْغَاصِبِ أَوْ غَيْرِهِ (وَعَلَيْهِ) أَيْ: الْغَاصِبِ (أُجْرَتُهُ) أَيْ: الْخَشَبُ الْمَغْصُوبِ (إلَيْهِ) أَيْ: أَخْذُ قِيمَتِهِ إنْ أَخَذَهَا وَإِلَّا فَإِلَى رَدِّهِ ; لِأَنَّهُ فَوَّتَ مَنَافِعَهُ عَلَى مَالِكِهِ (وَ) عَلَيْهِ أَرْشُ (نَقْصِهِ) لِحُصُولِهِ بِتَعَدِّيهِ عَلَى مِلْكِ غَيْرِهِ.
(وَإِنْ غَصَبَ مَا خَاطَ بِهِ جُرْحَ) حَيَوَانٍ
стр. 949
مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ (وَخِيفَ بِقَلْعِهِ) أَيْ الْخَيْطِ (ضَرَرُ آدَمِيٍّ أَوْ تَلَفُ) أَيْ: مَوْتُ حَيَوَانِ (غَيْرِهِ) أَيْ: الْآدَمِيِّ (فَ) الْوَاجِبُ (قِيمَتُهُ) لِمَالِكِهِ لِتَأَكُّدِ حُرْمَةِ الْآدَمِيِّ. وَلِهَذَا جَازَ لَهُ أَخْذُ مَالِ غَيْرِهِ لِحِفْظِ حَيَاتِهِ وَحُرْمَةُ الْحَيَوَانِ آكَدُ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَمْوَالِ. وَلِهَذَا جَازَ إتْلَافُ غَيْرِهِ وَهُوَ مَا يَطْعَمُهُ الْحَيَوَانُ لِأَجْلِ تَبْقِيَتِهِ (وَإِنْ حَلَّ) حَيَوَانٌ خِيطَ جُرْحِهِ بِمَغْصُوبٍ (لِغَاصِبٍ) كَشَاةٍ وَبَقَرَةٍ وَنَحْوِهِمَا وَخِيفَ مَوْتٌ بِقَلْعِهِ (أُمِرَ) غَاصِبٌ (بِذَبْحِهِ) أَيْ: الْحَيَوَانِ (وَيَرُدُّهُ) أَيْ: الْخَيْطَ الْمَغْصُوبَ وَلَوْ نَقَصَ الْحَيَوَانُ بِذَبْحِهِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْخَيْطِ، أَوْ لَمْ يُعَدَّ لِلذَّبْحِ كَالْخَيْلِ كَمَا لَوْ بُنِيَ عَلَى الْمَغْصُوبِ.
فَإِنْ كَانَ الْمَخِيطُ جُرْحُهُ بِهِ غَيْرَ مُحْتَرَمٍ كَخِنْزِيرٍ وَمُرْتَدٍّ وَجَبَ قَلْعُهُ وَرَدُّهُ فِي الْحَالِ كَمَا لَوْ خَاطَ بِهِ ثَوْبًا وَإِنْ كَانَ الْحَيَوَانُ غَيْرَ مَأْكُولٍ أَوْ كَانَ مَأْكُولًا، لَكِنْ لِغَيْرِ الْغَاصِبِ لَمْ يُذْبَحْ (كَ) مَا يُرَدُّ الْخَيْطُ (بَعْدَ مَوْتِ) حَيَوَانٍ (غَيْرِ آدَمِيٍّ) ; لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ بِخِلَافِ الْآدَمِيِّ، لِبَقَاءِ حُرْمَتِهِ فَتَتَعَيَّنَ قِيمَتُهُ. (وَمَنْ غَصَبَ جَوْهَرَةً) مَثَلًا (فَابْتَلَعَتْهَا بَهِيمَةٌ) بِتَفْرِيطِهِ أَوْ لَا (فَكَذَلِكَ) أَيْ حُكْمُهَا حُكْمُ الْخَيْطِ الَّذِي خَاطَ بِهِ جُرْحَهَا، (وَلَوْ ابْتَلَعَتْ شَاةُ شَخْصٍ) مَثَلًا (جَوْهَرَةَ آخَرَ غَيْرَ مَغْصُوبَةٍ وَلَا تَخْرُجُ) أَيْ: تَعَذَّرَ إخْرَاجُ الْجَوْهَرَةِ (إلَّا بِذَبْحِهَا وَهُوَ) أَيْ: ذَبْحُهَا (أَقَلُّ ضَرَرًا) مِنْ ضَرَرِ تَرْكِهَا (ذُبِحَتْ وَعَلَى رَبِّ الْجَوْهَرَةِ مَا نَقَصَ بِهِ) أَيْ: بِالذَّبْحِ ; لِأَنَّهُ لِتَخْلِيصِ مَتَاعِهِ (إنْ لَمْ يُفَرِّطْ رَبُّ الشَّاةِ بِكَوْنِ يَدِهِ عَلَيْهَا) حِينَ ابْتِلَاعِهَا الْجَوْهَرَةَ.
فَإِنْ كَانَتْ يَدُهُ عَلَيْهَا فَلَا شَيْءَ عَلَى رَبِّ الْجَوْهَرَةِ ; لِأَنَّ التَّفْرِيطَ مِنْ غَيْرِهِ. فَكَانَ الضَّرَرُ عَلَى الْمُفَرِّطِ (وَإِنْ حَصَلَ رَأْسُهَا) أَيْ: الشَّاةِ وَنَحْوِهَا (بِإِنَاءٍ وَلَمْ يَخْرُجْ) رَأْسُهَا (إلَّا بِذَبْحِهَا أَوْ كَسْرِهِ) أَيْ الْإِنَاءِ (وَلَمْ يُفَرِّطَا) أَيْ: رَبُّ الشَّاةِ، وَرَبُّ الْإِنَاءِ (كُسِرَ) الْإِنَاءُ (وَعَلَى مَالِكِهَا أَرْشُهُ) ; لِأَنَّهُ لِتَخْلِيصِ مَالِهِ (وَمَعَ تَفْرِيطِهِ) أَيْ: رَبِّ الشَّاةِ (تُذْبَحُ) أَيْ: الشَّاةُ (بِلَا ضَمَانٍ) عَلَى رَبِّ الْإِنَاءِ ; لِأَنَّ التَّفْرِيطَ مِنْ جِهَتِهِ فَهُوَ أَوْلَى بِالضَّرَرِ مِمَّنْ لَمْ يُفَرِّطْ (وَمَعَ تَفْرِيطِ رَبِّهِ) أَيْ: الْإِنَاءِ كَمَا لَوْ أَدْخَلَهُ بِيَدِهِ أَوْ أَلْقَى الْإِنَاءَ بِالطَّرِيقِ (يُكْسَرُ بِلَا أَرْشٍ) عَلَى رَبِّ الشَّاةِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَيَتَعَيَّنُ فِي) بَهِيمَةٍ (غَيْرِ مَأْكُولَةٍ) حَصَلَ رَأْسُهَا بِإِنَاءٍ وَلَمْ يَخْرُجْ إلَّا بِكَسْرِهِ (كَسَرَهُ) أَيْ: الْإِنَاءَ وَعَلَى رَبِّهَا أَرْشُهُ. إلَّا أَنْ يَكُونَ التَّفْرِيطُ مِنْ رَبِّ الْإِنَاءِ. وَإِنْ قَالَ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُرْمُ: أَنَا أُتْلِفُ مَالِي وَلَا أَغْرَمُ شَيْئًا. فَلَهُ ذَلِكَ (وَيَحْرُمُ تَرْكُ الْحَالِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ) أَيْ: تَرْكُ رَأْسِ الْبَهِيمَةِ فِي الْإِنَاءِ بِلَا ذَبْحٍ وَلَا كَسْرٍ. لِأَنَّهُ تَعْذِيبُ حَيَوَانٍ. فَإِنْ لَمْ يُفَرِّطْ رَبُّ الْإِنَاءِ وَامْتَنَعَ رَبُّ الْمَأْكُولَةِ مِنْ
стр. 950
ذَبْحِهَا وَمِنْ أَرْشِ كَسْرِ الْإِنَاءِ أَوْ رَبُّ غَيْرِ الْمَأْكُولَةِ مِنْ أَرْشِ الْكَسْرِ أُجْبِرَ ; لِأَنَّهُ مِنْ ضَرُورَةِ تَخْلِيصِهَا مِنْ الْعَذَابِ، فَلَزِمَ رَبَّهَا كَعَلَفِهَا.
(وَلَوْ حَصَلَ مَالُ شَخْصٍ) مِنْ حَيَوَانٍ أَوْ غَيْرِهِ (فِي دَارٍ آخَرَ وَتَعَذَّرَ إخْرَاجُهُ) مِنْ الدَّارِ (بِدُونِ نَقْضِ) بَعْضِهَا (وَجَبَ) النَّقْضُ وَأُخْرِجَ (وَعَلَى رَبِّهِ) أَيْ: الْمَالِ الْمُخْرَجِ (ضَمَانُهُ) أَيْ إصْلَاحُهُ. لِأَنَّهُ لِتَخْلِيصِ مَالِهِ (إنْ لَمْ يُفَرِّطْ صَاحِبُ الدَّارِ) فَإِنْ فَرَّطَ فَلَا ضَمَانَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ. لِأَنَّ الْمُفَرِّطَ أَوْلَى بِحُصُولِ الضَّرَرِ، كَمَا لَوْ كَانَ بِتَعَدِّيهِ.
(وَمَنْ غَصَبَ دِينَارًا أَوْ نَحْوَهُ) كَجَوْهَرَةٍ أَوْ دِرْهَمٍ (فَحَصَلَ) ذَلِكَ (فِي مِحْبَرَة آخَرَ أَوْ نَحْوِهَا) مِنْ كُلِّ إنَاءٍ ضَيِّقِ الرَّأْسِ بِفِعْلِ غَاصِبٍ أَوْ لَا (وَعَسُرَ إخْرَاجُهُ) مِنْهَا بِدُونِ كَسْرِهَا (فَإِنْ زَادَ ضَرَرُ الْكَسْرِ عَلَيْهِ) أَيْ: الدِّينَارِ بِأَنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا صَحِيحَةً دِينَارَيْنِ وَكَانَتْ قِيمَتُهَا مَكْسُورَةً نِصْفَ دِينَارٍ (فَعَلَى الْغَاصِبِ بَدَلُهُ) أَيْ الدِّينَارِ يُعْطِيهِ لِرَبِّهِ وَلَمْ تُكْسَرْ، لِأَنَّهُ إضَاعَةُ مَالٍ (وَأَلَّا) يَزِيدَ ضَرَرُ الْكَسْرِ عَلَى الدِّينَارِ بِأَنْ تَسَاوَيَا أَوْ كَانَ ضَرَرُ الْكَسْرِ أَقَلَّ (تَعَيَّنَ الْكَسْرُ) لِيُرَدَّ الْمَغْصُوبُ (وَعَلَيْهِ) أَيْ الْغَاصِبِ (ضَمَانُهَا) أَيْ: الْمِحْبَرَةِ لِتَسَبُّبِهِ بِالْغَصْبِ فِي إتْلَافِهَا (وَإِنْ حَصَلَ) الدِّينَارُ فِي الْمِحْبَرَةِ (بِلَا غَصْبٍ وَلَا فِعْلِ أَحَدٍ كُسِرَتْ) الْمِحْبَرَةُ (وَعَلَى رَبِّهِ) أَيْ: الدِّينَارِ (أَرْشُهَا) أَيْ: أَرْشُ نَقْصِهَا بِالْكَسْرِ. لِأَنَّهُ لِتَخْلِيصِ مَالِهِ (إلَّا أَنْ يَمْتَنِعَ) رَبُّ الدِّينَارِ (مِنْهُ) أَيْ: كَسْرِ الْمِحْبَرَةِ مَعَ ضَمَانِ نَقْصِ أَرْشِهَا (لِكَوْنِهَا) أَيْ: الْمِحْبَرَةِ (ثَمِينَةً) فَلَا تُكْسَرُ وَيَصْطَلِحَانِ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: قِيَاسُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا أَنْ يُقَالَ لِرَبِّ الدِّينَارِ: إنْ شِئْتَ أَنْ تَأْخُذَ فَاغْرَمْ أَوْ فَاتْرُكْ وَلَا شَيْءَ لَكَ (وَ) إنْ حَصَلَ الدِّينَارُ وَنَحْوُهُ فِيهَا (بِفِعْلِ مَالِكِهَا تُكْسَرُ مَجَّانًا) بِلَا ضَمَانٍ عَلَى رَبِّ الْمَالِ لِوُجُوبِ إعَادَةِ الدِّينَارِ إلَى مَالِكِهِ عَلَى رَبِّهَا. وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ بِدُونِ كَسْرِهَا وَالتَّفْرِيطُ مِنْ مَالِكِهَا (وَ) إنْ حَصَلَ فِيهَا (بِفِعْلِ رَبِّ الدِّينَارِ يُخَيَّرُ) رَبُّ الدِّينَارِ (بَيْنَ تَرْكِهِ) فِي الْمِحْبَرَةِ حَتَّى يَخْرُجَ بِكَسْرِهَا وَنَحْوِهِ (وَ) بَيْنَ (كَسْرِهَا وَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا) كَامِلَةً لِتَعَدِّيهِ (وَيَلْزَمُهُ) أَيْ: رَبَّ الدِّينَارِ (قَبُولُ مِثْلِهِ) أَيْ: الدِّينَارِ (إنْ بَذَلَهُ رَبُّهَا) أَيْ: الْمِحْبَرَةِ وَلَا يَكْسِرُهَا، سَوَاءٌ قِيلَ: يُجْبَرُ عَلَى كَسْرِهَا أَوْ لَا. لِأَنَّهُ بَذَلَ لَهُ مَالًا يَتَفَاوَتُ بِهِ حَقُّهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ، فَلَزِمَهُ قَبُولُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ. وَلَوْ بَادَرَ رَبُّ الدِّينَارِ وَكَسَرَهَا لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهَا مُطْلَقًا.
стр. 951
[فَصْلٌ رَدُّ الْمَغْصُوبِ بِزِيَادَتِهِ]
(فَصْلٌ وَيَلْزَمُ غَاصِبًا وَغَيْرَهُ) إذَا كَانَ بِيَدِهِ (رَدُّ مَغْصُوبٍ زَادَ) بِيَدِ غَاصِبٍ أَوْ غَيْرِهِ (بِزِيَادَتِهِ الْمُتَّصِلَةِ كَقِصَارَةِ) ثَوْبٍ (وَسِمَنِ) حَيَوَانٍ (وَتَعَلُّمِ) قِنٍّ (صَنْعَةً وَ) بِزِيَادَتِهِ (الْمُنْفَصِلَةِ كَوَلَدِ) بَهِيمَةٍ، وَكَذَا وَلَدُ أَمَةٍ حَيْثُ لَا يُحْكَمُ بِحُرِّيَّتِهِ وَيَأْتِي (وَ) كَ (كَسْبِ) رَقِيقٍ لِأَنَّهُ نَوْعُ نَمَاءِ الْمَغْصُوبِ وَهُوَ لِمَالِكِهِ فَلَزِمَ رَدُّهُ كَالْأَصْلِ.
(وَلَوْ غَصَبَ قِنًّا أَوْ شَبَكَةً أَوْ شَرَكًا فَأَمْسَكَ) الْقِنُّ أَوْ الشَّبَكَةُ أَوْ الشَّرَكُ صَيْدًا فَلِمَالِكِهِ (أَوْ) غَصَبَ (جَارِحًا) أَوْ سَهْمًا. قَالَهُ فِي الْمُغْنِي (أَوْ فَرَسًا) قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ: أَوْ قَوْسًا (فَصَادَ) الْغَاصِبُ أَوْ غَيْرُهُ (بِهِ) أَيْ: الْجَارِحِ (أَوْ) صَادَ (عَلَيْهِ) أَيْ: الْفَرَسِ صَيْدًا (أَوْ) غَزَا عَلَى الْفَرَسِ وَ (غَنِمَ فَ) الصَّيْدُ وَسَهْمُ الْفَرَسِ مِنْ الْغَنِيمَةِ (لِمَالِكِهِ) أَيْ: الْجَارِحِ وَالْفَرَسِ الْمَغْصُوبِ. لِأَنَّهُ حَصَلَ بِسَبَبِ الْمَغْصُوبِ، فَكَانَ لِمَالِكِهِ. أَشْبَهَ مَا لَوْ وُهِبَ شَيْءٌ لِرَقِيقٍ مَغْصُوبٍ وَقِيَاسًا عَلَى رِبْحِ الدَّرَاهِمِ، وَيَسْقُطُ عَمَلُ الْغَاصِبِ. وَ (لَا) يَلْزَمُ غَاصِبًا (أُجْرَتُهُ) أَيْ: الْمَغْصُوبِ (زَمَنَ ذَلِكَ) أَيْ: اصْطِيَادِهِ وَنَحْوِهِ. لِأَنَّ مَنَافِعَ الْمَغْصُوبِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ عَادَتْ إلَى الْمَالِكِ فَلَمْ يَسْتَحِقَّ عِوَضَهَا عَلَى غَيْرِهِ كَالْأَرْضِ إذَا تَمَلَّكَ رَبُّهَا الزَّرْعَ بِنَفَقَتِهِ. وَلَوْ غَصَبَ مِنْجَلًا أَوْ فَأْسًا فَقَطَعَ بِهِ حَشِيشًا أَوْ خَشَبًا فَلِغَاصِبٍ، لِحُصُولِ الْفِعْلِ مِنْهُ، كَمَا لَوْ غَصَبَ سَيْفًا فَقَاتَلَ بِهِ وَغَنِمَ.
وَفِي التَّلْخِيصِ: إنْ غَصَبَ كَلْبًا وَصَادَ بِهِ فَهُوَ لِلْغَاصِبِ.
(وَإِنْ أَزَالَ) غَاصِبٌ أَوْ غَيْرُهُ (اسْمَهُ) أَيْ: الْمَغْصُوبِ بِعَمَلِهِ فِيهِ (كَنَسْجِ غَزْلٍ) فَصَارَ يُسَمَّى ثَوْبًا (وَ) كَ (طَحْنِ حَبٍّ) غَصَبَهُ فَصَارَ يُسَمَّى دَقِيقًا (أَوْ طَبَخَهُ) أَيْ: الْحَبَّ فَصَارَ يُسَمَّى طَبِيخًا (وَنَجْرِ خَشَبٍ) بَابًا أَوْ رُفُوفًا وَنَحْوَهَا (وَضَرْبِ حَدِيدٍ) مَسَامِيرًا وَسَيْفًا وَنَحْوَهُ (وَ) ضَرْبِ (فِضَّةٍ) دَرَاهِمَ أَوْ حُلِيًّا (وَنَحْوِهِمَا) كَضَرْبِ ذَهَبٍ وَنُحَاسٍ (وَجَعْلِ طِينٍ) غَصَبَهُ (لَبِنًا) أَوْ آجُرًّا (أَوْ فَخَّارًا) كَجِرَارٍ وَنَحْوِهَا (رَدَّهُ) الْغَاصِبُ وُجُوبًا مَعْمُولًا لِقِيَامِ عَيْنِ الْمَغْصُوبِ فِيهِ كَشَاةٍ ذَبَحَهَا.
(وَ) رَدَّ (أَرْشَهُ إنْ نَقَصَ) لِحُصُولِ نَقْصِهِ بِفِعْلِهِ، وَسَوَاءٌ نَقَصَتْ عَيْنُهُ أَوْ قِيمَتُهُ أَوْ هُمَا (وَلَا شَيْءَ لَهُ) أَيْ: الْغَاصِبِ لِعَمَلِهِ وَلَوْ زَادَ بِهِ لِتَبَرُّعِهِ بِهِ كَمَا لَوْ غَلَى زَيْتًا فَزَادَتْ بِهِ قِيمَتُهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ غَصَبَ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ. لِأَنَّ الصَّبْغَ عَيْنُ مَالٍ لَا يَزُولُ مِلْكُ مَالِكِهِ عَنْهُ بِجَعْلِهِ مَعَ مِلْكِ غَيْرِهِ (وَلِلْمَالِكِ إجْبَارُهُ) أَيْ: الْغَاصِبِ (عَلَى رَدِّ مَا أَمْكَنَ رَدُّهُ) مِنْ مَغْصُوبٍ (إلَى حَالَتِهِ) الَّتِي غَصَبَهُ عَلَيْهَا كَمَسَامِيرَ ضَرَبَهَا نِعَالًا، فَلَهُ
стр. 952
إجْبَارُهُ عَلَى رَدِّهَا مَسَامِيرَ لِتَحْرِيمِ عَمَلِ الْغَاصِبِ فِي الْمَغْصُوبِ فَمَلَكَ الْمَالِكُ إزَالَتَهُ مَعَ الْإِمْكَانِ، بِخِلَافِ فَخَّارٍ وَصَابُونٍ وَنَحْوِهِ. وَإِنْ اسْتَأْجَرَ غَاصِبٌ عَلَى عَمَلِ شَيْءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ فَالْأَجْرُ عَلَيْهِ، وَإِنْ نَقَصَ أَوْ زَادَ فَكَمَا لَوْ فَعَلَهُ غَاصِبٌ بِنَفْسِهِ. وَلِمَالِكٍ تَضْمِينُ نَقْصِهِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا. فَإِنْ جَهِلَ الْأَجِيرُ الْحَالَ وَضَمِنَ رَجَعَ عَلَى الْغَاصِبِ. لِأَنَّهُ غَرَّهُ، وَإِنْ عَلِمَ الْحَالَ فَقَرَارُ الضَّمَانِ عَلَيْهِ، وَإِنْ اسْتَعَانَ الْغَاصِبُ بِمَنْ عَمِلَهُ فَكَأَجِيرٍ.
(وَمَنْ حَفَرَ فِي) أَرْضٍ (مَغْصُوبَةٍ بِئْرًا. أَوْ شَقَّ) فِيهَا (نَهْرًا وَوَضَعَ التُّرَابَ) الْخَارِجَ مِنْ الْبِئْرِ أَوْ النَّهْرِ (بِهَا) أَيْ: الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ (فَلَهُ) أَيْ الْغَاصِبِ (طَمُّهَا) أَيْ: الْأَرْضِ الْمَحْفُورَةِ بِئْرًا. أَوْ الْمَشْقُوقِ بِهَا النَّهْرُ (لِغَرَضٍ صَحِيحٍ) كَإِسْقَاطِ ضَمَانِ مَا يَقَعُ فِيهَا أَوْ مُطَالَبَتُهُ بِتَفْرِيغِهَا مِنْ التُّرَابِ كَمَا لَوْ جَعَلَ تُرَابَهَا فِي مِلْكِهِ أَوْ مِلْكِ غَيْرِهِ أَوْ طَرِيقٍ يَحْتَاجُ إلَى تَفْرِيغِهِ (وَلَوْ بَرِئَ مِنْ) ضَمَانِ (مَا يَتْلَفُ بِهَا) أَيْ: الْأَرْضِ بِسَبَبِ الْبِئْرِ أَوْ النَّهْرِ. لِأَنَّ الْغَرَضَ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ خَشْيَةَ ضَمَانِ مَا يَتْلَفُ بِهَا (وَتَصِحُّ الْبَرَاءَةُ مِنْهُ) أَيْ: الضَّمَانِ. لِأَنَّهُ إنَّمَا لَزِمَهُ لِوُجُودِ تَعَدِّيهِ. فَإِذَا رَضِيَ صَاحِبُ الْأَرْضِ بِفِعْلِهِ زَالَ التَّعَدِّي. جَعْلًا لِلرِّضَا الطَّارِئِ كَالرِّضَا الْمُقَارِنِ لِلْفِعْلِ، وَلَيْسَ إبْرَاءً مِمَّا لَمْ يَجِبْ (وَإِنْ أَرَادَهُ) أَيْ: الطَّمَّ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ (مَالِكٌ أُلْزِمَ) غَاصِبٌ (بِهِ) أَيْ: الطَّمِّ لِعُدْوَانِهِ، وَلِأَنَّهُ يَضُرُّ بِالْأَرْضِ
(وَإِنْ غَصَبَ حَبًّا فَزَرَعَهُ) فِي أَرْضِهِ أَوْ أَرْضِ غَيْرِهِ (أَوْ) غَصَبَ (بَيْضًا) فَعَالَجَهُ (فَصَارَ فِرَاخًا. أَوْ) غَصَبَ (نَوًى. أَوْ أَغْصَانًا) فَغَرَسَهُ (فَصَارَ شَجَرًا رَدَّهُ) أَيْ: الزَّرْعَ وَالْفِرَاخَ وَالشَّجَرَ لِمَالِكِهَا. لِأَنَّهَا عَيْنُ مَالِهِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ (وَلَا شَيْءَ لَهُ) أَيْ: الْغَاصِبِ لِعَمَلِهِ فِي ذَلِكَ لِتَبَرُّعِهِ بِهِ.
[فَصْلٌ وَيَضْمَنُ غَاصِبٌ نَقْصَ مَغْصُوبٍ]
(فَصْلٌ وَيَضْمَنُ) غَاصِبٌ (نَقْصَ مَغْصُوبٍ) بَعْدَ غَصْبِهِ وَقَبْلَ رَدِّهِ (وَلَوْ) كَانَ النَّقْصُ (رَائِحَةَ مِسْكٍ وَنَحْوِهِ) كَعَنْبَرٍ ; لِأَنَّ قِيمَتَهُ تَخْتَلِفُ بِالنَّظَرِ إلَى قُوَّةِ رَائِحَتِهِ وَضَعْفِهَا (أَوْ) كَانَ النَّقْصُ بِ (نَبَاتِ لِحْيَةِ عَبْدٍ) ; لِأَنَّهُ نَقْصٌ فِي الْقِيمَةِ أَشْبَهَ النَّقْصَ بِتَغَيُّرِ بَاقِي الصِّفَاتِ، وَكَذَا قَطْعُ ذَنَبِ حِمَارٍ. فَلَوْ غَصَبَ قِنًّا فَعَمِيَ عَنْدَهُ، قُوِّمَ صَحِيحًا ثُمَّ أَعْمًى، وَأُخِذَ مِنْ غَاصِبٍ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ،
стр. 953
وَكَذَا لَوْ نَقَصَ لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ شَجَّةٍ، (وَإِنْ) غَصَبَ عَبْدًا وَ (خَصَاهُ أَوْ أَزَالَ) مِنْهُ (مَا تَجِبُ فِيهِ دِيَةٌ مِنْ حُرٍّ) كَأَنْفِهِ أَوْ لِسَانِهِ أَوْ يَدِهِ أَوْ رِجْلَيْهِ (رَدَّهُ) عَلَى مَالِكِهِ.
(وَ) رَدَّ مَعَهُ (قِيمَتَهُ) كُلَّهَا نَصًّا. لِأَنَّ الْمُتْلَفَ الْبَعْضُ فَلَا يَتَوَقَّفُ ضَمَانُهُ عَلَى زَوَالِ الْمِلْكِ كَقَطْعِ خُصْيَتَيْ مُدَبَّرٍ، وَلِأَنَّ الْمَضْمُونَ هُوَ الْمُفَوَّتُ. فَلَا يَزُولُ الْمِلْكُ عَنْ غَيْرِهِ أَيْ: غَيْرِ الْمُفَوَّتِ بِضَمَانِهِ. كَمَا لَوْ قَطَعَ تُسْعَ أَصَابِعِهِ.
(وَإِنْ قَطَعَ) غَاصِبٌ مِنْ رَقِيقٍ مَغْصُوبٍ (مَا فِيهِ مُقَدَّرٌ) مِنْ حُرٍّ وَلَوْ شَعْرًا (دُونَ ذَلِكَ) أَيْ: الدِّيَةِ الْكَامِلَةِ كَقَطْعِ يَدٍ أَوْ جَفْنٍ أَوْ هُدْبٍ وَنَحْوِهِ (فَ) عَلَى غَاصِبٍ (أَكْثَرُ الْأَمْرَيْنِ) مِنْ دِيَةِ الْمَقْطُوعِ أَوْ نَقْصِ قِيمَتِهِ لِوُجُودِ سَبَبِ كُلٍّ مِنْهُمَا. فَوَجَبَ أَكْثَرُهُمَا وَدَخَلَ فِيهِ الْآخَرُ. فَإِنَّ الْجِنَايَةَ وَالْيَدَ وُجِدَا جَمِيعًا. فَلَوْ غَصَبَ عَبْدًا قِيمَتُهُ أَلْفٌ فَزَادَتْ عِنْدَهُ إلَى أَلْفَيْنِ. ثُمَّ قَطَعَ يَدَهُ فَصَارَ يُسَاوِي أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ رَدَّهُ وَأَلْفًا وَإِنْ صَارَ يُسَاوِي خَمْسَمِائَةٍ رَدَّهُ وَأَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ. فَإِنْ كَانَ الْجَانِي غَيْرَ الْغَاصِبِ فَعَلَيْهِ أَرْشُ الْجِنَايَةِ فَقَطْ، وَمَا زَادَ يَسْتَقِرُّ عَلَى الْغَاصِبِ، وَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ الْغَاصِبِ الْكُلَّ لِحُصُولِ النَّقْصِ بِيَدِهِ.
