← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 12111–12150 · переход к 12116.

стр. 12111

وفي غيره بتركه، أي: وجاء بكم (١) من الباديةِ، أو مرادُه: إنَّ فاطر معناه: البادئ، من البدء، أي: الابتداء، أي: بادئ الخلق بمعنى فاطره، وسقط من قولهِ: «قال أبو عبد الله … » إلى آخره للنَّسفيِّ. (٧) (باب) بيان (رُؤْيَا إِبْرَاهِيمَ) الخليل ﵇ وسقط لغير أبي ذرٍّ لفظ «باب» (وَقَوْلُهُ تَعَالَى) رفعٌ، وسقطَتْ الواو في الفرع، وثبتتَ في أصله: (﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾) بلغَ أن يَسعى مع أبيهِ في أشغالهِ وحوائجهِ، و «معه» لا تتعلَّق ببلغَ؛ لاقتضائهِ بلوغهما معًا حدَّ السَّعي، ولا بالسَّعي؛ لأنَّ صلة المصدرِ لا تتقدَّم عليه، فبقِي (٢) أن يكون بيانًا، كأنَّه قال (٣) لما قال: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ (٤) السَّعْيَ﴾، أي: الحدَّ الَّذي يقدرُ فيه على السَّعي. قيل: مع مَن؟ قال: مع أبيه. وكانَ إذ ذاك ابن ثلاثَ عشرة سنةً، والمعنى في اختصاصِ الأب: أنَّه أرفقُ النَّاس به وأعطفُهم عليه، وغيره ربَّما عنَّف به في الاستسعاءِ فلا يحتملُه؛ لأنَّه لم يستحكمْ قوَّته (﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى﴾) أي: إنِّي رأيتُ (﴿فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾) ورؤيا الأنبياءِ في المنامِ وحيٌ. رواه ابن أبي حاتمٍ عن ابن عبَّاس مرفوعًا، أي: كالوحي في اليقظةِ، فلهذا قال: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ (﴿فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾) من الرَّأي على وجه المشاورةِ لا من رؤية العين، وإنَّما شاورهُ ليأنسَ للذَّبح وينقادَ للأمر به (﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾) به (﴿سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾) على الذَّبح، أو على قضاءِ الله به (﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾) خضعَا وانقادا لأمرِ الله ، أو أسلما الذَّبيح نفسَه وإبراهيم ابنَه (٥) (﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾) صرعَه عليه ليذبحَهُ من قَفاه ولا يشاهد وجهَهُ عند ذَبحه؛ ليكون أهونَ عليه،

стр. 12112

ووضعَ السِّكِّين على قفاه فانقلب (١) السِّكِّين ولم تعملْ شيئًا بمانعٍ من القدرة الإلهيَّة (﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ. قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾) أي: حقَّقت ما أمرناكَ به في المنامِ من تسليمِ الولدِ للذَّبح، وجوابِ «لمَّا» محذوفٌ تقديره: كان ما كان ممَّا ينطق به الحالُ، ولا يحيطُ به الوصفُ (٢) من استبشارهمَا وحمدهمَا لله وشُكرهما على ما أنعمَ به عليهمَا من دفعِ البلاءِ العظيمِ بعد حلولهِ (﴿إِنَّا كَذَلِكَ﴾) أي (٣): كما جزيناك (﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢ - ١٠٥]) لأنفسهم بامتثالِ الأمر بإفراجِ الشِّدَّة عنهم. (قَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفِريابيُّ في «تفسيره» في قولهِ تعالى: (﴿أَسْلَمَا﴾) أي: (سَلَّمَا مَا أُمِرَا بِهِ) سلَّم الابنُ نفسَه للذَّبحِ والأبُ ابنه (﴿وَتَلَّهُ﴾) أي: (وَضَعَ وَجْهَهُ بِالأَرْضِ) لأنَّه قال له: يا أبتِ لا تَذبحني وأنت تنظرُ في وجهِي؛ لئلَّا ترحمني. ولم يذكر البخاريُّ ﵀ هنا حديثًا كالتَّرجمة الَّتي قبلُ، بل اكتفى فيهمَا بما أوردهُ من الآيات القرآنيَّة، ولعلَّه لم يتَّفق له حديثٌ فيهما (٤) على شرطهِ. (٨) (باب التَّوَاطُؤُ) أي: توافق جماعةٍ (عَلَى الرُّؤْيَا) الواحدةِ وإن اختلفت عباراتهم. ٦٩٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) نسبَه لجدِّه، وأبوه عبد الله، قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (٥) (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين، ابن خالد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) والد سالمٍ (¬﵁¬) وعن أبيهِ (أَنَّ أُنَاسًا) بضم الهمزة،

стр. 12113

ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «أنَّ ناسًا» بإسقاط الهمزةِ (أُرُوا) في المنام (لَيْلَةَ القَدْرِ) بضم الهمزة، وأصلُه: أُرِيُوا، فاستثقلتِ الضَّمة على الياء وقبلها كسرة فحذفت الضَّمة وتبعتها الياء، ثمَّ ضمَّت الراء لأجل الواو، وهو مبنيٌّ لما لم يسمَّ فاعله، ومفعوله النَّائب عن الفاعل الضَّمير وهو الواو، والرُّؤيا هنا اختلفَ فيها فقال ابنُ هشام: مصدر رأى الحُلميَّة عند ابن مالكٍ والحريري. قال: وعندِي لا تختصُّ بها لقولهِ تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] قال ابنُ عبَّاسٍ: هي رؤيا عين، فدلَّ على أنَّه مصدرُ الحُلميَّة والبصَريَّة (١)، وقد ألحقوا رأى الحُلميَّة برأى العلميَّة في التَّعدِّي لاثنين. انتهى. وقد جعلها أبو البقاء وجماعةٌ بصَريَّةً، فعلى هذا تتعدَّى لمفعولٍ واحدٍ، وتنقل بالهمزة إلى الثَّاني، فيكون الثَّاني (٢) هنا ليلة القدرِ، وقد انتقلَ عن أصلهِ من الظَّرفيَّة إلى المفعوليَّة؛ لأنَّهم لم (٣) يروا فيها إنَّما رأوا (٤) نفسها، يعني: ألقاها الله تعالى (٥) في قلوبهم (فِي) ليالي (السَّبْعِ الأَوَاخِرِ) من شهر رمضان، جمع: آخرة (وَأَنَّ أُنَاسًا) آخرين (أُرُوهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ) منه (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : التَمِسُوهَا) اطلبوا ليلةَ القدرِ (فِي) ليالي (السَّبْعِ الأَوَاخِرِ) صفة للسَّبع كالسَّابق، والسَّبع داخلةٌ في العشر، فلمَّا رأى قومٌ أنَّها في العشْر، وآخرون أنَّها في السَّبع كانوا كأنَّهم (٦) توافقوا على السَّبع، فأمرهم النَّبيُّ (٧) ﷺ بالتماسها في السَّبع؛ لتوافق الفريقين عليها، فجرى البخاريُّ على عادتهِ في إيثار الأخفَى على الأجلى، فلم يذكر قولهُ: «أرى رُؤياكُم قد تَوَاطأتْ في السَّبع الأواخرِ» السَّابق في أواخرِ الصِّيام [خ¦٢٠١٥].

стр. 12114

(٩) (باب رُؤْيَا أَهْلِ السُّجُونِ (١)) جمع: سِجن -بالكسر- وهو الحبسُ (وَ) رؤيا أهلِ (الفَسَادِ وَ) أهل (الشِّرْكِ) ولأبي ذرٍّ -ممَّا ذكره في «الفتح» - «والشُّرَّاب» بضم المعجمة وتشديد الراء، جمع: شاربٍ، بدل قولهِ: «والشِّرك». والمراد: شَرَبَةُ المحرَّم، وعطفه على أهلِ الفسادِ من عطفِ الخاصِّ على العامِّ (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ﴾) أي: مع يوسف ﵇ (٢) (﴿السِّجْنَ فَتَيَانَ﴾) عبدان للملكِ ريَّان بن الوليد (٣) ملك مصرَ الأكبر أحدُهما خبَّازُه والآخرُ شرابيُّه؛ للاتِّهام بأنَّهما يُريدان أن يُسِمَّاه (﴿قَالَ أَحَدُهُمَآ﴾) هو: الشَّرابي، واسمُه نبوء، وقيل: هو مرطيس (٤) (﴿إِنِّي أَرَانِي﴾) في المنامِ (﴿أَعْصِرُ

стр. 12115

خَمْرًا﴾) عنبًا تسميةً له بما يؤولُ إليه، وقرأها ابنُ مسعودٍ: (إنِّي أراني أعصر عنبًا) (﴿وَقَالَ الآخَرُ﴾) وهو الخبَّاز مخلث -بالخاء (١) المعجمة وبعد اللام مثلَّثة-، وقيل: راشان (﴿إِنِّي أَرَانِي﴾) في المنام (﴿أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾) تنهشُ منه (﴿نَبِّئْنَا﴾) أخبرنَا (﴿بِتَأْوِيلِهِ﴾) بتفسيرهِ وتعبيرهِ وما يؤولُ إليه (﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾) الَّذين يحسنونَ عبارةَ الرُّؤيا، وتأويله أنَّ الأنبياء يخبرون عمَّا سيكون، والرُّؤيا تدلُّ على ما سيكون (﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾) في نَومكما (﴿إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾) في اليقظةِ (٢) (﴿قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا﴾) أو: لا يأتيَكمَا في اليقظةِ ﴿طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾ من منازلِكُمَا ﴿تُرْزَقَانِهِ﴾ تُطْعَمانه وتأكُلانهِ إلَّا أخبرتُكُما بقَدْره ولونهِ والوقتِ الَّذي يصل إليكما قبل أنْ يصلَ، وأيَّ طعامٍ أكلتُم ومتى أكلتُم، وهذا مثلُ معجزةِ عيسى، حيثُ قال: ﴿وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩] (﴿ذَلِكُمَا﴾) التَّأويل والإخبارُ بالمغيبات (﴿مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾) بالإلهامِ والوحي ولم أقلْه عن تكهُّنٍ وتنجُّمٍ (﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾) يحتمل أن يكون كلامًا مبتدأ، وأنْ يكون تعليلًا لسابقهِ، أي: علَّمني ذلك لأنِّي تركت ملَّة أولئك الكفَّار (٣) (﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ﴾) وهي الملَّة الحنيفيَّة، وذكرَ الآباءَ؛ ليعلِّمهما أنَّه من بيت النُّبوَّة لتقوَى رغبتهما في الاستماعِ إليه، والمراد التَّرك ابتداءً لا أنَّه كان فيه ثمَّ ترك، يقول: هجرتُ طريق الكفرِ والشِّرك، وسلكتُ طريقَ آبائي المرسلين صلواتُ الله وسلامه عليهم أجمعين، وهكذا يكون حال من سلكَ طريقَ (٤) الهدى، واتَّبع طريق المرسلين، وأعرضَ عن الضَّالِّين، فإنَّه يهدي قلبه ويعلِّمه ما لم يكنْ يعلم، ويجعله إمامًا يهتدى به في الخيرِ، وداعيًا إلى سبيل الرَّشاد (﴿مَا كَانَ لَنَا﴾) ما صحَّ لنا معاشر الأنبياءِ (﴿أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ﴾) أيَّ شيءٍ كان صنمًا أو غيره (﴿ذَلِكَ﴾) أي: التَّوحيد (﴿مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾) فضلَ الله تعالى فيشركونَ به ولا ينتبهون (٥)، ثمَّ دَعاهما إلى الإسلامِ وأقبلَ (٦) عليهما وكان بين أيديهما أصنامٌ

