← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وفي هذا الحديث: تعظيمُ حقِّ المسلم، والحكم على من سبَّه بالفسق، ورجاله كلُّهم أئمَّةٌ أَجِلَّاء، ما بين بصريٍّ وواسطيٍّ وكوفيٍّ، مع التَّحديث إفرادًا وجمعًا، والعنعنة، وأخرجه أيضًا في «الأدب» [خ¦٦٠٤٤]، ومسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ وقال: حسنٌ صحيحٌ، والنَّسائيُّ في «المُحارَبَة». ٤٩ - وبه قال: (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) السَّابق، وفي رواية الأَصيليِّ بإسقاط: «ابن سعيدٍ» وفي رواية أبي الوقت: «هو ابن سعيدٍ» قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) الأنصاريُّ المدنيُّ (عَنْ حُمَيْدٍ) بضمِّ الحاء، ابن أبي حُمَيْدٍ تِيْر؛ بكسر المُثنَّاة الفوقيَّة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخره راءٌ، أي: السَّهميِّ الخزاعيِّ البصريِّ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ وأربعين ومئةٍ (عَنْ أَنَسٍ) وزاد الأَصيليُّ (١): «ابن مالكٍ» وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: «حدَّثنا أنسٌ» ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «حدَّثني» بالإفراد (٢) «أنسٌ» وبذلك يحصل الأمن من تدليس حُمَيْدٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ) ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ) من الحجرة (يُخْبِرُ) استئنافٌ أو حالٌ مُقدَّرةٌ؛ لأنَّ الخبر بعد الخروج على حدِّ ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] أي: مقدِّرين الخلود (بِلَيْلَةِ القَدْرِ) أي: بتعيينها (فَتَلَاحَى) بفتح الحاء المهملة، مِنَ التَّلاحِي؛ بكسرها، أي: تنازع

стр. 597

(رَجُلَانِ مِنَ المُسْلِمِينَ) وهما -فيما قاله ابن دحية-: عبد الله بن أبي حَدْرد؛ بمُهمَلَةٍ مفتوحةٍ ودالين مُهمَلَتين أولاهما ساكنةٌ وبينهما راءٌ، وكعبُ بن مالكٍ، كان له على عبد الله دَيْنٌ فطلبه، فتنازعا، وارتفع صوتهما في المسجد (فَقَالَ) ﷺ : (إِنِّي خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ) بنصب الرَّاء بـ «أَنِ» المُقدَّرة بعد لام التَّعليل، و «الضَّمير» مفعول «أخبر» الأوَّل، وقوله: (بِلَيْلَةِ القَدْرِ) سدَّ مسدَّ الثَّاني والثَّالث، أي: أخبركم بأنَّ ليلة القدر هي ليلةُ كذا (وَإِنَّهُ تَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ) ابن أبي (١) حدرد وكعب بن مالكٍ في المسجد وشهر رمضان اللَّذين هما محلَّان للذِّكر لا لِلَّغو، مع استلزام ذلك لرفع الصَّوت بحضرة الرَّسول ﵊ المنهيِّ عنه (فَرُفِعَتْ) أي: رُفِعَ بيانُها أو علمها من قلبي؛ بمعنى: نسيتها، ويدلُّ له حديث أبي سعيدٍ المرويِّ في «مسلمٍ»: «فجاء رجلان يحتقَّان -بتشديد القاف، أي: يدَّعي كلٌّ منهما أنَّه مُحِقٌّ- معهما الشَّيطان فنُسِّيتها» (وَعَسَى أَنْ يَكُونَ) رَفْعُها (خَيْرًا لَكُمُ) لتزيدوا في الاجتهاد في طلبها، فتكون زيادةً في ثوابكم، ولو كانت مُعيَّنةً لاقتصرتم عليها فَقَلَّ عملكم، وشَذَّ قومٌ فقالوا برفعها وهو غلطٌ كما بيَّنه قوله: (التَمِسُوهَا) أي: اطلبوها؛ إذ لو كان المُرَاد رفع وجودها لم يأمرهم بالتماسها، وفي رواية أبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «فالتمسوها» (فِي) ليلة (السَّبْعِ) -بالمُوحَّدة- والعشرين من رمضان المذكور (وَالتِّسْعِ) والعشرين منه (وَالخَمْسِ) والعشرين منه، كما استُفِيد التَّقدير من رواياتٍ أُخَرَ، وفي روايةٍ: بتقديم التِّسع -بالمُثنَّاة- على السَّبع -بالمُوحَّدة- فإن قلت: كيف أمر بطلب ما رُفِعَ علمه؟ أُجِيب: بأنَّ المُرَادَ طلبُ التَّعبُّد في مظانِّها، وربَّما يقع العمل مُضَافًا (٢) لها، لا أنَّه أمر بطلب العلم بعينه. وفي الحديث: ذمُّ المُلاحَاة والخصومة، وأنَّهما سبب العقوبة للعامَّة بذنب الخاصَّة، والحثُّ على طلب ليلة القدر، ورواتُهُ ما بين بَلخِيٍّ وبَصرِيٍّ ومدنِيٍّ، ورواية صحابيٍّ عن صحابيٍّ، والتَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه أيضًا في «الصَّوم» [خ¦٢٠٢٣] وفي «الأدب» [خ¦٦٠٤٩]، وكذا النَّسائيُّ.

