← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 12951–12990 · переход к 12956.

стр. 12951

الصَّبَّاح أبو جعفر بن أبي سُرَيج النَّهشليُّ الرَّازيُّ قال: (أَخْبَرَنَا شَبَابَةُ) بالشِّين المعجمة وتخفيف الموحَّدة الأولى، ابن سَوِّارٍ -بفتح المهملة (١) وتشديد الواو- أبو عمر الفزاريُّ مولاهم قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ) بضمِّ القاف وتشديد الرَّاء المفتوحة، المزنيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ) بضمِّ الميم وفتح المعجمة وتشديد الفاء المفتوحة، ولأبي ذرٍّ: «المغفَّل» (المُزَنِيِّ) ﵁ أنَّه (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَوْمَ الفَتْحِ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ يَقْرَأُ سُورَةَ الفَتْحِ، أَوْ مِنْ سُورَةِ الفَتْحِ) بالشَّكِّ من الرَّاوي (قَالَ: فَرَجَّعَ فِيهَا) بتشديد الجيم، أي: ردَّد صوته بالقراءة (قَالَ) شعبة: (ثُمَّ قَرَأَ مُعَاوِيَةُ يَحْكِي قِرَاءَةَ ابْنِ مُغَفَّلٍ، وَقَالَ) معاوية: (لَوْلَا أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَيْكُمْ لَرَجَّعْتُ كَمَا رَجَّعَ ابْنُ مُغَفَّلٍ يَحْكِي (٢) النَّبِيَّ ﷺ ¬) قال ابن بطَّالٍ: فيه أنَّ القراءة بالتَّرجيع والألحان تجمع نفوس النَّاس إلى الإصغاء إليه، وتستميلها بذلك حتَّى لا تكاد (٣) تصبر عن استماع التَّرجيع المشوب بلذَّة الحكمة المهمَّة، قال شعبة: (فَقُلْتُ لِمُعَاوِيَةَ: كَيْفَ كَانَ تَرْجِيعُهُ (٤)؟ قَالَ: آ آ آ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) بهمزةٍ مفتوحةٍ بعدها ألفٌ، وهو محمولٌ على الإشباع في محلِّه، وسبقت مباحثه في «فضائل القرآن» [خ¦٥٠٣٤] وفيه: جواز القراءة بالتَّرجيع والألحان الملذَّذة للقلوب بحسن الصَّوت، ووجه دخول هذا الحديث في هذا الباب أنَّه ﷺ كان أيضًا يروي القرآن عن ربِّه، وقال الكِرمانيُّ: الرِّواية عن الرَّبِّ أعمُّ من أن تكون (٥) قرآنًا أو غيره، بالواسطة أو بدونها، لكنَّ المتبادر إلى الذِّهن المتداول على الألسنة كان بغير الواسطة. (٥١) (باب مَا يَجُوزُ مِنْ تَفْسِيرِ التَّوْرَاةِ وَغَيْرِهَا مِنْ كُتُبِ اللهِ) كالإنجيل (بِـ) اللُّغة (العَرَبِيَّةِ وَغَيْرِهَا) من اللُّغات (لِقَوْلِ اللهِ (٦) تَعَالَى): ﴿قُلْ﴾ (﴿فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣]) ووجه

стр. 12952

الدَّلالة منها أنَّ التَّوراة بالعبرانيَّة، وقد أمر الله أن تُتلى على العرب وهم لا يعرفون العبرانيَّة، ففيه الإذن في التَّعبير عنها بالعربيَّة. ٧٥٤١ - (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سُفْيَانَ) صخر (بْنُ حَرْبٍ: أَنَّ هِرَقْلَ) ملك الروم قيصر (دَعَا تَُرْجُمَانَهُ) ولم يُسَمَّ (ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَرَأَهُ) فإذا فيه: (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ، و ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الاية [آل عمران: ٦٤]) وجه الدَّلالة منه أنَّه ﷺ كتب إلى هرقل باللِّسان العربيِّ، ولسان هرقل روميٌّ، ففيه إشعارٌ بأنَّه اعتمد في إبلاغه ما في الكتاب على من يترجم عنه بلسان المبعوث إليه ليفهمه، والمترجم المذكور هو التُّرجمان. والحديث سبق مطوَّلًا في أوَّل «الصَّحيح» [خ¦٧]. ٧٥٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحَّدة والمعجمة المشدَّدة ابن عثمان أبو بكرٍ العبديُّ مولاهم المعروف ببندارٍ قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) بضمِّ العين، ابن فارسٍ البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ المُبَارَكِ) الهنائيُّ (عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) بالمثلَّثة، الطَّائيِّ مولاهم (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ، الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: كَانَ أَهْلُ الكِتَابِ يَقْرَؤونَ التَّوْرَاةَ بِالعِبْرَانِيَّةِ) بكسر العين وسكون الموحَّدة (وَيُفَسِّرُونَهَا بِالعَرَبِيَّةِ لأَهْلِ الإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ) قال البيهقيُّ: فيه دليلٌ على أنَّ أهل الكتاب إن صدَّقوا ما (١) فسَّروا من كتابهم بالعربيَّة كان ذلك ممَّا أُنزِل إليهم على طريق

стр. 12953

التَّعبير عمَّا أُنزِل، وكلام الله واحدٌ لا يختلف باختلاف اللُّغات، فبأيِّ لسانٍ قُرِئ فهو كلام الله، ثمَّ أسند عن مجاهدٍ في قوله تعالى: ﴿لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] يعني: ومن أسلم من العجم وغيرهم، قال البيهقيُّ: وقد لا يكون يعرف العربيَّة، فإذا بلغه معناه بلسانه فهو له نذيرٌ (و ﴿قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ﴾ الاية [البقرة: ١٣٦]) والمراد: القرآن. ٧٥٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرْهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) ابن عُليَّة (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: أُتِيَ) بضمِّ الهمزة وكسر الفوقيَّة (النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ) لم يُسَمَّ، ولأبي ذرٍّ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أُتِي برجلٍ» (وَامْرَأَةٍ) قال ابن العربيِّ اسمها: بُسْرة، كلاهما (مِنَ اليَهُودِ قَدْ زَنَيَا فَقَالَ) ﷺ (لِلْيَهُودِ: مَا تَصْنَعُونَ بِهِمَا؟ قَالُوا: نُسَخِّمُ) بضمِّ النُّون وفتح السِّين المهملة وكسر الخاء المعجمة المشدَّدة، نسوِّد (وُجُوهَهُمَا وَنُخْزِيهِمَا) بضمِّ النُّون وسكون الخاء المعجمة وكسر الزَّاي، أي: نُركِبهما على حمارٍ معكوسين (١) وندور بهما في الأسواق (قَالَ) ﷺ لهم: (﴿فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ فَجَاؤُوْا) بها (فَقَالُوا لِرَجُلٍ مِمَّنْ يَرْضَوْنَ) هو عبد الله بن صوريَّا الأعور اليهوديُّ: (يَا أَعْوَرُ) منادًى غير مضاف (٢)، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «أعورَ» مجرورٌ بالفتحة، صفةٌ لـ «رجلٍ» والذي في «اليونينيَّة» بالرَّفع على أصل المنادى مع حذف الأداة (اقْرَأْ، فَقَرَأَ حَتَّى انْتَهَى إلَى مَوْضِعٍ مِنْهَا) من التَّوراة (فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ) على الموضع، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «عليها»

стр. 12954

على آية الرَّجم (قَالَ) له ابن سلامٍ: (ارْفَعْ يَدَكَ) عنها (فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهِ) في الموضع الذي وضع يده عليه (آيَةُ الرَّجْمِ تَلُوحُ) بالحاء المهملة (فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ عَلَيْهِمَا) ولأبوي الوقت وذر: «إن بينهما» (الرَّجْمَ، وَلَكِنَّا نُكَاتِمُهُ بَيْنَنَا) بضمِّ النُّون بعدها كافٌ، وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «نَتَكاتمه» بفتح النُّون والفوقيَّة والتَّذكير، أي: الرَّجم أيضًا، ولأبي ذرٍّ أيضًا عن الكُشْمِيهَنيِّ: «نتكاتمها» -بالتَّأنيث- أي: آية الرَّجم (فَأَمَرَ بِهِمَا) ﷺ (فَرُجِمَا). قال ابن (١) عمر ﵄: (فَرَأَيْتُهُ) يعني: اليهوديَّ المرجومَ (يُجَانِئُ) بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الجيم وبعد الألف نونٌ مكسورةٌ فهمزةٌ مضمومةٌ، يكبُّ (عَلَيْهَا) أي: على اليهوديَّة يقيها (الحِجَارَةَ). والحديث سبق في آخر «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٦٣٥] وفي «باب الرَّجم بالبلاط» من «كتاب المحاربين» [خ¦٦٨١٩]. (٥٢) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : المَاهِرُ بِالقُرْآنِ) الجيِّد التِّلاوة مع الحفظ (مَعَ الكِرَامِ) وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «مع السَّفرة الكرام» (٢)، وله عن الحَمُّويي والمُستملي: «مَع سَفَرةِ الكرامِ» (البَرَرَةِ) بإضافة «سَفرة» لـ «الكرام» من باب إضافة الموصوف للصِّفة، و «السَّفرة» الكَتَبة، جمع سافرٍ مثل: كاتبٍ وزنًا ومعنًى وهم الكَتَبة الذين يكتبون من اللَّوح المحفوظ، و «الكرام»: المكرَّمون عند الله تعالى، و «البررة»: المطيعون المطهَّرون من الذُّنوب، وأصل هذا حديثٌ تقدَّم موصولًا في «التَّفسير» [خ¦٤٩٣٧] لكن بلفظ: «مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظٌ له مع السَّفرة الكرام البررة» قال الهرويُّ: والمراد بالمَهَارة بالقرآن: جودة الحفظ وجودة التِّلاوة من غير تردُّدٍ فيه؛ لكونه يسَّره الله تعالى عليه كما يسَّره على الملائكة، فكان مثلها في الحفظ والدَّرجة (وَ) قوله ﷺ : (زَيِّنُوا القُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ) بتحسينها،

стр. 12955

ومراد المؤلِّف إثبات كون التِّلاوة فعل العبد، فإنَّها يدخلها التَّرتيل والتَّحسين والتَّطريب، وهذا التَّعليق وهو «زيِّنوا … » إلى آخره وصله أبو داود وغيره. ٧٥٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزَّاي، أبو إسحاق الزُّبيريُّ (١) الأسديُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي، سلمة بن دينارٍ (عَنْ يَزِيدَ) من الزِّيادة ابن عبد الله بن أسامة بن الهاد اللَّيثيِّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) التَّيميِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ) أي: ما استمع الله لشيءٍ (مَا أَذِنَ) ما استمع (لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ بِالقُرْآنِ) حال كونه (يَجْهَرُ بِهِ) ولا بدَّ من تقدير مضافٍ عند قوله: «لنبيٍّ» أي (٢): لصوت (٣) نبيٍّ، والنَّبيُّ جنسٌ شائعٌ في كلِّ نبيٍّ، فالمراد «بالقرآن» القراءة، ولا يجوز أن يحمل الاستماع على الإصغاء؛ إذ هو مستحيلٌ على الله تعالى، بل هو كنايةٌ عن تقريبه وإجزال ثوابه؛ لأنَّ سماع الله تعالى لا يختلف. ٧٥٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بن عبد الله بن بُكيرٍ، بضمِّ الموحَّدة مصغَّرًا،

стр. 12956

قال (١): (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد ابن مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (وَسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ) ابن حزنٍ سيِّد التَّابعين (وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ) اللَّيثيُّ (وَعُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين (بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عتبة بن مسعودٍ، أربعتهم (عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ) ﵂ (حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ) الكذب الشَّديد (مَا قَالُوا، وَكُلٌّ) من الأربعة (حَدَّثَنِي) بالإفراد (طَائِفَةً مِنَ الحَدِيثِ) أي: بعضه، فجميعه عن مجموعهم لا أنَّ مجموعه عن كلِّ واحدٍ منهم، فذكرتِ الحديثَ بطوله إلى أن قالت: «فلئن قلت لكم: إنِّي بريئةٌ -والله يعلم أنِّي منه بريئةٌ- لا تصدِّقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر -والله يعلم أنِّي منه بريئةٌ (٢) - لتصدِّقنِّي بذلك (٣)، والله ما أجد لي ولكم مثلًا إلَّا قول أبي يوسف (٤): ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]» [خ¦٤٧٥٠] (قَالَتْ: فَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي، وَأَنَا حِينَئِذٍ أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ وَأَنَّ اللهَ يُبَرِّئُنِي، وَلَكِنْ) ولأبوي الوقت وذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «ولكنِّي» (وَاللهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللهَ) (يُنْزِلُ) ولأبي ذرٍّ: «مُنْزِلٌ» (فِي شَأْنِي وَحْيًا يُتْلَى) يُقرَأ (وَلَشَأْنِي فِي نَفْسِي كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللهُ) (فِيَّ) بتشديد الياء (بِأَمْرٍ يُتْلَى) بالأصوات في المحاريب والمحافل وغير ذلك (وَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ﴾ [النور: ١١] العَشْرَ الآيَاتِ كُلَّهَا) قال ابن حجرٍ: آخر العشر: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩]. انتهى. قلت: قد سبق في «تفسير سورة النُّور» [خ¦٤٧٥٠] أنَّها إلى ﴿رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ فليُراجَع، وثبت قوله: «عصبةٌ منكم» لأبي ذرٍّ وسقط لغيره، وقد أورد الحديثَ من طرقٍ (٥) أخرى المؤلِّف في «خلق أفعال العباد» ثمَّ قال: فبيَّنت عائشة ﵂ أن الإنزال من الله، وأنَّ النَّاس يتلونه.