(وَيَرْجِعُ غَاصِبٌ غَرِمَ) الْكُلَّ (عَلَى جَانٍ بِأَرْشِ جِنَايَتِهِ) لِحُصُولِ التَّلَفِ بِفِعْلِهِ فَيَسْتَقِرُّ ضَمَانُهُ عَلَيْهِ (فَقَطْ) أَيْ: دُونَ مَا زَادَ عَنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ فَيَسْتَقِرُّ عَلَى الْغَاصِبِ ; لِأَنَّ الْجَانِيَ لَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ (وَلَا يَرُدُّ مَالِكٌ) تَعَيَّبَ مَالُهُ عِنْدَ غَاصِبٍ وَاسْتَرَدَّهُ وَأَرْشُ عَيْبِهِ (أَرْشُ مَعِيبٍ أَخَذَهُ) مِنْ غَاصِبٍ (مَعَهُ) أَيْ مَعَ الْمَغْصُوبِ (بِزَوَالِهِ) أَيْ: الْعَيْبِ عِنْدَ مَالِكٍ كَمَا لَوْ غَصَبَ عَبْدًا فَمَرِضَ عِنْدَهُ فَرَدَّهُ، وَأَرْشَ نَقْصِهِ بِالْمَرَضِ ثُمَّ بَرِئَ عِنْدَ مَالِكِهِ بِحَيْثُ لَمْ يَصِرْ بِهِ نَقْصٌ فَلَا يَرُدُّ أَرْشَهُ. لِأَنَّهُ عَوَّضَ مَا حَصَلَ بِيَدِ الْغَاصِبِ مِنْ النَّقْصِ بِتَعَدِّيهِ وَاسْتَقَرَّ ضَمَانُهُ بِرَدِّ الْمَغْصُوبِ نَاقِصًا. فَإِنْ أَخَذَهُ مَالِكُهُ دُونَ أَرْشِهِ فَزَالَ عَيْبُهُ قَبْلَ أَخْذِ أَرْشِهِ لَمْ يَسْقُطْ ضَمَانُهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ بَرِئَ فِي يَدِ غَاصِبٍ فَيَرُدُّ مَالِكُهُ أَرْشَهُ إنْ كَانَ أَخَذَهُ.
(وَلَا يَضْمَنُ) غَاصِبٌ رَدَّ مَغْصُوبًا بِحَالِهِ (نَقْصُ سِعْرٍ) كَثَوْبٍ غَصَبَهُ، وَهُوَ يُسَاوِي مِائَةً وَلَمْ يَرُدَّهُ حَتَّى نَقَصَ سِعْرُهُ فَصَارَ يُسَاوِي ثَمَانِينَ مَثَلًا فَلَا يَلْزَمُهُ بِرَدِّهِ شَيْءٌ. لِأَنَّهُ رَدَّ الْعَيْنَ بِحَالِهَا لَمْ تَنْقُصْ عَيْنًا وَلَا صِفَةً. بِخِلَافِ السِّمَنِ وَالصَّنْعَةِ، وَلَا حَقَّ لِلْمَالِكِ فِي الْقِيمَةِ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ، وَإِنَّمَا حَقُّهُ فِيهَا وَهِيَ بَاقِيَةٌ كَمَا كَانَتْ (كَهُزَالٍ زَادَ بِهِ) سِعْرُ الْمَغْصُوبِ أَوْ لَمْ يَزِدْ بِهِ وَلَمْ يَنْقُصْ، كَعَبْدٍ مُفْرِطٍ فِي السِّمَنِ قِيمَتُهُ يَوْمَ غُصِبَ ثَمَانُونَ فَهَزَلَ عِنْدَ غَاصِبِهِ فَصَارَ يُسَاوِي مِائَةً. أَوْ
стр. 954
بَقِيَتْ قِيمَتُهُ بِحَالِهَا. فَلَا يَرُدُّ مَعَهُ الْغَاصِبُ شَيْئًا لِعَدَمِ نَقْصِهِ (وَيَضْمَنُ) غَاصِبٌ (زِيَادَتَهُ) أَيْ: الْمَغْصُوبِ. بِأَنْ سَمِنَ أَوْ تَعَلَّمَ صَنْعَةً عِنْدَهُ ثُمَّ هَزَلَ أَوْ نَسِيَ الصَّنْعَةَ. فَعَلَيْهِ رَدُّهُ وَمَا نَقَصَ بَعْدَ الزِّيَادَةِ سَوَاءٌ طَالَبَهُ الْمَالِكُ بِرَدِّهِ زَائِدًا أَوْ لَا. لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ فِي نَفْسِ الْمَغْصُوبِ فَضَمِنَهَا الْغَاصِبُ، كَمَا لَوْ طَالَبَهُ بِرَدِّهَا فَلَمْ يَفْعَلْ. وَلِأَنَّهَا زَادَتْ عَلَى مَالِكِ مَالِكِهَا فَضَمِنَهَا الْغَاصِبُ كَالْمَوْجُودَةِ حَالَ الْغَصْبِ، بِخِلَافِ زِيَادَةِ السِّعْرِ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَوْجُودَةً حَالَ الْغَصْبِ لَمْ يَضْمَنْهَا، وَالصِّنَاعَةُ إنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ عَيْنِ الْمَغْصُوبِ فَهِيَ صِفَةٌ فِيهِ وَتَابِعَةٌ لَهُ.
وَ (لَا) يَضْمَنُ غَاصِبٌ (مَرَضًا) طَرَأَ عَلَى مَغْصُوبٍ بِيَدِهِ وَ (بَرِئَ مِنْهُ فِي يَدِهِ) أَيْ: الْغَاصِبِ لِزَوَالِ الْمُوجِبِ لِلضَّمَانِ فِي يَدِهِ وَكَذَا لَوْ حَمَلَتْ فَنَقَصَتْ ثُمَّ وَضَعَتْ بِيَدِ غَاصِبٍ فَزَالَ نَقْصُهَا لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا (وَلَا) يَضْمَنُ غَاصِبٌ شَيْئًا (إنْ) زَادَ مَغْصُوبٌ بِيَدِهِ فَزَادَتْ قِيمَتُهُ ثُمَّ زَالَتْ الزِّيَادَةُ ثُمَّ (عَادَ مِثْلُهَا) أَيْ قَدْرُ الزِّيَادَةِ الْأُولَى (مِنْ جِنْسِهَا) قَبْلَ الرَّدِّ. كَأَنْ غَصَبَ عَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَةٌ فَتَعَلَّمَ صَنْعَةً فَصَارَ يُسَاوِي مِائَةً وَعِشْرِينَ، ثُمَّ نَسِيَهَا فَعَادَتْ قِيمَتُهُ إلَى مِائَةٍ ثُمَّ تَعَلَّمَ الصَّنْعَةَ فَعَادَتْ إلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ وَرَدَّهُ لِمَالِكِهِ كَذَلِكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِعَوْدِ مَا ذَهَبَ وَهُوَ بِيَدِهِ. أَشْبَهَ مَا لَوْ مَرِضَ وَبَرِئَ بِيَدِهِ أَوْ أَبَقَ ثُمَّ عَادَ وَنَحْوَهُ. وَكَذَا لَوْ سَمِنَ ثُمَّ هَزَلَ ثُمَّ سَمِنَ، وَعَادَتْ قِيمَتُهُ كَمَا كَانَ بِخِلَافِ مَا لَوْ زَادَتْ قِيمَتُهُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى كَمَا لَوْ هَزَلَ وَتَعَلَّمَ صَنْعَةً ; لِأَنَّ الذَّاهِبَ لَمْ يَعُدْ.
(وَلَا) يَضْمَنُ غَاصِبٌ النَّقْصَ (إنْ نَقَصَ) مَغْصُوبٌ بِيَدِهِ (فَزَادَ مِثْلَهُ مِنْ جِنْسِهِ) كَمَنْ غَصَبَ عَبْدًا سَمِينًا يُسَاوِي مِائَةً فَهَزَلَ عِنْدَهُ وَصَارَ يُسَاوِي ثَمَانِينَ ثُمَّ سَمِنَ فَعَادَتْ قِيمَتُهُ إلَى مِائَةً فَرَدَّهُ (وَلَوْ) كَانَ مَا زَادَهُ (صَنْعَةً بَدَلَ صَنْعَةٍ نَسِيَهَا) كَأَنْ غَصَبَ عَبْدًا نَسَّاجًا يُسَاوِي مِائَةً فَنَسِيَهَا وَصَارَ يُسَاوِي ثَمَانِينَ فَتَعَلَّمَ الْخِيَاطَةَ فَعَادَتْ قِيمَتُهُ إلَى مِائَةٍ رَدَّهُ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ ; لِأَنَّ الصَّنَائِعَ كُلَّهَا جِنْسٌ مِنْ أَجْنَاسِ الزِّيَادَةِ فِي الرَّقِيقِ (وَإِنْ نَقَصَ) مَغْصُوبٌ نَقْصًا (غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ كَحِنْطَةٍ ابْتَلَّتْ وَعَفِنَتْ) وَلَمْ تَبْلُغْ حَالًا يُعْلَمُ فِيهَا قَدْرُ أَرْشِ نَقْصِهَا (خُيِّرَ) مَالِكٌ (بَيْنَ) أَخْذِ (مِثْلِهَا) مِنْ غَاصِبٍ (أَوْ تَرْكِهَا) بِيَدِ غَاصِبٍ (حَتَّى يَسْتَقِرَّ فَسَادُهَا وَيَأْخُذَهَا) مَالِكُهَا (وَأَرْشَ نَقْصِهَا) لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ لَهُ الْمِثْلُ ابْتِدَاءً لِوُجُودِ عَيْنِ مَالِهِ، وَلَا أَرْشُ الْعَيْبِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ وَلَا ضَبْطُهُ إذَنْ، فَكَانَتْ الْخِيَرَةُ لِلْمَالِكِ: بَيْنَ أَخْذِ مِثْلِهَا لِمَا فِي تَأْخِيرِ حَقِّهِ بَعْدَ طَلَبِهِ مِنْ الضَّرَرِ، وَبَيْنَ الصَّبْرِ كَمَا ذُكِرَ
стр. 955
لِرِضَاهُ بِالتَّأْخِيرِ.
(وَعَلَى غَاصِبٍ جِنَايَةُ) قِنٍّ (مَغْصُوبٍ وَ) عَلَيْهِ (إتْلَافُهُ) أَيْ: بَدَلُ مَا يُتْلِفُهُ (وَلَوْ) كَانَتْ الْجِنَايَةُ (عَلَى رَبِّهِ) أَيْ: مَالِكِهِ (أَوْ) كَانَ الْإِتْلَافُ لِ (مَالِهِ) أَيْ: مَالِ مَالِكِهِ. وَلَا يَسْقُطُ ذَلِكَ بِرَدِّ غَاصِبٍ لَهُ لِوُجُودِ السَّبَبِ بِيَدِهِ (بِالْأَقَلِّ مِنْ أَرْشِ) جِنَايَةٍ (وَقِيمَتِهِ) أَيْ: الْعَبْدِ. أَمَّا ضَمَانُ جِنَايَتِهِ وَإِتْلَافُهُ فَلِتَعَلُّقِ ذَلِكَ بِرَقَبَتِهِ فَهِيَ نَقْصٌ فِيهِ فَضَمَانُهُ كَسَائِرِ نَقْصِهِ. وَأَمَّا ضَمَانُ جِنَايَتِهِ عَلَى مَالِكِهِ وَمَالِهِ فَإِنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ جِنَايَاتِهِ فَضَمِنَهَا كَمَا لَوْ كَانَتْ عَلَى أَجْنَبِيٍّ فَمَتَى قَتَلَ الْمَغْصُوبُ سَيِّدَهُ أَوْ غَيْرَهُ أَوْ قِنًّا فَقُتِلَ بِهِ ضَمِنَهُ الْغَاصِبُ بِهِ لِتَلَفِهِ بِيَدِهِ. فَإِنْ عَفَا عَنْهُ عَلَى مَالٍ تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ وَضَمِنَهُ الْغَاصِبُ وَيَضْمَنُهُ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ كَمَا يَفْدِيهِ سَيِّدُهُ. وَإِنْ قَطَعَ يَدًا مَثَلًا فَقُطِعَتْ يَدُهُ قِصَاصًا فَعَلَى غَاصِبٍ نَقْصُهُ كَمَا لَوْ سَقَطَتْ بِلَا جِنَايَةٍ وَإِنْ عَفَا عَلَى مَالٍ فَكَمَا تَقَدَّمَ.
(وَهِيَ) أَيْ: جِنَايَةُ مَغْصُوبٍ (عَلَى غَاصِبٍ هَدَرٌ) ; لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ عَلَى غَيْرِهِ كَانَتْ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ، وَلَا يَجِبُ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ شَيْءٌ فَتَسْقُطُ، (وَكَذَا) جِنَايَةُ الْمَغْصُوبِ (عَلَى مَالِهِ) أَيْ: الْغَاصِبِ هَدَرٌ لِمَا تَقَدَّمَ (إلَّا) إنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ (فِي قَوَدٍ) فَلَا تُهْدَرُ (فَيُقْتَلُ) عَبْدٌ مَغْصُوبٌ (بِعَبْدٍ غَاصِبٍ) قَتَلَهُ عَمْدًا ; لِأَنَّ الْقِصَاصَ حَقٌّ تَعَلَّقَ بِنَفْسِهِ لَا يُمْكِنُ تَضْمِينُهُ لِغَيْرِهِ فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَكَذَا لَوْ جَنَى عَلَى عَبْدِ مَالِكِهِ فَيُقْتَصُّ مِنْهُ (وَيَرْجِعُ) مَالِكُهُ (عَلَيْهِ) أَيْ: الْغَاصِبِ (بِقِيمَتِهِ) لِتَلَفِهِ بِيَدِهِ كَمَا لَوْ اقْتَصَّ مِنْهُ غَيْرُ الْغَاصِبِ أَوْ مَاتَ.
(وَزَوَائِدُ مَغْصُوبٍ) كَوَلَدِ حَيَوَانٍ وَثَمَرِ شَجَرٍ (إذَا تَلِفَتْ أَوْ نَقَصَتْ أَوْ جَنَتْ) بِيَدِ غَاصِبٍ عَلَى مَالِكٍ أَوْ غَيْرِهِ (كَهُوَ) أَيْ كَالْمَغْصُوبِ أَصَالَةً، سَوَاءٌ تَلِفَتْ مُفْرَدَةً أَوْ مَعَ أَصْلِهَا ; لِأَنَّهَا مِلْكُ مَالِكِ الْأَصْلِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ الْمَالِكِ بِسَبَبِ ثَبَاتِ يَدِهِ الْعَادِيَةِ عَلَى الْأَصْلِ فَتَبِعَتْهُ فِي الْحُكْمِ فَمَنْ غَصَبَ حَامِلًا أَوْ حَائِلًا فَحَمَلَتْ عِنْدَهُ وَوَلَدَتْ فَالْوَلَدُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ إنْ وَلَدَتْهُ حَيًّا وَإِنْ وَلَدَتْهُ مَيِّتًا وَقَدْ غَصَبَهَا حَامِلًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ تُعْلَمْ حَيَاتُهُ. وَإِنْ كَانَتْ حَمَلَتْ بِهِ عِنْدَهُ وَوَلَدَتْهُ مَيِّتًا فَكَذَلِكَ عِنْدَ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٍ. وَصَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ. وَقَالَ وَلَدُهُ أَبُو الْحُسَيْنِ: يَضْمَنُهُ بِقِيمَتِهِ لَوْ كَانَ حَيًّا. وَقَالَ الْمُوَفَّقُ وَمَنْ تَبِعَهُ: الْأَوْلَى أَنْ يَضْمَنَهُ بِعُشْرِ قِيمَةِ أُمِّهِ وَإِنْ وَلَدَتْهُ حَيًّا وَمَاتَ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ تَلَفِهِ.
стр. 956
[فَصْلٌ وَإِنْ خَلَطَ غَاصِبٌ أَوْ غَيْرُهُ مَا لَا يَتَمَيَّزُ]
(فَصْلٌ وَإِنْ خَلَطَ غَاصِبٌ أَوْ غَيْرُهُ) (مَا) أَيْ: مَغْصُوبًا (لَا يَتَمَيَّزُ كَزَيْتٍ وَنَقْدٍ بِمِثْلِهِمَا) أَيْ: بِأَنْ خَلَطَ الزَّيْتَ بِزَيْتٍ أَوْ النَّقْدَ بِنَقْدٍ مِنْ جِنْسِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَمَيَّزُ مِنْهُ (لَزِمَهُ) أَيْ: الْغَاصِبَ (مِثْلُهُ) أَيْ الْمَغْصُوبِ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا (مِنْهُ) أَيْ الْمُخْتَلِطِ ; لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى رَدِّ بَعْضِ مَالِهِ إلَيْهِ مَعَ رَدِّ الْمِثْلِ فِي الْبَاقِي فَلَمْ يُنْقَلْ إلَى بَدَلِهِ فِي الْجَمِيعِ كَمَنْ غَصَبَ صَاعًا فَتَلِفَ بَعْضُهُ.
(وَ) ، إنْ خَلَطَ مَغْصُوبًا (بِدُونِهِ أَوْ) خَلَطَهُ (بِخَيْرٍ مِنْهُ) مِنْ جِنْسِهِ (أَوْ) خَلَطَهُ (بِغَيْرِ جِنْسِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَمَيَّزُ) كَزَيْتٍ بِشَيْرَجٍ وَدَقِيقِ حِنْطَةٍ بِدَقِيقِ شَعِيرٍ وَنَحْوِهِ (فَ) الْمَالِكَانِ (شَرِيكَانِ) فِي الْمُخْتَلَطِ (بِقَدْرِ قِيمَتَيْهِمَا كَاخْتِلَاطِهِمَا مِنْ غَيْرِ غَصْبٍ) نَصًّا لِيَصِلَ كُلٌّ مِنْهُمَا إلَى بَدَلِ عَيْنِ مَالِهِ. وَإِنْ نَقَصَ مَغْصُوبٌ عَنْ قِيمَتِهِ مُنْفَرِدًا فَعَلَى غَاصِبٍ نَقْصُهُ لِحُصُولِهِ بِفِعْلِهِ (وَحَرُمَ تَصَرُّفُ غَاصِبٍ فِي قَدْرِ مَا لَهُ فِيهِ) أَيْ: الْمُخْتَلَطِ لِاسْتِحَالَةِ انْفِرَادِ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ. فَإِنْ أَذِنَهُ مَالِكُ الْمَغْصُوبِ جَازَ ; لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُمَا ; وَلِأَنَّهَا قِسْمَةٌ فَلَا تَجُوزُ بِغَيْرِ رِضَا الشَّرِيكَيْنِ، هَذَا إنْ عَرَفَ رَبَّهُ وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهِ عَنْهُ وَمَا بَقِيَ حَلَالٌ. وَإِنْ شَكَّ فِي قَدْرِ الْحَرَامِ تَصَدَّقَ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ أَكْثَرُ مِنْهُ نَصًّا
(وَلَوْ اخْتَلَطَ دِرْهَمٌ) لِشَخْصٍ (بِدِرْهَمَيْنِ لِآخَرَ) بِلَا غَاصِبٍ (وَلَا تَمْيِيزٍ) أَيْ: لَمْ يَتَمَيَّزْ مَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (فَتَلِفَ) دِرْهَمَانِ (اثْنَانِ) مِنْ الثَّلَاثَةِ (فَمَا بَقِيَ) وَهُوَ دِرْهَمٌ (فَبَيْنَهُمَا) أَيْ: بَيْنَ رَبِّ الدِّرْهَمَيْنِ وَرَبِّ الدِّرْهَمِ (نِصْفَيْنِ) ; لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّالِفُ دِرْهَمَيْ رَبِّ الدِّرْهَمَيْنِ فَيَخْتَصُّ صَاحِبُ الدِّرْهَمِ بِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّالِفُ دِرْهَمًا لِهَذَا وَدِرْهَمًا لِهَذَا، فَيَخْتَصُّ صَاحِبُ الدِّرْهَمِ بِالْبَاقِي فَتَسَاوَيَا، وَلَا يُحْتَمَلُ غَيْرُ ذَلِكَ. وَمَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَمَيِّزٌ قَطْعًا بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ. غَايَتُهُ أَنَّهُ إلَيْهِمْ عَلَيْنَا، وَقَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: الْأَوْلَى أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا فَمَنْ قُرِعَ لَهُ أَخَذَهُ لِأَنَّا مُتَحَقِّقُونَ أَنَّهُ لِأَحَدِهِمَا لَا يُشْرِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، وَقَدْ اشْتَبَهَ عَلَيْنَا فَيَخْرُجُ بِالْقُرْعَةِ كَنَظَائِرِهِ (وَإِنْ غَصَبَ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ أَوْ) غَصَبَ (سَوِيقًا فَلَتَّهُ بِزَيْتٍ فَنَقَصَتْ قِيمَتُهُمَا) أَيْ: الثَّوْبِ وَالصَّبْغِ أَوْ السَّوِيقِ وَالزَّيْتِ (أَوْ) نَقَصَتْ (قِيمَةُ أَحَدِهِمَا ضَمِنَ) الْغَاصِبُ (النَّقْصَ فِي الْمَغْصُوبِ) ; لِأَنَّهُ بِتَعَدِّيهِ (وَإِنْ لَمْ تَنْقُصْ) قِيمَتُهُمَا (وَلَمْ تَزِدْ أَوْ زَادَتْ قِيمَتُهُمَا) مَعًا (فَ) رَبُّ الثَّوْبِ وَالصَّبْغِ أَوْ السَّوِيقِ وَالزَّيْتِ (شَرِيكَانِ بِقَدْرِ مَالَيْهِمَا) فِي الثَّوْبِ
стр. 957
وَالصَّبْغِ أَوْ السَّوِيقِ وَالزَّيْتِ لِاجْتِمَاعِ مِلْكَيْهِمَا وَهُوَ يَقْتَضِي الِاشْتِرَاكَ (وَإِنْ زَادَتْ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا) كَأَنْ كَانَتْ قِيمَةُ الثَّوْبِ عَشَرَةً وَالصَّبْغِ خَمْسَةً فَصَارَ مَصْبُوغًا يُسَاوِي عِشْرِينَ بِسَبَبِ غُلُوِّ الثَّوْبِ أَوْ الصَّبْغِ (فَ) الزِّيَادَةُ (لِصَاحِبِهِ) أَيْ: الَّذِي غَلَا سِعْرُهُ مِنْ الثَّوْبِ أَوْ الصَّبْغِ لِأَنَّهَا تَبَعٌ لِأَصْلِهَا، وَإِنْ زَادَ أَحَدُهُمَا أَرْبَعَةً وَالْآخَرُ وَاحِدًا فَهِيَ بَيْنَهُمَا كَذَلِكَ. وَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ بِالْعَمَلِ فَبَيْنَهُمَا ; لِأَنَّ عَمَلَ الْغَاصِبِ فِي الْمَغْصُوبِ لِمَالِكِهِ حَيْثُ كَانَ أَثَرًا، وَزِيَادَةُ مَالِ الْغَاصِبِ لَهُ وَلَيْسَ لِلْغَاصِبِ مَنْعُ رَبِّ الثَّوْبِ مِنْ بَيْعِهِ. فَإِنْ بَاعَهُ فَصَبْغُهُ لَهُ بِحَالِهِ (فَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا) أَيْ: مَالِكُ الثَّوْبِ، أَوْ مَالِكُ الصِّبْغِ (قَلْعَ الصِّبْغِ) مِنْ الثَّوْبِ (لَمْ يَجِبْ) أَيْ: لَمْ تَلْزَمْ إجَابَتُهُ ; لِأَنَّ فِيهِ إتْلَافًا لِمِلْكِ الْآخَرِ حَتَّى (وَلَوْ ضَمِنَ) طَالِبُ الْقَلْعِ (النَّقْصَ) لِهَلَاكِ الصِّبْغِ بِالْقَلْعِ فَتَضِيعُ مَالِيَّتُهُ وَهُوَ سَفَهٌ. وَإِنْ بَذَلَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ قِيمَةَ مَالِهِ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَبُولِهَا، لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ. (وَيَلْزَمُ الْمَالِكَ قَبُولُ صَبْغِ) الثَّوْبِ الْمَصْبُوغِ (وَ) قَبُولُ (تَزْوِيقِ دَارٍ) مَغْصُوبَةٍ (وَنَحْوِهِ) كَنِسَاجَةِ ثَوْبٍ وَقَصْرِهِ وَخِيَاطَتِهِ وَضَرْبِ حَدِيدٍ إبَرًا أَوْ سُيُوفًا وَنَحْوَهَا وَزَادَتْ الْقِيمَةُ بِذَلِكَ الْعَمَلِ إذَا (وُهِبَ لَهُ) ; لِأَنَّهُ مِنْ صِفَاتِ الْعَيْنِ فَهُوَ كَزِيَادَةِ الصِّفَةِ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ.
وَ (لَا) يَلْزَمُ مَغْصُوبًا مِنْهُ قَبُولُ هِبَةِ (مَسَامِيرَ) لِغَاصِبٍ (سَمَّرَ بِهَا) الْخَشَبَ (الْمَغْصُوبَ) ; لِأَنَّهَا أَعْيَانٌ مُتَمَيِّزَةٌ فَلَا يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِهَا كَغَيْرِهَا مِنْ الْأَعْيَانِ لِلْمِنَّةِ، (وَإِنْ غَصَبَ صِبْغًا فَصَبَغَ) الْغَاصِبُ (بِهِ ثَوْبًا) لَهُ (أَوْ غَصَبَ زَيْتًا فَلَتَّ) الْغَاصِبُ (بِهِ سَوِيقًا) لَهُ (فَ) رَبُّ الصِّبْغِ أَوْ الزَّيْتِ وَالْغَاصِبُ (شَرِيكَانِ) فِي الثَّوْبِ الْمَصْبُوغِ أَوْ السَّوِيقِ الْمَلْتُوتِ (بِقَدْرِ حَقَّيْهِمَا) لِمَا تَقَدَّمَ (وَيَضْمَنُ) الْغَاصِبُ (النَّقْصَ) إنْ حَصَلَ لِتَعَدِّيهِ بِالْخَلْطِ.
(وَإِنْ غَصَبَ) شَخْصٌ (ثَوْبًا وَصِبْغًا) مِنْ وَاحِدٍ (فَصَبَغَهُ بِهِ رَدَّهُ) أَيْ: الثَّوْبَ مَصْبُوغًا ; لِأَنَّهُ عَيْنُ مِلْكِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ (وَ) رَدَّ (أَرْشَ نَقْصِهِ) إنْ نَقَصَ لِتَعَدِّيهِ (وَلَا شَيْءَ لَهُ) أَيْ: الْغَاصِبِ (إنْ زَادَ) بِعَمَلِهِ فِيهِ لِتَبَرُّعِهِ بِهِ. فَإِنْ كَانَ الصِّبْغُ لِوَاحِدٍ وَالثَّوْبُ لِوَاحِدٍ فَهُمَا شَرِيكَانِ بِقَدْرِ مِلْكَيْهِمَا. وَإِنْ زَادَتْ قِيمَتُهُمَا فَلَهُمَا. وَإِنْ زَادَتْ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا فَلِرَبِّهِ، وَإِنْ نَقَصَتْ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا أَوْ قِيمَتُهُمَا فَعَلَيْهِ وَلَا يَضْمَنُ نَقْصَ السِّعْرِ.
стр. 958
[فَصْلٌ وَيَجِبُ بِوَطْءِ غَاصِبٍ أَمَةً مَغْصُوبَةً عَالِمًا تَحْرِيمَهُ أَيْ الْوَطْءِ حَدٌّ]
(فَصْلٌ وَيَجِبُ بِوَطْءِ غَاصِبٍ أَمَةً مَغْصُوبَةً) (عَالِمًا تَحْرِيمَهُ) أَيْ: الْوَطْءِ (حَدٌّ) لِزِنَاهُ بِهَا. لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ وَلَا مِلْكِ يَمِينٍ، وَلَا شُبْهَةَ تَدْرَأُ الْحَدَّ، حَيْثُ عَلِمَ التَّحْرِيمَ.
(وَ) يَجِبُ بِوَطْءٍ (مَهْرُ) مِثْلِهَا بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا (وَلَوْ) كَانَتْ الْأَمَةُ (مُطَاوِعَةً) ; لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلسَّيِّدِ فَلَا يَسْقُطُ بِمُطَاوَعَتِهَا، كَإِذْنِهَا فِي قَطْعِ يَدِهَا، وَكَاسْتِخْدَامِهَا وَحَدِيثُ " النَّهْيِ عَنْ مَهْرِ الْبَغِيِّ " مَحْمُولٌ عَلَى الْحُرَّةِ لِأَنَّهُ حَقُّهَا، فَيَسْقُطُ بِمُطَاوَعَتِهَا، بِخِلَافِ مَهْرِ الْأَمَةِ، (وَ) يَجِبُ بِوَطْئِهِ (أَرْشُ بَكَارَةٍ) أَزَالَهَا، لِأَنَّهُ بَدَلُ جُزْءٍ مِنْهَا، فَلَا يَنْدَرِجُ فِي الْمَهْرِ. لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُضْمَنُ مُنْفَرِدًا، بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ وَطِئَ ثَيِّبًا لَزِمَهُ مَهْرُهَا. وَإِنْ افْتَضَّهَا بِأُصْبُعِهِ لَزِمَهُ أَرْشُ بَكَارَتِهَا، فَضُمِنَا إذَا اجْتَمَعَا. وَمَا يَأْتِي فِي النِّكَاحِ مِنْ انْدِرَاجِ أَرْشِ الْبَكَارَةِ فِي الْمَهْرِ: فَفِي الْحُرَّةِ.
