← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

(عَنْ قَيْسٍ) هو ابن أبي حازمٍ -بالحاء المُهمَلة- البجليِّ الكوفيِّ المُخضرَم، ويُقال: له رؤيةٌ، قال في «التَّقريب»: قيس بن أبي حازمٍ، يُقال: له رؤيةٌ، ويُقال (١): إنَّه يروي عن العشرة، تُوفِّي بعد التِّسعين أو قبلها، وقد جاوز المئة وتغيَّر (٢) (عَنْ جَرِيرٍ) البجليِّ ﵁، ولأبي الوقت والهرويِّ والأَصيليِّ: «عن (٣) جرير بن عبد الله» (قَالَ: كُنَّا مَعَ) وفي روايةٍ وهي في «اليونينيَّة» فقط (٤): «عِنْدَ» (النَّبِيِّ ﷺ ، فَنَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةً) أي: في ليلةٍ من اللَّيالي (يَعْنِي: البَدْرَ) وسقط «يعني البدر» عند الأربعة، وهو كذلك عند مسلمٍ كالمؤلِّف من وجهٍ آخر (فَقَالَ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ) (كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ) رؤيةً مُحقَّقةً لا تشكُّون فيها و (٥) (لَا تُضَامُونَ) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وتخفيف الميم، أي: لا ينالكم ضيمٌ في رؤيته، أي: تعبٌ

стр. 1752

أو ظلمٌ فيراه بعضكم (١) دون بعضٍ بأن يدفعه عن الرُّؤية ويستأثر بها، بل تشتركون (٢) في الرُّؤية، فهو تشبيهٌ للرُّؤية بالرُّؤية، لا للمرئيِّ بالمرئيِّ، ورُوِي: «لا تَضامُّون» بفتح أوَّله مع التَّشديد، من الضَّمِّ، أي: لا ينضمُّ بعضكم إلى بعضٍ وقت النَّظر لإشكاله وخفائه، كما تفعلون عند النَّظر إلى الهلال ونحوه، وفي روايةٍ: «أوْلاتضامون، لا تُضاهُّون» بالهاء بدل الميم، على الشَّكِّ، أي: لا يشتبه عليكم وترتابون (٣) فيعارض بعضكم بعضًا (فِي رُؤْيَتِهِ) تعالى (فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَلَّا تُغْلَبُوا) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول، بأن تستعدُّوا لقطع أسبابها، أي: الغلبة (٤) المنافية للاستطاعة كنومٍ وشغلٍ مانعٍ (عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا) يعني: الفجر والعصر كما عند «مسلمٍ» (فَافْعَلُوا) عدم المغلوبيَّة الَّتي لازمها الصَّلاة، كأنَّه قال: صلُّوا في هذين الوقتين (ثمَّ قَرَأَ) ﵊: (﴿وَسَبِّحْ﴾) كما هو ظاهر السِّياق، أو هو جريرٌ الصَّحابيُّ كما عند «مسلمٍ» فيكون مُدرَجًا، وللهرويِّ وأبي الوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «فسبِّح» بالفاء، لكنَّ التِّلاوة: ﴿وَسَبِّحْ﴾ بالواو (﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾) أي: نزِّهه عن العجز عمَّا يمكن، والوصف بما يوجب التَّشبيه حامدًا له على ما أنعم عليك (﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]) يعني: الفجر والعصر، وقد عُرِفت فضيلة الوقتين على غيرهما ممَّا سيأتي -إن شاء الله تعالى- من ذكر اجتماع الملائكة فيهما، ورفع الأعمال … إلى غير ذلك، وقد ورد: أنَّ الرِّزق يُقسَم بعد صلاة الصُّبح، وأنَّ الأعمال تُرفَع آخر النَّهار، فمن

стр. 1753

كان حينئذٍ في طاعة ربِّه بُورِك له في رزقه وعمله، وأعظم من ذلك، بل من (١) كلِّ شيءٍ وهو مُجازاة المُحافَظة عليهما بأفضل العطايا، وهو النَّظر إلى وجه الله تعالى، كما يشعر به سياق الحديث (قَالَ إِسْمَاعِيلُ) ابن أبي خالدٍ في تفسيره (٢): (افْعَلُوا لَا تَفُوتَنَّكُمْ) بنون التَّوكيد، أي (٣): هذه الصَّلاة، وفي روايةٍ: «لا يفوتنَّكم» بالمُثنَّاة التَّحتيَّة. ومباحث هذا الحديث تأتي إن شاء الله تعالى، ورواته الخمسة (٤) ما بين مكيٍّ وكوفيٍّ، وفيه: تابعيٌّ عن تابعيٍّ، والتَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦٥٧٣] و «التَّفسير» [خ¦٤٨٥١] و «التَّوحيد» [خ¦٧٤٣٤]، ومسلمٌ في «الصَّلاة» وأبو داود. ٥٥٥ - وبه قال: (حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: حدَّثنا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «أخبرنا» (مَالِكٌ) إمام دار الهجرة، ابن أنسٍ (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان القرشيِّ المدنيِّ (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمزٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: يَتَعَاقَبُونَ) أي: الملائكة يتعاقبون بأن تأتيَ طائفةٌ عقب الأخرى على باب «المُفاعَلة» (فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ) كذا أخرجه المؤلِّف بهذا اللَّفظ، وأخرجه في «بدء الخلق» [خ¦٣٢٢٣] من طريق شعيب بن أبي حمزة بلفظ: «الملائكة يتعاقبون، ملائكةٌ باللَّيل وملائكةٌ بالنَّهار» وحينئذٍ ففي سياقه هنا إضمار الفاعل، كأنَّ الرَّاوي اختصر المسوق هنا من المذكور

стр. 1754

في «بدء الخلق»، فـ «ملائكةٌ» المُنكَّر بدلٌ من الضَّمير أو بيانٌ، كأنَّه قِيلَ: من هم؟ فقِيلَ: هم (١) ملائكةٌ، وهذا مذهب سيبويه فيه وفي نظائره، وإلى ذلك ذهب أبو حيَّان والسُّهيليُّ،

стр. 1755

وناقشه أبو حيَّان بأنَّ هذه الطريق اختصرها الرَّاوي، واحتجَّ بحديث أبي هريرة من وجهٍ آخر عند البزَّار: «إنَّ لله ملائكةً يتعاقبون فيكم، ملائكة باللَّيل، وملائكة بالنَّهار»، وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّها دعوى لا دليل عليها، فلا يُلتفَت إليها. انتهى. فليُتأمَّل مع ما مرَّ. نعم شُوحِحَ في العزوِ إلى «مُسنَد البزَّار» مع كونه في «الصَّحيحين» بهذا اللَّفظ، فالعزو إليهما أَوْلى، وبالجملة فوقع في طرق (١) الحديث ما يدلُّ على أنَّه اختُلِف فيه على أبي الزِّناد، فالظَّاهر أنَّه كان تارةً يذكر (٢) هكذا، وتارةً يذكر هكذا، وذلك يقوِّي ما مرَّ أوَّلًا، وحمله ابن مالكٍ وغيره على لغة بني الحارث في: «أكلوني البراغيث»، فـ «الواو» علامة الفاعل المُذكَّر (٣) المجموع، وهي لغة فاشيةٌ، ونازعه أبو حيَّان بما مرَّ، و «التَّعاقب»: أن تأتي جماعةٌ عقب أخرى (٤)، ثمَّ تعود الأولى عقب الثَّانية، وتنكير «ملائكةٍ» في الموضعين ليفيد أنَّ الثَّانية غير الأولى، كما قِيلَ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا. إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الانشراح: ٥ - ٦]: إنَّه استئنافٌ، وَعَدَه تعالى (٥) بأنَّ اليسر (٦) مشفوعٌ

