مُستأجِرًا أو مستعيرًا أو غاصبًا ضمن ما أتلفتْه نفسًا ومالًا، ليلًا أو نهارًا، سواء كان سائقها أمْ راكبها (١) أم قائدها؛ لأنَّها في يدِه وعليه تعهُّدُها وحفظُها، نعم، لو أركبَها أجنبيٌّ بغيرِ إذن الوليِّ صبيًّا أو مجنونًا لا يضبطُها مثلهما، أو نخسها إنسانٌ بغير إذنٍ من صحبها، أو غلبتْه فاستقبلَها إنسانٌ فردَّها فأتلفتْ شيئًا في انصرافِها، فالضَّمان على الأجنبيِّ والنَّاخس والرَّادِّ.
وقال الحنفيَّة: لا ضمان مطلقًا سواء فيه الجرح وغيره، واللَّيل والنَّهار، معها أحدٌ أو (٢) لا، إلا أن يحملَها الَّذي معها على الإتلافِ، أو يقصدَه (٣) فيضمنُ لتعدِّيه.
(وَالبِئْرُ) بكسر الموحدة بعدها ياء ساكنةٌ مهموزةٌ، وتسهَّلُ وهي مؤنَّثة وتذكَّر على معنى القَليب، والجمع أَبْؤر وأبْآر -بالمدِّ والتَّخفيف وبهمزتين بينهما موحدة ساكنة- إذا حفرها إنسانٌ في مُلكه أو في مَوات، فوقع فيها إنسانٌ أو غيره فتلفَ فهو (جُبَارٌ) لا ضمانَ فيه، وكذا لو استأجرَ إنسانًا ليحفرَها (٤) فانهارتْ عليه. نعم، لو حفرَها في طريق المسلمين، أو في ملك غيره بلا إذنٍ منه فتلفَ بها إنسانٌ (٥) فإنَّه يجبُ ضمانه على عاقلةِ الحافرِ والكفَّارة في مالهِ، وإن تلفَ بها غيرُ آدميٍّ وجبَ ضمانه في مالِ الحافرِ، ويلتحقُ (٦) بالبئر كلُّ حفرةٍ على التَّفصيل المذكور.
(وَالمَعْدِنُ) بفتح الميم وسكون العين وكسر الدال المهملتين، المكانُ من الأرض يخرجُ منه شيءٌ من الجواهرِ والأجسادِ كالذَّهب والفضَّة والحديدِ والنُّحاس والرَّصاص والكبريت وغيرها، مِن عَدَن بالمكان إذا أقام به يَعْدِن -بالكسر- عُدُونًا، وسمِّي به لِعُدُون ما أنبتَه الله فيه -كما قال الأزهريُّ- إذا انهارَ على من حفرَ فيه فهلكَ فدَمُه (جُبَارٌ) لا ضمانَ فيه كالبئرِ (وَفِي الرِّكَازِ) بكسر الراء آخره زاي، بمعنى مرَكْوز ككِتَاب بمعنى (٧) مَكْتوب، وهو دفينُ الجاهليَّة ممَّا تجبُ فيه الزَّكاة (٨) من ذهبٍ أو فضَّة إذا بلغ النِّصاب (الخُمُسُ) والقول بأنَّ الرِّكاز دَفين
стр. 11972
الجاهليَّة هو قول مالكٍ والشَّافعيِّ وأحمد، وهو حجَّة على أبي حنيفة وغيره من العراقيين حيث قالوا: الرِّكاز هو المعدنُ وجعلوهما (١) لفظين مُتَرادفين، وقد عطفَ ﷺ أحدهما على الآخرِ، وذكر لهذا حكمًا غيرَ حكمِ الأوَّل، والعطفُ يقتضِي التَّغاير. وقال الأزهريُّ: يُطلق على الأمرين. قال: وقيل: إنَّ الرِّكاز قطَعُ الفضَّة تخرج من المعدن، وقيل: من الذَّهب أيضًا.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ وأصحاب «السُّنن» الأربعة.
(٢٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (العَجْمَاءُ جُبَارٌ. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ) محمَّد ممَّا وصلَه سعيدُ ابن منصورٍ: (كَانُوا) أي: علماءُ الصَّحابة أو التَّابعين (٢) (لَا يُضَمِّنُونَ) بتشديد الميم (مِنَ النَّفْحَةِ) بفتح النون وسكون الفاء بعدها حاء مهملة، من الضَّربة الصَّادرة من الدَّابَّة برجلِها (وَيُضَمِّنُونَ) بتشديد الميم أيضًا (مِنْ رَدِّ العِنَانِ) بكسر العين المهملة وتخفيف النون، وهو ما وضعُ (٣) في فمِ الدَّابَّة؛ ليصرفها الرَّاكب لما يختارُه، يعني: أنَّ الدَّابَّة إذا كانت مركوبةً فلفتَ الرَّاكب عِنَانها، فأصابتْ برجلها شيئًا ضمنَه الرَّاكب.
(وَقَالَ حَمَّادٌ) هو: ابنُ أبي (٤) سليمان مسلم الأشعريُّ، فيما وصلَه ابنُ أبي شيبة: (لَا تُضْمَنُ النَّفْحَةُ) بالحاء المهملة، رفعُ نائب عن الفاعلِ (إِلَّا أَنْ يَنْخُسَ) مثلثة الخاء المعجمة (إِنْسَانٌ الدَّابَّةَ) بعودٍ ونحوه فيضمنُ.
(وَقَالَ شُرَيْحٌ) بضم الشين المعجمة وفتح الراء آخره حاء مهملة، ابن الحارث الكنديُّ
стр. 11973
القاضي المشهور، ممَّا وصله ابنُ أبي شيبة أيضًا: (لَا تُضْمَنُ) بضم الفوقية أو التحتية مبنيًّا للمفعول (مَا عَاقَبَتْ (١)) أي: الدَّابَّة. وقال في «الكواكب»: بلفظ الغيبة لا يضمنُ ما كان على سبيلِ المكافأةِ منها (أَنْ يَضْرِبَهَا) أي: بأنْ يَضربها فهو مجرورٌ بمقدَّر، أو وهو أنْ يَضربها فمرفوعٌ خبرُ مبتدأ محذوفٍ، وإسناد الضمان إلى الدَّابَّة من بابِ المجاز، أو المراد: ضاربُها، وهذا كالتَّفسير للمُعَاقبة (فَتَضْرِبَ بِرِجْلِهَا) بنصب «فتضربَ» عطفًا على المنصوب السَّابق، ولفظ ابن أبي شيبة: لا يَضْمَن السَّائقُ والرَّاكبُ، ولا يَضْمن الدَّابَّةَ إذا عاقبَتْ. قلت: وما عاقبَتْ؟ قال: إذا ضَرَبها رجلٌ فأصابَتْهُ.
(وَقَالَ الحَكَمُ) بن عُتَيبة -بضم العين وفتح الفوقية- أحدُ فقهاءِ الكوفة (وَحَمَّادٌ) هو: ابنُ أبي سليمان أحدُ فقهاءِ الكوفة أيضًا: (إِذَا سَاقَ المُكَارِي) بكسر الراء في الفرع كأصله (حِمَارًا عَلَيْهِ امْرَأَةٌ فَتَخِرُّ) بكسر الخاء المعجمة، أي: تسقطُ (لَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لا ضمانَ على المُكارِي.
(وَقَالَ الشَّعْبِيُّ) عامرُ بنُ شَرَاحيل الكوفيُّ فيما وصلَه ابنُ أبي شيبة: (إِذَا سَاقَ دَابَّةً فَأَتْعَبَهَا) -من الإتعابِ- (فَهْوَ ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَتْ) أي: الدَّابَّة (وَإِنْ كَانَ خَلْفَهَا) وراءها (مُتَرَسِّلًا) بضم الميم وتشديد السين المهملة، منصوبٌ خبرُ «كان»، متسهِّلًا في السَّير لا يسوقُها ولا يتعِبُها (لَمْ يَضْمَنْ) شيئًا ممَّا أصابتْهُ.
٦٩١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هو ابنُ إبراهيم الأزديُّ القصَّاب قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ) الجمحيِّ البصريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: العَجْمَاءُ) قال الجوهريُّ: سُمِّيت عجماءُ؛ لأنَّها لا تتكلَّم، وكلُّ ما (٢) لا يتكلَّم أصلًا فهو أعجَمُ مُسْتعجَمٌ، والأعجمُ الَّذي لا يُفصِحُ ولا يُبيِّن كلامَه وإن كان من العربِ، ويُقال: أعجمُ وإنْ أفصَحَ، إذا كان في لسانهِ عُجْمة. وقال ابنُ دقيق العيد: العجماءُ: الحيوان البَهِيم. وقال التِّرمذيُّ: فسَّر بعضُ أهلِ العلم، قالوا: العجماءُ: الدَّابَّةُ المُنْفَلِتَة من صاحبِها، فما أصابتْ في انفلاتِها فلا غُرْم على
стр. 11974
صاحبِها. وقال أبو داود: العجماءُ الَّتي (١) تكون مُنْفَلتة ولا يكون معها أحدٌ ويكون بالنَّهار ولا يكون باللَّيل. وعندَ ابن ماجه في آخر حديثِ عُبادة بن الصَّامت: والعجماءُ البهيمةُ من الأنعامِ.
(عَقْلُهَا) أي: ديَّتها (جُبَارٌ) لا ديَة فيما أهلكتْه، وفي رواية الأسودِ بن العلاء -عند مسلم-: «العجمَاءُ جُرْحها جُبَارٌ» (وَالبِئْرُ) حيثُ جازَ حفرها وسقطَ فيها أحدٌ، أو انهدمَتْ على من استؤجرَ فهلكَ (جُبَارٌ) هدَرٌ أيضًا (٢) (وَالمَعْدِنُ) إذا انهارَ على حافرِه فقتله (جُبَارٌ) هدرٌ أيضًا (٣) لا قودَ فيه ولا ديَة (وَفِي الرِّكَازِ) دفينِ الجاهليَّة (الخُمُسُ) زكاةٌ إذا بلغ النِّصاب.
(٣٠) (باب إِثْمِ (٤) مَنْ قَتَلَ ذِمِّيًّا) يهوديًّا أو نصرانيًّا (بِغَيْرِ جُرْمٍ) بضم الجيم وسكون الراء بعدها ميم، أي: بغير حقٍّ.
٦٩١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ) أبو محمد الدَّارميُّ البصريُّ من أفرادِ المؤلِّف، قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زياد قال: (حَدَّثَنَا الحَسَنُ) بفتح الحاء، ابن عَمرو -بفتح العين- الفُقَيميُّ -بضم الفاء وفتح القاف- التَّميميُّ، وهو أخو فُضيل بن عَمرو، توفِّي في خلافةِ أبي جعفرٍ، وقال خليفةُ: توفِّي سنة اثنتين وأربعين ومئة بالكوفةِ قاله ابنُ طاهر، وقال الحافظُ أبو محمد عبدُ الغني المقدسيُّ: قال ابنُ مَعين: ثقةٌ حجَّةٌ، وقال يحيى بنُ سعيد (٥) القطان -وقد سُئل عنه، وعن الحسنِ بن عبد الله- فقال: هو أثبتهما (٦) قال: (حَدَّثَنَا مُجَاهِدٌ) هو ابنُ جبر
стр. 11975
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) بفتح العين ﵄. قال في «الفتح»: كذا في جميع الطُّرق بالعنعنة، ووقع في رواية مروان بنِ معاوية عن الحسنِ بنِ عمرو عن مجاهدٍ عن جُنادَةَ بنِ أبي أميَّة عن عبدِ الله بنِ عَمرو. فزادَ فيه رجلًا بين مجاهدٍ وعبد الله، أخرجه النَّسائيُّ وابنُ أبي عاصمٍ من طريقهِ، وجزمَ أبو بكرٍ البرديجيُّ (١) في كتابه في بيان المرسل أنَّ مجاهدًا لم يسمعْ من عبدِ الله بن عَمرو. نعم ثبتَ أنَّ مجاهدًا ليس مدلِّسًا، وأنَّه سمعَ من عبد الله بن عَمرو فرجِّحتْ رواية عبد الواحد؛ لأنَّه توبعَ وانفرد مروان (٢) بالزِّيادة (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدًا) بفتح الهاء، له عهدٌ مع المسلمين بعقد جزيةٍ أو هدنةٍ من سلطانٍ، أو أمانٍ من مسلمٍ، وفي حديثِ أبي هُريرة (٣) عند التِّرمذيِّ: «من قتلَ نفسًا مُعَاهدًا له ذمَّة الله وذمَّة رسولهِ» (لَمْ يَرَِحْ) بفتح التحتية والراء وتكسر، لم يشمَّ (رَائِحَةَ الجَنَّةِ) وعموم هذا النَّفي مخصوصٌ بزمانٍ ما؛ للأدلَّة الدَّالة على أنَّ من مات مسلمًا وكان من أهلِ الكبائرِ غير مخلَّدٍ في النَّار، ومآله إلى الجنَّة (وَإِنَّ رِيحَهَا يُوجَدُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ليوجدُ» بزيادة اللَّام (مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا) وعند الإسماعيليِّ «سبعين عامًا» وفي «الأوسط» للطَّبرانيِّ من طريق محمَّدِ بن سيرين، عن أبي هريرة: «من مسيرةِ مئة عامٍ».
