التَّوكيد (١) الثَّقيلة، وللأَصيليِّ: «فلا يبزق» (بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، فَإِنَّهُ) وللحَمُّويي والمُستملي: «فإنَّما» (يُنَاجِي رَبَّهُ) .
(٩) (بابُ) فضل (الإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ) أي: بصلاتها (فِي شِدَّةِ الحَرِّ) سقط «بابُ» للأَصيليِّ (٢).
٥٣٣ - ٥٣٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ) المدنيُّ، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «ابن سليمان بن بلالٍ» (قَالَ: حَدَّثَنَا) وللأَصيليِّ: «حدَّثني» (أَبُو بَكْرٍ) عبد الحميد بن أبي أويسٍ الأصبحيُّ (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن بلالٍ والد أيُّوب شيخ المؤلِّف (٣) (قَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ) بفتح الكاف (٤): (حَدَّثَنَا الأَعْرَجُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن هرمزٍ (وَغَيْرُهُ) قال الحافظ ابن حجرٍ: هو أبو (٥) سلمة بن عبد الرَّحمن فيما أظنُّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ).
(وَنَافِعٌ) بالرَّفع عطفًا على الأعرج (مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄ (أَنَّهُمَا) أي: أبا هريرة وابن عمر (حَدَّثَاهُ) أي: حدَّثا من حدَّث صالح بن كيسان، أو الضَّمير في «أنَّهما» للأعرج ونافعٍ، يعني أنَّ الأعرج ونافعًا حدَّثاه (٦)، يعني صالحَ بن كيسان عن شيخهما بذلك، ولابن عساكر وهو عند الإسماعيليِّ: «حدَّثا» بغير ضميرٍ، وحينئذٍ فلا يحتاج إلى التَّقدير
стр. 1717
المذكور (عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا) بقطع الهمزة وكسر الرَّاء (بالصَّلَاةِ) أي: بصلاة الظُّهر، كما في رواية أبي سعيدٍ، والمُطلَق يُحمَل على المُقيَّد، أي: أخِّروا صلاة الظُّهر عند شدَّة الحرِّ وعند إرادة صلاتها (١) بمسجد الجماعة حيث لا ظلَّ لمنهاجه في بلدٍ حارٍّ ندبًا عن وقت الهاجرة إلى حين يبرد النَّهار، فالتَّأخير إلى حين ذهاب شدَّة الحرِّ، لا إلى آخر بَرْدَي النَّهار -وهو برد العشيِّ- لأنَّه إخراجٌ عن الوقت، ولا في بلدٍ معتدلٍ، ولا لمن يصلِّي في بيته منفردًا، ولا لجماعة مسجدٍ لا يأتيهم غيرهم، ولا لمن كانت منازلهم قريبةً من المسجد، ولا لمن يمشون إليه من بُعدٍ في ظلٍّ، واستُدِلَّ به على استحباب الإبراد بالجمعة لدخولها في مُسمَّى الصَّلاة، ولأنَّ العلَّة -وهي شدَّة الحرِّ- موجودةٌ في وقتها، والأصحُّ أنَّه لا يبرِّد بها لأنَّ المشقَّة في الجمعة ليست في التَّعجيل بل في التَّأخير، والمُستحَبُّ لها التَّعجيل، و «الباء» في
стр. 1718
«بالصَّلاة» للتَّعدية، فالمعنى: أدخلوا الصَّلاة في البرد، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فأبردوا عن الصَّلاة»، فـ «عن» بمعنى «الباء» كـ ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] ورميت عن القوس، أو ضُمِّن «أبردوا» معنى التَّأخير، فعُدِّي بـ «عن» أي: إذا اشتدَّ الحرُّ فتأخَّروا عن الصَّلاة مبردين، أو أبردوا متأخِّرين عنها، وحقيقة التَّضمين: أن يقصد بالفعل معناه الحقيقيَّ مع فعلٍ آخر يناسبه، وقد استُشكِل هذا بأنَّ الفعل المذكور إن كان في معناه الحقيقيِّ فلا دلالة على الفعل الآخر، وإن كان في معنى الفعل الآخر فلا دلالة على معناه الحقيقيِّ، وإن كان فيهما جميعًا لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز، وأُجيب بأنَّه في معناه الحقيقيِّ، مع حذف حالٍ مأخوذٍ من الفعل الآخر بمعونة القرينة اللَّفظيَّة، وقد يُعكَس كما مثَّلناه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] أي: لتكبِّروه حامدين على ما هداكم، أو لتحمدوا الله مكبِّرين على ما هداكم، فإن قيل: صلة المتروك تدلُّ على زيادة القصد إليه، فجعله أصلًا وجعل المذكور حالًا وتبعًا أَوْلى، فالجواب: أنَّ ذكرصلته يدلُّ على اعتباره في الجملة، لا على زيادة القصد إليه إذ لا دلالة بدونه، فينبغي جعل الأوَّل أصلًا والتَّبع حالًا، قاله في «المصابيح» (فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ) أي: من سعة تنفُّس (جَهَنَّمَ) حقيقةً للحديث الآتي -إن شاء الله تعالى-[خ¦٥٣٧]:
стр. 1719
«فأذن لها بنفسين (١)» ولا يمكن حمله على المجاز ولو حملنا شكوى النَّار على المجاز لأنَّ الإذن لها في التَّنفُّس، ونشأة (٢) شدَّة الحرِّ عنه لا يمكن فيه التَّجوُّز، أو هو من مجاز التَّشبيه، أي: مثل نار جهنَّم، فاحذروه واخشوا ضرره، والأوَّل أَوْلى لاسيَّما والنَّار عندنا مخلوقةٌ، فإذا تنفَّست في الصَّيف للإذن لها قوَّى لهب نَفَسها حرَّ الشَّمس، و «الفاء» في «فإنَّ» للتَّعليل لأنَّ (٣) علَّة (٤) مشروعيَّة الإبراد شدَّة الحرِّ لكونه يسلب الخشوع، أو لأنَّه (٥) ساعةٌ تُسجَر فيها (٦) جهَنَّم، وعُورِض بأنَّ فعل الصَّلاة مظنَّة وجود الرَّحمة، وأُجيب بأنَّ التَّعليل من قِبَل الشَّارع يجب قبوله وإن لم يُدرَك معناه، وبأنَّ وقت ظهور أثر الغضب لا ينجع فيه الطَّلب إلَّا لمن أذن له، بدليل حديث الشَّفاعة إذ يعتذر كلُّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بغضب الله إِلَّا نبيُّنا -عليه أفضل الصَّلاة وأزكى السَّلام- المأذون له في الشَّفاعة.
ورواة هذا الحديث الثَّمانية مدنيُّون، وفيه: صحابيَّان وثلاثةٌ من التَّابعين، والتَّحديث والعنعنة والقول.
стр. 1720
٥٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ) بفتح المُوحَّدة وتشديد الشِّين (١) المُعجَمة، وللأربعة: «محمَّد ابن بشَّارٍ» المُلقَّب ببندارٍ العبديُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) اسمه محمَّد بن جعفرٍ، ابنُ امرأة شعبة (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ المُهَاجِرِ أَبِي الحَسَنِ) بضمِّ الميم بلفظ اسم الفاعل، وهو اسمٌ له وليس بوصفٍ، و «ال» فيه كالَّتي في «العبَّاس» (سَمِعَ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ) الهمدانيَّ الجهنيَّ (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) جندب بن جنادة الغفاريِّ الصَّحابيِّ ﵁ أنَّه (قَالَ: أَذَّنَ مُؤَذِّنُ النَّبِيِّ ﷺ ¬) بلالٌ (الظُّهْرَ) بالنَّصب، أي: في (٢) وقت الظُّهر، فحذف المضاف الَّذي هو الوقت وأُقيم الظُّهر مقامه، وبهذا يُرَدُّ على الزَّركشيِّ حيث قال: إنَّ الصَّواب «بالظُّهر»، أو (٣) «للظُّهر» (فَقَالَ) ﵊ لبلالٍ ﵁: (أَبْرِدْ أَبْرِدْ) مرَّتين (أَوْ قَالَ) ﵊: (انْتَظِرِ انْتَظِرْ) مرَّتين كذلك، فإن قلت: الإبراد للصَّلاة، فكيف أمر المؤذِّن به للأذان؟ أُجيب بأنَّه مبنيٌّ (٤) على أنَّ الأذان هل هو للوقت أو للصَّلاة؟ وفيه خلافٌ مشهورٌ، وظاهر هذا يقوِّي القول بأنَّه
стр. 1721
للصَّلاة؛ لأنَّ الأذان قد وقع وانقضى، أو (١) أنَّ المراد بالأذان الإقامة، ويؤيِّده حديث التَّرمذيِّ بلفظ: «فأراد بلالٌ أن يقيم»، وفي رواية البخاريِّ الآتية -إن شاء الله تعالى- في التَّالي: فأراد المؤذِّن أن يؤذِّن للظُّهر، فقال له: «أبرد» [خ¦٥٣٩] وهي تقتضي أنَّ الإبراد راجعٌ إلى الأذان، وأنَّه منعه من الأذان في ذلك الوقت (وَقَالَ) ﵊: (شِدَّةُ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلَاةِ) أي: إذا اشتدَّ الحرُّ فتأخَّروا عن الصَّلاة مبردين، قال أبو ذَرٍّ: وكان يقول ذلك (حَتَّى) أي: أخَّرنا إلى أن (رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وتخفيف اللَّام، جمع تَلٍّ بفتح أوَّله: كلُّ ما اجتمع على الأرض من ترابٍ أو رملٍ أو نحوهما، وهي في الغالب مُسطَّحةٌ (٢) غير شاخصةٍ، لا يظهر لها ظلٌّ، إلَّا إذا ذهب أكثر وقت الظُّهر، والفيء: ما بعد الزَّوال، والظِّلُّ: أعمُّ منه، يكون لما قبل وما بعد، و «التُّلول» لانبساطها (٣) لا يظهر فيها عقب الزَّوال فيءٌ بخلاف الشَّاخص المرتفع. نعم دخول وقت الظُّهر لا بدَّ فيه من فيءٍ، فالوقت لا يتحقَّق دخوله إِلَّا عند وجوده، فيُحمَل الفيء هنا على الزَّائد على هذا المقدار، ويأتي مزيدٌ لذلك إن شاء الله تعالى في «باب الإبراد في السَّفر» [خ¦٥٣٩].
