← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 216

الوابل الصيب - ط دار الحديث

ابن القيم

Полный текст (148 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

(السابعة والخمسون) أن إدامته تنوب عن التطوعات وتقوم مقامها سواء كانت بدنية، أو مالية كحج التطوع، وقد جاء ذلك صريحاً في حديث أبي هريرة: «أن فقراء المهجرين أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم والمقيم، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل أموالهم يحجون بها ويعتمرون ويجاهدون. فقال: ألا أعلمكم شيئاً تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا أحد يكون أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة الحديث متفق عليه. فجعل الذكر عوضاً لهم عما فاتهم من الحج والعمرة والجهاد، وأخبر أنهم يسبقونهم بهذا الذكر، فلما سمع أهل الدثور بذلك عملوا به، فازدادوا ــ إلى صدقاتهم وعبادتهم بمالهم ــ التعبد بهذا الذكر، فحازوا الفضيلتين، فنفسهم الفقراء، وأخبروا رسول الله ﷺ بأنهم قد شاركوهم في ذلك وانفردوا لهم بما لا قدرة لهم عليه، فقال: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء» . وفي حديث عبد الله بن بسر قال: «جاء أعرابي فقال: يا رسول الله، كثرت علي خلال الإسلام وشرائعه، فأخبرني بأمر جامع يكفيني. قال: عليك بذكر الله تعالى قال: ويكفيني يا رسول الله؟ قال: نعم، ويفضل عنك» فدله الناصح ﷺ على شيء يبعثه على شرائع الإسلام والحرص عليها والاستكثار منها، فإنه إذا اتخذ ذكر الله شعاره أحبه وأحب ما يحب، فلا شيء أحب من التقرب بشرائع الإسلام، فدله ﷺ على ما يتمكن به من شرائع الإسلام وتسهل به عليه وهو ذكر الله ... يوضحه: (الثامنة والخمسون) أن ذكر الله من أكبر العون على طاعته، فإنه يحببها إلى العبد ويسهلها عليه ويلذذها له ويجعل قرة عينه فيها، ونعيمه وسروره بها بحيث لا يجد لها من الكلفة والمشقة والثقل ما يجد الغافل، والتجربة شاهدة بذلك، يوضحه: (التاسعة والخمسون) أن ذكر الله يسهل الصعب، وييسر العسير ويخفف المشاق، فما ذكر الله على صعب إلا هان، ولا على عسير إلا تيسر، ولا مشقة إلا

стр. 72

خفت، ولا شدة إلا زالت، ولا كربة إلا انفرجت، فذكر الله تعالى هو الفرج بعد الشدة، واليسر بعد العسر، والفرج بعد الغم والهم، يوضحه. (الستون) أن ذكر الله يذهب عن القلب مخاوفه كلها، وله تأثير عجيب في حصول الأمن، فليس للخائف الذي قد اشتد خوفه أنفع من ذكر الله ، إذ بحسب ذكره يجد الأمن ويزول خوفه، حتى كأن المخاوف التي يجدها أمان له، والغافل خائف مع أمنه حتى كأن ما هو فيه من الأمن كله مخاوف، ومن له أدنى حس قد جرب هذا وهذا. والله المستعان. (الحادية والستون) أن الذكر يعطي الذاكر قوة، حتى إنه ليفعل مع الذكر ما لم يظن فعله بدونه، وقد شاهدت من قوة شيخ الإسلام ابن تيمية في سننه وكلامه وإقدامه وكتابه أمراً عجيباً، فكان يكتب في اليوم من التصنيف ما يكتبه الناسخ في جمعه وأكثر، وقد شاهد العسكر من قوته في الحرب أمراً عظيماً، وقد علم النبي ﷺ ابنته فاطمة وعلياً ﵄ أن يسبحا كل ليلة إذا أخذوا مضاجعهما ثلاثاً وثلاثين ويحمدا ثلاثاً وثلاثين ويكبرا أربعاً وثلاثين لما سألته الخادم وشكت إليه ما تقاسيه من الطحن والسعي والخدمة، فعلمها ذلك وقال: إنه خير لكما من خادم فقيل أن من داوم على ذلك وجد قوة في يومه مغنيه عن خادم. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يذكر أثراً في هذا الباب ويقول: إن الملائكة لما أمروا بحمل العرش قالوا: يا ربنا كيف نحمل عرشك وعليه عظمتك وجلالك؟ فقال: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله، فلما قالوا حملوه. حتى رأيت ابن أبي الدنيا قد ذكر هذا الأثر بعينه عن الليث بن سعد عن معاوية بن صالح قال: حدثنا مشيختنا أنه بلغهم أن أول ما خلق الله حين كان عرشه على الماء ـ حملة العرش، قالوا: ربنا لم خلقتنا؟ قال: خلقتكم لحمل عرشي. قالوا: ربنا ومن يقوى على حمل عرشك وعليه عظمتك وجلالك ووقارك؟ قال: لذلك خلقتكم. فأعادوا عليه ذلك مراراً فقال لهم: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله، فحملوه. وهذه الكلمة لها تأثير عجيب في معالجة الأشغال الصعبة، وتحمل المشاق، والدخول على الملوك، ومن يخاف، وركوب الأهوال. ولها أيضاً تأثير في دفع الفقر، كما روى ابن أبي الدنيا عن الليث بن معاوية بن صالح عن أسد بن وداعة رضي الله تعالى عنه قال: «قال رسول الله ﷺ : من قال لا حول ولا قوة إلا بالله مائة مرة في كل يوم لم يصبه فقر أبداً» وكان حبيب

стр. 73

بن سلمة يستحب إذا لقي عدواً أو ناهض حصناً قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وإنه ناهض يوماً حصناً للروم فانهزم، فقالها المسلمون وكبروا فانهدم الحصن. (الثانية والستون) أن عمال الآخرة كلهم في مضمار السباق، والذاكرون هم أسبقهم في ذلك المضمار، ولكن القترة والغبار يمنع من رؤية سبقهم، فإذا انجلى الغبار وانكشف رآهم الناس وقد حازوا قصب السبق. قال الوليد بن مسلم قال محمد بن عجلان: سمعت عمرو مولى غفرة يقول: إذا انكشف الغطاء [للناس] يوم القيامة عن ثواب أعمالهم لم يروا عملاً أفضل ثواباً من الذكر، فيتحسر عند ذلك أقوام فيقولون: ما كان شيء أيسر علينا من الذكر. وقال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : سيروا، سبق المفردون قال: الذين أهتروا في ذكر الله تعالى يضع عنهم أوزارهم أهتروا بالشيء وفيه أولعوا به ولزموه وجعلوه دأبهم. وفي بعض ألفاظ الحديث المستهترون بذكر الله ومعناه الذين أولعوا به، يقال: استهتر فلان بكذا إذا ولع به. وفيه تفسير آخر أن أهتروا في ذكر الله أي كبروا وهلك أقرانهم وهم في ذكر الله تعالى، يقال أهتر الرجل فهو مهتر إذا سقط في كلامه من الكبر، والهتر السقط من الكلام، كأنه بقي في ذكر الله تعالى حتى خرف وأنكر عقله، والهتر الباطل أيضاً، ورجل مستهتر إذا كان كثير الأباطيل، وفي حديث ابن عمر: أعوذ بالله أن أكون من المستهترين، وحقيقة اللفظ أن الاستهتار الإكثار من الشيء والولوع به حقاً كان أو باطلاً، وغلب استعماله على المبطل حتى إذا قيل فلان مستهتر لا يفهم منه إلا الباطل، وإنما إذا قيد بشيء تقيد به نحو مستهتر وقد أهتر في ذكر الله تعالى أي أولع به وأغري به، ويقال: استهتر فيه وبه. وتفسير هذا في الأثر الآخر: «أكثروا ذكر الله تعالى حتى يقال مجنون» . (الثالثة والستون) أن الذكر سبب لتصديق الرب عبده، فإنه أخبر عن الله تعالى بأوصاف كماله ونعوت جلاله، فإذا أخبر بها العبد صدقه ربه، ومن صدقه الله تعالى لم يحشر مع الكاذبين، ورجي له أن يحشر مع الصادقين. وروى أبو إسحاق عن الأغر أبي مسلم أنه شهد على أبي هريرة وأبي سعيد الخدري ﵄ أنهما شهدا على رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا قال العبد: لا إله إلا الله والله أكبر، قال: يقول الله ﵎: صدق عبدي، لا إله إلا أنا وأكبر. وإذا قال: لا إله إلا الله وحده، قال: صدق عبدي، لا إله إلا أنا وحدي،