قال في «الفتح»: والَّذي يظهرُ لي (٤) في الجمعِ أنَّ الأربعين أقلُّ زمنٍ يُدْرَك به ريحُ الجنَّة (٥) في الموقف، والسَّبعين فوق ذلك، أو ذُكرتْ للمبالغةِ، والخمس مئة والألف أكثر من ذلك، ويختلفُ ذلك باختلافِ الأشخاصِ والأعمال، فمَن أدركَه من المسافةِ البُعدى، أفضلُ ممَّن أدركَه من المسافةِ القُرْبى، وبَيْنَ ذلك، والحاصلُ: أنَّ ذلك يختلفُ باختلافِ الأشخاصِ بتفاوتِ منازلهم ودرجاتهِم. وقال ابنُ العربيِّ: ريح الجنَّة لا يُدْرك بطبيعةٍ ولا عادةٍ، وإنَّما يُدركُ بما خلقَ اللهُ من إدراكهِ، فتارةً يُدركه من شاء الله من مسيرة سبعين، وتارةً من مَسيرة خمس مئة (٦).
والحديث سبقَ في «الجزية» [خ¦٣١٦٦] والله الموفِّق.
стр. 11976
(٣١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (لَا يُقْتَلُ المُسْلِمُ بِالكَافِرِ) بضم التحتية وفتح الفوقية.
٦٩١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هو أحمدُ بن عبد الله بنِ يونس الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) هو ابنُ معاوية الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ) بكسر الراء المشددة، ابنُ طَرِيف، بوزن كَرِيم، الكوفيُّ (أَنَّ عَامِرًا) هو ابنُ شَرَاحيل الشَّعبيَّ (حَدَّثَهُمْ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ) بضم الجيم وفتح الحاء المهملة وبعد التحتية الساكنة فاء، وهبُ بن عبد الله السَّوائيُّ أنَّه قَالَ: (قُلْتُ لِعَلِيٍّ) ﵁، وسقط من قولهِ: «حَدَّثنا أحمدُ بن يونس» إلى قوله: «قلتُ لعليٍّ» لأبي ذرٍّ، كما في الفرع كأصله (١). قال في «الفتح»: والصَّواب ما عندَ الجمهور، يعني: من السُّقوط. قال: وطريق أحمد بن يونس تقدَّمت في «الجزية» [خ¦٣٠٤٦] قال المؤلِّف بالسَّند إليه: (وَحَدَّثَنَا) بواو العطف على السَّابق، ولأبي ذرٍّ سقوطها كالجمهور (صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ) أبو الفضل المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان قال: (حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ) هو: ابنُ طريف (قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ) عامرًا (يُحَدِّثُ) كذا في «اليونينيَّة» «يحدِّث» (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ) وهبَ بن عبد الله (قَالَ: سَأَلْتُ عَلِيًّا) هو ابنُ أبي طالب (¬﵁: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِمَّا لَيْسَ فِي القُرْآنِ؟ -وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان (مَرَّةً: مَا لَيْسَ عِنْدَ النَّاسِ-) بدل قوله: «ممَّا ليسَ في القرآن» (فَقَالَ) عليٌّ ﵁: (وَ) الله (الَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ) أي: شقَّها (وَبَرَأَ النَّسَمَةَ) خلقَ الإنسان (مَا عِنْدَنَا) شيءٌ (إِلَّا مَا فِي القُرْآنِ إِلَّا
стр. 11977
فَهْمًا يُعْطَى) بضم التحتية مبنيًّا للمفعول (رَجُلٌ فِي كِتَابِهِ) جلَّ وعلا (وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ) أي: الَّتي كانت معلَّقةً في قبضةِ سيفهِ. قال أبو جُحَيفة: (قُلْتُ) له: (وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ؟) سقط لأبي ذرٍّ من قولهِ: «وقال ابنُ عُيينة … » إلى هنا (قَالَ: العَقْلُ) أي: الدِّيَة (وَفِكَاكُ الأَسِيرِ) ما يُخلَّص به من الأسرِ (وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ) وقال الحنفيَّة: يُقتل المسلم بالذِّميِّ إذا قتله بغير حقٍّ، ولا يُقتلُ بالمستأمنِ. وعن الشَّعبيِّ والنَّخعيِّ: يُقتلُ باليهوديِّ والنَّصرانيِّ دون المجوسيِّ؛ لحديثِ أبي داود من طريق الحسن عن قيسِ بن عُبَاد، عن عليٍّ: «لا يُقتلُ مؤمنٌ بكافرٍ، ولا ذو عهدٍ في عهدهِ» أي: ولا يقتلُ ذو عهدٍ (١) في عهدِه بكافرٍ. قالوا: وهو من عطف الخاصِّ على العامِّ فيقتضِي تخصيصه؛ لأنَّ الكافرَ الَّذي لا يُقتلُ به ذو العهدِ هو الحربيُّ دون المساوِي له والأَعلى، فلا يَبقى من يُقتل بالمعاهدِ إلَّا الحربي، فيجبُ أن يكون الكافر الَّذي لا يقتلُ به المسلم هو الحربيّ؛ لتسويتِهِ بين المعطوفِ والمعطوفِ عليه.
وقال الطَّحاويُّ: لو كانتْ فيهِ دَلالة على نفِي قتلِ المسلمِ بالذِّميِّ لكان وجه الكلام أن يقول: ولا ذي عهدٍ في عهدِه، وإلَّا لكان لحنًا، والنَّبيُّ ﷺ لا يلحَنُ، فلما لم يكنْ كذلك علمنا أنَّ ذا العهد هو المعنيّ بالقصاصِ، وصار التَّقدير: لا يقتل مؤمنٌ ولا ذمِّيٌّ ولا ذو عهدٍ في عهده بكافرٍ. وتعقِّب بأنَّ الأصل عدم التَّقدير والكلام مستقيمٌ بغيرهِ إذا جعلنا الجملةَ مُسْتأنفة، ويؤيِّده اقتصارُ الحديث الصَّحيح على الجملةِ الأولى. ذكره في «فتح الباري».
قال: وقد أبدى الشَّافعيُّ له مناسبة، فقال: يشبهُ أن يكون لما أعلمَهم أن لا قودَ بينَهم وبين الكفَّار أعلمَهم أنَّ دماءَ الجاهليَّة محرَّمة عليهم بغير حقٍّ، فقال: «لا يقتلُ مسلمٌ بكافرٍ، ولا يقتلُ ذو عهدٍ في عهدهِ» ومعنى الحديث: لا يقتلُ مسلمٌ بكافرٍ قِصاصًا، ولا يقتلُ من له عهدٌ ما دامَ عهدُه باقيًا. انتهى.
والحديث سبق في «العاقلةِ» [خ¦٦٩٠٣].
(٣٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (إِذَا لَطَمَ المُسْلِمُ يَهُودِيًّا عِنْدَ الغَضَبِ) لم يجبْ عليه شيءٌ
стр. 11978
(رَوَاهُ) أي: لطم المسلمِ اليهوديَّ (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) فيما سبقَ موصولًا في قصَّة موسى في «أحاديثِ الأنبياءِ عليهم الصلاة والسلام» [خ¦٣٤١٤].
٦٩١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بنُ دُكين قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ) يحيى بنِ عُمارة بنِ أبي الحسن المازنيِّ الأنصاريِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) بكسر العين، سَعْد -بسكونها- ابن مالكٍ الخدريِّ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ) تخييرًا يوجب نقصًا، أو يؤدِّي إلى الخصومة.
والحديث سبق في مواضع [خ¦٢٤١٢] [خ¦٣٣٩٨] [خ¦٤٦٣٨].
٦٩١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) البيكنديُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى المَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) يحيى (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) ﵁ أنَّه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ إِلَى النَّبِيِّ) ولأبي ذرٍّ: «إلى رسولِ الله» (¬ ﷺ قَدْ لُطِمَ وَجْهُهُ) بضم اللَّام وكسر الطاء، مبنيًّا للمفعول، و «وجههُ» نائب الفاعل (فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِكَ مِنَ الأَنْصَارِ) لم يُسمَّ (لَطَمَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «قد لطمَ» (فِي (١) وَجْهِي، قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال»: (ادْعُوهُ) أي: ادعُوا الأنصاريَّ (فَدَعَوْهُ، قَالَ) ﷺ له: (لِمَ لَطَمْتَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ألطمتَ» (وَجْهَهُ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي مَرَرْتُ بِاليَهُودِ فَسَمِعْتُهُ) أي: اليهوديَّ
стр. 11979
(يَقُولُ) في قَسَمه: (وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى البَشَرِ، قَالَ) الأنصاريُّ: (قُلْتُ: وَعَلَى مُحَمَّدٍ) ولأبي ذرٍّ: «فقلتُ: أعلى محمد» (¬ ﷺ ¬) وسقطَتْ التَّصلية لأبي ذرٍّ (قَالَ) الأنصاريُّ: (فَأَخَذَتْنِي غَضْبَةٌ فَلَطَمْتُهُ، قَالَ) ﷺ : (لَا تُخَيِّرُونِي مِنْ بَيْنِ الأَنْبِيَاءِ) قاله ﷺ تواضعًا، أو قبل أن يعلم أنَّه سيِّد البشر، أو غير ذلك ممَّا سبق (فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ) يغشى عليهم من الفزع (فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ) من الغشي (فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ العَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي أَمْ جُزِيَ) بجيم مضمومة فزاي مكسورة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «جوزي» بواو ساكنة بينهما (بِصَعْقَةِ الطُّورِ) الَّتي صُعِقَها لما سألَ رؤيةَ الله، وقولهُ: «فلا أدرِي أفاقَ قبلِي» لعلَّه قاله (١) قبلَ أن يعلمَ أنَّه أوَّل من تنشقُّ عنه الأرضُ.
стр. 11980
((٨٨)) (بسم الله الرحمن الرحيم، كِتَابُ اسْتِتَابَةِ المُرْتَدِّينَ وَالمُعَانِدِينَ) بالنون بعد الألف، أي: الجائرينَ عن القصدِ الباغين الَّذين يردّون الحقَّ مع العلم به (وَقِتَالِهِمْ، وَإِثْمِ مَنْ أَشْرَكَ بِاللهِ وَعُقُوبَتِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) وسقط لفظ «كتاب» في رواية المُستملي، قاله في «الفتح»، وفي الفرع كأصله ثبوته فيها (١)، وفي رواية النَّسفيِّ: «كتاب المرتدِّين (٢). بسم الله الرحمن الرحيم» ثمَّ قال: «باب استتابةِ المرتدِّين … » إلى آخر قولهِ: «والآخرة» وفي روايةِ غير القابسيِّ بعد قولهِ: وقتالهِمْ: «باب إثمِ من أشرك … » إلى آخره.
(قَالَ اللهُ تَعَالَى) ولأبي ذرٍّ: « »: (﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]) لأنَّه تسويةٌ بين من لا نعمةَ إلَّا وهي منه، وبين من لا نعمةَ منه (٣) أصلًا (وَ) قال الله تعالى: (﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥]) وسقطَتْ «واو» و ﴿لَئِنْ﴾ (٤) لغير أبي ذرٍّ، وإنَّما قال: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ﴾ على التَّوحيد، والموحى إليهم جماعة في قولهِ تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الزمر: ٦٥] لأنَّ معناه: أوحي إليك لئن أشركتَ ليحبطنَّ عملك وإلى الَّذين من قبلكَ مثله، واللَّام الأولى مُوطِّئة للقسم المحذوفِ، والثَّانية لامُ الجواب، وهذا الجوابُ سادٌّ مسدَّ الجوابين، أعني: جوابي القسمِ والشَّرط، وإنَّما صحَّ هذا الكلامُ مع علمهِ تعالى بأنَّ رسلهُ
стр. 11981
لا يشركون؛ لأنَّ الخطابَ للنَّبيِّ ﷺ والمرادُ به غيره، أو لأنَّه على سبيلِ الفرض، والمحالات يصحُّ فرضُها.
٦٩١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بكسر العين قال: (أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم، ابن عبد الحميد (١) الرَّازيُّ الكوفيُّ الأصل (٢) (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بنِ مهران (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيسٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ﴾) ولم يخلطُوا (﴿إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ) ولأبي ذرٍّ: «رسول الله» (¬ ﷺ وَقَالُوا: أَيُّنَا لَمْ يَلْبِسْ إِيمَانَهُ بِظُلْمٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّهُ لَيْسَ بِذَاكَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «بذلك» بزيادة لام قبل الكاف، أي: ليس بالظُّلم مطلقًا بل المراد: الشِّرك (أَلَا) بالتَّخفيف (تَسْمَعُونَ إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ) المذكور في سورته: (﴿إِنَّ الشِّرْكَ﴾) أي: باللهِ (﴿لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]) والمراد بالَّذين آمنوا أعمُّ من المؤمن الخالصِ وغيره، واحتجَّ له في «فتوح الغيب» كما قرأتُه فيه بأنَّ اسم الإشارة الواقع خبرًا للموصولِ مع صلتهِ يشيرُ إلى أنَّ ما بعدَه ثابتٌ لما (٣) قبله؛ لاكتسابهِ ما ذكر من الصِّفة، ولا ارتيابَ أنَّ الأمنَ المذكور قَبْلُ هو (٤) الأمنُ الحاصل للموحِّدين في قولهِ تعالى: ﴿أَحَقُّ بِالأَمْنِ﴾ [الأنعام: ٨١] لأنَّ المعرَّف إذ أُعيد كان الثَّاني عين الأوَّل، فيجبُ أن يكون الظُّلم عين الشِّرك ليسلم النَّظم، فإذًا ليس الكلام في المعصيةِ والفسق. وأمَّا معنى اللَّبس فهو -كما قال القاضِي-: لَبس الإيمان بالظُّلم أن يصدِّقَ بوجودِ الله، ويخلطَ به عبادةَ غيره، ويؤيِّده قولهُ تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦].