ورواة هذا الحديث السِّتَّة ما بين مدنيٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦٥٣٩] وفي «صفة النَّار» [خ¦٣٢٥٨]، ومسلمٌ وأبو داود وابن ماجه في «الصَّلاة».
стр. 1722
٥٣٦ - ٥٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ: «بن عبد الله بن المدينيِّ» (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (قَالَ: حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ) وفي روايةٍ: «عن الزُّهريِّ» محمَّد بن مسلم بن شهابٍ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِذَا (١) اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ) ندبًا (٢)، والمُراد: الظُّهر لأنَّها الصَّلاة (٣) الَّتي يشتدُّ الحرُّ غالبًا في أوَّل وقتها (فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ) فإن قلت: ظاهره يقتضي وجوب الإبراد، أُجيب بأنَّ القرينة صرفته إلى النَّدبيَّة (٤) لأنَّ العلَّة فيه دفع المشقَّة عن المصلِّي لشدَّة الحرِّ، فصار من باب الشَّفقة والنَّفع، فإن قلت: ما الجمع بين هذا وبين حديث خبَّابٍ: «شكونا إلى رسول الله ﷺ حرَّ الرَّمضاء فلم يُشْكِنا» أي: لم يُزِلْ شكوانا؟ أُجيب بأنَّ الإبراد رخصةٌ، والتَّقديم عزيمةٌ أفضل، أو (٥) هو منسوخٌ بأحاديث الإبراد (٦)، والإبراد مُستحَبٌّ لفعله ﵊ له وأمره
стр. 1723
به، وحديث (١) خبَّابٍ محمولٌ على أنَّهم طلبوا زائدًا على قدر الإبراد لأنَّه بحيث يحصل للحيطان ظلٌّ يُمشى فيه. (وَاشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا) شكايةً حقيقيَّةً (٢) بلسان المقال بحياةٍ يخلقها الله تعالى فيها، قاله عياضٌ، وتعقَّبه الأُبِّيُّ بأنَّه لا بدَّ من خلق إدراكٍ مع الحياة. انتهى. لكن قال الأستاذ أبو الوليد الطَّرطوشيُّ (٣) فيما نقله في «المصابيح»: وإذا قلنا بأنَّها حقيقيَّةٌ (٤) فلا يحتاج إلى أكثر من وجود الكلام في الجسم، أمَّا في محاجَّة النَّار فلا بدَّ من وجود العلم مع الكلام؛ لأنَّ المحاجَّة تقتضي التَّفطُّن لوجه الدَّلالة، أو هي مجازيَّةٌ عرفيَّةٌ بلسان الحال عن لسان المقال كقوله:
شكا إليَّ جملي طول السُّرَى
وقرَّر (٥) البيضاويُّ ذلك فقال: «شكواها» مجازٌ عن غليانها، وأكل (٦) بعضها بعضًا، أو مجازٌ عن ازدحام أجزائها، وتنفُّسها مجازٌ عن خروج ما يبرز منها، وصوَّب النَّوويُّ حملها على الحقيقة، وقال ابن المُنَيِّر: هو المختار، وقد ورد مُخاطَبتها للرَّسول ﷺ وللمؤمنين بقولها (٧): «جُزْ يا مؤمن، فقد أطفأ نورك لهبي» ويضعف حمل ذلك على المجاز قوله: (فَقَالَتْ: يَا رَبِّ) وللأربعة: «فقالت: ربِّ» (أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا) ربُّها تعالى (بِنَفَسَيْنِ) تثنية نَفَسٍ بفتح الفاء، وهو ما يخرج من الجوف ويدخل فيه من الهواء (نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ) بجرِّ «نَفَسٍ» في الموضعين على البدل أو البيان، ويجوز رفعهما بتقدير «أحدهما»،
стр. 1724
ونصبهما (١) بـ «أعني» (فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ) أي: الَّذي تجدونه (مِنَ الحَرِّ) أي (٢): من ذلك النَّفَس، وهذا لا يمكن الحمل معه على المجاز، ولو حملنا شكوى النَّار على المجاز لأنَّ (٣) الإذن لها في التَّنفُّس ونشأة (٤) شدَّة الحرِّ عنه لا يمكن فيه التَّجوُّز، والَّذي رويناه «أشدُّ» بالرَّفع مبتدأٌ محذوف الخبر، ويؤيِّده رواية النَّسائيِّ من وجهٍ آخر بلفظ: «فأشدُّ ما تجدونه (٥) من الحرِّ من حرِّ جهنَّم … » الحديثَ، أو خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: فذلك أشدُّ، ويؤيِّده رواية غير أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ، وعزاها ابن حجرٍ لرواية الإسماعيليِّ من هذا الوجه: «فهو أشدُّ» ويجوز الجرُّ على البدل من السَّابق، وجُوِّز (٦) النَّصب مفعول «تجدون» الواقع بعدهُ (٧)، قال الدَّمامينيُّ: وفيه بُعْدٌ (وَأَشَدُّ) بالرَّفع أو الجرِّ أو النَّصب (مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ) من ذلك النَّفَس، ولا مانع من حصول الزَّمهرير من نَفَس النَّار لأنَّ المراد من النَّار محلُّها وهو جهنَّم، وفيها طبقةٌ زمهريريَّةٌ، والَّذي خلق الملك من الثَّلج والنَّار قادرٌ على جمع الضِّدَّين في محلٍّ واحدٍ، وفيه: أنَّ النَّار مخلوقةٌ موجودةٌ الآن، وهو أمرٌ قطعيٌّ للتَّواتر المعنويِّ خلافًا لمن
стр. 1725
قال من المعتزلة: إنَّها إنَّما تُخلَق يوم القيامة.
ورواته خمسةٌ، وفيه: التَّحديث والقول والحفظ والعنعنة، وأخرجه النَّسائيُّ.
٥٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) ولأبي ذَرٍّ: «ابن حفص بن غياثٍ» بكسر الغين المعجمة آخره مُثلَّثةٌ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بن غياث بن طَلْقٍ بفتح الطَّاء وسكون اللَّام (قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران، وللأَصيليِّ: «عن الأعمش» قال: (حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ) ذكوان (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريِّ ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ) خصَّ الشَّافعيُّ الإبراد بالإمام المنتاب من بُعْدٍ دون الفذِّ والجماعة بموضعهم، كما مرَّ، ولم يقل بالإبراد في غير الظُّهر إلَّا أشهب، قال: يُبْرِدُ بالعصر كالظُّهر، وقال أحمد: يؤخِّر (١) العشاء في الصَّيف كالظُّهر، وعكس ابن حبيبٍ فقال: إنَّما يؤخِّر (٢) في ليل الشِّتاء لطوله، ويعجِّل (٣) في الصَّيف لقصره، وقد يُحتَجُّ بحديث الباب على مشروعيَّة الإبراد للجمعة كما مرَّ (٤)، وبه قال بعض الشَّافعيَّة، وهو مقتضى صنيع المؤلِّف، وتأتي مباحث ذلك إن شاء الله تعالى.
