Полный текст (417 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وفي الترمذي من حديث سعيد مرسلاً: ((إن الله طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم، جواد يحب الجود)) وهو مرسل، ويروى من حديث سعد بن أبي وقاص وهو ضعيف، على كل حال الخبر فيه مقال، وله في حديث أنس رفعه: ((أنا أجود ولد آدم، وأجودهم بعدي: رجل علم علماً فنشر علمه، ورجل جاد بنفسه في سبيل الله)) وهذا أيضاً في سنده مقال، وفي الصحيح من حديث جابر: ما سئل رسول الله ﷺ شيئاً فقال: لا، وهذا غاية في الجود، حين يلقاه جبريل ﵊ إذ في ملاقاته زيادة في اطلاعه على علوم الله تعالى، لا سيما مع مدارسة القرآن، لا شك أن لقاء الصالحين مؤثر في النفس، ورؤيتهم مؤثرة، فلقاء الصالحين يزهد في الدنيا فإذا زهد الشخص في الدنيا، ورغب في الآخرة رخصت عنده الدنيا وما تتطلبه هذه الدنيا فينتج عن ذلك الجود، والرسول ﵊ يتضاعف جوده في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل ﵇ يلقاه -أي النبي ﵊، وجوز الكرماني أن يكون الضمير المرفوع للنبي ﷺ ، والمنصوب لجبريل، ورجح العيني الأول لقرينة قوله: حين يلقاه جبريل، في كل ليلةٍ من رمضان فيدارسه القرآن بالنصب مفعول ثاني، ليدارسه على حد: جاذبته الثوب، والفاء في (فيدارسه) عاطفة على (يلقاه) فبمجموع ما ذكر من رمضان ومدارسة القرآن وملاقاة جبريل يتضاعف جوده ﵊؛ لأن الوقت موسم الخيرات؛ لأن نعم الله تربو فيه على عباده.
стр. 142
والمدارسة مفاعلة من الدرس وهو القراءة على سرعة، يقول تعالى: ﴿وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [(٧٩) سورة آل عمران] وقال: ﴿وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ﴾ [(١٦٩) سورة الأعراف] ﴿وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ﴾ [(١٠٥) سورة الأنعام] أي قرأت فالمدارسة هي القراءة، وهاهنا لما كان النبي ﵊ وجبريل ﵇ يتناوبان في قراءة القرآن كما هو عادة القراء بأن يقرأ هذا عشراً والآخر عشراً أتى بلفظ المدارسة يعني المفاعلة، أو أنهما كانا يتشاركان في القراءة أي يقرءان معاً، وقد علم أن باب المفاعلة لمشاركة اثنين، نحو (ضارت زيداً) و (خاصمت عمراً) يقول القسطلاني: "وإنما دارسه بالقرآن لكي يتقرر عنده، ويرسخ أتم الرسوخ، فلا ينساه وكان هذا إنجاز وعده تعالى لرسوله ﵊ حيث قال له: ﴿سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى﴾ [(٦) سورة الأعلى] وقال الطيبي: "فيه تخصيص بعد تخصيص على سبيل الترقي، فضل أولاً جوده مطلقاً على جود الناس كلهم، ثم فضل ثانياً جود كونه في رمضان على جوده في سائر الأوقات، ثم فضل ثالثاً جوده في ليالي رمضان عند لقاء جبريل على جوده في رمضان مطلقاً، ثم شبه جوده بالريح، فقال: فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة"، فلرسول الله (والفاء) للسببية، واللام للابتداء، وزيدت للتأكيد، أو في جواب قسمٍ مقدر، فلرسول الله بالرفع مبتدأ خبره قوله: "أجود بالخير من الريح المرسلة" أي المطلقة، إشارةً إلى أنه في الإسراع أسرع من الريح، وعبر بالمرسلة إشارةً إلى دوام هبوبها بالرحمة، وإلى عموم النفع بجوده ﵊ كما تعم الريح المرسلة جميع ما تهب عليه، وقال الزين بن المنير: "
стр. 143
وجه التشبيه بين أجوديته ﷺ بالخير وبين أجودية الريح المرسلة أن المراد بالريح ريح الرحمة التي يرسلها الله تعالى لإنزال الغيث العام الذي يكون سبباً لإصابة الأرض الميتة وغير الميتة، أي فيعم خيره وبره من هو بصفة الفقر والحاجة، ومن هو بصفة الغنى والكفاية أكثر مما يعم غيث الناس عن الريح المرسلة، وفي هذا جواز المبالغة في التشبيه، وجواز تشبيه المعنوي بالمحسوس، ليقرب لفهم سامعه وذلك أنه أثبت له أولاً وصف الأجودية ثم أراد أن يصفه بأزيد من ذلك فشبه جوده بالريح المرسلة، بل جعله أبلغ منها في ذلك؛ لأن الريح قد تسكن"، قال بعضهم: حكمة المدارسة ليكون ذلك سنةً في عرض القرآن على من هو أحفظ منه، وقال الكرماني: "لتجويد لفظه" وقال غيره: لتجويد حفظه.
وتعقب بأن الحفظ كان حاصلاً له، والزيادة فيه تحصل ببعض المجالس، وفي الحديث جواز قول: رمضان من غير إضافة شهر، أطلق رمضان من غير إضافة شهر، فقال: "في كل ليلةٍ من رمضان"، ما قال: في كل ليلة من شهر رمضان، قد جاء عن بعض السلف كراهة إطلاق رمضان من دون إضافة شهر، ويروون في ذلك حديث أن رمضان من أسماء الله، لكن مثل هذا لا يلتفت إليه؛ لأنه جاء في النصوص الصحيحة في الصحيحين وغيرهما إطلاق رمضان من غير إضافة الشهر.
وفيه إشارة إلى أن ابتداء نزول القرآن كان في شهر رمضان؛ لأن نزوله إلى السماء الدنيا جملةً واحدة كان في رمضان، كما ثبت من حديث ابن عباس، فكان جبريل يتعاهده في كل سنة، فيعارضه بما نزل عليه من رمضان إلى رمضان، فلما كان العام الذي توفي فيه عارضه به مرتين، كما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة وفاطمة ﵃، قال ابن حجر: "وبهذا يجاب من سأل عن مناسبة إيراد هذا الحديث في هذا الباب، والله أعلم بالصواب".
стр. 144
قد يقول قائل: ما المناسبة بين هذا الحديث وبدء الوحي؟ للإشارة إلى أن ابتداء نزول القرآن كان في شهر رمضان، ابتداء النزول، وهو ابتداء الوحي، يقول النووي: "في حديث الفوائد: منها: الحث على الجود في كل وقت، ومنها: الزيادة في الجود في رمضان، وعند الاجتماع بأهل الصلاح"، الحث على الجود في كل وقت، الجود صفة من الصفات المحمودة الذي هو الكرم، الكرم من الصفات المحمودة في الشرع وفي العقل وفي العرف، وكان العرب يتمدحون بالجود والكرم؛ لكن شريطة أن لا يخرج عن حده إلى حد الإسراف والتبذير، يقول: "ومنها الزيادة في الجود في رمضان" لأنه شهر تضاعف فيه الحسنات والأعمال، فينبغي أن يكون هذا الخلق الحسن مضاعفاً ليضاعف ثوابه، وعند الاجتماع بأهل الصلاح. يقول: "وفيه زيارة الصلحاء وأهل الخير وتكرار ذلك إذا كان المزور لا يكرهه".
لا شك أن المجالسة لها أثر، أثر على النفس، وكم من شخص أثر في الناس بمرآه فقط قبل أن يتكلم، وكثير من أهل العلم إذا ترجموا لشيوخهم يذكرون شيئاً من ذلك، وأنهم يستفيدون من رؤية الشيخ أكثر من علمه، وذكر ابن الجوزي في ترجمة شيخه -أحد شيوخه- في فهرسته أنه استفاد من بكائه أكثر من فائدته في علمه، ولا شك أن مثل هذا مؤثر، مؤثر جداً، رؤية الشيخ العامل بعلمه، الداعي إلى علمه، المعلم، معلم الناس الخير لا شك أنه مؤثر، قد لا يتيسر لكثيرٍ من الناس زيارة مثل هؤلاء، إن تيسر فليحرص على ذلك، إن لم يتيسر فليقرأ في أخبارهم، أخبار هؤلاء الأخيار وهؤلاء الصلحاء، وعلى رأسهم مقدمهم ﵊، فليدم النظر طالب العلم في سيرته ﵊، ويسمعها غيره من عامة الناس لكي يقتدوا به ويأتسوا به، من ذلكم سير الصالحين من الصحابة والتابعين، لا شك أن لها أثراً كبيراً في نفوس الناس، وفيها أيضاً شحذ الهمم من حيث الاقتداء والائتساء بهم.
стр. 145
ومما يستفاد من الحديث: استحباب الإكثار من القراءة في رمضان، وكونها أفضل من سائر الأذكار، لا شك أن القراءة -قراءة القرآن- في رمضان لا شك أن أنها من أفضل الأعمال، وإذا كان الحرف بعشر حسنات في سائر الأوقات فما بالك في رمضان! فعلى المسلم أن يغتنم عمره وأنفاسه في مدارسة كتاب ربه، وتلاوته وقراءته على الوجه المأمور به بالترتيل والتدبر، والتفهم والعمل والتطبيق.
المقدم: عفواً يا دكتور، ألا يفهم من هذا الحديث أن قراءة القرآن في رمضان ليلاً أفضل منه نهاراً؟
نعم، بعضهم على ما سيأتي تأتي الإشارة إلى ذلك في التراجم، بعضهم ذكر أن المدارسة في الليل أفضل من النهار.
المقدم: تفضل المدارسة على مجرد القراءة، أم أن هذا خاص به ﵊ من أجل الضبط؟
لا شك أن من دارس القرآن مع غيره ممن هو أحفظ منه وأتقن يحصل له أجر الاقتداء والإئتساء، إضافةً إلى أجر التلاوة والتدبر.
يقول: "واستحباب الإكثار من القراءة في رمضان وكونها أفضل من سائر الأذكار، إذ لو كان الذكر أفضل أو مساوياً لفعلاه"، وعلى كل حال الذكر أمر مطلوب، ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [(٣٥) سورة الأحزاب] ((سبق المفردون)) وجاء في الذكر وفضل الذكر نصوص كثيرة عن النبي ﵊ في فضله والإشادة به، وفضل أهله، من الأذكار التي لا تكلف الإنسان شيئاً: ((من قال: سبحان الله وبحمده في يومٍ مائة مرة -سبحان الله وبحمده يمكن أن تقال في دقيقة ونصف- حطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر)) ولا يقول قائل: أن هذه مبالغة في الثواب، هذا الحديث في الصحيحين، يعني هذا في دقيقة ونصف يمكن أن يقال أو دقيقتين، ((حطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر)) وهذا في الأذكار فما بالك في القرآن الذي هو كلام الله؟!
هو الكتاب الذي من قام يقرؤه ... كأنما خاطب الرحمن بالكلمِ
وشيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- يقول: "من قرأ القرآن على الوجه المأمور به أورثه من الإيمان واليقين والطمأنينة وراحة القلب ما لا يدركه إلا من صنع ومن فعل مثل هذا الفعل"، والله المستعان.
ابن القيم ﵀ يقول:
стр. 146
فتدبر القرآن إن رمت الهدى ... فالعلم تحت تدبر القرآنِ
فتدبر القرآن وترتيله على الوجه المأمور به، ولا يعني هذا إخراجه عن الحد المشروع إلى التمطيط وزيادة الحروف والحركات التي غير مشروعة كما يفعله بعض القراء، لكن مما يعين على التدبر الترسل في القراءة والترتيل، وسماع القرآن من القراء المؤثرين الذين إذا سمعت قراءتهم جزم الإنسان بأنهم يخشون الله ويتقون الله في هذه القراءة، يعين على الترتيل وعلى التدبر مراجعة التفاسير الموثوقة عند أهل العلم، هي التي تكشف معاني هذه الآيات.