والحديث سبق في «الإيمان» [خ¦٣٢].
стр. 11982
٦٩١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو: ابنُ مُسَرْهد قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ) بضم الميم والضاد المعجمة المشددة قال: (حَدَّثَنَا الجُرَيْرِيُّ) بضم الجيم وفتح الراء، نسبةً إلى جرير بن عُبَاد -بضم العين وتخفيف الموحدة- واسمه: سعيد بنُ إياسٍ البصريُّ. قال المؤلِّف: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ) أبو محمد الدَّارميُّ، مَولاهم البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المعروف بابنِ عُلَيَّة قال: (أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ الجُرَيْرِيُّ) قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أبي بكرةَ نُفَيْع بن الحارث الثَّقفيِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَكْبَرُ الكَبَائِرِ) جمع: كبيرة، وأصله وصف مؤنث، أي: الفعلةُ الكبيرةُ أو نحو ذلك، وكبرُها باعتبار شدَّة مفسدَتها وعظم إثمهَا، ويؤخذُ منه انقسامُ الذُّنوب إلى كبائرَ وصغائر، وردٌّ على من يجعلُ المعاصِي كلَّها كبائر، وبه قال ابن عبَّاس وأبو إسحاق الإسفرايينيُّ والقاضي أبو بكر القشيريُّ (١) ونقله ابنُ فُوْرَك عن الأشاعرة، واختاره الشَّيخ تقيُّ الدِّين السُّبكيُّ، وكأنَّهم أخذوا الكبيرةَ باعتبار الوضع اللُّغوي، ونظروا في ذلك إلى عظمةِ جلال من عُصي بها، وخُولف أمرُه ونهيهُ، لكن جمهور السَّلف والخلف وهو مرويٌّ عن ابن عبَّاس أيضًا (الإِشْرَاكُ بِاللهِ) بالرَّفع خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هي الإشراكُ بالله، والجارُّ والمجرور يتعلَّق (٢) بالمصدرِ، والإشراك أن تجعلَ لله شريكًا، أو هو مطلق الكفرِ على أيِّ نوعٍ كان، وهو المراد هنا (وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ) عطف على سابقهِ مصدر عَقَّ، يُقال: عَقَّ والدَه يَعُقُّه عُقُوقًا فهو عاقٌّ؛ إذا آذاهُ وعصاهُ وخرجَ عليه، وهو (٣) ضدُّ البرِّ به (٤)، وأصله من العقِّ الَّذي هو الشَّقُّ والقطع (وَشَهَادَةُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ) قال ذلك (ثَلَاثًا -أَوْ) قال: (قَوْلُ
стр. 11983
الزُّورِ-) بالشَّكِّ من الرَّاوي (فَمَا زَالَ) ﵊ (يُكَرِّرُهَا) أي: يكرِّر «وشهادة الزُّور»، فالضَّمير للخصلة (حَتَّى قُلْنَا) أي: إلى أن قلنا: (لَيْتَهُ) ﷺ (سَكَتَ) جملة في محلِّ خبر ليتَ، والجملةُ مَعْمولة للقولِ، و «ليْتَ» حرفُ تمنٍّ يتعلَّق بالمستحيلِ غالبًا وبالممكن قليلًا، وإنَّما قالوا ذلك تعظيمًا لما حصلَ لمرتكب هذا الذَّنب من غضبِ الله ورسوله، ولما حصلَ للسَّامعين من الرُّعب والخوفِ من هذا المجلسِ.
والحديث سبق في «الأدب» [خ¦٥٩٧٦] وغيره [خ¦٢٦٥٤].
٦٩٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (مُحَمَّدُ بْنُ الحُسَيْنِ) بضم الحاء (بْنِ إِبْرَاهِيمَ) المعروف بابنِ إشكاب أخو عليٍّ، وهو من أقرانِ البخاريِّ لكنَّه سمعَ قبله قليلًا ومات بعدهُ قال: (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين (بن مُوسَى) العبسيُّ الكوفيُّ، وهو أحدُ مشايخ المؤلِّف، روى عنه في «الإيمان» بلا واسطةٍ [خ¦٨] وسقط «ابن موسى» لغير أبي ذرٍّ، قال: (أَخْبَرَنَا شَيْبَانُ) بالمعجمة، ابن عبد الرَّحمن النَّحويُّ (عَنْ فِرَاسٍ) بكسر الفاء وتخفيف الراء وبعد الألف سين مهملة، ابن يحيى (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامرِ بن شَرَاحيل (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن العاص (¬﵄¬) أنَّه (قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ) قال الحافظُ أبو الفضل العسقلانيُّ: لم أقفْ على اسمه (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا الكَبَائِرُ؟) أي: من الذُّنوب (قَالَ) ﷺ : (الإِشْرَاكُ بِاللهِ) أي: الكفرُ به تعالى (قَالَ) الأعرابيُّ: (ثُمَّ مَاذَا) يا رسول الله؟ (قَالَ: ثُمَّ عُقُوقُ الوَالِدَيْنِ) بإيذائهِمَا (قَالَ) الأعرابيُّ: (ثُمَّ مَاذَا) يا رسولَ الله؟ زاد أبو ذرٍّ في روايته عن الحَمُّويي والمُستملي: «قال: ثمَّ عقوقُ الوالدين، قال: ثمَّ ماذا؟» (١) (قَالَ: اليَمِينُ الغَمُوسُ) بفتح الغين المعجمة آخره سين مهملة، الَّتي تغمسُ صاحبها في الإثم (قُلْتُ) إمَّا من مقول
стр. 11984
عبد الله بن عمرو أو راوٍ عنه: (وَمَا اليَمِينُ الغَمُوسُ؟ قَالَ) ﷺ : (الَّذِي (١) يَقْتَطِعُ) بها (مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ) أي: يأخذُ بها قطعةً من مالهِ لنفسهِ (هُوَ فِيهَا كَاذِبٌ) وقد سبق أنَّ من الكبائر القتل والزِّنا، فذكر ﷺ في كلِّ مكانٍ ما يقتضِي المقام، وما يناسبُ حال المكلَّفين الحاضرين لذلك، فربَّما كان فيهم من يجترئُ على العقوقِ، أو شهادةِ الزُّور، فزجرَه بذلك.
٦٩٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى) بن صفوان، أبو محمَّد السُّلَميُّ الكوفيُّ نزيل مكَّة قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو: ابنُ المعتمر (وَالأَعْمَشِ) سليمان بنِ مهران الكوفيِّ؛ كلاهما (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بنِ سلمة (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) عبد الله (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَجُلٌ) لم أعرف اسمَه: (يَا رَسُولَ اللهِ، أَنُؤَاخَذُ) بهمزة الاستفهام وفتح الخاء المعجمة مبنيًّا للمفعول، أنعاقب (بِمَا عَمِلْنَا فِي الجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ) ﷺ : (مَنْ أَحْسَنَ فِي الإِسْلَامِ) بالاستمرارِ عليه، وترك المعاصي (لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الجَاهِلِيَّةِ) قال الله تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] أي: من الكُفر والمعاصي، وبه استدلَّ أبو حنيفة على أنَّ المرتدَّ إذا أسلمَ لم يلزمه قضاء العباداتِ المتروكة (وَمَنْ أَسَاءَ فِي الإِسْلَامِ) بأن ارتدَّ عن الإسلامِ، ومات على كُفره (أُخِذَ بِالأَوَّلِ) الَّذي عمله في الجاهليَّة (وَالآخِرِ) بكسر الخاء (٢)، الَّذي عمله من الكفر، فكأنَّه (٣) لم يُسلِم، فيُعاقَب على جميعِ ما أسلفَه، ولذا أورد المؤلِّف هذا الحديث بعد حديث: «أكبرُ الكبائر الشِّرك بالله»، وأوردَهما في أبواب المرتدِّين، ونقل ابنُ بطَّال عن جماعةٍ من العلماء أنَّ الإساءة هنا لا تكون إلَّا الكفر للإجماعِ على (٤) أنَّ المسلم لا يُؤاخَذ بما عملَ في الجاهليَّة، فإن أساءَ في الإسلام غايةَ الإساءة، وركبَ أشدَّ المعاصِي، وهو
стр. 11985
مستمرٌّ على الإسلام، فإنَّه إنَّما (١) يُؤاخذ بما جناهُ من المعصيةِ في الإسلام.
والحديث سبق في «الإيمان» (٢).
(٢) (باب حُكْمِ) الرَّجل (المُرْتَدِّ وَ) حكم (٣) المرأة (المُرْتَدَّةِ) هل هما سواءٌ؟ (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) عبد الله ﵄ فيما أخرجَه ابنُ أبي شيبة (وَالزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ فيما أخرجه عبد الرَّزَّاق (وَإِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ فيما أخرجه عبد الرَّزَّاق أيضًا: (تُقْتَلُ) المرأة (المُرْتَدَّةُ) إن لم تتُب، وعن ابن عباس ﵄ فيما رواه أبو حنيفة عن عاصم عن أبي رَزِين عنه (٤): لا تقتل النِّساء إذا هنَّ ارتددْنَ، أخرجَه ابنُ أبي شيبة والدَّارقطنيُّ، وخالفه جماعةٌ من الحفَّاظ في لفظ المتن، وأخرج الدَّارقطنيُّ
стр. 11986
من طُرُق عن ابنِ المنكدر عن جابرٍ: أنَّ امرأةً ارتدَّت فأمرَ النَّبيُّ ﷺ بقتلها. قال في «الفتح»: وهو يعكِّرُ على ما نقلَه ابن الطَّلاع في «الأحكام» أنَّه لم يُنقل عنه ﷺ أنَّه قتلَ مرتدَّة (وَاسْتِتَابَتِهِمْ) كذا ذكرَهُ بعد الآثارَ المذكورةِ، وقدَّم ذلك في رواية أبي ذرٍّ على ذكر الآثارِ، وللقابسيِّ: «واستتابتهما» بالتَّثنية، وهو أوجه، ووجه الجمع قال في «فتح الباري»: على إرادةِ الجنسِ. وتعقَّبه العينيُّ فقال: ليس بشيءٍ بل هو على (١) قولِ من يَرى إطلاقَ الجمعِ على التَّثنية.
(وَقَالَ اللهُ تَعَالَى) في سورة آل عمران: (﴿كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾) استبعادٌ لأن يَهْديهم اللهُ، فإنَّ الحائدَ عن الحقِّ -بعد ما وضحَ (٢) له- منهمكٌ في الضَّلال، بعيدٌ عن الرَّشاد، وقيل: نفيٌ وإنكارٌ له، وذلك يقتضِي أنْ لا تقبلَ توبةُ المرتدِّ، والآيةُ نزلتْ في رهطٍ أسلموا ثمَّ رجعوا عن الإسلام ولحقوا بمكَّة.
وعن ابن عبَّاسٍ ﵄ كان رجلٌ من الأنصار أسلمَ، ثمَّ ارتدَّ، ثمَّ ندم، فأرسل إلى قومِه فقالوا: يا رسولَ الله هل له من توبةٍ؟ فنزلت (٣): ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْمًا﴾ إلى قولهِ: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ﴾ فأسلمَ، رواه النَّسائيُّ وصحَّحه ابن حبَّان (٤)، والواو في قولهِ تعالى: (﴿وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾) للحال، و «قد» مُضْمرة، أي: كفروا وقد شهدوا أنَّ الرَّسول، أي: محمَّدًا ﷺ حقٌّ، أو للعطف على ما في إيمانهم من مَعنى الفعلِ؛ لأنَّ مَعناه بعد أن آمنوا (﴿وَجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾) أي: الشَّواهد كالقرآن وسائرِ المعجزات (﴿وَاللّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾) ما دَاموا مختارين الكفرَ، أو لا يَهديهم طريقَ الجنَّة إذا ماتوا على الكفرِ (﴿أُوْلَئِكَ﴾) مبتدأ (﴿جَزَآؤُهُمْ﴾) مبتدأ ثانٍ خبرُه (﴿أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللّهِ﴾) وهما خبر ﴿أُوْلَئِكَ﴾ أو جزاؤهم بدل اشتمال من أولئك (﴿وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. خَالِدِينَ﴾) حال من الهاء والميم في ﴿عَلَيْهِمْ﴾ (﴿فِيهَا﴾) في اللَّعنة، أو في (٥) العقوبةِ، أو النَّار، وإن لم يَجْر ذكرهما لدَلالة الكلامِ عليهما، وهو يدلُّ بمنطوقهِ على جوازِ لعنهِم، وبمفهومهِ ينفي جوازَ لعن غيرهم، ولعلَّ الفرق أنَّهم مطبوعون على الكفرِ، ممنوعون
стр. 11987
من (١) الهدى، مأيوسون عن (٢) الرَّحمة بخلاف غيرهم، والمراد بالناس: المؤمنون أو العموم، فإنَّ الكافر أيضًا يلعنُ منكرَ الحقِّ والمرتدَّ عنه، ولكن لا يعرف الحقَّ بعينه، قاله القاضي (﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ. إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾) الارتداد (﴿وَأَصْلَحُواْ﴾) ما أفسدوا، أو دخلوا في الصَّلاح (﴿فَإِنَّ الله غَفُورٌ﴾) لكفرهِم (﴿رَّحِيمٌ﴾) بهم (﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾) بعيسى والإنجيل (﴿بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾) بموسى والتَّوراة (﴿ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا﴾) بمحمَّدٍ والقرآن، أو كفروا بمحمَّدٍ بعدما كانوا به مؤمنين قبل مبعثهِ، ثمَّ ازدادوا كفرًا بإصرارهم على ذلك، وطعنهم فيه في كلِّ وقتٍ، أو نزلتْ في الَّذين ارتدُّوا ولحقوا بمكَّة، وازديادهم الكفرَ أن قالوا: نُقيم بمكَّة نتربَّص بمحمَّدٍ ريبَ المنون (﴿لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾) إيمانهم؛ لأنَّهم لا يتوبون، أو لا يتوبون (٣) إلَّا إذا أشرفُوا على الهلاكِ، فكنَّى عن عدمِ توبتِهم بعدمِ قبولها (﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ﴾ [آل عمران: ٨٦ - ٩٠]) الثَّابتون على الضَّلال (٤)، وسقط لأبي ذرٍّ من قولهِ «﴿وَجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾» إلى آخر قولهِ: «﴿الضَّآلُّونَ﴾» وقال بعد قولهِ: ﴿حَقٌّ﴾: «إلى قولهِ: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾».
