← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 12006–12045 · переход к 12011.

стр. 12006

إلى أنَّ الخوارج فسَّاق، وأنَّ حكمَ الإسلام يجرِي عليهم لتلفُّظهم بالشَّهادتين ومواظبتِهم على أركان الإسلامِ، وإنَّما فسِّقوا بتكفيرهِم المسلمين مستندِين إلى تأويلٍ فاسدٍ، وجرَّهم ذلك إلى استباحةِ دماءِ مخالفيهِم وأموالهِم والشَّهادة عليهم بالكفرِ والشِّرك. وقال القاضِي عياض: كادَتْ هذه المسألة أن تكون أشدَّ إشكالًا عند المتكلِّمين من غيرها حتَّى سأل الفقيهُ عبد الحقِّ الإمام أبا المعالي عنها، فاعتذرَ بأنَّ إدخالَ كافرٍ في الملَّةِ وإخراج مسلمٍ منها عظيمةٌ في الدِّين، قال (١): وقد توقَّف قبله القاضِي أبو بكر الباقلَّانيُّ وقال: لم يصرِّح القوم بالكفرِ، وإنَّما قالوا أقوالًا تؤدِّي إلى الكفر. وقال (٢) الغزاليُّ في «كتاب التفرقة بين الإيمان والزَّندقة»: الَّذي ينبغِي الاحترازُ عن التَّكفير ما وجدَ إليه سبيلًا، فإنَّ استباحَةَ دماءِ المسلمين المصلِّين المقرِّين بالتَّوحيد خطأٌ، والخطأُ في ترك ألف كافرٍ في الحياةِ أهونُ من الخطأ في سفكِ دم مسلمٍ واحدٍ. (٧) (باب مَنْ تَرَكَ قِتَالَ الخَوَارِجِ لِلتَّأَلُّفِ وَ) لأجلِ (أن لا يَنْفِرَ النَّاسُ عَنْهُ) بفتح التحتية وسكون النون وكسر الفاء، والضَّمير في «عنه» للتَّارك.

стр. 12007

٦٩٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ الجعفيُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو ابنُ يوسف الصَّنعانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بفتح الميمين بينهما عين ساكنة، ابنُ راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بنِ عبد الرَّحمنِ بنِ عوف (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعدِ بن مالكٍ الخدريِّ ﵁ أنَّه (قَالَ: بَيْنَا) بغير ميم (النَّبِيُّ ﷺ يَقْسِمُ) ذهبًا بعثه عليُّ بن أبي طالبٍ من اليمن سنة تسعٍ، وخصَّ به أربعة أنفسٍ: الأقرع بن حابسٍ الحنظليَّ، وعُيينة بنَ حصن الفزاريَّ، وعلقمة بنَ عُلاثة العامريَّ، وزيد الخير الطائيَّ، إذ (جَاءَ عَبْدُ اللهِ بْنُ ذِي الخُوَيْصِرَةِ) بضم الخاء المعجمة وبالصاد المهملة، مصغَّرًا (التَّمِيمِيُّ) وهو حُرْقوص بنُ زهير، أصل الخوارج. قال في «الكواكب»: كذا في جلِّ النُّسخ بل في كلِّها: عبد الله بن ذي الخويصرة. بزيادة «ابن»، والمشهور في كتب أسماء الرِّجال: ذو الخويصرة فقط. انتهى. وسبق في «علامات النُّبوَّة»: فأتى ذو الخويصرةِ رجلٌ من تميم [خ¦٣٦١٠] لكن في رواية عبد الرَّزَّاق عن مَعمر: إذ جاءهُ ابن ذي الخُوَيصرة. وكذا عند الإسماعيليِّ من رواية عبد الرَّزَّاق ومحمَّد بن ثورٍ وأبي سفيان الحميريِّ وعبدِ الله بن معاذ، أربعتهم عن مَعمر (١) (فَقَالَ: اعْدِلْ يَا رَسُولَ اللهِ) بهمزةِ وصلٍ وجزم اللَّام على الطَّلب، أي: اعدلْ في القسمة (فَقَالَ) ﷺ له: (وَيْلَكَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «ويحك» بالحاء المهملة بدل اللَّام (مَنْ) ولأبي ذرٍّ: «ومن» (يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ) ﵁: يا رسول الله (دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ (٢)) ولأبي ذرٍّ: «ائذَن لي فأضرب» بهمزة قطع، منصوبٌ بفاء الجواب (قَالَ) ﷺ لعمر: (دَعْهُ) أي: اترُكه (فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ) بكسر القاف، يستقلُّ (أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِ) بلفظ الإفراد فيهما، وظاهره: أنَّ تركَ الأمر بقتلهِ بسبب أصحابهِ الموصوفينَ بالصِّفة المذكورة، وهو لا يقتضِي ترك قتلهِ مع ما ظهرَ منه من مواجهته ﷺ بما واجهه به، فيحتملُ أن يكون لمصلحة التَّألُّف (يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ) الصَّيد المرميُّ، والمروق: سرعة نفوذ السَّهم من الرَّميَّة حتَّى يخرج من الطَّرف الآخر، ولشدَّة سرعة خروجه لقوَّة ساعد الرَّامي لا يعلقُ (٣) بالسَّهم من جسدِ الصَّيدِ شيءٌ (يُنْظَرُ) بضمِّ أوَّله وفتحِ ثالثه مبنيًّا للمفعول (فِي قُذَذِهِ) بضم

стр. 12008

القاف وفتح الذال المعجمة الأولى، في ريشِ السَّهم ليعرف هل أصاب أو أخطأ (فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ) من أثرِ الصَّيد المرمي (ثُمَّ يُنْظَرُ فِي) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «إلى» (نَصْلِهِ) حديدة السَّهم (فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «إلى» (رِصَافِهِ) بكسر الراء بعدها صاد مهملة (فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ) وسقط لفظ «ينظر» لأبي ذرٍّ (ثُمَّ يُنْظَرُ فِي نَضِيِّهِ) بفتح النون وكسر الضاد المعجمة والتحتية المشددة بعدها هاء، عود السَّهم من غير ملاحظةِ أن يكون له نصلٌ وريشٌ (فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ) من دمِ الصَّيد أو غيره، فيظنُّ أنَّه لم يصبْه، والفرض أنَّه أصابه (قَدْ سَبَقَ الفَرْثَ) بفتح الفاء وسكون الراء بعدها مثلثة، السَّرجين ما دام في الكرش (وَالدَّمَ) أي: جاوزهما، ولم يعلقْ فيه منهما شيءٌ بل خرجا بعدَه، شبَّه خروجَهم من الدِّين وكونهم لم يتعلَّقوا بشيءٍ منه بخروج ذلك السَّهم. وفي «مسنَدي (١)» الحميدي وابن أبي عمر من طريق أبي بكر مولى الأنصار (٢) عن علي: «أنَّ ناسًا يخرجون من الدِّين كما يخرج السَّهم من الرَّمِيَّة، ثمَّ لا يعودون فيه أبدًا» (آيَتُهُمْ) علامتهم (رَجُلٌ إِحْدَى يَدَيْهِ) بالتَّثنية (أَوْ قَالَ: ثَدْيَيْهِ) بالتَّثنية أيضًا، والشَّكُّ هل هي تثنية يد بالتحتية، أو ثدي بالمثلثة، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «ثدييهِ» أي: من غير شكٍّ. قال في «الفتح»: بالمثلثة (٣) فيهما، فالشَّكُّ عنده هل هو (٤) الثَّدي بالإفراد أو التَّثنية؟ قال: ووقع في رواية الأوزاعيِّ: «إحدى يديهِ» تثنيةُ يدٍ ولم يشكَّ وهو المعتمدُ، ففي رواية شُعيب ويونس: «إحدِى عضديهِ» (مِثْلُ ثَدْيِ المَرْأَةِ) بالمثلثة والإفراد (أَوْ قَالَ: مِثْلُ البَضْعَةِ) بفتح الموحدة وسكون الضاد المعجمة، أي: القطعة من اللَّحم (تَدَرْدَرُ) بفتح الفوقية والدالين المهملتين بينهما راء ساكنة آخره راء أُخرى، وأصله: تتدردر؛ فحذفت إحدى التاءين، أي: تتحرَّك وتجيءُ وتذهبُ، ولمسلم من رواية زيدِ بن وهبٍ عن عليٍّ: «وآيةُ ذلك أنَّ فيهم رجلًا له عضدٌ ليس له ذراعٌ على رأسِ عضُده مثل حَلَمة الثَّدي، عليه شعراتٌ بيضٌ». وعند الطَّبريِّ من طريقِ طارق بنِ زياد عن عليٍّ: «في يدِه شعراتٍ سُود» (يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ) بكسر الحاء المهملة وبعد التحتية الساكنة نون،

стр. 12009

وبضم فاء «فرقة» أي: زمان افتراق النَّاس، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «على خَير فِرقة» بالخاء المعجمة وبعد التحتية راء، وفِرقة: بكسر الفاء. قال في «فتح الباري»: والأوَّل المعتمد وهو الَّذي في مسلم وغيره، وإن كان الآخر صحيحًا، أي: أفضلُ طائفة. (قَالَ أَبُو سَعِيدٍ) الخُدْرِيُّ ﵁ بالسَّند السَّابق: (أَشْهَدُ) أنِّي (سَمِعْتُ) هذا الحديث (مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيًّا) ﵁ (قَتَلَهُمْ) بالنَّهروان (وَأَنَا مَعَهُ) وفي رواية أفلحِ بنِ عبد الله عند أبي يعلى: وحضرتُ مع عليٍّ يوم قتلهم بالنَّهروان. وعند الإمام أحمدَ والطَّبرانيِّ والحاكمِ من طريق عبد (١) الله بن شدَّاد: أنَّه دخل على عائشةَ مرجعه من العراقِ ليالي قتل عليّ، فقالتْ له عائشة ﵂: تحدِّثني عن أمرِ هؤلاء القوم الَّذين قتلهم عليٌّ، قال: إنَّ عليًا لمَّا كاتب معاويةَ وحكَّما الحكمين خرجَ عليه ثمانية آلافٍ من قرَّاء النَّاس، فنزلوا بأرضٍ يُقال لها: حَرُوراء من جانب (٢) الكوفة، وعتبوا عليه، فقالوا: انسلخْتَ من قميصٍ ألبسَكَه اللهُ، ومن اسمٍ سمَّاك الله به، ثمَّ حكَّمت الرِّجال في دينِ الله ولا حُكمَ إلَّا لله، فبلغَ ذلك عليًّا ﵁ فجمعَ النَّاس فدعا بمصحفٍ عظيمٍ، فجعلَ يضربُه بيدِه ويقول: أيُّها المصحفُ حدِّث النَّاس، فقالوا: ماذا إنسان؟! إنَّما هو مدادٌ وورقٌ، ونحن نتكلَّم بما رويناهُ منه، فقال: كتابُ الله بيني وبين هؤلاء، يقول الله في امرأة رجل: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ (٣) الآيةَ [النساء: ٣٥] وأمَّة محمد ﷺ أعظمُ من امرأة رجلٍ، ونقموا عليَّ أن كاتبتُ معاوية، وقد كاتبَ رسول الله ﷺ سهيلَ بن عَمرو ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] ثمَّ بعثَ إليهم ابن عبَّاس فناظرَهم، فرجع منهم أربعةُ آلافٍ فيهم عبد الله بن الكوَّاء، فبعث عليٌّ إلى الآخرين أن يرجعوا فأبوا، فأرسلَ إليهم كونوا حيثُ شئتُم وبيننا وبينكم أن لا تسفكُوا دمًا حرامًا، ولا تقطعُوا سبيلًا، ولا تظلموا أحدًا، فإن فعلتُم نبذتُ إليكم الحربَ. قال عبد الله بن شداد: فوالله ما قتلَهم حتَّى قطعوا السَّبيل، وسفكوا الدَّم الحرامَ … الحديثَ. (جِيءَ بِالرَّجُلِ) الَّذي قال ﷺ فيه: «إحدى يديهِ مثل ثدِي المرأة» (عَلَى النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَهُ

стр. 12010

النَّبِيُّ ﷺ ¬) أي: على الوصف الَّذي وصفه، وفي رواية أفلح: فالتمسَهُ عليٌّ فلم يجدْه، ثمَّ وجدَه بعد ذلك تحتَ جدارٍ على هذا النَّعت. وعند الطَّبريِّ من طريق زيدِ بن وهب: فقال عليٌّ: اطلبوا ذا الثُّدَيَّة، فطلبوه فلم يجدوه، فقال: ما كذبْتُ وما كُذِّبت، فطلبوه فوجدُوه في وَهْدةٍ من الأرض عليهِ ناسٌ من القتلى فإذا رجلٌ على يدِه (١) مثلُ سَبَلات السِّنَّور، فكبَّر عليٌّ والنَّاس. (قَالَ) أبو سعيد: (فَنَزَلَتْ فِيهِ) في الرَّجل المذكور، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «فيهم» في الحروريَّة (﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ٥٨]) أي: يعيبُك في قَسْم الصَّدقات، حيث قال: هذه قسمةٌ (٢) ما أُريد بها وجهَ الله. قال الحافظ ابنُ كثير: قال قتادة: وذُكر لنا أنَّ رجلًا من أهل الباديةِ حديث عهدٍ بأعرابيَّةٍ أتى نبيَّ الله ﷺ وهو يقسمُ ذهبًا وفضَّة، فقال: يا محمد، والله لئن كان الله أمرَك أن تعدلَ ما عدلْتَ، فقال نبيُّ الله ﷺ : «ويلَكَ فمَن ذا يعدلُ عليك بعدِي» (٣) ثمَّ قال نبيُّ الله ﷺ : «احذروا هذا وأشباههُ، فإنَّ في أمَّتي أشباهُ هذا، يقرؤون القرآنَ لا يتجاوزُ (٤) تَرَاقيهم، فإذا خرجوا فاقتلوهم، ثمَّ إذا خرجُوا فاقتلوهم». ٦٩٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو سلمة المنقريُّ البصريُّ، ويُقال له: التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زياد قال (٥): (حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ) بفتح الشين المعجمة، سليمان قال: (حَدَّثَنَا يُسَيْرُ بْنُ عَمْرٍو) بضم التحتية وفتح السين المهملة وسكون التحتية بعدها راء، ابن عَمرو: بفتح العين، أو ابن جابر الكوفيُّ، وقيل: أصلهُ أسير، فسهِّلت الهمزة، وله رؤية (٦)

стр. 12011

(قَالَ: قُلْتُ لِسَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ) بفتح السين المهملة وسكون الهاء، وحُنَيْف: بضم الحاء المهملة وفتح النون آخره فاء، الأنصاريِّ البدريِّ: (هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ فِي الخَوَارِجِ شَيْئًا؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ وَأَهْوَى بِيَدِهِ) مدَّها (قِبَلَ العِرَاقِ) بكسر القاف وفتح الموحدة، أي: جهته، وعند مسلم من طريق عليِّ بن مسهر عن الشَّيبانيِّ: نحو المشرق (يَخْرُجُ مِنْهُ قَوْمٌ يَقْرَؤُوْنَ القُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ) بالفوقية والقاف، جمع: تَرْقوة. قال في «القاموس»: العظمُ ما بين ثُغْرة النَّحر والعاتِقِ، يعني: أنَّ قراءَتهم لا يرفعُها اللهُ، ولا يقبلُها لعلمهِ تعالى باعتقادِهم (يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلَامِ مُرُوقَ السَّهْمِ) أي: كمروقِ السَّهم (مِنَ الرَّمِيَّةِ). (٨) (باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ دَعْوَتُهُمَا وَاحِدَةٌ) ولأبي ذرٍّ: «دعواهما» بألف بعد الواو بدل (١) الفوقية. ٦٩٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) بنُ عبدِ الله المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عُيينة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبدُ الله بنُ ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبدِ الرَّحمن بن هُرْمز (٢) (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ) جماعتان: جماعة عليٍّ، وجماعةُ معاوية (دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ) أي: كلُّ واحد منهما يدَّعي أنَّه على الحقِّ وصاحبه على الباطلِ بحسبِ اجتهادهما. والحديث بهذا السَّند من أفرادهِ. (٩) (باب مَا جَاءَ) من الأخبار (فِي) حقِّ (المُتَأَوِّلِينَ).

стр. 12012

٦٩٣٦ - (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ، وسقطَ «قال (١) أبو عبد الله» لأبي ذرٍّ (وَقَالَ اللَّيْثُ) بنُ سعد ابنِ عبد الرَّحمن الفهميُّ، أبو الحارث المصريُّ، الإمام المشهور، فيما (٢) وصله الإسماعيليُّ عن كاتب اللَّيث عنه، قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بنُ يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بنِ مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه قَالَ: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بنِ العوَّام (أَنَّ المِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ) بنِ نوفل الزُّهريَّ، أبا عبد الرَّحمن، له صُحبة (وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدٍ القَارِيَّ) بتشديد التحتية من غير همزة، والقارةُ هم ولد الهُون بن خُزيمة أخي أسد بن خزيمة، ولد على عهدِه (٣) ﷺ ليس له منه (٤) سماعٌ ولا رؤيةٌ (أَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا سَمِعَا عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ) ﵁ (يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ) بفتح الحاء المهملة، ابنِ حزام الأسديَّ (يَقْرَأُ سُورَةَ الفُرْقَانِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ فَإِذَا هُوَ يَقْرَأهَا) ولأبي ذرٍّ: «يقرؤها» بالواو وصورة الهمزة بدل الألف (عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ كَذَلِكَ، فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ) بضم الهمزة بعدها سين مهملة، أي: أواثبُه وأحملُ عليه وهو (فِي الصَّلَاةِ، فَانْتَظَرْتُهُ حَتَّى سَلَّمَ)

стр. 12013

منها (ثُمَّ) ولأبي ذرٍّ: «فلمَّا سلَّم» (لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ) بتشديد الموحدة الأولى مفتوحة وسكون الثانية، جمعته (١) عند صدره، وبالتَّخفيف أيضًا (-أَوْ: بِرِدَائِي-) شكٌّ من الرَّاوي (فَقُلْتُ: مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ؟ قَالَ: أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، قُلْتُ) ولأبي ذرٍّ: «فقلت» (لَهُ (٢): كَذَبْتَ، فَوَاللهِ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَقْرَأَنِي هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُهَا) ولأبي ذرٍّ: «تقروها» بالواو بدل الهمزة، وفيه إطلاق التَّكذيب على غلبة الظَّنِّ، فإنَّ عمر إنَّما فعل ذلك عن اجتهادٍ منه لظنِّه (٣) أنَّ هشامًا خالف الصَّواب. قال عمر: (فَانْطَلَقْتُ) به (أَقُودُهُ) أجرُّه بردائه (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ (٤): يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا) هشامًا (يَقْرَأُ بِسُورَةِ الفُرْقَانِ) بباء الجرِّ في سورة (٥) (عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا، وَأَنْتَ أَقْرَأْتَنِي سُورَةَ الفُرْقَانِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَرْسِلْهُ يَا عُمَرُ) بهمزة قطعٍ، أي: أَطْلِقْه، ثمَّ قال ﵊: (اقْرَأْ يَا هِشَامُ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ القِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَؤُهَا. قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال» (رَسُولُ اللهِ ﷺ : هَكَذَا أُنْزِلَتْ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : اقْرَأْ يَا عُمَرُ، فَقَرَأْتُ فَقَالَ: هَكَذَا أُنْزِلَتْ، ثُمَّ قَالَ) ﷺ تطييبًا لقلب عمر؛ لئلا يُنكر تصويب الشَّيئين المختلفين: (إِنَّ هَذَا القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ) أي: لغات (فَاقْرَؤُوْا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ) أي: من المنزل. ومطابقة الحديثِ للتَّرجمة من حيث إنَّه ﷺ لم يُؤاخذ عمر بتكذيبهِ لهشامٍ ولا بكونه لبَّبه بردائهِ وأراد الإيقاع به، بل صدَّق هشامًا فيما نقلَه وعذرَ عمر في إنكارهِ، وسبق في «باب كلامِ الخصوم بعضهم في بعض»، في «كتاب الإشخاص» [خ¦٢٤١٩].

стр. 12014

٦٩٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «وَحَدَّثنا» (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المشهور بابنِ رَاهُوْيَه قال: (أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ) بفتح الواو وكسر الكاف، ابن الجرَّاح. (ح) لتحويل السَّند (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «وَحَدَّثنا» (يَحْيَى) بنُ موسَى المعروف بخَتٍّ قال: (حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بنِ مهران (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بنِ قيسٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بنِ مسعود (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: لَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ) الَّتي في سورة الأنعام (﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم﴾) أي: لم يخلطوه (١) (﴿بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالُوا: أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَيْسَ) هو (٢) (كَمَا تَظُنُّونَ) أنَّه الظُّلم مطلقًا (إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]) لأنَّه تسوية بين من لا نعمة إلَّا وهي منه، وبين من لا نعمةَ منه أصلًا. ووجه المطابقةِ بين الحديث والتَّرجمة من حيثُ إنَّه ﷺ لم يُؤاخذ الصَّحابة بحملِهم الظُّلم في الآية على عمومهِ حتَّى يتناولَ كلَّ معصيةٍ، بل عذرهم؛ لأنَّه ظاهرٌ في التَّأويل، ثمَّ بيَّن لهم المراد بما رفعَ الإشكال. والحديث سبقَ في أوَّل «كتاب استتابة المرتدِّين» [خ¦٦٩١٨]. ٦٩٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو: لقبُ عبد الله بنِ عثمان بنِ جبلة المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا (٣) عَبْدُ اللهِ) بنُ المبارك المروزيُّ قال (٤): (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة، ابنُ راشد الأزديُّ مولاهم، أبو عروة البصريُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بنِ مسلمٍ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي)

стр. 12015

بالإفراد (مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ) بفتح الراء وكسر الموحدة، الخزرجيُّ الصَّحابيُّ الصَّغير، وجلُّ روايته عن الصَّحابة (قَالَ: سَمِعْتُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «سمع» (عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ) بكسر العين وسكون الفوقية، ابنِ عجلانَ الأنصاريَّ الصَّحابيَّ (يَقُولُ: غَدَا عَلَيَّ) بتشديد التحتية (رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) فيه حذف ذكره في «بابِ المساجد في البيوت» من طريقِ عقيل عن الزُّهريِّ، بلفظ: أنَّه -أي: عِتْبان- أتى رسولَ الله ﷺ فقال: يا رسول الله قد أنكرتُ بصرِي، وأنا أُصلِّي لقومي، فإذا كانت الأمطارُ سال (١) الوادي الَّذي بيني وبينهُم لم أستطعْ أن آتي مسجدهُم فأُصلِّي بهم، ووددتُ يا رسولَ الله أنَّك تأتيني فتصلِّي في بيتي فأتَّخذه مصلَّى. قال: فقال له رسولُ الله ﷺ : «سأفعلُ إن شاء الله» قال عِتْبان: فغدا عليَّ رسول الله ﷺ وأبو بكر (٢) حين ارتفعَ النَّهار، فاستأذن رسولُ الله ﷺ فأذنت له، فلم يجلسْ حين دخل البيت، ثمَّ قال: «أين تحبُّ أن أصلِّي من بيتكَ؟» قال: فأشرتُ له إلى ناحيةٍ من البيت فقام رسول الله ﷺ فكبَّر، فقمنا فصففنا فصلَّى ركعتين ثمَّ سلَّم قال: وحبسناهُ على خَزِيرة (٣) صنعناها له. قال: فثابَ في البيتِ رجال من أهلِ الدَّار ذوو عددٍ فاجتمعوا [خ¦٤٢٥] (فَقَالَ رَجُلٌ) منهم (٤) لم يُسمَّ: (أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُنِ؟) بضم الدال المهملة وسكون الخاء وضم الشين المعجمتين آخره نون (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَّا) قيل: هو عِتْبانُ بن مالك الرَّاوي: (ذَلِكَ) باللام، ولأبي ذرٍّ بإسقاطها، أي: ابن الدُّخْشُن (مُنَافِقٌ لَا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَلَا) بتخفيف اللام بعد الهمزة المفتوحةِ (تَقُولُوهُ) تظنُّوه (يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ) والقول بمعنى الظَّنِّ كثير، أنشد سيبويه: أمَّا الرَّحِيْلُ فَدُونَ بَعْدَ غَدِ … فَمَتَى تَقُولُ الدَّارُ تَجْمَعُنَا يعني: فمتى تظنُّ الدَّار تجمعنَا، والبيت لعمر (٥) بن أبي ربيعة المخزوميِّ، وقيل: مقتضى

стр. 12016

القياس: تقولونه بالنون، وأُجيب بأنَّه جائزٌ تخفيفًا، قالوا: حذف نون الجمع بلا ناصبٍ وجازمٍ لغة فصيحة، أو هو خطاب لواحد، والواو حَدَثت من إشباعِ (١) الضَّمَّة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «ألا تقولونَهُ» بإثبات الهمزة قبل لا ونون الجمع، ولأبي ذرٍّ أيضًا عن الكُشمِيهنيِّ والمُستملي: «لا» بلفظ النَّهي «تقولوه» بحذف النون. قال في «الفتح»: الَّذي رأيته: «لا تقولوه»، بغير ألف أوَّله وهو موجَّه، وتفسير القول بالظَّنِّ فيه نظر، والَّذي يظهرُ أنَّه بمعنى: الرُّؤية أو السَّماع. انتهى. ونقل في «التَّوضيح» عن ابن بطَّال: أنَّ القولَ بمعنى الظَّنِّ كثيرٌ بشرط كونه في المخاطبِ وكونه مستقبلًا، ثمَّ أنشدَ البيت المذكور مضافًا إلى سيبويهِ، وللأَصيليِّ ممَّا في الفرع كأصله: «إلَّا» بإثبات الهمزة وتشديد اللَّام «تقولوه» بحذف النُّون. (قَالَ) الرَّجل المفسَّر بعِتبان فيما قيل: (بَلَى، قَالَ) ﷺ : (فَإِنَّهُ لَا يُوَافِي) بكسر الفاء، وفي «اليونينيَّة» بفتحها (عَبْدٌ يَوْمَ القِيَامَةِ بِهِ) أي: بالتَّوحيد (إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ النَّارَ) إذا أدَّى الفرائضَ واجتنبَ المناهي، أو المراد: تحريم التَّخليد جمعًا بين الأدلَّة. والحديث سبقَ في الباب المذكور، ومُطابقته هنا للتَّرجمة من حيث إنَّه ﷺ لم يُؤاخذ القائلين في حقِّ ابن الدُّخْشن بما قالوا، بل بيَّن لهم أن إجراءَ أحكام الإسلامِ على الظَّاهر دون الباطن.

