← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

مَا قُلْتَ؟) أي: أين الوفاء بقولك: أنا أوقظكم؟ قال له ﵊ ذلك لينبِّهه على اجتناب الدَّعوى والثِّقة بالنَّفس وحسن الظَّنِّ بها، لاسيَّما في مظانِّ الغلبة وسلب الاختيار (١) (قَالَ) بلالٌ: (مَا أُلْقِيَتْ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (عَلَيَّ نَوْمَةٌ) بالرَّفع نائبًا عن الفاعل (مِثْلُهَا) أي مثل هذه النَّومة في مثل (٢) هذا الوقت (قَطُّ، قَالَ) ﵊: (إِنَّ اللهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ) أي: عن أبدانكم بأن قطع تعلُّقها عنها وتصرُّفها فيها ظاهرًا لا باطنًا (حِينَ شَاءَ، وَرَدَّهَا عَلَيْكُمْ) عند اليقظة (حِينَ شَاءَ، يَا بِلَالُ، قُمْ فَأَذِّنْ بِالنَّاسِ بِالصَّلاة) بتشديد الذَّال من التَّأذين، وبالمُوحَّدتين في «بالنَّاس» و «بالصَّلاة»، وللمُستملي وعزاها في «الفتح» للكُشْمِيْهَنِيِّ: «فآذن النَّاس» بمدِّ الهمزة وحذف المُوحَّدة من «النَّاس» أي: أعلمهم، وللأَصيليِّ: «فآذن» بالمدِّ «للنَّاس» باللَّام بدل المُوحَّدة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فأذِّن» بتشديد الذَّال «النَّاس» بإسقاط المُوحَّدة، وفيه ما ترجم له وهو الأذان للفائتة، وبه قال أحمدُ والشَّافعيُّ في «القديم»، وقال في «الجديد»: لا يؤذِّن لها، وهو قول مالكٍ، واختار النَّوويُّ صحَّة (٣) التَّأذين لثبوت الأحاديث فيه (فَتَوَضَّأَ) ﵊، ولأبي نُعيمٍ في «مُستخرَجه»: «فتوضَّأ النَّاس» (فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ وَابْيَاضَّتْ) بتشديد الضَّاد المُعجَمة بعد الألف كاحمارَّت، أي: صفت (قَامَ) ﵊ (فَصَلَّى) بالنَّاس الصُّبح. ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين كوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: رواية الابن عن أبيه، والتَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٧١]، وأبو داود والنَّسائيُّ. (٣٦) (بابُ مَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ) الفائتة حال كونهم (جَمَاعَةً) أي: مجتمعين (بَعْدَ ذَهَابِ الوَقْتِ).

стр. 1822

٥٩٦ - وبالسَّند قال: (حدَّثنا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ) بفتح الفاء، البصريُّ (قَالَ: حدَّثنا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ: (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ) ﵁ (جَاءَ يَوْمَ) حفر (الخَنْدَقِ) في السَّنة الرَّابعة من الهجرة (بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا كِدْتُ) بكسر الكاف وقد تُضَمُّ (أُصَلِّي العَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ) أي: ما صلَّيت حتَّى غربت الشَّمس لأنَّ «كاد» إذا تجرَّدت من (١) النَّفي كان معناها إثباتًا، وإن دخل عليها نفيٌ كان معناها نفيًا؛ لأنَّ قولك: «كاد زيد يقوم» معناه: إثبات قرب القيام، وقولك: «ما كاد زيدٌ يقوم» معناه: نفي

стр. 1823

قرب الفعل، وههنا نفي قرب الصَّلاة، فانتفت الصَّلاة بطريق (١) الأولى (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَاللهِ مَا صَلَّيْتُهَا، فَقُمْنَا إِلَى بُطْحَانَ) بضمِّ المُوحَّدة وسكون الطَّاء، أو بالفتح والكسر: وادٍ بالمدينة (فَتَوَضَّأَ) ﷺ (لِلصَّلَاةِ وَتَوَضَّأْنَا لَهَا، فَصَلَّى العَصْرَ) بنا جماعةً (بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثمَّ صَلَّى بَعْدَهَا المَغْرِبَ) هذا لا ينهض دليلًا للقول بوجوب ترتيب الفوائت، إِلَّا إذا قلنا: إنَّ أفعاله ﵊ المُجرَّدة للوجوب. نعم لهم أن يستدلُّوا بعموم قوله ﵊: «صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي»، وفي «المُوطَّأ» من طريقٍ أخرى: «أنَّ (٢) الَّذي فاتهم (٣) الظُّهر والعصر»، وأجيب بأنَّ الَّذي في «الصَّحيحين»: «العصر» وهو أرجح، ويؤيِّده حديث عليٍّ ﵁: «شغلونا عن الصَّلاة الوسطى صلاة العصر»، وقد يُجمَع بأنَّ وقعة (٤) الخندق كانت أيَّامًا، فكانت (٥) في يومٍ الظُّهرَ وفي الآخر: العصر، وحملوا تأخيره ﵊ على النِّسيان، أَوْ لم ينس لكنَّه لم يتمكَّن من الصَّلاة، وكان ذلك قبل نزول صلاة الخوف، وظاهر الحديث أنَّه صلَّاها جماعةً، وذلك من قوله: «فقام وقمنا وتوضَّأنا»، بل وقع في رواية الإسماعيليِّ التَّصريح به إذ فيها: «فصلَّى بنا العصر». ورواة هذا الحديث السِّتَّة ما بين بصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «صلاة الخوف» [خ¦٩٤٥] و «المغازي» [خ¦٤١١٢]، ومسلمٌ في «الصَّلاة» وكذا التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ. (٣٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (٦) (مَنْ نَسِي صَلَاةً) حتَّى خرج وقتها (فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا) ولأبوي

стр. 1824

الوقت وذَرٍّ والأَصيليِّ: «إذا ذكر» (وَلَا يُعِيدُ) بصيغة النَّفي، وللأَصيليِّ: «ولا يُعِدْ» بغير ياءٍ بعد العين على النَّهي، أي: لا يقضي (إِلَّا تِلْكَ الصَّلاة) وذهب مالكٌ إلى أنَّ من ذكر بعد أن صلَّى صلاةً أنَّه لم يصلِّ الَّتي قبلها أنَّه يصلِّي الَّتي ذكر، ثمَّ يصلِّي الَّتي كان صلَّاها مراعاةً للتَّرتيب استحبابًا (١) (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ ممَّا وصله الثَّوريُّ في «جامعه» عن منصورٍ وغيره عنه (٢): (مَنْ تَرَكَ صَلَاةً وَاحِدَةً) نسيانًا (عِشْرِينَ سَنَةً) مثلًا (لَمْ يُعِدْ إِلَّا تِلْكَ الصَّلاة الوَاحِدَةَ) الَّتي نسيها فقط. ٥٩٧ - وبالسَّند قال: (حدَّثنا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَيْنٍ (وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ التَّبوذكيُّ (قَالَا: حدَّثنا هَمَّامٌ) هو ابن يحيى (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ أَنَسٍ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ زيادة: «ابن مالكٍ» (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ نَسِيَ صَلَاةً) مكتوبةً أو نافلةً مُؤقَّتةً (٣)، زاد مسلمٌ في روايةٍ: «أو نام عنها» (فَلْيُصَلِّ) وجوبًا في المكتوبة وندبًا في النَّافلة المُؤقَّتة، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «فليصلِّيَ» بالياء المفتوحة، ولـ «مسلمٍ»: «فليصلِّها» (إِذَا ذَكَرَهَا) مبادرًا بالمكتوبة (٤) وجوبًا إن كانت (٥) فاتت بلا عذرٍ، وندبًا إن فاتت بعذرٍ كنومٍ ونسيانٍ تعجيلًا لبراءة الذِّمَّة، ولأبي ذَرٍّ: «إذا ذكر» بإسقاط ضمير المفعول (لَا كَفَّارَةَ لَهَا) أي: لتلك الصَّلاة المتروكة (إِلَّا ذَلِكَ ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾) وللأربعة: «﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾»

стр. 1825

(﴿لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]) بكسر الرَّاء ولامٍ واحدةٍ كالتِّلاوة، أي: لتذكرني فيها، وللأَصيليِّ: «للذِّكرَى» بلامين وفتح الرَّاء بعدها ألفٌ مقصورةٌ. (قَالَ مُوسَى) بن إسماعيل ممَّا انفرد به عن أبي نُعيمٍ: (قَالَ هَمَّامٌ) المذكور: (سَمِعْتُهُ) أي: قتادة (يَقُولُ بَعْدُ) أي: بعد زمان رواية الحديث: (﴿وَأَقِمِ﴾) وللأربعة: «أقم» (﴿الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾) وللأَصيليِّ: «للذِّكرَى» بلامين كما مرَّ، والأمر في الآية لموسى ﵊، فنبَّه نبيُّنا ﵊ بتلاوة (١) هذه الآية على (٢) أنَّ هذا شرعٌ لنا أيضًا، وإذا شُرِعَ القضاء للنَّاسي مع سقوط الإثم فالعامد أَوْلى، وإطلاق الصَّلاة في الحديث يشمل النَّوافل المُؤقَّتة. نعم ذات السَّبب كالكسوف لا يُتصوَّر فيها فواتٌ، فلا تدخل. ورواة هذا الحديث الخمسة (٣) بصريُّون إِلَّا شيخ المؤلِّف أبا نُعيمٍ فكوفيٌّ (٤)، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ في «الصَّلاة»، وكذا أبو داود.