стр. 12957

٧٥٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَينٍ قال: (حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ) بكسر الميم وسكون السِّين وفتح العين المهملتين، ابن كدام الكوفيُّ (عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ) الأنصاريِّ (أُرَاهُ) بضمِّ الهمزة، أظنُّه (عَنِ البَرَاءِ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «قال: سمعت البراء» أي: ابن عازبٍ ﵁ (قَالَ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وأبي الوقت: «يقول» (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي) صلاة (العِشَاءِ ﴿وَالتِّينِ﴾) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «بالتِّين» (﴿وَالزَّيْتُونِ﴾ [التين: ١] فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ صَوْتًا أَوْ قِرَاءَةً مِنْهُ) وغرض المؤلِّف من إيراده هنا بيان اختلاف الأصوات بالقراءة من جهة النَّغم، والله أعلم. ٧٥٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) الأنماطيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ) بضمِّ الهاء وفتح المعجمة، ابن بُشيرٍ (١) مصغَّرًا أيضًا، الواسطيُّ السُّلَمِيُّ (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بكسر الموحَّدة وسكون المعجمة جعفر بن أبي وحشيَّة (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) الوالبيِّ مولاهم (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مُتَوَارِيًا بِمَكَّةَ) من المشركين في أوَّل بعثته، وفي «باب ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ﴾ [الملك: ١٣]» [خ¦٧٥٢٥] (٢) «مُخْتَفٍ بمكَّة» (وَكَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ) بالقراءة في الصَّلاة (فَإِذَا سَمِعَ المُشْرِكُونَ) قراءته (سَبُّوا القُرْآنَ وَمَنْ جَاءَ بِهِ، فَقَالَ اللهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ : ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾) أي: بقراءة صلاتك (﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]) زاد في «باب قوله: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ﴾ [الملك: ١٣]» [خ¦٧٥٢٥]: «عن أصحابك فلا تُسْمِعهم ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾».

стр. 12958

٧٥٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام ابن أنسٍ الأصبحيُّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله (أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ ﵁ قَالَ لَهُ) لعبد الله بن عبد الرحمن: (إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الغَنَمَ وَ) تحبُّ (البَادِيَةَ) الصَّحراء؛ لأجل رعي الغنم (فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ) في غير باديةٍ (أَوْ) في (بَادِيَتِكَ) من غير غنمٍ، أو معها، وهو شكٌّ (١) من الرَّاوي (فَأَذَّنْتَ لِلصَّلَاةِ؛ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ) بالأذان (فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى) بفتح الميم والدَّال المهملة مقصورًا، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «نداء» (صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ) من الحيوان والجماد بأن يخلق الله تعالى له إدراكًا (إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ) الخدريُّ ﵁: (سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أي: قوله: «فإنَّه لا يسمع … » إلى آخره، فذِكْر البادية والغنم موقوفٌ، قال في «الفتح»: مراد المؤلِّف هنا: بيان اختلاف الأصوات بالرَّفع والخفض، وقال في «الكواكب»: وجه مناسبته أنَّ رفع الأصوات بالقرآن أحقُّ بالشَّهادة له وأولى. وسبق الحديث في «بابِ رفع الصَّوت بالنداء» من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٦٠٩]. ٧٥٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بفتح القاف وكسر الموحَّدة وبالصَّاد المهملة، ابن عقبة أبو عامرٍ السُّوائيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن عبد الرَّحمن التَّيميِّ (عَنْ أُمِّهِ) صفيَّة بنت شيبة الحجبيِّ المكِّيِّ (٢) (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنَّها (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ القُرْآنَ وَرَأْسُهُ فِي حَجْرِي) بفتح الحاء المهملة (وَأَنَا حَائِضٌ) جملةٌ حاليَّةٌ، والحديث مرَّ في «الحيض» [خ¦٢٩٧]. (٥٣) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]) وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «ما تيسَّر منه» قيل المراد نفس القراءة، أي: فاقرؤوا فيما تصلُّون به اللَّيل ما خفَّ

стр. 12959

عليكم، قال السُّدِّيُّ: مئة آيةٍ، وقيل: صلُّوا ما تيسَّر عليكم والصَّلاة تُسمَّى قرآنًا، قال الله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] أي: صلاة الفجر. ٧٥٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) نسبه لجدِّه، واسم أبيه عبد الله قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين، ابنِ خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) بن الزُّبير: (أَنَّ المِسْوَرَ) بكسر الميم (بْنَ مَخْرَمَةَ) بفتحها وسكون المعجمة وفتح الرَّاء (وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدٍ القَارِيَّ) بتشديد الياء نسبةً إلى القارة (حَدَّثَاهُ أَنَّهُمَا سَمِعَا عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ) ﵁ (يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الفُرْقَانِ) لا سورة الأحزاب (فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ، فَإِذَا هُوَ يَقْرَأُ عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ) بالسِّين المهملة، آخذ برأسه (فِي الصَّلَاةِ، فَتَصَبَّرْتُ) فتكلَّفت الصَّبر (حَتَّى سَلَّمَ، فَلَبَّبْتُهُ) بتشديد الموحَّدة الأولى وتُخفَّف، وهو الذي في «اليونينيَّة» وسكون (١) الثَّانية (بِرِدَائِهِ) جمعتها عليه عند لبَّته خوف أن ينفلت منِّي (فَقُلْتُ) له: (مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ (٢) تَقْرَأُ) ها؟ (قَالَ) ولأبي الوقت (٣) «فقال»: (أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقُلْتُ) له: (كَذَبْتَ أَقْرَأَنِيهَا) رسول الله ﷺ (عَلَى غَيْرِ مَا قَرَأْتَـ) ها

стр. 12960

(فَانْطَلَقْتُ بِهِ أَقُودُهُ) وأجرُّه بردائه (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ): يا رسول الله (إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الفُرْقَانِ عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا، فَقَالَ: أَرْسِلْهُ) بهمزة قطعٍ وبكسر السِّين، أَطْلِقْه، ثمَّ قال ﵊: (اقْرَأْ يَا هِشَامُ) قال عمر ﵁: (فَقَرَأَ القِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ) يقرأ بها (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : كَذَلِكَ) وللأَصيليِّ: «كذا» (أُنْزِلَتْ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : اقْرَأْ يَا عُمَرُ، فَقَرَأْتُ) القراءة (الَّتِي أَقْرَأَنِي) بها رسول الله (١) ﷺ (فَقَالَ: كَذَلِكَ) وللأَصيليِّ: «كذا» (أُنْزِلَتْ) ثمَّ قال: (إِنَّ هَذَا القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ) أي: لغاتٍ (فَاقْرَؤُوْا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ) من الأحرف المنزَّل بها بالنِّسبة إلى ما يستحضره القارئ من القراءات، فالذي في آية المزَّمِّل للكميَّة، والذي في الحديث للكيفيَّة، قال في «الفتح»: ومناسبة التَّرجمة وحديثها للأبواب السَّابقة من جهة التَّفاوت في الكيفيَّة، ومن جهة جواز نسبة القراءة للقارئ. وسبق الحديث في «الفضائل» [خ¦٤٩٩٢] و «الخصومات» [خ¦٢٤١٩]. (٥٤) (باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾) أي: سهَّلناه للادِّكار (٢) والاتِّعاظ (﴿فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]) متَّعظٍ يتَّعظ، وقيل: ولقد سهَّلناه للحفظ وأعنَّا عليه من أراد حفظه فهل من طالبٍ لحفظه ليُعان عليه؟ ويُروَى أنَّ كتب أهل الأديان -كالتَّوراة والإنجيل- لا يتلوها أهلها إلَّا نظرًا ولا يحفظونها ظاهرًا كالقرآن، وثبت قوله: «﴿فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾» لأبي ذرٍّ والأَصيليِّ، وسقط لغيرهما (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : كُلٌّ) بالتَّنوين (مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ) وصله هنا (يُقَالُ: مُيَسَّرٌ) قال المؤلِّف: أي: (مُهَيَّأٌ) وزاد هنا أبوا ذرٍّ والوقت والأَصيليُّ: «وقال مجاهدٌ» المفسِّر «يسَّرنا القرآن بلسانك» أي: «هوَّنَّا قراءته عليك» وهذا وصله الفريابيُّ، وزاد الكُشْمِيهَنيُّ: «وَقَالَ مَطَرٌ الوَرَّاقُ» بن طهمان، أبو رجاءٍ الخراسانيُّ: «﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ قَالَ: هَلْ مِنْ طَالِبِ عِلْمٍ فَيُعَانَ عَلَيْهِ» وهذا (٣) وصله الفريابيُّ.

стр. 12961

٧٥٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) عبد الله بن عمرٍو المُقْعَد قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ، التَّنوريُّ (قَالَ (١) يَزِيدُ) من الزِّيادة ابن أبي يزيد واسمه سنان، المشهور بالرِّشك الضُّبَعيُّ (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن الشِّخِّير العامريُّ (عَنْ عِمْرَانَ) بن الحصين ﵁ أنَّه (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ فِيمَا يَعْمَلُ العَامِلُونَ) سبق في «كتاب القدر» [خ¦٦٥٩٦]: «يا رسول الله أيُعرَف أهل الجنَّة من أهل النَّار؟ قال: «نعم» قال: فلِمَ (٢) يعمل العاملون؟» أي: إذا سبق العلم بذلك فلا يحتاج العامل إلى العمل؛ لأنَّه سيصير (٣) إلى ما قُدِّر له (قَالَ: كُلٌّ مُيَسَّرٌ) بتشديد السِّين المفتوحة (لِمَا خُلِقَ لَهُ) فعلى المكلَّف أن يدأب في الأعمال الصَّالحة، فإنَّ عمله أمارةٌ إلى ما يؤول إليه أمره غالبًا، ومطابقته للتَّرجمة ظاهرةٌ. وسبق في «القدر» [خ¦٦٥٩٦]. ٧٥٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: بالجمع (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحَّدة والمعجمة، بندارٌ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفرٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (وَالأَعْمَشِ) سليمان بن مهران أنَّهما (سَمِعَا سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ) بسكون العين في الأوَّل وضمِّها في الثَّاني وفتح الموحَّدة، أبا حمزة -بالمهملة والزَّاي- السُّلميَّ -بالضَّمِّ- الكوفيَّ (عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) عبد الله بن حبيبٍ الكوفيِّ السُّلَمِيِّ (عَنْ عَلِيٍّ) أي: ابن أبي طالبٍ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ كَانَ فِي جِنَازَةٍ) زاد في «الجنائز» [خ¦١٣٦٢]: «في بقيع الغرقد» (فَأَخَذَ

стр. 12962

عُودًا فَجَعَلَ يَنْكُتُ) بضمِّ الكاف بعدها مُثنَّاةٌ فوقيَّةٌ، يضرب به (فِي الأَرْضِ فَقَالَ: مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا كُتِبَ) بضمِّ الكاف، أي: قُدِّر في الأزل (مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ أَوْ مِنَ النَّارِ) «من» بيانيَّةٌ (قَالُوا) سبق تعيين القائل في «الجنائز»، وفي «التِّرمذيِّ» أنَّه عمر بن الخطَّاب: (أَلَا نَتَّكِلُ) أي: نعتمد؟ زاد في «الجنائز»: «على كتابنا وندع العمل؟» [خ¦١٣٦٢] (قَالَ: اعْمَلُوا) صالحًا (فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ) أي: لما خُلِق له، ثمَّ قرأ ﷺ (﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ الاية [الليل: ٥]). ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «ميسَّرٌ». وسبق في «الجنائز» [خ¦١٣٦٢]. (٥٥) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ﴾) أي: شريفٌ عالي الطَّبقة في الكتب، وفي نظمه وإعجازه، فليس كما تزعمون أنَّه مفتَرًى وأنَّه أساطير الأوَّلين (﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢]) من وصول الشَّياطين إليه. وقوله تعالى: (﴿وَالطُّورِ﴾) الجبل الذي كلَّم الله عليه موسى وهو بمَدْيَن (﴿وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ﴾ [الطور: ١ - ٢] قَالَ قَتَادَةُ) فيما وصله المؤلِّف في كتاب «خلق أفعال العباد» أي: (مَكْتُوبٌ. يَسْطُرُونَ) أي: (يَخُطُّونَ) رواه عبد بن حُمَيدٍ من طريق شيبان عن قتادة (﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ [الزخرف: ٤] جُمْلَةِ الكِتَابِ وَأَصْلِهِ) كذا أخرجه عبد الرَّزَّاق في «تفسيره» عن مَعْمَرٍ عن قتادة. (﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ﴾ [ق: ١٨]) أي: (مَا يَتَكَلَّمُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا كُتِبَ عَلَيْهِ) وصله ابن أبي حاتمٍ من طريق شعيب بن إسحاق عن سعيد بن أبي عَروبة عن قتادة و (١) الحسن، ومن طريق زائدة بن