стр. 12017

٦٩٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ حُصَيْنٍ) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين، ابنِ عبد الرَّحمن السُّلميِّ، أبي الهذيل الكوفيِّ (عَنْ فُلَانٍ) في روايتي أبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «هو: سعد (١) بن عُبيدة» وكذا وقع في رواية هُشيم في «الجهاد» [خ¦٣٠٨١] وعبدِ الله بن إدريس في «الاستئذان» [خ¦٦٢٥٩] وهو سلميٌّ كوفيٌّ يكنَّى أبا حمزة، وكان زوج بنت أبي عبد الرَّحمن السُّلَمِيِّ شيخه في هذا الحديث، أنَّه (قَالَ: تَنَازَعَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) عبدُ الله بنُ ربَيِّعة (٢) -بفتح الموحدة وتشديد التحتية- السُّلميُّ الكوفيُّ (٣) المقرئ، المشهورُ بكنيته، ولأبيه صحبة (٤) (وَحِبَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ) السُّلميِّ بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة، وعند أبي ذرٍّ بفتحها وهو وهم. قال في «التَّقريب»: لا أعرف له رواية، وإنَّما له ذكر في البخاريِّ وهو من الطَّبقة الثَّانية (فَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ لِحِبَّانَ: لَقَدْ عَلِمْتُ الَّذِي) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «علمت من الَّذي» وله عن الكُشمِيهنيِّ: «ما» (جَرَّأَ) بفتح الجيم والراء المشددة والهمزة، أقدم (صَاحِبَكَ عَلَى) إراقة (الدِّمَاءِ) أي: دماءِ المسلمين (يَعْنِي: عَلِيًّا) ﵁ (قَالَ) حِبَّان: (مَا هُوَ) الَّذي جرَّأه (لَا أَبَا لَكَ؟)

стр. 12018

قال في «الكواكب»: جوزوا هذا التَّركيب تشبيهًا بالمضاف، وإلَّا فالقياس: لا أبَ لك، وهو ممَّا يستعملُ دعامةً للكلام، ولا يرادُ به الدُّعاء عليه حقيقة. انتهى. وهي كلمةٌ تقال عند الحثِّ على الشَّيء، والأصل فيه أنَّ الإنسان إذا وقع في شدَّة عاونه أبوه، فإذا قيل: لا أبا لك، فمعناه: ليس لك أبٌ، جِدَّ (١) في الأمر جِدَّ من ليس له معاونٌ، ثمَّ أُطلق في الاستعمالِ في مواضع استبعاد ما يصدرُ من المخاطبِ من قولٍ أو فعلٍ (قَالَ) أبو عبد الرحمن: (شَيْءٌ) جرَّأه (سَمِعْتُهُ يَقُولُهُ) صفة لـ «شيءٍ»، والضَّمير المنصوب فيه يرجع إلى «شيءٍ»، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ والمُستملي: «يقول» بحذف ضمير النَّصب (قَالَ) حِبَّان: (مَا هُوَ؟) أي: ذلك الشَّيء (قَالَ) أبو عبد الرحمن: قال عليٌّ: (بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالزُّبَيْرَ) بن العوَّام (وَأَبَا مَرْثَدٍ) بفتح الميم والمثلثة بينهما راء ساكنة، كَنَّازًا -بفتح الكاف والنون المشدَّدة وبعد الألف زاي- الغَنَوي -بالغين المعجمة والنون المفتوحتين- وقوله: «والزبير» نصبٌ عطفًا على نون الوقاية؛ لأنَّ محلها النَّصب، وفي مثلِ هذا العطف خلاف بين البصريِّين والكوفيِّين، ومثله قراءة حمزة: «﴿وَالأَرْحَامَ﴾» بالخفضِ عطفًا على الضَّمير المجرور في ﴿بِهِ﴾ من غير إعادةِ الجارِّ، وهو مذهبٌ كوفيٌّ لا يُجيزه البصريُّون، وقد ذكرتُ مَبْحثه في كتابي الكبير في القراءات الأربعة عشر. وسبق في «غزوة الفتح» من طريقِ عبيدِ الله بن أبي رافعٍ عن عليٍّ ذكرُ المقداد بدلَ أبي مَرْثد [خ¦٤٢٧٤] فيحتملُ أنَّ الثَّلاثة كانوا مع عليٍّ، وفي «باب الجاسوس»: أنا والزُّبير والمقداد [خ¦٣٠٠٧] أي: بالميم. قال في «الكواكب»: ذكر القليل لا ينفِي الكثير (وَكُلُّنَا فَارِسٌ) أي: راكبٌ فرسًا (قَالَ: انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ حَاجٍ) بحاء مهملة وبعد الألف جيم، موضعٌ قريبٌ من مكَّة، أو بقربِ المدينة نحو اثني عشر ميلًا (قَالَ أَبُو سَلَمَةَ) موسى بنُ إسماعيل شيخ المؤلِّف فيه (٢): (هَكَذَا قَالَ أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح (حَاجٍ) بالحاء المهملة والجيم. قال (٣) أبو ذرٍّ: كذا

стр. 12019

الرِّواية هنا، والصَّواب: «خاخ» بخاءين معجمتين (١). قال النَّوويُّ: قال العلماء: هو غلطٌ من أبي عَوَانة، وكأنَّه اشتبهَ عليه بمكانٍ آخر يُقال له: ذات حاج -بالحاء المهملة والجيم- وهو موضعٌ بين المدينة والشَّأم يسلكُه الحاجُّ، والأصحُّ: خاخ -بمعجمتين- (فَإِنَّ فِيهَا امْرَأَةً) اسمها سارة كما عند ابنِ إسحاق، أو كَنُود كما عند الواقديِّ (مَعَهَا صَحِيفَةٌ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ) بالحاء والطاء المهملتين بينهما ألف آخره موحدة، و «بَلْتَعة»: بفتح الموحدة وسكون اللام وفتح الفوقية والعين المهملة (إِلَى المُشْرِكِينَ) بمكَّة (فَأْتُونِي بِهَا) بالصَّحيفة (فَانْطَلَقْنَا عَلَى أَفْرَاسِنَا حَتَّى أَدْرَكْنَاهَا حَيْثُ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ ¬) حال كونها (تَسِيرُ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا، وَكَانَ) ولأبي ذرٍّ: «وقد كان» أي: حاطب (كَتَبَ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ) صفوان بن ميَّة، وسُهيل بن عَمرو وعكرمة بن أبي جهل يخبرهم (بِمَسِيرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَيْهِمْ) ولفظ الكتاب ذكرتُه في «الجهاد» [خ¦٣٠٠٧] وعند الواقديِّ (٢): فأتاها حاطبٌ فكتب معها كتابًا إلى أهلِ مكَّة أنَّ رسول الله ﷺ يريد أن يغزوَ فخذوا حِذْركم (فَقُلْنَا) لها: (أَيْنَ الكِتَابُ الَّذِي مَعَكِ؟ قَالَتْ: مَا مَعِي كِتَابٌ. فَأَنَخْنَا بِهَا (٣) بَعِيرَهَا، فَابْتَغَيْنَاه) أي: طلبناه (فِي رَحْلِهَا فَمَا وَجَدْنَا شَيْئًا، فَقَالَ صَاحِبِي) وفي نسخة «صاحباي الزُّبير وأبو (٤) مَرْثد»: (مَا نَرَى مَعَهَا كِتَابًا، قَالَ) عليٌّ: (فَقُلْتُ) لهما: (لَقَدْ (٥) عَلِمْنَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «لقد علمتُمَا» (مَا كَذَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ حَلَفَ عَلِيٌّ) ﵁ (وَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ) فقال: والله (لَتُخْرِجِنَّ الكِتَابَ) بضم الفوقية وكسر الراء والجيم (أَوْ لأُجَرِّدَنَّكِ) من ثيابك حتَّى تصيرِي عُرْيانة (فَأَهْوَتْ) مالت بيدِها (إِلَى حُجْزَتِهَا) بضم الحاء المهملة وسكون الجيم بعدها زاي، معقدُ إزارها (وَهْيَ مُحْتَجِزَةٌ بِكِسَاءٍ) شدَّته على وسطِها، زاد في حديث أنس عند ابنِ مَرْدويه: فقالت: أدفعْه إليكُما على أن لا تردَّاني إلى النَّبيِّ ﷺ . واختلف في إسلامِها والأكثر على أنَّها على دينِ قومها، وقد عدَّت فيمن أهدَرَ النَّبيُّ ﷺ

стр. 12020

دمَهم يوم الفتح؛ لأنَّها كانت تغنِّي بهجائه وهجاءِ أصحابه (فَأَخْرَجَتِ الصَّحِيفَةَ، فَأَتَوْا بِهَا) بالصَّحيفة (رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) فقُرئت عليه (فَقَالَ عُمَرُ) ﵁: (يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ (١) خَانَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالمُؤْمِنِينَ، دَعْنِي فَأَضْرِبَْ) بالنصب (عُنُقَهُ) وفي «غزوة الفتح»: دَعْني أضرب عُنق هذا المنافق [خ¦٤٢٧٤] (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَا حَاطِبُ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا لِي) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «ما بي» بالموحدة بدل اللام، وهي أوجه (أَنْ لَا) بفتح الهمزة (أَكُونَ مُؤْمِنًا بِاللهِ وَرَسُولِهِ) ولأبي ذرٍّ: «وبرسوله» وفي رواية ابن عبَّاس: والله إنِّي لناصحٌ لله ورسولهِ (وَلَكِنِّي أَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ لِي عِنْدَ القَوْمِ) مشركي مكَّة (يَدٌ) مِنَّةٌ (يُدْفَعُ بِهَا) بضم التحتية، وفي نسخة «يدفع الله بها» (عَنْ أَهْلِي وَمَالِي، وَلَيْسَ مِنْ أَصْحَابِكَ أَحَدٌ (٢) إِلَّا لَهُ هُنَالِكَ) أي: بمكَّة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «هناك» بإسقاط اللام (مِنْ قَوْمِهِ مَنْ يَدْفَعُ اللهُ بِهِ عَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ، قَالَ) ﷺ : (صَدَقَ) حاطب، ويحتملُ أن يكون عرف صدقَه بما ذكره أو بوحي (لَا) ولأبي ذرٍّ: «ولا» (تَقُولُوا لَهُ إِلَّا خَيْرًا. قَالَ) عليٌّ: (فَعَادَ عُمَرُ) إلى قولهِ الأوَّل في حاطب (فَقَالَ: يَا رَسُولُ اللهِ، قَدْ خَانَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالمُؤْمِنِينَ، دَعْنِي) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «فدَعني» (فَلِأَضْرِبَْ عُنُقَهُ) بكسر اللَّام والنَّصب. قال في «الكواكب»: وهو في تأويلِ مصدرٍ محذوفٍ، وهو خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: اتركني لأضرب عنقَه، فتركك لي من أجل الضَّرب، ويجوز سكون الباء، والفاءُ زائدة على رأي الأخفش، واللام للأمر، ويجوزُ فتحها على لغة سُليم، وتسكينها مع الفاء على لغة قريش، وأمر المتكلِّم نفسَه باللام فصيحٌ قليلُ الاستعمال، ذكرهُ ابن مالكٍ في: «قُوموا فلِأُصَلِّ لكمْ» وبالرفع، أي: فوالله لأضرب. واستُشكل قول عمر ثانيًا: «دعني أضرب عنقه» بعد قول النَّبيِّ ﷺ : «صدق ولا تقولوا له إلَّا خيرًا». وأُجيب بأنَّ عمر ظنَّ أن صدقَه في عذرِه لا يدفعُ عنه ما وجب عليه من القتلِ. (قَالَ) ﷺ : (أَوَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ)؟ استفهام تقريريّ، وزاد الحارث عند أبي يعلى: فقال عمر: بلى، ولكنه نكثَ وظاهر أعداءك عليكَ، فقال ﵊: (وَمَا يُدْرِيكَ) يا عمرُ

