Полный текст (417 стр.). Показаны 386–417 · переход к 391.
стр. 386
أولاً: لا سيما العرب الذين هم قرب عهد النبوة، أهل الفترة كيف يصفون الرجل بأنه فاسق؟ يعني خرج عن المألوف عنهم فقالوا: فاسق، أو أن الحقيقة المعروفة في الشريعة ...
المقدم: أطلقت هذا اللفظ.
لا، أنا أقول: اللفظ الفاسق الذي يطلق على المخالف لأحكام الله -جل وعلا-.
المقدم: هذا شرعاً يا شيخ.
هذا معروف.
لكن إذا قلنا: إن العرب أطلقوه على من خرج عن أمر الله -جل وعلا- كلهم فساق.
المقدم: صحيح.
أن الواصف والموصوف لأنه جلهم خرجوا عن ...
المقدم: لكنهم يطلقون على من خرج عن شيء مألوف عندهم أو عرف عنه تمرده الظاهر يطلقون عليه فاسق وفسق وفسوق.
على كلامهم لا، على كلام ابن الأعرابي لا.
المقدم: هذا هو السؤال.
نعم.
المقدم: هذا الأهم.
على كلام ابن الأعرابي لا.
المقدم: يعني لا يعرف عنهم.
الاسم إسلامي، اسم إسلامي.
المقدم: ألفاظ القرآن في مسألة الفسق كثيرة.
نعم بلا شك.
المقدم: ﴿وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [(٣) سورة المائدة].
نعم.
المقدم: يعني كونه ...
لكن هذا الوصف إسلامي لذلك الفعل الذي حصل في الجاهلية.
المقدم: يعني حتى إطلاقه في بعض أفعالهم: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [(١٢١) سورة] هل المراد فقط إشعار العرب بأن هذه اللفظة من الفسق جاءت بدلالة شرعية جديدة؟
ابن حجر لما تعقب ابن الأعرابي بأنه كثر استعماله في القرآن، وحكايته عمن قبل الإسلام، يعني هل القرآن يحكي عمن قبل الإسلام أو يصف من قبل الإسلام؟
المقدم: لا، يصف.
فرق بين هذا وهذا، كونه يصف لا يلزم أن يكون معروفاً عند العرب.
المقدم: وهذا ممكن جداً.
يقول: وحكايته عمن قبل الإسلام، هل القرآن حكى عمن قبل الإسلام أنهم تكلموا بهذه الكلمة؟
المقدم: أبداً.
يقول الكرماني في تفسير ((ولم يفسق)) أي: لا خروج عن حدود الشريعة، الآية فيها ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [(١٩٧) سورة البقرة].
المقدم: ﴿وَلاَ جِدَالَ﴾ [(١٩٧) سورة البقرة].
﴿وَلاَ جِدَالَ﴾ [(١٩٧) سورة البقرة].
في الحديث اقتصر على إيش؟
المقدم: الرفث والفسوق.
فقط.
стр. 387
المقدم: وليس هناك جدال.
نعم، يقول الكرماني: إنما لم يذكر الجدال في الحديث اعتماداً على الآية، يعني: من باب الاكتفاء، الآية التي يعرفها الخاص والعام، فهي في حكم المذكور، اكتفاء بالآية، أفاد الطيبي كما نقله ابن حجر عن غيره عنه أن الحديث إنما لم يذكر الجدال كما ذكر في الآية على طريق الاكتفاء، بذكر البعض وترك ما دل عليه ما ذُكر.
المقدم: أي نعم، صح.
﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [(٨١) سورة النحل].
المقدم: ولم يذكر ...
ولم يذكر البرد، نعم.
المقدم: من باب أولى.
لا من باب الاكتفاء.
المقدم: أي نعم.
يقول فيما نقل عن الطيبي: أن الحديث إنما لم يذكر الجدال كما ذكر في الآية على طريق الاكتفاء بذكر البعض وترك ما دل عليه ما ذكر، لكن يحتمل أن يقال: إن ذلك تختلف، الجدال مراتبه تختلف بالقصد.
المقدم: بعض الجدال قد يكون حق.
نعم، وبعض الجدال لا يؤثر في المغفرة؛ لأن وجوده قد لا يؤثر في ترك المغفرة إن كان المراد به المجادلة في أحكام الحج بمعنى المناقشة، يعني: مدارسة العلم في هذه الأحكام "فلا جدال في الحج" يعني: لا مناقشة في مسائل الحج، هذا المقصود به في الآية؟ لا، إنما الجدال والمناقشة في مسائل الحج للوصول إلى الحق هذا مطلوب، هذا علم، هذا دين، هذه عبادة، يقول: لأن وجوده لا يؤثر في ترك المغفرة إذا كان المراد به المجادلة في أحكام الحج فيما يظهر من الأدلة، أو المجادلة بطريق التعميم، فلا يؤثر أيضاً، فإن الفاحش داخل في عموم الرفث، هم قالوا في تعريف الرفث: إنه القول الفاحش.
المقدم: كل قول فاحش.
إذن إذا كان الجدال فاحش دخل في فلا يرفث.
المقدم: وإذا كان حق.
والحسن منه ظاهر في عدم التأثير، والمستوي الطرفين، يعني ليس بفاحش وليس بحسن، إنما هو من الكلام والجدال المباح، لا يؤثر أيضاً، لكن لا شك أن تركه أولى.
المقدم: يظهر -والله أعلم- أن تركه هو الأولى.
بلا شك.
المقدم: وغير كذا يمكن أنه لم يذكر استناداً لأدلة أخرى يا شيخ إذا استوى ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر)).
((فليقل خيراً))
المقدم: ((أو ليصمت)).
стр. 388
ولذا الخلاف معروف عند أهل العلم فيما يكتب، هل يكتب كل شيء؟ ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [(١٨) سورة ق] هذا الأصل أنه يكتب كل شيء، حتى الكلام المباح يكتب، منهم من يقول: إنه ما يكتب إلا ...
المقدم: ما يحسب.
ما يحسب، إما ملك اليمين أو ملك الشمال.
المقدم: حسنة أو سيئة.
نعم؛ لأنه إن كان حسناً كتبه.
المقدم: اليمين.
اليمين، وإن كان سيئاً.
المقدم: كتبه الشمال.
وإن كان لا هذا ولا هذا؟
المقدم: لا يكتب.
هذا قول.
((كيوم)) قرأته أنت إيش؟
المقدم: كيومَ وكيومِ، أنا قرأتها حسب التشكيل كيومِ، وهي تقرأ "كيومَ ولدته أمه".
طيب لماذا؟ الكاف حرف جر.
المقدم: يومَ على الظرفية.
كيف؟
المقدم: يومَ.
هو ظرف على كل حال.
المقدم: أي نعم.
نعم.
المقدم: يصح فيها الوجهين، يومَ ويومِ.
لماذا؟ نعم، ((كيومَ ولدته أمه)) أو ((كيومِ)).
المقدم: كيومِ أو كيومَ.
أو كيومَ، أي: صار بلا ذنب.
المقدم: طيب.
يقول الكرماني: تقديره رجع مشابهاً لنفسه في البراءة عن الذنوب في يوم ولدته أمه.
المقدم: ما رأيك شيخ أن نترك.
في يومَ ولدته أمه، أو هو بمعنى صار.
المقدم: يعني نترك الإجابة عليه في الحلقة القادمة -بإذن الله- تشويقاً للإخوة.
طيب.
المقدم: خصوصاً كيومَ أو كيومِ، ولماذا؟ هذا ما سيكون في مطلع الحلقة القادمة -بإذن الله تعالى-.
أيها الإخوة والأخوات بهذا نصل وإياكم إلى ختام حلقتنا من شرح كتاب الحج في كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح.
نستكمل -بإذن الله- في حديث أبي هريرة ﵁ في الحلقة القادمة، وأنتم على خير.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 389
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شرح: التجريد الصريح - كتاب الحج (١١)
الشيخ: عبد الكريم الخضير
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الإخوة والأخوات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وأهلاً ومرحباً بكم إلى حلقة جديدة في برنامجكم شرح الحج من كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، مع مطلع حلقتنا يسرنا أن نرحب بفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، فأهلاً ومرحباً بك شيخ عبد الكريم.
حياكم الله وبارك فيكم في الإخوة المستمعين.
المقدم: لا زال الحديث حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ وهو يقول: ((من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيومَ ولدته أمه)) توقفنا عند لفظة: كيومَ، كيومِ، ووعدنا الإخوة والأخوات بأن نبدأ في هذه الحلقة للتعرف على السبب في الوجهين: يومَ ويومِ.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. في قوله: ((كيومَ ولدته أمه)) أو ((كيومِ)) يوم الكاف لا شك أنها جارة.
المقدم: أي نعم.
الكاف جارة، ويوم مجرور بالكاف، والمختار بناؤه على الفتح، لماذا؟ لأنه أضيف إلى جملة صدرها مبني، نعم ((كيومَ ولدته)) الآن الجملة التي بعده ((ولدته أمه)) هو مضاف إليها، وهي جملة صدرها يعني أولها مبني فعل ماضي.
المقدم: نعم.
لكن في مثل قوله -جل وعلا-: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ﴾ [(١١٩) سورة المائدة] هذه صدرها معرب، ولذلك ...
المقدم: جاءت معربة يومُ.
أعربت، فالمختار بناؤه على الفتح؛ لأنه أضيف إلى جملة صدرت بماضٍ وهو مبني ويجوز إعرابه، وقد روي البناء والإعراب في قوله:
على حينَ -أو على- حينِ عاتبت المشيب على الصبا.
بفتح نون حين على البناء، وكسرها على الإعراب، وما وقع قبل فعل معرب، يعني إذا كانت الجملة التي تليها، التي أضيفت إليها صدرها معرب أو قبل مبتدأ مثلاً، فالمختار فيه الإعراب، ويجوز البناء، هناك المختار البناء يجوز الإعراب في مثل الحديث.