стр. 12963

قدامة عن الأعمش عن مجمعٍ قال: «الملك مداده ريقه، وقلمه لسانه». (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ في قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ﴾ (يُكْتَبُ الخَيْرُ وَالشَّرُّ). وقوله: (﴿يُحَرِّفُونَ﴾) في قوله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ١٣] أي: (يُزِيلُونَ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يُزِيلُ لَفْظَ كِتَابٍ مِنْ كُتُبِ اللهِ ، وَلَكِنَّهُمْ يُحَرِّفُونَهُ يَتَأَوَّلُونَهُ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ) يحتمل أن يكون هذا من كلام المؤلِّف ذيَّل (١) به على تفسير ابن عبَّاسٍ، وأن يكون من بقيَّة كلام ابن عبَّاسٍ في تفسير الآية، وقد صرَّح كثيرٌ بأنَّ اليهود والنَّصارى بدَّلوا ألفاظًا كثيرةً من التَّوراة والإنجيل وأتوا بغيرها من قِبَل أنفسهم، وحرَّفوا أيضًا كثيرًا من المعاني بتأويلها على غير الوجه، ومنهم من قال: إنَّهم بدَّلوهما كلَّهما، ومن ثمَّ قيل: بامتهانهما، وفيه نظرٌ؛ إذ الآيات والأخبار كثيرةٌ في أنَّه بقي منهما أشياء كثيرةٌ لم تُبدَّل، منها آية ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وقصَّة رجم اليهوديِّين، وقيل: التَّبديل وقع في اليسير منهما، وقيل: وقع في المعاني لا في الألفاظ، وهو الذي ذكره هنا، وفيه نظرٌ فقد وُجِد في الكتابين ما لا يجوز أن يكون بهذه الألفاظ من عند الله أصلًا، وقد نقل بعضهم الإجماع على أنَّه لا يجوز الاشتغال بالتَّوراة والإنجيل ولا كتابتهما ولا نظرهما، وعند أحمد والبزَّار -واللَّفظ له- من حديث جابرٍ قال: نسخ عمر كتابًا من التَّوراة بالعربيَّة، فجاء به إلى النَّبيِّ ﷺ فجعل يقرأ، ووجه النَّبيِّ ﷺ يتغيَّر، فقال له رجلٌ من الأنصار: ويحك يا ابن الخطَّاب؛ ألا ترى وجه رسول الله ﷺ ؟ فقال رسول الله ﷺ : «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيءٍ فإنَّهم لن يهدوكم و (٢) قد ضلُّوا، وإنَّكم إمَّا أن تكذِّبوا (٣) بحقٍّ أو تصدِّقوا بباطلٍ، واللهِ لو كان موسى بين أظهركم ما حلَّ له إلَّا اتّباعي» ورُوِي في ذلك أحاديث أخر كلُّها ضعيفةٌ، لكنَّ مجموعها يقتضي أنَّ لها أصلًا، قال الحافظ ابن حجرٍ في «الفتح» -ومنه لخَّصت ما ذكرته-: والذي يظهر أنَّ كراهة (٤) ذلك للتَّنزيه لا للتَّحريم، والأَولى في هذه المسألة التَّفرقة بين من لم يتمكَّن ويَصِرْ

стр. 12964

من الرَّاسخين في الإيمان، فلا يجوز له النَّظر في شيءٍ من ذلك، بخلاف الرَّاسخ فيه ولا سيَّما عند الاحتياج إلى الرَّدِّ على المخالف، ويدلُّ له نقل الأئمَّة قديمًا وحديثًا من التَّوراة، وإلزامهم التَّصديق بمحمَّدٍ ﷺ بما يستخرجونه من كتابهم، وأمَّا الاستدلال للتَّحريم بما ورد من غضبه ﵊ فمردودٌ بأنَّه قد يغضب من فعل المكروه، ومن فعل ما هو خلاف الأولى إذا صدر ممَّن لا يليق به ذلك كغضبه من تطويل معاذٍ الصَّلاة بالقراءة. انتهى. وقوله: (﴿دِرَاسَتِهِمْ﴾) في قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ [الأنعام: ١٥٦] هي (تِلَاوَتُهُمْ) وصله ابن أبي حاتمٍ من طريق عليِّ بن أبي (١) طلحة، عن ابن عبَّاسٍ. وقوله: (﴿وَاعِيَةٌ﴾) من قوله تعالى: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٢] أي: (حَافِظَةٌ ﴿وَتَعِيَهَا﴾) أي: (تَحْفَظُهَا) وصله ابن أبي حاتمٍ عن ابن عبَّاسٍ أيضًا، وقوله تعالى: (﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ﴾ [الأنعام: ١٩]) قال ابن عبَّاسٍ فيما وصله ابن أبي حاتمٍ أيضًا: (يَعْنِي أَهْلَ مَكَّةَ، ﴿وَمَن بَلَغَ﴾ هَذَا القُرْآنُ فَهْوَ لَهُ نَذِيرٌ) وصله ابن أبي حاتمٍ عن ابن عبَّاسٍ أيضًا. ٧٥٥٣ - قال البخاريُّ: (وَقَالَ لِي خَلِيْفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ) أي: في المذاكرة: (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) قال: (سَمِعْتُ أَبِي) سليمان بن طرخان (عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ) نُفَيعٍ الصَّائغ البصريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَمَّا قَضَى اللهُ الخَلْقَ) أي: أتمَّه (كَتَبَ كِتَابًا عِنْدَهُ) والعنديَّة المكانيَّة مستحيلةٌ في حقِّه تعالى، فتُحمَل على ما يليق به أو تُفوَّض إليه، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «لمَّا خلق الله الخلق كتب كتابًا عنده»: (غَلَبَتْ -أَوْ قَالَ: سَبَقَتْ- رَحْمَتِي غَضَبِي، فَهْوَ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ) واستُشكِل بأنَّ صفات الله قديمةٌ، والقِدَم عدم المسبوقيَّة، فكيف يتصوَّر السَّبق؟ وأجيب بأنَّهما من صفات الأفعال، أو (٢) المراد سبق تعلُّق الرَّحمة، وذلك لأنَّ إيصال العقوبة بعد عصيان العبد بخلاف إيصال الخير فإنَّه من مقتضيات صفاته، قال المهلَّب: وما ذُكِر من

стр. 12965

سبق رحمتِه غضبَه فظاهرٌ؛ لأنَّ من غضب عليه من خلقه لم يخيِّبه في الدُّنيا من رحمته، وقال غيره: إنَّ رحمته لا تنقطع عن أهل النَّار المخلَّدين من الكفَّار؛ إذ في قدرته تعالى أن يخلق لهم عذابًا يكون عذاب النَّار يومئذٍ لأهلها رحمةً وتخفيفًا بالإضافة إلى ذلك العذاب. ٧٥٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: بالجمع (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي غَالِبٍ) بالغين المعجمة وكسر اللَّام أبو عبد الله القومسيُّ -بالقاف والميم والسِّين المهملة- نزل بغداد، ويقال له: الطَّيالسيُّ، وكان حافظًا من أقران البخاريِّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) البصريُّ، ويقال له: ابن أبي سمينة بالسِّين المهملة وبالنُّون بوزن «عظيمة» ولم يتقدَّم له في البخاريِّ ذكرٌ، قال: (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) قال: (سَمِعْتُ أَبِي) سليمان بن طرخان التَّيميَّ (يَقُولُ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامة: (أَنَّ أَبَا رَافِعٍ) نُفيعًا الصَّائغ المدنيَّ (١) (حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ اللهَ) (كَتَبَ كِتَابًا) إمَّا حقيقةً عن كتابة اللَّوح المحفوظ، أي: خلق صورته فيه، أو أمر بالكتابة (قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي، فَهْوَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ) وفي الحديث السَّابق [خ¦٧٥٥٣]: «لمَّا قضى الله الخلق كتب» ففيه: أنَّ الكتابة بعد الخلق، وقال هنا (٢): «قبل أن يخلق الخلق» فالمراد من الأوَّل: تعلُّق الخلق، وهو حادثٌ فجاز أن يكون بعده، وأمَّا الثَّاني فالمراد منه: نفس الحكم وهو أزليٌّ؛ فبالضَّرورة يكون قبله، والحديث سبق مرارًا، والله الموفِّق والمعين.

стр. 12966

(٥٦) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ﴾) أي: أتعبدون من الأصنام ما تنحتونها وتجعلونها (١) بأيديكم والله خلقكم (﴿وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]) أي: وخلق عملكم وهو التَّصوير والنَّحت كـ: عَمِلَ الصَّائغُ السِّوارَ، أي: صاغه، فجوهرُها بخلق الله، وتصويرُ أشكالها وإن كان من عملهم فبخلقه تعالى وإقدارهم على ذلك، وحينئذٍ فـ ﴿مَا﴾ مصدريَّةٌ على ما اختاره سيبويه؛ لاستغنائها عن الحذف والإضمار، منصوبة المحلِّ عطفًا على الكاف والميم في ﴿خَلَقَكُمْ﴾ وقيل: هي موصولةٌ بمعنى «الذي» على حذف الضَّمير، منصوبة المحلِّ عطفًا على الكاف والميم من ﴿خَلَقَكُمْ﴾ أيضًا، أي: أتعبدون الذي تنحتون والله خلقكم وخلق ذلك (٢) الذي تعملونه بالنَّحت، ويرجِّح كونها بمعنى «الذي» ما قبلها وهو قوله تعالى: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] توبيخًا لهم على عبادة ما عملوه بأيديهم من الأصنام؛ لأنَّ كلمة ﴿مَا﴾ عامَّةٌ تتناول (٣) ما يعلمونه من الأوضاع والحركات والمعاصي والطَّاعات وغير ذلك، فإنَّ المراد بأفعال العباد المختلف في كونها بخلق العبد، أو بخلق الرَّبِّ : هو ما يقع بكسب العبد ويُسنَد إليه مثل الصَّوم والصَّلاة والأكل والشُّرب والقيام والقعود ونحو ذلك، وقيل: إنَّها استفهاميَّةٌ منصوبةُ المحلِّ بقوله: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ استفهام توبيخٍ وتحقيرٍ لشأنها، وقيل: نكرةٌ موصوفةٌ حكمها حكم الموصوف (٤)، وقيل: نافيةٌ، أي: إنَّ العمل في الحقيقة ليس لكم فأنتم لا تعملون ذلك لكنَّ الله هو خالقه، والذي ذهب إليه أكثر أهل السُّنَّة أنَّها مصدريَّةٌ، وقال (٥) المعتزلة: إنَّها موصولةٌ محاولةً لمعتقدهم الفاسد، وقالوا: التَّقدير أتعبدون حجارةً تنحتونها والله خلقكم وخلق تلك الحجارة التي تعملونها؟ قال السُّهيليُّ في «نتائج الفِكَر»: ولا يصحُّ

стр. 12967

ذلك من جهة النَّحو؛ إذ «ما» لا يصحُّ أن (١) تكون مع الفعل الخاصِّ إلَّا مصدريَّةً فعلى هذا فالآية تردُّ مذهبهم وتفسد قولهم، والنَّظم على قول أهل السُّنَّة أبدع، فإن قيل: قد تقول: عملت الصَّحفة وصنعت الجفنة، وكذا يصحُّ: عملت الصَّنم، قلنا: لا يتعلَّق ذلك إلَّا بالصُّورة التي هي التَّركيب والتَّأليف، وهي الفعل الذي هو الإحداث دون الجواهر بالاتفاق، ولأنَّ الآية وردت في إثبات استحقاق الخالق العبادة لانفراده بالخلق، وإقامة الحجَّة على من يعبد ما لا يخلق وهم يُخلَقون، فقال: أتعبدون ما لا يَخلق، وتَدَعون عبادة من خلقكم وخلق أعمالكم التي تعملون، ولو كان كما زعموا لَمَا قامت (٢) الحجَّة من هذا الكلام؛ لأنَّه لو جعلهم خالقين لأعمالهم وهو خالق الأجناس لشرّكهم معه في الخلق -تعالى الله عن إفكهم- وقال البيهقيُّ في «كتاب الاعتقاد»: قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [غافر: ٦٢] فدخل فيه الأعيان والأفعال من الخير والشَّرِّ، وقال تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦] فنفى أن يكون خالقٌ غيرَه، ونفى أن يكون شيءٌ سواه غيرَ مخلوقٍ، فلو كانت الأفعال غيرَ مخلوقةٍ له لكان خالقَ بعضِ شيءٍ، وهو بخلاف الآية، ومن المعلوم أنَّ الأفعال أكثر من الأعيان، فلو كان الله خالق الأعيان، والنَّاس خالقي الأفعال، لكان مخلوقات النَّاس أكثر من مخلوقات الله -تعالى الله عن ذلك- وقال الشَّمس الأصفهانيُّ (٣) في تفسير قوله (٤): ﴿وَمَا تَعْمَلُونَ﴾: أي: عملكم، وفيه دليلٌ على أنَّ أفعال العباد مخلوقةٌ لله تعالى، وأنَّها مكتسبةٌ للعباد حيث أثبت لهم عملًا، فأبطلت هذه الآية مذهب القدريَّة والجبريَّة معًا، وقد رجَّح بعض العلماء كونها مصدريَّةً؛ لأنَّهم (٥) لم يعبدوا الأصنام إلَّا لعملهم لا لجرم الصَّنم، وإلَّا لكانوا يعبدونه قبل النَّحت، فكأنَّهم عبدوا العمل، فأنكر عليهم عبادة المنحوت الذي لم ينفكَّ عن عمل