стр. 1756

بيسرٍ آخر لقوله (١): «لن يغلب عسرٌ يسرين»، فإنَّ «العسر» مُعرَّفٌ فلا يتعدَّد، وسواءٌ كان للعهد أو للجنس، و «اليسر» مُنكَّرٌ، فيحتمل أن يُراد بالثَّاني فردٌ ما (٢) يغاير ما أُريد بالأوَّل، والمراد بـ «الملائكة» الحفظة عند الأكثرين، وتُعقِّب بأنَّه لم يُنقَل أنَّ الحفظة يفارقون العبد، ولا أنَّ حفظة اللَّيل غير حفظة النَّهار (وَيَجْتَمِعُونَ فِي) وقت (صَلَاةِ الفَجْرِ وَ) وقت (صَلَاةِ العَصْرِ) فإن قلت: التَّعاقب يغاير الاجتماع؟ أُجيب بأنَّ تعاقب الصِّنفين لا يمنع اجتماعهما لأنَّ التَّعاقب أعمُّ من أن يكون معه اجتماعٌ (٣) كهذا (٤)، أوْ لا يكون معه اجتماعٌ كتعاقب الضِّدَّين، أوِ المُراد: حضورهم معهم الصَّلاة في الجماعة، فيُنزَّل على حالين، وتخصيص اجتماعهم في الورود وفي (٥) الصُّدور بأوقات العبادة تكرمةً للمؤمنين (٦) ولطفًا بهم لتكون شهادتهم بأحسن الثَّناء وأطيب الذِّكر، ولم يجعل اجتماعهم معهم في حال خلواتهم بلذَّاتهم، وانهماكهم على شهواتهم، فللَّه الحمد. (ثمَّ يَعْرُجُ) الملائكة (الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ) أيُّها المصلُّون، وذكر الَّذين باتوا دون الَّذين ظلُّوا إمَّا للاكتفاء بذكر أحد المثلين عن الآخر نحو: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أي: والبرد، وإمَّا لأنَّ طرفَي النَّهار يُعلَم من طرفَي اللَّيل، وإمَّا لأنَّه استعمل «بات» في «أقام» مجازًا، فلا يختصُّ ذلك بليلٍ دون نهارٍ، ولا نهارٍ دون ليلٍ، فكلُّ طائفةٍ منهم إذا صعدت سُئِلت،

стр. 1757

ويؤيِّد هذا ما رواه النَّسائيُّ عن موسى بن عقبة عن أبي الزِّناد: «ثمَّ يعرج الَّذين كانوا فيكم»، بل في حديث الأعمش عن أبي (١) صالحٍ عن أبي هريرة عند ابن خزيمة في «صحيحه» مرفوعًا ما يغني عن كثيرٍ من الاحتمالات، ولفظه: «يجتمع ملائكة اللَّيل وملائكة النَّهار في صلاة الفجر وصلاة العصر، فيجتمعون في صلاة الفجر، فتصعد ملائكة اللَّيل فتبيت (٢) ملائكة النَّهار، ويجتمعون في صلاة العصر، فتصعد ملائكة النَّهار وتبيت ملائكة اللَّيل». (فَيَسْأَلُهُمْ) تعبُّدًا لهم كما تعبَّدهم بكتب أعمالهم (وَهْوَ أَعْلَمُ بِهِمْ) أي: بالمصلِّين من الملائكة، فحذف صلة «أَفْعل» التَّفضيل، ولابن عساكر: «فيسألهم ربُّهم وهو أعلم بهم»: (كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ) الواو للحال، لكنَّه استُشكِل لأنَّه يلزم منه مفارقتهم قبل أن يشهدوها معهم، والحديث صرَّح بأنَّهم شهدوها معهم، وأُجيب بالحمل على شهودهم لها مع المصلِّي لها أوَّل وقتها، أوشهدوا من دخل فيها ومن شرع في أسبابها بعد ذلك، والمنتظر لها في حكم مصلِّيها، وهذا آخر الجواب عن سؤالهم: «كيف تركتم» ثمَّ زادوا في الجواب لإظهار فضيلة المصلِّين والحرص على ذكر (٣) ما يوجب مغفرة ذنوبهم فقالوا: (وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ) ولمَّا كان المراد الإخبار عن صلاتهم -والأعمال بخواتيمها- حَسُنَ أن يُخبِروا عن آخر أعمالهم قبل أوَّلها. ورواة هذا الحديث مدنيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف فتنِّيسيٌّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٢٩]، ومسلمٌ في «الصَّلاة» وكذا النَّسائيُّ فيها وفي «البعوث».

стр. 1758

(١٧) (بابُ) حكم (مَنْ) أي: الَّذي (أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ العَصْرِ) أي (١): من صلاتها (قَبْلَ الغُرُوبِ) وللأَصيليِّ: «قبل المغرب» ويحتمل أن تكون «من» شرطيَّةً حُذِف جوابها، وتقديره (٢): «فليتمَّ صلاته». ٥٥٦ - وبالسَّند قال: (حدَّثنا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَيْنٍ (قَالَ: حدَّثنا) وللأَصيليِّ: «أخبرنا» (شَيْبَانُ) بن عبد الرَّحمن التَّيميُّ (٣) (عَنْ يَحْيَى) ولأبي الوقت في نسخةٍ: «عن يحيى بن أبي كثيرٍ» بالمُثلَّثة (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) عبد الله بن عبد الرَّحمن (٤) بن عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً) أي: ركعةً، وهي إنَّما يكون تمامها بسجودها (مِنْ صَلَاةِ العَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ) وللأَصيليِّ: «قبل أن تغيب» (الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ) أداءً (وَإِذَا أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ) إجماعًا، خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: تبطل (٥) الصُّبح بطلوع الشَّمس لدخول وقت النَّهيِ، وهل هي أداءٌ أم قضاءٌ؟ الصَّحيح عندنا الأوَّل، أمَّا دون الرَّكعة فالكلُّ قضاءٌ عند الجمهور، والفرق أنَّ الرَّكعة تشتمل على مُعظَم أفعال الصَّلاة إذ مُعظَم الباقي كالتَّكرير لها، فجُعِل ما بعد الوقت تابعًا لها بخلاف ما دونها، وعلى القول بالقضاء يأثمُ المصلِّي بالتَّأخير إلى ذلك، وكذلك (٦) على الأداء (٧)

стр. 1759

نظرًا للتَّحقيق (١)، وقِيلَ: لا، نظرًا إلى الظَّاهر المستند إلى الحديث، وقوله: «فليتمَّ» جواب معنى الشَّرط المتضمِّن لـ «إذا» ولذا دخلت «الفاء». ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦٥٧٩]، وكذا النَّسائيُّ ومسلمٌ وابن ماجه. ٥٥٧ - وبه قال: (حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) وللأَصيليِّ: «ابن عبد الله الأويسيُّ» بضمِّ الهمزة نسبةً إلى أويسٍ (٢) أحد أجداده (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (إِبْرَاهِيمُ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «ابن سعْدٍ» بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ الزُّهريُّ القرشيُّ المدنيُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عمر (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطَّاب ﵄ (أنَّه أَخْبَرَهُ: أنَّه سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا) أي: إنَّما بقاؤكم بالنِّسبة إلى ما (سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ) أجزاء وقت (صَلَاةِ العَصْرِ) المنتهية (إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، أُوتِيَ) بضمِّ أوَّله وكسر ثالثه، أي: أُعطِي (أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا) زاد أبو ذَرٍّ: «بها» أي: بالتَّوراة (حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا) عن استيفاء

стр. 1760

عمل النَّهار كلِّه، من غير أن يكون لهم صنيعٌ (١) في ذلك، بل ماتوا قبل النَّسخ، وللأَصيليِّ: «ثمَّ عجزوا» (فَأُعْطُوا) أي: أُعطِي (٢) كلٌّ منهم (٣) أجره (قِيرَاطًا قِيرَاطًا) فالأوَّل مفعول «أعطى» الثَّاني، و «قيراطًا» الثَّاني تأكيدٌ، أوِ المعنى: أُعطُوا أجرهم حال كونه قيراطًا قيراطًا، فهو حالٌ،

стр. 1761

و (١) المعنى: أُعطُوا الأجر متساويين، وانتصاب الثَّاني على التَّأكيد عند الزَّجَّاج وغيره (٢)، وتعقَّبه ابن هشامٍ بأنَّه غير صالحٍ للسُّقوط فلا تأكيد، وقال (٣) أبو حيَّان: الأَوْلى (٤) انتصابه بالعامل في الأوَّل لأنَّ المجموع هو (٥) الحال، وعند أبي الفتح: انتصاب الثَّاني بالوصف، وتُعقِّب بأنَّ معناه ولفظه كالموصوف، فإنَّه جامدٌ، و «القيراط»: نصف دانقٍ، والمراد به (٦) النَّصيب (ثمَّ أُوتِيَ أَهْلُ الإِنْجِيلِ الإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا) من نصف النَّهار (إِلَى صَلَاةِ العَصْرِ، ثمَّ عَجَزُوا) عن العمل، أي: انقطعوا (فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثمَّ أُوتِينَا القُرْآنَ فَعَمِلْنَا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَأُعْطِينَا قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، فَقَالَ أَهْلُ الكِتَابَيْنِ) أي (٧): اليهود والنَّصارى، ولابن عساكر: «أهل الكتاب» بالإفراد على إرادة الجنس: (أَيْ) من حروف النِّداء، أي: يا (رَبَّنَا، أَعْطَيْتَ هَؤُلَاءِ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، وَأَعْطَيْتَنَا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، وَنَحْنُ كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلًا) لأنَّ الوقت من الصُّبح إلى الظُّهر أكثر من وقت العصر إلى الغروب، لكنَّ قول النَّصارى لا يصحُّ إلَّا على مذهب أبي حنيفة: لأنَّ (٨) وقت العصر بصيرورة الظِّلِّ مثليه، أمَّا على (٩) مذهب صاحبيه والشَّافعيِّ بمصير الظِّلِّ مثله فمشكلٌ، ويمكن أن يُجابَ بأنَّ مجموع عمل الطَّائفتين أكثر وإن لم يكن عمل

