← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 12076–12115 · переход к 12081.

стр. 12076

الجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ) بفتح الصاد المهملة والقاف وكسر الموحدة، بقربهِ، أو بقريبهِ بأن يتعهَّده ويتصدَّق عليه مثلًا. قيل: هو دليلٌ لشفعةِ الجوارِ. وأُجيب بأنَّه لم يقلْ: أحقُّ بشفعتهِ، وهو متروكُ الظَّاهر؛ لأنَّه يستلزم أن يكون الجارُ أحقَّ من الشَّريك، وهو خلافُ مذهب الحنفيَّة (مَا بِعْتُكَهُ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «ما بعتك» بإسقاط الضَّمير (-أَوْ قَالَ: مَا أَعْطَيْتُكَهُ-). قال عليُّ بنُ المدينيِّ: (قُلْتُ لِسُفْيَانَ) بن عُيينة: (إِنَّ مَعْمَرًا) فيما رواه عبدُ الله بنُ المبارك عن مَعْمر عن إبراهيم بنِ مَيْسَرةَ عن عمرو بنِ الشَّريد عن أبيه. أخرجه النَّسائيُّ (لَمْ يَقُلْ هَكَذَا) قالَ في «الكواكب»: أي: أنَّ الجار أحقُّ بصقبه (١) بل قال: الشُّفعة. وتعقَّبه الحافظ ابن حجرٍ فقال: هذا الَّذي قاله لا أصلَ له، وما أدري مستندَه فيه، ولفظ رواية مَعْمر: «الجارُ أحقُّ بصقبه» كرواية أبي رافع سواء، فالمرادُ بالمخالفة على ما رواه مَعْمر إبدال الصَّحابي بصحابي آخر، وهو المعتمدُ (قَالَ) سفيان: (لَكِنَّهُ) أي: إبراهيمَ بنَ ميسرة (قَالَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «قاله» (لِي هَكَذَا) وحكى التِّرمذيُّ عن البخاريِّ: أنَّ الطَّريقين صحيحان، وإنما صحَّحهما؛ لأنَّ الثَّوريَّ وغيره تابعوا سفيان بن عُيينة على هذا الإسناد. قال المهلَّب: مناسبةُ ذكر حديث أبي رافع أنَّ كلَّ ما جعله النَّبيُّ ﷺ حقًّا لشخص لا يجوزُ لأحدٍ إبطاله بحيلةٍ ولا غيرها. (وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ) هو النُّعمان أيضًا ﵀: (إِذَا أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «أن يقطع» (الشُّفْعَةَ) ورجَّحها القاضِي عياض، وقال الكِرْمانيُّ: يجوزُ أن يكون المراد بقولهِ: «أن يبيع الشُّفعة» لازم البيع وهو الإزالةُ عن الملك (فَلَهُ أَنْ يَحْتَالَ حَتَّى يُبْطِلَ الشُّفْعَةَ، فَيَهَبُ البَائِعُ لِلْمُشْتَرِي الدَّارَ وَيَحُدُّهَا) بالحاء والدال المهملتين، أي: يصف حدودها الَّتي تميِّزها (وَيَدْفَعُهَا) أي: الدَّار (إِلَيْهِ) إلى المشتري (وَيُعَوِّضُهُ المُشْتَرِي أَلْفَ دِرْهَمٍ) مثلًا (فَلَا يَكُونُ لِلشَّفِيعِ فِيهَا شُفْعَةٌ) وإنَّما سقطَتِ الشُّفعة في هذه الصُّورة؛ لأنَّ الهبةَ ليست مُعاوضة محضة فأشبهتِ الإرث.

стр. 12077

٦٩٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفِريابيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ) الطَّائفيِّ، نزل مكَّة (عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ) الثَّقفيِّ (عَنْ أَبِي رَافِعٍ) أسلمَ مَولى رسولِ الله ﷺ (أَنَّ سَعْدًا) هو: ابنُ أبي وقَّاص (سَاوَمَهُ بَيْتًا بِأَرْبَعِ مِئَةِ مِثْقَالٍ، فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: الجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ) بالصاد المهملة (لَمَا) بفتح اللام وتخفيف الميم، ولأبي ذرٍّ: «بسقبه -بالسين بدل الصاد- ما» بإسقاط اللام (أَعْطَيْتُكَ) بحذف ضمير المفعول، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «أعطيتُكَه». (وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ) الإمامُ أبو حنيفة ﵀: (إِنِ اشْتَرَى نَصِيبَ دَارٍ فَأَرَادَ أَنْ يُبْطِلَ الشُّفْعَةَ وَهَبَ) ما اشتراه (لاِبْنِهِ الصَّغِيرِ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ يَمِينٌ) في تحقُّق (١) الهبةِ، ولا في جَريان شروطها، وقيِّد بالصَّغير؛ لأنَّ الهبةَ لو كانت للكبيرِ وجب عليه اليمين، فتحيَّل (٢) في إسقاطها بجعلِها للصَّغير، ولو وهب لأجنبيٍّ فللشَّفيع أن يحلِّفَ الأجنبيَّ أنَّ الهبةَ حقيقةٌ، وأنَّها جرَتْ بشروطِها، والصَّغير لا يحلَّفُ. (١٥) (باب) كراهيةِ (احْتِيَالِ العَامِلِ) الَّذي يتولَّى في مالهِ وغيره (لِيُهْدَى لَهُ) بضم التحتية مبنيًّا للمفعول.

стр. 12078

٦٩٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو محمَّد القرشيُّ، الهَبَّاريُّ الكوفيُّ، من ولد هبَّار بن الأسود، واسمه عبدُ الله، وعُبيد لقبٌ غلب عليه، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بنُ أسامة (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروةَ بن الزُّبير بنِ العوَّام (عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ) بضم الحاء، عبد الرَّحمن أو المنذر (١) (السَّاعِدِيِّ) الأنصاريِّ ﵁ أنَّه (قَالَ: اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ) بضم السين وفتح اللام (يُدْعَى) الرَّجل (ابْنَ اللُّتَبِيَّةِ) بضم اللام وفتح الفوقية وسكونها وكسر الموحدة وتشديد التحتية، عبد الله، واللُّتبيَّة اسمُ أمِّه. قال ابن حجرٍ: لم أقفْ على تسميتها (فَلَمَّا جَاءَ) وفي «الأحكام»: فلمَّا قدم [خ¦٧١٩٧] (حَاسَبَهُ) النَّبيُّ ﷺ ، أي: أمر من حاسبَه (قَالَ: هَذَا مَالُكُمْ، وَهَذَا هَدِيَّةٌ) أُهديت لي (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) له: (فَهَلَّا) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «فهل» بإسقاط الألف وتخفيف اللام (جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا، ثُمَّ خَطَبَنَا) ﷺ (فَحَمِدَ اللهَ) (وَأَثْنَى عَلَيْهِ) بما هو أهله (ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ عَلَى العَمَلِ مِمَّا وَلَّانِي اللهُ، فَيَأْتِي فَيَقُولُ: هَذَا مَالُكُمْ، وَهَذَا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي، أَفَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ، وَاللهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا) من الصَّدقة (بِغَيْرِ حَقِّهِ إِلَّا لَقِيَ اللهَ يَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ فَلأَعْرِفَنَّ أَحَدًا) بنون التَّوكيد الثَّقيلة وبعد اللام همزة، أي (٢): والله لأعرفنَّ، وفي نسخة «فلا أعرفنَّ» بألف بعد اللَّام ثمَّ همزة «فلا» ناهية للمتكلِّم صورةً، وفي المعنى نهيٌّ لقولهِ: أحدًا (مِنْكُمْ لَقِيَ اللهَ) حال كونه (يَحْمِلُ بَعِيرًا) على عُنقه حال كونه (لَهُ رُغَاءٌ) بضم الراء وفتح الغين المعجمة وبالهمزة ممدودًا، صفة لبعيرٍ، أي: صوت (أَوْ) يحمل (بَقَرَةً) على عُنقه (لَهَا خُوَارٌ) بضم الخاء المعجمة وفتح الواو المخففة بعدها ألف فراء، صوت أيضًا (أَوْ) يحملُ على عُنقه (شَاةً تَيْعَرُ) بفتح الفوقية وسكون التحتية وفتح العين المهملة بعدها راء، تصوِّت (ثُمَّ رَفَعَ) ﷺ (يَدَيهِ) بالتَّثنية، والَّذي في «اليونينيَّة»: «يده» بالإفراد (حَتَّى رُئِيَ) براء مضمومة فهمزة مكسورة فتحتية، ولأبي ذرٍّ: «رِيء» بكسر الراء بعدها تحتية ساكنة فهمزة (بَيَاضُ إِبْطِهِ) بالإفراد، وفي

стр. 12079

نسخة: «إبطيهِ» بالتَّثنية، حال كونه (يَقُولُ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ) ما أمرتني به (بَصْرَ عَيْنِي، وَسَمْعَ أُذُنِي) بفتح الموحدة وسكون الصاد المهملة وفتح الراء، و «سَمْعَ»: بفتح السين المهملة وسكون الميم وفتح العين، كذا في الفرع كأصله (١)، وضبطَه أكثرُهم كذلك فيما قاله القاضِي عياضٌ. قال سيبويه: العربُ تقول: سَمْعُ أُذُني زيدًا ورأيُ عَيني. تقول ذلك بضم آخرهما. قال القاضي عياض: وأمَّا الَّذي في «كتاب الحيل» فوجهه النَّصب (٢) على المصدر؛ لأنَّه لم يذكر المفعول بعده. وقال في «الفتح»: و «بَصُر» -بفتح الموحدة وضم الصاد-، و «سَمِع» -بفتح السين وكسر الميم-، أي: بلفظ الماضي فيهما، أي: أبصرتْ عينايَ رسولَ الله ﷺ ناطقًا رافعًا يديه، وسمعتُ كلامَه. فيكون من قول أبي حُميد، وعلى القول بأنَّهما مصدران مضافان فمفعول بلَّغْتُ، ويكون من قولِ رسولِ الله ﷺ ، لكن عند أبي عَوَانة من رواية ابن جُريج (٣)، عن هشام: بصُرَ عينَا أبي حُميدٍ وسَمِعَ أُذُناه. وحينئذٍ يتعيَّن أن يكون بضم الصاد وكسر الميم. وفي رواية مسلم من طريق أبي الزِّناد عن عروة: قلتُ لأبي حميد: أسمعتَه من رسولِ الله ﷺ ؟ قال: من فيهِ إلى أُذني. وقولُه: «عَيني وأُذني»، بالإفراد فيهما. وفي مسلمٍ من طريق أبي أسامة: بصْر وسمْع -بالسكون فيهما-، والتَّثنية في: أذنيَّ وعينَيَّ. وعنده من روايةِ ابنِ نمير: بصُرَ عينَاي وسَمِع أُذُناي. قال المهلَّب: حيلةُ العاملِ ليُهدى له تقعُ بأن يسامحَ بعض من عليه الحقُّ، فلذلك قال: «هلَّا جلس في بيتِ أبيهِ وأمِّه لينظرَ هل يُهدى له». وقال في «فتح الباري»: ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة من جهةِ أنَّ تملُّكَه ما أُهدي له (٤) إنَّما كان لعلَّة كونهِ عاملًا، فاعتقدَ أنَّ الَّذي أُهدي له يستبدُّ به دون أصحابِ الحقوق الَّتي عمل فيها، فبيَّن له ﷺ أنَّ الحقوقَ الَّتي عملَ لأجلها هي السَّبب في الإهداءِ له، وأنَّه لو أقامَ في منزلهِ لم يُهدَ له شيءٌ، فلا ينبغِي له أن يستحلَّها بمجرَّد كونها وصلتْ إليه على طريق الهديَّة، فإنَّ ذلك إنَّما يكون حيث يتمحَّض الحقُّ له.