стр. 12116

يعبدُونها من دونِ الله، فقال -إلزامًا للحجَّة-: (﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾) يا ساكنيهِ، أو يا صاحِبيَّ فيه، وأضافَهما إليه على الاتِّساع (﴿أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ﴾) شتَّى متعدِّدة مُتساوية. (وَقَالَ الفُضَيْلُ) بنُ عياض ﵀ (لِبَعْضِ الأَتْبَاعِ: يَا عَبْدَ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «وقال الفضيلُ عند قولهِ: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾» (﴿أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾) الَّذي ذلَّ كلُّ شيءٍ لعزِّ (١) جلالهِ وعظيمِ (٢) سُلطانه، ولا يُغَالب ولا يُشَارك في الرُّبوبيَّة (﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾) خطابٌ (٣) لهما ولمن كان على دينهمَا من أهل مصر (﴿مِن دُونِهِ﴾) تعالى (٤) (﴿إِلاَّ أَسْمَاء﴾) لا حقيقةَ لها (﴿سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم﴾) آلهةً ثمَّ طفقتُم تعبدونها، فكأنَّكم لا تعبدونَ إلَّا الأسماء لا مسمَّياتها (﴿مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا﴾) بتسميتِهَا (﴿مِن سُلْطَانٍ﴾) حجَّة (﴿إِنِ الْحُكْمُ﴾) في أمرِ العبادة والدِّين (﴿إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ﴾) على لسانِ أنبيائهِ (﴿أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾) بيانٌ لقولهِ: ﴿إِنِ الْحُكْمُ﴾ (﴿ذَلِكَ﴾) الَّذي أدعوكُم إليه من التَّوحيد وإخلاصِ العمل هو (﴿الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾) الحقُّ المستقيمُ الَّذي أمرَ الله به، وأنزلَ به الحجَّة والبرهان (﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾) فلذا كان أكثرُهم مُشركين، ثمَّ عبر الرُّؤيا فقال: (﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا﴾) يعني: الشَّرابيَّ (﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ﴾) سيِّده (﴿خَمْرًا﴾) كما كان يسقيهِ قبلُ (﴿وَأَمَّا الآخَرُ﴾) يعني: الخبَّاز (﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ﴾) فقالا: كذَّبنا، فقال يوسف (﴿قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾) فهو واقعٌ لا محالةَ، فإنَّ الرُّؤيا على رجل طائرٍ ما لم تعبر، فإذا عُبرت وقعتْ. وفي «مسند أبي يعلى الموصلي» عن أنسٍ مرفوعًا: «الرُّؤيا لأوَّل عابرٍ» (﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا﴾) الظَّانُّ يوسف ﵇ إن كانَ تأويلُه عن اجتهادٍ، وإن كانَ عن وحي (٥) فالظَّانُّ الشَّرابيُّ، أو الظَّنُّ بمعنى: اليقين، وما تقدَّم في قولهِ: ﴿قُضِيَ الأَمْرُ﴾ يقتضِي اليقين (﴿اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾) اذكرْ قصَّتي عند سيِّدك (٦)، وهو

стр. 12117

الملكُ لعلَّه يخلِّصني من هذه الورطةِ، وقال أبو حيَّان ﵀: إنَّما قال يوسف للسَّاقِي ذلك؛ ليتوصَّل إلى هدايتهِ وإيمانهِ بالله، كما توصَّل إلى إيضاحِ الحقِّ للسَّاقي ورفيقهِ (﴿فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ﴾) أي: أنسى الشَّرابيَّ (﴿ذِكْرَ رَبِّهِ﴾) أن يذكرَ (١) يوسفَ للملك، وقيل: فأنسَى يوسفَ ذكرَ الله حتَّى ابتغَى الفرجَ من غيرهِ واستعانَ بمخلوقٍ. وعندَ ابنِ جرير عن ابن عبَّاس قال: قال رسول الله ﷺ : «لو لم يقلْ -يعني: يوسفَ- الَّتي (٢) قال ما لبث في السِّجن طولَ ما لبثَ، حيث يبتغِي الفرجَ من عند غيرِ الله (٣)»، وهذا الحديث ضعيفٌ جدًّا، فإنَّ في إسناده (٤) سفيانُ بن وكيعٍ وهو ضعيفٌ، وإبراهيمُ بن يزيد الخوزيُّ، وهو أضعفُ من سفيان، فالصَّواب أنَّ الضَّمير في قولهِ: ﴿فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ﴾ عائدٌ على النَّاجي كما قاله مجاهدٌ وغير واحدٍ (﴿فَلَبِثَ﴾) يوسفُ ﵇ (﴿فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾) ما بين الثَّلاث إلى التِّسع (٥). قال وهبٌ: مكثَ يوسفُ سبعًا وقال الضَّحَّاك: عن ابن عبَّاسٍ: اثنتَي عشْرة سنةً، وقيل: أربع عشرة سنةً (﴿وَقَالَ الْمَلِكُ﴾) ملك مصر الرَّيَّان بن الوليد: (﴿إِنِّي أَرَى﴾) في المنام (﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾) خرجْنَ من نهرٍ يابسٍ (﴿يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ﴾) أي: سبعُ بقراتٍ (﴿عِجَافٌ﴾) مَهازيل (﴿وَ﴾) أرى (﴿سَبْعَ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ﴾) قد انعقدَ حَبُّها (﴿وَ﴾) سبعًا (﴿أُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾) قد أدركت، فالْتَوَتِ اليابساتُ على الخُضر حتَّى غلبنَ عليها (٦)، فاستعبرها فلم يجدْ في قومه من يحسنُ عبارتها. قيل: كان ابتداءُ بلاء يوسف ﵇ في الرُّؤيا، ثمَّ كان سبب نجاته أيضًا الرُّؤيا، فلمَّا دنا فرجُه رأى الملكُ هذه الرُّؤيا الَّتي هالته، فجمعَ أعيان العلماء والحُكماء من قومه وقصَّ عليهم رُؤياه فقال: (﴿يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ﴾) عبِّروها (﴿إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾) إن كنتُم عالمين بعبارة الرُّؤيا، واللَّام في «للرُّؤيا» للبيان (﴿قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾) أي: هذهِ أضغاثُ أحلامٍ، وهي تخاليطُها (﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾) يعنون بالأحلامِ المنامات الباطلة، أي: ليس عندنا تأويلٌ إنَّما التَّأويلُ للمناماتِ الصَّحيحةِ، أو اعترفوا بقصورِ علمِهم وأنَّهم (٧)

стр. 12118

ليسوا في تأويلِ (١) الأحلامِ بنَحَارير (﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا﴾) من القتلِ (﴿مِنْهُمَا﴾) وهو الشَّرابيُّ (﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾) للملك الَّذي جمعَهم (﴿أَنَاْ أُنَبِّئُكُم﴾) أخبرُكم (﴿بِتَأْوِيلِهِ﴾) بمن عندَه علمُ تعبير هذا المنام (﴿فَأَرْسِلُونِ﴾) فابعثون (٢) إليه لأسأله عنها، فأرسلوهُ إلى يوسف في السِّجن، فأتاه فقال: (﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾) البالغُ في الصِّدق (﴿أَفْتِنَا فِي﴾) رؤيا (﴿سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ﴾) إلى الملك ومن عندَه (﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾) تأويلَها (٣)، أو فضلك، أو مكانك من العلم، فيطلبوكَ ويخلِّصوك من محنتكَ (٤)، فذكر يوسفُ تعبيرها من غير تعنيفٍ لذلك الفتى في نسيانهِ ما وصَّاه به، ومن غير شرطٍ للخروجِ قبل ذلك بل (﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾) بسكون الهمزة، وحفص وحدَه بفتحها، لغتان في مصدرِ دأَبَ يدْأَبُ، أي: دامَ على الشَّيء ولازمَه، وهو هنا نصبٌ على المصدرِ بمعنى: دَائبين (﴿فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ﴾) إذ ذاكَ أبقى له، ومانعٌ له من أكلِ السُّوس (﴿إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ﴾) في تلكِ السِّنين، فعبر البقرات السِّمان بالسِّنين (٥) المخصبة، والسَّنابل الخُضر بالزَّرع، ثمَّ أمرهُم بما هو الصَّواب نصيحةً لهم (﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾) هو من الإسنادِ المجازيِّ، جعل أكلَ أهلهنَّ (٦) مسندًا إليهنَّ (﴿إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ﴾) تحرزون (٧) (﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾) أي: من بعد أربع عشرة سنةً (﴿عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾) من الغيثِ، أي: يمطرون، أو من الغوْثِ، وهو الفرج، فهو في الأوَّل من الثُّلاثي، وفي الثَّاني من الرُّباعي، يقول: غاثنَا الله من الغيثِ، وأغاثنَا من الغوْثِ (﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾) فتأوَّل البقرات السِّمان والسُّنبلات الخُضر بسنين مخاصيب، والعِجَاف واليابسات بسنينَ مُجْدبة، ثمَّ بشَّرهم بعد الفراغِ من تأويل الرُّؤيا بأنَّ العام الثَّامن يجيءُ مباركًا كثيرَ الخير غزير النِّعَم، وذلك من جهةِ الوحي، فرجع السَّاقِي وأخبرَ الملك بتعبيرِ رُؤياه (﴿وَقَالَ الْمَلِكُ﴾) بعد أن رجعَ إليه السَّاقي وأخبره بتعبيرِ رُؤياه

стр. 12119

(﴿ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرَّسُولُ﴾) ليخرجه من السِّجن امتنعَ من الخروجِ؛ ليتحقَّق الملك ورعيَّته براءتهُ ونزاهتَهُ ممَّا نُسب إليه من جهةِ امرأةِ العزيز، وأنَّ سجنَه لم يكنْ عن أمرٍ يقتضيهِ بل كان ظلمًا وعدوانًا (﴿قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾) أي: سيِّدك، يريد الملكَ (﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٣٦ - ٥٠]) الآية، وسقط لأبي ذرٍّ من قولهِ «﴿قَالَ أَحَدُهُمَآ﴾ … » إلى آخره، وقال بعد قولهِ: ﴿فَتَيَانَ﴾: «إلى قولهِ: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾». (﴿وَادَّكَرَ﴾) بالدال المهملة (افْتَعَلَ مِنْ ذَكَرَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ذكرْتُ (١)» بسكون الراء، فأدغم التاء في الذال، فحوِّلت دالًا مهملةً ثقيلةً. (﴿أُمَّةٍ﴾) أي: (قَرْنٍ) بالجرِّ لأبي ذرٍّ، ولغيره بالرَّفع (٢)، وقيل: حين، وعن سعيدِ بنِ جبير: بعد سنين (٣) (وَتُقْرَأُ: (أَمَهٍ)) بفتح الهمزة والميم وكسر الهاء منوَّنة، أي: بعد (نِسْيَانٍ) ونسبتْ هذه القراءة لابنِ (٤) عبَّاسٍ، وهي شاذَّةٌ. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصلَه ابنُ أبي حاتم: (﴿يَعْصِرُونَ﴾) أي: (الأَعْنَابَ وَالدُّهْنَ، ﴿تُحْصِنُونَ﴾) أي: (تَحْرُسُونَ). ٦٩٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ) بن محمد بن أسماء الضُّبعيُّ قال: (حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ) بن أسماء، وهو عمُّ السَّابق (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنِ الزُّهريِّ) محمَّد بن مسلمٍ (أَنَّ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ وَأَبَا عُبَيْدٍ) بضم العين مصغَّرًا، سعد بن عُبيد مولى عبد الرَّحمن بن الأزهرِ بن عوف (أَخْبَرَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (٥) ﷺ : لَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ) أي: مدَّة

стр. 12120

لُبثه (ثُمَّ أَتَانِي الدَّاعِي) من الملكِ يدعوني إليه (لأَجَبْتُهُ) مُسرعًا. وفي هذا من التَّنويه بشرف يوسف وعلوِّ قدرهِ وصبرهِ ما لا يخفَى صلوات الله وسلامه عليه. وعند عبدَ الرَّزَّاق عن عكرمةَ قال: قال رسول الله ﷺ : «لقد عجبتُ من يوسفَ وصبرهِ وكرمهِ، والله يغفر له حينَ سُئل عن البقراتِ العِجَاف والسِّمان، ولو كنتُ مكانَه ما أجبتُهم حتَّى أشترطَ أن يُخرجوني، ولقد عجبتُ من يوسفَ وصبرهِ وكرمهِ والله يغفرُ له حينَ أتاه الرَّسول، ولو كنتُ مكانَه لبادرتُهم الباب، ولكنَّه أرادَ أن يكونَ له العذْرُ». وهذا حديثٌ مرسلٌ، فإن قلت: إنَّ نبيَّنا ﷺ إنَّما ذكر هذا الكلام على جهةِ المدح ليوسفَ ﵇، فما باله (١) هو يذهب بنفسِه عن حالةٍ قد مدحَ بها غيرهُ؟ أُجيب (٢) بأنَّه ﷺ إنَّما أخذ لنفسهِ الشَّريفة وجهًا آخرَ من الرَّأي له وجهٌ أيضًا من الجودةِ، أي: لو كنتُ أنا لبادرتُ الخروج، ثمَّ حاولتُ بيان عُذْري بعدَ ذلك، وذلك أنَّ هذه القصصَ والنَّوازل إنَّما هي معرَّضةٌ ليقتدي النَّاس بها إلى يومِ القيامة، فأرادَ ﷺ حمل النَّاس على الأحزمِ من الأمورِ، وذلك أنَّ المتعمِّق (٣) في مثلِ هذه النَّازلة التَّارك فرصةَ الخروجِ من ذلك السِّجن ربَّما ينتجُ (٤) له من ذلك البقاء في سجنه (٥)، وإن كان يوسفُ ﵇ أمنَ من ذلك بعلمهِ من الله، فغيرُه من النَّاس لا يأمن من (٦) ذلك، فالحالةُ الَّتي ذهبَ إليها نبيُّنا ﷺ حالة حزمٍ ومدحٍ، وما فعلَه يوسفُ ﵇ صبرٌ عظيمٌ. وقال بعضهم: خشيَ يوسفُ ﵇ أن يخرجَ من السِّجن فينال من الملك مرتبةً ويسكت عن أمرِ ذنبهِ صفحًا، فيراهُ النَّاس بتلك المنزلةِ ويقولون: هذا الَّذي راودَ امرأةَ مَولاه، فأرادَ أن يبيِّن براءته ويحقِّق منزلتهُ من العفَّة. والحديث سبقَ في «التَّفسير» [خ¦٣٣٧٢] و «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٨٧] ومطابقةُ التَّرجمة للآياتِ ظاهرةٌ، وكذا الحديث.