(وَ) يَجِبُ بِوَطْئِهِ إذَا حَمَلَتْ مِنْهُ أَوْ وَلَدَتْ مِنْهُ أَرْشُ (نَقْصٍ بِوِلَادَةٍ) لِحُصُولِهِ بِفِعْلِهِ الْمُتَعَدِّي بِهِ، وَلَا يَنْجَبِرُ بِالْوَلَدِ كَمَا لَا يَنْجَبِرُ بِهِ نَقْصُ غَيْرِ الْوِلَادَةِ. وَلَوْ قَتَلَهَا غَاصِبٌ بِوَطْئِهِ فَالدِّيَةُ نَصًّا. فَإِنْ اسْتَرَدَّهَا مَالِكُهَا حَامِلًا فَمَاتَتْ عِنْدَهُ فِي نِفَاسِهَا ضَمِنَهَا الْغَاصِبُ، لِأَنَّهُ أَثَرُ فِعْلِهِ، كَمَا لَوْ اسْتَرَدَّ الْحَيَوَانَ الْمَغْصُوبَ مَجْرُوحًا مِنْ الْغَاصِبِ فَسَرَى الْجُرْحُ إلَى نَفْسِهِ عِنْدَ الْمَالِكِ فَمَاتَ.
(وَالْوَلَدُ) مِنْ غَاصِبٍ (مِلْكٌ لِرَبِّهَا) أَيْ الْأَمَةِ لِأَنَّهُ مِنْ نَمَائِهَا، وَيَتْبَعُهَا فِي الرِّقِّ فِي النِّكَاحِ الْحَلَالِ. فَهُنَا أَوْلَى. وَيَجِبُ رَدُّهُ مَعَهَا كَسَائِرِ الزَّوَائِدِ (وَيَضْمَنُهُ) أَيْ الْغَاصِبُ (سِقْطًا) أَيْ: مَوْلُودًا قَبْلَ تَمَامِهِ حَيًّا. وَ (لَا) يَضْمَنُهُ إنْ وُلِدَ (مَيِّتًا) وَلَوْ تَامًّا (بِلَا جِنَايَةٍ) ; لِأَنَّهُ لَمْ تُعْلَمْ حَيَاتُهُ قَبْلَ ذَلِكَ (بِعُشْرِ قِيمَةِ أُمِّهِ) كَمَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ أَجْنَبِيٌّ. وَإِنْ وَلَدَتْهُ تَامًّا حَيًّا ثُمَّ مَاتَ ضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَغَيْرِهِمَا. وَإِنْ وَلَدَتْهُ مَيِّتًا بِجِنَايَةٍ ضَمِنَهُ مَالِكُ مَنْ شَاءَ مِنْ جَانٍ وَغَاصِبٍ (وَقَرَارُهُ) أَيْ الضَّمَانِ (مَعَهَا) أَيْ: الْجِنَايَةِ إنْ سَقَطَ بِهَا (عَلَى الْجَانِي) ; لِأَنَّهُ الْمُتْلِفُ لَهُ، (وَكَذَا وَلَدُ بَهِيمَةٍ) مَغْصُوبَةٍ فِي الضَّمَانِ، لَكِنْ حَيْثُ ضَمِنَهُ فِيمَا نَقَصَ أُمَّهُ كَمَا يَأْتِي فِي الْجِنَايَاتِ، (وَالْوَلَدُ) تَأْتِي بِهِ أُمُّهُ مَغْصُوبَةً (مِنْ جَاهِلِ) الْحُكْمِ وَلَوْ الْغَاصِبَ لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِإِسْلَامٍ أَوْ نَشْأَتِهِ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ يَخْفَى عَلَيْهِ مِثْلُ هَذَا وَلِلْحَالِ، بِأَنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ بِأَمَتِهِ أَوْ زَوْجَتِهِ أَوْ اشْتَرَاهَا أَوْ تَزَوَّجَهَا مِنْ غَاصِبٍ جَاهِلًا بِالْحَالِ ظَانًّا حُرِّيَّتَهَا (حُرٌّ) لِاعْتِقَادِهِ الْإِبَاحَةَ.
وَيَلْحَقُ نَسَبُهُ
стр. 959
بِوَاطِئٍ لِلشُّبْهَةِ (وَيَفْدِي) أَيْ: يَلْزَمُ الْوَاطِئَ فِدَاءُ الْوَلَدِ لِسَيِّدِهَا لِحَيْلُولَتِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّيِّدِ بِاعْتِقَادِهِ (بِانْفِصَالِهِ) أَيْ: الْوَلَدِ (حَيًّا) لَا مَيِّتًا، لِأَنَّهُ لَمْ تُعْلَمْ حَيَاتُهُ قَبْلُ وَلَمْ تُوجَدْ حَيْلُولَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَيَفْدِيهِ (بِقِيمَتِهِ) نَصًّا كَسَائِرِ الْمُتَقَوِّمَاتِ (يَوْمَ وَضْعِهِ) ; لِأَنَّهُ أَوَّلُ إمْكَانَ تَقْوِيمِهِ، إذْ لَا يُمْكِنُ تَقْوِيمُهُ حَمْلًا، وَلِأَنَّهُ وَقْتُ الْحَيْلُولَةِ. وَإِنْ ضَرَبَ غَاصِبٌ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّةِ وَلَدِهِ بَطْنَهَا فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا فَعَلَيْهِ غُرَّةٌ قِيمَتُهَا خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ مَوْرُوثَةٌ عَنْهُ لَا يَرِثُ الضَّارِبُ مِنْهَا شَيْئًا لِأَنَّهُ قَاتِلٌ. وَعَلَيْهِ لِلسَّيِّدِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ لِضَمَانِهِ لَهُ ضَمَانَ الْمَمَالِيكِ، وَإِنْ كَانَ الضَّارِبُ أَجْنَبِيًّا فَعَلَيْهِ غُرَّةٌ مَوْرُوثَةٌ عَنْهُ لِلْحُكْمِ بِحُرِّيَّتِهِ وَعَلَى الْغَاصِبِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ لِمَا تَقَدَّمَ. وَإِنْ انْتَقَلَتْ عَيْنٌ مَغْصُوبَةٌ عَنْ يَدِ غَاصِبِهَا إلَى غَيْرِ مَالِكِهَا فَالْمُنْتَقِلَةُ إلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ الْغَاصِبِ، فَلِمَالِكِهَا تَضْمِينُهُ الْعَيْنَ وَالْمَنْفَعَةَ الْفَائِتَةَ، لِأَنَّهُ إنْ عَلِمَ الْحَالَ فَغَاصِبٌ، وَإِنْ جَهِلَهُ فَلِعُمُومِ حَدِيثِ «: عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» " وَلِحُصُولِهَا فِي يَدِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَمَلَكَ الْمَالِكُ تَضْمِينَهُ كَمَا يَمْلِكُ تَضْمِينَ الْغَاصِبِ، لَكِنْ إنَّمَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ مَا دَخَلَ عَلَى ضَمَانِهِ مِنْ عَيْنٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ وَمَا لَمْ يَدْخُلْ عَلَى ضَمَانِهِ يَسْتَقِرُّ عَلَى الْغَاصِبِ.
وَالْأَيْدِي الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى يَدِ الْغَاصِبِ عَشْرَةٌ. الْأُولَى: الْقَابِضَةُ تَمَلُّكًا بِعِوَضٍ مُسَمًّى. وَهِيَ يَدُ الْمُشْتَرِي وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ كَالْمُتَّهِبِ بِعِوَضٍ. فَمَنْ غَصَبَ أَمَةً بِكْرًا فَاشْتَرَاهَا مِنْهُ آخَرُ وَاسْتَوْلَدَهَا ثُمَّ مَاتَتْ عِنْدَهُ، أَوْ غَصَبَ دَارًا أَوْ بُسْتَانًا أَوْ عَبْدًا ذَا صَنْعَةٍ أَوْ بَهِيمَةً فَاشْتَرَاهَا إنْسَانٌ وَاسْتَعْمَلَهَا إلَى أَنْ تَلِفَتْ عِنْدَهُ ثُمَّ حَضَرَ الْمَالِكُ وَضَمِنَ الْمُشْتَرِي مَا وَجَبَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَرْجِعْ بِالْقِيمَةِ وَلَا بِأَرْشِ الْبَكَارَةِ عَلَى أَحَدٍ لِدُخُولِهِ عَلَى ضَمَانِ ذَلِكَ لِبَذْلِهِ الْعِوَضَ فِي مُقَابَلَةِ الْعَيْنِ، بِخِلَافِ الْمَنَافِعِ فَإِنَّمَا تَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي تَبَعًا لِلْعَيْنِ (وَيَرْجِعُ مُعْتَاضٌ) أَيْ: مُشْتَرٍ وَنَحْوَهُ (غَرِمَ) بِتَضْمِينِ مَالِكٍ لَهُ (عَلَى غَاصِبٍ بِنَقْصِ وِلَادَةٍ وَمَنْفَعَةٍ فَائِتَةٍ بِإِبَاقٍ وَنَحْوَهُ) كَمَرَضٍ (وَمَهْرٍ وَأُجْرَةِ نَفْعٍ وَثَمَرٍ وَكَسْبٍ وَقِيمَةِ وَلَدٍ) مِنْهُ أَوْ مِنْ زَوْجٍ زَوَّجَهَا لَهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ عَلَى ضَمَانِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَيْثُ جَهِلَ الْحَالَ، فَإِنْ عَلِمَهُ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ كُلُّهُ (وَ) يَرْجِعُ (غَاصِبٌ) غَرِمَ الْجَمِيعَ لِمَالِكٍ (عَلَى مُعْتَاضٍ بِقِيمَةُ) عَيْنٍ (وَأَرْشِ بَكَارَةٍ) لِدُخُولِهِ عَلَى ضَمَانِهَا.
الثَّانِيَةُ: يَدُ مُسْتَأْجِرٍ. وَقَدْ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ (وَفِي إجَارَةٍ يَرْجِعُ مُسْتَأْجِرٌ غَرِمَ) لِمَالِكٍ قِيمَةَ الْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ عَلَى غَاصِبٍ (بِقِيمَةِ عَيْنٍ) تَلِفَتْ بِيَدِهِ بِلَا تَفْرِيطٍ وَجَهِلَ الْحَالَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ عَلَى ضَمَانِهَا، بِخِلَافِ الْمَنْفَعَةِ فَتَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ لِدُخُولِهِ عَلَى ضَمَانِهَا.
(وَ) يَرْجِعُ
стр. 960
(غَاصِبٌ) غَرِمَ لِمَالِكٍ الْعَيْنَ وَالْمَنْفَعَةَ (عَلَيْهِ) أَيْ: الْمُسْتَأْجِرِ (بِقِيمَةِ مَنْفَعَةٍ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَيَسْتَرِدُّ مُشْتَرٍ) وَنَحْوُهُ (وَمُسْتَأْجِرٌ) مِنْ غَاصِبٍ (لَمْ يُقِرَّا بِالْمِلْكِ لَهُ) أَيْ: الْغَاصِبِ (مَا دَفَعَاهُ) لَهُ (مِنْ الْمُسَمَّى) فِي بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ مِنْ ثَمَنٍ وَأُجْرَةٍ (وَلَوْ عَلِمَا) أَيْ: الْمُشْتَرِي وَالْمُسْتَأْجِرُ (الْحَالَ) أَيْ كَوْنَ الْعَيْنِ مَغْصُوبَةً لِعَدَمِ صِحَّةِ الْعَقْدِ مَعَ الْعِلْمِ وَعَدَمِهِ. لِأَنَّ الْغَاصِبَ غَيْرُ مَالِكٍ وَغَيْرُ مَأْذُونٍ لَهُ، فَلَا يَمْلِكُ الثَّمَنَ وَلَا الْأُجْرَةَ بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْقِيمَةُ الَّتِي ضُمِنَتْ لِلْمَالِكِ وَفْقَ الثَّمَنِ أَوْ دُونَهُ أَوْ فَوْقَهُ. فَإِنْ أَقَرَّا بِالْمِلْكِ لَهُ لَمْ يَسْتَرِدَّا مَا دَفَعَاهُ لَهُ مِنْ الْمُسَمَّى مُؤَاخَذَةً لَهُمَا بِإِقْرَارِهِمَا. صَرَّحَ بِهِ ابْنُ رَجَبٍ فِي الْمُشْتَرِي. وَمُقْتَضَى مَا يَأْتِي فِي الدَّعَاوَى وَهُوَ ظَاهِرُ الْإِقْنَاعِ: يَرْجِعَانِ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ مُسْتَنَدَهُ الْيَدُ، وَقَدْ بَانَ عُدْوَانُهَا. وَلَوْ طَالَبَ الْمَالِكُ الْغَاصِبَ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ إذَا كَانَ أَزْيَدَ مِنْ الْقِيمَةِ فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الْمُتَّجِرِ فِي الْوَدِيعَةِ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ: أَنَّ الرِّبْحَ لِلْمَالِكِ. قَالَهُ فِي الْقَوَاعِدِ.
الثَّالِثَةُ: يَدُ الْقَابِضِ تَمَلُّكًا بِلَا عِوَضٍ، أَمَّا الْعَيْنُ وَمَنَافِعُهَا كَالْمُتَّهَبِ وَالْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ وَالْمُوصَى لَهُ، أَوْ لِلْمَنْفَعَةِ فَقَطْ كَالْمُوصَى لَهُ بِمَنَافِعِهَا وَالرَّابِعَةُ: يَدُ الْقَابِضِ لِمَصْلَحَةِ الدَّافِعِ فَقَطْ، كَوَكِيلٍ وَمُودَعٍ وَإِلَيْهِمَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَفِي تَمَلُّكٍ بِلَا عِوَضٍ) كَهِبَةٍ وَهَدِيَّةٍ وَصَدَقَةٍ وَوَصِيَّةٍ بِعَيْنٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ (وَعَقْدِ أَمَانَةٍ) كَوَكَالَةٍ الْوَدِيعَةٍ وَرَهْنٍ (مَعَ جَهْلِ) قَابِضٍ بِغَصْبٍ (يَرْجِعُ مُتَمَلِّكٌ وَأَمِينٌ) عَلَى غَاصِبٍ (بِقِيمَةِ عَيْنٍ وَمَنْفَعَةٍ) غَرِمَاهُمَا لِمَالِكٍ، لِأَنَّهُمَا لَمْ يَدْخُلَا عَلَى ضَمَانِ شَيْءٍ. وَلَا يُنَاقِضُ هَذَا مَا سَبَقَ فِي الْوَكَالَةِ وَالرَّهْنِ مِنْ أَنَّ الْوَكِيلَ وَالْأَمِينَ فِي الرَّهْنِ إذَا بَاعَا وَقَبَضَا الثَّمَنَ ثُمَّ بَانَ الْمَبِيعُ مُسْتَحَقًّا لَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يُطَالِبُهُمَا بِالثَّمَنِ الَّذِي أَقْبَضَهُ لَهُمَا لِتَعَلُّقِ حُقُوقِ الْعَقْدِ بِالْمُوَكَّلِ بِدُونِ الْوَكِيلِ. أَمَّا كَوْنُ الْمُسْتَحِقِّ لِلْعَيْنِ لَا يُطَالِبُ الْوَكِيلَ فَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ هُنَاكَ أَلْبَتَّةَ وَهُوَ بِمَعْزِلٍ عَنْ مَسْأَلَتِهِمْ بِالْكُلِّيَّةِ قَالَهُ ابْنُ رَجَبٍ (وَلَا يَرْجِعُ غَاصِبٌ) غَرِمَ الْعَيْنَ وَالْمَنْفَعَةَ عَلَى مُتَّهِبٍ وَنَحْوَهُ، أَوْ أَمِينٌ تَلِفَتْ الْعَيْنُ تَحْتَ يَدِهِ بِلَا تَفْرِيطٍ (بِشَيْءٍ) حَيْثُ جَهِلَا الْحَالَ.
الْخَامِسَةُ: يَدُ الْمُسْتَعِيرِ، وَقَدْ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ (وَفِي عَارِيَّةٍ مَعَ جَهْلِ مُسْتَعِيرٍ) بِالْغَصْبِ إذَا تَلِفَتْ الْعَيْنُ عِنْدَهُ (يَرْجِعُ) مُسْتَعِيرٌ ضَمَّنَهُ مَالِكُ الْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ (بِقِيمَةِ مَنْفَعَةٍ) ; لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ عَلَى ضَمَانِهَا، فَقَدْ غَرَّهُ، وَيَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ ضَمَانُ الْعَيْنِ إنْ لَمْ تَتْلَفْ بِالِاسْتِعْمَالِ بِالْمَعْرُوفِ، لِأَنَّهُ قَبَضَهَا عَلَى أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَيْهِ.
(وَ) يَرْجِعُ
стр. 961
(غَاصِبٌ) غَرِمَ لِمَالِكٍ قِيمَةَ الْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ عَلَى مُسْتَعِيرٍ جَهِلَ الْغَصْبَ (بِقِيمَةَ عَيْنٍ) تَلِفَتْ بِغَيْرِ الِاسْتِعْمَالِ بِالْمَعْرُوفِ فَقَطْ كَمَا تَقَدَّمَ (وَمَعَ عِلْمِهِ) أَيْ: الْمُسْتَعِيرِ بِغَصْبِ عَارِيَّةٍ (لَا يَرْجِعُ) عَلَى غَاصِبٍ (بِشَيْءٍ) مِمَّا ضَمَّنَهُ لَهُ مَالِكٌ مِنْ قِيمَةِ عَيْنٍ وَمَنْفَعَةٍ لِتَعَدِّيهِ بِقَبْضِهَا عَالِمًا بِالْحَالِ. فَلَا تَغْرِيرَ وَوُجُودِ التَّلَفِ تَحْتَ يَدِهِ (وَيَرْجِعُ غَاصِبٌ) غَرِمَ الْعَيْنَ وَالْمَنْفَعَةَ مَعَ عِلْمِ مُسْتَعِيرٍ بِالْحَالِ (بِهِمَا) أَيْ بِقِيمَةِ الْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ، لِدُخُولِهِ عَلَى ذَلِكَ.
السَّادِسَةُ يَدُ الْغَاصِبِ. وَهِيَ الْمُشَارُ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (وَفِي غَصْبٍ يَرْجِعُ الْغَاصِبُ الْأَوَّلُ بِمَا غَرِمَ) مِنْ قِيمَةِ عَيْنٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ عَلَى غَاصِبٍ ثَانٍ لِتَلَفِهِمَا تَحْتَ يَدِهِ الْعَادِيَةِ، (وَلَا يَرْجِعُ) الْغَاصِبُ (الثَّانِي) إنْ غَرَّمَهُ الْمَالِكُ الْعَيْنَ وَالْمَنْفَعَةَ (عَلَيْهِ) أَيْ الْغَاصِبِ الْأَوَّلِ (بِشَيْءٍ) لِحُصُولِ التَّلَفِ بِيَدِهِ الْعَادِيَةِ، لَكِنْ لَا يُغَرِّمُهُ الْمَالِكُ الْمَنْفَعَةَ إلَّا مُدَّةَ إقَامَتِهَا عِنْدَهُ.
السَّابِعَةُ: يَدُ الْمُتَصَرِّفِ فِي الْمَالِ بِمَا يُنَمِّيهِ، كَمُضَارِبٍ وَشَرِيكٍ وَمُسَاقٍ وَمُزَارِعٍ. وَأَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (وَفِي مُضَارَبَةٍ وَنَحْوِهَا) كَشَرِكَةٍ وَمُسَاقَاةٍ وَمُزَارَعَةٍ (يَرْجِعُ عَامِلٌ) مَثَلًا غَرِمَ عَلَى غَاصِبٍ (بِقِيمَةِ عَيْنٍ) تَلِفَتْ تَحْتَ يَدِهِ بِلَا تَفْرِيطٍ لِدُخُولِهِ جَهْلًا عَلَى عَدَمِ ضَمَانِهَا.
(وَ) يَرْجِعُ عَلَيْهِ أَيْضًا بِ (أُجْرَةِ عَمَلٍ) ; لِأَنَّهُ غَرَّهُ وَلَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِمْ ضَمَانُ شَيْءٍ بِدُونِ الْقِسْمَةِ، سَوَاءٌ قُلْنَا مَلَكُوا الرِّبْحَ بِالظُّهُورِ أَوْ لَا إذْ حِصَّتُهُمْ وِقَايَةٌ لِرَأْسِ الْمَالِ وَلَيْسَ لَهُمْ الِانْفِرَادُ بِالْقِسْمَةِ، فَلَمْ يَتَعَيَّنْ لَهُمْ شَيْءٌ مَضْمُونٌ (وَ) يَرْجِعُ (غَاصِبٌ) غَرِمَ لِمَالِكٍ عَلَى عَامِلٍ (بِمَا قَبَضَ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ مِنْ رِبْحٍ) فِي مُضَارَبَةٍ (وَ) بِمَا قَبَضَ مِنْ (ثَمَرٍ فِي مُسَاقَاةٍ) وَمِنْ زَرْعٍ فِي مُزَارَعَةٍ (بِقِسْمَتِهِ) أَيْ: الرِّبْحِ أَوْ الثَّمَرِ أَوْ الزَّرْعِ (مَعَهُ) أَيْ: الْغَاصِبِ لِعَدَمِ اسْتِحْقَاقِهِ مَا قَبَضَهُ لِفَسَادِ الْعَقْدِ. وَلِهَذَا يُطَالَبُ الْغَاصِبُ بِأُجْرَةِ عَمَلِهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
الثَّامِنَةُ: يَدُ الْمُتَزَوِّجِ لِلْمَغْصُوبَةِ إذَا قَبَضَهَا مِنْ الْغَاصِبِ بِمُقْتَضَى عَقْدِ النِّكَاحِ وَأَوْلَدَهَا وَمَاتَتْ عِنْدَهُ. وَقَدْ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ (وَفِي نِكَاحٍ يَرْجِعُ زَوْجٌ) غَرِمَ لِمَالِكٍ (بِقِيمَتِهَا) وَأَرْشِ بَكَارَةٍ وَنَقْصِ وِلَادَةٍ (وَقِيمَةِ وَلَدٍ اشْتَرَطَ حُرِّيَّتَهُ) فِي الْعَقْدِ عَلَى غَاصِبٍ ظَانًّا أَنَّهَا مِلْكُهُ، (أَوْ مَاتَ) الْوَلَدُ بِيَدِ الزَّوْجِ وَأَغْرَمَهُ الْمَالِكُ قِيمَتَهُ، لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ حَيْثُ جَهِلَ الْحَالَ، بِخِلَافِ الْمَهْرِ فَيَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ (وَ) يَرْجِعُ (غَاصِبٌ) عَلَى زَوْجٍ إنْ غَرِمَ (بِمَهْرِ مِثْلٍ) غَرَّمَهُ لَهُ الْمَالِكُ، لِاسْتِقْرَارِهِ عَلَيْهِ بِالْوَطْءِ وَدُخُولِهِ عَلَى ضَمَانِ الْبُضْعِ (وَيَرُدُّ) غَاصِبٌ لِزَوْجٍ (مَا أَخَذَ مِنْ) مَهْرٍ (مُسَمًّى) لِفَسَادِ الْعَقْدِ.
التَّاسِعَةُ: يَدُ الْقَابِضِ تَعْوِيضًا بِغَيْرِ
стр. 962
بَيْعٍ وَمَا بِمَعْنَاهُ. وَإِلَيْهَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ (وَفِي إصْدَاقٍ) بِأَنْ تَزَوَّجَ الْغَاصِبُ امْرَأَةً وَأَقْبَضَهَا الْمَغْصُوبَ عَلَى أَنَّهُ صَدَاقُهَا (وَ) فِي (خُلْعٍ أَوْ نَحْوِهِ) كَطَلَاقٍ وَعِتْقٍ وَصُلْحٍ عَنْ دَمِ عَمْدٍ (عَلَيْهِ) أَيْ الْمَغْصُوبِ، سَوَاءٌ وَقَعَ عَلَى عَيْنِ الْمَغْصُوبِ أَوْ عَلَى عِوَضٍ فِي الذِّمَّةِ. ثُمَّ أَقْبَضَهُ عَنْهُ (وَإِيفَاءِ دَيْنٍ) بِأَنْ دَفَعَ الْمَغْصُوبَ فِي وَفَاءِ دَيْنِ مُسْلِمٍ أَوْ غَيْرِهِ (يَرْجِعُ قَابِضٌ) أَغْرَمَهُ الْمَالِكُ قِيمَةَ الْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ (بِقِيمَةِ مَنْفَعَةٍ) وَمَهْرٍ وَنَقْصِ وِلَادَةٍ وَثَمَرٍ وَكَسْبٍ وَقِيمَةِ وَلَدٍ عَلَى غَاصِبٍ لِتَقْرِيرِهِ لَهُ، وَتَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْعَيْنِ وَأَرْشُ الْبَكَارَةِ لِدُخُولِهِ عَلَى أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَيْهِ بِحَقِّهِ.
(وَ) يَرْجِعُ (غَاصِبٌ) إنْ غَرِمَ (بِقِيمَةِ عَيْنٍ) وَأَرْشِ بَكَارَةٍ عَلَى قَابِضٍ لِمَا سَبَقَ. وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْقِيمَةُ وَفْقَ حَقِّهِ أَوْ دُونَهُ أَوْ أَزْيَدَ مِنْهُ (وَالدَّيْنُ) الْمَأْخُوذُ عَنْهُ الْمَغْصُوبُ مِنْ ثَمَنٍ أَوْ قَرْضٍ أَوْ أُجْرَةٍ أَوْ دَيْنِ سَلَمٍ وَنَحْوِهِ (بِحَالِهِ) فِي ذِمَّةِ غَاصِبٍ لِفَسَادِ الْقَبْضِ.
الْعَاشِرُ: يَدُ الْمُتْلِفِ لِلْمَغْصُوبِ نِيَابَةً عَنْ الْغَاصِبِ مَعَ جَهْلِهِ، كَذَبْحِ حَيَوَانٍ أَوْ طَحْنِ حَبٍّ. وَأَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ (وَفِي إتْلَافٍ بِإِذْنِ غَاصِبٍ الْقَرَارُ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْغَاصِبِ لِوُقُوعِ الْفِعْلِ لَهُ فَهُوَ كَالْمُبَاشِرِ، (وَإِنْ عَلِمَ مُتْلِفٌ) بِغَصْبٍ (فَ) قَرَارُ الضَّمَانِ (عَلَيْهِ) لِتَعَدِّيهِ عَلَى مَا يَعْلَمُهُ مِلْكَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ. وَإِنْ أُتْلِفَ عَلَى وَجْهٍ مُحَرَّمٍ شَرْعًا، كَقَتْلِ حَيَوَانٍ مَغْصُوبٍ، مِنْ عَبْدٍ أَوْ حِمَارٍ أَوْ غَيْرِهِمَا بِإِذْنِ غَاصِبٍ، فَفِي التَّلْخِيصِ: يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ الضَّمَانُ، لِأَنَّهُ عَالِمٌ بِتَحْرِيمِ هَذَا الْفِعْلِ، فَهُوَ كَالْعَالِمِ بِأَنَّهُ مَالُ الْغَيْرِ.
قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: وَرَجَّحَ الْحَارِثِيُّ دُخُولَ هَذِهِ الْيَدِ الْمُتْلِفَةِ فِي قِسْمِ الْمَغْرُورِ، لِأَنَّهَا غَيْرُ عَالِمَةٍ بِالضَّمَانِ، فَتَغْرِيرُ الْغَاصِبِ لَهَا حَاصِلٌ (وَإِنْ كَانَ الْمُنْتَقِلُ إلَيْهِ) الْمَغْصُوبُ (فِي هَذِهِ الصُّوَرِ) الْعَشَرَةِ (هُوَ الْمَالِكُ) لَهُ جَاهِلًا أَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ (فَلَا شَيْءَ لَهُ) أَيْ: الْمَالِكِ عَلَى الْغَاصِبِ (لِمَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ) أَيْ: الْمُنْتَقِلِ إلَيْهِ ضَمَانُهُ (لَوْ كَانَ أَجْنَبِيًّا) أَيْ: كَانَ أَجْنَبِيًّا أَيْ: غَيْرَ الْمَالِكِ (وَمَا سِوَاهُ) أَيْ: سِوَى مَا يَسْتَقِرُّ ضَمَانُهُ عَلَى الْمُنْتَقِلِ إلَيْهِ الْغَصْبُ لَوْ كَانَ أَجْنَبِيًّا (فَ) هُوَ (عَلَى الْغَاصِبِ) يُطَالِبُهُ بِهِ مَالِكُهُ. فَلَوْ غَصَبَ عَبْدًا ثُمَّ اسْتَعَارَهُ مِنْهُ مَالِكُهُ جَاهِلًا أَنَّهُ عَبْدُهُ. ثُمَّ تَلِفَ عِنْدَهُ، فَلَا طَلَبَ لَهُ إذَا عَلِمَ عَلَى غَاصِبٍ بِقِيمَتِهِ ; لِأَنَّ ضَمَانَهَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ هُوَ مَالِكَهُ، وَيُطَالِبُهُ بِقِيمَةِ مَنَافِعِهِ مُدَّةَ إقَامَتِهِ عِنْدَ الْغَاصِبِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مَا يُسْقِطُهَا وَعِنْدَهُ. لِأَنَّهَا غَيْرُ مَضْمُونَةٍ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ أَجْنَبِيًّا فَقَدْ غَرَّهُ (وَإِنْ أَطْعَمَهُ) أَيْ الْمَغْصُوبَ غَاصِبٌ (لِغَيْرِ مَالِكِهِ وَعَلِمَ) الْآكِلُ لَهُ (بِغَصْبِهِ اسْتَقَرَّ ضَمَانُهُ عَلَيْهِ) أَيْ: الْآكِلِ، لِأَنَّهُ
стр. 963
أَتْلَفَ مَالَ غَيْرِهِ بِلَا إذْنِهِ مِنْ غَيْرِ تَغْرِيرٍ، وَلِمَالِكِهِ تَضْمِينُ الْغَاصِبِ لَهُ، لِأَنَّهُ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِهِ. وَلَهُ تَضْمِينُ أَكْلِهِ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ مِنْ يَدِ ضَامِنِهِ وَأَتْلَفَهُ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ (وَإِلَّا) يَعْلَمَ الْآكِلُ بِغَصْبِهِ بِأَنْ أَكَلَهُ ظَانًّا أَنَّهُ طَعَامُ الْغَاصِبِ (فَ) قَرَارُ ضَمَانِهِ (عَلَى غَاصِبٍ وَلَوْ لَمْ يَقُلْ) الْآكِلُ (إنَّهُ طَعَامُهُ) ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إنَّمَا يَتَصَرَّفُ فِيمَا يَمْلِكُهُ وَقَدْ أَكَلَهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَضْمَنُهُ، فَاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَى الْغَاصِبِ لِتَغْرِيرِهِ.