طالب: أحسن الله إليكم يا شيخ: قلتم: أن الجملة الثانية (وكان أجود ما يكون في رمضان) المقصود بها أو المقصود بالجملة الأولى -عفواً- أن تذهب مفهوم الجملة الثانية؟ طيب هل تعتبر على ذلك الفهم وعلى هذا الكلام حسب فهمي أنا القاصر، هل تعتبر الجملة الثانية مؤكدة للجملة الأولى، أم ماذا إذا قلنا: أن الجملة الأولى لتذهب مفهوم الجملة الثانية، إذا ما فائدة الجملة الثانية تأكيد فقط؟
الجملة الثانية سيقت لبيان زيادة جوده ﵊، وزيادة كرمه في رمضان.
المقدم: في رمضان أكثر من غيره؟
في رمضان أكثر من غيره نعم.
طالب: يعني يا شيخ نفهم أن كرم النبي ﷺ كان على درجات؟
على درجات نعم، هو على العموم في جميع الأوقات، وفي جميع الأماكن أجود الناس.
المقدم: لكن كان يزداد في رمضان؟
هو أجود الناس يعني أدنى درجات الجود عنده ﵊ لم يبلغها مخلوق، وهذا الجود يتضاعف في رمضان منه ﵊.
طالب: يا شيخ كلامكم أن الجملة الأولى تنفي مفهوم الجملة الثانية؟
كان أجود ما يكون في رمضان، يعني لو ما جاء إلا هذه الجملة فقط؟ ما جاءت الجملة الأولى كان أجود الناس، لو لم تأت الجملة الأولى لقلنا: أنه في رمضان أجود من غيره، فعلى هذا ينزل عنده الجود في غير رمضان إلى حدٍ قد يلحقه فيه غيره من كرام الناس.
стр. 147
طالب: أحسن الله إليكم، هنا تأتي مسألة، لما قلتم أن النبي ﵊ كان أجود الناس، قد يقول بعض الناس: إن هناك من الأغنياء الآن قد يكون معهم أو عندهم من الغنى أكثر مما عند النبي ﷺ هل. . . . . . . . .، وقد يكونوا يجودون مثلاً، بعض التجار عرفوا بالجود، هل ممكن يصلون مع كثرة تبرعهم إلى أكثر من جود النبي ﷺ ، مع قلة ما كان في عهد النبي ﷺ ؟
أبداً؛ لأن الجود نسبي، فالذي يملك المليارات ويتبرع بالملايين، هذا جواد بلا شك لكن ليس جوده مثل الذي يملك الشيء اليسير ويتبرع به كله، هذا نسبي، الجود نسبي بلا شك، وأيضاً الأوقات تختلف، شخص يجود في وقت لا يجد الناس فيه شيء غير شخص يجود على أناس ليسوا بحاجة إلى مثل هذا الجود، ولذا يختلف الإنفاق بعد الفتح عن الإنفاق قبل الفتح، إنسان يجود بماله، يجود بنفسه، يجود بجاهه، أنواع الجود درجات.
طالب: قضية الكرم، قلتم: عدم السرف بعضهم يستدل يا شيخ بقول الله تعالى عن إبراهيم: ﴿أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [(٦٩) سورة هود] فلو جاء ضيف ووضع له ذبيحة أو أكثر أو أقل، يقول: مادام ما ترمى أنا عندي دليل من القرآن ﴿أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ ما الضابط أحسن الله إليك؟
كون إبراهيم ﵇ يأتي بالعجل لا يوجد غيره، فماذا يقدم لضيوفه؟ هل تتصور أن إبراهيم يذهب إلى الثلاجة ويأتي بكيلو أو كيلوين، مقدار ما يحتاجه الضيوف؟ ما عنده إلا هذا العجل، وهذه طريقة الناس كلهم قبل وجود هذه الأمور التي تحفظ اللحم من التلف، والله المستعان.
الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- خرج الحديث في خمسة مواضع من صحيحه، الأول في بدء الوحي في هذا الموضع، قال الإمام ﵀: حدثنا عبدان قال: أخبرنا عبد الله قال: أخبرنا يونس عن الزهري ح، وحدثنا بشر بن محمد قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا يونس ومعمر عن الزهري نحوه قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس فذكره، والمناسبة تقدمت الإشارة إليها.
стр. 148
عبدان لقب اسمه: عبد الله بن عثمان المروزي، وشيخه عبد الله بن المبارك، والإمام البخاري -رحمه الله تعالى- روى الحديث من طريق يونس ومعمر عن اثنين، الإمام البخاري -رحمة الله عليه- لا يبين صاحب اللفظ بخلاف مسلم فيبين صاحب اللفظ بدقة، حدثنا فلان وفلان واللفظ لفلان، هذا الإمام مسلم، والإمام البخاري كما هنا روى الحديث من طريق يونس ومعمر ولم يبين صاحب اللفظ، فهل اللفظ ليونس أو لمعمر؟ يقول ابن حجر -رحمه الله تعالى- في أواخر المجلد الأول من الفتح صـ (٣٣٦) يقول: "قد ظهر من صنيع البخاري أنه إذا أورد الحديث عن غير واحد فإن اللفظ يكون للأخير، على هذا يكون اللفظ لمن؟ لمعمر، يونس ومعمر، فهل صاحب اللفظ معمر أو يونس؟ ابن حجر ﵀ في هذا الموضع يقول: "أما باللفظ فعن يونس، وأما بالمعنى عن معمر"
عكس القاعدة، لا شك أن القاعدة أغلبية وليست كلية، ولدينا أمثلة مما يخرج عن هذه القاعدة، وإن كان الغالب من صنيعه -رحمه الله تعالى- أن اللفظ للأخير، قال بعضهم أن مراد ابن حجر: صاحب اللفظ هو الأخير إذا روى الحديث عن شيخين من شيوخه، لا من شيوخ شيوخه أو شيوخهم، لكن كلامه عام، يشمل شيوخه ويشمل شيوخ شيوخه ومن فوقهم؛ لأنه يقول: قد ظهر بالاستقراء من صنيع البخاري أنه إذا أورد حديث عن غير واحد فإنه اللفظ يكون للأخير، لكن الذي معنا على خلاف هذه القاعدة.
الموضع الثاني: في كتاب الصوم باب (أجود ما يكون النبي ﷺ يكون في رمضان) قال الإمام -رحمه الله تعالى-: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا إبراهيم بن سعدٍ أخبرنا ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن ابن عباس قال: كان ... الحديث، ومناسبة الباب للكتاب والحديث للباب ظاهرة، أجود ما يكون في رمضان مناسب لكتاب الصوم، والحديث أجود ما يكون في رمضان مناسب بل مطابق مطابقةً تامة للترجمة.
الموضع الثالث: في كتاب بدء الخلق باب (ذكر الملائكة) قال: حدثنا محمد بن مقاتل قال: أخبرنا عبد الله أخبرنا يونس عن الزهري، قال: حدثني عبيد الله به، ومناسبته ظاهرة لذكر جبريل في الخبر؛ لأن الباب باب ذكر الملائكة وجبريل منهم.
стр. 149
الموضع الرابع: في كتاب المناقب في باب (صفة النبي ﷺ ) قال: حدثنا عبدان قال: أخبرنا عبد الله أخبرنا يونس عن الزهري قال: حدثني عبيد الله فذكره، ومناسبته ذكر جوده ﵊ وهي صفة من صفاته ﵊.
الموضع الخامس: في كتاب فضائل القرآن في باب (كان جبريل يعرض القرآن على النبي ﷺ ) قال: حدثنا يحيى بن قزعة، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله فذكره بنحوه، والمناسبة ظاهرة، فضائل القرآن باب (كان جبريل يعرض القرآن على النبي ﵊) فلا شك أن كون القرآن يعرض ويعتنى به، ويدارس في الأوقات الفاضلة، دليل على فضله، فهذه مناسبة الباب للكتاب، كتاب فضائل القرآن، ومناسبة الحديث للباب ظاهرة، والحديث مخرج في صحيح مسلم أيضاً.
المقدم: قال -رحمه الله تعالى-: وعنه ﵁ أن أبا سفيان ابن حربٍ أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركبٍ من قريش كانوا تجاراً بالشام، في المدة التي كان رسول الله ﷺ مادّ فيها أبا سفيان وكفار قريش، فأتوه وهم بإيلياء فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم فدعا بالترجمان، فقال: أيكم أقرب نسباً بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم، فقال: أدنوه مني، وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال: لترجمانه قل لهم: إني سائل هذا الرجل فإن كذبني فكذبوه، فوالله لولا الحياء من أن يأثروا عليّ كذباً لكذبت عنه، ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب، قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟ قلت: لا، قال: هل كان من آبائه من ملكٍ؟ قلت: لا، قال: فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم، قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون، قال: فهل يرتد أحد منهم سخطةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا، قال: فهل تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا، قال: فهل يغدر؟ قلت: لا، ونحن منه في مدةٍ لا ندري ما هو فاعل فيها، ولم يمكني كلمة أدخل فيها شيئاً غير هذه الكلمة، قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم، قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال ينال منا وننال منه، قال: فماذا يأمركم؟ قلت يقول: اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئاً، واتركوا ما كان يعبد آباءكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة ...
стр. 150
التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - شرح أحاديث كتاب بدء الوحي (٣)
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
"ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة".
الحديث السابع، يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "وعنه"، عن ابن عباس راوي الحديث السابق، "أن أبا سفيان بن حربٍ أخبره، أن هرقل أرسل إليه في ركبٍ من قريش"، هرقل بكسر الهاء وفتح الراء كدمشق، ممنوع من الصرف للعالمية والعجمة، وحكي فيه: هِرْقِل بسكون الراء وكسر القاف، والأول أشهر، ولقبه: قيصر، قاله الشافعي، كما يلقب ملك الفرس كسرى، وملك الترك يقال له: خاقان، ملك الحبشة يقال له: النجاشي، والقبط يقول له: فرعون، ومصر: العزيز، وحمير: تبع، وغير ذلك كما في عمدة القاري، "أرسل إليه" أي أرسل هرقل إليه، أي إلى أبي سفيان "في ركب"، حال كونه مع ركب، جمع راكب كصحب وصاحب، وهم أولو الإبل العشر فما فوقها، "من قريش" صفة لركب، ومن لبيان الجنس، أو للتبعيض، وكان عدد الركب ثلاثين رجلاً كما عند الحاكم وعند ابن السكن نحو من عشرين، وعند ابن أبي شيبة أن المغيرة بن شعبة منهم، وضعفه البلقيني بأن المغيرة كان مسلماً وقتها، فإنه أسلم عام الخندق فيبعد أن يكون حاضراً ويسكت مع كونه مسلماً.