стр. 74

وإذا قال: لا إله إلا الله لا شريك له، قال: صدق عبدي، لا إله إلا أنا لا شريك لي، وإذا قال: لا إله إلا الله له الملك وله الحمد، قال: صدق عبدي، لا إله إلا أنا لي الملك ولي الحمد، وإذا قال: لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال: صدق عبدي، لا إله إلا أنا ولا حول ولا قوة إلا بي» قال أبو إسحق: ثم قال: [في] الآخر شيئاً لم أفهمه، قلت لأبي جعفر: ما قال؟ قال: «من رزقهن عند موته لم تمسه النار» . (الرابعة والستون) أن دور الجنة تبنى بالذكر، فإذا أمسك الذاكر عن الذكر أمسكت الملائكة عن البناء. ذكر ابن أبي الدنيا في كتابه عن حكيم بن محمد الأخنسي قال: بلغني أن دور الجنة تبنى بالذكر، فإذا أمسك عن الذكر أمسكوا عن البناء، فيقال لهم: فيقولون: حتى تأتينا نفقة. وذكر ابن أبي الدنيا من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «من قال: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم - سبع مرات - بني له برج في الجنة» وكما أن بناءها بالذكر فغراس بساتينها بالذكر كما تقدم في حديث النبي ﷺ عن إبراهيم الخليل ﵇ «أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وإنها قيعان، وإن غرسها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، فالذكر غراسها وبناؤها» ، وذكر ابن أبي الدنيا من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «أكثروا من غراس الجنة قالوا: يا رسول الله، وما غراسها؟ قال: ما شاء الله، لا حول ولا قوة إلا بالله» . (الخامسة والستون) إن الذكر سد بين العبد وبين جهنم، فإذا كانت له إلى جهنم طريق من عمل من الأعمال كان الذكر سداً في تلك الطريق، فإذا كان ذكراً دائماً كاملاً كان سداً محكماً لا منفذ فيه، وإلا فبحسبه. قال عبد العزيز بن أبي رواد: كان رجل بالبادية قد اتخذ مسجداً فجعل في قلبه سبعة أحجار، كان إذا قضى صلاته قال: يا أحجار أشهدكم أنه لا إله إلا الله. قال: فمرض الرجل، فعرج بروحه، قال: فرأيت في منامي أنه أمر بي إلى النار، قال: فرأيت حجراً من تلك الأحجار أعرفه قد عظم فسد عني باباً من أبواب جهنم، ثم أتى ‘لى الباب الآخر

стр. 75

وإذا حجر من تلك الحجار أعرفه قد عظم فسد عني باباً من أبواب جهنم، حتى سدت عني بقية الأحجار أبواب جهنم. (السادسة والستون) إن الملائكة تستغفر للذاكر كما تستغفر للتائب، كما روى حسين المعلم عن عبد الله بن بريدة عن عامر الشعبي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: أجد في كتاب الله المنزل أن العبد إذا قال: الحمد لله قالت الملائكة رب العالمين وإذا قال: الحمد لله رب العالمين قالت الملائكة: اللهم اغفر لعبدك، وإذا قال: سبحان الله قالت الملائكة: اللهم اغفر لعبدك، وإذا قال: لا إله إلا الله قالت الملائكة: اللهم اغفر لعبدك. (السابعة والستون) إن الجبال والقفار تتباهى وتستبشر بمن يذكر الله عليها. قال ابن مسعود: إن الجبل لينادي الجبل باسمه: أمر بك اليوم أحد يذكر الله ؟ فإذا قال: نعم، استبشر. وقال عون بن عبد الله: إن البقاع لينادي بعضها بعضاً: يا جارتاه أمر بك اليوم أحد يذكر الله؟ فقائلة: نعم، وقائلة: لا، فقال الأعمش عن مجاهد: إن الجبل لينادي الجبل باسمه: يا فلان، هل مر بك اليوم ذاكر لله ؟ فمن قائل: لا، ومن قائل: نعم. (الثامنة والستون) إن كثرة ذكر الله أمان من النفاق، فإن المنافقين قليلو الذكر لله ، قال الله في المنافقين: ﴿ولا يذكرون الله إلا قليلاً﴾ وقال كعب: من أكثر ذكر الله برئ من النفاق ولهذا - والله أعلم - ختم الله تعالى سورة المنافقين بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون﴾ . فإن في ذلك تحذيراً من فتنة المنافقين الذين غفلوا عن ذكر الله فوقعوا في النفاق. وسئل بعض الصحابة رضي الله

стр. 76

عنهم عن الخوارج: منافقون هم؟ قال: لا، المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلاً. فهذا من علامة النفاق قلة ذكر الله ، وكثرة ذكره أمان من النفاق، والله أكرم من أن يبتلي قلباً ذاكراً بالنفاق، وإنما ذلك لقلوب غفلت عن ذكر الله . (التاسعة والستون) إن للذكر من بين الأعمال لذة لا يشبهها شيء، فلو لم يكن للعبد من ثوابه إلا اللذة الحاصلة للذاكر والنعيم الذي يحصل لقلبه لكفى به، ولهذا سميت مجالس الذكر رياض الجنة، قال مالك بن دينار: وما تلذذ المتلذذون بمثل ذكر الله ، فليس شيء من الأعمال أخف مؤنة منه ولا أعظم لذة ولا أكثر فرحة وابتهاجاً للقلب. (السبعون) إنه يكسو الوجه نضرة في الدنيا ونوراً في الآخرة، فالذاكرون أنضر الناس وجوهاً في الدنيا وأنورهم في الآخرة، ومن المراسيل عن النبي ﷺ قال: «من قال كل يوم مائة مرة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، أتى الله تعالى يوم القيامة ووجهه أشد بياضاً من القمر ليلة البدر» (الحادية والسبعون) إن في دوام الذكر في الطريق والبيت والحضر والسفر والبقاع تكثيراً لشهود العبد يوم القيامة، فإن البقعة والدار والجبل والأرض تشهد للذاكر يوم القيامة، قال تعالى: ﴿إذا زلزلت الأرض زلزالها * وأخرجت الأرض أثقالها * وقال الإنسان ما لها * يومئذ تحدث أخبارها * بأن ربك أوحى لها﴾ فروى الترمذي في جامعه من حديث سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: «قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿يومئذ تحدث أخبارها﴾ فقال: أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها، تقول: عمل يوم كذا كذا وكذا» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. والذاكر لله في سائر البقاع مكثر شهوده، ولعلهم أو أكثرهم أن يقبلوه يوم القيامة، يوم قيام الأشهاد وأداء الشهادات فيفرح ويغتبط بشهادتهم.

стр. 77

(الثانية والسبعون) إن في الاشتغال بالذكر اشتغالاً عن الكلام الباطل من الغيبة واللغو ومدح الناس وذمهم وغير ذلك، فإن الإنسان لا يسكت البتة: فإما لسان ذاكر، وإما لسان لاغ، ولا بد من أحدهما، فهي النفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل، وهو القلب إن لم تسكنه محبة الله سكنه محبة المخلوقين ولا بد، وهو اللسان إن لم تشغله بالذكر شغلك باللغو وما هو عليك ولا بد، فاختر لنفسك إحدى الخطتين، وأنزلهها في إحدى المنزلتين. (الثالثة والسبعون) وهي التي بدأنا بذكرها وأشرنا إليها فنذكرها ههنا مبسوطة لعظيم الفائدة بها، وحاجة كل أحد بل ضرورته إليها، وهي أن الشياطين قد احتوشت العبد وهم أعداؤه فما ظنك برجل قد احتوشه أعداؤه المحنقون عليه غيظاً وأحاطوا به، وكل منهم يناله بما يقدر عليه من الشر والأذى، ولا سبيل إلى تفريق جمعهم عنه إلا بذكر الله . وفي هذا الحديث العظيم الشريف القدر الذي ينبغي لكل مسلم أن يحفظه، فنذكره بطوله لعموم فائدته وحاجة الخلق إليه، وهو حديث سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن بن سمرة بن جندب قال: خرج علينا رسول الله ﷺ يوماً وكنا في صفه بالمدينة، فقام علينا فقال: «إني رأيت البارحة عجباً: رأيت رجلاً من أمتي أتاه ملك الموت ليقبض روحه، فجاءه بره والديه فرد ملك الموت عنه، ورأيت رجلاً من أمتي قد بسط عليه عذاب القبر، فجاءه وضوؤه فاستنقذه من ذلك، ورأيت رجلاً من أمتي قد احتوشته الشياطين فجاءه ذكر الله فطرد الشيطان عنه، ورأيت رجلاً من أمتي قد احتوشته ملائكة العذاب فجاءته صلاته فاستنقذته من أيديهم، ورأيت رجلاً من أمتي يلهب ــ وفي رواية يلهث ــ عطشاً، كلما دنا من حوض منع وطرد، فجاءه صيام شهر رمضان فأسقاه وأرواه ورأيت رجلاً من أمتي ورأيت النبيين جلوساً حلقاً حلقاً كلما دنا إلى حلقة طرد، فجاءه غسله من الجنابة فأخذ بيده فأقعده إلى جنبي، ورأيت رجلاً من أمتي بين يديه ظلمة ومن خلفه ظلمة وعن يمينه ظلمة وعن يساره ظلمة ومن فوقه ظلمة ومن تحته ظلمة وهو متحير فيها، فجاءه حجه وعمرته فاستخرجاه من الظلمة وأدخلاه في النور. ورأيت رجلاً من أمتي يتقي بيده وهج النار وشرره، فجاءته صدقته فصارت سترة بينه وبين النار وظللت على رأسه. ورأيت رجلاً من أمتي يكلم المؤمنين ولا يكلمونه فجاءته صلته لرحمه فقالت: يا معشر المسلمين، إنه كان وصولاً لرحمه فكلموه، فكلمه المؤمنون وصافحوه وصافحهم. ورأيت رجلاً من أمتي قد احتوشته الزبانية، فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فاستنقذه من أيديهم