(وَقَالَ) جلَّ وعلا: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ﴾) التَّوراة (﴿يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾) بمحمَّدٍ ﷺ (﴿كَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٠]) وفيها إشارةٌ إلى التَّحذير عن مصادقةِ أهل الكتاب؛ إذْ لا يُؤمَنون أن يَفْتنوا من صَادَقَهم عن دينهِ.
(وَقَالَ) تعالى: (﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾) بموسى (﴿ثُمَّ كَفَرُواْ﴾) حين عبدوا العجل (﴿ثُمَّ آمَنُواْ﴾) بموسى بعد عوده (﴿ثُمَّ كَفَرُواْ﴾) بعيسى (﴿ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا﴾) بكفرهم بمحمَّدٍ ﷺ (﴿لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٣٧]) إلى النَّجاة، أو إلى الجنَّةٍ، أو هم المنافقون آمنوا في الظَّاهر وكفروا في السِّرِّ مرَّةً بعد أُخرى، وازديادُ الكفر منهم ثباتهُم عليه إلى (٥) الموت، وسقط من قولهِ «﴿ثُمَّ آمَنُواْ﴾ … » إلى آخر الآية. وقال بعد ﴿ثُمَّ كَفَرُواْ﴾: «إلى ﴿سَبِيلاً﴾».
стр. 11988
(وَقَالَ) تعالى: (﴿مَن يَرْتَدَّ﴾) بتشديد الدال بالإدغام تخفيفًا، ولأبي ذرٍّ: «﴿مَن يَرْتَدد﴾» بالإظهار على الأصلِ، وامتنع الإدغام للجزم، وهي قراءة نافع وابن عامر (﴿مِنكُمْ عَن دِينِهِ﴾) من يرجعُ منكم عن دينِ الإسلامِ إلى ما كانَ عليه من الكفرِ (﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾) قيل: هم أهلُ اليمن، وقيل: همْ أهل (١) الفُرس. وقيل: الَّذين جاهدوا يوم القادسيَّة، والرَّاجع من الجزاء إلى الاسم المتضمِّن لمعنى الشَّرط محذوفٌ، أي: فسوفَ يأتي الله بقومٍ مَكانهم، ومحبَّة الله تعالى للعبادِ إرادة الهدى والتَّوفيق لهم في الدُّنيا، وحُسن الثَّواب في الآخرة، ومحبَّةُ العبادِ له إرادة طاعتهِ والتَّحرُّز عن (٢) معاصيه (﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾) عاطفين عليهم متذللِّين لهم، جمع ذليلٍ، واستعمالُه مع «على» إمَّا لتضمين معنى العطف والحنوِّ، أو التَّنبيه على أنَّهم مع علوِّ طبقتِهم وفضلِهم على المؤمنين خافضون لهم (﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]) أشدَّاء عليهم، فهم على المؤمنين كالولدِ لوالدِه والعبد لسيِّده، ومع الكافرين كالسَّبع على فريستهِ، وسقطَ لأبي ذرٍّ من قولهِ «﴿أَذِلَّةٍ﴾ … » إلى آخر الآية.
(﴿وَلَكِن﴾) ولأبي ذرٍّ: «وقال» أي: الله جلَّ وعلا: «﴿وَلَكِن﴾» (﴿مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾) طابَ به نفسًا واعتقدَه (﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾) إذ لا أعظم من جُرمه (﴿ذَلِكَ﴾) أي: الوعيد، وهو لحوقُ الغضبِ والعذابِ العظيم (﴿بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ﴾) آثروا (﴿الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ﴾) أي: بسببِ إيثارهِم الدُّنيا على الآخرة (﴿وَأَنَّ اللّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾) ما دَاموا مختارين للكفرِ (٣) (﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾) فلا يتدبَّرون ولا يُصغون إلى المواعظِ، ولا يبصرون طريقَ (٤) الرَّشاد (﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾) الكاملون في الغفلة؛ لأنَّ الغفلة عن تدبُّر العواقبِ هي غايةُ الغفلةِ ومُنتهاها (﴿لَا جَرَمَ﴾ يَقُولُ حقًّا ﴿أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرونَ﴾) إذ ضيَّعوا أعمارَهم وصرفوها فيما أفضَى بهم إلى العذابِ المخلَّد (إِلَى قولهِ: ثمَّ ﴿رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا﴾) من بعد الأفعالِ المذكورة قبلُ، وهي الهجرةُ والجهادُ والصَّبر (﴿لَغَفُورٌ﴾) لهم ما كانَ منهم من التَّكلُّم بكلمةِ
стр. 11989
الكفرِ تقيَّة (﴿رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦ - ١١٠]) لا يعذِّبهم على ما قالوا (١) في حالةِ الإكراهِ، وسقط لأبي ذرٍّ «﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾» إلى آخر (٢) «﴿لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾».
(﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ﴾) إلى الكفر، و ﴿حَتَّىَ﴾ معناها التَّعليل نحو: فلانٌ يعبدُ الله حتَّى يدخل الجنَّة، أي: يقاتلونكُم كي يردُّوكم، وقولهُ: (﴿إِنِ اسْتَطَاعُواْ﴾) استبعادٌ لاستطاعتِهم (﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ﴾) ومَن يرجعُ عن دينهِ (٣) إلى دينهم (﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾) أي: فيمتْ على الرِّدَّة (﴿فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾) لما يفوتهمْ بالرِّدَّة ممَّا للمسلمين في الدُّنيا من ثمراتِ الإسلامِ، وفي الآخرةِ من الثَّواب وحُسن المآب (﴿وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧]) كسائر الكفرةِ، واحتجَّ إمامنا الشَّافعيُّ بالتَّقييد في الرِّدَّة بالموتِ عليها أنَّ الرِّدَّة لا تحبطُ العمل إلَّا بالموت عليها. وقال الحنفيَّة: قد علَّق الحَبَط بنفس الرِّدَّة بقولهِ: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥] والأصل عندنا أنَّ المطلق لا يحملُ على المقيَّد، وعند الشَّافعيِّ: يحملُ عليه، وسقط لأبي ذرٍّ من قولهِ «﴿وَمَن يَرْتَدِدْ (٤)﴾» وقال بعد قولهِ: ﴿وَالآخِرَةِ﴾: «إلى قولهِ: ﴿وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾».
٦٩٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ مُحَمَّدُ بْنُ الفَضْلِ) قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانِيِّ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاس أنَّه (قَالَ: أُتِيَ) بضم الهمزة وكسر الفوقيَّة (عَلِيٌّ) هو ابنُ أبي طالبٍ (¬﵁ بِزَنَادِقَةٍ) بفتح الزاي، جمع: زِندِيق -بكسرها-، وهو المبطنُ للكفر المظهرُ للإسلام، كما قاله النَّوويُّ والرَّافعيُّ في «كتاب الرِّدَّة» وبابي (٥) صفة الأئمَّة والفرائض، أو من
стр. 11990
لا ينتحلُ دينًا، كما قالاه (١) في اللِّعان، وصوَّبه في «المهمَّات»، وقيل: إنَّهم طائفةٌ من الرَّوافض تُدعى السَّبئيَّة ادَّعوا أنَّ عليًّا ﵁ إلهٌ، وكان رئيسهم عبدُ الله بن سَبأ -بفتح السين المهملة وتخفيف الموحدة- وكان أصلُه يهوديًا (فَأَحْرَقَهُمْ) وعند الإسماعيليِّ من حديث عكرمة: أنَّ عليًّا أُتي بقومٍ قد ارتدُّوا عن الإسلام، أو قال: بزنادقةٍ ومعهم كتبٌ لهم، فأمر بنارٍ فأنضِجتْ ورَماهم فيها (فَبَلَغَ ذَلِكَ) الإحراق (ابْنَ عَبَّاسٍ) وكان إذ ذاك أميرًا على البصرةِ من قبل عليٍّ ﵃ (فَقَالَ: لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحْرِقْهُمْ لِنَهْيِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) عن القتل بالنَّار بقولهِ: (لا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللهِ) وسقط «لا تعذِّبُوا بعذابِ الله» لغير أبي ذرٍّ، وفي حديثِ ابن مسعودٍ عند أبي داود في قصَّةٍ أخرى أنَّه: «لا يُعذِّبُ بالنَّار إلَّا ربُّ النَّار»، وقول ابن عبَّاس هذا يحتملُ (٢) أن يكون ممَّا سمعَه من النَّبيِّ ﷺ أو من بعضِ (٣) الصَّحابة (وَلَقَتَلْتُهُمْ لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ) و «مَنْ» عامٌّ، يُخصُّ منه مَن بدَّل دينَه في الباطنِ ولم يثبتْ ذلك عليه في الظَّاهر، فإنَّه يجرِي عليه أحكامُ الظَّاهر، ويُستثنى منه من بدَّل دينه في الظَّاهر لكن مع الإكراه، واستُدلَّ به على قتلِ المرتدَّة كالمرتدِّ، وخصَّه الحنفيَّة بالذَّكَر للنَّهي عن قتلِ النِّساء، وبأنَّ «من» الشَّرطيَّة لا تعمُّ المؤنَّث.
وأُجيب بأنَّ ابن عبَّاس راوي الحديث، وقد قال بقتلِ المرتدَّة، وقتلَ أبو بكرٍ في خلافتهِ امرأةً ارتدَّت والصَّحابة مُتوافرون، فلم ينكرْ ذلك عليه أحدٌ، وفي حديث معاذٍ لمَّا بعثه النَّبيُّ ﷺ قال: «وأيُّما رجلٍ ارتدَّ عن الإسلامِ فادْعُه فإن عادَ وإلَّا فاضْرِب عنقَه، وأيُّما امرأةٍ ارتدَّتْ عن الإسلامِ فادْعُها فإن عادتْ وإلَّا فاضربْ عنقها».
قال في «الفتح»: وسندهُ حسنٌ، وهو نصٌّ في موضع النِّزاع، فيجب المصيرُ إليه، واستدلَّ به على قتلِ الزِّنديق من غيرِ استتابةٍ، وأُجيب بأنَّ في بعض طرقِ الحديث أنَّ عليًّا استتابَهُم، وقد قال الشَّافعيُّ ﵀: يُستتاب الزِّنديق، كما يستتاب المرتدُّ.
واحتجَّ من قال بالأوَّل بأنَّ توبة الزِّنديق لا تُعرف.
والحديث سبق في «الجهاد» [خ¦٣٠١٧].