المقدم: أي نعم، إذا كان.
стр. 390
وعكسه إذا كان صدره معرب الأصل فيه أنه معرب يجوز فيه البناء.
المقدم: البناء، يعني يصلح: "هذا يومَ ينفعُ".
نعم.
المقدم: يصلح هذا.
ويأتي.
يقول ابن مالك:
وابن أو أعرب ما كإذ قد أجريا ... واختر بنا متلو فعل بُنيا
وقبل فعل معرب أو مبتدأ ... أعرب ومن بنى فلن يفندا
نعم، الكلام الأول.
المقدم: أعرب.
فيما وابن أو أعرب، ابن على الفتح أو أعربه، مثل ما عندنا.
المقدم: أي نعم، جيد.
وابن أو أعرب ما كإذ قد أجريا ... واختر بنا. . . . . . . . .
يعني: اختر يكون الراجح بناء متلو فعل بُنيا، فعل مبني، مثل ما عندنا.
المقدم: أي نعم.
"وقبل فعل معرب" هذا يومَ ينفع.
المقدم: أي نعم.
وقبل فعل معرب أو مبتدأ ... أعرب ومن بنى فلن يفندا
المقدم: لا تثريب عليه.
لا تثريب عليه، وقد قرئ في السبع: ((هذا يومُ ينفع الصادقين صدقهم)) بالرفع على الإعراب وبالفتح على البناء، هذا ما اختاره ابن مالك، ومذهب البصريين أنه لا يجوز فيما أضيف إلى جملة فعلية صدرت بمضارع أو إلى جملة اسمية إلا الإعراب، وعلى هذا في قوله -جل وعلا-: ((هذا يومُ ينفعُ)) لا يجوز بناؤه، وهم يقولون: قرئ في السبع، السبع متواترة، وهي حجة على كل من خالفها، مذهب البصريين أنه لا يجوز فيما أضيف إلى جملة فعلية صدرت بمضارع أو إلى جملة اسمية إلا الإعراب، ولا يجوز البناء إلا فيما أضيف إلى جملة فعلية صدرت بماضٍ.
المقدم: القراءة السبعية يومَ يا شيخ أيضاً؟ يومُ ....
. . . . . . . . . معروف، يومَ هذا الذي عليه قراءتنا، لكن يقولون: قرئ في السبعة هذا.
المقدم: التي عليها قراءتنا يومُ.
إيه إيه.
المقدم أنا أقصد يومَ قرأت بالسبع؟
قرئ في السبع بالرفع على الإعراب وبالفتح على البناء.
المقدم: إيه، والآن البصريين يخالفون.
وهذا ما اختاره ابن مالك، ولذ قال: "ومن بنى فلن يفندا".
المقدم: والبصريون يخالفون في النصب؟
في مثل هذا، يقولون: لا يجوز البناء في هذه الحالة.
قال ابن حجر: ظاهر الحديث غفران الصغائر والكبائر والتبعات؛ لأن فيه ((رجع كيومَ ولدته أمه)) إذا قلنا: إنه لا يغفر إلا الصغائر كيف يرجع؟ يعني: ظاهر الحديث أنه يغفر كل شيء.
المقدم: كل شيء.
стр. 391
نعم، وللحافظ ابن حجر كتاب أسماه: (قوة الحِجاج في عموم المغفرة للحاج).
المقدم: الله أكبر.
نعم، يقول: ظاهر الحديث غفران الصغائر والكبائر والتبعات، وش التبعات؟ يعني ما يتعلق بحقوق العباد، الصغائر والكبائر من حقوق الله -جل وعلا-، والتبعات فيما يتعلق بحقوق العباد.
يقول: "وهو من أقوى الشواهد لحديث العباس بن مرداس المصرح بذلك" والحافظ يشير إلى ما أخرجه أبو داود مختصراً، وأخرجه ابن ماجه عن العباس بن مرداس الأسلمي أن رسول الله ﷺ دعا لأمته عشية عرفة بالمغفرة، فأجيب ((إني قد غفرت لهم ما خلا المظالم، فإني آخذ من للمظلوم منه)) يعني: ما خلا الظالم فإني آخذ للمظلوم منه.
قال: أي ربي إن شئت أعطيت المظلوم من الجنة وغفرت للظالم، فلم يجب عشيته، فلم أصبح بالمزدلفة أعاد الدعاء فأجيب إلى ما سأل، قال: فضحك رسول الله ﷺ ، أو قال: تبسم ﵊، فقال له أبو بكر وعمر: بأبي أنت وأمي إن هذه لساعة ما كنت تضحك فيها، يعني ساعة دعاء، وساعة ذكر، يعني ما هي بساعة ...
المقدم: أنس وضحك.
نعم، ولا يتشبث بمثل هذا من كان الغالب عليه الهزل، حتى في أشرف البقاع، بعض الناس يضحك، وبعض الناس ينكت، ويمزح، وقد يتراءى له إن كان اطلع على مثل هذه الأحاديث أن النبي ﵊ تبسم، نعم لكن لا يعني هذا أن الإنسان يغلب عليه الحزن، وتتكدر حياته بمثل هذا، نعم يرجو ربه ويخاف، فيكون بين الرجاء والخوف، فلا إفراط لا تفريط.
стр. 392
فقال له أبو بكر وعمر: بأبي أنت وأمي إن هذه لساعة ما كنت تضحك فيها فما الذي أضحكك أضحك الله سنك؟ قال: ((إن عدو الله إبليس لما علم أن الله قد استجاب دعائي وغفر لأمتي أخذ التراب فجعل يحثوه على رأسه، ويدعو بالويل والثبور، فأضحكني ما رأيت من جزعه)) هذا الحديث سكت عنه الحافظ في فتح، والعادة أنه في مثل هذه السورة لا يسكت إلا عن حديث صحيح، أو عن حسن، ما يسكت ابن حجر إلا عن حديث صحيح أو حسن كما بين ذلك في مقدمة شرحه، لكن في إسناده عبد الله بن كنانة، قال عنه ابن حجر في التقريب: مجهول، ثم قال ابن حجر: وله شاهد من حديث ابن عمر في تفسير الطبري، هذه المسألة وهي تكفير الذنوب بأنواعها صغائر وكبائر مسألة خلافية بين أهل العلم، لكن الجمهور على أن هذه الأعمال إنما تكفر ...
المقدم: الصغائر.
الصغائر دون الكبائر، وأما الكبائر ...
المقدم: تحتاج إلى توبة.
فلا بد لها من توبة، ولذا تكرر في أحاديث ...
المقدم: ((ما لم تغش كبيرة)).
مثلاً ((الصلوات الخمس، رمضان إلى رمضان، الجمعة إلى الجمعة، العمرة إلى العمرة مفكرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر)) في بعض الروايات: ((ما لم تغش كبيرة)) لكن هل من هذه الحج؟ لأنه قال: ((العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما)).
المقدم: بعدها قال: ((والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة)).
((ليس له جزاء إلا الجنة)) فهذا يقوي تكفير الحج للجميع، لكن لا يعتمد الإنسان على مثل هذا الفضل ويغرق في الذنوب والمعاصي ويسترسل فيها، ويقول: أحج ويكفر عني! لكن هل من بيت هذه النية يوفق بترك الرفث والفسوق؟ هل يوفق؟ لا يوفق، فلا يوفق لما رتب عليه هذه المغفرة؛ لأن بعض الناس يقول يسترسل والله غفور رحيم، ويحج ويمحو أثر الذنوب والمعاصي، كبائرها وصغائرها، نقول: لا يا أخي، ولذا جاء في الحديث في صحيح البخاري: ((من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، دخل من أي أبواب الجنة الثمانية)).
المقدم: شاء.
стр. 393
قال البخاري -وبعضهم يجعلها من المرفوع-: "ولا تغتروا" أي لا يغتر بمثل هذه النصوص، وإلا فما الفائدة من نصوص الوعيد؟! وما الفائدة من ترتيب الحدود على هذه المعاصي؟ لا بد من التنبه لمثل هذا، فلا يسترسل الإنسان في منكراته وجرائمه، ويقول: ((من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع يكون ولدته أمه)) ((الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة)) كيف توفق لحج مبرور وأنت مبيت مثل هذه النية؟
المقدم: الله المستعان.
وبعض الناس يقول: الحج في مثل هذه الظروف التي نعيشها لا يزيد على أربعة أيام.
المقدم: يروحون يوم عرفة.
يوم عرفة والعيد.
المقدم: وإحدى عشر واثنا عشر ويرجع.
ويرجع، أربعة أيام، ويقول أيضاً، بل تمنيه نفسه أنه سوف يطبق هذا الحديث، وهو طول العام كلامه في الرفث والفسق واللغو والقيل والقال، يقول: أربعة أيام نستطيع أن نحفظ هذه الأيام الأربعة.
المقدم: بعضهم يا شيخ جعلها ثلاثة، يسمونه الحج الخفيف، وهذا يعلن عنه مع كل أسف.
هذا يمكن.
المقدم: يمشون يوم عرفة يا شيخ في الليل.
بعد صلاة. . . . . . . . . نعم بالليل.
المقدم: بالليل.
ويدركون الوقوف قبل طلوع الصبح.
المقدم: فيقف قبل طلوع الصبح من ليلة النحر.
يدركون الوقوف.
المقدم: بدقائق، معناها أنه ما مكث إلا اليوم العاشر، ويوم الحادي عشر يوم الثاني عشر ظهراً يرمي ويمشي، يعني يومين ونصف تقريباً.
إيه، لكن هل البر بالإيضاع؟
المقدم: أبداً، لكن أنا. . . . . . . . .
البر بالاقتداء.
المقدم: صحيح، في معرض الحديث عن هؤلاء الذين جعلوا الحج مثل هذا التساهل مع الأسف ...
