Полный текст (417 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شرح: التجريد الصريح - كتاب الحج (٧)
الشيخ: عبد الكريم بن عبد الله الخضير
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الإخوة والأخوات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
طابت أوقاتكم جميعأً بكل خير، وأهلاً ومرحباً بكم إلى حلقة جديدة في شرح كتاب الحج من كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح.
مع مطلع حلقتنا يسرنا أن نرحب بصاحب الفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، ونشكر له تفضله بقبول دعوتنا، فأهلاً ومرحباًَ بكم فضيلة الدكتور.
حياكم الله وبارك فيكم وفي الإخوة المستمعين.
بقي معنا -أحسن الله إليكم- في حديث ابن عباس ﵄ في باب وجوب الحج وفضله، بقية أطراف الحديث، وعدنا الإخوة أن نستكملها في هذه الحلقة.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
هذا الحديث خرجه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في خمسة مواضع من صحيحه:
الموضع الأول: في كتاب الحج، في باب وجوب الحج وفضله، وقول الله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [(٩٧) سورة آل عمران].
قال: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: كان الفضل رديف رسول الله ﷺ ، فجاءت امرأة من خثعم ... الحديث بتمامه على ما تقدم، وتقدم ذكر مناسبته، والربط بين الحديث والترجمة.
الموضع الثاني: في كتاب جزاء الصيد، في باب الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة، في كتاب جزاء الصيد، وهو جزء من كتاب الحج.
المقدم: يعني ما أفرد كتاباً خاصاً بجزاء الصيد؟
كيف؟
المقدم: كتاب خاص بجزاء الصيد وإلا هو جزء من كتاب الحج؟
стр. 352
هو سماه كتاب، وعرفنا مراراً أن محمد فؤاد عبد الباقي عمد إلى تقسيم البخاري إلى سبعة وتسعين كتاباً لتتوافق مع المعجم المفهرس؛ ليخدم بذلك طلاب العلم، وإلا ما علاقة الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة بكتاب جزاء الصيد؟
المقدم: صحيح.
نعم.
المقدم: هو الأصل أن يكون كتاب الحج.
وجزاء الصيد في كتاب الحج أيضاً، يعني باب من أبواب الحج، كما تقدم لنا أنه أدخل كثير من أبواب الصلاة في كتاب الأذان؛ ليتوافق ترقيمه مع المعجم المفهرس؛ لكي يخدم طلاب العلم.
يقول: كتاب جزاء الصيد في باب الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة:
قال: حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن ابن شهاب عن سليمان بن يسار عن ابن عباس عن الفضل بن عباس.
في السياق الأول عن عبد الله بن عباس قال: كان الفضل.
المقدم: الراوي ابن عباس.
يعني الحديث من مسند ابن عباس، عبد الله بن عباس، وهنا الحديث من مسند الفضل، والرواية الأخرى في هذا الباب قال؛ لأنه في حاء التحويل هنا، ح وحدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة، هنا من الأول قال: حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن ابن شهاب عن سليمان بن يسار عن ابن عباس عن الفضل بن عباس ﵄ أن امرأة ح حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة حدثنا ابن شهاب عن سليمان بن يسار عن ابن عباس ﵄ قال: جاءت امرأة من خثعم ... الحديث.
أولاً: هذه الحاء يسمونها حاء التحويل، لكن هل هنا من فائدة من ذكرها هنا؟ لماذا؟ لأنه بعد نهاية الإسناد، ما تختصر لنا شيء، فهذا يرجح أن ...
المقدم: أن الحاء هنا ليست للتحويل.
إنما هي الحديث على ما يقول المغاربة، الحديث.
في الإسناد الأول الطريق الأول عن ابن عباس عن الفضل بن عباس، فهو من مسند الفضل، ورواية الباب التي شرحناها هي من مسند عبد الله بن عباس.
الرواية الأخرى في الباب الثاني الحج عمن لا يستطيع أيضاً هي من مسند عبد الله بن عباس، ابن عباس تقدم لنا أنه ممن قدمه النبي ﵊ مع الضعفة، فيحتمل أن يكون لم يشهد هذه القصة، وإنما سمعها من أخيه.
стр. 353
وعلى افتراض كونه لم يشهد هذه القصة وتعبيره بقوله: كان الفضل، تكون إيش؟ يعني ابن عباس يحكي قصة لم يشهدها.
المقدم: مرسل صحابي.
مرسل صحابي، وهو مقبول بالاتفاق، ما خالف في هذا إلا أبي إسحاق الإسفرائيني، ونقل الاتفاق على أنه مقبول.
أما الذي أرسله الصحابي ... فحكمه الوصل على الصوابِ
قال: جاءت امرأة من خثعم ... الحديث، والمناسبة الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة.
المقدم: للباب ظاهر.
نعم ظاهرة.
المقدم: لكن للكتاب؟
ما قلنا: إن جزاء الصيد جزء من كتاب الحج، والمراد الحج عمن لا يستطيع دخوله في الكتاب الأعم.
الموضع الثالث في كتاب جزاء الصيد أيضاً، باب حج المرأة عن الرجل.
قال: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن ابن شهاب عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: كان الفضل رديف النبي ﷺ فجاءت امرأة من خثعم ... الحديث.
والمناسبة ظاهرة حج المرأة عن الرجل، هذه المرأة الخثعمية تسأل عن الحج عن أبيها، وفيه رد على من زعم كالحسن بن صالح أن حج المرأة لا يصح عن الرجل؛ لأنها تلبس ما لا يلبسه الرجل، فالحديث رد عليه.
الموضع الرابع في كتاب المغازي في باب حجة الوداع.
قال: حدثنا أبو اليمان قال: حدثني شعيب عن الزهري، وقال محمد بن يوسف: حدثنا الأوزاعي قال: أخبرني ابن شهاب عن سليمان بن يسار عن ابن عباس، الحاء هذه تنفع، تكون حاء تحويل هنا؛ لأنها اختصرت.
وقال محمد بن يوسف، مر بنا مراراً أن البخاري إذا قال: وقال، جزم بذلك هل هو من قبيل المتصل أو من قبيل المعلق؟
المقدم: المتصل إذا جزم.
ومحمد بن يوسف من شيوخه، وروى عنه بصيغة التحديث، وجزم به، جزم بالنسبة إليه، وقال، فهل هو بمثابة قوله: حدثنا محمد بن يوسف أو أنه معلق؟ ولو أراد الاتصال لقال كما هي العادة: حدثنا محمد بن يوسف، مرت بنا مراراً هذه المسألة، وعرفنا أن رأي ابن الصلاح والحافظ العراقي، وجمع من أهل العلم أنها تحمل على الاتصال، وأن حكمها حكم العنعنة، تحمل على الاتصال بالشرطين المعروفين: أن يبرأ الراوي من وصمة التدليس، وأن يكون الراوي قد لقي من روى عنه، أو عاصره على مذهب مسلم.
المقدم: وكلاهما متحقق.
стр. 354
وهنا البخاري روى عن محمد بن يوسف ولقيه، وهو أبعد أو من أبعد خلق الله عن التدليس، ابن القيم ﵀ يقول: "هو أبعد خلق الله عن التدليس" لكن لو قال: من كان أحوط.
. . . . . . . . . أما الذي ... لشيخه عزا بـ (قال) فكذي
عنعنة كخبر المعازفِ ... لا تصغ لابن حزم المخالفِ
الحافظ ابن حجر كأنه يميل إلى أنها من نوع المعلق المجزوم به، وهكذا يدل صنيع المزي في تحفة الأشراف على أنه من باب التعليق المجزوم به، ولذلك يعلم على مثل هذا بعلامة التعليق: خت، خاء تاء، وعلى كل حال سواءً كان موصولاً أو معلقاً فهو مجزوم به، وثبت وصله من طرق كثيرة سمعناها.
وقال محمد بن يوسف: حدثنا الأوزاعي، قال: أخبرني ابن شهاب عن سليمان بن يسار عن ابن عباس ﵄ أن امرأة من خثعم استفت رسول الله ﷺ في حجة الوداع، والباب باب حجة الوادع، والكتاب المغازي، إيش دخل حجة الوداع؟
مناسبة الحديث للباب ظاهرة، استفت رسول الله ﷺ في حجة الوداع، والباب باب حجة الوداع، المناسبة ظاهرة، لكن ما مناسبة حجة الوداع لكتاب المغازي؟
المقدم: خروج النبي ﷺ في جمع.
نعم.
المقدم: يعني هم يعتبرون خروج النبي ﷺ مثل المغازي.
يدخلون أحواله وشمائله، وبعض أخباره في مغازيه ﵊، ولو ذهبنا إلى أبعد من هذا قليلاً فقلنا: إن الحج جهاد، عليهن جهاد لا قتال فيه الحج، فهو باب من أبواب الجهاد، حجة الوداع جهاد من هذه الحيثية.
الموضع الخامس: في كتاب الاستئذان في باب قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [(٢٧) سورة النور] الآيات.
стр. 355
وقال سعيد بن أبي الحسن للحسن -الحسن البصري- وسعيد أخوه: إن نساء العجم يكشفن صدورهن ورءوسهن قال: اصرف بصرك عنهن، يقول الله : ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [(٣٠) سورة النور] قال قتادة: عما لا يحل لهم ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [(٣١) سورة النور] خائنة الأعين من النظر إلى ما نهي عنه.
كتاب الاستئذان، ثم ذكر ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا﴾ [(٢٧) سورة النور] الآيات.
وقال سعيد بن أبي الحسن للحسن -الحسن البصري- وسعيد أخوه: إن نساء العجم يكشفن صدورهن ورءوسهن قال: اصرف بصرك عنهن.
المقدم: يعني فيه ملمح.
يعني بصرك عنهن فيه صرف بصر الإيش؟ الفضل.
المقدم: والاستئذان غالباً يمنع الإنسان من أن يقع بصره.
بصره نعم.
المقدم: أن يقع بصره على ما لا يحل له.
يقول الله : ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [(٣٠) سورة النور] قال قتادة: عما لا يحل لهم.
﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [(٣١) سورة النور] خائنة الأعين من النظر إلى ما نهي عنه.
إحنا ذكرنا مراراً أن البخاري إذا مرت أدنى مناسبة لكلمة في رواية أخرى، أو في آية من القرآن، فإنه يفسر فيها غريب الحديث، وغريب القرآن.
وقال الزهري في النظر إلى التي لم تحض من النساء: لا يصلح النظر إلى شيء منهن ممن يشتهى النظر إليه، وإن كانت صغيرة.
يعني ليس العبرة بالسن، وإنما العبرة بلفت أنظار الرجال، وتحريك شهوتهم، كثير من الناس يحضر بنته التي تناهز الاحتلام كاشفة في المجالس، أو في الأسواق والطرقات، وإذا سئل قال: لا ما كلفت، يعني هل الذي يريد أن ينظر إليها يطلب من هذا الرجل دفتر العائلة لينظر متى كان ميلادها؟! لا، أبداً، هي مجرد ما تفتن الرجال تحجب، ولذا يقول: وقال الزهري في النظر إلى التي لم تحض من النساء: لا يصلح النظر إلى شيء منهن ممن يشتهى النظر إليه، وإن كانت صغيرة.
стр. 356
وكره عطاء النظر إلى الجواري اللاتي يبعن بمكة إلا لمن يريد أن يشتري، حتى الجواري، وإن لم يكن عليهن حجاب.
قال الإمام البخاري -رحمه الله تعالى-: حدثنا أبو اليمان قال: أخبرنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني سليمان بن يسار، قال: أخبرني عبد الله بن عباس ﵄ قال: أردف رسول الله ﷺ الفضل بن عباس يوم النحر خلفه على عجز راحلته ... الحديث.