стр. 1762

أحدهما أكثر، أو إنَّه لا يلزم من كونهم أكثر عملًا أن يكون زمان عملهم أكثر لاحتمال كون العمل أكثر في الزَّمان الأقلِّ (قَالَ (١): قَالَ اللهُ : هَلْ ظَلَمْتُكُمْ) أي: نقصتكم (مِنْ أَجْرِكُمْ) أي: الَّذي شرطته لكم (مِنْ شَيْءٍ؟ قَالُوا: لَا) لم تنقصنا من أجرنا شيئًا (قَالَ: فَهْوَ) أي: كلُّ ما أعطيته (٢) من الثَّواب (فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ) فإن قلت: ما وجهُ مطابَقة الحديث للتَّرجمة؟ أُجيب: من قوله: «إلى غروب الشَّمس» فإنَّه يدلُّ على أنَّ وقت العصر إلى غروب الشَّمس، وأنَّ من أدرك ركعةً من العصر قبل الغروب فقد أدرك العصر في وقتها فليتمَّ، ولا يخفى ما فيه من التَّعسُّف. ورواة هذا الحديث الخمسة مدنيُّون (٣)، وفيه: التَّحديث والعنعنة والإخبار والقول والسَّماع، وتابعيٌّ عن تابعيٍّ، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الإجارة إلى نصف النهار» [خ¦٢٢٦٨] وفي «باب فضل القرآن» [خ¦٥٠٢١] وفي «التَّوحيد» [خ¦٧٤٦٧] وفي «باب ذكر بني إسرائيل» [خ¦٣٤٥٩]، ومسلمٌ والتِّرمذيُّ.

стр. 1763

٥٥٨ - وبه قال: (حدَّثنا أَبُو كُرَيْبٍ) بضمِّ الكاف، محمَّد بن العلاء (قَالَ: حدَّثنا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد ابن أسامة، بضمِّ الهمزة فيهما (عَنْ بُرَيْدٍ) بضمِّ المُوحَّدة آخره دالٌ مُهمَلةٌ، ابن عبد الله بن أبي بردة الكوفيِّ (عَنْ) جدِّه (أَبِي بُرْدَةَ) عامرٍ (عَنْ) أبيه (أَبِي مُوسَى) عبد الله بن (١) قيسٍ الأشعريِّ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه قال: (مَثَلُ المُسْلِمِينَ) «المَثَل» في الأصل بمعنى: النَّظير، ثمَّ استُعير (٢) لكلِّ حالٍ أو قصَّةٍ أو صفةٍ لها شأنٌ وفيها (٣) غرابةٌ لإرادة زيادة التَّوضيح والتَّقرير، فإنَّه أوقع في القلب وأقمع للخصم الألدِّ، يريك المُتخيَّل مُحققًّا (٤) والمعقول محسوسًا ولذا أكثر الله تعالى في كتابه الأمثالَ، وفَشَتْ في كلام الأنبياء، والمعنى هنا (٥): مَثَلُ المسلمين مع نبيِّهم (وَ) مثل (اليَهُودِ وَالنَّصَارَى) مع أنبيائهم (كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا يَعْمَلُونَ لَهُ عَمَلًا إِلَى اللَّيْلِ) فالمَثَل مضروبٌ للأمَّة مع نبيِّهم، والمُمثَّل به الأجراء مع من استأجرهم (فَعَمِلُوا إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ، فَقَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى أَجْرِكَ) أي: لا حاجة لنا في أجرتك الَّتي شرطت لنا، وما عملناه باطل (فَاسْتَأْجَرَ) قومًا (آخَرِينَ) بفتح الخاء وكسر الرَّاء (٦) (فَقَالَ) لهم: (أَكْمِلُوا) بهمزة قطعٍ وبالكاف وكسر الميم من الإكمال، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «اعْمَلوا» بهمزة وصلٍ وبالعين

стр. 1764

بدل الكاف وفتح الميم (بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ، وَلَكُمُ الَّذِي شَرَطْتُ) لهؤلاء من الأجر (فَعَمِلُوا، حَتَّى إِذَا كَانَ حِينَ صَلَاةِ العَصْرِ) بنصب «حينَ» خبر «كان» أي: كان الزَّمان زمان حين الصَّلاة، أو بالرَّفع على أنَّ «كان» تامَّةٌ (قَالُوا: لَكَ مَا عَمِلْنَا) باطلٌ، و (١) ذلك الأجر (٢) الَّذي شرطت لنا لا حاجة لنا فيه، فقال: أكملوا بقيَّة يومكم، فإنَّه ما بقي (٣) من النَّهار إلَّا شيءٌ يسيرٌ، وخذوا أجركم، فأبَوا عليه، وفي «باب الإجارة إلى نصف النَّهار» [خ¦٢٢٦٨]: فغضبت (٤) اليهود والنَّصارى، أي: الكفَّار منهم (فَاسْتَأْجَرَ قَوْمًا) آخرين (فَعَمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ، وَاسْتَكْمَلُوا أَجْرَ الفَرِيقَيْنِ) الأوَّلين كلَّه (٥)، فهذا مَثَل المسلمين الَّذين قبلوا هدى الله وما جاء به الرَّسول ﵊، ومَثَل اليهود والنَّصارى الَّذين حرَّفوا وكفروا بالنَّبيِّ الَّذي بعد نبيِّهم بخلاف الفريقين السَّابقين في الحديث السَّابق، حيث أعطوا قيراطًا قيراطًا لأنَّهم ماتوا قبل النَّسخ، ولأنَّهم من أهل الأعذار لقوله: «فعجزوا». ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين كوفيٍّ وبصريٍّ، وفيه التَّحديث والعنعنة والقول، ورواية الرَّجل عن جدِّه، ورواية الابن عن أبيه، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الإجارة» [خ¦٢٢٧١]. (١٨) (بابُ) بيان (وَقْتِ المَغْرِبِ، وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق في «مُصنَّفه» عن ابن جريجٍ عنه: (يَجْمَعُ المَرِيضُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ) وبه قال أحمد وإسحاق مُطلَقًا وبعض الشَّافعيَّة، وجوَّزه مالكٌ بشرطه، والمشهور عن الشَّافعيِّ وأصحابه المنع، قال في «الرَّوضة»: المعروف في المذهب أَنَّه لا يجوز الجمع بالمرض والوحل، وقال جماعةٌ من

стр. 1765

أصحابنا: يجوز بالمرض والوحل، وممَّن قاله (١): الخطَّابيُّ والقاضي الحسين، واستحسنه الرُّويانيُّ، ثمَّ قال النَّوويُّ: قلت: القول بجواز الجمع للمرض (٢) ظاهرٌ مختارٌ، فقد ثبت في «صحيح مسلمٍ» أنَّه ﷺ جمع بالمدينة من غير خوفٍ ولا مطرٍ. انتهى. قال في «المهمَّات»: وظاهره الميل إلى الجواز بالمرض، وقد ظفرت بنقله عن الشَّافعيِّ، كذا رأيته في «مُختصَر المزنيِّ»، وهو مُختصَرٌ لطيفٌ سمَّاه: «نهاية الاختصار» في (٣) قول الأستاذ (٤) الشَّافعيِّ، فقال: والجمع بين الصَّلاتين في السَّفر والمطر والمرض جائزٌ. هذه عبارته (٥). ٥٥٩ - وبالسَّند قال: (حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ) بكسر الميم، الجَمَّال (قَالَ: حدَّثنا الوَلِيدُ) بن مسلمٍ -بسكون السِّين وكسر اللَّام الخفيفة- الأمويُّ عالم الشَّام (قَالَ: حدَّثنا الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن بن عمرٍو (قَالَ: حدَّثنا) ولأبي الوقت وابن عساكر: «حدَّثني» بالإفراد (أَبُو النَّجَاشِيِّ) بنونٍ مفتوحةٍ وجيمٍ مُخفَّفةٍ وشينٍ مُعجَمةٍ (مَوْلَى رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ -و (٦) هُوَ عَطَاءُ بنُ صُهَيْبٍ-) بضمِّ الصَّاد مُصغَّرًا (قَالَ: سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ) بالفاء في «رافعٍ» والخاء المُعجَمة المفتوحة وكسر (٧)