стр. 78

وأدخله في ملائكة الرحمة. ورأيت رجلاً من أمتي جاثياً على ركبتيه وبينه وبين الله حجاب، فجاءه حسن خلقه فأخذ بيده فأدخله على الله ، ورأيت رجلاً من أمتي قد ذهبت صحيفته من قبل شماله، فجاءه خوفه من الله فأخذ صحيفته فوضعها في يمينه. ورأيت رجلاً من أمتي خف ميزانه فجاءه أفراطه. ورأيت رجلاً من أمتي قائماً على شفير جهنم فجاءه رجاؤه في الله فاستنقذه من ذلك ومضى. ورأيت رجلاً من أمتي قد أهوى في النار، فجاءته دمعته التي بكى من خشية الله فاستنقذته من ذلك. ورأيت رجلاً من أمتي قائماً على الصراط يرعد كما ترعد السعفة في ريح عاصف، فجاءه حسن ظنه بالله فسكن رعدته ومضى، ورأيت رجلاً من أمتي يزحف على الصراط ويحبو أحياناً، فجاءته صلاته علي فأقامته على قدميه وأنقذته. ورأيت رجلاً من أمتي انتهى إلى أبواب الجنة فغلقت الأبواب دونه، فجاءته شهادة أن لا إله إلا الله ففتحت له الأبواب وأدخلته الجنة» . رواه الحافظ أبو موسى المديني في كتاب الترغيب في الخصال المنجية، والترهيب من الخلال المردية وبنى كتابه عليه وجعله شرحاً له، وقال: هذا حديث حسن جداً رواه عن سعيد بن المسيب عمرو بن آزر وعلي بن زيد بن جدعان وهلال أبو جبلة. وكان شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يعظم شأن هذا الحديث، وبلغني عنه أنه كان يقول: شواهد الصحة عليه، والمقصود منه قوله ﷺ «ورأيت رجلاً من أمتي احتوشته الشياطين، ذكر الله فطرد الشيطان عنه» فهذا مطابق لحديث الحارث الأشعري الذي شرحناه في هذه الرسالة وقوله فيه: «وأمركم بذكر الله وإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو فانطلقوا في طلبه سراعاً وانطلق حتى أتى حصناً حصيناً فأحرز نفسه فيه» فكذلك الشيطان لا يحرز العباد أنفسهم منه إلا بذكر الله . وفي الترمذي عن أنس بن مالك: قال رسول الله ﷺ : «من قال ـ يعني إذا خرج من بيته ـ بسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله. يقال له: كفيت وهديت ووقيت، وتنحى عنه الشيطان، فيقول لشيطان آخر: كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي» ؟ رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال: حديث حسن. وقد تقدم قوله ﷺ «من قال في يوم مائة مرة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، كانت له حرزاً من الشيطان حتى يمسي» وذكر سفيان عن أبي الزبير عن عبد الله بن ضمرة عن كعب قال: إذا خرج الرجل من بيته

стр. 79

فقال بسم الله قال هديت، وإذا قال توكلت على الله قال الملك كفيت، وإذا قال لا حول ولا قوة إلا بالله قال الملك حفظت. فيقول الشياطين بعضهم لبعض: ارجعوا ليس لكم عليه سبيل، كبف لكم بمن كفي وهدي وحفظ؟ وقال أبو خلاد المصري: من دخل في الإسلام دخل في حصن، ومن دخل المسجد فقد دخل في حصنين، ومن جلس في حلقة يذكر الله فيها فقد دخل في بيته حصوناً، وقد روى الحافظ أبو موسى في كتابه من حديث أبي عمران الجوني عن أنس عن النبي ﷺ قال: «إذا وضع العبد جنبه على فراشه فقال: بسم الله وقرأ فاتحة الكتاب أمن من شر الجن والإنس ومن كل شيء» . وفي صحيح البخاري عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: ولاني رسول الله ﷺ زكاة رمضان أن أحتفظ بها، فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام، فأخذته، فقال: دعني فأني لا أعود، فذكر الحديث وقال: فقال له في الثالثة: أعلمك كلمات ينفعك الله بهن، إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها إلى آخرها فإنه لا يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فخلى سبيله، فأصبح فأخبر النبي ﷺ بقوله فقال: «صدقك وهو كذوب» وذكر الحافظ أبو موسى من حديث أبي الزبير عن جابر قال: «قال رسول الله ﷺ : إذا أوى الإنسان إلى فراشه ابتدره ملك وشيطان فيقول الملك اختم بخير، ويقول الشيطان وبات يكلؤه، فإذا استيقظ ابتدره ملك وشيطان، فيقول الملك: افتح بخير، ويقول الشيطان: افتح بشر، فإن قال: الحمد لله الذي أحيا نفسي بعد موتها ولم يمتها في منامها، الحمد لله الذي يمسك عليها الأخرى إلى أجل مسمى، الحمد لله الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده، الحمد لله الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، طرد الملك الشيطان وظل يكلؤه» . وفي الصحيحين من حديث سالم بن أبي الجعد عن كريب عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ «أما إن أحدكم إذا أتى أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان

стр. 80

ما رزقتنا، فيولد بينهما ولد، لا يضره الشيطان أبداً» وذكر الحافظ أبو موسى عن الحسن بن علي قال: أنا ضامن لمن قرأ هذه العشرين الآية أن يعصمه الله تعالى من كل شيطان ظالم، ومن كل شيطان مريد، ومن كل سبع ضار، ومن كل لص عاد: آية الكرسي وثلاث آيات من الأعراف ﴿إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض﴾ وعشراً من الصافات وثلاث آيات من الرحمن ﴿يا معشر الجن والإنس﴾ وخاتمة سورة الحشر ﴿لو أنزلنا هذا﴾ ، وقال محمد بن أبان: بينما رجل يصلي في المسجد إذا هو بشيء إلى جنبه فجفل منه فقال: ليس عليك مني بأس إنما جئتك في الله تعالى، ائت عروة فسله: ما الذي يتعوذه؟ يعني من إبليس الأباليس. قال: قل آمنت بالله العظيم وحده، وكفرت بالجبت والطاغوت، واعتصمت بالعروة الوثقى لا انفصام لها، والله سميع عليم. حسبي الله وكفى، سمع الله لمن دعا، ليس وراء الله منتهى. وقال بشر بن منصور عن وهيب ابن الورد قال: خرج رجل إلى الجبانة بعد ساعة من الليل، قال: فسمعت حساً ـ أو صوتاً ـ شديداً، وجيء بسرير حتى وضع، وجاء شيء حتى جلس عليه. قال: واجتمعت إليه جنوده، ثم صرخ فقال: من لي بعروة بن الزبير؟ فلم يجبه أحد حتى تتابع ما شاء الله من الأصوات، فقال واحد: انا أكفيكه، قال: فتوجه نحو المدينة وأنا ناظر، ثم أوشك الرجعة فقال: لا سبيل إلى عروة، وقال: ويلكم وجدته يقول كلمات إذا أصبح وإذا أمسى فلا نخلص إليه معهن. قال الرجل: فلما أصبحت قلت لأهلي جهزوني، فأتيت المدينة فسألت عنه حتى دللت عليه، فإذا بشيخ كبير، فقلت: شيئاً تقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت؟ فأبى أن يخبرني، فأخبرته بما رأيت وما سمعت، فقال: ما أدري، غير أني أقول إذا أصبحت: آمنت بالله العظيم وكفرت بالجبت والطاغوت واستمسكت بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها والله سميع عليم. وإذا أصبحت قلت ثلاث مرات، وإذا أمسيت قلت ثلاث مرات. وذكر أبو موسى عن مسلم البطين قال: قال جبريل للنبي ﷺ : إن عفريتاً من الجن يكيدك، فإذا أويت إلى فراشك فقل: أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من شر ما ينزل من السماء وما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ من الأرض وما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر طوارق الليل والنهار إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن.