المناسبة: يعني ما قدمه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في الباب يرتبط بعضه ببعض، الآية ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [(٢٧) سورة النور] وثيقة في الاستئذان، وقول سعيد بن أبي الحسن لأخيه الحسن: إن نساء العجم، فقال: اصرف بصرك، له ارتباط بالحديث، وكلام قتادة والزهري كله له ارتباط وثيق بالحديث، وكذلك النظر إلى الجواري في كلام عطاء وكراهيته ذلك.
لكن ارتباط الحديث بكتاب الاستئذان؟
المقدم: ما يفهم ما قلت يا شيخ، ما هو بقريب منه.
ويش يقول؟
المقدم: يعني الآن الاستئذان في الغالب أنه سبب لمنع الإنسان أن يقع بصره على ما لا يحل له.
ولذلك جاء في الحديث الصحيح: ((إنما جعل الاستئذان من أجل البصر)).
المقدم: البصر، والحديث فيه أن الفضل صرف بصره.
فيه صرف البصر، فتبينت المناسبة في هذا الحديث صرف النبي ﵊ وجه الفضل لما طفق ينظر إلى المرأة، ففيه التوجيه العملي بغض البصر، ولا يخفى أن الاستئذان إنما شرع من أجل البصر.
ترجم الإمام البخاري في كتاب الاستئذان: باب الاستئذان من أجل البصر، وذكر فيه حديث سهل بن سعد وفيه: ((إنما جعل الاستئذان من أجل البصر)) فالارتباط وثيق بين النظر إلى الأجنبيات مع الاستئذان.
قال ﵀ عن ابن عمر ﵄ قال: رأيت رسول الله ﷺ يركب راحلته بذي الحليفة، ثم يهل حتى تستوي به قائمة.
نعم راوي الحديث الصحابي الجليل عبد الله بن عمر بن الخطاب تقدم ذكره مراراً.
стр. 357
وهذا الحديث ترجم عليه الإمام البخاري بقوله: باب قول الله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [(٢٦ - ٢٧) سورة الحج] فجاجاً: الطرق الواسعة.
المقدم: هذه الترجمة كاملة للباب؟
نعم، يقول: باب قول الله تعالى:: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [(٢٦ - ٢٧) سورة الحج] فجاجاً: الطرق الواسعة.
فجاجاً هذه جاءت في إيش؟ ﴿لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾ [(٢٠) سورة نوح] فجاءت في القرآن، وفسرها البخاري -رحمه الله تعالى- هنا للمناسبة، فسرها للمناسبة.
يقول ابن حجر: قيل إن المصنف أراد أن الراحلة ليست شرطاً للوجوب، ولذا قال: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [(٢٧) سورة الحج].
وقال ابن القصار: في الآية دليل قاطع لمالك أن الراحلة ليست من شرط السبيل، فإن المخالف يزعم أن الحج لا يجب على الراجل، وهو خلاف الآية، انتهى، وفيه نظر.
أقول: لا شك أن الراحلة شرط بالنسبة لبعض الناس، وليست بشرط بالنسبة لقوم آخرين، كيف؟
المقدم: حسب القدرة.
نعم، شرط لمن لا يستطيع المشي، وأما من يستطيع الوصول إلى المشاعر مشياً، فإن الراحلة ليست شرطاً في حقه.
وأما ما جاء في تفسير الاستطاعة بالزاد والراحلة فهو ضعيف.
ولذا بدأ الله بالرجال قبل الركبان.
قال بعضهم فيما نقله ابن حجر: مناسبة الحديث للآية أن ذا الحليفة فج عميق، والركوب مناسب لقوله: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [(٢٧) سورة الحج].
نعم، ذو الحليفة فج عميق، وكونه ﵊ يركب راحلته يناسب ركباناً، ففيه مناسبة.
يقول: مناسبة الحديث للآية أن ذا الحليفة فج عميق والركوب مناسب لقوله: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [(٢٧) سورة الحج].
وقال الإسماعيلي: "ليس في الحديثين" اللذين ذكرهما الإمام البخاري هذا الحديث والحديث الذي يليه إن إهلال رسول الله ﷺ من ذي الحليفة حين استوت به راحلته، حديث جابر.
المقدم: وهو ليس عندنا في المختصر.
ليس في المختصر يغني عنه حديث ابن عمر.
стр. 358
يقول الإسماعيلي: ليس في الحديثين شيء مما ترجم الباب به، ورد بأن فيهما الإشارة إلى أن الركوب أفضل.
وقال العيني: مطابقته للترجمة من حيث إن فيه ذكر الركوب وذكر الفج العميق.
أما الركوب فهو قوله: يركب راحلته، وأما الفج العميق فهو ذو الحليفة؛ لأنه لا شك أن بينها وبين مكة عشر مراحل، فهو فج عميق، يعني بعيد، واختلف أهل العلم في الركوب والمشي أيهما أفضل؟ أيهما أفضل الركوب أو المشي؟
فقيل: المشي أفضل؛ لأن الله بدأ به، ولما فيه من التعب والنصب، يعني الحج مشياً أكثر تعباً من الحج ركوباً.
المقدم: والتعب مطلوب في الحج؟
يأتي هذا.
وقال الجمهور: الركوب أفضل؛ لفعل النبي ﵊؛ ولكونه أعون على الدعاء والابتهال؛ ولما فيه من المنفعة.
أقول: التعب ليس مقصداً شرعياً لذاته، لكن التعب إذا وجد تبعاً لما أمر به أجر الإنسان عليه، كما جاء في الحديث: ((أجركِ على قدر نصبكِ)) هذا إذا كان تابعاً للعبادة، أما يتعب الإنسان لذات التعب ليس هدفاً شرعياً، الله -جل وعلا- عن تعذيب الإنسان نفسه غني، ولذا لو قال شخص: أنا بيني وبين المسجد مائة خطوة، لماذا لا أدور على الحي لأكسب ألف خطوة؟ نقول: لا؛ لأن التعب ليس مطلوباً لذاته، وقد يقول: لماذا وبيني وبين مكة ما يقرب من ألف كيلو، أدور على الجزيرة لأمشي في سيارتي عشرة آلاف كيلو وأتعب، أتعب نفسي، وأكلل راحلتي لأزداد من الأجر، نقول: لا، الأجر إنما يثبت للتعب إذا جاء تابعاً لعبادة.
والحديث مختصر هذا، حديث الباب مختصر من رواية سبقت في كتاب الوضوء، باب غسل الرجلين في النعلين، ولا يمسح على النعلين، فذكره الإمام هناك مطولاً، واقتصر منه هنا على قدر الحاجة فقط.
قوله: "رأيت رسول الله ﷺ يركب راحتله" الراحلة المركب من الإبل ذكراً كان أو أنثى، ويقال أيضاً للناقة التي تصلح لأن ترحل، قاله الكرماني.
وقال العيني: الراحلة من الإبل: البعير القوي على الأسفار والأحمال والذكر والأنثى فيه سواء، والهاء فيه للمبالغة، وهي التي يختارها الرجل لمركبه ورحله على النجابة، وتمام الخلق وحسن المنظر، فإذا كانت في جماعة الإبل عرفت بتميزها.
стр. 359
"بذي الحليفة" في معجم ما استعجم للبكري يقول: ذو الحليفة تصغير حلفة، وهي ماء بين بني جشم بن بكر بن هوازان، وبين بني خفاجة العقيليين، بينه وبين المدينة ستة أميال، وقيل: سبعة، وهو كان منزل رسول الله ﷺ إذا خرج من المدينة لحج أو عمرة؛ فكان ينزل تحت شجرة في موضع المسجد، الذي بذي الحليفة اليوم، فإذا قدم راجعاً هبط بطن الوادي، فإذا ظهر من بطن الوادي أناخ بالبطحاء.
المقدم: وهو معروف عند العرب.
معروف.
المقدم: يعني قبل النبي ﷺ .
هو موضع معروف، نعم.
وفي فتح الباري يقول: ذا الحليفة بالمهملة والفاء مصغراً مكان معروف بينه وبين مكة مائتا ميل غير ميلين قاله ابن حزم، ابن حزم حج وإلا ما حج؟ ما حج، وتقديره لهذه المسافات بالنقل عن غيره، يعني بين مكة والمدينة كم كيلو؟ أربعمائة كيلو.
المقدم: وبين ذي الحليفة ومكة مائتين ميل على كلامه، مائة وثمانية وتسعين ميل.
أين؟
المقدم: بين ذي الحليفة ومكة.
مائة وثمانية وتسعين ميل، والميل؟
المقدم: كيلو وزيادة.
كيلوين إلا ثلث، ألف وسبعمائة تقريباً، فيكون مقدارها ثلاثمائة وأربعين تقريباً، لا شك أن الطرق والمسالك تختلف، لا يمكن ضبطها.
وقال غيره: بينهما عشر مراحل.
المقدم: والمرحلة؟
المرحلة مسافة أربعين كيلو؛ لأن اليومين القاصدين هي مسافة القصر قدروها بثمانين كيلو، فعشر مراحل مقاربة.
وقال النووي: بينها وبين المدينة ستة أميال، ووهم من قال: بينهما ميل واحد، وهو ابن الصباغ.
وبها مسجد يعرف بمسجد الشجرة، خراب، وبها بئر يقال لها: بئر علي.
"ثم يهل" الإهلال رفع الصوت بالتلبية، قال الزمخشري في الفائق: الإهلال رفع الصوت بالتلبية، ومنه: إهلال الهلال واستهلاله، إذا رُفع الصوت بالتكبير عند رؤيته، واستهلال الصبي تصويته عند ولادته.
"حتى تستوي به الراحلة" واستواؤها كمال قيامها، قائمة حال، وموضع الإهلال إهلال النبي ﵊ فيه كلام طويل، وفيه روايات، ولا بد من التوفيق بينها.
المقدم: يعني نتركها إلى حلقة أخرى؟
نعم.
المقدم: النبي ﷺ في حجة الوداع واعد الناس في ذي الحليفة، وإلا واعدهم في أثناء الطريق؟
стр. 360
لا، قدموا المدينة، منهم من قدم المدينة، ومنهم من أدركه بذي الحليفة، ومنهم من أدركه بعد ذلك، لكنهم بذي الحليفة كما يقول جابر مد البصر.
المقدم: كثروا.
كثروا جداً.
المقدم: والذين لم يأتوا على طريقة أحرموا من المواقيت التي عرفوا أن النبي ﷺ حددها.
التي حددت لهم.
المقدم: يعني مثل الذين أتوا من اليمن؛ لأنه ﵊ كما في حديث الخثعمية أو غيرها جاءوا من اليمن، أو بعض الأقوام جاءوا من اليمن.
نعم كل هذا يأتي في حديث المواقيت -إن شاء الله-.
أحسن الله إليكم ونفع بعلمكم.
أيها الإخوة والأخوات نصل وإياكم إلى ختام هذه الحلقة من شرح كتاب الحج في شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، بقي معنا بعض المواضع والمسائل في مسألة المواقيت في حديث ابن عمر ﵄ وما سيتبعه -بإذن الله- من حلقات شرح هذا الكتاب.
حتى نلقاكم في حلقة قادمة نستودعكم الله.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 361
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شرح: التجريد الصريح - كتاب الحج (٨)
الشيخ: عبد الكريم بن عبد الله الخضير
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الإخوة والأخوات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم إلى حلقة جديدة في برنامجكم شرح كتاب الحج من كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح.
مع مطلع هذه الحلقة يسرنا أن نرحب بصاحب الفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير فأهلاً ومرحباً بكم شيخ عبد الكريم.
حياكم الله وبارك فيكم وفي الإخوة المستمعين.
لا زلنا في حديث ابن عمر ﵄ قال: رأيت رسول الله ﷺ يركب راحلته بذي الحليفة، ثم يهل حتى تستوي به قائمة.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
ففي الحديث "ثم يهل" يقول الزمخشري: الإهلال رفع الصوت بالتلبية، ومنه: إهلال الهلال واستهلاله، إذا رفع الصوت بالتكبير عند رؤيته؛ لأنه جرت العادة أن يرفع الصوت عند رؤية الهلال، ومنه استهلال الصبي، وهو صوته عند ولادته.