стр. 1766

الدَّال المُهمَلة (١) في «خديجٍ» آخره جيمٌ، الأنصاريَّ الأوسيَّ المدنيَّ، كذا لأبي ذرٍّ والأَصيليِّ، ولأبي الوقت: «حدَّثني أبو النَّجاشيِّ مولى رافع بن خَديجٍ، واسمه: عطاء بن صُهَيْبٍ»، وفي روايةٍ: «أبو النَّجاشيِّ هو عطاء بن صُهَيْبٍ»، وفي روايةٍ بالفرع (٢): «أبو النَّجاشيِّ صهيبٌ»، والصَّواب الأوَّل، ولابن عساكر: «حدَّثني أبو النَّجاشيِّ قال: سمعت رافع بن خَديجٍ» حال كونه (يَقُولُ (٣): كُنَّا نُصَلِّي المَغْرِبَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أي: في أوَّل وقتها (فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا) من المسجد (وَإنَّه لَيُبْصِرُ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة، و «اللَّام» للتَّأكيد (مَوَاقِعَ نَبْلِهِ) حين يقع لبقاء الضَّوء، و «النَّبْل» بفتح النُّون وسكون المُوحَّدة، ولأحمد بإسنادٍ (٤) حسنٍ من طريق عليِّ بن بلالٍ عن ناسٍ من الأنصار قالوا: «كنَّا نصلِّي مع رسول الله ﷺ المغرب، ثمَّ نرجع فنترامى (٥) حتَّى نأتي ديارنا، فما تخفى علينا مواقع سهامنا»، وفيه دلالةٌ على تعجيلها وعدم تطويلها، وأمَّا الأحاديث الدَّالَّة على التَّأخير لقرب سقوط الشَّفق فلبيان الجواز. ورواة حديث الباب الخمسة ما بين رازيٍّ وشاميٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والقول والسَّماع، وأخرجه مسلمٌ وابن ماجه في «الصَّلاة».

стр. 1767

٥٦٠ - وبه قال: (حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح المُوحَّدة وتشديد المُعجَمة (قَالَ: حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو غندرٌ (قَالَ: حدَّثنا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سَعْدٍ) بسكون العين، ولغير (١) أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «عن سعد بن إبراهيم» أي: ابن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ لحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ) هو ابن أبي طالبٍ، و «عَمْرٌو» بفتح العين وسكون الميم (قَالَ: قَدِمَ الحَجَّاجُ) بفتح الحاء المُهمَلة وتشديد الجيم، ابن يوسف الثَّقفيُّ، وُلِّي المدينة أميرًا عليها من قِبَل عبد الملك بن مروان سنة أربعٍ وسبعين عقب قتل ابن الزُّبير، وكان يؤخِّر الصَّلاة (فَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ عن وقت الصَّلاة (فَقَالَ) جابرٌ: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالهَاجِرَةِ) أي: إِلَّا أن يحتاج إلى الإبراد لشدَّة الحرِّ (وَ) يصلِّي (العَصْرَ وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ) بالنُّون قبل القاف و (٢) بعدها مُثنَّاةٌ تحتيَّةٌ، أي: خالصةٌ صافيةٌ بلا تغُّيرٍ (وَ) يصلِّي (المَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ) أي: غابتِ الشَّمس، ولأبي عَوانة: «حين (٣) تجب الشَّمس» ولا يخفى أنَّ محلَّ دخول وقتها بسقوط (٤) قرص الشَّمس حيث (٥) لا يحول بين رؤيتها وبين الرَّائي حائلٌ (وَ) يصلِّي (العِشَاءَ أَحْيَانًا) يعجِّلها (وَأَحْيَانًا) يؤخِّرها، ويبيِّن (٦) هذا التَّقدير قوله: (إِذَا رَآهُمُ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ) العشاء لأنَّ في تأخيرها تنفيرهم (وَإِذَا رَآهُمْ أَبْطَؤوا أَخَّرَ) ها لإحراز الفضيلة في الجماعة وفي «اليونينيَّة»: «أبطوْا» بسكون الواو ليس

стр. 1768

إِلَّا (١)، ويأتي مزيدٌ لذلك -إن شاء الله تعالى- في «باب وقت (٢) العشاء إذا اجتمع النَّاس» [خ¦٥٦٥] (وَ) كان ﵊ يصلِّي (الصُّبْحَ) إذا (كَانُوا) أي (٣): الصَّحابة ﵃ مجتمعين يصلُّونها معه ﵊ بغلسٍ (أَوْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) منفردًا (يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ) ولا يصنع فيها مثل ما (٤) يصنع في العشاء، من تعجيلها إذا اجتمعوا، وتأخيرها إذا أبطؤوا، و «الغَلَس» بفتح اللَّام: ظلمة آخر اللَّيل، وقوله: «يصلِّيها بغلسٍ» بدلٌ من الأوَّل أو حالٌ، ويحتمل أن يكون شكًّا من الرَّاوي، وقال الحافظ ابن حجرٍ: إنَّه الحقُّ، ولفظ «مسلمٍ»: «والصُّبح كانوا، أو قال: كان النَّبيُّ ﷺ يصلِّيها بغلسٍ» (٥) فالتَّقدير (٦): كانوا يصلُّونها بغلسٍ، أو (٧) كان النَّبيُّ ﷺ يصلِّيها بغلسٍ (٨)، فحذف من الأوَّل لدلالة الثَّاني عليه، والمراد بهما واحدٌ لأنَّهم كانوا يصلُّون معه، فإمَّا أن يعود الضَّمير للكلِّ، أو له ﷺ وهم تبعٌ له، ويحتمل أن تكون «كان» تامَّةً غير ناقصةٍ بمعنى الحضور والوقوع، فيكون المحذوف ما بعد «أو» خاصَّةً، أي: أو لم يكونوا مجتمعين، قاله السَّفاقسيُّ.

стр. 1769

ورواة هذا الحديث السِّتَّة ما بين بصريٍّ ومدنيٍّ وكوفيٍّ، وفيه: تابعيَّان، والتَّحديث والعنعنة والقول والسُّؤال، وأخرجه أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦٥٦٥] وأبو داود والنَّسائيُّ. ٥٦١ - وبه قال: (حدَّثنا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن بشيرٍ البلخيُّ (قَالَ: حدَّثنا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ) بضمِّ العين وفتح المُوحَّدة، مولى سلمة (عَنْ سَلَمَةَ) بن الأكوع، الصَّحابيِّ ﵁ (قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ المَغْرِبَ إِذَا تَوَارَتْ بِالحِجَابِ) أي: غربت الشَّمس، شبَّه (١) غروبها (٢) بتواري المُخبَّأة بحجابها، وأضمرها من غير ذكرٍ اعتمادًا على قرينة قوله: «المغرب»، ولـ «مسلمٍ» عن يزيد بن أبي عبيدٍ: «إذا غربت الشَّمس وتوارت بالحجاب» قال الحافظ ابن حجرٍ: فدلَّ على أنَّ الاختصار في المتن من شيخ البخاريِّ. ورواة هذا الحديث ثلاثةٌ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ وابن ماجه. ٥٦٢ - وبه قال: (حدَّثنا آدَمُ) بن أبي إياسٍ (قَالَ: حدَّثنا (٣) شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: حدَّثنا عَمْرُو

стр. 1770

بْنُ دِينَارٍ) بفتح العين، المكيُّ الجمحيُّ مولاهم (قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ) الأزديَّ الجَوْفيَّ -بفتح الجيم وسكون الواو وبعدها فاءٌ- أبا الشَّعثاء البصريَّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ولغير الكُشْمِيْهَنِيِّ: «عن (١) عبد الله بن عبَّاسٍ» (قَالَ: صَلَّى) بنا (٢) (النَّبِيُّ ﷺ سَبْعًا) أي: سبع ركعاتٍ (جَمِيعًا، وَثَمَانِيًا) وفي روايةٍ: «وثماني» وفي نسخةٍ: «وثمانيةً» أي: ركعاتٍ (جَمِيعًا) أي: جمع بين الظُّهرين والمغربين، واللَّفظ محتملٌ للتَّقديم والتَّأخير، لكن حملُه على الثَّاني أَوْلى ليطابق التَّرجمة، وسبق الكلام على الحديث في «باب تأخير الظُّهر إلى العصر» [خ¦٥٤٣] والله المستعان (٣). (١٩) باب (مَنْ كَرِهَ أَنْ يُقَالَ لِلْمَغْرِبِ: العِشَاءُ).