стр. 81

وقد ثبت في الصحيح أن الشيطان يهرب من الأذان، قال سهل بن أبي صالح: أرسلني أبي إلى بني حارثة ومعي غلام ـ أو صاحب ـ لنا فنادى مناد من حائط باسمه، فأشرف الذي معي على الحائط فلم ير شيئاً، فذكرت ذلك لأبي فقال: لو شعرت أنك تلقى هذا لم أرسلك، ولكن إذا سمعت صوتاً فناد بالصلاة، فإني سمعت أبا هريرة يحدث عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الشيطان إذا نودي بالصلاة ولى وله حصاص» وفي رواية «إذا سمع النداء ولى وله ضراط، حتى لا يسمع التأذين» الحديث. وذكر الحافظ أبو موسى من حديث أبي بكر الصديق قال: قال رسول الله ﷺ «استكثروا من لا إله إلا الله والاستغفار، فإن الشيطان قال: قد أهلكتهم بالذنوب وأهلكوني بقول لا إله إلا الله والاستغفار، فلما رأيت ذلك منهم أهلكتهم بالأهواء حتى يحسبون مهتدون فلا يستغفرون» وذكر أيضاً عن إبراهيم بن الحكم عن أبيه عن عكرمة قال: بينا رجل مسافر إذ مر برجل نائم ورأى عنده شياطين، فسمع المسافر أحد الشياطين يقول لصاحبه: اذهب فأفسد على هذا النائم قلبه، فلما دنا منه رجع إلى صاحبه فقال: لقد نام على آية ما لنا إليه سبيل، فذهب إلى النائم فلما دنا منه رجع قال: صدقت. فذهب. ثم إن المسافر أيقظه وأخبره بما رأى من الشياطين فقال: أخبرني على أي آية نمت، قال: على هذه الآية ﴿إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين﴾ . وقال أبو النضر هاشم بن القاسم: كنت أرى في داري ... فقيل: يا أبا النضر تحول عن جوارنا. قال: فاشتد ذلك علي، فكتبت إلى الكوفة إلى ابن إدريس والمحاربي وأبي أسامة، فكتب إلي المحاربي: إن بئراً بالمدينة كان يقطع رشاؤها، فنزل بهم ركب، فشكوا ذلك إليهم، فدعوا بدلو من ماء ثم تكلموا بهذا الكلام فصبوه في البئر فخرجت نار من البئر فطفئت على رأس البئر. قال أبو النضر: فأخذت توراً من ماء، ثم تكلمت فيه بهذا الكلام، ثم تتبعت به زوايا الدار فرششته، فصاحوا بي: أحرقتنا، نحن نتحول عنك وهو: بسم الله، أمسينا بالله الذي ليس منه شيء ممتنع، وبعزة الله التي لا ترام ولا تضام، وبسلطان الله المنيع نحتجب، وبأسمائه الحسنى كلها عائذ من الأبالسة، ومن شر شياطين الإنس والجن، ومن شر

стр. 82

معلن أو مسر، ومن شر ما يخرج بالليل ويكمن بالنهار، ويكمن بالليل ويخرج بالنهار، ومن شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر إبليس وجنوده، ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم. أعوذ بالله بما استعاذ به موسى وعيسى وإبراهيم الذي وفى، من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر إبليس وجنوده، ومن شر ما يبغي. أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ﴿والصافات صفا * فالزاجرات زجرا * فالتاليات ذكرا * إن إلهكم لواحد * رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق * إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب * وحفظا من كل شيطان مارد * لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل جانب * دحورا ولهم عذاب واصب * إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب﴾ فهذا بعض ما يتعلق بقوله ﷺ لذلك العبد «يحرز نفسه من الشيطان بذكر الله تعالى» . ولنذكر فصولاً نافعة تتعلق بالذكر تكميلاً للفائدة: الفصل الأول: الذكر نوعان: أحدهما ذكر أسماء الرب ﵎ وصفاته والثناء عليه بهما وتنزيهه وتقديسه عما لا يليق به ﵎. وهذا أيضاً نوعان: (أحدهما) إنشاء الثناء عليه بها من الذاكر، وهذا النوع هو المذكور في الأحاديث، نحو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، وسبحان الله وبحمده، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ونحو ذلك. فأفضل هذا النوع أجمعه للثناء وأعمه نحو سبحان الله عدد خلقه، فهذا أفضل من مجرد سبحان الله، وقولك الحمد لله عدد ما خلق في السماء وعدد ما خلق في الأرض وعدد ما بينهما وعدد ما هو خالق، أفضل من مجرد قولك الحمد لله. وهذا في حديث جويرية أن النبي ﷺ قال لها: «لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله مداد كلماته» رواه مسلم. وفي الترمذي وينن أبي داود عن سعد بن أبي وقاص أنه دخل مع رسول الله على امرأة بين يديها نوى أو حصى تسبح بها فقال: «سبحان الله عدد ما خلق في السماء، وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض، وسبحان الله عدد ما بين ذلك، وسبحان الله عدد ما هو خالق، والله أكبر

стр. 83

مثل ذلك، ولا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك» (الثاني) الخبر عن الرب تعالى بأحكام أسمائه وصفاته، نحو قولك: الله يسمع أصوات عباده ويرى حركاتهم، ولا تخفى عليه خافية من أعمالهم، وهو أرحم بهم من آبائهم وأمهاتهم، وهو على كل شيء قدير، وهو أفرح بتوبة عبده من الفاقد راحلته ونحو ذلك. وأفضل هذا النوع الثناء عليه بما أثنى به على نفسه وبما أثنى به رسول الله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تشبيه ولا تمثيل وهذا النوع أيضاً ثلاثة أنواع: حمد، وثناء، ومجد، فالحمد لله الإخبار عنه بصفات كماله مع محبته والرضاء به، فلا يكون المحب الساكت حامداً ولا المثني بلا محبة حامداً حتى تجتمع له المحبة والثناء، فإن كرر المحامد شيئاً بعد الشيء كانت ثناء، فإن كان المدح بصفات الجلال والعظمة والكبرياء والملك كان مجداً، وقد جمع الله تعالى لعبده الأنواع الثلاثة في أول الفاتحة، فإذا قال العبد: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرحمن الرحيم﴾ قال: أثنى علي عبدي، وإذا قال: ﴿مالك يوم الدين﴾ قال: مجدني عبدي. (النوع الثاني) من الذكر ذكر أمره ونهيه وأحكامه، وهو أيضاً نوعان: (أحدهما) ذكره بذلك إخباراً عنه أمر بكذا ونهى عنه كذا وأحب كذا وسخط كذا ورضي كذا. (والثاني) ذكره عند أمره فيبادر إليه، وعند نهيه فيهرب منه، فذكر أمره ونهيه شيء، وذكره عند أمره ونهيه شيء آخر، فإذا اجتمعت هذه الأنواع للذاكر فذكره أفضل الذكر وأجله وأعظمه. (فائدة) فهذا الذكر من الفقه الأكبر وما دونه أفضل الذكر إذا صحت فيه النية. ومن ذكره ذكر آلائه وإنعامه وإحسانه وأياديه ومواقع فضله على عبيده، وهذا أيضاً من أجل أنواع الذكر. فهذه خمسة أنواع وهي تكون بالقلب واللسان تارة، وذلك أفضل الذكر. وبالقلب وحده تارة، وهي الدرجة الثانية، وباللسان وحده تارة، وهي الدرجة الثالثة. فأفضل الذكر ما تواطأ عليه القلب واللسان،

стр. 84

وإنما كان ذكر القلب وحده أفضل من ذكر اللسان وحده لأن ذكر القلب يثمر المعرفة ويهيج المحبة ويثير الحياء ويبعث على المخافة ويدعو إلى المراقبة ويزع عن التقصير في الطاعات والتهاون في المعاصي والسيئات، وذكر اللسان وحده لا يوجب شيئاً منها فثمرته ضعيفة. الفصل الثاني الذكر أفضل من الدعاء (الفصل الثاني) الذكر أفضل من الدعاء. الذكر ثناء على الله بجميل أوصافه وآلائه وأسمائه، والدعاء سؤال العبد حاجته. فأين هذا من هذا؟ ولهذا جاء في الحديث «من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» ولهذا كان المستحب في الدعاء أن يبدأ الداعي بحمد الله والثناء عليه بين يدي حاجته، ثم يسأل حاجته. كما في حديث فضالة بن عبيد «أن رسول الله ﷺ سمع رجلاً يدعو في صلاته لم يحمد الله تعالى ولم يصل على النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ عجل هذا ثم دعاه فقال له أو لغيره: إذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد ربه والثناء عليه، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ثم يدعو بعد بما بشاء» رواه الإمام أحمد والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. ورواه الحاكم في صحيحه. وهكذا دعاء ذي النون ﵇ قال فيه النبي ﷺ «دعوة أخي ذي النون ما دعا بها مكروب إلا فرج الله كربته: ﴿لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾ » وفي الترمذي «دعوة أخي ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت ﴿لا إله إلا أنت سبحانك، إني كنت من الظالمين﴾ فإنه لم يدع بها مسلم قط إلا استجاب له» . وهكذا عامة الأدعية النبوية على قائلها أفضل الصلاة والسلام، ومنه قوله ﷺ في دعاء الكرب «لا إله إلا الله الحليم العظيم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم» ومنه حديث بريدة الأسلمي الذي رواه أهل السنن وابن حبان في صحيحه أن رسول الله ﷺ سمع رجلاً يدعو وهو يقول: «اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد فقال: والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا

стр. 85

دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى» وروى أبو داود والنسائي من حديث أنس «أنه كان مع النبي ﷺ جالساً ورجل يصلي ثم دعا: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، ولا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم. فقال النبي ﷺ : لقد دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى» فأخبر النبي ﷺ أن الدعاء يستجاب إذا تقدمه هذا الثناء والذكر، وأنه اسم الله الأعظم فكان ذكر الله والثناء عليه أنجح ما طلب به العبد حوائجه. وهذه فائدة أخرى من فوائد الذكر والثناء، أنه يجعل الدعاء مستجاباً. فالدعاء الذي تقدمه الذكر والثناء أفضل وأقرب إلى الإجابة من الدعاء المجرد، فإن انضاف إلى ذلك إخبار العبد بحاله ومسكنته وافتقاره واعترافه كان أبلغ في الإجابة وأفضل، فإنه يكون قد توسل المدعو بصفات كماله وإحسانه وفضله، وعرض بل صرح بشدة حاجته وضرورته وفقره ومسكنته، فهذا المقتضى منه، وأوصاف المسئول مقتضى من الله، فاجتمع المقتضي من السائل والمقتضى من المسؤول في الدعاء، وكان أبلغ وألطف موقعاً وأتم معرفة وعبودية. وأنت ترى في المشاهد ـ ولله المثل الأعلى ـ أن الرجل إذا توسل إلى ما يريد معروفة بكرمه وجوده وبره وذكر حاجته هو وفقره ومسكنته كان أعطف لقلب المسؤول وأقرب لقضاء حاجته. فإذا قال له: أنت جودك قد سارت به الركبان، وفضلك كالشمس لا تنكر ونحو ذلك، وقد بلغت بي الحاجة والضرورة مبلغاً لا صبر معه ونحو ذلك، كان أبلغ في قضاء حاجته من أن يقول ابتداء أعطني كذا وكذا. فإذا عرفت هذا فتأمل قول موسى ﷺ في دعائه ﴿رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير﴾ وقول ذي النون في دعائه ﴿لا إله إلا أنت سبحانك، إني كنت من الظالمين﴾ وقول أبينا آدم ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين﴾ وفي الصحيحين أن أبا بكر الصديق قال: يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي، فقال: «قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، وإنه لا يغفر

стр. 86

الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم» فجمع في هذا الدعاء الشريف العظيم القدر بين الاعتراف بحاله والتوسل إلى ربه بفضله وجوده وأنه المنفرد بغفران الذنوب، ثم سأل حاجته بعد التوسل بالأمرين معاً. فهكذا أدب الدعاء وآداب العبودية. الفصل الثالث في قراءة القرآن أفضل من الذكر، والذكر أفضل من الدعاء . هذا من حيث النظر لكل منهما مجرداً، وقد يعرض للمفضول ما يجعله أولى من الفاضل، بل يعينه فلا يجوز أن يعدل عنه إلى الفاضل، وهذا كالتسبيح في الركوع والسجود فإنه أفضل من قراءة القرآن فيهما، بل القراءة فيهما منهي عنها نهي تحريم أو كراهة، وكذلك التسميع والتحميد في محلهما أفضل من القراءة، وكذلك التشهد، وكذلك «رب اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني» بين السجدتين أفضل من القراءة، وكذلك الذكر عقيب السلام من الصلاة ـ ذكر التهليل والتسبيح والتكبير والتحميد ـ أفضل من الاشتغال عنه بالقراءة، وكذلك إجابة المؤذن والقول كما يقول أفضل من القراءة. وإن كان فضل القرآن على كل كلام كفضل الله تعالى على خلقه، لكن لكل مقام مقال، متى فات مقاله فيه وعدل عنه إلى غيره اختلت الحكمة وفقدت المصلحة المطلوبة منه. وهكذا الأذكار المفيدة بمحال مخصوصة أفضل من القراءة المطلقة، والقراءة المطلقة أفضل من الأذكار المطلقة، اللهم إلا أن يعرض للعبد ما يجعل الذكر أو الدعاء أنفع له من قراءة القرآن. مثاله أن يتفكر في ذنوبه فيحدث ذلك له توبة من استغفار أو يعرض له ما يخاف أذاه من شياطين الإنس والجن فيعدل إلى الأذكار والدعوات التي تحصنه وتحفظه. وكذلك أيضاً قد يعرض للعبد حاجة ضرورية إذا اشتغل عن سؤالها أو ذكر لم يحضر قلبه فيهما، وإذا أقبل على سؤالها والدعاء إليها اجتمع قلبه كله على الله تعالى وأحدث له

стр. 87

تضرعاً وخشوعاً وابتهالاً، فهذا يكون اشتغاله بالدعاء والحالة هذه أنفع، وإن كان كل من القراءة والذكر أفضل وأعظم أجراً. وهذا باب نافع يحتاج إلى فقه نفس، وفرقان بين فضيلة الشيء في نفسه وبين فضيلته العارضة، فيعطي كل ذي حق حقه، ويوضع كل شيء موضعه: فللعين موضع وللرجل موضع، وللماء موضع وللحم موضع. وحفظ المراتب هو من تمام الحكمة التي هي نظام الأمر والنهي. والله تعالى الموفق. وهكذا الصابون والأشنان أنفع للثوب في وقت والتجمير وماء الورد وكيه أنفع له في وقت. وقلت لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يوماً: سئل بعض أهل العلم أيهما أنفع للعبد التسبيح أو الاستغفار؟ فقال: إذا كان الثوب نقياً فالبخور وماء الورد أنفع له، وإذا كان دنساً فالصابون والماء الحار أنفع له. فقال لي رحمه الله تعالى: فكيف والثياب لا تزال دنسة؟ ومن هذا الباب أن سورة ﴿قل هو الله أحد﴾ تعدل ثلث القرآن ومع هذا فلا تقوم مقام آيات المواريث والطلاق والخلع والعدد ونحوها، بل هذه الآيات في وقتها وعند الحاجة إليها أنفع من تلاوة سورة الإخلاص. ولما كانت الصلاة مشتملة على القراءة والذكر والدعاء، وهي جامعة لأجزاء العبودية على أتم الوجوه، كانت أفضل من كل من القراءة والذكر والدعاء بمفرده، لجمعها ذلك كله مع عبودية سائر الأعضاء. فهذا أصل نافع جداً يفتح للعبد باب معرفة مراتب الأعمال وتنزيلها منازلها، لئلا يشتغل بمفضولها عن فاضلها فيربح إبليس الفضل الذي بينهما، أو ينظر إلى فاضلها فيشتغل به عن مفضولها إن كان ذلك وقته، فتفوته مصلحته بالكلية، لظنه أن اشتغاله بالفاضل أكثر ثواباً وأعظم أجراً. وهذا يحتاج إلى معرفة بمراتب الأعمال وتفاوتها ومقاصدها، وفقه في إعطاء كل عمل منها حقه، وتنزله في مرتبته، وتفويته لما هو أهم منه، أو تفويت ما هو أولى منه وأفضل لإمكان تداركه والعود إليه، وهذا المفضول إن فات لا يمكن تداركه فالاشتغال به أولى ـ وهذا كترك القراءة لرد السلام وتشميت العاطس ــ وإن كان القرآن أفضل، لأنه يمكنه الاشتغال بهذا المفضول والعود إلى الفاضل، بخلاف ما إذا اشتغل بالقراءة فاتته مصلحة رد السلام وتشميت العاطس، وهكذا سائر الأعمال إذا تزاحمت. والله تعالى الموفق.

стр. 88

الفصل الأول في ذكر طرفي النهار وهما ما بين الصبح وطلوع الشمس، وما بين العصر والغروب. قال ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا * وسبحوه بكرة وأصيلا﴾ والأصيل: قال الجوهري هو الوقت بعد العصر إلى المغرب، وجمعه أصل وآصال وأصائل كأنه أصيلة قال الشاعر: لعمري لأنت أكرم أهله وأقعد في أفيائه بالأصائل ويجمع أيضاً على أصلان، مثل بعير وبعران، ثم صغروا الجمع فقالو أصيلان، ثم أبدلوا من النون لاماً فقالوا أصيلال، قال الشاعر: وقفت فيها أصيلالاً أسائلها أعيت جواباً وما بالربع من أحد وقال تعالى: ﴿وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار﴾ فالإبكار أول النهار والعشي آخره، وقال تعالى: ﴿وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب﴾ وهذا تفسير ما جاء في الأحاديث: من قال كذا وكذا حين يصبح وحين يمسي، أن المراد به قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، وأن محل هذه الأذكار بعد الصبح وبعد العصر. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به، إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد عليه» وفي صحيحه أيضاً عن ابن

стр. 89

مسعود قال: كان نبي الله ﷺ إذا أمسى قال: «أمسينا وأمسى الملك لله والحمد لله، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. رب أسألك خير ما في هذه الليلة وخير ما بعدها، وأعوذ بك من شر هذه الليلة وشر ما بعدها، رب أعوذ بك من الكسل وسوء الكبر، رب أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر» وإذا أصبح قال ذلك أيضاً: «أصبحنا وأصبح الملك لله» وفي السنن عن عبد الله بن حبيب قال: «قال رسول الله ﷺ قل قلت: يا رسول الله، ما أقول؟ قال: ﴿قل هو الله أحد﴾ والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاث مرات تكفيك من كل شيء» قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وفي الترمذي أيضاً عن أبي هريرة أن النبي ﷺ كان يعلم أصحابه يقول: «إذا أصبح أحدكم فليقل: اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا وبك نحيا وبك نموت وإليك النشور، وإذا أمسى فليقل: اللهم بك أمسينا وبك أصبحنا وبك نحيا وبك نموت وإليك المصير» قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وفي صحيح البخاري عن شداد بن أوس عن النبي ﷺ قال: «سيد الاستغفار: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. من قالها حين يمسي فمات من ليلته دخل الجنة، ومن قالها حين يصبح فمات من يومه دخل الجنة» . وفي الترمذي عن أبي هريرة «عن أبي بكر الصديق قال لرسول الله ﷺ : مرني بشيء أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت. قال: قل: اللهم عالم الغيب والشهادة فاطر السموات والأرض رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه، وأن نقترف سوءاً على أنفسنا أو نجره إلى مسلم. قله إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك» قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وفي الترمذي أيضاً عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم - ثلاث مرات - فيضره شيء» قال الترمذي: حديث