стр. 12968

المخلوق، وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين ابن تيميَّة: سلَّمنا أنَّها موصولةٌ، لكن (١) لا نسلِّم أنَّ للمعتزلة فيها حجَّةً؛ لأنَّ قوله تعالى: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ﴾ يدخل فيه ذاتهم وصفاتهم، وعلى هذا إذا كان خلقكم وخلق الذي تعملونه إن كان المراد خلقه لها (٢) قبل النحت؛ لزم أن يكون المعمول غير المخلوق وهو باطلٌ، فثبت أنَّ المراد خلقه لها قبل النَّحت وبعده، وأنَّ الله خلقها بما فيها من التَّصوير والنَّحت، فثبت أنَّه خالقُ ما تولَّد من فعلهم، ففي الآية دليلٌ على أنَّ الله (٣) تعالى خلق أفعالهم القائمة بهم وخلق ما تولَّد عنها، وقال الحافظ عماد الدِّين ابن كثيرٍ: كلٌّ من قولَي المصدر والموصول متلازمٌ (٤)، والأظهر ترجيح المصدريَّة؛ لِمَا رواه البخاريُّ في كتاب «خلق أفعال العباد» من حديث حذيفة مرفوعًا: «إنَّ الله يصنع (٥) كلَّ صانعٍ وصنعته» وأقوال الأئمَّة في هذه المسألة كثيرةٌ، والحاصل أنَّ العمل يكون مسندًا إلى العبد من حيث إنَّ له قدرةً عليه، وهو المسمَّى بالكسب، ومسندًا إلى الله تعالى من حيث إنَّ وجوده بتأثيره، فله جهتان: بإحداهما: ينفي الجبر، وبالأخرى ينفي القدر، وإسناده إلى الله حقيقة، وإلى العبد عادة، وهي صفةٌ يترتَّب عليها الأمر والنَّهي والفعل والتَّرك، فكلُّ ما أُسنِد من أفعال العباد إلى الله تعالى فهو بالنَّظر إلى تأثير القدرة، ويقال له الخلق، وما أسند إلى العبد إنَّما يحصل بتقدير الله تعالى، ويُقال له الكسب، وعليه يقع المدح والذَّمُّ كما يُذَمُّ المشوَّه الوجه، ويُحمَد الجميل الصَّورة، وأمَّا الثَّواب والعقاب فهو علامةٌ، والعبد إنَّما هو ملكٌ لله، يفعل فيه ما يشاء، والله أعلم. وقوله تعالى: (﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]) مُقدَّرًا مُرتَّبًا على مقتضى الحكمة، أو مُقدَّرًا مكتوبًا في اللَّوح المحفوظ معلومًا قبل كونه، قد علمنا حاله وزمانه، و ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ منصوبٌ

стр. 12969

على الاشتغال، وقرأ أبو (١) السَّمَّال بالرَّفع، ورجَّح النَّاس النَّصب، بل أوجبه ابن الحاجب حذرًا من لبس المفسَّر بالصِّفة؛ لأنَّ الرَّفع يوهم ما لا يجوز على قواعد أهل السُّنَّة، وذلك لأنَّه إذا رُفِع كان مبتدأً، و ﴿خَلَقْنَاهُ﴾ صفةً لـ ﴿كُلَّ﴾ أو لـ ﴿شَيْءٍ﴾، و ﴿بِقَدَرٍ﴾ خبره، وحينئذٍ يكون له مفهومٌ لا يخفى على متأمِّله، فيلزم أن يكون الشَّيء الذي ليس مخلوقًا لله تعالى لا بقدرٍ، وقال أبو البقاء: وإنَّما كان النَّصب أولى لدلالته على عموم الخلق، والرَّفع لا يدلُّ على عمومه، بل يفيد أنَّ كلَّ شيءٍ مخلوقٌ فهو بقدرٍ (٢). انتهى. وإنَّما دلَّ النَّصب في ﴿كُلَّ﴾ على العموم؛ لأنَّ التَّقدير إنَّا خلقنا كلَّ شيءٍ خلقناه بقدرٍ، فـ ﴿خَلَقْنَاهُ﴾ تأكيدٌ وتفسيرٌ لـ ﴿خَلَقْنَاهُ﴾ المضمر النَّاصب لـ ﴿كُلَّ﴾ وإذا حذفته وأظهرت الأوَّل صار التَّقدير إنَّا خلقنا كلَّ شيءٍ بقدرٍ، فـ ﴿خَلَقْنَاهُ﴾ تأكيدٌ وتفسيرٌ لـ ﴿خَلَقْنَاهُ﴾ المضمر النَّاصب لـ «كلَّ شيءٍ» فهذا لفظٌ عامٌّ يعمُّ جميع المخلوقات، ولا يجوز أن يكون ﴿خَلَقْنَاهُ﴾ صفةٌ لـ ﴿شَيْءٍ﴾ لأنَّ الصِّفة والصِّلة لا يعملان فيما قبل الموصوف ولا الموصول، ولا يكونان تفسيرًا لِمَا يعمل فيما قبلهما، فإذا لم يبق ﴿خَلَقْنَاهُ﴾ صفة لم يبقَ إلَّا أنَّه تأكيدٌ وتفسيرٌ للمضمر النَّاصب، وذلك يدلُّ على العموم، وقد نازع الرَّضيُّ ابنَ الحاجب في قوله (٣) السَّابق فقال: المعنى في الآية لا يتفاوت بجعل الفعل خبرًا أو صفةً وذلك لأنَّ مراد الله تعالى بـ ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾: كلُّ مخلوقٍ، نصبتَ ﴿كُلَّ﴾ أو رفعتَه، سواءٌ جعلت ﴿خَلَقْنَاهُ﴾ صفة ﴿كُلَّ﴾ (٤) مع الرَّفع أو خبرًا عنه، وذلك أنَّ قوله: «خلقنا كلَّ شيءٍ بقدرٍ (٥)» لا يريد به خلقنا كلَّ ما يقع عليه اسم شيءٍ؛ لأنَّه تعالى لم يخلق الممكنات غير المتناهية، ويقع على كلِّ واحدٍ منها اسم «شيء» فـ ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ في هذه الآية ليس كما في قوله تعالى: ﴿وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤] لأنَّ معناه أنَّه قادرٌ على ممكنٍ غير متناهٍ، فإذا تقرَّر هذا قلنا: إنَّ معنى ﴿كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ على أنَّ ﴿خَلَقْنَاهُ﴾ هو الخبر: كل مخلوقٍ مخلوقٌ بقدرٍ، وعلى أنَّ ﴿خَلَقْنَاهُ﴾ صفةٌ: كلُّ شيءٍ مخلوقٍ كائنٌ بقدرٍ، والمعنيان واحدٌ؛ إذ لفظ ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ في الآية

стр. 12970

مختصٌّ بالمخلوقات، سواءٌ كان ﴿خَلَقْنَاهُ﴾ صفةً له أو خبرًا، وليس ذلك (١) مع التَّقدير الأوَّل أعمَّ منه مع التَّقدير الثَّاني كما في مثالنا. (وَيُقَالُ) بضمِّ أوَّله (لِلْمُصَوِّرِينَ) يوم القيامة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيّ: «ويقول» أي: الله أو الملَك بأمره تعالى: (أَحْيُوا) بفتح الهمزة (مَا خَلَقْتُمْ) أسند الخلق إليهم على سبيل الاستهزاء والتَّعجيز والتَّشبيه في الصُّورة فقط، وقال ابن بطَّالٍ: إنَّما نسب خلقها إليهم تقريعًا لهم لمضاهاتهم الله تعالى في خلقه، فبكَّتهم بأن قال: إذ شابهتم بما صوَّرتم مخلوقات الله تعالى فأحيوها كما أحيا هو -جلَّ وعلا- ما خلق، وقال في «الكواكب»: أسند الخلق إليهم صريحًا، وهو خلاف التَّرجمة، لكنَّ المراد كسبهم، فأُطلِق الخلق عليه استهزاءً، أو ضمَّن «خلقتم» معنى: «صوَّرتم» تشبيهًا بالخلق، أو أُطلِق بناءً على زعمهم فيه. (﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾) أي: في ستَّة أوقاتٍ، أو مقدار ستَّة أيَّامٍ، فإنَّ المتعارف زمان طلوع الشَّمس إلى غروبها، ولم يكن حينئذٍ، وفي خلق الأشياء تدريجًا مع القدرة على إيجادها دفعةً دليلٌ على الاختيار، واعتبارٌ للنُّظَّار، وحثٌّ على التَّأنِّي في الأمور (﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾) الاستواء «افتعالٌ» من السَّواء، والسَّواء يكون بمعنى: العدل والوسط، وبمعنى: الإقبال كما نقله الهرويُّ عن الفرَّاء، وتبعه ابن عرفة، وبمعنى: الاستيلاء، وأنكره ابن الأعرابيِّ وقال: العرب لا تقول: استولى، إلَّا لمن له (٢) مضادٌّ، وفيما قاله نظرٌ، فإنَّ الاستيلاء من الولاء وهو القرب، أو من الولاية، وكلاهما لا يفتقر في إطلاقه لمضادٍّ (٣)، وبمعنى: اعتدل، وبمعنى: علا، وإذا عُلِم هذا فيُنزَّل على ذلك الاستواء المناسب إلى البارئ (٤) تعالى على الوجه اللائق به، وقد ثبت عن الإمام مالكٍ أنَّه سُئِل: كيف استوى؟ فقال: «كيف» غير معقولٍ، والاستواء غير مجهولٍ، والإيمان به واجبٌ، والسُّؤال عنه بدعةٌ، فقوله: «كيف» غير معقولٍ؟ أي: «كيف» من صفات الحوادث، وكلُّ ما كان من صفات الحوادث فإثباته في صفات الله تعالى ينافي ما يقتضيه العقل، فيُجزَم بنفيه عن الله تعالى،

стр. 12971

وقوله: «والاستواء غير مجهولٍ» أي: أنَّه معلوم المعنى عند أهل اللُّغة، و «الإيمان به على الوجه اللَّائق به تعالى واجبٌ»؛ لأنَّه من الإيمان بالله تعالى وكتبه (١)، و «السُّؤال عنه بدعةٌ» أي: حادثٌ؛ لأنَّ الصَّحابة ﵃ كانوا عالمين بمعناه اللَّائق بحسب اللُّغة، فلم يحتاجوا للسُّؤال عنه، فلمَّا جاء من لم يُحَط بأوضاع لغتهم ولا له نورٌ كنورهم يهديه لنور صفات البارئ تعالى؛ شرع يسأل عن ذلك، فكان سؤاله سببًا لاشتباهه على النَّاس وزيغهم (٢)، وتعيَّن على العلماء حينئذٍ أن يهملوا البيان، وقد مرَّ أنَّ «استوى» «افتعل» وأصله: العدل، وحقيقة الاستواء المنسوب إلى الله (٣) تعالى في كتابه بمعنى: اعتدل، أي: قام بالعدل، وأصله من قوله: ﴿شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ إلى قوله: ﴿قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] والعدل هو استواؤه، ويرجع معناه إلى أنَّه أعطى بعزَّته كلَّ شيءٍ خلقه موزونًا بحكمته البالغة في التَّعريف لخلقه بوحدانيَّته، ولذلك قرنه بقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ والاستواء المذكور في القرآن استواءان: سماويٌّ وعرشيٌّ، فالأوَّل: مُعدًّى بـ «إلى» قال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ [البقرة: ٢٩] والثَّاني: بـ «على» لأنَّه تعالى قام بالقسط متعرِّفًا بوحدانيَّته في عالمَين -عالم الخلق، وعالم الأمر- وهو عالم التَّدبير (٤)، فكان استواؤه على العرش للتَّدبير بعد انتهاء عالم الخلق، وبهذا يُفهَم سرُّ تعدية الاستواء العرشيِّ بـ «على» لأنَّ التَّدبير للأمر لا بدَّ فيه من استعلاءٍ واستيلاءٍ، والعرش جسمٌ كسائر الأجسام، سُمِّي به لارتفاعه، أو للتَّشبيه بسرير الملِك، فإنَّ الأمور والتَّدابير تنزل منه (﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾) يغطِّيه (٥)، ولم يذكر عكسه للعلم به (﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾) يعقبه سريعًا كالطَّالب له، لا يفصل بينهما شيءٌ، والحثيث «فعيلٌ» من الحثِّ، وهو صفة مصدرٍ محذوفٍ أو حالٌ من الفاعل بمعنى: حاثًّا، أو المفعول بمعنى: محثوثًا (﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾) بقضائه وتصريفه، ونصبها بالعطف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ ونصب ﴿مُسَخَّرَاتٍ﴾ على الحال (﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ ت﴾) فإنَّه الموجد والمتصرِّف (﴿تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]) تعالى بالوحدانيَّة في الألوهيَّة، وتعظَّم بالتفرُّد في الرُّبوبيَّة، وسقط لأبي