"حتى تستوي به الراحلة" واستواؤها كمال قيامها "قائمة" حال، و"حتى" هنا "حتى تستوي به قائمة" دلالة حتى أنه يبدأ قبل أن تستوي ويستمر حتى تستوي.
المقدم: فإذا استوى انقطع.
يكون انقطاعه عند استوائها "حتى تستوي" في بعض الروايات: "حين تستوي به الراحلة" حين تستوي، ويكون إهلاله بعد استوائها، وسيأتي ما للعلماء من كلام في هذه المسألة، وجاء في حديث جابر عند الإمام البخاري وهو الذي يلي هذا الحديث، حديث الباب، مما لم يذكره المختصر: أن إهلال رسول الله ﷺ من ذي الحليفة حين استوت به راحلته، وسيأتي أيضاً بعد أحاديث عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله ﷺ ما أهل إلا من عند المسجد، وسيأتي أيضاً -إن شاء الله تعالى- عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ ركب راحلته ...
المقدم: وكانت زاملته.
المقدم: ركب راحلته؟
стр. 362
نعم، حتى استوى على البيداء هو وأصحابه.
إهلاله ﵊، وفي حديث ابن عمر: "بيداؤكم التي تكذبون فيها على رسول الله ﷺ ، ما أهل رسول الله ﷺ إلا من عند المسجد" على ما سيأتي، فكونه روي عنه بالسند الصحيح أنه أهل حين استوت به راحلته، أو من عند المسجد، أو من عند الشجرة، كلها أحاديث صحيحة.
المقدم: إذاً أهل بها كلها.
في حديث ابن عباس عند أبي داود والحاكم أنه ﷺ لما صلى في مسجد ذي الحليفة ركعتين أهل بالحج حين فرغ منهما، يعني في مكانه بعد أن سلم من ركعتين أهل، فسمع قوم فحفظوه، وقالوا: إنه أهل من المسجد.
المقدم: ثم أهل مرة أخرى.
فلما استقرت به راحلته أهل، وأدرك ذلك منه قوم لم يشهدوا في المرة الأولى فسمعوه حين ذلك، فقالوا: إنما أهل حينما استقلت به راحلته، ثم مضى فلما علا على شرف البيداء أهل، وأدرك ذلك قوم لم يشهدوه فنقل كما سمع.
المقصود أنه بدأ الإهلال من بعد الصلاة مباشرة، ثم كرره لما استقلت به راحلته، فلما علا ﵊ على ظهر البيداء أهل، وما زال يلبي حتى .. ، المحرم متى يقطع التلبية؟
المقدم: بالنسبة للحج؟
نعم.
المقدم: بعد رمي جمرة العقبة.
إذا رمى جمرة العقبة أو إذا بدأ الرمي، على الخلاف الذي سيأتي.
المقصود أنه يرفع صوته بالتلبية؛ لأن الإهلال رفع الصوت بالتلبية، فهل يقول قائل: إن النبي ﵊ ما أهل إلا لما دخل مكة مثلاً لأنه استمر يلبي؟ في حديث ابن عباس الجمع بين هذه الأحاديث وكلها صحيحة، كلها في الصحيح، فمن قال: إنه أهل من المسجد سمعه يهل في المسجد، ومن قال كابن عمر: أهل حينما استوت به راحلته إنما رآه كذلك.
المقدم: ومن قال عند الشجرة كذلك.
كذلك، وعلى ظهر البيداء كذلك.
المقدم: وابن عباس ﵄ ...
وفي حديث ابن عباس فيه الجمع، الجمع بين .. ، فهذا فيه جمع بين الأحاديث المختلفة في موضع إهلاله ﵊.
стр. 363
يقول صاحب عون المعبود: "وهذا يدل على أن الأفضل لمن كان ميقاته ذا الحليفة أن يهل في مسجدها بعد فراغه من الصلاة، ويكرر الإهلال بعد أن يركب على راحلته، وبعد أن يمر بشرف البيداء.
يعني يكرر الإهلال.
يقول ابن حجر: وقد اتفق فقهاء الأمصار على جواز جميع ذلك، وإنما الخلاف في الأفضل.
الأفضل في إيش؟
المقدم: متى يبدأ؟
متى يبدأ، هل يبدأ من المسجد أو يبدأ حين تستقل به راحلته، أو يبدأ إذا علا على البيداء؟ الخلاف في الأفضل، وإذا اعتمدنا الجمع الذي ذكره ابن عباس قلنا: إنه يبدأ من المسجد، ويكرر ذلك إذا استقلت به راحلته واستوت، ويستمر إذا علا على شرف البيداء بعد ذلك، الكلام في البداءة.
يقول: اتفق فقهاء الأمصار على جواز جميع ذلك، وإنما الخلاف في الأفضل.
روى مسلم وأبو داود وغيرهما عن ابن عمر قال: بيداؤكم هذه التي تكذبون على رسول الله ﷺ فيها، ما أهل رسول الله ﷺ إلا من عند المسجد، يعني ذا الحليفة، الذين قالوا: إن النبي ﵊ أهل من البيداء؛ لأنهم سمعوه كذلك، فهل يقال: إن كلامهم كذب، الكذب هنا يراد به الخطأ، فمن قال: إنه ﵊ أهل من البيداء أخطأ من وجهة نظر ابن عمر؛ لأنه عنده إنما أهل حينما استوت به راحلته.
وفي رواية عنه إلا من عند الشجرة، ومعنى تكذبون على رسول الله ﷺ أي تقولون: إنه أحرم فيها ولم يحرم فيها، وإنما أحرم قبلها من مسجد ذي الحليفة، ومن عند الشجرة التي كانت هناك، وكانت عند المسجد.
قال ابن حجر: وإنكار ابن عمر على من يخص الإهلال بالقيام على شرف البيداء، الذي يخص الإهلال، يعني يبدأ الإهلال على شرف البيداء، ولا يهل قبل ذلك.
يقول العيني: والحديث احتج به مالك، وأكثر الفقهاء على أن يهل الراكب إذا استوت به راحلته قائمة.
احتج به مالك وأكثر الفقهاء على أن يهل الراكب إذا استوت به راحلته قائمة، واستحب أبو حنيفة أن يكون الإهلال عقيب الصلاة إذا سلم منها، وقال الشافعي: "يهل إذا أخذت ناقته بالمشي" وأما أكثر أصحاب مالك فقالوا: "يستحب أن يهل إذا استوت به ناقته إن كان راكباً، وإن كان راجلاً فحين يأخذ في المشي".
стр. 364
على كل حال الأمر فيه سعة، إذا صلى قبل الإحرام إن كان وقت فريضة فهو الأصل، فالنبي ﵊ أوقع إحرامه بعد الفريضة.
المقدم: صلى الظهر يا شيخ؟
نعم هو صلى بذي الحليفة الظهر والعصر، أو صلى الظهر في المدينة على خلاف بين النووي وابن القيم، صلى الظهر أربع بالمدينة، ثم صلى العصر ركعتين، ثم المغرب، ثم العشاء، ثم الفجر، ثم الظهر خمس صلوات، ويكون إهلاله بعد صلاة الظهر.
المقدم: وبين ذي الحليفة والمدينة عشرة كيلو.
عشرة كيلو.
المقدم: يعني بمجرد ما ...
يعني مكث يوم كامل أو أكثر من يوم.
المقدم: في هذه العشرة كيلو؟
في هذه العشرة كيلو، والناس يتضايقون من مثل هذه التصرفات، لكن النبي ﵊ معه الجموع من المدينة، عل بعضهم أن يطرأ له أمر غاب عن باله فيرجع إلى أهله فيقضيه، عل بعضهم نسي حاجة، هذا رفق بالأمة.
الحديث الذي يليه.
الحديث عرفنا أنه تقدم في كتاب الوضوء مطولاً، وأطرافه هناك.
المقدم: قال ﵀: وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ حج على رحل، وكانت زاملته.
راوي الحديث الصحابي الجليل أنس بن مالك، خادم رسول الله ﷺ ، تقدم ذكره مراراً.
والحديث ترجم عليه الإمام البخاري بقوله: باب الحج على الرحل، وفيه: عن ثمامة بن عبد الله بن أنس قال: حج أنس على رحل ولم يكن شحيحاً.
حج أنس يعني جده على رحل ولم يكن شحيحاً، وحدث أن رسول الله ﷺ حج على رحل وكانت زاملته.
المطابقة ظاهرة الترجمة باب الحج على الرحل، وفي الحديث أن الرسول ﵊ حج على رحل، والرحل بفتح الراء وسكون المهملة هو للبعير كالسرج للفرس، وأراد أن يشير بهذه الترجمة وبما ذكر تحتها إلى أن التقشف أفضل من الترفه، كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر.
стр. 365
وكانت زاملته أي: الراحلة التي ركبها، وهي وإن لم يجر لها ذكر، لكن دل عليها ذكر الرحل، الرحل لا يكون إلا على راحلة، كانت هذه الراحلة زاملته، والزاملة: البعير الذي يحمل عليه الطعام والمتاع من الزمل وهو الحمل، ومراده بذلك أنه لم تكن معه زاملة تحمل طعامه ومتاعه، بل كان ذلك محمولاً معه على راحلته، وكانت هي الراحلة وهي الزاملة، الزاملة التي تحمل الطعام والمتاع، والمراد بذلك أنه لم يكن معه رواحل أخرى.
المقدم: يعني ما سبقه أقوام بالتجهيزات كما يفعل ... ؟
بالأثاث.
المقدم: والأثاث
الله المستعان.
المقدم: ونقل كامل قبله.
معه، معه، في راحلته، في زاملته.
المقدم: ﵊.
يعني راحلة واحدة تحمله مع أثاثه، مع طعامه، ومع متاعه.
المقدم: الله المستعان.
مراده أنه لم تكن معه زاملة تحمل طعامه ومتاعه، بل كان ذلك محمولاً معه على راحلته، وكانت هي الراحلة وهي الزاملة.
وقوله: "ولم يكن" يعني جده أنس شحيحاً أي: بخيلاً، لم يترك الهودج أو عموم وسائل الراحة للبخل، واقتصر على الرحل للمتابعة التامة للنبي ﵊.
المقدم: هذا في أصل الحديث يا شيخ؟
نعم إيه، ولم يكن شحيحاً.
المقدم: وليس عندنا في المختصر.
إيه هو اقتصر على المرفوع، صاحب المختصر يقتصر على المرفوع.
المقدم: الذي قال: ولم يكن شحيحاً، الراوي عن أنس.
стр. 366
الراوي ثمامة عن جده أنس؛ لأنه فتحت له الدنيا أنس بدعوة النبي ﵊ كثر ماله، ومع ذلك لم يكن شحيحاً، وحج على رحل، لماذا؟ للمتابعة، وفي هذا الحديث التقشف في المعيشة في المأكول والمركوب وغيرهما، من شئون الحياة، والمراد بذلك ترك القدر الزائد من التنعم، وهذه حاله، وهذا عيشه ﵊، في سفره وإقامته، وجاء في صفة عيشه ﵊ أنه قد يمر عليه الهلال والثاني والثالث ثلاثة أهلة في شهرين لا توقد في بيته نار، وفراشه من خوس، قد أثر في جنبه ﵊، ووساده من أدم حشوها ليف، فالدنيا ليست هدف، إنما عنايته بما يحقق ما خلق له ﵊، وهكذا ينبغي أن تكون العناية لأتباعه، وليس معنى هذا أن الإنسان يحرم نفسه من الضروريات حتى يبين الضر في بدنه، ولا الحاجيات فيعذب نفسه، فالله عن تعذيب الإنسان نفسه غني، بل إنه -جل وعلا- يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، لكن المطلوب التوسط لا سيما فيما يتعلق بالعبادات بما يقرب إلى الله -جل وعلا-، الإنسان إذا جاء لعبادة مثلاً يحرص أن يتجه لما هو بصدده من هذه العبادة من تكميلها والإقبال عليها، وفي الغالب أن الإنسان إذا اعتنى أو اتجهت همته لغير ما هو بصدده ينشغل عنه، فإذا تصورنا أن شخصاً أراد الحج مثلاً ثم بحث عن الحملات الأكثر راحة مع الأسف أصحاب الحملات يتنافسون بالدعاية لحملاتهم.
