← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وهما أقدم شيوخه موتًا، وخلَّاد بن يحيى وخالد بن مخلدٍ وفروة بن أبي المغراء وقَبِيْصة وطبقتهم، وبمكَّة من: أبي عبد الرَّحمن المقري والحميديِّ وأحمد بن محمَّدٍ الأزرقيِّ وجماعةٍ، وبالمدينة من: عبد العزيز الأويسيِّ ومُطرِّف بن عبد الله وأبي ثابت محمَّد بن عبيد (١) الله وطائفةٍ، وبواسط من: عمرو بن محمَّد بن عون (٢) وغيره، وبمصر من: سعيد ابن أبي مريم، وعبد الله بن صالحٍ الكاتب، وسعيد ابن تَلِيدٍ، وعمرو بن الرَّبيع بن طارقٍ وطبقتهم، وبدمشق من: أبي مُسْهِر شيئًا يسيرًا، ومن أبي النَّضر الفراديسيِّ وجماعةٍ، وبقيساريَّة من: محمَّد بن يوسف الفريابيِّ، وبعسقلان من: آدم بن أبي إياس، وبحمص من: أبي المغيرة وأبي اليمان

стр. 282

وعلي بن عيَّاش وأحمد بن خالدٍ الوهبيِّ ويحيى الوحاظيِّ. انتهى. وعن محمَّد بن أبي حاتمٍ عنه أنَّه قال: كتبت عن ألفٍ وثمانين نفسًا ليس فيهم إلَّا صاحبُ حديثٍ، وقال أيضًا: لم أكتب إلَّا عمَّن قال: إنَّ الإيمان قولٌ وعملٌ، وقد حصرهم الحافظ ابن حجرٍ في خمس طبقاتٍ: الأولى: مَنْ حدَّث عن التَّابعين؛ مثل: محمَّد بن عبد الله الأنصاريِّ حدَّثه عن حميدٍ، ومثل: مكيِّ بن إبراهيم حدَّثه عن يزيد بن أبي عبيدٍ، ومثل: أبي عاصمٍ النَّبيل حدَّثه عن يزيد ابن أبي عبيدٍ أيضًا، ومثل عبيد الله بن موسى حدَّثه عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، ومثل أبي نُعيمٍ حدَّثه عن الأعمش، ومثل خلَّاد بن يحيى حدَّثه عن عيسى بن طهمان، ومثل عليِّ بن عيَّاشٍ وعصام بن خالدٍ حدَّثاه عن حَرِيْز (١) بن عثمان، وشيوخ هؤلاء كلُّهم من التَّابعين. الطَّبقة الثَّانية: من كان في عصر هؤلاء لكن لم يسمع من ثقات التَّابعين؛ كآدم بن أبي إياس وأبي مسهرٍ عبد الأعلى بن مسهرٍ، وسعيد ابن أبي مريم، وأيُّوب بن سليمان بن بلالٍ، وأمثالهم.

стр. 283

الطَّبقة الثَّالثة: وهي الوسطى من مشايخه وهم من لم يلق التَّابعين، بل أخذ عن كبار تبع الأتباع؛ كسليمان بن حربٍ وقتيبة بن سعيدٍ ونُعيم بن حمَّادٍ وعليِّ بن المدينيِّ ويحيى بن معينٍ وأحمد ابن حنبل وإسحاق بن رَاهُوْيَه وأبي بكرٍ وعثمان ابني أبي شيبة، وأمثال هؤلاء، وهذه الطَّبقة قد شاركه مسلمٌ في الأخذ عنهم. الطَّبقة الرَّابعة: رفقاؤه في الطَّلب ومن سمع قبله قليلًا؛ كمحمَّد بن يحيى الذُّهليِّ وأبي حاتمٍ الرَّازي ومحمَّد بن عبد الرَّحيم صاعقةٍ وعبد بن حميدٍ وأحمد بن النَّضر وجماعةٍ من نظرائهم، وإنَّما يخرِّج عن هؤلاء ما فاته من (١) مشايخه، أو ما لم يجده عند غيرهم. الطَّبقة الخامسة: قومٌ في عداد طلبته في السِّنِّ والإسناد سمع منهم للفائدة؛ كعبد الله بن حمَّادٍ الآمليِّ وعبد الله بن أبي القاضي (٢) الخوارزميِّ وحسين بن محمَّد القبَّاني وغيرهم وقد روى عنهم أشياء يسيرةً، وعمل في الرِّواية عنهم، بما روى عن عثمان ابن أبي شيبة عن وكيعٍ قال: لا يكون الرَّجل عالمًا حتَّى يحدِّث عمَّن هو فوقه، وعمَّن هو مثله، وعمَّن هو دونه. انتهى. وعن البخاريِّ أنَّه قال: لا يكون المحدِّث كاملًا حتَّى يكتب عمَّن هو فوقه، وعمَّن هو مثله، وعمَّن هو دونه. انتهى. وقال التَّاج السُّبكيُّ: وذكره -يعني: البخاريَّ- أبو عاصمٍ في «طبقات أصحابنا الشَّافعيَّة». وقال: إنَّه سمع من الزَّعفرانيِّ وأبي ثورٍ والكرابيسيِّ، قال: ولم يروِ عن الشَّافعيِّ في الصَّحيح؛ لأنَّه أدرك أقرانه، والشَّافعيُّ مات كهلًا، فلا يرويه نازلًا. وروى عن الحسين وأبي ثورٍ مسائل عن الشَّافعيِّ،

стр. 284

وما برح - رحمه الله تعالى - يدأب ويجتهد حتَّى صار أَنْظَرَ أهل زمانه، وفارس ميدانه، والمقدَّم على أقرانه، وامتدَّت إليه الأعين، وانتشر صيته في البلدان، ورُحِلَ إليه من كلِّ مكانٍ. وأمَّا من أخذ عن البخاريِّ؛ فقال الذَّهبيُّ وغيره: إنَّه حدَّث بالحجاز والعراق وما وراء النَّهر، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرةٌ، وروى عنه أبو زرعة وأبو حاتم قديمًا، وروى عنه من أصحاب الكتب: التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ، على نزاعٍ في النَّسائيِّ، والأصحُّ: أنَّه لم يرو عنه شيئًا، وروى عنه مسلمٌ في غير «الصَّحيح»، ومحمَّد بن نصرٍ المروزيُّ الفقيه، وصالح بن محمَّدٍ جَزَرَة الحافظ، وأبو بكر بن أبي عاصم ومُطيَّن وأبو العبَّاس السَّرَّاج وأبو بكر بن خزيمة وأبو قريش محمَّد بن جمعة ويحيى بن محمَّد بن (١) صاعدٍ وإبراهيم بن معقلٍ النَّسفيُّ ومهيب بن سليمٍ وسهل بن شاذويه (٢) ومحمَّد بن يوسف الفَِرَبْريِّ

стр. 285

ومحمَّد بن أحمد بن دَلُّوْيَه وعبد الله بن محمَّدٍ الأشقر ومحمَّد بن هارون الحضرميُّ والحسين بن إسماعيل المحامليُّ وأبو عليٍّ الحسن بن محمَّدٍ الدَّاركيُّ وأحمد بن حمدون الأعمش وأبو بكرٍ بن أبي داود ومحمود بن عنبرٍ النَّسفيُّ وجعفر بن محمَّد بن الحسن الجزريُّ وأبو حامد بن الشَّرقيِّ وأخوه أبو محمَّدٍ عبد الله ومحمَّد بن سليمان بن فارسٍ ومحمَّد بن المسيّب الأرغيانيُّ ومحمَّد بن هارون الرُّوياني وخلقٌ، وآخر من روى عنه «الجامع الصَّحيح» منصور بن محمَّدٍ البزدويُّ المُتوفَّى سنة تسعٍ وعشرين وثلاث مئةٍ، وآخر من زعم أنَّه سمع من البخاريِّ موتًا أبو ظهيرٍ عبد الله بن فارسٍ البلخيُّ، المُتوفَّى سنة ستٍّ وأربعين وثلاث مئةٍ، وآخر من روى حديثه عاليًا (١) خطيب الموصل في «الدُّعاء» للمحامليِّ بينه وبينه ثلاثة رجالٍ. وأمَّا ذكاؤه وسَعَةُ حفظه وسيلان ذهنه؛ فقِيلَ: إنَّه كان يحفظ وهو صبيٌّ سبعين ألف حديثٍ سردًا، ورُوِيَ أنَّه كان ينظر في الكتاب مرَّةً واحدةً فيحفظ ما فيه من نظرةٍ واحدةٍ. وقال محمَّد بن أبي حاتم ورَّاقه: سمعت حاشد بن إسماعيل وآخرَ يقولان: كان البخاريُّ يختلف معنا إلى السَّماع وهو غلامٌ، فلا يكتب حتَّى أتى على ذلك أيَّامٌ، فكنَّا نقول له، فقال: إنَّكما قد أكثرتما عليَّ، فاعرضا عليَّ ما كتبتما، فأخرجنا إليه ما كان عندنا، فزاد ذلك على خمسة عشر ألف حديثٍ، فقرأها كلَّها عن ظهر قلبه، حتَّى جعلنا نُحكْم كُتُبَنا من حفظه، ثمَّ قال: أترون أنِّي أختلف هدرًا وأضيِّع أيَّامي، فعرفنا أنَّه لا يتقدَّمه أحدٌ.