стр. 12021

(لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ عَلَيْهِمْ) على أهلِ بدرٍ (فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ) في المستقبلِ (فَقَدْ أَوْجَبْتُ لَكُمُ الجَنَّةَ) وفي «غزوة الفتحِ» [خ¦٤٢٧٤] فقال: «اعملُوا ما شِئتُم فقد غفرتُ لكم» أي: إنَّ ذنوبهم (١) تقع مغفورة حتَّى لو تركوا فرضًا مثلًا لم يؤاخذوا بذلك، ويؤيِّده حديث سهل بن الحنظليَّة في قصَّة الَّذي حرس ليلة حُنين فقال له النَّبيُّ ﷺ : «هل (٢) نزلت اللَّيلة؟» قال: لا إلَّا لقضاءِ حاجة قال: «لا عليك أنْ لا تعمل بعدها» والمتَّفق عليه أنَّ أهل بدرٍ مَغفور لهم فيما يتعلَّق بالآخرة، أمَّا الحدود في الدُّنيا فلا، فلقد جُلدَ مِسطحًا في قصَّة الإفك (فَاغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ) بالغين المعجمة الساكنة والراءين بينهما واو ساكنة ثمَّ قاف، افْعَوْعَلت، من الغرق، أي: امتلأت عينا عمر من الدُّموع حتَّى كأنَّها غرقتْ (فَقَالَ) عمر ﵁: (اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ). (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (خَاخٍ) بالمعجمتين (أَصَحُّ، وَلَكِنْ كَذَا قَالَ أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح: (حَاجٍ) بالحاء المهملة ثمَّ الجيم (وَحَاجٍ) بالمهملة والجيم (تَصْحِيفٌ، وَهُوَ مَوْضِعٌ) بين مكَّة والمدينة (وهَيْثَمٌ) بفتح الهاء وبعد التحتية الساكنة مثلَّثة، كذا في الفرع، ولعلَّه سبْق قلم، والَّذي في «اليونينيَّة» ووقفتُ عليه من الأصول المعتمدة: «وهُشَيْم» بضم الهاء وفتح الشين المعجمة مصغَّرًا، ابن بشير الواسطيُّ في روايتهِ عن حُصين (٣) ممَّا وصلَه في «الجهاد» [خ¦٣٠٨١] (يَقُولُ: خَاخٍ) بالمعجمتين، وقولهُ: «قال أبو عبد الله» ثابتٌ في رواية المُستملي.

стр. 12022

((٨٩)) (بسم الله الرحمن الرحيم، كِتَابُ الإِكْرَاهِ) بكسر الهمزة وسكون الكاف، وهو إلزامُ الغير بما (١) لا يريدُه. (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) في سورة النَّحل، و «قول» بالجرِّ عطفًا على سابقهِ، وسقطَتْ الواو لغير أبي ذرٍّ مع الرفع على الاستئناف (﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ﴾) استثناء ممَّن كفر بلسانهِ في قولهِ: ﴿مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ﴾ ووافقَ المشركين بلفظه مكرهًا لما نالَه من الضَّرب والأذى (﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ﴾) ساكنٌ (﴿بِالإِيمَانِ﴾) بالله ورسولهِ. وقال ابنُ جرير عن عبد الكريم (٢) الجزريِّ (٣)، عن أبي عُبيدة محمَّد بن عمَّار بن ياسر قال: أخذَ المشركون عمَّار بن ياسرٍ فعذَّبوه حتَّى قاربهم في بعضِ ما أرادوا، فشكا ذلكَ إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال النَّبيُّ ﷺ : «كيف تجد قلبَك»؟ قال: مطمئنًا بالإيمان، قال النَّبيُّ ﷺ : «إنْ عادوا فعدْ»، ورواه البيهقيُّ بأبسط من هذا، وفيه أنَّه سبَّ النَّبيَّ ﷺ وذكر آلهتهم بخيرٍ، وأنَّه قال: يا رسولَ الله ما تُرِكت حتَّى سببتُكَ وذكرتُ آلهتَهم بخيرٍ (٤)، قال: «كيف تجدُ قلبَك»؟ قال: مُطمئنًا بالإيمان، قال: «إن عادوا فعُدْ». وفي ذلك أنزلَ الله: ﴿إِلاَّ مَنْ

стр. 12023

أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] ومن ثمَّ اتُّفق على أنَّه يجوزُ أن يوافق (١) المكرَه على الكفرِ إبقاءً لمُهجتهِ، والأفضلُ والأولى أن يثبتَ المسلمُ على دينهِ ولو أفضَى إلى قتلهِ. وعند ابنِ عساكرَ في ترجمة عبد الله بنِ حذافة السَّهميِّ أحد الصَّحابة ﵃ أنَّه أسرته الرُّوم فجاؤوا به إلى ملكِهم، فقال له: تنصَّر وأنا أشركُك في مُلكي وأزوِّجك ابنتِي، فقال له: لو أَعْطيتني جميعَ ما تملك وجميعَ ما تملكه (٢) العرب على أن أرجعَ عن دين محمَّد ﷺ طرفةَ عين ما فعلتُ، فقال: إذًا أقتلك، قال: أنت وذاك، قال: فأمرَ به فصُلبَ وأمر الرُّماة فرموهُ قريبًا من يديهِ ورجليهِ وهو يعرضُ عليه دين النَّصرانيَّة فيأبى، ثمَّ أمر به فأُنزل ثمَّ أمر بقِدْرٍ -وفي رواية: ببقرةٍ (٣) من نحاس- فأحميتْ وجاء بأسيرٍ من المسلمين فألقاهُ، وهو ينظرُ فإذا هو عظام (٤) تلوحُ وعرض عليه فأبى، فأمرَ به أن يلقى فيها، فرفع في البكرةِ ليُلقى فيها فبَكى فطمعَ فيه ودَعاه فقال: إنِّي إنَّما بكيتُ؛ لأنَّ نفسي إنَّما هي نفس واحدةٌ تُلقى في هذا القدر السَّاعة في الله، فأحببتُ أن يكون لي بعددِ كلِّ شعرةٍ في جسدِي نفس تعذَّب هذا العذاب في اللهِ، وروي أنَّه قبَّل رأسهُ وأطلقَه وأطلقَ معه جميع أسارى المسلمين عنده، فلمَّا رجع، قال عمرُ بن الخطَّاب ﵁: حقٌّ على كلِّ مسلمٍ أن يقبِّل رأس عبد الله بنِ حُذافة وأنا أبدأ، فقام فقبَّل رأسه. (﴿وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾) أي: طاب نفسًا واعتقدَه (﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦]) في الدَّار (٥) الآخرة؛ لأنَّهم ارتدُّوا عن الإسلام للدُّنيا. (وَقَالَ) جلَّ وعلا في سورة آل عمران: (﴿إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨]) قال البخاريُّ: أخذًا من كلام أبي عُبيدة (وَهْيَ تَقِيَّةٌ) أي: إلَّا أن تخافوا من جهةِ الكافرين أمرًا تخافون، أي: إلَّا أن يكون للكافرِ عليك سُلطان فتخافه على نفسِك ومالكِ، فحينئذٍ يجوزُ لك إظهار الموالاةِ وإبطان المعاداة. (وَقَالَ) تعالى في سورة النساء: (﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ﴾) ملك الموت وأعوانه و ﴿تَوَفَّاهُمُ﴾

стр. 12024

ماضٍ أو مضارعٌ أصله تتوفَّاهم حذفت ثانية تاءيه (﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾) حال من ضمير المفعول في ﴿تَوَفَّاهُمُ﴾ أي: في حال ظلمِهم أنفسهم بالكفرِ وترك الهجرةِ (﴿قَالُواْ﴾) أي: الملائكةُ توبيخًا لهم: (﴿فِيمَ كُنتُمْ﴾) في أيِّ شيءٍ كنتم من أمرِ (١) دينكم (﴿قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ﴾) عاجزين عن الهجرةِ (﴿فِي الأَرْضِ﴾ [النساء: ٩٧]) أرض مكَّة، أو عاجزين عن إظهارِ الدِّين وإعلاء كلمتهِ (إِلَى قولهِ: ﴿وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٧٥]) كذا في رواية كريمةَ والأَصيليِّ والقابسيِّ، ولا يخفى ما فيه من التَّغيير؛ لأنَّ قوله: ﴿وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ من آيةٍ أُخرى متقدِّمة على الآيةِ المذكورة، والصَّواب ما وقع في رواية أبي ذرٍّ: «إلى قولهِ: ﴿عَفُوًّا غَفُورًا﴾» [النساء: ٩٩] أي: لعبادِه قبل أن يخلقَهم. وقال تعالى: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ مجرورٌ بالعطفِ على ﴿فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ أي: في سبيل الله وفي خلاصِ المستضعفين، أو منصوبٌ على الاختصاص، أي: واختَصَّ من سبيل الله خلاصَ المستضعفين؛ لأنَّ سبيلَ الله عامٌّ في كلِّ خيرٍ، وخلاصُ المستضعفين من المسلمين من أيدي الكفَّار من أعظمِ الخيرِ وأخصِّه، والمستضعفون هم الَّذين أسلموا بمكَّة وصدَّهم المشركون عن الهجرةِ، فبقوا بين أيدِيهم مُستضعفين يلقون منهم الأذَى الشَّديد ﴿مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ﴾ بيان للمُستضعفين، وإنَّما ذكر: ﴿وَالْوِلْدَانِ﴾ مبالغة في الحثِّ وتنبيهًا على تَناهي ظلم المشركين بحيثُ بلغ أذاهم الصِّبيان إرغامًا لآبائهم وأمَّهاتهم، وعن ابن عبَّاس: كنتُ أنا وأمِّي من المستضعفين من النِّساء والولدان الَّذين يقولون: ربَّنا أخرجنَا من هذه القريةِ -مكَّة (٢) - الظَّالم أهلها، الظَّالم وصف للقريةِ إلا أنَّه مُسْنَد إلى أهلِها، فأعطي إعرابَ القرية؛ لأنَّه صفتُها ﴿وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا﴾ [النساء: ٧٥] يتولَّى أمرنَا ويستنقذنَا من أعدائنَا ﴿وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٧٥] ينصرنا عليهم، فاستجابَ الله تعالى دُعاءهم بأن يسَّر لبعضِهم الخروج إلى المدينةِ، وجعلَ لمن بقيَ منهم وليًّا وناصرًا، ففتح مكَّة على نبيِّه ﷺ فتولَّاهم (٣) ونصرهم، ثمَّ استعمل عليهم (٤) عتَّاب بن أُسَيد فحمَاهم ونصرَهم حتَّى صاروا أعزَّ أهلها (فَعَذَرَ اللهُ المُسْتَضْعَفِينَ الَّذِينَ لَا يَمْتَنِعُونَ مِنْ تَرْكِ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ) إلَّا إن غلبوا (وَالمُكْرَهُ) بفتح الراء (لَا يَكُونُ إِلَّا مُسْتَضْعَفًا) بفتح العين (غَيْرَ مُمْتَنِعٍ مِنْ فِعْلِ مَا أُمِرَ بِهِ) بضم

стр. 12025

الهمزة. قال الكِرْمانيُّ: غرضه أنَّ المستضعف لا يقدرُ على الامتناعِ من التَّرك فهو تاركٌ لأمر الله (١) وهو معذورٌ، فكذلك المكرَه لا يقدرُ على الامتناعِ من الفعل، فهو فاعل لأمر المكرِه فهو معذورٌ، أي: كلاهما عاجزان. (وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ فيما وصله ابنُ أبي شيبة عن وكيع عن هشام عنه: (التَّقِيَّةُ) ثابتةٌ (إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ) لا تختصُّ بعهدهِ ﷺ (٢). (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ فيما وصله ابنُ أبي شيبة: (فِيمَنْ يُكْرِهُهُ اللُّصُوصُ) بضم التحتية وكسر الراء، على طلاق امرأتهِ (فَيُطَلِّقُـ) ها: (لَيْسَ بِشَيْءٍ) فلا يقع طلاقُه (وَبِهِ) بعدم الطَّلاق في ذلك (قَالَ ابْنُ عُمَرَ) ﵄ (وَابْنُ الزُّبَيْرِ) عبد الله، وقد أخرجها الحميديُّ في «جامعه»، والبيهقيُّ من طريقهِ (وَالشَّعْبِيُّ) عامرُ بن شراحيل فيما وصله عبد الرَّزَّاق بسندٍ صحيحٍ عنه (وَالحَسَنُ) البصريُّ فيما وصلَه سعيدُ بن منصور (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) فيما وصلَه (٣) في «الأيمان» بفتح الهمزة [خ¦٦٦٨٩] (الأَعْمَالُ) بدون «إنَّما» (بِالنِّيَّةِ) بالإفراد، فالمكرَه لا نيَّة له على ما أُكره عليه بل نيَّته عدمُ الفعل. ٦٩٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضم الموحدة قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بنُ سعد الإمام (عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ) من الزِّيادة، الجمحيِّ الإسكندرانيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ) اللَّيثيِّ المدنيِّ (عَنْ هِلَالِ بْنِ أُسَامَةَ) بضم الهمزة، هو هلالٌ بن عليِّ بن أسامة العامريُّ المدنيُّ (أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَدْعُو فِي) قنوت (الصَّلَاةِ) وفي «تفسير سورة النِّساء»: إنَّها صلاة العشاء [خ¦٤٥٩٨] وفي «كتاب الصَّلاة»: أنَّه ﷺ