стр. 12080

والحديث سبق في «الهبة» [خ¦٢٥٩٧] و «النُّذور» [خ¦٦٦٣٦] و «الزَّكاة» [خ¦١٥٠٠]. ٦٩٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بنُ دكين قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ) الطَّائفيِّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ) الثَّقفيِّ (عَنْ أَبِي رَافِعٍ) اسمه أسلمُ، أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ) ولأبي ذرٍّ: «قال لنا النَّبيُّ» (¬ ﷺ : الجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ) ولأبي ذرٍّ: «بسقبه» بالسين بدل الصاد، أي: أحقُّ بقريبه بأن يتعهَّده ويتصدَّق عليه مثلًا، وسبق ما فيه قريبًا [خ¦٦٩٧٧]. (وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ) الإمام أبو حنيفة النُّعمان: (إِنِ اشْتَرَى) أي: إن أرادَ أن يشتري (دَارًا بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ) مثلًا (فَلَا بَأْسَ أَنْ يَحْتَالَ) على إسقاطِ الشُّفعة (حَتَّى يَشْتَرِيَ الدَّارَ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَيَنْقُدَهُ) بفتح التحيتة، أي: ينقدُ البائع (تِسْعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ وَتِسْعَ مِئَةَ دِرْهَمٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ وَيَنْقُدَهُ دِينَارًا بِمَا) أي: بمقابلة ما (بَقِيَ مِنَ العِشْرِينَ الأَلْفَ) ولأبي ذرٍّ: «ألف» بإسقاط لام ألف، يعني: مصارفة عنها (فَإِنْ طَلَبَ الشَّفِيعُ أَخْذَهَا) بسكون الخاء، بالشُّفعة أَخَذَها (بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ) وهي الثَّمن الَّذي وقع عليه العقد (وَإِلَّا) بأن لم يرض أن يأخذها بالعشرين ألفًا (فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الدَّارِ) لسقوطِ الشُّفعة؛ لامتناعهِ من بذلِ الثَّمن الَّذي وقع عليه العقدُ (فَإِنِ اسْتُحِقَّتِ الدَّارُ) بضم الفوقية وكسر الحاء المهملة، أي: ظهرت مستحقَّة لغير البائع (رَجَعَ المُشْتَرِي عَلَى البَائِعِ بِمَا دَفَعَ إِلَيْهِ وَهْوَ تِسْعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ وَتِسْعُ مِئَةٌ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ دِرْهَمًا وَدِينَارٌ) لكونه القدر الَّذي تسلَّمه منه، ولا يرجعُ عليه بما وقع عليه العقد (لأَنَّ البَيْعَ) أي: المبيع (حِينَ (١) اسْتُحِقَّ)

стр. 12081

بضم التاء مبنيًّا للمفعول للغير (انْتَقَضَ) بالضاد المعجمة (الصَّرْفُ) الَّذي وقع بين البائعِ والمشتري (فِي الدِّينَارِ (١)) ولأبي ذرٍّ: «في الدَّار» (فَإِنْ وَجَدَ) بفتح الواو (بِهَذِهِ الدَّارِ) المذكورة (عَيْبًا وَلَمْ تُسْتَحَقَّ) بالبناء للمجهولِ، أي: والحال أنَّها لم تخرجْ مستحقَّة (فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا عَلَيْهِ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ) ولأبي ذرٍّ: «بعشرين ألفًا» وهذا تناقضٌ ظاهر؛ لأنَّ الأمَّة مجتمعةٌ (٢) وأبو حنيفة معهم على أنَّ البائعَ لا يردُّ في الاستحقاق، والرَّدُّ بالعيب إلَّا ما قُبض، فكذلك الشَّفيع لا يشفع إلَّا بما نقد المشتري، وما قبضَه من البائعِ لا بما عقدَ، وأشار إلى ذلك بقولهِ: (قَالَ) البخاريُّ: (فَأَجَازَ) أي: أبو حنيفة ﵀ (هَذَا الخِدَاعَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ) والخِداع -بكسر الخاء المعجمة- أي: الحيلة في إيقاع الشَّريك في الغبنِ الشَّديد إن أخذ بالشُّفعة، أو إبطال حقِّه بسبب الزِّيادة في الثَّمن باعتبار العقدِ لو تركها. (وَقَالَ) البخاريُّ: قال: (النَّبِيُّ ﷺ ¬) وسقط واو «وقال» الأولى لأبي ذرٍّ: (لَا دَاءَ) ولأبي ذرٍّ: «بيع المسلم لا داء» لا (٣) مرض (وَلَا خِبْثَةَ) بكسر الخاء المعجمة وتضم وسكون الموحدة بعدها مثلثة، بأن يكون المبيع غير طيِّب كأنْ يكون من قومٍ لم يحلَّ سبيهم لعهدٍ تقدَّم لهم، قاله أبو عُبيدة. قال السَّفاقِسيُّ: وهذا في عهدة (٤) الرَّقيق (٥). قال في «الفتح»: وإنَّما خصَّه بذلك؛ لأنَّ الخبر إنَّما ورد فيه (وَلَا غَائِلَةَ) بالغين المعجمة مهموزًا ممدودًا، لا سرقةَ ولا إباقَ. وهذا الحديث سبق في «أوائل البيوع» في: «باب إذا بَيَّن البيِّعان ونصحا» [خ¦٣٤/ ١٩ - ٣٢٤٧] بلفظ: ويذكرُ عن العَدَّاء بنِ خالد قال: كتب لي النَّبيُّ ﷺ : «هذا ما اشترى محمَّدٌ رسول الله ﷺ من العدَّاء بن خالدٍ، بيعَ المسلمِ المسلمَ لا داءَ ولا خِبْثة ولا غَائلة». قال في «الفتح»: وسندُه حسنٌ، وله طرقٌ إلى العدَّاء. ورواه التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه موصولًا لكن فيه أنَّ المشتري العدَّاء من محمَّد رسولِ الله ﷺ . وسبقَ ما في ذلك في البابِ المذكور.

стр. 12082

٦٩٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو: ابنُ مُسَرْهد قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بنُ سعيد القطَّان (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ) ضدَّ الميمنة الطَّائفيُّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ) بفتح العين والشين المعجمة آخره دال مهملة (أَنَّ أَبَا رَافِعٍ) مولى رسولِ الله ﷺ اسمه أسلم (سَاوَمَ سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ) أبا وقَّاص بن وهيب (١) بن عبد مناف، أحد العشرة، وأوَّل من رَمى بسهمٍ في سبيلِ الله (بَيْتًا) في دارِه (بِأَرْبَعِ مِئَةِ مِثْقَالٍ. وَقَالَ) أبو رافعٍ بعد قولهِ: أُعطيت خمس مئة نقدًا فمنعتُه: (لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: الجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ) بالصاد، ولأبي ذرٍّ بالسين (مَا أَعْطَيْتُكَ) البيت. قال في «فتح الباري»: قوله: حَدَّثنا أبو نُعيم: حَدَّثنا سفيان … إلى آخره، كذا وقع للأكثر هذا الحديث، وما بعده متَّصلًا «بباب احتيالِ العامل»، وأظنُّه وقع هنا تقديمٌ وتأخيرٌ، فإنَّ الحديثَ وما بعده يتعلَّقان (٢) بباب الهبة والشُّفعة، فلمَّا جعل التَّرجمة مُشتركة جمعَ بين مسائلها، ومن ثمَّ قال الكِرْمانيُّ: إنَّه من تصرُّف النَّقلة (٣)، وقد وقعَ عند ابن بطَّال هنا: باب، بلا ترجمة، ثمَّ ذكر الحديث وما بعده، ثمَّ ذكر «باب احتيالِ العامل»، وعلى هذا فلا إشكالَ؛ لأنَّه حينئذٍ كالفصلِ من الباب، ويحتملُ أن يكونَ في الأصل بعد قصَّة ابنِ اللُّتَبيَّة باب بلا ترجمة، فسقطَتِ التَّرجمة فقط، أو بيَّض لها في الأصلِ.

стр. 12083

((٩١)) (بسم الله الرحمن الرحيم): ثبتت البسملةُ هنا للجميع. (١) (باب التَّعْبِيْرِ) أي: تفسير الرُّؤيا، وهو العبورُ من ظاهرهَا إلى باطنِها، قاله الرَّاغب. وقال في «المدارك»: حقيقةُ عبرت الرُّؤيا ذكرتُ عاقبتَها وآخر أمرهَا، كما تقول: عبرتُ النَّهر، إذا قطعتَه حتَّى تبلغَ آخر عرضهِ وهو عَبره (١)، ونحوه أوَّلتُ الرُّؤيا إذا ذكرت مآلها، وهو مرجعُها. وقال البيضاويُّ: عبارةُ الرُّؤيا الانتقال من الصُّور الخياليَّة (٢) إلى المعانِي النفسانيَّة الَّتي هي مِثالها من العبورِ وهو المجاوزةُ. انتهى. وعَبَرْت الرُّؤيا -بالتَّخفيف- هو الَّذي اعتمدَه الأثباتُ، وأنكروا التَّشديد، لكن قال الزَّمخشريُّ: عثرتُ على بيتٍ أنشدَه المبرِّد في «كتاب الكامل» لبعضِ الأعراب: رَأَيْتُ رُؤْيَا ثُمَّ عَبَّرْتُهَا … وَكُنْتُ لِلأَحْلَامِ عَبَّارَا وقال غيرُه: يُقال: عَبَرت الرُّؤيا -بالتخفيف- إذا فسَّرتَها، وعبَّرتها -بالتَّشديد- للمبالغةِ في ذلك، ولأبي ذرٍّ: «كتاب التَّعبير». (وَأَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «بابٌ» بالتَّنوين «أوَّل ما بُدئ بهِ رسولُ الله» (¬ ﷺ مِنَ الوَحْيِ) إليه (الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ) أي: الحسنة أو الصَّادقة، والمرادُ

стр. 12084

بها: صحَّتها، والرُّؤيا كالرُّؤية غير أنَّها مختصَّة بما يكون في النَّوم، ففرق بينهما بتاء التَّأنيث كالقُرْبة والقربى. وقال الرَّاغب: بالهاء إدراكُ المرئيِّ بحاسَّة البصرِ، ويُطلق على ما يدركُ بالتَّخيُّل، نحو: أرى أنَّ زيدًا سافر، وعلى التَّفكُّر (١) النَّظري نحو: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ [الأنفال: ٤٨] وعلى الرَّأي وهو اعتقادُ أحدِ النَّقيضين من غلبة الظَّنِّ. وقال ابنُ الأثير: الرُّؤيا والحلم عبارةٌ عمَّا يراه النَّائم في النَّوم من الأشياء، لكن غلبت الرُّؤيا على ما يراهُ من الخيرِ والشَّيء الحسن، وغلبَ الحُلمُ على ما يراهُ من (٢) الشَّرِّ والقبيحِ، ومنه قوله تعالى: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ [يوسف: ٤٤] وتضم (٣) لام الحلُم وتسكَّن، وفي الحديث [خ¦٥٧٤٧] «الرُّؤيا من اللهِ، والحُلْم من الشَّيطان». قال التُّورِبشتيُّ: الحلُم عند العربِ مستعمل استعمال الرُّؤيا، والتَّفريق بينهما إنَّما كان من الاصطلاحاتِ الشَّرعيَّة الَّتي لم يضعْها حليمٌ (٤) ولم يهتدِ إليها حكيمٌ، بل سنَّها (٥) صاحب الشَّرع للفصلِ بين الحقِّ والباطل، كأنَّه كرهَ أن يسمِّي ما كانَ من الله وما كانَ من الشَّيطان باسمٍ واحدٍ، فجعلَ الرُّؤيا عبارة عمَّا كان من الله، والحلُم عمَّا كان من (٦) الشَّيطان؛ لأنَّ الكلمة لم تستعملْ إلَّا فيما يخيَّلُ للحالم في منامهِ من قضاءِ الشَّهوة ممَّا لا حقيقةَ له. قال صاحب «فتوح الغيب»: ولعلَّ التُّوربشتيَّ أراد بقولهِ: ولم يهتدِ إليها حكيم، ما عرفتهَا الفلاسفةُ على ما نقله القاضِي البيضاويُّ في تفسير الرُّؤيا: انطباعُ الصُّورة (٧) المنحدرةِ من أُفق المتخيِّلة إلى الحسِّ المشتركِ، والصَّادقة منها إنَّما تكون باتِّصال النَّفس بالملكوتِ لما بينهما من التَّناسب عند فراغِها من تدبير البدنِ أدنى فراغ، فتتصوَّر بما فيها ممَّا (٨) يليقُ بها

стр. 12085

من المعاني الحاصلةِ هناك، ثمَّ إنَّ المتخيِّلة تحاكيهِ بصورةٍ تُناسبه فترسلُها إلى الحسِّ المشتركِ فتصيرُ مشاهدةً، ثمَّ إن كانتْ شديدةَ المناسبةِ لذلك المعنى بحيثُ لا يكون التَّفاوت إلَّا بأَدنى شيءٍ استغنتِ الرُّؤيا عن التَّعبير، وإلَّا احتاجتْ إليه. انتهى. وقال من ينتمي إلى الطِّبِّ: إنَّ جميع الرُّؤيا تنسبُ إلى الأخلاطِ فيقول: من غلب عليه البلغمُ رأى أنَّه يسبحُ في الماء ونحو ذلك؛ لمناسبة الماء طبيعةَ البلغمِ، ومن غلبتْ عليه الصَّفراءُ رأى النِّيران والصُّعود في الجوِّ، وهكذا إلى آخرهِ.