стр. 286

قالا: فكان أهل المعرفة يغدون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ، حتَّى يغلبوه على نفسه ويجلسوه في بعض الطرق، فيجتمع عليه ألوفٌ، أكثرهم ممَّن يُكْتَب عنه، وكان شابًّا. وقال محمَّد بن أبي حاتمٍ: سمعت سليمان بن مجاهدٍ يقول: كنت عند محمَّد بن سلامٍ البيكنديِّ، فقال لي: لو جئت قبلُ لرأيت صبيًّا يحفظ سبعين ألف حديثٍ، قال: فخرجت في طلبه، فلقيته، فقلت: أنت الذي تقول: أنا أحفظ سبعين ألف حديثٍ؟ قال: نعم؛ وأكثر، ولا أجيبك بحديثٍ عن الصَّحابة والتَّابعين إلا عرفت مولد أكثرهم ووفاتهم ومساكنهم، ولست أروي حديثًا من حديث الصَّحابة والتَّابعين إلَّا ولي في ذلك أصلٌ أحفظه حفظًا عن كتاب الله تعالى وسنَّة رسوله ﷺ . وقال ابن عديٍّ: حدَّثني محمَّد بن أحمد القومسيُّ (١): سمعت محمَّد ابن عمرويه (٢) يقول: سمعت محمَّد بن إسماعيل يقول: أحفظ مئة ألف حديثٍ صحيحٍ، وأحفظ مئتي ألف حديثٍ غير صحيحٍ، وقال: أخرجت هذا الكتاب -يعني: «الجامع الصَّحيح» - من نحو ستِّ مئة ألف حديثٍ، وقال: دخلت بَلْخ، فسألوني أنْ أُملي عليهم لكلِّ من كتبت عنه، فأمليت ألف حديثٍ عن ألف شيخٍ، وقال: تذكَّرت يومًا في أصحاب أنسٍ، فحضرني في ساعةٍ ثلاث مئة نفسٍ. وقال ورَّاقه: عمل كتابًا في «الهبة» فيه نحو خمس مئة حديثٍ، وقال: ليس في كتاب وكيع في «الهبة» إلَّا حديثان مسندان أو ثلاثةٌ، وفي كتاب ابن المبارك خمسةٌ أو نحوها.

стр. 287

وقال أيضًا: سمعت البخاريَّ يقول: كنت في مجلس الفريابيِّ، فسمعته يقول: حدَّثنا سفيان عن أبي عروة (١) عن أبي الخطَّاب عن أنسٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يطوف على نسائه في غسلٍ واحدٍ» [خ¦٢٨٤]، فلم يعرف أحدٌ في المجلس أبا عروة ولا أبا الخطَّاب، فقلت: أمَّا أبو عروة؛ فمَعْمَر (٢)، وأما أبو الخطَّاب؛ فقتادة. قال: وكان الثَّوريُّ فعولًا لهذا؛ يكنِّي المشهورين. وقال محمَّد بن أبي حاتمٍ أيضًا: قدم رجاء الحافظ، فقال لأبي عبد الله: ما أعددت لقدومي حين بلغك؟ وفي أيِّ شيءٍ نظرت؟ قال: ما أحدثت نظرًا ولا استعددت لذلك، فإن أحببت أن تسألني عن شيءٍ فافعل، فجعل يناظره في أشياء، فبقي رجاء لا يدري، ثمَّ قال أبو عبد الله: هل لك في الزِّيادة؟ فقال استحياءً منه وخجلًا: نعم، ثمَّ قال: سل إن شئت، فأخذ في أسامي أيُّوب (٣)، فعدَّ نحوًا من ثلاثة عشر، وأبو عبد الله ساكتٌ، فظنَّ رجاء أنَّه قد صنع شيئًا، فقال: يا أبا عبد الله، فاتك خيرٌ كثيرٌ، فزيَّف أبو عبد الله في أولئك سبعةً، وأغرب عليه أكثر من ستِّين رجلًا، ثمَّ قال لرجاء (٤): كم رويت في العمامة السَّوداء؟ قال: هات كم رويت أنت؟ قال: يُروَى من أربعين حديثًا، فخجل رجاء، ويبس ريقه. وأمَّا كثرة اطِّلاعه على علل الحديث؛ فقد رُوِينا عن مسلم بن الحجَّاج أنَّه قال له: دعني أقبِّل رجليك يا أستاذ الأستاذين، وسيِّد المحدِّثين، وطبيب الحديث في علله. وقال التِّرمذيُّ: لم أر أحدًا بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتَّاريخ ومعرفة الأسانيد أعلمَ من محمَّد بن إسماعيل. وقال محمَّد بن أبي حاتمٍ: سمعت سُليم بن مجاهدٍ يقول: سمعت أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربع مئةٍ ممَّن يطلبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيَّام وأحبُّوا مغالطة محمَّد بن

стр. 288

إسماعيل، فأدخلوا إسناد الشَّام في إسناد العراق، وإسناد العراق في إسناد الشَّام، وإسناد الحرم في إسناد اليمن، فما استطاعوا مع ذلك أن يتعلَّقوا عليه بسقطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن. وقال أبو أحمد بن عديٍّ الحافظ: سمعت عدَّةً من المشايخ يحكون: أنَّ البخاريَّ قدم بغداد، فاجتمع أصحاب الحديث وعمدوا إلى مئة حديثٍ، فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد لإسنادٍ آخر، وإسناد هذا المتن لمتنٍ آخر، ودفعوا إلى كلِّ واحدٍ عشرة أحاديث؛ ليلقوها على البخاريِّ في المجلس امتحانًا، فاجتمع النَّاس من الغرباء من أهل خراسان وغيرهم، ومن البغداديِّين، فلمَّا اطمأنَّ المجلس بأهله انتدب أحدهم، فقام وسأله عن حديثٍ من تلك العشرة، فقال: لا أعرفه، فسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه، حتَّى فرغ العشرة، فكان الفقهاء يلتفت بعضهم إلى بعضٍ ويقولون: الرَّجل فَهِم، ومن كان لا يدري قضى عليه بالعجز، ثمَّ انتدب آخر، ففعل كفعل الأوَّل، والبخاريُّ يقول: لا أعرفه إلى أن فرغ العشرة أنفسٍ، وهو لا يزيدهم على: لا أعرفه (١)، فلمَّا علم أنَّهم فرغوا التفت إلى الأوَّل،

стр. 289

فقال: أمَّا حديثك الأوَّل؛ فقلتَ كذا، وصوابُه كذا، وحديثك الثَّاني كذا، وصوابه كذا، والثَّالث والرَّابع على الولاء، حتَّى أتى على تمام العشرة، فردَّ كلَّ متنٍ إلى إسناده، وكلَّ إسنادٍ إلى متنه، وفعل بالآخرين مثل ذلك، فأقرَّ النَّاس له بالحفظ، وأذعنوا له بالفضل. وقال يوسف بن موسى المروزيُّ: كنت بجامع البصرة، فسمعت مناديًا ينادي: يا أهل العلم، لقد قدم محمَّد بن إسماعيل البخاريُّ، فقاموا في طلبه، وكنت فيهم، فرأيت رجلًا شابًّا ليس في لحيته بياضٌ، يصلِّي خلف الأسطوانة، فلمَّا فرغ أحدقوا به، وسألوه أن يعقد لهم مجلس الإملاء، فأجابهم إلى ذلك، فقام المنادي ثانيًا ينادي في جامع البصرة، فقال: يا أهل العلم، لقد قدم محمَّد بن إسماعيل البخاريُّ، فسألناه أن يعقد مجلس الإملاء، فأجاب بأن يجلس غدًا في موضع كذا، فلمَّا كان من الغد حضر المحدِّثون والحفَّاظ والفقهاء والنُّظَّار، حتَّى اجتمع قريبٌ من كذا وكذا ألف نفسٍ، فجلس أبو عبد الله للإملاء، فقال قبل أن يأخذ في الإملاء: يا أهل البصرة، أنا شابٌّ، وقد سألتموني أن أحدِّثكم، وسأحدِّثكم أحاديثَ عن أهل بلدكم تستفيدونها؛ يعني: ليست عندكم، فتعجَّب النَّاس من قوله، فأخذ في الإملاء، فقال: حدَّثنا عبد الله بن عثمان بن (١) جبلة بن أبي روَّاد العتكيُّ بَلَدِيِّكُم، قال: حدَّثنا أبي عن شعبة عن منصورٍ وغيره عن سالم بن أبي الجعد عن أنس بن مالكٍ ﵁: «أنَّ أعرابيًّا جاء إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: يا رسول الله، الرَّجل يحبُّ القوم … » الحديث، ثمَّ قال: هذا ليس عندكم عن منصورٍ، إنما هو عندكم عن غير منصورٍ (٢)، قال يوسف بن موسى: فأملى مجلسًا على هذا

стр. 290

النَّسق، يقول في كلِّ حديثٍ: روى فلانٌ هذا الحديث وليس عندكم كذا، فأمَّا رواية فلانٍ؛ يعني التي يسوقها؛ فليست عندكم. وقال الحافظ أبو حامدٍ الأعمش: كنَّا عند البخاريِّ بنيسابور، فجاء مسلم بن الحجَّاج، فسأله عن حديث عبيد الله بن عمر عن أبي الزُّبير عن جابرٍ، قال: «بعثنا رسول الله ﷺ في سريَّةٍ ومعنا أبو عبيدة … » الحديث بطوله [خ¦٤٣٦١]. فقال البخاريُّ: حدَّثنا ابن أبي أويسٍ، حدَّثني أخي عن سليمان بن بلالٍ عن عبيد الله … ، فذكر الحديث بتمامه، قال: فقرأ عليه إنسانٌ حديث حجَّاج بن محمَّد عن ابن جريجٍ عن موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالحٍ عن أبيه عن أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ قال: «كفَّارة المجلس إذا قام العبد أن يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إِلَّا أنت، أستغفرك وأتوب إليك»، فقال له مسلمٌ: في الدُّنيا أحسن من هذا الحديث: ابن جريجٍ عن موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالح، يعرف بهذا الإسناد في الدُّنيا حديثًا؟ فقال له محمَّد بن إسماعيل: إلَّا أنَّه معلولٌ، فقال مسلمٌ: لا إله إلَّا الله -وارتعد- أخبرني به؟ فقال: استر ما ستر الله تعالى، هذا حديثٌ جليلٌ، رواه النَّاس عن حجَّاج بن محمَّد عن ابن جريجٍ. فألحَّ عليه وقبَّل رأسه، وكاد أن يبكيَ، فقال: اكتب إن كان ولا بدَّ: حدَّثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وُهيب، حدَّثنا موسى بن عقبة عن عون بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : «كفَّارة المجلس … »، فقال له مسلمٌ: لا يبغضك إلَّا حاسدٌ، وأشهد أن ليس في الدُّنيا مثلك. وقد روى هذه القصَّة البيهقيُّ في «المدخل» عن الحاكم أبي عبد الله على سياقٍ آخر، فقال: سمعت أبا نصرٍ أحمد بن محمَّدٍ الورَّاق يقول: سمعت أحمد بن حمدون القصَّار هو أبو حامدٍ الأعمش يقول: سمعت مسلم بن الحجَّاج، وجاء إلى محمَّد بن إسماعيل، فقبَّل ما (١) بين عينيه، وقال: دعني حتَّى أقبِّل رجليك يا أستاذ الأستاذِين وسيِّد المحدِّثين، وطبيب الحديث في علله، حدّثنا محمَّد بن سلَّامٍ، حدَّثنا محمَّد بن مخلد بن يزيد، قال: أخبرنا ابن جريجٍ،