البر بالاقتداء بلا شك، وجاء عنه ﵊: ((خذوا عني مناسككم)) وقد فعل ﵊ الحج الكامل، بشروطه وأركانه وواجباته وسننه، وبعض الناس يتخفف، السنن يتجاوز فيها كثير من الناس، فلا يحاولون تطبيقها؛ لأنها لا وزر فيها، وأمرها أسهل من الواجبات، والواجبات أسهل من الأركان، لكن يبقى أن الإنسان عليه أن يقتدي ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ لمن؟
المقدم: ﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [(٢١) سورة الأحزاب].
стр. 394
نعم، أما من يريد أن يقول: حججت، أو يقول: حجي ما كلف كذا، ما أخذ منا ولا ثلاثة أيام، ويحضر قبل الناس في المجالس يتحدث أنا أخر من وصل، وأول من قدم، هذه حقيقة مرة إن كان هذا هدف لبعض الناس، والله المستعان.
المقدم: الحكم على الحديث إذن يا شيخ؟
أي حديث؟
المقدم: الأخير، حديث المرداس.
إذن ما دام فيه راو مجهول، ولا يعرف فيه جرح ولا تعديل كما يقول كثير في كتب الرجال.
المقدم: إذن هذا خروج الحافظ عن قاعدته.
ضُبط عليه بعض الأحاديث، لا سيما في ما يستروح إلى القول به، هو بشر، يكفيه أنه جمع هذا الديوان العظيم، وكفى به مفخرة، لكن هو بشر على كل حال، والاعتماد أيضاً على فضل الله -جل وعلا- له أصل، يجعله يندرج تحت أصل عام، وهو عموم فضل الله -جل وعلا-، ورحمته التي وسعت كل شيء، لكن مع ذلك الحديث فيه ضعف.
والحديث -حديث أبي هريرة- خرجه الإمام البخاري في ثلاثة مواضع: الأول هنا في كتاب الحج، في باب فضل الحج المبرور:
قال: حدثنا آدم قال: حدثنا شعبة قال: حدثنا سيار أبو حكم قال: سمعت أبا حازم قال: سمعت أبا هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول، وسبق ذكر المناسبة، المناسبة ظاهرة وإلا ما هي بظاهرة؟
المقدم: بلى.
ترتيب الثواب العظيم يدل على مزيد الفضل.
المقدم: الفضل، نعم.
وسبق ذكر المناسبة.
يقول هنا: سمعت أبا حازم، يكثر ذكر أبي حازم، وهما اثنان: أحدهما يروي عن أبي هريرة، والأخر يروي عن سهل بن سعد، فالذي يروي عن أبي هريرة اسمه: سلمان، وذاك سلمة بن دينار الزاهد المعروف، الموضع الثاني في كتاب المحصر.
المقدم: يا دكتور قبل الموضوع الثاني، أشرنا إلى أن الشاهد واضح في فضيلة الحج، فضله.
بلا شك؛ لأنه رتب عليه هذا الثواب العظيم.
المقدم: وكونه الحج مبرور في الحديث الأول جاء نصاً ((حج مبرور)) فالحج المبرور مطابق لترجمة، وهنا ألا يمكن أن نقول: إنه أيضاً جاء بالمعنى أنه حج مبرور؟
الذي لم يرفث ولم يفسق، الذي لا يخالطه الإثم.
المقدم: ليس فيه رفث ولا فسوق.
المعنى واحد.
المقدم: فهو حج مبرور.
يستحضر فيه ما استحضر في الحديث السابق.
المقدم: نعم.
стр. 395
في الموضع الثاني في كتاب المحصر: في باب قوله تعالى: ﴿فَلاَ رَفَثَ﴾ [(١٩٧) سورة البقرة] ويقال في هذا الكتاب المحصر مثل ما قلنا في جزاء.
المقدم: في جزاء الصيد.
في جزاء الصيد وغيره، أنها سميت كتب ورقمت من أجل أن تطابق ...
المقدم: الترقيم ....
المعجم المفهرس.
المقدم: المعجم.
وهذا الذي وضع الأرقام والأطراف محمد فؤاد عبد الباقي؛ ليفيد طلاب العلم، ويسهل عليهم.
في قول الله تعالى: ﴿فَلاَ رَفَثَ﴾ [(١٩٧) سورة البقرة] قال الإمام البخاري -رحمه الله تعالى-: حدثنا سليمان بن حرب قال: حدثنا شعبة عن منصور عن أبي حازم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ فذكره وفيه: ((فلم يرفث)) والترجمة "فلا رفث" فالمناسبة ظاهرة.
والموضع الثالث في كتاب المحصر أيضاً، في باب قول الله : ﴿فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [(١٩٧) سورة البقرة].
قال: حدثنا محمد بن يوسف قال: حدثنا سفيان عن منصور عن أبي حازم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ فذكره.
والمناسبة -مناسبة الحديث- للآية ظاهرة أو غير ظاهرة؟ ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [(١٩٧) سورة البقرة] والحديث فيه: ((فلم يرفث ولم يفسق)).
نعم.
المقدم: قال ﵀: عن ابن عباس ﵄ قال: إن النبي ﷺ وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، هن لهن، ولمن أتى عليهن من غيرهن، ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك من حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة.
نعم، راوي الحديث عبد الله بن عباس، حبر الأمة، ترجمان القرآن، مر ذكره مراراً، والحديث ترجم عليه الإمام البخاري بقوله ...
المقدم: باب مهل أهل اليمن.
لا.
المقدم: آه، إذن عندنا.
ترجم عليه الإمام -رحمه الله تعالى- بقوله: باب مهل أهل مكة للحج والعمرة.
المقدم: عجيب! مهل.
وترجم عليه هذا.
المقدم: ترجمتين يا شيخ؟!
تراجم كثيرة، لكن المطابق الترجمة الأولى.
المقدم: مهل أهل مكة.
نعم، باب مهل أهل مكة للحج والعمرة.
стр. 396
المقدم: عجيب، والذي أتى عندنا، وأتى به المحقق مهل أهل اليمن.
سيأتي والحديث فيه، لكن فيه بعض الاختلاف، أولاً: ليس الموضع الأول من روايته في الصحيح، الأمر الثاني: فيه بعض الاختلاف، والذي ذكرناه باب مهل أهل مكة للحج والعمرة، هو المطابق بحروفه وهو الموضع الأول، وذاك طرف من أطرافه، الموضع الذي ترجم به المحقق.
المقدم: لكن في الترقيم يا شيخ الترقيم الموجود في البخاري، كم يأخذ الحديث ألف وخمسمائة وثلاثين؟
وأربعة وعشرين.
المقدم: ألف وخمسمائة وأربعة وعشرين؟!
نعم.
المقدم: معناها أن الذي قام بالاختصار هنا لم يضبط حتى الأرقام.
ما هو بالاختصار بـ. . . . . . . . .
المقدم: بالتحقيق عفواً.
بالتحقيق.
المقدم: أي نعم.
هو ذهب وهله، وجد الحديث هناك، هو الحديث نفسه إلا أن فيه ...
المقدم: ألفاظاً.
اختلاف بعض الحروف.
المقدم: وفي مهل أهل اليمن يا شيخ؟
إيش فيه؟
المقدم: الباب، باب مهل أهل اليمن.
هو رقم ثلاثين.
المقدم: هو يأخذ ألف وخمسمائة وثلاثين؟
نعم، إيه.
المقدم: إيه، إذن هو.
هو وقع نظره على ذلك الموضع.
المقدم: على ذاك.
نعم.
المقدم: اتضحت الصورة.
وإلا فالأصل أن يكون الحديث الآن المختصر بيترك هذا ويروح هناك؟
المقدم: مستحيل يقفز.
وهو يمشي على الكتاب بالترتيب.
المقدم: لا، مستحيل يقفز.
ما يمكن.
المقدم: فأعطاه إذن ...
عندك: ((ولكل آت أتى عليهن من غيرهن))؟
المقدم: لا.
هذا في مهل أهل اليمن.
المقدم: أي نعم.
بينما في مهل أهل مكة، نفس ((هنا لهن ولمن أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج والعمرة)) بالحرف.
المقدم: إيه.
فالمرجح أن يكون المختصر اختار الموضع الأول، ولذا أتى به بحروفه.
стр. 397
والشاهد من الحديث للترجمة في قوله في الحديث: ((حتى أهل مكة من مكة)) قول البخاري -رحمه الله تعالى-: باب مهل أهل مكة، وفي الحديث: ((حتى أهل مكة من مكة)) إلا أن البخاري -رحمه الله تعالى- يرى أن مهل أهل مكة من مكة للحج والعمرة، ظاهر الترجمة أن البخاري -رحمه الله تعالى- يرى أن المكي حكمه ذلك في الحج والعمرة، فلا يلزمه الخروج إلى الحل حتى في العمرة؛ ليحرم سواء كان بحج أو عمرة استدلالاً بعموم الحديث: ((ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة)) وعموم الحديث يشمل ...
المقدم: الحج والعمرة.
الحج والعمرة.
يقول الصنعاني في سبل السلام: واعلم أن قوله: ((حتى أهل مكة من مكة)) يدل على أن ميقات عمرة أهل مكة مكة كحجهم، وكذلك القارن منهم ميقاته مكة، لكن الحديث محمول عند الجمهور على الحاج خاصة، وأما المعتمر فيجب عليه أن يخرج إلى أدنى الحل ليجمع في إحرامه بين الحل والحرم، قد يقول قائل: لماذا لا يلزم الحجاج بأن يخرجوا إلى الحل كإلزام المعتمر؟ نقول: الحاج سوف يخرج إلى الحل للوقوف بعرفة، لا بد عند الجمهور من الجمع بين الحل والحرم في النسك، سواء كان حج أو عمرة، هو في الحج سوف يخرج إلى عرفة وهي من؟
المقدم: الحل.
الحل، أما بالنسبة للعمرة فلن يخرج، فلا بد أن يحرم من الحل.
المقدم: وهذه العلة نصوا عليها يا شيخ؟
نعم.