وفي هذا الحديث: رواية الابن عن الأب، والتَّحديث والعنعنة والقول.
(تَابَعَهُ) وفي روايةٍ «وتابعه» أي: تابع حفص بن غياثٍ والد عمر المذكور (سُفْيَانُ) الثَّوريُّ ممَّا وصله المصنِّف في «صفة النَّار» من «بدء الخلق» [خ¦٣٢٥٩] (وَ) تابع حفصًا أيضًا (يَحْيَى)
стр. 1726
بن سعيدٍ (١) القطَّان ممَّا وصله الإمام أحمد في «مُسنَده» عنه (وَ) كذا تابعه (أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله في روايتهم (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران في لفظ: «أبردوا بالظُّهر».
(١٠) (بابُ) فضل (الإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي) حالة (السَّفَرِ) كالحضر، إذا كان المسافر غير سائر.
٥٣٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) ولغير الأربعة: «بن أبي إياسٍ» (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: حَدَّثَنَا مُهَاجِرٌ أَبُو الحَسَنِ، مَوْلًى لِبَنِي تَيْمِ اللهِ) وللحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ: «مولى بني تيم الله» بالإضافة، الكوفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ) الجهنيَّ الكوفيَّ المُخضرَم (عَنْ أَبِي ذَرٍّ الغِفَارِيِّ) ﵁ (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ) ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «مع رسول الله» (¬ ﷺ فِي سَفَرٍ) قيَّده هنا بـ «السَّفر» وأطلقه في السَّابقة [خ¦٥٣٨] مشيرًا بذلك إلى أنَّ تلك الرِّواية المُطلَقة محمولةٌ على هذه المُقيَّدة لأنَّ المُراد من الإبراد التَّسهيل ودفع المشقَّة، فلا تفاوت بين السَّفر والحضر (فَأَرَادَ المُؤَذِّنُ) بلالٌ (أَنْ يُؤَذِّنَ لِلظُّهْرِ، فَقَالَ) له (النَّبِيُّ ﷺ : أَبْرِدْ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ لَهُ: أَبْرِدْ) وفي روايةٍ عن أبي (٢) الوليد عن شعبة: «مرَّتين أو ثلاثًا» وجزم مسلم بن إبراهيم عن شعبة بذكر «الثَّالثة» (حَتَّى) أي: إلى أن (رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ) وغاية الإبراد: حتَّى يصير الظِّلُّ ذراعًا بعد ظلِّ الزَّوال، أو ربع قامةٍ أو ثلثها أو نصفها، وقِيلَ غير ذلك، و (٣) يختلف باختلاف الأوقات، لكن يُشترَط ألَّا يمتدَّ إلى آخر الوقت (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) عقب
стр. 1727
مقالته السَّابقة: (إِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا) بهمزة قطعٍ مفتوحةٍ (بِالصَّلَاةِ) الَّتي يشتدُّ الحرُّ غالبًا في أوَّل وقتها، وهي الظُّهر.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ ولابن عساكر: «قال محمَّدٌ» أي: البخاريُّ: «قال ابن عبَّاس ﵄» فيما وصله ابن أبي حاتمٍ في «تفسيره»، وهو ثابتٌ في رواية كريمة (١) والمُستملي، ساقطٌ عند غيرهما، في تفسير قوله تعالى: (﴿تَتَفَيَّؤُاَ﴾ [النحل: ٤٨]) معناه: (تَتَمَيَّلُ) ظلاله، وفي روايةٍ في (٢) الفرع وأصله من غير رقمٍ: «تفيَّأ: تميل» بحذف إحدى التَّاءين فيهما، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «يتفيَّأ: يتميَّل» بمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ قبل الفوقيَّة فيهما.
(١١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (وَقْتُ الظُّهْرِ) ولغير أبي ذَرٍّ: «باب وقت الظُّهر» بالإضافة، أي: ابتداؤه (عِنْدَ الزَّوَالِ) وهو ميل الشَّمس إلى جهة المغرب (وَقَالَ جَابِرٌ) هو ابن عبد الله، ممَّا هو طرف حديثٍ موصولٍ عند المؤلِّف في «باب وقت المغرب» [خ¦٥٦٠]: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي) الظُّهر (بِالهَاجِرَةِ) وهي وقت اشتداد الحرِّ في نصف النَّهار.
٥٤٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة بالمُهمَلة والزَّاي (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد،
стр. 1728
وللأَصيليِّ بالجمع (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ) أي: مالت، وللتِّرمذيِّ: زالت، أي: عن أعلى درجات ارتفاعها، قال أبو طالب في «القوت» (١): والزَّوال ثلاثةٌ: زوالٌ لا يعلمه إلَّا الله تعالى، وزوالٌ تعلمه الملائكة المُقرَّبون، وزوالٌ يعلمه (٢) النَّاس، قال: وجاء في الحديث أنَّه ﷺ سأل جبريل صلوات الله وسلامه عليه: «هل زالت الشَّمس؟» قال: لا نعم، قال: «ما معنى: لا نعم؟» قال: يا رسول الله، قطعت الشَّمس من فلكها بين قولي: «لا نعم» مسيرة خمس مئة عامٍ، ثمَّ إنَّ الزَّوال الَّذي يعرفه النَّاس يُعرَف بمعرفة أقلِّ الظِّلِّ، وطريقه بأن تنصب قائمًا معتدلًا في أرضٍ معتدلةٍ، وتنظر إلى ظلِّه في جهة المغرب، وظلُّه فيها أطول ما يكون غدوةً، وتعرف منتهاه، ثمَّ كلَّما ارتفعت نقص (٣) الظِّلُّ، حتَّى تنتهي إلى أعلى درجات ارتفاعها (٤)، فتقف وقفةً ويقف الظِّلُّ لا يزيد ولا ينقص، وذلك وقت نصف النَّهار ووقت الاستواء، ثمَّ تميل إلى أوَّل درجات انحطاطها في الغروب (٥)، فذلك هو الزَّوال، وأوَّل وقت الظُّهر (فَصَلَّى الظُّهْرَ) في أوَّل وقتها، ولم يُنقَل أنَّه ﷺ صلَّى قبل الزَّوال، وعليه استقرَّ
стр. 1729
الإجماع، وهذا لا يعارض حديث الإبراد لأنَّه ثبت بالقول (١) وذاك بالفعل والقول فيرجح عليه، وقال البيضاويُّ: الإبراد تأخير الظُّهر أدنى تأخيرٍ، بحيث لا يخرج عن حدِّ التَّهجير، فإنَّ الهاجرة تُطلَق على الوقت (٢) إلى أن يقرب العصر (فَقَامَ) بعد فراغه من الصَّلاة (عَلَى المِنْبَرِ) لمَّا بلغه أنَّ قومًا من المنافقين ينالون منه، ويعجزونه عن بعض ما يسألونه (فَذَكَرَ السَّاعَةَ، فَذَكَرَ أَنَّ فِيهَا أُمُورًا عِظَامًا، ثُمَّ قَالَ) ﵊: (مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ فَلْيَسْأَلْ) أي: فليسألني عنه (فَلَا) وللأَصيليِّ: «لا» (تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ) بحذف نون الوقاية (إِلَّا أَخْبَرْتُكُمْ) به (مَا دُمْتُ فِي مَقَامِي هَذَا) بفتح ميم «مَقامي»، واسم الإشارة ساقطٌ عند أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وأبي الوقت وابن عساكر، واستعمل الماضي في قوله: «أخبرتكم» موضع المُستقبَل إشارةً إلى أنَّه كالواقع لتحقُّقه (فَأَكْثَرَ النَّاسُ فِي البُكَاءِ) خوفًا من نزول العذاب العامِّ المعهود في الأمم السَّالفة عند ردِّهم على أنبيائهم بسبب تغيُّظه ﵊ من مقالة المنافقين السَّابقة آنفًا، أو سبب (٣) بكائهم ما سمعوه من أهوال يوم القيامة والأمور العظام، و «البكاء» بالمدِّ: مدُّ (٤) الصَّوت في البكاء، وبالقصر: الدُّموع
стр. 1730
وخروجها (وَأَكْثَرَ) ﵊ (أَنْ يَقُولَ: سَلُونِي) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «سلوا» أي: أكثر القول بقوله: «سلوني» (فَقَامَ عَبْدُ اللهِ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ) بضمِّ الحاء المُهمَلة وفتح الذَّال المُعجَمة، و «السَّهْميُّ» بفتح السِّين المُهمَلة وسكون الهاء، المهاجريُّ (فَقَالَ:) يا رسول الله (مَنْ أَبِي؟ قَالَ) ﵊: (أَبُوكَ حُذَافَةُ) وكان يُدعَى لغير أبيه (ثُمَّ أَكْثَرَ) ﷺ (أَنْ يَقُولَ: سَلُونِي، فَبَرَكَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ (عَلَى رُكْبَتَيْهِ) بالتَّثنية (فَقَالَ) ولابن عساكر «قال»: (رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ) ﷺ (نَبِيًّا. فَسَكَتَ) ﵊ (ثُمَّ قَالَ: عُرِضَتْ) بضمِّ العين وكسر الرَّاء (عَلَيَّ الجَنَّةُ وَالنَّارُ آنِفًا) بمدِّ الهمزة والنَّصب على الظَّرفيَّة لتضمُّنه معنى الظَّرف، أي (١): في أوَّل وقتٍ يقرب منِّي وهو الآن (فِي عُرْضِ هَذَا الحَائِطِ) بضمِّ العين المُهمَلة وسكون الرَّاء (٢)، أي: جانبه وناحيته، وعَرْضُهُمَا إمَّا بأن (٣) تكونا (٤) رُفِعتا
стр. 1731
إليه، أو زُوِي له ما بينهما، أو مُثِّلا له، وتأتي (١) مباحثه إن شاء الله تعالى (فَلَمْ أَرَ) أي: فلم أبصر (كَالخَيْرِ) الَّذي في الجنَّة (وَالشَّرِّ) الَّذي في النَّار، أو ما أبصرت شيئًا كالطَّاعة والمعصية في سبب دخول الجنَّة والنَّار.