стр. 11991
٦٩٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو: ابنُ مُسَرْهد قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيد القطَّان (عَنْ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ) بضم القاف وتشديد الراء، السَّدوسيِّ أنَّه قَالَ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ) بضم الحاء المهملة وفتح الميم، العدويُّ، أبو نصر البصريُّ الثِّقةُ العالم قال: (حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ) بضم الموحدة وسكون الراء، عامر أو الحارث (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبدِ الله بن قيس الأشعريِّ ﵁ أنَّه (قَالَ: أَقْبَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَمَعِي رَجُلَانِ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ) وفي مسلم: رجلانِ من بني عمِّي (أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِي، وَالآخَرُ عَنْ يَسَارِي، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْتَاكُ، فَكِلَاهُمَا) أي: كلا الرَّجلين (سَأَلَ) بحذفِ المسؤول، ولمسلم: أمِّرْنَا على بعضِ ما ولَّاك (١) الله (فَقَالَ) ﷺ : (يَا أَبَا مُوسَى -أَوْ:) قال: (يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ-) بالشَّكِّ من الرَّاوي بأيِّهما خاطبه، وعند أبي داود عن أحمدَ بن حنبل ومسدَّد كلاهما عن يحيى القطَّان بسندهِ فيه: فقال: ما تقولُ يا أبا موسى. فذكرَ ما لم يذكرهُ من القولِ في رواية البابِ (قَالَ) أبو موسى: (قُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا أَطْلَعَانِي عَلَى مَا فِي أَنْفُسِهِمَا) أي: داعيةَ الاستعمال (وَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُمَا يَطْلُبَانِ العَمَلَ فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى سِوَاكِهِ) ﷺ (تَحْتِ شَفَتِهِ قَلَصَتْ) بفتح القاف واللَّام المخففة والصاد المهملة، انزوَتْ أو ارتفعت (فَقَالَ) ﵊ (لَنْ -أَوْ: لَا- نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ) والشَّكُّ من الرَّاوي، وعند الإمامِ أحمد: قال: «إنَّ أخونَكُم عندنَا من يَطلبُهُ» (وَلَكِنِ اذْهَبْ أَنْتَ يَا أَبَا مُوسَى -أَوْ:) قال: (يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ- إِلَى اليَمَنِ) أي: عاملًا عليها
стр. 11992
(ثُمَّ أَتْبَعَهُ) بهمزة ففوقية ساكنة ثمَّ موحدة مفتوحة (مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ) بالنَّصب على المفعوليَّة، أي بعثه بعده، وظاهره: أنَّه ألحقَه به بعدَ أن توجَّه، وفي نسخة: «ثمَّ اتَّبَعَه» بهمزة وصلٍ وتشديد الفوقيَّة «معاذُ بنُ جبل» بالرفع على الفاعليَّة (فَلَمَّا قَدِمَ) معاذٌ (عَلَيْهِ) على أبي موسى (أَلْقَى لَهُ وِسَادَةً) كما هي عادتهم أنَّهم إذا أرادوا إكرامَ رجلٍ وضعوا الوسادة (١) تحتهُ مبالغةً في الإكرامِ (قَالَ: انْزِلْ) فاجلسْ على الوسادةِ (وَإِذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ) قال في «الفتح»: لم أقفْ على اسمهِ (مُوْثَقٌ) بضم الميم وسكون الواو وفتح المثلثة، مربوطٌ بقيدٍ (قَالَ) معاذٌ لأبي موسى: (مَا هَذَا) الرَّجل الموثق؟ (قَالَ: كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ، ثُمَّ تَهَوَّدَ) وعند الطَّبرانيِّ عن معاذ وأبي موسى: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمرَهُما أن يعلِّما النَّاس، فزار معاذٌ أبا موسى فإذا عندَه رجلٌ موثقٌ بالحديدِ، فقال: يا أخِي أبُعِثتَ تُعذِّب النَّاسَ؟ إنَّما بُعثنَا نعلِّمهم دينَهم ونأمرهم بما ينفعُهم فقال: إنَّه أسلم ثمَّ كفرَ، فقال: والَّذي بعثَ محمدًا بالحقِّ لا أبرحُ حتَّى أَحْرِقهُ بالنَّار (قَالَ) أبو موسى لمعاذ: (اجْلِسْ قَالَ: لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ) هذا (قَضَاءُ اللهِ وَ) قضاء (رَسُولِهِ) ﷺ ، أي: حكمهما أنَّ من رجع عن دينهِ وجب قتلهُ. قال معاذ ذلك (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) وعند أبي داود: أنَّهما كرَّرا القولَ، أبو موسى يقول: اجلسْ، ومعاذٌ يقول: لا أجلسُ.
قال في «الفتح»: فعلى هذا فقوله: «ثلاثَ مرَّاتٍ» من كلام الرَّاوي لا تتمَّةَ كلامِ (٢) مُعَاذ (فَأَمَرَ بِهِ) أبو موسى (فَقُتِلَ) وأخرج أبو داود من طريق طلحةَ بنِ يحيى، وبُريد بن عبد الله كلاهُما عن أبي بُرْدة عن أبي موسى قال: قدِم عليَّ معاذٌ … فذكر الحديث، وفيه: فقال: لا أنزلُ عن دابَّتي حتَّى يُقتلَ فقُتلَ. قال أحدُهما: وكان قد استُتيبَ قبل ذلك (ثُمَّ تَذَاكَرَا) معاذٌ وأبو موسى (قِيَامَ اللَّيْلِ) وفي رواية سعيد بن أبي بُرْدة [خ¦٤٣٤٤] فقال: كيف تقرأ القرآن، أي: في صلاة اللَّيل؟ (فَقَالَ أَحَدُهُمَا) وهو معاذ: (أَمَّا أَنَا) بتشديد الميم (فَأَقُومُ) أصلِّي متهجِّدًا (وَأَنَامُ وَأَرْجُو) الأجرَ (فِي نَوْمَتِي) أي: لترويحِ نفسه بالنَّوم؛ ليكون أنشطَ له عند القيام (مَا) أي: الَّذي (أَرْجُو) من الأجرِ (فِي قَوْمَتِي) بفتح القاف وسكون الواو، أي: قيامي باللَّيل.
وفي الحديث كراهة سؤال الإمارةِ، والحرص عليها، ومنع الحريصِ منها؛ لأنَّ فيه تُهْمة،
стр. 11993
و (١) يوكلُ إليها، ولا يُعان عليها، فينجرُّ إلى تضييعِ الحقوقِ لعجزه، وفيه إكرامُ الضَّيف وغير ذلك ممَّا يظهر بالتَّأمُّل.
والحديث سبقَ مختصرًا ومطوَّلًا في «الإجارة» [خ¦٢٢٦١] ويجيء إن شاء الله تعالى في الأحكام [خ¦٧١٤٩] [خ¦٧١٥٧] بعون الله وقوَّته.
(٣) (باب قَتْلِ مَنْ أَبَى قَبُولَ الفَرَائِضِ) أي: امتنعَ من التزامِ الأحكام الواجبة والعمل بها (وَمَا) مصدريَّة (نُسِبُوا) بضم النون وكسر السين، ونسبتهم (إِلَى الرِّدَّةِ) وقال الكِرْمانيُّ وتبعه البَرْماويُّ: «ما» نافيةٌ.
وقال العينيُّ: الأظهرُ أنَّها موصولةٌ، والتَّقدير: وقتل الَّذين نسبُوا إلى الرِّدَّة.
٦٩٢٤ - ٦٩٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو: يحيى بنُ عبد الله بن بُكَير -بضم الموحدة وفتح الكاف- المخزوميُّ مَولاهم المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين وفتح القاف، ابن خالدِ بن عَقيل -بفتح العين- الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي (٢)) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين (بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعودٍ (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: لَمَّا تُوُفِي النَّبِيُّ) ولأبي ذرٍّ: «نبيُّ الله» (¬ ﷺ وَاسْتُخْلِفَ) بضم الفوقية مبنيًّا للمفعول (أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ (وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ العَرَبِ) وفي حديث أنسٍ عند
стр. 11994
ابن خُزيمة: لمَّا توفِّي رسولُ الله ﷺ ارتدَّ عامَّةُ العرب.
قال في «شرح المشكاة»: يريد غطفانَ وفَزَارة، وبني سَليم وبني يَرْبوع وبعض بني تميم وغيرهم، فمنعوا الزَّكاة فأراد أبو بكرٍ أن يُقاتلهم (قَالَ عُمَرُ) بن الخطاب ﵁: (يَا أَبَا بَكْرٍ كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ؟ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ : أُمِرْتُ) بضم الهمزة وكسر الميم (أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) وفي رواية العلاء بن عبد الرَّحمن -عند مسلم-: حتَّى يشهدوا أنْ لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئتُ به (فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، عَصَمَ) ولأبي ذرٍّ: «فقد عصَمَ» (مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ) فلا يجوزُ هدرُ دمهِ، واستباحةُ ماله بسببٍ من الأسبابِ (إِلَّا بِحَقِّهِ) إلَّا بحقِّ الإسلام من قتلِ نفسٍ محرَّمةِ، أو تركِ صلاةٍ، أو منع زكاةٍ بتأويلٍ باطلٍ (وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ) فتتركُ مقاتلته، ولا يفتَّشُ باطنه هل هو مخلِصٌ أم لا؟ فإنَّ ذلك إلى اللهِ وحسابهُ عليه.
(قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ) بتشديد الراء وتخفَّف (بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ) بأن أقرَّ بالصَّلاة وأنكر الزَّكاة جاحدًا، أو مانعًا مع الاعتراف، وإنَّما أطلقَ في أوَّل الحديثِ الكفر ليشمل الصِّنفين، وإنَّما قاتلهم الصِّدِّيق ولم يعذرْهم بالجهلِ؛ لأنَّهم نصبوا القتالَ، فجهَّز إليهم من دَعاهم إلى الرُّجوع، فلمَّا أصرُّوا قاتلهم.
وقال المازريُّ: ظاهر السِّياق أنَّ عُمر كان موافقًا على قتالِ من جحد الصَّلاة فألزمه الصِّدِّيق بمثله في الزَّكاة لورودِهما في الكتابِ والحديث موردًا واحدًا، ثمَّ استدلَّ أبو بكر ﵁ لمنع التَّفرقة الَّتي ذكرها بقولهِ: (فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ) كما أنَّ الصَّلاة حقُّ النَّفس، فمَن صلَّى عصمَ نفسه، ومن زكَّى عصمَ مالهُ.
قال الطِّيبيُّ: هذا الردُّ يدلُّ على أنَّ عمر ﵁ حمل الحقَّ في قولهِ: «عصَمَ منِّي مالَهُ ونفسَهُ إلَّا بحقِّه» على غير الزَّكاة، وإلَّا لم يستقمْ (١) استشهادُه بالحديث على منعِ المقاتلة، ولا ردّ أبي بكر ﵁ بقولهِ: فإنَّ الزَّكاة حقُّ المال.
(وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا) بفتح العين، الأنثى من ولدِ المعزِ، وفي رواية ذكرها أبو عُبيد: لو منعوني جديًا أذوط. وهو الصَّغير الفكِّ والذَّقَن، وهو يؤيِّد أنَّ الرِّواية: «عناقًا» فرواية:
стр. 11995
«عقالًا» المرويَّة في مسلم وهمٌ كما قال (١) بعضُهم. قيل: وإنَّما ذكر العَناقَ مبالغة في التَّقليل لا العَناق نفسها، لكن قال النَّوويُّ: إنَّها كانت صغارًا فماتتْ أمَّهاتها في بعضِ الحول، فتزكَّى بحولِ أمّهاتها، ولو لم يبق من الأمَّهات شيءٌ على الصَّحيح، ويتصوّر (٢) فيما إذا مات معظمُ الكبارِ وحدثَ صغارٌ، فحالَ الحولُ في الكبار على بقيَّتها وعلى الصِّغار (كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا (٣). قَالَ عُمَرُ) ﵁: (فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ أَنْ قَدْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ فَعَرَفْتُ) من صحَّة احتجاجه (أَنَّهُ الحَقُّ) لا أنَّه قلَّده في ذلك؛ لأنَّ المجتهد لا يقلِّد مجتهدًا، والمستثنى منه في قولهِ: «ما هو إلَّا أنْ رأيت» غير مذكورٍ، أي: ليس الأمر شيئًا إلَّا علمي بأنَّ أبا بكر مُحقٌّ، وهو نحو قولهِ تعالى: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الجاثية: ٢٤] «هي» ضميرٌ مبهم يفسِّره ما بعده.
والحديث سبق في «الزَّكاة» [خ¦١٤٠٠].
(٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (إِذَا عَرَّضَ الذِّمِّيُّ) اليهوديُّ أو النَّصرانيُّ (وَغَيْرُهُ) أي: غير الذِّميِّ كالمعاهد ومن يُظهر إسلامه، و «عرَّض» -بتشديد الراء-، أي: كنَّى ولم يُصرِّح (بِسَبِّ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أي: بتنقيصِهِ (وَلَمْ يُصَرِّحْ) بذلك وهو تأكيدٌ؛ إذ التَّعريضُ خلاف التَّصريح (نَحْوَ قولهِ: السَّامُ عَلَيْكَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «عليكم» بالجمعِ. واعتُرضَ بأنَّ هذا اللَّفظ ليس فيه تعريضٌ بالسَّبِّ، فلا مُطابقة بينه وبين التَّرجمةِ.
وأُجيب بأنَّه أَطلق التَّعريض على ما يُخالفُ التَّصريح ولم يردِ التَّعريض المصطلح، وهو أن يستعمل اللَّفظ في حقيقتهِ يُلوِّح به إلى مَعنًى آخر يقصدُه (٤).