стр. 12026

كان حين يرفعُ رأسه [خ¦١٠٠٦] وفي «الأدب» (١): لمَّا رفع رسول الله ﷺ رأسه من الرُّكوع [خ¦٦٢٠٠] قال: (اللَّهُمَّ أَنْجِ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ) أخا أبي جهل لأمِّه، وهمزة «أَنج» همزة قطع مفتوحة (وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ) أخا (٢) أبي جهلٍ (وَالوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ) ابن عمِّ أبي جهلٍ (اللَّهُمَّ أَنْجِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ) من ذكر العامِّ بعد الخاصِّ، ثمَّ ذكر من حالَ بينهم وبين الهجرة فقال: (اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ) بفتح الواو وسكون الطاء المهملة، عقوبتَك (عَلَى) كفَّار (مُضَرَ) أي: قريش (وَابْعَثْ عَلَيْهِمْ سِنِينَ) مجدبةً (كَسِنِي يُوسُفَ) ﵊. والمطابقة بين الحديث والتَّرجمة من حيث إنَّهم كانوا مُكرهين على الإقامةِ مع المشركين؛ لأنَّ المستضعفَ لا يكون إلَّا مُكرهًا كما مرَّ، ومَفهومه: أنَّ الإكراهَ على الكُفر لو كان كفرًا لما دعا لهم، وسمَّاهم مؤمنين. والحديث سبقَ في مَواضع كـ «سورة النِّساء» [خ¦٤٥٩٨] و «كتاب الأدب» [خ¦٦٢٠٠] (٣). (١) (باب مَنِ اخْتَارَ الضَّرْبَ وَالقَتْلَ وَالهَوَانَ عَلَى الكُفْرِ). ٦٩٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَوْشَبٍ) بفتح الحاء المهملة والشين المعجمة بينهما واو ساكنة آخره موحدة (الطَّائِفِيُّ) بالفاء، نزيلُ الكوفة قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بنُ عبدِ المجيد الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّخْتِيانِيُّ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) عبدِ الله بنِ زيد الجَرْميِّ (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ثَلَاثٌ) أي: خصالٌ ثلاثٌ (٤) صفةٌ

стр. 12027

لمحذوفٍ، أو ثلاثُ خصالٍ مبتدأٌ وسوَّغ الابتداءَ به إضافتُه إلى الخصالِ، والجملةُ بعدهُ خبرٌ وهي: (مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ) أصاب (حَلَاوَةَ الإِيمَانِ) باستلذاذهِ الطَّاعات، ولا يجدُ ذلك إلا (أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا) و «أنْ» مصدريَّة خبر لمبتدأ محذوفٍ، أي: أوَّل الثَّلاثة كون الله ورسوله في محبَّته إيَّاهما أكثر محبَّة من محبَّة سواهما مِن نفسٍ وولدٍ ووالدٍ وأهلٍ ومالٍ وكلِّ شيء (وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ) زاد في «كتاب الإيمان» -بالكسر-: «بعدَ إذْ أنقذَه اللهُ منْه» [خ¦١٦] (كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ) وهذا هو المرادُ من التَّرجمة من كونهِ سوَّى بين كراهة الكُفْر، وبين كراهةِ دخول النَّار، والقتلُ والضَّرب والهوانُ أسهلُ عند المؤمنِ من دخول النَّار، فيكون أسهل من الكفْر إن اختارَ الأخذَ بالشِّدَّة، قاله ابن بطَّال. والحديث سبق في «الإيمان» [خ¦١٦]. ٦٩٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الواسطيُّ الملقَّب بسعدويه قال: (حَدَّثَنَا عَبَّادٌ) بفتح العين المهملة والموحدة المشددة، ابنُ العوَّام -بتشديد الواو- الواسطيُّ (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) بنِ أبي خالدٍ أنَّه قال: (سَمِعْتُ قَيْسًا) هو: ابنُ أبي حازم؛ بالحاء المهملة والزاي، يقول: (سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ) بكسر العين، ابنِ عمرو بنِ نفيل العدويَّ، أحد العشرة المبشَّرة بالجنَّة، وهو: ابنُ عمِّ عمر بن الخطَّاب وزوجُ أخته ﵁ (يَقُولُ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي) بضم الفوقية، أي: رأيتُ نفسي (وَإِنَّ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵁ (مُوْثِقِي) بضم الميم وسكون الواو وكسر المثلثة والقاف، بحبل أو قَيْد (عَلَى الإِسْلَامِ) كالأسير تضييقًا وإهانةً لكوني أسلمتُ، وفي «باب إسلام عمر»، عن محمَّد بن المثنَّى عن يحيى بنِ سعيد القطَّان عن إسماعيلِ بنِ أبي خالد: لو رأيتُني مُوثقِي عمرُ على الإسلامِ أنا وأخته وما أسلم [خ¦٣٨٦٧] وفي «باب إسلام سعيد بن زيدٍ»، عن قتيبة عن الثَّوريِّ عن إسماعيل: قبل أن يُسلمَ عمرُ [خ¦٣٨٦٢] (وَلَوِ انْقَضَّ) بالنون الساكنة والقاف والضاد المعجمة المشددة المفتوحتين انهدمَ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «انفضَّ» «بالفاء» بدل:

стр. 12028

«القاف»، أي: تفرَّق (أُحُدٌ) الجبل المعروفُ بالمدينة الشَّريفة على سَاكنها أفضلُ الصَّلاة والسَّلام، وجعلَ وفَاتي بها على الإسلامِ والسُّنَّة في عافيةٍ بلا محنةٍ (مِمَّا فَعَلْتُمْ بِعُثْمَانَ) بنِ عفَّان يوم الدَّار من القتل (كَانَ مَحْقُوقًا) بفتح الميم وسكون الحاء المهملة وقافين بينهما واو ساكنة، أي: واجبًا (أَنْ يَنْقَضَّ) أن ينهدم، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «أن ينفضَّ» بالفاء، أن (١) يتفرَّق، أي: ولو تحرَّكت القبائلُ لطلبِ ثأر عثمان لفعلوا واجبًا. والحديث ظاهرٌ فيما ترجمَ له؛ لأنَّ سعيدًا وزوجتَه أخت عُمر اختارا الهوانَ على الكفْرِ. ٦٩٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو: ابنُ مُسَرْهد قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بنُ سعيد القطَّان (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) بنِ أبي خالدٍ أنَّه قال: (حَدَّثَنَا قَيْسٌ) هو: ابنُ أبي حازم (عَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ) بفتح الخاء المعجمة والموحدة المشددة وبعد الألف موحدة ثانية، والأَرَتِّ: بفتح الهمزة والراء بعدها فوقية مشددة ابنِ جندلةَ مولى خُزاعة، أنَّه (قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهْوَ) أي: والحال أنَّه (مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ) كساء أسود مربَّع (فِي ظِلِّ الكَعْبَةِ، فَقُلْنَا) له: يا رسول الله (أَلَا) بالتخفيف للتَّحريض (٢) (تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟) تطلبُ لنا من الله النَّصر على الكفَّار، وسقطَ «لنا» لأبي ذرٍّ (أَلَا تَدْعُو لَنَا؟ فَقَالَ) ﷺ : (قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ) من الأنبياءِ وأممِهم (يُؤْخَذُ الرَّجُلُ) منهم (فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ) حفرةً (فَيُجْعَلُ فِيهَا، فَيُجَاءُ) بضم التحتية وفتح الجيم

стр. 12029

ممدودًا (بِالمِيشَارِ) بكسر الميم وسكون التحتية بعدها شين معجمة، وفي نسخة بالنون بدل التحتية، وهي الآلة الَّتي ينشرُ بها الأخشاب (فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ) بضم التحتية وفتح العين (نِصْفَيْنِ، وَيُمَشَّطُ) بضم التحتية وفتح الشين المعجمة (بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ) أي: تحته، أو عندَه (وَعَظْمِهِ فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ) النَّشر والمشط (عَنْ دِينِهِ، وَاللهِ لَيَتِمَّنَّ) بفتح التحتية وكسر الفوقية وفتح الميم والنون مشددتين واللام للتوكيد، أي: ليكملنَّ (هَذَا الأَمْرُ) بالرفع، أي: الإسلام (حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ) قاعدة اليمن ومدينته العُظمى (إِلَى حَضْرَمَوْتَ) بفتح الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة وفتح الراء والميم وسكون الواو، بلدةٌ باليمن -أيضًا- بينها وبين صنعاءَ مسافة بعيدة، قيل: أكثر من أربعة أيَّام (لَا يَخَافُ إِلَّا اللهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ) بنصب «الذِّئب» عطفًا على الجلالة الشَّريفة (وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ). ووجه دخول هذا الحديث في التَّرجمة من جهةِ أن طلب خبَّاب الدُّعاء من النَّبيِّ ﷺ على الكفَّار دالٌّ (١) على أنَّهم كانوا قد اعتدوا عليهم بالأذَى ظُلمًا وعُدوانًا. قال ابنُ بطَّال ممَّا لخَّصه الحافظ ابنُ حجرٍ في «فتحه»: إنَّما لم يُجِب النَّبيُّ ﷺ سؤال خبَّاب ومن معه بالدُّعاء على الكفَّار مع قولهِ تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] وقولهِ: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ﴾ [الأنعام: ٤٣] لأنَّه علم أنَّه قد سبقَ القدرُ بما جرى عليهم من البلوى؛ ليؤجروا عليها، كما جرى (٢) به عادةُ الله في أتباعِ الأنبياء، فصبروا على الشِّدَّة في ذات الله، ثمَّ كانت لهم العاقبة بالنَّصر وجزيلِ الأجر. قال: فأمَّا غير الأنبياء فواجبٌ عليهم الدُّعاء عند كلِّ نازلةٍ؛ لأنَّهم لم يطَّلعوا على ما أطلعَ اللهُ عليه النَّبيَّ ﷺ . انتهى. وتعقَّبه في «الفتح» بأنَّه ليس في الحديث تصريحٌ بأنَّه ﵇ لم يَدْعُ لهم بل يحتملُ أنَّه دعا، وإنَّما قال: «قد كان من قبلكم يؤخذ … » إلى آخره تسليةً لهم وإشارةً إلى الصَّبر حتَّى تنقضِي المدَّة المقدورةُ، وإلى ذلك الإشارة بقولهِ في آخر الحديث: «ولكنَّكم تستعجلون». انتهى. وتعقَّبه العينيُّ فقال: قولهُ: وليس في الحديثِ تصريحٌ بأنَّه لم يَدْعُ لهم بل يحتملُ أنَّه قد دعا. هذا احتمالٌ بعيدٌ؛ لأنَّه لو كان دعا لهم لما قال: «قد كان من قبلكم … » إلى آخره. وقوله:

стр. 12030

هذا (١) تسلية لهم … إلى آخره لا يدلُّ على أنَّه دعا لهم، بل يدلُّ على أنَّهم لا يستعجلون في إجابةِ الدُّعاء في الدُّنيا على أنَّ الظَّاهر منه تركُ الاستعجالِ (٢) في هذا الوقتِ، ولو كان يجابُ لهم فيما بَعْدُ. والحديث مضى في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٦١٢] وفي «مبعث النَّبيِّ ﷺ » [خ¦٣٨٥٢]. (٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (فِي) بيان (بَيْعِ المُكْرَهِ) بضم الميم وفتح الراء، وهو الَّذي يحمل على بيعِ الشَّيء شاء أو (٣) أبى (وَنَحْوِهِ) أي: المضطرّ (فِي الحَقِّ) المالي (وَغَيْرِهِ) أي: الجلاء، أو المراد بالحقِّ: الدَّين، وبغيره: ما (٤) عداه ممَّا يكون بيعه لازمًا، أو المراد بقولهِ: وغيره: الدَّين، فيكون من الخاصِّ بعد العامِّ. ٦٩٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ) بضم الموحدة (عَنْ أَبِيهِ) كَيسان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنه (قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم (نَحْنُ فِي المَسْجِدِ إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا) ولأبي الوقتِ: «إلينا» (رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ فَقَالَ: انْطَلِقُوا إِلَى يَهُودَ) غير منصرفٍ (فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى جِئْنَا بَيْتَ (٥) المِدْرَاسِ) بكسر الميم وسكون الدال المهملة آخره سين مهملة، موضعُ