(وَ) إنْ أَطْعَمَ غَاصِبٌ مَغْصُوبًا (لِمَالِكِهِ أَوْ قِنِّهِ) أَيْ: قِنِّ مَالِكِهِ (أَوْ دَابَّتَهُ أَوْ أَخَذَهُ) أَيْ: أَخَذَ الْمَالِكُ الْمَغْصُوبَ مِنْ غَاصِبِهِ (بِقَرْضٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ، أَوْ أَبَاحَهُ لَهُ) بِأَنْ كَانَ صَابُونًا فَقَالَ لَهُ: اغْسِلْ بِهِ، أَوْ شَمْعًا فَأَمَرَهُ بِوَقْدِهِ وَنَحْوَهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُهُ مِلْكَهُ (أَوْ اسْتَرْهَنَهُ) مَالِكُهُ (أَوْ اسْتَوْدَعَهُ أَوْ اسْتَأْجَرَهُ) مِنْ غَاصِبِهِ (أَوْ اُسْتُؤْجِرَ) أَيْ: اسْتَأْجَرَ غَاصِبٌ مَالِكًا (عَلَى قِصَارَتِهِ) أَيْ: الْمَغْصُوبِ (أَوْ خِيَاطَتِهِ وَنَحْوِهِمَا) كَصِبْغَةٍ (وَلَمْ يَعْلَمْ) مَالِكُهُ أَنَّهُ مِلْكُهُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ كُلِّهَا (لَمْ يَبْرَأْ غَاصِبٌ) ، أَمَّا فِي الْإِبْرَاءِ وَالْإِبَاحَةِ فَلِأَنَّهُ بِغَصْبِهِ مَنَعَ يَدَ مَالِكِهِ وَسُلْطَانَهُ عَنْهُ وَلَمْ يَعُدْ إلَيْهِ بِذَلِكَ سُلْطَانُهُ ; لِأَنَّ الْمَالِكَ لَمْ يَمْلِكْ التَّصَرُّفَ فِيهِ بِغَيْرِ مَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ الْغَاصِبُ. وَأَمَّا فِي الْقَرْضِ وَالشِّرَاءِ فَلِأَنَّهُ قَبَضَهُ عَلَى اسْتِقْرَارِ بَدَلِهِ فِي ذِمَّتِهِ وَقَبْضُ الْإِنْسَانِ مَا يُسْتَحَقُّ قَبْضُهُ عَلَى أَنْ يَسْتَقِرَّ بَدَلُهُ فِي ذِمَّتِهِ غَيْرُ مُبْرِئٍ لِلْمُقْبِضِ أَشْبَهَ مَا لَوْ دَفَعَ إنْسَانٌ وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ أَوْ كَفَّارَةٌ لِمُسْتَحِقِّهَا عَلَى وَجْهٍ مِنْ هَذَيْنِ وَبِهَذَا فَارَقَ مَا لَوْ دَفَعَهُ إلَيْهِ عَارِيَّةً فَإِنَّهُ يَبْرَأُ وَجَزَمَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّهُ يَبْرَأُ لِعَوْدِهِ إلَى مِلْكِهِ. قُلْتُ: وَلَعَلَّ الْخِلَافَ إنْ لَمْ يَتْلَفْ فِي يَدِهِ وَإِلَّا بَرِئَ، لِقَوْلِهِ فِيمَا سَبَقَ: وَإِنْ كَانَ الْمُنْتَقِلُ إلَيْهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ إلَخْ، وَالْقَرْضُ وَالْمَبِيعُ يَسْتَقِرُّ عَلَى قَابِضِهِ ضَمَانُ عَيْنِهِ دُونَ مَنْفَعَتِهِ.
قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: وَإِنْ بَاعَهُ مِنْهُ بَرِئَ قَوْلًا وَاحِدًا ; لِأَنَّ قَبْضَ الْمَبِيعِ مَضْمُونٌ عَلَى الْمُشْتَرِي انْتَهَى، وَأَمَّا فِي الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ فَلِأَنَّهُ تَحَمُّلٌ مُنْتَهٍ، وَرُبَمَا كَافَأَهُ عَلَى ذَلِكَ. وَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الرَّهْنِ وَمَا بَعْدَهَا فَلِأَنَّهُ قَبَضَهُ عَلَى وَجْهِ الْأَمَانَةِ فَلَمْ يَعُدْ إلَيْهِ بِذَلِكَ سُلْطَانُهُ وَهُوَ تَمْكِينُهُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِكُلِّ مَا أَرَادَ (وَإِنْ أُعِيرَهُ) أَيْ: أَخَذَهُ مَالِكُهُ عَارِيَّةً مِنْ غَاصِبٍ (بَرِئَ) غَاصِبُهُ، لِأَنَّهُ مَالِكُهُ وَإِنْ جَهِلَهُ، فَالْعَارِيَّةُ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ وَلَوْ وَجَبَ عَلَى الْغَاصِبِ ضَمَانُ قِيمَتِهَا لَرَجَعَ بِهِ الْمُسْتَعِيرُ فَلَا فَائِدَةَ فِي تَضْمِينِهِ شَيْئًا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ ضَمِنَهُ لَهُ وَلَا يَبْرَأُ غَاصِبٌ مِنْ عُهْدَةِ مَنَافِعِهَا مَعَ جَهْلِ مَالِكِهَا أَنَّهَا مِلْكُهُ فَيَجِبُ لَهُ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْمَنَافِعِ الَّتِي تَلِفَتْ تَحْتَ يَدِهِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ اسْتَوْفَاهَا كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَةُ الطَّعَامِ الَّذِي
стр. 964
أَبَاحَهُ إيَّاهُ أَوْ وَهَبَهُ مِنْهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَهُوَ صَحِيحٌ قَالَهُ الْمَجْدُ (كَصُدُورِ مَا تَقَدَّمَ) مِنْ الصُّوَرِ (مِنْ مَالِكٍ لِغَاصِبٍ) بِأَنْ أَمَرَ الْمَالِكُ الْغَاصِبَ بِأَكْلِ الْمَغْصُوبِ أَوْ إطْعَامِهِ غَيْرَهُ (أَوْ أَقْرَضَهُ الْمَغْصُوبَ أَوْ بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ أَوْ أَعَارَهُ لِغَاصِبِهِ أَوْ رَهَنَهُ أَوْ أَوْدَعَهُ أَوْ آجَرَهُ لَهُ أَوْ اسْتَأْجَرَهُ) عَلَى قِصَارَتِهِ أَوْ خِيَاطَتِهِ وَنَحْوِهِ فَيَبْرَأُ الْغَاصِبُ مِنْ الْغَصْبِ لِزَوَالِ حُكْمِهِ، لَكِنْ فِي مَسْأَلَةِ الْعَارِيَّةِ وَالْقَرْضِ وَالْبَيْعِ لَهَا حُكْمُهَا (وَكَمَا لَوْ زَوَّجَهُ) أَيْ: زَوَّجَ الْمَالِكُ الْغَاصِبَ الْأَمَةَ (الْمَغْصُوبَةَ) فَيَبْرَأُ الْغَاصِبُ مِنْ عُهْدَةِ غَصْبِهَا وَتَصِيرُ بِيَدِهِ أَمَانَةً، كَمَا لَوْ لَمْ يَغْصِبْهَا قَبْلَ تَزْوِيجِهَا لِرِضَا مَالِكِهَا بِبَقَائِهَا بِيَدِهِ
. (وَمَنْ اشْتَرَى أَرْضًا فَغَرَسَ) فِيهَا (أَوْ بَنَى فِيهَا فَخَرَجَتْ مُسْتَحَقَّةً) لِغَيْرِ بَائِعِهَا (وَقَلَعَ غِرَاسَهُ أَوْ بِنَاءَهُ) أَيْ: الْمُشْتَرِي ; لِأَنَّهُ وُضِعَ بِغَيْرِ حَقٍّ (رَجَعَ) مُشْتَرٍ (عَلَى بَائِعٍ بِمَا غَرَّمَهُ) مِنْ ثَمَنٍ أَقْبَضَهُ وَأُجْرَةِ غَارِسٍ وَبَانٍ وَثَمَنِ مُؤَنٍ مُسْتَهْلَكَةٍ وَأَرْشِ نَقْصٍ بِقَلْعٍ وَأُجْرَةٍ وَنَحْوِهِ ; لِأَنَّهُ غَرَّهُ بِبَيْعِهِ وَأَوْهَمَهُ أَنَّهَا مِلْكُهُ، وَذَلِكَ بِسَبَبِ بِنَائِهِ وَغَرْسِهِ وَعَلِمَ مِنْهُ أَنَّ لِمُسْتَحِقِّ الْأَرْضِ قَلْعَ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ بِلَا ضَمَانِ نَقْصٍ لِوَضْعِهِ فِي مِلْكِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ كَالْغَاصِبِ (وَمَنْ أَخَذَ) أَيْ: انْتَزَعَ (مِنْهُ بِحُجَّةٍ مُطْلَقَةٍ) بِأَنْ أُقِيمَتْ بَيِّنَةٌ شَهِدَتْ لِلْمُدَّعَى لَهُ بِمِلْكِهِ الْمُطْلَقِ بِأَنْ لَمْ تَقُلْ مَلَكَهُ مِنْ وَقْتِ كَذَا (مَا اشْتَرَاهُ) مُدَّعَى عَلَيْهِ (رَدَّ بَائِعُهُ) لِلْمُشْتَرِي (مَا قَبَضَهُ) مِنْهُ مِنْ ثَمَنٍ لِفَسَادِ الْعَقْدِ بِخُرُوجِهِ مُسْتَحَقًّا. وَالْأَصْلُ عَدَمُ حُدُوثِ مِلْكٍ نَاشِئٍ عَنْ الْمُشْتَرِي، كَمَا لَوْ شَهِدَتْ بِمِلْكٍ سَابِقٍ عَلَى زَمَنِ الشِّرَاءِ.
(وَمَنْ اشْتَرَى قِنًّا فَأَعْتَقَهُ فَادَّعَى شَخْصٌ أَنَّ الْبَائِعَ) لِلْقِنِّ (غَصَبَهُ مِنْهُ) وَلَا بَيِّنَةَ (فَصَدَّقَهُ) عَلَى مَا ادَّعَاهُ (أَحَدُهُمَا) أَيْ: الْبَائِعُ أَوْ الْمُشْتَرِي (لَمْ يُقْبَلْ) قَوْلُهُ (عَلَى الْآخَرِ) ; لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى حَقِّ غَيْرِهِ (وَإِنْ صَدَّقَاهُ) أَيْ: الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي (مَعَ) الْقِنِّ (الْمَبِيعِ لَمْ يَبْطُلْ عِتْقُهُ) لِتَعَلُّقِ حَقِّ اللَّهِ بِهِ، وَلِهَذَا لَوْ شَهِدَ بِهِ شَاهِدَانِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا مَعَ اتِّفَاقِ السَّيِّدِ وَالْقِنِّ عَلَى الرِّقِّ. وَلَوْ قَالَ: أَنَا حُرٌّ ثُمَّ أَقَرَّ بِالرِّقِّ لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ وَلِمَالِكِهِ تَضْمِينُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا قِيمَتَهُ يَوْمَ الْعِتْقِ (وَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى مُعْتِقِهِ) لِاعْتِرَافِهِ بِإِتْلَافِهِ بِالْعِتْقِ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهِ فَإِنْ ضَمِنَ الْبَائِعُ رَجَعَ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَإِنْ ضَمِنَ الْمُشْتَرِي لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْبَائِعِ إلَّا بِالثَّمَنِ ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِ، وَإِنْ مَاتَ الْعَتِيقُ وَرِثَهُ وَارِثُهُ الْقَرِيبُ ثُمَّ مُدَّعٍ، وَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ لِاعْتِرَافِ الْمُعْتِقِ بِفَسَادِ عِتْقِهِ. وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي لَمْ يُعْتِقْهُ وَأَقَامَ مُدَّعٍ بَيِّنَةً بِمِلْكِهِ نُقِضَ
стр. 965
الْبَيْعُ وَرَجَعَ مُشْتَرٍ عَلَى بَائِعٍ بِمَا أُخِذَ مِنْهُ. وَكَذَا إنْ أَقَرَّ بِذَلِكَ. وَإِنْ أَقَرَّ أَحَدُهُمَا لَمْ يُقْبَلْ عَلَى الْآخَرِ. فَإِنْ أَقَرَّ الْبَائِعُ لَزِمَتْهُ الْقِيمَةُ لِلْمُدَّعِي ; لِأَنَّهُ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مِلْكِهِ، وَيُقَرُّ مَبِيعٌ بِيَدِ مُشْتَرٍ ; لِأَنَّهُ مَلَكَهُ فِي الظَّاهِرِ. وَلِبَائِعٍ إحْلَافُهُ، ثُمَّ إنْ كَانَ الْبَائِعُ لَمْ يَقْبِضْ الثَّمَنَ فَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْمُشْتَرِي ; لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِيهِ. وَإِنْ كَانَ قَبَضَهُ لَمْ يَسْتَرْجِعْهُ مُشْتَرٍ لِأَنَّهُ يَدَّعِيهِ. وَمَتَى عَادَ بِالْمَبِيعِ إلَى الْبَائِعِ بِفَسْخٍ أَوْ غَيْرِهِ لَزِمَهُ رَدُّهُ إلَى مُدَّعِيهِ وَلَهُ اسْتِرْجَاعُ مَا أَخَذَهُ مِنْهُ. وَإِنْ أَقَرَّ بَائِعٌ فِي مُدَّةِ خِيَارٍ انْفَسَخَ الْبَيْعُ ; لِأَنَّهُ يَمْلِكُ فَسْخَهُ فَقُبِلَ إقْرَارُهُ بِمَا يَفْسَخُهُ. وَإِنْ أَقَرَّ الْمُشْتَرِي وَحْدَهُ لَزِمَهُ رَدُّ الْمَبِيعِ وَلَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ عَلَى بَائِعِهِ وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ، وَعَلَيْهِ دَفْعُهُ إلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنْ قَبَضَهُ وَإِنْ أَقَامَ مُشْتَرٍ بَيِّنَةً بِمَا أَقَرَّ بِهِ رَجَعَ بِالثَّمَنِ، وَإِنْ أَقَرَّ الْبَائِعُ وَأَقَامَ بَيِّنَةً فَإِنْ كَانَ حَالَ الْبَيْعِ قَالَ: بِعْتُكَ بِهِ عِنْدِي هَذَا أَوْ مِلْكِي لَمْ تُقْبَلْ بَيِّنَتُهُ لِأَنَّهُ يُكَذِّبُهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَالَ ذَلِكَ قُبِلَتْ لِأَنَّهُ قَدْ يَبِيعُ مِلْكَهُ وَغَيْرَهُ. وَإِنْ أَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ سُمِعَتْ وَبَطَلَ الْبَيْعُ وَالْعِتْقُ، لَكِنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْبَائِعِ لَهُ، لِأَنَّهُ يَجُرُّ بِهَا إلَى نَفْسِهِ نَفْعًا. وَإِنْ أَنْكَرَاهُ جَمِيعًا فَلَهُ إحْلَافُهُمَا. وَمَنْ وَجَدَ سَرِقَتَهُ عِنْدَ إنْسَانٍ بِعَيْنِهَا فَقَالَ أَحْمَدُ: هُوَ مِلْكُهُ يَأْخُذُهُ، أَذْهَبُ إلَى حَدِيثِ سَمُرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ " «مَنْ وَجَدَ مَتَاعَهُ عِنْدَ رَجُلٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» " وَيَتْبَعُ الْمُبْتَاعُ مَنْ بَاعَهُ.
[فَصْلٌ وَإِنْ أُتْلِفَ مَغْصُوبٌ أَوْ تَلِفَ مَغْصُوبٌ كَحَيَوَانٍ قَتَلَهُ غَاصِبٌ أَوْ غَيْرُهُ]
(فَصْلٌ وَإِنْ أُتْلِفَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ مَغْصُوبٌ (أَوْ تَلِفَ مَغْصُوبٌ) كَحَيَوَانٍ قَتَلَهُ غَاصِبٌ أَوْ غَيْرُهُ. أَوْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ، وَلَوْ غَصَبَهُ مَرِيضًا فَمَاتَ مِنْ مَرَضِهِ. وَكَثَوْبٍ أَحْرَقَهُ شَخْصٌ أَوْ احْتَرَقَ بِصَاعِقَةٍ وَنَحْوِهِ (ضُمِنَ) مَغْصُوبٌ (مِثْلِيٌّ. وَهُوَ) أَيْ الْمِثْلِيُّ (كُلُّ مَكِيلٍ) مِنْ حَبٍّ وَتَمْرٍ وَمَائِعٍ وَغَيْرِهِمَا (أَوْ مَوْزُونٍ) كَحَدِيدٍ وَنُحَاسٍ وَرَصَاصٍ وَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَحَرِيرٍ وَكَتَّانٍ وَقُطْنٍ وَنَحْوِهَا، (لَا صِنَاعَةَ فِيهِ) أَيْ الْمَكِيلِ، بِخِلَافِ نَحْوِ هَرِيسَةٍ. أَوْ الْمَوْزُونِ بِخِلَافِ حُلِيٍّ وَأَسْطَالٍ وَنَحْوِهَا (مُبَاحَةٌ) خَرَجَ أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَتُضْمَنُ بِوَزْنِهَا لِتَحْرِيمِ صِنَاعَتِهَا. وَيَأْتِي (يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ) بِخِلَافٍ نَحْوِ جَوْهَرٍ وَلُؤْلُؤٍ (بِمِثْلِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِضَمِنَ، نَصًّا. لِأَنَّ الْمِثْلَ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ الْقِيمَةِ لِمُمَاثَلَتِهِ لَهُ مِنْ طَرِيقِ الصُّورَةِ وَالْمُشَاهَدَةِ وَالْمَعْنَى، بِخِلَافِ الْقِيمَةِ فَإِنَّهَا تُمَاثِلُ مِنْ طَرِيقِ الظَّنِّ وَالِاجْتِهَادِ. وَسَوَاءٌ تَمَاثَلَتْ أَجْزَاءُ الْمِثْلِيِّ أَوْ تَفَاوَتَتْ
стр. 966
كَالْأَثْمَانِ وَلَوْ دَرَاهِمَ مَغْشُوشَةً رَائِجَةً وَالْحُبُوبَ وَالْأَدْهَانَ وَنَحْوَهَا، وَفِي رُطَبٍ صَارَ تَمْرًا وَسِمْسِمٍ صَارَ شَيْرَجًا يُخَيَّرُ مَالِكُهُ فَيَضْمَنُهُ أَيْ: الْمِثْلَيْنِ أَحَبَّ. وَأَمَّا مُبَاحُ الصِّنَاعَةِ كَمَعْمُولِ حَدِيدٍ وَنُحَاسٍ وَصُوفٍ وَشَعْرٍ مَغْزُولٍ فَيُضْمَنُ بِقِيمَتِهِ لِتَأْثِيرِ صِنَاعَتِهِ فِي قِيمَتِهِ وَهِيَ مُخْتَلِفَةٌ، وَالْقِيمَةُ فِيهِ أَحْضَرُ. (فَإِنْ أَعْوَزَ) مِثْلِيُّ الْمُتْلَفِ أَيْ: تَعَذَّرَ لِعَدَمٍ أَوْ بُعْدٍ أَوْ غَلَاءٍ (فَ) الْوَاجِبُ (قِيمَةُ مِثْلِهِ يَوْمَ إعْوَازِهِ) أَيْ: الْمِثْلِيِّ لِوُجُوبِ الْقِيمَةِ فِي الذِّمَّةِ حِينَ انْقِطَاعِ الْمِثْلِ كَوَقْتِ تَلَفِ الْمُتَقَوِّمِ وَدَلِيلُ وُجُوبِهَا إذَنْ: أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ طَلَبَهَا وَيَجِبُ عَلَى الْغَاصِبِ أَدَاؤُهَا وَلَا يَبْقَى وُجُوبُ الْمِثْلِ لِلْعَجْزِ عَنْهُ. وَلِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ طَلَبَهُ وَلَا اسْتِيفَاءَهُ، (فَإِنْ قَدَرَ) مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْمِثْلُ (عَلَى الْمِثْلِ) قَبْلَ دَفْعِ الْقِيمَةِ (لَا بَعْدَ أَخْذِهَا وَجَبَ) الْمِثْلُ ; لِأَنَّهُ الْأَصْلُ. وَقَدْ قَدَرَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَدَاءِ الْبَدَلِ وَلَوْ بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ كَمَنْ عَدِمَ الْمَاءَ ثُمَّ قَدَرَ عَلَيْهِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الصَّلَاةِ. فَإِنْ أَخَذَ الْمَالِكُ الْقِيمَةَ عَنْهُ اسْتَقَرَّ حُكْمُهَا وَلَمْ تُرَدَّ، وَلَا طَلَبَ بِالْمِثْلِ إذَنْ لِحُصُولِ الْبَرَاءَةِ بِأَخْذِهَا (وَ) ضَمِنَ (غَيْرَهُ) أَيْ: غَيْرُ الْمِثْلِيِّ إذَا تَلِفَ أَوْ أُتْلِفَ (بِقِيمَتِهِ يَوْمَ تَلَفِهِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا " «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ الْعَدْلِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَأَمَرَ بِالتَّقْوِيمِ فِي حِصَّةِ الشَّرِيكِ ; لِأَنَّهَا مُتْلَفَةٌ بِالْعِتْقِ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْمِثْلِ. وَلِأَنَّ غَيْرَ الْمِثْلِيِّ لَا تَتَسَاوَى أَجْزَاؤُهُ وَتَخْتَلِفُ صِفَاتُهُ. فَالْقِيمَةُ فِيهِ أَعْدَلُ وَأَقْرَبُ إلَيْهِ، وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ (فِي بَلَدِ غَصْبِهِ مِنْ نَقْدِهِ) أَيْ: بَلَدِ الْغَصْبِ ; لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الضَّمَانِ وَمُقْتَضَى التَّعَدِّي (فَإِنْ تَعَدَّدَ) نَقْدُ بَلَدِ غَصْبِهِ بِأَنْ كَانَ فِيهِ نُقُودٌ (فَ) الْقِيمَةُ (مِنْ غَالِبِهِ) رَوَاجًا لِانْصِرَافِ اللَّفْظِ إلَيْهِ كَمَا لَوْ بَاعَ بِنَقْدٍ مُطْلَقٍ.
(وَكَذَا) أَيْ: كَالْمَغْصُوبِ فِيمَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ (مُتْلَفٌ بِلَا غَصْبٍ وَمَقْبُوضٌ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ) يَجِبُ الضَّمَانُ فِي صَحِيحِهِ كَبَيْعٍ لَا نَحْوِ هِبَةٍ (وَمَا أُجْرِيَ مَجْرَاهُ) أَيْ: مَجْرَى الْمَقْبُوضِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ كَالْمَقْبُوضِ عَلَى وَجْهِ السَّوْمِ (مِمَّا لَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِهِ) أَيْ: مِلْكِ الْمُتْلِفِ لَهُ، فَيُضْمَنُ مِثْلِيٌّ بِمِثْلِهِ وَمُتَقَوِّمٌ بِقِيمَتِهِ، (فَلَوْ دَخَلَ) تَالِفٌ فِي مِلْكِ مُتْلِفِهِ (بِأَنْ أَخَذَ) مِنْ آخَرَ شَيْئًا (مَعْلُومًا بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ، أَوْ) أَخَذَ (حَوَائِجَ) مُتَقَوِّمَةً. كَفَوَاكِهَ وَبُقُولٍ وَنَحْوِهِمَا (مِنْ بَقَّالٍ وَنَحْوِهِ) كَجَزَّارٍ وَزَيَّاتٍ (فِي أَيَّامٍ ثُمَّ يُحَاسِبُهُ) عَلَى مَا أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ (فَإِنَّهُ) لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْمِثْلُ فِي الْمِثْلِيِّ وَلَا الْقِيمَةُ فِي الْمُتَقَوِّمِ، بَلْ (يُعْطِيهِ بِسِعْرِ يَوْمِ أَخْذِهِ) لِتَرَاضِيهِمَا عَلَى ذَلِكَ. وَمُقْتَضَاهُ صِحَّةُ الْبَيْعِ بِثَمَنِ الْمِثْلِ.
(وَيُقَوَّمُ مَصُوغٌ مُبَاحٌ) كَحُلِيِّ النِّسَاءِ (مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ) إذَا تَلِفَ أَوْ أُتْلِفَ
стр. 967
عِنْدَ غَاصِبٍ أَوْ مَنْ يَضْمَنُهُ وَكَانَتْ قِيمَتُهُ تَزِيدُ عَلَى وَزْنِهِ لِصِنَاعَةٍ بِنَقْدٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ (وَ) يُقَوَّمُ (تِبْرٌ تُخَالِفُ قِيمَةَ وَزْنِهِ) لِنَقْصِ قِيمَتِهِ (بِ) نَقْدٍ مِنْ (غَيْرِ جِنْسِهِ) ، فَإِنْ كَانَ ذَهَبًا قُوِّمَ بِفِضَّةٍ وَعَكْسِهِ، لِئَلَّا يُفْضِيَ تَقْوِيمُهُ بِجِنْسِهِ إلَى الرِّبَا (وَإِنْ كَانَ) الْحُلِيُّ (مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ مَعًا قَوَّمَهُ (بِأَيِّهِمَا) أَيْ النَّقْدَيْنِ (شَاءَ) لِلْحَاجَةِ إلَى تَقْوِيمِهِ بِأَحَدِهِمَا ; لِأَنَّهُمَا قِيَمُ الْمُتْلَفَاتِ وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ (وَيُعْطَى) رَبُّ الْحُلِيِّ الْمَصُوغِ مِنْ النَّقْدَيْنِ (بِقِيمَتِهِ عَرَضًا) ; لِأَنَّ أَخْذَهَا مِنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ يُفْضِي إلَى الرِّبَا، (وَيُضْمَنُ مُحَرَّمٌ صِنَاعَةً) كَأَوَانِي ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَحُلِيِّ رِجَالٍ مُحَرَّمٍ (بِوَزْنِهِ مِنْ جِنْسِهِ) ; لِأَنَّ صِنَاعَتَهُ مُحَرَّمَةٌ لَا قِيمَةَ لَهَا شَرْعًا، (وَ) تَجِبُ (فِي تَلَفِ بَعْضِ مَغْصُوبٍ) عِنْدَ غَاصِبٍ (فَتَنْقُصُ قِيمَةُ بَاقِيهِ كَزَوْجَيْ) خُفٍّ (تَلِفَ أَحَدُهُمَا رَدَّ بَاقٍ) مِنْهُمَا إلَى مَالِكِهِ (وَقِيمَةَ تَالِفٍ وَأَرْشَ نَقْصِ) الْبَاقِي مِنْهُمَا. فَلَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُمَا مُجْتَمِعِينَ سِتَّةَ دَرَاهِمَ، وَصَارَتْ قِيمَةُ الْبَاقِي مِنْهُمَا دِرْهَمَيْنِ رَدَّهُ وَأَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ، لِأَنَّهُ نَقْصٌ حَصَلَ بِجِنَايَتِهِ فَلَزِمَهُ ضَمَانُهُ كَمَا لَوْ شَقَّ ثَوْبًا يُنْقِصُهُ الشَّقُّ، وَتَلِفَ أَحَدُ الشِّقَّيْنِ بِخِلَافِ نَقْصِ السِّعْرِ فَإِنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ بِهِ مِنْ الْمَغْصُوبِ عَيْنٌ وَلَا مَعْنَى، وَهَاهُنَا فَوَّتَ مَعْنًى وَهُوَ إمْكَانَ الِانْتِفَاعِ وَهُوَ الْمُوجِبُ لِنَقْصِ قِيمَتِهِ، كَمَا لَوْ فَوَّتَ بَصَرَهُ وَنَحْوِهِ كَالسَّمْعِ. وَلَوْ غَصَبَ ثَوْبًا مَثَلًا قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ فَلَبِسَهُ حَتَّى نَقَصَ بِلُبْسِهِ خَمْسَةً ثُمَّ غَلَتْ الثِّيَابُ حَتَّى صَارَتْ قِيمَتُهُ عَشْرَةً رَدَّهُ وَأَرْشَ نَقْصِهِ. وَلَوْ تَلِفَ الثَّوْبُ وَقِيمَتُهُ عَشَرَةٌ، ثُمَّ غَلَتْ الثِّيَابُ فَصَارَتْ قِيمَةُ الثَّوْبِ عِشْرِينَ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا عَشَرَةٌ.