стр. 598

(٣٧) هذا (بابُ) بغير تنوينٍ؛ لإضافته إلى قوله (١): (سُؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الإِيمَانِ، وَالإِسْلَامِ، وَالإِحْسَانِ) بإضافة «سؤالِ» لـ «جبريل» من إضافة المصدر للفاعل، و «النَّبيَّ»: نصب معمول المصدر (وَ) عن (عِلْمِ) وقت (السَّاعَةِ) قُدِّر بالوقت لأنَّ السُّؤال لم يقع عن نفس السَّاعة، وإنَّما هو عن وقتها؛ بقرينة ذكر: متى السَّاعة (٢)؟ (وَبَيَانِ) -بالجرِّ- عطفًا على سؤالِ جبريلَ (النَّبِيِّ ﷺ لَهُ) أكثرَ المسؤولِ عنه لأنَّه لم يبيِّن وقت الساعة؛ إذ حكم مُعظَمِ الشَّيءِ حكمُ كلِّه، أو أنَّ قوله عنِ السَّاعة: «لا يعلمها إلَّا الله» بيانٌ له (ثُمَّ قَالَ) ﷺ ، وعطف الجملة الفعليَّة على الاسميَّة لأنَّ الأسلوب يتغيَّر بتغيُّر المقصود؛ لأنَّ مقصوده من الكلامِ الأوَّلِ: التَّرجمة، ومن الثَّاني: كيفيَّة الاستدلال، فَلِتغايرهما تَغَايَرَ الأسلوبان (جَاءَ جِبْرِيلُ ﵇ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ، فَجَعَلَ) ﷺ (ذَلِكَ كُلَّهُ دِينًا) يدخل فيه اعتقاد وجود السَّاعة، وعدم العلم بوقتها لغير الله تعالى لأنَّهما من الدِّين (وَمَا بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ لِوَفْدِ عَبْدِ القَيْسِ مِنَ الإِيمَانِ) أي: مع ما بيَّن للوفد أنَّ الإيمان هو الإسلام؛ حيث فسَّره في قصَّتهم بما فسَّر به الإسلام (وَقَوْلِهِ تَعَالَى) وفي رواية أبي ذَرٍّ: «وقول الله تعالى» وفي رواية الأَصيليِّ: « »: (﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]) أي: ومع ما دلَّت عليه هذه الآية أنَّ الإسلام هو الدِّين؛ إذ لو كان غيره لم يُقبَل، فاقتضى ذلك أنَّ الإيمانَ والإسلامَ شيءٌ واحدٌ، ويؤيِّده ما نقل أبو عوانة في «صحيحه» عن المزنيِّ من (٣) الجزم بأنَّهما عبارةٌ عن معنًى واحدٍ، وأنَّه سمع ذلك من الشَّافعيِّ، وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى قريبًا.