المقدم: بالترفيه الزائد.
الزائد.
المقدم: يخرجون صور الأسرة والتلفزيونات الآن صارت تدخل في المخيمات يا شيخ، يبرز صورة التلفاز ويقول: نوفر لك كامل القنوات الفضائية التي تريد وسيارة خاصة.
стр. 367
نسأل الله العافية، المقصود أن العبادة شأنها أعظم، وإلا فالمسلم مطلوب منه ترك المحرمات على كل حال، فكيف بهذه المحرمات في وقت أداء العبادة؟! لماذا يتعب الإنسان نفسه، ويتجشم المصاعب والمتاعب من أجل أداء هذه العبادة، وقد تكون نافلة، فيسأل عن أغلى الحملات، وذكرت مبالغ خيالية تنفق على أسر مدة طويلة، يتنافسون، يذهب الإنسان في العشر الأواخر إلى الديار المقدسة من أجل الفراغ والخلوة في هذه الأوقات الشريفة التي ترجى فيها ليلة القدر، وفي هذا المكان الطيب الطاهر، ويسأل عن أفخر الفنادق، لا أدري كيف يجتمع القلب في هذه الأماكن الفخمة الضخمة المزخرفة إذا أراد أن يؤدي ما يؤدي من عبادة؟ لأنه إذا كان الهدف أن يقال: إنه سكن في كذا، وأكل كذا، وشرب كذا، وركب كذا، هذه حقيقة مرة، يجلس في بيته أفضل له، وإن كان المراد من ذلك أن يؤدي ما طلب منه، وما يقربه إلى الله -جل وعلا-، فالأمر دون ذلك، بدون ذلك يتأدى.
المقصود أن على المسلم أن يتوسط في أموره كلها، لا يزاول ما يقذر به، ويشان به، ويعاب به، بحيث يستقذره الناس، أو يرمونه بوصف لا يستحقه، ولا يتوسع توسع غير مرضي، بل عليه أن يتوسط.
سيأتي ما كان ﵊ من الزهد في الفانية، والرغبة في الباقية، وما يقرب إليها -إن شاء الله تعالى- بالتفصيل.
نعم.
المقدم: قال ﵀: عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أنها قالت: يا رسول الله نرى الجهاد أفضل الأعمال، أفلا نجاهد؟ قال: ((لا، لكن أفضل الجهاد حج مبرور)).
راوية الحديث أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق، عائشة بنت أبي بكر ﵂ وعنه-، مر ذكرها مراراً.
وهذا الحديث ترجم عليه الإمام البخاري بقوله: "باب فضل الحج المبرور" والمطابقة ظاهرة؛ لأن السؤال عن إيش؟
المقدم: عن الجهاد، عن أفضل الأعمال.
لأن السؤال عن أفضل الأعمال، هي لما ذكرت الجهاد بعد أن عرفت فضله بنصوص الكتاب والسنة، ففضله ثابت متقرر، فدلت على ما هو أفضل منه، الجهاد هي تسأل عن جهاد العدو وقتاله، وقد تقرر أنه من أفضل الأعمال بالأدلة من نصوص الكتاب والسنة، فدلت على ما هو أفضل منه، فهذا يدل على فضل الحج.
стр. 368
تقول: "نرى الجهاد" أي: نعتقد ونعلم ونجزم، والمراد بالجهاد قتال العدو، وذلك لكثرة ما ورد في فضله من نصوص الكتاب والسنة، فالرؤية المذكورة مبنية على نصوص، وليست رأياً مجرداً، مبنية على نصوص، ولذلك تمنت أم سلمة الغزو والجهاد كالرجال، بل تمنت أن لو كانت رجلاً يغزو ويجاهد مع رسول الله ﷺ ، فروى الإمام أحمد والترمذي أن أم سلمة قالت: يا رسول الله يغزو الرجال ولا نغزو، فأنزل الله -جل وعلا-: ﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [(٣٢) سورة النساء].
"نرى الجهاد أفضل العمل" أي: أفضل العمل المقرب إلى الله ، الموصل إلى جناته، "أفلا نجاهد" الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار، قال ﷺ : ((لا)) أي: لا تجاهدن؛ لأنه ليس على النساء جهاد كما سيأتي.
لكن قال ابن حجر: اختلف في ضبط إيش؟ لكنّ أو لكُنَّ، عندك؟
المقدم: لكنّ
"نرى الجهاد أفضل الأعمال أفلا نجاهد؟ قال: ((لا)).
المقدم: لكنّ أفضلَ، هذه عندنا.
أو لكُن أفضل الجهاد حج مبرور.
المقدم: ممكن هذه وهذه.
يقول ابن حجر: اختلف في ضبط هذه اللفظة، فالأكثر بضم الكاف خطاب للنسوة، "لكُن" وقال القابسي: وهو الذي تميل إليه النفس.
"لكُن" لأنه لو كانت "لكن" استدراك ((أفضل الجهاد حج مبرور)) لشمل الرجال والنساء، واضح؟
المقدم: واضح، نعم.
يكون على إطلاقه ((لكن أفضل الجهاد حج مبرور)) بالنسبة للرجال والنساء.
المقدم: ما يرد على مثل هذا القول أن المخاطبة هي عائشة والسؤال منها.
العبرة بعموم اللفظ؛ لأنه لو قال: لكن أفضل الجهاد حج مبرور، لاقتضى هذا تفضيل الحج على الجهاد مطلقاً للرجال والنساء، وعلى الضبط الذي ذكره ابن حجر، وأضافه ونسبه للأكثر، بضم الكاف خطاب للنسوة، يكون الخطاب موجه للنساء دون الرجال، فيكون الحج أفضل بالنسبة للنساء دون الرجال.
المقدم: يعني هذه مسألة ستأخذ وقت، وهي مسألة الحديث عن الجهاد بالنسبة للنساء، فنستأذنك فضيلة الدكتور أن تكون -بإذن الله- في مطلع حلقتنا القادمة لاستكمال أيضاً ألفاظ هذا الحديث.
стр. 369
بهذا أيها الإخوة والأخوات نصل وإياكم إلى ختام هذه الحلقة من شرح كتاب الحج في كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح.
نحن وفي حديث عائشة أم المؤمنين ﵂ في باب فضل الحج المبرور، نستكمله -بإذن الله- مع مطلع حلقتنا القادمة، وأنتم على خير.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 370
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شرح: التجريد الصريح - كتاب الحج (٩)
الشيخ: عبد الكريم بن عبد الله الخضير
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الإخوة والأخوات والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ونسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكم لكل خير، وأن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
مع مطلع حلقتنا يسرنا أن نرحب صاحب الفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، ونشكر له تفضله في قبول دعوتنا في شرح أحاديث هذا الكتاب، فأهلاً ومرحباً بكم فضيلة الدكتور.
حياكم الله وبارك فيكم وفي الإخوة المستمعين.
لا زلنا في حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ في باب فضل الحج المبرور، توقفنا عند الكلام عن قوله ﷺ لعائشة: ((لكُن أفضل الجهاد حج مبرور)) أو ((لكن أفضل الجهاد حج مبرور)).
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أشرنا في حلقة مضت أن الرواة اختلفوا في ضبط هذه الكلمة: لكن أو لكُن.
يقول ابن حجر: اختلف في ضبط هذه الكلمة.
المقدم: لكن من أخوات إن.
إي نعم استدراك.
المقدم: ولكُن اللي هو المقصود الجار والمجرور.
إي نعم، فالأكثر بضم الكاف خطاب للنسوة، قال القابسي: وهو الذي تميل إليه النفس.
رواية الحموي: لكن بكسر الكاف وزيادة ألف قبلها بلفظ الاستدراك، والأول أكثر فائدة؛ لأنه يشتمل على إثبات فضل الحج، وعلى جواب سؤالها عن الجهاد.
نعم يقول: الأول أكثر فائدة؛ لأنه يشتمل على إثبات فضل الحج "لكُن" كيف اشتمل على إثبات فضل الحج؟ قال: ((لكُن أفضل الجهاد حج مبرور)) فدل على فضله، وهذا بالنسبة للنساء؛ لأن الخطاب موجه إليهن، وعلى جواب سؤالها عن الجهاد؛ لأن اللام هذه للتخصيص ((لكُن)) فإذا كانت هذه اللام للتخصيص فلهن أفضل الجهاد الذي هو الحج، فعلى هذا الجهاد قتال العدو ليس لهن، لكن لو كانت بالاستدراك لكان لهن الحج وأيضاً لهن الجهاد، لكن الحج أفضل من الجهاد.
المقدم: وفي المقابل للرجال أن الحج أفضل.
стр. 371
للجميع لو كان استدراك.
وسماه جهاداً لما فيه من مجاهدة النفس، بالكف عن شهواتها وجهاد الشيطان، فلا شك أن في الحج ضرب من الجهاد، مجاهدة النفس لا شك أن مثل هذه العبادة لا تنال إلا بشق الأنفس، فمجاهدة النفس ظاهرة، ومجاهدة الشيطان أيضاً ظاهرة، فهو جهاد من هذه الحيثية بمعناه الأعم.
وقال العيني: "على رواية الاستدراك، لكن أفضل الجهاد، على رواية الاستدراك، اسم (لكن) هو قوله: أفضل الجهاد بالنصب، لكن أفضل الجهاد، وخبرها قوله: ((حج مبرور)) والمستدرك منه يستفاد من السياق تقديره ليس لكن الجهاد، ولكن أفضل الجهاد في حقكن حج مبرور.
وعلى الرواية الأولى (لكُن) رواية الأكثر، أفضلُ الجهاد مرفوع على الابتداء، وخبره الجار والمجرور المتقدم عليه لكُن، تقديره أفضل الجهاد لكُن حج مبرور.
والتقديم هنا ((لكُن أفضل الجهاد)) تقديم الخبر الجار والمجرور على المبتدأ للاختصاص، مثل تقديم المعمول ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [(٥) سورة الفاتحة] مثلاً.
وفي رواية النسائي: "ألا نخرج فنجاهد معك، فإني لا أرى عملاً في القرآن العظيم أفضل من الجهاد، فقال: ((لكُن أحسن الجهاد وأجمله حج البيت حج مبرور)).
وفي رواية ابن ماجه عن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله هل على النساء جهاد؟ قال النبي ﵊: ((عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة)) ونحتاج إلى هذا فيما بعد عند حج أزواج النبي ﵊ بعده، ومنع عمر لهن في أول الأمر، ثم إذنه بذلك في آخر خلافته.
المقدم: منعه إياهن أن يحججن؟
نعم بعد النبي ﵊، سيأتي هذا، وقوله ﵊: ((هذه ثم لزوم الحصر)).
المقدم: نعم ((هذه والزمن الحصر)).
مع قوله -جل وعلا-: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [(٣٣) سورة الأحزاب].
أفضل الجهاد بالنسبة للنساء وإلا فقد أخرج البخاري في هذا الباب باب فضل الحج المبرور، أخرج حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: سئل النبي ﷺ أي الأعمال أفضل؟ قال: ((إيمان بالله ورسوله)) قيل: ثم ماذا؟ قال: ((جهاد في سبيل الله)) قيل: ثم ماذا؟ قال: ((حج مبرور)).
المقدم: فقدم الجهاد على الحج.
стр. 372
بلا شك، هو أفضل منه بالنسبة للرجال في بعض الأحوال، وتقدم شرح الحديث حديث أبي هريرة في كتاب الإيمان، وتقدم أيضاً ذكر أقوال أهل العلم في اختلاف أجوبته ﵊ عن أفضل الأعمال.