(وَ) يَجِبُ (فِي قِنٍّ يَأْبِقُ) مِنْ غَاصِبٍ (وَنَحْوَهُ) كَجَمَلٍ يَشْرُدُ مِنْهُ وَيَعْجِزُ عَنْ رَدِّهِ (قِيمَتُهُ) أَيْ الْمَغْصُوبِ الْآبِقِ أَوْ الشَّارِدِ لِمَالِكِهِ لِلْحَيْلُولَةِ (وَيَمْلِكُهَا) . أَيْ الْقِيمَةَ (مَالِكُهُ) أَيْ: الْمَغْصُوبِ بِقَبْضِهَا، فَيَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهَا كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِ مِنْ أَجْلِ الْحَيْلُولَةِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْعِوَضِ ; وَلِذَلِكَ (لَا) يَمْلِكُ (غَاصِبٌ مَغْصُوبًا بِدَفْعِهَا) أَيْ: الْقِيمَةِ ; لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَمَلُّكُهَا بِالْبَيْعِ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى تَسْلِيمِهِ. وَكَمَا لَوْ كَانَ أُمَّ وَلَدٍ فَلَا يَمْلِكُ كَسْبَهُ وَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ قَرِيبَهُ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَلَا يُجْبَرُ الْمَالِكُ عَلَى أَخْذِهَا. وَلَا يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ مِنْهَا. وَلَا يَتَعَلَّقُ الْحَقُّ بِالْبَدَلِ فَلَا يَنْتَقِلُ إلَى الذِّمَّةِ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ جَوَازُ الْأَخْذِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ فَتُوقَفُ عَلَى خِيَرَتِهِ (فَمَتَى قَدَرَ) غَاصِبٌ عَلَى آبِقٍ وَنَحْوَهُ (رَدَّهُ) وُجُوبًا بِزِيَادَتِهِ ; لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لَهُ (وَأَخَذَهَا) أَيْ: الْقِيمَةَ بِعَيْنِهَا إنْ بَقِيَتْ لِزَوَالِ الْحَيْلُولَةِ الَّتِي وَجَبَتْ لِأَجْلِهَا. وَيَرُدُّ
стр. 968
زَوَائِدَهَا الْمُتَّصِلَةَ مِنْ سِمَنٍ وَنَحْوِهِ، وَلَا يَرُدُّ الْمُنْفَصِلَةَ بِلَا نِزَاعٍ كَالْوَلَدِ وَالثَّمَرَةِ.
قَالَ الْمَجْدُ: وَعِنْدِي أَنَّ هَذَا لَا يُتَصَوَّرُ ; لِأَنَّ الشَّجَرَ وَالْحَيَوَانَ لَا يَكُونُ أَبَدًا فِي نَفْسِهِ نَفْسُ الْقِيمَةِ الْوَاجِبَةِ بَلْ بَدَلٌ عَنْهَا. فَإِذَا رَجَعَ الْمَغْصُوبُ رَدَّ الْقِيمَةَ لَا بَدَلَهَا، كَمَنْ بَاعَ سِلْعَةً بِدَرَاهِمَ. ثُمَّ أَخَذَ عَنْهَا ذَهَبًا، أَوْ سِلْعَةً ثُمَّ رَدَّ الْمَبِيعَ بِعَيْبٍ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِدَرَاهِمِهِ لَا بِبَدَلِهَا انْتَهَى. وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الثَّمَنَ ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ دَرَاهِمَ، فَإِذَا عَرَضَهُ عَنْهَا شَيْئًا فَهُوَ عَقْدٌ آخَرُ. وَأَمَّا هُنَا فَالْقِيمَةُ لَمْ تَثْبُتْ فِي الذِّمَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ صَاحِبِ التَّلْخِيصِ، فَمَا دَفَعَهُ ابْتِدَاءً هُوَ الْقِيمَةُ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ النَّقْدَيْنِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا (أَوْ) يَأْخُذُ (بَدَلَهَا) أَيْ الْقِيمَةِ (إنْ تَلِفَتْ) أَيْ: مِثْلَهَا إنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً وَإِلَّا فَقِيمَتَهَا، وَلَيْسَ لِغَاصِبٍ حَبْسُ الْمَغْصُوبِ لِتُرَدَّ قِيمَتُهُ. وَكَذَا مُشْتَرٍ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ لَيْسَ لَهُ حَبْسُ الْمَبِيعِ عَلَى رَدِّ ثَمَنِهِ صَحَّحَهُ فِي التَّلْخِيصِ، بَلْ يُدْفَعَانِ إلَى عَدْلٍ يُسَلِّمُ إلَى كُلٍّ مَالَهُ.
(وَ) يَجِبُ (فِي عَصِيرٍ تَخَمَّرَ (خَلًّا بِيَدِهِ رَدُّهُ) إلَى مَالِكِهِ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ، (وَ) رَدَّ مَعَهُ (أَرْشَ نَقْصِهِ) إنْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ بِتَخَلُّلِهِ عَنْ قِيمَتِهِ عَصِيرًا، لِحُصُولِ النَّقْصِ بِيَدِهِ كَتَلَفِ جُزْءٍ مِنْهُ، (وَكَمَا لَوْ نَقَصَ بِلَا تَخَمُّرٍ) بِأَنْ صَارَ ابْتِدَاءً خَلًّا وَكَغَصْبِ شَابَّةٍ فَتَهْرَمُ (وَاسْتَرْجَعَ) الْغَاصِبُ إذَا رَدَّ الْخَلَّ وَأَرْشَ نَقْصِ الْعَصِيرِ (الْبَدَلَ وَهُوَ مِثْلُ الْعَصِيرِ الَّذِي دَفَعَهُ لِمَالِكِهِ لِلْحَيْلُولَةِ كَمَا لَوْ أَدَّى قِيمَةَ الْآبِقِ ثُمَّ قَدَرَ عَلَيْهِ وَرَدَّهُ لِرَبِّهِ. وَإِنْ نَقَصَتْ قِيمَةُ عَصِيرٍ أَوْ زَيْتٍ غَلَاهُ غَاصِبٌ بِغَلَيَانِهِ فَعَلَيْهِ أَرْشُ نَقْصِهِ.
(وَمَا صَحَّتْ إجَارَتُهُ مِنْ مَغْصُوبٍ وَمَقْبُوضٍ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ) كَرَقِيقٍ وَدَوَابَّ وَسُفُنٍ وَعَقَارٍ (فَعَلَى قَابِضٍ وَغَاصِبٍ) بِعَقْدٍ فَاسِدٍ (أُجْرَةُ مِثْلِهِ مُدَّةَ بَقَائِهِ بِيَدِهِ،) فَتُضْمَنُ مَنَافِعُهُ بِالْفَوَاتِ وَالتَّفْوِيتِ أَيْ: سَوَاءٌ اسْتَوْفَى الْمَنَافِعَ أَوْ تَرَكَهَا تَذْهَبُ ; لِأَنَّ كُلَّ مَا ضَمِنَهُ بِالْإِتْلَافِ فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ جَازَ أَنْ يَضْمَنَهُ بِمُجَرَّدِ التَّلَفِ كَالْأَعْيَانِ. وَلِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ، فَوَجَبَ ضَمَانُهُ كَالْعَيْنِ. وَأَمَّا خَبَرُ " «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» " فَفِي الْبَيْعِ. وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْغَاصِبُ وَنَحْوُهُ. وَالْمُرَادُ بِالْمَقْبُوضِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ الْبَيْعُ وَالْإِجَارَةُ الْفَاسِدَتَانِ بِخِلَافِ عُقُودِ الْأَمَانَاتِ وَالتَّبَرُّعَاتِ كَالْوَكَالَةِ وَالْمُضَارَبَةِ الْوَدِيعَةِ وَالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَنَحْوِهَا، فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ فِي صَحِيحِهَا فَلَا يُضْمَنُ فِي فَاسِدِهَا.
(وَمَعَ عَجْزِ) غَاصِبٍ (عَنْ رَدِّ) مَغْصُوبٍ تَصِحُّ إجَارَتُهُ تَلْزَمُ أُجْرَتُهُ (إلَى) وَقْتِ (أَدَاءِ قِيمَةٍ) . وَكَذَا
стр. 969
مَقْبُوضٌ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ ; لِأَنَّ مَالِكَهُ يَأْخُذُ قِيمَتَهُ اسْتَحَقَّ الِانْتِفَاعَ بِبَدَلِهِ الَّذِي هُوَ قِيمَتُهُ. فَلَا يَسْتَحِقُّ الِانْتِفَاعَ بِهِ وَبِبَدَلِهِ (وَمَعَ تَلَفِ) مَغْصُوبٍ أَوْ مَقْبُوضٍ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ (فَ) الْوَاجِبُ عَلَى قَابِضِهِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ (إلَيْهِ) أَيْ: إلَى تَلَفِهِ، لِأَنَّهُ بَعْدَهُ لَا مَنْفَعَةَ لَهُ تُضْمَنُ كَمَا لَوْ أُتْلِفَ بِلَا غَصْبٍ أَوْ قَبْضٍ.
وَيُقْبَلُ قَوْلُ غَاصِبٍ وَقَابِضٍ فِي تَلَفِهِ فَيُطَالِبُهُ مَالِكُهُ بِبَدَلٍ (وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ) أَيْ الْغَاصِبِ وَالْقَابِضِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ (فِي وَقْتِهِ) أَيْ: وَقْتِ التَّلَفِ لِتَسْقُطَ عَنْهُ الْأُجْرَةُ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ بِيَمِينِهِ ; لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ (وَإِلَّا) تَصِحُّ إجَارَةُ الْمَغْصُوبِ وَالْمَقْبُوضِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ أَيْ: لَمْ تَجْرِ عَادَةٌ بِإِجَارَتِهِ (فَلَا) يَلْزَمُ غَاصِبَهُ وَلَا قَابِضَهُ أُجْرَةٌ (كَغَنَمٍ وَشَجَرٍ وَطَيْرٍ) وَلَوْ قَصَدَ صَوْتَهُ (وَنَحْوِهَا) كَشَمْعٍ وَمَطْعُومٍ وَمَشْرُوبٍ (مِمَّا لَا مَنَافِعَ لَهَا يُسْتَحَقُّ بِهَا عِوَضٌ) غَالِبًا. فَلَا يَرِدُ صِحَّةُ إجَارَةِ غَنَمٍ لِدَيَّاسِ زَرْعٍ وَنَحْوِهِ وَشَجَرٍ لِنَشْرِ ثَوْبٍ وَنَحْوِهِ لِنُدْرَتِهِ
(وَيَلْزَمُ) غَاصِبًا وَقَابِضًا بِعَقْدٍ فَاسِدٍ (فِي قِنٍّ ذِي صَنَائِعَ) أَيْ: يُحْسِنُ صَنَائِعَ (أُجْرَةُ أَعْلَاهَا) أَيْ: الصَّنَائِعِ (فَقَطْ) مُدَّةَ إقَامَتِهِ عِنْدَهُ. إذْ لَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِي أَكْثَرَ مِنْ صَنْعَتِهِ. وَغَايَةُ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ سَيِّدُهُ: أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ فِي أَعْلَاهَا.
[فَصْلٌ وَحَرُمَ تَصَرُّفُ غَاصِبٍ وَغَيْرِهِ فِي مَغْصُوبٍ]
(فَصْلٌ وَحَرُمَ تَصَرُّفُ غَاصِبٍ وَغَيْرِهِ) مِمَّنْ عَلِمَ بِالْحَالِ (فِي مَغْصُوبٍ بِمَا لَيْسَ لَهُ حُكْمٌ مِنْ صِحَّةٍ وَفَسَادٍ) أَيْ: لَا يَتَّصِفُ بِأَحَدِهِمَا (كَإِتْلَافٍ وَاسْتِعْمَالٍ كَلُبْسٍ وَنَحْوِهِ) كَاسْتِخْدَامٍ وَذَبْحٍ. وَلَا يَحْرُمُ الْمَذْبُوحُ بِذَلِكَ (وَكَذَا) يَحْرُمُ تَصَرُّفُ غَاصِبٍ وَغَيْرِهِ فِي مَغْصُوبٍ (بِمَا لَهُ حُكْمٌ) بِأَنْ يُوصَفَ بِأَنَّهُ صَحِيحٌ أَوْ فَاسِدٌ (كَعِبَادَةٍ) كَاسْتِجْمَارٍ بِنَحْوِ حَجَرٍ مَغْصُوبٍ، وَوُضُوءٍ وَغُسْلٍ وَتَيَمُّمٍ بِمَغْصُوبٍ، وَصَلَاةٍ فِي ثَوْبٍ أَوْ بُقْعَةٍ مَغْصُوبَةٍ وَإِخْرَاجِ زَكَاةٍ مِنْ مَغْصُوبٍ أَوْ حَجٍّ بِهِ وَنَحْوِهِ، بِخِلَافٍ نَحْوِ صَوْمٍ وَذِكْرٍ وَاعْتِقَادٍ. فَلَا مَدْخَلَ لَهَا فِيهِ.
(وَ) كَ (عَقْدٍ) مِنْ بَيْعٍ أَوْ إجَارَةٍ أَوْ هِبَةٍ وَنَحْوِهَا (وَلَا يَصِحَّانِ) أَيْ: عِبَادَةُ الْغَاصِبِ كَأَنْ صَلَّى أَوْ حَجَّ بِمَغْصُوبٍ عَالِمًا ذَاكِرًا وَعَقَدَهُ فَهُمَا بَاطِلَانِ. لِحَدِيثِ " «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» "
(وَإِنْ اتَّجَرَ) غَاصِبٌ (بِعَيْنِ مَغْصُوبٍ أَوْ) عَيْنِ (ثَمَنِهِ) بِأَنْ اشْتَرَى أَوْ بَاعَ وَظَهَرَ رِبْحٌ، أَوْ اشْتَرَى بِهِ شَيْئًا وَظَهَرَ فِيهِ رِبْحٌ وَهُوَ بَاقٍ (فَالرِّبْحُ وَمَا اشْتَرَاهُ) الْغَاصِبُ مِنْ السِّلَعِ (وَلَوْ كَانَ الشِّرَاءُ) بِثَمَنٍ (فِي ذِمَّةٍ بِنِيَّةِ نَقْدِهِ) الثَّمَنَ مِنْ الْمَغْصُوبِ أَوْ مِنْ ثَمَنِهِ (ثُمَّ نَقَدَهُ) مِنْهُ (لِمَالِكٍ)
стр. 970
مَغْصُوبٍ دُونَ غَاصِبِهِ. وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ قُلْنَا بِصِحَّةِ الشِّرَاءِ أَوْ بُطْلَانِهِ لِإِطْلَاقِ الْأَكْثَرِ. وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِخَبَرِ عُرْوَةَ بْنِ الْجَعْدِ. وَتَقَدَّمَ فِي الْوَكَالَةِ، وَلِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ وَنَتِيجَتُهُ.
وَفِي مَسْأَلَةِ الشِّرَاءِ فِي ذِمَّتِهِ لِقِيَامِ نِيَّةِ نَقْدِهِ مِنْ الْمَغْصُوبِ مَقَامَ نِيَّةِ الشِّرَاءِ بِعَيْنِهِ. وَلِأَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ لِلْغَاصِبِ يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَّخِذَ ذَلِكَ طَرِيقًا إلَى تَمَلُّكِ رِبْحِ مَالِ الْغَيْرِ بِغَصْبِهِ وَدَفْعِهِ ثَمَنًا عَمَّا يَشْتَرِيهِ فِي ذِمَّتِهِ. وَلِأَنَّهُ حَيْثُ تَعَيَّنَ جَعْلُ الرِّبْحِ لِلْغَاصِبِ أَوْ الْمَالِكِ. فَالْمَالِكُ بِهِ أَوْلَى ; لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ نَفْعِ مَالِهِ الَّذِي فَاتَهُ. وَقَوْلُهُ " بِنِيَّةِ نَقْدِهِ " تَبِعَ فِيهِ صَاحِبَ الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ وَالْمُنَوِّرِ وَصَاحِبَ التَّذْكِرَةِ. لِمَا ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ مُرَادُ مَنْ أَطْلَقَ. وَمِمَّا يُوَضِّحُهُ أَنَّ الشَّارِحَ نَقَلَ هَذِهِ الْعِبَارَةَ عَنْ صَاحِبِ الْمُحَرَّرِ فِي مَعْرِضِ الِاسْتِدْلَالِ لِلْمَذْهَبِ. وَلَمْ يُعْهَدْ لَهُ نَقْلٌ عَنْهُ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. قَالَ فِي شَرْحِهِ. فَعَلَى هَذَا لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا بِثَمَنٍ فِي ذِمَّتِهِ وَلَمْ يَنْوِ نَقْدَهُ مِنْ الْمَغْصُوبِ ثُمَّ نَقَدَهُ مِنْهُ وَرَبِحَ فَالرِّبْحُ لِلْغَاصِبِ خِلَافًا لِمَا فِي الْإِقْنَاعِ. وَالْقَبْضُ غَيْرُ مُبْرِئٍ لِفَسَادِهِ. وَلَوْ اتَّجَرَ وَدِيعٌ بِوَدِيعَةٍ فَالرِّبْحُ لِمَالِكِهَا نَصًّا. وَيَصِحُّ شِرَاءُ الْغَاصِبِ فِي ذِمَّتِهِ نَصًّا.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيْ: الْمَالِكُ وَالْغَاصِبُ (فِي قِيمَةِ مَغْصُوبٍ) تَلِفَ (أَوْ) فِي (قَدْرِهِ أَوْ) فِي (حُدُوثِ عَيْبِهِ أَوْ) فِي (صِنَاعَةٍ فِيهِ) بِأَنْ قَالَ مَالِكُهُ كَانَ كَاتِبًا وَأَنْكَرَهُ غَاصِبٌ، (أَوْ) اخْتَلَفَا فِي (مِلْكِ ثَوْبٍ) عَلَى مَغْصُوبٍ (أَوْ) اخْتَلَفَا فِي مِلْكِ (سَرْجٍ عَلَيْهِ فَ) الْقَوْلُ (قَوْلُ غَاصِبٍ) بِيَمِينِهِ، حَيْثُ لَا بَيِّنَةَ لِلْمَالِكِ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَتُهُ مِنْ الزَّائِدِ وَعَدَمُ الصِّنَاعَةِ فِيهِ وَعَدَمُ مِلْكِ الثَّوْبِ أَوْ السَّرْجِ عَلَيْهِ.
(وَ) إنْ اخْتَلَفَا (فِي رَدِّهِ) أَيْ: الْمَغْصُوبِ إلَى مَالِكِهِ (أَوْ) فِي وُجُودِ (عَيْبٍ فِيهِ) بِأَنْ قَالَ الْغَاصِبُ: كَانَ الْعَبْدُ أَعْوَرَ أَوْ أَعْرَجَ أَوْ يَبُولُ فِي فِرَاشِهِ وَنَحْوَهُ (فَقَوْلُ مَالِكٍ) بِيَمِينِهِ عَلَى نَفْيِ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الرَّدِّ وَالْعَيْبِ. وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ كَانَ بِهِ عَيْبٌ أَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ، فَقَالَ الْغَاصِبُ: غَصَبْتُهُ وَبِهِ الْعَيْبُ. وَقَالَ مَالِكٌ: بَلْ حَدَثَ عِنْدَكَ. فَقَوْلُ غَاصِبٍ بِيَمِينِهِ لِأَنَّهُ غَارِمٌ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ صِفَةَ الْمَغْصُوبِ لَمْ تَتَغَيَّرْ.
(وَمَنْ بِيَدِهِ غُصُوبٌ) لَا يَعْرِفُ أَرْبَابَهَا. وَعَنْهُ أَوْ عَرَفَهُمْ وَشَقَّ دَفْعُهُ إلَيْهِمْ وَهُوَ يَسِيرٌ كَالْحَبَّةِ، (أَوْ) كَانَ بِيَدِهِ (رُهُونٌ) لَا يَعْرِفُ أَرْبَابَهَا. وَنَقَلَ أَبُو الْحَارِثِ: أَوْ عَلِمَ الْمُرْتَهِنُ رَبَّ الْمَالِ وَلَكِنَّهُ أَيِسَ مِنْهُ، أَوْ بِيَدِهِ أَمَانَاتٌ مِنْ وَدَائِعَ وَغَيْرِهَا (لَا يَعْرِفُ أَرْبَابَهَا) أَوْ عَرَفَهُمْ وَفُقِدُوا وَلَيْسَ لَهُمْ وَرَثَةٌ (فَسَلَّمَهَا) أَيْ: الْغُصُوبَ وَالرُّهُونَ أَوْ الْأَمَانَاتِ الَّتِي لَا يَعْرِفُ أَرْبَابَهَا (إلَى حَاكِمٍ وَيَلْزَمُهُ) أَيْ الْحَاكِمَ
стр. 971
(قَبُولُهَا بَرِئَ) بِتَسْلِيمِهَا لِلْحَاكِمِ (مِنْ عُهْدَتِهَا) لِقِيَامِ قَبْضِ الْحَاكِمِ لَهَا مَقَامَ قَبْضِ أَرْبَابِهَا، (وَلَهُ) أَيْ: مَنْ بِيَدِهِ الْغُصُوبُ أَوْ الرُّهُونُ أَوْ الْأَمَانَاتُ الْمَذْكُورَةُ إنْ لَمْ يَدْفَعْهَا لِحَاكِمٍ (الصَّدَقَةُ بِهَا عَنْهُمْ) أَيْ: عَنْ أَرْبَابِهَا بِلَا إذْنِ حَاكِمٍ. وَنَقَلَ الْمَرْوَزِيِّ عَلَى فُقَرَاءِ مَكَانِهِ أَيْ: الْغَصْبِ إنْ عَرَفَهُ. لِأَنَّ دِيَةَ قَتِيلٍ يُوجَدُ عَلَيْهِمْ. وَنَقَلَ صَالِحٌ أَوْ بِالْقِيمَةِ. وَلَهُ شِرَاءُ عَرْضٍ بِنَقْدٍ، وَلَا يَجُوزُ فِي ذَلِكَ مُحَابَاةُ قَرِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ نَصًّا. وَكَذَا حُكْمُ مَسْرُوقٍ وَنَحْوِهِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَلَيْسَ لِصَاحِبِهِ إذَا عَرَفَهُ رَدُّ الْمُعَاوَضَةِ (بِشَرْطِ ضَمَانِهَا) لِأَرْبَابِهَا. لِأَنَّ الصَّدَقَةَ بِهَا عَنْهُمْ بِدُونِ ضَمَانٍ إضَاعَةٌ لَهَا، لَا إلَى بَدَلٍ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ (كَلُقَطَةٍ) حَرُمَ الْتِقَاطُهَا لَمْ تُمَلَّكْ بِتَعْرِيفٍ.
(وَيَسْقُطُ عَنْهُ) أَيْ: الْغَاصِبِ أَوْ السَّارِقِ وَنَحْوَهُ (إثْمُ الْغَصْبِ) أَوْ السَّرِقَةِ وَنَحْوِهَا. لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ بِعَجْزِهِ عَنْ الرَّدِّ لِجَهْلِهِ بِالْمَالِكِ. وَثَوَابُهَا لِأَرْبَابِهَا. وَفِي الصَّدَقَةِ بِهَا عَنْهُمْ جَمْعٌ بَيْنَ مَصْلَحَةِ الْغَاصِبِ بِتَبْرِئَةِ ذِمَّتِهِ وَمَصْلَحَةِ الْمَالِكِ بِتَحْصِيلِ الثَّوَابِ لَهُ. وَإِذَا حَضَرُوا بَعْدَ الصَّدَقَةِ بِهَا خُيِّرُوا بَيْنَ الْأَجْرِ وَالْأَخْذِ مِنْ الْمُتَصَدِّقِ، فَإِنْ رَجَعُوا عَلَيْهِ فَالْأَجْرُ لَهُ نَصًّا فِي الرَّهْنِ وَالْوَقْفِ كَالصَّدَقَةِ بِهَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ ذَكَرَهَا فِي شَرْحِهِ عَنْ الْفُرُوعِ.
(وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ: لِمَنْ بِيَدِهِ الْغُصُوبُ وَالرُّهُونُ وَالْأَمَانَاتُ الْمَجْهُولَةُ أَرْبَابُهَا (التَّوَسُّعُ بِشَيْءٍ مِنْهَا وَإِنْ) كَانَ (فَقِيرًا) مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ نَصًّا. وَالدُّيُونُ الْمُسْتَحَقَّةُ كَالْأَعْيَانِ يُتَصَدَّقُ بِهَا عَنْ مُسْتَحِقِّهَا نَصًّا. وَإِنْ أَرَادَ مَنْ بِيَدِهِ عَيْنٌ جَهِلَ مَالِكَهَا أَنْ يَتَمَلَّكَهَا وَيَتَصَدَّقَ بِثَمَنِهَا عَنْ مَالِكِهَا، فَنَقَلَ صَالِحٌ عَنْ أَبِيهِ الْجَوَازَ فِيمَنْ اشْتَرَى حُرًّا وَعَلِمَ أَنَّ الْبَائِعَ بَاعَهُ مَا لَا يَمْلِكُ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ أَرْبَابٌ: أَرْجُو إنْ أَخْرَجَ قِيمَةَ الْأَجْرِ فَتَصَدَّقَ بِهِ أَنْ يَنْجُوَ مِنْ إثْمِهِ (وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مُبَاحٍ) بِأَنْ عَدِمَ الْمُبَاحَ يَأْكُلُهُ وَنَحْوَهُ (لَمْ يَأْكُلْ مِنْ حَرَامِ مَالِهِ غُنْيَةً كَحَلْوَى وَنَحْوَهَا) كَفَوَاكِهَ وَيَأْكُلُ عَادَتَهُ. ذَكَرَهُ فِي النَّوَادِرِ، إذْ لَا دَاعِيَ لِلزِّيَادَةِ (وَلَوْ نَوَى جَحْدَ مَا بِيَدِهِ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ: الْمَذْكُورِ مِنْ غُصُوبٍ أَوْ رُهُونٍ أَوْ أَمَانَاتٍ فِي حَيَاةِ رَبِّهِ فَثَوَابُهُ لَهُ (أَوْ) نَوَى جَحْدَ (حَقٍّ) أَيْ: دَيْنٍ (عَلَيْهِ فِي حَيَاةِ رَبِّهِ فَثَوَابُهُ لَهُ) أَيْ: لِرَبِّهِ لِقِيَامِ نِيَّةِ جَحْدِهِ مَقَامَ إتْلَافِهِ إذَنْ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ لِوَرَثَةِ رَبِّهِ بِمَوْتِهِ (وَإِلَّا) يَنْوِيَ جَحْدَهُ حَتَّى مَاتَ رَبُّهُ (فَ) ثَوَابُهُ (لِوَرَثَتِهِ) نَصًّا. لِأَنَّهُ إنَّمَا عَدِمَ عَلَيْهِمْ (وَلَوْ نَدِمَ) غَاصِبٌ عَلَى فِعْلِهِ وَقَدْ مَاتَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ (وَرَدَّ مَا غَصَبَهُ عَلَى الْوَرَثَةِ بَرِئَ مِنْ إثْمِهِ) أَيْ: الْمَغْصُوبِ لِوُصُولِهِ لِمُسْتَحِقِّهِ. وَ (لَا) يَبْرَأُ (مِنْ إثْمِ
стр. 972
الْغَصْبِ) لِمَا أَدْخَلَ عَلَى قَلْبِ مَالِكِهِ مِنْ أَلَمِ الْغَصْبِ وَمَضَرَّةِ الْمَنْعِ مِنْ مِلْكِهِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ، فَلَا يَزُولُ إثْمُ ذَلِكَ إلَّا بِالتَّوْبَةِ (وَلَوْ رَدَّهُ) أَيْ: الْمَغْصُوبَ (وَرَثَةُ غَاصِبِهِ) بَعْدَ مَوْتِهِ وَمَوْتِ مَالِكِهِ إلَى وَرَثَتِهِ (فَلِمَغْصُوبٍ مِنْهُ مُطَالَبَتُهُ) أَيْ الْغَاصِبِ بِمَا غَصَبَهُ مِنْهُ (فِي الْآخِرَةِ) ; لِأَنَّ الْمَظَالِمَ لَوْ انْتَقَلَتْ لَمَا اسْتَقَرَّ لِمَظْلُومٍ حَقٌّ فِي الْآخِرَةِ ; وَلِأَنَّهَا ظُلَامَةٌ عَلَيْهِ قَدْ مَاتَ وَلَمْ يَتَحَلَّلْ مِنْهَا بِرَدٍّ وَلَا تَبْرِئَةٍ. فَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ بِرَدِّ غَيْرِهِ لَهَا إلَى غَيْرِ الْمَظْلُومِ، كَمَا لَوْ جَهِلَ وَرَثَةَ رَبِّهَا فَتَصَدَّقَ بِهَا عَنْهُمْ.
