إلَّا ذكره بعذابه»، وقيل: المراد ذكره باللِّسان وذكره بالقلب عندما يهمُّ العبد بالسَّيِّئة، فيذكر مقام ربِّه، وقال قومٌ: إنَّ هذا الذِّكر أفضل، وليس كذلك، بل ذكره بلسانه وقوله: «لا إله إلَّا الله» مخلصًا من قلبه أعظم من ذكره بالقلب (١) دون اللِّسان، وذكر البدر الدَّمامينيُّ أنَّه سمع شيخه وليَّ الدِّين بن خلدون يذكر أنَّه كان بمجلس شيخه ابن عبد السَّلام شارح ابن الحاجب الفرعيِّ وهو يتكلَّم على آيةٍ وقع فيها الأمر بذكر الله، ورجَّح أن يكون المراد بالذِّكر فيها: الذِّكر اللِّسانيَّ لا القلبيَّ، فقال له الشَّريف التِّلمسانيُّ: قد عُلِم أنَّ الذِّكر ضدُّ النِّسيان، وتقرَّر في محلِّه أنَّ الضِّدَّ إذا تعلَّق بمحلٍّ وجب تعلُّق ذلك الضَّدِّ الآخر بعين ذلك (٢) المحلِّ، ولا نزاع في أنَّ النِّسيان محلُّه القلب، فليكن الذِّكر كذلك عملًا بهذه القاعدة، فقال له ابن عبد السَّلام على الفور: يمكن أن يُعارَض هذا بمثله فيُقال: قد عُلِم أنَّ الذِّكر ضدُّ الصَّمت، ومحلُّ الصَّمت اللِّسان، فليكن الذِّكر كذلك عملًا بهذه القاعدة. انتهى.
وقوله تعالى: (﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ﴾) أي: خبره مع قومه (٣) (﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ﴾) عظم وشقَّ (٤) (﴿عَلَيْكُم مَّقَامِي﴾) مكاني، يعني نفسه، أو قيامي ومكثي بين أظهركم ألف سنةٍ إلَّا خمسين عامًا، وهو من باب الإسناد المجازيِّ كقولهم: ثقل عليَّ ظلُّه (﴿وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ﴾) لأنَّهم كانوا إذا وعظوا الجماعة قاموا على أرجلهم يعظونهم؛ ليكون مكانهم بيِّنًا وكلامهم مسموعًا (﴿فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ﴾) جواب الشَّرط، وتاليه عطفٌ عليه وهو قوله: (﴿فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ﴾) أي: مع شركائكم (﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾) فُسِّر بالسُّترة، من غمَّه إذا ستره، والمعنى حينئذٍ: ولا يكن قصدكم إلى إهلاكي مستورًا عليكم، وليكن مكشوفًا مشهورًا تجاهرونني به (﴿ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ﴾) ذلك الأمر الذي تريدون بي (﴿وَلَا تُنظِرُونِ﴾) ولا تمهلونِ (﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ﴾) فإن أعرضتم عن تذكيري ونصيحتي (﴿فَمَا سَأَلْتُكُم (٥) مِّنْ أَجْرٍ﴾) فأوجب التَّولِّي (﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ﴾) وهو الثَّواب الذي يثيبني به في الآخرة، أي: ما نصحتكم إلَّا لله لا لغرضٍ من أغراض الدُّنيا (﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ
стр. 12917
الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧١ - ٧٢]) أي: من المستسلمين لأوامره ونواهيه، وسقط لأبي ذرٍّ من قوله «﴿وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ﴾ … » إلى آخره، وقال: «إلى قوله: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾».
وقوله: (﴿غُمَّةً﴾) فسَّره بقوله: (هَمٌّ وَضِيقٌ) وقال في «اللُّباب»: يُقال: غمٌّ وغمَّةٌ نحو كَرْبٍ وكُربةٍ، قال أبو الهيثم: غُمَّ علينا الهلال فهو مغمومٌ إذا التُمِس فلم يُرَ، قال طرفة بن العبد:
لعمرك (١) ما أمري عليَّ بغُمَّةٍ … نهاري، ولا ليلي عليَّ بسرمدي
وقال اللَّيث: هو في غمَّةٍ من أمره إذا لم يتبيَّن له.
(قَالَ مُجَاهِدٌ) المفسِّر فيما وصله الفريابيُّ في «تفسيره» عن ورقاء عن ابن أبي نَجيحٍ عن مجاهدٍ في قوله تعالى: (﴿اقْضُواْ إِلَيَّ﴾ [يونس: ٧١]) أي: (مَا فِي (٢) أَنْفُسِكُمْ) وقال غير مجاهدٍ: (يُقَالُ: افْرُقِ) أي: (اقْضِ).
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفريابيُّ أيضا بالسَّند السَّابق: (﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللّهِ﴾ [التوبة: ٦] إِنْسَانٌ) من المشركين (يَأْتِيهِ) ﷺ (فَيَسْتَمِعُ (٣) مَا يَقُولُ) من كلام الله (وَمَا أُنْزِلَ) بضمِّ الهمزة وكسر الزَّاي، ولأبي ذرٍّ: «وما (٤) يَُنزَِل» (عَلَيْهِ) بتحتيَّةٍ بدل الهمزة مضمومةً (٥) مع فتح الزَّاي أو مفتوحةً مع كسرها (فَهْوَ آمِنٌ حَتَّى يَأْتِيَهُ) ﵊ (فَيَسْمَعَ) منه (٦) (كَلَامَ اللهِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «حين يأتيه فيسمعُ كلام الله» (وَحَتَّى يَبْلُغَ مَأْمَنَهُ (٧) حَيْثُ جَاءَ) يعني: إن أراد مشركٌ سماع كلام الله فاعْرِض عليه القرآن وبلِّغه إليه وأمِّنه عند السَّماع، فإن أسلم فذاك، وإلَّا فردَّه إلى مأمنه من حيث أتاك.
стр. 12918
وقال مجاهدٌ أيضًا فيما وصله الفريابيُّ أيضًا: (﴿النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ: ٢]) هو (القُرْآنُ) وقوله: (﴿صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨]) أي: قال: (حَقًّا فِي الدُّنْيَا وَعَمَلٌ بِهِ) فإنَّه يُؤذَن له يوم القيامة بالتَّكلُّم وللأَصيليِّ: «وعملًا» بدل قوله: «وعملٌ» واستطرد المصنِّف بذكره هنا على عادته في المناسبة، والمقصود من ذكر هذه الآية في هذا الباب: أنَّه ﷺ مذكورٌ بأنَّه أُمِر بالتِّلاوة على الأمَّة والتَّبليغ إليهم، وأنَّ نوحًا كان يذكِّرهم بآيات الله وأحكامه كما أنَّ المقصود بالباب في هذا الكتاب بيان كونه تعالى ذاكرًا ومذكورًا بمعنى الأمر والدُّعاء، ولم (١) يذكر المصنِّف في هذا الباب حديثًا مرفوعًا، ولعلَّه كان بيَّض له فأدمجه النُّسَّاخ كغيره ممَّا بيَّضه (٢).
(٤٠) (بابُ قَوْلِ اللهِ (٣) تَعَالَى: ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً﴾ [البقرة: ٢٢]) أي: اعبدوا ربَّكم فلا تجعلوا له أندادًا (٤)؛ لأنَّ أصل العبادة وأساسها التَّوحيد، وألَّا يُجعَل لله ندٌّ ولا شريكٌ، والنِّدُّ: المثل، ولا يُقال إلَّا للمثل المخالف المناوئ.
(وَقَولِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا﴾) شركاء وأشباهًا (﴿ذَلِكَ﴾) الذي خلق ما سبق (﴿رَبُّ
стр. 12919
الْعَالَمِينَ﴾ [فصلت: ٩]) خالق جميع الموجودات لتكون منافع.
(وَقَولِهِ) تعالى: (﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨]) أي: لا يشركون.
(﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾) من الأنبياء ﵈ (﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾) وحَّد ﴿أَشْرَكْتَ﴾ والموحَى إليهم جماعةٌ؛ لأنَّ المعنى أوحى إليك لئن أشركت ليحبطنَّ عملك وإلى الذين من قبلك مثله، واللَّام الأولى موطِئةٌ للقَسَم المحذوف، والثَّانية لام الجواب، وهذا الجواب سادٌّ مسدَّ الجوابين، أعني: جوابَي القَسَم والشَّرط، وإنَّما صحَّ هذا الكلام مع علمه تعالى بأنَّ رسله لا يشركون به (١) لأنَّ الخطاب للنَّبيِّ ﷺ والمراد به غيره، أو لأنَّه على سبيل الفرض، والمحالات يصحُّ فرضها، والغرض تشديد الوعيد على من أشرك، وأنَّ للإنسان عملًا يُثاب عليه إذا سلم من الشِّرك، ويبطل ثوابه إذا أشرك (﴿بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ﴾) ردٌّ لما أَمروه به من عبادة آلهتهم (﴿وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥ - ٦٦]) على ما أنعم به عليك، وسقط قوله «﴿وَلَتَكُونَنَّ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، وقال: «إلى قوله: ﴿بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ﴾».
(وَقَالَ عِكْرِمَةُ) مولى ابن عبَّاسٍ فيما وصله الطَّبريُّ: (﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾. ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم﴾) وللأَصيليِّ: «لئن تسألهم» ولأبي ذرٍّ: «قال: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم﴾» (﴿مَّنْ خَلَقَهُمْ﴾ وَمَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ ﴿لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]) بتشديد النُّون، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «فيقولون (٢)» بالتَّخفيف وزيادة واوٍ وفاءٍ بدل اللَّام (٣) (فَذَلِكَ) القول (إِيمَانُهُمْ، وَهُمْ يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ) تعالى من الأصنام ونحوها.
(وَ) بابُ (مَا ذُكِرَ فِي خَلْقِ أَفْعَالِ العِبَاد) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «أعمال العباد» (وَاَكْتِسَابِهِمْ (٤) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾) أي: أحدث كلَّ شيءٍ وحده (﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]) فهيَّأهُ لما يصلح له بلا خللٍ فيه، وهو يدلُّ على أنَّه تعالى خلق الأعمال من وجهين أحدهما: أنَّ قوله: ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ يتناول جميع الأشياء، ومن جملتها أفعال العباد، وثانيها: أنَّه
стр. 12920
تعالى نفى الشَّريك فكأنَّ قائلًا قال (١): هنا أقوامٌ معترفون بنفي الشُّركاء والأنداد، ومع ذلك يقولون: بخلق أفعال أنفسهم، فذكر الله هذه الآية ردًّا عليهم، ولا شبهة فيها لمن لا يقول: الله شيءٌ، ولا لمن يقول بخلق القرآن؛ لأنَّ الفاعل بجميع صفاته لا يكون مفعوله.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) المفسِّر فيما وصله الفريابيُّ في قوله تعالى: (﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِالحَقِّ ِّ﴾ [الحجر: ٨]) أي: (بِالرِّسَالَةِ وَالعَذَابِ) وقال في «الكواكب»: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ﴾ بالنُّون ونصب ﴿الْمَلائِكَةَ﴾ استشهادٌ لكون نزول الملائكة بخلق الله، وبالتَّاء المفتوحة والرَّفع لكون نزولهم بكسبهم.
(﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٨]) أي: (المُبَلِّغِينَ المُؤَدِّينَ) بكسر اللَّام والدَّال المشدَّدتين فيهما (مِنَ الرُّسُلِ) أي: الأنبياء المبلِّغين المؤدِّين الرِّسالة عن تبليغهم، والتَّفسير بهم إنَّما هو بقرينة السَّابق عليه (٢) وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب: ٧] وهو لبيان الكسب حيث أسند الصِّدق إليهم والميثاق ونحوه.