стр. 291

حدَّثنا موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالحٍ عن أبيه عن أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ في كفَّارة المجلس، فقال محمَّد بن إسماعيل: وحدَّثنا أحمد ابن حنبل ويحيى بن معينٍ، قالا: حدَّثنا حجَّاج بن محمَّدٍ عن ابن جريجٍ، حدَّثني موسى بن عقبة عن سهيلٍ عن أبيه عن أبي هريرة أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «كفَّارة المجلس أن يقول إذا قام من مجلسه: سبحانك اللهمَّ ربَّنا وبحمدك»، فقال محمَّد بن إسماعيل: هذا حديثٌ مليحٌ، ولا أعلم بهذا الإسناد في الدُّنيا حديثًا غير هذا، إلَّا أنَّه معلولٌ. حدَّثنا به موسى بن إسماعيل، حدَّثنا وهيبٌ، حدَّثنا سهيلٌ عن عون بن عبد الله قولَه، قال محمَّد بن إسماعيل: هذا أولى، ولا يُذكَر لموسى بن عقبة مُسنَدًا عن سهيلٍ. وقال الحافظ أحمد بن حمدون: رأيت البخاريَّ في جنازةٍ ومحمَّد بن يحيى الذُّهليُّ يسأله عن الأسماء والعلل، والبخاريُّ يمرُّ فيه كالسَّهم، كأنَّه يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾. وأمَّا تآليفه فإنَّها سارت مسير الشَّمس، ودارت في الدُّنيا فما جحد فضلَها إلَّا الذي يتخبَّطه الشَّيطان من المسِّ، وأجلُّها وأعظمها: «الجامع الصَّحيح». ومنها: «الأدب المفرد» ويرويه عنه أحمد بن محمَّد بن الجليل -بالجيم- البزَّاز (١). ومنها: «برُّ الوالدين» ويرويه عنه محمَّد بن دَلُّويه الورَّاق. ومنها: «التَّاريخ الكبير»، الذي صنَّفه -كما مرَّ- عند قبر النَّبيِّ ﷺ في اللَّيالي المقمرة، ويرويه عنه أبو أحمد محمَّد بن سليمان بن فارسٍ وأبو الحسن محمَّد بن سهل الفسويُّ (٢)، وغيرهما. ومنها: «التَّاريخ الأوسط»، ويرويه عنه عبد الله بن أحمد بن عبد السَّلام الخفَّاف، وزنجويه

стр. 292

بن محمَّدٍ اللَّباد. ومنها: «التَّاريخ الصَّغير»، ويرويه عنه عبد الله بن محمَّد بن عبد الرَّحمن الأشقر. ومنها: «خلق أفعال العباد»، الذي صنَّفه بسبب ما وقع بينه وبين الذُّهليِّ، كما سيأتي قريبًا -إن شاء الله تعالى- ويرويه عنه يوسف بن ريحان بن عبد الصَّمد والفَِرَبْريُّ أيضًا. وكتاب «الضُّعفاء»، يرويه عنه أبو بشرٍ محمَّد بن أحمد بن حمَّادٍ الدُّولابيُّ، وأبو جعفرٍ مُسبِّح بن سعيدٍ وآدم بن موسى الخواريُّ. قال الحافظ ابن حجرٍ: وهذه التَّصانيف موجودةٌ مرويَّةٌ لنا بالسَّماع والإجازة. قال: ومن تصانيفه: «الجامع الكبير»، ذكره ابن طاهرٍ، و «المسند الكبير» و «التَّفسير الكبير» ذكره الفَِرَبْريُّ، وكتاب «الأشربة» ذكره الدَّارقطنيُّ في «المؤتلف والمختلف»، وكتاب «الهبة»، ذكره ورَّاقه، و «أسامي الصَّحابة»، ذكره أبو القاسم بن منده، وأنَّه يرويه من طريق ابن فارسٍ عنه، وقد نقل منه أبو القاسم البغويُّ الكثير في «معجم الصَّحابة» له، وكذا ابن منده في «المعرفة»، ونقل عنه في كتاب «الوُحدان» له؛ وهو مَنْ ليس له إلَّا حديثٌ واحدٌ من الصَّحابة، وكتاب «المبسوط»، ذكره الخليليُّ (١) في «الإرشاد»، وأنَّ مَهيب بن سُليمٍ رواه عنه في «كتاب العلل»، وذكره أبو القاسم بن منده أيضًا، وأنَّه يرويه عن محمَّد بن عبد الله بن حمدون عن أبي محمَّد عبد الله بن الشَّرقيِّ عنه، وكتاب «الكنى»، ذكره الحاكم أبو أحمد ونقل منه، وكتاب «الفوائد»، ذكره التِّرمذيُّ في أثناء كتاب «المناقب» من «جامعه». و من شعره ممَّا أخرجه الحاكم في «تاريخه»: اغتنم في الفراغ فَضْلَ ركوعٍ … فعسى أن يكون موتُك بَغْتهْ كم صحيحٍ رأيتُ من غير سقمٍ … ذهبت نفسه الصَّحيحة فلتهْ

стр. 293

ولمَّا نُعِيَ إليه عبد الله بن عبد الرَّحمن الدَّارميُّ الحافظ؛ أنشد (١): إن عشتَ تُفجَعُ بالأحبَّة كلِّهمْ … وبقاءُ نفسك -لا أبا لكَ- أفجعُ

стр. 294

وأمَّا ثناء النَّاس عليه بالحفظ والورع والزُّهد وغير ذلك؛ فقد وصفه غير واحدٍ بأنَّه كان أحفظ أهل زمانه، وفارس ميدانه، كلمةٌ شهد له بها الموافقُ والمخالف، وأقرَّ بحقيقتها المعادي والمحالف. قال الشَّيخ تاج الدِّين السُّبكيُّ في «طبقاته»: كان البخاريُّ إمامَ المسلمين، وقدوةَ المؤمنين، وشيخَ الموحِّدين، والمُعوَّلَ عليه في أحاديث سيِّد المُرسَلين، قال: وقد ذكره أبو عاصمٍ في طبقات أصحابنا الشَّافعية، وقال: سمع من الزَّعفرانيِّ وأبي ثورٍ والكرابيسيِّ، قال: ولم يرو عن الشَّافعيِّ في «الصَّحيح»؛ لأنَّه أدرك أقرانه، والشَّافعيُّ مات مكتهلًا، فلا يرويه (١) نازلًا. انتهى. نعم؛ ذكر البخاريُّ الشَّافعيَّ ﵁ في «صحيحه» في موضعين في «الزكاة» [خ¦٢٤/ ٦٦ - ٢٣٦٠]، وفي «تفسير العرايا» [خ¦٣٤/ ٨٤ - ٣٤١٨]، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وقال الحافظ عماد الدِّين ابن كثيرٍ في تاريخه «البداية والنِّهاية»: كان إمامَ الحديث في زمانه، والمُقتَدى به في أوانه، والمُقدَّم على سائر أضرابه وأقرانه. وقال قتيبة بن سعيدٍ: جالست الفقهاء والعبَّاد والزُّهَّاد، فما رأيت منذ عقلت مثل محمَّد بن إسماعيل، وهو في زمانه كعمرَ في الصَّحابة، وقال أيضًا: لو كان في الصَّحابة لكان آيةً. وقال أحمد ابن حنبل فيما رواه الخطيب بسندٍ صحيحٍ: ما أخرجت خراسانُ مثلَ محمَّد بن إسماعيل. وقال الحافظ عماد الدِّين ابن كثيرٍ: إنَّه دخل بغداد ثمانِ مرَّاتٍ، وفي كلِّ مرَّةٍ منها يجتمع بالإمام أحمد ابن حنبل، فيحثُّه على الإقامة ببغداد، ويلومه على الإقامة بخراسان.

стр. 295

قال يعقوب بن إبراهيم الدَّورقيُّ ونُعيمٌ الخزاعيُّ: محمَّد بن إسماعيل فقيه هذه الأمَّة. وقال بندار بن بشَّار: هو أفقه خلق الله في زماننا. وقال نُعيم بن حمَّادٍ: هو فقيه هذه الأمَّة. وقال إسحاق بن رَاهُوْيَه: يا معشر أصحاب الحديث، انظروا إلى هذا الشَّابِّ واكتبوا عنه؛ فإنَّه لو كان في زمن الحسن البصريِّ لاحتاج النَّاس إليه؛ لمعرفته بالحديث وفقهه. وقد فضَّله بعضهم في الفقه والحديث على الإمام أحمد ابن حنبل وإسحاق بن رَاهُوْيَه. وقال رجاء بن مُرَجَّى: فضل محمَّد بن إسماعيل -يعني في زمانه- على العلماء؛ كفضل الرِّجال على النِّساء، وهو آيةٌ من آيات الله تعالى تمشي على الأرض. وقال الفلَّاس: كلُّ حديثٍ لا يعرفه البخاريُّ فليس بحديثٍ. وقال يحيى بن جعفر البيكنديُّ: لو قدرت أن أزيد من عمري في عمر محمَّد بن إسماعيل؛ لفعلت؛ فإنَّ موتي يكون موت رجلٍ واحدٍ، وموت محمَّد بن إسماعيل فيه ذهابُ العلمِ. وقال عبد الله بن عبد الرَّحمن الدَّارميُّ: رأيت العلماء بالحرمين والحجاز والشَّام والعراق، فما رأيت فيهم أجمع من محمَّد بن إسماعيل. وقال أبو سهلٍ محمود بن النَّضر الفقيه: سمعت أكثر من ثلاثين عالمًا من علماء مصرَ يقولون: حاجتنا في الدُّنيا النَّظر إلى محمَّد بن إسماعيل، وقال أيضًا: كنت أستملي له ببغداد، فبلغ من حضر المجلس عشرين ألفًا؛ وقال إمام الأئمَّة أبو بكرٍ محمَّد بن إسحاق بن خزيمة: ما تحت أديم السَّماء أعلم بالحديث من محمَّد بن إسماعيل البخاريِّ. وقال عبد الله بن حمَّادٍ الآمليُّ: لوددت أنِّي كنت شعرةً في جسد محمَّد بن إسماعيل.