المقدم: أحياناً تغير الإجابة بتغير الحال أو السائل.
نعم وأن ذلك يختلف باختلاف الأحوال، واحتياج المخاطبين، وذكر ما لم يعلمه السائل، وترك ما علمه السامعون؛ لأنه قد يسأل عن أفضل الأعمال وهو يعرف أفضل الأعمال، يعرف مثلاً أن الإيمان أفضل الأعمال، لكن يريد غيره الذي بعده، فيترك ما يعلمه السائل والسامعون ويذكر غيره.
وبعضهم يقدر لفظة (من) أفضل الأعمال والمراد من أفضل الأعمال، كما يقال: فلان خير الناس.
المقدم: والمقصود من خير الناس.
نعم، أو أعقل الناس، والمراد من أعقل الناس، يعني مثلما أشرنا سابقاً في قول ابن القيم: وكان أبعد خلق الله عن التدليس، المراد من أبعد خلق الله.
((أفضل الجهاد حج مبرور)) قال ابن خالويه: المبرور المقبول، وقال غيره: الذي لا يخالطه شيء من الإثم، ورجحه النووي.
وقال القرطبي: الأقوال التي ذكرت في تفسيره متقاربة المعنى، وهي: أنه الحج الذي وفيت أحكامه، ووقع موقعاً لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل، وقيل: هو الذي لا رياء فيه، وعلامة قبول الحج وبر الحج أن تكون حال الحاج بعده أفضل من حاله قبله.
يعني الهدف الذي يحققه الحج المبرور أن يرجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [(٢٠٣) سورة البقرة] "لمن اتقى" خاصة بمن تأخر أو بمن تقدم أو للجميع؟ للجميع، لا بد أن يتقي الله -جل وعلا- في حجه، فيأتي بجميع ما أوجب الله عليه، ويترك جميع ما نهاه الله عنه؛ ليرتفع عنه الإثم، ويرجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، يعني الآن الآية يؤخذ منها إيش؟ تفضيل التعجيل أو التأخير؟ أو لا هذا ولا هذا؟
المقدم: لا هذا ولا هذا.
﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [(٢٠٣) سورة البقرة] شريطة أن يكون.
المقدم: ممن اتقى.
قد اتقى الله -جل وعلا- في حجه.
стр. 373
﴿وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [(٢٠٣) سورة البقرة] ارتفع إثمه، من تعجل ارتفع إثمه، من تأخر ارتفع إثمه، لكن شريطة أن يكون قد اتقى الله -جل وعلا-، لكن هل التعجل والتأخر حكمهما واحد في الفضل؟
المقدم: لا.
لماذا؟
المقدم: هو أولاً: اتباع سنة.
لأن النبي ﵊ تأخر، وإلا الآية لا يؤخذ منها تفضيل التعجيل ولا التأخير، المقصود أنه يؤخذ منها أنه لا إثم على الحاج يرتفع عنه الإثم إذا اتقى الله -جل وعلا- في حجه سواءً تعجل أو تأخر.
ولذا من يعود إلى ما كان يزاوله قبل حجه من مخالفات الذي يغلب على الظن أن حجه ما أدى الهدف الذي من أجله شرع الحج، رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وقل مثل هذا في سائر العبادات.
المقدم: ولذلك في الآيات -فضيلة الدكتور- النص في الآية: ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [(١٩٧) سورة البقرة] يعني يعلق بعض الكتاب المعاصرين في مسألة تزودوا؛ لأن الزاد في الغالب يؤخذ للأمام، فالمتزود بالحج لا بد أن يأخذ زاداً يدفعه إلى سنوات كثيرة من خلال هذا التقوى.
بلا شك.
المقصود أن العبادات إنما شرعت لتطهير النفوس والقلوب والأبدان من الأدران، فالصيام الذي لا يورث التقوى لن تترتب عليه آثاره، وإن كان صحيحاً مجزئاً مسقطاً للطلب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [(١٨٣) سورة البقرة] هذا الهدف الأول من شرعية الصيام.
стр. 374
الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، لكن الصلاة التي لا تترتب عليها هذه الآثار، صحيح قد تكون صحيحة ومسقطة للطلب، لكن لم تحقق الهدف الأصلي منها، وقل مثل هذا في الحج، وقل مثل هذا في سائر العبادات، ولذا جاء قول الله -جل وعلا-: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [(٢٧) سورة المائدة] مع أن الآثار المترتبة من غفران الذنوب، وترتب الأجور على هذه العبادات إنما يكون بالتقوى، وما عدا ذلك يكون مسقط للطلب، مجزئ، صحيح عند الفقهاء، لكنه لا تترتب عليه آثاره؛ لأن نفي القبول يطلق ويراد به نفيه الصحة، ويطلق ويراد به نفي الثواب المترتب على العبادة وهذا منه، إذ لا يوجد أحد من أهل العلم يقول: إن الفاسق إذا صلى عليه أن يعيد الصلاة؛ لأن صلاته ما قبلت، أو الحج يعيد الحج لا، بل المراد من ذلك ما ذكرنا.
يقول ابن بطال: قال المهلب: وقوله ﷺ ...
عرفنا أن علامة القبول وعلامة بر الحج أن تتغير الحال، ذكرناً مثالاً سبق، وهو أن بعض الناس يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فإذا سمع الخبر خرج، عادي يخرج، بغروب الشمس تنتهي العشر، ليلة العيد تنتهي العشر يخرج عادي يعني، انتهى الاعتكاف، انتهى وقته، لكن الإشكال في صلاة العشاء إذا فاتته صلاة العشاء؟
المقدم: ما ترتبت الآثار.
الاعتكاف لا بد أن يكون في خلل مثلاً، من غير عذر، أو نام عن صلاة الصبح، أو سهر ليلة العيد على بعض المحرمات، فعلى الإنسان أن يراجع نفسه.
سيأتي عند البخاري قول عائشة في الحديث: "فلا أدع الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول الله ﷺ " يعني لما سمعت النبي ﵊ يقول: ((لكُن أفضل الجهاد حج مبرور)) تقول: "فلا أدع الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول الله ﷺ ".
стр. 375
يقول ابن بطال: قال المهلب: قوله ﷺ : ((لكُن أفضل الجهاد حج مبرور)) يفسر قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣] يعني إذا كانت المصلحة راجحة في خروج المرأة من بيتها مع التزام الحشمة التامة، وعدم الاختلاط بالرجال، وعدم التعرض لفتنة الرجال، أو الافتتان بهم، بالضوابط الشرعية، إذا كانت المصلحة راجحة لا يعارض قوله -جل وعلا-: ﴿وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] لكن الأصل القرار في البيوت.
يقول المهلب: وقوله ﷺ : ((لكُن أفضل الجهاد حج مبرور)) يفسر قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣] لأنه إذا قررن في بيوتهن ما تبرجن على أي حال، لكن التبرج إنما يحصل بالخروج من البيت.
يقول: إنه ليس على الفرض، ليس واجباً أن تقر في بيتها، وإن كان الأصل في الأمر الوجوب، هذا كلامه، لكن إذا قلنا: إن الأصل فيه الوجوب، والقرار واجب إلا إذا كانت المصلحة راجحة، انتهينا من كلامه؛ لأن الأصل في الأمر الوجوب، والأفضل في المرأة ألا ترى الرجال ولا يرونها.
يقول: إنه ليس على الفرض لملازمة البيوت، كما زعم من أراد تنقص عائشة في خروجها إلى العراق للإصلاح بين المسلمين، وهذا الحديث يخرج الآية عما تأولوها؛ لأنه قال: ((لكُن أفضل الجهاد حج مبرور)) ومن لازم الحج الخروج، من لازم الحج الخروج من البيوت، فدل على أن لهن جهاداً غير جهاد الحج لكن الحج أفضل منه.
التركيب صحيح؟ ((لكن أفضل الجهاد حج مبرور)) فدل على أن لهن جهاداً غير جهاد الحج، والحج أفضل منه.
المقدم: ما دام جعل فيه أفضل، معناه أن في شيء دونه.
لكنه مفضول.
المقدم: إي نعم مفضول.
يشتركان في الفضل، هي تسأل عن الجهاد الذي هو قتال العدو، فقال: أفضل منه الحج، إذاً هو فاضل حتى بالنسبة.
المقدم: للنساء.
إي نعم.
стр. 376
قال ابن حجر: يحتمل أن يكون المراد بقوله: ((لا)) في جواب قولهن: "ألا نخرج فنجاهد معك؟ " أي: ليس ذلك واجباً عليكن، كما وجب على الرجال، ولم يرد بذلك تحريمه عليهن، فقد ثبت في حديث أم عطية أنهن كن يخرجن فيداوين الجرحى، وفهمت عائشة ومن وافقها من هذا الترغيب في الحج إباحة تكريره، ولذا كانت لا تدع الحج، قالت: "فلا أدع الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول الله ﷺ " ففهمت من هذا الترغيب إباحة تكرير الحج، كما أبيح للرجال تكرير الجهاد، وخص به عموم قوله: ((هذه ثم ظهور الحصر)) وقوله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [(٣٣) سورة الأحزاب] وكأن عمر -رضي الله تعالى عنه- كان متوقفاً في ذلك.
المقدم: يعني في خروج أمهات المؤمنين.
نعم في حجهن بعده ﵊؛ لأنه قال: ((هذه ثم ظهور الحصر)) يعني الزمن ظهور الحصر البيوت.
وكأن عمر -رضي الله تعالى عنه- كان متوقفاً في ذلك، ثم ظهر له قوة دليلها.
المقدم: يعني معنى ذلك ما حججن في عهد أبي بكر ﵃ جميعاً؟
أقول: في عهد عمر هو الذي منعهن.
المقدم: إيه، لكن منع عمر يدل على خروجهن في عهد أبي بكر وإلا ما يلزم؟
ما يلزم، هذا مسكوت عنه.
المقصود أن عمر كان متوقف في ذلك للحديث، ثم ظهر له قوة دليلها، فأذن لهن في آخر خلافته، ثم كان عثمان بعده يحج بهن في خلافته أيضاً، وقد وقف بعضهن عند ظاهر النهي.
المقدم: اللي هو لزوم الحصر ولم تحج.
نعم، لم تحج سيأتي ذكره.
المقدم: طبعاً خروجهن ﵅ جميعاً يستأذن الخليفة في الغالب أمير المؤمنين.
بلا شك نعم إيه؛ لأن سلطته على الجميع.
المقدم: وكان شأنهن برعاية أمير المؤمنين طبعاً.
نعم بلا شك، نعم.
ففي البخاري في باب حج النساء، وقال لي أحمد بن محمد: حدثنا إبراهيم عن أبيه عن جده أذن عمر ﵁ لأزواج النبي ﷺ في آخر حجة حجها، فبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف.
стр. 377
وروى أبو داود وأحمد من طريق واقد ابن أبي واقد الليثي عن أبيه أن النبي ﵊ قال لنسائه في حجة الوداع: ((هذه ثم ظهور الحصر)) زاد ابن سعد من حديث أبي هريرة "فكان نساء النبي ﷺ يحججن إلا سودة وزينب، فقالا: لا تحركنا دابة بعد رسول الله ﷺ -إسناد حديث أبي واقد صحيح كما قال ابن حجر.
ويمكن الجمع بين حديث الباب: ((لكُن أفضل الجهاد حج مبرور)) وبين حديث: ((هذه ثم لزوم الحصر)) وصنيع أمهات المؤمنين، وحجهن بعد النبي ﷺ بإذن عمر -رضي الله تعالى عنه- أن الحج مستثنى من لزوم الحصر، فهذه الحجة وفي حكمها الحج مراراً، وأما ما عدا الحج فلزوم الحصر، كأنهن فهمن من لزوم الحصر لامتثال قوله: ((لكُن أفضل الجهاد حج مبرور)) هذا حديث قولي، له عمومه، فهمن من قوله: ((لزوم الحصر)) يعني في غير ما تترجح مصلحته كالحج.