(وَإِنَّا لَهُ حَافِظُونَ) ولأبوي الوقت وذرٍّ: «﴿لَحَافِظُونَ﴾» [الحجر: ٩] (عِنْدَنَا) هو أيضًا من قول مجاهدٍ أخرجه الفريابيُّ، وقال مجاهدٌ (٣) أيضًا ممَّا وصله الطَّبريُّ: (﴿وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ﴾ [الزمر: ٣٣]) هو (القُرْآنُ ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾) هو (المُؤْمِنُ يَقُولُ يَوْمَ القِيَامَةِ: هَذَا الَّذِي أَعْطَيْتَنِي عَمِلْتُ بِمَا فِيهِ) وهو أيضًا للكسب إذا أُضيف التَّصديق (٤) إلى المؤمن لا سيَّما وأضاف العمل أيضًا إلى نفسه حيث قال: «عملت» والكسب له جهتان فأثبتهما بالآيات، وقد اجتمعا (٥) في كثيرٍ من الآيات نحو: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥] قاله في «الكواكب» قال ابن بطَّالٍ: غرض البخاريِّ في هذا الباب: نسبة الأفعال كلِّها لله تعالى، سواءٌ كانت من المخلوقين خيرًا أو شرًّا، فهي لله خلقٌ وللعباد كسبٌ، ولا يُنسَب شيءٌ من الخلق لغير الله تعالى، فيكون شريكًا وندًّا ومساويًا له في
стр. 12921
نسبة الفعل إليه، وقد نبَّه الله تعالى عباده على ذلك بالآيات المذكورة وغيرها المصرِّحة بنفي الأنداد والآلهة المدعوَّة معه، فتضمَّنت الرَّدَّ على من يزعم أنَّه يخلق أفعاله، وفيه الرَّدُّ على الجهميَّة حيث قالوا: لا قدرة للعبد أصلًا، وعلى المعتزلة حيث قالوا: لا دخل لقدرة الله فيها (١)؛ إذ المذهب الحقُّ لا جبر ولا قدر، ولكن أمرٌ بين أمرين، أي: بخلق الله وكسب العبد، وهو قول الأشعريَّة، وللعبد قدرةٌ فلا جبر، وبها يُفرَّق (٢) بين النَّازل من المنارة والسَّاقط منها، ولكن لا تأثير لها، بل الفعل واقعٌ بقدرة الله، وتأثير قدرته فيه بعد تأثير قدرة العبد عليه، وهذا هو المسمَّى بالكسب.
٧٥٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاءٍ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ) بفتح العين، و «شُرَحْبِيْل» بضمِّ المعجمة وفتح الرَّاء وسكون الحاء المهملة وكسر الموحَّدة وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة لامٌ، منصرفًا وغير منصرفٍ، الهَمْدانيِّ أبي ميسرة (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁ أنَّه (قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ؟ قَالَ) ﷺ : (أَنْ تَجْعَلَ للهِ نِدًّا) بكسر النُّون وتشديد المهملة: مثلًا وشريكًا، ولأبي ذرٍّ والحَمُّويي: «أن تجعل له (٣) ندًّا» (وَهْوَ خَلَقَكَ، قُلْتُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ) أي: أيُّ شيءٍ من الذُّنوب أعظم بعد الكفر؟ (قَالَ) ﵊: (ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ) بفتح الهمزة (تَخَافُ) بالفوقيَّة والمعجمة المفتوحتين (أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ) بفتح التَّحتيَّة (٤) والعين (قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّْ؟) بسكون «أيٍّ» مشدَّدةً في «اليونينيَّة»
стр. 12922
(قَالَ: ثُمَّ (١) أَنْ تُزَانِيَ (٢) بِحَلِيلَةِ جَارِكَ) بالحاء المهملة، أي: بزوجته، قال ﷺ : «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتَّى ظننت أنَّه سيوِّرثه» [خ¦٦٠١٥]، فالزِّنى بزوجة الجار زنى وإبطال حقِّ الجار مع الخيانة فهو أقبح، والغرض من الحديث هنا: الإشارة إلى أنَّ (٣) من زعم أنَّه يخلق فعل نفسه يكون كمن جعل لله ندًّا، وقد ورد فيه الوعيد الشَّديد فيكون اعتقاده حرامًا، قاله في «فتح الباري».
وأخرج الحديث في «باب إثم الزُّناة» من «الحدود» [خ¦٦٨١١] (٤).
(٤١) (باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾) أي: أنَّكم كنتم تستترون بالحيطان والحجب عند ارتكاب الفواحش، وما كان استتاركم ذلك خيفة أن تشهد عليكم جوارحكم؛ لأنَّكم كنتم غير عالمين بشهادتها عليكم، بل كنتم جاحدين البعث والجزاء أصلًا (﴿وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢٢]) ولكنَّكم إنَّما استترتم لظنِّكم أنَّ الله لا يعلم كثيرًا ممَّا (٥) تعملون، وهو الخفيَّات من أعمالكم، وسقط لأبي ذرٍّ قوله «﴿وَلَا أَبْصَارُكُمْ﴾ … » إلى آخر الآية، وقال بعد قوله: ﴿سَمْعُكُمْ﴾: «الآية».
стр. 12923
٧٥٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال: (حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ) هو ابن المعتمر (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جبرٍ المفسِّر المكِّيِّ (عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ) عبد الله بن سَخْبرة الأزديِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: اجْتَمَعَ عِنْدَ البَيْتِ) الحرام (ثَقَفِيَّانِ) بالمثلَّثة القاف ثمَّ الفاء (وَقُرَشِيٌّ، أَوْ قُرَشِيَّانِ) هما صفوان وربيعة ابنا أميَّة بن خلفٍ (١) (وَثَقَفِيٌّ) هو عبد ياليل بن عمرو بن عُمَيرٍ، وقيل: حبيب بن عمرٍو، وقيل: الأخنس بن شريقٍ، والشَّكُّ من الرَّاوي، وعند ابن بشكوال: القرشيُّ الأسود بن عبد يغوث الزُّهريُّ، والثَّقفيَّان الأخنس بن شريقٍ، والآخر لم يُسَمَّ (كَثِيرَةٌ) بالتَّنوين (شَحْمُ بُطُونِهِمْ) بإضافة «شحم» لتاليه، وللأَصيليِّ: «شحوم» بلفظ الجمع (قَلِيلَةٌ) بالتَّنوين (فِقْهُ قُلُوبِهِمْ) بالإضافة أيضًا، وقوله: «كثيرةٌ شحم بطونهم، قليلةٌ فقه قلوبهم» قال الكِرمانيُّ وغيره: «بطونهم» مبتدأٌ «كثيرةٌ شحم» خبره إن كان «البطون» مرفوعًا، والكثيرة مضافةٌ إلى الشَّحم. وإن كان بطونهم مجرورًا بالإضافة فيكون الذي هو مضافٌ مرفوعًا بالابتداء و «كثيرةٌ» خبره مقدَّمًا، وهذا الثَّاني هو الذي في الفرع قالوا: وأنَّث الشَّحم والفقه؛ لإضافتهما إلى البطون والقلوب، والتَّأنيث يسري من المضاف إليه إلى المضاف (٢)، قال في «المصابيح»: وهذا غلطٌ؛ لأنَّ المسألة مشروطةٌ بصلاحيَّة المضاف للاستغناء عنه، فلا يجوز: غلام هندٍ ذهبت، ومن ثمَّ ردَّ ابن مالكٍ في «التَّوضيح» قولَ أبي (٣) الفتح في توجيه قراءة أبي العالية: (يوم لا تنفع نفسًا إيمانها) [الأنعام: ١٥٨] بتأنيث الفعل: إنَّه من «باب قُطِعت بعض أصابعه» لأنَّ المضاف هنا لو سقط لقيل: «نفسًا لا تنفع» بتقديم المفعول؛ ليرجع إليه الضَّمير المستتر المرفوع الذي ناب عن الإيمان في الفاعليَّة، ويلزم من ذلك تعدِّي فعل المضمر (٤) المتَّصل إلى ظاهره نحو قولك: زيدٌ (٥) أظلم،
стр. 12924
تريد أنَّه ظلم نفسه، وذلك لا يجوز، وإنَّما الوجه في الحديث أن يكون أفرد الشَّحم والفقه، والمراد الشُّحوم والفهوم لأمن اللَّبس؛ ضرورة أنَّ البطون لا تشترك في شحمٍ واحدٍ، بل لكلِّ بطنٍ منها شحمٌ يخصُّه، وكذلك الفقه بالنِّسبة إلى القلوب. انتهى.
(فَقَالَ أَحَدُهُمْ) للآخرَين: (أَتَرَوْنَ) بفتح الفوقيَّة وتُضَمُّ (أَنَّ اللهَ يَسْمَعُ مَا نَقُولُ؟ قَالَ الآخَرُ) للآخرَين (١): (يَسْمَعُ إِنْ جَهَرْنَا، وَلَا يَسْمَعُ إِنْ أَخْفَيْنَا، وَقَالَ الآخَرُ) وهو أفطن أصحابه: (إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا جَهَرْنَا فَإِنَّهُ (٢) يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا) ووجه الملازمة في قوله: «إن كان يسمع» أنَّ جميع المسموعات نسبتها إلى الله تعالى على السَّواء (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ … الآيَةَ [فصلت: ٢٢]) قال ابن بطَّالٍ فيما نقلوه عنه: غرض البخاريِّ في هذا الباب: إثبات السَّمع لله، وإثبات القياس الصَّحيح وإبطال القياس الفاسد؛ لأنَّ الذي قال: «يسمع إن جهرنا ولا يسمع (٣) إن أخفينا» قاس قياسًا فاسدًا؛ لأنَّه شبَّه سمع الله تعالى بأسماع خلقه الذين يسمعون الجهر ولا يسمعون السِّرَّ، والذي قال: «إن كان يسمع إن جهرنا فإنَّه يسمع إن أخفينا» أصاب في قياسه حيث لم يشبِّه الله تعالى بخلقه ونزَّهه عن مماثلتهم، وإنَّما وصف الجميع بقلَّة الفقه؛ لأنَّ هذا الذي أصاب لم يعتقد حقيقة ما قال، بل شكَّ بقوله: «إن كان».
والحديث سبق في «سورة فُصِّلت» [خ¦٤٨١٧].
(٤٢) (باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]) أي: كلَّ وقتٍ وحينٍ يحدث أمورًا ويجدِّد أحوالًا كما رُوِي (٤) ممَّا سبق معلَّقًا عن أبي الدَّرداء قال: «﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ يغفر ذنبًا،
стр. 12925
ويكشف كربًا، ويرفع قومًا ويضع آخرين» [خ¦٦٥ - ٧١٦٦]، وعن ابن (١) عيينة: الدَّهر عند الله يومان: أحدهما: اليوم الذي هو مدَّة الدُّنيا، فشأنه فيه الأمر والنَّهي والإحياء والإماتة والإعطاء والمنع، والآخر: يوم القيامة، فشأنه فيه الحساب والجزاء، واستُشكِل بأنَّه قد صحَّ أنَّ القلم جفَّ بما هو كائنٌ إلى يوم القيامة، وأُجيب بأنَّها شؤونٌ يبديها لا شؤونٌ يبتديها.