стр. 12031

قراءتهم التَّوراة، وإضافة البيت إليه من إضافةِ العامِّ إلى الخاصِّ، قاله في «الكواكب». وقال في «الفتح»: المِدْرَاس كبيرُ اليهود، ونُسب البيت إليه؛ لأنَّه الَّذي كان صاحب دراسةِ كتبِهم، أي: قراءتها. قال: والصَّواب أنَّه على حذف الموصوفِ، والمراد: الرَّجل، وفي «كتاب الجزية» [خ¦٣١٦٧] حتَّى جئنا بيتَ المدارس. بتأخير الرَّاء عن الألف بصيغة المفاعلة، وهو من يَدْرس الكتاب ويُعلِّمه غيره (فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَنَادَاهُمْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «فنادى»: (يَا مَعْشَرَ يَهُودَ أَسْلِمُوا) بكسر اللام (تَسْلَمُوا) بفتحها (فَقَالُوا) له ﷺ : (قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا القَاسِمِ. فَقَالَ) ﷺ : (ذَلِكَ) التَّبليغ واعترافكم به (أُرِيدُ، ثُمَّ قَالَهَا الثَّانِيَةَ): يا معشر يَهود أسلِمُوا تسلَموا (فَقَالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا القَاسِمِ، ثُمَّ قَالَ الثَّالِثَةَ) ولأبي ذرٍّ: «في الثالثة» (فَقَالَ: اعْلَمُوا أَنَّ الأَرْضَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «إنَّما الأرض» (١) (لِلَّهِ وَرَسُولِهِ) يحكمُ فيها بما أراهُ الله؛ لكونه المبلِّغ عنه تعالى القائم بتنفيذِ أوامرِه (وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ) بضم الهمزة، وفي «اليونينيَّة» بفتحها وسكون الجيم وكسر اللام، أي: أخرجكم من الأرضِ (فَمَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ بِمَالِهِ شَيْئًا فَلْيَبِعْهُ) ضمَّن «وجدَ» معنى بخل فعدَّاه بالباء، أو «وجد» من الوجدان، والباء سببيَّة، أي: فمَن وجدَ منكم بماله شيئًا من المحبَّة، أو هي للمُقابلة. قال الخطَّابي: استدلَّ (٢) به البخاريُّ على جوازِ بيع المكرَهِ، وهو ببيع المضطرّ أشبَهُ، وإنَّما المكرَه على البيع هو الَّذي يُحْمل على البيعِ أرادَ أو لم يُرد، واليهودُ لو لم يبيعوا أرضَهم لم يلزموا بذلك، وإنَّما شحُّوا على أموالهم فاختاروا بيعَها، فصاروا كأنَّهم اضطرّوا إلى بيعِها كمَن رَهَقه دَيْنٌ فاضطرَّ إلى بيعِ ماله فيكون جائزًا، ولو أُكره عليه لم يجزْ. انتهى. قال في «الفتح (٣)»: إنَّ البخاريَّ لم يقتصرْ في التَّرجمة على المكرَه، وإنَّما قال: بيع المكرَهِ ونحوه في الحقِّ، فدخلَ في ترجمتهِ المضطرُّ، وكأنَّه أشار إلى الرَّدِّ على من لم يصحِّح بيعَ المضطرِّ. وقوله (٤): ولو أُكره عليه لم يجزْ. مردودٌ لأنَّه إكراهٌ (٥) بحقٍّ (وَإِلَّا) بأن لم تجدوا شيئًا

стр. 12032

(فَاعْلَمُوا أَنَّ الأَرْضَ) وللكُشمِيهنيِّ: «إنَّما الأرض» (لِلَّهِ وَرَسُولِهِ). والحديث سبقَ في «الجزيةِ» [خ¦٣١٦٧]، وأخرجه مسلمٌ في «المغازي»، وأبو داود في «الخَراج»، والنَّسائيُّ في «السِّير». (٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (لَا يَجُوزُ نِكَاحُ المُكْرَهِ) بفتح الراء، وقوله تعالى: (﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ﴾) إمَاءكم (﴿عَلَى الْبِغَاء﴾) على الزِّنا (﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾) تعفُّفًا عن الزِّنا، وإنَّما قيَّده بهذا الشَّرط؛ لأنَّ الإكراهَ لا يكون إلَّا معَ إرادةِ التَّحصُّن، فآمرُ الطيِّعة (١) بالبغاءِ لا يسمَّى مكرهًا ولا أمرُه إكراهًا، ولأنَّها نزلت على سبب، فوقع النَّهي عن تلك الصِّفة، وفيه توبيخٌ للموالي (٢) أي: إذا رغبنَ في التَّحصُّن (٣) فأنتُم أحقُّ بذلك (﴿لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾) أي: لتبتغوا بإكراههنَّ على الزِّنا أجورهنَّ وأموالهنَّ (﴿وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣]) لهنَّ، وإثمهنَّ على من أَكْرههنَّ، وفي «مسند البزَّار» عن الزُّهريِّ قال: كانت جاريةٌ لعبد الله ابن أُبيٍّ يقال لها: مُعَاذة يُكرهها على الزِّنا، فلمَّا جاء (٤) الإسلامُ نزلت: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء﴾ إلى قولهِ: ﴿فَإِنَّ اللهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ وعند النَّسائيِّ عن جابرٍ: أنَّه كان يُقال لها: مُسَيْكة (٥)، وكان يُكْرهها على الفجورِ، وكانت لا بأسَ بها فتأبى، فأنزلَ الله هذه الآية: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا﴾ الآية إلى آخرها، وسقطَ لأبي ذرٍّ من قولهِ «﴿إِنْ أَرَدْنَ﴾ … » إلى آخر الآية، وقال بعد ﴿الْبِغَاء﴾: «إلى قولهِ: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾». واستُشكل ذكر هذه الآية هنا. وأُجيب بأنَّه إذا نُهيَ عن الإكراهِ فيما لا يحلُّ فالنَّهي عن الإكراهِ فيما يحلُّ بالطَّريق الأولى.

стр. 12033

٦٩٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ) بفتح القاف والزاي والعين المهملة، الحجازيُّ قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ) القاسم بن محمَّد بنِ أبي بكر الصِّدِّيق (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمُجَمِّعٍ) بضم الميم الأولى وكسر الثانية المشددة بينهما جيم مفتوحة آخره عين مهملة (ابْنَيْ يَزِيدَ بْنِ جَارِيَةَ) بالجيم والراء بعدها تحتية (الأَنْصَارِيِّ، عَنْ خَنْسَاءَ) بفتح الخاء المعجمة وسكون النون وبعد السين المهملة ألف فهمزة (بِنْتِ خِذَامٍ) بكسر الخاء وفتح الذال المخففة المعجمتين، ابنِ وديعةَ (الأَنْصَارِيَّةِ) الأوسيَّةِ (أَنَّ أَبَاهَا) خِذَامًا (زَوَّجَهَا وَهْيَ ثَيِّبٌ) قد أزيلتْ بكارتها بنكاحِ رجلٍ من بني عوف، كما في رواية محمَّد ابن إسحاق عن حجَّاج بن السَّائب عن أبيه عن جدَّته خنساء (فَكَرِهَتْ ذَلِكَ) النِّكاح (فَأَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ ¬) فذكرتْ له ذلك (فَرَدَّ) ﵊ (نِكَاحَهَا) فيه أنَّه لا بدَّ من إذنِ الثَّيِّب في صحَّة النِّكاح، وأنَّ نكاحَ المكرَه لا يجوزُ. وقال الكوفيُّون: لو أُكره على نكاحِ امرأةٍ بعشَرة آلافِ دِرهم (١) وصداقُ مثلِها ألف جاز النِّكاح، ولزمه ألف وبطلَ الزَّائد. قال سحنون: وكما أبطلوا الزَّائد على الألف بالإكراهِ، فكذلك يلزمُهم إبطال النِّكاح بالإكراهِ، وفي أمرِه ﵊ باستئمار النِّساء في أبضاعهنَّ دليلٌ عليهم. قال: وقد أجمعَ أصحابُنا على إبطال نكاحِ المكرَه والمكرَهة، فلو كان راضيًا بالنِّكاح وأُكره على المهرِ يصحُّ العقدُ اتِّفاقًا، ويلزم المسمَّى بالدُّخول. والحديث سبق في «باب إذا زوَّج ابنته وهي كارهة» من «كتاب النِّكاح» [خ¦٥١٣٨]. ٦٩٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفِريابيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ، ويحتمل أن

стр. 12034

يكون محمَّد بن يوسف البيكنديّ، وشيخه سفيان بن عُيينة (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبدِ الملك بنِ عبد العزيز (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله المكيِّ (عَنْ أَبِي عَمْرٍو) بفتح العين (-هُوَ: ذَكْوَانُ-) مولى عائشة (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنها (قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ يُسْتَأْمَرُ النِّسَاءُ فِي أَبْضَاعِهِنَّ؟) بضم التحتية مبنيًّا للمفعول، وفي بعض النُّسخ بالفوقية، و «أَبضاعهنَّ» بفتح الهمزة. قال الكِرْمانيُّ: جمع: بضع. تعقَّبه العينيُّ (١) فقال: ليس كذلك، وليس بجمعٍ بل هو بكسر الهمزة، من أبضعتِ المرأةُ إبضاعًا؛ إذا زوَّجتها. انتهى. وقال الجوهريُّ: البُضع -بالضم- النِّكاح. عن ابن السِّكِّيت قال: يُقال: ملكَ بُضْعَ فلانة، والمباضعَةُ: المجامعَةُ، يعني: يستشار النِّساء في عقدِ نكاحهنَّ (قَالَ) ﷺ : (نَعَمْ) يُستأمر النِّساء في أبضاعهنَّ، وظاهره (٢): أنَّه ليس للوليِّ تزويج الثَّيب من غير استئذانها ومراجعتهَا، والاطِّلاعِ على أنَّها راضيةٌ بصريحِ الإذن. قالتْ عائشة: (قُلْتُ): يا رسولَ الله (فَإِنَّ البِكْرَ تُسْتَأْمَرُ) مبنيٌّ للمفعول أي: تستشارُ فيمن تتزوَّج (فَتَسْتَحِي) بكسر الحاء، ولأبي ذرٍّ: «فتستحْيي» بسكون الحاء وزيادة ياء أخرى، لغتان بمعنًى (فَتَسْكُتُ، قَالَ) ﷺ : (سُكَاتُهَا إِذْنُهَا) للأب وغيره ما لم تكن قرينةٌ ظاهرةٌ في المنع، كصياحٍ وضرب خدٍّ. وسبق الحديث في «النِّكاح» [خ¦٥١٣٧]. (٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (إِذَا أُكْرِهَ) بضم الهمزة الرَّجل (حَتَّى وَهَبَ عَبْدًا أَوْ بَاعَهُ لَمْ يَجُزْ) لم تصحَّ الهبة ولا البيعُ (وَقَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وبه قال» (بَعْضُ النَّاسِ) قيل: الحنفيَّة: (فَإِنْ نَذَرَ المُشْتَرِي) بكسر الراء، من المكرَه (فِيهِ) في الَّذي اشتراه (نَذْرًا، فَهْوَ) أي: البيع مع الإكراهِ (جَائِزٌ) أي: ماضٍ عليه، ويصحُّ البيع وكذا الهبة (بِزَعْمِهِ) أي: عندَه (وَكَذَلِكَ إِنْ دَبَّرَهُ) أي: دبَّر العبدَ الَّذي اشتراهُ من المكرَه على بيعهِ فينعقدُ التَّدبير. قال في «الكواكب»: غرضُ البخاريِّ: أنَّ الحنفيَّة تناقضوا، فإنَّ بيعَ الإكراهِ إن كان ناقلًا للمِلك إلى المشترِي فإنَّه يصحُّ منه جميع

стр. 12035

التَّصرُّفات، ولا يختصُّ بالنَّذر والتَّدبير، وإن قالوا: ليس بناقلٍ فلا يصحُّ النَّذر والتَّدبير أيضًا، وحاصله: أنَّهم صحَّحوا التَّدبير والنَّذر بدون الملك، وفيه تحكُّم وتخصيصٌ بغير مخصِّصٍ. ٦٩٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بنُ الفضل قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) الأزديُّ الجهضميُّ (١)، أبو إسماعيل البصريُّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ) بفتح العين (عَنْ جَابِرٍ) الأنصاريِّ (¬﵁: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ) يُقال له: أبو مَذْكور (دَبَّرَ مَمْلُوكًا) له اسمه يعقوب، علَّق عتقه بموتهِ (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيَّ» (¬ ﷺ ، فَقَالَ: مَنْ يَشْتَرِيهِ) أي: يعقوب المدبَّر (مِنِّي؟ فَاشْتَرَاهُ) منه (نُعَيْمُ بْنُ النَّحَّامِ) بضم نون الأول وفتح عينه المهملة وبعد التحتية الساكنة ميم، وفتح نون الثَّاني وحائه المهملة وبعد الألف ميم (بِثَمَانِ مِئَةِ دِرْهَمٍ. قَالَ) عمرو بنُ دينار: (فَسَمِعْتُ جَابِرًا) ﵁ (يَقُولُ): كان يعقوب (عَبْدًا قِبْطِيًّا) من قبطِ مصر (مَاتَ عَامَ أَوَّلَ) بالفتح على البناء (٢)، وهو من إضافةِ الموصوفِ لصفتهِ، وهو جائزٌ عند الكوفيِّين ممنوعٌ عند البصريِّين، فيؤوِّلونه على حذفِ مضافٍ، أي: عام الزَّمن الأوَّل. ووجهُ إدخالِ الحديث في التَّرجمة من جهةِ أنَّ الَّذي دبَّره لمَّا لم يكنْ له مالٌ غيره، وكان تدبيرُه سفهًا من فعلهِ، ردَّه ﷺ ، وإن كان مِلكُه للعبدِ صحيحًا، فمَن لم يصحَّ له مِلكه إذا دبَّره أولى أن يردَّ فعله.