المقدم: ينصوون على هذه العلة لهذا السبب.
إيه، ودليلهم واضح سيأتي ذكره.
قال المحب الطبري: لا أعلم أحداً جعل مكة ميقاتاً للعمرة، مع أنه ...
المقدم: صنيع البخاري.
صنيع البخاري، يعني هل نقول: إن المحب الطبري ما وقف على كلام البخاري؟ احتمال يكون ذهل عنه، احتمال أن يكون قد ذهل عنه، الذهول حاصل.
стр. 398
الإمام مالك يقول: لا أعلم أحداً قال: برد اليمين، مع أن قضاة عصره ابن أبي ليلى وابن شبرمة يقولون برد اليمين، والأمثلة كثيرة، يعني ما هو مفترض بالعالم أن يكون محيطاً بكل شيء، والنووي نقل الإجماع في مسائل واضحة، يعني نقل الإجماع على أن عيادة المريض سنة، مع أن الإمام البخاري قال: باب وجوب عيادة المريض، ونقل الإجماع على أن صلاة الكسوف سنة مع أن أبا عوانة ترجم في صحيحه: باب وجوب صلاة الكسوف، يعني ما هو مفترض بالعالم أن يكون ...
المقدم: أن يحيط بكل هذا.
يحيط بكل شيء، لكن الدقة مطلوبة يعني، والتحري مطلوب والتثبت، وكونه ينفي علمه أسهل من كونه يهجم على الإجماع فينقله، يقول: إجماعاً واتفاقاً بعض الناس يجزم، مع أن المسألة يكون فيها قول آخر.
وقال ابن عباس: يا أهل مكة من أراد منكم العمرة فليجعل بينه وبينها بطن محسر، وقال أيضاً: من أراد من أهل مكة أن يعتمر خرج إلى التنعيم ويجاوز الحرم.
المقدم: فضيلة الدكتور فيما يتعلق بالخلاف بين أهل العلم في مسألة ميقات أهل مكة في العمرة والحج، أستأذنك في أن نجمع أطرافه في مطلع الحلقة القادمة لتتضح الصورة للإخوة والأخوات، فيكون هو بداية الحديث -بإذن الله تعالى-.
أيها الإخوة والأخوات نستكمل -بإذن الله تعالى- ما يتعلق بهذا الحديث؛ لنبدأ الحلقة القادمة بالحديث عن ميقات أهل مكة، فيما يتعلق بالعمرة أو الحج.
شكراً لطيب متابعتكم، نستكمل -بإذن الله تعالى- في حلقة قادمة، وأنتم على خير.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 399
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شرح: التجريد الصريح - كتاب الحج (١٢)
الشيخ: عبد الكريم الخضير
المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الإخوة والأخوات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم إلى حلقة جديدة ضمن برنامجكم شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح كتاب الحج.
مع بداية حلقتنا يسرنا أن نرحب بصاحب الفضيلة الشيخ الدكتور: عبد الكريم بن عبد الله الخضير، فأهلاً ومرحباً بكم شيخ عبد الكريم.
حياكم الله وبارك فيكم وفي الإخوة المستمعين.
المقدم: في حديث ابن عباس ﵄ كنا توقفنا عند مسألة ميقات أهل مكة بالنسبة للعمرة والحج، وعدنا الإخوة أن نعيد أطراف الموضوع لنستكمله -بإذن الله- في هذه الحلقة.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. عرفنا فيما تقدم ترجمة الإمام البخاري على حديث ابن عباس بقوله: باب مهل أهل مكة للحج والعمرة، ويسوي بينهما، وأن مهلهم من مكة، استناداً إلى قوله ﵊: ((حتى أهل مكة من مكة)) فالحديث بعمومه يشمل الحج والعمرة، فظاهر الترجمة أن البخاري -رحمه الله تعالى- يرى أن المكي حكمه ذلك في النسُكين، فلا يلزمه الخروج إلى الحل ليحرم سواء كان في حج أو عمرة.
стр. 400
الصنعاني في سبل السلام يقول: اعلم أن قوله: ((حتى أهل مكة من مكة)) يدل على أن ميقات عمرة أهل مكة مكة كحجهم، وكذلك القارن منهم ميقاته مكة، لكن الحديث محمول عند الجمهور كما ذكرنا سابقاً على الحاج خاصة، وأما المعتمر فيجب عليه أن يخرج إلى أدنى الحل؛ ليجمع في إحرامه بين الحل والحرم، وذكرنا أن المحب الطبري قال: إنه لا يعلم أحداً جعل مكة ميقاتاً للعمرة، وذكرنا كلام ابن عباس في المسألة وقوله: يا أهل مكة من أراد منكم العمرة فليجعل بينه وبينها -يعني بينه وبين مكة- بطن محسر، يعني: يخرج إلى الحل، وقال أيضاً: من أراد من أهل مكة أن يعتمر خرج إلى التنعيم، ويجاوز الحرم، وثبت أن النبي ﵊ أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعمر أخته عائشة من التنعيم، يعمر عائشة من التنعيم، الصنعاني وهو يرى رأي البخاري أجاب عن قول الطبري: لا أعلم أحداً جعل مكة ميقاتاً للعمرة أجاب عنه الصنعاني بأنه ﷺ جعل مكة ميقاتاً لها بهذا الحديث، يقول: وما روي عن ابن عباس آثار موقوفة لا تقاوم المرفوع.
المقدم: هذا رأي.
وهذه كثير ما يرددها الصنعاني والشوكاني، آثار موقوفة لا تقاوم المرفوع، لكنهم حينما يحتاجون هذه الآثار.
المقدم: يتشبثون بها.
يحتجون بها.
"وأما ما ثبت من أمره ﵊" هذا من كلام الصنعاني "وأما ما ثبت من أمره ﷺ لعائشة بالخروج إلى التنعيم لتحرم بعمرة فلم يكن إلا لتطييب قلبها بدخولها مكة معتمرة كصواحبتها؛ لأنها أحرمت بالعمرة معه، ثم حاضت فدخلت مكة، ولم تطف بالبيت كما طفن، كما يدل قولها: قلت: يا رسول الله يصدر الناس بنسُكين، وأصدر بنسك واحد! قال: ((انتظري فاخرجي إلى التنعيم فأهلي منه)) الحديث.
стр. 401
فهو يرى أن إخراجها إلى التنعيم لا لأن الإحرام يجب من التنعيم، وإنما لتدخل محرمة كصواحباتها من الحل إلى الحرم، تأتي بعمرة مستقلة أحرمت لها من الحل، هذا كلامه، لكن يقول: فإنه يحتمل أن معناها إنما أرادت أن تشابه الداخلين من الحل إلى مكة بالعمرة، ولا يدل على أنها لا تصح العمرة إلا من الحل لمن صار في مكة، ومع هذا الاحتمال لا يقاوم حديث الباب، حديث الباب صريح، وهذا احتمال، لكن من جهة أخرى أن حديث الباب عام، وحديث الأمر بخروجها إلى التنعيم ...
المقدم: خاص.
خاص، أقول: عندي أن خبر عائشة من أقوى الأدلة للجمهور؛ لأنه ﵊ لا يمكن أن يحبس صحابته انتظاراً لعائشة مع كونها يجزئها أن تحرم من مكانها، هذه المسألة بعد حج بعد أداء نسك، بعد تعب.
المقدم: والناس يتشوفون للذهاب.
نعم، ويحبسهم إلى آخر الليل ينتظرون عائشة تحرم من التنعيم وليس هذا بواجب! يعني يكفيها أن يجبر خاطرها أن تأتي بعمرة، كونهم أحرموا من الميقات لعمرتهم هي أحرمت من الميقات لحجها، يعني دخلت مكة محرمة، يبقى الفرق بين صنيعها وصنيعهم أنها غيرها من صواحباتها أتينا بعمرة مستقلة، وهي أتت بعمرة داخلة في الحج؛ لأنها لما حاضت ...
المقدم: قال: ((افعلي كما يفعل الحاج)).
نعم ((غير ألا تطوفي بالبيت)) وضاق عليها الوقت فأدخلت الحج على العمرة، فصارت قارنة، فهي تريد أن تأتي بعمرة مستقلة كصواحباتها، أما كونها تحرم من الحل، وتدخل الحرم محرمة هي فعلت ذلك مثل صواحباتها، ولا فرق بين فعلها وفعلهم، إنما الذي جبر به خاطرها كونه أنتظرها لتأتي بعمرة، أما كونه ﵊ يخرجها إلى الحل هذا يدل ...
المقدم: هذا يدل ....
هذا يدل على أنه لا بد منه.
أقول: ويكفي في جبر خاطرها وتطييبه أن تأتي بعمرة مفردة كصواحباتها، ولما حبس نفسه ﵊ وصحابته علم أن ذلك أمر لا بد منه.
стр. 402
إذا عرفنا هذا فهل يتعين الإحرام من التنعيم أو يكفي غيره من الجهات من جهات الحل؟ يعني رأينا في بعض المناسك المطبوعة وضعوا جداول للمواقيت، وجعلوا التنعيم ميقات العمرة بالنسبة للمكي، يعني مثل ذو الحليفة ميقات أهل المدينة، الجحفة ميقات أهل الشام، يلملم ميقات أهل اليمن.
المقدم: قرن المنازل.
قرن المنازل ميقات.
المقدم: أهل نجد.
أهل نجد، وذات عرق ميقات أهل العراق، والتنعيم عمرة.
المقدم: مكة.