(وَ) قولِه تعالى: (﴿مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢]) ذكر الله تعالى ذلك بيانًا لكونهم معرضين في قوله: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١] وذلك أنَّ الله تعالى يجدِّد (٢) لهم الذِّكر في (٣) كلِّ وقتٍ، ويظهر لهم الآية بعد الآية، والسُّورة بعد السُّورة؛ ليكرّر على أسماعهم الموعظة لعلَّهم يتَّعظون، فما يزيدهم ذلك إلَّا استسخارًا، فمعنى ﴿مُّحْدَثٍ﴾ هو أنَّ يحدث الله الأمر بعد الأمر، أو مُحدَثٌ في التَّنزيل، فالإحداث بالنِّسبة للإنزال، وأمَّا المنزَّل (٤) فقديمٌ، وتعلُّق القدرة حادثٌ، ونفس القدرة قديمةٌ، فالمذكور -وهو القرآن- قديمٌ، والذِّكر حادثٌ لانتظامه من الحروف الحادثة، فلا تمسُّك للمعتزلة بهذه الآية على حدوث القرآن، ويحتمل أن يكون المراد بالذِّكر هنا هو وعظ رسول الله (٥) ﷺ وتحذيره إيَّاهم عن معاصي الله، فسُمِّي وعظه ذكرًا، وأضافه إليه تعالى لأنَّه فاعله في الحقيقة، ومقدِّرٌ رسوله على اكتسابه.
(وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] وإنَّ حدثه لا يشبه حدث المخلوقين؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]) لعلَّ مراده أنَّ (٦) المحدث غير المخلوق كما هو رأي البلخيِّ وأتباعه، وقد تقرَّر أنَّ صفات الله تعالى إمَّا سلبيَّةٌ وتُسمَّى بالتَّنزيهات، وإمَّا وجوديَّةٌ حقيقةً كالعلم والإرادة والقدرة وأنَّها قديمةٌ لا محالة، وإمَّا إضافيَّةٌ
стр. 12926
كالخلق والرِّزق، وهي حادثةٌ، ولا يلزم من حدوثها تغيُّرٌ في ذات الله وصفاته التي هي بالحقيقة صفاتٌ له كما أنَّ تعلُّق العلم وتعلُّق القدرة بالمعلومات والمقدورات حادثةٌ (١)، وكذا كلُّ صفةٍ فعليَّةٍ له.
(وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ) عبد الله ﵁: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ اللهَ) (يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ أَلَّا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ) أخرجه أبو داود موصولًا مُطوَّلًا، ومراد المؤلِّف من سياقه هنا الإعلام بجواز الإطلاق على الله تعالى بأنَّه مُحدِثٌ -بكسر الدَّال- لكنَّ إحداثه لا يشبه إحداث المخلوقين، تعالى الله.
٧٥٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ) بالحاء المهملة، وفتح واو «وَرْدان» وسكون رائه، المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الكِتَابِ عَنْ كُتُبِهِمْ وَعِنْدَكُمْ كِتَابُ اللهِ؟ أَقْرَبُ الكُتُبِ عَهْدًا بِاللهِ) ، أي: أقربها نزولًا إليكم وإخبارًا عن (٢) الله تعالى، وفي اللَّفظ الآخر «أحدث الكتب» وهو أليق بالمراد هنا من «أقرب» ولكنَّه على عادة المؤلِّف في تشحيذ الأذهان ثمَّ (تَقْرَؤُوْنَهُ مَحْضًا لَمْ يُشَبْ) بضمِّ التَّحتيَّة وفتح المعجمة، لم يُخلَط بغيره كما خلط اليهود التَّوراة وحرَّفوها.
стр. 12927
٧٥٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي (١)) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين (بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عتبة بن مسعودٍ: (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (٢) (قَالَ: يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ؟ وَكِتَابُكُمُ الَّذِي أَنْزَلَ اللهُ (٣) عَلَى نَبِيِّكُمْ ﷺ أَحْدَثُ الأَخْبَارِ بِاللهِ) لفظًا أو نزولًا أو إخبارًا من الله تعالى (مَحْضًا لَمْ يُشَبْ) لم يخالطه غيره (وَقَدْ حَدَّثَكُمُ اللهُ) في كتابه (أَنَّ أَهْلَ الكِتَابِ قَدْ بَدَّلُوا مِنْ كُتُبِ اللهِ وَغَيَّرُوا فَكَتَبُوا بِأَيْدِيهِمْ) زاد أبو ذرٍّ: «الكتب» يشير إلى قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ إلى ﴿يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩] (قَالُوا: هُوَ ﴿مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ﴾ بِذَلِكَ (٤) ﴿ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [البقرة: ٧٩]) عوضًا (٥) يسيرًا (أَوَ لَا) بفتح الواو (يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنَ العِلْمِ عَنْ مَسْأَلَتِهِمْ؟) وإسناد المجيء إلى العلم مجازٌ؛ كإسناد النَّهي إليه (فَلَا وَاللهِ مَا رَأَيْنَا رَجُلًا مِنْهُمْ يَسْأَلُكُمْ (٦) عَنِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ) وللمستملي: «إليكم» فلِمَ تسألون أنتم منهم مع علمكم أنَّ كتابهم مُحرَّفٌ؟!
والحديث وسابقه موقوفان.
(٤٣) (باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦]) بالقرآن (﴿لِسَانَكَ﴾ وَ) باب (فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) بكسرالفاء وسكون العين المهملة (٧) (حَيْثُ) بفتح الحاء وبالمثلَّثة، ولأبي ذرٍّ: «حين» (يُنْزَلُ) بضمِّ أوَّله وفتح الزَّاي (عَلَيْهِ الوَحْيُ) ممَّا يأتي بيانه إن شاء الله تعالى في حديث الباب [خ¦٧٥٢٤].
стр. 12928
(وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه قال: (قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَنَا مَعَ عَبْدِي حَيْثُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «إذا (١)» (مَا ذَكَرَنِي) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «مع عبدي ما (٢) ذكرني» (وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ) هذا طرفٌ من حديثٍ أخرجه أحمد والمؤلِّف في «خلق أفعال العباد» وكذا أخرجه غيرهما، أي: أنا معه بالحفظ والكلاءة، وقوله: «تحرَّكت بي شفتاه» أي: باسمي لا أنَّ شفته ولسانه يتحرَّكان بذاته تعالى.
٧٥٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ) بالهمز، الهَمْدانيِّ الكوفيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) الوالبيِّ مولاهم (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ﴾) بالقرآن (﴿لِسَانَكَ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ) القرآنيِّ (٣) لثقله عليه (شِدَّةً، وَكَانَ) ﵊ (يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ) قال سعيد بن جُبَيرٍ: (فَقَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: أُحَرِّكُهُمَا) (٤)، ولأبي ذرٍّ: «فأنا أحرِّكهما» (لَكَ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحَرِّكُهُمَا، فَقَالَ سَعِيدٌ) أي: ابن جبيرٍ: (أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا، فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ فَأَنْزَلَ اللهُ (٥): ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ﴾) أي: بالقرآن (﴿لِسَانَكَ﴾) قبل أن يتمَّ وحيه (﴿لِتَعْجَلَ بِهِ﴾) لتأخذه على عجلةٍ خوف أن يتفلَّت منك (﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾) أي: قراءته، فهو مصدرٌ مضافٌ للمفعول.
стр. 12929
(قَالَ) ابن عبَّاسٍ مفسِّرًا لقوله: ﴿جَمْعَهُ﴾ أي: (جَمْعُهُ فِي صَدْرِكَ) بفتح الجيم وسكون الميم (ثُمَّ تَقْرَؤُهُ ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾) بلسان جبريل عليك (﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٨] قَالَ) ابن عبَّاسٍ: أي: (فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ) بهمزة قطعٍ مفتوحةٍ وكسر الصَّاد، أي: لتكن (١) حال قراءته ساكتًا (ثُمَّ (٢) إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ) وفي «بدء الوحي» [خ¦٥]: «﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ثمَّ إنَّ علينا أن تقرأه» (قَالَ) ابن عبَّاسٍ: (فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ اسْتَمَعَ) قراءته (فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا أَقْرَأَهُ) ولأبي ذرٍّ: «كما أقرأه جبريل» ففي هذا الحديث أنَّ القرآن يُطلَق ويُراد بقوله: ﴿قُرْآنَهُ﴾ القراءة، لا نفس القرآن، وأنَّ تحريك اللِّسان والشَّفتين بقراءة القرآن عملٌ للقارئ يُؤجَر عليه، وقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فيه إضافة الفعل إلى الله تعالى، والفاعل له من يأمره بفعله، فإنَّ القارئ لكلامه تعالى على النَّبيِّ ﷺ هو جبريل، ففيه بيانٌ لكلِّ ما أشكل من فعلٍ يُنسَب إلى الله تعالى ممَّا لا يليق به فعله من المجيء والنُّزول ونحو ذلك، قاله ابن بطَّالٍ.
قال الحافظ ابن حجرٍ: والذي يظهر أنَّ مراد البخاريِّ بهذين الحديثين الموصول والمعلَّق الرَّدُّ على من زعم أنَّ قراءة القارئ قديمةٌ، فأبان أنَّ حركة لسان القارئ بالقرآن من فعل القارئ بخلاف المقروء، فإنَّه كلام الله القديم كما أنَّ حركة لسان ذاكر الله حادثةٌ من فعله، والمذكور هو الله تعالى.
وهذا (٣) الحديث سبق في «بدء الخلق» [خ¦٥].
(٤٤) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى (٤): ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾) ظاهره الأمر بأحد الأمرين الإسرار والإجهار، ومعناه: ليستوِ عندكم إسراركم وإجهاركم في علم الله بهما (﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الملك: ١٣]) أي: بضمائرها قبل أن تترجم الألسنة عنها، فكيف لا يعلم ما تكلَّم به! (﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ
стр. 12930
خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]) أي: العالم بدقائق الأشياء و ﴿الْخَبِيرُ﴾ العالم بحقائق الأشياء، وفيه إثبات خلق الأقوال فيكون دليلًا على خلق أفعال العباد (١) (﴿يَتَخَافَتُونَ﴾ [طه: ١٠٣]) أي: (يَتَسَارُّونَ) بتشديد الرَّاء، فيما بينهم بكلامٍ خفيٍّ.