[فَصْلٌ أَتْلَفَ مَالًا مُحْتَرَمًا لِغَيْرِهِ]
(فَصْلٌ وَمَنْ أَتْلَفَ مِنْ مُكَلَّفٍ أَوْ غَيْرِهِ) إنْ لَمْ يَدْفَعْهُ رَبُّهُ لَهُ (وَلَوْ سَهْوًا مَالًا مُحْتَرَمًا لِغَيْرِهِ) أَيْ: الْمُتْلِفِ (بِلَا إذْنِهِ) أَيْ: الْمَالِكِ (وَمِثْلُهُ) أَيْ: الْمُتْلِفُ (يَضْمَنُهُ ضَمَّنَهُ) أَيْ: مَا أَتْلَفَهُ. لِأَنَّهُ فَوَّتَهُ عَلَيْهِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ كَمَا لَوْ غَصَبَهُ فَتَلِفَ عِنْدَهُ. وَخَرَجَ بِالْمَالِ نَحْوُ سِرْجِينٍ نَجَسٍ وَكَلْبٍ وَبِالْمُحْتَرَمِ نَحْوُ صَنَمٍ وَصَلِيبٍ وَآلَاتِ لَهْوٍ، وَبِقَوْلِهِ لِغَيْرِ مَالِ نَفْسِهِ، وَبِقَوْلِهِ وَمِثْلُهُ يَضْمَنُهُ مَا يُتْلِفُهُ أَهْلُ الْعَدْلِ مِنْ مَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ وَقْتَ حَرْبٍ وَعَكْسِهِ وَمَا يُتْلِفُهُ الْمُسْلِمُ مِنْ مَالِ حَرْبِيٍّ وَعَكْسِهِ وَمَا يُتْلِفُهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ لَحْظُهُ مِمَّا دُفِعَ إلَيْهِ وَالصَّائِلُ وَيَأْتِي. (وَإِنْ أُكْرِهَ) شَخْصٌ عَلَى إتْلَافِ مَالٍ مَضْمُونٍ فَأَتْلَفَهُ (فَمُكْرِهُهُ) يَضْمَنُهُ، (وَلَوْ) أُكْرِهَ (عَلَى إتْلَافِ مَالِ نَفْسِهِ) كَإِكْرَاهِهِ عَلَى رَدِّ الْوَدِيعَةِ إلَى غَيْرِ رَبِّهَا وَلِإِبَاحَةِ إتْلَافِهِ وَوُجُوبِهِ، بِخِلَافِ قَتْلٍ وَلَمْ يَخْتَرْهُ بِخِلَافِ مُضْطَرٍّ. فَإِنَّهُ يَأْكُلُ مَا اُضْطُرَّ إلَيْهِ بِاخْتِيَارِهِ، وَ (لَا) يُضْمَنُ الْمَالُ إنْ كَانَ (غَيْرَ مُحْتَرَمٍ) بِإِتْلَافِهِ (كَ) إتْلَافِ (صَائِلٍ) لَمْ يَنْدَفِعْ بِدُونِهِ.
(وَ) إتْلَافِ (رَقِيقٍ حَالَ قَطْعِهِ الطَّرِيقَ. وَمَالِ حَرْبِيٍّ وَنَحْوِهِمْ) كَمَالِ بُغَاةٍ مَعَ أَهْلِ عَدْلٍ وَعَكْسُهُ حَالَ حَرْبٍ، (فَإِنْ فَتَحَ قَفَصًا عَنْ طَائِرٍ) مَمْلُوكٍ مُحْتَرَمٍ فَفَاتَ أَوْ أَتْلَفَ شَيْئًا ضَمِنَهُ أَوْ فَتَحَ إصْطَبْلَ حَيَوَانٍ (أَوْ حَلَّ قَيْدَ قِنٍّ أَوْ أَسِيرٍ أَوْ دَفَعَ لِأَحَدِهِمَا) أَيْ: الْقِنِّ أَوْ الْأَسِيرِ (مِبْرَدًا فَبَرَدَهُ) أَيْ: الْقَيْدَ وَفَاتَ أَوْ أَتْلَفَ شَيْئًا ضَمِنَهُ، (أَوْ حَلَّ فَرَسًا) وَنَحْوَهَا (أَوْ) حَلَّ (سَفِينَةً فَفَاتَ) ذَلِكَ بِأَنْ ذَهَبَ الطَّائِرُ مِنْ الْقَفَصِ، أَوْ دَخَلَ إلَيْهِ حَيَوَانٌ فَقَتَلَهُ، أَوْ هَرَبَ الْقِنُّ أَوْ الْأَسِيرُ ; أَوْ شَرَدَتْ الْفَرَسُ وَنَحْوُهَا، أَوْ غَرِقَتْ السَّفِينَةُ لِعُصُوفِ رِيحٍ أَوْ لَا (أَوْ عَقَرَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ) بِسَبَبِ إطْلَاقِهِ، بِأَنْ كَانَ الطَّائِرُ جَارِحًا فَقَلَعَ عَيْنَ إنْسَانٍ وَنَحْوِهِ، وَكَذَا لَوْ حَلَّ سِلْسِلَةَ فَهْدٍ فَقَتَلَ أَوْ عَقَرَ ضَمِنَهُ (أَوْ أَتْلَفَ) الطَّائِرُ أَوْ الْقِنُّ أَوْ الْفَرَسُ وَنَحْوُهُ (شَيْئًا) كَأَنْ كَسَرَ إنَاءً أَوْ
стр. 973
قَتَلَ إنْسَانًا أَوْ أَتْلَفَ مَالًا، أَوْ أَتْلَفَتْ الدَّابَّةُ الَّتِي حَلَّهَا زَرْعًا أَوْ غَيْرَهُ أَوْ انْحَدَرَتْ السَّفِينَةُ الَّتِي حَلَّهَا عَلَى شَيْءٍ فَأَتْلَفَتْهُ وَنَحْوَهُ ضَمِنَهُ (أَوْ) حَلَّ (وِكَاءَ زِقِّ) دُهْنٍ (مَائِعٍ أَوْ جَامِدٍ فَأَذَابَتْهُ الشَّمْسُ) بِخِلَافِ مَا لَوْ أَذَابَتْهُ نَارٌ قَرَّبَهَا إلَيْهِ غَيْرُهُ. فَإِنَّ قِيَاسَ الْمَذْهَبِ يَضْمَنُهُ مُقَرِّبُهَا. ذَكَرَهُ الْمَجْدُ (أَوْ بَقِيَ بَعْدَ حَلِّهِ) مُنْتَصِبًا (فَأَلْقَتْهُ رِيحٌ) أَوْ زَلْزَلَةٌ أَوْ مَطَرٌ أَوْ نَحْوُهُ (فَانْدَفَقَ) أَوْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ بَلْ أَسْفَلَهُ فَسَقَطَ، أَوْ لَمْ يَزَلْ يَمِيلُ شَيْئًا فَشَيْئًا حَتَّى سَقَطَ فَانْدَفَقَ أَوْ لَمْ يَنْدَفِقْ، بَلْ خَرَجَ مَا فِيهِ شَيْئًا فَشَيْئًا (ضَمِنَهُ) الْمُعْتَدِي بِذَلِكَ سَوَاءٌ نَفَرَهُ مَعَ ذَلِكَ أَوْ لَا، أَوْ ذَهَبَ مَا حَلَّهُ عَقِبَ حَلِّهِ أَوْ لَا لِحُصُولِ تَلَفِهِ بِسَبَبِ فِعْلِهِ. وَلِأَنَّ الطَّائِرَ وَسَائِرَ الصَّيْدِ مِنْ عَادَتِهِ النُّفُورُ، وَإِنَّمَا يَبْقَى مَعَ الْمَانِعِ فَإِذَا أُزِيلَ ذَهَبَ بِطَبْعِهِ. أَشْبَهَ مَا لَوْ قَطَعَ عِلَاقَةَ قِنْدِيلٍ فَسَقَطَ فَانْكَسَرَ. وَ (لَا) يَضْمَنُ (دَافِعُ مِفْتَاحِ) نَحْوِ دَارٍ فِيهَا مَالٌ (لِلِّصِّ) مَا سَرَقَهُ اللِّصُّ مِنْ الْمَالِ لِمُبَاشَرَةِ اللِّصِّ لِلسَّرِقَةِ، فَهُوَ أَوْلَى بِإِحَالَةِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ مِنْ الْمُتَسَبِّبِ. قَالَ فِي التَّرْغِيبِ: أَوْ فَتَحَ حِرْزًا فَجَاءَ آخَرُ فَسَرَقَ.
وَفِي الْإِقْنَاعِ: إنْ فَتَحَ بَابًا فَنَهَبَ الْغَيْرُ مَالَهُ أَوْ سَرَقَهُ ضَمِنَ وَالْقَرَارُ عَلَى الْآخِذِ.
وَفِيهِ أَيْضًا لَوْ أَزَالَ يَدَ إنْسَانٍ عَنْ نَحْوِ عَبْدٍ آبِقٍ أَوْ طَيْرٍ أَوْ بَهِيمَةٍ وَحْشِيَّةٍ فَهَرَبَ، أَوْ أَزَالَ يَدَهُ الْحَافِظَةَ عَنْ مَتَاعِهِ حَتَّى نَهَبَهُ النَّاسُ أَوْ أَفْسَدَتْهُ الدَّوَابُّ أَوْ الْمَاءُ أَوْ النَّارُ أَوْ سُرِقَ، أَوْ ضَرَبَ يَدَ آخَرَ وَفِيهَا دِينَارٌ فَضَاعَ، أَوْ أَلْقَى عِمَامَتَهُ عَنْ رَأْسِهِ أَوْ هَزَّهُ فِي خُصُومَةٍ فَسَقَطَتْ عِمَامَتُهُ وَضَاعَتْ أَوْ تَلِفَتْ ضَمِنَ، (وَلَا) يَضْمَنُ (حَابِسُ مَالِكِ دَوَابَّ فَتَتْلَفُ) دَوَابُّهُ بِحَبْسِهِ لَهُ.
وَفِي الْمُبْدِعِ: يَنْبَغِي أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْحَبْسِ بِحَقٍّ أَوْ غَيْرِهِ، (وَلَوْ بَقِيَ الطَّائِرُ) الَّذِي فُتِحَ قَفَصُهُ (أَوْ) بَقِيَ (الْغَرْسُ) الَّذِي حَلَّ قَيْدَهُ (حَتَّى نَفَّرَهُمَا آخَرُ) بَعْدَ ذَلِكَ فَذَهَبَا (ضَمِنَ الْمُنَفِّرُ) وَحْدَهُ ; لِأَنَّ سَبَبَهُ أَخَصُّ فَاخْتَصَّ الضَّمَانُ بِهِ، كَدَافِعِ وَاقِعٍ فِي بِئْرٍ مَعَ حَافِرِهَا، وَكَذَا لَوْ حَلَّ حَيَوَانًا وَحَرَّضَهُ آخَرُ فَجَنَى فَضَمَانُ جِنَايَتِهِ عَلَى الْمُحَرِّضِ، وَإِنْ وَقَعَ طَائِرٌ عَلَى جِدَارٍ فَنَفَّرَهُ شَخْصٌ فَذَهَبَ لَمْ يَضْمَنْهُ لِامْتِنَاعِهِ قَبْلَهُ، فَلَيْسَ تَنْفِيرُهُ بِسَبَبِ فَوَاتِهِ، وَإِنْ رَمَاهُ فَقَتَلَهُ ضَمِنَهُ كَمَا لَوْ رَمَاهُ فِي هَوَاءٍ وَغَيْرِهِ.
(وَمَنْ رَبَطَ) دَابَّةً (أَوْ أَوْقَفَ دَابَّةً) لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ (بِطَرِيقٍ وَلَوْ) كَانَ الطَّرِيقُ (وَاسِعًا) نَصًّا (أَوْ تَرَكَ بِهَا) أَيْ: الطَّرِيقِ وَلَوْ وَاسِعًا (طِينًا أَوْ خَشَبَةً أَوْ عَمُودًا أَوْ حَجَرًا أَوْ كِيسَ دَرَاهِمَ) نَصًّا (أَوْ أَسْنَدَ خَشَبَةً إلَى حَائِطٍ ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِ) سَبَبِ (ذَلِكَ) الْفِعْلِ لِتَعَدِّيهِ بِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي الطَّرِيقِ حَقٌّ وَطَبْعُ دَابَّةٍ الْجِنَايَةُ بِفَمِهَا أَوْ
стр. 974
رِجْلِهَا فَإِبْقَاؤُهَا فِي الطَّرِيقِ كَوَاضِعِ الْحَجَرِ وَنَصْبِ السِّكِّينِ فِيهِ.
(وَيَضْمَنُ مَغْرَمًا أَخَذَهُ ظَالِمٌ بِإِغْرَائِهِ وَدَلَالَتِهِ) لِتَسَبُّبِهِ فِيهِ، (وَمَنْ اقْتَنَى كَلْبًا عَقُورًا) وَلَوْ لِصَيْدٍ وَمَاشِيَةٍ (أَوْ) اقْتَنَى كَلْبًا (لَا يُقْتَنَى) كَاقْتِنَاءِ كَلْبٍ لِغَيْرِ حَرْثٍ وَمَاشِيَةٍ وَصَيْدٍ (أَوْ) اقْتَنَى كَلْبًا (أَسْوَدَ بَهِيمًا أَوْ) اقْتَنَى (أَسَدًا) أَوْ نَمِرًا أَوْ ذِئْبًا (أَوْ هِرًّا تَأْكُلُ الطُّيُورَ وَتَقْلِبُ الْقُدُورَ عَادَةً مَعَ عِلْمِهِ) أَيْ: الْمُقْتَنِي لِذَلِكَ، (أَوْ) اقْتَنَى (نَحْوَهَا مِنْ السِّبَاعِ الْمُتَوَحِّشَةِ) كَدُبٍّ وَقِرْدٍ. قَالَ (الْمُنَقِّحُ: وَعَلَى قِيَاسِ ذَلِكَ الْكَبْشُ الْمُعَلَّمُ النِّطَاحَ) انْتَهَى، فَعَقَرَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ آدَمِيًّا أَوْ دَابَّةً (أَوْ خَرَقَ ثَوْبَ مَنْ دَخَلَ) مَنْزِلَ الْمُقْتَنِي (بِإِذْنِهِ) إنْ لَمْ يُنَبِّهْهُ عَلَى الْكَلْبِ وَأَنَّهُ غَيْرُ مُوثَقٍ. ذَكَرَهُ الْحَارِثِيُّ. وَكَذَا لَوْ خَرَقَ ثَوْبَ مَنْ هُوَ خَارِجَ مَنْزِلِهِ ضَمِنَهُ، بِخِلَافِ بَوْلِهِ وَوُلُوغِهِ فِي إنَاءِ الْغَيْرِ (أَوْ نَفَحَتْ دَابَّةٌ بِ) مَكَانٍ (ضَيِّقٍ مِنْ ضَرْبِهَا) فَتَلِفَ بِذَلِكَ شَيْءٌ (ضَمِنَهُ) مُوقِفُهَا لِتَسَبُّبِهِ فِيهِ. فَإِنْ عَقَرَ أَوْ خَرَقَ ثَوْبَ مَنْ دَخَلَ بِلَا إذْنِهِ فَلَا ضَمَانَ. وَكَذَا لَوْ حَصَلَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي بَيْتِ إنْسَانٍ بِلَا اقْتِنَائِهِ وَلَا اخْتِيَارِهِ فَأَفْسَدَ شَيْئًا لَمْ يَضْمَنْهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلَ الْإِفْسَادُ بِسَبَبِهِ. قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: فَإِذَا اقْتَنَى حَمَامًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الطَّيْرِ فَأَرْسَلَهُ نَهَارًا فَلَقَطَ حَبًّا لَمْ يَضْمَنْهُ ; لِأَنَّ الْعَادَةَ إرْسَالُهُ. (وَيَجُوزُ قَتْلُ هِرٍّ بِأَكْلِ لَحْمٍ وَنَحْوِهِ) كَفَوَاسِقَ.
وَفِي الْفُصُولِ: حِينَ أَكَلَهُ.
وَفِي التَّرْغِيبِ: إنْ لَمْ يَنْدَفِعْ إلَّا بِهِ كَصَائِلٍ.
(وَمَنْ أَجَّجَ) أَيْ: أَوْقَدَ (نَارًا) حَتَّى صَارَتْ تَلْتَهِبُ (بِمِلْكِهِ) وَلَوْ بِإِجَارَةٍ أَوْ إعَارَةٍ وَكَذَا بِمَوَاتٍ فَتَعَدَّى إلَى مِلْكِ غَيْرِهِ فَأَتْلَفَهُ (أَوْ سَقَاهُ) أَيْ مِلْكَهُ مِنْ أَرْضٍ أَوْ زَرْعٍ أَوْ شَجَرٍ (فَتَعَدَّى) ذَلِكَ (إلَى مِلْكِ غَيْرِهِ) أَيْ الْفَاعِلِ (لَا) إنْ تَعَدَّتْ النَّارُ (بِطَرَيَانِ رِيحٍ فَأَتْلَفَهُ) أَيْ: مِلْكَ غَيْرِهِ (ضَمِنَهُ) الْفَاعِلُ (إذَا فَرَّطَ) بِأَنْ أَجَّجَ نَارًا تَسْرِي عَادَةً لِكَثْرَتِهَا أَوْ فِي رِيحٍ شَدِيدَةٍ تَحْمِلُهَا، أَوْ فَتَحَ مَاءً كَثِيرًا يَتَعَدَّى مِثْلُهُ (أَوْ فَرَّطَ) بِتَرْكِ النَّارِ مُؤَجَّجَةً وَالْمَاءِ مَفْتُوحًا وَنَامَ وَنَحْوَهُ لِتَعَدِّيهِ أَوْ تَقْصِيرِهِ، كَمَا لَوْ بَاشَرَ إتْلَافَهُ. وَأَمَّا مَا أَتْلَفَتْهُ النَّارُ بِطَرَيَانِ رِيحٍ فَلَا يَضْمَنُهُ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ وَلَا بِتَفْرِيطِهِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ قُلْتُ: وَإِنْ كَانَ الْمَكَانُ مَغْصُوبًا ضَمِنَ مُطْلَقًا يَعْنِي سَوَاءٌ فَرَّطَ أَوْ أَسْرَفَ أَوْ لَا. وَجَزَمَ بِمَعْنَاهُ فِي الْإِقْنَاعِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلسَّطْحِ سُتْرَةٌ وَبِقُرْبِهِ زَرْعٌ وَنَحْوُهُ وَالرِّيحُ هَابَّةٌ إنْ أَرْسَلَ فِي الْمَاءِ مَا يَغْلِبُ وَيُفِيضُ ضَمِنَ مَا يَبِسَ مِنْ أَغْصَانِ شَجَرَةِ جَارِهِ بِسَبَبِ إيقَادِ النَّارِ ضَمِنَهُ الْمُوقِدُ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي هَوَائِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ نَارٍ كَثِيرَةٍ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ.
(وَمَنْ حَفَرَ) بِنَفْسِهِ أَوْ قِنِّهِ بِئْرًا لِنَفْسِهِ فِي فِنَائِهِ
стр. 975
(أَوْ) حَفَرَ (قِنُّهُ) وَلَوْ أَعْتَقَهُ بَعْدُ (بِأَمْرِهِ بِئْرًا لِنَفْسِهِ) أَيْ: لِيَخْتَصَّ بِنَفْعِهَا (فِي فِنَائِهِ) أَيْ: فِي فِنَاءِ دَارِهِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَفِنَاءُ الدَّارِ كَكِسَاءِ مَا كَانَ خَارِجَ دَارِهِ قَرِيبًا مِنْهَا (ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهِ) أَيْ: الْبِئْرِ، وَكَذَا لَوْ حَفَرَ نِصْفَ الْبِئْرِ فِي حَدِّهِ وَنِصْفَهَا فِي فِنَائِهِ نَصًّا لِتَعَدِّيهِ. أَشْبَهَ مَا لَوْ نَصَبَ فِيهِ سِكِّينًا، وَإِنْ حَفَرَ الْقِنُّ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ تَعَلَّقَ الضَّمَانُ بِرَقَبَتِهِ. فَإِنْ عَتَقَ ضَمِنَ مَا تَلِفَ بَعْدَ عِتْقِهِ، وَسَوَاءٌ أَضَرَّ الْحَفْرُ أَوْ لَا، أَوْ أَذِنَ فِيهِ الْإِمَامُ أَوْ لَا ; لِأَنَّ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْذَنَ فِيهِ. فَدَلَّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِوَكِيلِ بَيْتِ الْمَالِ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ النَّافِذَةِ وَأَنَّهُ لَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِصِحَّتِهِ. قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَيَتَوَجَّهُ جَوَازُهُ لِمَصْلَحَةٍ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَإِنْ حَفَرَ الْبِئْرَ بِفِنَائِهِ لِنَفْعٍ عَامٍّ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: حُكْمُهُ كَمَا لَوْ حَفَرَهُ بِالطَّرِيقِ عَلَى مَا يَأْتِي، (وَكَذَا حُرٌّ) حَفَرَ لِغَيْرِهِ بِئْرًا فِي فِنَائِهِ تَعَدِّيًا أَوْ بِإِذْنِ صَاحِبِ الدَّارِ بِأُجْرَةٍ أَوْ لَا إذَا (عَلِمَ الْحَالَ) أَيْ: أَنَّهَا لَيْسَتْ مِلْكَ الْآذِنِ. إذْ الْأَفْنِيَةُ لَيْسَتْ بِمِلْكِ أَرْبَابِ الدُّورِ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ مَرَافِقِهِمْ. فَإِنْ جَهِلَ حَافِرٌ الْحَالَ فَالضَّمَانُ عَلَى الْآمِرِ. وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي عَدَمِ عِلْمِهِ بِيَمِينِهِ. وَكَذَا حُكْمُ مَنْ بُنِيَ لَهُ بِأَمْرِهِ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ. وَ (لَا) يَضْمَنُ مَنْ حَفَرَ بِئْرًا (فِي مَوَاتٍ لِتَمَلُّكٍ أَوْ لِارْتِفَاقٍ أَوْ لِانْتِفَاعٍ عَامٍّ) نَصًّا، (أَوْ) حَفَرَهَا (فِي سَابِلَةٍ) أَيْ: طَرِيقٍ مَسْلُوكٍ (وَاسِعَةٍ) لِنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ بِلَا ضَرَرٍ بِأَنْ حَفَرَهَا لِيَنْزِلَ فِيهَا مَاءُ الْمَطَرِ أَوْ لِيَشْرَبَ مِنْهَا الْمَارَّةُ وَنَحْوُهُ، (أَوْ بَنَى فِيهَا) أَيْ: فِي السَّابِلَةِ الْوَاسِعَةِ (مَسْجِدًا أَوْ خَانًا وَنَحْوَهُمَا) كَسِقَايَةٍ (لِنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ بِلَا ضَرَرٍ) بِإِحْدَاثِ ذَلِكَ (وَلَوْ) فَعَلَهُ (بِلَا إذْنِ إمَامٍ) ; لِأَنَّ فِعْلَهُ فِي الْمَوَاتِ مَأْذُونٌ فِيهِ شَرْعًا وَفِي غَيْرِهِ إحْسَانٌ. وَتَقَدَّمَ حُكْمُ الصَّلَاةِ فِي الطَّرِيقِ. وَنَقَلَ حَنْبَلٌ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْأَنْهَارِ؟ فَقَالَ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ مِنْ الطَّرِيقِ. وَسَأَلَهُ إبْرَاهِيمُ عَنْ سَابَاطٍ فَوْقَهُ مَسْجِدٌ يُصَلَّى فِيهِ؟ فَقَالَ لَا يُصَلَّى فِيهِ إذَا كَانَ مِنْ الطَّرِيقِ (كَبِنَاءِ جِسْرٍ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا.
(وَ) كَ (وَضْعِ حَجَرٍ بِطِينٍ لِيَطَأَ عَلَيْهِ النَّاسُ) لِأَنَّ فِيهِ نَفْعًا لِلْمُسْلِمِينَ كَإِصْلَاحِهَا وَإِزَالَةِ الْمَاءِ وَالطِّينِ مِنْهَا، وَحَفْرِ هَدَفِهِ فِيهَا، وَقَلْعِ حَجَرٍ يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ، وَوَضْعِ نَحْوِ حَصًى فِي حُفْرَةٍ بِهَا. لِيَمْلَاهَا فَإِنْ لَمْ تَكُنْ السَّابِلَةُ وَاسِعَةً أَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ، لَكِنْ حَفَرَ أَوْ بَنَى لِيَخْتَصَّ بِمَا حَفَرَهُ أَوْ بَنَاهُ فِيهَا أَوْ لَمْ يَخْتَصَّ بِهِ، لَكِنْ جَعَلَهُ فِي مَكَان يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهِ.
(وَمَنْ أَمَرَ حُرًّا بِحَفْرِهَا) أَيْ الْبِئْرِ (فِي مِلْكِ غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْآمِرِ (بِأُجْرَةٍ أَوْ لَا) بِأُجْرَةٍ، فَحَفَرَ الْمَأْمُورُ وَتَلِفَ بِهَا شَيْءٌ (ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهَا حَافِرٌ عَلِمَ)
стр. 976
أَنَّ الْأَرْضَ مِلْكٌ لِغَيْرِ الْآمِرِ نَصًّا (وَإِلَّا) يَعْلَمَ حَافِرٌ بِذَلِكَ أَوْ كَانَ الْمَأْمُورُ قِنَّ الْآمِرِ، (فَآمِرٌ) يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِهَا لِتَغْرِيرِهِ (كَأَمْرِهِ بِبِنَاءٍ) فِي مِلْكِ غَيْرِهِ وَفَعَلَ وَتَلِفَ بِهِ شَيْءٌ (وَحَلَفَا) أَيْ: الْحَافِرُ وَالْبَانِي (إنْ أَنْكَرَ الْعِلْمَ) بِأَنَّهُ مِلْكُ غَيْرِ الْآمِرِ وَادَّعَى الْآمِرُ عِلْمَهُمَا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، (وَيَضْمَنُ سُلْطَانٌ أَمَرَ) بِحَفْرِ بِئْرٍ أَوْ بِبِنَاءٍ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ (وَحْدَهُ) أَيْ: دُونَ حَافِرٍ وَبَانٍ. وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ عَلِمَ أَنَّ الْأَرْضَ مِلْكُ غَيْرِ السُّلْطَانِ أَوْ لَا ; لِأَنَّهُ لَا تَسَعُهُ مُخَالَفَتُهُ. أَشْبَهَ مَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ.
(وَمَنْ بَسَطَ فِي مَسْجِدٍ حَصِيرًا أَوْ بَارِيَةً) وَهِيَ الْحَصِيرُ الْمَنْسُوجُ قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَيُطْلَقُ بِالشَّامِ عَلَى مَا يُنْسَجُ مِنْ قَصَبٍ وَلَعَلَّهُ مُرَادُهُمْ بِقَرِينَةِ الْعَطْفِ، (أَوْ) بَسَطَ فِي مَسْجِدٍ (بِسَاطًا أَوْ عَلَّقَ) فِيهِ (أَوْ أَوْقَدَ فِيهِ قِنْدِيلًا أَوْ نَصَبَ فِيهِ بَابًا أَوْ) نَصَبَ فِيهِ (عُمُدًا) لِمَصْلَحَةٍ (أَوْ) نَصَبَ فِيهِ (رَفًّا لِنَفْعِ النَّاسِ أَوْ سَقَفَهُ أَوْ بَنَى جِدَارًا أَوْ نَحْوَهُ) فِيهِ لَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهِ لِأَنَّهُ مُحْسِنٌ، كَوَضْعِهِ فِيهِ حَصًى، وَسَوَاءٌ أَذِنَ فِيهِ الْإِمَامُ أَوْ لَا (أَوْ جَلَسَ) فِيهِ (أَوْ اضْطَجَعَ) فِيهِ (أَوْ أَقَامَ فِيهِ) أَيْ الْمَسْجِدِ أَوْ جَلَسَ، (وَاضْطَجَعَ أَوْ أَقَامَ فِي طَرِيقٍ وَاسِعٍ) لَا ضَيِّقً (فَعَثَرَ بِهِ حَيَوَانٌ لَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهِ) لِأَنَّهُ فِعْلٌ مُبَاحٌ لَمْ يَتَعَدَّ فِيهِ عَلَى أَحَدٍ فِي مَكَانَ لَهُ فِيهِ حَقٌّ. أَشْبَهَ مَا لَوْ فَعَلَهُ بِمِلْكِهِ. فَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ مُحَرَّمًا كَجُلُوسٍ بِمَسْجِدٍ مَعَ حَيْضٍ أَوْ مَعَ إضْرَارِ الْمَارَّةِ فِي الطَّرِيقِ ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهِ. ذَكَرَهُ فِي شَرْحِهِ. وَخَالَفَ فِيهِ الْحَارِثِيُّ فِي مَسْأَلَةِ الْحَيْضِ وَالْجَنَابَةِ.