стр. 12086

٦٩٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) نسبه لجدِّه، واسم أبيه عبدُ الله المخزوميُّ المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بنُ سعد الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين وفتح القاف، ابنِ خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بنِ مسلم. قال المؤلِّف: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بنُ همَّام قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبرنا» (مَعْمَرٌ) هو: ابنُ راشد، ولفظ الحديث له لا لعُقيل (قَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بنُ مسلم بنِ شهاب: (فَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) بنُ الزُّبير بنِ العوَّام، والفاء في «فأخبرني» للعطف على مقدَّر، أي: أنَّه روى له حديثًا، وهو عند البيهقيِّ في «دلائله» من وجه آخر عن الزُّهريِّ عن محمَّد بنِ النُّعمانِ بن بشيرٍ مرسلًا. فذكر قصَّة بدء الوحي مختصرةً ونزول: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى قولهِ: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق: ١ - ٢] قال محمَّد بنُ النُّعمان: فرجع رسولُ الله ﷺ بذلك. قال الزُّهريُّ: فسمعتُ عروةَ بن الزُّبير، يقول: قالتْ عائشة … فذكر الحديث مطوَّلًا، ثمَّ عقَّبه بهذا الحديث (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ) بضم الموحدة وكسر المهملة بعدها همزة (بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ) الَّتي ليس فيها ضغثٌ، أو الَّتي لا تحتاجُ إلى تعبيرٍ، وفي «التَّعبير (١) القادري»: الرُّؤيا الصَّادقة ما يقع بعينه، أو ما يُعبَّر في المنام، أو ما يُخبِر به من لا يكذِبُ. وفي «باب كيف كان (٢) بدء الوحي» [خ¦٣]: الصَّالحة، بدل: الصَّادقة، وهما بمعنًى واحد بالنِّسبة إلى أمور الآخرة في حقِّ الأنبياء، وأمَّا بالنِّسبة إلى أمور الدُّنيا فالصَّالحة في الأصلِ أخصُّ، فرؤيا الأنبياء كلُّها صادقةٌ، وقد تكون صالحة وهي الأكثر، وغير صالحة بالنِّسبة للدُّنيا (٣)، كما وقع في الرُّؤيا يوم أُحد، وقال: (فِي النَّوْمِ) بعد الرُّؤيا المخصوصة به لزيادةِ الإيضاح، أو لدفعِ

стр. 12087

وهم من يتوهَّم أنَّ الرُّؤيا تطلق على رؤيةِ العين، فهي صفةٌ موضِّحة (فَكَانَ) ﷺ (لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «إلَّا جاءته» (مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ) قال القاضي البيضاويُّ: شبَّه ما جاءه في اليقظة ووجدَه في الخارجِ طبقًا لما رآه في المنامِ بالصُّبح في إنارتهِ ووضوحهِ. والفلقُ الصُّبح لكنَّه لمَّا كان مستعملًا في هذا المعنى وفي غيرهِ أُضيف إليه للتَّخصيصِ والبيان إضافة العامِّ إلى الخاصِّ. وقال في «شرح المشكاة»: للفلقِ شأنٌ عظيم، ولذا جاءَ وصفًا لله تعالى في قولهِ (١): ﴿فَالِقُ الإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام: ٩٦] وأمر بالاستعاذةِ بربِّ الفلق؛ لأنَّه يُنبئ عن انشقاقِ ظُلمة عالم الشَّهادة، وطلوع تَبَاشير الصُّبح بظهورِ سُلطان الشَّمس وإشراقهَا الآفاق، كما أنَّ الرُّؤيا الصَّالحة مبشِّرة (٢) تُنبئ عن وفُور أنوارِ عالم الغيب، وإنارةِ مطالع الهداياتِ بسببِ الرُّؤيا الَّتي هي جزءٌ يسيرٌ (٣) من أجزاءِ النُّبوَّة (فَكَانَ) ﷺ (يَأْتِي حِرَاءً) بكسر الحاء المهملة وتخفيف الراء ممدودة، مذكَّر مُنْصرف على الصَّحيح، وقيل: مؤنَّثٌ غير مُنْصرفٍ (فَيَتَحَنَّثُ) بالحاء المهملة آخره مثلَّثة، في غارٍ (فِيهِ، وَهْوَ) أي: التَّحنُّث (التَّعَبُّدُ) بالخلوةِ ومشاهدةِ الكعبة منه والتَّفكُّر، أو بما كان يُلقى إليه من المعرفة (اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ) مع أيَّامهنَّ، والوصف بذواتِ العدد يفيدُ التَّقليل كـ ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠]. وقال الكِرْمانيُّ: يحتمل الكثرةَ؛ إذ الكثير يحتاجُ إلى العدد وهو المناسب للمقام، وإنَّما كان يخلو ﵊ بحراء دون غيره؛ لأنَّ جدَّه عبد المطَّلب أوَّل من كان يخلو فيه من قريشٍ، وكانوا يعظِّمونه لجلالتهِ وكبر سنِّه فتبعهُ على ذلك، فكان يخلو ﷺ بمكان جدِّه، وكان الزَّمن الَّذي يخلو فيه شهر رمضان، فإن قريشًا كانت تفعله كما كانت تصوم يوم عاشوراء (وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ) التَّعبُّد (ثُمَّ يَرْجِعُ) إذا نفذ ذلك الزَّاد (إِلَى خَدِيجَةَ) ﵂ (فَتُزَوِّدُهُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «فتزوِّد» بحذف الضَّمير (لِمِثْلِهَا) لمثل اللَّيالي (حَتَّى فَجِئَهُ الحَقُّ) بفتح الفاء وكسر الجيم بعدها همزة، أي: جاءه الوحيُ بغتةً، وكأنَّه لم يكن متوقِّعًا للوحي، قاله النَّوويُّ. وتعقَّبه البُلقينيُّ بأنَّ في إطلاق هذا النَّفي نظرًا، فعند ابن

стр. 12088

إسحاق عن عُبيد بن عمير: أنَّه وقعَ في المنام نظيرُ ما وقع له في اليقظةِ من الغطِّ والأمرِ (١) بالقراءةِ وغير ذلك. قال في «الفتح»: وفي كون ذلك يستلزم وقوعه في اليقظة حتَّى يتوقَّعَه نظرٌ، فالأولى ترك الجزمِ بأحد الأمرين (وَهْوَ) ﷺ (فِي غَارِ حِرَاءٍ فَجَاءَهُ المَلَكُ) جبريل ﵇، وفاء «فجاءَه» تفسيريَّة أو تعقيبية أو سببيَّة، و «حتَّى» لانتهاء الغاية، أي: انتهى توجُّهه لغارِ حراء بمجيء جبريل (٢) (فِيهِ) في الغار (فَقَالَ: اقْرَأْ) وهل سلَّمَ قبل قولهِ: اقرأ، أم لا؟ الظَّاهر لا؛ لأنَّ المقصود إذ ذاك تفخيمُ الأمر وتهويله، أو ابتداء السَّلام متعلِّق بالبشرِ لا الملائكة، ووقوعه منهم على إبراهيم؛ لأنَّهم كانوا في صورةِ البشر (٣) فلا يرد هنا، ولا سلامهم على أهلِ الجنَّة؛ لأنَّ أمور الآخرة مُغايرة لأمور الدُّنيا غالبًا. نعم، في رواية الطَّيالسيِّ: أنَّ جبريل سلَّم أولًا. لكن لم يرد أنَّه سلَّم عند الأمر بالقراءة، قاله في «الفتح» (فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : مَا أَنَا بِقَارِئٍ) ولغير أبي ذرٍّ: «فقلتُ: ما أنا بقارئ» أي: ما أُحْسِنُ أن أقرأ (فَأَخَذَنِي) جبريلُ (فَغَطَّنِي) ضمَّني وعَصرني (حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَُ) بفتح الجيم ونصب الدال مفعولٌ حذف فاعله، أي: بلغ الغطُّ منِّي الجَهدَ. وبضم الجيم ورفع الدال، أي: بلغ منِّي الجُهدُ مبلغَه فاعل بلغ (ثُمَّ أَرْسَلَنِي) أطلقني (فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَُ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَغَطَّنِي) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «فأخذني فغطَّني» (الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَُ ثُمَّ أَرْسَلَنِي). قال في «شرح المشكاة»: قوله: «ما أنا بقارئ» أي: حكمي كسائر النَّاس من أنَّ حصول القراءةِ إنَّما هو بالتَّعلم وعدَمُه بعدمه، فلذلك أخذه وغطَّه مرارًا؛ ليخرجه عن حكمِ سائر النَّاس، ويستفرغ منه البشريَّة، ويفرغ فيه من صفات الملكيَّة (فَقَالَ) له حينئذٍ لما علم المعنى: (﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾) كلَّ شيء، وموضع ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ النَّصب على الحال، أي: اقرأْ مفتتحًا باسمِ ربِّك قل: باسم الله، ثمَّ اقرأْ (حَتَّى بَلَغَ ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥]) ولأبي ذرٍّ: «حتَّى بلغ: ﴿عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾». وفيه -كما قال الطِّيبيُّ-: إشارة إلى ردِّ ما تصوَّره ﷺ من أنَّ القراءة إنَّما تتيسَّر بطريقِ التَّعليم فقط، بل إنَّها كما تحصلُ بواسطةِ المعلِّم قد تحصلُ بتعليمِ الله بلا واسطةٍ، فقوله: ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ إشارةً إلى العلم التَّعليمي، وقوله: ﴿عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ إشارة إلى

стр. 12089

العلمِ اللَّدُنِّي ومِصْداقه قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٤ - ٥] (فَرَجَعَ بِهَا) بالآيات المذكورةِ حال كونهِ (تَرْجُفُ) تضطَربُ (بَوَادِرُهُ) جمع: بادرةٍ، وهي اللَّحمة بين العُنقِ والمنكبِ. وقال ابن بري: هي (١) ما بين المنكبِ والعنق، يعني: أنَّها لا تختصُّ (٢) بعضوٍ واحدٍ، وإنَّما رجفتْ بَوادره لما فجِئه من الأمرِ المخالف للعادةِ؛ لأنَّ النُّبوَّة لا تزيلُ طباعَ البشريَّةِ كلَّها (حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ فَقَالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي) مرَّتين، أي: غطُّوني بالثِّياب ولفُّوني بها (فَزَمَّلُوهُ) بفتح الميم (حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ) بفتح الراء، الفزعُ (فَقَالَ: يَا خَدِيجَةُ مَا لِي؟ وَأَخْبَرَهَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «وأخبر» (الخَبَرَ، وَقَالَ: قَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي) أن لا أقوى على مقاومةِ هذا الأمر، ولا أقدرُ على حملِ أعباءِ الوحي فتزهقَ نفسي، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «عليَّ» بتشديد الياء (فَقَالَتْ لَهُ) خديجةُ: (كَلَّا) نفيٌ وإبعادٌ (٣) أي: لا خوف عليك (أَبْشِرْ) بخيرٍ، أو بأنَّك (٤) رسول الله حقًّا (فَوَاللهِ لَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا) بضم التحتية وسكون الخاء المعجمة، من الخزي، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «لا يُحْزنك» بالحاء المهملة والنون بدل المعجمة والياء، من الحزنِ (إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ) أي: القرابةَ (وَتَصْدُقُ الحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ) بفتح الكاف وتشديد اللام، الثِّقل، ويدخلُ فيه الإنفاق على الضَّيف (٥) واليتيمِ والعيال وغيرِ ذلك (وَتَقْرِي الضَّيْفَ) بفتح الفوقية من غير همز، أي: تهيِّئ له طعامَه ونُزُلَه (وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ) حوادثه، أرادتْ أنَّك لست ممَّن يصيبُه مكروهٌ لما جمعَ الله فيكَ من مكارمِ الأخلاقِ ومحاسنِ الشَّمائل. وفيه دَلالة على أنَّ مكارم الأخلاقِ وخصالَ الخير سببٌ للسَّلامة من مصارعِ السُّوء، وفيه مدحُ الإنسان في وجههِ في بعض الأحوالِ لمصلحةٍ تطرأُ، وفيه تأنيسُ من حصلتْ له مخافةٌ من أمرٍ. وفي «دلائل النُّبوَّة» للبيهقيِّ من طريق أبي مَيسرة مرسلًا: أنَّه ﷺ قصَّ على خديجةَ ما رأى في

стр. 12090

المنامِ، فقالت له: أَبْشِرْ، فإنَّ الله لا يصنعُ بك إلَّا خيرًا، ثمَّ أخبرها بما وقعَ له من شقِّ البطنِ وإعادتهِ، فقالت له: أَبْشِر إنَّ هذا والله خيرٌ، ثمَّ استعلَنَ له جبريلُ فذكر القصَّة فقالَ لها: «أرأيتَكِ الَّذي رأيتُ في المنامِ، فإنَّه جبريلُ استعلَنَ لي بأنَّ ربِّي أرسله إليَّ» وأخبرَها بما جاء به، فقالت: أبشرْ، فوالله لا يفعلُ الله بك إلَّا خيرًا، فاقبلِ الَّذي جاءكَ من الله فإنَّه حقٌّ، وأبشرْ فإنَّك رسولُ الله. (ثُمَّ انْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ) مصاحبةً له (وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ العُزَّى بْنِ قُصَيٍّ، وَهْوَ) أي: ورقة (ابْنُ عَمِّ خَدِيجَةَ) وهو (أَخُو أَبِيهَا) ولابنِ عساكرَ -فيما ذكره في «الفتح» -: «أخي أبيها» بالجرِّ في «أخي» صفة للعمِّ، ووجه الرَّفع أنَّه (١) خبرُ مبتدأ محذوفٍ، وفائدتُه رفعُ المجاز في إطلاقِ العمِّ فيه (٢) (وَكَانَ) ورقة (امْرَأً تَنَصَّرَ) دخلَ في دين النَّصرانيَّة (فِي الجَاهِلِيَّةِ) قبل البعثة المحمَّديَّة (وَكَانَ يَكْتُبُ الكِتَابَ العَرَبِيَّ) وفي «باب بدء الوحي»: العبرانيَّ [خ¦٣] (فَيَكْتُبُ بِالعَرَبِيَّةِ مِنَ الإِنْجِيلِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكْتُبَ) أي: الَّذي شاء الله كتابتهُ (وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ) لورقة (خَدِيجَةُ: أَي ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ) محمَّد ﷺ (فَقَالَ) له ﷺ (وَرَقَةُ: ابْنَ أَخِي) بنصب ابنَ منادى مُضاف (مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ مَا رَأَى) وفي «بدء الوحي»: خبر ما رأى [خ¦٣] (فَقَالَ) له (وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ) جبريلُ صاحب سرِّ الخير، قال الهرويُّ: سمِّي به لأنَّ الله خصَّصه بالوحي (الَّذِي أُنْزِلَ) بضم الهمزة (عَلَى مُوسَى) بن عمران ﷺ ، ولم يقلْ عيسى مع كونه نصرانيًّا؛ لأنَّ نزولَ جبريل ﵇ متَّفق عليه عندَ أهل الكتابين بخلافِ عيسى ﷺ (يَا لَيْتَنِي (٣) فِيهَا) أي: في أيَّام النُّبوَّة ومدَّتها (جَذَعًا) يعني: شابًّا قويًّا، والجذع في الأصل للدَّوابِّ، فهو هنا استعارة، وهو بالجيم المعجمة المفتوحتين، وبالنَّصب بـ: «كان» مقدَّرة (٤) عند الكوفيِّين، أو على الحالِ من الضَّمير في فيها، وخبرُ ليت قوله: «فيها» أي: ليتنِي كائن فيها حال الشَّبيبة والقوَّة لأنصرَك (٥) وأبالغَ في نصرتك (أَكُونُ) وفي «بدء الوحي» [خ¦٣] ليتنِي أكون (حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ

стр. 12091

قَوْمُكَ) من مكَّة (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَ) معاديَّ (وَمُخْرِجِيَّ (١) هُمْ؟) بتشديد الياء المفتوحة، وقال ذلك استبعادًا للإخراج وتعجُّبًا منه، فيؤخذ منه -كما قال السُّهيليُّ- أنَّ مفارقةَ الوطن على النَّفس (٢) شديدةٌ لإظهارهِ ﵊ الانزعاجَ لذلك بخلافِ ما سمعَه من ورقةَ من إيذائهِم وتكذيبهِم له (فَقَالَ وَرَقَةُ) له: (نَعَمْ) مخرجوكَ (لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «بمثلِ ما» (جِئْتَ بِهِ) من الوحي (إِلَّا عُودِيَ) لأنَّ الإخراجَ عن المألوفِ سبب لذلك (٣) (وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ) بجزمِ «يُدْركني» بـ: «أن» الشَّرطيَّة ورفع «يومُك» فاعل يُدركني، أي: يوم انتشار نبوَّتك (أَنْصُرْكَ) بالجزمِ جواب الشَّرط (نَصْرًا) بالنَّصب على المصدريَّة (مُؤَزَّرًا) من الأزرِ، وهو القوَّة (ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ) بالشين المعجمة، لم يلبثْ (وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّي) بدل اشتمال من ورقةَ، أي: لم تلبثْ وفاته (وَفَتَرَ الوَحْيُ) احتبسَ ثلاث سنين أو سنتين ونصفًا (فَتْرَةً حَتَّى حَزِنَ النَّبِيُّ (٤) ﷺ ¬) بكسر زاي «حزن» (فِيمَا بَلَغَنَا) معترضٌ بين الفعلِ ومصدرهِ وهو (حُزْنًا) والقائلُ هو محمَّد بنُ مسلم بنِ شهاب الزُّهريُّ من بلاغاتهِ (٥) وليس موصولًا، ويحتملُ أن يكون بلغه بالإسنادِ المذكور، والمعنى: أنَّ في جملةِ ما وصلَ إلينا من خبرِ رسولِ الله ﷺ في هذه القصَّة، وهو عند ابن مَرْدويه في «التَّفسير» بإسقاط قولهِ: فيما بلغنَا، ولفظه: فترةً حَزِن النَّبيُّ ﷺ منها حُزْنًا (غَدَا) بغين معجمة في الفرع، من الذَّهاب غدوة، وفي نسخة «عدا» بالعين المهملة، من العَدْوِ، وهو الذَّهاب بسرعة (مِنْهُ) من الحُزْن (مِرَارًا كَيْ يَتَرَدَّى) يسقط (مِنْ رُؤُوْسِ شَوَاهِقِ الجِبَالِ) العاليةِ (فَكُلَّمَا أَوْفَى بِذِرْوَةِ جَبَلٍ) بكسر الذال المعجمة وتفتح وتضم، أعلاه (لِكَيْ يُلْقِيَ مِنْهُ) من الجبلِ (نَفْسَهُ) المقدَّسة إشفاقًا أن تكون الفترة لأمرٍ أو سببٍ منه، فتكون (٦) عقوبة من ربِّه، ففعل ذلك بنفسهِ ولم يردْ شرعٌ بالنَّهي (٧) عن ذلك فيُعترض به، أو حزنَ على ما فاتهُ من الأمر الَّذي بشَّره به ورقةُ، ولم يكن

стр. 12092

خوطبَ عن الله أنَّك رسولُ الله ومبعوثٌ إلى عباده. وعند ابن سعدٍ من حديث ابن عبَّاسٍ بنحو هذا البلاغ الَّذي ذكره الزُّهريُّ، وقوله: مكثَ أيَّامًا بعد مجيء الوحي لا يَرى جبريلَ، فحزن حزنًا شديدًا حتَّى كان يغدو (١) إلى ثبير مرَّة، وإلى حراء أُخرى يريدُ أن يُلقي نفسَه (تَبَدَّى) ظهرَ (لَهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ رَسُولُ اللهِ حَقًّا). وفي حديث ابن سعدٍ المذكور: فبينا (٢) هو عامدٌ لبعض تلك (٣) الجبال؛ إذ سمع صوتًا فوقف فزعًا، ثمَّ رفعَ رأسَه فإذا جبريلُ على كرسيٍّ بين السَّماء والأرض متربِّعًا يقول: يا محمَّد أنتَ رسولُ الله حقًّا، وأنا جبريلُ (فَيَسْكُنُ لِذَلِكَ جَأْشُهُ) بالجيم ثمَّ الهمزة الساكنة ثمَّ الشين المعجمة، اضطرابُ قلبه (وَتَقِرُّ) بكسر القاف في الفرع، وفي غيرِه بفتحها (نَفْسُهُ، فَيَرْجِعُ، فَإِذَا طَالَتْ عَلَيْهِ فَتْرَةُ الوَحْيِ غَدَا لِمِثْلِ ذَلِكَ، فَإِذَا أَوْفَى بِذِرْوَةِ جَبَلٍ) لكي يُلقي منه نفسه (تَبَدَّى) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «بدا» أي (٤): ظهر (لَهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ): يا محمَّد إنَّك رسول الله حقًّا. تنبيه: قال في «فتح الباري»: قوله هنا: فترةً حتَّى حزن النَّبيُّ ﷺ فيما بلغنا. هذا وما بعدَه من زيادةِ مَعمرٍ على روايةِ عُقيل ويُونس، وصنيعُ المؤلِّف يُوهم أنَّه داخلٌ (٥) في رواية عُقيل، وقد جَرى على ذلك الحَميدي في جمعه فساقَ الحديث إلى قولهِ: «وفتر الوحي» ثمَّ قال: انتهى حديث عُقيل المفرد عن ابنِ شهابٍ إلى حيث ذكرنا، وزاد عنه البخاريُّ في حديثهِ المقترن بمَعمر عن الزُّهريِّ فقال: وفترَ الوحيُ فترةً (٦) حتَّى حزن. فساقَه إلى آخره. قال الحافظ ابن حجرٍ: والَّذي عندي أنَّ هذه الزِّيادة خاصَّة بروايةِ مَعمرٍ، فقد أخرج طريق عُقيل أبو نُعيم في «مستخرجه» من طريق أبي زُرعة الرَّازيِّ، عن يحيى ابنِ بُكير شيخِ البخاريُّ فيه في أوَّل الكتاب بدونهِ، وأخرجه مقرونًا هنا برواية مَعمر، وبيَّن أنَّ اللَّفظ لمَعمر، وكذلك صرَّح الإسماعيليُّ أنَّ الزِّيادة في رواية مَعْمر، وأخرجه أحمدُ ومسلم والإسماعيليُّ وغيرهم

стр. 12093

وأبو نُعيم أيضًا من طريق جمعٍ من أصحابِ اللَّيث عن اللَّيث بدونها. انتهى. وقال عياضٌ: إنَّ قول مَعْمر في فترةِ الوحي: فحزن النَّبيُّ ﷺ فيما بلغنا حزنًا غدا منه مرارًا كي يتردَّى من رؤوسِ شواهقِ الجبال. لا يقدحُ في هذا الأصل؛ أي (١): ما قرَّره من عدم طَرَيان الشَّكِّ عليه ﷺ لقول مَعْمر عنه: فيما بلغنا، ولم يسندهُ ولا ذكرَ رواتَه ولا من حدَّث به، ولا أنَّ النَّبيَّ ﷺ قاله، ولا يعرف مثلُ هذا إلَّا من جهتهِ ﷺ مع أنَّه قد يُحملُ على أنَّه كان أوَّل الأمر، أو أنَّه فعلَ ذلك لما أحرجَه من تكذيبِ من بلَّغهُ، كما قال تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: ٦]. انتهى. وحاصلُه: أنَّه ذكر أنَّه غيرُ قادحٍ من وجهين: أحدُهما: فيما يتعلَّق بالمتنِ من جهةِ (٢) قولِهِ: فيما بلغنا. حيث لم يُسنده، وأنَّه لا (٣) يعلم ذلك إلَّا من جهةِ المنقولِ عنه، والثَّاني: أنَّه أوَّل الأمر، أو أنَّه فعلَ ذلك لما أحرجَه من تكذيبِ قومه. وفيه بحثٌ؛ إذ عدم إسنادِه لا يوجب قدحًا في الصِّحَّة، بل الغالبُ على الظَّنِّ أنَّه بلغه من الثِّقات؛ لأنَّه ثقة، لا سيَّما ولم ينفردْ مَعْمر بذلك كما سبقَ، وروينا أيضًا من طريق الدُّولابيِّ ممَّا في «سيرةِ ابن سيِّد النَّاس» عن يونس بنِ عبد الأعلى عن ابنِ وهبٍ عن يونس بنِ يزيد عن الزُّهريِّ عن عروةَ عن عائشةَ الحديث وفيه: ثمَّ لم ينشبْ ورقةُ أن توفِّي، وفترَ الوحي حتَّى حزنَ رسولُ الله ﷺ فيما بلغنا حزنًا … إلى آخره. فاعتضدتْ كلُّ رواية بالأخرى، وكلٌّ من الزُّهريِّ ومَعْمر ثقةٌ، وعلى تقدير الصِّحَّة لا يكون قادحًا، كما ذكره عياضٌ، لكن لا بالنَّسبة إلى أنَّه في أوَّل الأمر لاستقرارِ الحال فيه مدَّة، بل بالنِّسبة إلى ما أحرجَه من التَّكذيب؛ إذ لا شيءَ فيه قطعًا بدليل قولهِ تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ﴾ [الكهف: ٦] أي: قاتلٌ نفسَك أسفًا، وكان التَّعبير بقولهِ: حصلَ له ذلك لما أحرجه، أحسنُ من قولهِ: فعل؛ لأنَّ الحزنَ حالةٌ تحصلُ للإنسان يجدُها من نفسِه بسبب لا أنَّه من أفعالهِ الاختياريَّة. وحديث الباب أخرجَه المؤلِّف في «باب بدءِ الوحي» [خ¦٣].

стр. 12094

(قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال (١)» (ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄، فيما وصلَه الطَّبريُّ من طريق عليِّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس في تفسيرِ قولهِ تعالى: (﴿فَالِقُ الإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام: ٩٦]) الإصباحُ: (ضَوْءُ الشَّمْسِ بِالنَّهَارِ، وَضَوْءُ القَمَرِ بِاللَّيْلِ) واعتُرض على المؤلِّف بأنَّ ابن عبَّاس فسَّر الإصباحَ لا لفظ فالق الَّذي هو المراد هنا؛ لأنَّ المؤلِّف ذكره عقبَ هذا الحديث لما وقع فيه: «فكان لا يَرى رؤيا إلَّا جاءتْ مثل فلقِ الصُّبح». والإصباحُ مصدرٌ سمِّي به الصُّبح، أي: شاق عمود الصُّبح عن سوادِ اللَّيل، أو فالق نور النَّهار. نعم، قال مجاهدٌ -كما (٢) سبق في «تفسير ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١]» -[خ¦٦٥ - ٧٣٧٦] الفلق: الصُّبح. وأخرج الطَّبري عنه أيضًا في قولهِ: ﴿فَالِقُ الإِصْبَاحِ﴾ قال: إضاءة الصُّبح، وعلى هذا فالمراد بفَلْق الصُّبح: إضاءته، فالله يفلقُ ظلام اللَّيل عن غرَّة الصَّباح، فيُضيء الوجود، ويستنيرُ الأفق، ويضمحلُّ الظَّلام، ويذهبُ اللَّيل. وقول ابن عبَّاس هذا ثابتٌ في رواية أبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشمِيهنيِّ، وكذا النَّسفيِّ، ولأبي زيدٍ المروزيِّ عن الفَِرَبْريِّ. (٢) (باب رُؤْيَا الصَّالِحِينَ) والإضافة للفاعل، وفي نسخة: «الصَّالحة» وعليها يحتملُ أن تكون الرُّؤيا بالتَّعريف (وَقولِهِ) بالجرِّ عطفًا على السَّابق، ولأبي ذرٍّ: «وقولِ الله» (تَعَالَى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا﴾) أي: صدَّقه في رؤياه ولم يكذِّبه، تعالى الله عن الكذبِ وعن كلِّ قبيحٍ علوًّا كبيرًا. وقال في «فتوح الغيب»: هذا صدق بالفعلِ وهو التَّحقيق، أي: حقَّق (٣) رؤيتَه، وحذفَ الجارّ وأوصلَ الفعل، كقولهِ: ﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] (﴿بِالْحَقِّ﴾) متلبِّسًا (٤) به، فإنَّ ما رآه كائنٌ لا محالةَ في وقته المقدَّر له وهو العام القابل، ويجوز أن يكون ﴿بِالْحَقِّ﴾ صفة مصدرٍ محذوفٍ، أي: صدقًا متلبِّسًا بالحقِّ، وهو القصدُ إلى التَّمييز بين المؤمن