стр. 296

وقال محمَّد بن عبد الرَّحمن الدَّغوليُّ: كتب أهل بغداد إلى محمَّد بن إسماعيل كتابًا فيه: المسلمون بخيرٍ ما بقيتَ لهمْ … وليس بعدكَ خيرٌ حين تُفتقَدُ وقال: وكان رحمه الله تعالى غايةً في الحياء، والشَّجاعة والسَّخاء، والورع والزُّهد في دار الدُّنيا دار الفناء، والرَّغبة في دار البقاء، وكان يختم في رمضان في كلِّ يومٍ ختمةً، ويقوم بعد صلاة التَّراويح كلَّ ثلاث ليالٍ بختمةٍ. وقال ورَّاقه: كان يصلِّي في وقت السَّحر ثلاث عشْرة ركعةً، وقال أيضًا: دُعِيَ محمَّد بن إسماعيل إلى بستانٍ، فلمَّا صلَّى بهم الظُّهر قام يتطوَّع، فلمَّا فرغ من صلاته رفع ذيل قميصه، وقال لبعض مَنْ معه: انظر، هل ترى تحت قميصي شيئًا؟ فإذا زنبورٌ قد لسعه في ستَّة عشر أو سبعة عشر موضعًا، وقد تورَّم من ذلك جسده، فقال له بعض القوم: كيف لم تخرج من الصَّلاة أوّل ما لسعك؟! قال: كنت في سورةٍ، فأحببت أن أتمَّها، وقال: أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أنِّي اغتبت أحدًا، ويشهد لهذا كلامه في التَّجريح والتَّضعيف، فإنَّه أبلغ ما يقول في الرَّجل المتروك أو السَّاقط: فيه نظرٌ، أو سكتوا عنه، ولا يكاد يقول: فلانٌ كذَّابٌ. وقال ورَّاقه: سمعته يقول: لا يكون لي خصمٌ في الآخرة، فقلت: يا أبا عبد الله، إنَّ بعض النَّاس ينقم عليك «التَّاريخ»، يقول: فيه اغتيابُ النَّاس، فقال: إنَّما رَوَينا ذلك روايةً، ولم نَقُلْهُ من عند أنفسنا. وقد قال ﷺ : «بئس أخو العشيرة». وقال: ما اغتبت أحدًا منذ علمت أنَّ الغِيبة تضرُّ أهلها، وكان قد ورث من أبيه مالًا كثيرًا، فكان يتصدَّق به.

стр. 297

وكان قليل الأكل جدًّا، كثير الإحسان إلى الطَّلبة، مُفرِطًا في الكرم. وحُمِلَ إليه بضاعةٌ أنفذها إليه أبو حفصٍ، فاجتمع بعض التُّجَّار إليه بالعشيَّة، وطلبوها منه بربح خمسة آلاف درهمٍ، فقال لهم: انصرفوا اللَّيلة، فجاءه من الغد تجَّار آخرون يطلبونها بربح عشرة آلاف درهمٍ، فردَّهم، وقال: إنِّي نويت البارحة بيعَها للَّذين أتَوا البارحة ولا أحبُّ أن أغيِّر نيَّتي. وجاءته جاريته فعثرت على محبرةٍ بين يديه، فقال لها: كيف تمشين؟! فقالت: إذا لم تكن طريقٌ فكيف أمشي؟ فقال: اذهبي، فأنت حرَّةٌ لوجه الله تعالى، فقِيلَ له: يا أبا عبد الله، أغضبتك وأعتقتها؟! قال: أرضيتُ نفسي بما فعلتُ. وقال ورَّاقه: إنَّه كان يبني رباطًا ممَّا يلي بخارى، فاجتمع بشرٌ كثيرٌ يعينونه على ذلك، وكان ينقل اللَّبِن، فكنت أقول له: إنَّك تُكفَى ذلك، فيقول: هذا الذي ينفعني، وكان ذبح لهم بقرةً، فلمَّا أدركت القدور دعا النَّاس إلى الطَّعام، وكان بها مئة نفسٍ أو أكثر، ولم يكن علم أنَّه اجتمع ما اجتمع، وكنَّا أخرجنا خبزًا بثلاثة دراهم أو أقلَّ، فأكل جميع من حضر، وفضلت أرغفةٌ. ولمَّا قدم نيسابور تلقَّاه أهلها من مرحلتين أو ثلاثٍ، وكان محمَّد بن يحيى الذُّهليُّ في مجلسه، فقال: من أراد أن يستقبل محمَّد بن إسماعيل غدًا فليستقبله فإنِّي أستقبله (١)، فاستقبله الذُّهليُّ وعامَّة علماء نيسابور، فدخلها، فقال الذُّهليُّ لأصحابه: لا تسألوه عن شيءٍ من الكلام، فإنَّه إن أجاب بخلاف ما نحن فيه فقد وقع بيننا وبينه، وشمت بنا كلُّ ناصبيٍّ

стр. 298

ورافضيٍّ وجهميٍّ ومرجئيٍّ، فازدحم النَّاس على البخاريِّ حتَّى امتلأت الدَّار والسُّطوح، فلمَّا كان اليوم الثَّاني أو الثَّالث من يوم قدومه قام إليه رجلٌ، فسأله عن اللَّفظ بالقرآن، فقال: أفعالنا مخلوقةٌ، وألفاظنا من أفعالنا، فوقع بين النَّاس اختلافٌ؛ فقال بعضهم: إنَّه قال: لفظي بالقرآن مخلوقٌ، وقال آخرون: لم يقل، فوقع بينهم في ذلك اختلافٌ حتَّى قام بعضهم إلى بعضٍ، فاجتمع أهل الدَّار وأخرجوهم. ذكره مسلم بن الحجَّاج. وقال ابن عديٍّ: لمَّا ورد نيسابور واجتمع النَّاس عنده حسده بعض شيوخ الوقت، فقال لأصحاب الحديث: إنَّ محمَّد بن إسماعيل يقول: لفظي بالقرآن مخلوقٌ، فلمَّا حضر المجلس قام إليه رجلٌ، فقال: يا أبا عبد الله، ما تقول في اللَّفظ بالقرآن؟ أمخلوقٌ هو أم غير مخلوقٍ؟ فأعرض عنه البخاريُّ ولم يجبه ثلاثًا، فألحَّ عليه، فقال البخاريُّ: القرآن كلام الله تعالى غير مخلوقٍ، وأفعال العباد مخلوقةٌ، والامتحان بدعةٌ، فشغب الرجل، وقال: قد قال: لفظي بالقرآن مخلوقٌ. انتهى.

стр. 299

وقد صحَّ أنَّ البخاريَّ تبرَّأ من هذا الإطلاق، فقال: كلُّ من نقل عنِّي أنِّي قلت: لفظي بالقرآن مخلوقٌ، فقد كذب عليَّ، وإنمَّا قلت: أفعال العباد مخلوقةٌ. أخرج ذلك غنجار في ترجمة البخاريِّ بسندٍ صحيحٍ إلى محمَّد بن نصرٍ المروزيِّ الإمام المشهور، أنَّه سمع البخاريَّ يقول ذلك. وقال أبو حامدٍ الشَّرقيُّ: سمعت الذُّهليَّ يقول: القرآن كلام الله غير مخلوقٍ، ومن زعم: لفظي بالقرآن مخلوقٌ فهو مبتدعٌ، لا يجلس إلينا، ولا نكلِّم من يذهب بعد هذا إلى محمَّد بن إسماعيل، فانقطع النَّاس عن البخاريِّ إلَّا مسلم بن الحجَّاج وأحمد بن سلمة، وبعث مسلمٌ إلى الذُّهليِّ جميع ما كان كَتَبَ عنه على ظهر حمَّال (١)، وقال الذُّهليُّ: لا يساكنني محمَّد بن إسماعيل في البلد، فخشيَ البخاريُّ على نفسه، وسافر منها. قال في «المصابيح»: ومن تمام رسوخ البخاريِّ في الورع أنَّه كان يحلف بعد هذه المحنة أنَّ الحامدَ عنده والذامَّ من النَّاس سواءٌ؛ يريد أنَّه لا يكره ذامَّه طبعًا، ويجوز أن يكرهه شرعًا، فيقوم بالحقِّ لا بالخطِّ، وتحقَّق ذلك من حالته إذْ لم يَمْحُ اسمَ (٢) الذُّهليِّ من «جامعه»، بل أثبت روايته عنه، غير أنَّه لم يوجد في كتابه إِلَّا على أحد وجهين؛ إمَّا أن يقول: حدَّثنا محمَّد ويقتصر، وإمَّا أن يقول: حدَّثنا محمَّد (٣) بن خالدٍ، فينسبه إلى جدِّ أبيه. وقد سُئِلَ عن وجه