стр. 12121

(١٠) (باب مَنْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ فِي المَنَامِ) ٦٩٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو: عبدُ الله بن عثمان المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بنُ المبارك (عَنْ يُونُسَ) بن يزيدَ الأيليِّ (عَنِ الزُّهرِيِّ) محمَّد بن مسلم بنِ شهابٍ أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبدِ الرَّحمن بنِ عوف (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: مَنْ رَآنِي فِي المَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي اليَقَظَةِ) بفتح القاف يوم القيامة رؤيةً خاصَّةً في القربِ منه، أو مَن رَآني في المنامِ ولم يكن هاجرَ يوفِّقه الله للهجرةِ إليَّ والتَّشرُّف بلقائي، ويكونُ الله تعالى جعلَ رُؤيته في المنامِ عَلَمًا على رُؤياه في اليقظةِ. قال (١) في «المصابيح»: وعلى القول الأوَّل ففيه بشارةٌ لرائيهِ بأنَّه (٢) يموت على الإسلامِ، وكفى بها بشارة، وذلك لأنَّه لا يراهُ في القيامة تلك الرُّؤية الخاصَّة باعتبار القربِ منه إلَّا من تحقَّقت منه الوفاةُ على الإسلام، حقَّق اللهُ لنا ولأحبابنَا وللمسلمين ذلك بمنِّه وكرمهِ آمين (وَلَا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي) هو كالتَّتميم للمعنى، والتَّعليل للحكمِ، أي: لا يحصلُ له شيءٌ (٣) -أي: للشَّيطان- مثال صُورتي ولا يتشبَّه بي، فكما منعَ الله الشَّيطان أن يتصوَّر بصورتهِ الكريمةِ في اليقظةِ كذلك منعهُ في المنام؛ لئلَّا يشتبهَ الحقُّ بالباطلِ. (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ رحمه الله تعالى فيما وصلَه إسماعيل بنُ إسحاقَ (٤) القاضي من طريق حمَّاد بن زيدٍ عن أيُّوب (٥) (قَالَ ابْنُ سِيرِينَ) محمد: لا تعتبر رؤيتُه ﷺ إلَّا (إِذَا رَآهُ) الرَّائي (فِي

стр. 12122

صُورَتِهِ) الَّتي جاء وصفُه بها في حياتهِ، ومقتضاهُ أنَّه إذا رآهُ على خلافهَا كانت رُؤيا تأويلٍ لا حقيقة، والصَّحيح أنَّها حقيقةٌ سواءٌ كان على صفتهِ المعروفةِ أو غيرها. قال ابنُ العربيِّ: رؤيتُه ﷺ بصفتهِ المعلومةِ إدراكٌ على الحقيقةِ، ورؤيتُه على غيرها إدراكٌ للمثالِ، فإنَّ الصَّواب أنَّ الأنبياءَ لا تغيِّرهم الأرضُ، ويكون إدراكُ الذَّات الكريمةِ حقيقة، وإدراك الصِّفات إدراك المثالِ. قال: وشذَّ بعضُ الصَّالحين فزعمَ أنَّها تقعُ بعيني الرَّأس حقيقة في اليقظةِ. انتهى. وقد ذكرتُ مباحث ذلك في كتابي «المواهب اللَّدنيَّة بالمنحِ المحمَّديَّة» وقد نُقل عن جماعةٍ من الصُّوفية أنَّهم رأوهُ ﷺ في المنامِ ثمَّ رأوه بعد ذلك في اليقظةِ، وسألوه عن أشياءَ كانوا منها متخوِّفين، فأرشدَهم إلى طريق تفريجهَا، فجاءَ الأمرُ كذلك، وفيه بحثٌ ذكرتُه في «المواهب». ومن فوائدِ رؤيتهِ ﷺ تسكين تشوُّق الرَّائي؛ لكونهِ صادقًا في محبَّته ليعملَ على مشاهدتهِ، وسقط قولهُ: «قال أبو عبد الله … » إلى آخره لأبي ذرٍّ. ٦٩٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) العَمِّيُّ -بفتح المهملة وتشديد الميم- أبو الهيثم البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ) الدَّبَّاغ البصريُّ مولى حفصة بنت سيرين، قال: (حَدَّثَنَا ثَابِتٌ البُنَانِيُّ) بضم الموحدة (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : مَنْ رَآنِي فِي المَنَامِ فَقَدْ رَآنِي) قال الكِرْمانيُّ: فإن قلتَ: الشَّرط والجزاء متَّحدان فما معناه؟ وأجابَ بأنَّه في معنى الإخبار، أي: مَن رآني فأخبرهُ بأنَّ رؤيتَه حقٌّ ليستْ من أضغاثِ الأحلامِ (١). وقال في «شرح المشكاة»: أي: مَن رَآني فقد رَأى حقيقتِي على كَمَالها لا شبهَةَ ولا ارتيابَ (٢) فيما رأى (فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَخَيَّلُ (٣) بِي) فإن قيل: كيف يكونُ ذلك وهو في المدينة، والرَّائي في المشرقِ أو المغربِ؟ أُجيب بأنَّ الرُّؤية أمرٌ يخلقُه الله تعالى، ولا يُشترط فيها عقلًا مواجهةٌ، ولا مقابلةٌ، ولا

стр. 12123

مقارنةٌ، ولا خروجُ شعاعٍ ولا غيرُه، ولذا جازَ أن يرى أَعمى الصين (١) بقَّه أندلس. فإن قلتَ: كثيرًا يُرى على (٢) خلاف صورتهِ المعروفة، ويراهُ شخصان في حالةٍ واحدةٍ في مَكانين، والجسمُ الواحد لا يكون إلَّا في مكانٍ واحدٍ. أُجيب بأنَّه يعتبر في صفاتهِ لا في ذاتهِ، فتكون ذاته ﵊ مرئيَّةً وصفاته متخيَّلة غير مرئيَّةٍ، فالإدراك لا يشترط فيه تحديقُ الأبصار، ولا قربُ المسافة، فلا يكون المرئيُّ مدفونًا في الأرضِ ولا ظاهرًا عليها، وإنَّما يشترطُ كونه موجودًا، ولو رآهُ يأمرُ بقتلِ من يحرمُ قتلُه كانَ (٣) هذا من صفاتهِ (٤) المتخيَّلة لا المرئيَّة (وَرُؤْيَا المُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ) لأنَّها من الله تعالى، بخلافِ الَّتي من الشَّيطان فإنَّها ليستْ من أجزاءِ النُّبوَّة، وفيه مباحث سبقتْ قريبًا، وسقطَتِ الواو من قولهِ «ورؤيا» لأبي ذرٍّ. ٦٩٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضم الموحدة، وهو جدُّ يحيى، واسم أبيه عبدُ الله قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين (بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ) الأمويِّ القرشيِّ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوف (عَنْ أَبِي قَتَادَةَ) (٥) الحارث ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللهِ، وَالحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ) وإضافةُ الرُّؤيا الصَّالحة إلى اللهِ إضافةُ تشريفٍ، وإضافةُ الحلم إلى الشَّيطان؛ لأنَّها صفته (٦) من الكذبِ والتَّهويل، وإن كانا (٧) بخلقِ الله تعالى وتقدِيرهِ (فَمَنْ رَأَى) في منامهِ (٨) (شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَنْفِثْ) بكسر الفاء بعدها مثلَّثة، أي: فلينفخْ نفخًا لطيفًا من غيرِ ريقٍ (عَنْ شِمَالِهِ) طردًا للشَّيطان

стр. 12124

وإظهارًا لاحتقارهِ (١) (ثَلَاثًا) للتَّأكيد، وخصَّ الشِّمال؛ لأنَّها محلُّ الأقذارِ (٢) (وَلْيَتَعَوَّذْ) بالله (مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ) لأنَّ الله تعالى جعلَ ذلك سببًا لسلامتهِ (وَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَزَايَا بِي) بالزاي المعجمة، لا يتصدَّى لأنْ يصير مرئيًّا بصورتي، ولأبي ذرٍّ: «لا يتراءى» بالراء المهملة. والحديث سبق في «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٤٧] و «التَّعبير» (٣) [خ¦٦٩٩٥]. ٦٩٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ خَلِيٍّ) بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام المخففة وتشديد التَّحتية، أبو القاسم الحمصيُّ قاضيها من أفرادِ البخاريِّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ) أبو عبد اللهِ النَّيسابوريُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (الزُّبَيْدِيُّ) بضم الزاي، محمَّد بن الوليد بنِ عامرٍ الشَّاميُّ الحمصيُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمِ بن شهابٍ أنَّه قال: (قَالَ أَبُو سَلَمَةَ) بنُ عبد الرحمن: (قَالَ أَبُو قَتَادَةَ) الحارثُ بن رِبْعي (¬﵁¬) قال: (قَالَ النَّبِيُّ (٤) ﷺ : مَنْ رَآنِي) في منامهِ (فَقَدْ رَأَى الحَقَّ) أي: فقد رآني رُؤية الحقِّ لا الباطل (تَابَعَهُ) أي: تابع الزُّبيديُّ في روايتهِ عن الزُّهريِّ (يُونُسُ) بنُ يزيد (وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن عبد الله بنِ مسلم (٥)، وصلَها مسلمُ بن الحجَّاج في «صحيحه» من طريقهمَا وساقَه على لفظِ روايةِ يونس وأحال (٦) برواية ابن أخي الزُّهريِّ عليه. ٦٩٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمامُ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ الهَادِ) يزيدُ بنُ عبد الله بنِ أسامة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَبَّابٍ) بفتح

стр. 12125

الخاء المعجمة وتشديد الموحدة وبعد الألف موحدة أُخرى (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) ﵁ أنَّه (سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى الحَقَّ) سواء رآه (١) على صفتهِ المعروفةِ أو غيرها (٢)، لكن يكون في الأولى ممَّا لا يحتاج إلى تعبيرٍ، والثَّانية ممَّا يحتاج إلى التَّعبير (فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَكَوَّنُنِي) أي: لا يتكوَّن كوني، فحذفَ المضاف ووصلَ المضافَ إليه بالفعلِ بمعنى: أنَّ الله تعالى وإنْ أَمكَنَهُ من التَّصوُّر في أيِّ صورةٍ أراد، فإنَّه لم يمكِّنه من التَّصوُّر في صورة النَّبيِّ ﷺ . والحديث من أفراده. (١١) (باب رُؤْيَا) الشَّخص في (اللَّيْلِ) هل تساوي رؤياهُ (٣) بالنَّهار أو يتفاوتان؟ (رَوَاهُ) أي: حديث رؤيا اللَّيل (سَمُرَةُ) بن جندَُبٍ الصَّحابيُّ المشهورُ الآتي حديثهُ في آخر كتاب التَّعبير إن شاء الله تعالى [خ¦٧٠٤٧]. ٦٩٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ المِقْدَامِ) بكسر الميم وسكون القاف بعدها مهملة فألف فميم (٤) (العِجْلِيُّ) قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطُّفَاوِيُّ) بضم الطاء المهملة (٥) وتخفيف الفاء وبعد الألف واو مكسورة، نسبةً إلى بني طُفَاوة، أو إلى الطُّفَاوة موضع (٦) قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ)