стр. 12095

المخلص وبين من في قلبهِ مرضٌ، وأن يكون قسمًا إمَّا بالحقِّ الَّذي هو نقيضُ الباطل، أو بالحقِّ الَّذي هو من أسمائهِ، وجوابُه (﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾) وعلى الأوَّل هو جواب قسمٍ محذوفٍ (﴿إِن شَاء اللهُ﴾) حكايةٌ من الله تعالى قولَ رسولهِ لأصحابهِ، وقصَّه (١) عليهم، أو تعليمٌ لعباده أن يقولوا (٢) في غَداتهم مثل ذلك متأدِّبين بأدبِ الله، ومقتدين بسنَّته (﴿آمِنِينَ﴾) حال والشَّرط معترض (﴿مُحَلِّقِينَ﴾) حالٌ من الضَّمير في ﴿آمِنِينَ﴾ (﴿رُؤُوسَكُمْ﴾) أي: جميع شُعورها (﴿وَمُقَصِّرِينَ﴾) بعض شُعورها (﴿لَا تَخَافُونَ﴾) حال مؤكِّدة (﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا﴾) من الحكمةِ في تأخير فتح مكَّة إلى العام القابلِ (﴿فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ﴾) من دون فتح مكَّة (﴿فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٧]) وهو فتحُ خيبرَ لتستروحَ إليه قلوبُ المؤمنين إلى أن يتيسَّر الفتحُ الموعود، وتحقَّقت الرُّؤيا في العام القابلِ. وقد روي أنَّه ﷺ أُري (٣) وهو بالحديبية أنَّه دخلَ مكَّة هو (٤) وأصحابه محلِّقين، فلمَّا نحرَ الهدي بالحديبية قال أصحابه: أين رُؤياك؟ فنزلتْ. رواه الفِريابيُّ وعبدُ بن حُميد والطَّبريُّ من طريق ابنِ أبي نجيحٍ، وسَقَط لأبي ذرٍّ في روايتهِ «﴿مُحَلِّقِينَ﴾ … » إلى آخرها، وقال بعد قولهِ: ﴿آمِنِينَ﴾: «إلى قولهِ: ﴿فَتْحًا قَرِيبًا﴾». ٦٩٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بنِ قعنبٍ القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمامِ الأعظم (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريِّ المدنيِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: الرُّؤْيَا الحَسَنَةُ) أي: الصَّالحة (مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ) وكذا المرأة الصَّالحة غالبًا (جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ) مجازًا لا حقيقةً؛ لأنَّ النُّبوَّة انقطعتْ بموته ﷺ ، وجزء النُّبوَّة لا يكون نبوَّة، كما أنَّ جزء الصَّلاة لا يكون صلاةً. نعم، إن وقعتْ من النَّبيِّ ﷺ فهي جزءٌ من أجزاء النُّبوَّة حقيقة. وقيل: إن وقعتْ من غيره ﵇ فهي جزءٌ من علم النُّبوَّة؛ لأنَّ

стр. 12096

النُّبوَّة وإن انقطعتْ فعلمُها باقٍ، وقول مالك ﵀ لما سُئلَ: أيعبُر الرُّؤيا كلُّ أحدٍ فقال (١): أَبالنُّبوَّة يُلعب (٢)؟! ثمَّ قال: الرُّؤيا جزءٌ من النُّبوَّة فلا يُلعب بالنُّبوَّة. أُجيب عنه بأنَّه لم يُرِدْ أنَّها نبوَّة باقية، وإنَّما أراد أنَّها لما أشبهتِ النُّبوَّة من جهةِ الاطلاع على بعضِ الغيب لا ينبغِي أن يُتَكلَّم فيها بغير علمٍ. وأمَّا وجه كونها ستَّة وأربعين جزءًا، فأبدَى بعضُهم له (٣) مناسبة، وذلك أنَّ الله تعالى أَوحى إلى نبيِّه ﷺ في المنامِ ستَّة أشهرٍ، ثمَّ أوحى إليهِ بعد ذلك في اليقظةِ بقيَّة مدَّة حياته، ونسبتها إلى الوحي في المنام جزء من ستَّة وأربعين جزءًا؛ لأنَّه عاش بعد النُّبوَّة ثلاثًا وعشرين سنة على الصَّحيح، فالستَّة الأشهر نصف سنة فهي جزءٌ من ستَّة وأربعين جزءًا من النُّبوَّة. وتعقَّبه (٤) الخطَّابيُّ بأنَّه قاله على سبيلِ الظَّنِّ؛ إذ أنَّه لم يثبتْ في ذلك خبرٌ ولا أثرٌ، ولئن سلَّمنا أنَّ هذه المدَّة محسوبة من أجزاءِ النُّبوَّة لكنَّه يلحقُ بها سائر الأوقات الَّتي كان يوحى إليه فيها منامًا في طولِ المدَّة كما ثبت، كالرُّؤيا (٥) في أُحد ودخول مكَّة، وحينئذٍ فيتلفَّق من ذلك مدَّة أُخرى تزادُ في الحساب، فتبطل القسمة الَّتي ذكرها. وأُجيب بأنَّ المراد: وحيُ المنام المتتابع، فما (٦) وقعَ في غضونِ وحي اليقظةِ فهو يسيرٌ بالنِّسبة إلى وحي اليقظةِ، فهو مغمورٌ في جانبِ وحي اليقظةِ، فلم يعتبر به. انتهى. وأمَّا حصرُ العددِ في الستَّة والأربعين، فقال المازريُّ: هو ممَّا أطلعَ الله عليه نبيَّه ﷺ . وقال ابن العربيِّ: أجزاء النُّبوَّة لا يعلم حقيقتها إلَّا نبيٌّ أو ملكٌ، وإنَّما (٧) القدرُ الَّذي أرادَ ﷺ أن يبيِّنه أنَّ الرُّؤيا جزءٌ من أجزاءِ النُّبوَّة في الجملة؛ لأنَّ فيها اطِّلاعًا على الغيب من وجهٍ ما، وأمَّا تفصيلُ النِّسبة فيختَصُّ بمعرفتهِ (٨) درجة النُّبوَّة. وقال المازريُّ أيضًا: لا يلزم العالم أن يعرفَ كلَّ شيءٍ جملةً وتفصيلًا، فقد جعلَ الله للعالم حدًّا يقفُ عنده، فمنه ما يعلمُ المراد به جملةً وتفصيلًا،

стр. 12097

ومنه ما يعلمهُ جملةً لا تفصيلًا، وهذا من هذا القبيلِ. وفي مسلم من حديث أبي هريرة: «جزءٌ من خمسةٍ وأربعين»، وله أيضًا عن ابن عمر: «جزءٌ من سبعين جزءًا». وللطَّبرانيِّ عنه: «جزء من ستَّة وسبعين» وسندُه ضعيفٌ، وعند ابن عبد البرِّ من طريقِ عبد العزيز بنِ المختار عن ثابتٍ عن أنسٍ مرفوعًا: «جزء من ستَّة وعشرين»، وعند الطَّبري في «تهذيب الآثار» عن ابن عبَّاس: «جزءٌ من خمسين»، وللتِّرمذيِّ من طريق أبي رزين العقيليِّ: «جزءٌ من أربعين»، وللطَّبريِّ (١) من حديثِ عبادةَ: «جزءٌ من أربعة وأربعين»، والمشهور (٢): «ستَّة وأربعين». قال في «الفتح»: ويمكنُ الجواب عن اختلافِ الأعدادِ أنَّه بحسبِ الوقت الَّذي حدَّث فيه ﷺ بذلك، كأن يكون لمَّا أكملَ ثلاث عشرة سنة بعدَ مجيءِ الوحي إليه حدَّث بأنَّ الرُّؤيا جزءٌ من ستَّة وعشرين إن ثبتَ الخبرُ (٣) بذلك وذلك وقت الهجرة، ولمَّا أكملَ عشرين حدَّث (٤) بأربعين، ولمَّا أكملَ اثنتين وعشرين حدَّث بأربعةٍ وأربعين، ثمَّ بعدَها بخمسةٍ وأربعين، ثمَّ حدَّث بستَّة وأربعين في آخرِ حياته، وأمَّا ما عدا ذلك من الرِّوايات بعد الأربعين فضعيفٌ، ورواية: الخمسين تحتملُ أن تكون (٥) لجبرِ (٦) الكسر، ورواية: السَّبعين للمبالغةِ، وما عدا ذلك لم يثبتْ. انتهى. وقلَّما يصيبُ مؤوِّلٌ في حصر هذه الأجزاء، ولئن وقعَ له الإصابة في بعضِها لمَا تشهد له الأحاديثُ المستخرج (٧) منها لم يسلمْ له ذلك في بقيِّتها، والتَّقييدُ بالصَّالح جرى على الغالبِ، فقد يرى الصَّالح الأضغاثَ، ولكنَّه نادر لقلَّة تمكُّن الشَّيطان منه بخلافِ العكس، وحينئذٍ فالنَّاس على ثلاثةِ أقسام: الأنبياءُ صلوات الله وسلامه عليهم ورؤياهُم كلُّها صدقٌ، وقد يكون فيها ما يحتاج إلى تعبيرٍ. والصَّالحون والأغلبُ على رؤياهم الصِّدق، وقد يقعُ فيها ما لا يحتاجُ إلى تعبير (٨)، ومن عَداهم يكون في رُؤياهم الصِّدق. والأضغاثُ وهم على ثلاثةٍ: مستورون: فالغالبُ

стр. 12098

استواءُ الحال في حقِّهم، وفَسَقة: والغالبُ على رُؤياهم الأضغاثُ، ويقلُّ فيها الصِّدق، وكفَّارٌ: ويندرُ في رُؤياهم الصِّدق جدًّا، قاله المهلَّب، فيما ذكره في «الفتح». فإن قلتَ: لم عبَّر بلفظ «النُّبوَّة» دون لفظ الرِّسالة؟ أُجيب بأنَّ السِّرَّ فيه أنَّ الرِّسالة تزيدُ على النُّبوَّة بالتَّبليغ، بخلاف النُّبوَّة المجرَّدة فإنَّها اطِّلاعٌ على بعض المغيَّبات، وكذلك الرُّؤيا. والحديث أخرجه النَّسائيُّ وابنُ ماجه في «التَّعبير». (٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (الرُّؤْيَا مِنَ اللهِ) تعالى، وسَقَط لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ. ٦٩٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو: أحمدُ بنُ عبد الله بنِ يونس اليربوعيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) بنُ معاوية أبو خيثمةَ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (يَحْيَى -هُوَ: ابْنُ سَعِيدٍ-) ولأبي ذرٍّ: «وهو: ابنُ سعيد» أي: الأنصاريُّ (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ) بن عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوف (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ) الحارث بنَ ربعيٍّ الأنصاريَّ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: الرُّؤْيَا) يراها الشَّخص في النَّوم ممَّا يسرُّه (١) (مِنَ اللهِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «الصَّادقة»، وله عن الكُشمِيهنيِّ: «الصَّالحة» (وَالحُلُْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ) بضم الحاء المهملة وسكون اللام. وقال السَّفاقِسيُّ: بضمهما (٢)، وهو ما يراه النَّائم من الأمر الفظيعِ المهول. قال ابنُ نفيس في «شامله»: قد تحدثُ الأحلامُ لأمرٍ في (٣) المأكولِ، وذلك بأن يكون كثيرَ التَّبخير أو التَّدخين، فإذا تصعَّد ذلك إلى الدِّماغ وصادفَ انفتاحَ البطن الأوسط منه، وهو من شأنه أن يكون مُتفتِّحًا حال النَّوم، حرَّك ذلك البُخار أو الدُّخان أرواحَ الدِّماغ وغيرها عن أوضاعِها، فيعرض عن ذلك أن تختلطَ الصُّور الَّتي في مقدَّم الدِّماغ بعضها من بعضٍ (٤)، وينفصلَ