стр. 151
والحال أنهم "كانوا تجاراً" بضم التاء وتشديد الجيم على وزن كفار، وبالكسر والتخفيف على وزن: كلاب تجار، جمع تاجر أي متلبسين بصفة التجارة، "بالشام" بالهمز، وقد يترك، وقد تسهل الكلمة فيقال: بالشام، وهو متعلق بـ (كانوا)، كانوا بالشام، أو بقوله: (تجاراً) تجاراً بالشام، "في المدة التي كان رسول الله ﷺ مادّ" بتشديد الدال أصله مادد، فأدغم الأول في الثاني من المثلين، أدغمت الدال في الدال، وهذه مفاعلة والممادة هذه والمفاعلة من الطرفين، والمراد مدة صلح الحديبية سنة ست "فيها أبا سفيان وكفار قريش" أي مع كفار قريش على وضع الحرب مدة عشر سنين، وكفار بالنصب مفعول معه، أو عطف على المفعول به، وهو أبا سفيان "فأتوه" أي أرسل إليهم في تقدير، أي أرسل إليهم في طلب إتيان الركب فجاء الرسول يطلب إتيانهم فأتوه، وقد وجدهم الرسول بغزة، وهم أي هرقل وجماعته، وفي رواية: "وهو بإيلياء" بالمد على وزن كبرياء، و (إيليا) بالقصر وبحذف الياء الأولى (إلياء) وهو بيت المقدس، والباء بمعنى في، الباء للظرفية بمعنى في، على هذا لا ينكر إذا قيل: بمكان كذا، والمراد في مكان كذا، "فدعاهم" هرقل حال كونه "في مجلسه وحوله" منصوب على الظرفية وهو خبر المبتدأ الذي هو "عظماء الروم"، وهم ولد عيص بن إسحاق بن إبراهيم على الصحيح، ودخل فيهم طوائف من العرب من تنوخ وبهراء وغيرهم من غسان كانوا بالشام، فلما أجلاهم المسلمون عنها دخلوا بلاد الروم واستوطنوها، فاختلطت أنسابهم، وعند ابن السكن: "وعنده بطارقته والقسيسون والرهبان"، "ثم دعاهم"، قال: (ثم دعاهم) عطف على قوله: (فدعاهم) وليس بتكرار، بل معناه أمر بإحضارهم، فلما حضروا وقعت مهلة، ثم استدناهم كما أشعر بذلك العطف بـ (ثم) كأنه دعاهم فأحضروا إلى قصره، ثم دعاهم ثانية إلى مجلسه، فليس هذا من التكرار، "ودعا ترجمانه" وفي رواية: "بترجمانه"، وفي رواية: "بالترجمان"، وهو بفتح المثناة الفوقية وضم الجيم، وقد تضم التاء، والترجمان: المفسر من لغةٍ إلى لغة، وقد يطلق على المبلغ باللغة نفسها، كما في الصحيح في كتاب الإيمان عن أبي جمرة نصر بن عمران قال: "كنت أترجم بين ابن عباس والناس"، يعني
стр. 152
يبلغ صوت ابن عباس، ثم قال هرقل للترجمان، يعني الأصل في الترجمان أنه يحول من لغة إلى لغة، لكن قد تطلق الترجمة بإزاء التبليغ، وإن كانت اللغة واحدةً، ثم قال هرقل للترجمان: قل لهم أيكم أقرب؟ فقال الترجمان: "أيكم أقرب نسباً بهذا الرجل؟ " ضمن أقرب معنى أقعد فعداه بالباء، وفي رواية: "من هذا الرجل" على الأصل، وفي رواية: "إلى هذا الرجل" ولا إشكال فيها فإن أقرب يتعدى بـ (إلى) كما قال تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ﴾ [(١٦) سورة ق] "أيكم أقرب نسباً بهذا الرجل؟ " أقرب مضمن معنى أقعد به، وألصق به، لماذا لا نقول: أن الباء هنا بمعنى من؟ والحروف يأتي بعضها بدل بعض، كما يقولون: الحروف تتقارض، شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- يرى أنه إذا أمكن تضمين الفعل فهو أولى من تضمين الحرف، تضمين الفعل معنى فعل آخر يناسب الحرف المذكور في السياق يتعدى بالحرف المذكور فلا شك أنه أولى من تضمين الحرف.
وعلى كل حال جاء قوله: "أيكم أقرب نسباً بهذا الرجل"، وجاء أيضاً في رواية: "من هذا الرجل" على الأصل في رواية: "إلى هذا الرجل"، ومعروف أن الأقرب يتعدى بإلى كما في قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ﴾ [(٨٥) سورة الواقعة] والمفضل عليه محذوف تقديره من غيره، "الذي يزعم"، وفي روايةٍ: "يدعي أنه نبي" والذي يزعم لا شك أن مثل هذا الأسلوب يؤتى به أحياناً للتشكيك في الدعوة، وقد يؤتى به بإزاء القول، بحيث لا يتضمن التشكيك، وجاء (زعم) ويراد به قال، وكثيراً ما يقول سيبويه في كتابه: زعم الكسائي ويوافقه، ولا يعني هذا أنه يشكك في كلامه، في روايةٍ: "يدعي"، الادعاء لا شك أنه تشكيك في الدعوة، "أنه نبي، فقال أبو سفيان قلت: أنا أقربهم نسباً" أي من حيث النسب، وذلك لكونه من بني عبد مناف، وهو الأب الرابع للنبي ﷺ ولأبي سفيان، وخصّ هرقل الأقرب لكونه أحرى بالإطلاع على ظاهره وباطنه أكثر من غيره؛ ولأن الأبعد لا يؤمن أن يقدح في نسبه بخلاف الأقرب، الأقرب لا يمكن أن يقدح في نسب قريبه لأن القدح يتجه إليه.
المقدم: صلة القرابة المعنية أحسن الله إليكم؟
стр. 153
في بني عبد مناف وهو الأب الرابع للنبي ﵊ ولأبي سفيان أيضاً، فهم بمنزلة واحدة، خص هرقل الأقرب لماذا؟ لكونه أحرى بالإطلاع على ظاهره وباطنه أكثر من غيره؛ ولأن الأبعد لا يؤمن أن يقدح في نسبه بخلاف الأقرب، لكن قد يقول قائل: إن القريب متهم في الإخبار عن نسب قريبه بما يقتضي شرفاً وفخراً، ولو كان عدواً له لدخوله في شرف النسب الجامع لهما، يعني إذا كان المحظور بالنسبة إلى الأبعد الطعن في نسبه، هذا أيضاً يمكن أن يقال: إن الأقرب يدعي نسباً له؛ لأنه يشاركه في هذا النسب أكثر من واقعه، قد يقال هذا، لكن هو بلا شك ﵊ هو ذو نسبٍ وشرف، "فقال -هرقل-: أدنوه مني"، وأمر بإدنائه ليمعن في السؤال ويشفي غليله، "وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره" لئلا يستحيوا أن يواجهوه بالتكذيب إن كذب؛ لأن الحياء في العينين، فإذا كانوا وراء ظهره لا يستحيون منه أن يواجهوه بالتكذيب إذا كذب، ويذكر عن ابن عباس ﵄ وهذا بعدما كفّ بصره قال: "لا تطلبن من أعمىً حاجة، فإن الحياء في العينين"، فهنا جعلهم عند ظهره؛ لئلا يستحيوا أن يواجهوه بالتكذيب إن كذب، وعلى كل حال الحياء خلق شرعي يتصف به الأعمى وغير الأعمى، وكم من مبصر يرد أدنى طلب، وكم من كفيف يخجل ويستحي من أن يرد أدنى طلب، "ثم قال لترجمانه: قل لهم -أي لأصحاب أبي سفيان- إني سائل هذا عن هذا الرجل -أي النبي ﷺ ، وأشار إليه لقرب العهد بذكره، عن هذا الرجل، كأنه يشير إليه، أشار إليه لقرب العهد بذكره- فإن كذبني -بالتخفيف أي نقل إلي الكذب- فكذبوه" بالتشديد، وكذب التخفيف يتعدى إلى مفعولين، مثل صدق، تقول: كذبني الحديث، وصدقني الحديث، وكذب بالتشديد يتعدى إلى مفعولٍ واحد، وهما من غرائب الألفاظ؛ لأن الغالب أن الزيادة تناسب الزيادة، يعني الفعل اللازم يعدى بالتضعيف، الفعل اللازم يعدى بالتضعيف، وهذا لما ضعّف قلّ تعديه، بدلاً من أن يتعدى إلى اثنين، صار يتعدى إلى الواحد، وهذا من الغرائب، من غرائب الألفاظ، لماذا؟ لأن الغالب أن الزيادة تناسب الزيادة وبالعكس والأمر هنا بالعكس، قال أبو سفيان: "فوالله لولا الحياء من أن يأثروا
стр. 154
عليّ" بضم الثاء وكسرها، و (عليّ) بمعنى (عني) يعني رفقته، ومراده بذلك أن يرووا عنه كذباً، وفي رواية: "الكذب" فأعاب به؛ لأنه قبيح ولو على عدو، وهذا يقوله أبو سفيان حال كفره، مما يدل على أن الفطر السليمة تأبى الكذب وتنفر منه، وأبو سفيان حال كفره نفر من أن يروى عنه الكذب، فمن المؤسف جداً أن يوجد في المسلمين من لا يتحرج من الكذب بل يكذب لأدنى سبب، بل قد يكذب لغير مصلحة، والله المستعان.
وكل هذا سببه البعد عن تعاليم هذا الدين الذي جاءنا بمكارم الأخلاق، "لكذبت عنه" لأخبرت عن حاله بكذب لبغضي إياه، وفي رواية: "لكذبت عليه" هذا واقع الكفار يبغضون النبي ﵊ بغض عقدي، لكنهم لا يلبثون إذا أسلموا أن يكون أحب الناس إليهم لما جبل عليه من الصفات الكريمة والأخلاق الحميدة، إضافةً إلى أن حبه ﵊ ديانة، "ثم كان أول ما سألني عنه" بنصب أول، قال الحافظ: وبه جاءت الرواية، وهو خبر كان، واسمها ضمير الشأن، ويجوز رفع أول اسماً لكان، وذكر العيني: وروده روايةً، وحينئذٍ يكون الخبر: أن قال: كيف نسبه فيكم؟ ﷺ ، أي ما حال نسبه، أهو؟
طالب: هو خبر. . . . . . . . .
المصدر المؤول (أن قال).
طالب: ... يعني .. قوله:
كان أول، قوله: كيف نسبه فيكم؟ المصدر المؤول من أن وما دخلت عليه.
طالب: وتكون أول خبر.
﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ﴾ [(١٧٧) سورة البقرة] البرّ خبر ليس، والمصدر المنسبك من أن وما دخلت عليه اسم ليس، وإذا جئت بالبرُّ وهنا أولُ، يكون خبرها المصدر المنسبك وهكذا.
أن قال: كيف نسبه فيكم؟ ﷺ ، يعني ما حال نسبه أهو من أشرافكم أم لا؟ "قلت: هو فينا ذو نسب"، أي صاحب نسبٍ عظيم، فالتنوين للتعظيم، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [(١٧٩) سورة البقرة] تنوين حياة هذا لا شك أنه للتعظيم، يعني حياة عظيمة.
стр. 155
قال هرقل: "هل قال هذا القول منكم من قريش أحد قط؟ " بتشديد الطاء المضمومة، ولا يستعمل إلا في الماضي المنفي، واستعمل هنا بغير أداة النفي وهو نادر، وأجيب بأن الاستفهام حكمه حكم النفي، كأنه قال: هل قال هذا القول أحد أو لم يقله أحد قط قبله؟ بالنصب على الظرفية، وفي روايةٍ: مثله؟ "قلت: لا"، أي لم يقله أحد قبله، قال هرقل: "فهل كان من آبائه من ملك؟ " بكسر اللام، و (من) بكسر الميم، وفي رواية: (مَن ملَك) مَن بفتح الميم ومَلك بكسر اللام فعل ماضي، وروي بإسقاط (مِن) والأول أشهر وأرجح، من ملِك.