стр. 12126

السَّخْتِيانِيُّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو: ابنُ سيرين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أُعْطِيتُ) بضم الهمزة (مَفَاتِيحَ الكَلِمِ) بنصب «مَفَاتيح» مفعول ثانٍ لأُعْطيت. قال الكِرْمانيُّ وتبعه البَرْماويُّ: أي لفظٍ قليلٍ يُفيد مَعاني كثيرة، وهذا (١) غايةُ البلاغةِ، وشبَّه ذلك القليلَ بمفاتيحِ الخزائن التي هي آلةٌ للوصولِ إلى مخزوناتٍ مُتَكاثرةٍ. وعند الإسماعيليِّ عن الحسن بنِ سفيان وعبد الله بنِ ياسين كلاهما عن أحمدَ بن المقدام: «أُعْطيتُ جوامعَ الكلمِ». والحاصلُ: أنَّه ﷺ كان يتكلَّم (٢) بالقولِ الموجزِ القليلِ اللَّفظ الكثير المعاني، وقيل: المراد بجوامعِ الكلم: القرآن، ومن أمثلة جوامعهِ قولُه تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] وقولُه تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: ٥٢] ومن ذلك من (٣) الأحاديثِ النَّبويَّة حديث عائشة: «كلُّ عملٍ ليسَ عليه أمرُنَا فهو ردٌّ» [خ¦٢٦٩٧] وحديث: «كلُّ شرطٍ ليس في كتابِ الله فهو باطلٌ» [خ¦٢١٦٨] متَّفق عليهما (وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ) بضم النون، والرُّعْب -بضم الراء وسكون العين المهملة- أي: الفزع يقذفُ في قلوبِ أعدائي، وزاد في «التَّيمُّم» [خ¦٣٣٥] «مسيرة شهرٍ» أي: ينهزمون من عسكرِ الإسلامِ بمجرَّد الصِّيت ويفرقون منهم (وَبَيْنَمَا) بالميم (أَنَا نَائِمٌ البَارِحَةَ) اسمٌ للَّيلة الماضية وإن كان قبل الزَّوال (إِذْ أُتِيتُ (٤) بِمَفَاتِيحِ (٥) خَزَائِنِ الأَرْضِ) كخزائنِ كسرى وقيصر، أو معادن الأرض الَّتي منها الذَّهب والفضَّة (حَتَّى وُضِعَتْ فِي يَدِي) حقيقةً أو مجازًا، فيكون كنايةً عن وعدِ الله بما ذكرَ أنَّه يُعطيه أمَّته، وكذا كان، ففتح (٦) لأمَّته ممالكَ كثيرةً قسَّموا أموالها، واستباحُوا خزائنَ ملوكها. (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ بالسَّند السَّابق: (فَذَهَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) أي: توفِّي (وَأَنْتُمْ تَنْتَقِلُونَهَا) بالقاف المكسورة، من انتقل (٧) من مكانٍ إلى مكانٍ، هذه روايةُ أبي ذرٍّ عن المُستملي، وله عن

стр. 12127

الحَمُّويي: «تَنْتَثِلُونَها (١)» بالمثلثة بدل القاف، تستخرجونها (٢) كاستخراجِهم لخزائنِ كسرى ودَفائن قيصر، وفي بعضِ الرِّوايات (٣): «تنتفلونهَا» «بالفاء» بدلِ: «القاف»؛ أي (٤): تغتنمونهَا. والحديث من أفراده. ٦٩٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمامِ الأعظم (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ) مولاه (عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: أُرَانِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ الكَعْبَةِ) بضم همزة «أُراني»، و «اللَّيلة» نصب على الظَّرفيَّة (فَرَأَيْتُ رَجُلًا آدَمَ) بمدِّ الهمزةِ، أسمرَ (كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ) بضم الهمزة وسكون الدال المهملة، من سُمْرهم (لَهُ لِمَّةٌ) بكسر اللام وتشديد الميم، شعرٌ يجاوزُ شحمةَ أُذُنه (كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنَ اللِّمَمِ) بكسر اللَّام أيضًا (قَدْ رَجَّلَهَا) بفتح الراء والجيم المشدّدة واللَّام، سَرَّحها حال كونها (تَقْطُرُ مَاءً) من الماءِ الَّذي سرَّح به شعرهُ، حال كونه (مُتَّكِئًا عَلَى رَجُلَيْنِ -أَوْ) قال: (عَلَى عَوَاتِقِ رَجُلَيْنِ-) بالشَّكِّ من الرَّاوي، وأضيفَ (٥) عَوَاتق وهو جمعٌ للمثنَّى على حدِّ ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] لعدمِ الإلباس، والعاتقُ ما بين المنكِبِ والعُنق (يَطُوفُ بِالبَيْتِ) الحرام (فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ) لي: هو (المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) ﵇ (إِذَا (٦)) ولأبي ذرٍّ: «وإذا» ولغير أبي ذرٍّ: «ثمَّ إذا» (أَنَا بِرَجُلٍ جَعْدٍ) بفتح الجيم وسكون العين، غير سبطٍ أو قصيرٍ (قَطَطٍ) شديد جعودةِ الشَّعر (أَعْوَرِ العَيْنِ اليُمْنَى،

стр. 12128

كَأَنَّهَا) أي: عينه (عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ) بالمثنَّاة التحتية، بارزة، ومَن همزهَا فمِن طَفِئت كما يُطْفأ السِّراج، أي: ذهبَ نورُها (فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ) لي: هذا (المَسِيحُ الدَّجَّالُ) فإن قلت: الدَّجَّال لا يدخلُ مكَّة، والحديثُ أنَّه كان عند الكعبةِ؟ أُجيب بأنَّ المنع من دخوله مكَّة إنَّما هو عندَ خروجهِ وإظهارِ شوكتهِ. والحديث مرَّ في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٤٠] وغيرها [خ¦٥٩٠٢]. ٧٠٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بنُ عبد الله بنِ بُكيرٍ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ يُونُسَ) بن يزيدَ الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين (بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عتبة بنِ مسعودٍ: (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ) عبد الله ﵄ (١) (كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَجُلًا) قال ابن حجرٍ: لم أقفْ على اسمه (أَتَى رَسُولَ اللهِ (٢) ﷺ ¬) زاد مسلم: مُنْصَرَفَهُ من أحدٍ. وحينئذٍ فهو مرسلٌ؛ لأنَّ ابن عبَّاسٍ كان صغيرًا مع أبويهِ بمكَّة؛ لأنَّ مَولده قبل الهجرةِ بثلاثِ سنين على الصَّحيح، وأُحُد كانت في شوَّال في الثَّانية (فَقَالَ) يا رسول الله: (إِنِّي أُرِيتُ) بهمزة مضمومة ثمَّ راء مكسورة، وللأَصيليِّ (٣): «رأَيتُ» براء ثمَّ همزةٍ مفتوحةٍ (اللَّيْلَةَ فِي المَنَامِ … ، وَسَاقَ الحَدِيثَ) الآتي إن شاء الله تعالى في «باب من لم يَرَ الرُّؤيا لأوَّل عابرٍ إذا لم يُصب» [خ¦٧٠٤٦] بعد خمسة وثلاثين بابًا، عن يحيى ابنُ بكير بهذا السَّند بتمامه، ولفظه: أنَّ رجلًا أتى رسولَ الله ﷺ فقال: إنِّي رأيتُ اللَّيلة في المنامِ ظُلَّةً تنطفُ السَّمن والعسلَ، فأرى النَّاسَ

стр. 12129

يتكفَّفون منها، فالمستكثرُ والمستقِلُّ (١). الحديث إلى آخره. (وَتَابَعَهُ) أي: تابعَ الزُّهريَّ محمَّد بن مسلمٍ في روايتهِ عن عبيدِ الله بنِ عبد الله (سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ) فيما وصله مسلمٌ، وسقطَتْ واو «وتابعه» لابنِ عساكرَ (وَ) تابعه أيضًا (ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ) محمَّد بنُ عبد الله بنِ مسلمٍ فيما وصلَه الذُّهليُّ في «الزُّهريَّات» (وَسُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ) الواسطيُّ فيما وصلَه الإمامُ أحمد (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بنِ مسلمٍ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بن عبدِ الله (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ) بضم الزاي، محمَّد بن الوليد (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بنِ مسلمٍ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين، ابن عبد الله بن عتبة: (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ -أَوْ: أَبَا هُرَيْرَةَ-) ﵃ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) بالشَّكِّ فقال: ابنُ عبَّاسٍ أو أبا هريرة، ولابنِ عساكرَ -ووصله مسلمٌ-: «وأبا هريرة» يعني: أنَّ كليهمَا رواه عن النَّبيِّ ﷺ من غير شكٍّ، وسقط قولهُ: «عن النَّبيِّ ﷺ » لابنِ عساكرَ. (وَقَالَ شُعَيْبٌ) أي: ابنُ أبي حمزة الحمصيُّ (وَإِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى) الكلبيُّ الحمصيُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم: (كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وهذا وصلَه الذُّهليُّ في «الزُّهريَّات» (وَكَانَ مَعْمَرٌ) هو: ابنُ راشدٍ (لَا يُسْنِدُهُ) أي: الحديث المذكور (حَتَّى كَانَ بَعْدُ) يسندهُ، وصله إسحاق (٢) بن رَاهُوْيَه في «مسنده» عن عبدِ الرَّزَّاق عن مَعمر عن الزُّهريِّ كرواية يونس، لكن قال: عن ابن عبَّاسٍ كان أبو هُريرة يُحدِّث. قال إسحاقُ: قال عبدُ الرَّزَّاق: كان مَعمرٌ يُحدِّث به فيقول: كان ابن عبَّاسٍ، يعني: ولا يذكرُ عبيدَ الله بن عبد الله في السَّندِ حتَّى جاءَه زمعة (٣) بكتابٍ فيه: عن الزُّهريِّ عن عبيد الله (٤)، عن ابن عبَّاسٍ. فكان لا يشكُّ فيه بعدُ. قال في «الفتح»: والمحفوظُ قول من قال: عن عُبيد الله بنِ عبد الله بنِ عتبةَ. (١٢) (باب) حكم (الرُّؤْيَا) الواقعة (بِالنَّهَارِ) ولأبي ذرٍّ ممَّا ليس في «اليونينيَّة»: «باب رؤيا النَّهار».

стр. 12130

(وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ) بفتح العين المهملة وسكون الواو، وهو (١) عبد الله فيما وصله عليُّ بن أبي طالبٍ القيروانيُّ في «كتاب التَّعبير» له من طريقِ مَسْعدة بن اليَسَعَ عن عبد الله بنِ عونٍ (عَنِ ابْنِ سِيرِينَ) محمد: (رُؤْيَا النَّهَارِ مِثْلُ رُؤْيَا اللَّيْلِ) وثبتَ قوله: «رؤيا» الثَّانية في رواية أبي ذرٍّ عن الحَمُّويي. وقال أهلُ التَّعبير: إنَّ رؤيا النَّهار بالعكس؛ لأنَّ الأرواح لا تجولُ أصلًا، والشَّمس في أعلى الفلك، وذلك أنَّ قوَّتها تمنع من إظهار أمر الأرواح وتصرفها فيما تصرف فيه، وقيل: إنَّ رؤيا النَّهار أقوى من رؤيا اللَّيل وأتمُّ في الحال؛ لأنَّ النُّور سابقٌ لكلِّ ظلمةٍ، والنُّور يسرحُ في الضِّياء ما لا يسرحُ في سائر (٢) الظِّلِّ، والأرواحُ تتعارفُ في الضَّوء ما لا تتعارفُ في غيره، وأمَّا الوقت الَّذي (٣) تكون الرُّؤيا فيه أصحَّ والَّذي تكون فيه فاسدة، فقالوا: تكون صحيحةً في أيَّام الرَّبيع في نيسان، وذلك وقت دخول الشَّمس الحمل، وهو ابتداء الزَّمان الَّذي خُلق فيه آدمُ ﵇، والوقت الَّذي سلك فيه الرُّوح، وهو وقتٌ تكون الرُّؤيا (٤) فيه كالأخذ باليدِ (٥).