стр. 11996
٦٩٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ) الكسائيُّ نزيل بغداد ثمَّ مكَّة قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَنَسٍ) ولغير أبي ذرٍّ زيادة: «ابن مالك» (قَالَ: سَمِعْتُ) جدِّي (أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁ (يَقُولُ: مَرَّ يَهُودِيٌّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: السَّامُ) بألف بعد المهملة من غير همزٍ، أي: الموتُ (عَلَيْكَ) بالإفراد اتفاقًا من رواة أنس (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (١): وَعَلَيْكَ) بالإفراد (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (٢): أَتَدْرُونَ مَا يَقُولُ؟) ولأبي ذرٍّ: «ماذا يقول» (قَالَ: السَّامُ عَلَيْكَ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَا) بالتخفيف (نَقْتُلُهُ؟ قَالَ: لَا) تقتلُوه (إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الكِتَابِ فَقُولُوا) لهم: (وَعَلَيْكُمْ) أي: ما تستحقونَه من اللَّعن والعذابِ، قيل: وإنَّما لم يقتلْه؛ لأنَّه لم يحملْ ذلك على السَّبِّ بل على الدُّعاء بالموتِ الَّذي لا بدَّ منه، ومن ثمَّ قال في الرَّدِّ عليه: «وعليك» أي: الموت نازلٌ عليَّ وعليك، فلا معنى للدُّعاء به، وليس ذلك بصريحٍ في السَّبِّ.
والحديث أخرجه النَّسائيُّ في «اليوم واللَّيلة».
٦٩٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) بضم النون، الفضلُ بن دُكين (عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ) سفيان (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بن مسلم (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتِ: اسْتَأْذَنَ رَهْطٌ) دون (٣) العشرة من الرِّجال، لا واحد له من لفظهِ (مِنَ اليَهُودِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «عليكم» (فَقُلْتُ: بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ) والسَّامُّ الموت كما مرَّ، وألفُه منقلبَةٌ عن ياء، فإن كان عربيًّا فهو من سَامَ يَسُوم إذا
стр. 11997
مَضى؛ لأنَّ الموت مضيٌّ (فَقَالَ) النَّبيُّ ﷺ : (يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ) قالت عائشةُ ﵂: (قُلْتُ): يا رسول الله (أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟) بواو العطف المسبوقةِ بهمزةِ الاستفهام (قَالَ) ﷺ : قد (قُلْتُ) لهم: (وَعَلَيْكُمْ) بإثبات الواو، وكذا في أكثرِ الرِّوايات، والمعنى: قالوا: عليكَ الموتُ، فقال ﷺ : وعليكم أيضًا، أي: نحن وأنتم فيه سواءٌ كلُّنا نموت، أو الواو هنا للاستئناف لا للعطفِ والتَّشريك.
أي: وعليكمْ ما تستحقُّونه من الذَّمِّ، واختارَ بعضُهم حذف الواو؛ لئلَّا يُفضي إلى التَّشريك وصوَّبه الخطَّابيُّ، وصوَّب النَّوويُّ جوازَ الحذفِ والإثبات كما صرَّحت به الرِّوايات. قال: وإثباتُها أجودُ؛ لأنَّ السَّامَّ الموتُ، وهو علينا وعليهم، فلا ضررَ فيه.
والحديث سبقَ في «باب الرِّفق في الأمر كلِّه» [خ¦٦٠٢٤]، وأخرجه مسلمٌ والتِّرمذيُّ في «الاستئذان»، والنَّسائيُّ في «التَّفسير»، وفي «اليوم واللَّيلة».
٦٩٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو: ابنُ مُسَرْهد قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان (عَنْ سُفْيَانَ) بن عُيينة (وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ) إمام دارِ الهجرة (قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) العدويُّ مولاهم، أبو عبد الرَّحمن (١) المدنيُّ، مولى ابن عمر أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ اليَهُودَ إِذَا سَلَّمُوا عَلَى أَحَدِكُمْ إِنَّمَا يَقُولُونَ: سَامٌ عَلَيْكَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «عليكم (٢)» بالجمع (فَقُلْ: عَلَيْكَ) بالإفراد للكُشمِيهنيِّ، ولغيره: «عليكم» بالجمع.
قال في «الكواكب»: فإن قلت: المقام يقتضِي أن يُقال: فليقلْ أمرًا غائبًا. قلتُ: «أحدكم»
стр. 11998
فيه معنى الخطاب لكلِّ أحدٍ، و «سامٌ» في هذا الطَّريق نكرةٌ، و «عليكم» بدون الواو، «فقل: عليك» بلفظ المفرد في الخطاب والجواب. انتهى.
وقد اختُلف هل (١) عدم قتلهِ ﷺ لمن صدرَ منه ذلك لعدم التَّصريح، أو لمصلحة التَّأليف؟ وعن بعض المالكيَّة: أنَّه إنَّما لم يقتلِ اليهود في هذه القصَّة؛ لأنَّهم لم تقمْ عليهم البيِّنة بذلك ولا أقرُّوا به، فلم يقضِ فيهم (٢) بعلمه، وقيل: إنَّهم لمَّا لم يُظهروه ولَوَوْه بألسنتِهم تركَ قتْلهم، وقيل: لأنَّه لم يحملْ ذلك على السَّبِّ بل على الدُّعاء بالموت، كما مرَّ [خ¦٦٩٢٦].
والحديث أخرجه النَّسائيُّ في «اليوم واللَّيلة».
(٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، بلا ترجمةٍ فهو كالفصلِ لسابقهِ.
٦٩٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصُ بن غياثٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بنُ مهران (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (شَقِيقٌ) أبو وائل بنُ سلمة (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعود ﵁: (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ) قيل: هو نوحٌ ﵊ (ضَرَبَهُ قَوْمُهُ) الَّذين أُرسل إليهم (فَأَدْمَوْهُ) أي: جرحُوه بحيث جَرى الدَّم (فَهْوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ) وفي رواية عبد الله بنِ نُمير عن الأعمش -عند مسلم في هذا الحديث-: «عن جبينه» (وَيَقُولُ: رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي) أضافهم إليه شفقةً ورحمةً بهم، ثمَّ اعتذرَ عنهم بجهلِهم، فقال: (فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) وعند ابنِ عساكرَ في «تاريخه» من رواية يعقوبَ بن عبد الله الأشعريِّ عن الأعمش عن مجاهدٍ عن عُبيد بن عُمير قال: إن كان نوحٌ ليضربه قومُه حتَّى يُغمى عليه، ثمَّ يفيقُ فيقول: اهدِ قَومي فإنَّهم لا يعلمون.
стр. 11999
وقال القرطبيُّ: إنَّ النَّبيَّ ﷺ هو الحاكِي والمحكِيّ عنه، وكأنَّه أوحِي إليه بذلك قبل قضيَّة يوم أحدٍ ولم يعيّن له ذلك، فلما وقعَ تعيَّنَ أنَّه المعنيُّ بذلك، وسبقَ في «غزوة أحدٍ» [خ¦٤٠٧٥] وقوعُ ذلك لنبيِّنا ﷺ .
وعند الإمام أحمد من رواية عاصمٍ عن أبي وائلٍ عن ابنِ مسعود أنَّه ﷺ قال نحو ذلك يوم حُنين لمَّا ازدحموا عليه عند قسمةِ الغنائم.
وأشار المؤلِّف بإيرادهِ حديث الباب إلى ترجيحِ القول بأنَّ تركَ قتل اليهوديِّ كان لمصلحةِ التَّأليف؛ لأنَّه إذا لم يُؤاخِذ الَّذي ضربَه حتَّى جرحَه بالدُّعاء عليه ليهلك بل صبرَ على أذاه، وزادَ فدعا له، فلأن يصبرَ على الأذى بالقولِ أولى، ويُؤخذ منه ترك القتلِ بالتَّعريض بطريقِ الأولى.
والحديث تقدَّم في «ذكر بني إسرائيل» من «أحاديثِ الأنبياء» بهذا السَّند [خ¦٣٤٧٧]، وأخرجه مسلمٌ في «المغازي» وابن ماجه في «الفتن» (١).
(٦) (باب قَتْلِ الخَوَارِجِ) الَّذين خرجوا عن الدِّين وعلى عليِّ بنِ أبي طالب ﵁، وذلك أنَّهم أنكروا عليه التَّحكيم الَّذي كان بينَه وبين معاوية ﵁ وكانوا ثمانية آلاف، وقيل: أكثر من عشرة آلاف، وفارقوه فأرسلَ إليهم أن يحضروا فامتنَعوا حتَّى يشهدَ على نفسه بالكفرِ لرضاه بالتَّحكيم، وأجمعوا على أنَّ من لا يعتقدُ مُعْتقدهم يكفرُ ويُباح دمُه ومالُه وأهلُه وانتقلوا إلى الفعلِ، فكانوا يقتلونَ من مرَّ بهم من المسلمين فقتلوا عبدَ الله بن الأرَتِّ، وبقروا بطنَ سُرِّيَّته، فخرج عليٌّ ﵁ عليهم فقتلَهم بالنَّهروان فلم يَنْجُ منهم إلَّا دون العشرةِ، ولم يُقتلْ ممَّن معه إلَّا دون العشرة، ثمَّ انضمَّ إليهم من مالَ إلى رأيهم، ولمَّا ولي عبد الله بن الزُّبير الخلافة ظهروا بالعراقِ مع نافع بنِ الأزرق، وباليمامةِ مع نجدةَ بن عامرٍ، فزادَ نجدةُ على مذهبهم أن من لم يخرجْ لمحاربة المسلمين فهو كافرٌ، وتوسَّعوا حتَّى أبطلوا رجمَ المحصن، وقطعوا يد السَّارق
стр. 12000
من الإبطِ، وأوجبوا الصَّلاة على الحائضِ في حال الحيض، ومنهم من أنكر الصَّلوات الخمس، وقال (١): الواجبُ صلاةٌ بالغداةِ وصلاةٌ بالعشيِّ، ومنهم من جوَّز نكاحَ بنتِ الابن والأخت، ومنهم من أنكرَ سورة يوسف من القرآن.
قال ابن العربيِّ: الخوارجُ صنفان: أحدهما: يزعم أنَّ عثمان وعليًّا وأصحاب (٢) الجملِ وصفِّين وكلَّ من رضِي بالتَّحكيم كفَّار، والصِّنف الآخرُ يزعم أنَّ كلَّ من أتى كبيرة فهو كافرٌ مخلَّدٌ في النَّار أبدًا.
(وَ) باب قتل (المُلْحِدِينَ) بضم الميم وسكون اللام بعدها حاء فدال مهملتان، العادلين عن الحقِّ المائلين إلى الباطلِ (بَعْدَ إِقَامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ) بإظهارِ بُطلان دَلائلهم (وَقَوْلُِ اللهِ تَعَالَى) بجرِّ «قول» عطفًا على المجرور السَّابق، وبالرَّفع على الاستئنافِ: (﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]) أي: ما أمرَ الله باتِّقائه واجتنابهِ ممَّا نهى عنه، وبيَّن أنَّه محظورٌ لا يُؤاخذ به عباده الَّذين هَداهم للإسلامِ، ولا يخذلهم إلَّا إذا أقدموا عليه بعد بيان حظرهِ عليهم (٣)، وعلمهم بأنَّه واجبُ الاجتناب، وأمَّا قبلَ العلم والبيان فلا.
قال في «الكشاف»: وفي هذه الآية شديدةٌ ما ينبغِي أن يُغفل عنها، وهي أنَّ المهدي للإسلام إذا أقدمَ على بعضِ محظوراتِ الله داخلٌ في حكمِ الإضلال، قال في «فتوح الغيب»: قولهُ: وفي هذه شديدةٌ، أي: خصلة أو بليَّة أو قارعة أو دَاهية، حذف الموصوف لشدَّة الأمر وفظاعتهِ، يعني: في الآية تهديدٌ عظيمٌ للعلماءِ الَّذين يقدمون على المناكيرِ على سبيلِ الإدماجِ، وتسميتِهم ضلَّالًا من باب (٤) التَّغليظ.
(وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) ﵄ (يَرَاهُمْ) أي: الخوارجَ (شِرَارَ خَلْقِ اللهِ) المسلمين (وَقَالَ: إِنَّهُمُ انْطَلَقُوا إِلَى آيَاتٍ نَزَلَتْ فِي الكُفَّارِ فَجَعَلُوهَا) أي: أوَّلوها (عَلَى المُؤْمِنِينَ) وصله الطَّبريُّ في «تهذيب الآثار» في مسند عليٍّ. وعند مسلم من حديث أبي ذرٍّ مرفوعًا على وصف الخوارج:
стр. 12001
«هم شرارُ الخلقِ والخليقةِ» وعند البزَّار بسندٍ حسنٍ عن عائشة ﵂ قالت: ذكرَ رسولُ الله ﷺ الخوارجَ فقال: «هم شرارُ أمَّتي يقتلُهم خيارُ أمَّتي».