стр. 12036

والحديث سبق في «العتق» [خ¦٢٥٣٤]. (٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (مِنَ الإِكْرَاهِ كَرْهٌ وَكُرْهٌ) بفتح الكاف في الأوَّل، وضمها في الثَّاني، ولأبي ذرٍّ بضم الكاف في الأوَّل، وفتحها في الثَّاني، ونصب الهاء فيهما والمعنى (وَاحِدٌ) أو الفتح للإجبار، والضم للمشقَّة، وسقطَ هذا للنَّسفيِّ. ٦٩٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورٍ) بضم الحاء المهملة النَّيسابوريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ) القرشيُّ مولاهم الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ) بفتح الشين المعجمة (سُلَيْمَانُ بْنُ فَيْرُوزَ) هو: سليمانُ بن أبي سليمان، أبو إسحاق الكوفيُّ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاس (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال» (الشَّيْبَانِيُّ: وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (عَطَاءٌ أَبُو الحَسَنِ السُّوَائِيُّ) بضم السين المهملة وتخفيف الواو وبعد الألف همزة، الكوفيُّ (وَلَا أَظُنُّهُ إِلَّا ذَكَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) في قولهِ تعالى: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا﴾ الاية [النساء: ١٩] قَالَ: كَانُوا) أي: أهل الجاهليَّة، أو أهل المدينة، أو في الجاهليَّة وأوَّل الإسلام (إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ كَانَ أَوْلِيَاؤُهُ أَحَقَّ بِامْرَأَتِهِ إِنْ شَاءَ بَعْضُهُمْ تَزَوَّجَهَا) إن كانتْ جميلة بصداقِها الأوَّل (وَإِنْ شَاءُوْا زَوَّجُوهَا) لمن أرادوا وأخذُوا صَداقها (وَإِنْ شَاؤُوْا لَمْ يُزَوِّجُوهَا) بل يحبسونهَا حتَّى تموتَ فيرثونهَا، أو تفتدِي نفسها (فَهُمْ) أي: أولياء الرَّجل (أَحَقُّ بِهَا مِنْ أَهْلِهَا) وفي «اليونينيَّة» مصلَّح على كشط: «وإن شاؤوا زوجها، وإن شاؤوا لم يزوجها» بالإفراد في زوجها في الموضعين (فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِذَلِكَ) ولأبي ذرٍّ: «في ذلك». وقال المهلَّب -فيما نقله العينيُّ ﵀: فائدةُ هذا الباب التَّعريف (١) بأنَّ كلَّ من أمسكَ امرأتَه لأجلِ الإرثِ منها طمعًا أن تموتَ لا يحلُّ له ذلك بنصِّ القرآن.

стр. 12037

والحديث سبقَ في «تفسيرِ سورة النِّساء» [خ¦٤٥٧٩]. (٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا اسْتُكْرِهَتِ المَرْأَةُ عَلَى الزِّنَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا) لأنَّها مكرهةٌ، واستُكْرِهت، بضم الفوقية وسكون الكاف وكسر الراء (فِي قولهِ) ولأبي ذرٍّ: «لقولهِ» (تَعَالَى: ﴿وَمَن يُكْرِههُّنَّ﴾) أي: الفتيات (﴿فَإِنَّ اللهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣]) لهنَّ، ولعلَّ الإكراه كان دونَ ما اعتبرتْه الشَّريعة، وهو الَّذي يخاف منه التَّلف فكانت آثمة. ومناسبةُ الآية للتَّرجمة من حيث إنَّ في الآية دَلالةٌ على أن لا إثمَ على المكرَهة على الزِّنا، فيلزمُ أن لا يجب عليها الحدُّ. ٦٩٤٩ - وبه قال: (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (١) فيما وصلَه البغويُّ عن العلاءِ بن موسى عن اللَّيث قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ) مولى ابنِ عمر (أَنَّ صَفِيَّةَ ابْنَةَ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (أَبِي عُبَيْدٍ) بضم العين وفتح الموحدة، الثَّقفيَّة امرأة (٢) عبدِ الله بن عمر (أَخْبَرَتْهُ أَنَّ عَبْدًا مِنْ رَقِيقِ الإِمَارَةِ) بكسر الهمزة، من مالِ الخليفة عمر ﵁ (وَقَعَ عَلَى وَلِيدَةٍ) جاريةٍ (مِنَ الخُمُسِ) الَّذي يتصرَّف فيه الإمام، أي: زنى بها (فَاسْتَكْرَهَهَا حَتَّى اقتَضَّهَا) بالقاف والضاد المعجمة المشددة، أزالَ بكارَتها، والقِضَّة -بكسر القاف-: عُذْرة البكرِ (فَجَلَدَهُ عُمَرُ) ﵁ (الحَدَّ وَنَفَاهُ) غرَّبه من أرضِ الجناية نصف سنةٍ؛ لأنَّ حدَّه نصف حدِّ الحرِّ. وفيه: أنَّ عمرَ كان يرى أنَّ الرَّقيق يُنفى كالحرِّ (وَلَمْ يَجْلِدِ الوَلِيدَةَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ اسْتَكْرَهَهَا). قال الحافظُ ابن حجرٍ: ولم أقفْ

стр. 12038

على اسمِ واحدٍ منهما، وعندَ ابنِ أبي شيبة مرفوعًا بسندٍ ضعيفٍ عن وائلِ بن حُجْر قال: استُكْرهت امرأةٌ في (١) الزِّنا فدرأَ رسولُ الله ﷺ عنها الحدَّ. (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال» (الزُّهريُّ) محمَّد بن مسلمٍ (فِي الأَمَةِ البِكْرِ يَفْتَرِعُهَا) بالفاء والعين المهملة، يقتضها (الحُرُّ يُقِيمُ) يُقَوِّم (ذَلِكَ) الافتراع (الحَكَمُ) بفتحتين، أي: الحاكم (مِنَ الأَمَةِ العَذْرَاءِ بِقَدْرِ قِيمَتِهَا) أي: من المفترع ديَةَ الافتراعِ بنسبةِ قيمتِها وهو أرش النَّقص، أي: التَّفاوت بين كونها بكرًا وثيبًا، ولأبوي ذرٍّ والوقتِ والأَصيليِّ وابنِ عساكرَ: «بقدر ثمنِها» (وَيُجْلَدُ، وَلَيْسَ فِي الأَمَةِ الثَّيِّبِ) بالمثلَّثة (فِي قَضَاءِ الأَئِمَّةِ غُرْمٌ) بضم الغين المعجمة وسكون الراء، غرامةٌ (وَلَكِنْ عَلَيْهِ الحَدُّ). ٦٩٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافع قال: (أَخْبَرَنَا (٢) شُعَيْبٌ) هو: ابنُ أبي حمزة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبدُ الله بنُ ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرْمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ) خليلُ الله ﷺ من العراقِ إلى الشَّأم، أو من بيتِ المقدس إلى مصر (بِسَارَةَ) زوجته أمِّ إسحاق ﵉ (دَخَلَ بِهَا قَرْيَةً) تسمَّى حَرَّان -بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء وبعد الألف نون- بين دجلة والفرات، وقيل: الأردنّ، وقيل: مصر (فِيهَا مَلِكٌ) بكسر اللام (مِنَ المُلُوكِ -أَوْ: جَبَّارٌ مِنَ الجَبَابِرَةِ-) بالشَّكِّ من الرَّاوي (فَأَرْسَلَ) الملك (إِلَيْهِ) أي: إلى الخليلِ ﵊ (أَنْ أَرْسِلْ) بهمزة قطع بعد سكون نون «أنْ» (إِلَيَّ) بتشديد الياء (بِهَا) بسارة (فَأَرْسَلَ بِهَا) الخليلُ إليه بعد إكراهِ الجبَّار له على إرسالها إليه (فَقَامَ إِلَيْهَا) ليُصيبها (فَقَامَتْ تَوَضَّأُ) أصله: تتوضأ، فحذفت إحدى التاءين (وَتُصَلِّي، فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ) إبراهيم، أي: إن كنت مقبولةَ الإيمان عندك (فَلَا

стр. 12039

تُسَلِّطْ عَلَيَّ) هذا (الكَافِرَ) الجبَّار (فَغُطَّ) بفتح الفاء وضم الغين المعجمة وتشديد الطاء المهملة، أي: خُنِق وصُرِع (حَتَّى رَكَضَ) حرك (بِرِجْلِهِ). ومناسبة هذه القصَّة غير ظاهرة، وليس فيها إلَّا سقوط الملامةِ عن سارة في خلوةِ الجبَّار بها؛ لأنَّها مكرَهةٌ، لكن ليس الباب معقودًا لذلك وإنَّما هو معقودٌ لاستكراهِ المرأة على الزِّنا، قاله ابنُ المُنَيِّر. وقال ابنُ بطَّال، وتبعه في «الكواكب»: وجه دخولهِ هنا مع أنَّ سارة ﵍ كانت معصومةً من كلِّ سوءٍ أنَّه لا ملامةَ عليها في الخلوةِ مكرَهةً، فكذا المستكرهةُ على الزِّنا لا حدَّ عليها. والحديث سبقَ في «آخر البيعِ» [خ¦٢٢١٧] و «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٥٧] صلوات الله وسلامه عليهم. (٧) (باب يَمِينِ الرَّجُلِ لِصَاحِبِهِ إِنَّهُ أَخُوهُ إِذَا خَافَ عَلَيْهِ القَتْلَ) بأن يقتلَه إن لم يحلف اليمين الَّتي أكرهَهُ (١) الظَّالم عليها (أَوْ نَحْوَهُ) كقطعِ اليد لا حنثَ عليه، كما قاله ابنُ بطَّال عن مالكٍ والجمهور، ولفظه: ذهب مالك والجمهور إلى أنَّ من أُكره على يمينٍ إن لم يحلفْها قتلَ أخوه المسلم لا حنثَ عليه. وقال الكوفيُّون: يحنثُ؛ لأنَّه كان له أن يورِّي، فلمَّا ترك التَّورية صار