أهل مكة لمن أراد العمرة، ميقات أهل مكة لمن أراد العمرة، فجعلوه بإزائها، كأنه ميقات محدد كغيره كالمواقيت التي حددت، فأقول: إذا عرف هذا فهل يتعين الإحرام من التنعيم أو يكفي غيره من جهات الحل؟ قال ابن حجر: روى الفاكهي وغيره من طريق محمد بن سيرين قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ وقت لأهل مكة التنعيم، ومن طريق عطاء قال: من أراد العمرة ممن هو من أهل مكة أو غيرها فليخرج إلى التنعيم، أو إلى الجعرانة فليحرم منها، وأفضل ذلك أن يأتي وقتاً، أي: ميقاتاً من مواقيت الحج، هذا كلام عطاء، فليس فيه ما يدل على أن التنعيم مقصود لذاته، وإنما المقصود عند أهل العلم أن يجمع في نسكه بين الحل والحرم، والأكثر على أن ميقات العمرة الحل، وإنما أمر النبي ﵊ عائشة بالإحرام من التنعيم؛ لأنه أيسر لها، فعرف بهذا أن ميقات أهل مكة للعمرة الحل، وأن التنعيم وغيره في ذلك سواء، وبهذا نعرف مناسبة الحديث للترجمة، بهذا الكلام كلام الإمام البخاري، وتأييد الصنعاني، واختلاف أهل العلم نعرف أن الترجمة التي ترجم بها البخاري ...
المقدم: باب مهل أهل مكة.
نعم، من مكة، للحج والعمرة، واستند إلى قوله في الحديث: "حتى" ... يعني دلالة قوله ﵊: ((حتى أهل مكة من مكة)) للترجمة واضح، يعني الربط واضح، لولا أنه عام وحديث عائشة ...
المقدم: خاص.
стр. 403
خاص، والخاص مقدم على العام، قوله: "وقتّ" أي: حدد، وأصل التوقيت أن يجعل للشيء وقت يختص به، ثم اتسع فيه فأطلق على المكان أيضاً، قال ابن الأثير: التوقيت والتأقيت الأصل أن المادة مهموزة أو واوية؟ وقت أو أقت؟ ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ [(١١) سورة المرسلات] ومثله: ورخ وأرخ، فهل نقول: تأقيت أو توقيت؟
المقدم: وتأريخ.
وتأريخ أو توريخ؟ كله هكذا مستعمل، يقول ابن الأثير: التوقيت والتأقيت أن يجعل للشيء وقت يختص به، وهو بيان مقدار المدة، يقال: وقتّ الشيء بالتشديد يوقته ووقته بالتخفيف يقته إذا بين مدته، ثم اتسع فيه فقيل للموضع: ميقات، الأصل أن الميقات للزمان؛ لأنه من الوقت والوقت إيش؟
المقدم: زمان.
زمان، لكن توسع في المادة، فأخذ منها ما يشمل المكان، وقال ابن دقيق العيد: قيل: إن التوقيت في اللغة التحديد والتعيين فعلى هذا فالتحديد من لوازم الوقت، وفي شرح الكرماني: وقتّ عينّ، والتوقيت التعيين، فلا يقال: إن ذا الحليفة هو الميقات المكاني لا الزماني فلما قال: وقتّ؟ وقتّ: عينّ، إذا أشربنا هذه المادة أو هذه الكلمة وقتّ عينّ، معنى عينّ صارت شاملة للوقت والمكان، وهذا يسمونه تضمين.
المقدم: وأين الوقت هنا؟ الحج؟
إذا قلنا: وقت، وهذا ميقات، فما يخص المكان يكون للمكان، وما يخص الزمان، هذا ميقات زماني، وهذا ميقات مكاني.
"لأهل المدينة" أي: مدينته ﵊ "ذا الحليفة" تقدم الكلام فيه "ولأهل الشام" قال ياقوت في معجمه: الشأم بفتح أوله وسكون همزته، والشأم بفتح همزته، مثل نهْر ونَهر، لغتان ولا تمد، يعني: ما يقال: شآم، وفيها لغة ثالثة وهي الشام بغير همز، كذا يزعم اللغويون، وقد جاءت في شعر قديم ممدودة: الشآم، وقد تذكر وتؤنث.
يقول أبو بكر الأنباري: في اشتقاقه وجهان: يجوز أن يكون مأخوذاً من اليد الشؤمى وهي اليسرى، ويجوز أن تكون فعلاء من الشؤم.
стр. 404
قال أبو القاسم: قال جماعة من أهل اللغة يجوز ألا يهمز فيقال: الشام، الشام يا هذا! فيكون جمع شامة، يعني: إذا نظرنا إلى الشام، وأنه مقابل لليمن بالنسبة للكعبة، شممنا من اللفظين أن الشأم مقابل اليمن، اليمن فيه اليُمن والتيمن واليمين، والشأم فيه ضده، فيكون هذا عن يمين الكعبة، وهذا عن شمالها، أبو القاسم يقول: فيكون جمع شامة، سميت بذلك لكثرة قراها، وتداني بعضها من بعض، فشبهت بالشامات، وقال أهل الأثر: سميت الشام بسام بن نوح ﵇، وذلك أنه أول من نزلها فجعلت السين شيناً لتغير اللفظ العجمي، يعني كأنه تعريب.
المقدم: نعم.
وورد في فضائل الشام أحاديث، منها ما يثبت، ومنها ما لا يثبت، لكن في فضلها أحاديث صحيحة، وتقع بلاد الشام شمال جزيرة العرب، وتشمل سوريا والأردن وفلسطين ولبنان، هذا الأصل.
المقدم: حالياً.
نعم.
الجحفة ...
المقدم: لكن الأحاديث الواردة في الشام بعامة، وفيها أحاديث خصت دمشق.
أنت لو قلت في أحاديث نعم في دمشق وفي بيت المقدس، منها ما مقبول، ومنها ما هو مردود.
المقدم: الذين ألفوا أحسن الله إليكم ....
وفيها أيضاً: ((إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم)) صححه الألباني وغيره.
المقدم: المقصود بعامة.
نعم.
المقدم: وفيه من ألف في فضائل الشام، كتب ألفت في فضائل الشام.
الجحفة بضم الجيم وسكون المهملة هي قرية خربة بينها وبين مكة خمس مراحل أو ست، وفي قول النووي في شرح المهذب: ثلاث مراحل نظر، سميت بذلك؛ لأن السيل اجتحفها وأجحف بها.
وتسمى مهيعة كما في حديث ابن عمر الذي ذكره البخاري في مهل أهل نجد، ومهيعة بزنة علقمة، وقيل: مهيعة بزنة لطيفة، وسيأتي في فضائل المدينة دعوة النبي ﵊ للمدينة وفيه -في الحديث الذي فيه الدعوة-: ((وانقل حماها إلى الجحفة)) فاختصت بالحمى فلا ينزلها أحد إلا حُمّ، حتى قيل: إنه لو مر بها طائر حُمّ، أجيبت الدعوة النبوية، وكانت وقت الدعوة النبوية مسكناً لليهود، قد يقول قائل: كيف تجعل ميقات وفيها الحمى المذكورة؟ لأن مقتضى جعلها ميقات أن يُمر بها ...
المقدم: وإذا مر بها أصابت ...
نعم.
المقدم: لأنه وقتت قبل ما ينقل إليها يا شيخ المرض، يُدعى بها.
لا.
стр. 405
المقدم: التوقيت جاء بعد.
بعد، إيه.
فإن قيل: كيف جعلت ميقاتاً وفيها الحمى المذكورة مع أن في ذلك ضرراً على المسلمين؟ أجيب بأن نقل الحمى إليها مدة مقام اليهود بها، كانت مسكناً لليهود.
المقدم: أي نعم.
ثم زالت الحمى عنها بزوالهم، ثم بعد ذلك صارت ميقات، ولذا لها أثر الحمى الآن؟ ما لها، زالت بزوالهم، ووقع عند النسائي من حديث عائشة: "ولأهل الشام ومصر الجحفة" قال ابن حجر: هو المكان الذي يحرم منه المصريون الآن رابغ بوزن فاعل، بلد قريب من الجحفة.
"ولأهل نجد" أي: وقتّ لأهل نجد، قال ابن حجر: نجد كل مكان مرتفع، وهو اسم لعشرة مواضع، والمراد منه هنا التي أعلاها تهامة واليمن، وأسفلها الشام والعراق.
قال العيني: النجد في اللغة ما أشرف من الأرض واستوى، ويُجمع على أنجد ونجود ونُجُد بضمتين، قال القزاز: سمي نجداً لعلوه، القزاز صاحب كتاب؟
المقدم: القزاز الجامع الذي ذكرناه قبل.
نعم، قال القزاز: سمي نجداً لعلوه، وقيل: سمي بذلك لصلابة أرضه، وكثرة حجارته، وصعوبته، من قولهم: رجل نجد، إذا كان قوياً شديداً، والعادة أن أهل النجدة.
المقدم: أقوياء.
أهل قوة، الضعاف ما ينجدون أنفسهم فضلاً أن ينجدون غيرهم، وهي معروفة تشمل ما كان شرق الحجاز، ونجد العراق.
المقدم: نجد العراق الذي يدخل فيها أطراف العراق حالياً تعتبر من نجد.
نجد العراق، ما هو بنجد اليمامة، وما والاها.
المقدم: أيه، أيه.
قرن المنازل ...
المقدم: لكن يا شيخ حددت الآن عند أهل المعرفة أن حدود نجد كذا عند العرب.
هم عند العرب تعرف أن حدودهم ليست.
المقدمة: ليست دقيقة.
بالدقة مثلما يعمله الجغرافيون الآن في خرائطهم وفي نسبهم، ليست دقيقة، يقولون مثلاً: فيد موضع بين مكة والبصرة.
المقدم: أوه وين مكة ووين البصرة؟
نعم، هذه طريقتهم في التحديد، لكن هم باعتبار الحاج من البصرة لا بد أن يمر مع هذا الطريق.
المقدم: فيعرفها.
فيقع على هذا المكان.
المقدم: لكن يصح بعض الآثار فيما أذكر من أرضى فقد أنجد أو كذا، يعني: من وصل إلى رضوه فكأنما دخل إلى نجد، وهو عائد من مكة، كأني أذكر أثراً قريباً من هذا.
هو معروف أن من أنجد يعني دخل في نجد.
المقدم: أي نعم.