стр. 12972

ذرٍّ قوله «﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ … » إلى آخر الآية، وقال بعد قوله: ﴿وَالأَرْضَ﴾ «إلى: ﴿تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾». (قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان، فيما وصله ابن أبي حاتمٍ في كتاب «الرَّدِّ على الجهميَّة»: (بَيَّنَ اللهُ الخَلْقَ مِنَ الأَمْرِ) أي: فرَّق بينهما (بِقَوْلِهِ (١) تَعَالَى) في الآية السَّابقة: (﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]) حيث عطف أحدهما على الآخر، فـ ﴿الْخَلْقُ﴾ هو المخلوقات، و ﴿الأَمْرُ﴾ هو الكلام، فالأوَّل حادثٌ، والثَّاني قديمٌ، وفيه: أن لا خلق لغيره تعالى، حيث حصر على ذاته تعالى بتقديم الخبر على المبتدأ (وَسَمَّى النَّبِيُّ ﷺ الإِيمَانَ عَمَلًا، قَالَ أَبُو ذَرٍّ) الغفاريُّ ﵁ فيما وصله المؤلِّف في «العتق» [خ¦٢٥١٨] (وَأَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ فيما وصله في «الإيمان» [خ¦٢٦] و «الحجِّ» [خ¦١٥١٩] (سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ : أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: إِيمَانٌ بِاللهِ وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ، وَقَالَ) تعالى: (﴿جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]) من الإيمان وغيره من (٢) الطَّاعات، فسمِّي الإيمان عملًا حيث أدخله في جملة الأعمال (وَقَالَ وَفْدُ عَبْدِ القَيْسِ) ربيعة (لِلنَّبِيِّ ﷺ ¬) فيما وصله المؤلِّف بعدُ [خ¦٧٥٥٥]: (مُرْنَا بِجُمَلٍ) أمورٍ (٣) كليَّةٍ مجملةٍ (مِنَ الأَمْرِ إِنْ عَمِلْنَا بِهَا دَخَلْنَا الجَنَّةَ، فَأَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ) أي: بتصديق الشَّارع ﵊ فيما عُلِم مجيئه به ضرورةً (وَالشَّهَادَةِ) بالوحدانيَّة لله تعالى (وَإِقَامِ الصَّلَاةِ) المفروضة (وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) المكتوبة (فَجَعَلَ) ﷺ (ذَلِكَ كُلَّهُ) ومن جملته الإيمان (عَمَلًا).

стр. 12973

٧٥٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ) الحجبيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بن عبد المجيد الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) بن أبي تميمة، أبو بكرٍ السَّختيانيُّ الإمام (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف، عبد الله زيدٍ الجرميِّ (وَالقَاسِمِ) بن عاصمٍ (التَّمِيمِيِّ) وقيل الكلبيِّ، وقيل اللَّيثيِّ، كلاهما (عَنْ زَهْدَمٍ) بفتح الزَّاي وبالدَّال المهملة بينهما هاءٌ ساكنةٌ، ابن مضَرِّبٍ بالضَّاد المعجمة المفتوحة والرَّاء المشدَّدة المكسورة، من التَّضريب، أنَّه (قَالَ: كَانَ بَيْنَ هَذَا الحَيِّ مِنْ جَرْمٍ) بفتح الجيم وسكون الرَّاء (وَبَيْنَ الأَشْعَرِيِّينَ) جمع أشعريٍّ نسبةً إلى أشعر أبي قبيلة من اليمن (وُدٌّ) بضمِّ الواو وتشديد الدَّال، محبَّةٌ (وَإِخَاءٌ) بكسر الهمزة وتخفيف الخاء المعجمة ممدودًا، مؤاخاةٌ، قال (١): (فَكُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ (الأَشْعَرِيِّ) ﵁ (فَقُرِّبَ إِلَيْهِ الطَّعَامُ) بضمِّ القاف مبنيًّا للمفعول، و «الطَّعام» معرَّفٌ، وللأَصيليِّ: «طعامٌ» كذا رأيته في أصلٍ معتمدٍ، وهو الذي في «اليونينيَّة» والذي في الفرع بالتَّنكير فقط غير معزوٍّ (فِيهِ لَحْمُ دَُِجَاجٍ) مثلَّث الدَّال، يقع على الذَّكر والأنثى (وَعِنْدَهُ) وعند أبي موسى (رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ الله) بفتح الفوقيَّة وسكون التَّحتيَّة، قبيلةٍ من قضاعة (كَأَنَّهُ) وللأَصيليِّ ممَّا ليس في الفرع «كان» (مِنَ المَوَالِي، فَدَعَاهُ) أبو موسى (إِلَيْهِ) أي: إلى لحم الدَّجاج (فَقَالَ) الرَّجل: (إِنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئًا) من النَّجاسة، وثبت «شيئًا» للكشميهنيِّ، وسقط لغيره (فَقَذِرْتُهُ) بكسر الذَّال المعجمة، أي: فكرهته (فَحَلَفْتُ، لَا آكُلُهُ) وللكشميهنيِّ: «ألَّا آكله» واختُلِف بالجَلَّالة فقال مالكٌ: لا بأس بأكل الجَلَّالة من الدَّجاج وغيره، إنَّما جاء النَّهي عنها للتَّقذُّر، ولأبي داود والنَّسائيِّ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي: «نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهليَّة، وعن الجَلَّالة إذا تغيَّر لحمها بأكل النَّجاسة» وصحَّح النَّوويُّ أنَّه إذا ظهر تغيُّر لحم الجَلَّالة من نَعَمٍ أو دجاجٍ بالرَّائحة والنَّتن في عرقها وغيره كُرِه أكلها، وذهب جماعةٌ من الشَّافعيَّة -وهو قول الحنابلة- إلى أنَّ النَّهي للتَّحريم، وهو الذي صحَّحه الشَّيخ أبو إسحاق المروزيُّ وإمام الحرمين والبغويُّ والغزاليُّ. ولم يُسَمَّ الرَّجل المذكور في الحديث،

стр. 12974

وفي سياق التِّرمذيِّ: أنَّه زهدم، وكذا عند أبي عَوانة في «صحيحه» ويحتمل أن يكون كلٌّ من زَهْدَم والآخر امتنعا من الأكل (فَقَالَ) أبو موسى له: (هَلُمَّ) تعال (فَلأُحَدِّثْكَ عَنْ ذَاكَ) أي: فوالله لأحدِّثك، أي: عن الطَّريق في حلِّ اليمين، وفي أصل «اليونينيَّة»: «فلْأحدِّثْك» بسكون اللَّام والمثلَّثة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فلأحدثنَّك» (١) بنون التَّأكيد عن ذلك باللَّام قبل الكاف: (إِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ) ما بين الثَّلاثة إلى العشرة من الرِّجال (نَسْتَحْمِلُهُ) نطلب منه أن يحملنا ويحمل أثقالنا في غزوة تبوك على شيءٍ من الإبل (قَالَ) صلوات الله وسلامه عليه: (وَاللهِ لَا أَحْمِلُكُمْ، وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ) أي: عليه (فَأُتِيَ النَّبِيُّ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (¬ ﷺ بِنَهْبِ إِبِلٍ) من غنيمةٍ (فَسَأَلَ عَنَّا فَقَالَ: أَيْنَ النَّفَرُ الأَشْعَرِيُّونَ)؟ فأتينا (فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسٍ ذَوْدٍ) بفتح الذَّال المعجمة وسكون الواو بعدها دالٌ مهملةٌ، وهو من الإبل ما بين الثَّنتين إلى التِّسعة، وقيل: ما بين الثَّلاثة إلى العشرة، واللَّفظة مؤنَّثةٌ لا واحد لها من لفظها كالنَّعم، وقال أبو عبيدٍ: الذَّود من الإناث دون الذُّكور، وفي «غزوة تبوك» [خ¦٤٤١٥] ستَّة أبعرةٍ، وفي «الأيمان والنُّذور» [خ¦٦٧١٨] بثلاثة ذودٍ، ولا تنافي في ذلك لأنَّ ذكر عددٍ لا ينافي غيره، وقوله: «خمس» بالتَّنوين، وفي رواية (٢): بغير تنوينٍ على الإضافة، واستنكره أبو البقاء في «غريبه» (٣) وقال: والصَّواب تنوين «خمس» وأن يكون «ذود» بدلًا من «خمس» فإنه لو كان بغير تنوينٍ لتغيَّر المعنى؛ لأنَّ العدد المضاف غير المضاف إليه، فيلزم أن يكون «خمس» خمسة عشر بعيرًا؛ لأنَّ الإبل الذَّود ثلاثةٌ (٤)، وتعقَّبه الحافظ ابن حجرٍ فقال: ما أدري كيف حُكِم

стр. 12975

بفساد المعنى إذا كان العدد كذا، وليكن عدد الإبل خمسة عشر بعيرًا فما الذي يضرُّ؟ وقد ثبت في بعض طرقه: خذ هذين القرينين وهذين القرينين إلى أن عدَّ ستَّ مرَّاتٍ، والذي قاله إنَّما يتمُّ أنْ (١) لو جاءت روايةٌ صريحةٌ أنَّه لم يُعطهم سوى خمسة أبعرةٍ (غُرِّ الذُّرَى) بضمِّ الغين المعجمة وتشديد الرَّاء، و «الذُّرى» بالذَّال المعجمة المضمومة وفتح الرَّاء، جمع ذروةٍ، وهي أعلى كلِّ شيءٍ، أي: ذوي الأسنمة البيض من سمنهنَّ وكثرة شحومهنَّ. (ثُمَّ انْطَلَقْنَا قُلْنَا: مَا صَنَعْنَا؟) بسكون العين (حَلَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَا يَحْمِلُنَا) ولأبي ذرٍّ: «أن لا يحملنا» (وَمَا عِنْدَهُ مَا يَحْمِلُنَا، ثُمَّ حَمَلَنَا) بفتح اللَّام في الأخير (٢) (تَغَفَّلْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمِينَهُ) بسكون اللَّام، أي: طلبنا غفلته وكنَّا سبب ذهوله عمَّا وقع (وَاللهِ لَا نُفْلِحُ أَبَدًا، فَرَجَعْنَا إِلَيْهِ) صلوات الله وسلامه عليه (فَقُلْنَا لَهُ) ذلك (فَقَالَ: لَسْتُ أَنَا أَحْمِلُكُمْ، وَلَكِنَّ اللهَ حَمَلَكُمْ) حقيقةً؛ لأنَّه خالق أفعال العباد، وهذا مناسبٌ لِمَا تُرجم به (٣)، وقال ابن المُنيِّر (٤): الذي يظهر أنَّ النَّبيَّ ﷺ حلف لا يحملهم، فلمَّا حملهم راجعوه في يمينه، فقال: «ما أنا حملتكم، ولكنَّ الله حملكم» فبيَّن أنَّ يمينه إنَّما انعقدت فيما يملك، فلو حملهم على ما يملك لحنث وكفّر، ولكنَّه حملهم على ما لا يملك ملكًا خاصًّا وهو مال الله، وبهذا لا يكون قد حنث في يمينه هذا مع قصده ﵊ في الأوَّل أنَّه لا يحملهم على ما لا يملك (٥) بقرضٍ يتكلَّفه (٦) ونحو ذلك، وأمَّا قوله