قال أبو سفيان: "قلت: لا"، قال هرقل: "فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ " قال: أبو سفيان: "قلت: بل ضعفاؤهم" أي اتبعوه، والشرف: علو الحسب والمجد، وقد شرُف بالضم فهو شريف، وقوم شرفاء وأشراف، وجاء في الحديث عند الترمذي ((الحسب المال)) لا شك أن المال حسب، ووسيلة إلى الشرف، شرف الدنيا، وشرف الآخرة إن استعمل فيما يرضي الله ، وخصص ابن حجر الشرف هنا بأهل النخوة والتكبر؛ لأنه لا كل شريف ليخرج مثل أبي بكر وعمر ممن أسلم قبل سؤال هرقل، وتعقبه العيني بأنهما من أهل النخوة أيضاً، فقول أبي سفيان جرى على الغالب، يعني غالب أتباعه ﵊ هم الضعفاء، وفي رواية ابن إسحاق: "تبعه من الضعفاء والمساكين والأحداث، وأما ذوو الأنساب والشرف فما تبعه منهم أحد"، قال ابن حجر: "وهو محمول على الأكثر الأغلب.
قال هرقل: "أيزيدون أم ينقصون؟ " بهمزة الاستفهام، وفي روايةٍ بإسقاطها، وجزم ابن مالك بجوازه مطلقاً خلافاً لمن خصه بالشعر، يعني مثل قوله:
. . . . . . . . . ... بسبعٍ رمينا الجمر أم بثمان؟
هذا قالوا: خاص بالشعر، وابن مالك يجوزه مطلقاً، و (أم) إنما يعطف بها إثر الهمزة من بين حروف الاستفهام، كما قال ابن مالك -رحمه الله تعالى-:
وأم بها اعطف إثر همز التسوية ... أو همزةٍ عن لفظ أي مغنية
стр. 156
فلا تقع بعد (هل) مثلاً، هذا الأصل فيها، مع أنه جاء في رواية من روايات الحديث في كتاب الإيمان أن هرقل قال له: "سألتك هل يزيدون أم ينقصون؟ " وجاء في حديث جابر: ((هل تزوجت بكراً أم ثيباً؟ )) فهذا يدل على الجواز، وفي شرح القسطلاني في كتاب الإيمان في الموضع الثاني، يقول: "سألتك هل يزيدون أم ينقصون؟ " وفي الرواية السابقة: الاستفهام بالهمزة وهو القياس؛ لأن أم المتصلة مستلزمة لهمزة، وأجيب بأن أم هنا منقطعة، أي بل ينقصون فيكون إضراباً عن سؤال الزيادة، واستفهاماً عن النقصان، على أن جار الله أطلق على أنها لا تقع إلا بعد الاستفهام فهو أعم من الهمزة، يعني تقع بعد أي حرف من حروف الاستفهام، والمراد بجار الله الزمخشري كما هو معروف.
قال أبو سفيان: "قلت: بل يزيدون" قال هرقل: "فهل يرتد أحد منهم سخطةً؟ " بفتح السين المهملة، (سخطةً) منصوب مفعول لأجله، أو حال أي ساخطاً أي كراهةً وعدم رضا، وجوز ابن حجر (سخطةً) الضم والفتح، سُخطةٌ وسَخطةً، أي فهل يرتد أحد منهم كراهةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟ أخرج به من ارتد مكرهاً، أو لا سخطاً لدين الإسلام بل لرغبةٍ في غيره كحظٍ نفساني، كما وقع لعبيد الله بن جحش، قال أبو سفيان "قلت: لا" فإن قلتَ: لمَ لم يستغن هرقل بقوله: "بل يزيدون" عن قوله: "هل يرتد أحد منهم؟ " أجيب بأنه لا ملازمة بين الازدياد والنقص، فقد يرتد بعضهم ولا يظهر فيهم النقص باعتبار كثرة من يدخل، وقلة من يرتد مثلاً، فلا تلازم حينئذٍ، وإنما سأل عن الارتداد؛ لأن من دخل على بصيرةٍ في أمرٍ محقق لا يرجع عنه بخلاف من دخل في أباطيل، قال هرقل: "فهل كنتم تتهمونه بالكذب" يعني على الناس قبل أن يقول ما قال، قال أبو سفيان: "قلت: لا" وإنما عدل السؤال عن نفس الكذب إلى السؤال عن التهمة تقريراً لهم عن صدقه؛ لأن التهمة إذا انتفت انتفى سببها؛ لأن الشخص إذا لم يتهم بالكذب هذا نفي للكذب من باب أولى، إذا نفيت التهمة فنفي الكذب نفسه من باب أولى.
стр. 157
وفي علوم الحديث من ألفاظ الجرح عندهم الكذب والتهمة بالكذب، فالكذب المراد به الكذب على النبي ﵊، والتهمة بالكذب كون الراوي جُرب عليه الكذب، لكن لا على النبي ﵊ بل في حديثه مع الناس، هذا يقال له: متهم بالكذب؛ لأن المراد بالكذب الذي هو شر أنواع الجرح وأسوأ مراتب التجريح، المراد به على النبي ﵊ الذي جاء الوعيد عليه، ودونه التهمة بالكذب، بأن يثبت بأن هذا الراوي يتعاطى الكذب في كلامه العادي مع الناس، لكن لم يثبت عنه أنه كذب على النبي ﵊ وحينئذٍ يكون متهماً بالكذب.
قال هرقل: "فهل يغدر؟ " بكسر الدال أي ينقص العهد، قال أبو سفيان: "قلت: لا، ونحن منه -أي النبي ﵊ في مدة" أي مدة صلح الحديبية، أو غيبةٍ وانقطاع، فلا ندري ما هو فاعل فيها، أي في المدة، وفي قوله: "لا ندري" إشارة إلى عدم الجزم بغدره، هذه الكلمة لم يمكن أبو سفيان أن يدخل من أجل الطعن بالنبي ﵊ إلا في هذه أو من خلال هذه الكلمة، يقول: "لا ندري ما هو فاعل فيها" ولذا لم يلتفت إليها هرقل، قال أبو سفيان: "ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئاً أنتقصه به غير هذه الكلمة"، قال في الفتح: "التنقيص هنا أمر نسبي؛ لأن من يقطع بعدم غدره أرفع رتبةً ممن يجوز وقوع ذلك منه في الجملة كأن في كلام أبي سفيان تجويز الغدر منه ﵊، هو لم يقع منه، ولم يثبته أبو سفيان جازماً، وإنما جوز أن يغدر في هذه المدة التي لا يدرى ما هو صانع فيها.
وقد كان النبي ﵊ معروفاً عندهم بالاستقراء من عادته أنه لا يغدر، ولكن لما كان الأمر مغيباً لأنه مستقبل أمن أبو سفيان أن ينسب في ذلك إلى الكذب، يعني لو نسب إلى الكذب قال: هذا مجرد توقع، فلذلك أورده على التردد، ومن ثم لم يعرج هرقل على هذا القدر منه.
стр. 158
و (غير) بالرفع صفة لكلمة، ويجوز فيها النصب صفة لشيءٍ، قال هرقل: "فهل قاتلتموه؟ " نسب ابتداء القتال إليهم ولم ينسبه إليه ﵊ لما اطلع عليه من النبي ﵊ لا يبدأ قومه بالقتال حتى يقاتلوه، ولا يعني هذا أن جميع صور الجهاد في الإسلام تكون دفاعاً، لا يعني هذا أن جميع صور الجهاد هي الدفاع، وإنما من الجهاد في الإسلام ما هو ابتداءً، ﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [(١٢٣) سورة التوبة] فإدخال الناس وإرغامهم من الدين إذا أبوا أن يدخلوا، وصدوا عن الدين، وأبوا أن يدفعوا الجزية لا بد أن يقاتلوا، قال أبو سفيان: "قلت: نعم قاتلناه" قال هرقل: "فكيف كان قتالكم إياه؟ " بفصل ثاني الضميرين (إياه)
والاختيار أن لا يجيء المنفصل ... إذا تأتى أن يجيء المتصل
стр. 159
يعني يمكن أن يقول: (فكيف كان قتالكموه؟ ) هنا يتأتى مجيء الضمير المتصل، والاختيار أن لا يجيء المنفصل مع إمكان مجيء المتصل، وقيل: (قتالكم إياه) أفصح من (قتالكموه) لاتصال الضمير، فلذلك فصله وصوبه العيني تبعاً للزمخشري، قال أبو سفيان: "قلت: الحرب بيننا وبينه سجال" بكسر السين، وتخفيف الجيم، أي نوب، نوبةً لنا، ونوبةً له، كما قال: "ينال منا وننال منه" أي يصيب منا ونصيب منه، والجملة تفسيرية لا محل لها من الإعراب، قال هرقل: (ما) وفي نسخةٍ: (بما) وفي نسخةٍ: (فما) ذا يأمركم؟ " أي ما الذي يأمركم به؟ قال أبو سفيان: "قلت يقول: اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئاً" بالواو، وفي روايةٍ بحذفها: "لا تشركوا به شيئاً" وحينئذٍ فيكون تأكيداً لقوله: "وحده"، "واتركوا ما يقول: آباؤكم" من عبادة الأصنام وغيرها، مما كانوا عليه في الجاهلية، "ويأمرنا بالصلاة" المعهودة المفتتحة بالتكبير، المختتمة بالتسليم، وفي نسخةٍ: (والزكاة)، "والصدق" وهو كلام المطابق للواقع، وفي رواية: (بالصدقة) بدل الصدق، ورجحها البلقيني، "والعفاف" بفتح العين أي الكف عن المحارم، وخوارم المروءة، والصلة للأرحام، وهي كل ذي رحمٍ محرم لا تحل مناكحته لو فرضت الذكورة مع الأنوثة، ضابط المحرم أو الرحم التي تجب صلتها قالوا: كل ذي رحمٍ محرم لا تحل مناكحته ولو فرضت الذكورة مع الأنوثة، يعني لو قدر أن أحدهما ذكر والآخر أنثى لا تجوز المناكحة بينهما حينئذٍ تجب الصلة.
وقيل: كل ذي قرابة، الصلة لذوي الأرحام لكل ذوي قرابة، والصحيح عمومه في كل ما أمر الله به أن يوصل، قال في التوضيح: "من تأمل ما استقرأه هرقل من هذه الأوصاف تبيّن له حسن ما استوصف من أمره واستبرأه من حاله فما أعقله من رجل لو ساعدته المقادير بالاتباع" يعني لو كتب له أن يسلم، لا شك أن هذه الأسئلة تنم عن عقلٍ راجح، لكن إرادة الله له وإيثاره للدنيا على الآخرة، الفاني على الباقي لا شك أن هذا شيء مقدر عليه لكن باختياره وبإمكانه أن يختار الباقي على الفاني، والأمر يومئذٍ لله.
стр. 160
فقال: للترجمان، قل له: سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها، وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول؟ فذكرتَ: أن لا، فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلتُ رجل يتـ ....
يتأسى ويأتسي كلها جاءت في هذا وذاك.
لأنها كتب عندنا (يأتسي)
ولا فرق بين الروايتين، يأتسي أو يتأسى كلاهما وارد.
يتأسى بقولٍ قيل قبله، وسألتك هل كان في آبائه من ملكٍ؟ فذكرتَ: أن لا، فقلت: لو كان من آبائه من ملك قلت: رجل يطلب ملك أبيه، وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت: أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله، وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت: أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل، وسألتك أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت: أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم، وسألتك أيرتد أحد سخطةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب، وسألتك هل يغدر؟ فذكرت: أن لا، وكذلك الرسل: لا تغدر، وسألتك بما يأمركم؟ فذكرت: أنه يأمركم أن تعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئاً، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف، فإن كان ما تقول حقاً فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج لم أكن أظن أنه منكم، فلو أعلم أني أخلص إليه لتشجمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه.