٥٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بن الحارث الحوضيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي المِنْهَالِ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ في غير «اليونينيَّة»: «حدَّثنا أبو المنهال» وهو بكسر الميم وسكون النُّون، سيَّار بن سلامة البصريُّ (عَنْ أَبِي بَرْزَةَ) بفتح المُوحَّدة وسكون الرَّاء ثمَّ بالزَّاي، الأسلميِّ، واسمه نَضْلة بفتح النُّون وسكون الضَّاد المُعجَمة، ابن عُبَيْدٍ -مُصغَّرًا- ﵁ (كَانَ) ولأبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «قال: كان» (النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الصُّبْحَ وَأَحَدُنَا يَعْرِفُ
стр. 1732
جَلِيسَهُ) أي: مُجالِسه الَّذي إلى جنبه، و «الواو» للحال (وَيَقْرَأُ) ﵊ (فِيهَا) أي: في صلاة الصُّبح (مَا بَيْنَ السِّتِّينَ) من آي القرآن وفوقها (إِلَى المِئَةِ) وحذف لفظ: «فوقها» لدلالة السِّياق عليه، وإِلَّا فلفظ: «بين» يقتضي دخوله على متعدِّدٍ، فكان القياس أن يقول: و «المئة» بدون كلمة «الانتهاء» كما في قوله: «باب ما يكره من السَّمر بعد العشاء» [خ¦٥٩٩]: «إنَّه يقرأ من السِّتِّين إلى المئة» كما نبَّه عليه الكِرمانيُّ (و) كان ﵊ (يُصَلِّي الظُّهْرَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ) أي: مالت إلى جهة المغرب (وَ) يصلِّي (العَصْرَ وَأَحَدُنَا يَذْهَبُ) من المسجد (إِلَى) منزله (أَقْصَى
стр. 1733
المَدِينَةِ) آخرها حال كونه (رَجَعَ) أي: راجعًا من المسجد إلى منزله (وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ) بيضاء، لم يتغيَّر لونها ولا حرُّها، وليس المُراد: الذَّهاب إلى أقصى المدينة والرُّجوع من ثَمَّ إلى المسجد، ورواية عوفٍ (١) الآتية [خ¦٥٩٩]-إن شاء الله تعالى- قريبًا: «ثمَّ يرجع (٢) أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشَّمس حيَّةٌ» توضح ذلك؛ لأنَّه ليس فيه إلَّا الذَّهاب فقط دون الرُّجوع، ووقع في رواية غير أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «ويرجع» بالواو وصيغة المضارع، وفي روايةٍ: «ثُمَّ يَرْجِعُ» ومثل ذلك رواية أبي داود عن حفص بن عمر بلفظ: «وإنَّ أحدنا ليذهب أقصى المدينة ويرجع والشَّمس حيَّةٌ» وهذا يغاير رواية عوفٍ (٣) المذكورة، وهي قد أوضحت أنَّ المُرَاد بـ «الرُّجوع» الذَّهاب إلى المنزل من المسجد، وطرق الحديث يبيِّن بعضها بعضًا، وإنَّما سُمِّي رجوعًا لأنَّ ابتداء المجيء كان من المنزل إلى المسجد، فكان الذَّهاب منه إلى المنزل رجوعًا، قال أبو المنهال: (وَنَسِيتُ مَا قَالَ) أبو برزة (فِي المَغْرِبِ، وَ) كان ﵇ (لَا يُبَالِي بِتَأْخِيرِ) صلاة (العِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ) الأوَّل، وهو وقت الاختيار (ثُمَّ قَالَ) أبو المنهال: (إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ) أي: نصفه، ورجَّحه النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ»، وكلامه في «شرح المُهذَّب» يقتضي أنَّ الأكثرين عليه، والحاصل: أنَّ للعشاء أربعة أوقاتٍ: وقت فضيلةٍ أوَّل الوقت، ووقت اختيار إلى ثلث اللَّيل على الأصحِّ، ووقت جوازٍ إلى طلوع الفجر الصَّادق، ووقت عذرٍ وقت المغرب لمن يجمع.
(وَقَالَ مُعَاذٌ) هو ابن معاذ بن نصرٍ العنبريُّ، التَّابعيُّ (٤) التَّيميُّ، قاضي البصرة، ولابن
стр. 1734
عساكر: «قال محمَّدٌ» أي: البخاريُّ: «وقال معاذٌ»: (قَالَ شُعْبَةُ) بن الحجَّاج بإسناده السَّابق: (ثُمَّ لَقِيتُهُ) أي: أبا المنهال (مَرَّةً) أخرى بعد ذلك (فَقَالَ: أَوْ ثُلُثِ اللَّيْلِ) تردَّد بين الشَّطر والثُّلث، ووقع عند «مسلمٍ» من طريق حمَّاد بن سلمة عن أبي سلمة الجزم بقوله: «إلى ثلث اللَّيل».
ورواة هذا الحديث الأربعة ما بين بصريٍّ وواسطيٍّ، وفيه: التَّحديث والقول، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ.
٥٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -يَعْنِي: ابْنَ مُقَاتِلٍ-) بضمِّ الميم، المروزيُّ، وعند أبوَي ذَرٍّ والوقت والأصيليِّ إسقاط: «يعني»، ولابن عساكر: «محمَّدٌ -يعني: ابن معاذٍ-» لكن لا يُعرَف للمؤلِّف شيخٌ اسمه محمَّد بن معاذٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: «حدَّثنا» (عَبْدُ اللهِ) بن المُبارَك الحنظليُّ المروزيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (١) (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن بُكَيْرٍ (٢) السَّلميُّ البصريُّ، ولم يُذكَر في هذا الكتاب إِلَّا في هذا الموضع قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (غَالِبٌ القَطَّانُ) بن خُطَّافٍ، المشهور بابن أبي غَيْلان، بفتح الغين المُعجَمة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة (عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بفتح المُوحَّدة وسكون الكاف (المُزَنِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالظَّهَائِرِ) جمع ظهيرةٍ، أي (٣): الهاجرة، وأراد بها الظُّهر، وَجَمَعَهَا بالنَّظر إلى تعدُّد الأيَّام (فَسَجَدْنَا عَلَى ثِيَابِنَا) بزيادة الفاء وهي عاطفةٌ على
стр. 1735
مُقدَّرٍ، أي: فرشنا الثِّياب فسجدنا على ثيابنا، أي: الغير المتَّصلة بنا، أو المتَّصلة الغير متحرِّكةٍ بحركتنا، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «سجدنا» بغير فاءٍ، وصوَّبه في هامش الفرع كأصله (اتِّقَاءَ الحَرِّ) أي: لأجل اتِّقاء الحرِّ.
ورواة هذا الحديث السِّتَّة ما بين مروزيٍّ وبصريٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦٣٨٥]، وكذا مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.
(١٢) (بابُ تَأْخِيرِ) صلاة (الظُّهْرِ إِلَى) أوَّل وقت (العَصْرِ) بحيث إنَّه إذا فرغ منها يدخل وقت تاليها، لا أنَّه يجمع بينهما في وقتٍ واحدٍ.