стр. 12131

٧٠٠١ - ٧٠٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريِّ (أَنَّهُ سَمِع أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁ (يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ) بالحاء والراء المهملتين المفتوحتين (بِنْتِ مِلْحَانَ) بكسر الميم وسكون اللام بعدها حاء مهملة، وكانت خالتهُ ﷺ من الرَّضاع (وَكَانَتْ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) أي: زوجته (فَدَخَلَ عَلَيْهَا) النَّبيُّ ﷺ (يَوْمًا فَأَطْعَمَتْهُ، وَجَعَلَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ) بفتح الفوقية وسكون الفاء وكسر اللام، تفتِّش شعرَ رأسه؛ لتستخرجَ هوامَّه (فَنَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) عندها (ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهْوَ) أي: والحال أنَّه (يَضْحَكُ) فرحًا وسرورًا. (قَالَتْ) أمُّ حَرَام: (فَقُلْتُ) له: (مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ) بضم العين المهملة وكسر الراء مخففة، حال كونهم (غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا البَحْرِ) بمثلثة وموحدة مفتوحتين آخره جيم، وسطهُ أو هولهُ (مُلُوكًا عَلَى الأَسِرَّةِ) قال ابنُ عبد البرِّ: في الجنَّة. وقال النَّوويُّ: أي: يركبون مراكبَ الملوك في الدُّنيا لسعةِ حالهم واستقامةِ أمرهم، ونصب «ملوكًا» بنزع الخافض (-أَوْ) قال: (مِثْلَ المُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ. شَكَّ إِسْحَاقُ-) بن عبد اللهِ بنِ أبي طلحةَ (قَالَتْ) أمُّ حَرَام: (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) بذلك (ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ) فنام (ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهْوَ يَضْحَكُ، فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: نَاسٌ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «أناسٌ» (مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ، غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ، كَمَا قَالَ فِي الأُولَى) من العرض، ولكن قال (١): يركبون في البرِّ (٢) (قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ) بكسر اللام، الَّذين يركبون ثبجَ البحر (فَرَكِبَتِ البَحْرَ فِي زَمَانِ) غزو (مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ) ﵄ في خلافةِ عثمان مع زَوجها في أوَّل غزوةٍ كانت إلى الرُّوم (فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنَ البَحْرِ، فَهَلَكَتْ) في الطَّريق لمَّا رجعوا من غزوهِم من غيرِ مباشرةٍ للقتالِ. والحديث سبق في «الجهاد» [خ¦٢٧٨٨] و «الاستئذان» [خ¦٦٢٨٢]، وأخرجه مسلمٌ في «الجهاد»، والله أعلم.

стр. 12132

(١٣) (باب رُؤْيَا النِّسَاءِ) قال عليُّ بن أبي طالبٍ القيروانيُّ في «كتاب التَّعبير» له: لا فرقَ في حكم العبارةِ بين النِّساء والرِّجال، وإذا رأتِ المرأةُ ما ليست له أهلًا فهو لزوجها. ٧٠٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) بضم العين وفتح الفاء، قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) ابن سعدٍ الإمام قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (١) (عُقَيْلٌ) بضم العين، ابن خالدٍ، ولابنِ عساكرَ: «عن عُقيل» (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّدِ بن مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) أحد الفقهاء السَّبعة: (أَنَّ) أمَّه (أُمَّ العَلَاءِ) بنت الحارثِ بن ثابت بنِ حارثة بنِ ثعلبةَ (امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ بَايَعَتْ رَسُولَ اللهِ (٢) ﷺ ، أَخْبَرَتْهُ) أي: أخبرتْ خارجة (أَنَّهُمُ اقْتَسَمُوا) أي: اقتسمَ الأنصارُ (المُهَاجِرِينَ قُرْعَةً) أي: بالقرعةِ في نزولهم عليهم، وسُكناهم في منازلهم، حين قدموا المدينة من مكَّة مهاجرين (قَالَتْ) أمُّ العلاء: (فَطَارَ لَنَا) وقعَ في سهمنا (عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ) بفتح الميم وسكون الظاء المعجمة بعدها مهملة فواو ساكنة فنون، الجمحيُّ القرشيُّ (وَأَنْزَلْنَاهُ) بالواو (فِي أَبْيَاتِنَا) فأقامَ عندنا مدَّةً (فَوَجِعَ (٣)) بكسر الجيم (وَجَعَهُ) بفتحها، أي:

стр. 12133

مرض مرضَه (الَّذِي تُوُفِّي فِيهِ، فَلَمَّا تُوُفِّي) سنةَ ثلاثٍ من الهجرة في شعبان (غُسِّلَ) وفي «الجنائز»: وغسل بالواو [خ¦١٢٤٣] (وَكُفِّنَ فِي أَثْوَابِهِ، دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) عليه، قالت: (فَقُلْتُ: رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْكَ) يا (أَبَا السَّائِبِ) بالسين المهملة، وهي كنيةُ ابن مظعون (فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ) أي: لكَ، مبتدأ، و «عليك» صلته، والجملة الخبريَّة خبره، وهي قوله: (لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللهُ) أي: شهادَتي عليك قولي: لقد أكرمكَ اللهُ، ومثل هذا التَّركيب عُرْفًا مُستعمل، ويرادُ به معنى القَسَم كأنَّها قالت: أقسمُ باللهِ لقد أكرمَكَ الله (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : وَمَا يُدْرِيكِ) بكسر الكاف، أي: من أين علمت (أَنَّ اللهَ أَكْرَمَهُ؟ فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ) مفديٌّ، أو أفديكَ به (يَا رَسُولَ اللهِ، فَمَنْ يُكْرِمُهُ اللهُ) إذا لم يكن هو من المكرمين مع إيمانهِ وطاعتهِ الخالصَة؟ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَمَّا هُوَ) بتشديد الميم، أي: عثمان (فَوَاللهِ لَقَدْ جَاءَهُ اليَقِينُ) وهو الموتُ، وقسيمُ «أمَّا» هو قوله: (وَاللهِ إِنِّي لأَرْجُو لَهُ الخَيْرَ، وَوَاللهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللهِ مَاذَا يُفْعَلُ بِي) ولا بكُمْ؟ وهذا قاله قبل نزولِ آية الفتحِ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]. وقال في «الكواكب»: فإن قيل (١): معلومٌ أنَّه ﷺ مغفورٌ له ما تقدَّم من ذنبه (٢) وما تأخَّر، وله من المقاماتِ المحمودةِ ما ليس لغيرهِ. قلتُ: هو نفيٌ للدِّراية التَّفصيليَّة، والمعلوم هو الإجماليُّ (فَقَالَتْ) أمُّ العلاء: (وَاللهِ لَا أُزَكِّي بَعْدَهُ أَحَدًا أَبَدًا). ٧٠٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو: ابنُ أبي حمزةَ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بن مسلمٍ (بِهَذَا) أي: الحديثِ المذكور (وَقَالَ (٣)) ﷺ : (مَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِهِ) أي: بابنِ مظعون (قَالَتْ) أمُّ العلاء: (وَأَحْزَنَنِي) ذلك (فَنِمْتُ، فَرَأَيْتُ لِعُثْمَانَ) بنِ مظعون (عَيْنًا تَجْرِي، فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) بما رأيتُ (فَقَالَ: ذَلِكَِ) بكسر الكاف خطابٌ لمؤنَّث، ويجوزُ الفتح، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشمِيهنيِّ: «ذاك» (عَمَلُهُ) بإسقاطِ لام ذلك، أي: يجري له؛ لأنَّه كان له بقيَّةٌ من عملهِ يجري له ثوابها، فقد كان له ولدٌ صالحٌ يدعو له شهدَ بدرًا؛ وهو السَّائب، ويحتملُ أن يكون عثمان كان مرابطًا في سبيل الله، فيكون ممَّن

стр. 12134

يجري له عملُه لحديث فَضَالة بن عُبيد مرفوعًا: «كلُّ ميِّتٍ يُختمُ على عملِهِ إلَّا المرابطَ في سبيلِ الله، فإنَّه يُنْمى له عملُه إلى يومِ القيامة … » الحديثَ. (١٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (الحُلُْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ) بضم الحاء واللَّام، وتسكَّن (فَإِذَا حَلَمَ) بفتح الحاء واللَّام الشَّخص، وللحَمُّويي والمُستملي: «وإذا حلم» بالواو بدل الفاء (فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ) بالصاد المهملة (وَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ (١). ٧٠٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضم الموحدة وفتح الكاف، قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين، ابن خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّدِ بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوف (أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ الأَنْصَارِيَّ) ﵁ (وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ (٢) ﷺ ¬) المشهورينَ (وَفُرْسَانِهِ) المعتبرين، وقالَه تعظيمًا له وافتخارًا (٣) وتعليمًا للجاهل به، أنَّه (٤) (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: الرُّؤْيَا) المحبوبة تُرى في المنام (مِنَ اللهِ) (وَالحُلُْمُ) وهو المكروهُ يُرى فيه (مِنَ الشَّيْطَانِ) لكونه على طبعهِ، وكلٌّ من الله (فَإِذَا حَلَمَ) بفتح الحاء واللام (أَحَدُكُمُ الحُلُمَ يَكْرَهُهُ فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ) بالصاد، وفي رواية: «فلينفثْ» وهو شبيهٌ بالنَّفْخ وأقلُّ من التَّفل؛ لأنَّ التَّفل يكون معه ريقٌ، وفي أخرى «فليتفُلْ» وهذه حالاتٌ متفاوتةٌ، فينبغي أن يفعلَ الجميع؛ ليتحقَّق الموعودُ به من عدمِ الضَّرر إن شاء الله تعالى (وَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنْهُ) من الشَّيطان (فَلَنْ يَضُرَّهُ).

стр. 12135

(١٥) (باب اللَّبَنِ) إذا رُئِيَ في المنام بماذا يعبَّر؟ ٧٠٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو: لقب عبدِ الله بن عثمان المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بن مسلمٍ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بالحاء المهملة والزاي (أَنَّ) أباه (ابْنَ عُمَرَ) ﵃ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: بَيْنَا) بغير ميم (أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ) بضم الهمزة (بِقَدَحِ لَبَنٍ، فَشَرِبْتُ مِنْهُ، حَتَّى إِنِّي لأَرَى الرِّيَّ) بفتح همزة «لأرى»، واللَّام للتَّأكيد، وكسر راء «الرِّيِّ» وتشديد التَّحتية (يَخْرُجُ مِنْ أَظْفَارِي) في موضع نصبٍ مفعول ثانٍ لـ «أَرَى» إن قدِّرت الرُّؤية بمعنى العلم، أو حال (١) إن قُدِّرت بمعنى الإبصار (٢)، فإن قلت: الرِّيُّ لا يُرى؟ أُجيب بأنَّه نزَّله منزلةَ المرئيِّ فهو استعارةٌ، وفي روايةِ الأَصيليِّ وابنِ عساكرَ وأبوي الوقتِ وذرٍّ: «في أَظْفاري» (ثُمَّ أَعْطَيْتُ (٣) فَضْلِي) الَّذي فضلَ من لبنِ القدحِ الَّذي شربتُ منه (يَعْنِي: عُمَرَ) بن الخطَّاب، كأنَّ بعض رواتهِ شكَّ، وفي رواية صالحِ بن كَيسان: «فأَعطيتُ فضْلِي عمرَ بن الخطَّاب» [خ¦٧٠٠٧] بالجزمِ من غير شكٍّ (قَالُوا) أي: مَنْ حوله مِن الصَّحابة: (فَمَا أَوَّلْتَهُ) أي: عبَّرته (يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ): أوَّلته (العِلْمَ) لاشتراك اللَّبن والعلمِ في كثرة النَّفع بهمَا، وكونهما مبنى الصَّلاح ذاكَ في الأشباحِ، والآخرُ في الأرواحِ. وقال القاضِي أبو بكر ابن العربيِّ: الَّذي خلَّص اللَّبن من بين فرثٍ ودمٍ قادرٌ (٤) أن يخلُقَ المعرفةَ من بين شكٍّ وجهلٍ. وفي رواية أبي بكرِ