стр. 12099

بعضُها من بعضٍ، فيحدثُ من ذلك صور ليستْ على وفق الصُّور الواردةِ من (١) الحواسّ، والقوَّة الَّتي تدرك تلك الصُّور حينئذٍ، ويلزمُ ذلك أن يحكمَ على تلك الصُّور بمعانٍ (٢) تناسبُها، فتكون تلك المعاني لا محالةَ مخالفةً للمعاني المعهودةِ، فلذلك (٣) تكون الأحلامُ حينئذٍ مشوَّشة فاسدة، وقد تحدُثُ الأحلامُ لأمرٍ مهمٍّ يتفكَّر فيه في اليقظةِ، فيستمرُّ عمل القوَّة المفكرة في ذلك، فيكون أكثر ما يرى متعلِّقًا به، وهذا مثل الصَّنائع والفكر في العلوم، وكثيرًا ما يكون الفكر صحيحًا؛ لأنَّ القوَّة (٤) تكون حينئذٍ قد قويتْ بما عرضَ لها من الرَّاحة، ولأجل توفُّر الأرواحِ حينئذٍ على القوى الباطنةِ، فلذلك كثيرًا ما ينحلُّ حينئذٍ مسائل مشكلة وشبْه معطَّلة، وكثيرًا ما تستنتجُ الفكرة حينئذٍ مسائل لم تخطرْ أولًا بالبال، وذلك لتعلُّقها بالفكرة المتقدِّمة في اليقظةِ، وهذه الوجوهُ من الأحلامِ لا اعتبارَ لها في التَّعبير، وأكثرُ من تَصْدق (٥) أحلامُه من يتجنَّب (٦) الكذب، فلا يكون لمخيِّلته عادة بوضع الصُّور والمعاني الكاذبةِ، ولذلك الشُّعراء يندر جدًّا صدقُ (٧) أحلامِهم؛ لأنَّ الشَّاعر من عادتهِ التَّخيل بما (٨) ليس واقعًا (٩)، وأكثرُ فكره إنَّما هو في وضعِ الصُّور والمعاني الكاذبةِ. انتهى. وإضافة الحلم إلى الشَّيطان (١٠)؛ لكونه (١١) على هواه ومراده، أو لأنَّه الَّذي يخيِّل فيه (١٢) ولا حقيقةَ له (١٣) في نفسِ الأمر، أو لأنَّه يحضره لا أنَّه يفعله؛ إذ كلٌّ مخلوقٌ لله تعالى، وأمَّا

стр. 12100

إضافة الرُّؤيا وهي اسمٌ للمرئيِّ المحبوبِ إلى الله تعالى فإضافة تشريفٍ، فظاهرُه (١): أنَّ المضافةَ إلى الله لا يُقال لها حُلُم، والمضافة (٢) إلى الشَّيطان لا يُقال لها: رؤيا، وهو تصريفٌ شرعيٌّ، وإلَّا فالكلُّ يسمَّى رؤيا. وفي حديث آخر [خ¦٧٠١٧] «الرُّؤيا ثلاث»، فأطلق على كلٍّ رؤيا. وحديث الباب سبقَ في «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٤٧]، وأخرجه مسلمٌ والتِّرمذيُّ وأبو داود والنَّسائيُّ وابنُ ماجه. ٦٩٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بنُ سعد الإمام قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ الهَادِ) بغير تحتية بعد المهملة، وهو: يزيدُ بنُ عبد الله بنِ أسامةَ بنِ عبد الله بنِ شدَّاد بنِ الهاد اللَّيثيُّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَبَّابٍ) بخاء معجمة مفتوحة وموحدتين الأولى مشددة بينهما ألف الأنصاريِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالك (الخُدْرِيِّ) ﵁ (أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ) في منامه (رُؤْيَا يُحِبُّهَا فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ اللهِ، فَلْيَحْمَدِ اللهَ عَلَيْهَا وَلْيُحَدِّثْ بِهَا) وفي مسلم حديث: «فإن رأى رؤيا (٣) حسنةً فليَبْشُر ولا يُخبرْ إلَّا من يحبُّ»، وفي التِّرمذيِّ من حديثِ أبي رَزين: «ولا يقصُّها إلَّا على وادٍّ»، وفي أخرى: «ولا يُحدِّث بها إلَّا لبيبًا أو حبيبًا». وفي أخرى: «لا تُقَصُّ الرُّؤيا إلَّا على عالمٍ أو ناصحٍ»، قيل: لأنَّ العالم يؤولها على الخيرِ مهما أمكنَه، والنَّاصح يُرشد إلى ما ينفعُ، واللَّبيب العارفُ بتأويلها، والحبيبُ إن عرفَ خيرًا قاله، وإن جهلَ أو شكَّ سكتَ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وليتحدَّث» بزيادة فوقيَّة بعد التحتية (٤) وفتح الدال المهملة (وَإِذَا رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْرَهُ

стр. 12101

فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ الشَّيْطَانِ) لأنَّه الَّذي يخيَّل فيها أو أنَّها تناسب صفته (١) من الكذبِ والتَّهويل وغير ذلك، بخلاف الرُّؤيا الصَّادقة فأُضيفتْ إلى الله إضافةَ تشريفٍ وإن كان الجميع (٢) بخلقِ الله وتقديره، كما أنَّ الجميعَ عباد الله وإن كانوا عُصَاة، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] و ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] (فَلْيَسْتَعِذْ) بالله (مِنْ شَرِّهَا) أي (٣): من شرِّ الرُّؤيا (وَلَا يَذْكُرْهَا لأَحَدٍ) وفي «مستخرج أبي نُعيم» حديث: «وإذا رَأى أحدُكُم شيئًا يكرهُهُ فلينفُثْ ثلاثَ مرَّات، ويتعوَّذ بالله من شرِّها»، وفي «باب الحلم من الشَّيطان» عند المؤلِّف [خ¦٧٠٠٥] «فليبصقْ عن يسارهِ»، ولمسلم: «عن يساره (٤) حين يهبُّ من نومه (٥) ثلاث مرَّات»، وعند المؤلِّف في «باب إذا رأى ما يكره» [خ¦٧٠٤٤] «فليتعوَّذ بالله من شرِّها ومن شرِّ الشَّيطان، وليتفلْ ثلاثًا، ولا يحدِّث بها أحدًا» (فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ). ومحصِّله: أنَّ الرُّؤيا الصَّالحة آدابها ثلاثة: حَمْدُ الله عليها، وأنْ يستبشرَ بها، وأنْ يتحدَّث بها لكن لمن يحبُّ دون من يكرهُ، وأنَّ آدابَ (٦) الحلم أربعة: التَّعوُّذ بالله من شرِّها ومن شرِّ الشَّيطان، وأن يتفلَ (٧) حين يستيقظَ من نومهِ، ولا يذكرها لأحدٍ أصلًا. وفي حديث أبي هريرة عند المؤلِّف في «باب القيد في المنام» [خ¦٧٠١٧] «وليقم فليصلِّ»، لكن لم يصرِّح البخاريُّ بوصلهِ وصرَّح به مسلم. وعند مسلم (٨): «وليتحوَّلْ عن جنبهِ الَّذي كان عليه»، والحكمةُ في التَّفل -كما قال بعضهم-: طردُ الشَّيطان الَّذي حضر الرُّؤيا المكروهة، أو إشارة إلى استقذارِهِ، والصَّلاة جامعة لما ذكر على ما لا يخفَى، وعند سعيدِ بن منصور وابن أبي شيبة وعبد الرَّزَّاق بأسانيد صحيحة عن إبراهيم النَّخعيِّ قال: إذا رَأى أحدُكم في منامهِ ما يكرَه، فليقلْ إذا استيقظَ: أعوذُ بما عاذتْ به ملائكةُ الله ورسوله

стр. 12102

من شرِّ رُؤياي هذه أن يُصيبني منها (١) ما أكرهُ في (٢) دِيني ودُنياي. وفي النَّسائيِّ من رواية عَمرو بن شُعيب عن أبيهِ عن جدِّه قال: كان خالدُ ابن الوليد يفزعُ في منامهِ، فقال: يا رسولَ الله إنِّي أروَّعُ في المنام، فقال: «إذا اضطجعْتَ فقلْ: بسمِ الله، أعوذُ بكلماتِ الله التَّامَّات من غضبهِ وعقابهِ (٣)، وشرِّ عبادهِ، ومن همزاتِ الشَّياطين وأنْ يحضرون». وحديث الباب أخرجه التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «الرُّؤيا» و «اليوم واللَّيلة». (٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ). ٦٩٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو: ابن مُسَرْهدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) اليمانيُّ (وَأَثْنَى عَلَيْهِ) مسدَّدٌ (خَيْرًا) حالَ تحديثه (وَقَالَ: لَقِيتُهُ بِاليَمَامَةِ) بالتَّخفيف بين مكَّة والمدينة (عَنْ أَبِيهِ) يحيى أنَّه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ) بنُ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوف (عَنْ أَبِي قَتَادَةَ) الحارث بن ربعيٍّ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللهِ وَالحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا حَلَمَ) بفتح الحاء المهملة واللام بوزن ضَرَب، أحدكم (٤) (فَلْيَتَعَوَّذْ) بالله (مِنْهُ) من الشَّيطان (وَلْيَبْصُقْ) طردًا للشَّيطان وتحقيرًا واستقذارًا (٥) له (عَنْ شِمَالِهِ) لأنَّه محلُّ الأقذار والمكروهات (فَإِنَّهَا) أي: الرُّؤيا المكروهة (لَا تَضُرُّهُ) لأنَّ الله تعالى جعلَ ما ذكر من التَّعوُّذ

стр. 12103

وغيره سببًا للسَّلامة من المكروه المترتِّب على الرُّؤيا، كما جعلَ الصَّدقة وقايةً للمال، وسببًا لدفع البلاء، قاله النَّوويُّ رحمه الله تعالى. وقد ورد النَّفْث والتَّفْل والبَصْق، فقيل: النَّفْث والتَّفْل بمعنًى ولا يكونان إلَّا بريقٍ. وقال أبو عُبيد: يشترطُ في التَّفْل ريقٌ يسيرٌ ولا يكون في النَّفث، وقيل عكسُه، وقيل: الَّذي يجمعُ الثَّلاثة الحملُ على التَّفل فإنَّه نفخٌ معه ريقٌ (١)، فبالنَّظر إلى النَّفخ قيل له: نفثٌ، وبالنَّظر إلى الرِّيق قيل له: بصاقٌ. (وَ) بالسَّند السَّابق (عَنْ أَبِيهِ) أي: عن أبي عبد الله، وهو يحيى بن أبي كثيرٍ، واسم أبي كثيرٍ صالحُ بن المتوكِّل (قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أبي قتادة الحارث (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ) أي: مثلَ الحديث السَّابق. واعتراضُ (٢) الزَّركشيِّ في «تنقيحه» على البخاريِّ حيث قال: وإدخالُه حديثَ أبي قتادة في «باب الرُّؤيا الصَّالحة جزءٌ من ستَّةٍ وأربعين جزءًا من النُّبوَّة»؛ لا وجه له، أخذَه من قول الإسماعيليِّ ليس هذا الحديث من هذا الباب في شيءٍ. وأجابَ عنه في «المصابيح» بأنَّ له وجهًا ظاهرًا وهو التَّنبيه على أنَّ هذا الكلام وإنْ كان عامًّا فهو مخصوصٌ بالرُّؤيا الصَّالحة، كما دلَّت عليه أحاديث الباب. قال: وإذا (٣) كان مخصوصًا بالرُّؤيا الصَّالحة اتَّجه إدخاله في بابها اتِّجاهًا ظاهرًا. انتهى. وهو مثلُ قول الحافظِ ابن حجرٍ: وجه دخوله في هذه التَّرجمة إشارةٌ إلى أنَّ الرُّؤيا الصَّالحة إنَّما كانت جزءًا من أجزاء النُّبوَّة؛ لكونها من الله تعالى بخلافِ الَّتي من الشَّيطان فإنَّها ليست من أجزاء النُّبوَّة. ٦٩٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحدة والمعجمة المشددة المعروف ببُنْدَار قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) هو: محمَّد بن جعفرٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة السَّدوسيِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (٤)

стр. 12104

(قَالَ: رُؤْيَا المُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ) وقد سبقَ ما في ذلك قريبًا [خ¦٦٩٨٣] قال الغزاليُّ: لا تظنَّ أنَّ تقدير النَّبيِّ ﷺ يجرِي على لسانهِ كيفما اتَّفق، بل لا ينطقُ إلَّا بحقيقةِ الحقِّ، فقولهُ (١): «رؤيا المؤمن جزءٌ من ستَّةٍ وأربعين جزءًا من النُّبوَّة» فإنَّه تقدير تحقيق (٢)، لكن ليس في قوَّة غيره أن يعرفَ علَّة تلك النِّسبة إلَّا بتخمين؛ لأنَّ النُّبوَّة عبارةٌ عمَّا يختصُّ به النَّبيُّ (٣) ويفارقُ به غيره، وهو مختصٌّ بأنواعٍ من الخواصِّ كلُّ واحدٍ منها (٤) يمكنُ انقاسمه إلى أقسامٍ بحيث يمكننا أن نقسمَها إلى ستَّة وأربعين جزءًا بحيث تقعُ الرُّؤية الصَّحيحة جزءًا من جملتها، لكنَّه (٥) لا يرجع إلَّا إلى الظَّنِّ والتَّخمين لا أنَّه الَّذي أراده (٦) النَّبيُّ ﷺ حقيقةً (٧). تنبيه: قال في «فتح الباري»: خالف قتادة غيره فلم يذكروا عبادة بن الصَّامت في السَّند. والحديث أخرجه مسلمٌ في «التَّعبير» والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «الرُّؤيا». ٦٩٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى (٨) بْنُ قَزَعَةَ) بفتح القاف والزاي القرشيُّ المكيُّ المؤذِّن قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوف الزُّهريُّ، أبو إسحاق المدنيُّ (٩) نزيلُ بغداد، ثقةٌ حجَّة تكلِّم فيه بلا قادحٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: رُؤْيَا المُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ

стр. 12105

سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ) وهو (١) نظير قولهِ ﷺ : «السَّمت الحسنُ والتُّؤدةُ والاقتصادُ جزءٌ من أربعةٍ وعشرين جزءًا من النُّبوَّة» أي: من أخلاقِ أهل النُّبوَّة، وأمَّا الحصرُ في السِّتَّة والأربعين فالأولى أن يُجْتنبَ القولُ فيه ويُتَلقَّى بالتَّسليم؛ لعجزنَا عن حقيقةِ معرفتهِ على ما هو (٢) عليه (رَوَاهُ) أي: الحديث السَّابق، ولأبي ذرٍّ: «ورواه» (ثَابِتٌ) البُنانيُّ فيما وصلَه المؤلِّف عن مُعلَّى (٣) بن أسدٍ في «باب من رأى النَّبيَّ ﷺ » [خ¦٦٩٩٤] (وَحُمَيْدٌ) الطَّويل فيما وصلَه الإمام أحمدُ عن محمَّد بن أبي عديٍّ عنه (وَإِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن أبي طلحةَ فيما سبق قريبًا [خ¦٦٩٨٣] (وَشُعَيْبٌ) هو: ابنُ الحَبْحاب فيما وصلَه ابنُ مندهْ، أربعتُهم (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أي: بغيرِ واسطةٍ لم يقلْ: عن أنسٍ عن عبادةَ بن الصَّامت، كما في السَّابق. ٦٩٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزاي، أبو إسحاق القرشيُّ قال: (حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء مهملةً (٤) والزاي أيضًا بينهما ألف، عبدُ العزيز، واسم أبي حازم سلمة بن دينارٍ (وَالدَّرَاوَرْدِيُّ) عبدُ العزيز بن محمَّد بن عبيدٍ، وهو نسبة إلى دَرَاورد قريةٌ من قرى خُراسان (عَنْ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَبَّابٍ) بالخاء المعجمة والموحدتين المشدَّدة أُولاهما بينهما ألف المعروفُ بابنِ الهاد (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) ﵁ (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ) (٥) وفي رواية «الصَّادقة» وهي المطابقةُ للواقع (جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ) وقوله: «الصَّالحة» تقييدٌ لما أطلق في الرِّوايتين السَّابقتين، وكذا (٦) وقع التَّقييدُ في «باب رؤيا الصَّالحين» [خ¦٦٩٨٣]

стр. 12106

بالرَّجل الصَّالح، فرؤيا الصَّالح هي الَّتي تنسب إلى أجزاءِ النُّبوَّة، ومعنى صلاحها: انتظامها واستقامتها، فرؤيا الفاسق لا تُعدُّ من أجزاءِ النُّبوَّة، وأمَّا رؤيا الكافر فلا تعدُّ أصلًا ولو صدقتْ رُؤياهم أحيانًا، فذاك كما يَصْدُقُ الكذوبُ، وليس كلُّ من حدَّث عن غيبٍ يكون خبره من أجزاء النُّبوَّة كالكاهنِ والمنجِّم، وقد وقعتِ الرُّؤيا الصَّادقة من بعض الكفَّار كما في رؤيا صاحِبَي (١) السِّجن مع يوسف ﵇ ورؤيا مَلكهما. (٥) (باب المُبَشِّرَاتِ) بكسر المعجمة المشددة، جمع: مُبَشِّرة، وقولُ الحافظ ابن حجرٍ: وهي البُشرى (٢) تعقَّبه صاحب «عمدة القاري» فقال: ليس كذلك؛ لأنَّ (٣) البشرى اسمٌ بمعنى البِشَارة، والمبشِّرة اسم فاعلٍ للمؤنَّث من التَّبشير، وهي إدخال (٤) السُّرور والفرح على المبشَّر -بفتح المعجمة-، وعند الإمام أحمد من حديث أبي الدَّرداء عن النَّبيِّ ﷺ في قولهِ: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤] قال: «الرُّؤيا الصَّالحة يراهَا المسلمُ أو تُرى له» وعنده أيضًا من حديث عبادةَ بن الصَّامت أنَّه سأل رسولَ الله ﷺ فقال: يا رسولَ الله أرأيتَ قولَ الله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤] فقال: «لقدْ سألتَني عن شيءٍ ما سَألني عنه أحدٌ من أمَّتي، أو أحدٌ قبلكَ» قال: «تلكَ الرُّؤيا الصَّالحة يَراها الصَّالح أو تُرى له» وكذا رواه أبو داود الطَّيالسيُّ عن عمران القطَّان، عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ به. وعنده أيضًا من حديثِ ابن عَمرو (٥) عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٦٤] قال: «الرُّؤيا الصَّالحة يُبَشَّرها المؤمنُ، وهي (٦) من تسعةٍ وأربعين جزءًا من النُّبوَّة، فمَن رأى تلك فليُخبرْ بها، ومَن رأى سوءًا (٧) فإنَّما هو من الشَّيطان ليُحزنَه، فلينفثْ عن يسارهِ ثلاثًا وليسكتْ ولا يُخبرْ بها». وعند ابنِ جريرٍ من حديثِ أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ : ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤]

стр. 12107

قال: «هي (١) في الدُّنيا الرُّؤيا الصَّالحة يراهَا العبدُ أو تُرى له، وفي الآخرةِ بالجنَّة»، وعنده أيضًا عن أبي هُريرة موقوفًا: الرُّؤيا الحسنة هي البُشرى يراها المسلمُ أو تُرى له. ٦٩٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو: ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ) بلفظ الماضي والمراد الاستقبال، وفي حديث عائشة عند أحمدَ: «لم يبق بعدِي» (إِلَّا المُبَشِّرَاتُ) قال في «المصابيح»: وحينئذٍ فيكون المقام مقتضيًا للنَّفي بغير «لم» ممَّا يدلُّ على النَّفي في المستقبلِ، كما ورد: «لن (٢) يبقَى من بعدِي من النُّبوَّة إلَّا المبشِّرات» يعني: أنَّ الوحي منقطعٌ بموتهِ، فلا يبقى بعدَه ما يعلم به ما (٣) سيكون غير الرُّؤيا الصَّالحة. انتهى. وقيل: هو على ظاهرهِ؛ لأنَّه قال ذلك في زمانهِ، واللام في النُّبوَّة للعهدِ، والمراد: نبوَّته، أي: لم يبق بعد النُّبوَّة المختصَّة بي (٤) إلَّا المبشِّرات، وفي (٥) حديثِ ابن عبَّاس عند مسلم قال ذلك في مرض موتهِ، وفي حديث أنسٍ عندَ أبي يعلى مرفوعًا: «إنَّ الرِّسالة والنُّبوَّة قد انقطعتْ، ولا نبيَّ ولا رسولَ بعدي، ولكن بقيتِ المبشِّرات» (قَالُوا): يا رسول الله (وَمَا المُبَشِّرَاتُ؟ قَالَ) ﷺ : (الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ) أي: يراها الشَّخص أو تُرى له، والتَّعبير بالمبشِّرات خرج مخرجَ الغالب، وإلَّا فمن الرُّؤيا ما تكون منذرة، وهي صادقةٌ يُريها الله تعالى لعبدِه المؤمن لطفًا به (٦)، فيستعدُّ لما يقعُ قبل وقوعهِ. والحديث من أفرادهِ.

стр. 12108

(٦) (باب رُؤْيَا يُوسُفَ) وللنَّسفيِّ: «يوسف بنِ يعقوب بنِ إسحاق بنِ إبراهيم خليل الرَّحمن» (وَقولهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ﴾) بدل اشتمالٍ من ﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ إنْ جُعل مفعولًا أو منصوبًا بإضمار اذكرْ، و «يوسف» عبريٌّ، ولو كان عربيًّا لصرف لخلوِّه عن سببٍ آخر سوى التَّعريف (﴿لِأَبِيهِ﴾) يعقوب (﴿يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ﴾) من الرُّؤيا لا من الرُّؤية؛ لأنَّ ما ذكره معلومٌ أنَّه منام (﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾) روى ابنُ جرير عن جابرٍ قال: أتى النَّبيَّ ﷺ رجلٌ من اليهودِ يُقال له: بُستَانَة اليهودي (١) فقال له: يا محمَّد أخبرني عن الكواكبِ الَّتي رآها يوسفُ ساجدةً له ما أسماؤها؟ (٢) قال: فسكت النَّبيُّ ﷺ فلم يجبْه بشيءٍ، فنزل (٣) جبريلُ ﵇ فأخبره بأسمائها. قال (٤): فبعثَ رسولُ الله ﷺ إليه فقال: «هَلْ أَنْتَ مُؤْمِنٌ إِنْ أَخْبَرْتُكَ بِأَسْمَائِهَا؟» (٥) فَقَالَ: نعم. «حَرَثَانِ، والطَّارِقُ، والذَّيَّال، وذُو الكَتِفَين، وذُو القَابِس، ووَثَّابٌ، وعَمُودَانِ، والفُلَيْقُ، والمُصَبِّحُ، والضَّرُوْج، وذُو الفَرْغِ». فقال اليهوديُّ: إي والله إنَّها لأسماؤها. ورواه البيهقيُّ في «الدَّلائل»، وأبو يعلى (٦) الموصلي والبزَّار في «مسنديهما» (﴿وَالشَّمْسَ

стр. 12109

وَالْقَمَرَ﴾) هما أبواه، أو أبوه وخالته، والكواكب إخوته. قيل: الواو بمعنى مع، أي: رأيتُ الكواكبَ مع الشَّمس والقمر، وأجريتْ مجرى العُقلاء في ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ لأنَّه وصفها بما هو المختصُّ بالعقلاء وهو السُّجود، وكُرِّرتِ الرُّؤية؛ لأنَّ الأولى تتعلَّق بالذَّات والثَّانية بالحالِ، أو الثَّانية كلامٌ مستأنفٌ على تقديرِ سؤال وقع جوابًا له كأنَّ أباهُ قال له: كيف رأيتَها؟ فقال (١): (﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾) متواضعين (٢) وكان سنُّه اثنتي عشرة سنةً يومئذٍ (﴿قَالَ يَا بُنَيَّ﴾) صغَّره للشَّفقة أو لصغر سنِّه (﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا﴾) جواب النَّهي، أي: إن قصصتَها عليهم كادوكَ، فَهِمَ يعقوب ﵇ من رُؤياه أنَّ الله يصطفيهِ لرسالتهِ، ويُنعم عليه بشرفِ الدَّارين، فخافَ عليه حسدَ إخوتهِ وبغيهم (﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾) ظاهرُ العداوةِ فيحملُهم على الحسدِ والكيد (﴿وَكَذَلِكَ﴾) أي: وكما اجتباك (٣) بمثلِ هذه الرُّؤيا الدَّالَّة على شرفكَ وعزِّك (﴿يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾) يصطفيكَ للنُّبوَّة والملك (﴿وَيُعَلِّمُكَ﴾) كلامٌ مُبتدأ غيرُ داخلٍ في حكمِ التَّشبيه، كأنَّه (٤) قيل: وهو يعلِّمك (﴿مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ﴾) من تعبيرِ (٥) الرُّؤيا (﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾) بإرسالكَ والإيحاءِ إليك (﴿وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ﴾) أرادَ الجدَّ وأبا الجدِّ (﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ﴾) عطف بيانٍ لـ ﴿أَبَوَيْكَ﴾ (﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ﴾) يعلمُ من يستحقُّ الاجتباء (﴿حَكِيمٌ﴾ [يوسف: ٤ - ٦]) يضعُ الأشياء في مَواضعها، وسقط لأبي ذرٍّ من قولهِ «﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ﴾ … » إلى آخره وقال بعدَ: ﴿سَاجِدِينَ﴾: «إلى قولهِ: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾». (وَقولهِ تَعَالَى (٦): ﴿يَا أَبَتِ هَذَا﴾) أي: سجودهم (﴿تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ﴾) الَّتي (٧) كان قصَّها على أبيه: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ وكان هذا سائغًا في شَرائعهم إذا سلَّموا على كبيرٍ (٨) سجدوا له، ولم يزلْ هذا جائزًا من لُدن آدم إلى شريعةِ عيسى ﵇، فحُرِّم هذا في هذه الملَّة المحمَّديَّة