стр. 90

حسن صحيح. وفيه أيضاً عن ثوبان وغيره أن رسول الله ﷺ قال: «من قال حين يمسي وإذا أصبح: رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ نبياً، كان حقاً على الله أن يرضيه» وقال: حديث حسن صحيح. وفي الترمذي أيضاً عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «من قال حين يصبح أو يمسي: اللهم إني أصبحت أشهدك وأشهد حملة عرشك وملائكتك وجميع خلقك أنك أنت الله لا إله إلا أنت، وأن محمداً عبدك ورسولك. أعتق الله ربعه من النار، ومن قالها مرتين أعتق الله نصفه من النار، ومن قالها ثلاثاً أعتق الله ثلاثة أرباعه من النار، ومن قالها أربعاً أعتقه الله من النار» . وفي سنن أبي داود عن عبد الله بن غنام أن رسول الله ﷺ قال: «من قال حين يصبح: اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، لك الحمد ولك الشكر. فقد أدى شكر يومه. ومن قال مثل ذلك حين يمسي فقد أدى شكر ليلته» . وفي السنن وصحيح الحاكم عن عبد الله بن عمر قال: لم يكن النبي ﷺ يدع هؤلاء الكلمات حين يمسي وحين يصبح: «اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي» قال وكيع: يعني الخسف وعن طلق بن حبيب قال: جاء رجل إلى أبي الدرداء فقال: يا أبا الدرداء، قد احترق بيتك. فقال: ما احترق، لم يكن الله ليفعل ذلك، لكلمات سمعتهن من رسول الله ﷺ من قالها أول النهار لم تصبه مصيبة حتى يمسي، ومن قالها آخر النهار لم تصبه مصيبة حتى يصبح: «اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، عليك توكلت، وأنت رب العرش العظيم. ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اعلم أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط

стр. 91

بكل شيء علماً، اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي ومن شر كل دابة ربي آخذ بناصيتها، إن ربي على صراط مستقيم» . الفصل الثاني في أذكار النوم وفي الصحيحين عن حذيفة قال: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن ينام قال: «باسمك اللهم أموت وأحيا» وإذا استيقظ من منامه قال: «الحمد لله الذي أماتنا بعد ما أحيانا وإليه النشور» . وفي الصحيحين أيضاً عن عائشة «أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما ﴿قل هو الله أحد﴾ و ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ و ﴿قل أعوذ برب الناس﴾ ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات» ، وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة أنه أتاه آت يحثو من الصدقة وكان قد جعله النبي ﷺ ليلة بعد ليلة، فلما كان في الليلة الثالثة قال: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بهن ـ وكان أحرص شيء على الخير ـ فقال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ حتى ختمها، فإنه لا يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح. فقال النبي ﷺ : «صدقك وهو كذوب» وقد

стр. 92

روى الإمام أحمد نحو هذه القصة في مسنده أنها جرت لأبي الدرداء، ورواها الطبراني في معجمه أنها جرت لأبي بن كعب. وفي الصحيحين عن أبي مسعود الأنصاري عن النبي ﷺ قال: «من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة كفتاه» الصحيح أن معناه كفتاه من شر ما يؤذيه، قيل كفتاه من قيام الليل وليس بشيء، قال علي بن أبي طالب: ما كنت أرى أحداً يغفل قبل أن يقرأ الآيات الثلاث والأواخر من سورة البقرة. وفي الصحيحين عن أبي عريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قام أحدكم عن فراشه ثم رجع إليه فلينفضه بصنفة إزاره ثلاث مرات، فإنه لا يدري ما خلفه عليه بعده. وإذا اضطجع فليقل: باسمك اللهم وضعت جنبي وبك أرفعه، فإن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين» وفي الصحيحين عنه عن النبي ﷺ «إذا استيقظ أحدكم فليقل: الحمد لله الذي عافاني في جسدي، ورد علي روحي، وأذن لي بذكره» . وقد تقدم حديث علي ووصية النبي ﷺ له ولفاطمة رضي الله تعالى عنهما أن يسبحا إذا أخذا مضاجعهما للنوم ثلاثاً وثلاثين، ويحمدا ثلاثاً وثلاثين، ويكبرا أربعاً وثلاثين، وقال: «هو خير لكما من خادم» . قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه: بلغنا أنه من حافظ على هذه الكلمات لم يأخذه إعياء فيما يعانيه من شغل ومن غيره. وفي سنن أبي داود عن حفصة أم المؤمنين أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يرقد وضع يده اليمنى تحت خده ثم يقول: «اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك» ثلاث مرات، قال الترمذي: حديث حسن. وفي صحيح مسلم عن أنس أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه قال: «الحمد لله الذي أطعمنا

стр. 93

وسقانا وكفانا وآوانا، فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي» . وفي صحيحه أيضاً عن ابن عمر أمر رجلاً إذا أخذ مضجعه أن يقول «اللهم أنت خلقت نفسي وأنت تتوفاها، لك مماتها ومحياها، وإن أحييتها فاحفظها، وإن أمتها فاغفر لها، اللهم إني أسألك العافية» قال ابن عمر: سمعتهن من رسول الله ﷺ . وفي الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال حين يأوي إلى فراشه: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه - ثلاث مرات - غفر الله ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر، وإن كانت عدد رمل عالج، وإن كانت عدد أيام الدنيا» وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه قال: «اللهم رب السموات ورب الأرض ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، منزل التوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته، أنت الأول. وليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر» وفي الصحيحين عن البراء بن عازب قال: قال لي رسول الله ﷺ : «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن وقل: اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت. فإن مت مت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تقول»

стр. 94

الفصل الثالث في أذكار الانتباه من النوم روى البخاري في صحيحه عن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال: «من تعار من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا، استجيب له. فإن توضأ وصلى قبلت صلاته» . وفي الترمذي عن أبي أمامة قال: سمعت رسول اله ﷺ يقول: «من أوى إلى فراشه طاهراً وذكر الله تعالى حتى يدركه النعاس لم ينقلب ساعة من الليل يسأل الله تعالى فيها خيراً إلا أعطاه إياه» حديث حسن. وفي سنن أبي داود عن عائشة أن الرسول ﷺ كان إذا استيقظ من الليل قال: «لا إله إلا أنت سبحانك، اللهم أستغفرك لذنبي وأسألك رحمتك، اللهم زدني علماً ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب» . الفصل الرابع في أذكار الفزع في النوم والفكر روى الترمذي عن بريدة قال: شكا خالد بن الوليد إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ما أنام الليل من الأرق. فقال النبي ﷺ «إذا أويت إلى فراشك فقل: اللهم رب السموات السبع وما أظلت، ورب الأرضين وما أقلت، ورب الشياطين وما أضلت، كن لي جاراً من شر خلقك كلهم جميعاً أن يفرط علي أحد منهم، أو أن يطغي علي، ثناؤك ولا إله غيرك ولا إله إلا أنت» . وفي الترمذي عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 95

كان يعلمهم من الفزع كلمات «أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه، وشر عباده، ومن همزات الشياطين أن يحضرون» وكان عبد الله بن عمرو يعلمهن من عقل من بنيه، ومن لم يعقل كتبه وعقله عليه. الفصل الخامس في أذكار من رأى رؤيا يكرهها أو يحبها . في الصحيحين عن أبي قتادة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الرؤيا من الله والحلم من الشيطان، فإذا رأى أحدكم الشيء يكرهه فلينفث عن يساره ثلاث مرات إذا استيقظ، وليتعوذ بالله من شرها فإنها لن تضره إن شاء الله» قال أبو قتادة: كنت أرى الرؤيا تمرضني حتى سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الرؤيا الصالحة من الله، فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث به إلا من يحب، وإذا رأى ما يكرهه فلا يحدث به، وليتفل عن يساره وليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ومن شر ما رأى، فإنها لا تضره» . وفي صحيح مسلم عن جابر عن رسول الله ﷺ قال: «إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاث مرات، وليستعذ بالله من الشيطان ثلاثاً، وليتحول عن جنبه الذي كان عليه» ويذكر عن النبي ﷺ أن رجلاً قص عليه رؤيا فقال: «خيراً رأيت، وخيراً يكون» وفي رواية «خيراً تلقاه، وشراً توقاه. خيراً لنا، وشراً على أعدائنا» والحمد لله رب العالمين. الفصل السادس في أذكار الخروج من المنزل في السنن عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال -يعني إذا خرج من بيته- بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له: كفيت ووقيت وهديت،