بعد أن أنهى هرقل الأسئلة التي سألها أبا سفيان عن حاله ﵊، والإجابات من أبي سفيان عقّب هرقل على هذه الأسئلة واحداً بعد الآخر، "فقال هرقل للترجمان: قل له -أي لأبي سفيان- سألتك عن نسبه -أشريف هو أم لا؟ - فذكرت أنه فيكم ذو -أي صاحب- نسبٍ" أو شريفٍ عظيم، "فكذلك الرسل تبعث في –أشرف- نسب قومها" وجزم به هرقل لما تقرر عنده في الكتب السابقة، "وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول؟ " وفي نسخةٍ: (قبله) "فذكرت: أن لا، فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت: رجل يأتسي بقولٍ قيل قبله"، يأتسي يقتدي ويتبع، وفي رواية: يتأسى.
стр. 161
"وسألتك: هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت: أن لا، قلت: فلو كان من آبائهم ملك قلت: رجل يطلب ملك أبيه" بالإفراد، وفي روايةٍ بالجمع: (آبائه) فإن قيل: لم قال هرقل في هذين الموضعين (فقلتُ) يعني السؤال الثاني والثالث (فذكرتَ، فقلتُ) والسؤال الثاني: (قلتُ فلو كان) في السؤال الأول والرابع، شوف صيغة السؤال والجواب، (سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب فكذلك) ما قال: (قلت فكذلك) وفي الرابع على ما سيأتي ما في (قلت) الثاني والثالث (سألتك: هل قال أحد منكم هذا القول؟ فذكرت: أن لا، فقلت) (وسألتك هل كان من آبائهم من ملك؟ فذكرت: أن لا، قلتُ: فلو كان) فإن قيل: لمَ قال هرقل في هذين الموضعين: فقلت؟ نسب التعقيب له؛ لأنهما مقاما فكرٍ ونظر، بخلاف غيرهما من الأسئلة فإنها مقام نقل، بقية الأسئلة، الأسئلة مجموعها عشرة، في هذين الموضعين قال: قلت، نسب التعليق له، الأسئلة الثمانية ما قال: قلت؛ لأنه تلقاها من الكتب السابقة نقلاً، في الموضعين السؤال الثاني والثالث قال: قلت؛ لأن هذين الموضعين مقام فكر ونظر، هذا من تلقاء نفسه جاء بهذا التعقيب، بخلاف غيرهما من الأسئلة فإنها مقام نقل.
"وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت: أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر" اللام فيه تسمى لام الجحود، لملازمتها النفي، وفائدتها تأكيد النفي ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ [(٣٣) سورة الأنفال] هذه تسمى لام الجحود، الكذب على الناس قبل أن يظهر رسالته ويكذب على الله بعد إظهارها.
"وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت: أن ضعفاءهم اتبعوه وهم أتباع الرسول" غالباً لأنهم أهل الاستكانة، بخلاف أهل الاستكبار المصرين على الشقاق بغياً وحسداً كأبي جهل، ويؤيد استشهاده على ذلك قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [(١١١) سورة الشعراء] المفسر بأنهم الضعفاء على الصحيح.
стр. 162
"وسألتك أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت: أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان فإنه لا يزال في زيادة حتى يتم" بجميع أموره المعتبرة فيه من صلاةٍ وزكاةٍ وصيامٍ وغيرها، ولهذا نزل في آخر عمره ﵊: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [(٣) سورة المائدة].
"وسألتك: أيرتد أحد سخطةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت: أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب" القلوب مفعول، وبشاشته فاعل، أي تخالط بشاشة الإيمان القلوب التي يدخل فيها، وفي رواية: (يخالط بشاشةَ) بالنصبِ، والقلوبِ مجرور على الإضافة، والمراد ببشاشة القلوب انشراح الصدور، والفرح والسرور بالإيمان.
"وسألتك هل يغدر؟ فذكرت: أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر" لأنها لا تطلب حظ الدنيا الذي لا يبالي طالبه بالغدر بخلاف من طلب الآخرة، من طلب الآخرة لا يمكن أن يسعى من أجل تحقيقها والسعي إليها بأمرٍ يحرمه الله عليه، لا شك أن ما عند الله لا ينال بسخطه كما هو معروف.
"وسألتك بما يأمركم؟ " بإثبات الألف مع (ما) الاستفهامية وهو قليل، قاله الزركشي وغيره، الأصل الحذف (بم) هذا الكثير الغالب ﴿عَمَّ يَتَسَاءلُونَ﴾ [(١) سورة النبأ] ما في (عمّا) يتساءلون؟ الأصل حذف الألف، وإثباتها قليل كما هنا، "فذكرت: أنه يأمركم أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئاً، وينهاكم عن عبادة الأوثان" جمع وثن وهو الصنم، واستفاده هرقل من قوله: "ولا تشركوا به شيئاً، واتركوا ما يقول: آباؤكم" لأن مقولهم الأمر بعبادة الأوثان، "ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف" وهذا تقدم، ولم يعرج هرقل على الدسيسة التي دسها أبو سفيان، يعني قوله: "ونحن منه في مدة ما ندري ما هو صانع فيها؟ " لم يعرج عليها، لأنها لا رصيد لها من الواقع، وهي أيضاً من عدو.
وسقط هنا إيراد السؤال العاشر وجوابه، وثبت ذلك في كتاب الجهاد "وسألتك هل قاتلتموه وقاتلكم؟ فزعمت أنه قد فعل، وأن حربكم وحربه تكون دولاً، يدال عليكم المرة وتدالون عليه الأخرى، وكذلك الرسل تبتلى وتكون لها العاقبة"، هذا السؤال العاشر سقط هنا إيراده.
стр. 163
ثم قال هرقل لأبي سفيان: "فإن كان من تقول حقاً" لأن الخبر يحتمل الصدق والكذب كما هو معروف "فسيملك -يعني النبي ﷺ موضع قدمي هاتين -يعني أرض ملكه- وقد كنت أعلم أنه خارج" قاله لما عنده من علامات نبوته ﵊ الثابتة في الكتب القديمة، وفي رواية في كتاب التفسير: "فإن كان ما تقول حقاً فإنه نبي" وفي الجهاد: "وهذه صفة نبي"، "لم أكن أظن أنه منكم" يعني من قريش، "فلو أني أعلم أني أخلص -أي أصل- إليه لتجشمت" أي لتكلفت لقاءه على ما فيه من المشقة، قال ابن بطال: "هذا التجشم هو الهجرة"، وفي مرسل ابن إسحاق عن بعض أهل العلم أن هرقل قال: "ويحك، والله إني لأعلم أنه نبي مرسل، ولكني أخاف الروم على نفسي ولولا ذلك لاتبعته"، وخفي على هرقل قوله ﷺ الآتي في كتاب النبي ﵊: ((اسلم تسلم)) خفي عليه قوله ﵊: ((أسلم تسلم)) فلو حمل الجزاء السلامة تسلم، على عمومه في الدارين لسلم، لسلم لو أسلم من جميع المخاوف في الدنيا والآخرة، "ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه"، قال ذلك مبالغةً في الخدمة، وفي رواية: "لغسلت عن قدمه"، أو في رواية: "لغسلتُ قدميه" بدون عن، ثم دعا هرقل بكتاب النبي ﵊.
أحسن الله إليكم، عندما قال هنا: سألتك هل كان في آبائه من ملك؟ هل كانت قريش لا تعتبر عبد المطلب ملكاً في وقتها وليس له إمرة، وبالتالي لا يحتسبون أن النبي ﷺ من سلالة قومٍ كان لهم رأي في قريش؟
العرب في الجاهلية عاشوا فوضى، ليس هناك ملك مرتب منظم كما عند غيرهم من الأمم، فهو في الاصطلاح أو في العرف السياسي سواء كان في القديم أو الحديث لا يسمى ملك، كبير وسيد وكبير قوم، ليس بملك عرفاً؛ لأنهم يعيشون فوضى، ما اعتبر ملك.
هذه الحادثة كانت في أثناء فترة الصلح؟
أي نعم، بعد صلح الحديبية سنة ست.
ثم حصل بعدها ما حصل من إسلام أبي سفيان ﵁ ونقل هذه الحادثة إلى الصحابة؟
стр. 164
نعم إيه، نقلها عنه ابن عباس، نقلها كما هي، وهذا يدل على أمانة الصحابة وثقتهم؛ لأن فيها بعض الأشياء التي لو كانت المسألة بالرأي كان يغطيها أبو سفيان، بل يخفيها ولا يرويها للناس؛ لأنها قدح فيه.
ونحن نسميه الآن هذا نسميه حديثاً كما تفضلتم قبل قليل؟
أي نعم، هو حديث؛ لأن فيه وصف النبي ﵊، والحديث ما أثر عن النبي ﵊، أو ما يروى عنه ﵊ من قولٍ أو فعلٍ أو تقريرٍ أو وصف، الوصف من الحديث، ولذا الشمائل قسم من أقسام السنة.
قال: ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ الذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى، فدفعه إلى هرقل فقرأه فإذا فيه: ((بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين، و ﴿ ... يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [(٦٤) سورة آل عمران] قال: قال أبو سفيان: فلما قال ما قال، وفرغ من قراءة الكتاب كثر عنده الصخب، وارتفعت الأصوات، وأخرجنا، فقلت لأصحابي: لقد أمِر أمرُ ابن أبي كبشة، إنه يخافه ملك بني الأصفر، فما زلت موقناً أنه سيظهر حتى أدخل الله عليّ الإسلام.
في تتمة الحديث السابق في قصة هرقل، "ثم دعا –هرقل- بكتاب رسول الله ﷺ الذي بعث به دحية"، بكسر الدال وهو فاعل، بعث به دحية، وهو ابن خليفة الكلبي، صحابي جليل كان من أحسن الناس وجهاً، أسلم قديماً، ذُكر في الشروح أنه كان يمشي متلثماً لئلا يفتتن به من جماله، ولذا جاء جبريل ﵇ في صورته.
стр. 165
وفي رواية: "بعث به مع دحية" أي بعثه ﵊ معه، وكان في آخر سنة ست، بعد أن رجع من الحديبية "إلى عظيم بصرى"، بضم الباء الموحدة مقصوراً مدينة في الشام من أعمال حوران، أي أميرها الحارث بن أبي شمر الغساني، "فدفعه إلى هرقل فقرأه" هرقل بنفسه أو الترجمان بأمره، وفي المرسل محمد بن كعب القرظي عند الواقدي، فدعا الترجمان الذي يقرأ بالعربية "فقرأه فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم"، وفي ذلك استحباب تصدير الكتب بالبسملة، وإن كان المبعوث إليه كافراً في جميع مكاتباته ﵊ يفتتح الكتاب بالبسملة دون الحمدلة، وهذا يدل على أن الرسائل تختلف عن الخطب، وافتتح سليمان ﵇ كتابه إلى بلقيس ببسم الله الرحمن الرحيم كما جاء النص عليه في القرآن الكريم.