المقدم: لكن قوله: ((لزوم الحصر)) كانت في خروجهن للحج ((هذه ولزوم الحصر)).
نعم ((هذه ثم لزوم الحصر)) وكأنهن فهمن أنه ليس على سبيل الإلزام، بدليل أنه قال: ((لكُن أفضل الجهاد حج مبرور)) يصير لغو هذا، يكون لغو، إذا قلنا: يجب عليهن أن يلزم الحصر ولا يحججن، يكون قوله: ((لكُن أفضل الجهاد حج مبرور)) لغو.
المقدم: طيب -أحسن الله إليك- في الحديث الأول حديث عائشة قلنا: بأن الأصل عموم اللفظ "لكُن" يعني للنساء، وهنا في لزوم الحصر قلنا: لأمهات المؤمنين، ما الذي صرف هذا وجعله خاص بأمهات المؤمنين وعمم ذاك لجميع النساء؟
لأن عمر -رضي الله تعالى عنه- كان يمنع أمهات المؤمنين.
المقدم: فيكون فهم عمر لهذا النص أنه خاص بهن.
خاص بهن.
هذا الحديث خرجه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في خمسة مواضع:
الأول: هنا في كتاب الحج، في باب فضل الحج المبرور:
قال -رحمه الله تعالى-: حدثنا عبد الرحمن بن المبارك قال: حدثنا خالد قال: أخبرنا حبيب بن أبي عمرة عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين -رضي الله تعالى عنها- أنها قالت: يا رسول الله ... الحديث، وتقدم ذكر المناسبة.
والموضع الثاني في كتاب جزاء الصيد.
المقدم: من كتاب الحج.
стр. 378
نعم من كتاب داخل كتاب الحج على ما أشرنا سابقاً.
باب حج النساء
قال الإمام البخاري -رحمه الله تعالى-: حدثنا مسدد قال: حدثنا عبد الواحد قال: حدثنا حبيب بن أبي عمرة قال: حدثتنا عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين -رضي الله تعالى عنها- قالت: قلت: يا رسول الله ألا نغزو ونجاهد معكم؟ فقال: ((لكُن أحسن الجهاد)) أو ((لكن)) على الضبط المتقدم، فما هناك يرد هنا ((لكُن أحسن الجهاد وأجمله الحج حج مبرور)) فقالت عائشة: "فلا أدع الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول الله ﷺ ".
والمناسبة ظاهرة؛ لأنه في حج النساء.
الموضع الثالث: في كتاب الجهاد والسير، في باب فضل الجهاد.
قال: حدثنا مسدد قال: حدثنا خالد قال: حدثنا حبيب بن أبي عمرة عن عائشة بنت طلحة عن عائشة ﵂ أنها قالت: يا رسول الله ... فذكره.
والمناسبة ظاهرة لفضل الجهاد.
نعم "نرى الجهاد أفضل العمل" المناسبة ظاهرة لفضل الجهاد من قولها: "نرى الجهاد أفضل العمل" وأقرها النبي ﵊، لكنه قال: أفضل منه بالنسبة للنساء الحج المبرور، ودلالة أفعل التفضيل على فضل الجهاد ظاهرة؛ لأن أفضل أفعل تفضيل، تدل على أن هناك شيئين يشتركان في الوصف الذي هو الفضل، ويفوق أحدهما الآخر في هذا الفضل، فدل على فضل الجهاد.
والرابع في كتاب الجهاد أيضاً في باب جهاد النساء.
قال: حدثنا محمد بن كثير قال: أخبرنا سفيان عن معاوية بن إسحاق عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين -رضي الله تعالى عنها- قالت: استأذنت النبي ﷺ في الجهاد، فقال: ((جهادكن الحج)).
جهاد النساء في هذه الترجمة جهادهن الحج، استأذنت النبي ﷺ في الجهاد، فقال: ((جهادكن الحج)) فجهاد النساء الحج.
والموضع الخامس في الباب المذكور من الكتاب المذكور قال: حدثنا قبيصة قال: حدثنا سفيان عن معاوية بهذا –يعني بالإسناد السابق- وعن حبيب بن أبي عمرة عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين ﵂ عن النبي ﷺ سأله نساؤه عن الجهاد؟ فقال: ((نِعم الجهاد الحج)) وهذا هو جهاد النساء.
стр. 379
قال ابن بطال: دل حديث عائشة على أن الجهاد غير واجب على النساء، ولكن ليس في قوله ((جهادكن الحج)) أنه ليس لهن أن يتطوعن بالجهاد، وإنما لم يكن واجباً عليهن لما فيه من مغايرة المطلوب منهن من الستر، ومجانبة الرجال، فلذلك كان الحج أفضل لهن من الجهاد.
قال ابن حجر: قلت: وقد ألمح البخاري بذلك في إيراده الترجمة مجملة، جهاد النساء، يقول: باب جهاد النساء في كتاب الجهاد، يقول: قد ألمح البخاري بذلك في إيراده الترجمة مجملة، وتعقيبها بالتراجم المصرحة بخروج النساء إلى الجهاد.
المقدم: وعقبها بتراجم.
بعد هذه الترجمة جهاد النساء، قال ﵀: باب غزو المرأة في البحر، ثم قال: باب حمل الرجل امرأته في الغزو دون بعض نسائه، ثم قال: باب غزو النساء وقتالهن مع الرجال، ثم قال: باب حمل النساء القرب إلى الناس في الغزو، ثم قال: باب مداواة النساء الجرحى في الغزو، ثم قال: باب رد النساء الجرحى والقتلى، يعني إلى المدينة، فدل على أن لهن المشاركة، وإن لم تكن واجبة عليهن كالرجال.
المقدم: أحسن الله إليكم، ونفع بكم.
لعلنا نكتفي بهذا على أن نستكمل -بإذن الله- ما تبقى من الأحاديث في حلقة قادمة.
أيها الإخوة والأخوات بهذا نصل وإياكم إلى ختام هذه الحلقة من شرح كتاب الحج في كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح.
لقاء يتجدد بكم -بإذن الله- مع حديث آخر، وأنتم على خير.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 380
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شرح: التجريد الصريح - كتاب الحج (١٠)
عبد الكريم بن عبد الله الخضير
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الإخوة والأخوات، مستمعينا الكرام في كل مكان السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أهلاً ومرحباً بكم وطابت أوقاتكم جميعاً بكل خير، ونحييكم إلى حلقة جديدة في شرح الحج من كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، لازلنا في كتاب الحج كما أشرنا ويسرنا أن نرحب بضيف البرنامج فضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، ونشكر له تفضله بقبول دعوتنا في شرح أحاديث هذا الكتاب فأهلاً ومرحباً شيخ عبد الكريم.
حياكم الله وبارك فيكم وفي الإخوة المستمعين.
المقدم: قال المصنف ﵀: عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه)).
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فراوي الحديث أبو هريرة الدوسي حافظ الأمة، مر ذكره مراراً، والحديث ترجم عليه الإمام البخاري ﵀ بقوله: باب فضل الحج المبرور، الترجمة السابقة.
المقدم: نعم.
((من حج)).
المقدم: الحديث الأول لعائشة والثاني لأبي هريرة في نفس الباب.
في نفس الباب نعم.
((من حج)) يعني حج البيت الحرام، مخلصاً لله من مال حلال، بحيث تتوافر الأسباب، وتنتفي الموانع، موانع القبول، استيفاء الشروط والأركان والواجبات، وعدم ما ذُكر من الموانع في الحديث وغيرها، فإنه يرجع كيوم ولدته أمه، بالوعد المذكور.
في قوله: ((فلم يرفث)) الفاء عطف على الشرط ((من حج فلم يرفث)) الفاء عاطفة، وجوابه رجع ((فلم يرفث)) بتثليث الفاء يرفُث، ويرفَث، ويرفِث، بتثليث الفاء، قاله العيني، ولم يذكر الحافظ الفتح، بل اقتصر على الضم والكسر في كتاب الصيام، في كتاب الصيام لم يذكر الفتح، وإنما اقتصر على الضم والكسر.
المقدم: في كتاب الصيام؟!
نعم.
المقدم: هذا الحديث؟!
стр. 381
لا ما هو بها الحديث، المادة رفث يرفث، ما مر الرفث في كتاب الصيام؟
المقدم: بلى.
إيه، هنا قال: فأما فاء الرفث فمثلثة في الماضي والمضارع، والأفصح الفتح في الماضي، والضم في المستقبل، إذا كانت مثلثة في الماضي ماذا نقول؟ رفَث.
المقدم: ورفِث.
ورفُث.
المقدم: ورفُث.
وفي المضارع؟
المقدم: يرفَث، يرفِث، يرفُث.
نعم، الأفصح في الماضي الفتح، رفَث، والأفصح في المستقبل الضم يرفُث.
المقدم: في المستقبلٍ؟!
إيه المضارع، مضارع.
المقدم: إذاً يُرفث.
يَرفُث.
المقدم: الراء يعني المراد، نعم.
الفاء، الكلام كله على الفاء.
المقدم: على الفاء، نعم.
نعم.
المقدم: فاء الفعل.
تصير فاء الفعل؟
المقدم: فاء الفعل الأصلي ذاته وليس الوزن.
الفاء الذي معنا.
المقدم: الذي معنا.
إيه الذي معنا، أما هو يكون إيش؟ الفاء بالنسبة؟
المقدم: العين.
العين، عين الكلمة.
المقدم: عين الفعل، نعم.
والمراد ...
المقدم: لكن في التثليث بالنسبة للماضي يا شيخ؟
رفَث.
المقدم: أيوه.
رفُث رفِث، لكن الأفصح فيه الفتح.
المقدم: في الماضي.
نعم، والمضارع كما ذكرنا.
المقدم: يرفُث.
يرفُث يرفَث يرفِث، فهي مثلثة، والمراد بالرفث: الكلام الفاحش، ويطلق على هذا -يعني على الكلام الفاحش- وعلى الجماع، وعلى مقدماته، وعلى ذكره مع النساء، أو مطلقاً، وعلى ذكره مع النساء يعني مواجهة النساء بالكلام.
المقدم: الفاحش.
الفاحش، المتعلق بهن، وبالصلة بهن، أو مطلقاً، يعني حتى مع الرجال، ويحتمل أن يكون لما هو أعم منها، يقول الأزهري في تهذيبه: قال الليث، من الليث؟ مر بنا مراراً.
المقدم: المحدث.
الليث بن سعد؟
المقدم: الليث بن سعد.
لا، ما يجي.
المقدم: أو اللغوي يا شيخ؟
اللغوي، لكن إيش؟ الليث بن؟ مر بنا مراراً.
المقدم: إحنا سجلناه، إيه صحيح، الليث اللغوي.
أي نعم إيه، الليث إيش؟ ذكرنا مراراً أن ممن يعاني تحقيق الكتب ...
المقدم: يقع في ...
إذا مر به ترجم لليث بن سعد، إذا مر به في كلمة لغوية، وفي نقل عن كتب أهل اللغة.
المقدم: فليس المراد به الليث بن سعد جزماً.
стр. 382
لا، أبداً، هو الليث بن المظفر، وذكرنا أنه قد يتكايس بعضهم فيقول: إن لم يكن ابن سعد فلا أدري من هو؟ وهذا كله دليل على عدم معاناة.
المقدم: البحث.
البحث من مظانه وعن أهله، يعني: التفنن في العلوم، فكل علم يؤخذ من أهله.
قال الليث: الرفث كالجماع، وأصله قول الفحش، قال الله تعالى: ﴿فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ﴾ [(١٩٧) سورة البقرة] وقال الزجاج: أي لا جماع، ولا كلمة من أسباب الجماع، وأنشد:
. . . . . . . . . ... عن اللّغَا ورفث التكلمِ
قال: والرفث كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من أهله، وذكر عن ابن عباس ﵄ ما يدل على أن الرفث خاص بما خُوطبت به المرأة، أما إذا كنت تتحدث مع الرجال.