стр. 1771

٥٦٣ - وبالسَّند قال: (حدَّثنا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين (-هُوَ: عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو-) بفتح العين وسكون الميم، المنقريُّ البصريُّ (١)، وسقط لفظ «هو» للأَصيليِّ (٢) (قَالَ: حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ) ابن سعيد بن ذكوان العنبريُّ مولاهم، التَّنُّوريُّ -بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وتشديد النُّون- البصريُّ (عَنِ الحُسَيْنِ) بن ذكوان المعلِّم المُكْتِب العَوْذِيِّ -بفتح المُهمَلة وسكون الواو بعدها مُعجمَةٌ- البصريِّ (قَالَ: حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ) بضمِّ المُوحَّدة وفتح الرَّاء، قاضي مرو (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ) بن مُغَفَّلٍ بالغين المُعجَمَة المفتوحة والفاء المُشدَّدة (المُزَنِيُّ: أَنَّ النَّبِيَّ) وللأَصيليِّ: «أنَّ رسول الله» (¬ ﷺ قَالَ: لَا تَغْلِبَنَّكُمُ) بالمُثنَّاة الفوقيَّة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «لا يغلبنَّكم» بالمُثنَّاة التَّحتيَّة (٣) (الأَعْرَابُ) سكَّان البوادي (عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمُ المَغْرِبِ) بالجرِّ صفةٌ لـ «صلاةٍ»، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «المغربُ» بالرَّفع، أي: لا تتَّبعوا الأعراب في تسميتهم لأنَّ الله تعالى سمَّاها مغربًا ولم يسمِّها عشاءً، وتسمية الله تعالى أَوْلى من تسميتهم، والسِّرُّ في النَّهي خوف الاشتباه على غيرهم من المسلمين، لكنَّ حديث: «لو تعلمون ما في العتمة» يوضِّح أنَّ النَّهي ليس للتَّحريم، أوِ المعنى:

стр. 1772

لا تغصب (١) منكم الأعراب، فالنَّهي في الظَّاهر للأعراب، وفي الحقيقة للعموم. (قَالَ: وَيَقُولُ) بالمُثنَّاة التَّحتيَّة، وثبتت الواو في (٢): «ويقول» للأَصيليِّ، وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: «وتقول» (الأَعْرَابُ هِيَ) أي: المغرب (العِشَاءُ) بكسر العين والمدِّ، وفي روايةٍ وهي الَّتي في «اليونينيَّة»: «قال: الأعراب تقول» لكنَّه رُقِمَ عليها علامة التَّقديم والتَّأخير، وجعل الكِرمانيُّ فاعل «قال» عبد الله المزنيَّ راوي الحديث، ونُوزِع فيه بأنَّه يحتاج إلى نقلٍ خاصٍّ لذلك، وإِلَّا فظاهر إيراد الإسماعيليِّ أَنَّه من تتمَّة الحديث، فإنَّه أورده بلفظ: «فإنَّ (٣) الأعراب تسمِّيها»، والأصل عدم الإدراج. ورواة الحديث الخمسة بصريُّون، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وهو من أفراد المؤلِّف. (٢٠) (بابُ ذِكْرِ العِشَاءِ وَالعَتَمَةِ) بفتحاتٍ والعين مُهمَلةٌ، وللأَصيليِّ: «أو العتمة» (وَمَنْ رَآهُ وَاسِعًا) أي: جائزًا.

стр. 1773

(قَالَ) وللهرويِّ: «وقال» (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ فيما وصله المؤلِّف في «باب فضل العشاء جماعةً» [خ¦٦٥٧]: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَثْقَلُ الصَّلاة عَلَى المُنَافِقِينَ العِشَاءُ وَالفَجْرُ) لأنَّه وقت راحة البدن (وَقَالَ) النَّبيُّ ﷺ لأبي (١) هريرة ممَّا (٢) وصله في «باب الاستهام (٣) في الأذان» [خ¦٦١٥]: (لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ وَالفَجْرِ) أي: لأتَوْهما ولو حَبْوًا، فسمَّاها ﵊ تارةً (٤) عشاءً وتارةً عتمةً (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي: البخاريُّ، وسقط للأَصيليِّ: (وَالاِخْتِيَارُ أَنْ يَقُولَ: العِشَاءُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى) ولأبي ذرٍّ: «لقول الله تعالى»: (﴿وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاء﴾ [النور: ٥٨] وَيُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله (عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريِّ (قَالَ: كُنَّا نَتَنَاوَبُ النَّبِيَّ ﷺ ¬) أي: نأتي نوبةً بعد نوبةٍ (عِنْدَ صَلَاةِ العِشَاءِ، فَأَعْتَمَ بِهَا) أي: أخَّرها حتَّى اشتدَّت ظلمة اللَّيل، وعن الخليل: «العتمة» اسمٌ لثلث اللَّيل الأوَّل بعد غروب الشَّفق، وإنَّما ساقه بصيغة التَّمريض لكونه رواه بالمعنى، قال البدر الدَّمامينيُّ كالزَّركشيِّ: وهذا أحد ما يُرَدُّ به (٥) على ابن الصَّلاح في (٦) دعواه أنَّ تعليقات البخاريِّ الَّتي يذكرها (٧) بصيغة التَّمريض لا تكون صحيحةً عنده. انتهى. وتعقَّبه البرماويُّ فقال: إنَّما قال: «لا تدلُّ على الصِّحَّة» ولم يقل: أنَّها تدلُّ على الضَّعف، وبينهما فرقٌ (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ ممَّا وصله في «باب النَّوم قبل العشاء» [خ¦٥٧١] (وَ) قالت (عَائِشَةُ) ﵂ ممَّا وصله أيضًا في «باب فضل العشاء» [خ¦٥٦٦]: (أَعْتَمَ النَّبِيُّ ﷺ بِالعِشَاءِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ عَنْ عَائِشَةَ) ممَّا وصله المؤلِّف في «باب خروج النِّساء إلى المساجد باللَّيل» [خ¦٨٦٤]:

стр. 1774

(أَعْتَمَ النَّبِيُّ ﷺ بِالعَتَمَةِ) أي: دخل في (١) وقتها، فهذه ثلاث تعليقاتٍ ذكر فيها «العتمة» و «أعتم»، ثمَّ أخذ يذكر تعليقاتٍ أخرى تشهد لذكر (٢) العشاء، فقال: (وَقَالَ جَابِرٌ) أي: ابن عبد الله الأنصاريُّ، ممَّا وصله في «باب وقت المغرب» [خ¦٥٦٠] وفي «باب وقت العشاء» [خ¦٥٦٥] مُطَوَّلًا: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي العِشَاءَ، وَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ) الأسلميُّ ممَّا وصله مُطَوَّلًا في «باب وقت العصر» [خ¦٥٤٧]: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُؤَخِّرُ العِشَاءَ، وَقَالَ أَنَسٌ) أي: ابن مالكٍ، ممَّا وصله مُطَوَّلًا في «باب العشاء إلى نصف اللَّيل» [خ¦٥٧٢]: (أَخَّرَ النَّبِيُّ ﷺ العِشَاءَ الآخِرَةَ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب ممَّا وصله في «الحجِّ» [خ¦١٦٦٨] (وَ) قال (أَبُو أَيُّوبَ) الأنصاريُّ ممَّا وصله في «حجَّة الوداع» [خ¦٤٤١٤] (وَ) قال (ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵃، ممَّا وصله في «تأخير الظُّهر إلى العصر» [خ¦٥٤٣]: (صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ المَغْرِبَ وَالعِشَاءَ). ٥٦٤ - وبالسَّند قال: (حدَّثنا عَبْدَانُ) بفتح أوَّله وسكون المُوحَّدة، واسمه عبد الله بن عثمان المروزيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المُبارَك (قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ

стр. 1775

الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم (١) ابن شهابٍ (قَالَ سَالِمٌ: أَخْبَرَنِي) بالتَّوحيد (٢)، أبي (عَبْدُ اللهِ) بن عمر بن الخطَّاب ﵄ (قَالَ: صَلَّى) إمامًا (لَنَا رَسُولُ اللهِ) وللهرويِّ: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ لَيْلَةً) من اللَّيالي (صَلَاةَ العِشَاءِ -وَهْيَ الَّتِي يَدْعُو النَّاسُ العَتَمَةَ-) فيه إشعارٌ بغلبة هذه التَّسمية عند النَّاس ممَّن لم يبلغهم النَّهي (ثمَّ انْصَرَفَ) ﵊ من الصَّلاة (فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا) بوجهه الكريم (فَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ) وللأربعة: «أرأيتكم» (لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ؟ فَإِنَّ رَأْسَ مِئَةِ سَنَةٍ مِنْهَا) أي: من ليلتكم (لَا يَبْقَى)

стр. 1776

أي: لا يعيش (مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ) بعدها أكثر من مئة سنةٍ، سواءٌ قلَّ عمره بعد ذلك أم لا، وليس فيه نفي عيش أحدٍ بعد تلك اللَّيلة فوق مئة سنةٍ، واحتجَّ به البخاريُّ وغيره على موت الخضر، وأجاب عنه الجمهور بأنَّه عامٌّ أُريد به الخصوص، و (١) أنَّ المراد بـ «الأرض» (٢): أرضه الَّتي نشأ منها ﵊ (٣)، وحينئذٍ فيكون الخضر في أرضٍ غير هذه، وقد تواترت أخبار كثيرين من العلماء والصُّلحاء باجتماعهم عليه ممَّا يطول ذكره، وسبق في «باب السَّمر بالعلم» [خ¦١١٦] مزيدٌ لذلك. ورواة الحديث السِّتَّة ما بين مروزيٍّ ومدنيٍّ وأَيْلِيٍّ، وفيه: تابعيٌّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه مسلمٌ في «الفضائل». (٢١) (بابُ) بيان (وَقْتِ) صلاة (العِشَاءِ إِذَا اجْتَمَعَ النَّاسُ أَوْ تَأَخَّرُوا). ٥٦٥ - وبالسَّند قال: (حدَّثنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الفراهيديُّ البصريُّ (قَالَ: حدَّثنا شُعْبَةُ) بن

стр. 1777

الحجَّاج (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بسكون العين، ابن عبد الرَّحمن بن عوفٍ الزُّهريِّ، قاضي المدينة (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو) بفتح العين (هُوَ) وللأَصيليِّ وابن عساكر: «وهو» (ابْنُ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ) أي: ابن أبي طالبٍ ﵃، وسقط «ابن عليٍّ» عند ابن عساكر (قَالَ: سَأَلْنَا) وفي روايةٍ: «سألت» (جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ ﵁ (عَنْ صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ) ولابن عساكر: «قال»: (كَانَ النَّبِيِّ ﷺ يُصَلِّي) وللأَصيليِّ: «كان يصلِّي» (الظُّهْرَ بِالهَاجِرَةِ) وقت شدَّة الحرِّ يهجر فيها النَّاس تصرُّفهم (وَ) يصلِّي (العَصْرَ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ) نقيَّةٌ بيضاءُ (وَ) يصلِّي (المَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ) أي: غابت الشَّمس (وَ) يصلِّي (العِشَاءَ: إِذَا كَثُرَ النَّاسُ عَجَّلَ) بصلاتها عقب غيبوبة الشَّفق الأحمر، كما عند الشَّافعيِّ ومحمَّدٍ وأبي يوسف، والأبيض عند أبي حنيفة، والأوَّل روايةٌ عن أبي حنيفة أيضًا وعليه الفتوى عند الحنفيَّة، وعليه إطباق أهل اللِّسان (وَإِذَا قَلُّوا أَخَّرَ) صلاتها، أي: إلى ثلث اللَّيل الأوَّل (١)، وهو اختيار كثيرٍ من الشَّافعيَّة، وبه قال مالكٌ وأحمدُ وأكثر الصَّحابة والتَّابعين، وهو قول الشَّافعيِّ في الجديد، وقال في «القديم»: تعجيلها أفضل، وصحَّحه النَّوويُّ وجماعةٌ، وفي قولٍ عند الشَّافعيَّة: تُؤخَّر لنصفه لحديث: «لولا أن أشقَّ على أمَّتي لأخَّرت صلاة العشاء إلى نصف اللَّيل» وصحَّحه الحاكم، ورجَّحه النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ»، وكلامه في «شرح المُهذَّب» يقتضي أنَّ الأكثرين عليه، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ تأخير الصَّلاة للجماعة أفضل من صلاتها أوَّل الوقت منفردًا، بل فيه أخصُّ من ذلك وهو أنَّ التَّأخير لانتظار من تكثر بهم الجماعة أفضل. نعم إذا فحش التَّأخير وشقَّ على الحاضرين فالتَّقديم أَوْلى (وَ) يصلِّي (الصُّبْحَ بِغَلَسٍ) بفتح اللَّام ظلمة آخر اللَّيل. وهذا الحديث سبق في «باب وقت المغرب» [خ¦٥٦٠].

стр. 1778

(٢٢) (بابُ فَضْلِ) صلاة (العِشَاءِ) أو فضل انتظارها. ٥٦٦ - وبالسَّند قال: (حدَّثنا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ المُوحَّدة وفتح الكاف، نسبةً (١) إلى جدِّه لشهرته به، وأبوه عبد الله المخزوميُّ (قَالَ: حدَّثنا اللَّيْثُ) بن سعدٍ المصريُّ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين، ابن خالدٍ الأَيْلِيِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (أَنَّ (٢) عَائِشَةَ) ﵂ (أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيْلَةً) من اللَّيالي (بِالعِشَاءِ) أي: أخَّر صلاتها، وكانت عادته ﵊ تقديمها (وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْشُوَ الإِسْلَامُ) أي: يظهر في غير المدينة، وإنَّما ظهر في غيرها بعد فتح مكَّة (فَلَمْ يَخْرُجْ) ﵊ (حَتَّى قَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ للنَّبيِّ ﷺ : (نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ) أي: الحاضرون في المسجد، وخصَّهم بالذِّكر دون الرِّجال لأنَّهم مظنَّة قلَّة الصَّبر عن النَّوم، ولـ «مسلمٍ»: «أعتم ﵊ حتَّى ذهب عامَّة اللَّيل، وحتَّى

стр. 1779

نام أهل المسجد» (فَخَرَجَ) ﵊ (فَقَالَ لأَهْلِ المَسْجِدِ: مَا يَنْتَظِرُهَا) أي: الصَّلاة في هذه السَّاعة (أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ غَيْرُكُمْ) وذلك إمَّا لأنَّه لا تُصلَّى حينئذٍ إِلَّا بالمدينة، أو لأنَّ (١) سائر الأقوام ليس في دينهم صلاةٌ في هذا الوقت (٢)، و «غيرُكم» بالرَّفع صفةٌ لـ «أحدٌ»، أو بالنَّصب على الاستثناء. ورواة هذا الحديث ستَّةٌ، وفيه: رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، والتَّحديث والعنعنة والإخبار والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «باب النَّوم قبل صلاة (٣) العشاء لمن غُلِبَ» [خ¦٥٦٩]، ومسلمٌ. ٥٦٧ - وبه قال: (حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) هو أبو كُرَيْبٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللهرويِّ وابن عساكر والأَصيليِّ: «حدَّثنا» (أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ بُرَيْدٍ) بضمِّ المُوحَّدة، ابن عبد الله بن أبي بردة الكوفيِّ (عَنْ) جدِّه (أَبِي بُرْدَةَ) عامرٍ (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ (قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأَصْحَابِي الَّذِينَ قَدِمُوا مَعِي فِي السَّفِينَةِ نُزُولًا) جمع نازلٍ، كشُهُودٍ وشاهدٍ