стр. 12110

(﴿قَدْ جَعَلَهَا﴾) أي: الرُّؤيا (﴿رَبِّي حَقًّا﴾) صادقة، وأخرج الحاكم والطَّبريُّ والبيهقيُّ في «شعبه» بسندٍ صحيحٍ عن سلمان الفارسيِّ قال: كانَ بين رُؤيا يوسف وعبارتها أربعون عامًا. وذكر البيهقيُّ له شاهدًا عن عبد الله بن شدَّاد وزاد: وإليها ينتهِي أمدُ الرُّؤيا. وعند الطَّبريِّ عن الحسن البصريِّ قال: كانتْ مدَّة المفارقةِ بين يعقوب ويوسف ثمانين سنةً، وفي لفظ: ثلاثًا وثمانين سنةً (١) (﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾) ولم يقلْ من الجبِّ لقولهِ: ﴿لَا تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ (﴿وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ﴾) من الباديةِ؛ لأنَّهم كانوا أصحابَ مواشٍ ينتقلونَ في المياهِ والمناقع (﴿مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾) أفسدَ بيننا وأَغوى (﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾) بمصالحِ عبادهِ (﴿الْحَكِيمُ﴾) في أفعالهِ وأقوالهِ، وقضائهِ وقدرهِ، وما يختاره ويريدُه (﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾) مُلك مصر (﴿وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ﴾) تعبير الرُّؤيا (﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾) طلبَ ذلك لقول يعقوب لولده: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] وإنَّما دعا به ليقتدي به قومه من بعدِه (﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠٠ - ١٠١]) من آبائي، أو على العمومِ. (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ ﵀، وثبت قولهُ: «قال (٢) أبو عبد الله» لأبي ذرٍّ: (فَاطِرٌ وَالبَدِيعُ وَالمُبْتَدِعُ) بفوقية بعد الموحدة، ولأبي ذرٍّ: «والمبدع (٣)» بإسقاط الفوقيَّة (وَ ﴿الْبَارِئُ﴾ [الحشر: ٢٤]) بالراء والهمزة (٤)، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «والبادئ» بالدال المهملة بدل الراء (وَالخَالِقُ) السَّبعة معناها (وَاحِدٌ) ومراده: تفسير الفاطر من قولهِ: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ومرادُه: أنَّ الأسماءَ المذكورة ترجعُ إلى معنًى واحدٍ، وهو إيجادُ الشَّيء بعد أن لم يكن، وقولهُ: (مِنَ البَدْءِ (٥)) بفتح الموحدة وسكون المهملة بعدها همزة، كذا في الفرع كأصله، وفي بعض النُّسخ بغير همزةٍ (٦) وهو أوجه؛ لأنَّه يريد تفسير قوله: ﴿وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ﴾ (بَادِئَةٍ) بالهمز أيضًا في الفرع (٧)،

стр. 12111

وفي غيره بتركه، أي: وجاء بكم (١) من الباديةِ، أو مرادُه: إنَّ فاطر معناه: البادئ، من البدء، أي: الابتداء، أي: بادئ الخلق بمعنى فاطره، وسقط من قولهِ: «قال أبو عبد الله … » إلى آخره للنَّسفيِّ. (٧) (باب) بيان (رُؤْيَا إِبْرَاهِيمَ) الخليل ﵇ وسقط لغير أبي ذرٍّ لفظ «باب» (وَقَوْلُهُ تَعَالَى) رفعٌ، وسقطَتْ الواو في الفرع، وثبتتَ في أصله: (﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾) بلغَ أن يَسعى مع أبيهِ في أشغالهِ وحوائجهِ، و «معه» لا تتعلَّق ببلغَ؛ لاقتضائهِ بلوغهما معًا حدَّ السَّعي، ولا بالسَّعي؛ لأنَّ صلة المصدرِ لا تتقدَّم عليه، فبقِي (٢) أن يكون بيانًا، كأنَّه قال (٣) لما قال: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ (٤) السَّعْيَ﴾، أي: الحدَّ الَّذي يقدرُ فيه على السَّعي. قيل: مع مَن؟ قال: مع أبيه. وكانَ إذ ذاك ابن ثلاثَ عشرة سنةً، والمعنى في اختصاصِ الأب: أنَّه أرفقُ النَّاس به وأعطفُهم عليه، وغيره ربَّما عنَّف به في الاستسعاءِ فلا يحتملُه؛ لأنَّه لم يستحكمْ قوَّته (﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى﴾) أي: إنِّي رأيتُ (﴿فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾) ورؤيا الأنبياءِ في المنامِ وحيٌ. رواه ابن أبي حاتمٍ عن ابن عبَّاس مرفوعًا، أي: كالوحي في اليقظةِ، فلهذا قال: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ (﴿فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾) من الرَّأي على وجه المشاورةِ لا من رؤية العين، وإنَّما شاورهُ ليأنسَ للذَّبح وينقادَ للأمر به (﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾) به (﴿سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾) على الذَّبح، أو على قضاءِ الله به (﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾) خضعَا وانقادا لأمرِ الله ، أو أسلما الذَّبيح نفسَه وإبراهيم ابنَه (٥) (﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾) صرعَه عليه ليذبحَهُ من قَفاه ولا يشاهد وجهَهُ عند ذَبحه؛ ليكون أهونَ عليه،

стр. 12112

ووضعَ السِّكِّين على قفاه فانقلب (١) السِّكِّين ولم تعملْ شيئًا بمانعٍ من القدرة الإلهيَّة (﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ. قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾) أي: حقَّقت ما أمرناكَ به في المنامِ من تسليمِ الولدِ للذَّبح، وجوابِ «لمَّا» محذوفٌ تقديره: كان ما كان ممَّا ينطق به الحالُ، ولا يحيطُ به الوصفُ (٢) من استبشارهمَا وحمدهمَا لله وشُكرهما على ما أنعمَ به عليهمَا من دفعِ البلاءِ العظيمِ بعد حلولهِ (﴿إِنَّا كَذَلِكَ﴾) أي (٣): كما جزيناك (﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢ - ١٠٥]) لأنفسهم بامتثالِ الأمر بإفراجِ الشِّدَّة عنهم. (قَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفِريابيُّ في «تفسيره» في قولهِ تعالى: (﴿أَسْلَمَا﴾) أي: (سَلَّمَا مَا أُمِرَا بِهِ) سلَّم الابنُ نفسَه للذَّبحِ والأبُ ابنه (﴿وَتَلَّهُ﴾) أي: (وَضَعَ وَجْهَهُ بِالأَرْضِ) لأنَّه قال له: يا أبتِ لا تَذبحني وأنت تنظرُ في وجهِي؛ لئلَّا ترحمني. ولم يذكر البخاريُّ ﵀ هنا حديثًا كالتَّرجمة الَّتي قبلُ، بل اكتفى فيهمَا بما أوردهُ من الآيات القرآنيَّة، ولعلَّه لم يتَّفق له حديثٌ فيهما (٤) على شرطهِ. (٨) (باب التَّوَاطُؤُ) أي: توافق جماعةٍ (عَلَى الرُّؤْيَا) الواحدةِ وإن اختلفت عباراتهم. ٦٩٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) نسبَه لجدِّه، وأبوه عبد الله، قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (٥) (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين، ابن خالد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) والد سالمٍ (¬﵁¬) وعن أبيهِ (أَنَّ أُنَاسًا) بضم الهمزة،

стр. 12113

ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «أنَّ ناسًا» بإسقاط الهمزةِ (أُرُوا) في المنام (لَيْلَةَ القَدْرِ) بضم الهمزة، وأصلُه: أُرِيُوا، فاستثقلتِ الضَّمة على الياء وقبلها كسرة فحذفت الضَّمة وتبعتها الياء، ثمَّ ضمَّت الراء لأجل الواو، وهو مبنيٌّ لما لم يسمَّ فاعله، ومفعوله النَّائب عن الفاعل الضَّمير وهو الواو، والرُّؤيا هنا اختلفَ فيها فقال ابنُ هشام: مصدر رأى الحُلميَّة عند ابن مالكٍ والحريري. قال: وعندِي لا تختصُّ بها لقولهِ تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] قال ابنُ عبَّاسٍ: هي رؤيا عين، فدلَّ على أنَّه مصدرُ الحُلميَّة والبصَريَّة (١)، وقد ألحقوا رأى الحُلميَّة برأى العلميَّة في التَّعدِّي لاثنين. انتهى. وقد جعلها أبو البقاء وجماعةٌ بصَريَّةً، فعلى هذا تتعدَّى لمفعولٍ واحدٍ، وتنقل بالهمزة إلى الثَّاني، فيكون الثَّاني (٢) هنا ليلة القدرِ، وقد انتقلَ عن أصلهِ من الظَّرفيَّة إلى المفعوليَّة؛ لأنَّهم لم (٣) يروا فيها إنَّما رأوا (٤) نفسها، يعني: ألقاها الله تعالى (٥) في قلوبهم (فِي) ليالي (السَّبْعِ الأَوَاخِرِ) من شهر رمضان، جمع: آخرة (وَأَنَّ أُنَاسًا) آخرين (أُرُوهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ) منه (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : التَمِسُوهَا) اطلبوا ليلةَ القدرِ (فِي) ليالي (السَّبْعِ الأَوَاخِرِ) صفة للسَّبع كالسَّابق، والسَّبع داخلةٌ في العشر، فلمَّا رأى قومٌ أنَّها في العشْر، وآخرون أنَّها في السَّبع كانوا كأنَّهم (٦) توافقوا على السَّبع، فأمرهم النَّبيُّ (٧) ﷺ بالتماسها في السَّبع؛ لتوافق الفريقين عليها، فجرى البخاريُّ على عادتهِ في إيثار الأخفَى على الأجلى، فلم يذكر قولهُ: «أرى رُؤياكُم قد تَوَاطأتْ في السَّبع الأواخرِ» السَّابق في أواخرِ الصِّيام [خ¦٢٠١٥].

стр. 12114

(٩) (باب رُؤْيَا أَهْلِ السُّجُونِ (١)) جمع: سِجن -بالكسر- وهو الحبسُ (وَ) رؤيا أهلِ (الفَسَادِ وَ) أهل (الشِّرْكِ) ولأبي ذرٍّ -ممَّا ذكره في «الفتح» - «والشُّرَّاب» بضم المعجمة وتشديد الراء، جمع: شاربٍ، بدل قولهِ: «والشِّرك». والمراد: شَرَبَةُ المحرَّم، وعطفه على أهلِ الفسادِ من عطفِ الخاصِّ على العامِّ (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ﴾) أي: مع يوسف ﵇ (٢) (﴿السِّجْنَ فَتَيَانَ﴾) عبدان للملكِ ريَّان بن الوليد (٣) ملك مصرَ الأكبر أحدُهما خبَّازُه والآخرُ شرابيُّه؛ للاتِّهام بأنَّهما يُريدان أن يُسِمَّاه (﴿قَالَ أَحَدُهُمَآ﴾) هو: الشَّرابي، واسمُه نبوء، وقيل: هو مرطيس (٤) (﴿إِنِّي أَرَانِي﴾) في المنامِ (﴿أَعْصِرُ

стр. 12115

خَمْرًا﴾) عنبًا تسميةً له بما يؤولُ إليه، وقرأها ابنُ مسعودٍ: (إنِّي أراني أعصر عنبًا) (﴿وَقَالَ الآخَرُ﴾) وهو الخبَّاز مخلث -بالخاء (١) المعجمة وبعد اللام مثلَّثة-، وقيل: راشان (﴿إِنِّي أَرَانِي﴾) في المنام (﴿أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾) تنهشُ منه (﴿نَبِّئْنَا﴾) أخبرنَا (﴿بِتَأْوِيلِهِ﴾) بتفسيرهِ وتعبيرهِ وما يؤولُ إليه (﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾) الَّذين يحسنونَ عبارةَ الرُّؤيا، وتأويله أنَّ الأنبياء يخبرون عمَّا سيكون، والرُّؤيا تدلُّ على ما سيكون (﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾) في نَومكما (﴿إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾) في اليقظةِ (٢) (﴿قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا﴾) أو: لا يأتيَكمَا في اليقظةِ ﴿طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾ من منازلِكُمَا ﴿تُرْزَقَانِهِ﴾ تُطْعَمانه وتأكُلانهِ إلَّا أخبرتُكُما بقَدْره ولونهِ والوقتِ الَّذي يصل إليكما قبل أنْ يصلَ، وأيَّ طعامٍ أكلتُم ومتى أكلتُم، وهذا مثلُ معجزةِ عيسى، حيثُ قال: ﴿وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩] (﴿ذَلِكُمَا﴾) التَّأويل والإخبارُ بالمغيبات (﴿مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾) بالإلهامِ والوحي ولم أقلْه عن تكهُّنٍ وتنجُّمٍ (﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾) يحتمل أن يكون كلامًا مبتدأ، وأنْ يكون تعليلًا لسابقهِ، أي: علَّمني ذلك لأنِّي تركت ملَّة أولئك الكفَّار (٣) (﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ﴾) وهي الملَّة الحنيفيَّة، وذكرَ الآباءَ؛ ليعلِّمهما أنَّه من بيت النُّبوَّة لتقوَى رغبتهما في الاستماعِ إليه، والمراد التَّرك ابتداءً لا أنَّه كان فيه ثمَّ ترك، يقول: هجرتُ طريق الكفرِ والشِّرك، وسلكتُ طريقَ آبائي المرسلين صلواتُ الله وسلامه عليهم أجمعين، وهكذا يكون حال من سلكَ طريقَ (٤) الهدى، واتَّبع طريق المرسلين، وأعرضَ عن الضَّالِّين، فإنَّه يهدي قلبه ويعلِّمه ما لم يكنْ يعلم، ويجعله إمامًا يهتدى به في الخيرِ، وداعيًا إلى سبيل الرَّشاد (﴿مَا كَانَ لَنَا﴾) ما صحَّ لنا معاشر الأنبياءِ (﴿أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ﴾) أيَّ شيءٍ كان صنمًا أو غيره (﴿ذَلِكَ﴾) أي: التَّوحيد (﴿مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾) فضلَ الله تعالى فيشركونَ به ولا ينتبهون (٥)، ثمَّ دَعاهما إلى الإسلامِ وأقبلَ (٦) عليهما وكان بين أيديهما أصنامٌ
следующие страницы →