стр. 406
وأتهم دخل في تهامة، لكن هذه الحدود لا شك أنها معروفة حدودها عند أهلها، لكن الذي يتحدث عنها من غير أهلها، مثل ياقوت في معجم البلدان يقول مثل هذا الكلام، يعني: يحدد نجد بين مثل ما قالوا هنا، التي أعلاها تهامة واليمن، وأسفلها الشام والعراق، حتى بعضهم يجعل الطائف من نجد، المقصود أن هذه أمور أمرها يسير، وكانت تحديداتهم ليست مبنية على الدقة، ومسافاتهم بالمراحل، مرحلتين، ثلاث مراحل.
"قرن المنازل" المنازل بلفظ جمع المنزل، وقرن المنازل من المتضايفين، قرن مضاف، والمنازل مضاف إليه، اسم المكان، ويقال: قرن بلا إضافة، وهو بإسكان الراء بعدها نون، وضبطه الجوهري في صحاحه بفتح الراء، وغلطوه، يعني: أخطأ هنا الجوهري فقال: قرَن، وجعل منه أويس القرَني، فأخطأ في أمرين: في الضبط.
المقدم: وفي النسبة.
وفي النسبة، قرَن قبيلة.
وغلطوه، وبالغ النووي فحكى الاتفاق على تخطئته في ذلك، لكن حكى القاضي عياض عن القابسي: أن من قاله بالإسكان أراد الجبل، ومن قاله بالفتح أراد الطريق، والجبل المذكور بينه وبين مكة مرحلتان، وهناك قرن أخر يقال له: قرن الثعالب، ذكر الفاكهي في أخبار مكة أن قرن الثعالب جبل مشرف على أسفل منى بينه وبين مسجد منى ألف وخمسمائة ذراع، يعني ما يقرب من كيلو إلا ربع، وقيل له: قرن الثعالب لكثرة ما كان يأوي إليه من الثعالب، وليس من المواقيت، وقد غلط صاحب المصباح حيث قال: وقرن بالسكون ميقات أهل نجد، وهو جبل مشرف على عرفات، ويقال له: قرن المنازل وقرن الثعالب، المصباح لمن؟ المصباح المنير؟ نقلنا عنه كثيراً.
المقدم: أيه.
نعم.
المقدم: المصباح المنير.
نعم، هذا موضوع الكتاب غريب كتاب الرافعي شرح الوجيز، قلنا مراراً: إن الفقهاء لهم عناية بغريب كتبهم.
المقدم: نعم، نعم.
نعم، النووي ألف تهذيب اللغات في تهذيب الأسماء وتهذيب اللغات، وهذا ألف المصباح المنير، والبعلي ألف المطلِع على أبواب المقنع، المطرزي ألف المغرب تبع الحنفية، وهكذا، هذا في غريب الرافعي الكبير، ويقال له: قرن المنازل وقرن الثعالب.
стр. 407
يقول الشيخ عبد الله بن جاسر في منسكه مفيد الأنام: قرن المنازل هو ميقات أهل نجد، وهو معروف مشهور، ويسمى الآن بالسيل الكبير، ابن جاسر له منسك اسمه: مفيد الأنام ونور الظلام، منسك في جزأين، في تحرير الأحكام لحج بيت الله الحرام، في جزأين، منسك جامع، لكنه قابل للاختصار؛ لأنه ينقل الكلام من كتاب، من كتب مثلاً الحنفية، وينقل من كتاب آخر نفس الكلام، وهكذا من كتب الحنابلة بكثرة، فهو قابل للاختصار، والمنسك فيه فوائد عظيمة جداً؛ لأن الشيخ اشترك في لجان.
المقدم: وقفت.
كلفت من قبل الدولة، وقفت على المشاعر، وحددتها بدقة، وأثبت هذا في منسكه، فالكتاب مهم لطالب العلم.
المقدم: أحسن الله إليكم فضيلة الدكتور، لعلنا نستكمل -بإذن الله- ما تبقى في حلقة قادمة، وأنتم على خير.
أيها الإخوة والأخوات شكراً لطيب متابعتكم لقاؤنا بكم -بإذن الله- في حلقة قادمة لاستكمال شرح حديث ابن عباس ﵄ حتى نلقاكم نستودعكم الله.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 408
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شرح: التجريد الصريح - كتاب الحج (١٣)
الشيخ: عبد الكريم الخضير
المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الإخوة والأخوات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وأهلاً بكم إلى حلقة جديدة في برنامجكم شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، مع بداية حلقتنا يسرنا أن نرحب بصاحب الفضيلة الشيخ الدكتور: عبد الكريم بن عبد الله الخضير.
فأهلاً ومرحباً بكم فضيلة الدكتور.
حياكم الله وبارك فيكم وفي الإخوة المستمعين.
المقدم: كنا في الحلقة الماضي في ذكر بعض الألفاظ في حديث ابن عباس في توقيت النبي ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، وقفنا عند ميقات أهل نجد.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
انتهينا من ميقات أهل نجد.
المقدم: قلنا: إنه ...
بقي ميقات أهل اليمن.
المقدم: قلنا: قرن المنازل الذي هو السيل الآن يا شيخ؟
نعم، هو السيل المعروف الآن بالسيل الكبير.
المقدم: ويوازيه السيل الصغير الذي على طريق الطائف كرى؟
يعني محاذاة من أجل صحة الإحرام؟ يحاذيه الهَدى.
المقدم: الذي هو على طريق كرى هذا.
أي نعم.
المقدم: هو هذا بالمحاذاة وإلا ليس أيضاً هو هذا الموقت.
الموقت السيل الذي هو إيش؟ قرن المنازل.
المقدم: إيه.
وبالمحاذاة من ...
المقدم: السيل الصغير يسمونه أو الكرى.
لا، لا.
المقدم: ما يسمى السيل الصغير؟
السيل الصغير قريب من السيل الكبير.
المقدم: آه.
стр. 409
يقول: "ولأهل اليمن" اليمن كل ما كان على يمين الكعبة، والنسبة إليه يمني على القياس، ويماني على غير القياس، لكن إذا قلت: يمني أصل اليمن تضيف إليها ياء النسب المشددة، فتقول: يمنيٌّ، وهذه يمنيّةٌ بالتشديد، لكن إذا جئت على غير القياس، وذكرت الألف يماني التي هي عوض عن الياء الثانية في ياء النسب، ولذا تخفف تقول: يماني، ما تقول: يمانيٌ، لا، وهذه يمانية، لكن لو نسبت على القياس قلت: يمنيّة؛ لأن الأصل أن ياء النسب مشددة.
ياء كيا الكرسي زيدت للنسب ... . . . . . . . . .
ولذلك الذي يقول: تيميّة وتيمية هذا قياس وإلا غير قياس؟ ياء النسب مشددة.
"يلملم" بفتح التحتانية واللام، وسكون الميم بعدها لام مفتوحة، ثم ميم مكان على مرحلتين من مكة، ويقال له: ألملم بالهمزة، وهو الأصل، والياء تسهيل لها، وحكى ابن السِيد ابن السِيد كذا أو السَيد؟
المقدم: ابن السِيد.
ابن السيد البطليوسي هذا، السِيد ما هو؟ الذئب، نعم.
وحكى ابن السيد فيه: يرمرم، برائين بدل اللامين، قال في المصباح: ألملم جبل بتهامة على ليلتين من مكة، وهو ميقات أهل اليمن، ووزنه فعلعل، وقد غلب الاسم على البقعة، فيمنع حينئذٍ من الصرف للعلمية والتأنيث، قال ابن حجر: أبعد المواقيت من مكة ذو الحليفة ميقات أهل المدينة، فقيل: الحكمة في ذلك أن تعظم أجور أهل المدينة، وقيل: رفقاً بأهل الآفاق؛ لأن أهل المدينة أقرب الآفاق إلى مكة، أي: ممن له ميقات معين، لكن من كان منزله قبل مثلاً السيل بشيء يسير، هو أقرب إلى مكة من المدينة، أهل الحوية مثلاً لهم ميقات أو ليس لهم ميقات؟
المقدم: بلى.
السيل، وهم أقرب من المدينة، ولذلك قال: وقيل: رفقاً بأهل الآفاق؛ لأن أهل المدينة أقرب الآفاق إلى مكة، يرد عليه ما ذكرنا، لكن أما كونها تعظم أجور أهل المدينة فهذا صحيح؛ لأنه كلما طال التلبس بالإحرام، زاد الأجر، باعتبار أنه أشق على النفس من الثياب، ولذا يقولون: ينبغي أن يحرم من أول الميقات لا من آخره.
المقدم: لزيادة الأجر.
стр. 410
نعم، ((هن)) أي هذه المواقيت ((لهن)) أي: لتلك البلدان المذكورة، والمراد لأهلها، ووقع في بعض الروايات: ((هن لهم)) وفي رواية: ((هن لأهلهن ولمن أتى)) أي: مر عليهن على المواقيت ((من غيرهن)) أي: غير تلك البلدان، فهذه المواقيت التي عينها النبي ﷺ .
المقدم: اللهم صل وسلم على رسول الله ...
لمن ذكر من الآفاق، وهي أيضاً مواقيت لمن أتى عليها، وإن لم يكن من أهل تلك الآفاق المعينة، فإنه يلزمه الإحرام منها، إذا أتى عليها قاصداً الإتيان لمكة لأحد النسكين.
((هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن)) المدني ميقاته ذو الحليفة.
المقدم: ذو الحليفة.
هن لهن، طيب الشامي إذا مر بالمدينة أو نجدي إذا مر بالمدينة ميقاته؟
المقدم: ميقات أهل المدينة لأنه ...
لماذا؟
المقدم: يشملهم.
لأنه أتى عليهن.
المقدم: من أتى ...