٧٥٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ) بفتح العين، و «زُرَارة» بضمِّ الزَّاي وتخفيف الرَّاء، الكلابيُّ النَّيسابوريُّ (عَنْ هُشَيْمٍ) بضمِّ الهاء وفتح الشِّين المعجمة، ابن بشيرٍ (٢) قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ) بمُوحَّدةٍ فمعجمةٍ ساكنةٍ، جعفر بن أبي وحشيَّة واسمه إياس (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾) بقراءة صلاتك (﴿وَلَا تُخَافِتْ﴾) لا تخفض صوتك (﴿بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]) زاد في «الإسراء» [خ¦٤٧٢٢]: «عن أصحابك فلا تُسْمِعهم» (قَالَ) ابن عبَّاسٍ: (نَزَلَتْ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مُخْتَفٍ بِمَكَّةَ) عن الكفَّار (فَكَانَ إِذَا صَلَّى بِأَصحَابِهِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالقُرْآنِ) واستُشِكل بأنَّه إذا كان مختفيًا عن الكفَّار فكيف يرفع صوته وهو ينافي الاختفاء؟ وأجاب في «الكواكب»: بأنَّه لعلَّه أراد الإتيان بشبه الجهر، أو أنَّه ما كان يبقى له عند الصَّلاة ومناجاة الرَّبِّ اختيارٌ لاستغراقه في ذلك (فَإِذَا سَمِعَهُ المُشْرِكُونَ سَبُّوا القُرْآنَ وَمَنْ أَنْزَلَهُ) جبريل (وَمَنْ جَاءَ بِهِ) ﷺ (فَقَالَ اللهُ) (لِنَبِيِّهِ ﷺ : ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ ٍ﴾ أَيْ: بِقِرَاءَتِكَ) فيه حذف مضافٍ كما مرَّ (فَيَسْمَعَُ المُشْرِكُونَ) بنصب «فيسمعَ» في الفرع وأصله (٣)، ويجوز الرَّفع (فَيَسُبُّوا القُرْآنَ ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ عَنْ أَصْحَابِكَ فَلَا تُسْمِعُهُمْ) بالرَّفع (﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ﴾) الجهر والمخافتة (﴿سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ١١٠]) وسطًا، قال الكِرمانيُّ: فأجاد هذه الملَّة الإسلاميَّة الحنيفيَّة البيضاء أصولها وفروعها، كلُّها واقعةٌ في حاقّ الوسط، لا إفراط ولا
стр. 12931
تفريط كما في «الإلهيَّات» لا تشبيه ولا تعطيل، وفي «أفعال العباد» لا جبر ولا قدر، بل أمرٌ بين أمرين، وفي «أمر المعاد» لا يكون وعيديًّا ولا مرجيًّا، بل بين الخوف والرَّجاء، وفي «الإمامة» لا رفض ولا خروج، وفي «الإنفاق» لا إسراف ولا تقتير، وفي «الجراحات» لا قصاص واجبًا -كما في التَّوراة- ولا عفوًا واجبًا -كما في الإنجيل- بل شرع القصاص والعفو كلاهما، وهلمَّ جرًّا.
وسبق الحديث قريبًا [خ¦٧٤٩٠] وكذا في «سورة الإسراء» من «التَّفسير» [خ¦٤٧٢٢].
٧٥٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بضمِّ العين مُصغَّرًا، وكان اسمه: عبد الله القرشيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] فِي الدُّعَاءِ) هذا وجهٌ آخر في سبب نزول هذه الآية، أو هو من باب إطلاق الكلِّ على الجزء؛ إذ الدُّعاء بعض أجزاء الصَّلاة.
وسبق في «الإسراء» [خ¦٤٧٢٣].
٧٥٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو ابن منصور، وقال الحاكم: ابن نصرٍ، ورجَّح الأوَّل أبو عليٍّ الجيَّانيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك النَّبيل، شيخ المؤلِّف روى عنه كثيرًا بلا واسطةٍ، قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَة) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَيْسَ مِنَّا) أي: ليس من أهل سنَّتنا (مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآنِ) أي: يحسن صوته به كما قاله الشَّافعيُّ وأكثر العلماء، وقال سفيان بن عيينة: يستغني به عن النَّاس (وَزَادَ غَيْرُهُ) غير أبي هريرة، وفي «فضل القرآن» [خ¦٥٠٢٣]: وقال صاحبٌ له: معنى «يتغنَّى بالقرآن»: (يَجْهَرُ بِهِ) فهي جملةٌ مبيِّنةٌ لقوله: «يتغنَّ بالقرآن» فلن يكون المبيِّن على خلاف البيان، فكيف يُحمَل على غير تحسين الصَّوت؟ والصَّاحب المذكور هو عبد الحميد بن عبد الرَّحمن بن زيد بن
стр. 12932
الخطَّاب كما سبق في «فضل القرآن» [خ¦٥٠٢٣] وقال في «الفتح»: وسيأتي قريبًا من طريق محمَّد بن إبراهيم التَّيميِّ عن أبي سلمة بلفظ: «ما أذن الله لشيءٍ ما أذن لنبيٍّ حسن الصَّوت بالقرآن يجهر به» فيُستفاد منه أنَّ الغير المبهم في حديث الباب وهو الصَّاحب المبهم في رواية عُقيلٍ هو محمَّد بن إبراهيم التَّيميُّ، والحديث واحدٌ إلَّا أنَّ بعضهم رواه (١) بلفظ «ما أذن» وبعضهم بلفظ «ليس منَّا» قال ابن بطَّالٍ: مراد البخاريِّ بهذا الباب: إثبات أنَّ العلم لله تعالى صفةٌ ذاتيَّةٌ لاستواء علمه بالجهر من القول والسِّرِّ، وتعقَّبه ابن المُنيِّر فقال: ما أظنُّ أنَّه قصد بالتَّرجمة إثبات العلم، وليس كما ظنَّ، وإلَّا؛ لتقاطعت المقاصد ممَّا اشتملت عليه التَّرجمة لا سيَّما (٢) بين العلم وبين حديث «ليس منَّا من لم يتغنَّ بالقرآن» وإنَّما قصد البخاريُّ الإشارة إلى النُّكتة التي كانت سبب محنته بمسألة اللَّفظ، فأشار بالتَّرجمة إلى أنَّ تلاوات الخلق تتَّصف بالسِّرِّ والجهر، ويستلزم أن تكون مخلوقةً وأنَّها تُسمَّى تغنِّيًا، وهذا هو الحقُّ اعتقادًا لا إطلاقًا حذرًا من الإيهام وفرارًا من الابتداع؛ لمخالفة السَّلف في الإطلاق، وقد ثبت عن البخاريِّ أنَّه قال: من نقل عنِّي أنِّي قلت: «لفظي بالقرآن مخلوقٌ فقد كذب، وإنَّما قلت: إنَّ أفعال العباد مخلوقةٌ».
(٤٥) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) في حديث الباب (رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ) (القُرْآنَ فَهْوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «آناء اللَّيل وآناء النَّهار» (وَرَجُلٌ يَقُولُ: لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ هَذَا فَعَلْتُ كَمَا يَفْعَلُ) وقال البخاريُّ: (فَبَيَّنَ اللهُ أَنَّ قِيَامَهُ) أي: قيام الرَّجل (بِالكِتَابِ هُوَ فِعْلُهُ) حيث أسند القيام إليه، وسقط لأبي ذرٍّ والأَصيليِّ لفظ الجلالة، ولأبي ذرٍّ
стр. 12933
عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فبيَّن النَّبيُّ ﷺ أنَّ قراءته الكتاب» (وَقَالَ) تعالى: (﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾) أي: اللُّغات، أو أجناس النُّطق وأشكاله، وهو يشمل الكلام فتدخل القراءة (﴿وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم: ٢٢]) كالسَّواد والبياض وغيرهما، ولاختلاف ذلك وقع التَّعارف، وإلَّا فلو تشاكلت الألسن والألوان (١) واتَّفقت لوقع التَّجاهل والالتباس، ولتعطَّلت المصالح، وفي ذلك آيةٌ بيِّنةٌ حيث وُلِدوا من أبٍ واحدٍ، وهم على الكثرة التي لا يعلمها إلَّا الله متفاوتون.
(وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾) عامٌّ يتناول سائر الخيرات كقراءة القرآن والذِّكر والدُّعاء، أو أُريد به صلة الأرحام ومكارم الأخلاق (﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]) أي: كي تفوزوا، وافعلوا هذا كلَّه وأنتم راجون للفلاح غير مستيقنين، ولا تتَّكلوا على أعمالكم (٢).
٧٥٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا تَحَاسُدَ) بفوقيَّةٍ مفتوحةٍ قبل الحاء وضمِّ السِّين المهملتين، جائزٌ في شيءٍ (إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ) -بالتَّأنيث- إحدى الاثنتين (٣): (رَجُلٌ) بالرَّفع، أي: خصلةُ رجلٍ (آتَاهُ اللهُ) (القُرْآنَ فَهْوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ) أي: ساعات اللَّيل وساعات النَّهار، ولأبوي الوقت وذرٍّ: «من آناء اللَّيل وآناء النَّهار» (فَهْوَ) أي: الحاسد (يَقُولُ: لَوْ أُوتِيتُ) لو أُعطيت (مِثْلَ مَا أُوتِيَ) أُعطِي (هَذَا) من القرآن (لَفَعَلْتُ كَمَا يَفْعَلُ) لقرأت كما يقرأ (٤) (وَرَجُلٌ) وخصلةُ رجلٍ
стр. 12934
(آتَاهُ اللهُ مَالًا فَهْوَ يُنْفِقُهُ فِي حَقِّهِ) من الصَّدقة الواجبة ووجوه الخير المشروعة، لا في التَّبذير ووجوه المكاره (فَيَقُولُ) الحاسد: (لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ) هذا من المال (عَمِلْتُ فِيهِ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ) من الإنفاق في حقِّه، قال في «شرح المشكاة»: أثبت الحسد في هذا الحديث لإرادة (١) المبالغة في تحصيل النِّعمتين الخطيرتين اللَّتين لو اجتمعتا في امرئٍ بلغ من العلياء كلَّ مكانٍ.
٧٥٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عينية (قَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ: (عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمرَ ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ) إحداهما: (رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ) -بمدِّ همزة «آتاه» - أي: أعطاه الله (القُرْآنَ فَهْوَ يَتْلُوهُ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «يقوم به» (آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ) ساعاتهما، وواحد الآناء -قال الأخفش-: أني مثل معي، وقيل: أنو، يُقال: مضى أنيان من اللَّيل وأنوان (وَ) ثانيتهما (٢) (رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ) (مَالًا فَهْوَ يُنْفِقُهُ) في حقِّه (آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَار) قال البغويُّ: المراد هنا من الحسد: الغِبطة وهي أن يتمنَّى الرَّجل مثل ما لأخيه من غير أن يتمنَّى زواله عنه، والمذموم أن يتمنَّى زواله وهو الحسد، ومعنى الحديث التَّرغيب في التَّصدُّق بالمال وتعليم العلم. انتهى.
قال عليُّ بن عبد الله المدينيُّ: (سَمِعْتُ سُفْيَانَ) ولأبوي الوقت وذرٍّ: «سمعت من سفيان» (مِرَارًا، لَمْ أَسْمَعْهُ يَذْكُرُ الخَبَرَ) أي: لم أسمعه بلفظ: «أخبرنا أو حدَّثنا الزُّهريُّ»، بل بلفظ: «قال»: (وَهْوَ) مع ذلك (مِنْ صَحِيحِ حَدِيثِهِ) فلا قدح فيه؛ إذ هو معلومٌ من الطُّرق الصَّحيحة، فعند الإسماعيليِّ عن أبي يَعلى عن أبي خيثمة قال: حدَّثنا سفيان هو ابن عيينة قال: حدَّثنا الزُّهريُّ عن سالمٍ به، وكذا هو في «مسلمٍ» عن أبي خيثمة زهير بن حربٍ، وقال في «الكواكب»:
стр. 12935
أورد البخاريُّ التَّرجمة مخرومةً؛ إذ ذكر من صاحب القرآن حال المحسود فقط، ومن صاحب المال حال الحاسد فقط، ولا لبسَ في ذلك؛ لأنَّه اقتصر على ذكر حامل القرآن حاسدًا ومحسودًا، وترك حال ذي المال.
وسبق الحديث في «العلم» [خ¦٧٣] و «فضائل القرآن» [خ¦٥٠٢٥] و «التَّمنِّي» [خ¦٧٢٣٢].