٥٤٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ بْنُ زَيْدٍ) ولغير
стр. 1736
الأربعة إلَّا ابن عساكر: «هُوَ ابْنُ زَيْدٍ» (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ) بفتح العين وسكون الميم، ولأبوَي ذَرٍّ والوقت: «وهو ابن دينارٍ» (عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ) هو أبو الشَّعثاء (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِالمَدِينَةِ سَبْعًا) أي: سبع ركعاتٍ جمعًا (وَثَمَانِيًا) جمعًا (الظُّهْرَ وَالعَصْرَ) ثمانيًا (وَالمَغْرِبَ وَالعِشَاءَ) سبعًا، وهو لفٌّ ونشرٌ غير مُرتَّبٍ، و «الظُّهرَ» نُصِب بدلًا، أو عطف بيانٍ، أو على نزع الخافض (فَقَالَ) وفي روايةٍ: «قال» (أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ لجابرٍ: (لَعَلَّهُ) أي: التَّأخير كان (فِي لَيْلَةٍ) أي: مع يومها بقرينة الظُّهر والعصر (مَطِيرَةٍ) أي: كثيرة المطر، ويومها كذلك. (قَالَ) جابرٌ: (عَسَى) أن يكون فيها، فحذف اسم «عسى» وخبرها، وعلَّة جمعه للمطر خوف المشقَّة في حضوره المسجد مرَّةً بعد أخرى، وهذا قول الشَّافعيِّ وأحمد ابن حنبل، وتأوَّله به مالكٌ عقب (١) إخراجه لهذا الحديث عن ابن عبَّاسٍ ﵄، وقال بدل قوله: «بالمدينة»: «من غير خوفٍ ولا سفرٍ» لكن الجمع بالمطر لا يكون إلَّا بالتَّقديم، فكيف تحصل (٢) المُطابَقة بين الحديث والتَّرجمة بالتَّأخير؟ وحمله بعضهم على الجمع للمرض، وقوَّاه النَّوويُّ رحمه الله تعالى لأنَّ المشقَّة فيه أشدُّ من المطر، وتُعقِّب بأنَّه مخالفٌ لظاهر الحديث،
стр. 1737
وتقييده به ترجيحٌ بلا مرجِّحٍ، وتخصيصٌ بلا مخصِّصٍ. انتهى. وقد أخذ آخرون بظاهر هذا (١) الحديث، فجوَّزوا الجمع في الحضر للحاجة (٢) لمن لا يتَّخذه عادةً، وبه قال أشهب والقفَّال الشَّاشيُّ، وحكاه الخطَّابيُّ عن جماعةٍ من أصحاب الحديث، وتأوَّله آخرون على الجمع الصُّوريِّ بأن يكون أخَّر الظُّهر إلى آخر وقتها وعجَّل العصر في أوَّل وقتها، وضُعِّف لمخالفته الظَّاهر.
ورواة هذا الحديث الخمسة بصريُّون ما خلا عمرو بن دينارٍ المكِّيَّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦١١٠٧]، وكذا مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ.
(١٣) (بابُ وَقْتِ) صلاة (العَصْرِ، وَ (٣) قَالَ أَبُو أُسَامَة) بضمِّ الهمزة؛ حيث زاد على رواية أبي ضمرة الآتية: (عَن هِشَامٍ) هو ابن عروة، أي: عن أبيه عن عائشة ممَّا وصله الإسماعيليُّ في «مُستخرَجه» التَّقييد بقوله: (مِن قَعْرِ حُجْرَتِهَا) ولأبي ذَرٍّ: «في» بدل «من»، وهذا التَّعليق ساقطٌ
стр. 1738
من رواية الأَصيليِّ والكُشْمِيْهَنِيِّ وابن عساكر، وهو المناسب لما لا يخفى.
٥٤٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) بن عبد الله الأسديُّ الحزاميُّ، بالزَّاي (قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ) أبو ضَمْرة (١) اللَّيثيُّ المدنيُّ (عَنْ هِشَامٍ) هو ابن عروة (عَنْ أَبِيهِ) عروة ابن الزُّبير (أَنَّ عَائِشَةَ) رضي الله تعالى عنها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي العَصْرَ وَالشَّمْسُ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ حُجْرَتِهَا) أي: بيت عائشة، وهو من باب التَّجريد، كأنَّها جرَّدت واحدةً من النِّساء وأثبتت لها حجرةً، وأخبرت بما أخبرت به، وإِلَّا فالقياس التَّعبير بـ «حجرتي»، والمُرَاد من «الشَّمس» ضوؤها لا عينها إذ لا يُتصوَّر دخولها في الحجرة حتَّى تخرج، فهو من باب المجاز، و «الواو» في قوله: «والشَّمس» للحال.
وهذا الحديث سبق في «مواقيت الصَّلاة» [خ¦٥٢٢] وقد زاد هنا (٢) في رواية أبي ذَرٍّ وكريمة وغيرهما (٣) أوَّل الباب ما جرت به عادة المؤلِّف من تأخيره للمُعلَّقات بعد المُسنَدات الموصولة، وهو: «قَالَ أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ: مِنْ قَعْرِ (٤) حُجْرَتِهَا» وهو (٥) أوضح في تعجيل العصر من رواية الإطلاق.
стр. 1739
٥٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ، إمام المصريِّين (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى العَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا) والشَّمس باقيةٌ (لَمْ يَظْهَرِ الفَيْءُ) في الموضع الَّذي كانت الشمَّس فيه (مِنْ حُجْرَتِهَا) ولا يعارضه ما مرَّ في «المواقيت» [خ¦٥٢٢]: «والشَّمس في حجرتها قبل أن تظهر» أي: تصعد لأنَّ المُراد بـ «ظهور الشَّمس» خروجها من الحجرة، وبـ «ظهور الفيء» انبساطه في الحجرة، وهذا لا يكون إِلَّا بعد خروج الشَّمس.
٥٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَيْنٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأربعة: «حدَّثنا» (ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي صَلَاةَ العَصْرِ وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ) ظاهرةٌ (فِي حُجْرَتِي، لَمْ يَظْهَرِ الفَيْءُ بَعْدُ) بالبناء على الضَّمِّ لقطعه عن الإضافة لفظًا.
(وَقَالَ مَالِكٌ) الإمام، وللأَصيليِّ: «قال مالكٌ» ولأبوَي الوقت وذَرٍّ: «قال أبو عبد الله» يعني المؤلِّف: «وقال مالكٌ» ممَّا وصله المؤلِّف في أوَّل (١) «المواقيت» [خ¦٥٢١] (وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريُّ ممَّا وصله الذُّهليُّ في «الزُّهريَّات» (وَشُعَيْبٌ) هو (٢) ابن أبي حمزة -بالمُهمَلة والزَّاي- ممَّا وصله الطَّبرانيُّ في «مُسنَد الشَّاميِّين» (وَابْنُ أَبِي حَفْصَةَ) محمَّد بن
стр. 1740
ميسرة البصريُّ ممَّا في نسخة إبراهيم بن طهمان، ممَّا (١) روَوه (٢) بهذا الإسناد بلفظ: (وَالشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ) فالظُّهور في روايتهم: للشَّمس، وفي رواية ابن عُيَيْنَة: للفيء، وكأنَّ المؤلِّف لمَّا لم يقع له حديثٌ على شرطه في تعيين أوَّل وقت العصر -وهو مصير ظلِّ كلِّ شيءٍ مثله- استغنى بهذا الحديث الدَّالِّ على ذلك بطريق الاستنباط.