стр. 599

٥٠ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سهمٍ، وأمُّه عُلَيَّة؛ بضمِّ العين المُهمَلَة وفتح اللَّام وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ) -بفتح الحاء المُهمَلَة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة- يحيى بن سعيد بن حيَّان (١) (التَّيْمِيُّ) نسبةً إلى تيم الرِّباب الكوفيُّ (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) هرم بن عمرو بن جرير البجليِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ) وفي روايةٍ: «رسول الله» (¬ ﷺ بَارِزًا) أي: ظاهرًا (يَوْمًا لِلنَّاسِ) غير محتجبٍ عنهم، و «يومًا» نُصِبَ على الظَّرفيَّة (فَأَتَاهُ رَجُلٌ) أي: مَلَكٌ في صورة رجلٍ، وهي (٢) رواية الأربعة، وفي روايةٍ في أصل متن فرع «اليونينيَّة» كهي، «جبريل» (فَقَالَ) بعد أن سَلَّم: يا محمَّد، كما في «مسلمٍ»، وإنَّما ناداه باسمه كما يناديه الأعراب تعميةً بحاله، أو لأنَّ له دالَّة المعلِّم: (مَا الإِيمَانُ؟) أي: ما مُتعلَّقاتُه؟ (قَالَ) ﷺ : (الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ) أي: تصدِّق بوجوده، وبصفاته الواجبة له تعالى، وقد وقع

стр. 600

السُّؤال بـ «ما» ولا يُسأَل بها إلَّا عنِ الماهيَّة، لكنَّ الظَّاهر أنَّه ﵊ علم أنَّه سأله عن متعلَّقات الإيمان لا عن حقيقته، وإِلَّا فكان الجواب: الإيمانُ: التَّصديقُ، وإنَّما فسَّر الإيمان بذلك؛ لأنَّ المُرَاد من المحدود الإيمان الشَّرعيُّ، ومن الحدِّ اللُّغويُّ، حتَّى لا يلزم تفسير الشَّيء بنفسه، وحَمَلَهُ الأُبِّيُّ على الحقيقة، معلِّلًا بأنَّ السُّؤال بـ «ما» بحسب الخصوصيَّة إنَّما يكون عن الحقيقة لا عن الحكم، وعلى هذا فقوله: «أن تؤمن … » إلى آخره؛ من حيث إنه جواب السُّؤال المذكور يتعيَّن أن يكون حدًّا؛ لأنَّ المقول في جوابه إنَّما هو الحدُّ، فإن قلت: لو كان حدًّا لم يَقُلْ جبريل ﵇ في جوابه: «صدقتَ»، كما في «مسلمٍ» لأنَّ الحدَّ لا يقبل التَّصديق، أُجِيب: بأنَّه إذا قِيلَ في الإنسان: إنَّه حيوانٌ ناطقٌ، وقُصِدَ به التَّعريف؛ فهو لا يقبل التَّصديق كما ذكرت، وإن قُصِدَ به أنَّه الذَّات المحكوم عليها بالحيوانيَّة والنَّاطقيَّة فهو دعوى وخبر (١) فيقبل التَّصديق، فلعلَّ جبريلَ ﵊ راعى هذا المعنى؛ فلذلك قال: «صدقتَ»، أو يكون قوله: «صدقت» تسليمًا، والحدُّ يقبل التَّسليم، ولا يقبل المنع لأنَّ المنع طلب الدَّليل، والدَّليل إنَّما يتوجَّه للخبر، والحدُّ تفسيرٌ لا خبرٌ، قاله أبو عبد الله الأُبِّيُّ (٢)، وأعاد لفظ «الإيمان» للاعتناء بشأنه وتفخيمًا لأمره (وَمَلَائِكَتِهِ) جمع مَلَكٍ، وأصله: مَلْأَكٌ «مَفْعَلٌ» مِنَ: الألوكة؛ بمعنى: الرِّسالة، زِيدَت فيه «التَّاء» لتأكيد معنى الجمع، أو لتأنيث الجمع، وهم