стр. 96

وتنحى عنه الشيطان فيقول لشيطان آخر: كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي» وفي مسند الإمام أحمد «بسم الله آمنت بالله، اعتصمت بالله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله» حديث حسن. وفي السنن الأربع عن أم سلمة قالت: ما خرج رسول الله ﷺ من بيتي إلا رفع طرفه إلى السماء فقال: «اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل علي» قال الترمذي: حديث حسن صحيح. الفصل السابع في أذكار دخول المنزل وفي صحيح مسلم عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا دخل الرجل بيته فذكر الله تعالى عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء، وإذا دخل فلم يذكر الله تعالى عند دخوله قال الشيطان: أدركتم المبيت، فإذا لم يذكر الله تعالى عند طعامه قال: أدركتم المبيت والعشاء» وفي سنن أبي داود عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا ولج الرجل بيته فليقل: اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج، بسم الله ولجنا، وبسم الله خرجنا، وعلى الله ربنا توكلنا، ثم ليسلم على أهله» وفي الترمذي عن أنس قال لي رسول الله ﷺ : «يا بني إذا دخلت على أهلك فسلم تكن بركة عليك وعلى أهل بيتك» وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

стр. 97

الفصل الثامن في أذكار دخول المسجد والخروج منه في صحيح مسلم عن أبي حميد -أو أبي أسيد- قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا دخل أحدكم إلى مسجد فليسلم على النبي ﷺ وليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك. وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك» وفي سنن أبي داود عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه إذا دخل المسجد قال: «أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم» فإذا قال ذلك قال الشيطان: حفظ مني سائر اليوم. الفصل التاسع في أذكار الأذان في الصحيحين عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن» . وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إذا سمعتم المؤذن فقولو مثل ما يقول، ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة» . وفي صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر فقال أحدكم الله أكبر الله أكبر ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله، فقال أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال أشهد أن محمداً رسول الله فقال أشهد أن محمداً رسول الله، ثم قال حي على الصلاة قال لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال حي على الفلاح قال لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال الله أكبر الله أكبر قال الله أكبر الله أكبر، ثم قال لا إله إلا الله قال لا إله إلا الله من قلبه، دخل الجنة» .

стр. 98

وفي صحيح البخاري عن جابر أن رسول الله ﷺ قال «من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة» . وفي سنن أبي داود عن عبد الله بن عمرو قال: يا رسول الله، إن المؤذنين يفضلوننا. فقال رسول الله ﷺ «قل كما يقولون فإذا انتهيت فسل تعطه» وفي الترمذي عن أنس قال: «قال رسول الله ﷺ الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة. قالوا: فماذا نقول يا رسول الله؟ قال: سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة» قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وفي سنن أبي داود عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : «ثنتان لا تردان أو قلما تردان: الدعاء عند النداء، وعند البأس حين يلحم بعضهم بعضاً» . وفي سنن أبي داود عن أم سلمة قالت: علمني رسول الله ﷺ أن أقول عند المغرب «اللهم هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك، وأصوات دعاتك وحضور صلواتك فاغفر لي» . وفي سنن أبي داود عن بعض أصحاب النبي ﷺ «أن بلالاً أخذ في الإقامة فلما أن قال قد قامت الصلاة قال النبي ﷺ أقامها الله وأدامها» فهذه خمس سنن في الأذان: إجابته، وقول رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ رسولاً، وسؤال الله تعالى لرسوله ﷺ الوسيلة والفضيلة، والصلاة عليه ﷺ ، والدعاء لنفسه ماشاء، وعن سعد بن أبي وقاص عن رسول الله ﷺ قال «من قال حين يسمع المؤذن: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ رسولاً، غفر الله ذنوبه» .

стр. 99

الفصل العاشر في أذكار الاستفتاح وفي الصحيحين أن النبي ﷺ كان يقول في استفتاحه «اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد» . وفي سنن أبي داود عن جبير بن مطعم أنه رأى رسول الله ﷺ يصلي صلاة قال «الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً (ثلاثاً) . أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من نفخه ونفثه وهمزه» . قال: نفثه: الشعر ونفخه وهمزه الموتة. وفي السنن الأربعة عن عائشة وأبي سعيد وغيرهما أن النبي ﷺ كان إذا استفتح الصلاة قال «سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك» وهو في صحيح مسلم عن عمر موقوف عليه. وفي صحيح مسلم عن ابن أبي طالب قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة قال «وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين: اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعاً إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت. لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك» وكان إذا ركع يقول في ركوعه «اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري، ومخي وعظمي وعصبي» . وإذا رفع رأسه من الركوع يقول «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك

стр. 100

الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد» وإذا سجد يقول في سجوده «اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت. سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين» وكان آخر ما يقول بين التشهد والتسليم «اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، إنك أنت المقدم والمؤخر لا إله إلا أنت» . وفي صحيح مسلم عن عائشة كان رسول الله ﷺ يفتح صلاته إذا قام من الليل «اللهم رب جبريل وإسرافيل فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة. أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يقول إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل «اللهم لك الحمد، وأنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيام السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت رب السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت الحق، ووعدك الحق، وقولك الحق، ولقاؤك الحق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد حق، والساعة حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت إلهي لا إله إلا أنت» . الفصل الحادي عشر في ذكر الركوع والسجود والفصل بين السجدتين الفصل الحادي عشر في ذكر الركوع والسجود والفصل بينهما وبين السجدتين في السنن الأربعة عن حذيفة رضي الله تعالى عنه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول إذا ركع «سبحان ربي العظيم» ثلاث مرات، وإذا سجد قال «سبحان ربي الأعلى» ثلاث مرات. وفيه

стр. 101

حديث علي ﵁ وقد سبق بالفصل قبله بطوله. وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي» وفي صحيح مسلم عنها ﵂، كان رسول الله ﷺ يقول في ركوعه وسجوده «سبوح قدوس رب الملائكة والروح» . وفي سنن أبي داود عن عوف بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول في ركوعه وسجوده «سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة» . وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال «اللهم ربنا لك الحمد، ملء السموات وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد. أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد: لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد» . وفي صحيح البخاري عن رفاعة بن رافع ﵁ قال: «كنا نصلي يوماً وراء النبي ﷺ فلما رفع رأسه من الركعة قال سمع الله لمن حمده فقال رجل من ورائه: ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. فلما انصرف قال من المتكلم؟ قال: أما يا رسول الله. قال لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكاً يبتدرونها أيهم يكتبها أول» . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء» وعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول في سجوده: «اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، وعلانيته وسره» وقالت عائشة ﵂: افتقدت النبي ﷺ ذات ليلة، فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد هما منصوبتان وهو يقول: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيته على نفسك» روى مسلم هذه الأحاديث. وفي سنن أبي داود عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ يقول بين السجدتين «اللهم

стр. 102

اغفر لي وارحمني واهدني واجبرني وعافني وارزقني» وفي السنن أيضاً عن حذيفة ﵁ وأرضاه أن رسول الله ﷺ كان يقول بين السجدتين: «رب اغفر لي رب اغفر لي» . الفصل الثاني عشر في أدعية الصلاة بعد التشهد في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «إذا فرغ أحدكم من التشهد فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب القبر، ومن عذاب جهنم، ومن فتنة المحيا والممات ومن شر فتنة المسيح الدجال» . وفيهما أيضاً عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ يدعو في الصلاة «اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات. اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم» فقال قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم؟ فقال «إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف» وقد تقدم في الصحيحين أن أبا بكر الصديق ﵁ قال لرسول الله ﷺ : علمني دعاء أدعو به في صلاتي، فقال «قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت. فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم» وفي صحيح مسلم من حديث علي ﵁ في صفة صلاة رسول الله ﷺ وقد تقدم بطوله في الفصل العاشر. وفي سنن أبي داود «أن النبي ﷺ قال لرجل كيف تقول في الصلاة؟ قال: أتشهد وأقول: اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار. أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ. فقال النبي ﷺ حولها ندندن» . وفي المسند والسنن عن شداد بن أوس ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول في صلاته «اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأسألك شكر نعمتك، وحسن عبادتك، وأسألك قلباً سليماً، ولساناً صادقاً، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، واستغقرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب» . وفي سنن النسائي أن عمار

стр. 103

بن ياسر صلى صلاة ودعا بدعوات وقال: سمعتهن من رسول الله ﷺ «اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني إذا علمت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيراً لي. اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيماً لا ينفد، وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضا بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم، والشوق إلى لقائك من غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا مهتدين» . الفصل الثالث عشر في الأذكار المشروعة بعد السلام وهو أدبار السجود وفي صحيح مسلم عن ثوبان ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا انصرف من صلاته استغفر الله ثلاثاً وقال «اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام» وفي الصحيحين عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله ﷺ كان إذا فرغ من الصلاة قال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو عل كل شيء قدير. اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد» وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما أن رسول اله ﷺ كان يهلل دبر كل صلاة حين يسلم بهؤلاء الكلمات «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون» . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال «من سبح لله في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وكبر الله ثلاثاً وثلاثين، وحمد الله ثلاثاً وثلاثين، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفرت خطاياه وإن كانت