стр. 1826

(وَقَالَ حَبَّانُ) بفتح المُهمَلة وتشديد المُوحَّدة، ابن هلالٍ، وللأَصيليِّ: «قال أبو عبد الله» أي: المؤلِّف ﵀: «وقال حبَّان» (١): (حدَّثنا هَمَّامٌ) قال: (حدَّثنا) ولابن عساكر: «أخبرنا» (قَتَادَةُ) قال: (حدَّثنا أَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ) وهذا التَّعليق وصله أبو عَوانة في «صحيحه» عن عمَّار بن رجاءٍ عن حبَّان، وفيه: بيان سماع قتادة له من (٢) أنسٍ لتزول شبهة تدليس قتادة. (٣٨) (بابُ قَضَاءِ الصَّلَوَاتِ) الفائتة حال كونها (الأُولَى فَالأُولَى) بضمِّ الهمزة فيهما ولأبي الوقت وأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي (٣) والمُستملي: «الصَّلاة» بالإفراد. ٥٩٨ - وبالسَّند قال: (حدَّثنا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حدَّثنا يَحْيَى) ولابن عساكر: «يحيى القطَّان» (عَنْ هِشَامٍ) هو ابن أبي عبد الله سَنْبَر -بفتح السِّين المُهمَلة وسكون النُّون وفتح المُوحَّدة، بوزن «جعفر» - البصريِّ الدَّستوائيِّ بفتح الدَّال، ولأبي ذَرٍّ (٤): «حدَّثنا هشامٌ» (قَالَ: حدَّثنا) وللأَصيليِّ: «حدَّثني» (يَحْيَى -هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ-) بالمُثلَّثة، الطَّائيُّ، ووقع للعينيِّ إسقاط: «يحيى» الأوَّل من سند الحديث، ثمَّ غَلَّطَ الحافظَ ابن حجرٍ والكِرمانيَّ في تفسيرهما له بالقطَّان، ظانًّا أنَّه الثَّاني الَّذي فسَّره المؤلِّف بقوله: هو ابن أبي كثيرٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بفتح اللَّام، ابن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ جَابِرٍ) وللأَصيليِّ: «عن جابر بن عبد الله» (قَالَ: جَعَلَ عُمَرُ) بن الخطَّاب، زاد أبو ذَرٍّ (٥):

стр. 1827

«﵁» ولابن عساكر: «رضوان الله عليه» (يَوْمَ الخَنْدَقِ يَسُبُّ كُفَّارَهُمْ) أي: كفَّار قريشٍ (وَقَالَ): يا رسول الله، وللأربعة: «فقال» (مَا كِدْتُ أُصَلِّي العَصْرَ حَتَّى غَرَبَتْ) ولأبي ذَرٍّ: «حتَّى غربت الشَّمس» (قَالَ: فَنَزَلْنَا بُطْحَانَ، فَصَلَّى) ﵊ (بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثمَّ صَلَّى المَغْرِبَ) بأصحابه. وهذا الحديث تقدَّم قريبًا [خ¦٥٩٦]، وأورده هنا مُختصَرًا. (٣٩) (بابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ السَّمَرِ) أي: حديث اللَّيل المباح (بَعْدَ) صلاة (العِشَاءِ) زاد في رواية أبي ذَرٍّ هنا: «السَّامر» أي: المذكور في قوله تعالى: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧] مُشتَقٌّ «من السَّمَر» بفتح الميم «والجميع» أي (١): والجمع «السُّمَّار» بضمِّ السِّين وتشديد الميم؛ ككاتبٍ وكُتَّابٍ «والسَّامر ههنا» يعني: في هذا الموضع «في موضع الجمع»، وأصل السَّمر: لون ضوء (٢) القمر وكانوا يتحدَّثون فيه.

стр. 1828

٥٩٩ - وبالسَّند قال: (حدَّثنا مُسَدَّدٌ) هو (١) ابن مسرهدٍ (قَالَ: حدَّثنا يَحْيَى) القطَّان (قَالَ: حدَّثنا عَوْفٌ) الأعرابيُّ (قَالَ: حدَّثنا أَبُو المِنْهَالِ) سيَّار بن سلامة (قَالَ: انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي) سلامة (إِلَى أَبِي بَرْزَةَ) نضلة بن عبيدٍ (الأَسْلَمِيِّ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: حدِّثْنا كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي) الصَّلاة (المَكْتُوبَةَ؟ قَالَ) وللأَصيليِّ: «فقال» (كَانَ) ﵊ (يُصَلِّي الهَجِيرَ) أي: الظُّهر (-وَهْيَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الأُولَى- حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ) أي: تزول عن وسط السَّماء إلى جهة المغرب، كأنَّها دُحِضت، أي: زُلِقت (وَ) كان (يُصَلِّي العَصْرَ، ثمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى أَهْلِهِ فِي أَقْصَى المَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ) أي: لم تتغيَّر، قال أبو المنهال: (وَنَسِيتُ مَا قَالَ) أبو برزة (فِي المَغْرِبِ) ولابن عساكر: «ما قال لي في المغرب» (قَالَ: وَكَانَ) ﵊ (يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ العِشَاءَ) أي: صلاتها (قَالَ: وَكَانَ) ﵊ (يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا) خوفًا من إخراجها عن وقتها (وَ) يكره (الحَدِيثَ بَعْدَهَا) وهذه الأخيرة موضع الشَّاهد للتَّرجمة لأنَّ السَّمر قد يؤدِّي إلى النَّوم عن صلاة الصُّبح، أو عن وقتها المختار، أو عن قيام اللَّيل، لكن قد يُفرَّق بين اللَّيالي الطِّوال والقصار،

стр. 1829

وأُجيب بأنَّ حمل الكراهة على الإطلاق أحرى حسمًا للمادَّة، واستثنَوا من الكراهة السَّمر في الخير كالفقه ونحوه، كما سيأتي إن شاء الله تعالى [خ¦٦٠٠] (وَكَانَ) ﵊ (يَنْفَتِلُ مِنْ صَلَاةِ الغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ أَحَدُنَا جَلِيسَهُ) أي: مجالسه (وَيَقْرَأُ مِنَ السِّتِّينَ) آيةً (إِلَى المِئَةِ). (٤٠) (بابُ السَّمَرِ فِي) مُباحَثة (الفِقْهِ وَالخَيْرِ) من عطف العامِّ على الخاصِّ (بَعْدَ) صلاة (العِشَاءِ). ٦٠٠ - وبالسَّند قال: (حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ الصَّبَّاحِ) بالصَّاد المُهمَلة وتشديد المُوحَّدة آخره حاءٌ مُهمَلةٌ، ولأبي ذَرٍّ: «ابن صبَّاحٍ» أي: العطَّار البصريُّ (قَالَ: حدَّثنا أَبُو عَلِيٍّ) عُبَيْد الله بن عبد المجيد، بتصغير «عبدٍ» الأوَّل (الحَنَفِيُّ) البصريُّ (قَالَ: حدَّثنا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ) بضمِّ القاف وتشديد الرَّاء، السَّدوسيُّ (قَالَ: انْتَظَرْنَا الحَسَنَ) البصريَّ (وَرَاثَ) بالمُثلَّثة غير مهموزٍ، والواو للحال، أي: أبطأ (عَلَيْنَا حَتَّى قَرُبْنَا) وللهرويِّ والأَصيليِّ: «علينا حتَّى قريبًا» أي: كان الزَّمان أو ريثه (١) قريبًا (مِنْ وَقْتِ قِيَامِهِ) أي: قيام الحسن من النَّوم لأجل التَّهجُّد، أو من التَّهجُّد (٢)، أو من المسجد لأجل النَّوم (فَجَاءَ فَقَالَ) معتذرًا عن تخلُّفه عن القعود معهم على عادته في المسجد لأخذ العلم عنه، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «وقال»: (دَعَانَا جِيرَانُنَا هَؤُلَاءِ) بكسر الجيم جمع جارٍ (ثمَّ قَالَ) أي: الحسن: (قَالَ أَنَسٌ) وللأَصيليِّ: «أنس بن مالكٍ»: (نَظَرْنَا)