стр. 12136

ابن سالمٍ أنَّه ﷺ قال لهم: «أوِّلُوها». قالوا: يا نبيَّ الله هذا علمٌ أعطاكَهُ الله، فملأكَ منه ففضلَتْ فَضْلةٌ فأعطيتَها عمرَ. قال: «أصبتُم». قال في «الفتح»: ويجمعُ بأنَّ هذا وقع أوَّلًا، ثمَّ احتملَ عندهم أن يكونَ عندَه في تأويلِها زيادةٌ على ذلك فقالوا: ما أوَّلته … إلى آخره، لكن خصَّ الدِّينوريُّ اللَّبن المذكور هنا بلبنِ الإبل، وأنَّه لشاربهِ (١) مالٌ حلالٌ وعلم. قال: ولبنُ البقرِ: خصبُ السَّنة، ومالٌ حلالٌ، وفطرةٌ أيضًا، ولبن الشَّاة: مالٌ وسرورٌ، وصحَّةُ جسمٍ، وألبانُ الوحوش: شكٌّ في الدِّين، وألبان السِّباع: غيرُ محمودةٍ إلَّا أنَّ لبن اللَّبوة مالٌ مع عداوةٍ لذي أمرٍ. وقال أبو سهل المسيحيُّ: لبنُ الأسد يدلُّ على الظَّفر بالعدوِّ، ولبن الكلب يدلُّ على الخوفِ، ولبنُ السَّنانير والثَّعالب يدلُّ على المرضِ، ولبنُ النَّمر يدلُّ على إظهارِ العداوةِ. والحديث مضَى في «العلم» [خ¦٨٢]. (١٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (إِذَا) رأى الشَّخص في منامه أنَّه (جَرَى اللَّبَنُ فِي أَطْرَافِهِ أَوْ أَظَافِيرِهِ) ولابن عساكرَ: «وأَظَافيره». ٧٠٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) إبراهيم بن سعدِ بن إبراهيمَ بن عبدِ الرَّحمن بن عوف (عَنْ صَالِحٍ) هو: ابنُ كيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّدِ بن مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ سَمِعَ) أباهُ (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : بَيْنَا) بغير ميم (أَنَا نَائِمٌ) وجواب «بينا»، قوله: (أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ، فَشَرِبْتُ مِنْهُ، حَتَّى إِنِّي) بكسر همزة «إِنِّي»؛ لوقوعها بعد حتَّى الابتدائيَّة (لأَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ) وفي نسخةٍ: «يجري» (مِنْ أَطْرَافِي) وفي

стр. 12137

«كتاب العلم»: «في أظفاري» [خ¦٨٢] فيحتملُ أن تكون في بمعنى على، ويكون المعنى يظهرُ على أظفاري، والظُّفر إمَّا منشأ الخروج أو ظرفه (فَأَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ. فَقَالَ مَنْ حَوْلَهُ) ﷺ مِنَ الصَّحابة: (فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ): أوَّلته (العِلْمَ) وعند سعيدِ ابن منصور من طريق سفيان بن عُيينة عن الزُّهريِّ: ثمَّ ناولَ فضله عمر، قال: ما أوَّلته؟ قال الحافظ ابن حجرٍ: فظاهرُه أنَّ السَّائل عمر. وفي إعطائهِ ﷺ فضلَه عمر الإشارة إلى ما حصلَ له من العلمِ بالله بحيث كان لا يأخذهُ في الله لومة لائمٍ. (١٧) (باب) رؤيةُ (القَمِيصِ) بفتح القاف وكسر الميم، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «القُمُص» بضمهما (١) (فِي المَنَامِ) وتعبيرهِ. ٧٠٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) إبراهيمُ بنَ سعدِ بنِ إبراهيم بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوف (عَنْ صَالِحٍ) أي: ابنِ كَيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّدِ بن مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو أُمَامَةَ) أسعد (بْنُ سَهْلٍ) بسكون الهاء بعد فتح، ابن حنيفٍ الأنصاريُّ، أدرك النَّبيَّ ﷺ ولم يسمعْ منه (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ (الخُدْرِيَّ) ﵁ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : بَيْنَمَا) بالميم (أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ) من الرُّؤيا الحلميَّة على الأظهر، أو من البصريَّة، فتطلب مفعولًا واحدًا وهو النَّاس، وحينئذٍ فقوله: (يُعْرَضُونَ) بضم أوَّله وفتح ثالثه، جملةٌ حاليَّة، أو علميَّة من الرَّأي، فتطلبُ مفعولين وهما «النَّاس» و «يعرضون» (عَلَيَّ) أي: يظهرون لي (٢) (وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ) بضم القاف والميم، جمع: قميصٍ (مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ) بضم المثلثة وكسر

стр. 12138

المهملة (١) وتشديد التَّحتية، والمراد: قصرهُ جدًّا بحيثُ لا يصلُ من الحلقِ إلى نحو السُّرَّة بل فوقها، ولغير أبي ذرٍّ: «الثَّدْيَ» بفتح المثلثة وسكون المهملة (وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ دُونَ ذَلِكَ) فلم يصلْ إلى الثَّدي لقلَّته، أو المراد دونه من جهة السُّفلى فيكون أطول، وفي رواية الحكيم التِّرمذيِّ من طريقٍ أخرى: عن ابن المباركِ عن يونس عن الزُّهريِّ -في هذا الحديث-: «فمنهم من كان قميصُه إلى سرَّته، ومنهم من كان قميصُه إلى ركبتِهِ (٢)، ومنهم من كان قميصهُ إلى أنصافِ ساقيهِ» (وَمَرَّ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ) لطولهِ (قَالُوا) أي: الصَّحابة: (مَا أَوَّلْتَ) ذلك (يَا رَسُولَ اللهِ؟) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والكُشمِيهنيِّ: «ما أوَّلته يا رسول الله»؟ (قَالَ): أوَّلته (الدِّينَ) لأنَّ القميصَ يسترُ العورة في الدُّنيا، والدِّين يسترُها في الآخرة، ويحجبُها عن كلِّ مكروهٍ، وفيه فضيلة عمر ﵁، ولا يلزمُ منه تفضيلُه على (٣) أبي بكرٍ، ولعلَّ السِّرَّ في السُّكوت عن ذكرهِ الاكتفاء بما علمَ من أفضليَّته، أو ذكرَ وذَهِل الرَّاوي عنه. وليس في الحديثِ التَّصريح بانحصارِ ذلك في عمر ﵁، فالمراد: التَّنبيه على أنَّه ممَّن حصلَ له الفضلُ البالغ في الدِّين. والحديث سبق في «الإيمان» [خ¦٢٣]. (١٨) (باب جَرِّ القَمِيصِ فِي المَنَامِ). ٧٠٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) بضم العين وفتح الفاء، قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) ابن سعدٍ الإمام قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُقَيْلٌ) بضم العين المهملة وفتح القاف، ابن خالدٍ (عَنِ ابْنِ

стр. 12139

شِهَابٍ) محمَّدِ بن مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي (١)) بالإفراد (أَبُو أُمَامَةَ) أسعد (بْنُ سَهْلٍ) أي: ابن حُنَيف (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أنَّه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: بَيْنَا) بغير ميمٍ (أَنَا نَائِمٌ) وخبر (٢) بينا قوله: (رَأَيْتُ النَّاسَ عُرِضُوا عَلَيَّ) بضم العين وكسر الراء، وتشديد التَّحتية من «عليَّ» (وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ) جمع: قميصٍ (فَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثَّدْيَ) بفتح المثلثة وسكون الدال المهملة، ولأبي ذرٍّ: «الثُّدِي» بضم ثمَّ كسر (وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ) بتشديد الياء (عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجْتَرُّهُ) بسكون الجيم بعدها فوقية مفتوحة، ولابن عساكرَ: «يجُرُّه» بضم الجيم وإسقاط الفوقية (قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: الدِّينَ) وفي «نوادر الأصول» للتِّرمذي الحكيم: إنَّ السَّائل عن ذلك هو أبو بكرٍ الصِّدِّيق ﵁، واتُّفق على أنَّ القميص يعبَّر بالدِّين، وأنَّ طوله يدلُّ على بقاءِ آثار صاحبهِ من بعدِه، وهذا من أمثلة ما يُحمدُ في المنام، ويُذمُّ في اليقظة شرعًا؛ إذْ جرُّ القميصِ وردَ الوعيدُ على تطويلهِ. (١٩) (باب) رؤية (الخُضَرِ فِي المَنَامِ) بضم الخاء وفتح الضاد المعجمتين. وفي «فتح الباري»: بضم الخاء وسكون الضاد، جمع: أخضر. قال: وهو اللَّون المعروف في الثِّياب وغيرها. قال: ووقع في رواية النَّسفيِّ: «الخضْرة» بسكون الضاد وبعد الراء هاء تأنيث، وكذا في رواية أبي أحمد الجُرْجانيِّ (وَ) رؤية (الرَّوْضَةِ الخَضْرَاءِ) في المنام أيضًا (٣).

стр. 12140

٧٠١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الجُعْفِيُّ) بضم الجيم وسكون العين المهملة وكسر الفاء، المعروف بالمسنديِّ قال: (حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ) بفتح الحاء والراء المهملتين وكسر الميم، وعُمَارة -بضم العين وتخفيف الميم- قال: (حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ) السَّدوسيُّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ) أنَّه (قَالَ: قَالَ قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ) بضم العين وتخفيف الموحدة آخره دال مهملة، البصريُّ التَّابعيُّ الكبير، وليس بصحابيٍّ (كُنْتُ فِي حَلْقَةٍ) بسكون اللام (فِيهَا سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ) هو: سعدُ بن أبي وقَّاص (وَابْنُ عُمَرَ) عبدُ الله ﵃ (فَمَرَّ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ) بتخفيف اللام، الإسرائيليُّ (فَقَالُوا) في ابن سلام: (هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ) لقوله ﷺ الآتي إن شاء الله تعالى آخر الحديث [خ¦٧٠١٠] «يموتُ عبدُ اللهِ وهو آخذٌ بالعروةِ الوثقى». قال قيسٌ: (فَقُلْتُ لَهُ) لعبد الله بن سلام: (إِنَّهُمْ قَالُوا كَذَا وَكَذَا. قَالَ) ابن سلامٍ -متعجِّبًا من قولهم-: (سُبْحَانَ اللهِ، مَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا مَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ) وفي رواية خَرَشة -عند مسلمٍ-: فقال: اللهُ أعلم بأهل الجنَّة، وأنكرَ (١) عليهم الجزم ولم يُنكر أصل الإخبار عليه بأنَّه من أهلِ الجنَّة، وهذا شأنُ المراقبين الخَائفين المتواضِعين (إِنَّمَا رَأَيْتُ) في المنام (كَأَنَّمَا عَمُودٌ وُضِعَ فِي) وسطِ (رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ) وسبق في «المناقب»: رأيتُ كأنِّي في روضةٍ -ذَكَرَ من سَعَتها وخُضْرتها-[خ¦٣٨١٣] (فَنُصِبَ) بضم النون وكسر الصاد المهملة بعدها موحدة، العمود (فِيهَا) في الرَّوضة، وفي رواية ابن عون [خ¦٧٠١٤] العمودُ كان (٢) في وسط الرَّوضة. وفي رواية المُستملي والكُشمِيهنيِّ: «قَبَضْتُ» بقاف وموحدة مفتوحتين فضاد ساكنة فتاء متكلِّم (وَفِي رَأْسِهَا) أي: رأس العمود (عُرْوَةٌ) بضم العين وسكون الراء المهملتين، والعمودُ مُذكَّر أنَّثه (٣) باعتبار الدِّعامة، وفي رواية ابن عون [خ¦٧٠١٤] و (٤) في أعلى العمودِ عروة. وفي روايتهِ في «المناقب» [خ¦٣٨١٣] ووسطها عمودٌ من حديدٍ أسفلُه في الأرض وأعلاهُ في السَّماء في أعلاهُ عروةٌ (وَفِي أَسْفَلِهَا مِنْصَفٌ) بكسر الميم وسكون النون وفتح الصاد المهملة. قال ابنُ سيرين: (وَالمِنْصَفُ: الوَصِيفُ) في مسلم: فجاءني مِنْصفٌ. قال ابنُ عون: والمنصفُ الخادمُ. قال ابنُ