стр. 12976

ﷺ عقب ذلك: «لا أحلف على يمين … » إلى آخره فتأسيس قاعدةٍ مبتدأةٍ كأنَّه يقول: ولو كنت حلفت ثمَّ رأيت ترك ما (١) حلفت عليه خيرًا منه لأحنثت نفسي وكفَّرت عن يميني، قال: وهم إنَّما سألوه ظنًّا أنَّه يملك حملانًا فحلف (٢) لا يحملهم على شيءٍ يملكه؛ لكونه كان حينئذٍ لا يملك شيئًا من ذلك. انتهى. ووجَّهه البدر الدَّمامينيُّ في «مصابيحه»: بأنَّ مكارم أخلاقه ﷺ ورأفته بالمؤمنين ورحمته بهم تأبى أنَّه ﷺ يحلف على عدم حملانهم مطلقًا، قال: والذي يظهر لي أنَّ قوله: «وما عندي ما أحملكم» جملةٌ حاليَّةٌ من فاعل الفعل المنفيِّ بـ «لا» أو مفعوله، أي: لا أحملكم في حالة عدم وجداني لشيءٍ أحملكم عليه، أي: إنَّه (٣) لا يتكلَّف حملهم بقرضٍ أو غيره لِمَا رآه من المصلحة المقتضية لذلك، وحينئذٍ فحمله لهم على ما جاءه من مال الله لا يكون مقتضيًا لحنثه، وأُجيب بأنَّ المعنى: إزالة المنَّة عنهم (٤)، وإضافة النِّعمة لمالكها الأصليِّ، ولم يرد أنَّه لا صنع له أصلًا في حملهم؛ لأنَّه لو أراد ذلك ما قال بعد: (إِنِّي) ولأبي ذرٍّ: «وإنِّي» (وَاللهِ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ) أي: على محلوفِ يمينٍ، وسمَّاه يمينًا مجازًا للملابسة بينهما، والمراد ما شأنه أن يكون محلوفًا عليه، وإلَّا فهو قبل اليمين ليس محلوفًا عليه، فيكون من مجاز الاستعارة، ومثله صلَّى على قبره بعدما دُفِن، أي: صلَّى على صاحب القبر، وأطلق القبر على صاحب القبر، ويدلُّ لهذا التأويل رواية مسلمٍ حيث قال فيها بدل قوله: «على يمين»: «على أمرٍ» (فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا) أي: خيرًا من الخصلة المحلوف عليها (إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ (٥)، وَتَحَلَّلْتُهَا) بالكفَّارة، وفي «الأيمان والنذور» [خ¦٦٧١٨] «فأرى غيرها خيرًا منها إلَّا كفَّرت عن يميني، وأتيت الذي هو خيرٌ» فقدَّم الكفَّارة على الإتيان، ففيه دلالةٌ على الجواز؛ لأنَّ الواو لا تقتضي التَّرتيب، وقد ذهب أكثر الصَّحابة إلى جواز تقدُّم الكفَّارة على اليمين، وإليه ذهب الشَّافعيُّ ومالكٌ وأحمد إلَّا أنَّ الشَّافعيَّ استثنى الصِّيام (٦)،

стр. 12977

فقال: لا يجزئ (١) إلَّا بعد الحنث، واحتجُّوا له بأنَّ الصِّيام من حقوق الأبدان، ولا يجوز تقديمها قبل وقتها كالصَّلاة بخلاف العتق والكسوة والإطعام فإنَّها من حقوق الأموال، فيجوز تقديمها كالزَّكاة، وقال أصحاب الرَّأي: لا تجزئ قبله. والحديث سبق في «المغازي» [خ¦٤٣٨٥] و «النُّذور» [خ¦٦٦٤٩] و «الذَّبائح» [خ¦٥٥١٨] وغيرها. ٧٥٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بفتح العين وسكون الميم، ابن يحيى الصَّيرفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك النَّبيل وهو شيخ المؤلِّف، روى عنه كثيرًا بلا واسطةٍ، قال: (حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ) بضمِّ القاف وتشديد الرَّاء، السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ) بالجيم والرَّاء، نصر بن عمران (الضُّبَعِيُّ) بضمِّ الضَّاد المعجمة وفتح الموحَّدة، قال: (قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ) ﵄، أي: حدَّثنا مطلقًا أو عن قصَّة عبد القيس، فحذف مفعول «قلت» وعند الإسماعيليِّ من طريق أبي عامرٍ عبد الملك بن عمرٍو العَقَديِّ عن قرَّة قال: «حدَّثنا أبو جمرة قال: قلت لابن عبَّاسٍ: إنَّ لي جرَّةً أنتبذ فيها فأشربه حلوًا لو أكثرت منه فجالست القوم لخشيت (٢) أن أفتضح» (فَقَالَ: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ القَيْسِ) وكانوا أربعة عشر رجلًا بالأشجِّ، وكانوا ينزلون بالبحرين (عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) عام الفتح قبل خروجه ﷺ من مكَّة (فَقَالُوا: إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ المُشْرِكِينَ مِنْ مُضَرَ) بضمِّ الميم وفتح المعجمة غير منصرفٍ، للعلميَّة والتَّأنيث (وَإِنَّا لَا نَصِلُ إِلَيْكَ إِلَّا فِي أَشْهُرٍ حُرُم) بالتَّنكير فيهما وذلك لأنَّهم كانوا يمتنعون عن القتال فيها، وللحَمُّويي والمُستملي: «في أشهر الحرم»

стр. 12978

بتنكير الأوَّل وتعريف الثَّاني، وهو من إضافة الموصوف إلى الصفِّة، والبصريُّون يمنعونها ويؤوِّلون ذلك على حذف مضافٍ، أي: أشهر الوقت الحرام (١) (فَمُرْنَا) بوزن «عُلْ» وأصله: «أؤمر» بهمزتين، من أمر يأمر، فحُذِفت الهمزة الأصليَّة للاستثقال، فصار أُمُرْنا، فاستُغِني عن همزة الوصل فحُذِفت، فصار مُرْنا (بِجُمَلٍ مِنَ الأَمْرِ، إِنْ عَمِلْنَا بِهِ) أي: بالأمر، وللكشميهنيِّ: «إن عملنا (٢) بها» أي: بالجمل (دَخَلْنَا الجَنَّةَ، وَنَدْعُو إِلَيْهَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «إليه» إلى الأمر (مَنْ وَرَاءَنَا) من قومنا (قَالَ: آمُرُكُمْ) بهمزةٍ ممدودةٍ (بِأَرْبَعٍ) من الجمل (وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: آمُرُكُمْ بِالإِيمَانِ بِاللهِ) زاد في «كتاب الإيمان» [خ¦٥٣]: «وحده» (وَهَلْ تَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللهِ؟) هو (٣) (شَهَادَةُِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) زاد في «الإيمان» «وأنَّ محمَّدًا رسول الله» ويجوز خفض «شهادة» على البدليَّة (وَإِقَامُ الصَّلَاةِ) المفروضة (وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ) المكتوبة (وَتُعْطُوا مِنَ المَغْنَمِ الخُمُسَ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: لَا تَشْرَبُوا فِي الدُّبَّاءِ) بضمِّ الدَّال وتشديد الموحَّدة، ممدودًا: اليقطين (وَالنَّقِيرِ) ما يُنقَر في أصل النَّخلة فيُوعَى فيه (٤) (وَالظُّرُوفِ المُزَفَّتَةِ) المطليَّة بالزِّفت، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «والمزفتة» (وَالحَنْتَمَةِ) بالحاء المهملة المفتوحة والنُّون السَّاكنة والمثنَّاة الفوقيَّة المفتوحة (٥): الجرَّة الخضراء، نهى عن الانتباذ في هذه المذكورات بخصوصها؛ لأنَّه يسرع إليها (٦) الإسكار، فربَّما شرب منها من لا يشعر بذلك، ثمَّ ثبتت الرُّخصة في الانتباذ في كلِّ وعاءٍ مع النَّهي عن كلِّ مسكرٍ. وهذا الحديث سبق في «الإيمان» [خ¦٥٣].

стр. 12979

٧٥٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاء الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ نَافِعٍ) العدويِّ المدنيِّ، مولى ابن عمر (عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) هو ابن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ) أي: المصوِّرين، والمراد بـ «الصُّور» هنا التَّماثيل التي لها روحٌ (١) (يُعَذَّبُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَيُقَالُ لَهُمْ) على سبيل التَّهكُّم والتَّعجيز: (أَحْيُوا) بفتح الهمزة (مَا خَلَقْتُمْ) أي: اجعلوا ما صوَّرتم حيوانًا ذا روحٍ، فلا يقدرون على ذلك، فيستمرُّ تعذيبهم، واستُشكِل بأنَّ استمرار التَّعذيب إنَّما يكون للكافر، وهذا مسلَّمٌ، وأُجيب بأنَّ المراد: الزَّجر الشَّديد بالوعيد بعقاب الكافر؛ ليكون أبلغ في الارتداع، وظاهره غير مرادٍ، وهذا في حقِّ العاصي بذلك، أمَّا من فعله مستحلًّا فلا إشكال فيه، وفيه: إطلاق لفظ الخلق على الكسب استهزاءً، أو ضمَّن «خلقتم» معنى: «صوَّرتم» تشبيهًا بالخلق، أو أُطلِق بناءً على زعمهم فيه، قال في «الفتح»: والذي يظهر أنَّ مناسبة ذكر حديث المصوِّرين للتَّرجمة من جهة أنَّ (٢) من زعم أنَّه يخلق فعل نفسه لو صحَّت دعواه لَمَا وقع الإنكار على هؤلاء المصوِّرين، فلمَّا كان أمرهم بنفخ الرُّوح فيما صوَّروه أمر تعجيزٍ، ونسبةُ الخلق إليهم إنَّما هي على سبيل التَّهكُّم، دلَّ على فساد قول من نسب خلق فعله إليه استقلالًا. انتهى. وهذا الحديث أخرجه النَّسائيُّ في «الزينة» وابن ماجه في «التِّجارات». ٧٥٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي: ابن درهمٍ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ) المصوِّرين لها (يُعَذَّبُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ) بفتح ذال «يعذَّبون» (وَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ) واستُدِلَّ به على أنَّ أفعال العباد مخلوقةٌ لله تعالى للُحوق الوعيد بمن تشبَّه بالخالق، فدلَّ على أنَّ غير الله ليس بخالقٍ، وأجاب بعضهم بأنَّ الوعيد وقع على خلق الجواهر، ورُدَّ بأنَّ الوعيد لاحقٌ باعتبار الشَّكل والهيئة، وليس ذلك بجوهرٍ.

стр. 12980

٧٥٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) الهَمْدانيُّ أبو كُرَيبٍ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ) هو محمَّد بن فُضَيلٍ -بضمِّ الفاء وفتح الضَّاد (١) المعجمة- ابن غزوان الضَّبِّيُّ مولاهم، الحافظ أبو عبد الرَّحمن (عَنْ عُمَارَةَ) بضمِّ العين وتخفيف الميم، ابن القعقاع (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) هَرِم -بكسر الرَّاء (٢) - ابن عمرو بن جريرٍ البجليِّ أنَّه (سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ (٣) ﷺ يَقُولُ: قَالَ اللهُ : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ) أي: قصد (يَخْلُقُ كَخَلْقِي) أي: ولا أحدَ أظلمُ ممَّن قصد حال كونه أن (٤) يصنع ويقدِّر كخلقي، وهذا تشبيهٌ (٥) لا عموم له؛ يعني: كخلقي في فعل الصُّورة، لا من كلِّ الوجوه، واستُشكِل التَّعبير بـ «أظلم» لأنَّ الكافر أظلم قطعًا، وأُجيب بأنَّه إذا صوَّر الصَّنم للعبادة كان كافرًا، فهو هو، أو يزيد عذابه على سائر الكفَّار لزيادة قبح كفره (فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً) بفتح الذَّال المعجمة: نملةً صغيرةً أو الهباء (أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً) بفتح الحاء، أي: حبَّة منتفعًا بها كالحنطة (أَوْ شَعِيرَةً) هو من باب عطف الخاصِّ على العامِّ، أو هو شكٌّ من الرَّاوي، والمراد تعجيزهم وتعذيبهم تارةً بخلق الحيوان وأخرى بخلق الجماد، وفيه نوعٌ من التَّرقِّي في الخساسة، ونوعٌ من التَّنزُّل في الإلزام، وإن كان بمعنى الهباء، فهو بخلق ما ليس له جرمٌ محسوسٌ تارةً، وبما له جرمٌ أخرى، وحُكِيَ أنَّه وقع السُّؤال عن حكمة التَّرقِّي من الذَّرَّة إلى الحبَّة إلى الشَّعيرة في قوله: «فليخلقوا ذرَّةً» فأجاب الشَّيخ تقيُّ الدِّين الشُّمنِّيُّ بديهةً بأنَّ صنع الأشياء الدَّقيقة فيه صعوبةٌ، والأمر بمعنى التَّعجيز، فناسب التَّرقِّي من الأعلى للأدنى، فاستحسنه الحافظ ابن حجرٍ، وزاد في إكرام الشَّيخ تقيِّ الدِّين وإشهار فضيلته رحمهما الله تعالى. وأخرجه المؤلِّف في «نقض الصُّور» من «كتاب اللِّباس» [خ¦٥٩٥٣] وأخرجه مسلمٌ فيه أيضًا.