стр. 1830

وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «انتظرنا» (النَّبِيَّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ) أي: في ليلةٍ (حَتَّى كَانَ شَطْرُ اللَّيْلِ) بالرَّفع على أنَّ «كان» تامَّةٌ، أو ناقصةٌ وخبرها قوله: (يَبْلُغُهُ) أي: وصل إليه أو شارفه، وفي بعض لنُّسخ: «شطرَ» بالنَّصب، أي: كان الوقت الشَّطر، و «يبلغه»: استئنافٌ أو جملةٌ مُؤكِّدةٌ (فَجَاءَ) ﷺ (فَصَلَّى لَنَا) أي: بنا (ثمَّ خَطَبَنَا فَقَالَ) في خطبته: (أَلَا) بتخفيف اللَّام (إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا ثمَّ رَقَدُوا، وَإِنَّكُمْ لَمْ) بالميم، وللأربعة: «لن» (تَزَالُوا فِي) ثواب (صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلاة، وَإِنَّ القَوْمَ) وفي الفرع كأصله (١): «قَالَ الحَسَنُ: وَإِنَّ القَوْمَ» (لَا يَزَالُونَ بِخَيْرٍ) وللأربعة: «في خيرٍ» (مَا انْتَظَرُوا الخَيْرَ) عمَّم الحسن الحكم في كلِّ الخيرات (٢) تأنيسًا لأصحابه، ومُعرِّفًا لهم أنَّ منتظر الخير في خيرٍ، فلم يفتهم أجر ما كانوا يتعلَّمون منه (٣) في تلك اللَّيلة. (قَالَ قُرَّةُ) بن خالدٍ: (هُوَ) أي: مقول الحسن ذلك (٤)، وهو «إنَّ القوم لا يزالون … » إلى آخره، (مِنْ) جملة (حَدِيثِ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬). ورواة هذا الحديث الخمسة كلُّهم بصريُّون، وفيه: التَّحديث والقول، وأخرجه مسلمٌ.

стр. 1831

٦٠١ - وبه قال: (حدَّثنا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة الحمصيُّ (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (وَأَبُو بَكْرِ ابْنُ أَبِي حَثْمَةَ) بفتح الحاء المُهمَلة وسكون المُثلَّثة، نسبةً إلى جدِّه لشهرته به، وأبوه سليمان: (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄ (قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةَ العِشَاءِ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ) من الصَّلاة (قَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: أَرَأَيْتَكُمْ) استفهام تعجُّبٍ (١)، و «الكاف»: حرف خطابٍ أُكِّد

стр. 1832

به الضَّمير، لا محلَّ له من الإعراب لأنَّك تقول: أرأيتك زيدًا ما شأنَه (١)، فلو جعلت الكاف مفعولًا -كما قاله الكوفيُّون- لعدَّيت الفعل إلى ثلاثة مفاعيل، وللزم أن يُقال: أرأيتموكم، بل الفعل مُعلَّقٌ، أو المفعول محذوفٌ تقديره: أرأيتكم (لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ؟!) فاحفظوها واحفظوا

стр. 1833

تاريخها (فَإِنَّ رَأْسَ مِئَةٍ لَا يَبْقَى) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «مئة سنةٍ لا يبقى» (مِمَّنْ هُوَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ) كلِّها (أَحَدٌ) ممَّن ترونه أو تعرفونه، أو «ال» للعهد، والمراد: أرضه الَّتي نشأ بها وبُعِثَ منها، قال ابن عمر: (فَوَهَِلَ النَّاسُ) بفتح الواو والهاء، ويجوز كسرها، أي: غلطوا وذهب وهمهم إلى خلاف الصَّواب (فِي) تأويل (مَقَالَةِ رَسُولِ اللهِ) وللمُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ: «من مقالة رسول الله» بالميم، أي: من حديثه، ولأبي ذَرٍّ: «في مقالة النَّبيِّ» (¬ ﷺ إِلَى مَا يَتَحَدَّثُونَ فِي هَذِهِ) وللحَمُّويي والمُستملي: «من هذه» (الأَحَادِيثِ عَنْ مِئَةِ سَنَةٍ) فكان بعضهم يقول: تقوم السَّاعة عند انقضاء مئة سنةٍ كما في حديث أبي مسعودٍ البدريِّ عند (١) «الطَّبرانيِّ»، وردَّ عليه ذلك عليُّ بن أبي طالبٍ فبيَّن ابن عمر في هذا الحديث مراد الرَّسول ﷺ بذلك، فقال: (وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ، يُرِيدُ بِذَلِكَ) أي: بقوله (٢): «مئة سنةٍ» (أنَّها تَخْرِمُ ذَلِكَ القَرْنَ) الَّذي هو فيه، فلا يبقى أحدٌ ممَّن كان موجودًا حال تلك المقالة، وفي ذلك علمٌ من أعلام النُّبوَّة؛ فإنَّه (٣) استُقرِئ ذلك فكان آخر من ضُبِط عمره مِمَّن كان موجودًا إذ ذاك أبو الطُّفيل عامر بن واثلة، وقد أجمع المحدِّثون على أنَّه كان آخر الصَّحابة موتًا في الكوفة (٤)، وغاية ما قِيلَ فيه: إنَّه بقي إلى سنة عشرٍ ومئةٍ، وهي رأس مئةِ سنةٍ من مقالته ﵊، وقد (٥) تقدَّم مزيدٌ لذلك في «باب السَّمر في العلم» [خ¦١١٦]، والله المستعان.

стр. 1834

(٤١) (بابُ السَّمَرِ مَعَ الأَهْلِ) الزَّوجة والأولاد والعيال (وَ) مع (الضَّيْفِ) ولغير أبي ذَرٍّ: «مع الضَّيف والأهل». ٦٠٢ - وبالسَّند قال: (حدَّثنا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ (قَالَ: حدَّثنا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) التَّيميُّ (١) (قَالَ: حدَّثنا أَبِي) سليمان بن طرخان قال: (حدَّثنا أَبُو عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن بن مَُِلٍّ النَّهديُّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵄: (أَنَّ أَصْحَابَ

стр. 1835

الصُّفَّةِ) الَّتي كانت بآخر المسجد النَّبويِّ مظلَّلًا عليها (كَانُوا أُنَاسًا) بهمزةٍ مضمومةٍ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ناسًا» (فُقَرَاءَ) يأوون إليها (وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ) من أهل الصُّفَّة (وَإِنْ) كان عنده طعام (أَرْبَعٌٍ فَخَامِسٌٍ) أي: فليذهب معه بخامسٍ منهم (أَوْ سَادِسٌٍ) مع الخامس، أي: يذهب معه بواحدٍ أو باثنين، أو المراد: إن كان عنده طعام خمسةٍ فليذهب بسادسٍ، فهو من عطف جملةٍ على جملةٍ، وفيه حذف حرف الجرِّ وإبقاء عمله، ويجوز الرَّفع فيها (١) على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، ويُضمَر مُبتدأٌ للفظ «خامسٌ» أي: فالمذهوب به خامسٌ، وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: «وإن أربعةٌ» وكلمة «أو» للتَّنويع، والحكمة في كونه يزيد كلَّ واحدٍ واحدًا فقط: أنَّ عيشهم في ذلك الوقت لم يكن متَّسعًا، فمن كان عنده مثلًا ثلاثة أنفسٍ لا يضيق عليه أن يطعم الرَّابع من قوتهم، وكذلك الأربعة فما فوقها (٢) أو للإباحة، واستُنبِط منه: أنَّ السُّلطان يفرِّق في المسغبة (٣) الفقراء على أهل السَّعة بقدر ما لا يجحف (٤) بهم (وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁، بفتح همزة «أنَّ»، ولأبي ذَرٍّ: «وإنَّ أبا بكرٍ» بكسرها (جَاءَ بِثَلَاثَةٍ) من أهل الصُّفَّة (فَانْطَلَقَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «وانطلق» (النَّبِيُّ ﷺ بِعَشَرَةٍ) منهم (قَالَ) عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (٥) ﵁: (فَهْوَ) أي: الشَّأن (أَنَا) في الدار (وَأَبِي وَأُمِّي) ولأبوي ذَرٍّ والوقت عن الحَمُّويي:

стр. 1836

«أنا وأبي» بالباء من غير ذكر «الأمِّ»، وللمُستملي: «أنا وأمِّي» بالميم من غير ذكر «الأب»، قال أبو عثمان النَّهديُّ: (فَلَا أَدْرِي قَالَ) وللأربعة: «ولا أدري هل قال» أي: عبد الرَّحمن (وَامْرَأَتِي) أميمة (١) بنت عَدِيِّ بن قيسٍ السَّهميِّ (وَخَادِمٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ) بين (٢): ظرفٌ لـ «خادمٌ»، والمراد: أنَّه شركةٌ بينهما في الخدمة، وللأربعة: «بين بيتنا وبيت أبي بكرٍ» ولأبي ذَرٍّ: «بين بيتنا وبين بيت أبي بكرٍ» (٣) (وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ) ﵁ (تَعَشَّى) أي: أكل العشاء، وهو طعام آخر النَّهار (عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ثمَّ لَبِثَ) في داره (حَيْثُ) بالثَّاء المُثلَّثة (٤)، وللكُشْمِيْهَنِيِّ وأبي الوقت: «حتَّى» ولابن عساكر في نسخةٍ: «حين» (صُلِّيَتِ العِشَاءُ) بضمِّ الصَّاد وكسر اللَّام مُشدَّدةً مبنيًّا للمفعول (ثمَّ رَجَعَ) أبو بكرٍ إلى رسول الله ﷺ (فَلَبِثَ) عنده (حَتَّى تَعَشَّى) ولـ «مسلمٍ»: «حتَّى نعس» (النَّبِيُّ ﷺ ¬) وفيه على رواية: «حتَّى تعشَّى» مع و «أنَّ أبا بكرٍ تعشَّى» تكرارٌ يأتي الكلام عليه -إن شاء الله تعالى- في «باب

стр. 1837

علامات النُّبوَّة في الإسلام» [خ¦٣٥٨١] (١) (فَجَاءَ بَعْدَ مَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللهُ، قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ) وهي أمُّ رومان، زينب بنت دُهْمان، بضمِّ المُهمَلة وسكون الهاء، أحد بني فراس بن غنم بن مالك بن كنانة: (وَمَا) وللأربعة: «ما» (حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ؟ -أَوْ قَالَتْ: ضَيْفِكَ-) بالإفراد مع كونهم ثلاثةً لإرادة الجنس (قَالَ) أبو بكرٍ لزوجته: (أَوَمَا عَشَّيْتِيهِمْ (٢)؟) بهمزة الاستفهام والياء المتولِّدة من إشباع كسرة التَّاء، وفي نسخةٍ: «عشَّيتِهم» بحذفها، والعطف على مُقدَّرٍ بعد الهمزة (قَالَتْ: أَبَوْا) أي: امتنعوا من الأكل (حَتَّى تَجِيءَ، قَدْ عُرِضُوا) بضمِّ العين وكسر الرَّاء المُخفَّفة، أي: عُرِضَ الطَّعام على الأضياف، فحذف الجارَّ وأوصل الفعل، أو هو من باب القلب، نحو: عرضت النَّاقة على الحوض (٣)، وفي روايةٍ: «عَرَضوا» بفتح العين والرَّاء مُخفَّفةٌ، أي: الأهل من

стр. 1838

الولد والمرأة والخادم على الأضياف (فَأَبَوْا) أن يأكلوا (قَالَ) عبد الرَّحمن: (فَذَهَبْتُ أَنَا فَاخْتَبَأْتُ) خوفًا من أبي وشتمه (فَقَالَ) أبو بكرٍ: (يَا غُنْثَرُ) بضمِّ الغين المُعجَمة وسكون النُّون وفتح المُثلثَّة وضمِّها، أي: يا ثقيل، أو يا جاهل، أو يا دنيء، أو يا لئيم (فَجَدَّعَ) بفتح الجيم والدَّال المُهمَلة المُشدَّدة وفي آخره عينٌ مُهمَلةٌ، أي: دعا على ولده بالجدع، وهو قطع الأذن أو الأنف أو الشَّفة (وَسَبَّ) ولده ظنًّا منه أنَّه فرَّط في حقِّ الأضياف (وَقَالَ) أبو بكرٍ ﵁ لمَّا تبيَّن له أنَّ التَّأخير منهم: (كُلُوا لَا هَنِيئًا) تأديبًا لهم لأنَّهم تحكَّموا على ربِّ المنزل بالحضور معهم، ولم يكتفوا بولده مع إذنه لهم في ذلك، أو هو خبرٌ، أي: أنَّكم لم تتهنَّوا بالطَّعام في وقته، قال البرماويُّ: وهذا ينبغي الحمل عليه، ثمَّ حلف أبو بكرٍ ألَّا يطعمه (فَقَالَ: وَاللهِ، لَا أَطْعَمُهُ أَبَدًا، وَايْمُ اللهِ) قسمي بهمزة الوصل، وقد تُقطَع (مَا كُنَّا نَأْخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إِلَّا رَبَا) الطَّعام، أي: زاد (مِنْ أَسْفَلِهَا) أي: اللُّقمة (أَكْثَرُ مِنْهَا) برفع الرَّاء فقط (١) كما في «اليونينيَّة» (قَالَ) عبد الرَّحمن: يَعْنِي (٢) (حَتَّى شَبِعُوا) ولأبوَي الوقت وذَرٍّ والأَصيليِّ: «قال: وشبعوا» وفي روايةٍ: «فشبعوا» (٣) (وَصَارَتْ) أي: الأطعمة (أَكْثَرَ) بالمُثلَّثة، وفي بعض النُّسخ: «أكبر» بالمُوحَّدة (مِمَّا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ) ﵁ (فَإِذَا هِيَ) أي: الأطعمة أو

стр. 1839

الجفنة (كَمَا هِيَ) على حالها الأوَّل لم تنقص شيئًا (أَوْ) هي (أَكْثَرُ مِنْهَا) ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «أو أكثرُ» بالرَّفع في «اليونينيَّة» لا غير (١) (فَقَالَ) أبو بكرٍ (لاِمْرَأَتِهِ) أمِّ عبد الرَّحمن: (يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ) بكسر الفاء وتخفيف الرَّاء آخره سينٌ مُهمَلةٌ، أي: يا من هي من بني فراسٍ، وقد اختُلِف في نسبها (٢) اختلافًا كثيرًا ذكره ابن الأثير (مَا هَذَا؟) استفهامٌ عن حال الأطعمة، ولابن عساكر: «ما هذه؟» (قَالَتْ) أمُّ رومان: (لَا) شيء غير ما أقوله (وَ) حقِّ (قُرَّةِ عَيْنِي) رسول الله ﷺ ، ففيه الحلف بالمخلوق، أو المراد: وخالق قرَّة عيني، أو لفظة «لا» زائدةٌ، وقرَّة العين يُعبَّر بها عن المسرَّة ورؤية ما يحبُّه الإنسان لأنَّ العين تقرُّ ببلوغ الأمنية، فالعين تقرُّ ولا تتشوَّف لشيءٍ، وحينئذٍ يكون مُشتقًّا من القرار (٣)، وقول الأصمعيِّ: أقرَّ الله عينه، أي: أبرد دمعه لأنَّ دمع الفرح باردٌ ودمع الحزن حارٌّ، وتعقَّبه بعضهم فقال: ليس كما ذكره، بل كلُّ دمعٍ حارٌّ، قال (٤): ومعنى قولهم (٥): هو (٦) قرَّة عيني إنَّما يريدون: هو رضا نفسي (لَهِيَ) أي: الأطعمة أو الجفنة (الآنَ أَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَِ بِثَلَاثِ مَرَّاتٍ) وللأَصيليِّ: «مرارٍ» وهذا النُّموُّ كرامةٌ من كرامات الصِّدِّيق، آيةٌ من آيات النَّبيِّ ﷺ ظهرت على يد أبي بكرٍ (فَأَكَلَ مِنْهَا) أي: من الأطعمة أو من الجفنة (أَبُو بَكْرٍ) ﵁ (وَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَِ) بكسر الكاف وفتحها (مِنَ الشَّيْطَانِ -يَعْنِي: يَمِينَهُ-) وهي (٧) قوله: والله لا أطعمه أبدًا، فأخزاه