(وَإِنْ أَخْرَجَ جَنَاحًا أَوْ مِيزَابًا وَنَحْوَهُ) كَسَابَاطٍ وَحَجَرٍ بَرَزَ بِهِ فِي بُنْيَانٍ (إلَى طَرِيقٍ نَافِذٍ) بِلَا إذْنِ إمَامٍ أَوْ نَائِبِهِ كَمَا يَأْتِي. (أَوْ) أَخْرَجَ ذَلِكَ إلَى طَرِيقٍ (غَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ نَافِذٍ (بِلَا أَهْلِهِ فَسَقَطَ) ذَلِكَ الْمُخْرَجُ (فَأَتْلَفَ شَيْئًا ضَمِنَهُ) الْمُخْرِجُ لِحُصُولِ التَّلَفِ بِمَا أَخْرَجَهُ إلَى هَوَاءِ الطَّرِيقِ. أَشْبَهَ مَا لَوْ بَنَى حَائِطًا مَائِلًا إلَى الطَّرِيقِ أَوْ أَقَامَ خَشَبَةً فِي مِلْكِهِ مَائِلَةً إلَى الطَّرِيقِ فَأَتْلَفَ شَيْئًا (وَلَوْ) كَانَ التَّلَفُ (بَعْدَ بَيْعِ) مُخْرَجٍ لِذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ، (وَقَدْ طُولِبَ) بَائِعٌ قَبْلَ بَيْعِهِ (بِنَقْضِهِ) وَلَمْ يَفْعَلْ (لِحُصُولِهِ) أَيْ: التَّلَفِ (بِفِعْلِهِ) ، وَمَفْهُومُهُ إنْ لَمْ يُطَالَبْ قَبْلَ بَيْعِهِ لَا ضَمَانَ. وَلَا يَضْمَنُ وَلِيٌّ فَرَّطَ، بَلْ مُوَلِّيهِ، ذَكَرَهُ فِي الْمُنْتَخَبِ وَيَتَوَجَّهُ عَكْسُهُ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ (مَا لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ) أَيْ: الْجَنَاحِ أَوْ الْمِيزَابِ وَنَحْوِهِ الْمُخْرَجُ إلَى طَرِيقٍ نَافِذٍ، (إمَامٌ أَوْ نَائِبُهُ وَلَا ضَرَرَ) عَلَى الْمَارَّةِ بِإِخْرَاجِهِ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْإِمَامُ وَكِيلُهُمْ فَإِذْنُهُ كَإِذْنِهِمْ، (وَإِنْ مَالَ حَائِطُهُ) وَقَدْ بَنَاهُ مُسْتَقِيمًا (إلَى) هَوَاءِ (غَيْرِ مِلْكِهِ) ، سَوَاءٌ مَالَ الطَّرِيقُ أَوْ هَوَاءُ
стр. 977
جَارِهِ (وَكَمَيْلِ) حَائِطِهِ إلَى غَيْرِ مِلْكِهِ (شَقَّهُ عَرْضًا) لِأَنَّهُ يَخْشَى وُقُوعَهُ كَالْمَائِلِ (لَا) شَقَّهُ (طُولًا) مَعَ اسْتِقَامَتِهِ فَلَا أَثَرَ لَهُ (وَأَبَى) رَبُّهُ (هَدْمَهُ حَتَّى أَتْلَفَ شَيْئًا) بِسُقُوطِهِ عَلَيْهِ (لَمْ يَضْمَنْهُ) نَصًّا، وَلَوْ طُولِبَ بِنَقْضِهِ وَأَمْكَنَهُ، لِعَدَمِ تَعَدِّيهِ، لِأَنَّهُ بَنَاهُ فِي مِلْكِهِ وَلَمْ يَسْقُطْ بِفِعْلِهِ. أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يُطَالَبْ بِنَقْضِهِ أَوْ لَمْ يَمِلْ. وَإِنْ بَنَاهُ ابْتِدَاءً مَائِلًا أَوْ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهِ وَلَوْ لَمْ يُطَالَبْ بِنَقْضِهِ.
[فَصْلٌ لَا يَضْمَنُ رَبُّ بَهَائِمَ غَيْرِ ضَارِيَةٍ مَا أَتْلَفَتْهُ]
(فَصْلٌ وَلَا يَضْمَنُ رَبُّ) بَهَائِمَ (غَيْرِ ضَارِيَةٍ) أَيْ: مَعْرُوفَةٍ بِالصَّوْلِ (وَ) غَيْرِ (جَوَارِحَ وَشِبْهِهَا مَا أَتْلَفَتْهُ) إنْ لَمْ تَكُنْ يَدُهُ عَلَيْهَا (وَلَوْ) كَانَ الْمُتْلَفُ (صَيْدًا بِالْحَرَمِ) لِحَدِيثِ " «الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ يَعْنِي هَدَرًا. فَإِنْ كَانَتْ ضَارِيَةً أَوْ مِنْ الْجَوَارِحِ وَشِبْهِهَا ضَمِنَ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِيمَنْ أَمَرَ رَجُلًا بِإِمْسَاكِهَا أَيْ: الضَّارِيَةِ: ضَمِنَهُ إنْ لَمْ يُعْلِمْهُ بِهَا.
وَفِي الِانْتِصَارِ الْبَهِيمَةُ الصَّائِلَةُ يَلْزَمُ مَالِكَهَا وَغَيْرَهُ إتْلَافُهَا.
(وَيَضْمَنُ رَاكِبٌ وَسَائِقٌ وَقَائِدٌ) لِدَابَّةٍ مَالِكًا كَانَ أَوْ مُسْتَأْجِرًا أَوْ مُسْتَعِيرًا أَوْ مُوصًى لَهُ بِنَفْعِهَا (قَادِرٌ عَلَى التَّصَرُّفِ فِيهَا جِنَايَةَ يَدِهَا وَفَمِهَا وَوَلَدِهَا وَوَطْءٍ بِرِجْلِهَا) ; لِحَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ مَرْفُوعًا: " «مَنْ أَوْقَفَ دَابَّةً فِي سَابِلَةٍ مِنْ سُبُلِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ فِي سُوقٍ مِنْ أَسْوَاقِهِمْ فَأَوْطَأَتْ بِيَدٍ أَوْ رِجْلٍ فَهُوَ ضَامِنٌ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَلِأَنَّ فِعْلَهَا مَنْسُوبٌ إلَى مَنْ هِيَ مَعَهُ إذَا كَانَ يُمْكِنُهُ حِفْظُهَا، وَ (لَا) يَضْمَنُ (مَا نَفَحَتْ بِهَا) أَيْ بِرِجْلِهَا بِلَا سَبَبٍ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا " «الرِّجْلُ جُبَارٌ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَخَصَّ بِالنَّفْحِ دُونَ الْوَطْءِ لِإِمْكَانِ مَنْ بِيَدِهِ الدَّابَّةُ أَنْ يُجَنِّبَهَا وَطْءَ مَا لَا يُرِيدُ أَنْ تَطَأَهُ لِتَصَرُّفِهِ فِيهَا بِخِلَافِ نَفْحِهَا فَلَا يُمْكِنُهُ مَنْعُهَا مِنْهُ (مَا لَمْ يَكْبَحْهَا) أَيْ يَجْذِبْهَا بِاللِّجَامِ (زِيَادَةً عَلَى الْعَادَةِ أَوْ يَضْرِبْ وَجْهَهَا) فَيَضْمَنُ مَا نَفَحَتْهُ بِرِجْلِهَا ; لِأَنَّهُ السَّبَبُ فِي جِنَايَتِهَا (وَلَا) يَضْمَنُ مَنْ بِيَدِهِ دَابَّةٌ (جِنَايَةَ ذَنَبِهَا) ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَفُّظُ مِنْهُ (وَيَضْمَنُ) جِنَايَتَهَا (مَعَ سَبَبٍ كَنَخْسٍ وَتَنْفِيرٍ فَاعِلُهُ) لِوُجُودِ السَّبَبِ مِنْهُ دُونَ رَاكِبٍ وَسَائِقٍ وَقَائِدٍ.
(وَإِنْ تَعَدَّدَ رَاكِبُ) دَابَّةٍ بِأَنْ كَانَ عَلَيْهَا اثْنَانِ فَأَكْثَرُ (ضَمِنَ الْأَوَّلُ) مَا يَضْمَنُهُ الْمُنْفَرِدُ ; لِأَنَّهُ الْمُتَصَرِّفُ فِيهَا وَالْقَادِرُ عَلَى كَفِّهَا (أَوْ) أَيْ: وَيَضْمَنُ (مَنْ خَلْفَهُ إنْ انْفَرَدَ بِتَدْبِيرِهَا لِصِغَرِ الْأَوَّلِ أَوْ مَرَضِهِ وَنَحْوِهِمَا) كَعَمَاهُ (وَإِنْ اشْتَرَكَا) أَيْ: الرَّاكِبَانِ (فِي تَدْبِيرِهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ) مَعَهَا (إلَّا سَائِقٌ وَقَائِدٌ اشْتَرَكَا
стр. 978
فِي الضَّمَانِ) ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَوْ انْفَرَدَ لَضَمِنَ فَإِذَا اجْتَمَعَا ضَمِنَا (، وَيُشَارِكُ رَاكِبٌ مَعَهَا) أَيْ: السَّائِقِ وَالْقَائِدِ كُلًّا مِنْهُمَا (أَوْ) أَيْ: وَيُشَارِكُ رَاكِبٌ (مَعَ أَحَدِهِمَا) مِنْ سَائِقٍ أَوْ قَائِدٍ فِي ضَمَانِ جِنَايَةِ الدَّابَّةِ ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ لَوْ انْفَرَدَ مَعَ الدَّابَّةِ انْفَرَدَ بِالضَّمَانِ. فَكَذَا إذَا اجْتَمَعَ مَعَ غَيْرِهِ (وَإِبِلٌ) مُقْطَرَةٌ كَوَاحِدَةٍ (وَبِغَالٌ مُقْطَرَةٌ كَوَاحِدَةٍ عَلَى قَائِدِهَا الضَّمَانُ) لِجِنَايَةِ كُلٍّ مِنْ الْقِطَارِ. لِأَنَّ الْجَمِيعِ يَسِيرُ بِسَيْرِ الْأَوَّلِ، وَيَقِفُ بِوُقُوفِهِ وَيَطَأُ بِوَطْئِهِ، وَبِذَلِكَ يُمْكِنُهُ حِفْظُ الْجَمِيعِ عَنْ الْجِنَايَةِ (وَيُشَارِكُهُ) أَيْ: الْقَائِدَ فِي ضَمَانٍ (سَائِقٌ فِي أَوَّلِهَا) أَيْ: الْمُقْطَرَةِ (فِي) جِنَايَةِ (جَمِيعِهَا وَ) يُشَارِكُهُ سَائِقٌ (فِي آخِرِهَا فِي) جِنَايَةٍ (الْأَخِيرِ فَقَطْ وَ) يُشَارِكُهُ سَائِقٌ (فِيمَا بَيْنَهُمَا) أَيْ: الْأَوَّلِ وَالْأَخِيرِ (فِيمَا بَاشَرَ سَوْقَهُ. وَ) فِ (مَا بَعْدَهُ) دُونَ مَا قَبْلَهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَائِقٍ لَهُ وَلَا تَابِعٍ لِمَا يَسُوقُهُ، فَانْفَرَدَ بِهِ الْقَائِدُ، (وَإِنْ انْفَرَدَ رَاكِبٌ عَلَى أَوَّلِ قِطَارٍ ضَمِنَ) جِنَايَةَ (الْجَمِيعِ) ; لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْقَائِدِ لِمَا بَعْدَ الْمَرْكُوبِ، وَالْكُلُّ يَسِيرُ بِسَيْرِهِ وَيَطَأُ بِوَطْئِهِ، فَأَمْكَنَ حِفْظُهُ عَنْ الْجِنَايَةِ. وَإِنْ رَكِبَ أَوْ سَاقَ غَيْرُ الْأَوَّلِ، وَانْفَرَدَ ضَمِنَ جِنَايَةَ مَا رَكِبَهُ أَوْ سَاقَهُ وَمَا بَعْدَهُ، لَا مَا قَبْلَهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ الرَّاكِبُ وَالسَّائِقُ وَالْقَائِدُ مَالِكًا أَوْ أَجِيرًا أَوْ مُسْتَأْجِرًا، أَوْ مُسْتَعِيرًا، أَوْ مُوصًى لَهُ بِنَفْعِهَا، وَلَوْ انْفَلَتَتْ دَابَّةٌ مِمَّنْ هُنَّ بِيَدِهِ وَأَفْسَدَتْ فَلَا ضَمَانَ نَصًّا. فَلَوْ اسْتَقْبَلَهَا إنْسَان فَرَدَّهَا، فَقِيَاسُ قَوْلِ الْأَصْحَابِ الضَّمَانُ. قَالَ الْحَارِثِيُّ:
(وَيَضْمَنُ رَبُّهَا) أَيْ: الدَّابَّةِ (وَمُسْتَعِيرٌ وَمُسْتَأْجِرٌ وَمُودِعٌ مَا أَفْسَدَتْ مِنْ زَرْعٍ وَشَجَرٍ وَغَيْرِهِمَا) كَثَوْبٍ خَرَقَتْهُ أَوْ مَضَغَتْهُ فَنَقَصَ، أَوْ وَطِئَتْ عَلَيْهِ وَنَحْوَهُ (لَيْلًا) فَقَطْ نَصًّا. لِحَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ حِزَامِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ مُحَيِّصَةُ " «أَنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ دَخَلَتْ حَائِطَ قَوْمٍ فَأَفْسَدَتْ. فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ عَلَى أَهْلِ الْأَمْوَالِ حِفْظَهَا بِالنَّهَارِ، وَمَا أَفْسَدَتْ بِاللَّيْلِ فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِمْ» " قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا فَهُوَ مَشْهُورٌ. وَهَذَا حَدَّثَ بِهِ الْأَئِمَّةُ الثِّقَاتُ وَتَلَقَّاهُ فُقَهَاءُ الْحِجَازِ بِالْقَبُولِ، وَلِأَنَّ عَادَةَ أَهْلِ الْمَوَاشِي إرْسَالُهَا لِلرَّعْيِ وَحِفْظُهَا لَيْلًا وَعَادَةَ أَهْلِ الْحَوَائِطِ حِفْظُهَا نَهَارًا (إنْ فَرَّطَ) مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ فِي حِفْظِهَا بِأَنْ لَمْ يَضْمَنْهَا بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ الْخُرُوجُ. فَإِنْ فَعَلَ فَأَخْرَجَهَا غَيْرُهُ أَوْ فَتَحَ عَلَيْهَا بَابَهَا فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ دُونَ مَالِكِهَا لِتَسَبُّبِهِ. وَ (لَا) يَضْمَنُ مَا أَفْسَدَتْ (نَهَارًا) لِلْخَبَرِ. وَلِأَنَّ التَّفْرِيطَ مِنْ جِهَةِ رَبِّهِ بِتَرْكِهِ الْحِفْظَ فِي عَادَتِهِ وَقَدْ فَرَّقَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمَا، وَقَضَى عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا بِالْحِفْظِ فِي وَقْتِ عَادَتِهِ. وَقَيَّدَهُ جَمَاعَةٌ بِمَا إذَا لَمْ تُرْسَلْ
стр. 979
بِقُرْبِ مَا تُتْلِفُهُ عَادَةً، (إلَّا غَاصِبُهَا) فَيَضْمَنُ مَا أَفْسَدَتْ نَهَارًا أَيْضًا لِتَعَدِّيهِ بِإِمْسَاكِهَا.
(وَمَنْ ادَّعَى) مِنْ أَصْحَابِ الزَّرْعِ (أَنَّ بَهَائِمَ فُلَانٍ رَعَتْ زَرْعَهُ لَيْلًا وَلَا غَيْرُهَا) أَيْ: لَيْسَ هُنَاكَ غَيْرُ بَهَائِمَ فُلَانٍ (وَوُجِدَ أَثَرُهَا) أَيْ: الْبَهَائِمِ (بِهِ) أَيْ: الزَّرْعِ (قُضِيَ لَهُ) عَلَى رَبِّ الْبَهَائِمِ بِضَمَانِ مَا رَعَتْ نَصًّا. وَجَعَلَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ مِنْ الْقِيَافَةِ فِي الْأَمْوَالِ وَجَعَلَهَا مُعْتَبَرَةً كَالْقِيَافَةِ فِي الْأَنْسَابِ.
(وَمَنْ طَرَدَ دَابَّةً مِنْ مَزْرَعَتِهِ) فَدَخَلَتْ مَزْرَعَةَ غَيْرِهِ. فَأَفْسَدَتْ (لَمْ يَضْمَنْ مَا أَفْسَدَتْهُ إلَّا أَنْ يُدْخِلَهَا مَزْرَعَةَ غَيْرِهِ) إنْ لَمْ تَتَّصِلْ الْمَزَارِعُ، (فَإِنْ اتَّصَلَتْ الْمَزَارِعُ) لَمْ يَطْرُدْهَا ; لِأَنَّ فِيهِ تَسْلِيطًا عَلَى مَالِ غَيْرِهِ. وَ (صَبَرَ لِيَرْجِعَ عَلَى رَبِّهَا) بِبَدَلِ مَا تَأْكُلُهُ حَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ مِنْهَا إلَّا بِتَسْلِيطِهَا عَلَى مَالِ غَيْرِهِ (وَلَوْ قَدَرَ أَنْ يُخْرِجَهَا) مِنْ مَزْرَعَتِهِ (وَلَهُ) أَيْ: رَبِّ الْمَزْرَعَةِ (مُنْصَرَفٌ) يُخْرِجُهَا مِنْهُ (غَيْرُ الْمَزَارِعِ فَتَرَكَهَا) تَأْكُلُ مِنْ زَرْعِهِ لِيَرْجِعَ عَلَى رَبِّهَا (فَ) مَا أَكَلَهُ (هَدَرٌ) لَا رُجُوعَ لِرَبِّهِ بِهِ لِتَقْصِيرِهِ بِعَدَمِ صَرْفِهَا (كَحَطَبٍ) وَحَدِيدٍ وَنَحْوِهِ (عَلَى دَابَّةٍ، خَرَقَ ثَوْبَ بَصِيرٍ عَاقِلٍ يَجِدُ مُنْحَرِفًا) فَلَا طَلَبَ لَهُ عَلَى رَبِّ الْحَطَبِ لِتَقْصِيرِهِ بِعَدَمِ الِانْحِرَافِ (وَكَذَا لَوْ كَانَ) رَبُّ الثَّوْبِ (مُسْتَدْبَرًا) بِأَنْ جَاءَتْ الدَّابَّةُ مِنْ خَلْفِهِ (فَصَاحَ بِهِ) رَبُّ الدَّابَّةِ (مُنَبِّهًا لَهُ) لِيَنْحَرِفَ، وَوَجَدَ مُنْحَرَفًا وَلَمْ يَفْعَلْ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى رَبِّ الدَّابَّةِ لِتَقْصِيرِ الْمُنَبَّهِ بِعَدَمِ الِانْحِرَافِ، (وَإِلَّا) يَكُنْ بَصِيرًا عَاقِلًا يَجِدْ مُنْحَرَفًا بِأَنْ كَانَ أَعْمَى، أَوْ طِفْلًا، أَوْ مَجْنُونًا، أَوْ لَا مُنْحَرَفَ لَهُ، أَوْ كَانَ مُسْتَدِيرًا وَلَمْ يُنَبِّهْهُ (ضَمِنَ) مَعَ الدَّابَّةِ أَرْشَ خَرْقِ الثَّوْبِ قُلْتُ: وَكَذَا لَوْ جَرَحَهُ وَنَحْوَهُ.
[فَصْلٌ وَإِنْ اصْطَدَمَتْ سَفِينَتَانِ وَاقِفَتَانِ أَوْ مُصْعَدَتَانِ أَوْ مُنْحَدِرَتَانِ فَغَرِقَتَا]
(فَصْلٌ وَإِنْ اصْطَدَمَتْ سَفِينَتَانِ) وَاقِفَتَانِ أَوْ مُصْعِدَتَانِ أَوْ مُنْحَدِرَتَانِ (فَغَرِقَتَا ضَمِنَ كُلٌّ) مِنْ قَيِّمَيْ السَّفِينَتَيْنِ (سَفِينَةَ الْآخَرِ وَمَا فِيهَا) مِنْ نَفْسٍ وَمَالٍ (إنْ فَرَّطَ) كَالْفَارِسَيْنِ إذَا اصْطَدَمَا، (وَلَوْ تَعَمَّدَاهُ) أَيْ: الِاصْطِدَامَ (فَ) هُمَا (شَرِيكَانِ فِي إتْلَافِهِمَا) أَيْ: السَّفِينَتَيْنِ فَيَضْمَنَانِهِمَا (وَ) فِي إتْلَافِ (مَا فِيهِمَا) لِتَلَفِهِ بِفِعْلِهِمَا فَيَشْتَرِكَانِ فِي ضَمَانِهِ كَمَا لَوْ خَرَقَاهُمَا (فَإِنْ قُتِلَ) أَيْ: إنْ كَانَ اصْطِدَامُهُمَا مِمَّا يَقْتُلُ (غَالِبًا) وَمَاتَ بِسَبَبِ فِعْلِهِمَا آدَمِيٌّ مُحْتَرَمٌ (فَ) عَلَيْهِمَا (الْقَوَدُ) بِشَرْطِهِ مِنْ التَّكَافُؤِ وَنَحْوِهِ. كَمَا لَوْ أَلْقَاهُ فِي الْبَحْرِ فِيمَا لَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْهُ فَغَرِقَ (وَإِلَّا) يَكُنْ مِمَّا يَقْتُلُ غَالِبًا بِأَنْ كَانَ قُرْبَ السَّاحِلِ بِحَيْثُ يُمْكِنُ مَنْ فِي السَّفِينَتَيْنِ الْخُرُوجُ
стр. 980
إلَيْهِ، (فَ) هُوَ (شِبْهُ عَمْدٍ) كَإِلْقَائِهِ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ، (وَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا) أَيْ: السَّفِينَتَيْنِ الْمُصْطَدِمَتَيْنِ (وَاقِفَةً) وَالْأُخْرَى سَائِرَةً فَغَرِقَتَا. فَلَا ضَمَانَ عَلَى قَيِّمِ الْوَاقِفَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ، وَلَمْ يُفَرِّطْ. أَشْبَهَ النَّائِمَ فِي الصَّحْرَاءِ إذَا عَثَرَ بِهِ آخَرُ فَتَلِفَ. وَ (ضَمِنَهَا) أَيْ: الْوَاقِفَةَ وَمَا فِيهَا (قَيِّمُ السَّائِرَةِ إنْ فَرَّطَ) بِأَنْ أَمْكَنَهُ رَدُّهَا عَنْهَا فَلَمْ يَفْعَلْ، أَوْ لَمْ يُكْمِلْ آلَتَهَا مِنْ رِجَالٍ وَحِبَالٍ وَنَحْوِهِمَا، لِحُصُولِ التَّلَفِ بِتَقْصِيرِهِ، كَمَا لَوْ نَامَ وَتَرَكَهَا سَائِرَةً بِنَفْسِهَا حَتَّى صَدَمَتْهَا فَإِنْ لَمْ يُفَرِّطْ فَلَا ضَمَانَ (وَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا) أَيْ: السَّفِينَتَيْنِ الْمُصْطَدِمَتَيْنِ بِلَا تَعَمُّدٍ (مُنْحَدِرَةً) وَالْأُخْرَى مُصْعِدَةً (ضَمِنَ قَيِّمُهَا) أَيْ الْمُنْحَدِرَةِ (الْمُصْعِدَةَ) ; لِأَنَّ الْمُنْحَدِرَةَ تَنْحَطُّ عَلَى الْمُصْعِدَةِ مِنْ عُلْوٍ فَتُغْرِقَهَا، وَلَا ضَمَانَ عَلَى قَيِّمِ الْمُصْعِدَةِ تَنْزِيلًا لِلْمُنْحَدِرَةِ مَنْزِلَةَ السَّائِرَةِ، وَالْمُصْعِدَةِ مَنْزِلَةَ الْوَاقِفَةِ (إلَّا أَنْ يُغْلَبَ) قَيِّمُ الْمُنْحَدِرَةِ (عَنْ ضَبْطِهَا) بِغَلَبَةِ رِيحٍ وَنَحْوِهِ. وَقَالَ فِي الشَّرْحِ: أَوْ كَانَ الْمَاءُ شَدِيدَ الْجِرْيَةِ فَلَا يُمْكِنُهُ ضَبْطُهَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي وُسْعِهِ وَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا، وَلِأَنَّ التَّلَفَ يُمْكِنُ اسْتِنَادُهُ إلَى الرِّيحِ أَوْ إلَى شِدَّةِ جَرَيَانِ الْمَاءِ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَسَوَاءٌ فَرَّطَ الْمُصْعِدُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَوْ لَا عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَأَطْلَقَهُ أَحْمَدُ وَالْأَصْحَابُ.
وَفِي الْمُغْنِي: إنْ فَرَّطَ الْمُصْعِدُ بِأَنْ أَمْكَنَهُ الْعُدُولُ بِسَفِينَتِهِ وَالْمُنْحَدِرُ غَيْرُ قَادِرٍ وَلَا مُفَرِّطٍ فَالضَّمَانُ عَلَى الْمُصْعِدِ لِأَنَّهُ الْمُفَرِّطُ (وَيُقْبَلُ قَوْلُ مَلَّاحٍ) أَيْ: قَيِّمِ السَّفِينَةِ (فِيهِ) أَيْ: فِي أَنَّهُ غُلِبَ عَنْ ضَبْطِهَا أَوْ أَنَّهُ لَمْ يُفَرِّطْ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَتُهُ (وَلَا يَسْقُطُ فِعْلُ الصَّادِمِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ مَعَ عَمْدٍ) أَيْ: تَعَمَّدَ الصَّدْمَ بَلْ يُعْتَدُّ بِفِعْلِهِ. فَإِنْ كَانَ حُرًّا فَلَيْسَ لِوَرَثَتِهِ إلَّا نِصْفُ دِيَتِهِ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا فَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ إلَّا نِصْفُ قِيمَتِهِ، لِأَنَّهُ شَارَكَ فِي قَتْلِ نَفْسِهِ. أَشْبَهَ مَا لَوْ تَحَامَلَ هُوَ وَغَيْرُهُ عَلَى قَتْلِ نَفْسِهِ بِمُحَدِّدٍ. (وَلَوْ خَرَقَهَا) أَيْ: السَّفِينَةَ قَيِّمُهَا (عَمْدًا) بِأَنْ تَعَمَّدَ قَلْعَ لَوْحٍ وَنَحْوَهُ فِي اللُّجَّةِ فَغَرِقَ مَنْ فِيهَا عُمِلَ بِذَلِكَ (أَوْ) خَرَقَهَا (بِشِبْهِهِ) أَيْ: شِبْهِ الْعَمْدِ بِأَنْ قَلَعَهُ بِلَا دَاعٍ إلَى قَلْعِهِ،، لَكِنْ فِي مَكَانٍ قَرِيبٍ مِنْ السَّاحِلِ لَا يُغْرَقُ بِهِ مَنْ فِيهَا غَالِبًا فَغَرِقَ عُمِلَ بِهِ (أَوْ) خَرَقَهَا (خَطَأً) كَقَلْعِ لَوْحٍ يَحْتَاجُ إلَى الْإِصْلَاحِ لِيُصْلِحَهُ أَوْ لِيَضَعَ فِي مَكَانِهِ فِي مَحِلٍّ لَا يُغْرَقُ بِهِ مَنْ فِيهَا غَالِبًا فَغَرِقُوا (عُمِلَ بِذَلِكَ) ، فَيَقْتَصُّ مِنْهُ فِي صُورَةِ الْعَمْدِ بِشَرْطِهِ، وَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ وَالْخَطَإِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي الْجِنَايَاتِ وَالْكَفَّارَةُ فِي مَالِهِ.
(وَ) السَّفِينَةُ (الْمُشْرِفَةُ عَلَى غَرَقٍ يَجِبُ إلْقَاءُ مَا يُظَنُّ بِهِ) أَيْ: بِإِلْقَائِهِ
стр. 981
(نَجَاةٌ) مِنْ الْغَرَقِ فَإِنْ تَقَاعَدُوا أَثِمُوا وَلَا ضَمَانَ. وَلَوْ أَلْقَى مَتَاعَهُ وَمَتَاعَ غَيْرِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى أَحَدٍ. وَمَنْ امْتَنَعَ مِنْ إلْقَاءِ مَتَاعِهِ أَلْقَى وَضَمِنَهُ مُلْقٍ (غَيْرَ الدَّوَابِّ) فَلَا تُلْقَى لِحُرْمَتِهَا (إلَّا أَنْ تُلْجِئَ الضَّرُورَةُ إلَى إلْقَائِهَا) أَيْ: الدَّوَابِّ فَتُلْقَى لِنَجَاةِ الْآدَمِيِّينَ لِأَنَّهُمْ آكَدُ حُرْمَةً.