(٤٦) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾) ناداه بأشرف الصِّفات البشريَّة وقوله: ﴿بَلِّغْ﴾ (١) وهو قد بلَّغ (٢) فأجاب في «الكشَّاف» بأنَّ المعنى: جميع ما أُنزِل إليك، أي: أيَّ شيءٍ أُنزِل غير مراقبٍ في تبليغه أحدًا، ولا خائفٍ أن ينالك مكروهٌ، وقوله: ﴿مَا﴾ يحتمل أن تكون بمعنى «الذي»، ولا يجوز أن تكون نكرةً موصوفةً؛ لأنَّه مأمورٌ بتبليغ الجميع كما مرَّ، والنَّكرة لا تفي بذلك فإنَّ تقديرها: بلِّغ شيئًا أُنزِل إليك، وفي ﴿أُنزِلَ﴾ ضميرٌ مرفوعٌ يعود على ما قام مقام الفاعل (﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]) بلفظ الجمع، وهي قراءة نافعٍ وابن عامرٍ وأبي بكرٍ (٣)، أي: إن لم تفعل التَّبليغ، فحذف المفعول، ثمَّ إنَّ الجواب لا بدَّ وأن يكون مغايرًا للشَّرط لتحصل (٤) الفائدة، ومتَّى اتَّحدا اختلَّ الكلام ولم تحصل منه فائدةٌ،
стр. 12936
وكلام البلغاء يُصان عن ذلك (١)، فلو قلت: إن أتى زيدٌ فقد جاء، لم يجز، وظاهر قوله تعالى: ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ﴾ اتِّحاد الشَّرط والجزاء، فإنَّ المعنى يؤول ظاهرًا إلى (٢) «وإن لم تفعل لم تفعل» ولا معنى له (٣)، وأجاب النَّاس عن ذلك بأجوبةٍ، فقيل: هو أمرٌ بتبليغ الرِّسالة في المستقبل، أي: بلِّغ ما أُنزِل إليك من ربِّك في المستقبل، وإن لم تفعل -أي: وإن لم تبلِّغ الرِّسالة في المستقبل- فكأنَّك لم تبلِّغ الرِّسالة أصلًا، أو بلِّغ ما أُنزِل إليك من ربِّك الآن ولا تنتظر به كثرة الشَّوكة والعدَّة، فإن لم تبلِّغ كنت كمن لم (٤) يبلِّغ أصلًا، أو بلِّغ غير خائفٍ أحدًا، فإن لم تبلِّغ على هذا الوصف فكأنَّك لم تبلِّغ الرِّسالة أصلًا، ثمَّ قال مشجِّعًا له في التَّبليغ: ﴿وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] وقال البدر الدَّمامينيُّ في «مصابيحه»: وجه التَّغاير بين الشَّرط والجزاء: أنَّ الجزاء ممَّا أُقيم فيه السَّبب مقام المسبِّب؛ إذ عدُم التَّبليغ سببٌ لتوجيه العتب، وهذا المسبَّب (٥) في الحقيقة هو الجزاء، فالتَّغاير حاصلٌ، لكنَّ نكتة العدول عنه إلى ذكر السَّبب إجلالُ النَّبيِّ ﷺ وترفيع محلِّه عن أن يُواجَه بعتبٍ أو بشيءٍ (٦) ممَّا يتأثَّر منه ولو على سبيل الفرض، فتأمَّله. انتهى.
(وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ: (مِنَ اللهِ) (الرِّسَالَةُ، وَعَلَى رَسُولِ اللهِ) وللأَصيليِّ: «وعلى رسوله» (¬ ﷺ البَلَاغُ، وَعَلَيْنَا التَّسْلِيمُ) فلا بدَّ في الرِّسالة من ثلاثة أمورٍ: المرسِل والرَّسول والمرسَل إليه، ولكلٍّ منهم شأنٌ، فللمرسِل الإرسال، وللرَّسول التَّبليغ، وللمرسَل إليه القبول والتَّسليم، وهذا وقع في قصَّةٍ أخرجها الحميديُّ في «النَّوادر» ومن طريقه الخطيب.
(وَقَالَ: ﴿لِيَعْلَمَ﴾) ولأبي ذرٍّ: «وقال الله (٧) تعالى: ليعلم» أي: الله تعالى (﴿أَن قَدْ أَبْلَغُوا﴾) أي: الرُّسل (﴿رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن: ٢٨]) كاملةً بلا زيادةٍ ولا نقصانٍ إلى المرسَل إليهم، أي: ليعلم الله
стр. 12937
ذلك موجودًا حال وجوده كما كان يعلم ذلك قبل وجوده أنَّه يوجده، وقيل: ليعلم محمَّدٌ ﷺ أنَّ الرُّسل قبله قد بلَّغوا الرِّسالة، وقال القرطبيُّ: فيه حذفٌ يتعلَّق به الكلام، أي: اخترنا لحفظنا الوحي (١) ليعلم أنَّ الرُّسل قبله كانوا على مثل (٢) حالته من التَّبليغ بالحقِّ والصِّدق، وقيل: ليعلم إبليس أنَّ الرُّسل قد أبلغوا رسالات ربِّهم (٣) سليمةً من تخليطه واستراق أصحابه. (وَقَالَ) تعالى: (﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي﴾ [الأعراف: ٦٢]) أي: ما أُوحِي إليَّ في الأوقات المتطاولة (٤)، أو في المعاني المختلفة من الأوامر والنَّواهي والبشائر والنَّذائر والتَّبليغ فعلٌ، فإذا بلَّغ فقد فعل ما أُمِر به.
(وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ) الأنصاريُّ (حِينَ تَخَلَّفَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) في غزوة تبوك ممَّا سبق بطوله في «سورة التَّوبة» [خ¦٤٦٧٧] (﴿وَسَيَرَى اللّهُ﴾) وللأبوين (٥): «﴿فَسَيَرَى اللّهُ﴾» (﴿عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٩٤]) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «والمؤمنون» يشير إلى قوله في القصَّة، قال الله تعالى: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ (٦)﴾ … الآية، ومراد البخاريِّ تسمية ذلك كلِّه عملًا.
(وَقَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (إِذَا أَعْجَبَكَ حُسْنُ عَمَلِ امْرِئٍ فَقُلِ: ﴿اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥] وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ أَحَدٌ) بالخاء المعجمة وتشديد الفاء والنُّون، أي: لا يستخفنَّك أحدٌ (٧) بعمله فتسارع إلى مدحه وظنِّ الخير به، لكن تثبَّت حتَّى تراه عاملًا بما
стр. 12938
يرضاه الله ورسوله والمؤمنون، وصله البخاريُّ في «خلق أفعال العباد» مُطوَّلًا، وفيه ما كان من شأن عثمان حين نجم القرَّاء الذين طعنوا فيه، وقالوا قولًا لا يُحسَن مثله، وقرؤوا قراءةً لا يُحسَن مثلها، وصلَّوا صلاةً لا يُصلَّى مثلها … الحديث بطوله، والمراد: أنَّها سمَّت ذلك كلَّه عملًا.
(وَقَالَ مَعْمَرٌ) بفتح الميمين، بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ، هو أبو عبيدة بن المثنَّى اللُّغويُّ في «كتاب مجاز القرآن» له: (﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾) أي: (هَذَا القُرْآنُ) قال: وقد يخاطب (١) العرب (٢) الشَّاهد بمخاطبة الغائب، وقال في «المصابيح»: قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾: هذا (٣) القرآن، يعني: أنَّ الإشارةَ إلى الكتاب المرادُ به القرآن، وليس ببعيدٍ، فكان مقتضى الظَّاهر أن يُشار إليه بـ «هذا» لكن أتى «بذلك» الذي يُشار به إلى البعيد؛ لأنَّ القصد فيه إلى تعظيم المشار إليه وبُعْد درجته، قال: وفي كلام الزَّركشيِّ في «التَّنقيح» هنا خبطٌ. وقال تعالى: (﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]) أي: (بَيَانٌ وَدِلَالَةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللهِ﴾ [الممتحنة: ١٠] هَذَا حُكْمُ اللهِ) يعني: أنَّ «ذلك» بمعنى: «هذا» (﴿لاَّ رَيْبَ﴾) زاد أبوا ذرٍّ والوقت: «فيه» أي: (لَا شَكَّ).
(﴿تِلْكَ آيَاتُ (٤)﴾ [البقرة: ٢٥٢] يَعْنِي: هَذِهِ أَعْلَامُ القُرْآنِ) فاستعمل ﴿تِلْكَ﴾ التي للبعيد في موضع «هذه» التي للقريب (وَمِثْلُهُ) في الاستعمال قوله تعالى: (﴿حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [يونس: ٢٢] يَعْنِي بِكُمْ) فلمَّا شاع استعمال ما هو للبعيد للقريب جاز استعمال ما هو للغائب للحاضر.
(وَقَالَ أَنَسٌ) ﵁: (بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ خَالَهُ) وفي نسخةٍ «خالي» (حَرَامًا) أي: ابن ملحان أخا أمِّ سُلَيمٍ إلى بني عامرٍ (٥) (إِلَى قَوْمِه) بني عامرٍ، ولأبي ذرٍّ: «إلى قومٍ» (وَقَالَ) لهم حرامٌ:
стр. 12939
(أَتُؤْمِنُونِي) بسكون الهمزة وكسر الميم، أي: أتجعلوني آمنًا (أُبَلِّغُ رِسَالَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) فأمَّنوه (فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُمْ) عن النَّبيِّ ﷺ ؛ إذ أومؤوا إلى رجلٍ منهم فطعنه فقال: فزت وربِّ الكعبة.
وهذا وصله في «الجهاد» [خ¦٢٨٠١] و «المغازي» (١) [خ¦٤٠٩١].
٧٥٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ) الرُّخاميُّ البغداديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ) بفتح الرَّاء وكسر القاف المشدَّدة، قال: (حَدَّثَنَا المُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) التَّيميُّ، وقيل: إنَّ صوابه: «المُعمَّر» بتشديد الميم الثَّانية (٢) وفتحها وضمِّ الميم الأولى؛ لأنَّ عبد الله بن جعفرٍ لا يروي عن المعتمر بن سليمان، قاله في «المصابيح»، وقال الكِرمانيُّ: وفي بعضها «معمر» من التَّعمير، وصوابه «معتمرٌ» من الاعتمار، قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيُّ) بالمثلَّثة ثمَّ القاف ثمَّ الفاء و «عبد الله» (٣) بفتح العين، مكبَّرًا كذا في الفرع مكتوبًا على كشطٍ (٤)، قال الجيَّانيُّ: وكذا كان في نسخة الأَصيليِّ إلَّا أنَّه أصلحه: «عُبيد الله» بالتَّصغير، وقال: هو سعيد ابن عبد الله بن جبير بن حيَّة قال: (حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ المُزَنِيُّ) بالزَّاي (وَزِيَادُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ حَيَّةَ) بالحاء المهملة والتَّحتيَّة المشدَّدة (عَنْ) أبيه (جُبَيْرِ بْنِ حَيَّةَ، قَالَ المُغِيرَةُ) بن شعبة ﵁ لترجمان عامل كسرى بندارٍ لمَّا بعث عمر النَّاس في أفناء الأمصار، وخرج عليهم في أربعين ألفًا: (أَخْبَرَنَا نَبِيُّنَا ﷺ عَنْ رِسَالَةِ رَبِّنَا) ﵎: (إنَّهُ مَنْ قُتِلَ مِنَّا) في الجهاد (صَارَ إِلَى الجَنَّةِ) زاد في «الجزية» [خ¦٣١٥٩]: «في نَعِيمٍ لم يرَ مثلها قطُّ، ومن بقي منَّا ملك رقابكم … » الحديث بطوله.