стр. 12141

سلَام: (فَقِيلَ) لي: (ارْقَهْ. فَرَقِيتُ) في العمود -بكسر القاف- على الأفصحِ، ولأبي ذرٍّ: «فرقيتُه» بزيادةِ ضمير المفعول (حَتَّى أَخَذْتُ بِالعُرْوَةِ) وفي رواية خَرَشة -عند مسلمٍ-: فقال (١) لي: اصعدْ فوقَ هذا. قال: قلت: كيف أصعدُ؟ فأخذ بيدي فزجلَ (٢) بي -وهو بزاي وجيم، أي: دفعني (٣) -، فإذا أنا متعلِّقٌ بالحلقةِ، ثمَّ ضربتُ (٤) العمود فخرَّ وبقيت متعلِّقًا بالحلقة حتَّى أصبحتُ (فَقَصَصْتُهَا) أي: الرُّؤيا (عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَمُوتُ عَبْدُ اللهِ) أي: ابنُ سلام (وَهْوَ آخِذٌ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى) تأنيثُ الأوثق الأشدِّ الوثيق من الحبلِ الوثيق المحكم، وهو تمثيلٌ للمعلوم بالنَّظر، والاستدلالُ بالمشاهدِ (٥) المحسوس حتَّى يتصوَّره السَّامع كأنَّه ينظر إليه بعينه فيحكم اعتقادهُ، والمعنى: فقد عقدَ لنفسه من الدِّين عقدًا وثيقًا لا تحلُّه شبهةٌ، وزادَ في روايةِ ابن عونٍ [خ¦٧٠١٤] فقال: «تلكَ الرَّوضة روضةُ الإسلام، وذلك العمودُ عمودُ الإسلام، وتلك العروةُ عروة (٦) الوثقى، لا تزال متمسِّكًا بالإسلامِ حتَّى تموت»، وعند مسلمٍ من حديث خَرَشة بن الحرِّ قال: قدمتُ المدينةَ فجلستُ إلى أشيخةٍ في مسجدِ النَّبيِّ ﷺ ، فجاء شيخٌ يتوكَّأُ على عصًا له، فقال القوم: من سرَّه أن ينظرَ إلى رجلٍ من أهل الجنَّة فلينظرْ إلى هذا، فقام خلفَ ساريةٍ فصلَّى ركعتين، فقمتُ إليه، فقلتُ له: قال بعضُ القوم كذا وكذا. فقال: الجنَّة لله يُدْخلها من يشاءُ، وإنِّي رأيتُ على عهدِ رسولِ الله ﷺ رؤيا، رأيتُ كأنَّ رجلًا أتاني فقال: انطلقْ، فذهبتُ معه فسلكَ بي منهجًا عظيمًا، فعرضت لي طريقٌ عن يسارِي فأردتُ أن أسلكَها، فقال: إنَّك لستَ من أهلها، ثمَّ عرضتْ لي طريقٌ عن يمينِي فسلكتُها حتَّى انتهيتُ إلى جبلٍ زلقٍ، فأخذَ بيدِي فزجَلَ (٧) بي، فإذا أنا على ذِرْوته (٨) فلم أتقارَّ ولم أتماسَكْ، فإذا عمودُ حديدٍ في ذروتهِ حلقةٌ من ذهبٍ، فأخذَ بيدي فزجَلَ

стр. 12142

بي، حتَّى أخذتُ بالعروةِ فقال: استمسكْ. فقلتُ: نعم، فضرَبَ العمودَ برجلهِ فاستمسكْتُ بالعروةِ، فقصصتُها على رسولِ الله ﷺ فقال: «رأيتَ خيرًا أمَّا المنهجُ العظيمُ فالمحشرُ، وأمَّا الطَّريق الَّتي عرضتْ عن يساركِ فطريقُ أهل النَّار، ولستَ من أهلها، وأمَّا الطَّريق الَّتي عرضتْ عن يمينكَ، فطريقُ أهل الجنَّة، وأمَّا الجبلُ الزَّلق فمنزلُ الشُّهداء، وأمَّا العروة الَّتي استمسكتَ بها فعروةُ الإسلام، فاستمسكْ بها حتَّى تموت». قال: فأنا أرجو أن أكونَ من أهل الجنَّة. قال: فإذا هو عبدُ الله بنُ سلَام. وهكذا رواه النَّسائيُّ وابن ماجه ومسلمٌ في «صحيحه». (٢٠) (باب كَشْفِ المَرْأَةِ) أي: كشف الرَّجل المرأة (فِي المَنَامِ). ٧٠١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بضم العين، الهباريُّ القرشيُّ الكوفيُّ، وكان اسمُه عبد الله قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّادُ بن أسامة (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أُرِيتُكِ) بضم الهمزة (فِي المَنَامِ مَرَّتَيْنِ) زاد مسلم: «أو ثلاثًا» بالشَّكِّ، فقيل: من هشام، واقتصر البخاريُّ على المحقَّق (١) وهو المرَّتان (إِذَا رَجُلٌ) أي: جبريلُ في صورة رجلٍ (يَحْمِلُكِ فِي سَرَقَةِ) بفتح السين والراء المهملتين والقاف، قطعةٍ من (حَرِيرٍ) وذكرُ الحريرِ تأكيدٌ للسَّرَقة، وإلَّا فهي لا تكون إلَّا من حريرٍ (٢). قال في «الصَِّحاح»: السَّرَق شُقَف الحريرِ، الواحدة منها سَرَقة، وثبت: «من» في قولهِ: «من حرير» لأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ (فَيَقُولُ) الرَّجل المفسَّر بجبريل: (هَذِهِ امْرَأَتُكَ) زاد ابن حبَّان: «في الدُّنيا والآخرة» (فَأَكْشِفُهَا، فَإِذَا هِيَ أَنْتِ) لا غيركِ، فالمراد: أنَّه رآها في المنامِ كما رآها في اليقظةِ (فَأَقُولُ إِنْ يَكُنْ هَذَا) الَّذي رأيته (مِنْ عِنْدِ اللهِ يُمْضِهِ) بضم أوله

стр. 12143

وكسر ثالثه، من الإمضاء. قال في «شرح المشكاة»: وهذا الشَّرط ممَّا يقولُه المتحقِّقُ لثبوتِ الأمرِ المستدلُّ (١) بصحَّته تقريرًا لوقوعِ الجزاءِ وتحقُّقه، ونحوهُ قولُ السُّلطان لمن هو تحتَ قهرهِ: إن كنت سلطانًا انتقمت منك، أي: السَّلطنةُ مُقْتضيةً للانتقامِ. وسبق الحديثُ في «النكاح» (٢) [خ¦٥٠٧٨]. (٢١) (باب) رؤية (ثِيَابِ الحَرِيرِ فِي المَنَامِ) وسقطَ لابنِ عساكرَ لفظ «ثياب». ٧٠١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) زاد أبو ذرٍّ عن الحَمُّويي والكُشمِيهنيِّ: «هو أبو كُريب محمد بن العلاء»، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «محمَّد بن سلام» (٣) وقال الكلاباذيُّ: هو محمَّد بن سلام، أو محمَّد بن المثنَّى قال: (أَخْبَرَنَا) بالجمع، ولابنِ عساكرَ: «أَخْبرني» (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بنُ خَازم -بالخاء والزاي المعجمتين- قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنَّها (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أُرِيتُكِ) بضم الهمزة وكسر الراء بعدها مبنيًّا للمفعول (قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَكِ) في المنام (مَرَّتَيْنِ، رَأَيْتُ المَلَكَ) جبريل ﵇ (يَحْمِلُكِ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ فَقُلْتُ لَهُ) لجبريل: (اكْشِفْ) أي: السَّرَقة (فَكَشَفَ فَإِذَا هِيَ) ولابنِ عساكرَ وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والكُشمِيهنيِّ: «فإذا هو» (أَنْتِ) وفي الرِّواية السَّابقة: «فأكشِفُها» [خ¦٧٠١١] وفي «النَّكاح»: «فقال لي: هذه امرأتُك، فكشفْتُ عن وجهِكِ (٤)» [خ¦٥١٢٥] ففيهما (٥) أنَّ الكاشفَ

стр. 12144

هو رسولُ الله ﷺ ، وفي حديثِ هذا الباب: أنَّ الكاشفَ الملك. وأُجيب بأنَّ نسبة الكشفِ إليه ﷺ لكونهِ الآمر، والَّذي باشر الكشفَ هو الملك. (فَقُلْتُ: إِنْ يَكُنْ) بنون بعد الكاف (هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ يُمْضِهِ) ينفذه ويتمّه (ثُمَّ أُرِيتُكِ) بتقديم الهمزة المضمومة على الراء المكسورة، المرَّة الثانية (يَحْمِلُكِ) الملكُ (فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ. فَقُلْتُ) للملك: (اكْشِفْ، فَكَشَفَ فَإِذَا هِيَ) ولابنِ عساكرَ وحده: «فإذا هو» أي: فإذا الشَّخص الَّذي في السَّرَقة (أَنْتِ فَقُلْتُ: إِنْ يَكُ) بغير نونٍ بعد الكاف (١) (هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ يُمْضِهِ) وأعاد صورةَ المنام بيانًا لقولهِ: «أريتُك مرَّتين». وفي رواية حمَّاد بن سلمة: «أُتيتُ بجاريةٍ في سَرَقةٍ من حريرٍ بعد وفاةِ خديجة»، ففيه أنَّ هذه الرُّؤيا كانت بعد المبعَثِ. واستُشكل قوله: «فإن يكنْ من عندِ الله يُمضه» إذ ظاهره الشَّكُّ، ورؤيا الأنبياء وحيٌ؟ وأُجيب بأنَّه لم يشكَّ، ولكنَّه أتى بصورةِ الشَّكِّ، وهو نوعٌ من أنواعِ البديعِ عند أهلِ البلاغةِ يُسمَّى مزج الشَّكِّ باليقين. أو قاله (٢) قبل أن يعلمَ أنَّ رؤيا الأنبياءِ وحيٌ، أو المراد أن تكون (٣) الرُّؤيا على وجهها في ظاهرِها (٤) لا تحتاج إلى تعبيرٍ وتفسيرٍ فيُمضِها الله وينجزُها (٥). فالشَّكُّ عائدٌ على أنَّها رُؤيا على ظاهرها (٦) لا تحتاجُ إلى تعبيرٍ وخروج عن ظاهرهَا، أو المراد: إنْ كانت هذه الزَّوجة في الدُّنيا يمضِها الله، فالشَّكُّ أنَّها زوجةٌ في الدُّنيا (٧) أم في الجنَّة، قاله عياضٌ، فليتأمل مع ما عندَ ابن حبَّان في روايتهِ: «هذه امرأتُك في الدُّنيا والآخرة». (٢٢) (باب) رؤية (المَفَاتِيحِ فِي اليَدِ) في المنام.