"من محمد عبد الله ورسوله" وصف نفسه الشريفة بالعبودية تعريضاً لبطلان قول النصارى في المسيح أنه ابن الله، لأن الرسل مستوون في أنهم عباد الله، وفيه أيضاً الرد على الغلاة الذين غلوا فيه ﵊ ممن ينتسب إلى الإسلام كمن يقول:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العممِ
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به؟ أين الله ؟ إلى أن قال:
فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلمِ
стр. 166
ماذا أبقى لله مثل هذا؟ نسأل الله العافية، فالنبي ﵊ أشرف مقاماته العبودية ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [(١٩) سورة الجن] ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [(١) سورة الإسراء] وهنا قال: "من محمد عبد الله ورسوله"، فالوصف بالعبودية رد على الغلاة، والوصف بالرسالة رد على من ينتقصه ﵊، وفيه استحباب ابتداء الكاتب بنفسه قبل المكتوب إليه، السنة في المكاتبات أن يقال: من فلان إلى فلان، هذه الطريقة المتبعة عنده ﵊، من فلان إلى فلان، فيستحب للكاتب أن يبدأ بنفسه قبل المكتوب إليه، ونص على هذا أهل العلم استنباطاً من مثل هذا الحديث، وإن كان بعضهم يختار البداءة بالأكبر، فإن كان الكاتب أكبر قدم اسمه، وإن كان المكتوب إليه أكبر قُدم، إلى فلان بن فلان من فلان، عملاً بقوله ﵊: ((كبّر كبّر)) وأما الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- فكان يبدأ في مكاتباته باسم المكتوب إليه دائماً، سواء كان صغيراً أو كبيراً تواضعاً منه ﵀، ولا شك أن هذا ثابت عنه ﵊ فالأولى الاقتداء به مع استصحاب التواضع وهضم النفس، يعني يستحضر الإنسان الاقتداء بالنبي ﵊ ويستحضر أيضاً التواضع وهضم النفس، وأنه ما قدم اسمه إلا من أجل الائتساء والاقتداء بالنبي ﵊، ولو قرن اسمه بوصفٍ يدل على التواضع، وقرن اسم المكتوب إليه الذي أخر اسمه وإن كان كبيراً بما يدل على رفعة شأنه كما قال النبي ﵊ إلى هرقل عظيم الروم، فقال في الخطاب: "إلى هرقل عظيم الروم" أي المعظم عندهم، ووصفه بذلك لمصلحة التأليف، ولم يصفه بالإمرة ولا الملك، لكونه معزولاً بحكم الإسلام، حكماً ليس بملك، وإنما هو عظيم قومه، وذكر المدائن أن القاريء لما قرأ: (من محمد) يعني قدم اسمه ﵊ غضب أخو هرقل، واجتذب الكتاب فقال له هرقل: مالك؟ فقال: لأنه بدأ بنفسه وسماك صاحب الروم، فقال هرقل: إنك لضعيف الرأي، أتريد أن أرمي بكتابٍ قبل أن أعلم ما فيه؟ لئن كان رسول الله إنه لأحق أن يبدأ بنفسه، ولقد
стр. 167
صدق أنا صاحب الروم، والله مالكي ومالكه، "سلام" بالتنكير، وفي رواية: (السلام) وجوز أهل العلم على حدٍ سواء، خيروا بين التعريف والتنكير في السلام على الحي، ولذا قالوا: ويخير بين تعريفه وتنكيره في سلام على الحي، أما بالنسبة للميت فيكتفى اللفظ النبوي الوارد: ((السلام عليكم دار قومٍ مؤمنين ... )) الخ، "على من اتبع الهدى" أي الرشاد على حد قول موسى وهارون لفرعون: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [(٤٧) سورة طه] والمعنى: سلم من عذاب الله من أسلم، فليس المراد به التحية، وإن كان اللفظ يشعر به؛ لأنه لم يسلم، فليس هو ممن اتبع الهدى.
"أما بعد" بالبناية على الضم، لقطعه عن الإضافة المنوية لفظاً، وسبق الحديث عنها باختصار في شرح المقدمة، وذكر الخلاف في أول من قالها من بين ثمانية أقوال، يجمعها قول الشاعر:
جرى الخلف أما بعد من كان بادئاً ... بها عدّ أقوال وداود أقربُ
ويعقوب أيوب الصبور وآدم ... وقس وسحبان وكعب ويعربُ
الأقرب أنه داود ﵇، وأنها فصل الخطاب الذي أوتيه، ويؤتى بها للفصل بين الكلامين، وللانتقال من أسلوبٍ إلى آخر، وتقدم الكلام عليها في شرح المقدمة، والإتيان بها سنة كما تقدم ذكره؛ لأن النبي ﵊ لزمها في مكاتباته وفي خطبه ﵊، وينبغي أن يؤتى بها بلفظها (أما بعد) ولا تغني الواو عن (أما) وبعد، وإن كانت دارجة على ألسنة الناس، الناس يقولون: وبعد، لكن الأصل (أما بعد).
بعضهم يقول: ثم أما بعد؟
هذه لا داعي لها، ثم، لا داعي لها إلا إذا أوتي بها للانتقال مرةً ثانية إلى أسلوبٍ ثالث، تقول: ثم أما بعد عطفاً على أما بعد الأولى، نعم جاء في بعض نسخ تفسير الطبري العطف بـ (ثم) في الموضع الأول، لكن العبرة بما ثبت عنه ﵊، ما أثر عنه ولا نص واحد فيه (ثم أما بعد).
في قوله: (الهدى) ﵊ المراد: الإسلام؟
الرشاد، الذي هو الإسلام، نعم، الدين الحق.
وبالتالي يفهم من هذا أنه لا يجوز أن يسلم على غير المسلم؟
стр. 168
نعم ابتداء الكافر بالسلام لا يجوز، السلام المطلق لا يجوز، يقول بعد هذا: "فإني أدعوك بدِعاية الإسلام" بكسر الدال المهملة، وفي رواية: "بداعية الإسلام" أي بالكلمة الداعية إلى الإسلام، وهي شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله، والباء بمعنى (إلى) أي أدعوك إلى الإسلام، "أسلِم" بكسر اللام، "تسلَم" بفتحها، "يؤتك الله أجرك مرتين" بالجزم في الأول على الأمر، وفي الثاني جواب له، والثالث بحذف حرف العلة لالتقاء الساكنين كما هو معروف، جواب ثانٍ له أيضاً أو بدل منه، "أسلم تسلم" (أسلم) فعل أمر مبني على السكون، (تسلم) جواب الطلب أو جواب شرط مقدر، إن تسلِم تسلَم، كما يقوله بعضهم، "يؤتك" جواب ثاني أيضاً أو بدل منه، وجاء في كتاب الجهاد على ما سيأتي تكرار (أسلم) أسلم تسلم، وأسلم يؤتك، على ما ستأتي الإشارة إليه قريباً -إن شاء الله تعالى-.
وإعطاء الأجر مرتين لكونه مؤمناً بنبيه ثم آمن بمحمدٍ ﵊، وقد جاء في هذا الحديث الصحيح: ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: وذكر منهم: رجل آمن بنبيه ثم آمن بالنبي ﵊، وهذا منهم، أو من جهة أن إسلامه يكون سبباً لإسلام أتباعه، لكن الأول أقرب.
стр. 169
وقوله: "أسلم تسلم" فيه غاية الاختصار، ونهاية الإيجاز والبلاغة، وجمع المعاني مع ما فيه من الجناس الاشتقاقي، وهو أن يرجع اللفظان في الاشتقاق إلى أصلٍ واحد، وفي الجهاد عند المؤلف: "أسلم تسلم، وأسلم يؤتك" بتكرار أسلم، مع زيادة الواو في الثانية، فيكون الأمر الأول للدخول في الإسلام، والثاني للدوام عليه على حد قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ﴾ [(١٣٦) سورة النساء] قال الحافظ ابن حجر: "وعورض بأن الآية في حق المنافقين، أي يا أيها الذين آمنوا نفاقاً آمنوا إخلاصاً، قاله مجاهد"، ومنزلة مجاهد في التفسير معروفة، إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به، عرض التفسير ثلاث مرات على ابن عباس من أوله إلى آخره، وابن عباس ﵁ ما- يقول: "نزلت في مؤمني أهل الكتاب، يا أيها الذين آمنوا يعني بأنبيائهم السابقين آمنوا بمحمد ﵊"، وهي عند جماعة من المفسرين خطاب للمؤمنين بمحمدٍ ﵊ ويكون المراد بـ (آمنوا) الثانية دوموا واثبتوا على إيمانكم، يا أيها الذين آمنوا أنتم على خير على إيمان لكن اثبتوا على هذا الخير ودوموا عليه، فيكون المراد الاستمرار عليه، ومنهم من يقول: أن المراد بـ (آمنوا) هنا: ازدادوا من الإيمان، يا أيها الذين آمنوا عندكم أصل الإيمان صحيح، لكن ازدادوا من الإيمان، فالإيمان يقبل الزيادة كما هو معروف.
стр. 170
"فإن توليت" أي أعرضت عن الإسلام فإن عليك مع إثمك إثم اليريسين بمثناتين تحتيتين، جمع يريس على وزن كريم، وفي رواية: (الأريسين) بقلب المثناة الأولى همزة، وفي أخرى: (اليريسيين) بياءين جمع يريسي، وفي رواية: (الأريسيين) والمعنى أنه إذا كان عليه إثم الأتباع بسبب اتباعهم له على استمرار الكفر؛ فلأن يكون عليه إثم نفسه من باب أولى، فإن قلت: هذا معارض لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [(١٦٤) سورة الأنعام] أجيب بأن وزر الإثم لا يتحمله غيره، ولكن الفاعل المتسبب والمتلبس بالسيئات يتحمل من جهتين، جهة فعله، وجهة تسببه، أن يقتدى به في أي عمل سواء كان عمل خير أو عمل شر، من سنّ سنةً حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سنّ سنةً سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها، عليه إثمها وإثم من عمل بها، يتحمل إثمه بفعله وإثم غيره بالاقتداء به، ولا شك أن الكبراء والعظماء يقتدى بهم ﴿إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا﴾ [(٦٧) سورة الأحزاب] فلا شك أن عليهم إثم من يقتدي بهم، والأريسيون الأكارون أي الفلاحون أي عليك إثم رعاياك الذين يتبعونك وينقادون لأمرك، ونبه بهم على جميع الرعايا لأنهم الأغلب في رعاياه، والأسرع انقياداً، فإذا أسلم أسلموا، وإذا امتنع امتنعوا.
وقال أبو عبيد: المراد بالفلاحين أهل مملكته؛ لأن كل من يزرع فهو عند العرب فلاح، سواء كان يلي ذلك بنفسه أو بغيره، فأهل مملكته أهل زراعة، منهم من يتولى الزراعة بيده وبنفسه، ومنهم من يتولاها بماله، فيؤاجر الناس عليها، وقيل: هم الأجراء، وقيل: العشارون، أي أهل المكس، وقيل: الخدم والخول.
стр. 171
"ويا أهل الكتاب" معطوفاً على قوله: أدعوك بدعاية الإسلام، وأدعوك بقوله تعالى، أو أتل عليك، أو أقرأ عليك: يا أهل الكتاب، وعلى هذا التقدير فلا تكون زائدةً في التلاوة، تكون خارجة عن التلاوة؛ لأن الواو إنما دخلت على محذوف ولا محذور فيه، وقيل أنه ﵊ لم يرد التلاوة، بل أراد مخاطبتهم بذلك، وحينئذٍ فلا إشكال، وعورض هذا بأن العلماء استدلوا بهذا الحديث على جواز كتابة الآية والآيتين إلى أرض العدو، ولولا أن المراد الآية لما صح الاستدلال، وهم أقوم وأعرف.