المقدم: ما تقول رفث.
لا، افعل ما شئت، لا تواجه النساء بالكلام هذا، بهذا الكلام الرفث.
المقدم: نعم.
وينسب له حتى ابن كثير ﵀ ذكره في تفسيره، وذكره الأزهري في تهذيبه، وذكره ابن دريد في الجمهرة، ذكره بيت لا أدري يثبت عن ابن عباس أو لا يثبت:
"إن تصدق الطير" فأتى بكلمة سافلة، لا تليق بمقامه ﵁ وأرضاه-.
المقدم: فضلاً عن أن تصدق الطير ما يقول هذا.
عن كونه تشاؤم، نعم.
المقدم: ولذلك يذكرها بعض المفسرين مع الأسف في كتبهم.
يذكرونها.
المقدم: كابن كثير وغيره.
بلا شك، الكلمة مجيئها في مثل هذا البيت يختلف عن مجيئها في حديث ماعز مثلاً، الكلمة الفاحشة هذه.
المقدم: أي نعم.
نعم، يعني لو أن شخصاً يقرأ في تفسير، أو في أي كتاب في المسجد مثلاً يقرأ على الناس ويأتي بهذه الكلمة في مثل هذا البيت.
المقدم: يختلف عن ..
يختلف عن حديث؛ لأن الحديث التصريح بالكلمة مقصد وهدف، التصريح بالكلمة التي يترتب عليها الحد، ولذلك من الأدب في الكلام أن لا تنسب لنفسك قولاً ترويه عن غيرك، ولو كنت ناقلاً أو آثراً، ما تقول: يقول فلان: أنا كذا، وهو كلام ليس بطيب، كما في حديث: "هو على ملة عبد المطلب" نعم.
المقدم: صحيح ما يقول: أنا، ما ينسبها لنفسه.
هو نفسه ماذا قال؟
المقدم: هو قال: أنا.
لكن الناقل ما يقول: أنا.
المقدم: نعم، ما يجيب ضمير المتكلم.
نعم؛ لأن هذا يقبح به أن يتلفظ بمثل هذا الكلام.
стр. 383
المقدم: مثل كلام الفقهاء مثلاً عن المرأة إذا تحدثت على أن زوجها واقعها، وصرحت بالفعل الذي يدل على مواقعة الزوج لزوجته، عندما ينقل الفقهاء هذا الكلام ينقلونه على ضمير المتحدث الغائب.
المناسب لها.
المقدم: أي نعم، لا ينقلونه على المتكلم.
لكن في حديث ماعز، كل الرواة يتتابعون على رواية قوله: "إني زنيت". . . . . . . . . يترتب عليه حد، لو قال الرواة مثلاً قال: إنه زنى، والمسألة تحتاج إلى.
المقدم: دقة في النقل.
نعم، لا بد من أن يكون اللفظ يترتب عليه الحكم، لا يحتمل.
المقدم: نعم.
ومثل هذا الكلام أنا في شك من ثبوته عن ابن عباس، ذكر عن ابن عباس ﵄ ما يدل على أن الرفث خاص بما خوطبت به المرأة، فأما أن يرفث في كلامه ولا تسمع امرأة رفثه فغير داخل في قوله تعالى: ﴿فَلاَ رَفَثَ﴾ [(١٩٧) سورة البقرة] ونحوه في الجمهرة، نحو هذا الكلام المذكور في تهذيب اللغة في جمهرة، إيش؟
المقدم: جمهرة اللغة.
جمهرة اللغة لمن؟ لابن دريد، كتاب مشهور في اللغة، والكلام فيه وفيه مؤلفه أيضاً معروف.
المقدم: نعم.
لكنه كتاب نفيس، يعني من أمهات كتب اللغة مهما قيل يعني.
المقدم: متقدم يعني.
إيه جداً.
المقدم: يعني الذين أتوا بعده أفادوا منه كثيراً.
بلا شك، نعم نقلوا عنه.
المقدم: أيهما الأول هو أو القزاز يا شيخ؟
القزاز بيجي ها الحين.
المقدم: صاحب الجامع.
بيجي ها الحين.
يقول ابن حجر: الذي يظهر أن المراد به في الحديث ما هو أعم من ذلك، وإليه نحا القرطبي، وهو المراد بقوله في الصيام: ((فإذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث)) يعني: يراد به العموم، الكلام الفاحش والبذيء من القول سواء كان وجهت به النساء أو الرجال.
((ولم يفسق)) قال الراغب: فسق فلان خرج عن حجر الشرع، وذلك من قولهم: فسق الرطب إذا خرج عن قشره، وهو أعم من الكفر؛ لأن الكافر يقال له: فاسق، مرتكب الذنب يقال له: فاسق، فهو أعم من الكفر، والفسق يقع بالقليل من الذنب وبالكثير، لكنه تُعوريف فيما كان كثيراً، هذا تبع كلام الراغب، الفسق يقع بالقليل من الذنب وبالكثير لكن تُعوريف بما كان كثيراً، يعني مع الإصرار والاستمرار عليه يوصف بالفسق، هذا كلامه لكن القلة والكثرة.
стр. 384
المقدم: نسبية.
ولا ينظر إليها إلا من جهة أن صاحب السوابق أعظم من الذي تقع منه الهفوة، لكن المنظور إليه من جهة أخرى إلى عظم الذنب، وأكثر ما يقال: الفاسق لمن التزم حكم الشرع، وأقر به، ثم أخل بجميع أحكامه أو ببعضه، يعني: الفاسق شخص غير ملتزم بأحكام الشرع، الغير ملتزم بأحكام الشرع بالكلية هذا لا يقال له: فاسق في الغالب، على الخلاف في اشتراط العمل.
المقدم: يقال له إذن؟
هم عندهم من لا يشترط العمل في مسمى الإيمان قد يسميه ...
المقدم: يسميه فاسق.
قد يسميه فاسق من هذه الحيثية، لكن الذي يشترط العمل وهو القول المرجح عند أهل السنة، وعند سلف هذه الأمة.
المقدم: ما يسميه فاسق.
الذي يترك العمل بالكلية يسميه كافر؛ لأنه ...
المقدم: ترك الصلاة.
على القول الراجح والمفتى به أنه يكفر، ولذلك قال في الأول: وأكثر ما يقال: فاسق لمن التزم حكم الشرع وأقر به ثم أخل بجميع أحكامه أو ببعضه، بجميع أحكامه كيف يسمى فاسق وهو يقول: إن الفسق أعم من الكفر؟ أو باعتبار أن العمل لا يدخل في مسمى الإيمان عنده.
المقدم: أي نعم.
احتمال.
وسميت الفأرة فويسقة لم اعتقد فيها من الخبث والفسق، وقيل: لخروجها من بيتها مرة بعد أخرى، يقول ابن الأعرابي ...
المقدم: يعني لكثرة خروجها من بيتها تسمى فويسقة؟
هذا كلامه.
قال ابن الأعرابي ...
لعل المأخذ الأصلي لكونها مؤذية كالفساق، وجاء في الحديث: ((خمس كلهن فواسق، يقتلن في الحل والحرم)) ويأتي -إن شاء الله تعالى-.
المقدم: ومنها الفأرة.
ومنها الفأرة، يقول ابن الأعرابي ...
المقدم: فأرة، عفواً يا شيخ -أحسن الله إليك- الفأرة المراد بها فأرة المنازل.
جميع ما يطلق عليها هذا الاسم.
المقدم: يعني حتى فأرة البر؟
كيف؟
المقدم: الفأرة التي في البر.
الفأرة فرق بين الفأرة والجربوع.
المقدم: لا، أشبه ما تكون بالفأرة، الجرذي الصغير يسمونه فأرة الآن.
إذا كانت فأرة والجرذي من الفئران، نوع كبير من الفئران.
المقدم: لكنه في البر ليس مثل الجربوع أبداً.
المقصود أنه تختلف حقيقته عن حقيقة بالجربوع.
المقدم: أي طبعاً.
فالفأر كله فواسق سواء كبر حجمه أو صغر، ويشترك في الأذى.
стр. 385
قال ابن الأعرابي: لم يسمع الفاسق في وصف الإنسان في كلام العرب، وإنما قالوا: فسقت الرطبة عن قشرها، يريد أن يقول: إن هذا الاصطلاح وهذا اللفظ إسلامي، لا يعرفه العرب في بني آدم، فيمن خرج عن طاعة الله من بني آدم، إنما يقولون للرطبة إذا خرجت عن قشرها: فسقت، وتعقبه ابن حجر بأنه كثر استعماله في القرآن، وحكايته عمن قبل الإسلام.
المقدم: إن أذنت لي يا شيخ سؤال حول ما دمنا نتكلم عن يرفُث ويفسُق، يعني يكثر كلام العلماء هذا من باب ضرب.
الموازين، الموازين الصرفية.
المقدم: يعني هل قياس مطرد؟
مطرد، مطرد.
المقدم: أنا أعرف في كل الأفعال أعرف مثلاً أن فسق يفسق، رفث يرفث، هل لها ميزان متسق أعرفه بحيث أني أعرف ... ؟
لا، هم قد يختلفون في بعض الكلمات، لكنه عندهم مطرد.
المقدم: إذا قال من باب ...
ولا يمكن أن يتعلم الطالب إلا على هذه الطريقة، لا يتعلم الصرف إلا إذا عرف الموازين.
المقدم: أي نعم.
عندنا الكلام يحتاج إلى ... ، كلام ابن الأعرابي يقول: لم يسمع الفاسق في وصف الإنسان لكلام العرب، وإنما قالوا: فسقت الرطبة عن قشرها، تعقبه ابن حجر بأنه كثر استعماله في القرآن، وحكايته عن ما قبل الإسلام.
المقدم: يحتاج إلى ... !
يحتاج إلى مزيد إيضاح، يعني كون القرآن يطلق على بعض الكفار أو بعض الأمم بأنها فسقت أو فاسقة، هل يعني هذا أن العرب يعرفون هذا اللفظ، وأنه مقترن بمن اتصف بهذا الوصف؟ إذا نظرنا إلى الأمم السابقة التي لا تنطق بالعربية مثلاً، ووصفت بهذا الوصف.
المقدم: معناها أنهم يعرفون.
كيف؟
المقدم: أقول: معنى ذلك أنهم يعرفون أو ما يعني هذا؟
هل هذا الوصف الذي جاء في القرآن ينطبق على ما نزل على الأنبياء السابقين أنهم وصفوا في وقتهم على ألسنة أنبيائهم.
المقدم: بنفس اللفظ، ليس بالضرورة يا شيخ!
لأن كثير منهم ليسوا من العرب.
المقدم: ليس بالضرورة.
لا ينطقون بالعربية.
المقدم: لا ليس ضرورة، لكن في المقابل هل كونه أطلق في القرآن أنه حادث ولم يستخدم قبل عند العرب، ولا تعرف أنه معناه كذا.
стр. 386
أولاً: لا سيما العرب الذين هم قرب عهد النبوة، أهل الفترة كيف يصفون الرجل بأنه فاسق؟ يعني خرج عن المألوف عنهم فقالوا: فاسق، أو أن الحقيقة المعروفة في الشريعة ...
المقدم: أطلقت هذا اللفظ.
لا، أنا أقول: اللفظ الفاسق الذي يطلق على المخالف لأحكام الله -جل وعلا-.
المقدم: هذا شرعاً يا شيخ.
هذا معروف.
لكن إذا قلنا: إن العرب أطلقوه على من خرج عن أمر الله -جل وعلا- كلهم فساق.
المقدم: صحيح.
أن الواصف والموصوف لأنه جلهم خرجوا عن ...
المقدم: لكنهم يطلقون على من خرج عن شيء مألوف عندهم أو عرف عنه تمرده الظاهر يطلقون عليه فاسق وفسق وفسوق.
على كلامهم لا، على كلام ابن الأعرابي لا.