٥٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) أبو الحسن الكسائيُّ (٣) المروزيُّ، نزيل بغداد، ثمَّ مكَّة (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المُبارَك (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَوْفٌ) بالفاء، الأعرابيُّ (عَنْ سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ) بفتح السِّين المُهمَلة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة (قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي) سلامةُ، زمن أُخرِج ابن زيادٍ من البصرة سنة أربعٍ وستِّين (عَلَى أَبِي بَرْزَةَ) نضلة بن عُبَيْدٍ (الأَسْلَمِيِّ، فَقَالَ لَهُ أَبِي) سلامة: (كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي المَكْتُوبَةَ؟) أي: المفروضة (فَقَالَ) أبو برزة: (كَانَ) ﵊ (يُصَلِّي الهَجِيرَ) أي: صلاة الظُّهر لأنَّ وقتها يدخل إذ ذاك (الَّتِي تَدْعُونَهَا
стр. 1741
الأُولَى) أنَّث الضَّمير نظرًا إلى الصَّلاة، وقِيلَ لها: «الأولى» لأنَّها أوَّل صلاةٍ في إمامة جبريل ﵇، وقول البيضاويِّ: «لأنَّها أوَّل صلاة النَّهار» مدفوعٌ بأنَّ الصَّحيح أنَّ الصُّبح نهاريَّةٌ، فهي الأولى (حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ) أي: تزول عن وسط السَّماء إلى جهة الغروب (١) (وَيُصَلِّي العَصْرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى رَحْلِهِ) بالرَّاء المفتوحة والحاء المُهمَلة السَّاكنة، أي: منزله ومحلِّ أثاثه (فِي أَقْصَى المَدِينَةِ) صفةٌ لسابقها لا ظرفٌ للفعل (وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ) بيضاءُ نقيَّةٌ، و «الواو» للحال، قال سيَّارٌ: (وَنَسِيتُ مَا قَالَ) أبو برزة (فِي المَغْرِبِ، وَكَانَ) ﵊، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فكان» (يَسْتَحِبُّ) بفتح أوَّله وكسر رابعه (أَنْ يُؤَخِّرَ العِشَاءَ) أي: صلاتها، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «من العشاء» أي: من وقت العشاء، وحمل ابن دقيق العيد «من» فيه على التَّبعيضيَّة (٢) باعتبار الوقت أو الفعل، واستُنبِط من ذلك استحباب التَّأخير قليلًا (الَّتِي تَدْعُونَهَا العَتَمَةَ) بفتحاتٍ (وَكَانَ) ﵊ (يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالحَدِيثَ) أي: التَّحديث الدُّنيويَّ (بَعْدَهَا) لا الدِّينيَّ (وَكَانَ) ﵊ (يَنْفَتِلُ) أي: ينصرف (٣) من الصَّلاة، و (٤) يلتفت إلى المأمومين (مِنْ صَلَاةِ الغَدَاةِ) أي: الصُّبح (حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ، وَيَقْرَأُ) في الصُّبح (بِالسِّتِّينَ إِلَى المِئَةِ) من الآيِ، وقدَّرها الطَّبرانيُّ بـ «الحاقَّة».
٥٤٨ - وبه قال: (حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ) إمام الأئمَّة (مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريِّ المدنيِّ (عَنْ) عمِّه (أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي
стр. 1742
العَصْرَ، ثمَّ يَخْرُجُ الإِنْسَانُ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ) بقباء لأنَّها كانت منازلهم، وهي على ميلين من المدينة (فَيَجِدُهُمْ) بالتَّحتيَّة، وفي «اليونينيَّة»: «فنجدهم» بالنُّون فقط (يُصَلُّونَ العَصْرَ) أي: عصر ذلك اليوم، وإنَّما كانوا يؤخِّرون عن أوَّل الوقت لاشتغالهم في زرعهم وحوائطهم، ثمَّ بعد فراغهم يتأهَّبون للصَّلاة بالطَّهارة وغيرها، فتتأخَّر صلاتهم إلى وسط الوقت، وهذا الحديث موقوفٌ لفظًا مرفوعٌ حكمًا لأنَّ الصَّحابيَّ أورده في مقام الاحتجاج، ويؤيِّده رواية النَّسائيِّ مرفوعًا بلفظ: «كان رسول الله (١) ﷺ يصلِّي العصر».
ورواته أربعةٌ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا [خ¦٥٥١]، و (٢) مسلمٌ والنَّسائيُّ.
٥٤٩ - وبه قال: (حدَّثنا ابْنُ مُقَاتِلٍ) أبو الحسن محمَّدٌ المروزيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المُبارَك (قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ) بالحاء المُهمَلة مُصغَّرًا، وسكون هاء «سهْل» الأنصاريُّ الأوسيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ) بضمِّ الهمزة، أسعد بن سهل بن حُنَيْفٍ بالمُهمَلة المضمومة مُصغَّرًا، الأنصاريَّ الصَّحابيَّ على الأصحِّ، له رؤيةٌ لكنَّه (٣) لم يسمع من النَّبيِّ ﷺ ، وللأَصيليِّ: «أبا أمامة بن سهلٍ» (يَقُولُ: صَلَّيْنَا مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ) ﵁ (الظُّهْرَ، ثمَّ خَرَجْنَا حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) في داره بجنب المسجد النَّبويِّ، وكان إذ ذاك وُلِّي (٤) المدينة نائبًا (فَوَجَدْنَاهُ يُصَلِّي العَصْرَ، فَقُلْتُ) له: (يَا عَمِّ) بحذف الياء بعد الميم، والأصل
стр. 1743
إثباتها، وقال له ذلك توقيرًا وإكرامًا، وإِلَّا فليس هو (١) عمُّه (مَا هَذِهِ الصَّلاةُ الَّتِي صَلَّيْتَ) في هذا الوقت؟ أهي الظُّهر أم العصر؟ (قَالَ) أنسٌ: هي (العَصْرُ، وَهَذِهِ صَلَاةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّتِي كُنَّا نُصَلِّي مَعَهُ) وإنَّما أخَّر عمر بن عبد العزيز الظُّهر إلى آخر وقتها حتَّى كانت صلاة أنسٍ العصر عقبها إمَّا تبعًا لسلفه قبل أن تبلغه السُّنَّة في التَّعجيل، أو أخَّر لعذرٍ عرض له.
ورواة هذا الحديث ما بين مروزيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والقول والسَّماع، ورواية (٢) صحابيٍّ عن صحابيٍّ (٣)، وأخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ في «الصَّلاة»، والله المستعان (٤).
(١٣ م) (بابُ وَقْتِ العَصْرِ) وسقط التَّبويب والتَّرجمة عند الأَصيليِّ وابن عساكر، وهو الصَّواب لأنَّ في إثباته تكرارًا عاريًا عن الفائدة.
٥٥٠ - وبالسَّند قال: (حدَّثنا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ الحمصيُّ قال: (قَالَ (٥): أَخْبَرَنَا
стр. 1744
شُعَيْبٌ) هوابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ﵁ (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ) وللأَصيليِّ: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ يُصَلِّي العَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ) هو من باب الاستعارة، والمُراد بقاء حرِّها وعدم تغيُّر لونها (١)، و «الواو» للحال (فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى العَوَالِي) جمع عاليةٍ: ما حول المدينة من القرى (٢) من جهة نجدٍ (فَيَأْتِيهِمْ) أي: أهله (وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ) دون ذلك الارتفاع، قال الزُّهريُّ -كما عند عبد الرَّزَّاق عن مَعْمَرٍ عنه-: (وَبَعْضُ العَوَالِي مِنَ المَدِينَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ أَوْ نَحْوِهِ) ولأبي ذرٍّ: «نحوه» وللبيهقيِّ -كالمؤلِّف في «الاعتصام» [خ¦٧٣٢٩] تعليقًا-: «وبُعْد العوالي» بضمِّ المُوحَّدة والدَّال، وللدَّارقُطنيِّ: على ستَّة أميالٍ، ولعبد الرَّزَّاق: ميلين، وحينئذٍ فأقربها على ميلين، وأبعدها على (٣) ستَّة أميالٍ، وقال عياضٌ: أبعدها ثمانيةٌ، وبه جزم ابن عبد البرِّ، وصاحب «النِّهاية».
وفي الحديث: أَنَّه ﷺ كان يبادر بصلاة العصر في أوَّل وقتها لأنَّه لا يمكن أن يذهب الذَّاهب أربعة أميالٍ والشَّمس لم (٤) تتغيَّر، إِلَّا إذا صلَّى حين صار ظلُّ الشَّيء مثله، كما لا يخفى.
стр. 1745
وفي (١) رواة (٢) هذا الحديث حمصيَّان ومدنيٌّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه.
٥٥١ - وبه قال: (حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) إمام الأئمَّة (مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي العَصْرَ) مع رسول الله ﷺ ، كما عند الدَّارقُطنيِّ في «غرائبه» (ثمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ مِنَّا) يريد أنسٌ نفسه لقوله في رواية أبي الأبيض عنه عند النَّسائيِّ والطَّحاويِّ: «ثمَّ أرجع إلى قومي في ناحية المدينة» (إِلَى) أهل (قُبَاءٍ) بالمدِّ والقصر، والصَّرف وعدمه، والتَّذكير والتَّأنيث، والأفصح فيه المدُّ والصَّرف والتَّذكير موضعٌ على ثلاثة أميالٍ من المدينة، وأصله: اسم بئرٍ، قال ابن عبد البرِّ: الصَّواب «إلى العوالي»، و «قباءٌ» وَهْمٌ من مالكٍ لم يتابعه أحدٌ من أصحاب الزُّهريِّ عليه، وتُعقِّب بأنَّه رُوِي عن ابن أبي ذئبٍ عن الزُّهريِّ: «إلى قباءٍ» كما نقله الباجيُّ عن الدَّارقُطنيِّ، و «قباءٌ» من «العوالي»، وليست (٣) «العوالي» كلَّ «قباءٍ» (فَيَأْتِيهِمْ) أي: أهل قباءٍ (وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ).