стр. 1780

(فِي بَقِيعِ بُطْحَانَ) وادٍ بالمدينة، وهو بضمِّ المُوحَّدة وسكون الطَّاء في رواية المحدِّثين، وقيَّده أبو عليٍّ في «بارعه» -كأهل اللُّغة- بفتح المُوحَّدة وكسر الطَّاء، وقال البكريُّ: لا يجوز غيره (وَالنَّبِيُّ ﷺ بِالمَدِينَةِ، فَكَانَ يَتَنَاوَبُ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَ صَلَاةِ العِشَاءِ كُلَّ لَيْلَةٍ نَفَرٌ مِنْهُمْ) عدَّة رجالٍ من ثلاثةٍ إلى عشرةٍ (فَوَافَقْنَا النَّبِيَّ ﷺ أَنَا وَأَصْحَابِي وَلَهُ بَعْضُ الشُّغْلِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ) تجهيز جيشٍ، كما في «مُعجَم الطَّبرانيِّ» من وجهٍ صحيحٍ، وجملة «وله بعض الشُّغل» حاليَّةٌ (فَأَعْتَمَ) ﵊ (بِالصَّلاة) أي: أخَّرها عن أوَّل وقتها (حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ) بهمزة وصلٍ ثمَّ مُوحَّدةٍ ساكنةٍ فهاءٍ فألفٍ فراءٍ مُشدَّدةٍ، أي: انتصف، أو طلعت نجومه واشتبكت، أو كثرت ظلمته، ويؤيِّد الأوَّل رواية: «حتَّى إذا كان قريبًا من نصف اللَّيل» (ثمَّ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَصَلَّى بِهِمْ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ لِمَنْ حَضَرَهُ: عَلَى رِسْلِكُمْ) بكسر الرَّاء وقد تُفتَح، أي: تأنَّوا (١) (أَبْشِرُوا) بقطع الهمزة من «أبشر» الرُّباعيِّ، أو همزة وصلٍ من «بشر» (إِنَّ) بكسر الهمزة على الاستئناف، وبفتحها بتقدير «الباء» أي: بأنَّ، لكن قال ابن حجرٍ: ووهم من ضبطها بالفتح، وفي روايةٍ: «فإنَّ» (مِنْ نِعْمَةِ اللهِ عَلَيْكُمْ أنَّه لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ يُصَلِّي هَذِهِ السَّاعَةَ

стр. 1781

غَيْرُكُمْ) بفتح همزة «أنَّه» وجهًا واحدًا؛ لأنَّها في موضع المُفرَد وهو اسم «أنَّ»، والجارُّ والمجرور خبرها، قُدِّم للاختصاص أي: أنَّ من نعمة الله عليكم انفرادكم بهذه العبادة. (أَوْ قَالَ) ﵊: (مَا صَلَّى هَذِهِ السَّاعَةَ أَحَدٌ غَيْرُكُمْ، لَا يَدْرِي) بالمُثنَّاة التَّحتيَّة، ولأبي الوقت وابن عساكر: «لا أدري» (أَيَّ الكَلِمَتَيْنِ قَالَ) ﵊. (قَالَ أَبُو مُوسَى) الأشعريُّ ﵁: (فَرَجَعْنَا) حال كوننا (فَرْحَى بِمَا سَمِعْنَا) أي: بالَّذي سمعناه (مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أي: من اختصاصنا بهذه العبادة الَّتي هي نعمةٌ عظيمةٌ مستلزمةٌ للمثوبة الجسيمة (١)، مع ما انضمَّ لذلك من صلاتهم لها خلف نبيِّهم، و «فَرْحى» بسكون الرَّاء بوزن «سكرى»، كما في رواية أبوَي ذَرٍّ والوقت فقط (٢)، ولابن عساكر: «فرَحًا» بفتح الرَّاء على المصدر، وللأَصيليِّ وابن عساكر وأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ (٣): «وفرِحْنا» بكسر الرَّاء وسكون الحاء، ولأبي ذرٍّ في نسخةٍ: «فَرحنا» بإسقاط الواو وفتح الرَّاء، وفي روايةٍ: «ففرحنا». ورواة هذا الحديث ما بين كوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه مسلمٌ في «الصَّلاة» وأبو داود والنَّسائيُّ من حديث أبي سعيدٍ، وكذا ابن ماجه (٤).

стр. 1782

(٢٣) (بابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ النَّوْمِ قَبْلَ) صلاة (العِشَاءِ). ٥٦٨ - وبالسَّند قال: (حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) بتخفيف اللَّام كذا في رواية الهرويِّ ووافقه ابن السَّكن، وفي أكثر الرِّوايات: «حدَّثنا محمَّدٌ» غير منسوبٍ، ورواية أبي ذرٍّ عيَّنته (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأربعة: «حدَّثنا» (عَبْدُ الوَهَّابِ) بن عبد المجيد بن الصَّلت (الثَّقَفِيُّ) البصريُّ (قَالَ: حدَّثنا خَالِدٌ) هو ابن مهران، أبو المَنازِل -بفتح الميم وكسر الزَّاي- البصريُّ (الحَذَّاءُ) بفتح الحاء (١) المُهمَلة وتشديد الذَّال المُعجَمة (عَنْ أَبِي المِنْهَالِ) بكسر الميم، سيَّار بن سلامة الرِّياحيِّ بالمُثنَّاة التَّحتيَّة (عَنْ أَبِي بَرْزَةَ) بفتح المُوحَّدة وسكون الرَّاء وفتح الزَّاي، نضلة الأسلميِّ ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ) كراهة تنزيهٍ (قَبْلَ) صلاة (العِشَاءِ) لأنَّ فيه تعريضًا لفوات وقتها باستغراق النَّوم. نعم من وكَّل به من يوقظه يُباح له (وَ) كان ﵊ يكره (الحَدِيثَ بَعْدَهَا) أي: المُحادَثة بعد العشاء خوف السَّهر (٢) وغلبة النَّوم بعده، فيفوت قيام اللَّيل، أو (٣) الذِّكر، أو الصُّبح. نعم لا كراهة فيما فيه مصلحة للدِّين كعلمٍ وحكاياتِ الصَّالحين، ومؤانسةِ الضَّيف والعروس.

стр. 1783

ورواة هذا (١) الحديث خمسةٌ، وفيه: التَّحديث والعنعنة. (٢٤) (بابُ) عدم كراهة (النَّوْمِ قَبْلَ) صلاة (العِشَاءِ لِمَنْ غُلِبَ) بضمِّ الغين وكسر اللَّام مبنيًّا للمفعول، أي: لمن غلب عليه النَّوم، فَخَرَجَ به من تعاطى ذلك مختارًا. ٥٦٩ - وبالسَّند قال: (حدَّثنا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ) القرشيُّ زاد في رواية أبي ذرٍّ (٢): «هو ابن بلالٍ» (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو بَكْرٍ) هو عبد الحميد بن عبد الله بن عبد الله (٣) بن أويسٍ الأصبحيُّ الأعشى (عَنْ سُلَيْمَانَ) القرشيِّ المدنيِّ (٤)، زاد في رواية أبوي ذَرٍّ والوقت: «هو ابن بلال» (قَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ) بفتح الكاف، المدنيُّ، ولأبي ذرٍّ: «قال: حدَّثنا صالح بن كيسان» قال (٥):

стр. 1784

(أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (أَنَّ) أمَّ المؤمنين (عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالعِشَاءِ) أي: أخَّر صلاتها ليلة (حَتَّى نَادَاهُ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁: (الصَّلاةَ) بالنَّصب على الإغراء (نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ) الَّذين بالمسجد (فَخَرَجَ) ﵊ (فَقَالَ) ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «وقال» (١): (مَا يَنْتَظِرُهَا) أي: الصَّلاة (أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ غَيْرُكُمْ). (قَالَ) أي: الرَّاوي وهو عائشة: (وَلَا تُصَلَّى) بضمِّ المُثنَّاة الفوقية وفتح اللَّام المُشدَّدة، أي: لا تُصلَّى العشاء في جماعةٍ، ولغير أبي ذرٍّ: «ولا يصلى» بالمُثنَّاة التَّحتيَّة (٢) (يَوْمَئِذٍ إِلَّا بِالمَدِينَةِ) (٣) لأنَّ من بمكَّة من المُستَضعفين كانوا يُسرُّون، وغير مكَّة والمدينة حينئذٍ (٤) لم يدخله الإسلام (وَكَانُوا) أي: النَّبيُّ ﷺ وأصحابه، ولأبوي الوقت وذَرٍّ والأَصيليِّ: «قال: وكانوا» (يُصَلُّونَ العِشَاءَ فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ) أي: الأحمر المُنصرِف إليه الاسم، وعند أبي حنيفة البياضُ دون الحمرة، وليس في «اليونينيَّة» ذكر: «العشاء» (٥)، وفي رواية: «فيما بين مغيب الشَّفق» (إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الأَوَّلِ) بالجرِّ صفةٌ لـ «ثُلث». ورواة هذا الحديث سبعةٌ، وفيه: رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيَّة، والتَّحديث والإخبار والقول.