стр. 601

أجسامٌ (١) علويَّةٌ نورانيَّةٌ مُشكَّلةٌ بما شاءت من الأشكال، والإيمان بهم هو التَّصديق بوجودهم، وأنَّهم كما وصفهم الله تعالى: ﴿عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] أي: وأن تؤمن بملائكته (وَ) أن تؤمن (بِلِقَائِهِ) أي: برؤيته تعالى في الآخرة، كما قال الخطَّابيُّ، وتعقَّبه النَّوويُّ: بأنَّ أحدًا لا يقطع لنفسه بها؛ إذ هي مختصَّةٌ بمن مات مؤمنًا، والمرء لا يدري بِمَ يُختَم له؟ وأُجِيب: بأنَّ المُرَاد أنَّها حقٌّ في نفس الأمر، أو المُرَاد الانتقال من دار الدُّنيا (وَ) أن تؤمن (بِرُسُلِهِ) عليهم الصلاة والسلام، وفي رواية غير الأَصيليِّ: «ورسله» بإسقاط المُوحَّدة، أي: التَّصديق بأنَّهم صادقون فيما أخبروا به عن الله تعالى، وتأخيرهم في الذِّكر لتأخُّر إيجادهم لا لأفضليَّة الملائكة، وفي هامش فرع «اليونينيَّة» كهي زيادة: «وكتبه» للأَصيليِّ بإسقاط المُوحَّدة، أي: تصدِّق (٢) بأنَّها كلام الله تعالى، وأنَّ ما اشتملت عليه حقٌّ (وَ) أن (تُؤْمِنَ) أي: تصدِّق (بِالبَعْثِ) من القبور وما بعده؛ كالصِّراط والميزان، والجنَّة والنَّار، أو المُرَاد بعثة الأنبياء، وقد قِيلَ: إنَّ قوله: «وبلقائه» مُكرَّرةٌ لأنَّها داخلةٌ في الإيمان بالبعث، وتغايرُ تفسيرهما يحقِّق أنَّها ليست مُكرَّرةً، وإنما أعاد «تؤمن» لأنَّه إيمانٌ بما سيُوجَد، وما سبق إيمانٌ بالموجود في الحال، فهما نوعان، ثمَّ (قَالَ) أي: جبريل: يا رسول الله (مَا الإِسْلَامُ؟ قَالَ) ﷺ : (الإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ) أي: تطيعه مع خضوعٍ وتذلُّلٍ، أو تنطق بالشَّهادتين (وَلَا تُشْرِكَ بِهِ) بالفتح، وفي نسخة كريمة: «ولا تشركُ» بالضَّمِّ، زاد الأَصيليُّ: «شيئًا» (وَ) أن (تُقِيمَ) أي: تديمَ (الصَّلَاةَ) المكتوبة؛ كما صرَّح به في «مسلمٍ» (٣)، أو تأتيَ بها على ما ينبغي، وهو وتاليه من عطف الخاصِّ على العامِّ (وَ) أن (تُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ) قيَّد بها احترازًا من صدقة التَّطوُّع؛ فإنَّها زكاةٌ لغويَّةٌ، أو من

стр. 602

المُعجَّلة، أو لأنَّ العرب كانت تدفع المال للسَّخاء والجود، فنبَّه بالفرض على رفض ما كانوا عليه، قال الزَّركشيُّ: والظَّاهر أنَّها للتَّأكيد، وفي رواية مسلمٍ (١): «تقيم الصَّلاة المكتوبة، وتؤتي الزَّكاة المفروضة» (وَتَصُومَ رَمَضَانَ) ولم يذكر الحجَّ؛ إمَّا ذهولًا أو نسيانًا من الرَّاوي، ويدلُّ له مجيئه في رواية كَهْمَس: «وتحجَّ البيت إنِ استطعتَ إليه سبيلًا»، وقِيلَ: لأنَّه لم يكن فُرِضَ، ودُفِعَ بأنَّ في رواية ابن منده بسندٍ على شرط مسلمٍ: أنَّ الرَّجل جاء في آخر عمره ﷺ ، ولم يذكر «الصَّوم» في رواية عطاء الخراسانيِّ، واقتصر في حديث أبي عامرٍ على «الصَّلاة والزَّكاة»، ولم يزد في حديث ابن عبَّاسٍ على «الشَّهادتين»، وزاد سليمان التَّيميُّ بعد ذكر الجميع: الحجَّ والاعتمار، والاغتسال من الجنابة، وإتمام الوضوء، وقد وقع هنا التَّفريق بين الإيمان والإسلام، فجعل الإيمان عمل القلب، والإسلام عمل الجوارح، فالإيمان لغةً: التَّصديق مُطلَقًا، وفي الشَّرع: التَّصديق والنُّطق معًا، فأحدهما ليس بإيمانٍ، أمَّا التَّصديق فإنَّه لا ينجِّي وحده من النَّار، وأمَّا النُّطق فهو وحده نِفَاقٌ، فتفسيره في الحديث «الإيمان» بالتَّصديق و «الإسلام» بالعمل إنَّما فسَّر به إيمان القلب والإسلام في (٢) الظَّاهر، لا الإيمان الشَّرعيَّ والإسلام الشَّرعيَّ، والمؤلِّف يرى أنَّهما والدِّين عباراتٌ عن واحدٍ، والمتَّضح أنَّ محلَّ الخلاف إذا أُفْرِدَ لفظُ أحدِهما، فإنِ اجتمعا تغايرا، كما وقع هنا، ثمَّ (قَالَ) جبريل: يا رسول الله (مَا الإِحْسَانُ؟) مبتدأٌ وخبرٌ، و «ال» للعهد، أي: ما الإحسان المتكرِّر في القرآن المترتِّب عليه الثَّواب؟ (قَالَ) رسول الله ﷺ مُجِيبًا له: الإحسان: (أَنْ تَعْبُدَ اللهَ) أي: عبادتُك اللهَ تعالى حال كونك في عبادتك له (كَأَنَّكَ تَرَاهُ) أي: مثل حال كونك رائيًا له (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ) فاستمِرَّ على إحسان العبادة (فَإِنَّهُ) (يَرَاكَ) دائمًا، والإحسان: الإخلاص، أو إجادة العمل، وهذا من جوامع كَلِمِهِ ﵊؛ إذ هو شاملٌ لمَقام المُشاهَدَة ومقام المُراقَبَة، ويتَّضح لك