стр. 12981

(٥٧) (بابُ) بيان حال (قِرَاءَةِ الفَاجِرِ وَالمُنَافِقِ) هو من العطف التَّفسيريِّ؛ لأنَّ المراد هنا بـ «الفاجر» المنافق بقرينة جعله في حديث الباب قسيمًا للمؤمن ومقابلًا له، قال في «فتح الباري»: ووقع في رواية أبي ذرٍّ: «قراءة الفاجر أو المنافق» بالشَّكِّ أو للتَّنويع، والفاجر أعمُّ فيكون من عطف الخاصِّ على العامِّ (وَأَصْوَاتُهُمْ وَتِلَاوَتُهُمْ) مبتدأٌ ومعطوفٌ عليه، والخبر قوله: (لَا تُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ) جمع حَنْجَرةٍ وهي الحلقوم، وهو مجرى النَّفس كما أنَّ المريء مجرى الطَّعام والشَّراب، وجمعه على الحكاية عن لفظ الحديث. ٧٥٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ) بضمِّ الهاء وسكون الدَّال المهملة، القيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى، ابن يحيى العوذيُّ قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامة قال: (حَدَّثَنَا أَنَسٌ) هو ابن مالكٍ (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ (¬﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَثَلُ المُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ كَالأُتْرُجَّةِ) بضمِّ الهمزة والرَّاء بينهما فوقيَّةٌ ساكنةٌ وتشديد الجيم، ويُقال (١): الأُتْرُنْجَة -بالنُّون- والتُّرُنْجَة وتُرُنْج (طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ) وجرمها كبيرٌ ومنظرها حسنٌ؛ إذ هي صفراء فاقعٌ لونها تسرُّ النَّاظرين، وملمسها ليِّنٌ تتوق (٢) إليها النَّفس قبل تناولها، تفيد آكلها بعد الالتذاذ بمذاقها طيب نكهةٍ ودباغ معدةٍ وقوَّة هضمٍ، اشتركت الحواسُّ الأربعة -البصر والذَّوق والشَّمُّ واللَّمس- في الاحتظاء بها، ثمَّ إنَّها في أجزائها تنقسم إلى طبائع، فقشرها حارٌّ يابسٌ ويمنع السُّوس من الثِّياب، ولحمها حارٌّ رطبٌ، وحامضها باردٌ يابسٌ، وتُسكّن (٣) غلمة النِّساء، وتجلو (٤) اللَّون والكلف، وبزرها حارٌّ مُجفَّفٌ،

стр. 12982

وفيها من المنافع غير ذلك ممَّا ذكره الأطبَّاء في كتبهم، فهي أفضل ما وُجِد من الثِّمار في سائر البلدان، وقال المظهريُّ: المؤمن الذي يقرأ هكذا من حيث الإيمان في قلبه ثابتٌ طيِّب الباطن، ومن حيث إنَّه يقرأ القرآن، ويستريح النَّاس بصوته، ويُثابون بالاستماع إليه، ويتعلَّمون منه، مثل الأترجَّة يستريح النَّاس برائحتها (وَ) المؤمن (الَّذِي) ولأبي الوقت (١): «ومثل الذي» (لَا يَقْرَأُ) القرآن (كَالتَّمْرَةِ) بالمثنَّاة الفوقيَّة وسكون الميم (طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلَا رِيحَ لَهَا) وقوله: «يقرأ القرآن» على صيغة المضارع، ونفيه في قوله: «لا يقرأ» ليس المراد منها (٢) حصولها مرَّةً ونفيها بالكلِّيَّة، بل المراد منها: الاستمرار والدَّوام عليها (٣)، وإنَّ القراءة دأبه عادته وليست (٤) من هجيراه كقوله: فلانٌ يقري الضَّيف ويحمي الحريم (وَمَثَلُ الفَاجِرِ) أي: المنافق (الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ) شبَّهه (٥) بالرَّيحانة لأنَّه لم ينتفع ببركة القرآن، ولم يفُزْ بحلاوة أجره، فلم يجاوز الطِّيب موضع الصَّوت وهو الحلق، ولا اتَّصل بالقلب، وهؤلاء الذين يمرقون من الدِّين، قاله ابن بطَّالٍ (وَمَثَلُ الفَاجِرِ) أي (٦): المنافق (الَّذِي لَا يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ (٧) الحَنْظَلَةِ) هي معروفةٌ (٨)، وتسمَّى في بعض البلاد ببِطِّيخ أبي جهلٍ (طَعْمُهَا مُرٌّ وَلَا رِيحَ لَهَا) نافعٌ، وفيه -كما قال ابن بطَّالٍ-: أنَّ قراءة الفاجر والمنافق لا تُرفَع إلى الله، ولا تزكو عنده، وإنما يزكو عنده (٩) ما أريد به وجهه. ورجال هذا الحديث كلُّهم بصريُّون، وفيه رواية الصَّحابيِّ عن الصَّحابيِّ، وسبق في «فضائل القرآن» [خ¦٥٠٢٠].

стр. 12983

٧٥٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هو ابن عبد الله المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو ابن يوسف الصَّنعانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ بن شهابٍ، ولفظ طريق عليِّ بن المدينيِّ سبقت في «باب الكهانة» من (١) «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٦٢]. (ح) لتحويل السَّند، قال المؤلِّف: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد والواو (أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ) أبو جعفرٍ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا) وللأَصيليِّ ممَّا ليس في الفرع: «أخبرنا» (عَنْبَسَةُ) بعينٍ وموحَّدةٍ مفتوحتين بينهما نونٌ ساكنةٌ، ابن خالد بن يزيد ابن أخي يونس قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ وهو عمُّ عنبسة (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: أَنَّهُ سَمِعَ) أباه (عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (يَقُولُ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: سَأَلَ أُنَاسٌ النَّبِيَّ ﷺ ¬) بهمزةٍ مضمومةٍ، وهم ربيعة بن كعبٍ الأسلميُّ وقومه كما ثبت في «مسلمٍ» (عَنِ الكُهَّانِ) بضمِّ الكاف وتشديد الهاء، جمع كاهنٍ وهو الذي يدَّعي علم الغيب كالإخبار بما سيقع في الأرض مع الاستناد إلى سببٍ، والأصل فيه استراق الجنِّيِّ السَّمعَ من كلام الملائكة فيلقيه في أذن الكاهن، وقال الخطَّابيُّ: الكهنة قومٌ لهم أذهانٌ حادَّةٌ ونفوسٌ شرِّيرةٌ وطباعٌ ناريَّةٌ، فألفتهم الشَّياطين لِمَا بينهم من التَّناسب في هذه الأمور، وساعدتهم بكلِّ ما تصل قدرتهم إليه، وكانت الكهانة فاشيةً في الجاهليَّة خصوصًا في العرب؛ لانقطاع النُّبوَّة (فَقَالَ) ﵊: (إِنَّهُمْ) أي: الكهَّان (لَيْسُوا بِشَيْءٍ) أي: ليس قولهم بشيءٍ يعتمد عليه (٢) (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ فَإِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ بِالشَّيْءِ يَكُونُ حَقًّا) هذا أورده السَّائل إشكالًا على عموم قوله ﵊: «إنَّهم ليسوا بشيءٍ» لأنَّه فَهِمَ منه أنَّهم لا يصدقون أصلًا (قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬)

стр. 12984

مجيبًا عن سبب ذلك الصِّدق، وأنَّه إذا اتَّفق أن يصدق لم يتركه خالصًا، بل يشوبه بالكذب (تِلْكَ الكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ يَخْطَفُهَا الجِنِّيُّ) بفتح التَّحتيَّة والطَّاء المهملة بينهما خاءٌ معجمةٌ، أي: يختلسها (١) بسرعةٍ من الملك، وسقط لأبي ذرٍّ «من (٢) الحقِّ» ولأبوي ذرٍّ والوقت عن الكُشْمِيهَنيِّ: «يحفظها» بحاءٍ مهملةٍ ففاءٍ فظاءٍ معجمة، من الحفظ (٣)، قال الحافظ ابن حجرٍ: والأوَّل هو المعروف (فَيُقَرْقِرُهَا) أي: يردِّدها (فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ) الكاهن حتَّى يفهمها (كَقَرْقَرَةِ الدَُِّجَاجَةِ) بتثليث الدَّال، أي: صوتها إذا قطعته، يقال: قرَّت الدجاجة (٤) تُقِرُّ قرًّا وقريرًا، وقرقرت قرقرةً، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «الزُّجاجة» بالزَّاي المضمومة، وأنكرها الدَّارقطنيُّ وعدَّها من التَّصحيف، لكن وقع في «باب ذكر الملائكة» من «كتاب بدء الخلق» [خ¦٣٢٨٨] «فيقرُّها في أذنه كما تُقَرُّ القارورة» أي: كما يسمع صوت الزُّجاجة إذا حُكَّت على شيءٍ أو أُلقِي فيها شيءٌ، وقال القابسيُّ (٥): المعنى: أنَّه يكون لِمَا يُلقيه الجنِّيُّ إلى الكاهن حسٌّ كحسِّ القارورة إذا حُرِّكت باليد أو على الصَّفا، وقال الطِّيبيُّ: «قرَّ الدَّجاجة (٦)» مفعولٌ مطلقٌ، وفيه معنى التَّشبيه، فكما يصحُّ أن يشبَّه إيراد ما اختطفه من الكلام في أذن الكاهن بصبِّ الماء في القارورة؛ يصحُّ أن يُشبَّه ترديد الكلام في أذنه بترديد الدَّجاجة (٧) صوتها في أذن صواحباتها، وباب التَّشبيه واسعٌ لا يفتقر إلى العلاقة، على أنَّ الاختطاف مستعارٌ للكلام من فعل الطَّير كما قال تعالى: ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ [الحج: ٣١] فيكون ذكر الدَّجاجة هنا أنسب من ذكر الزُّجاجة؛ لحصول التَّرشيح في الاستعارة (فَيَخْلِطُونَ) أي: الأولياء، وجُمِع بعد الإفراد نظرًا إلى الجنس (فِي) المخطوف (أَكْثَرَ مِنْ مِئَةِ كَذْبَةٍ) بسكون المعجمة وفتح الكاف، وحُكِيَ الكسر، وأنكره بعضهم؛ لأنَّه بمعنى الهيئة والحالة، وليس هذا موضعه. ومطابقته للتَّرجمة من حيث مشابهة الكاهن بالمنافق من جهة أنَّه لا ينتفع بالكلمة الصَّادقة

стр. 12985

لغلبة الكذب (١) عليه ولفساد حاله كما لا ينتفع المنافق بقراءته لفساد عقيدته، وانضمام خبثه إليها، قاله في «الكواكب» وقال في «الفتح»: والذي يظهر لي من مراد (٢) البخاريِّ أنَّ تلفُّظ المنافق بالقرآن كما يتلفَّظ به المؤمن، فتختلف تلاوتهما والمتلوُّ واحدٌ، ولو كان المتلوُّ عين التِّلاوة، لم يقع فيه تخالفٌ، وكذلك الكاهن في تلفُّظه بالكلمة من الوحي التي يخبره بها الجنِّيُّ ممَّا يختطفه من المَلَك تلفظه بها، وتلفُّظ الجنِّيِّ مغايرٌ لتلفُّظ المَلَك فتغايرا. وسبق الحديث في «باب الكهانة» أواخر «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٦٢]. ٧٥٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل قال: (حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ) الأزديُّ قال: (سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ) أبا بكرٍ أحد الأعلام (يُحَدِّثُ عَنْ) أخيه (مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ) بفتح الميم وسكون العين المهملة بعدها مُوحَّدةٌ مفتوحةٌ فدالٌ مهملةٌ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: يَخْرُجُ نَاسٌ مِنْ قِبَلِ المَشْرِقِ) أي: من جهة مشرق المدينة كنجدٍ وما بعده، وهم الخوارج، ومن معتقدهم تكفير عثمان ﵁، وأنَّه قُتِل بحقٍّ، ولم يزالوا مع عليٍّ حتَّى وقع التَّحكيم بصفِّين، فأنكروا التَّحكيم وخرجوا على عليٍّ وكفَّروه (وَيَقْرَؤُوْنَ) بالواو، ولأبي ذرٍّ: «يقرؤون» (القُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ) بالنَّصب على المفعوليَّة، جمع تَرْقُوَةٍ -بفتح الفوقيَّة وسكون الرَّاء وضمِّ القاف وفتح الواو- العظم الذي بين ثغرة النَّحر والعنق، وهذا موضع التَّرجمة (يَمْرُقُونَ) بضمِّ الراء، يخرجون (مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ) بفتح الراء وكسر (٣) الميم وتشديد التَّحتيَّة، أي: المرميِّ إليها (ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ) أي: في الدِّين، وسقط «ثَّم (٤)» في بعض