стр. 12940
٧٥٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) بن أبي خالدٍ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيل (عَنْ مَسْرُوقٍ) بالسِّين المهملة السَّاكنة، ابن الأجدع (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كَتَمَ شَيْئًا؟ وَقَالَ مُحَمَّدٌ) يحتمل أن يكون هو محمَّد بن يوسف الفريابيّ، فيكون الحديث موصولًا، أو غيره فيكون معلَّقًا (حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ) عبد الملك (العَقَدِيُّ) بفتح العين والقاف، قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ) واسمه سعدٌ -على خلافٍ فيه- (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامرٍ (عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنَّها (قَالَتْ: مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَمَ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ فَلَا تُصَدِّقْهُ إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]) ووجه الاستدلال بالآية: أنَّ ما أُنزِل عامٌّ، والأمر للوجوب، فيجب عليه تبليغ كلَّ ما أُنزِل عليه، وقال في «الفتح»: كلُّ ما أُنزِل على الرَّسول فله بالنِّسبة إليه طرفان: طرف الأخذ من جبريل ﵇ وقد مضى في الباب السَّابق، وطرف الأداء للأمَّة وهو المسمَّى بالتَّبليغ، وهو المراد هنا، والله أعلم.
٧٥٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاءٍ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ) أبي ميسرة
стр. 12941
الهَمْدانيِّ، أنَّه (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ: (قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ) وفي «باب قول الله: ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً﴾ [البقرة: ٢٢]» [خ¦٤٤٧٧] «عن عبد الله -أي: ابن مسعودٍ-: سألت رسول الله ﷺ »: (أَيُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ (١) عِنْدَ اللهِ) تعالى؟ (قَالَ) ﵊: (أَنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًّا) شريكًا (وَهْوَ خَلَقَكَ، قَالَ: ثُمَّ أَيُّ) أي: أيُّ شيءٍ من الذُّنوب أكبر من ذلك؟ (قَالَ: ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ أَنْ) ولأبي ذرٍّ: «مخافة أن» (يَطْعَمَ مَعَكَ، قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: أَنْ) ولأبوي الوقت وذرٍّ: «ثمَّ أن» (تُزَانِيَ حَلِيلَةَ (٢) جَارِكَ) أي: زوجته (فَأَنْزَلَ اللهُ) ﵎ (تَصْدِيقَهَا: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ﴾) أي: لا يشركون (﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ﴾) قتلها (﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾) بِقَوَدٍ أو رجمٍ أو ردَّةٍ أو شِركٍ أو سعيٍ في الأرض بالفساد (﴿وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾) المذكور (﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾) جزاء الإثم (﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ﴾ الاية [الفرقان: ٦٩]) أي: يُعذَّب على مرور الأيَّام في الآخرة عذابًا على عذابٍ، قال في «الكواكب»: كيف وجَّه التَّصديق؟ يعني: في قوله: «فأنزل الله تصديقها» قلت: من جهة (٣) إعظام هذه الثَّلاثة (٤) حيث ضاعف لها العذاب وأثبت لها الخلود، وقال في «فتح الباري»: ومناسبة قوله: «فأنزل الله تصديقها … » إلى آخره للتَّرجمة أن التَّبليغ على نوعين: أحدهما -وهو الأصل- أن يُبلِّغه بعينه وهو خاصٌّ بالقرآن، الثَّاني: أن يُبلِّغ ما يستنبط من أصول ما تقدَّم إنزاله، فينزل عليه موافقته فيما استنبطه إمَّا بنصِّه، وإمَّا بما يدلُّ على موافقته بطريق الأولى كهذه الآية، فإنَّها اشتملت على الوعيد الشَّديد في حقِّ من أشرك، وهي مطابقةٌ بالنَّصِّ، وفي حقِّ من قتل النَّفس بغير حقٍّ، وهي مطابقةٌ للحديث بطريق الأولى؛ لأنَّ القتل بغير حقٍّ وإن كان عظيمًا لكنَّ قتل الولد أقبح من قتل من ليس بولدٍ، وكذا القول في الزنى فإنَّ الزنى بحليلة الجار أعظم قبحًا من مطلق الزنى، ويحتمل أن يكون إنزال هذه الآية سابقًا على إخباره ﷺ بما أُخْبرَ به، لكن لم يسمعه الصَّحابيُّ إلَّا بعد ذلك، ويحتمل أن يكون كلٌّ من الأمور الثَّلاثة نزل تعظيم الإثم فيها سابقًا، ولكن اختصَّت هذه الآية بمجموع
стр. 12942
الثلاثة في سياق واحد مع الاقتصار (١) عليها فيكون المراد بالتَّصديق الموافقة في الاقتصار عليها، فعلى هذا فمطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرٌ (٢) جدًّا، والله أعلم.
(٤٧) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا﴾ [آل عمران: ٩٣]) فاقرؤوها فالتِّلاوة مفسَّرةٌ بالعمل، والعمل من فعل العامل (وَ) بابُ (قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : أُعْطِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا بِهَا، وَأُعْطِيَ أَهْلُ الإِنْجِيلِ الإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا بِهِ، وَأُعْطِيتُمُ القُرْآنَ فَعَمِلْتُمْ بِهِ) وصله في آخر هذا الباب [خ¦٧٥٣٣] لكن بلفظ: «أُوتي» في الموضعين و «أُوتيتم».
(وَقَالَ أَبُو رَزِينٍ) براءٍ ثمَّ زايٍ بوزن «عظيمٍ» مسعود بن مالكٍ الأسديُّ الكوفيُّ التابعيُّ الكبير، في قوله تعالى: (﴿يَتْلُونَهُ﴾ [البقرة: ١٢١]) أي: «﴿حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾» كما في رواية أبي ذرٍّ (يَتَّبِعُونَهُ وَيَعْمَلُونَ بِهِ حَقَّ عَمَلِهِ) وصله سفيان الثوريُّ في «تفسيره».
(يُقَالُ: ﴿يُتْلَى﴾) أي: (يُقْرَأُ) قاله أبو عبيدة في «المجاز» في قوله تعالى: ﴿أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١] (حَسَنُ التِّلَاوَةِ) أي: (حَسَنُ القِرَاءَةِ لِلْقُرْآنِ) وكذا يُقال: رديء التِّلاوة، أي: القراءة، ولا يُقال: حسن القرآن ولا رديء القرآن، وإنَّما يُسنَد إلى العباد
стр. 12943
القراءة لا القرآن (١)؛ لأنَّ القرآن كلام الله، والقراءة فعل العبد.
(﴿لَّا يَمَسُّهُ﴾) من قوله تعالى: ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] أي: (لَا يَجِدُ طَعْمَهُ وَنَفْعَهُ إِلَّا مَنْ آمَنَ بِالقُرْآنِ) أي: المطهَّرون من الكفر (وَلَا يَحْمِلُهُ بِحَقِّهِ إِلَّا المُوقِنُ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «إلَّا المؤمن» بدل «الموقن» -بالقاف- أي: بكونه من عند الله، المتطهِّر من الجهل والشَّكِّ (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: ٥]).
(وَسَمَّى النَّبِيُّ ﷺ الإِسْلَامَ وَالإِيمَانَ) وزاد أبو ذرٍّ: «والصَّلاة» (عَمَلًا) في حديث سؤال جبريل السَّابق مرارًا، وفي الحديث المعلَّق في الباب.
(قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِبِلَالٍ: أَخْبِرْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ) بفتح الميم (عَمِلْتَهُ) بكسرها (فِي الإِسْلَامِ، قَالَ): يا رسول الله (مَا عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجَى عِنْدِي أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ) طهورًا (٢) في ساعةٍ من ليلٍ أو نهارٍ (إِلَّا صَلَّيْتُ) أي: بذلك الطَّهور (٣) ركعتين كما في بعض الرِّوايات، ودخول هذا الحديث هنا من جهة أنَّ الصَّلاة لا بدَّ فيها من القراءة، والحديث سبق غير مرَّةٍ [خ¦١١٤٩].
(وَسُئِلَ) النَّبيُّ ﷺ : (أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟) أي: أكثر ثوابًا عند الله (قَالَ: إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ الجِهَادُ) في سبيل الله (ثُمَّ حَجٌّ مَبْرُورٌ) مقبولٌ لا يخالطه إثمٌ.
والحديث سبق موصولًا في «الإيمان» في «باب من قال: إنَّ الإيمان هو العمل» [خ¦٢٦] فجعل ﷺ الإيمان والجهاد والحجَّ عملًا.
стр. 12944
٧٥٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقب عبد الله بن عثمان المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمٌ) هو ابن (١) عبد الله بن (٢) عمر (٣) (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) أبيه (¬﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَنْ سَلَفَ مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ) أجزاء (٤) وقت (صَلَاةِ العَصْرِ) المنتهية (إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، أُوتِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا بِهَا حَتَّى انْتَصَفَ النَّهَارُ، ثُمَّ عَجَزُوا) عن استيفاء عمل النَّهار كلِّه بأن ماتوا قبل النَّسخ (فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا) بالتَّكرار مرَّتين، وفيه كلامٌ سبق في «الصَّلاة» في «باب من أدرك ركعةً من العصر قبل الغروب» [خ¦٥٥٧] (ثُمَّ أُوتِيَ أَهْلُ الإِنْجِيلِ الإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا بِهِ) من نصف النَّهار (حَتَّى صُلِّيَتِ العَصْرُ، ثُمَّ عَجَزُوا) عن العمل، أي: انقطعوا (فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِيتُمُ القُرْآنَ فَعَمِلْتُمْ بِهِ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «حتَّى (٥) غروب الشَّمس» (فَأُعْطِيتُمْ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ) بالتَّثنية فيهما (فَقَالَ أَهْلُ الكِتَابِ) اليهود والنَّصارى: (هَؤُلَاءِ أَقَلُّ مِنَّا عَمَلًا وَأَكْثَرُ أَجْرًا، قَالَ اللهُ) : (هَلْ ظَلَمْتُكُمْ) نقصتكم (مِنْ حَقِّكُمْ) الذي شرطته لكم (شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَهْوَ) أي: كلّ ما أعطيه من الثَّواب (فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ).
والحديث سبق في «الصَّلاة» [خ¦٥٥٧] ومطابقته للتَّرجمة هنا في قوله: «أوتي أهل التَّوراة».
(٤٨) (بابٌ) بالتَّنوين بغير ترجمةٍ، فهو كالفصل من السَّابق (٦)، ولذا عطف عليه قوله: (وَسَمَّى النَّبِيُّ ﷺ الصَّلَاةَ عَمَلًا) في حديث الباب (وَقَالَ) ﷺ : (لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ
стр. 12945
الكِتَابِ) كما سبق موصولًا من (١) حديث عبادة بن الصَّامت في «الصَّلاة» في «باب وجوب القراءة للإمام (٢) والمأموم» [خ¦٧٥٦].