стр. 12145

٧٠١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) هو: سعيدُ بن كثيرِ بن عُفَير بن مسلمٍ، وقيل: ابن (١) عُفَير ابن سلمة (٢) بن يزيدَ بنِ الأسود الأنصاريُّ مولاهم البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُقَيْلٌ) بضم العين (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ) بفتح التحتية (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعُْبِ) بسكون العين وضمها، أي: الخوفُ يقع في قلب من أقصدُه من أعدَائي، وهو في مسيرةِ شهرٍ منِّي نصرًا من الله لي بذلك (وَبَيْنَا) بغير ميم (أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ) بضم الهمزة من غير واو مبنيًّا للمفعول (بِمَفَاتِيحِ (٣) خَزَائِنِ الأَرْضِ) قال الخطّابيُّ: يريد بخزائنِ الأرض: ما فتحَ الله على أمَّته من الغنائمِ وخزائنِ كسرى وقيصر وغيرهما (٤) (فَوُضِعَتْ) بضم الواو وكسر الضاد المعجمة وفتح المهملة بعدها؛ أي (٥): المفاتيح (فِي يَدِي) حقيقةً أو مجازًا باعتبار الاستيلاء عليها. (قَالَ مُحَمَّدٌ) ولأبي ذرٍّ: «قال أبو عبد الله» بدل قولهِ: قال محمد، وفي «فتح الباري» عزو (٦) رواية محمَّد لكريمةَ، والأخرى لأبي ذرٍّ. قيل: المراد البخاريُّ؛ لأنَّ اسمه محمد، وكنيتُه أبو عبد الله. قال الحافظُ ابن حجرٍ: والَّذي يظهرُ لي أنَّ الصَّواب رواية كريمة، فإنَّ الكلام ثبت عند الزُّهريِّ واسمه محمَّد بن مسلم، وقد ساقه المؤلِّف هنا من طريقه، فيبعدُ أن يأخذَ كلامه فينسبه

стр. 12146

لنفسهِ، وكأنَّ بعضهم لمَّا قال (١): قال محمَّدٌ، ظنَّ أنَّه البخاريُّ، فأرادَ تعظيمه فكنَّاه فأخطأ؛ لأنَّ محمدًا هو الزُّهريُّ وكنيتُه أبو بكرٍ لا أبو عبد الله. انتهى. (وَبَلَغَنِي أَنَّ جَوَامِعَ الكَلِمِ) الَّتي بُعثَ بها (٢) ﷺ تفسيرها (أَنَّ اللهَ) تعالى (يَجْمَعُ) له (الأُمُورَ الكَثِيرَةَ الَّتِي كَانَتْ تُكْتَبُ فِي الكُتُبِ قَبْلَهُ فِي الأَمْرِ الوَاحِدِ وَالأَمْرَيْنِ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ) وحاصله: أنَّه ﷺ كان يتكلَّم بالقولِ الموجز القليلِ اللَّفظِ (٣) الكثيرِ المعاني. وجزم غيرُ الزُّهريِّ بأنَّ (٤) المراد بجوامعِ الكلم: القرآن؛ إذ هو الغايةُ القصوى في إيجاز اللَّفظ، واتِّساع المعاني. وَعَلَى تَفَنُّنِ وَاصِفِيهِ بِحُسْنِهِ … يَفْنَى الزَّمَانُ وَفِيهِ مَا لَمْ يُوصَفِ ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة في قولهِ: «أُتيتُ مفاتيح خزائن الأرض»، وقد قال أهل التَّعبير: من رأى أنَّ بيده مفاتيح فإنَّه يصيب سلطانًا (٥)، ومن رأى أنَّه فتحَ بابًا بمفتاح فإنَّه يظفرُ بحاجته بمعونةِ من له بأسٌ. والحديث مرَّ في «الجهاد» [خ¦٢٩٧٧]. (٢٣) (باب التَّعْلِيقِ (٦) بِالعُرْوَةِ) الوثقَى (وَالحَلْقَةِ) في المنام.

стр. 12147

٧٠١٤ - وبه قال: (حَدَّثَناَ) ولغير أبي ذرٍّ بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا أَزْهَرُ) بفتح الهمزة وسكون الزاي وفتح الهاء بعدها راء، ابن سعدٍ السَّمَّان البصريُّ (عَنِ ابْنِ عَوْنٍ) عبد الله. قال المؤلِّف بالسَّند إليه: (ح) للتَّحويل من سندٍ إلى آخر (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (خَلِيفَةُ) بن خَيَّاط -بالخاء المعجمة المفتوحة والتحتية المشددة- البصريُّ العصفريُّ صاحب «كتاب الطبقات» و «التاريخ» يُقال له: شَبَاب (١) قال: (حَدَّثَنَا مُعَاذٌ) هو: ابنُ معاوية العنبريُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ) عبد الله (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو: ابنُ سيرين أنَّه قال: (حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ) بضم العين وتخفيف الموحدة التَّابعيُّ، وسبقَ ذكره في «مناقبِ عبد الله بن سلَام» بهذا الحديث [خ¦٣٨١٣] وحديث آخر في «تفسيرِ سورة الحجِّ» [خ¦٤٧٤٣] وفي «غزوة بدرٍ» [خ¦٣٩٩٥] وليس له في البخاريِّ سوى هذين الحديثين (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ) بالتَّخفيف، أنَّه (قَالَ: رَأَيْتُ) في المنام (كَأَنِّي فِي رَوْضَةٍ، وَسَطَ الرَّوْضَةِ) وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «ووسط الرَّوضة» (عَمُودٌ فِي أَعْلَى العَمُودِ عُرْوَةٌ، فَقِيلَ لِي: ارْقَهْ) بهاء السَّكت، اصعده (٢) (قُلْتُ: لَا أَسْتَطِيعُ) رقيَّه (فَأَتَانِي وَصِيفٌ) خادمٌ (فَرَفَعَ) وفي نسخة: «يرفع» (ثِيَابِي (٣) فَرَقِيتُ) بكسر القاف (فَاسْتَمْسَكْتُ بِالعُرْوَةِ (٤)، فَانْتَبَهْتُ وَأَنَا مُسْتَمْسِكٌ (٥) بِهَا) أي: حال استمسَاكي بالعروةِ، وإلَّا فكيف يستمسِكُ (٦) بعد الانتباهِ، ويحتملُ الحقيقةَ فالقدرةُ صالحة (فَقَصَصْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: تِلْكَ الرَّوْضَةُ رَوْضَةُ الإِسْلَامِ، وَذَلِكَ العَمُودُ عَمُودُ الإِسْلَامِ، وَتِلْكَ العُرْوَةُ عُرْوَةُ الوُثْقَى) المذكورة في قوله تعالى: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لقمان: ٢٢] (لَا تَزَالُ مُسْتَمْسِكًا (٧) بِالإِسْلَامِ حَتَّى تَمُوتَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «بها» بدل قولهِ: «بالإسلام»، وقد قال المعبِّرون: الحلْقة والعروةُ المجهولةُ يدلَّان (٨) لمن تمسَّك

стр. 12148

بهما (١) على قوَّته في دينهِ وإخلاصهِ فيه. (٢٤) (باب) رؤية (عَمُودِ الفُِسْطَاطِ) بضم الفاء وتكسر وسكون المهملة بعدها طاءان مهملتان بينهما ألف، وقد تبدل الطاء الأخيرة سينًا مهملةً، وقد تبدل الطاء تاء (٢) مثنَّاة فوقيَّة فيهما (٣) وفي إحدَاهما (٤)، وقد تدغمُ التاء الأولى في السين المهملة وبالسين (٥) المهملة في آخره لغات تبلغ على هذا اثنتي عشرة، وهو -كما قال الجواليقيُّ-: فارسيٌّ معرَّب، وهو الخيمة العظيمةُ، والعَمود بفتح أوَّله (تَحْتَ وِسَادَتِهِ) في المنام. وعند النَّسَفيِّ: «عند» بدل: «تحت»، ولم يذكر هنا حديثًا، ولعلَّه أشار بهذه التَّرجمة إلى ما أخرجَه يعقوبُ بن سفيان، والطَّبرانيُّ والحاكمُ وصحَّحه (٦) من حديث عبد الله بن عَمرو بن العاصي سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «بينا أنا نائمٌ رأيتُ عَمود الكتابِ احتُمل من تحتِ رأسي، فأتبعتُهُ بصرِي فإذا هو قد عُمِد به إلى الشأمِ، ألا وإن الإيمانَ حين تقع الفتنُ بالشأم»، وزاد يعقوب والطَّبرانيُّ من حديث أبي أمامة بعد قوله: بصري: «فإذا هو نورٌ ساطعٌ حتَّى ظننتُ أنَّه قد هوى به، فعُمِد به إلى الشأم، وإني أوَّلت أنَّ الفتنَ إذا وقعتْ أنَّ الإيمانَ بالشأم» وسنده ضعيفٌ، وعند (٧) أبي الدَّرداء عن النَّبيِّ ﷺ قال: «بينا أنا نائمٌ رأيتُ عمودَ الكتابِ احتُمل من تحتِ رأسِي، فظننْتُ (٨) أنَّه مَذْهوب به، فأتبعتُهُ بصرِي فعُمِد به إلى الشأمِ». رواه أحمدُ ويعقوبُ والطَّبرانيُّ بسندٍ صحيحٍ. وهذا الحديث -كما قال في «الفتح» -: أقربُ إلى شرطِ البخاريِّ؛ لأنَّه أخرج لرواتهِ إلَّا أنَّ

стр. 12149

فيه اختلافًا على يحيى بنِ حمزة في شيخهِ هل هو ثور بن يزيد (١)، أو زيد بن واقد؟ وهو غيرُ قادحٍ؛ لأنَّ كلًّا منهما ثقةٌ من شرطه، فلعلَّه كتب التَّرجمة وبيَّض للحديثِ فاخترمتهُ المنيَّة، وعن عبد الله بن حَوَالة: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «رأيتُ ليلةَ أُسري بي عَمودًا أبيضَ كأنَّه لواءٌ تحملُه الملائكةُ فقلتُ: ما تحملون؟ قالوا: عَمود الكتابِ أمرنا أن نضعَهُ بالشَّأم». قال: «وبينَا أنا نائمٌ رأيتُ عمودَ الكتابِ اختُلِس من تحتِ وِسَادتي، فظننتُ أنَّ الله تجلَّى على (٢) أهلِ الأرض، فأتبعتُه بصرِي فإذا هو نورٌ ساطعٌ حتَّى وضِعَ بالشَّأم». وللحديثِ طرقٌ أُخرى (٣) يقوِّي بعضها بعضًا، وعَمود الكتابِ: عمود الدِّين. وقال المعبِّرون: مَن رأى في منامهِ عمودًا، فإنَّه يعبر بالدِّين، وأمَّا الفُسطاط فمن رأى أنَّه ضرب عليه فسطاط، فإنَّه ينال سلطانًا بقدَرِه، أو يخاصِمُ ملِكًا فيظفرُ. (٢٥) (باب) رؤية (الإِسْتَبْرَقِ) وهو غليظ الدِّيباج في المنام (وَ) رؤية (دُخُولِ الجَنَّةِ فِي المَنَامِ) أيضًا. ٧٠١٥ - ٧٠١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) بفتح اللَّام المشدَّدة، العمِّيُّ البصريُّ أخو بهز بن أسدٍ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضم الواو وفتح الهاء، ابنُ خالدٍ البصريُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانيِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابنِ عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: رَأَيْتُ فِي المَنَامِ كَأَنَّ فِي يَدِي سَرَقَةً) بفتحات (مِنْ حَرِيرٍ) وفي التِّرمذيِّ من طريق إسماعيلَ ابنِ عُلَيَّة عن أيُّوب: «كأنَّما في يدِي قطعة استبرقٍ»، فكأنَّ (٤)

стр. 12150

البخاريَّ أشارَ إلى روايتهِ في التَّرجمة (١) (لَا أَهْوِي) بفتح الهمزةِ، وقال العينيُّ كابن حجرٍ: بضم الهمزة، من الإهواءِ، وثلاثيَّه هَوَى، أي: سَقَط، وقال الأصمعيُّ: أهويت بالشَّيءِ إذا رميت به (٢) (بِهَا) بالسَّرَقة (إِلَى مَكَانٍ فِي الجَنَّةِ إِلَّا طَارَتْ بِي إِلَيْهِ) فكأنَّما لي مثل جناح الطَّير للطَّائر (فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ) بنت عمر بنِ الخطَّاب أمِّ المؤمنين. (فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ) لها ﷺ : (إِنَّ أَخَاكِ رَجُلٌ صَالِحٌ -أَوْ قَالَ: إِنَّ عَبْدَ اللهِ) أخاك (رَجُلٌ صَالِحٌ-) كذا بالشَّكِّ من الرَّاوي. قال في «الفتح»: وزاد الكُشمِيهنيُّ في روايته عن الفَِرَبْريِّ: «لو كان يصلِّي من اللَّيل» وفي مسلمٍ من رواية عبيد الله بن عمر عن نافعٍ عن ابن عمر: قال: «نِعْم الفتى -أو قال: نعم الرَّجل- ابن عمر لو كان يصلِّي من اللَّيلِ». قال ابنُ عمر: وكنت إذا نمتُ لم أقمْ (٣) حتَّى أصبح. وحديثُ الباب سبق في (٤) «صلاة اللَّيل» [خ¦١١٢٢]. (٢٦) (باب) رؤية (القَيْدِ فِي المَنَامِ) إذا رأى شخصٌ أنَّه تقيَّد به فيه ما يكون تعبيرهُ.
следующие страницы →