стр. 300

إجماله وإبقاء (١) ذكره بنسبه المشهور، فأجاب بأن قال: لعلَّه لمَّا اقتضى التَّحقيق عنده أن يُبقي (٢) روايته عنه؛ خشية أن يكتم علمًا رزقه الله تعالى على يديه، وعذره في قدحه بالتَّأويل؛ خشي على النَّاس أن يقعوا فيه بأنَّه قد عدَّل من جرحه، وذلك يوهم أنَّه صدَّقه على نفسه، فيجرُّ ذلك إلى البخاريِّ وهنًا، فأخفى اسمه وغطَّى رسمه وما كتم علمه، والله أعلم بمراده من ذلك. ولو فتحنا باب تعديد مناقبه الجميلة، ومآثره الحميدة؛ لخرجنا عن غرض الاختصار. ولمَّا رجع إلى بخارى نُصِبَت له القباب على فرسخٍ من البلد، واستقبله عامَّة أهلها حتَّى لم يبق مذكورٌ، ونُثِرَ عليه الدَّراهم والدَّنانير، وبقي مدَّةً يحدِّثهم، فأرسل إليه أمير البلد خالد بن محمَّدٍ الذُّهليُّ، نائب الخلافة العباسيَّة، يتلطَّف معه، ويسأله أن يأتيه بالصَّحيح، ويحدِّثهم به في قصره، فامتنع البخاريُّ من ذلك، وقال لرسوله: قل له: أنا لا أُذِلُّ العلمَ، ولا أحمله إلى أبواب السَّلاطين، فإن كانت له حاجةٌ إلى شيءٍ منه فليحضر إلى مسجدي أو داري، فإن لم يعجبك هذا فأنت سلطانٌ، فامنعني من المجلس؛ ليكون لي عذرٌ عند الله يوم القيامة أنِّي لا أكتم العلم. فحصلت بينهما وحشةٌ، فأمره الأمير بالخروج عن البلد، فدعا عليه وكان مُجابَ الدَّعوة، فلم يأتِ شهرٌ حتَّى ورد أمرُ الخلافة بأن يُنادَى على خالدٍ في البلد، فنُودِي على خالدٍ على أتانٍ، وحُبِسَ إلى أن مات، ولم يبق أحدٌ ممَّن ساعده إلَّا ابتُلِي ببلاءٍ شديدٍ. ولما خرج البخاريُّ من بخارى كتب إليه أهل سمرقند يخطبونه إلى بلدهم، فسار إليهم، فلمَّا كان بخَرْتَنْك؛ بفتح الخاء المُعجَمة وإسكان الرَّاء وفتح الفوقيَّة وسكون النُّون بعدها كافٌ، وهو على فرسخين من سمرقند بلغه أنَّه قد وقع بينهم بسببه فتنةٌ؛ فقومٌ يريدون دخوله، وآخرون يكرهونه، وكان له أقرباءُ بها، فنزل عندهم حتَّى ينجليَ الأمر، فأقام أيَّامًا، فمرض، حتَّى وُجِّهَ إليه رسولٌ من أهل سمرقند، يلتمسون خروجه إليهم، فأجاب وتهيَّأ

стр. 301

للرُّكوب، ولبس خفَّيه وتعمَّم، فلمَّا مشى قدر عشرين خطوةً أو نحوها إلى الدَّابَّة ليركبها؛ قال: أرسلوني فقد ضَعُفْتُ، فأرسلوه، فدعا بدعواتٍ، ثمَّ اضطجع، فقضى، فسال عرقٌ كثيرٌ لا يُوصَف، وما سكن منه العرق حتَّى أُدرِج في أكفانه. ورُوِيَ: أنَّه ضجر ليلةً، فدعا بعد أن فرغ من صلاة اللَّيل: اللهمَّ قد ضاقت عليَّ الأرض بما رَحُبَتْ، فاقبضني إليك، فمات في ذلك الشَّهر ليلة السَّبت ليلةَ عيد الفطر، سنة ستٍّ وخمسين ومئتين، عن اثنتين وستِّين سنةً إلَّا ثلاثة عشر يومًا، وكان أوصى أن يُكفَّن في ثلاثة أثوابٍ ليس فيها قميصٌ ولا عمامةٌ، ففُعِلَ به ذلك، ولمَّا صُلِّيَ عليه، ووُضِعَ في حفرته فاح من تراب قبره رائحةٌ طيِّبةٌ كالمسك، ودامت أيَّامًا، وجعل النَّاس يختلفون إلى قبره مدَّةً يأخذون منه. وقال عبد الواحد بن آدم الطَّواويسيُّ: رأيت النَّبيَّ ﷺ ، ومعه جماعةٌ من أصحابه، وهو واقفٌ في موضعٍ، فسلَّمت عليه، فردّ عليَّ السَّلام، فقلت: ما وقوفك هنا يا رسول الله؟ قال: أنتظر محمَّد بن إسماعيل، قال: فلمَّا كان بعد أيَّامٍ، بلغني موته، فنظرت فإذا هو في السَّاعة التي رأيت فيها النَّبيَّ ﷺ ، ولمَّا ظهر أمره بعد وفاته خرج بعض مخالفيه إلى قبره، وأظهروا التَّوبة والنَّدامة. وقال أبو عليٍّ الحافظ: أخبرنا أبو الفتح نصر بن الحسن السَّمرقنديُّ، قدم علينا بَلَنْسِيَة عام أربعةٍ وستِّين وأربع مئةٍ، قال: قحط المطر عندنا بسمرقند في بعض الأعوام، فاستسقى النَّاس مرارًا، فلم يُسقَوا، فأتى رجلٌ صالحٌ معروفٌ بالصَّلاح إلى قاضي سمرقند، وقال له: إنِّي قد رأيت رأيًا أعرضه عليك، قال: وما هو؟ قال: أرى أن تخرج ويخرج النَّاس معك إلى قبر الإمام محمَّد بن إسماعيل البخاريِّ، ونستسقيَ عنده، فعسى الله أن يسقيَنا، فقال القاضي: نِعْمَ ما رأيت، فخرج القاضي ومعه النَّاس، واستسقى بهم، وبكى النَّاس عند القبر، وتشفَّعوا بصاحبه، فأرسل الله تعالى السَّماء عليهم بماءٍ عظيمٍ غزير، أقام النَّاس من أجله بخَرْتَنْكَ سبعة أيَّامٍ أو نحوها، لا يستطيع أحدٌ الوصول إلى سمرقند من كثرة المطر وغزارته، وبين سمرقند وخرتنك ثلاثةُ أيَّامٍ.

стр. 302

وبالجملة؛ فمناقب أبي عبد الله البخاريِّ كثيرةٌ، ومحاسنه شهيرةٌ، وفيما ذكرته كفايةٌ ومقنعٌ وبلاغٌ. (تنبيهٌ وإرشادٌ): رُوِّينا عن الفَِرَبْريِّ أنَّه قال: سمع «صحيحَ البخاريِّ» من مؤلِّفه تسعون ألفَ رجلٍ، فما بقي أحدٌ يرويه عنه غيري. قال الحافظ ابن حجرٍ رحمه الله تعالى: أطلق ذلك بناءً على ما في علمه، وقد تأخَّر بعده بتسع سنين أبو طلحة منصور بن محمَّد بن عليِّ بن قَرِيْنَة -بقافٍ ونونٍ، بوزن كَبِيْرَة- البَزْدويُّ؛ بفتح الموحَّدة وسكون الزَّاي، وكانت وفاته سنة تسعٍ وعشرين وثلاث مئةٍ، وهو آخر من حدَّث عن البخاريِّ بـ «صحيحه»، كما جزم به أبو نصر بن ماكولا وغيره، وقد عاش بعده ممَّن سمع من البخاريِّ القاضي الحسين بن إسماعيل المحامليُّ ببغداد، ولكن لم يكن عنده «الجامع الصَّحيح»، وإنَّما سمع منه مجالسَ أملاها ببغداد في آخر قدمةٍ قدمها البخاريُّ، وقد غلط من روى «الصَّحيح» من طريق المحامليِّ المذكور غلطًا فاحشًا. ومن رواة «الجامع الصَّحيح» ممَّن اتَّصلت لنا روايته بالإجازة: إبراهيم بن معقلٍ النَّسفيُّ الحافظ، وفاتَهُ منه قطعةٌ من آخره رواها بالإجازة، وتُوفِّي سنة أربعين ومئتين (١). وكذلك حمَّاد بن شاكر النَّسَويُّ؛ بالنُّون والمهملة، وأظنُّه تُوفِّي في حدود التِّسعين، وله فيه فوتٌ أيضًا. واتَّصلت لنا روايته من طريق المُستملي والسَّرخسيِّ والكُشْمِيهَنِيِّ

стр. 303

وأبي عليِّ بن السَّكن الأَخْسِيكَثِيِّ، وأبي زيدٍ المروزيِّ وأبي عليِّ بن شبويه وأبي أحمد الجرجانيِّ والكشانيِّ، وهو آخر من حدَّث عن الفَِرَبْريِّ بالصَّحيح؛ فأمَّا المُستملي: فرواه عنه الحافظ أبو ذرٍّ وعبد الرَّحمن الهَمْدانيُّ، وأمَّا السَّرخسيُّ: فأبو ذرٍّ أيضًا وأبو الحسن الدَّاوديُّ، وأمَّا الكُشْمِيهَنِيُّ: فأبو ذَرٍّ أيضًا وأبو سهلٍ الحفصيُّ وكريمة، وأمَّا أبو عليِّ بن السَّكن: فإسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل الصَّفَّار، وأمَّا أبو زيدٍ المروزيُّ: فأبو نُعيمٍ الحافظ وأبو محمَّدٍ عبد الله بن إبراهيم الأَصيليُّ وأبو الحسن عليُّ بن محمَّدٍ القابسيُّ، وأمَّا ابن شبويه: فسعيد بن أحمد بن محمَّدٍ الصَّيرفيُّ العيَّار، وعبد الرَّحمن بن عبد الله الهَمْدانيُّ أيضًا، وأمَّا الجرجانيُّ: فأبو نُعيمٍ والقابسيُّ أيضًا، وأمَّا الكشانيُّ: فأبو العبَّاس جعفر (١) بن محمَّدٍ المستغفريُّ فمشايخ أبي ذرٍّ ثلاثةٌ:

стр. 304

المُستملي والكُشْمِيهَنيُّ والسَّرخسيُّ، ومشايخ أبي نُعيمٍ: الجرجانيُّ وأبو زيدٍ المروزيُّ، وأمَّا الأَصيليُّ والقابسيُّ؛ فكلاهما عن أبي زيدٍ المروزيِّ، وأمَّا العيَّار: فابن شبويه، وأمَّا الدَّاوديُّ: فالسَّرخسيُّ، وأمَّا الحفصيُّ وكريمة: فالكُشْمِيهَنِيُّ، وأمَّا المستغفريُّ: فالكشانيُّ، وكلُّهم عن الفَِرَبْرِيِّ. ويأتي -إن شاء الله تعالى- قريبًا أسانيدي بـ «الجامع الصَّحيح» متَّصلةً بهم، على وجهٍ بديعٍ جامعٍ بعون الله تعالى. وقد اعتنى الحافظ شرف الدِّين أبو الحُسَين (١) عليٌّ ابن شيخ الإسلام ومحدِّث الشَّام تقيِّ الدِّين محمَّد بن أبي الحسين أحمد بن عبد الله اليونينيُّ الحنبليُّ رحمه الله تعالى بضبط رواية «الجامع الصَّحيح»، وقابل أصله الموقوف بمدرسة أقبغا آص بسُويقة العزَّى خارج باب زُوَيْلة من القاهرة المُعزيَّة، الذي قِيلَ -فيما رأيته بظاهر بعض نسخ البخاريِّ الموثوق بها وقفٌ مقرُّها برواق الجبرت من الجامع الأزهر بالقاهرة-: إنَّ أقبغا بذل فيه نحو عشرة آلاف دينارٍ، والله أعلم بحقيقة ذلك، وهو في جزأين؛ فُقِدَ الأوَّل منهما، بأصلٍ (٢) مسموعٍ على الحافظ أبي ذرٍّ الهرويِّ، وبأصل مسموعٍ على الأَصيليِّ، وبأصل الحافظ مؤرِّخ الشَّام أبي القاسم ابن عساكر، وبأصلٍ مسموعٍ على أبي الوقت، وهو أصلٌ من أصول مسموعاته في وقف خانكاه السُّمَيْساطيِّ بقراءة الحافظ أبي سعيدٍ عبد الكريم بن محمَّد بن منصورٍ السَّمعانيِّ

стр. 305

بحضرة سيبويه وقته الإمام جمال الدِّين ابن مالكٍ بدمشق سنة ستٍّ وسبعين (١) وستِّ مئةٍ، مع حضور أصلَي سماعَي الحافظ أبي محمَّد المقدسيِّ وقف السُّميساطيِّ، وقد بالغ - رحمه الله تعالى - في ضبط ألفاظ «الجامع الصَّحيح» جامعًا فيه روايات من ذكرناه، راقمًا عليه ما يدلُّ على مراده، فعلامة أبي ذَرٍّ الهرويِّ (٥)، والأَصيليِّ (ص)، وابن عساكر الدِّمشقيِّ (ش)، وأبي الوقت (ظ)، ولمشايخ أبي ذَرٍّ الثَّلاثة الحَمُّويي (ح)، والمُستملي (ست)، والكُشْمِيهَنيِّ (هـ)، فما كان من ذلك بالحمرة؛ فهو ثابتٌ في النُّسخة التي قرأها الحافظ عبد الغنيِّ المقدسيُّ على الحافظ أبي عبد الله الأرتاحيِّ بحقِّ إجازته من أبي الحُسَين الفرَّاء الموصليِّ عن كريمة عن الكُشْمِيهَنِيِّ. وفي نسخة أبي صادقٍ مرشد بن (٢) يحيى المدينيِّ وقف جامع عمرو بن العاص ﵁ بمصر، وله رقومٌ أخرى لم أجد ما يدلُّ عليها، وهي (عط ق ج صع)، ولعلَّ الجيم للجرجانيِّ، والعين لابن السَّمعانيِّ، والقاف لأبي الوقت، فإن اجتمع ابن حَمُّويه والكُشْمِيهَنِيُّ؛ فرقمهما هكذا: (حهـ)، والمُستملي والحَمُّويي؛ فرقمهما: (حسـ) هكذا، وإن اتَّفق الأربعة الرُّواة عنهم رُقِمَ لهم: (٥ ص ش ظ (٣))، وما سقط عند الأربعة زاد معها (لا)، وما سقط عند البعض أسقط رقمه من غير (لا) مثاله: أنَّه وقع في أصل سماعه في حديث «بدء الوحي»: «جمعه لك في صدرك» [خ¦٥]، ووقع عند الأربعة: «جمعه لك صدرك»

стр. 306

بإسقاط «في» فيُرقَم على «في» (لا)، ويُرقَم فوقها إلى جانبها (٥ ص ش ظ) هذا إن وقع الاتِّفاق على سقوطها، فإن كانت عندهم وليست عند الباقين؛ رُقِم رسمه وتُرِك رسمُهم، وكذا إن لم تكن عند واحدٍ وكانت عند الباقين كُتِبَ عليها (لا)، ورُقِمَ فوقها الحرف المصطلح عليه. وما صحَّ عنده سماعه وخالف مشايخ أبي ذرٍّ الثَّلاثة؛ رُقِمَ عليه (٥) وفوقها صحَّ. وإن وافق أحد مشايخه وضعه فوقه، والله تعالى يثيبه على قصده، ويجزل له من المكرمات جوائز رفده، فلقد أبدع فيما رَقَمَ، وأتقن فيما حرَّر وأحكم. ولقد عوَّل النَّاس عليه في روايات «الجامع»؛ لمزيد اعتنائه وضبطه ومقابلته على الأصول المذكورة، وكثرة ممارسته له، حتَّى إنَّ الحافظ شمس الدِّين الذَّهبيَّ حكى عنه: أنَّه قابله في سنةٍ واحدةٍ إحدى عشْرة مرَّةً، ولكونه ممَّن وُصِفَ بالمعرفة الكثيرة والحفظ التَّامِّ للمتون والأسانيد؛ كان الجمال ابن مالكٍ لمَّا حضر عند المقابلة المذكورة إذا مرَّ من الألفاظ ما يتراءى له أنَّه مخالفٌ لقوانين العربيَّة؛ قال للشَّرف اليونينيِّ: هل الرِّواية فيه كذلك؟ فإن أجاب بأنَّه منها؛ شرع ابن مالكٍ في توجيهها حسب إمكانه، ومن ثمَّ وضع كتابه المسمَّى بـ «شواهد التَّوضيح». ولقد وقفت على فروعٍ مُقابَلَةٍ على هذا الأصل الأَصيل، فرأيت من أجلِّها الفرعَ الجليلَ الذي لعلَّه فاق أصله، وهو الفرع المنسوب للإمام المحدِّث شمسِ الدِّين محمَّد بن أحمد المزِّيِّ الغزوليِّ، وقف التَّنكزيَّة بباب المحروق خارج القاهرة، المُقابَل على فرعَي وقف مدرسة الحاجِّ مالكٍ، وأصل اليونينيِّ المذكور غير مرَّةٍ، بحيث إنَّه لم يغادر منه شيئًا -كما قِيلَ-؛ فلهذا اعتمدت في كتابة متن البخاريِّ في شرحي هذا عليه، ورجعت في شكل (١) جميع الحديث وضبطه إسنادًا ومتنًا إليه، ذاكرًا جميع ما فيه من الرِّوايات، وما في حواشيه من الفوائد المهمَّات. ثمَّ وقفت في يوم الاثنين ثالث عشر جمادى الأولى، سنة ستَّ عشْرة وتسع مئةٍ، بعد ختمي لهذا الشَّرح على المجلَّد الأخير من أصل اليونينيِّ المذكور، ورأيت بحاشية ظاهر الورقة الأولى منه ما نصُّه: سمعت ما تضمَّنه هذا المجلَّد من «صحيح البخاريِّ» ﵁ بقراءة سيِّدنا الشَّيخ الإمام العالم الحافظ المتقن شرف الدِّين أبي الحسين علي بن محمَّد بن أحمد

стр. 307

اليونينيِّ ﵁ وعن سلفه، وكان السَّماع بحضرة جماعةٍ من الفضلاء ناظرين في نسخٍ مُعتَمدٍ عليها، فكلَّما مرَّ بهم لفظٌ ذو إشكالٍ بيَّنت فيه الصَّواب، وضبطته (١) على ما اقتضاه علمي بالعربيَّة، وما افتقر إلى بسط عبارةٍ وإقامة دلالةٍ أخَّرتُ أمرَه إلى جزءٍ أستوفي فيه الكلام، ممَّا يحتاج إليه من نظيرٍ وشاهدٍ؛ ليكون الانتفاع به عامًّا، والبيان تامًّا، إن شاء الله تعالى. وكتبه محمَّد بن عبد الله بن مالك حامدًا لله تعالى. قلت: وقد قابلت متن شرحي هذا إسنادًا وحديثًا على هذا الجزء المذكور، من أوَّله إلى آخره حرفًا حرفًا، وحكيته -كما رأيته- حسب طاقتي، وانتهت مقابلتي له في العشر الأخير من المحرَّم سنة سبع عشْرة وتسع مئةٍ -نفع الله تعالى به- ثمَّ قابلته عليه مرَّةً أخرى، فعلى الكاتب لهذا الشَّرح -وفَّقه الله تعالى- أن يوافقني فيما رسمته من تمييز الحديث متنًا وسندًا من الشَّرح، واختلاف الرِّوايات بالألوان المختلفة، وضبط الحديث متنًا وسندًا بالقلم كما يراه، ثمَّ رأيت بآخر الجزء المذكور ما نصُّه: بلغت مقابلةً وتصحيحًا وإسماعًا بين يدي شيخنا شيخ الإسلام حجَّة العرب، مالك أزمَّة الأدب، الإمام العلَّامة أبي عبد الله ابن مالكٍ الطَّائيِّ الجيَّانيِّ، أمدَّ الله تعالى عمره، في المجلس الحادي والسَّبعين، وهو يراعي قراءتي ويلاحظ نطقي (٢)، فما اختاره ورجَّحه وأمر بإصلاحه أصلحته وصحَّحت عليه، وما ذكر أنَّه يجوز فيه إعرابان أو ثلاثةٌ فأعملت ذلك على ما أمر ورجَّح، وأنا أقابل بأصل الحافظ أبي ذَرٍّ، والحافظ أبي محمَّد الأَصيليِّ، والحافظ أبي القاسم الدِّمشقيِّ، ما خلا الجزءَ الثَّالث عشر والثَّالث والثَّلاثين، فإنَّهما معدومان. وبأصلٍ مسموعٍ على الشَّيخ أبي الوقت بقراءة الحافظ أبي منصورٍ السَّمعانيِّ وغيره من الحفَّاظ، وهو وقفٌ بخانكاه السُّميساطيِّ،