٧٥٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (سُلَيْمَانُ) بن حربٍ الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الوَلِيدِ) بن العَيْزَار، قال البخاريُّ: (وَحَدَّثَنِي) بالواو والإفراد (عَبَّادُ بْنُ يَعْقُوبَ) بفتح العين والموحَّدة المشدَّدة (الأَسَدِيُّ) قال: (أَخْبَرَنَا عَبَّادُ بْنُ العَوَّامِ) بتشديد الواو (عَنِ الشَّيْبَانِيِّ) سليمان بن فيروز أبي إسحاق الكوفيِّ (عَنِ الوَلِيدِ بْنِ العَيْزَارِ) بفتح العين المهملة وبعد الياء التَّحتيَّة السَّاكنة زايٌ فألفٌ فراءٌ (عَنْ أَبِي عَمْرٍو) بفتح العين، سعد بن إياسٍ (الشَّيْبَانِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) عبد الله (¬﵁: أَنَّ رَجُلًا) هو ابن مسعودٍ (سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا) أي: على وقتها أو في وقتها، وحروف الخفض ينوب بعضها عن بعضٍ عند الكوفيِّين (وَبِرُّ الوَالِدَيْنِ، ثُمَّ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ).
والحديث سبق بأطول من هذا في «الصَّلاة» [خ¦٥٢٧] وفي «الأدب» [خ¦٥٩٧٠].
(٤٩) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾: ضَجُورًا) كذا ثبت في هامش «اليونينَّة» بالحمرة من غير رقمٍ مع إثباته بعد قوله: «﴿هَلُوعًا﴾» وعن ابن عبَّاسٍ يفسِّره ما بعده (﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا. إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ [المعارج: ١٩ - ٢١] ﴿هَلُوعًا﴾) قال أبو عبيدة: (ضَجُورًا) وقال غيره: الهلع: سرعة الجزع عند مسِّ المكروه، و (٣) سرعة المنع عند مسِّ الخير، وسأل محمَّد بن
стр. 12946
عبد الله بن طاهرٍ (١) ثعلبًا عن الهلع فقال: قد فسَّره الله، ولا يكون تفسيرٌ أبين من تفسيره، وهو الذي إذا ناله شرٌّ أظهر شدَّة الجزع، وإذا ناله خيرٌ بخل به ومنعه النَّاس، وهذا طبعه، وهو مأمورٌ بمخالفة طبعه وموافقة شرعه.
٧٥٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن تَغْلِب -بفتح الفوقيَّة وسكون الغين المعجمة وكسر اللَّام- العبديُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ) الأزديُّ (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ أنَّه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ) بفتح العين وسكون الميم، و «تَغْلِب» بفتح الفوقيَّة وسكون المعجمة وكسر اللَّام بعدها موحَّدةٌ، النَّمَريُّ، بفتح النُّون والميم مُخفَّفًا (قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ مَالٌ فَأَعْطَى) ﵊ منه (٢) (قَوْمًا وَمَنَعَ آخَرِينَ، فَبَلَغَهُ أَنَّهُمْ عَتَبُوا) عليه (فَقَال) ﵊: (إِنِّي أُعْطِي الرَّجُلَ وَأَدَعُ الرَّجُلَ) أي: أترك إعطاءه (وَالَّذِي أَدَعُ) أترك (أَحَبُّ إِلَيَّ) بتشديد الياء (مِنَ الَّذِي أُعْطِي) ثمَّ بيَّن النبيُّ ﷺ ذلك بقوله (٣): (أُعْطِي أَقْوَامًا لِمَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الجَزَعِ وَالهَلَعِ) وهذا موضع التَّرجمة (وَأَكِلُ أَقْوَامًا إِلَى مَا جَعَلَ اللهُ) (فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الغِنَى وَالخَيْرِ) بكسر الغين والقصر من غير همزٍ (٤)، ضدَّ الفقر، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «من الغَناء» بفتح الغين والهمزة والمدِّ، من الكفاية (مِنْهُمْ: عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ فَقَالَ عَمْرٌو: مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِكَلِمَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) التي قالها (حُمْرَ النَّعَمِ) بفتح النُّون، قال ابن بطَّالٍ: مراد البخاريِّ في هذا الباب إثبات خلق الله للإنسان بأخلاقه من الهلع والصَّبر والمنع والإعطاء،
стр. 12947
وفيه: أنَّ المنع قد لا يكون مذمومًا ويكون أفضل للممنوع؛ لقوله: «وأَكِلُ أقوامًا» وهذه المنزلة التي شهد لهم (١) بها ﷺ أفضل من العطاء (٢) الذي هو عَرَضُ الدُّنيا، ولذا (٣) اغتبط به عمرٌو ﵁.
والحديث سبق في «الخمس» في «باب ما كان النَّبيُّ ﷺ يعطي المؤلَّفة قلوبهم» [خ¦٣١٤٥].
(٥٠) (بابُ ذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَرِوَايَتِهِ عَنْ رَبِّهِ) بدون واسطة جبريل ﵇، وقال في «الفتح»: يحتمل أن تكون الجملة الأولى محذوفة المفعول، والتَّقدير ذكر النَّبيِّ ﷺ ربَّه، ويحتمل أن يكون ضمَّن الذِّكر معنى التَّحديث، فعدَّاه بـ «عن» فيكون قوله: «عن ربِّه» يتعلَّق بالذِّكر والرِّواية (٤) معًا.
٧٥٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ) الملقَّب بصاعقة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ) بفتح الرَّاء وكسر الموحَّدة (الهَرَوِيُّ) قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ أَنَسٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَرْوِيهِ) أي: الحديث (عَنْ رَبِّهِ) ﵎ أنَّه (قَالَ) جلَّ وعلا: (إِذَا تَقَرَّبَ العَبْدُ إِلَيَّ) بتشديد الياء (شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّي) ولأبي الوقت: «إليَّ» (ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَإِذَا أَتَانِي مَشْيًا) وفي نسخةٍ: «يمشي» (أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً) أي: مسرعًا، أي: من تقرَّب بطاعةٍ قليلةٍ جازيته بثوابٍ كثيرٍ، ولفظ التَّقرُّب والهرولة إنَّما هو على طريق المشاكلة أو الاستعارة، أو المراد (٥) لازمهما.
стр. 12948
٧٥٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرْهَدٍ (عَنْ يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنِ التَّيْمِيِّ) سليمان ابن طرخان، وهذا هو الصَّواب، ووقع في «اليونينيَّة»: «التَّميميِّ» ولعلَّه سبق قلمٍ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵄ أنَّه (قَالَ -رُبَّمَا ذَكَرَ) أبو هريرة (النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِذَا تَقَرَّبَ العَبْدُ مِنِّي شِبْرًا) كذا للجميع ليس فيه الرِّواية عن الله، نعم عند الإسماعيليِّ من رواية محمَّد ابن أبي بكرٍ المقدَّميِّ عن يحيى بلفظ: عن أبي هريرة ذكر النَّبيَّ ﷺ قال: قال الله : «إذا تقرَّب العبد منِّي شبرًا» (١) (تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا، وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا) بالألف (أَوْ بُوعًا) بالواو -بالشَّكِّ- وهما بمعنًى، وقال الخطَّابيُّ: الباع معروفٌ وهو قدر مدِّ اليدين، وقال الباجي: الباع طول ذراعي الإنسان وعضديه وعرض صدره، وذلك قدر أربعة أذرعٍ، وهذا (٢) تمثيلٌ ومجازٌ؛ إذ حمله على الحقيقة محالٌ على الله تعالى، فوصفُ العبدِ بالتَّقرُّب إليه شبرًا وذراعًا وإتيانه ومشيه معناه: التَّقرُّب إلى ربِّه بطاعته وأداء مفترضاته (٣) ونوافله، وقربه (٤) تعالى من عبده وإتيانه ومشيه عبارةٌ عن إثابته على طاعته (٥) وتقريبه من رحمته (٦).
(وَقَالَ مُعْتَمِرٌ) هو ابن سليمان، التَّيميُّ، فيما وصله مسلمٌ: (سَمِعْتُ أَبِي) سليمان قال: (سَمِعْتُ أَنَسًا) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَرْوِيهِ) أي: الحديث السَّابق (عَنْ رَبِّهِ فصرَّح فيه بالرِّواية عن الله تعالى، والحديث الأوَّل كالثَّاني، لكن الثاني فيه أنَّ أنسًا يروي عن أبي هريرة،
стр. 12949
وفي الأوَّل أنسٌ يروي عن النَّبيِّ ﷺ ، وفي المعلَّق يروي المعتمر عن أبيه عن أنسٍ عن النَّبيِّ ﷺ .
٧٥٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ) القرشيُّ الجمحيُّ مولاهم أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّكُمْ) ﵎ أنَّه (قَالَ: لِكُلِّ عَمَلٍ) من المعاصي (كَفَّارَةٌ) توجب ستره وغفرانه (وَالصَّوْمُ لِي) لا يتعبَّد به لغيري (وَأَنَا أَجْزِي بِهِ) الصَّائم، وغير الصَّوم (٢) قد يفوَّض جزاؤه للملائكة (وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ) بضمِّ الخاء المعجمة: تغيُّر رائحة فمه بسبب خلاء معدته (أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ) والله تعالى منزَّهٌ عن الأطيبيَّة، فهو على سبيل الفرض يعني: لو فُرِض لكان أطيب منه، واستُشكِل بأنَّ دم الشَّهيد كريح المسك والخلوف أطيب، فيلزم منه (٣) أن يكون الصَّائم أفضل من الشَّهيد، وأُجيب بأنَّ منشأ الأطيبيَّة ربَّما يكون الطَّهارة؛ لأنَّ الخلوف طاهرٌ والدَّم نجسٌ.
والحديث سبق في «الصَّوم» [خ¦١٨٩٤].
٧٥٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بن الحارث بن سَخْبرة الأزديُّ، أبو عمر الحوضيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة السَّدوسيِّ.
(ح): للتَّحويل، قال المؤلِّف: (وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ) بن خيَّاطٍ: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) بضمِّ
стр. 12950
الزَّاي مصغَّرًا (عَنْ سَعِيدٍ) هو ابن أبي عَروبة، واللَّفظ لسعيدٍ (عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي العَالِيَةِ) رُفَيعٍ -بضمِّ الرَّاء وفتح الفاء وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة مهملةٌ- الرِّياحيِّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ) ﵎ أنَّه (قَالَ: لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّهُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أن يقول: أنا» (خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى) بفتح الميم والفوقيَّة المشدَّدة مقصورًا (وَنَسَبَهُ (١) إِلَى أَبِيهِ) جملةٌ حاليَّةٌ، أي: ليس لأحدٍ أن يفضِّل نفسه على يونس، أو ليس لأحدٍ أن يفضِّلني عليه تفضيلًا يؤدِّي إلى تنقيصه لا سيَّما إن توهَّم ذلك من قصَّة الحوت، فإنَّها ليست حاطَّةً من مرتبته العليَّة صلوات الله وسلامه على جميعهم وزادهم شرفًا، أو قاله تواضعًا، أو قاله قبل علمه بسيادته على الجميع، والدَّلائل متظاهرةٌ على تفضيله عليهم (٢).
والحديث سبق في «سورة النِّساء» [خ¦٤٦٠٤] و «الأنعام» [خ¦٤٦٣٠] وليس فيه: «فيما يرويه (٣) عن ربِّه» «ولا عن ربه» (٤) وكذا في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤١٣] عن حفص بن عمر بالسَّند المذكور، قال في «الفتح»: وقد أخرجه الإسماعيليُّ من رواية عبد الرَّحمن بن مهديٍّ ولم أرَ في شيءٍ من الطُّرق عن شعبة فيه: «عن ربِّه» ولا «عن الله» وقال السَّفاقسيُّ: ليس في أكثر الرِّوايات «يرويه عن ربِّه» فإن كان محفوظًا فهو من سوى النَّبيِّ ﷺ .