стр. 1840

بالحنث الَّذي هو خيرٌ، أو المراد: لا أطعمه معكم، أو في هذه السَّاعة، أو عند الغضب، لكن هذا مبنيٌّ على جواز تخصيص العموم في اليمين بالنِّيَّة، أو أنَّ الاعتبار بخصوص السَّبب لا بعموم اللَّفظ الوارد عليه، قاله البرماويُّ والعينيُّ كالكِرمانيِّ (ثمَّ أَكَلَ) أبو بكرٍ (مِنْهَا) أي: من الأطعمة أو من الجفنة (لُقْمَةً) أخرى لتطييب قلوب أضيافه، وتأكيدًا لدفع الوحشة (ثمَّ حَمَلَهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ) ﷺ (وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَقْدٌ) أي: عهد (١) مهادنةٍ (فَمَضَى الأَجَلُ) فجاؤوا إلى المدينة (فَفَرَّقَنَا) حال كون المُفرَّق (اثْنَي عَشَرَ رَجُلًا) ولغير الأربعة: «اثنا عشر» بالألف على لغة من يجعل (٢) المُثنَّى كالمقصور في أحواله الثَّلاثة، والمعنى: ميَّزنا أو جعلنا كلَّ رجل من اثني عشر رجلًا (٣) (٤) فرقةً، ولأبي ذَرٍّ: «فَعرَّفنا» بالعين المُهمَلة وتشديد الرَّاء، أي: جعلناهم عرفاء، وفي «اليونينيَّة» بسكون الفاء، وفيها أيضًا بالتَّخفيف للحَمُّويي والمُستملي، والتَّثقيل لأبي الهيثم (٥) (مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ، اللهُ أَعْلَمُ كَمْ) رجلٍ (٦) (مَعَ كُلِّ رَجُلٍ) وجملة: «الله أعلم» اعتراضٌ، أي: أناسٌ اللهُ يعلم عددهم، وزاد في روايةٍ: «منهم» (فَأَكَلُوا مِنْهَا) أي: من الأطعمة (أَجْمَعُونَ، أَوْ كَمَا قَالَ) عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ ﵄، والشَّكُّ من أبي عثمان، فإن قلت: ما وجه المُطابَقة بين الحديث والتَّرجمة؟ أُجيب:

стр. 1841

من اشتغال أبي بكرٍ بمجيئه إلى بيته ومراجعته لخبر (١) الأضياف، واشتغاله (٢) بما دار بينهم من المُخاطَبة والمُلاطَفة والمُعاتَبة. ورواة هذا الحديث خمسةٌ، وفيه: رواية صحابيٍّ عن صحابيٍّ، ومخضرمٌ وهو أبو عثمان، والتَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٥٨١] و «الأدب» [خ¦٦١٤١]، ومسلمٌ في «الأطعمة»، وأبو داود في «الأيمان والنُّذور»، والله أعلم بالصَّواب (٣)، وإليه المرجع والمآب (٤).

стр. 1842

((١٠)) (بسم الله الرحمن الرحيم) كذا هي ثابتةٌ في غير (١) رواية ابن عساكر كما في الفرع وأصله. (كِتَابُ الأَذَانِ) بالذَّال المُعجمَة، وهو في اللُّغة: الإعلام، وفي الشَّرع: إعلامٌ مخصوصٌ بألفاظٍ مخصوصةٍ في أوقاتٍ مخصوصةٍ. وهو (٢) ثابتٌ في رواية ابن عساكر، ساقطٌ في رواية أبي ذَرٍّ وغيره. (بابٌ بَدْءُ الأَذَانِ) بهمزةٍ بعد الدَّال المُهمَلة، أي: ابتدائه، وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ (٣) «بدء الأذان» فأسقط التَّبويب (وَقَوْلُهُ) بالرَّفع، أو بالجرِّ عطفًا على المجرور السَّابق، وللأَصيليِّ «وقول الله» : ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ﴾) أي: أذَّنتم داعين (﴿إِلَى الصَّلَاةِ﴾) الَّتي هي أفضل

стр. 1843

الأعمال عند ذوي الألباب (﴿اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾) أي: اتَّخذوا الصَّلاة أو المناداة، وفيه دليلٌ على أنَّ الأذان مشروعٌ (١) للصَّلاة (﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ٥٨]) معاني عبادة الله وشرائعه، واستُدِلَّ به على مشروعيَّة الأذان بالنَّصِّ لا بالمنام وحده، قال الزُّهريُّ فيما ذكره ابن كثيرٍ الحافظ: «قد ذكر الله التَّأذين في هذه الآية». رواه ابن أبي حاتمٍ (وَقَوْلُهُ) تعالى بالرَّفع والجرِّ كما مرَّ (٢): (﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ﴾) أذِّن لها (﴿مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]) عند قعود

стр. 1844

الإمام على المنبر للخطبة، زاد في رواية الأَصيليِّ «الآية» واللَّام للاختصاص، وعن ابن عبَّاسٍ -فيما رواه أبو الشَّيخ-: أنَّ فرض الأذان نزل مع الصَّلاة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] والأكثرون على أنَّه برؤيا عبد الله بن زيدٍ وغيره، ووجه المُطابَقة بين التَّرجمة والآيتين كونهما مدنيَّتين وابتداء الجمعة إنَّما كان بالمدينة، والرَّاجح أنَّ الأذان كان في السَّنة الأولى من الهجرة. ٦٠٣ - وبالسَّند قال: (حدَّثنا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ) بفتح الميم وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، الأَدَميُّ البصريُّ قال: (حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان التَّنُّوريُّ؛ بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وتشديد النُّون البصريُّ قال: (حدَّثنا خَالِدٌ) ولغير أبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ «خَالِدٌ الحَذَّاءُ» (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف، عبد الله بن زيدٍ (عَنْ أَنَسٍ) وللأَصيليِّ زيادة «ابن مالكٍ» (قَالَ: ذَكَرُوا النَّارَ وَالنَّاقُوسَ، فَذَكَرُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى) كذا وقع مُختصَرًا في رواية عبد الوارث، وساقه

стр. 1845

بتمامه عبد الوهَّاب في الباب اللَّاحق [خ¦٦٠٦] حيث قال: لمَّا كثر النَّاس ذكروا أن يُعْلِموا وقت الصَّلاة بشيءٍ يعرفونه، فَذَكَرُوا أن يُورُوا (١) نارًا أو يضربوا ناقوسًا (فَأُمِرَ بِلَالٌ) بضمِّ الهمزة، أي: أمره النَّبيُّ ﷺ ، كما وقع مُصرَّحًا به في رواية النَّسائيِّ وغيره عن قتيبة عن عبد الوهَّاب (أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ) بفتحاتٍ وسكون الشِّين (٢)، أي: يأتي بألفاظه مَثنًى، إِلَّا لفظ التَّكبير في أوَّله فإنَّه أربعٌ، وإلَّا كلمة التَّوحيد في آخره فإنَّها مفردةٌ، فالمراد: معظمه (وَأَنْ يُوتِرَ الإِقَامَةَ) إِلَّا لفظ الإقامة فإنَّه يُثنَّى، واستُنبِط من قوله: «فأُمِر بلالٌ» وجوب الأذان، والجمهور على أنَّه سُنَّةٌ، وأجاب القائل بالوجوب بأنَّ الأمر إنَّما وقع لصفة الأذان في كونه شفعًا لا لأصل الأذان (٣) ولئن سلَّمنا أنَّه لنفس الأذان، لكنَّ الصِّيغة الشَّرعيَّة واجبةٌ في الشَّيء ولو كان نفلًا كالطَّهارة لصلاة النَّفل، وأُجيب بأنَّه إذا ثبت الأمر بالصِّفة لزم أن يكون الأصل مأمورًا به، قاله ابن دقيق العيد. ورواة هذا الحديث الخمسة بصريُّون، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف في «ذكر بني إسرائيل» [خ¦٣٤٥٧]، ومسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ والتِّرمذيُّ وابن ماجه. ٦٠٤ - وبه قال: (حدَّثنا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ) بفتح الغين المُعجَمة العدويُّ المروزيُّ (قَالَ: حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ (٤) جُرَيْجٍ) عبد الملك (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد

стр. 1846

(نَافِعٌ) مولى ابن عمر: (أَنَّ ابْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (كَانَ يَقُولُ: كَانَ المُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا المَدِينَةَ) من مكَّة في الهجرة (يَجْتَمِعُونَ فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلاة) بالحاء المهملة «يتفعَّلون» أي: يقدِّرون حينها ليدركوها في الوقت، وللكُشْمِيْهَنِيِّ «فيتحيَّنون للصَّلاة» (لَيْسَ يُنَادَى لَهَا) بفتح الدَّال مبنيًّا للمفعول، وفيه -كما نقلوا عن ابن مالكٍ- جوازُ استعمال «ليس» حرفًا لا اسمٌ لها ولا خبرٌ، ويجوز أن يكون اسمها ضمير الشَّأن، وخبرها الجملة بعد، وفي رواية مسلمٍ ما يؤيِّد ذلك، ولفظه: «ليس ينادي بها أحدٌ» (فَتَكَلَّمُوا) أي: الصَّحابة ﵃ (يَوْمًا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اتَّخِذُوا نَاقُوسًا) بكسر الخاء على صورة الأمر (مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى) الَّذي يضربونه (١) لوقت صلاتهم (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ بُوقًا) أي: اتَّخذوا بُوقًا؛ بضمِّ المُوحَّدة (مِثْلَ قَرْنِ اليَهُودِ) الَّذي يُنفَخ فيه، فيجتمعون عند سماع صوته، ويُسمَّى الشَبُّور؛ بفتح الشِّين المُعجَمة وتشديد المُوحَّدة المضمومة، فافترقوا، فرأى عبد الله بن زيدٍ الأذان، فجاء إلى النَّبيِّ ﷺ فقصَّ عليه رؤياه فصدَّقه، وسقطت واو «وقال» لأبي الوقت، و «بل» في روايةٍ أخرى (فَقَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁: (أَوَلَا) بهمزة الاستفهام وواو العطف على مُقدَّرٍ، أي: أتقولون بموافقتهم (٢) ولا (تَبْعَثُونَ رَجُلًا) زاد الكُشْمِيْهَنِيِّ: «منكم» حال كونه (يُنَادِي بِالصَّلاة؟) وعلى هذا فـ «الفاء» هي الفصيحة، والتَّقدير -كما مرَّ- «فافترقوا» قاله القرطبيُّ، وتعقَّبه الحافظ ابن حجرٍ بأنَّ سياق حديث عبد الله بن زيدٍ يخالف ذلك، فإنَّ فيه: أنَّه لمَّا قصَّ رؤياه على النَّبيِّ ﷺ قال: فسمع عمر الصَّوت، فخرج فأتى النَّبيَّ ﷺ فقال: رأيت مثل الَّذي رأى، فدلَّ على أنَّ عمر لم يكن حاضرًا لمَّا قصَّ عبد الله، قال: والظَّاهر أنَّ إشارة عمر بإرسال رجلٍ ينادي بالصَّلاة كانت عقب المُشاوَرة فيما يفعلونه (٣)، وأنَّ رؤيا عبد الله كانت بعد ذلك، وتعقَّبه العينيُّ بحديث أبي بِشْرٍ عن أبي عُمَيْر بن أنسٍ عن عمومةٍ له من الأنصار عند أبي داود،

стр. 1847

فإنَّه قال فيه بعد قول عبد الله بن زيدٍ: إذ أتاني آتٍ فأراني الأذان، وكان عمر قد رآه (١) قبل ذلك فكتمه، فقال له النَّبيُّ ﷺ : «ما منعك أن تخبرنا … » إلى آخره، وليس فيه: «أنَّ عمر سمع الصَّوت فخرج» قال (٢): فهو يقوِّي كلام القرطبيِّ ويردُّ كلام بعضهم، أي: ابن حجرٍ. انتهى. وأجاب ابن حجرٍ في «انتقاض الاعتراض» بأنَّه إذا سكت في رواية أبي عميرٍ (٣) عن قوله: «فسمع عمر الصَّوت فخرج» وأثبتها ابن عمر إنَّما يكون إثبات ذلك دالًّا على أنَّه لم يكن حاضرًا، فكيف يُعترَض بمثل هذا؟! انتهى. (فَقَالَ) بالفاء، ولأبي الوقت: «وقال» (رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَا بِلَالُ، قُمْ فَنَادِ بِالصَّلاة) أي: اذهب إلى موضعٍ بارزٍ فنادِ فيه بالصَّلاة ليسمعك النَّاس، كذا قاله النَّوويُّ متعقِّبًا من استنبط منه مشروعيَّة الأذان قائمًا كابن خزيمة وابن المنذر وعياضٍ. نعم هو سنَّةٌ فيه، وبه استدلَّ العلَّامَة الجلال المحلِّيُّ للقيام موافقةً لمن تعقَّب (٤) النَّوويُّ، فإن قلت: ما الحكمة في تخصيص الأذان برؤيا رجلٍ ولم يكن بوحيٍ، أُجيب: لِمَا فيه من التَّنويه بالنَّبيِّ ﷺ والرَّفع لذكره لأنَّه إذا كان على لسان غيره كان أرفع لذكره وأفخر لشأنه، على أنَّه روى أبو داود في «المراسيل»: أنَّ عمر لمَّا رأى الأذان جاء ليخبر النَّبيَّ ﷺ ، فوجد الوحي قد ورد بذلك، فما راعه إلَّا أذان بلالٍ، فقال له ﵊: «سبقك بذلك (٥) الوحي».

стр. 1848

ورواة هذا الحديث خمسةٌ، وفيه: التَّحديث والإخبار والقول، وأخرجه مسلمٌ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ. (٢) (باب الأَذَانُ مَثْنَى مَثْنَى) بغير تنوينٍ مع التَّكرار للتَّوكيد، أي: مرَّتين مرَّتين، ولابن عساكر، وعزاها العينيُّ -كالحافظ ابن حجرٍ- لغير الكُشْمِيْهَنِيِّ: «مثنى» مُفرَدًا؛ بإسقاط الثَّانية. ٦٠٥ - وبالسَّند قال: (حدَّثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الأزديُّ الواشحيُّ (١)؛ بمُعجَمةٍ ثمَّ مُهمَلةٍ البصريُّ (قَالَ: حدَّثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بن درهم الجهضميُّ البصريُّ (عَنْ سِمَاكِ بْنِ عَطِيَّةَ) بكسر

стр. 1849

السِّين وتخفيف الميم، البصريِّ المِرْبديِّ (١)؛ بكسر الميم وسكون الراء (٢) بعدها مُوحَّدةٌ ودالٌ مُهمَلةٌ (٣) (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف، عبد الله بن زيدٍ الجرميِّ البصريِّ (عَنْ أَنَسٍ) وللأَصيليِّ زيادة: «ابن مالكٍ» (قَالَ: أُمِرَ) وفي «الفرع المكِّيِّ»: «قال: قال: أُمِرَ» (٤) (بِلَالٌ) بضمِّ الهمزة، أي: أمره الرَّسول ﷺ لأنَّه الآمر النَّاهي، وهذا هو الصَّواب خلافًا لمن زعم أنَّه موقوفٌ، ودُفِعَ بأنَّ الخبر عن الشَّرع لا يُحمَل إلَّا على أمر الرَّسول (أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة، أي: يجعل أكثر كلماته مُثنَّاةً (وَأَنْ يُوتِرَ) وفي روايةٍ: «ويوتر» (الإِقَامَةَ) أي: يفردها جميعًا (إِلَّا الإِقَامَةَ) أي: لفظ الإقامة وهي قوله: «قد قامت الصَّلاة» فإنَّها تُشفَع، وسقط للأَصيليِّ لفظ «الإقامة» الأولى. ٦٠٦ - وبه قال: (حدَّثنا) بالجمع، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثني» (مُحَمَّدٌ) زاد أبو ذَرٍّ «هو ابن سلامٍ» (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثني» (عَبْدُ الوَهَّابِ) وللأربعة: «عبد الوهَّاب الثَّقفيُّ» (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولابن عساكر: «حدَّثنا» (خَالِدٌ الحَذَّاءُ) بن مهران (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) عبد الله بن زيدٍ (٥) ﵁ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (قَالَ: لَمَّا كَثُرَ النَّاسُ) بتشديد الميم (قَالَ: ذَكَرُوا) جواب «لمَّا» ولفظة «قال» الثَّانية زائدةٌ لتأكيد «قال» السَّابقة (أَنْ يُعْلِمُوا وَقْتَ الصَّلاة بِشَيْءٍ يَعْرِفُونَهُ) بضمِّ أوَّل «يُعلِموا» وكسر ثالثه، أي: يجعلوا له علامةً يُعرَف بها،