٦٩٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) بكسر الغين المعجمة وتخفيف التحتية وبعد الألف مثلثة، قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفص قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان قال: (حَدَّثَنَا خَيْثَمَةُ) بفتح الخاء المعجمة وسكون التحتية بعدها مثلثة، ابن عبد الرَّحمن بن أبي سَبْرة -بفتح السين المهملة وسكون الموحدة- الجعفيُّ، لأبيه وجدِّه صُحبة، قال: (حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ) بفتح الغين المعجمة والفاء واللام، الجعفيُّ من كبارِ التَّابعين ومن المخضرمين عاش مئة وثلاثين سنة، وقيل: إنَّ له صُحبةً قال (١): (قَالَ عَلِيٌّ) أي: ابنُ أبي طالب (¬﵁: إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَدِيثًا فَوَاللهِ لَأَنْ أَخِرَّ) بفتح الهمزة وكسر الخاء المعجمة وتشديد الراء: أسقطَ (مِنَ السَّمَاءِ) أي: إلى الأرضِ، كما هو في رواية أبي معاوية والثَّوريِّ عند أحمد (أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكْذِبَ عَلَيْهِ) ﷺ (وَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ فَإِنَّ الحَرْبَ خَُِدْعَةٌ) بتثليث الخاء المعجمة، يجوز فيه التَّورية والكناية والتَّعريض بخلافِ التَّحديث عنه ﷺ ، فأوضحَ أنَّ عنده في هذه القصَّة نصًّا صريحًا خوف أن يظنَّ به أنَّ ذلك من باب التَّعريض والتَّورية (وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: سَيَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ) قال السَّفاقِسيُّ: أي: زمان الصَّحابة، وعورضَ بأنَّ آخر زمانهم كان على رأسِ المئة وهم قد خرجوا قبلُ بأكثرَ من ستِّين سنة، أو المراد آخر زمان خلافة النُّبوَّة؛ لحديث «السُّنن» عن سفينة (٢) مرفوعًا: «الخلافةُ بعدِي ثلاثون سنةً، ثمَّ تصير
стр. 12002
مُلكًا» وقصَّة الخوارج وقتلهم بالنَّهروان في أواخر سنة ثمان وعشرين (١) بعده ﷺ بدون الثَّلاثين بنحو سنتين، قاله الحافظُ ابن حجرٍ، وقال العينيُّ: إنْ قلنَا بتعدُّد خُروجهم فلا يحتاج لما ذكر. وفي رواية النَّسائيِّ من حديثِ أبي برزةَ (٢): «يخرجُ في آخر الزَّمان قومٌ» (حُدَّاثُ الأَسْنَانِ) بضم الحاء وتشديد الدال المهملتين وبعد الألف مثلثة، أي: شبَّان صغارُ السِّنِّ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «أحداثُ الأسنان» (سُفَهَاءُ الأَحْلَامِ) جمع: حِلم، بكسر الحاء المهملة: العقل، أي: عقولهم رديئة (يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ البَرِيَّةِ) بتشديد التحتية النَّاس. قيل: المراد من قول خير البريَّة، أي: النَّبيِّ ﷺ ، أو القرآن، فهو من باب المقلوب. وقال في «الكواكب»: أي: خيرُ أقوال النَّاس، أو خيرٌ من قول البريَّة، يعني: القرآن.
قال في «العمدة»: فعلى هذا ليس بمقلوب (٣)، والمراد: القولُ الحسن في الظَّاهر والباطن على خلاف ذلك. وفي حديث مسلمٍ عن عليٍّ (٤): «يقولون الحقَّ» (لَا يُجَاوِزُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «لا يجوز» (إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ) بفتح الحاء المهملة، جمع: حَنْجرة: الحُلقوم والبلعوم، أي: يؤمنون بالنُّطق لا بالقلبِ، وعند مسلم من رواية عبيدِ الله بنِ أبي رافع عن عليٍّ: «يقولون الحقَّ بألسنتِهم لا يجاوزُ هذا منهم» وأشار إلى حلقهِ (يَمْرُقُونَ) يخرجونَ (مِنَ الدِّينِ) وعند النَّسائيِّ: «من الإسلام»، وكذا عند المؤلِّف في «باب من راءى بالقرآن»، من طريق سفيان الثَّوريّ عن الأعمش [خ¦٥٠٥٧] (كَمَا يَمْرُقُ) يخرج (السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ) بفتح الراء وكسر الميم وتشديد التحتية، الشَّيء الَّذي يُرمى به، يعني: أنَّ دخولهم في الإسلامِ ثمَّ خُروجهم منه ولم يتمسَّكوا منه بشيءٍ كالسَّهم الَّذي دخلَ في الرَّميَّة، ثمَّ يخرجُ منها ولم يعلقْ به شيءٌ منها (فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ) ظرفٌ للأجرِ لا للقتلِ.
والحديث سبقَ في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٦١١] و «فضائل القرآن» [خ¦٥٠٥٧].
стр. 12003
٦٩٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العنَزيُّ -بفتح النون وبالزاي (١) - المعروفُ بالزَّمِن قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بن عبدِ المجيد الثَّقفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ) الأنصاريَّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) التَّيميُّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بنِ عبدِ الرَّحمن بنِ عوف (وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بالسين المهملة المخففة (أَنَّهُمَا أَتَيَا أَبَا سَعِيدٍ) سعدَ بن مالك (الخُدْرِيَّ) ﵁ (فَسَأَلَاهُ عَنِ الحَرُورِيَّةِ) بفتح الحاء المهملة وضم الراء الأولى، نسبة إلى حروراء قريةٌ بالكوفةِ، نسبةٌ على غيرِ قياسٍ، خرج منها نَجْدة -بفتح النون وسكون الجيم بعدها دال مهملة- وأصحابه على عليٍّ ﵁ وخالفوهُ في مقالاتٍ علميَّةٍ وعصوهُ وحاربوهُ (أَسَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ ؟) بهمزة الاستفهام الاستخباريِّ، أي: يذكرهُم كما في مسلمٍ، ففيه حذفُ المفعول المسموعِ (قَالَ) أبو سعيدٍ: (لَا أَدْرِي مَا الحَرُورِيَّةُ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: يَخْرُجُ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ) المحمَّديَّة (-وَلَمْ يَقُلْ مِنْهَا-) فيه ضبط للرِّواية، وتحريرٌ لمواقع الألفاظِ، وإشعارٌ بأنَّهم ليسوا من هذه الأمَّة، فظاهرُه أنَّه يرى إكفارَهم، لكن في مسلم من حديث أبي ذرٍّ: «سيكون بعدِي من أمَّتي قومٌ»، وعندَه من طريقِ زيد بنِ وهبٍ عن عليٍّ: «يخرج قومٌ من أمَّتي».
قال في «الفتح»: فيجمع بينه وبين حديثِ أبي سعيدٍ بأنَّ المراد في حديث أبي سعيد بالأمَّة (٢): أمَّةُ الإجابة، وفي غيره: أمَّة (٣) الدَّعوة (قَوْمٌ تَحْقِرُونَ) بفتح الفوقية وكسر القاف، أي: تستقلُّون
стр. 12004
(صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ) وعند الطَّبريِّ عن عاصم: أنَّه وصفَ أصحابَ نجدةَ الحروريِّ بأنَّهم يَصومون النَّهار ويقومون اللَّيل. وعند مسلمٍ من حديث عليٍّ: «ليستْ قراءتُكم إلى قراءتهِم شيئًا، ولا صَلاتكم إلى صلاتهم شيئًا» (يَقْرَؤُوْنَ القُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حُلُوقَهُمْ أَوْ حَنَاجِرَهُمْ) فلا تفقهه قلوبهم، ولا ينتفعونَ بما يتلونَه (١) منه، أو لا تصعدُ تلاوتُهم في جملة الكَلِم (٢) الطَّيِّب إلى الله تعالى (يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ) المحمَّديِّ (مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ) أي: الصَّيد الَّذي يُصاب (٣) بالسَّهم، فيدخل فيه ويخرجُ منه، فلا يعلقُ من جسد الصَّيد شيءٌ به لسرعةِ خروجهِ (فَيَنْظُرُ الرَّامِي إِلَى سَهْمِهِ إِلَى نَصْلِهِ) بدلٌ من سهمهِ، وهو حديدةُ السَّهم (إِلَى رِصَافِهِ) بكسر الراء بعدها صاد مهملة فألف ففاء فهاء، العصبُ الَّذي يكون فوق مَدخل النَّصل، أي: ينظرُ إليه جملةً وتفصيلًا، وعند الطَّبريِّ من روايةِ أبي ضمرة عن يحيى بن سعيدٍ: ينظرُ إلى سهمهِ فلا يَرى شيئًا، ثمَّ ينظرُ إلى نصلهِ، ثمَّ (٤) إلى رِصَافه (فَيَتَمَارَى) بفتح التحتية والراء، كذا في الفرع (٥)، يشُكُّ (فِي الفُوقَةِ) بضم الفاء وفتح القاف بينهما واو ساكنة، موضع الوتَرِ من السَّهم، ولأبي ذرٍّ: «فَيُتَمَارَى» بضم التحتية (هَلْ عَلِقَ) بكسر اللام (بِهَا مِنَ الدَّمِ شَيْءٌ) فكذلك قراءتهم لا يحصلُ لهم منها شيءٌ من الثَّواب لا أولًا ولا آخرًا ولا وسطًا؛ لأنَّهم تأوَّلوا القرآنَ على غيرِ الحقِّ، لكن قال ابنُ بطَّال: ذهبَ جمهورُ العلماء إلى (٦) أنَّ الخوارجَ غيرُ خارجين من جملةِ المسلمين لقولهِ: «فيُتمارى في الفُوقة»؛ لأنَّ التَّماري من الشَّكِّ، وإذا وقع الشَّكُّ في ذلك لم يُقطعْ عليهم بالخروج من الإسلام؛ لأنَّ من ثبتَ له عقْدُ الإسلامِ بيقينٍ لم يخرُج منه إلَّا بيقين. وتُعقِّب بأنَّ في بعضِ طُرِق الحديث المذكور: «لم يعلَقْ منه بشيءٍ»، وفي بعضِها [خ¦٣٦١٠] «سَبَقَ الفَرْثَ والدَّمَ»، ويجمع بينهما بأنَّه تردَّد هل في الفُوقةِ شيءٌ أو لا؟ ثمَّ تحقَّق أنَّه لم يعلقْ بالسَّهم ولا بشيءٍ منه من المرميِّ شيء.
стр. 12005
والحديث سبق في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٦١٠] و «الأدب» [خ¦٦١٦٣] و «فضائل القرآن» [خ¦٥٠٥٨].
٦٩٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانُ) أبو سعيد الجعفيُّ الكوفيُّ نزيل مصر قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (عُمَرُ) بضم العين، ابن محمد بن زيد بنِ عبد الله بنِ عمر بنِ الخطَّاب، وذكر أبو عليٍّ الجيانيُّ عن الأَصيليِّ قال: قرأه علينا أبو زيدٍ في عرضِهِ ببغداد: «عَمرو بن محمد» بفتح العين، وهو وهمٌ، والصَّواب ضمُّها كما مرَّ (أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄ (وَ) الحال أنَّه (ذَكَرَ الحَرُورِيَّةَ، فَقَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلَامِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ) فقوله: «وذكر الحروريَّة» جملةٌ حاليَّة تفيدُ أنَّه حدَّث بالحديثِ عند ذكر الحروريَّة، وساق هذا الحديث بعد حديث أبي سعيد إشارة إلى أنَّ توقُّفَ أبي سعيدٍ المذكور محمولٌ على أنَّه لم ينصَّ في الحديثِ المرفوعِ على تسميتِهم بخصوصِ هذا الاسمِ، لا أنَّ الحديث لم يردْ فيهم، قاله في «الفتح».
وفي الحديثِ: أنَّه لا يجوزُ قتالُ الخوارجِ وقتلهم إلَّا بعد إقامةِ الحجَّة عليهم بدعائهِم إلى الرُّجوع إلى الحقِّ والإعذارِ إليهم، وإلى ذلك أشار البخاريُّ في التَّرجمة بالآية المذكورة فيها، واستُدلَّ به لمن قال بتكفيرِ الخوارج، وهو مقتضى صنيع البخاريِّ في التَّرجمة حيثُ قرنهُم بالملحدِين، وأفرد عنهم (١) المتأوِّلين بترجمةٍ.
واستدلَّ القاضي أبو بكر ابن العربيِّ لتكفيرِهم بقولهِ في الحديث: «يمرقون من الإسلام» وبقولهِ: «أولئكَ هم شرارُ الخلقِ». وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين السُّبكيُّ في «فتاويه»: احتجَّ من كفَّر الخوارج وغلاة الرَّوافض بتكفيرِهم أعلامَ الصَّحابة؛ لتضمُّنه (٢) تكذيبَ النَّبيِّ ﷺ في شهادته لهم بالجنَّة، قال: وهو عندِي احتجاجٌ صحيحٌ، وذهب أكثرُ أهل الأصول من أهل السُّنَّة
стр. 12006
إلى أنَّ الخوارج فسَّاق، وأنَّ حكمَ الإسلام يجرِي عليهم لتلفُّظهم بالشَّهادتين ومواظبتِهم على أركان الإسلامِ، وإنَّما فسِّقوا بتكفيرهِم المسلمين مستندِين إلى تأويلٍ فاسدٍ، وجرَّهم ذلك إلى استباحةِ دماءِ مخالفيهِم وأموالهِم والشَّهادة عليهم بالكفرِ والشِّرك.
وقال القاضِي عياض: كادَتْ هذه المسألة أن تكون أشدَّ إشكالًا عند المتكلِّمين من غيرها حتَّى سأل الفقيهُ عبد الحقِّ الإمام أبا المعالي عنها، فاعتذرَ بأنَّ إدخالَ كافرٍ في الملَّةِ وإخراج مسلمٍ منها عظيمةٌ في الدِّين، قال (١): وقد توقَّف قبله القاضِي أبو بكر الباقلَّانيُّ وقال: لم يصرِّح القوم بالكفرِ، وإنَّما قالوا أقوالًا تؤدِّي إلى الكفر.