стр. 308

وعلامات ما وافقت أبا ذَرٍّ: (٥)، والأَصيليَّ: (ص)، والدِّمشقيَّ: (ش)، وأبا الوقت: (ظ)، فيعلم (١) ذلك. وقد ذكرت ذلك في أوَّل الكتاب في فرخةٍ لتعلم الرُّموز، كتبه عليُّ بن محمَّدٍ الهاشميُّ اليونينيُّ، عفا الله تعالى عنه. انتهى. ثمَّ وُجِدَ الجزء الأوَّل من أصل اليونينيِّ المذكور يُنادَى عليه للبيع بسوق الكتب، فعُرِفَ وأُحضر إليَّ بعد فقده أزيدَ من خمسين سنةً، فقابلت عليه متن شرحي هذا، فكمَّلت مقابلته عليه جميعه حسب الطَّاقة، ولله الحمد. وقد اعتنى الأئمَّة بشرح هذا «الجامع»، فشرحه الإمام أبو سليمان حمد بن محمَّد بن إبراهيم الخطَّابيُّ بشرحٍ لطيفٍ، فيه نكتٌ لطيفةٌ ولطائف شريفةٌ. واعتنى الإمام محمَّدٌ التَّيميُّ بشرح ما لم يذكره الخطَّابيُّ مع التَّنبيه على أوهامه. وكذا أبو جعفرٍ أحمد بن سعيدٍ الدَّاوديُّ، وهو ممَّن ينقل عنه ابن التِّين الآتي ذكره. ومنهم المهلَّب بن أبي صفرة، وهو ممَّن اختصر «الصَّحيح»، ومنهم أبو الزِّناد سراجٌ، واختصر «شرح المهلَّب» تلميذه أبو عبد الله محمَّد بن خلف بن المرابط، وزاد عليه فوائد، وهو ممَّن نقل عنه ابن رُشَيد، وشرحه أيضًا الإمام أبو الحسن عليُّ بن خلفٍ المالكيُّ،

стр. 309

المغربيُّ المشهور بابن بطَّال، وغالبه في فقه الإمام مالكٍ، من غير تعرُّضٍ لموضوع الكتاب غالبًا، وقد طالعته. وشرحه أيضًا الإمام أبو حفصٍ عمر بن الحسن بن عمر الهوزنيُّ (١) الإشبيليُّ. وكذا أبو القاسم أحمد بن محمَّد بن عمر (٢) بن فردٍ التَّيميُّ، وهو واسعٌ جدًّا. والإمام عبد الواحد ابن التِّين -بفوقيَّةٍ بعدها تحتيَّةٌ ثمَّ نونٌ- السَّفاقسيُّ، وقد طالعته. والزَّين بن المُنَيِّر في نحو عشر مجلَّداتٍ، وأبو الأصبغ عيسى بن سهل بن عبد الله الأسديُّ، والإمام قطب الدِّين عبد الكريم الحلبيُّ الحنفيُّ، والإمام مغلطاي التُّركيُّ، قال صاحب «الكواكب»: وشرحُه بتتميم «الأطراف» أشبه، وبصحف تصحيح التَّعليقات أمثل، وكأنَّه من إخلائه من مقاصد الكتاب على ضمان، ومن شرح ألفاظه وتوضيح معانيه على أمان،

стр. 310

واختصره الجلال التَّبانيُّ (١) وقد رأيته، والعلَّامة شمس الدِّين محمَّد بن يوسف بن عليِّ بن محمَّد بن سعيدٍ الكرمانيُّ، فشرحه بشرحٍ مفيدٍ، جامعٍ لفرائد الفوائد، وزوائد العوائد، وسمَّاه «الكواكب الدَّراري»، لكن قال الحافظ ابن حجرٍ في «الدُّرر الكامنة»: وهو شرحٌ مفيدٌ، على أوهامٍ فيه في النَّقل؛ لأنَّه لم يأخذه إلَّا من الصُّحف. انتهى. وكذا شرحه ولده التقيُّ يحيى، مستمدًّا من «شرح أبيه» و «شرح ابن الملقِّن»، وأضاف إليه من «شرح الزَّركشيِّ» وغيره من الكتب، وما سنح له من «حواشي الدِّمياطيِّ» و «فتح الباري» و «البدر العنتابيِّ»، وسماه: «مجمع البحرين وجواهر الحبرين»، وقد رأيته وهو في ثمانية أجزاءٍ كبارٍ بخطِّه مُسودَّةً. وكذا شرحه العلَّامة السِّراج ابن الملقِّن، وقد طالعت الكثير منه. وكذا شرحه العلَّامة شمس الدِّين البرماويُّ وهو في أربعة أجزاءٍ، أخذه من «شرح الكرمانيِّ» وغيره، كما قال في أوَّله، ومن أصوله أيضًا: «مقدِّمة فتح الباري»، وسمَّاه: «اللامع الصَّبيح»، ولم يُبيَّض إلَّا بعد موته، وقد استوفيت مطالعته كـ «الكرمانيِّ».

стр. 311

وكذا شرحه الشَّيخ برهان الدِّين الحلبيُّ، وسمَّاه «التَّلقيح لفهم قارئ الصَّحيح»، وهو بخطِّه في مجلَّدين، وبخطِّ غيره في أربعةٍ، وفيه فوائد حسنةٌ. وقد التقط منه الحافظ ابن حجرٍ حين (١) كان بحلب ما ظنَّ أنَّه ليس عنده؛ لكونه لم يكن معه إلَّا كراريسُ يسيرةٌ من «الفتح». وشرحه أيضًا شيخ الإسلام والحافظ (٢) أبو الفضل ابن حجرٍ، وسمَّاه «فتح الباري»، وهو في عشرة أجزاءٍ، ومقدِّمته في جزءٍ، وشهرته وانفراده بما اشتمل عليه من الفوائد (٣) الحديثيَّة، والنُّكات الأدبيَّة، والفوائد الفقهيَّة، تغني عن وصفه، لاسيَّما وقد امتاز كما نبَّه عليه شيخنا بجمع طرق الحديث التي ربَّما يتبيَّن من بعضها ترجيح أحد الاحتمالات شرحًا وإعرابًا، وطريقته في الأحاديث المكرَّرة: أنَّه يشرح في كلِّ موضعٍ ما يتعلَّق بمقصد البخاريِّ بذكره فيه، ويحيل بباقي شرحه على المكان المشروح فيه. قال شيخنا: وكثيرًا ما كان - رحمه الله تعالى - يقول: أودُّ لو تتبَّعت الحوالات التي تقع لي فيه، فإن لم يكن المُحال به مذكورًا، أو ذُكِرَ في مكانٍ آخرَ غير المُحال عليه؛ ليقع (٤) إصلاحه؛ فما (٥) فعل ذلك، فاعلمه. وكذا ربَّما يقع له ترجيح أحد الأوجه في الإعراب أو غيره من الاحتمالات أو الأقوال في موضعٍ، ثمَّ يرجِّح في موضعٍ آخرَ غيره، إلى غير ذلك ممَّا لا طعن عليه بسببه، بل هذا أمرٌ لا ينفكُّ عنه كثيرٌ من الأئمَّة المعتمدين، وكان ابتداء تأليفه في أوائل سنة سبع عشرة وثمان مئةٍ على طريق الإملاء،

стр. 312

ثمَّ صار يكتب بخطِّه شيئًا فشيئًا، فيكتب الكرَّاس، ثمَّ يكتبه جماعةٌ من الأئمَّة المعتبرين، ويعارض بالأصل مع المباحثة في يومٍ من الأسبوع، وذلك بقراءة العلَّامة ابن خضر، فصار السِّفر لا يكمل منه شيءٌ إلَّا وقد قُوبِل وحُرِّر، إلى أن انتهى في أوَّل يومٍ من رجب سنة اثنتين وأربعين وثمان مئةٍ، سوى ما ألحق فيه بعد ذلك، فلم ينتهِ إلَّا قُبيل وفاة المؤلِّف بيسيرٍ. ولمَّا تمَّ؛ عَمِلَ مصنِّفُه وليمةً بالمكان المسمَّى بالتَّاج والسَّبع وجوه، في يوم السَّبت ثاني شعبان سنة اثنتين وأربعين، وقُرِئَ المجلس الأخير هناك بحضرة الأئمَّة، كالقايانيِّ والمناويِّ والونائيِّ والسَّعد الدِّيريِّ، وكان المصروف على الوليمة المذكورة نحو خمس مئة دينارٍ، وكملت مقدِّمته وهي في مجلَّدٍ ضخمٍ في سنة ثلاث عشرة وثمان مئةٍ، وقد استوفيت بحمد الله تعالى مطالعتهما. وقد اختصر «فتح الباري» شيخُ مشايخنا الشَّيخ أبو الفتح محمَّد ابن الشَّيخ زين الدِّين بن الحسين المراغي، وقد رأيته بمكَّة وكتبت كثيرًا منه. وشرحه العلَّامة بدر الدِّين العينيُّ الحنفيُّ في عشرة أجزاءٍ وأزيد، وسمَّاه «عمدة القاري»، وهو بخطِّه في أحدٍ وعشرين جزءًا مجلَّدًا، بمدرسته التي أنشأها بحارة كتامة بالقرب من الجامع الأزهر، وشرع في تأليفه في أواخر شهر (١) رجب سنة إحدى وعشرين وثمان مئةٍ، وفرغ منه في آخر الثُّلث الأوَّل من ليلة السَّبت خامس شهر جمادى الأولى سنة سبعٍ (٢)

стр. 313

وأربعين وثمان مئةٍ، واستمدَّ فيه من «فتح الباري»، كان -فيما قِيلَ- يستعيره (١) من البرهان ابن خضرٍ بإذن مصنِّفه له، وتعقَّبه في مواضعَ، وطوَّله بما تعمَّد الحافظ ابن حجرٍ في «الفتح» حذفه من سياق الحديث بتمامه، وإفراد كلٍّ من تراجم الرُّواة بالكلام، وبيان الأنساب واللُّغات والإعراب والمعاني والبيان، واستنباط الفرائد من الحديث والأسئلة والأجوبة وغير ذلك. وقد حُكِيَ: أنَّ بعض الفضلاء ذكر للحافظ ابن حجرٍ ترجيح «شرح العينيِّ»؛ بما اشتمل عليه من البديع وغيره، فقال بديهة: هذا شيءٌ نقله من شرحٍ لركن الدِّين، وكنت قد وقفت عليه قبله، ولكن قد تركت النَّقل منه؛ لكونه لم يتمَّ، إنَّما كتب منه قطعةً، وخشيت من تعبي بعد فراغها في الاسترسال في هذا المَهْيَع، ولذا لم يتكلَّم البدر العينيُّ بعد تلك القطعة بشيءٍ من ذلك. انتهى. وبالجملة؛ فإنَّ شرحه حافلٌ كاملٌ في معناه، لكنَّه لم ينتشر كانتشار «فتح الباري» من حياة مؤلِّفه وهلمَّ جرًّا. وكذا شرح مواضع من «البخاريِّ» الشَّيخ بدر الدِّين الزَّركشيُّ في «التَّنقيح»، وللحافظ ابن حجرٍ نكتٌ عليه لم تكْمل (٢). وكذا شرح العلَّامة بدر الدِّين الدَّمامينيّ، وسمَّاه «مصابيح الجامع»، وقد استوفيت مطالعتها؛ كشرح العينيِّ وابن حجرٍ والبرماويِّ. وكذا شرح الحافظ الجلال السُّيوطيّ -فيما بلغني- في تعليقٍ لطيفٍ، قريبٍ من «تنقيح» الزَّركشيِّ، سمَّاه: «التَّوشيح على الجامع الصَّحيح».