стр. 12986

النُّسخ (حَتَّى يَعُودَ السَّهْمُ إِلَى فُوقِهِ) بضمِّ الفاء موضع الوتر من السَّهم، وهو لا يعود إلى فوقه قطُّ بنفسه (قِيلَ: مَا سِيمَاهُمْ؟) بكسر السِّين المهملة مقصورًا، ما علامتهم؟ قال الحافظ ابن حجرٍ ﵀: والسَّائل لم أقف على تعيينه (قَالَ) ﵊: (سِيمَاهُمُ) أي: علامتهم (التَّحْلِيقُ) أي: إزالة الشَّعر، أو إزالة شعر الرَّأس، قال الحافظ ابن حجرٍ: طرق الحديث المتكاثرة كالصَّريحة في إرادة حلق الرَّأس، وإنَّما كان هذا علامتهم وإن كان غيرهم يحلق رأسه أيضًا؛ لأنَّهم جعلوا الحلق لهم دائمًا، وزمن الصَّحابة إنَّما كانوا يحلقون رؤوسهم في نسكٍ أو حاجةٍ، وقيل: المراد حلق الرَّأس واللِّحية وجميع الشُّعور (أَوْ قَالَ: التَّسْبِيدُ) بفوقيَّةٍ مفتوحةٍ فسينٍ مهملةٍ ساكنةٍ وبعد الموحَّدة المكسورة تحتيَّةٌ ساكنةٌ فدالٌ مهملةٌ، وهو بمعنى التَّحليق، أو هو (١) أبلغ منه استئصال الشَّعر، أو ترك غسله وترك (٢) دهنه، والشَّكُّ من الرَّاوي. ولمَّا كان آخر الأمور التي يظهر بها المفلح من الخاسر ثقل الموازين وخفَّتها جعله المؤلِّف آخر تراجم كتابه، فبدأ (٣) بحديث: «الأعمال بالنِّيَّات» [خ¦١] وذلك في الدُّنيا (٤) وختم: بأنَّ الأعمال تُوزَن يوم القيامة، [خ¦٧٥٦٣] إشارةً إلى أنه إنَّما يتقبَّل منها ما كان بالنِّيَّة الخالصة لله تعالى، فقال رحمه الله تعالى (٥): (٥٨) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾) العدل، وهو منصوبٌ على أنَّه نعتٌ لـ ﴿الْمَوَازِينَ﴾ وعلى (٦) هذا فلِمَ أُفرِد؟ وأجيب بأنَّه (٧) في الأصل مصدرٌ، والمصدر يوحَّد مطلقًا، أو على أنَّه

стр. 12987

على حذف مضافٍ، أي: ذوات القسط، وَ ﴿الْمَوَازِينَ﴾ جمع ميزانٍ، وجاء ذكرها في القرآن بلفظ الجمع، وفي السُّنَّة به وبالإفراد، فجوَّز بعضهم لمَّا أشكل عليه الجمع في الآية أن يكون ثَمَّ موازين للعامل الواحد يوزن بكلِّ ميزانٍ منها صنفٌ واحدٌ من أعماله، قال الشَّاعر: ملكٌ تقومُ الحادثاتُ لأجلهِ … فلكلِّ حادثةٍ لها ميزانُ والذي عليه الأكثرون أنَّه ميزانٌ واحدٌ، عبَّر عنه بلفظ الجمع للتَّفخيم كقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] وإنَّما هو رسولٌ واحدٌ، أو الجمع باعتبار العباد وأنواع الموزونات، أي: ونضع الموازين العادلات (﴿لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]) وثبت قوله: «ليوم القيامة» لأبي ذرٍّ، وسقط لغيره، واللَّام بمعنى: «في» وإليه ذهب ابن قتيبة وابن مالكٍ، وهو رأي الكوفيِّين، ومنه عندهم: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] أو هي للتَّعليل، ولكن على حذف مضافٍ، أي: لحساب يوم القيامة، أو بمعنى: «عند» كقوله: جئتك لخمسٍ خلون من الشَّهر، وقول النَّابغة: تَوهَّمْتُ آيَاتٍ لَهَا فَعَرَفْتُها … لستَّةِ أَعْوَامٍ وذا العَامُ سَابِعُ (وَأَنَّ) بفتح الهمزة وقد تُكسَر (أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ وَقَوْلَهُمْ يُوزَنُ) بالإفراد، وللقابسيِّ: «وأقوالهم (١) تُوزَن» بميزانٍ له لسانٌ وكفَّتان خلافًا للمعتزلة المنكرين لذلك إلَّا أنَّ منهم من أحاله عقلًا، ومنهم من جوَّزه ولم يحكم بثبوته كالعلَّاف وابن المعتمر، واحتجُّوا: بأنَّ الأعمال أعراضٌ وقد عدمت، فلا يمكن إعادتها، وإذا (٢) أمكن إعادتها يستحيل وزنها؛ إذ لا تقوم بأنفسها فلا توصف بخفَّةٍ ولا ثقلٍ، والقرآن يردُّ عليهم، قال الله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف: ٨] أي: وزن الأعمال يومئذٍ الحقُّ ﴿فَأَمَّا مَن (٣) ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ. فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [القارعة: ٦ - ٧] سلَّمنا أنَّ الأعراض لا تُوصَف بخفَّةٍ ولا ثقلٍ، لكن لمَّا ورد الدَّليل على ثبوت الميزان والوزن كالحساب والصِّراط وجب علينا اعتقاده، وإن عجزت عقولنا عن إدراك بعضٍ، فنَكِلُ علمه إلى الله تعالى ولا نشتغل بكيفيَّته، والعمدة في إثباتها عند أهل الحقِّ أنَّها

стр. 12988

ممكنةٌ في أنفسها (١)؛ إذ لا يلزم من فرض وقوعها محالٌ لذاته مع إخبار الصَّادق عنها، فأجمع المسلمون (٢) عليها قبل ظهور المخالف عليها، والله تعالى قادرٌ على أن يعرِّف عباده مقادير أعمالهم وأقوالهم يوم القيامة بأيِّ طريقٍ شاء؛ إمَّا بأن يجعل الأعمال والأقوال أجسامًا، أو يجعلها في أجسام، وقد روى بعض المتكلِّمين عن ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّ الله تعالى يقلب الأعراض أجسامًا، فيزنها أو توزن صحفها، ويؤيِّد هذا حديث البطاقة المرويِّ في «التِّرمذيِّ» وقال: حسنٌ غريبٌ، وابن ماجه وابن حبَّان في «صحيحه» والحاكم والبيهقيِّ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إنَّ الله يستخلص رجلًا من أمَّتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعةً وتسعين سجلًّا، كلُّ سجلٍّ مثل مدِّ البصر، ثمَّ يقول: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا ربِّ، فيقول: أَفَلَكَ (٣) عذرٌ؟ فيقول (٤): لا يا ربِّ، فيقول الله تعالى: بلى، إنَّ لك عندنا حسنةً، فإنَّه لا ظلمَ عليك، فيخرِج بطاقةً فيها (٥) أشهد أن لا إله إلَّا الله وأشهد أن محمَّدًا عبده ورسوله، فيقول: احضر وزنك، فيقول: يا ربِّ ما هذه البطاقة مع هذه السِّجلَّات؟ فيقول (٦): فإنَّك لا تُظلَم، فتُوضَع السِّجلَّاتُ في كفَّةٍ والبطاقةُ في كفَّةٍ، فطاشت السِّجلَّات وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيءٌ» وقال ابن ماجه بدل قوله: «إنَّ الله يستخلص رجلًا من أمَّتي»: «يُصاح برجلٍ من أمَّتي» وقال محمَّد بن يحيى: البطاقة الرُّقعة، وهذا يدلُّ على الميزان الحقيقيِّ، وأنَّ الموزون صحف (٧) الأعمال، ويكون رجحانها باعتبار كثرة ما كُتِب فيها، وخِفَّتُها بقلَّته فلا إشكال، وقيل: إنَّه ميزانٌ كميزان الشّعر، وفائدته: إظهار العدل والمبالغة في الإنصاف، ولو جاز حمله على ذلك لجاز حمل الصِّراط على الدِّين الحقِّ، والجنَّة والنَّار على ما يَرِدُ على الأرواح دون الأجساد من الأحزان والأفراح، وهذا كلُّه فاسدٌ؛ لأنَّه رُدَّ لما جاء به الصَّادق على ما لا يخفى، فإن قلت: أهل القيامة إمَّا أن يكونوا

стр. 12989

عالمين بكونه تعالى عادلًا غير ظالمٍ أو لا، فإن علموا ذلك كان مجرَّد حكمه كافيًا، فلا فائدة في وضع الميزان، وإن لم يعلموا ذلك لم تحصل الفائدة في وزن الصَّحائف، وحينئذٍ فلا فائدة في وضعها أصلًا، أجيب بأنَّهم عالمون بعدله تعالى، وإنَّما فعل ذلك لإقامة الحجَّة عليهم، وبيانًا لكونه لا يظلم مثقال ذرَّةٍ، وإظهارًا لعظمة قدرته في أنَّ كلَّ كفَّةٍ طباق السَّموات والأرض ترجح بمثقال الحبَّة من الخردل وتخفُّ، وأيضًا فإنَّه ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣] وقد رُوِي عن سلمان (١) أنَّه قال: فإن أنكر ذلك منكرٌ جاهلٌ -بمعنى توجيه معنى خبر الله تعالى وخبر رسوله ﷺ عن الميزان- وقال: أَوَ بالله حاجةٌ إلى وزن الأشياء وهو العالم بمقدار كلِّ شيءٍ قبل خلقه إيَّاه وبعده في كلِّ حالٍ؟ قيل له: وزان ذلك إثباته إيَّاه في أمِّ الكتاب واستنساخه في الكتب من غير حاجةٍ إلى ذلك؛ لأنَّه سبحانه لا يخاف النِّسيان وهو عالمٌ بكلِّ ذلك على كلِّ حالٍ ووقتٍ قبل كونه وبعد وجوده، وإنَّما يفعل ذلك تعالى ليكون حجَّةً على خلقه كما قال تعالى (٢): ﴿كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ. هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٨ - ٢٩] فكذلك وزنه تعالى لأعمال خلقه بالميزان حجَّةٌ عليهم ولهم إمَّا بالتَّقصير في طاعته والتَّضييع، وإمَّا بالتَّكميل والتَّتميم، وإظهارٌ لكرمه وعفوه ومغفرته وحلمه مع قدرته بعد إطلاع كلِّ أحدٍ منَّا على مساوئه، ومسامحته له وغفرانه وإدخاله إيَّاه الجنَّة بعد معصيته. وحكى الزَّركشيُّ عن بعضهم: أنَّ رجحان الوزن في الآخرة بصعود الرَّاجح عكس الوزن في الدُّنيا، واستند في ذلك إلى قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ … الآية [فاطر: ١٠] وهو غريبٌ مصادمٌ لقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ الآية (٣) [القارعة: ٦] وقد جاء أنَّ كفَّة الحسنات من نورٍ والأخرى من ظلامٍ، وأنَّ الجنَّة توضع عن يمين العرش والنَّار عن يساره، ويُؤتَى بالميزان فيُنصَب (٤) بين يدي الله كفَّة الحسنات عن يمين العرش مقابل (٥) الجنَّة،

стр. 12990

وكفَّة السَّيِّئات عن يسار العرش مقابل النَّار، ذكره التِّرمذيُّ الحكيم في «نوادر الأصول» وأبو القاسم اللَّالكائيُّ في «سننه» وعن حذيفة موقوفًا (١): «إنَّ صاحب الميزان يوم القيامة جبريل ﵇»، وعند البيهقيِّ عن أنسٍ مرفوعًا قال: «ملك الموت مُوكَّلٌ بالميزان». وفي «الطَّبرانيِّ الصَّغير» من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله -أي: يوم القيامة-: يا آدم قد جعلتك حكمًا بيني وبين ذرِّيَّتك، قم عند الميزان فانظر ما يُرفَع إليك من أعمالهم، فمن رجح منهم خيره على شرِّه مثقال ذرَّةٍ فله الجنَّة حتَّى تعلم (٢) أنِّي لا أُدخِل منهم النَّار إلَّا ظالمًا … » الحديث، وقال الطَّبرانيُّ: لا يروى هذا عن أبي هريرة إلَّا بهذا الإسناد، تفرَّد به عبد الأعلى. وعند الحاكم عن سلمان (٣) مرفوعًا: «يُوضَع الميزان يوم القيامة، فلو آوى فيه السَّموات والأرض لوُضِعت، فتقول الملائكة: يا ربِّ لمن تزن بهذا؟ فيقول الله تعالى: لمن شئت من خلقي، فتقول الملائكة: سبحانك ما عبدناك حقَّ عبادتك». وعند صاحب «الفردوس» وابنه أبي منصورٍ الدَّيلميِّ عن عائشة مرفوعًا: «خلق الله كفتي الميزان مثل أو ملء السَّموات والأرض، فقالت الملائكة: يا ربَّنا ما تزن بهذا؟ قال: أَزِنُ به من شئت من خلقي» وقيل: سأل داود ﵇ ربَّه أن يريه الميزان، فلمَّا رآه أُغمِي عليه من هوله، ثمَّ أفاق فقال: إلهي من يقدر على ملء كفة هذا الميزان حسناتٍ؟ فقال الله تعالى: «يا داود إنِّي إذا رضيت على عبدي ملأته بتمرةٍ واحدةٍ، يا داود أملؤها بكلمة لا إله إلَّا الله» ثمَّ إنَّ ظاهر قول البخاريِّ: «وإنَّ أعمال بني آدم وقولهم يُوَزن» التَّعميم، وليس كذلك، بل خصَّ منهم من يدخل الجنَّة بغير حسابٍ، وهم السَّبعون ألفًا كما في «البخاريِّ» [خ¦٣٢٤٧] فإنَّه لا يُرفَع (٤) لهم ميزانٌ ولا يأخذون صحفًا، وإنَّما هي براءاتٌ (٥) مكتوبةٌ كما قاله الغزاليُّ، وكذلك من لا ذنب له إلَّا الكفر فقط ولم يعمل حسنةً، فإنَّه يقع في النَّار من غير حسابٍ ولا ميزانٍ، وفي «البخاريِّ»
следующие страницы →