وقال (٢) الغزاليُّ في «كتاب التفرقة بين الإيمان والزَّندقة»: الَّذي ينبغِي الاحترازُ عن التَّكفير ما وجدَ إليه سبيلًا، فإنَّ استباحَةَ دماءِ المسلمين المصلِّين المقرِّين بالتَّوحيد خطأٌ، والخطأُ في ترك ألف كافرٍ في الحياةِ أهونُ من الخطأ في سفكِ دم مسلمٍ واحدٍ.
(٧) (باب مَنْ تَرَكَ قِتَالَ الخَوَارِجِ لِلتَّأَلُّفِ وَ) لأجلِ (أن لا يَنْفِرَ النَّاسُ عَنْهُ) بفتح التحتية وسكون النون وكسر الفاء، والضَّمير في «عنه» للتَّارك.
стр. 12007
٦٩٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ الجعفيُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو ابنُ يوسف الصَّنعانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بفتح الميمين بينهما عين ساكنة، ابنُ راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بنِ عبد الرَّحمنِ بنِ عوف (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعدِ بن مالكٍ الخدريِّ ﵁ أنَّه (قَالَ: بَيْنَا) بغير ميم (النَّبِيُّ ﷺ يَقْسِمُ) ذهبًا بعثه عليُّ بن أبي طالبٍ من اليمن سنة تسعٍ، وخصَّ به أربعة أنفسٍ: الأقرع بن حابسٍ الحنظليَّ، وعُيينة بنَ حصن الفزاريَّ، وعلقمة بنَ عُلاثة العامريَّ، وزيد الخير الطائيَّ، إذ (جَاءَ عَبْدُ اللهِ بْنُ ذِي الخُوَيْصِرَةِ) بضم الخاء المعجمة وبالصاد المهملة، مصغَّرًا (التَّمِيمِيُّ) وهو حُرْقوص بنُ زهير، أصل الخوارج. قال في «الكواكب»: كذا في جلِّ النُّسخ بل في كلِّها: عبد الله بن ذي الخويصرة. بزيادة «ابن»، والمشهور في كتب أسماء الرِّجال: ذو الخويصرة فقط. انتهى.
وسبق في «علامات النُّبوَّة»: فأتى ذو الخويصرةِ رجلٌ من تميم [خ¦٣٦١٠] لكن في رواية عبد الرَّزَّاق عن مَعمر: إذ جاءهُ ابن ذي الخُوَيصرة. وكذا عند الإسماعيليِّ من رواية عبد الرَّزَّاق ومحمَّد بن ثورٍ وأبي سفيان الحميريِّ وعبدِ الله بن معاذ، أربعتهم عن مَعمر (١) (فَقَالَ: اعْدِلْ يَا رَسُولَ اللهِ) بهمزةِ وصلٍ وجزم اللَّام على الطَّلب، أي: اعدلْ في القسمة (فَقَالَ) ﷺ له: (وَيْلَكَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «ويحك» بالحاء المهملة بدل اللَّام (مَنْ) ولأبي ذرٍّ: «ومن» (يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ) ﵁: يا رسول الله (دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ (٢)) ولأبي ذرٍّ: «ائذَن لي فأضرب» بهمزة قطع، منصوبٌ بفاء الجواب (قَالَ) ﷺ لعمر: (دَعْهُ) أي: اترُكه (فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ) بكسر القاف، يستقلُّ (أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِ) بلفظ الإفراد فيهما، وظاهره: أنَّ تركَ الأمر بقتلهِ بسبب أصحابهِ الموصوفينَ بالصِّفة المذكورة، وهو لا يقتضِي ترك قتلهِ مع ما ظهرَ منه من مواجهته ﷺ بما واجهه به، فيحتملُ أن يكون لمصلحة التَّألُّف (يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ) الصَّيد المرميُّ، والمروق: سرعة نفوذ السَّهم من الرَّميَّة حتَّى يخرج من الطَّرف الآخر، ولشدَّة سرعة خروجه لقوَّة ساعد الرَّامي لا يعلقُ (٣) بالسَّهم من جسدِ الصَّيدِ شيءٌ (يُنْظَرُ) بضمِّ أوَّله وفتحِ ثالثه مبنيًّا للمفعول (فِي قُذَذِهِ) بضم
стр. 12008
القاف وفتح الذال المعجمة الأولى، في ريشِ السَّهم ليعرف هل أصاب أو أخطأ (فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ) من أثرِ الصَّيد المرمي (ثُمَّ يُنْظَرُ فِي) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «إلى» (نَصْلِهِ) حديدة السَّهم (فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «إلى» (رِصَافِهِ) بكسر الراء بعدها صاد مهملة (فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ) وسقط لفظ «ينظر» لأبي ذرٍّ (ثُمَّ يُنْظَرُ فِي نَضِيِّهِ) بفتح النون وكسر الضاد المعجمة والتحتية المشددة بعدها هاء، عود السَّهم من غير ملاحظةِ أن يكون له نصلٌ وريشٌ (فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ) من دمِ الصَّيد أو غيره، فيظنُّ أنَّه لم يصبْه، والفرض أنَّه أصابه (قَدْ سَبَقَ الفَرْثَ) بفتح الفاء وسكون الراء بعدها مثلثة، السَّرجين ما دام في الكرش (وَالدَّمَ) أي: جاوزهما، ولم يعلقْ فيه منهما شيءٌ بل خرجا بعدَه، شبَّه خروجَهم من الدِّين وكونهم لم يتعلَّقوا بشيءٍ منه بخروج ذلك السَّهم.
وفي «مسنَدي (١)» الحميدي وابن أبي عمر من طريق أبي بكر مولى الأنصار (٢) عن علي: «أنَّ ناسًا يخرجون من الدِّين كما يخرج السَّهم من الرَّمِيَّة، ثمَّ لا يعودون فيه أبدًا» (آيَتُهُمْ) علامتهم (رَجُلٌ إِحْدَى يَدَيْهِ) بالتَّثنية (أَوْ قَالَ: ثَدْيَيْهِ) بالتَّثنية أيضًا، والشَّكُّ هل هي تثنية يد بالتحتية، أو ثدي بالمثلثة، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «ثدييهِ» أي: من غير شكٍّ. قال في «الفتح»: بالمثلثة (٣) فيهما، فالشَّكُّ عنده هل هو (٤) الثَّدي بالإفراد أو التَّثنية؟ قال: ووقع في رواية الأوزاعيِّ: «إحدى يديهِ» تثنيةُ يدٍ ولم يشكَّ وهو المعتمدُ، ففي رواية شُعيب ويونس: «إحدِى عضديهِ» (مِثْلُ ثَدْيِ المَرْأَةِ) بالمثلثة والإفراد (أَوْ قَالَ: مِثْلُ البَضْعَةِ) بفتح الموحدة وسكون الضاد المعجمة، أي: القطعة من اللَّحم (تَدَرْدَرُ) بفتح الفوقية والدالين المهملتين بينهما راء ساكنة آخره راء أُخرى، وأصله: تتدردر؛ فحذفت إحدى التاءين، أي: تتحرَّك وتجيءُ وتذهبُ، ولمسلم من رواية زيدِ بن وهبٍ عن عليٍّ: «وآيةُ ذلك أنَّ فيهم رجلًا له عضدٌ ليس له ذراعٌ على رأسِ عضُده مثل حَلَمة الثَّدي، عليه شعراتٌ بيضٌ». وعند الطَّبريِّ من طريقِ طارق بنِ زياد عن عليٍّ: «في يدِه شعراتٍ سُود» (يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ) بكسر الحاء المهملة وبعد التحتية الساكنة نون،
стр. 12009
وبضم فاء «فرقة» أي: زمان افتراق النَّاس، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «على خَير فِرقة» بالخاء المعجمة وبعد التحتية راء، وفِرقة: بكسر الفاء. قال في «فتح الباري»: والأوَّل المعتمد وهو الَّذي في مسلم وغيره، وإن كان الآخر صحيحًا، أي: أفضلُ طائفة.
(قَالَ أَبُو سَعِيدٍ) الخُدْرِيُّ ﵁ بالسَّند السَّابق: (أَشْهَدُ) أنِّي (سَمِعْتُ) هذا الحديث (مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيًّا) ﵁ (قَتَلَهُمْ) بالنَّهروان (وَأَنَا مَعَهُ) وفي رواية أفلحِ بنِ عبد الله عند أبي يعلى: وحضرتُ مع عليٍّ يوم قتلهم بالنَّهروان. وعند الإمام أحمدَ والطَّبرانيِّ والحاكمِ من طريق عبد (١) الله بن شدَّاد: أنَّه دخل على عائشةَ مرجعه من العراقِ ليالي قتل عليّ، فقالتْ له عائشة ﵂: تحدِّثني عن أمرِ هؤلاء القوم الَّذين قتلهم عليٌّ، قال: إنَّ عليًا لمَّا كاتب معاويةَ وحكَّما الحكمين خرجَ عليه ثمانية آلافٍ من قرَّاء النَّاس، فنزلوا بأرضٍ يُقال لها: حَرُوراء من جانب (٢) الكوفة، وعتبوا عليه، فقالوا: انسلخْتَ من قميصٍ ألبسَكَه اللهُ، ومن اسمٍ سمَّاك الله به، ثمَّ حكَّمت الرِّجال في دينِ الله ولا حُكمَ إلَّا لله، فبلغَ ذلك عليًّا ﵁ فجمعَ النَّاس فدعا بمصحفٍ عظيمٍ، فجعلَ يضربُه بيدِه ويقول: أيُّها المصحفُ حدِّث النَّاس، فقالوا: ماذا إنسان؟! إنَّما هو مدادٌ وورقٌ، ونحن نتكلَّم بما رويناهُ منه، فقال: كتابُ الله بيني وبين هؤلاء، يقول الله في امرأة رجل: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ (٣) الآيةَ [النساء: ٣٥] وأمَّة محمد ﷺ أعظمُ من امرأة رجلٍ، ونقموا عليَّ أن كاتبتُ معاوية، وقد كاتبَ رسول الله ﷺ سهيلَ بن عَمرو ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] ثمَّ بعثَ إليهم ابن عبَّاس فناظرَهم، فرجع منهم أربعةُ آلافٍ فيهم عبد الله بن الكوَّاء، فبعث عليٌّ إلى الآخرين أن يرجعوا فأبوا، فأرسلَ إليهم كونوا حيثُ شئتُم وبيننا وبينكم أن لا تسفكُوا دمًا حرامًا، ولا تقطعُوا سبيلًا، ولا تظلموا أحدًا، فإن فعلتُم نبذتُ إليكم الحربَ.
قال عبد الله بن شداد: فوالله ما قتلَهم حتَّى قطعوا السَّبيل، وسفكوا الدَّم الحرامَ … الحديثَ.
(جِيءَ بِالرَّجُلِ) الَّذي قال ﷺ فيه: «إحدى يديهِ مثل ثدِي المرأة» (عَلَى النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَهُ
стр. 12010
النَّبِيُّ ﷺ ¬) أي: على الوصف الَّذي وصفه، وفي رواية أفلح: فالتمسَهُ عليٌّ فلم يجدْه، ثمَّ وجدَه بعد ذلك تحتَ جدارٍ على هذا النَّعت. وعند الطَّبريِّ من طريق زيدِ بن وهب: فقال عليٌّ: اطلبوا ذا الثُّدَيَّة، فطلبوه فلم يجدوه، فقال: ما كذبْتُ وما كُذِّبت، فطلبوه فوجدُوه في وَهْدةٍ من الأرض عليهِ ناسٌ من القتلى فإذا رجلٌ على يدِه (١) مثلُ سَبَلات السِّنَّور، فكبَّر عليٌّ والنَّاس.
(قَالَ) أبو سعيد: (فَنَزَلَتْ فِيهِ) في الرَّجل المذكور، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «فيهم» في الحروريَّة (﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ٥٨]) أي: يعيبُك في قَسْم الصَّدقات، حيث قال: هذه قسمةٌ (٢) ما أُريد بها وجهَ الله. قال الحافظ ابنُ كثير: قال قتادة: وذُكر لنا أنَّ رجلًا من أهل الباديةِ حديث عهدٍ بأعرابيَّةٍ أتى نبيَّ الله ﷺ وهو يقسمُ ذهبًا وفضَّة، فقال: يا محمد، والله لئن كان الله أمرَك أن تعدلَ ما عدلْتَ، فقال نبيُّ الله ﷺ : «ويلَكَ فمَن ذا يعدلُ عليك بعدِي» (٣) ثمَّ قال نبيُّ الله ﷺ : «احذروا هذا وأشباههُ، فإنَّ في أمَّتي أشباهُ هذا، يقرؤون القرآنَ لا يتجاوزُ (٤) تَرَاقيهم، فإذا خرجوا فاقتلوهم، ثمَّ إذا خرجُوا فاقتلوهم».
٦٩٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو سلمة المنقريُّ البصريُّ، ويُقال له: التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زياد قال (٥): (حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ) بفتح الشين المعجمة، سليمان قال: (حَدَّثَنَا يُسَيْرُ بْنُ عَمْرٍو) بضم التحتية وفتح السين المهملة وسكون التحتية بعدها راء، ابن عَمرو: بفتح العين، أو ابن جابر الكوفيُّ، وقيل: أصلهُ أسير، فسهِّلت الهمزة، وله رؤية (٦)