стр. 12040

قاصدًا لليمين فيَحنَثُ. وأجاب الجمهورُ بأنَّه إذا أُكره على اليمين فنيَّته مخالفة لقولهِ، والأعمالُ بالنِّيات (وَكَذَلِكَ كُلُّ مُكْرَهٍ) بفتح الراء (يَخَافُ فَإِنَّهُ) أي: المسلم (يَذُبُّ) بفتح التحتية وضم الذال المعجمة: يدفعُ (عَنْهُ المَظَالِمَ (١) وَيُقَاتِلُ دُونَهُ) أي: عنه (وَلَا يَخْذُلُهُ) بالذال المعجمة المضمومة، لا يترك نصرتَه (فَإِنْ قَاتَلَ دُونَ المَظْلُومِ) أي: عنه، غير قاصدٍ قتل الظَّالم بل الدَّفع عن المظلومِ فقط (٢) فأتى على الظَّالم (فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ وَلَا قِصَاصَ) هو تأكيدٌ؛ لأنَّهما (٣) بمعنًى، أو (٤) القِصاص أعمُّ من النَّفس ودونها، والقَود في النَّفس غالبًا (وَإِنْ قِيلَ لَهُ: لَتَشْرَبَنَّ الخَمْرَ) وأكرهه على ذلك (أَوْ لَتَأْكُلَنَّ المَيْتَةَ) وأكرهُه على أكلِها (أَوْ لَتَبِيعَنَّ عَبْدَكَ) وأكرهَه على بيعهِ (أَوْ تُقِرُّ بِدَيْنٍ) لفلانٍ على نفسكَ ليس عليك (أَوْ تَهَبُ هِبَةً) بغير طيبِ نفسٍ منك (أوَ تَحُلُّ) بفتح الفوقية وضم الحاء المهملة، فعل مضارع (عُقْدَةً) بضم العين وسكون القاف آخره تاء تأنيث، تفسخها كالطَّلاق والعتاق، وفي بعض النُّسخ: «وكلُّ عقدةٍ» «بالكاف» بدل: «الحاء»، مبتدأ مضاف لعقدةٍ، وخبرُه محذوفٌ، أي: كذلك (أَوْ لَنَقْتُلَنَّ) بنون قبل القاف (أَبَاكَ أَوْ أَخَاكَ فِي الإِسْلَامِ) أعمُّ من القريب، وزاد أبو ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «وما أشبَه ذلك» (وَسِعَهُ) بكسر السين المهملة، جازَ له جميع (ذَلِكَ) ليخلِّص أباهُ أو أخاهُ المسلم (لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) السَّابق ذكره في «باب المظالم» [خ¦٢٤٤٢] (المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ) «لا يظلمُه ولا يُسلمه». (وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ) قيل: هم الحنفيَّة: (لَوْ قِيلَ لَهُ) أي: لو قال ظالمٌ لرجلٍ: (لَتَشْرَبَنَّ الخَمْرَ، أَوْ لَتَأْكُلَنَّ المَيْتَةَ، أَوْ لَنَقْتُلَنَّ ابْنَكَ أَوْ أَبَاكَ (٥)، أَوْ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ) بفتح الميم وسكون الحاء المهملة أو بضم الميم والتشديد (لَمْ يَسَعْهُ) لم يجزْ له أن يفعلَ ما أمرَه به (لأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمُضْطَرٍّ) في ذلك؛ لأنَّ الإكراهَ إنَّما يكون فيما يتوجَّه إلى الإنسان في خاصَّة نفسِه لا في غيرهِ، وليس له أنْ يعصِي الله حتَّى يدفعَ عن غيره بل الله سائل الظَّالم، ولا يُؤاخذ المأمور؛ لأنَّه لم يقدرْ على الدَّفع إلَّا بارتكابِ ما لا يحلُّ له ارتكابُه، فليصبرْ على قتلِ ابنه، فإنَّه لا إثمَ عليه،

стр. 12041

فإن فعلَ يأثم، وقال الجمهور: لا يأثم (١) (ثُمَّ (٢) نَاقَضَ) بعض النَّاس قوله هذا (فَقَالَ: إِنْ قِيلَ لَهُ) أي: إن قال ظالمٌ لرجلٍ: (لَنَقْتُلَنَّ) بنون بعد اللَّام الأولى (أَبَاكَ أَوِ ابْنَكَ، أَوْ لَتَبِيعَنَّ هَذَا العَبْدَ أَوْ تُقِرُّ) ولأبي ذرٍّ: «أو لتقرَّنَّ» (بِدَيْنٍ، أَوْ تَهَبُ) هبة (يَلْزَمُهُ فِي القِيَاسِ) لما سبق أنَّه يصبرُ على قتل أبيهِ، وعلى هذا ينبغِي أن (٣) يلزمه كلُّ ما عقدَ على نفسه من عقدٍ، ثمَّ ناقض هذا المعنى بقولهِ: (وَلَكِنَّا نَسْتَحْسِنُ، وَنَقُولُ: البَيْعُ وَالهِبَةُ وَكُلُّ عُقْدَةٍ) بضم العين (فِي ذَلِكَ بَاطِلٌ) فاستحسنَ بطلان البيعِ ونحوه بعد أن قال: يلزمُه في القياس، ولا يجوزُ له القياس فيها. وأَجاب العينيُّ بأنَّ المناقضة ممنوعةٌ؛ لأنَّ المجتهدَ يجوزُ له أن يخالفَ قياس قولهِ بالاستحسان، والاستحسانُ حجَّةٌ عند الحنفيَّة. قال البخاريُّ رحمه الله تعالى: (فَرَّقُوا) أي: الحنفيَّةُ (بَيْنَ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مُحَرَّمٍ وَغَيْرِهِ) من الأجنبيِّ (بِغَيْرِ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ) فلو قال ظالمٌ لرجلٍ: لنقتلنَّ هذا الرَّجل الأجنبيَّ، أو لتبيعنَّ أو تقرُّ أو تهبُ، ففعل ذلك لينجيه من القتلِ لزمه جميع ما عقدَ على نفسه من ذلك، ولو قيل له ذلك في المحارمِ لم يلزمْه ما عقده في استحسانهِ، والحاصل: أنَّ أصل أبي حنيفة اللُّزوم في الجميع قياسًا لكنَّه يَستثني (٤) مَن له منه رحمٌ استحسانًا، ورأى البخاريُّ أن لا فرقَ بين القريب والأجنبيِّ في ذلك لحديث (٥): «المسلم أخو المسلم» فإنَّ المراد: أخوَّة الإسلام لا النَّسب، ثمَّ استشهدَ لذلك بقولهِ: (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) فيما سبق موصولًا في «أحاديث الأنبياء ﵈» [خ¦٣٣٥٨] (قَالَ إِبْرَاهِيمُ) ﷺ (لاِمْرَأَتِهِ) لما طلبها الجبَّار، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ «لسارة»: (هَذِهِ أُخْتِي) قال البخاريُّ: (وَذَلِكَ فِي اللهِ) أي: في دينِ الله، لا أخوة النَّسب؛ إذ نكاح الأخت كان حرامًا في ملَّة إبراهيم، وهذه الأخوَّة توجبُ حماية أخيه المسلم والدَّفع عنه، فلا يلزمه ما عقدَ من البيعِ ونحوه ووسعَه الشُّرب والأكلُ، ولا إثمَ عليه في ذلك، كما لو قيل له: لتفعلنَّ هذه الأشياء أو لنقتلنَّك، وسعَه في نفسه إتيانها، ولا يلزمُه حكمُها. وأَجاب العينيُّ بأنَّ الاستحسان

стр. 12042

غير خارجٍ عن الكتاب والسُّنَّة، أمَّا الكتاب فقولهُ تعالى: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] وأمَّا السُّنَّة فقولهُ ﷺ : «مَا رآهُ المؤمنونَ حسنًا فهو حسنٌ عند الله». (وَقَالَ النَّخَعِيُّ) بفتح النون والخاء المعجمة إبراهيم، فيما وصلَه محمَّد بن الحسن في «كتاب الآثار» عن أبي حنيفة عن حمَّاد عنه: (إِذَا كَانَ المُسْتَحْلِفُ ظَالِمًا فَنِيَّةُ الحَالِفِ، وَإِنْ كَانَ مَظْلُومًا فَنِيَّةُ المُسْتَحْلِفِ) قال في «الكواكب»: فإن قلتَ: كيف يكون المستحلِفُ مظلومًا؟ قلت: المدَّعي المحقُّ إذا لم يكن له بيِّنة ويستحلفه المدَّعى عليه، فهو مظلومٌ. وعند المالكيَّة: النيَّة نيَّة المظلوم أبدًا. وعند الكوفيِّين: نيَّة الحالف أبدًا. وعند الشَّافعيَّة: نيَّة القاضي، وهي راجعةٌ إلى نيَّة المستحلِف، فإن كان في غير القاضي فنيَّة الحالف. ٦٩٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرِ) بضم الموحدة وفتح الكاف قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين، ابن خالدٍ الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم الزُّهريِّ (أَنَّ سَالِمًا أَخْبَرَهُ: أَنَّ) أباه (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ) بفتح أوَّله (وَلَا يُسْلِمُهُ) بضمِّ أوَّله، أي: ولا (١) يخذلُه (وَمَنْ كَانَ فِي) قضاء (حَاجَةِ أَخِيهِ) المسلم (كَانَ اللهُ فِي) قضاءِ (حَاجَتِهِ). والحديث سبق في «كتاب المظالم» [خ¦٢٤٤٢] بهذا الإسناد. ٦٩٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ) البزَّاز -بمعجمتين الأولى مشددة بعد الموحدة-

стр. 12043

المعروف بصاعِقَة قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الواسطيُّ، وهو أيضًا من شيوخ المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ) بضم الهاء وفتح المعجمة، ابنُ بُشَير -بضم الموحدة وفتح المعجمة- الواسطيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين (بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ) جدِّه (أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : انْصُرْ أَخَاكَ) المسلم (ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا، فَقَالَ رَجُلٌ) لم أعرف اسمه: (يَا رَسُولَ اللهِ أَنْصُرُهُ) بهمزة قطع مفتوحة ورفع الراء (إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ) الفاء عاطفة على مقدَّر بعد الهمزة، وأطلقَ الرُّؤية وأرادَ الإخبار، والاستفهامَ وأراد الأمرَ، أي: أخبرني (إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ) ﷺ : (تَحْجُزُهُ) بالحاء المهملة الساكنة بعدها جيم فزاي، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «تحجرُهُ» «بالراء» بدل: «الزاي» (أَوْ) قال: (تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ، فَإِنَّ ذَلِكَ) المنع (نَصْرُهُ) والشَّكُّ من الرَّاوي. والحديث سبق في «المظالم» [خ¦٢٤٤٣].

стр. 12044

((٩٠)) (بسم الله الرحمن الرحيم، كِتَابُ الحِيَلِ) جمع: حيلةٍ، وهي (١) ما يُتوصَّل به إلى المراد بطريقٍ خفيٍّ. (١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (فِي تَرْكِ الحِيَلِ) وشطب في «اليونينيَّة» على (٢): «في» فـ «باب» مضافٌ لتاليهِ (وَأَنَّ لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فِي الأَيْمَانِ) بفتح الهمزة (وَغَيْرِهَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «وغيرهِ» بالتَّذكير على إرادةِ اليمين المستفاد من صيغةِ الجمع، وقولهُ: «في الأيمان (٣) وغيرها» تفقهٌ (٤) من البخاريِّ لا من الحديثِ. ٦٩٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) الأزديُّ الجهضميُّ (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ، وسقطَ لأبي ذرٍّ «ابن سعيد» (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) التَّيميِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ) بتشديد القاف، اللَّيثيِّ المدنيِّ أنَّه (٥) (قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ يَخْطُبُ) على المنبر (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ)

стр. 12045

بالإفراد، والجملة مقولُ القولِ «وإنَّما» من أدوات الحصرِ. قال السَّكاكِي في «إعجاز القرآن»: إنَّ (١) الواقعَ بعد «إنَّما» إذا كان مبتدأ وخبرًا فالمحصور (٢) الثَّاني، فإذا قلنا: إنَّما المال لزيدٍ، فالمال لزيدٍ لا لغيره، وإذا قلنا (٣): إنَّما لزيدٍ المالُ فالمحصور المال (٤) تقديره: لا غيره (٥)، و «الأعمالُ» مبتدأ بتقدير مضافٍ، أي: إنَّما صحَّةُ الأعمال، والخبرُ الاستقرار الَّذي تعلَّق (٦) به حرفُ الجرِّ، والباء في «بالنيَّة» (٧) للسببيَّة، أي: إنَّما الأعمالُ ثابتٌ ثوابها بسببِ النِّيَّة، وأفردَها؛ لأنَّ المصدر المفرد (٨) يقومُ مقام الجمعِ، وإنَّما يُجمع (٩) لاختلافِ الأنواع (وَإِنَّمَا لاِمْرِئٍ مَا نَوَى). وفي التَّعليق السَّابق كرواية أوَّل الكتاب [خ¦٥٤] «لكلِّ امرئٍ ما نوى»، فمن نوى بعقد البيع الرِّبا وقع في الرِّبا، ولا يُخلِّصه من الإثمِ (١٠) صورة البيع، ومن نَوى بعقد النِّكاح التَّحليل كأنَّه (١١) محلِّلًا ودخل في الوعيد على ذلك باللَّعن، ولا يُخلِّصه من ذلك صورة النِّكاح، وكلُّ شيءٍ قُصِد به تحريم ما أحلَّ الله، أو تحليل ما حرَّم الله كان إثمًا، واستَدلَّ به من قال بإبطال الحيل ومن قال بإعمالها؛ لأنَّ مرجع كلٍّ من الفريقين إلى نيَّة العامل، فإن كان في ذلك خلاص مظلومٍ مثلًا فهو مطلوبٌ، وإن كان فيه فوات حقٍّ فهو مذمومٌ، وقد نصَّ إمامنا الشَّافعيُّ على كراهةِ تَعاطي الحيل في تفويتِ الحقوق. فقال بعضُ أصحابه: هي كراهة تنزيهٍ. وقال كثيرٌ من محقِّقيهم كالغزاليِّ: هي كراهةُ تحريمٍ. وقد نقل صاحب «الكافي» من الحنفيَّة عن محمَّد بن الحسن قال: ليس من أخلاقِ المؤمنين الفِرار من أحكامِ الله بالحيلِ الموصلة إلى إبطال الحقِّ (فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ) من مكَّة إلى المدينة (١٢)
следующие страницы →