стр. 1785

٥٧٠ - ٥٧١ - وبه قال: (حدَّثنا مَحْمُودٌ) زاد الأَصيليُّ: «يعني: ابن غَيْلان» بفتح الغين المُعجمَة، المروزيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأربعة: «حدَّثنا» (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام بن نافع الحميريُّ اليمانيُّ الصَّنعانيُّ مولاهم (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد، وللأربعة: «أخبرنا» (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ) مولى ابن عمر (قَالَ: حدَّثنا) وللأَصيليِّ: «حدَّثني» (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ شُغِلَ عَنْهَا) بضمِّ الشِّين مبنيًّا للمفعول، أي: شُغِل عن صلاة العشاء (لَيْلَةً) من اللَّيالي (فَأَخَّرَهَا حَتَّى رَقَدْنَا فِي المَسْجِدِ) أي: قعودًا ممكِّنين المقعدة من الأرض (١) أو مُضطجعين غير مستغرقين في النَّوم، أو مستغرقين ولكنَّهم (٢) توضَّؤوا،

стр. 1786

ولم يُنقَل اكتفاءً بأنَّهم لا يُصلُّون إلَّا متوضِّئين (ثمَّ اسْتَيْقَظْنَا، ثمَّ رَقَدْنَا ثمَّ اسْتَيْقَظْنَا) من النَّوم الخفيف، كالنُّعاس مع الإشعار، يقال: استيقظ من سَنَتِهِ وغفلته، أو هو على ظاهره من الاستغراق وعدم الشُّعور (ثمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ ¬) من الحجرة (ثمَّ قَالَ: لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ يَنْتَظِرُ الصَّلاة غَيْرُكُمْ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) ﵁ (لَا يُبَالِي أَقَدَّمَهَا) أي: أقدَّم (١) صلاة العشاء (أَمْ أَخَّرَهَا، إِذَا كَانَ لَا يَخْشَى أَنْ يَغْلِبَهُ النَّوْمُ عَنْ وَقْتِهَا، وَكَانَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «وقد كان» (يَرْقُدُ قَبْلَهَا) أي: صلاة العشاء، وحملوه على ما إذا لم يخش غلبة (٢) النوم عن وقتها، وفيه: أنَّ كراهة النَّوم قبلها للتَّنزيه، لا للتَّحريم. (قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بالإسناد السابق: (قُلْتُ لِعَطَاءٍ) أي: ابن أبي رباح، لا ابن يسارٍ كما قاله الحافظ ابن حجرٍ، أي: عمَّا (٣) أخبرني به نافعٌ (فَقَالَ) ولغير أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكرٍ: «وَقَالَ» أي: عطاءٌ لابن (٤) جريج: (سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (يَقُولُ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيْلَةً بِالعِشَاءِ) أي: بصلاتها (حَتَّى رَقَدَ النَّاسُ) أي: الحاضرون في المسجد (وَاسْتَيْقَظُوا، وَرَقَدُوا وَاسْتَيْقَظُوا، فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ) ﵁ (فَقَالَ: الصَّلاةَ) بالنَّصب على الإغراء (قَالَ) ولابن عساكر: «فقال» (عَطَاءٌ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄: (فَخَرَجَ نَبِيُّ اللهِ) ولابن عساكر: «النَّبيُّ» وللهرويِّ: «رسول الله» (¬ ﷺ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ الآنَ) حال

стр. 1787

كونه (يَقْطُرُ رَأْسُهُ (١) مَاءً) بالنَّصب على التَّمييز المُحوَّل عن (٢) الفاعل، أي: ماء رأسه، وحال كونه (وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ) وكان ﵊ قد اغتسل قبل أن يخرج، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «واضعًا يده على رأسي» وهو وهمٌ لما يأتي بعد (فَقَالَ) ﵊: (لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُصَلُّوهَا هَكَذَا) وفي نسخة: «كذا» أي: في هذا الوقت، قال ابن جريجٍ: (فَاسْتَثْبَتُّ عَطَاءً) أي: ابن أبي رباح (كَيْفَ وَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ كَمَا أَنْبَأَهُ) أي: أخبره (ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (فَبَدَّدَ) بالمُوحَّدة والدَّال المُكرَّرة المُشدَّدة (٣) أولاهما (٤)، أي: فرَّق (لِي عَطَاءٌ بَيْنَ أَصَابِعِهِ شَيْئًا

стр. 1788

مِنْ تَبْدِيدٍ، ثمَّ وَضَعَ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ عَلَى قَرْنِ الرَّأْسِ) أي: جانبه (ثمَّ ضَمَّهَا) أي: أصابعه، ولمسلم: «ثمَّ صبَّها» بالصَّاد المُهمَلة و (١) المُوحَّدة، قال القاضي عياض: وهو الصَّواب؛ فإنَّه يصف عصر الماء من الشَّعر باليد (يُمِرُّهَا كَذَلِكَ عَلَى الرَّأْسِ حَتَّى مَسَّتْ إِبْهَامُهُ طَرَفَ الأُذُنِ) بنصب «طرفَ» مفعول «مسَّت» (٢)، و «إبهامُه» فاعلٌ، ولغير الكُشْمِيْهَنِيِّ: «إبهاميه» بالتَّثنية منصوبٌ على المفعولية، و «طرفُ»: رُفِعَ على الفاعليَّة، وأنَّث الفعل المسند لـ «طرف» المُذكَّر لأنَّ المُضاف اكتسب التَّأنيث من المضاف إليه لشدَّة الاتصال بينهما (مِمَّا يَلِي الوَجْهَ عَلَى الصُّدْغِ) بضمِّ الصَّاد (وَنَاحِيَةِ اللِّحْيَةِ، لَا يُقَصِّرُ) بالقاف وتشديد الصَّاد المُهمَلة المكسورة، من التَّقصير، أي: لا يُبطِئ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ: «لا يعصر» بالعين المُهمَلة السَّاكنة مع فتح أوَّله وكسر ثالثه، قال ابن حجرٍ: والأوَّل هو الصَّواب. (وَلَا يَبْطُشُ) بضمِّ الطَّاء في «اليونينيَّة» (٣) أي: لا يستعجل (إِلَّا كَذَلِكَ، وَقَالَ) ﵊: (لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُصَلُّوا) وللهرويِّ وأبي الوقت: «أن يصلُّوها» أي: العشاء (هَكَذَا) أي: في هذا الوقت. ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين مروزيٍّ ويمانيٍّ ومكِّيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والقول، وأخرجه مسلمٌ في «الصَّلاة» وأبو داود في «الطَّهارة». (٢٥) (بابُ وَقْتِ) صلاة (العِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ) اختيارًا (وَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ) ممَّا سبق موصولًا في «باب وقت (٤) العصر» [خ¦٥٤٧] مُطوَّلًا: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَحِبُّ تَأْخِيرَهَا) أي:

стр. 1789

العشاء، وليس فيه تصريحٌ بقيد «نصف اللَّيل». ٥٧٢ - وبالسَّند قال: (حدَّثنا عَبْدُ الرَّحِيمِ) بن عبد الرَّحمن بن محمَّدٍ (المُحَارِبِيُّ) الكوفيُّ (قَالَ: حدَّثنا زَائِدَةُ) بالزَّاي، ابن قدامة، بضمِّ القاف (عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ) ابن أبي حُمَيْدٍ البصريِّ، المُتوفَّى وهو قائمٌ يصلِّي سنة اثنتين أو ثلاثٍ وأربعين ومئةٍ (عَنْ أَنَسٍ) ﵁، وللأَصيليِّ: «أنس (١) بن مالكٍ» (قَالَ: أَخَّرَ النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةَ العِشَاءِ) ليلةً (إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، ثمَّ صَلَّى) العشاء (ثمَّ قَالَ: قَدْ صَلَّى النَّاسُ) أي: المعهودون (وَنَامُوا، أَمَا) بالتَّخفيف للتَّنبيه (إِنَّكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُوهَا) أي: مدَّة انتظاركم، وظاهر هذا السِّياق أنَّ وقت العشاء يخرج بالنِّصف، والجمهور أنَّه وقت الاختيار، ورجَّح النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ» تأخيرها إليه.

стр. 1790

ورواة هذا الحديث الأربعة ما بين كوفيٍّ وبصريٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول. (وَزَادَ (١) ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) سعيد بن الحكم بن محمَّد بن سالم بن أبي مريم الجمحيُّ بالولاء المصريُّ فقال: (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الغافقيُّ بمُعجَمةٍ ثمَّ فاءٍ فقافٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (حُمَيْدٌ) الطَّويل (إنَّه سَمِعَ أَنَسًا) وللأَصيليِّ: «سمع أنس بن مالكٍ» (قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ خَاتَمِهِ) ﵊، بفتح الواو وكسر المُوحَّدة وبالصَّاد المُهمَلة، أي: بريقه
следующие страницы →