стр. 603

ذلك بأن تعرف أنَّ للعبد في عبادته ثلاثَ مقاماتٍ: الأوَّل: أن يفعلها على الوجه الذي تسقط معه وظيفة التَّكليف؛ باستيفاء الشَّرائط والأركان. الثَّاني: أن يفعلها كذلك وقد استغرق في بحار المُكاشَفَة، حتَّى كأنَّه يرى الله تعالى، وهذا مقامه ﷺ ؛ كما قال: «وجُعِلَتْ قُرَّةُ عيني في الصَّلاة»؛ لحصول الاستلذاذ بالطَّاعة، والرَّاحة بالعبادة، وانسداد مسالك الالتفات إلى الغير باستيلاء أنوار الكشف عليه؛ وهو ثمرة امتلاء زوايا القلب من المحبوب، واشتغال السِّرِّ به، ونتيجته: نسيان الأحوال من المعلوم (١)، واضمحلال الرُّسوم. الثَّالث: أن يفعلها وقد غلب عليه أنَّ الله تعالى يشاهده، وهذا هو مقام المُراقَبَة (٢). فقوله: «فإن لم تكن تراه» نزولٌ عن مقام المُكاشَفَة إلى مقام المُراقَبَة، أي: إن لم تعبده وأنت من أهل الرُّؤية المعنويَّة فاعبده وأنت بحيث إنَّه يراك، وكلٌّ من المقامات الثَّلاثة إحسانٌ، إلَّا أنَّ الإحسان الذي هو شرطٌ في صحَّة العبادة إنَّما هو الأوَّل؛ لأنَّ الإحسان بالأخيرين (٣) من صفة الخواصِّ، ويتعذَّر من كثيرين، وإنَّما أخَّر السُّؤال عن الإحسان لأنَّه صفة الفعل، أو شرطٌ في صحَّته، والصِّفة بعد الموصوف، وبيان الشَّرط متأخِّرٌ عن المشروط، قاله أبو عبد الله الأُبِّيُّ، ثمَّ (قَالَ) جبريل: يا رسول الله (٤) (مَتَى) تقوم (السَّاعَةُ؟) اللَّام للعهد، والمُرَاد: يوم القيامة (قَالَ: مَا) أي: ليس (المَسْؤُولُ) زاد في رواية أبي ذَرٍّ: «عنها» (بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ) بزيادة «المُوحَّدة» في «أعلم» لتأكيد (٥) معنى النَّفيِ، والمُرَاد نفيُ علمِ وقتها لأنَّ عِلْمَ مجيئِها مقطوعٌ به، فهو علمٌ مُشتَرَكٌ، وهذا وإن أشعر بالتَّساوي في العلم إلَّا أنَّ المُرَاد التَّساوي في العلم