стр. 314

وكذا شرح منه شيخ الإسلام أبو زكريَّا يحيى النَّوويُّ قطعةً، من أوَّله إلى آخر «كتاب الإيمان»، طالعتها وانتفعت ببركتها. وكذا الحافظ ابن كثيرٍ قطعةً من أوَّله، والزَّين بن رجبٍ الدِّمشقيُّ، ورأيت منه مجلَّدةً، والعلَّامة السِّراج البُلقينيُّ، رأيت منه مجلَّدةً أيضًا، والبدر الزَّركشيُّ في غير «التَّنقيح» مطوَّلًا، رأيت منه قطعةً بخطِّه، والمجد الشِّيرازيُّ اللُّغويُّ مؤلِّف «القاموس»، سمَّاه: «منح الباري بالسَّيح الفسيح المجاري في شرح البخاري»، كمَّل ربع «العبادات» منه في عشرين مجلَّدًا، وقدر تمامه في أربعين مجلَّدًا. قال التَّقيُّ الفاسيُّ: لكنَّه قد ملأه بغرائب (١) المنقولات، لاسيَّما لما اشتُهِر باليمن مقالة ابن عربيٍّ، وغلب ذلك على علماء تلك البلاد، وصار يدخل في شرحه من فتوحاته الكثير ما كان سببًا لِشَيْن شرحه عند الطَّاعنين فيه. وقال الحافظ ابن حجرٍ: إنَّه رأى القطعة التي كملت في حياة مؤلِّفه قد أكلتها الأَرَضَة (٢) بكمالها، بحيث لا يقدر على قراءة شيءٍ منها. انتهى. وكذا بلغني أنَّ الإمام أبا الفضل النُّويريَّ خطيب مكَّة شرح مواضع من «البخاريِّ». وكذا العلَّامة محمَّد بن أحمد بن مرزوق شارح «بردة البوصيريِّ»،

стр. 315

وسمَّاه: «المتجر الرَّبيح والمسعى الرَّجيح في شرح الجامع الصَّحيح»، ولم يكمل أيضًا. وشرح العارف القدوة عبد الله بن أبي جمرة ما اختصره منه، وسمَّاه: «بهجة النفوس»، وقد طالعته، والبرهان النعمانيّ إلى أثناء الصَّلاة، ولم يفِ بما التزمه، رحمه الله تعالى وإيَّانا. وشيخ المذهب وفقيهه شيخ الإسلام أبو يحيى زكريَّا الأنصاريُّ السُّنَيكيُّ (١)، والشَّمس الكورانيُّ مؤدِّب السُّلطان المظفَّر أبي الفتح محمَّد بن عثمان فاتح القسطنطينيَّة، سمَّاه: «الكوثر الجاري إلى رياض صحيح البخاري»، وهو في مجلَّدتين، والعلَّامة شيخ الإسلام أبو البقاء جلال الدِّين البلقينيُّ بيَّن ما فيه من الإبهام (٢)، وهو في مجلَّدةٍ. وصاحبنا (٣) الشَّيخ أبو البقاء الأحمديُّ، أعانه الله تعالى على الإكمال. وشيخنا فقيه المذهب الجلال البكريُّ، وأظنُّه لم يكمل. وكذا صاحبنا الشَّيخ شمس الدِّين الدُّلجيُّ، كتب منه قطعةً لطيفةً. ولابن عبد البرِّ: «الأجوبة على المسائل المستغربة من البخاري»، سأله عنها المهلَّب بن أبي صفرة. وكذا لأبي محمَّد ابن حزم عدَّة أجوبةٍ عليه، ولابن المُنَيِّر حواشٍ على ابن بطَّالٍ، وله أيضًا كلامٌ على التَّراجم سمَّاه: «المتواري».

стр. 316

وكذا لأبي عبد الله بن رُشَيدٍ: «ترجمان التَّراجم»، وللفقيه أبي عبد الله محمَّد بن منصور بن حمامة المغراويِّ السِّجِلْماسيِّ: «حلُّ أغراض البخاري المُبهَمة في الجمع بين الحديث والتَّرجمة»، وهي مئة ترجمةٍ. ولشيخ الإسلام الحافظ ابن حجرٍ: «انتقاض الاعتراض»، يجيب فيه عمَّا اعترضه عليه العينيُّ في «شرحه»، طالعته لكنَّه لم يجب عن أكثرها، ولعلَّه كان يكتب الاعتراضات، ويبيِّض لها ليجيب عنها، فاخترمته المنيَّة. وله أيضًا: «الاستنصار (١) على الطَّاعن المِعْثار»، وهو صورة فُتيا عمَّا وقع في خطبة شرح البخاريِّ للعلَّامة العينيِّ. وله أيضًا «أحوال الرِّجال المذكورين في البخاريِّ زيادةً على ما في تهذيب الكمال»، وسمَّاه: «الإعلام بمن ذُكِرَ في البخاري من الأعلام». وله أيضًا: «تغليق التَّعليق»، ذكر فيه تعاليق أحاديث «الجامع» المرفوعة، وآثاره الموقوفة والمتابعات، ومن وصلها بأسانيده إلى الموضع المعلَّق؛ وهو كتابٌ حافلٌ

стр. 317

عظيمٌ في بابه، لم يسبقه إليه أحدٌ فيما أعلم، وقرَّظ له عليه العلَّامة اللُّغويُّ المجد صاحب «القاموس»، كما رأيته بخطِّه على نسخةٍ بخطِّ مؤلِّفه، ولخَّصه في «مقدِّمة الفتح»، فحذف الأسانيد ذاكرًا من خرَّجه موصولًا. وكذا شرح «البخاريَّ» العلَّامة المفنِّن (١) الأوحد، الزَّين (٢) عبد الرَّحيم بن عبد الرَّحمن بن أحمد، العباسيُّ الشَّافعيُّ، شرحًا رتَّبه على ترتيبٍ عجيبٍ، وأسلوبٍ غريبٍ، فوضعه -كما قال- في ديباجته على منوال «مصنَّف ابن الأثير»، وبناه على مثال «جامعه» المنير، وجرَّده من الأسانيد، راقمًا على هامشه بإزاء كلِّ حديثٍ حرفًا أو حروفًا، يُعلَم بها من وافق البخاريَّ على إخراج ذلك الحديث من أصحاب الكتب الخمسة، جاعلًا إثر كلِّ كتابٍ جامعٍ منه بابًا لشرح غريبه، واضعًا الكلمات الغريبة بهيئتها على هامش الكتاب، موازيًا لشرحها؛ ليكون أسرع في الكشف وأقرب إلى التَّناول، وقرَّظ له عليه شيخنا شيخ الإسلام البرهان بن أبي شريفٍ، والزَّين عبد البرِّ ابن الشِّحنة (٣)، والعلَّامة الرَّضيُّ الغزِّيُّ. ونَظَم شيخ الإسلام البلقينيُّ مناسبات ترتيب تراجم البخاريِّ، فقال: أتى في البخاري حكمةٌ في التَّراجمِ … مناسبةٌ في الكُتْبِ مثل البراجمِ

стр. 318

فمبدأ وحي الله جاء نبيُّه … وإيمانُ يتلوه بعقد المعالم وإنَّ كتاب العلم يُذكَر بعده … فبالوحي إيمانٌ وعلم العوالم وما بعد إعلامٍ سوى العمل الذي … به يَرِدُ الإنسان وِرْدَ الأكارم ومبدؤه طهرٌ أتى لصلاتنا … وأبوابه فيها بيان الملائم وبعد صلاةٍ فالزَّكاة تبيعها … وحجٌّ وصومٌ فيهما خُلْفُ عالَم

стр. 319

روايته جاءت بخلْفٍ بصحَّةٍ … كذا جاء في التَّصنيف (١) طبق الدَّعائم وفي الحجِّ أبوابٌ كذاك بعمرةٍ … لِطَيْبَةَ جاء الفضل من طيب خاتم (٢) معاملة الإنسان في طوع ربِّه … يليها ابتغاء الفضل سوق المواسم وأنواعها في كلِّ بابٍ تميَّزت … وفي الرَّهن والإعتاق فكُّ الملازم فجاء كتاب الرَّهن والعتق بعده … مناسبةٌ تخفى على فهم صارم

стр. 320

كتابة عبدٍ ثمَّ فيها تبرُّعٌ … كذا هبةٌ فيها شهود التَّحاكم كتاب شهاداتٍ تلي هبةً جرت … وللشُّهدا في الوصف أمرٌ لحاكم وكان حديث الإفك فيه افتراؤهم … فويلٌ لأفَّاكٍ وتبًّا لآثم وكم فيه تعديلٌ لعائشة التي … يبرِّئها المولى بدفع العظائم كذا الصُّلح بين النَّاس يُذكَر بعده … فبالصُّلح إصلاحٌ ورفع (١) المظالم وصلحٌ وشرطٌ جائزان لشرعه … فذكر شروطٍ في كتابٍ لعالم كتاب الوصايا والوقوف لشارطٍ … بها عمل الأعمال تمَّ (٢) لقائم
следующие страницы →