وإن كان من غير أهلهن، قال ابن حجر: الشامي إذا أراد الحج فدخل المدينة فميقاته ذو الحليفة؛ لاجتيازه عليها، يعني لقوله: ((ولمن أتى عليهن من غير أهلهن)) ولا يؤخر حتى يأتي الجحفة التي هي ميقاته الأصلي، فإن أخر أساء ولزمه دم عند الجمهور، وأطلق النووي الاتفاق، ونفى الخلاف في شرحه لمسلم والمهذب في هذه المسألة، يعني أنه يلزمه الدم، يعني: النجدي إذا مر بالمدينة.
المقدم: هل النجدي فقط أو هذا على الإطلاق؟
والشامي إذا مر بالمدينة.
المقدم: لأنها ترد أحسن الله إليك ...
اليمني إذا مر على قرن المنازل.
المقدم: إيه هي تريد هكذا بالنسبة لليمني الذي نوى الحج، ولكنه أراد زيارة المدينة قبل إتيانه لمكة.
نعم.
المقدم: يعني جاء مثلاً في اليوم الأول من ذي الحجة، فإنه جزماً اليمني يمر على ميقاته ذاهباً إلى المدينة بخلاف النجدي مثلاً الذي قد لا يمر على ميقاته، فاليمني يتجاوز ميقاته ذاهباً إلى المدينة، وقد نوى الحج ثم يعود مرة أخرى، إذا عاد يعتبر ضمن هذا ((لمن أتى عليهن من غير أهلهن)).
هذه المسألة التي ذكرتَها تختلف عن ما أطلقوا عليه الاتفاق هنا، هنا يقول: الشامي إذا دخل المدينة مريداً الحج ميقاته ذو الحليفة.
المقدم: ذو الحليفة.
بالجملة الثانية.
المقدم: نعم، ((ولمن أتى عليهن من غير أهلهن)).
стр. 411
((ولمن أتى عليهن من غير أهلهن)) لكن الجملة الأولى تقتضي أن يؤخر الإحرام إلى الجحفة ((هن لهن)) نعم، هذا المقتضى.
المقدم: أي نعم.
والجملة الثانية تقتضي أن يكون ميقاته ...
المقدم: ما مر عليه.
ذو الحليفة، ولذا يختلف أهل العلم في هذه المسألة، شامي قال: أنا لا أريد أن أحرم من المدينة أربعمائة كيلو، أنا أنتظر حتى أصل إلى الجحفة، له ذلك أو ليس له ذلك؟ عند الجمهور ليس له ذلك.
أطلق النووي الاتفاق، ونفى الخلاف في شرحه لمسلم والمهذب في هذه المسألة، فلعله أراد في مذهب الشافعي، أنه يسيء ويلزمه دم، وإلا فالمعروف عند المالكية أن للشامي مثلاً إذا جاوز دو الحليفة بغير إحرام إلى ميقاته الأصلي وهو الجحفة جاز له ذلك، وإن كان الأفضل خلافه، وبه قال الحنفية، يقولون: يجوز له أن يؤخر، وكونه يعمل بالجملة الأولى هذا الأصل: ((هن لهن)) كون ذو الحليفة ميقات للشامي إذا مر به هل هو ميقات أصلي أو طارئ بسبب المرور؟ بسبب المرور.
المقدم: بسبب المرور نعم.
وأما ميقاته الأصلي فهو الجحفة، الجمهور يرون أنه يسيء وعليه دم، إذا جاوز ذا الحليفة؛ لأنه أتى عليه ومر به وهو مريد الحج والعمرة ولم يحرم، المعروف عند المالكية أن الشامي مثلاً إذا جاوز ذا الحليفة بغير إحرام إلى ميقاته الأصلي وهو الجحفة جاز له ذلك، وإن كان الأفضل خلافه، وبه قال الحنفية وأبو ثور وابن المنذر من الشافعية، الآن الشامي واضح ميقاته الجحفة، وتأخر إلى ميقاته، لكن النجدي إذا تجاوز ذا الحليفة وأحرم من الجحفة ...
المقدم: النجدي تجاوز قرن المنازل.
لا، تجاوز الحليفة هو مر بالمدينة.
المقدم: آه.
نعم، وتجاوز ذو الحليفة وأحرم من الجحفة مثل ما فعل الشامي.
المقدم: لا، ما ينطبق.
لا يشمله لا الجملة الأولى ولا الثانية.
المقدم: ولا الثانية.
لكن لو تجاوز ذا الحليفة، وانطلق إلى قرن المنازل، صار نظير الشامي الذي لم يحرم من ذي الحليفة، وأحرم من ميقاته الأصلي، فهل يشمل كلام الإمام مالك يشمل النجدي إذا مر بذي الحليفة وأحرم من الجحفة أو يشمله الكلام إذا تجاوز ذا الحليفة وأحرم من السيل؟ واضح.
المقدم: أي نعم، يشمله الثاني.
стр. 412
لكن تصور أن مثلاً من نجد بالطائرة ما انتبه إلا وهو في جدة.
المقدم: أي نعم.
وقال: أنا أريد أن أرجع إلى رابغ أقرب وأحرم منه، أو نقول: اذهب إلى السيل؟
المقدم: اذهب إلى السيل.
الأصل أن يذهب إلى السيل، في منسك الشيخ ابن جاسر ﵀ الذي أشرنا إليه سابقاً، عند المالكية إذا مر المصري والشامي والمغربي بذي الحليفة فالأفضل لهم أن يحرموا منها، ولهم التأخير للجحفة، وفي منسك الشيخ يحيى الحطاب من المالكية، قال مالك: ومن حج في البحر من أهل مصر والشام وشبههما أحرم إذا حاذ الجحفة، قال شارحه: ولا يؤخره إلى البر؛ لأنه يحاذي وهو في البحر، لا يؤخره إلى أن يصل إلى البر إلى جدة مثلاً، إنما يحرم إذا حاذ وهو في البحر، فإن أخره إلى البر أساء وعليه دم عندهم، وعند الحنفية: إن من سلك طريقاً ليس فيه ميقات معين براً أو بحراً اجتهد وأحرم إذا حاذ ميقاتاً منها، ومن حذو الأبعد أولى، يعني إن أحرم من حذو الأبعد منهما أولى وأحوط، وإن لم يعلم المحاذاة ما يدري، ماسك طريق من السفلت ما يعرف هل حاذى أو ما حاذى؟ كيف يصنع؟ وإن لم يعلم المحاذاة فعلى مرحلتين من مكة، المرحلتين كم كيلو؟ ثمانين كيلو.
المقدم: باعتبار أقرب ميقات إلى مكة.
نعم، ثمانين كيلو، وعندهم أن من ترك ميقاته الذي جاوزه، وأحرم من ميقات آخر ولو إلى أقرب إلى مكة من الأول سقط عنه الدم، يعني عند الحنفية أن النجدي مثلاً إذا مر بميقات المدينة مثلاً ذي الحليفة ثم تجاوزه إلى الجحفة وأحرم منها عندهم لا يلزمه أن يذهب إلى السيل، وقل مثل هذا من غفل ونزلت به الطائرة إلى جدة يرجع إلى؟
المقدم: رابغ.
رابغ، إذا كان أيسر له من السيل على قولهم، لكن الحديث يلزم إما في ميقاته الذي حدد له، ولجهته، أو لما مر به، لكن لو حصل مثلاً، قال: والله لما وصلت جدة قالوا لي: اذهب إلى رابغ وأحرم، وأحرمت وحصل هذا وانتهى في قول الحنفية سعة.
وعندهم أن من ترك ميقاته الذي جاوزه وأحرم من ميقات آخر ولو أقرب إلى مكة من الأول سقط عنه الدم، وأن المدني إذا جاوز ذا الحليفة غير محرم إلى الجحفة كره، المدني! ميقاته الأصلي؟
المقدم: ذو الحليفة.
стр. 413
ذو الحليفة، ومر بذي الحليفة، وتجاوزه من غير إحرام إلى الجحفة.
المقدم: ومع ذلك يقول: كره.
يقول: كره، لماذا؟ لأن هذا ميقات معتبر شرعاً، له أو لأخيه من الآفاقي من المسلمين، لحجاج مثله، فهذه وجهة نظرهم إلا أنه يكره لوجود الخلاف القولي في المسألة، الجمهور على خلافه، وفي لزوم الدم عندهم خلاف، والصحيح عدم وجوبه؛ لأنه إذا كان في طريقه ميقاتان، فالسالك مخير في أن يحرم من الأول وهو الأفضل، أو يحرم من الثاني فإنه رخصة له، في منتهى الإرادات من كتب الحنابلة، بل هو من أمتن كتبهم: من لم يمر بميقات أحرم إذا علم أنه حاذى أقربهما منه، وسن أن يحتاط، فإن تساويا قرباً فمن أبعدهما من مكة، فإن لم يحاذ ميقاتاً أحرم عن مكة بمرحلتين.
وفي الإقناع أيضاً وهو من مشاهير كتب الحنابلة: الأفضل أن يحرم من أول الميقات، وهو الطرف الأبعد عن مكة، وإن أحرم من الطرف الأقرب من مكة جاز، وهي لأهلها، هذه المواقيت لأهلها، ولمن مر عليها من غير أهلها، ممن يريد حجاً أو عمرة، فإن مر الشامي أو المدني أو غيرهم على غير ميقات بلده، فإنه يحرم من الميقات الذي مر عليه؛ لأنه صار ميقاته ((ممن أراد الحج والعمرة)) ترجم الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- بقوله: باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام، ودخل ابن عمر وإنما أمر النبي ﵊ بالإهلال لمن أراد الحج والعمرة، ولم يذكره للحطابين ولا لغيرهم.
قال ابن حجر: حاصل كلام المصنف أنه خص الإحرام بمن أراد الحج والعمرة، نص ممن أراد.
المقدم: الحج والعمرة.
الحج والعمرة، مفهومه أن الذي لا يريد الحج والعمرة.
المقدم: لا يلزم.
ولو دخل مكة.
المقدم: ما يلزمه الإحرام.
لا يلزمه الإحرام.