٧٥٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُرَيْجٍ) بالسِّين المهملة المضمومة آخره جيمٌ، هو أحمد ابن
стр. 12951
الصَّبَّاح أبو جعفر بن أبي سُرَيج النَّهشليُّ الرَّازيُّ قال: (أَخْبَرَنَا شَبَابَةُ) بالشِّين المعجمة وتخفيف الموحَّدة الأولى، ابن سَوِّارٍ -بفتح المهملة (١) وتشديد الواو- أبو عمر الفزاريُّ مولاهم قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ) بضمِّ القاف وتشديد الرَّاء المفتوحة، المزنيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ) بضمِّ الميم وفتح المعجمة وتشديد الفاء المفتوحة، ولأبي ذرٍّ: «المغفَّل» (المُزَنِيِّ) ﵁ أنَّه (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَوْمَ الفَتْحِ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ يَقْرَأُ سُورَةَ الفَتْحِ، أَوْ مِنْ سُورَةِ الفَتْحِ) بالشَّكِّ من الرَّاوي (قَالَ: فَرَجَّعَ فِيهَا) بتشديد الجيم، أي: ردَّد صوته بالقراءة (قَالَ) شعبة: (ثُمَّ قَرَأَ مُعَاوِيَةُ يَحْكِي قِرَاءَةَ ابْنِ مُغَفَّلٍ، وَقَالَ) معاوية: (لَوْلَا أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَيْكُمْ لَرَجَّعْتُ كَمَا رَجَّعَ ابْنُ مُغَفَّلٍ يَحْكِي (٢) النَّبِيَّ ﷺ ¬) قال ابن بطَّالٍ: فيه أنَّ القراءة بالتَّرجيع والألحان تجمع نفوس النَّاس إلى الإصغاء إليه، وتستميلها بذلك حتَّى لا تكاد (٣) تصبر عن استماع التَّرجيع المشوب بلذَّة الحكمة المهمَّة، قال شعبة: (فَقُلْتُ لِمُعَاوِيَةَ: كَيْفَ كَانَ تَرْجِيعُهُ (٤)؟ قَالَ: آ آ آ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) بهمزةٍ مفتوحةٍ بعدها ألفٌ، وهو محمولٌ على الإشباع في محلِّه، وسبقت مباحثه في «فضائل القرآن» [خ¦٥٠٣٤] وفيه: جواز القراءة بالتَّرجيع والألحان الملذَّذة للقلوب بحسن الصَّوت، ووجه دخول هذا الحديث في هذا الباب أنَّه ﷺ كان أيضًا يروي القرآن عن ربِّه، وقال الكِرمانيُّ: الرِّواية عن الرَّبِّ أعمُّ من أن تكون (٥) قرآنًا أو غيره، بالواسطة أو بدونها، لكنَّ المتبادر إلى الذِّهن المتداول على الألسنة كان بغير الواسطة.
(٥١) (باب مَا يَجُوزُ مِنْ تَفْسِيرِ التَّوْرَاةِ وَغَيْرِهَا مِنْ كُتُبِ اللهِ) كالإنجيل (بِـ) اللُّغة (العَرَبِيَّةِ وَغَيْرِهَا) من اللُّغات (لِقَوْلِ اللهِ (٦) تَعَالَى): ﴿قُلْ﴾ (﴿فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣]) ووجه
стр. 12952
الدَّلالة منها أنَّ التَّوراة بالعبرانيَّة، وقد أمر الله أن تُتلى على العرب وهم لا يعرفون العبرانيَّة، ففيه الإذن في التَّعبير عنها بالعربيَّة.
٧٥٤١ - (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سُفْيَانَ) صخر (بْنُ حَرْبٍ: أَنَّ هِرَقْلَ) ملك الروم قيصر (دَعَا تَُرْجُمَانَهُ) ولم يُسَمَّ (ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَرَأَهُ) فإذا فيه: (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ، و ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الاية [آل عمران: ٦٤]) وجه الدَّلالة منه أنَّه ﷺ كتب إلى هرقل باللِّسان العربيِّ، ولسان هرقل روميٌّ، ففيه إشعارٌ بأنَّه اعتمد في إبلاغه ما في الكتاب على من يترجم عنه بلسان المبعوث إليه ليفهمه، والمترجم المذكور هو التُّرجمان.
والحديث سبق مطوَّلًا في أوَّل «الصَّحيح» [خ¦٧].
٧٥٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحَّدة والمعجمة المشدَّدة ابن عثمان أبو بكرٍ العبديُّ مولاهم المعروف ببندارٍ قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) بضمِّ العين، ابن فارسٍ البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ المُبَارَكِ) الهنائيُّ (عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) بالمثلَّثة، الطَّائيِّ مولاهم (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ، الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: كَانَ أَهْلُ الكِتَابِ يَقْرَؤونَ التَّوْرَاةَ بِالعِبْرَانِيَّةِ) بكسر العين وسكون الموحَّدة (وَيُفَسِّرُونَهَا بِالعَرَبِيَّةِ لأَهْلِ الإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ) قال البيهقيُّ: فيه دليلٌ على أنَّ أهل الكتاب إن صدَّقوا ما (١) فسَّروا من كتابهم بالعربيَّة كان ذلك ممَّا أُنزِل إليهم على طريق
стр. 12953
التَّعبير عمَّا أُنزِل، وكلام الله واحدٌ لا يختلف باختلاف اللُّغات، فبأيِّ لسانٍ قُرِئ فهو كلام الله، ثمَّ أسند عن مجاهدٍ في قوله تعالى: ﴿لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] يعني: ومن أسلم من العجم وغيرهم، قال البيهقيُّ: وقد لا يكون يعرف العربيَّة، فإذا بلغه معناه بلسانه فهو له نذيرٌ (و ﴿قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ﴾ الاية [البقرة: ١٣٦]) والمراد: القرآن.
٧٥٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرْهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) ابن عُليَّة (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: أُتِيَ) بضمِّ الهمزة وكسر الفوقيَّة (النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ) لم يُسَمَّ، ولأبي ذرٍّ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أُتِي برجلٍ» (وَامْرَأَةٍ) قال ابن العربيِّ اسمها: بُسْرة، كلاهما (مِنَ اليَهُودِ قَدْ زَنَيَا فَقَالَ) ﷺ (لِلْيَهُودِ: مَا تَصْنَعُونَ بِهِمَا؟ قَالُوا: نُسَخِّمُ) بضمِّ النُّون وفتح السِّين المهملة وكسر الخاء المعجمة المشدَّدة، نسوِّد (وُجُوهَهُمَا وَنُخْزِيهِمَا) بضمِّ النُّون وسكون الخاء المعجمة وكسر الزَّاي، أي: نُركِبهما على حمارٍ معكوسين (١) وندور بهما في الأسواق (قَالَ) ﷺ لهم: (﴿فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ فَجَاؤُوْا) بها (فَقَالُوا لِرَجُلٍ مِمَّنْ يَرْضَوْنَ) هو عبد الله بن صوريَّا الأعور اليهوديُّ: (يَا أَعْوَرُ) منادًى غير مضاف (٢)، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «أعورَ» مجرورٌ بالفتحة، صفةٌ لـ «رجلٍ» والذي في «اليونينيَّة» بالرَّفع على أصل المنادى مع حذف الأداة (اقْرَأْ، فَقَرَأَ حَتَّى انْتَهَى إلَى مَوْضِعٍ مِنْهَا) من التَّوراة (فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ) على الموضع، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «عليها»
стр. 12954
على آية الرَّجم (قَالَ) له ابن سلامٍ: (ارْفَعْ يَدَكَ) عنها (فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهِ) في الموضع الذي وضع يده عليه (آيَةُ الرَّجْمِ تَلُوحُ) بالحاء المهملة (فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ عَلَيْهِمَا) ولأبوي الوقت وذر: «إن بينهما» (الرَّجْمَ، وَلَكِنَّا نُكَاتِمُهُ بَيْنَنَا) بضمِّ النُّون بعدها كافٌ، وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «نَتَكاتمه» بفتح النُّون والفوقيَّة والتَّذكير، أي: الرَّجم أيضًا، ولأبي ذرٍّ أيضًا عن الكُشْمِيهَنيِّ: «نتكاتمها» -بالتَّأنيث- أي: آية الرَّجم (فَأَمَرَ بِهِمَا) ﷺ (فَرُجِمَا). قال ابن (١) عمر ﵄: (فَرَأَيْتُهُ) يعني: اليهوديَّ المرجومَ (يُجَانِئُ) بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الجيم وبعد الألف نونٌ مكسورةٌ فهمزةٌ مضمومةٌ، يكبُّ (عَلَيْهَا) أي: على اليهوديَّة يقيها (الحِجَارَةَ).
والحديث سبق في آخر «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٦٣٥] وفي «باب الرَّجم بالبلاط» من «كتاب المحاربين» [خ¦٦٨١٩].
(٥٢) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : المَاهِرُ بِالقُرْآنِ) الجيِّد التِّلاوة مع الحفظ (مَعَ الكِرَامِ) وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «مع السَّفرة الكرام» (٢)، وله عن الحَمُّويي والمُستملي: «مَع سَفَرةِ الكرامِ» (البَرَرَةِ) بإضافة «سَفرة» لـ «الكرام» من باب إضافة الموصوف للصِّفة، و «السَّفرة» الكَتَبة، جمع سافرٍ مثل: كاتبٍ وزنًا ومعنًى وهم الكَتَبة الذين يكتبون من اللَّوح المحفوظ، و «الكرام»: المكرَّمون عند الله تعالى، و «البررة»: المطيعون المطهَّرون من الذُّنوب، وأصل هذا حديثٌ تقدَّم موصولًا في «التَّفسير» [خ¦٤٩٣٧] لكن بلفظ: «مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظٌ له مع السَّفرة الكرام البررة» قال الهرويُّ: والمراد بالمَهَارة بالقرآن: جودة الحفظ وجودة التِّلاوة من غير تردُّدٍ فيه؛ لكونه يسَّره الله تعالى عليه كما يسَّره على الملائكة، فكان مثلها في الحفظ والدَّرجة (وَ) قوله ﷺ : (زَيِّنُوا القُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ) بتحسينها،
стр. 12955
ومراد المؤلِّف إثبات كون التِّلاوة فعل العبد، فإنَّها يدخلها التَّرتيل والتَّحسين والتَّطريب، وهذا التَّعليق وهو «زيِّنوا … » إلى آخره وصله أبو داود وغيره.
٧٥٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزَّاي، أبو إسحاق الزُّبيريُّ (١) الأسديُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي، سلمة بن دينارٍ (عَنْ يَزِيدَ) من الزِّيادة ابن عبد الله بن أسامة بن الهاد اللَّيثيِّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) التَّيميِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ) أي: ما استمع الله لشيءٍ (مَا أَذِنَ) ما استمع (لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ بِالقُرْآنِ) حال كونه (يَجْهَرُ بِهِ) ولا بدَّ من تقدير مضافٍ عند قوله: «لنبيٍّ» أي (٢): لصوت (٣) نبيٍّ، والنَّبيُّ جنسٌ شائعٌ في كلِّ نبيٍّ، فالمراد «بالقرآن» القراءة، ولا يجوز أن يحمل الاستماع على الإصغاء؛ إذ هو مستحيلٌ على الله تعالى، بل هو كنايةٌ عن تقريبه وإجزال ثوابه؛ لأنَّ سماع الله تعالى لا يختلف.
٧٥٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بن عبد الله بن بُكيرٍ، بضمِّ الموحَّدة مصغَّرًا،