وحذفت الواو في بعض الروايات: (يا أهل الكتاب) فيكون بياناً لقوله: بدعاية الإسلام، وقوله: "يا أهل الكتاب" يعمّ أهل الكتابين، "تعالوا إلى كلمةٍ سواء" أي مستوية بيننا وبينكم لا يختلف فيها القرآن والتوراة والإنجيل، وتفسير الكلمة أن لا نعبد إلا الله، أي نوحده بالعبادة ونخلص له فيها، هذا القدر الذي هو التوحيد قدر مشترك بين الديانات كلها، الديانات السماوية، ((نحن معاشر الأنبياء أولاد علات، ديننا واحد)) فالأصل واحد، والشرائع مختلفة، "ولا نشرك به شيئاً" ولا نجعل غيره شريكاً له في استحقاق العبادة، "ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله" فلا نقول: عزير ابن الله، ولا المسيح ابن الله، ولا نطيع الأحبار فيما أحدثوه من التحريم والتحليل، لما نزل قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ﴾ [(٣١) سورة التوبة] جاء في الحديث أن عدي بن حاتم قال للنبي ﵊: ما كنا نعبدهم يا رسول الله، قال: ((أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه))، "فإن تولوا -عن التوحيد- فقولوا: اشهدوا بأنا مسلمون" أي لزمتكم الحجة فاعترفوا بأنا مسلمون دونكم، أو اعترفوا بأنكم كافرون بما نطقت به الكتب، وتطابقت عليه الرسل، وقد قيل: إنه ﷺ كتب ذلك قبل نزول الآية فوافق لفظه لفظها لما نزلت؛ لأن الآية نزلت في وفد نجران سنة الوفود سنة تسع، وقصة أبي سفيان قبل ذلك سنة ست، وقيل: بل نزلت في اليهود: وجوز بعضهم نزولها مرتين، نزلت قبل قصة أبي سفيان، وفي سنة الوفود سنة تسع ...
стр. 172
التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - شرح أحاديث كتاب بدء الوحي (٤)
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
"قال أبو سفيان: فلما قال ما قال -أي الذي قاله في السؤال والجواب- وفرغ من قراءة الكتاب -النبوي- كثر عنده الصخب -أي اللغط، وهو اختلاط الأصوات في المخاصمة- وارتفعت الأصوات وأخرجنا، فقلت لأصحابي حين أخرجنا -وفي رواية: حين خلوت به-: والله لقد أمِر -أي كبر وعظم- أمر ابن أبي كبشة"، أي شأنه، وكبشة ليس هو مؤنث الكبش، من غير لفظه، والمراد بذلك كنية النبي ﵊، لأنها كنية أبيه من الرضاعة، الحارث بن عبد العزى فيما قاله ابن ماكولا، أو هو والد حليمة مرضعته، أو ذلك نسبةً إلى جد جده؛ لأن أمه آمنة بنت وهب وأم جد وهب قيلة بنت أبي كبشة، أو لجد جده عبد المطلب لأمه، أو هو رجل من خزاعة اسمه وجز بن غالب، خالف قريشاً في عبادة الأوثان، فعبد الشعر، فنسبوه إليه لاشتراكه في مطلق المخالفة، يعني يكون لقب لهذا للخزاعي، لما خالف قريش فعبد غير ما كانت تعبده قريش نسب إليه النبي ﵊؛ لأنه خالف قومه فدعا إلى عبادة الله وحده، ومخالفاً بذلك قومه.
"إنه يخافه" بكسر الهمزة على الاستئناف، وجوز العيني فتحها، والمعنى عظم أمره ﵊ لأجل أنه يخافه ملك بني الأصفر، وهم الروم؛ لأن جدهم روم بن عيص ابن إسحاق تزوج بنت ملك الحبشة فجاء ولده بين البياض والسواد فقيل له الأصفر، أو لأن جدته سارة حلته بالذهب، وقيل غير ذلك.
قال أبو سفيان: "فما زلت موقناً أنه سيظهر، حتى أدخل الله عليّ الإسلام، فأبرزت ذلك اليقين"، أبو سفيان كأنه عنده شيء من القناعة النفسية لكن تمنعه الأنفة عن الدخول في الإسلام كما كانت تمنع أبا طالب، هذا موجود من كبراء قريش هي تمنعهم الأنفة من أن يعترفوا ويذعنوا، لكن أدخل الله عليه الإسلام فأبرز ذلك وحدث به الناس.
стр. 173
المقدم: هناك إشكال -أحسن الله إليكم- حقيقة يرد كثيراً في خطاب النبي ﷺ عندما قال: ((إني أدعوكم بدعاية الإسلام، اسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين)) كيف يحمل وزر هؤلاء أي الأريسيين إذا لم يسلم؟ هل من عادة الملوك منع أتابعهم من الإسلام، أو بمجرد أن يكون ذا سلطةٍ وبالتالي يتبعه من تحته، ويكون عليه الوزر لامتناع دخول جمهرة الناس في دين الإسلام؟
سبقت الإشارة إلى شيءٍ من ذلك، وأن ليس لأحد أن يحمل وزر غيره ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [(٧) سورة الزمر] لكن هو سبب في صدهم عن الإسلام، سواء كان بفعله إذا اقتدوا به، أو بقوله وإلزامه وإكراهه لهم، فمجرد الاقتداء به لا شك أنه سبب في صدهم عن دين الإسلام، وهذا يجعل على طالب العلم مسؤولية كبرى في أن يعمل بعلمه، عليه أن يعمل بعلمه؛ لأنه إذا لم يعمل بعمله واقتدى به الناس تحمل آثامهم وأوزارهم لماذا؟ لأنهم يقولون: لو كان ما يقوله حق؟ لفعله هو، هو أولى الناس به، فدل على أنه غير مقتنع بما يقول؟ فهو وإن أمر الناس بقوله فقد صدهم عن الاقتداء به بفعله، فعلى طالب العلم وعلى العالم أن يكون داعيةً بقوله وفعله؛ لأن الاضطراب والازدواجية بين القول والفعل تجعل عامة الناس يضطربون فلا يدرون يصدقونه فيما يقول أو يقتدون به فيما يفعل؟ لا شك أن مثل هذا له نصيب من الصد عن دين الله.
وكثيراً ما نرى بعض عامة الناس يستدل الشيخ الفلاني يقول كذا، الشيخ الفلاني يفعل كذا، الشيخ الفلاني يجر ثوبه، الشيخ الفلاني يقص من لحيته، يقولون مثل هذا الكلام فهم يقتدون بفعله، ولا شك أن القدوة والأسوة هو محمد ﵊، لكن حذاري حذاري أن يكون العالم أو طالب العلم ممن يكون داعية شرٍ وداعية ضلال بفعله، وإن أظهر بلسانه خلاف فعله، والله المستعان.
المقدم: أحسن الله إليكم، هذا النص جاء في الإمام لأمةٍ كاملة، ومع ذلك جاء هذا التحذير الشديد، ألا ترون أن ولي الأمر في المنزل أيضاً ربما يناله حظ من هذا الإثم إذا كان سبب لصد أبناءه ومن تحت يده من الهداية بأن يسر لهم سبل الشر في المنزل، ألا يناله وزر من هذا يكون من تحته؟
стр. 174
لا شك أن كل مسؤول ومقتدى به عليه وزر من تبعه، إضافةً إلى وزره الأصلي، وكل مسؤول، كلٌ راعٍ وكل مسؤول عن رعيته، لا شك أن رب البيت راعٍ في بيته، وهو قدوة لأولاده، والمعلم قدوة أيضاً لطلابه وتلاميذه، والعالم قدوة للناس، وهكذا، فكل بحسب موقعه ومسؤوليته، لا شك أن الذي يجلب ما يصد الناس عن دين الله، لا شك أنه شريك له، بل يتحمل أوزار الناس كلهم؛ لأنه هو المتسبب، الرجل في بيته إذا أدخل في بيته ما يكون سبباً لصد أسرته وعائلته عن دين الله عليه الوزر، إذا اقتدى به من عوام الناس من الجيران وغيرهم أيضاً ناله من الإثم ما يناله؛ لأنه في موقع الاقتداء والائتساء، والله المستعان.
المقدم: قال: وكان ابن الناطور صاحب إيلياء وهرقل أُسقُفاً على نصارى الشأم، يحدث أن هرقل حين قدم إيلياء أصبح خبيث النفس، فقال بعض بطارقته: قد استنكرنا هيئتك، قال ابن الناطور: وكان هرقل حزاءً ينظر في النجوم، فقال لهم حين سألوه: إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم أن ملك الختان قد ظهر فمن يختتن من هذه الأمة؟ قالوا: ليس يختتن إلا اليهود، فلا يهمنك شأنهم، واكتب إلى مدائن ملكك فيقتلون من فيهم من اليهود، فبينما هم على أمرهم أتي هرقل برجل أرسل به ملك غسان يخبر عن خبر رسول الله ﷺ ، فلما استخبره هرقل قال: اذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا؟ فنظروا إليه فحدثوه أنه مختتن، وسأله عن العرب فقال: هم يختتنون، فقال هرقل: هذا ملك هذه الأمة قد ظهر، ثم كتب هرقل إلى صاحب له برومية، وكان نظيره في العلم، وسار هرقل إلى حمص فلم يرم حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأي هرقل على خروج النبي ﷺ ، وأنه نبي، فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له بحمص ثم أمر بأبوابها فغلقت ثم اطلع فقال: يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا الرجل فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، فوجدوها قد غلقت، فلما رأى هرقل نفرتهم وأيس من الإيمان قال: ردوهم علي، وقال: إني قلت: مقالتي آنفاً أختبر بها شدتكم على دينكم فقد رأيت، فسجدوا له، ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقل.
стр. 175
والناطور: هو حافظ البستان، وهو لفظ أعجمي تكلمت به العرب، وفي رواية: (الناظور) بالمعجمة، وفي رواية الليث: عن يونس بن ناطوراء، بزيادة ألفٍ في آخره، والواو عاطفة، فالقصة الآتية موصولة إلى ابن الناطور مروية عن الزهري خلافاً لمن توهم أنها معلقة أو مروية بالإسناد المذكور عن أبي سفيان، والتقدير عن الزهري أخبرني عبيد الله، وذكر الحديث، ثم قال الزهري: وكان ابن الناطور يحدث، فذكر هذه القصة، "صاحب إيلياء" أي أميرها و (صاحب) منصوب على الاختصاص أو الحال، لا خبر كان؛ لأن خبرها إما (إسقفا) أو (يحدث) وجوز كونه خبر لكان؛ لأنه لا مانع من تعدد الخبر، وفي رواية: (صاحبُ) بالرفع صفة لابن الناطور، وجوز بعضهم إعرابه خبر مبتدأ محذوف أي هو صاحب إيلياء.
"وهرقلَ" مجرور عطفاً على إيلياء، أي صاحب إيلياء وصاحب هرقل، وأطلق عليه الصحبة إما بمعنى التبع، وإما بمعنى الصداقة، "أسقفا" هذه اللفظة رويت بألفاظٍ متعددة، بضم الهمزة مبنياً للمفعول، وفي رواية: (أُسقفّاً) بتشديد الفاء، بضم الهمزة وسكون السين، وضم القاف وتشديد الفاء، وفي رواية: (أُسقفَاً) مثلها إلا أنها بتخفيف الفاء، والتشديد: (أُسْقُفّاً) قال النووي: هي الأشهر، وفي رواية: (سُقُّفَ) "على نصارى الشام" لكونه رئيس دينهم، أو عالمهم، أو هو قيم شريعتهم، وهو دون القاضي، أو هو فوق القسيس ودون المطران، "يحدث أن هرقل حين قدم إيلياء" عند غلبة جنوده على جنود فارس، وإخراجهم في سنة عمرة الحديبية، "أصبح خبيث النفس" رديئها غير طيبها، مما حل به من الهم، وعبر بالنفس عن جملة الإنسان روحه وجسده اتساعاً لغلبة أوصاف الجسد على الروح، وفي رواية: "أصبح يوماً خبيث النفس" أصبح خبيث النفس، هي هو كله خبيث، قالوا: عبر بالنفس عن جملة الإنسان عن روحه وعن جسده عن كامله لغلبة أوصاف الجسد على الروح، يعني تطلق الروح يراد به الجسد، كان هذا مرادهم.