стр. 104

مثل زبد البحر» . وفي السنن عن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ قال «خصلتان -أو خلتان- لا يحافظ عليهما عبد مسلم إلا دخل الجنة، هما يسير، ومن يعمل بهما قليل: يسبح الله في دبر كل صلاة عشراً، ويحمده عشراً، ويكبره عشراً، فذلك خمسون ومائة باللسان، وألف وخمسمائة في الميزان. ويكبر أربعاً وثلاثين إذا أخذ مضجعه، ويحمد ثلاثاً وثلاثين، ويسبح ثلاثاً وثلاثين فذلك مائة باللسان وألف في الميزان» قال: ولقد رأيت رسول الله ﷺ يعقدها بيده. قالوا: يا رسول الله، كيف هما يسير ومن يعمل بهما قليل؟ قال يأتي أحدكم - يعني الشيطان - في منامه فينومه قبل أن يقولهما، ويأتيه في صلاته فيذكره حاجته قبل أن يقولهما وفي السنن عن عقبة بن عامر قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ بالمعوذتين دبر كل صلاة. وفي النسائي الكبير عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «من قرأ آية الكرسي عقب كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت» . يعني: لم يكن بينه وبين دخول الجنة إلا الموت. الفصل الرابع عشر في ذكر التشهد في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: علمني رسول الله ﷺ التشهد - وكفي بين كفيه - كما يعلمني السورة من القرآن «التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله» وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن وكان يقول «التحيات المباركات والصلوات والطيبات لله. السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله» وفي صحيح مسلم عن أبي موسى أن النبي ﷺ علمهم التشهد «التحيات الطيبات والصلوات لله. السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله» . وروى أبو داود عن عمر بن الخطاب عن رسول الله ﷺ في التشهد «التحيات لله والصلوات الطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله» . وروى أبو داود عن سمرة بن جندب: أمرنا رسول الله ﷺ «إذا كان في وسط الصلاة أو حين انقضائها فابدأوا قبل السلام فقولوا: التحيات والصلوات الملك لله، ثم سلموا على اليمين ثم على قارئكم وعلى أنفسكم» . وذكر مالك في الموطأ أن عمر كان يعلم الناس التشهد وهو على المنبر يقول: قولوا التحيات لله الزاكيات لله الصلوات الطيبات لله. السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته،

стр. 105

السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. فأي تشهد أتي به من هذه التشهدات أجزأه. وذهب الإمام أحمد وأبو حنيفة إلى تشهد ابن مسعود، وذهب الشافعي إلى تشهد ابن عباس، وذهب مالك إلى تشهد عمر ﵁، والكل كاف يجزئ. الفصل الخامس عشر في ذكر الصلاة على النبي ﷺ في الصحيحين عن كعب بن عجرة ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقلنا: قد عرفنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك؟ قال: «قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد» . وفي الصحيحين أيضاً عن أبي حميد الساعدي أنهم قالوا: يا رسول الله، كيف نصلي عليك؟ قال: «قولوا: اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى أزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد» .

стр. 106

وفي صحيح مسلم عن أبي مسعود الأنصاري قال: أتانا رسول الله ﷺ ونحن في مجلس سعد بن عبادة، فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله، كيف نصلي عليك؟ قال فسكت رسول الله ﷺ حتى تمنينا أنه لم يسأله. ثم قال رسول الله ﷺ «قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم. وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. والسلام كما قد علمتم» . وذكر ابن ماجه في سننه عن عبد الله بن مسعود قال: إذا صليتم على رسول الله ﷺ فأحسنوا الصلاة، فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه. قال فقالوا له: فعلمنا. قال قولوا: اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين، محمد عبدك ورسولك إمام الخير، ورسول الرحمة. اللهم ابعثه مقاماً يغبطه به الأولون. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد. الفصل السادس عشر في الاستخارة الفصل السادس عشر في الاستخارة في صحيح البخاري عن جابر قال: كان رسول اله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمر كما يعلمنا السورة من القرآن، إذا هم أحكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: «اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر - ويسمي حاجته- خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به» . وفي مسند الإمام أحمد من حديث سعد

стр. 107

بن أبي وقاص عن النبي ﷺ أنه قال: «من سعادة ابن آدم استخارة الله، ومن سعادة ابن آدم رضاه بما قضى الله، ومن شقوة ابن آدم تركه استخارة الله، ومن شقوة ابن آدم سخطه بما قضى الله» . وكان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵁ يقول: ما ندم من استخار الخالق، وشاور المخلوقين، وثبت في أمره. وقد قال : ﴿وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله﴾ وقال قتادة: ما تشاور قوم يبتغون وجه الله إلا هدوا إلى أرشد أمرهم. الفصل السابع عشر في أذكار الكرب والغم والحزن والهم وفي الصحيحين عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يقول عند الكرب «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض رب العرش الكريم» . وفي الترمذي عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا حز به أمر قال «يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث» . وفيه أيضاً عن أبي هريرة أن النبي ﷺ كان إذا أهمه الأمر رفع رأسه إلى السماء فقال «سبحان الله العظيم» وإذا اجتهد في الدعاء قال «يا حي يا قيوم» . وفي سنن أبي داود عن أبي بكرة أن رسول الله ﷺ قال «دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت» . وفي السنن أيضاً عن أسماء بنت عميس قالت: قال رسول الله ﷺ «ألا

стр. 108

أعلمك كلمات تقولينهن عند الكرب -أو في الكرب- الله الله ربي لا أشرك به شيئاً» . وفي رواية أنها تقال سبع مرات. وفي الترمذي عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ «دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت ﴿لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾ لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجيب له» وفي رواية «إني لأعلم كلمة لا يقولها مكروب إلا فرج الله عنه، كلمة أخي يونس ﵇» . وفي مسند الإمام أحمد وصحيح ابن حبان عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال «ما أصاب عبداً هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور بصري وجلاء حزني، وذهاب همي. إلا أذهب الله همه وحزنه وأبدله مكانه فرحاً» . الفصل الثامن عشر في الأذكار الجالبة للرزق الدافع للضيق والأذى قال الله عن نبيه نوح ﷺ : ﴿فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا * يرسل السماء عليكم مدرارا * ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا﴾ وفي بعض المسانيد عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب» وذكر أبو عمر عن عبد البر في (التمهيد) له حديثاً مرفوعاً إلى النبي ﷺ «من قرأ سورة الواقعة كل يوم لم تصبه فاقة أبداً» .

стр. 109

الفصل التاسع عشر في الذكر عند لقاء العدو ومن يخاف سلطاناً وغيره في سنن أبي داود والنسائي عن أبي موسى أن النبي ﷺ كان إذا خاف قوماً قال «اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم» . ويذكر عن النبي ﷺ أنه كان يقول عند لقاء العدو «اللهم أنت عضدي وأنت ناصري وبك أقاتل» . وعنه ﷺ أنه كان في غزوة فقال «يا مالك يوم الدين إياك أعبد وإياك أستعين» قال أنس فلقد رأيت الرجال تصرعها الملائكة من بين يديها ومن خلفها. وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ «إذا خفت سلطاناً أو غيره فقل: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب السموات السبع ورب العرش العظيم، لا إله إلا أنت عز جارك، وجل ثناؤك» . وفي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: «حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم ﷺ حين ألقي في النار. وقالها محمد ﷺ حين قال له الناس ﴿إن الناس قد جمعوا لكم﴾ » . الفصل العشرون في الأذكار التي تطرد الشيطان قد تقدم أن من قرأ آية الكرسي عند نومه لم يقربه شيطان، وأن من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة كفتاه، ومن قال في يوم مائة مرة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، كانت له حرزاً من الشيطان يومه كله. وقد قال تعالى: ﴿

стр. 110

وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين * وأعوذ بك رب أن يحضرون﴾ وكان النبي ﷺ يقول «أعوذ بالله السميع العليم، من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه» وقال : ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم﴾ وهو الأذان يطرد الشيطان كما تقدم. وعن زيد بن أسلم أنه ولي معادن فذكروا كثرة الجن فأمرهم أن يؤذنوا كل وقت ويكثروا من ذلك، فلم يكونوا يرون بعد ذلك شيئاً. وفي صحيح مسلم عن عثمان بن أبي العاص ﵁ أنه قال: يا رسول الله، إن الشيطان حال بيني وبين صلاتي وبين قراءتي يلبسها علي، فقال رسول الله ﷺ «ذاك شيطان يقال له خنزب، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه، واتفل عن يسارك ثلاثاً» ففعلت ذلك فأذهبه الله عني. وأمر ابن عباس رجلاً وجد في نفسه شيئاً من الوسوسة والشك أن يقرأ ﴿هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم﴾ . ومن أعظم ما يندفع به شره قراءة المعوذتين وأول الصافات وآخر الحشر. الفصل الحادي والعشرون في الذكر الذي تحفظ به النعم وما يقال عند تجردها قال الله في قصة الرجلين ﴿ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله﴾ فينبغي لمن دخل بستانه أو داره أو رأى في ماله وأهله ما يعجبه أن يبادر إلى هذه الكلمة، فإنه لا يرى فيه سوءاً. وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ «ما أنعم الله على عبد نعمة في أهل ومال وولد فقال ﴿ما شاء الله لا قوة إلا بالله﴾ فيرى فيه آفة دون الموت» . وعنه ﷺ أنه كان إذا رأى ما يسره قال «الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإذا رأى ما يسوءه قال الحمد لله على كل حال» .
следующие страницы →