وفي هذا (٤) الحديث: التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول.
(١٤) (بابُ إِثْمِ مَنْ فَاتَتْهُ العَصْرُ).
стр. 1746
٥٥٢ - وبالسَّند قال: (حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب، ولأبوَي الوقت وذَرٍّ: «عن عبد الله بن عمر» (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ العَصْرِ) بأن أخرجها متعمِّدًا عن وقتها بغروب الشَّمس، أو عن وقتها المختار، أو باصفرار الشَّمس (١) كما ورد مُفسَّرًا من رواية الأوزاعيِّ في هذا الحديث قال فيه: و «فواتها» أن تدخل الشَّمس صفرةٌ (٢)، قال في «شرح التَّقريب»: كذا ذكر (٣) عياضٌ، وتبعه النَّوويُّ، وظاهر إيراد أبي داود في «سننه» أنَّه من كلام الأوزاعيِّ، لا أنَّه من (٤) الحديث لأنَّه رُوِيَ بإسنادٍ منفردٍ عن الحديث (٥) عن الأوزاعيِّ أنَّه قال: وذلك أن ترى ما على الأرض من الشَّمس أصفر (٦)، وفي «العلل» لابن أبي حاتمٍ: سألت أبي عن حديثٍ رواه الأوزاعيُّ عن نافعٍ عن ابن عمر مرفوعًا: «من فاتته صلاة العصر -وفواتها أن تدخل الشَّمس صفرةٌ- فكأنَّما وُتِر أهله وماله» قال أبي: التَّفسير قول نافعٍ. انتهى. وقِيلَ: المُراد فواتها عن الجماعة، والرَّاجح الأوَّل، ويؤيِّده حديث ابن عمر عند ابن أبي شيبة في «مُصنَّفه» مرفوعًا: «من ترك العصر حتَّى تغيب الشَّمس» أي: من غير عذرٍ (كَأَنَّمَا) وللكُشْمِيْهَنِيِّ وابن عساكر:
стр. 1747
«فكأنَّما» (وُتِرَ) هو (١) -أي: الَّذي فاتته العصر- نُقِص أو سُلِب (أَهْلَُهُ وَمَالَُهُ) وتُرك فردًا منهما (٢)، فبقي بلا أهلٍ ولا مالٍ، فليحذر من تفويتها كحذره من ذهاب أهله و (٣) ماله، و «وُتِر» بضمِّ الواو مبنيًّا للمفعول، و «أهلَه»: مفعولٌ ثانٍ له، والأوَّل الضَّمير المستتر فيه، وقِيلَ: منصوبٌ على نزع الخافض أي: وُتِرَ في أهله وماله، فلمَّا حُذِف الخافض انتصب، ويُروَى: «أهلُه» بالرَّفع على أنَّه نائب الفاعل، ولا يُضمَر في «وُتِر» بل يقوم «أهله» (٤) مقام ما لم يُسمَّ فاعله (٥) و «ماله» عُطِف عليه، أي: انتُزِع منه أهله وماله، وقال ابن الاثير: من ردَّ النَّقص إلى الرَّجل نصبهما، ومن ردّه إلى الأهل والمال رفعهما، والنَّصب هو الصَّحيح المشهور الَّذي عليه الجمهور كما (٦) قاله النَّوويُّ، وقال عياضٌ: هو الَّذي ضبطناه عن جماعة شيوخنا ووقع هنا (٧) في رواية المُستملي زيادةٌ وهي: «قال أبو عبد الله» يعني: المؤلِّف، ممَّا يدلُّ لنصب الكلمتين بـ «وُتِر» وهو قوله تعالى: ﴿يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥] بنصب «أعمالَكم» مفعولٌ ثانٍ، والأوَّل:
стр. 1748
«كاف» الخطاب، ثمَّ أشار بقوله: «وترت الرَّجل إذا قتلت له قتيلًا» من قريبٍ أو حميمٍ فأفردته عنه، «أو أخذت له مالًا» وللأَصيليِّ والهرويِّ وأبي الوقت: «أو أخذت ماله» إلى أنَّ «وُتِر» يتعدَّى إلى مفعولٍ واحدٍ، وهو يؤيِّد رواية الرَّفع، قيِلَ: وخُصَّت «صلاة العصر» بذلك لاجتماع المتعاقبين من الملائكة فيها، وعُورِض بأنَّ صلاة الفجر كذلك يجتمع فيها المتعاقبون، وأُجيب باحتمال أنَّ (١) التَّهديد إنَّما غُلِّظ في «العصر» دون «الفجر» لأنَّه لا عذر له في تفويتها لأنَّه وقت يقظةٍ، بخلاف الفجر فربَّما كان النَّوم عندها عذرًا، وأوَّله ابن عبد البرِّ على أَنَّه خُرِّج جوابًا لسائلٍ عنها فأُجيب، أي: فلا يمنع إلحاق غيرها، أو نبَّه بـ «العصر» على غيرها، وخصَّها بالذِّكر لأنَّها تأتي والنَّاس في وقت تعبهم من أعمالهم، وحرصهم على تمام أشغالهم (٢)، وتُعقِّب بأنَّه إنَّما يُلحَق غير المنصوص بالمنصوص إذا عُرِفت العلَّة واشتركا فيها، والعلَّة هنا لم تتحقَّق، فلا يُلحَق غير «العصر» بها، وأُجيب بأنَّ ما ذكره هذا المتعقِّب لا يدفع الاحتمال، وقد ورد ما يدلُّ للعموم، فعند ابن أبي شيبة من طريق أبي قِلابة عن أبي الدَّرداء مرفوعًا: «من ترك صلاةً مكتوبةً حتَّى تفوته … » الحديثَ، وتُعقِّب بأنَّ في سنده انقطاعًا لأنَّ أبا قلابة لم يسمع من أبي الدَّرداء، وقد رواه أحمد من حديث أبي الدَّرداء بلفظ: «من ترك صلاة العصر» فرجع حديث أبي الدَّرداء إلى تعيين «العصر»، قال ابن المُنَيِّر: والحقُّ أنَّ الله تعالى يخصُّ ما يشاء من الصَّلوات بما يشاء من الفضيلة. انتهى.
وحديث الباب أخرجه مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ، والله تعالى أعلم بالصَّواب (٣).
(١٥) (بابُ) إثمِ (مَنْ تَرَكَ العَصْرَ) عمدًا.
стр. 1749
٥٥٣ - وبالسَّند قال: (حدَّثنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الفراهيديُّ -بالفاء (١) - الأزديُّ البصريُّ، وسقط عند الأَصيليِّ «ابن إبراهيم» (قَالَ: حدَّثنا) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «أخبرنا» (هِشَامٌ) هو ابن عبد الله الدَّستوائيُّ (قَالَ: حدَّثنا) ولأبي ذرٍّ: «أخبرنا» (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) بالمُثلَّثة، الطَّائيُّ اليماميُّ (٢) (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف، عبد الله بن زيدٍ (عَنْ أَبِي المَلِيحِ) بفتح الميم وكسر اللَّام آخره حاءٌ مُهمَلةٌ، عامر بن أسامة الهذليِّ (قَالَ: كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ) بن الحصيب الأسلميِّ، آخر من مات من الصَّحابة ﵃ بخراسان سنة اثنتين وستِّين حال كوننا (فِي غَزْوَةٍ) وحال كوننا (فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ، فَقَالَ) بريدةُ بعد معرفته بدخول الوقت بظهور الشَّمس في خلال الغيم، أو بالاجتهاد بوردٍ أو (٣) نحوه: (بَكِّرُوا) أي: عجِّلوا وأسرعوا (بِصَلَاةِ العَصْرِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ العَصْرِ) أي: متعمِّدًا، كما زاده مَعْمَرٌ في روايته (فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ) أي: ثواب عمله، أورده (٤) على سبيل التَّغليظ، أو فكأنَّما حبِط عمله لأنَّ الأعمال لا يحبطها إِلَّا الشِّرك، قال تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ
стр. 1750
عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥] ووقع في رواية المُستملي: «من ترك صلاة العصر حبط عمله» بإسقاط «فقد»، وإنَّما خُصَّ الغيم بذلك لأنَّه مظنَّة التَّأخير تنطُّعًا في الاحتياط، وإخلادًا من النَّفس إلى التَّأخير الزَّائد على (١) الحدِّ بحجَّة (٢) الاحتياط، فقابل ما في الطِّباع بالتَّنبيه على مُخالَفتها، والاجتهاد في التَّلوُّم (٣) إليها بالتَّحرِّي بحسب الإمكان، قاله في «المصابيح».