(وَمَنْ قَتَلَ) حَيَوَانًا (صَائِلًا) أَوْ وَاثِبًا (عَلَيْهِ وَلَوْ) كَانَ الصَّائِلُ (آدَمِيًّا) صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا عَاقِلًا أَوْ مَجْنُونًا حُرًّا أَوْ عَبْدًا (دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ) أَيْ الْقَاتِلِ لَمْ يَضْمَنْهُ إنْ لَمْ يَنْدَفِعْ إلَّا بِالْقَتْلِ لِأَنَّهُ لِدَفْعِ شَرِّهِ، فَكَأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسَهُ. فَإِنْ قَتَلَهُ دَفْعًا عَنْ غَيْرِهِ فَذَكَرَ الْقَاضِي يَضْمَنُهُ.
وَفِي الْفَتَاوَى الرَّحْبِيَّاتِ عَنْ ابْنِ عَقِيلٍ وَابْنِ الزَّاغُونِيِّ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ أَيْضًا (أَوْ) قَتَلَ (خِنْزِيرًا) وَلَوْ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ لَمْ يَضْمَنْهُ ; لِأَنَّهُ مُبَاحُ الْقَتْلِ. أَشْبَهَ الْكَلْبَ الْعَقُورَ، وَكَذَا كُلُّ حَيَوَانٍ أُبِيحَ قَتْلُهُ (أَوْ أَتْلَفَ) بِكَسْرٍ أَوْ خَرْقٍ أَوْ غَيْرِهِمَا (وَلَوْ) كَانَ مَا يَأْتِي (مَعَ صَغِيرٍ) حَالَ إتْلَافِهِ (مِزْمَارًا. أَوْ طُنْبُورًا أَوْ عُودًا أَوْ طَبْلًا أَوْ دُفًّا بِصُنُوجٍ أَوْ حِلَقٍ أَوْ نَرْدًا أَوْ شِطْرَنْجًا) وَنَحْوَهَا (أَوْ) أَتْلَفَ (صَلِيبًا) لَمْ يَضْمَنْهُ لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ لَا حُرْمَةَ لَهُ. فَأَشْبَهَ الْكَلْبَ وَالْمَيْتَةَ (أَوْ كَسَرَ إنَاءَ فِضَّةٍ أَوْ) إنَاءَ (ذَهَبٍ أَوْ) كَسَرَ أَوْ شَقَّ إنَاءً (فِيهِ خَمْرٌ مَأْمُورٌ بِإِرَاقَتِهَا) ، وَهِيَ مَا عَدَا خَمْرَ الْخِلَالِ وَالذِّمِّيِّ الْمُسْتَتِرَةَ (قَدَرَ عَلَى إرَاقَتِهَا بِدُونِهِ) أَيْ: الْكَسْرِ أَوْ الشِّقِّ (أَوْ لَا) لَمْ يَضْمَنْهُ. لِحَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ، وَفِيهِ " «وَأَمَرَ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ أَنْ يَمْضُوا مَعِي وَيُعَاوِنُونِي أَنْ آتِيَ الْأَسْوَاقَ كُلَّهَا فَلَا أَجِدُ فِيهَا زِقَّ خَمْرٍ إلَّا شَقَقْتُهُ، فَفَعَلْتُ، فَلَمْ أَتْرُكْ زِقًّا إلَّا شَقَقْتُهُ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ (أَوْ) كَسَرَ (حُلِيًّا مُحَرَّمًا عَلَى ذَكَرٍ لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ) أَيْ: لَمْ يَتَّخِذْهُ مَالِكُهُ (يَصْلُحُ لِلنِّسَاءِ) لَمْ يَضْمَنْهُ لِإِزَالَتِهِ مُحَرَّمًا (أَوْ) أَتْلَفَ (آلَةَ سِحْرٍ أَوْ) آلَةَ (تَعْزِيمٍ أَوْ) آلَةَ (تَنْجِيمٍ أَوْ) أَتْلَفَ (صُوَرَ خَيَّالٍ أَوْ أَوْثَانًا) جَمْعُ وَثَنٍ وَهُوَ الصَّنَمُ يَعْبُدُهُ الْمُشْرِكُونَ، (أَوْ) أَتْلَفَ (كُتُبَ مُبْتَدِعَةٍ مُضِلَّةً أَوْ) كُتُبَ (كُفْرٍ أَوْ حَرَقَ مَخْزَنَ خَمْرٍ أَوْ كِتَابًا فِيهِ أَحَادِيثُ رَدِيئَةٌ لَمْ يَضْمَنْهُ) ; لِأَنَّهُ يَحْرُمُ بَيْعُهُ لَا لِحُرْمَتِهِ. أَشْبَهَ الْكَلْبَ وَالْمَيْتَةَ وَلِأَنَّ مَخْزَنَ الْخَمْرِ مِنْ أَمَاكِنِ الْمَعَاصِي وَإِتْلَافُهَا جَائِزٌ ; لِأَنَّهُ ﵇ " «حَرَقَ مَسْجِدَ الضِّرَارِ وَأَمَرَ بِهَدْمِهِ» " قَالَ فِي الْهَدْيِ.
وَفِي الْفُنُونِ: يَجُوزُ إعْدَامُ الْآيَةِ مِنْ كُتُبِ الْمُبْتَدِعَةِ لِأَجْلِ مَا هِيَ فِيهِ وَإِهَانَةٌ لِمَا وُضِعَتْ لَهُ وَلَوْ أَمْكَنَ تَمْيِيزُهَا. وَأَمَّا دُفُّ الْعُرْسِ الَّذِي لَا حِلَقَ فِيهِ وَلَا صُنُوجَ فَمَضْمُونٌ لِإِبَاحَتِهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْمُتْلِفِ لِمَا تَقَدَّمَ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا
стр. 982
[بَابُ الشُّفْعَةِ]
(بَابُ الشُّفْعَةِ) بِإِسْكَانِ الْفَاءِ مِنْ الشَّفْعِ وَهُوَ الزَّوْجُ ; لِأَنَّ نَصِيبَ الشَّفِيعِ كَانَ مُنْفَرِدًا فِي مِلْكِهِ وَبِالشُّفْعَةِ يُضَمُّ الْمَبِيعُ إلَى مِلْكِهِ فَيَشْفَعُهُ بِهِ، أَوْ مِنْ الشَّفَاعَةِ أَيْ الزِّيَادَةِ ; لِأَنَّ الْمَبِيعَ يَزِيدُ فِي مِلْكِ الشَّفِيعِ أَوْ ; لِأَنَّ الرَّجُلَ كَانَ إذَا أَرَادَ بَيْعَ دَارِهِ أَتَاهُ جَارُهُ وَشَرِيكُهُ فَيَشْفَعُ لَهُ فِيمَا بَاعَ فَشَفَّعَهُ وَجَعَلَهُ أَوْلَى بِهِ، أَوْ لِأَنَّ طَالِبَهَا يُسَمَّى شَفِيعًا لِمَجِيئِهِ تَالِيًا لِلْمُشْتَرِي، فَهُوَ ثَانٍ بَعْدَ أَوَّلٍ فَسُمِّيَ طَلَبُهُ شُفْعَةً، وَهِيَ شَرْعًا (اسْتِحْقَاقُ الشَّرِيكِ) فِي مِلْكِ الرَّقَبَةِ وَلَوْ مُكَاتَبًا (انْتِزَاعُ شِقْصِ شَرِيكِهِ) الْمُنْتَقَلِ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ. وَالشِّقْصُ بِكَسْرِ الشِّينِ النَّصِيبُ (مِمَّنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ بِعِوَضٍ مَالِيٍّ) ، إمَّا بِالْبَيْعِ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ وَيَأْتِي (إذَا كَانَ) الْمُنْتَقَلُ إلَيْهِ (مِثْلَهُ) أَيْ: الشَّرِيكِ بِأَنْ يَكُونَا مُسْلِمَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ، (أَوْ) كَانَ الْمُنْتَقَلُ إلَيْهِ (دُونَهُ) أَيْ: الشَّرِيكِ بِأَنْ كَانَ الشَّرِيكُ مُسْلِمًا وَالْمُنْتَقَلُ إلَيْهِ كَافِرًا. وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ وَيَأْتِي، وَلَا لِلْجَارِ وَلَا لِلْمُوصَى لَهُ بِنَفْعِ دَارٍ إذَا بَاعَهَا أَوْ بَعْضَهَا وَارِثٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالِكٍ لِشَيْءٍ مِنْ الدَّارِ، وَأَنَّهُ لَا شُفْعَةَ فِي الْمَوْرُوثِ وَالْمُوصَى بِهِ وَالْمَوْهُوبِ بِلَا عِوَضٍ وَلَا الْمَجْعُولِ مَهْرًا أَوْ عِوَضًا فِي خُلْعٍ وَنَحْوِهِ أَوْ صُلْحًا عَنْ دَمِ عَمْدٍ وَنَحْوِهِ. وَالشُّفْعَةُ ثَبَتَتْ بِالسُّنَّةِ وَاتِّفَاقِ كَافَّةِ الْعُلَمَاءِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ " «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ. فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي الْبَابِ غَيْرُهُ، وَالْمَعْنَى إزَالَةُ ضَرَرِ الشَّرِكَةِ (وَلَا تَسْقُطُ) الشُّفْعَةُ (بِاحْتِيَالٍ) عَلَى إسْقَاطِهَا ; لِأَنَّهَا إنَّمَا شُرِعَتْ لِدَفْعِ الضَّرَرِ، فَلَوْ سَقَطَتْ بِالِاحْتِيَالِ لَحِقَ الضَّرَرُ، وَالْحِيلَةُ أَنْ يُظْهِرَ الْمُتَعَاقِدَانِ فِي الْبَيْعِ شَيْئًا لَا يُؤْخَذُ بِالشُّفْعَةِ مَعَهُ وَيَتَوَاطَآنِ فِي الْبَاطِنِ عَلَى خِلَافِهِ، كَإِظْهَارِ التَّوَاهُبِ أَوْ زِيَادَةِ الثَّمَنِ وَنَحْوِهِ، (وَيَحْرُمُ) الِاحْتِيَالُ عَلَى إسْقَاطِهَا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَحْرِيمِ الْحِيَلِ كُلِّهَا.
(وَشُرُوطُهَا) أَيْ: الشُّفْعَةِ (خَمْسَةٌ) أَحَدُهَا (كَوْنُهُ) أَيْ: الشِّقْصِ الْمُنْتَقَلِ عَنْ الشَّرِيكِ (مَبِيعًا) صَرِيحًا أَوْ فِي مَعْنَاهُ كَصُلْحٍ عَنْ إقْرَارٍ بِمَالٍ أَوْ عَنْ جِنَايَةٍ تُوجِبُهُ وَهِبَةٍ بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ لِأَنَّهُ بَيْعٌ فِي الْحَقِيقَةِ. لِحَدِيثِ جَابِرٍ «هُوَ أَحَقُّ بِهِ بِالثَّمَنِ» " رَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ ; وَلِأَنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُهُ بِمِثْلِ عِوَضِهِ الَّذِي انْتَقَلَ بِهِ وَلَا يُمْكِنُ هَذَا فِي غَيْرِ الْمَبِيعِ، (فَلَا تَجِبُ) الشُّفْعَةُ (فِي قِسْمِهِ) لِأَنَّهَا إفْرَازٌ أَوْ تَرَاضٍ لِأَنَّهَا لَوْ ثَبَتَتْ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ لَثَبَتَتْ لَهُ عَلَيْهِ فَلَا فَائِدَةَ (وَلَا) فِي
стр. 983
(هِبَةٍ) أَيْ: مَوْهُوبٍ بِلَا عِوَضٍ وَلَا مُوصًى بِهِ، لَا غَرَضُ الْوَاهِبِ وَالْمُوصِي نَفْعُ الْمُتَّهَبِ وَالْمُوصَى لَهُ، وَلَا يَحْصُلُ مَعَ انْتِقَالٍ عَنْهُ وَكَمَوْرُوثٍ لِدُخُولِهِ فِي مِلْكِ الْوَارِثِ قَهْرًا بِلَا عِوَضٍ، وَكَذَا لَوْ عَادَ إلَيْهِ الصَّدَاقُ أَوْ بَعْضُهُ لِفَسْخٍ أَوْ طَلَاقٍ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ رُدَّ الْمَبِيعُ لِنَحْوِ عَيْبٍ، (وَلَا) شُفْعَةَ (فِيمَا) أَيْ: شِقْصٍ (عِوَضُهُ غَيْرُ مَالِيٍّ كَصَدَاقٍ) أَيْ: الْمَجْعُولِ صَدَاقًا (وَعِوَضُ خُلْعٍ) أَوْ طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ.
(وَ) عِوَضُ (صُلْحٍ عَنْ قَوَدٍ) ; لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عِوَضٌ يُمْكِنُ الْأَخْذُ بِهِ أَشْبَهَ الْمَوْهُوبَ بِخِلَافِ الْمَبِيعِ لِإِمْكَانِ الْأَخْذِ بِعِوَضِهِ، وَكَذَا عِوَضُ صُلْحٍ عَنْ إنْكَارٍ وَمَا اشْتَرَاهُ ذِمِّيٌّ بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ (وَلَا) شُفْعَةَ فِي (مَا) أَيْ: شِقْصٍ (أَخَذَ) مِنْ شَرِيكِهِ (أُجْرَةً) أَوْ جَعَالَةً (أَوْ ثَمَنًا فِي سَلَمٍ) إنْ صَحَّ جَعْلُهُ ثَمَنًا فِيهِ (أَوْ عِوَضًا فِي كِتَابَةٍ) ; لِمَفْهُومِ حَدِيثِ جَابِرٍ: فَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ " «فَإِنْ بَاعَ وَلَمْ يَسْتَأْذِنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ بِالثَّمَنِ» " رَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ وَهَذِهِ لَيْسَتْ بَيْعًا عُرْفًا بَلْ لَهَا اسْمٌ خَاصٌّ.
الشَّرْطُ (الثَّانِي كَوْنُهُ) أَيْ: الشِّقْصِ الْمَبِيعِ (مُشَاعًا) أَيْ: غَيْرَ مُفْرَزٍ (مِنْ عَقَارٍ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ (يَنْقَسِمُ) أَيْ: تَجِبُ قِسْمَتُهُ بِطَلَبِ مَنْ لَهُ فِيهِ جُزْءٌ (إجْبَارًا) ; لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا " «الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ. فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ» " رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ. وَلِحَدِيثِهِ، أَيْضًا " «إنَّمَا جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الشُّفْعَةَ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ.» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلِأَنَّ الشُّفْعَةَ إنَّمَا ثَبَتَتْ فِيمَا تَجِبُ قِسْمَتُهُ لِمَعْنًى وَهُوَ أَنَّ الشَّرِيكَ رُبَمَا دَخَلَ عَلَيْهِ شَرِيكٌ فَيَتَأَذَّى بِهِ فَتَدْعُوهُ الْحَاجَةُ إلَى مُقَاسَمَتِهِ. أَوْ يَطْلُبُ الدَّاخِلُ الْمُقَاسَمَةَ فَيَتَضَرَّرُ الشَّرِيكُ بِمَنْعِ مَا يَحْتَاجُ إلَى إحْدَاثِهِ مِنْ الْمَرَافِقِ. وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي الْمَقْسُومِ (فَلَا شُفْعَةَ لِجَارٍ فِي مَقْسُومٍ مَحْدُودٍ) لِمَا تَقَدَّمَ. وَحَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ مَرْفُوعًا " «الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: أَحَقُّ بِصَقَبِهِ أَيْ: بِمَا يَلِيهِ وَيَقْرَبُ مِنْهُ. وَحَدِيثِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا " «جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِالدَّارِ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ. أُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ أَبْهَمَ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِهِ. فَلَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى الْعُمُومِ فِي مُضْمَرٍ. لِأَنَّ الْعُمُومَ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْمَنْطُوقِ بِهِ دُونَ الْمُضْمَرِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَحَقُّ بِالْفِنَاءِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَارِ مِمَّنْ لَيْسَ بِجَارٍ، أَوْ يَكُونُ مُرْتَفِقًا بِهِ، وَأُجِيبَ عَنْ الثَّانِي بِاخْتِلَافِ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي لِقَاءِ الْحَسَنِ لِسَمُرَةَ، وَمَنْ أَثْبَتَ لِقَاءَهُ لَهُ قَالَ: إنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إلَّا حَدِيثَ الْعَقِيقَةِ، وَلَوْ سَلِمَ لَكَانَ عَنْهُ الْجَوَابَانِ الْمَذْكُورَانِ، وَحَدِيثِ "
стр. 984
«الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَةِ جَارِهِ» " قَالَ أَحْمَدُ: مُنْكَرٌ. وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُ عَبْدِ الْمَلِكِ: وَقَدْ أُنْكِرَ عَلَيْهِ، أَوْ أَنَّهُ أُرِيدَ بِالْجَارِ فِي الْأَحَادِيثِ الشَّرِيكُ فَإِنَّهُ جَارٌ أَيْضًا. ; لِأَنَّ اسْمَ الْجِوَارِ يَخْتَصُّ بِالْقَرِيبِ، وَالشَّرِيكُ أَقْرَبُ مِنْ اللَّصِيقِ كَمَا أُطْلِقَ عَلَى الزَّوْجَةِ لِقُرْبِهَا (وَلَا) شُفْعَةَ (فِي طَرِيقٍ مُشْتَرَكٍ لَا يَنْفُذُ بِبَيْعِ دَارٍ فِيهِ) أَيْ: فِي الطَّرِيقِ الَّذِي لَا يَنْفُذُ إنْ لَمْ يُمْكِنْ التَّوَصُّلُ إلَى الدَّارِ إلَّا مِنْهُ لِضَرَرِ الْمُشْتَرِي. لِأَنَّهَا تَبْقَى لَا طَرِيقَ لَهَا (وَلَوْ كَانَ نَصِيبُ مُشْتَرٍ مِنْهَا) أَيْ: الطَّرِيقِ (أَكْثَرَ مِنْ حَاجَتِهِ) لِتَبَعُّضِ الشُّفْعَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي لَوْ وَجَبَتْ فِي الزَّائِدِ وَفِيهِ ضَرَرٌ، (فَإِنْ كَانَ لَهَا) أَيْ الدَّارِ (بَابٌ آخَرُ) إلَى شَارِعٍ (وَأَمْكَنَ فَتْحُ بَابٍ لَهَا إلَى شَارِعٍ وَجَبَتْ) الشُّفْعَةُ فِي الطَّرِيقِ الْمُشْتَرَكِ غَيْرِ النَّافِذِ. حَيْثُ أَمْكَنَتْ قِسْمَتُهُ كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَرَاضِي (وَكَذَا) أَيْ: كَالطَّرِيقِ الْمُشْتَرَكِ الَّذِي لَا يَنْفُذُ (دِهْلِيزٌ) بِالْكَسْرِ: مَا بَيْنَ الْبَابِ وَالدَّارِ (وَصَحْنٌ) أَيْ: وَسَطُ الدَّارِ (مُشْتَرَكَانِ) ، فَإِذَا بِيعَ بَيْتٌ مِنْ دَارٍ لَهَا دِهْلِيزٌ وَصَحْنٌ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ الِاسْتِطْرَاقُ إلَى الْمَبِيعِ إلَّا مِنْهُمَا فَلَا شُفْعَةَ فِيهِمَا، وَإِنْ كَانَ لَهُ بَابٌ آخَرُ وَأَمْكَنَ فَتْحُ بَابٍ لَهُ إلَى شَارِعٍ وَجَبَتْ فِيهِمَا لِمَا تَقَدَّمَ وَمَنْ أَرْضُهُ بِجِوَارِ أَرْضٍ لِآخَرَ وَيَشْرَبَانِ مِنْ نَهْرٍ أَوْ بِئْرٍ وَاحِدٍ فَلَا شُفْعَةَ بِذَلِكَ.
(وَلَا) شُفْعَةَ (فِيمَا) أَيْ: عَقَارٍ (لَا تَجِبُ قِسْمَتُهُ كَحَمَّامٍ صَغِيرٍ. وَبِئْرٍ وَطُرُقٍ) ضَيِّقَةٍ (وَعِرَاضٍ ضَيِّقَةٍ) وَرَحًى صَغِيرَةٍ وَعِضَادَةٍ نَصًّا. لِحَدِيثِ " «لَا شُفْعَةَ فِي فِنَاءٍ وَلَا طَرِيقٍ وَلَا مُثَقَّبَةٍ» " وَالْمُثَقَّبَةُ الطَّرِيقُ الضَّيِّقُ بَيْنَ دَارَيْنِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَسْلُكَهُ أَحَدٌ. رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي الْغَرِيبِ. وَعَنْ عُثْمَانَ " لَا شُفْعَةَ فِي بِئْرٍ وَلَا نَخْلٍ " وَلِأَنَّ إثْبَاتَ الشُّفْعَةِ فِيهِ يَضُرُّ بِالْبَائِعِ. لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْ إثْبَاتِ الشُّفْعَةِ فِي نَصِيبِهِ بِالْقِسْمَةِ، وَقَدْ يَمْتَنِعُ الْمُشْتَرِي لِأَجْلِ الشَّفِيعِ فَيَتَضَرَّرُ الْبَائِعُ، وَقَدْ يَمْتَنِعُ الْبَيْعُ فَتَسْقُطُ الشُّفْعَةُ. فَإِنْ كَانَ الْبِئْرُ تُمْكِنُ قِسْمَتُهُ بِئْرَيْنِ يَرْتَقِي الْمَاءُ مِنْهُمَا وَجَبَتْ الشُّفْعَةُ، وَكَذَا إنْ كَانَ مَعَ الْبِئْرِ بَيَاضُ أَرْضٍ بِحَيْثُ تُحَصِّلُ الْبِئْرُ فِي أَحَدِ النَّصِيبَيْنِ، وَكَذَا الرَّحَى إنْ أَمْكَنَتْ قِسْمَتُهُ بِأَنْ كَانَ لَهُ حِصْنٌ بِحَيْثُ يَحْصُلُ الْحَجَرُ فِي أَحَدِ الْقِسْمَيْنِ، أَوْ فِيهَا أَرْبَعَةُ أَحْجَارٍ دَائِرَةٌ يُمْكِنُ أَنْ يَنْفَرِدَ كُلُّ وَاحِدٍ بِحَجَرَيْنِ.
(وَلَا) شُفْعَةَ (فِيمَا لَيْسَ بِعَقَارٍ) أَيْ أَرْضٍ (كَ) شَجَرٍ وَبِنَاءٍ مُفْرَدٍ وَحَيَوَانٍ (وَجَوْهَرٍ وَسَيْفٍ وَنَحْوِهِمَا) كَسَفِينَةٍ وَزَرْعٍ وَثَمَرٍ وَكُلِّ مَنْقُولٍ ; لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى عَلَى الدَّوَامِ، وَلَا يَدُومُ ضَرَرُهُ بِخِلَافِ الْأَرْضِ (وَيُؤْخَذُ غِرَاسٌ وَبِنَاءٌ) بِالشُّفْعَةِ (تَبَعًا لِأَرْضٍ) لِحَدِيثِ " قَضَائِهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مُشْتَرَكٍ لَمْ
стр. 985
يُقْسَمْ رُبْعُهُ أَوْ حَائِطًا " وَ (لَا) يُؤْخَذُ (ثَمَرٌ) ظَاهِرٌ (وَزَرْعٌ) بِشُفْعَةٍ لَا تَبَعًا وَلَا مُفْرَدًا. لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ تَبَعًا. فَلَا يُؤْخَذَ بِالشُّفْعَةِ كَقُمَاشِ الدَّارِ، وَعَكْسُهُ الْبِنَاءُ وَالْغِرَاسُ. إذْ الشُّفْعَةُ بَيْعٌ حَقِيقَةً، إلَّا أَنَّ لِلشَّفِيعِ سُلْطَانَ الْأَخْذِ بِغَيْرِ رِضَا الْمُشْتَرِي. وَمَا بِيعَ مِنْ عُلْوِ مُشْتَرَكٍ دُونَ سُفْلِهِ فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ مُطْلَقًا وَبِالْعَكْسِ إذَا بَاعَ الشَّرِيكُ الْعُلُوَّ وَحِصَّتَهُ مِنْ السُّفْلِ فَلِلشَّرِيكِ الشُّفْعَةُ فِي السُّفْلِ فَقَطْ.
الشَّرْطُ (الثَّالِثُ: طَلَبُهَا) أَيْ: الشُّفْعَةِ (سَاعَةَ يَعْلَمُ) بِالْبَيْعِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ، وَإِلَّا بَطَلَتْ نَصًّا لِحَدِيثِ " «الشُّفْعَةُ كَحَلِّ الْعِقَالِ» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَفِي لَفْظٍ " «الشُّفْعَةُ كَنَشِطَةِ الْعِقَالِ. إنْ قُيِّدَتْ ثَبَتَتْ وَإِنْ تُرِكَتْ فَاللَّوْمُ عَلَى مَنْ تَرَكَهَا» " وَحَدِيثِ " «الشُّفْعَةُ لِمَنْ وَاثَبَهَا» " قَالَ فِي الْمُغْنِي: رَوَاهُ الْفُقَهَاءُ فِي كُتُبِهِمْ، وَلِأَنَّ الْأَخْذَ بِالتَّرَاخِي يَضُرُّ بِالْمُشْتَرِي لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِ مِلْكِهِ عَلَى الْمَبِيعِ (فَإِنْ أَخَّرَهُ) أَيْ: أَخَّرَ الشَّفِيعُ طَلَبَ الشُّفْعَةِ (لِشِدَّةِ جُوعٍ أَوْ عَطَشٍ) بِهِ (حَتَّى يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ أَوْ) أَخَّرَهُ الْمُحْدِثُ (لِطَهَارَةٍ أَوْ) مَنْ بَابُهُ مَفْتُوحٌ لِ (إغْلَاقِ بَابٍ أَوْ لِيَخْرُجَ مِنْ حَمَّامٍ) إذَا عَلِمَ وَهُوَ دَاخِلُهَا (أَوْ) أَخَّرَ طَلَبَهَا حَاقِنٌ أَوْ حَاقِبٌ (لِيَقْضِيَ حَاجَتَهُ أَوْ) أَخَّرَهُ مُؤَذِّنٌ (لِيُؤَذِّنَ وَيُقِيمَ) الصَّلَاةَ (أَوْ) أَخَّرَهُ (لِيَشْهَدَ الصَّلَاةَ فِي جَمَاعَةٍ يَخَافُ فَوْتَهَا) بِاشْتِغَالِهِ بِطَلَبِ الشُّفْعَةِ (وَنَحْوِهِ) ، كَمَنْ انْخَرَقَ ثَوْبُهُ أَوْ سَقَطَ مِنْهُ مَالٌ فَأَخَّرَهُ إلَى أَنْ يُرَقِّعَ ثَوْبَهُ أَوْ يَلْتَمِسَ مَا سَقَطَ مِنْهُ (أَوْ) أَخَّرَهُ (مَنْ عَلِمَ لَيْلًا حَتَّى يُصْبِحَ مَعَ غَيْبَةِ مُشْتَرٍ) فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ، لِأَنَّهُ مَعَ حُضُورِهِ يُمْكِنُهُ مُطَالَبَتُهُ بِلَا اشْتِغَالٍ عَنْ أَشْغَالِهِ (أَوْ) أَخَّرَ الطَّلَبَ (لِ) فِعْلِ (صَلَاةٍ وَسُنَنِهَا وَلَوْ مَعَ حُضُورِهِ) أَيْ: الْمُشْتَرِي لَمْ يَسْقُطْ ; لِأَنَّ الْعَادَةَ تَقْدِيمُ هَذِهِ الْحَوَائِجِ وَنَحْوِهَا عَلَى غَيْرِهَا فَلَيْسَ الِاشْتِغَالُ بِهَا رِضًا بِتَرْكِ الشُّفْعَةِ، كَمَا لَوْ أَمْكَنَهُ الْإِسْرَاعُ فِي مَشْيِهِ أَوْ تَحْرِيكُ دَابَّتِهِ فَلَمْ يَفْعَلْ وَمَضَى عَلَى حَسَبِ عَادَتِهِ إلَى الْمُشْتَرِي إذْ الْفَوْرُ الْمَشْرُوطُ بِحُكْمِ الْعَادَةِ، (أَوْ) أَخَّرَ الطَّلَبَ (جَهْلًا بِأَنَّ التَّأْخِيرَ مُسْقِطٌ) لِلشُّفْعَةِ (وَمِثْلُهُ يَجْهَلُهُ) لَمْ تَسْقُطْ ; لِأَنَّ الْجَهْلَ مِمَّا يُعْذَرُ بِهِ. أَشْبَهَ مَا لَوْ تَرَكَهَا لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ تَرَكَهُمَا جَهْلًا بِاسْتِحْقَاقِهِ لَهَا أَوْ نِسْيَانًا لِلطَّلَبِ أَوْ الْبَيْعِ كَتَمْكِينِ الْمُعْتَقَةِ تَحْتَ عَبْدٍ زَوْجَهَا مِنْ وَطْئِهَا جَاهِلَةً بِمِلْكِ الْفَسْخِ أَوْ نَاسِيَةً لِلْعِتْقِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ يَجْهَلُهُ سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ (أَوْ أُشْهِدَ بِطَلَبِهِ) لِلشُّفْعَةِ (غَائِبٌ) عَنْ بَلَدِ مُشْتَرٍ (أَوْ مَحْبُوسٌ) أَوْ مَرِيضٌ (لَمْ تَسْقُطْ) شُفْعَتُهُ ; لِأَنَّ إشْهَادَهُ دَلِيلُ رَغْبَتِهِ وَأَنَّهُ لَا مَانِعَ لَهُ مِنْهُ إلَّا
следующие страницы →