стр. 1850

ولكريمة ولغير الأربعة (١): «أن يَعلَموا» بفتحهما (٢)، من العلم (فَذَكَرُوا أَنْ يُورُوا) أي: يوقدوا (نَارًا أَوْ يَضْرِبُوا نَاقُوسًا) كالمجوس والنَّصارى (فَأُمِرَ بِلَالٌ) بضمِّ الهمزة، أي: فأمره النبي ﷺ (٣) (أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ) أي: معظمه (وَأَنْ يُوتِرَ الإِقَامَةَ) أي: يأتي بألفاظها مُفرَدةً، أي: إلَّا لفظ: «قد قامت الصَّلاة» فيأتي بها شفعًا كما مرَّ في الحديث السَّابق، وهذا مذهب الشَّافعيِّ وأحمد، والمراد معظمها (٤)؛ فإنَّ كلمة التَّوحيد في آخر الأذان مُفردَةٌ، والتَّكبير في أوَّله أربعٌ، ولفظ الإقامة مَثنَى -كما مرَّ- ولفظ الشَّفع يتناول التَّثنية والتَّربيع، فليس في لفظ (٥) حديث الباب ما يخالف ذلك، على أنَّ تكرير (٦) التَّكبير تثنيةٌ في الصُّورة مُفرَدةٌ (٧) في الحكم، ولذا يُستَحبُّ أن يُقالا بنَفَسٍ واحدٍ، وذهب مالكٌ وأتباعه إلى (٨) أنَّ التَّكبير في أوَّل الأذان مرَّتين لروايته (٩) من وجوهٍ صِحاحٍ في أذان أبي محذورة وأذان ابن زيدٍ، والعمل عندهم بالمدينة على ذلك في آل سعدٍ القَرَظِ (١٠) إلى زمانهم، لنا: حديث أبي محذورة عند مسلمٍ وأبي عَوانة والحاكم وهو المحفوظ عن الشَّافعيِّ من حديث ابن زيدٍ -كما مرَّ (١١) - والإقامة إحدى عشرة كلمةً، والأذان تسع

стр. 1851

عشرة كلمةً بالتَّرجيع؛ وهو أن يأتي بالشَّهادتين مرَّتين سرًّا قبل قولهما جهرًا لحديث مسلمٍ فيه، وإنَّما اختُصَّ التَّرجيع بالشَّهادتين لأنَّهما أعظم ألفاظ الأذان، وليس بسُنَّةٍ عند الحنفيَّة للرِّوايات المتَّفقة على أن لا ترجيع في أذان بلالٍ وعمرِو بن أمِّ مكتومٍ إلى أن تُوفِّيا، والله أعلم. (٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (الإِقَامَةُ) الَّتي تقام (١) بها الصَّلاة ألفاظها (وَاحِدَةٌ) لم يكرِّر لفظ «واحدةٍ» مراعاةً للفظ حديث ابن عمر عند ابن حبَّان ولفظه: «الأذان مثنى والإقامة واحدةٌ». نعم في حديثٍ لأبي محذورة عند الدَّارقطنيِّ تكريره (٢) (إِلَّا قَوْلَهُ: قَدْ قَامَتِ الصَّلاة) فإنَّه يكرِّره. ٦٠٧ - وبالسَّند قال: (حدَّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن جعفرٍ المدينيُّ البصريُّ إمام عصره في الحديث وعلله قال: (حدَّثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابنُ عُلَيَّة قال: (حدَّثنا خَالِدٌ) وفي روايةٍ: «خالدٌ الحذَّاء» (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) عبد الله بن زيدٍ (عَنْ أَنَسٍ) وللأَصيليِّ: «أنس بن مالكٍ» (قَالَ: أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَأَنْ يُوتِرَ الإِقَامَةَ) وهي الإعلام بالشُّروع في الصَّلاة بألفاظٍ مخصوصةٍ، وتمتاز عن الأذان بأن (٣) يأتيَ

стр. 1852

بها فُرادى، وهو حجَّةٌ على الحنفيَّة في تثنيتها، واستدلُّوا بما اشتُهِر: «أنَّ بلالًا كان يثنِّي الإقامة إلى أن تُوفِّي» وحديث عبد الله بن زيدٍ عند التِّرمذيِّ: «كان أذان رسول الله ﷺ شفعًا شفعًا في الأذان والإقامة» (قَالَ إِسْمَاعِيلُ) ابن عُلَيَّة المذكور: (فَذَكَرْتُ) بحذف ضمير المفعول، أي: حديث خالدٍ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ: «فذكرته» (لأَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (فَقَالَ: إِلَّا الإِقَامَةَ) أي: إِلَّا لفظ قوله: «قد قامت الصَّلاة» فإنَّها تُشفَع لأنَّها المقصود من الإقامة بالذَّات، وما ادَّعاه ابن مَنْدَه من أنَّ قوله في حديث سِمَاكٍ في «باب الأذان مثنى مثنى» (١) [خ¦٦٠٥]: «إِلَّا الإقامة» من قول أيُّوب، غير مسندٍ كما في رواية إسماعيل؛ يعني: هذه، وقول الأَصيليِّ: إنَّها (٢) من قول أيُّوب لا من قول سِمَاكٍ مُتعقَّبٌ بحديث مَعْمَرٍ عن أيُّوب عند عبد الرَّزَّاق، ولفظه: «كان بلالٌ يثنِّي الأذان ويوتر الإقامة إِلَّا قوله: قد قامت الصَّلاة» والأصل أنَّ ما كان في الخبر فهو منه حتَّى يدلَّ دليلٌ على خلافه (٣)، ولا دليل في رواية إسماعيل هذه لأنَّه إنَّما يتحصَّل منها أنَّ خالدًا كان لا يذكر الزِّيادة، وكان أيُّوب يذكرها، وكلٌّ منهما روى الحديث عن أبي قِلَابة عن أنسٍ، فكان في رواية أيُّوب زيادةٌ من حافظٍ فتُقبَل، قاله في «الفتح»، والجمهور على شفعها إِلَّا مالكًا، ولا حجَّة له في الحديث الثَّاني من حديثي الباب السَّابق [خ¦٦٠٦] لِمَا في سابقه، واحتجاجه بعمل أهل المدينة مُعارَضٌ بعمل أهل مكَّة، وهي تجمع الكثير

стр. 1853

في المواسم وغيرها (١)، ومعهم الحديث الصَّحيح. (٤) (بابُ فَضْلِ التَّأْذِينِ). ٦٠٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) بكسر الزَّاي وبالنُّون الخفيفة، عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرْمُزَ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ: «أنَّ النَّبيَّ» (¬ ﷺ قَالَ: إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ) أي: لأجلها (أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ) أي: جنس الشَّيطان أو المعهود، هاربًا إلى الرَّوحاء من سماع الأذان حال كونه (وَلَهُ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «له» (ضُرَاطٌ) يشغل به نفسه (حَتَّى) أي: كي (لَا يَسْمَعَ

стр. 1854

التَّأْذِينَ) لعظم أمره لِما اشتمل عليه من قواعد الدِّين وإظهار شرائع الإسلام، أو حتَّى لا يشهد للمؤذِّن بما يسمعه إذا استُشهِد يوم القيامة لأنَّه داخلٌ في الجنِّ والإنس (١) والشَّيء (٢) المذكورين في حديث [خ¦٦٠٩]: «لا يسمع مدى صوت المؤذِّن جنٌّ ولا إنسٌ ولا شيءٌ إِلَّا شهد له يوم القيامة» ودُفِع بأنَّه ليس أهلًا للشَّهادة لأنَّه كافرٌ، والمراد في الحديث مؤمنو الجنِّ، وإنَّما يجيء عند الصَّلاة مع ما فيها من القرآن لأنَّ غالبها سرٌّ ومناجاةٌ، فله تطرُّقٌ إلى إفسادها على فاعلها وإفساد خشوعه، بخلاف الأذان فإنَّه يرى اتِّفاق كلِّ المؤذِّنين على الإعلان به، ونزول الرَّحمة العامَّة عليهم مع يأسه عن (٣) أن يردَّهم عمَّا أعلنوا به، ويوقن بالخيبة بما تفضَّل الله به عليهم من ثواب ذلك، ويذكر معصية الله ومضادَّته (٤) أمره، فلا يملك الحدث لِما (٥) حصل له من الخوف، وقِيلَ: لأنَّه دعاءٌ إلى الصَّلاة الَّتي فيها السُّجود الَّذي امتنع من فعله لمَّا أُمِرَ به، ففيه تصميمه على مخالفة أمر الله واستمراره على معصية الله، فإذا دعا داعي الله فرَّ منه، وللأَصيليِّ:

стр. 1855

«وله ضراطٌ» بالواو على الأصل (١) في الجملة الاسميَّة الحاليَّة أن تكون بالواو، وقد تقع بغيرها كما في ﴿اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦] (فَإِذَا قَضَى) المنادي (النِّدَاءَ) أي: فرغ المؤذِّن من الأذان، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «قُضِيَ» بضمِّ القاف مبنيًّا للمفعول «النِّداءُ» بالرَّفع لقيامه مقام الفاعل (أَقْبَلَ) أي: الشَّيطان، زاد مسلمٌ في رواية صالحٍ عن أبي هريرة: «فوسوس» (٢) (حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ (٣) أَدْبَرَ) الشَّيطان؛ بضمِّ المُثلَّثة (٤) وكسر الواو المُشدَّدة، من ثُوِّب، أي: أُعِيد الدُّعاء إليها، والمرادُ الإقامةُ، لا قوله في الصُّبح: الصَّلاة خيرٌ من النَّوم لأنَّه خاصٌّ به، ولـ «مسلمٍ»: «فإذا سمع الإقامة ذهب» (حَتَّى إِذَا قَضَى) المثوِّب (التَّثْوِيبَ) وللأَصيليِّ وابن عساكر: «حتَّى إذا قُضِيَ» بضمِّ القاف، «التَّثويبُ» بالرَّفع كالسَّابق (أَقْبَلَ) أي: الشَّيطان ساعيًا في إبطال الصَّلاة على المصلِّين (حَتَّى يَخْطِرَ) بفتح أوَّله وكسر الطَّاء؛ كما ضبطه عياضٌ عن (٥) المتقنين، وهو الوجه، أي: يوسوس (بَيْنَ المَرْءِ) أي: الإنسان (وَنَفْسِهِ) أي: قلبه، ولأبي ذَرٍّ: «يخطُر» بضمِّ الطَّاء عن أكثر الرُّواة أي: يدنو منه، فيمرُّ بين المرء وبين قلبه فيشغله، ويَحُول بينه وبين ما يريده من إقباله على صلاته وإخلاصه فيها (يَقُولُ) أي: الشَّيطان للمصلِّي: (اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا) ولكريمة: «اذكر كذا واذكر كذا» بواو العطف، وكذا لـ «مسلمٍ» كالمؤلِّف في «صلاة السَّهو» [خ¦١٢٣١] (لِمَا) أي: لشيءٍ (لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ) قبل الصَّلاة (حَتَّى) أي: كي (يَظَلَّ الرَّجُلُ) بفتح الظَّاء المعجمة المُشَالَة أي: يصير، وللأَصيليِّ من غير «اليونينيَّة» (٦): «يَضِلَّ»؛ بكسر الضَّاد السَّاقطة، أي: ينسى الرَّجل (لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى) من الرَّكعات، ولم يذكر في إدبار

стр. 1856

الشَّيطان (١) ما ذكره في الأوَّل من الضُّراط اكتفاءً بذكره فيه، أو لأنَّ الشِّدَّة في الأوَّل تأتيه غفلةً فتكون أهول، وفي الحديث فضلُ الأذان وعِظَمُ قدره لأنَّ الشَّيطان يهرب منه، ولا يهرب عند قراءة القرآن في الصَّلاة الَّتي هي أفضل. ورواة هذا الحديث خمسةٌ، وفيه التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه أبو داود والنَّسائيُّ في «الصَّلاة». (٥) (بابُ) ثواب (رَفْعِ الصَّوْتِ بِالنِّدَاءِ) أي: الأذان. (وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) فيما وصله ابن أبي شيبة بلفظ: «أنَّ مؤذِّنًا أذَّن فطرَّب في أذانه، فقال له (٢) عمر بن عبد العزيز»: (أَذِّنْ) بلفظ الأمر (أَذَانًا سَمْحًا) بسكون الميم، بغير نغماتٍ ولا تطريبٍ (وَإِلَّا فَاعْتَزِلْنَا) أي: اترك منصب الأذان، فإن قلت: النَّهي وقع عن التَّطريب،

стр. 1857

فما المطابقة بينه وبين التَّرجمة؟ أُجيب بأنَّ المؤلِّف أراد أنَّه ليس كلُّ رفعٍ محمودًا إلَّا رفعًا بهذه المثابة؛ غير مطرِّبٍ أو غير عالٍ فظيعٍ. ٦٠٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ) بمهملاتٍ (١) مفتوحاتٍ إِلَّا العين الأولى فساكنةٌ، عمرو بن زيدٍ (الأَنْصَارِيِّ ثُمَّ المَازِنِيِّ) بالزَّاي والنُّون (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله (أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ) بالدَّال المهملة (قَالَ لَهُ) أي: لعبد الله بن عبد الرَّحمن: (إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الغَنَمَ وَ) تحبُّ (البَادِيَةَ) الصَّحراء الَّتي لا عمارة فيها لأجل إصلاح الغنم بالرَّعي، وهو في الغالب يكون فيها (فَإِذَا كُنْتَ فِي) أي: بين (غَنَمِكَ) في غير باديةٍ أو فيها (أَوْ) في (بَادِيَتِكَ) من غير غنمٍ أو معها، أو هو شكٌّ من الرَّاوي، ولأبي ذَرٍّ:

стр. 1858

«وباديتك» بالواو من غير ألفٍ (فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ) أي: أعلمت بوقتها (١)، وللأربعة: «للصَّلاة» باللَّام بدل المُوحَّدة، أي: لأجلها (فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ) أي: الأذان (فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذِّنِ) أي: غايته (جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ) من حيوانٍ أو جمادٍ بأن يخلق الله تعالى له إدراكًا، وهو من عطف العامِّ على الخاصِّ، ولأبي داود والنَّسائيِّ: «المؤذِّن يُغفَر له مدَّ صوته (٢)، ويشهد له كلُّ رطبٍ ويابسٍ» ولابن خزيمة: «لا يسمع صوته شجرٌ ولا مَدَرٌ ولا حجرٌ ولا جنٌّ ولا إنسٌ» (إِلَّا شَهِدَ لَهُ) بلفظ الماضي، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «إلَّا يشهد له» (يَوْمَ القِيَامَةِ) وغاية الصَّوت -بلا ريبٍ- أخفى من ابتدائه، فإذا شهد له من بَعُدَ عنه ووصل إليه منتهى صوته فلأن يشهد له من (٣) دنا منه وسمع مبادي صوته أَوْلَى، نبَّه عليه القاضي البيضاويُّ، والسِّرُّ في هذه الشَّهادة -وكفى بالله شهيدًا- اشتهار المشهود له بالفضل وعلوِّ الدَّرجة، وكما أنَّ الله تعالى يفضح بالشَّهادة قومًا يكرمُ بها آخرين، ولأحمد من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «المؤذِّن يُغفَر له مدى صوته، ويصدِّقه كلُّ رطبٍ ويابسٍ» قال الخطَّابيُّ: مدى الشَّيء: غايته، أي: أنَّه يستكمل المغفرة إذا استوفى وُسْعَهُ في رفع الصَّوت (٤)، فيبلغ الغاية من (٥) المغفرة إذا بلغ الغاية من الصَّوت، أو أنَّه (٦) كلام تمثيلٍ وتشبيهٍ؛ يريد: أنَّ المكان الَّذي ينتهي إليه الصَّوت لو قُدِّر

стр. 1859

أن يكون بين أقصاه وبين مقامه الَّذي هو فيه ذنوبٌ تملأ تلك المسافة غفرها الله تعالى له. انتهى. واستشهد المنذريُّ للقول الأوَّل برواية: «مدَّ صوته» بتشديد الدَّال، أي: بقدر مدِّ صوته (قَالَ أَبُو سَعِيدٍ) الخدريُّ: (سَمِعْتُهُ) أي: قوله: «إنَّه لا يسمع … » إلى آخره، (مِنْ رَسُولِ اللهِ) وللأَصيليِّ: «من النَّبيِّ» (¬ ﷺ ¬) وحينئذٍ فذكر الغنم والبادية موقوفٌ، وقال الجلال المحلِّيُّ: أي: سمعتُ ما قلتُ لكَ بخطابٍ لي من رسول الله ﷺ ، كما فهمه الماورديُّ والإمام والغزاليُّ، وأورده باللَّفظ الدَّالِّ على ذلك ليظهر الاستدلال به على أذان المنفرد ورفع صوته به. ورواة هذا الحديث الخمسة مدنيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والسَّماع، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «ذكر الجنِّ» [خ¦٣٢٩٦] و «التَّوحيد» [خ¦٧٥٤٨]، والنَّسائيُّ وابن ماجه في «الصَّلاة». (٦) (بابُ مَا يُحْقَنُ بِالأَذَانِ مِنَ الدِّمَاءِ) أي: يُمنَع بسبب الأذان من إراقة الدماء.

стр. 1860

٦١٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «حدَّثني» (قُتَيْبَةُ) ولغير أبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «قتيبة بْنُ سَعِيدٍ» (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) الأنصاريُّ (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁، وسقط «ابن مالك» في رواية أبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر (أَنَّ النَّبِيَّ) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والحَمُّويي: «عن النَّبيِّ» (¬ ﷺ كَانَ) ولأبي ذَرٍّ: «أنَّه كان» (إِذَا غَزَا بِنَا) أي: مصاحبًا لنا (قَوْمًا؛ لَمْ يَكُنْ يَغْزُو بِنَا) بالواو بعد الزَّاي، وكذا لكريمة، من الغزو، والأصل (١) إسقاط الواو للجزم، ولكنَّه جاء على بعض اللُّغات، وللمُستملي من غير
следующие страницы →