ورواة هذا الحديث السِّتَّة (٤) بصريُّون، وفيه: التَّحديث والقول، وثلاثةٌ من التَّابعين على الولاء، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦٥٩٤]، والنَّسائيُّ وابن ماجه.
(١٦) (بابُ فَضْلِ صَلَاةِ العَصْرِ) على غيرها من الصَّلوات لكونها الوسطى عند الأكثرين.
٥٥٤ - وبالسَّند قال: (حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ) بضمِّ الحاء المُهمَلة (٥)، عبد الله بن الزُّبير القرشيُّ المكِّيُّ (قَالَ: حدَّثنا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ) بن الحارث الفزاريُّ (قَالَ: حدَّثنا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي خالدٍ
стр. 1751
(عَنْ قَيْسٍ) هو ابن أبي حازمٍ -بالحاء المُهمَلة- البجليِّ الكوفيِّ المُخضرَم، ويُقال: له رؤيةٌ، قال في «التَّقريب»: قيس بن أبي حازمٍ، يُقال: له رؤيةٌ، ويُقال (١): إنَّه يروي عن العشرة، تُوفِّي بعد التِّسعين أو قبلها، وقد جاوز المئة وتغيَّر (٢) (عَنْ جَرِيرٍ) البجليِّ ﵁، ولأبي الوقت والهرويِّ والأَصيليِّ: «عن (٣) جرير بن عبد الله» (قَالَ: كُنَّا مَعَ) وفي روايةٍ وهي في «اليونينيَّة» فقط (٤): «عِنْدَ» (النَّبِيِّ ﷺ ، فَنَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةً) أي: في ليلةٍ من اللَّيالي (يَعْنِي: البَدْرَ) وسقط «يعني البدر» عند الأربعة، وهو كذلك عند مسلمٍ كالمؤلِّف من وجهٍ آخر (فَقَالَ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ) (كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ) رؤيةً مُحقَّقةً لا تشكُّون فيها و (٥) (لَا تُضَامُونَ) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وتخفيف الميم، أي: لا ينالكم ضيمٌ في رؤيته، أي: تعبٌ
стр. 1752
أو ظلمٌ فيراه بعضكم (١) دون بعضٍ بأن يدفعه عن الرُّؤية ويستأثر بها، بل تشتركون (٢) في الرُّؤية، فهو تشبيهٌ للرُّؤية بالرُّؤية، لا للمرئيِّ بالمرئيِّ، ورُوِي: «لا تَضامُّون» بفتح أوَّله مع التَّشديد، من الضَّمِّ، أي: لا ينضمُّ بعضكم إلى بعضٍ وقت النَّظر لإشكاله وخفائه، كما تفعلون عند النَّظر إلى الهلال ونحوه، وفي روايةٍ: «أوْلاتضامون، لا تُضاهُّون» بالهاء بدل الميم، على الشَّكِّ، أي: لا يشتبه عليكم وترتابون (٣) فيعارض بعضكم بعضًا (فِي رُؤْيَتِهِ) تعالى (فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَلَّا تُغْلَبُوا) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول، بأن تستعدُّوا لقطع أسبابها، أي: الغلبة (٤) المنافية للاستطاعة كنومٍ وشغلٍ مانعٍ (عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا) يعني: الفجر والعصر كما عند «مسلمٍ» (فَافْعَلُوا) عدم المغلوبيَّة الَّتي لازمها الصَّلاة، كأنَّه قال: صلُّوا في هذين الوقتين (ثمَّ قَرَأَ) ﵊: (﴿وَسَبِّحْ﴾) كما هو ظاهر السِّياق، أو هو جريرٌ الصَّحابيُّ كما عند «مسلمٍ» فيكون مُدرَجًا، وللهرويِّ وأبي الوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «فسبِّح» بالفاء، لكنَّ التِّلاوة: ﴿وَسَبِّحْ﴾ بالواو (﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾) أي: نزِّهه عن العجز عمَّا يمكن، والوصف بما يوجب التَّشبيه حامدًا له على ما أنعم عليك (﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]) يعني: الفجر والعصر، وقد عُرِفت فضيلة الوقتين على غيرهما ممَّا سيأتي -إن شاء الله تعالى- من ذكر اجتماع الملائكة فيهما، ورفع الأعمال … إلى غير ذلك، وقد ورد: أنَّ الرِّزق يُقسَم بعد صلاة الصُّبح، وأنَّ الأعمال تُرفَع آخر النَّهار، فمن
стр. 1753
كان حينئذٍ في طاعة ربِّه بُورِك له في رزقه وعمله، وأعظم من ذلك، بل من (١) كلِّ شيءٍ وهو مُجازاة المُحافَظة عليهما بأفضل العطايا، وهو النَّظر إلى وجه الله تعالى، كما يشعر به سياق الحديث (قَالَ إِسْمَاعِيلُ) ابن أبي خالدٍ في تفسيره (٢): (افْعَلُوا لَا تَفُوتَنَّكُمْ) بنون التَّوكيد، أي (٣): هذه الصَّلاة، وفي روايةٍ: «لا يفوتنَّكم» بالمُثنَّاة التَّحتيَّة.
ومباحث هذا الحديث تأتي إن شاء الله تعالى، ورواته الخمسة (٤) ما بين مكيٍّ وكوفيٍّ، وفيه: تابعيٌّ عن تابعيٍّ، والتَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦٥٧٣] و «التَّفسير» [خ¦٤٨٥١] و «التَّوحيد» [خ¦٧٤٣٤]، ومسلمٌ في «الصَّلاة» وأبو داود.
٥٥٥ - وبه قال: (حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: حدَّثنا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «أخبرنا» (مَالِكٌ) إمام دار الهجرة، ابن أنسٍ (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان القرشيِّ المدنيِّ (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمزٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: يَتَعَاقَبُونَ) أي: الملائكة يتعاقبون بأن تأتيَ طائفةٌ عقب الأخرى على باب «المُفاعَلة» (فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ) كذا أخرجه المؤلِّف بهذا اللَّفظ، وأخرجه في «بدء الخلق» [خ¦٣٢٢٣] من طريق شعيب بن أبي حمزة بلفظ: «الملائكة يتعاقبون، ملائكةٌ باللَّيل وملائكةٌ بالنَّهار» وحينئذٍ ففي سياقه هنا إضمار الفاعل، كأنَّ الرَّاوي اختصر المسوق هنا من المذكور
стр. 1754
في «بدء الخلق»، فـ «ملائكةٌ» المُنكَّر بدلٌ من الضَّمير أو بيانٌ، كأنَّه قِيلَ: من هم؟ فقِيلَ: هم (١) ملائكةٌ، وهذا مذهب سيبويه فيه وفي نظائره، وإلى ذلك ذهب أبو حيَّان والسُّهيليُّ،
стр. 1755
وناقشه أبو حيَّان بأنَّ هذه الطريق اختصرها الرَّاوي، واحتجَّ بحديث أبي هريرة من وجهٍ آخر عند البزَّار: «إنَّ لله ملائكةً يتعاقبون فيكم، ملائكة باللَّيل، وملائكة بالنَّهار»، وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّها دعوى لا دليل عليها، فلا يُلتفَت إليها. انتهى. فليُتأمَّل مع ما مرَّ. نعم شُوحِحَ في العزوِ إلى «مُسنَد البزَّار» مع كونه في «الصَّحيحين» بهذا اللَّفظ، فالعزو إليهما أَوْلى، وبالجملة فوقع في طرق (١) الحديث ما يدلُّ على أنَّه اختُلِف فيه على أبي الزِّناد، فالظَّاهر أنَّه كان تارةً يذكر (٢) هكذا، وتارةً يذكر هكذا، وذلك يقوِّي ما مرَّ أوَّلًا، وحمله ابن مالكٍ وغيره على لغة بني الحارث في: «أكلوني البراغيث»، فـ «الواو» علامة الفاعل المُذكَّر (٣) المجموع، وهي لغة فاشيةٌ، ونازعه أبو حيَّان بما مرَّ، و «التَّعاقب»: أن تأتي جماعةٌ عقب أخرى (٤)، ثمَّ تعود الأولى عقب الثَّانية، وتنكير «ملائكةٍ» في الموضعين ليفيد أنَّ الثَّانية غير الأولى، كما قِيلَ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا. إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الانشراح: ٥ - ٦]: إنَّه استئنافٌ، وَعَدَه تعالى (٥) بأنَّ اليسر (٦) مشفوعٌ