стр. 176
"فقال له بعض بطارقته: " بفتح الموحدة جمع بِطريق أي قواده وخواص دولته وأهل الرأي والشورى منهم "قد استنكرنا هيأتك" أي سمتك وحالتك، لكونها مخالفة ً لسائر الأيام، "قال ابن الناطور" وفي رواية: الناظور، "وكان" عطف على مقدر تقديره قال ابن الناطور: كان هرقل عالماً، "حزاءً" فلما حذف المعطوف عليه أُظهر هرقل في المعطوف و (حزاء) منصوب؛ لأنه خبر كان، و (حزاء) بالمهملة وتشديد الزاي آخرها همزة منونة أي كاهناً "ينظر في النجوم" خبر ثاني لـ (كان) إن قلنا: أنه ينظر في الأمرين، يعني يكون حزاء، وينظر في النجوم، أو هو تفسير للحزاء؛ لأن الكهانة تؤخذ من ألفاظ الشياطين تارةً، وتارةً من أحكام النجوم، وكان هرقل علم ذلك بمقتضى حساب المنجمين، "فقال لهم" أي لبعض بطارقته حين سألوه "إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم أن ملك الختام" ملك بفتح الميم وكسر اللام، وفي رواية: (مُلك) بالضم ثم الإسكان "قد ظهر" أي غلب، وهو كما قال؛ لأنه في تلك الأيام كان ابتداء ظهوره ﷺ ، إذ صالح الكفار بالحديبية، وأنزل الله تعالى سورة الفتح، ومقدمة الظهور ظهور، "فمن يختتن من هذه الأمة؟ " أي من أهل هذا العصر، وإطلاق الأمة على أهل العصر كلهم تجوز، وفي رواية: (من يختتن من هذه الأمم؟ ) "قالوا -مجيبين لاستفهامه إياهم- ليس يختتن إلا اليهود" أجابوا بمقتضى علمهم؛ لأن اليهود كانوا بإيلياء تحت الذلة، مع النصارى بخلاف العرب، يعني ما في خلطة بين النصارى والعرب بخلاف الخلطة الحاصلة بين اليهود والنصارى، "فلا يهمنك -أي لا يقلقك شأنهم- واكتب إلى مدائن ملكك" جميع مدينة بالهمز، وقد يترك فيقال: مداين "فيقتلون من فيهم من اليهود" وفي رواية: (فليقتلوا) باللام، "فبينما هم" الآن هرقل وأعوانه ما رفعوا شأناً باليهود ولا اهتموا لهم، فلذلك قالوا: "فلا يهمنك شأنهم" لأنهم قد ضرب عليهم الذلة والصغار، فلا شك أن شأنهم أضعف من أن يلقى لهم أي بال، وأن يحسب لهم أي حساب، وكونهم يتسلطون في مثل هذه الأيام، وفي مثل هذه العصور على المسلمين هذا من باب العقوبة للمسلمين لإعراضهم عن دين الله، وكون الإنسان يعاقب بأضعف الأشياء زيادة في النكاية، وتشديد في
стр. 177
العقوبة أن يسلط على الإنسان أضعف الأشياء، وأحقر الأشياء، "فبينما هم" بالميم وأصله (بين) فأشبعت الفتحة فصارت (بينا) ثم زيدت عليها الميم، وفي رواية: (فبينا) والمعنى واحد، و (هم) مبتدأ خبره "على أمرهم" مشورتهم التي كانوا فيها "أوتي هرقل برجلٍ أرسل به ملك غسان" بالغين المعجمة والسين المهملة المشددة، والملك: هو الحارث بن أبي شمر، وغسان ماءٍ نزل عليه قوم من الأزد فنسبوا إليه، ولم يسمَ الرجل ولا من أرسل به، "يخبر عن خبر رسول الله ﷺ " فقال -كما عند ابن إسحاق-: خرج بين أظهرنا رجل يزعم أنه نبي، فقد اتبعه ناس وصدقوه وخالفه ناس فكانت بينهم ملاحم في مواطن وتركتهم وهم على ذلك"، "فلما استخبره هرقل" وأخبره بذلك، قال هرقل لجماعته: "اذهبوا فانظروا إلى الرجل أمختتن هو؟ " بهمزة الاستفهام، فتح المثناة الفوقية وكسر الثانية، "أم لا؟ فنظروا إليه" وعند ابن إسحاق: (فجردوه فإذا هو مختتن) "فحدثوه -أي حدثوا هرقل- إنه مختتن" "وسأله عن العرب" هل يختتنون؟ "فقال -أي الرجل-: هم يختتنون" وفي رواية: (مختتنون) "فقال هرقل: هذا -الذي نظرته في النجوم- ملك هذه الأمة" أي العرب، وفي رواية: (يملك) وليس المراد بذكر هذا هنا، تقويةً لقول المنجمين أو اعتماداً عليها، بل المراد أن البشارات به ﵊ جاءت على لسان كل فريقٍ من إنسي وجني، يعني تظافرت عليه الأدلة.
المقدم: النسخة التي بين أيدينا -أحسن الله إليكم- فقال هرقل: هذا ملك هذه الأمة قد ظهر، وقد ذكرتم أنه قال: هذا الذي نظرته في النجوم.
لا لا، هذا شرح "فقال هرقل: هذا -أي الذي نظرتم في النجوم- ملك هذه الأمة" يعني طابق وواقع ما رآه، ولا شك أن أخبار المنجمين وأخبار الكهان قد تصدق، فمسترق السمع قد يسترق الكلمة ويلقيها على الكاهن، والكاهن يزيد عليها مائة كما جاء في الأخبار.
стр. 178
"ثم كتب هرقل إلى صاحبٍ له -يسمى ضغاطر الأسقف- برومية" بالتخفيف، أي فيها وهي مدينة كبيرة يقال: إن سورها أربعة وعشرون ميلاً، "وكان نظيره في العلم -أي مثيله- وسار هرقل إلى حمص" مجرور بالفتحة (حمص) مجرور بالفتحة؛ لأنه غير منصرف، لعللٍ ثلاث، للعالمية والتأنيث والعجمة، وجوز بعضهم صرفه وعدمه؛ لأنه ثلاثي ساكن الوسط، والخلاف بين العيني وابن حجر هل كونه ثلاثياً ساكن الوسط يقابل العلل الثلاث فيصرف؟ أو يقابل واحدة من الثلاث فيبقى فيه علتان فيمنع من الصرف؟
стр. 179
وعلى كل حال الخطب سهل، هو ثلاثي ساكن الوسط فيخف على اللسان ويهون ويسهل صرفه، مثل نوح ولوط وهند، وإنما سار هرقل إلى حمص لأنها دار ملكه، "فلم يرم" أي يبرح منها أو لم يصل إليها هرقل "حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه -ضغاطر- يوافق رأي هرقل على خروج النبي ﷺ -أي ظهوره- وأنه نبي" وهذا يدل على أن هرقل وصاحبه أقرا بنبوته ﷺ ، لكن هرقل لم يستمر على ذلك، ولم يعمل بمقتضاه، بل شحّ بملكه ورغب في الرياسة، وآثر الدنيا على الآخرة، بخلاف صاحبه ضغاطر فإنه أظهر إسلامه وخرج على الروم فدعاهم إلى الإسلام فقتلوه، "فأذن -بالقصر من الإذن وفي رواية: (فآذن) بالمد أي أعلم- هرقل لعظماء الروم في دسكرة" دسكرة وهي القصر يكون حوله البيوت، "له -أي كائنة له - بحمص، ثم أمر بأبوابها -أي أبواب الدسكرة- فغلقت" بتشديد اللام وكأنه دخلها ثم أغلقها، وفتح أبواب البيوت التي حولها، وأذن للروم في دخولها ثم أغلقها، دخل أولاً ثم أغلق على نفسه خوفاً منهم، "ثم اطلع" عليهم من علو، خوف أن ينكروا مقالته فيقتلوه كما قتلوا صاحبه ضغاطر، ثم خاطبهم "فقال: يا معشر الروم، هل لكم -رغبة- في الفلاح والرشد؟ " بالضم ثم السكون، أو بفتحتين الرشد، وهو خلاف الغي، "وأن يثبت ملككم، فتبايعوا" منصوب بحذف النون بأن مقدرة في جواب الاستفهام، وفي نسخةٍ: (فبايعوا) وفي روايةٍ: (نبايع) بنون الجمع ثم موحدة، وفي رواية: (نتابع) وفي رواية: (فتتابعوا) من الاتباع أو من البيعة وفي نسخة: (فنتبع) "هذا الرجل" النبي ﷺ ، وفي رواية: (لهذا) وإنما قال هرقل هذا لما عرفه من الكتب السابقة أن التمادي على الكفر سبب لذهاب الملك، ونقل أن في التوراة: ونبياً أرسله أي إنسانٍ لم يقبل كلامي الذي يؤديه عني فإني أهلكه، هذا منقول من التوراة، والله أعلم.
"فحاصوا -أي نفروا- حيصة حمر الوحش -أي كحيصتها- إلى الأبواب فوجودها قد غلقت" بالتشديد، وشبه نفرتهم مما قال لهم من اتباع الرسول ﷺ بنفرة حمر الوحش؛ لأنها أشد نفرةً من سائر الحيوانات، ولذا جاء في سورة المدثر: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ﴾ [(٥٠) سورة المدثر].
стр. 180
"فلما رأى هرقل نفرتهم وآيس" وفي رواية: (يئس) أي قنط "من الإيمان" أي من إيمانهم لما أظهروه، ومن إيمانه لكونه شحّ بملكه، وكان يحب أن يطيعوه فيستمر ملكه، ويسلم ويسلمون، هو يحب هذا، ليجمع بين خيري الدنيا والآخرة، لكن الآن الامتحان في المفاضلة، حصلت المفاضلة بين الدنيا والآخرة فآثر الدنيا، والله المستعان.
"قال: ردوهم عليّ، وقال: إني قلت مقالتي آنفاً -بالمد أي هذه الساعة- أختبر -أي أمتحن- بها شدتكم -أي رسوخكم- على دينكم، فقد رأيت شدتكم" فحذف المفعول للعلم به مما سبق، وفي رواية: "فقد رأيت منكم الذي أحببت"، "فسجدوا له" حقيقةً، على عادتهم لملوكهم، أو قبلوا الأرض بين يديه؛ لأن ذلك ربما كان كهيئة السجود، "ورضوا عنه، فكان ذلك آخر -بالنصب خبر كان- شأن هرقل" أي فيما يتعلق بهذه القصة خاصةً، هذا لا يعني أن هذا آخر حياة هرقل، إنما هذا آخر شأنه فيما يتعلق بهذه القصة، أو فيما يتعلق بالإيمان، فإنه بعد ذلك وقعت له أمور من تجهيز الجيش إلى مؤتة وتبوك ومحاربته للمسلمين، وهذا يدل على استمراره على الكفر، نسأل الله العافية، لكن قال بعض الشراح: مع ذلك يحتمل أنه يكون يضمر الإيمان، ويفعل هذه المعاصي مراعاةً لمملكته، وخوفاً من أن يقتله قومه.
وعلى كل حال مثل هذا الإيمان ولو أضمره، ولو وقر الإيمان في القلب لكن لم ينطق به الشخص، فإنه لا يحكم بإيمانه، وإنما حكمه في الدنيا الكفر، إلا أن في مسند الإمام أحمد أنه كتب من تبوك إلى النبي ﷺ أني مسلم، قال النبي ﵊: بل هو على نصرانيته.
следующие страницы →