حاصل كلام المصنف أنه خص الإحرام لمن أراد الحج والعمرة، واستدل بمفهوم قوله في حديث ابن عباس: ((من أراد الحج والعمرة)) استدل يعني: البخاري.
المقدم: أي نعم.
стр. 414
بمفهوم قوله في حديث ابن عباس: ((ممن أراد الحج والعمرة)) فمفهومه أن المتردد إلى مكة لغير قصد الحج والعمرة لا يلزمه الإحرام، وقد اختلف العلماء في هذا، فالمشهور في مذهب الشافعي عدم الوجوب مطلقاً، وفي قول يجب مطلقاً، يعني عنده، وفيمن يتكرر دخوله خلاف مرتب، وأولى بعدم الوجوب، والمشهور عند الأئمة الثلاثة: الحنفية المالكية الحنابلة الوجوب أنه لا يدخل مكة من غير إحرام، وفي رواية عن كل منهم لا يجب، يعني قول آخر من مذاهبهم، وهو قول ابن عمر والزهري والحسن وأهل الظاهر، وجزم الحنابلة باستثناء ذوي الحاجات المتكررة، واستثنى الحنفية من كان داخل الميقات.
وزعم ابن عبد البر أن أكثر الصحابة والتابعين على القول بالوجوب، ومفهوم الحديث صريح في عدم الوجوب.
المقدم: نعم.
مفهوم الحديث صريح؛ لأنه يقول: ((ممن أراد)) ولأنه ثبت بالاتفاق أن الحج لا يجب إلا مرة واحدة، يعني لو ألزمنا كل داخل أن يحرم لأوجبنا الحج عليه أكثر.
المقدم: أكثر من مرة.
أكثر من مرة، والإجماع قائم على أن الحج لا يجب في العمر.
المقدم: إلا مرة واحدة.
إلا مرة واحدة، ومثله العمرة عند من أوجبها.
((ومن كان دون ذلك)) أي بين الميقات ومكة ((فمن حيث أنشأ)) أي فميقاته من حيث أنشأ الإحرام، إذ السفر من مكانه إلى مكة، وهذا متفق عليه، إلا ما روي عن مجاهد أنه قال: ميقات هؤلاء نفس مكة، من كان بين مكة والميقات يدخل إلى مكة غير محرم، ميقاته نفس مكة، واستدل به ابن حزم على أن من ليس له ميقات، فميقاته من حيث شاء، ليس له ميقات، يعني ابن حزم يرى أن هذه المواقيت خاصة بأهل هذه الجهات، هناك جهات ما لها مواقيت.
المقدم: يختار ما شاء.
نعم، يعني لو افترضنا أهل عُمان مثلاً، وأهل خرسان، وأهل الجهات الأخرى التي لم تذكر في النصوص، ما الذي حمله على هذا؟
المقدم: ولا يمرون بالمذكورة.
لو مروا.
المقدم: يتبعونهم يا شيخ.
استدل به ابن حزم على أن من ليس له ميقات فميقاته من حيث شاء؛ لأن عندهم الظاهرية يجمدون على ما ذكر.
المقدم: بالنص.
بالنص نعم.
ولا دلالة فيه لأنه يختص بمن كان دون الميقات إلى جهة مكة، وأيضاً يرد عليه قوله؟
المقدم: ((هن لهن ولمن أتى عليهن)).
стр. 415
((ولمن أتى عليهن من غير أهلهن)) لكن كلامه مفترض فيمن لم يذكر بالتحديد ولا يمر؛ لأن الذي يمر ولو لم يذكر يشمله قوله: ((ولمن أتى)).
قال ابن حجر: ويؤخذ منه أن من سافر غير قاصد للنسك فجاوز الميقات، ثم بدا له بعد ذلك النسك أنه يحرم من حيث تجدد له القصد، ولا يجب عليه الرجوع إلى الميقات لقوله: ((فمن حيث أنشأ)) شخص كلف بعمل بجدة، وذهب إلى جدة غير محرم، وجدة دون الميقات، وجد فرصة مثلاً من أين يحرم؟ نعم من حيث أنشأ من جدة.
المقدم: نعم.
لأنه دون الميقات.
((حتى أهل مكة)) يجوز فيه الرفع والكسر ((من مكة)) أي يحرمون من مكة، فلا يحتاجون إلى الخروج إلى الميقات للإحرام منه، بل يحرمون من مكة، وهذا خاص بالحج، وتقدم ذكر إحرام المكي بالنسبة للعمرة، وما قيل فيه من خلاف، وعرفنا اختيار الإمام البخاري في المسألة، واختلف العلماء فيمن جاوز الميقات مريداً للنسك فلم يحرم.
المقدم: أي نعم.
جاوز الميقات مريداً للنسك فلم يحرم.
المقدم: نعم، هل يرجع أو ما يرجع؟
فقال الجمهور: يأثم ويلزمه دم، أما الإثم فلتركه الواجب، فرض الرسول ﷺ هذه المواقيت، وقتّ هذه المواقيت، بمعناه أنه أوجبها وألزم بها، فلترك الواجب أم الدم فلخبر ابن عباس؛ لأنه ترك نسك، وذهب عطاء والنخعي إلى عدم الوجوب، ومقابله قول سعيد بن جبير: لا يصح حجه، وبه قال ابن حزم، إذا تجاوز الميقات من غير إحرام لا يصح حجه، يعني يتقابل القولان لا شيء عليه ولا حج له، ويقع في الوسط قول الجمهور، أنه يصح حجه لكن عليه دم.
стр. 416
وقال الجمهور: لو رجع إلى الميقات قبل التلبس بالنسك سقط عنه الدم، روى أبو داود في سننه والنسائي عن عائشة أن النبي ﵊ وقت لأهل العراق ذات عرق، وهو في صحيح مسلم إلا أن راويه شك في رفعه، وفي صحيح البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: لما فتح هذان المصران، أتوا عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين أن رسول الله ﷺ حد لأهل نجد قرناً، وهو جور عن طريقنا، وأنا إن أردنا قرناً شق علينا، قال: فانظروا حذوها من طريقكم، فحد لهم ذات عرق، حديث أبي داود وما جاء في صحيح مسلم إلا أنه مشكوك في رفعه يدل على أن تحديد ذات عرق مرفوع من النبي ﵊، والذي في البخاري عن ابن عمر يدل على أن عمر هو الذي حدد لهم ذات عرق، وظاهر هذا أن عمر حدد لهم ذات عرق باجتهاد منه، وبه قطع جمع من العلماء، وصحح الحنفية والحنابلة وجمهور الشافعية أنه منصوص، يعني مرفوع إلى النبي ﵊ بالنص.
وقال المجد بن تيمية في المنتقى، المجد جد شيخ الإسلام صاحب المنتقى: النص بتوقيت ذات عرق ليس في القوة كغيره، ليس مثل ذا الحليفة أو قرن المنازل، مما نص عليه الحديث الصحيح، ليس بالقوة كغيره، فإن ثبت فليس ببدع وقوع اجتهاد عمر على وفقه، فإنه كان موفقاً للصواب، كأن عمر لم يبلغه الحديث فاجتهاد بما وافق النص، وقد انعقد الإجماع على ذلك.
وأما ما جاء عند أحمد وأبي داود والترمذي عن ابن عباس أن النبي ﷺ وقت لأهل المشرق العقيق فهو حديث ضعيف.
والحديث أخرجه الإمام البخاري في خمسة مواضع:
الأول: في كتاب الحج في باب مهل أهل مكة للحج والعمرة، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا وهيب، قال: حدثنا ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس قال: إن النبي ﷺ وقت لأهل المدينة، فذكره وسبق ذكر المناسبة.
الموضع الثاني: في كتاب الحج باب مهل أهل الشام، حدثنا مسدد قال: حدثنا حماد عن عمرو بن دينار عن طاووس عن ابن عباس ﵄ قال: وقت رسول الله ﷺ ، فذكره، والمناسبة ظاهرة حيث ذكر ميقات أهل الشام في الحديث وأنه الجحفة.
стр. 417
الثالث: في كتاب الحج أيضاً، باب مهل من كان دون المواقيت، قال: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا حماد عن عمرو عن ابن طاووس عن طاووس عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، وفيه: ((فمن كان دونهن فمن أهله)) والمناسبة ظاهرة، مهل من كان دون المواقيت، والتنصيص على أن من كان دون هذه المواقيت فمن أهله.
والرابع: في كتاب الحج أيضاً في باب مهل أهل اليمن، حيث قال: حدثنا معلى بن أسد قال: حدثنا وهيب عن عبد الله بن طاووس عن أبيه عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، وفيه: "ولأهل اليمن يلملم" والمناسبة مهل أهل اليمن ظاهر.
المقدم: نعم.
نعم، والخامس في كتاب جزاء الصيد في باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام، الذي أشرنا إليه آنفاً.
قال ﵀: حدثنا مسلم، يعني: ابن إبراهيم، قال: حدثنا وهيب عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، الحديث، وفيه: ((هن لهن، ولكل من أتى عليهن من غير أهلهن، ممن أراد الحج والعمرة)) وسبق الحديث فيه هذه المسألة، والمناسبة ظاهرة.
المقدم: إذن ننبه الإخوة الذين يتابعوننا بأن النسخة التي نحن نقرأ منها قد أخطأ فيها المحقق بعدم وضع الأطراف، وقد ذكرها فضيلة الدكتور في خمسة مواضع كما ذكرنا، وبالتالي يتابع معنا -بإذن الله-، شكر الله لكم فضيلة الدكتور، ونفع بعلمكم، ونسأل الله تعالى أن يجزيكم عنا خير الجزاء، كما نسأله أن يوفقنا وإياكم جميعاً لكل خير، وأن يهدينا سبل السلام، إنه جواد كريم.
شكراً لكم أيها الإخوة والأخوات، نلقاكم -بإذن الله تعالى- في حلقات قادمة، وأنتم على خير.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.