المقدم: هذا هو السؤال.
نعم.
المقدم: هذا الأهم.
على كلام ابن الأعرابي لا.
المقدم: يعني لا يعرف عنهم.
الاسم إسلامي، اسم إسلامي.
المقدم: ألفاظ القرآن في مسألة الفسق كثيرة.
نعم بلا شك.
المقدم: ﴿وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [(٣) سورة المائدة].
نعم.
المقدم: يعني كونه ...
لكن هذا الوصف إسلامي لذلك الفعل الذي حصل في الجاهلية.
المقدم: يعني حتى إطلاقه في بعض أفعالهم: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [(١٢١) سورة] هل المراد فقط إشعار العرب بأن هذه اللفظة من الفسق جاءت بدلالة شرعية جديدة؟
ابن حجر لما تعقب ابن الأعرابي بأنه كثر استعماله في القرآن، وحكايته عمن قبل الإسلام، يعني هل القرآن يحكي عمن قبل الإسلام أو يصف من قبل الإسلام؟
المقدم: لا، يصف.
فرق بين هذا وهذا، كونه يصف لا يلزم أن يكون معروفاً عند العرب.
المقدم: وهذا ممكن جداً.
يقول: وحكايته عمن قبل الإسلام، هل القرآن حكى عمن قبل الإسلام أنهم تكلموا بهذه الكلمة؟
المقدم: أبداً.
يقول الكرماني في تفسير ((ولم يفسق)) أي: لا خروج عن حدود الشريعة، الآية فيها ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [(١٩٧) سورة البقرة].
المقدم: ﴿وَلاَ جِدَالَ﴾ [(١٩٧) سورة البقرة].
﴿وَلاَ جِدَالَ﴾ [(١٩٧) سورة البقرة].
في الحديث اقتصر على إيش؟
المقدم: الرفث والفسوق.
فقط.
стр. 387
المقدم: وليس هناك جدال.
نعم، يقول الكرماني: إنما لم يذكر الجدال في الحديث اعتماداً على الآية، يعني: من باب الاكتفاء، الآية التي يعرفها الخاص والعام، فهي في حكم المذكور، اكتفاء بالآية، أفاد الطيبي كما نقله ابن حجر عن غيره عنه أن الحديث إنما لم يذكر الجدال كما ذكر في الآية على طريق الاكتفاء، بذكر البعض وترك ما دل عليه ما ذُكر.
المقدم: أي نعم، صح.
﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [(٨١) سورة النحل].
المقدم: ولم يذكر ...
ولم يذكر البرد، نعم.
المقدم: من باب أولى.
لا من باب الاكتفاء.
المقدم: أي نعم.
يقول فيما نقل عن الطيبي: أن الحديث إنما لم يذكر الجدال كما ذكر في الآية على طريق الاكتفاء بذكر البعض وترك ما دل عليه ما ذكر، لكن يحتمل أن يقال: إن ذلك تختلف، الجدال مراتبه تختلف بالقصد.
المقدم: بعض الجدال قد يكون حق.
نعم، وبعض الجدال لا يؤثر في المغفرة؛ لأن وجوده قد لا يؤثر في ترك المغفرة إن كان المراد به المجادلة في أحكام الحج بمعنى المناقشة، يعني: مدارسة العلم في هذه الأحكام "فلا جدال في الحج" يعني: لا مناقشة في مسائل الحج، هذا المقصود به في الآية؟ لا، إنما الجدال والمناقشة في مسائل الحج للوصول إلى الحق هذا مطلوب، هذا علم، هذا دين، هذه عبادة، يقول: لأن وجوده لا يؤثر في ترك المغفرة إذا كان المراد به المجادلة في أحكام الحج فيما يظهر من الأدلة، أو المجادلة بطريق التعميم، فلا يؤثر أيضاً، فإن الفاحش داخل في عموم الرفث، هم قالوا في تعريف الرفث: إنه القول الفاحش.
المقدم: كل قول فاحش.
إذن إذا كان الجدال فاحش دخل في فلا يرفث.
المقدم: وإذا كان حق.
والحسن منه ظاهر في عدم التأثير، والمستوي الطرفين، يعني ليس بفاحش وليس بحسن، إنما هو من الكلام والجدال المباح، لا يؤثر أيضاً، لكن لا شك أن تركه أولى.
المقدم: يظهر -والله أعلم- أن تركه هو الأولى.
بلا شك.
المقدم: وغير كذا يمكن أنه لم يذكر استناداً لأدلة أخرى يا شيخ إذا استوى ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر)).
((فليقل خيراً))
المقدم: ((أو ليصمت)).
стр. 388
ولذا الخلاف معروف عند أهل العلم فيما يكتب، هل يكتب كل شيء؟ ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [(١٨) سورة ق] هذا الأصل أنه يكتب كل شيء، حتى الكلام المباح يكتب، منهم من يقول: إنه ما يكتب إلا ...
المقدم: ما يحسب.
ما يحسب، إما ملك اليمين أو ملك الشمال.
المقدم: حسنة أو سيئة.
نعم؛ لأنه إن كان حسناً كتبه.
المقدم: اليمين.
اليمين، وإن كان سيئاً.
المقدم: كتبه الشمال.
وإن كان لا هذا ولا هذا؟
المقدم: لا يكتب.
هذا قول.
((كيوم)) قرأته أنت إيش؟
المقدم: كيومَ وكيومِ، أنا قرأتها حسب التشكيل كيومِ، وهي تقرأ "كيومَ ولدته أمه".
طيب لماذا؟ الكاف حرف جر.
المقدم: يومَ على الظرفية.
كيف؟
المقدم: يومَ.
هو ظرف على كل حال.
المقدم: أي نعم.
نعم.
المقدم: يصح فيها الوجهين، يومَ ويومِ.
لماذا؟ نعم، ((كيومَ ولدته أمه)) أو ((كيومِ)).
المقدم: كيومِ أو كيومَ.
أو كيومَ، أي: صار بلا ذنب.
المقدم: طيب.
يقول الكرماني: تقديره رجع مشابهاً لنفسه في البراءة عن الذنوب في يوم ولدته أمه.
المقدم: ما رأيك شيخ أن نترك.
في يومَ ولدته أمه، أو هو بمعنى صار.
المقدم: يعني نترك الإجابة عليه في الحلقة القادمة -بإذن الله- تشويقاً للإخوة.
طيب.
المقدم: خصوصاً كيومَ أو كيومِ، ولماذا؟ هذا ما سيكون في مطلع الحلقة القادمة -بإذن الله تعالى-.
أيها الإخوة والأخوات بهذا نصل وإياكم إلى ختام حلقتنا من شرح كتاب الحج في كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح.
نستكمل -بإذن الله- في حديث أبي هريرة ﵁ في الحلقة القادمة، وأنتم على خير.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 389
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شرح: التجريد الصريح - كتاب الحج (١١)
الشيخ: عبد الكريم الخضير
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الإخوة والأخوات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وأهلاً ومرحباً بكم إلى حلقة جديدة في برنامجكم شرح الحج من كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، مع مطلع حلقتنا يسرنا أن نرحب بفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، فأهلاً ومرحباً بك شيخ عبد الكريم.
حياكم الله وبارك فيكم في الإخوة المستمعين.
المقدم: لا زال الحديث حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ وهو يقول: ((من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيومَ ولدته أمه)) توقفنا عند لفظة: كيومَ، كيومِ، ووعدنا الإخوة والأخوات بأن نبدأ في هذه الحلقة للتعرف على السبب في الوجهين: يومَ ويومِ.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. في قوله: ((كيومَ ولدته أمه)) أو ((كيومِ)) يوم الكاف لا شك أنها جارة.
المقدم: أي نعم.
الكاف جارة، ويوم مجرور بالكاف، والمختار بناؤه على الفتح، لماذا؟ لأنه أضيف إلى جملة صدرها مبني، نعم ((كيومَ ولدته)) الآن الجملة التي بعده ((ولدته أمه)) هو مضاف إليها، وهي جملة صدرها يعني أولها مبني فعل ماضي.
المقدم: نعم.
لكن في مثل قوله -جل وعلا-: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ﴾ [(١١٩) سورة المائدة] هذه صدرها معرب، ولذلك ...
المقدم: جاءت معربة يومُ.
أعربت، فالمختار بناؤه على الفتح؛ لأنه أضيف إلى جملة صدرت بماضٍ وهو مبني ويجوز إعرابه، وقد روي البناء والإعراب في قوله:
على حينَ -أو على- حينِ عاتبت المشيب على الصبا.
بفتح نون حين على البناء، وكسرها على الإعراب، وما وقع قبل فعل معرب، يعني إذا كانت الجملة التي تليها، التي أضيفت إليها صدرها معرب أو قبل مبتدأ مثلاً، فالمختار فيه الإعراب، ويجوز البناء، هناك المختار البناء يجوز الإعراب في مثل الحديث.
المقدم: أي نعم، إذا كان.
стр. 390
وعكسه إذا كان صدره معرب الأصل فيه أنه معرب يجوز فيه البناء.
المقدم: البناء، يعني يصلح: "هذا يومَ ينفعُ".
نعم.
المقدم: يصلح هذا.
ويأتي.
يقول ابن مالك:
وابن أو أعرب ما كإذ قد أجريا ... واختر بنا متلو فعل بُنيا
وقبل فعل معرب أو مبتدأ ... أعرب ومن بنى فلن يفندا
نعم، الكلام الأول.
المقدم: أعرب.
فيما وابن أو أعرب، ابن على الفتح أو أعربه، مثل ما عندنا.
المقدم: أي نعم، جيد.
وابن أو أعرب ما كإذ قد أجريا ... واختر بنا. . . . . . . . .
يعني: اختر يكون الراجح بناء متلو فعل بُنيا، فعل مبني، مثل ما عندنا.
المقدم: أي نعم.
"وقبل فعل معرب" هذا يومَ ينفع.
المقدم: أي نعم.
وقبل فعل معرب أو مبتدأ ... أعرب ومن بنى فلن يفندا
المقدم: لا تثريب عليه.
لا تثريب عليه، وقد قرئ في السبع: ((هذا يومُ ينفع الصادقين صدقهم)) بالرفع على الإعراب وبالفتح على البناء، هذا ما اختاره ابن مالك، ومذهب البصريين أنه لا يجوز فيما أضيف إلى جملة فعلية صدرت بمضارع أو إلى جملة اسمية إلا الإعراب، وعلى هذا في قوله -جل وعلا-: ((هذا يومُ ينفعُ)) لا يجوز بناؤه، وهم يقولون: قرئ في السبع، السبع متواترة، وهي حجة على كل من خالفها، مذهب البصريين أنه لا يجوز فيما أضيف إلى جملة فعلية صدرت بمضارع أو إلى جملة اسمية إلا الإعراب، ولا يجوز البناء إلا فيما أضيف إلى جملة فعلية صدرت بماضٍ.
المقدم: القراءة السبعية يومَ يا شيخ أيضاً؟ يومُ ....
. . . . . . . . . معروف، يومَ هذا الذي عليه قراءتنا، لكن يقولون: قرئ في السبعة هذا.
المقدم: التي عليها قراءتنا يومُ.
إيه إيه.
المقدم أنا أقصد يومَ قرأت بالسبع؟
قرئ في السبع بالرفع على الإعراب وبالفتح على البناء.
المقدم: إيه، والآن البصريين يخالفون.
وهذا ما اختاره ابن مالك، ولذ قال: "ومن بنى فلن يفندا".
المقدم: والبصريون يخالفون في النصب؟
في مثل هذا، يقولون: لا يجوز البناء في هذه الحالة.
قال ابن حجر: ظاهر الحديث غفران الصغائر والكبائر والتبعات؛ لأن فيه ((رجع كيومَ ولدته أمه)) إذا قلنا: إنه لا يغفر إلا الصغائر كيف يرجع؟ يعني: ظاهر الحديث أنه يغفر كل شيء.
المقدم: كل شيء.
следующие страницы →