стр. 604

بأنَّ الله استأثر بعلم وقت مجيئها؛ لقوله بعد: «خمسٌ لا يعلمهنَّ إلَّا الله»، وليس السُّؤال عنها ليَعْلم الحاضرون كالأسئلة السَّابقة، بل لينزجروا عن السُّؤال عنها، كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾ [الأحزاب: ٦٣] فلمَّا وقع الجواب بأنَّه لا يعلمها إلَّا الله تعالى كفُّوا، وهذا السُّؤال والجواب وقعا بين عيسى ابن مريم وجبريل ﵉ كما في «نوادر الحميديِّ»، لكن كان عيسى هو السَّائل، وجبريل هو المسؤول، ولفظه: حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا مالك بن مِغْوَلٍ، عن إسماعيل بن رجاء، عن الشَّعبيِّ قال: سأل عيسى ابن مريم جبريلَ عنِ السَّاعة قال: ما المسؤولُ عنها بأعلمَ من السَّائل (وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا) بفتح الهمزة، جمع شَرَطٍ بالتَّحريك، أي: علاماتها السَّابقة عليها، أو مقدِّماتها لا المقارنة لها؛ وهي: (إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ) أي: وقت ولادة الأمة (رَبَّهَا) أي: مالكها وسيِّدها، وهو هنا كنايةٌ عن كثرة أولاد السَّراري، حتَّى تصير الأمُّ كأنَّها أَمَةٌ لابنها؛ من حيث إنَّها ملكٌ لأبيه، أو أنَّ الإماء يلدن الملوك، فتصير الأمُّ من جملة الرَّعايا، والمَلِك سيِّد رعيَّته، أو كنايةٌ عن فساد الحال لكثرة بيع أمَّهات الأولاد، فيتداولهنَّ المُلَّاك، فيشتري الرَّجل أمَّه وهو لا يشعر، أو هو كنايةٌ عن كثرة العقوق بأن يعامل الولد أمَّه مُعامَلَة السَّيِّد أَمَتَهُ في الإهانة بالسَّبِّ والضَّرب والاستخدام، فأطلق عليه «ربَّها» مجازًا لذلك، وعُورِضَ بأنَّه لا وجه لتخصيص ذلك بولد الأَمَة إلَّا أن يُقَال: إنَّه أقرب إلى العقوق، وعند المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦٤٧٧٧]: «ربَّتها» بتاء التَّأنيث على معنى النَّسمة؛ ليشمل الذَّكر والأنثى، وقِيلَ: كراهة أن يقول: «ربَّها» تعظيمًا للفظ الرَّبِّ تعالى، وعبَّر بـ «إذا» الدَّالَّة على الجزم لأنَّ الشَّرط

стр. 605

مُحقَّق الوقوع، ولم يعبِّر بـ «إن» لأنَّه لا يصحُّ أن يُقَال: إن قامت القيامة كان كذا، بل يرتكب قائله محظورًا لأنَّه يُشْعِرُ بالشك فيه (وَ) من أشراط السَّاعة: (إِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإِبِلِ) بضمِّ الرَّاء (البُهْمُ فِي البُنْيَانِ) أي: وقت تفاخر أهل البادية بإطالة البنيان، وتكاثرهم به (١) باستيلائهم على الأمر، وتملُّكهم البلاد بالقهر، المقتضي لتبسُّطهم في الدُّنيا؛ فهو عبارةٌ عن ارتفاع الأسافل؛ كالعبيد والسَّفلة من الجمَّالين وغيرهم، وما أحسن قول القائل: إذا التحقَ الأسافلُ بالأعالي … فقد طابتْ منادمةُ المنايا وفيه: إشارةٌ إلى اتِّساع دين الإسلام، كما أنَّ الأوَّل فيه اتِّساعُ الإسلام، واستيلاء أهله على بلاد الكفر، وسبيُ ذراريهم، قال البيضاويُّ: لأنَّ بلوغَ الأمرِ الغايةَ مُنْذِرٌ بالتَّراجع المُؤْذِنِ بأن القيامة ستقوم؛ كما قِيلَ: وعند التَّناهي يقصرُ المتطاولُ والبُهمُ: -بضمِّ المُوحَّدة- جمع الأبهم؛ وهو الذي لاشِيَةَ له، أو جمع بهيمٍ؛ وهي رواية أبي ذرٍّ وغيره، ورُوِيَ عن الأَصيليِّ: الضَّمُّ والفتحُ، وكذا ضبطه القابسيُّ بالفتح أيضًا، ولا وجه له؛ لأنَّها صغار الضَّأن والمعز، وفي الميم الرَّفع نعتًا لـ «الرعاة» أي: السُّود، أوِ (٢)

стр. 606

المجهولون الذين لا يُعرَفُون، والجرُّ صفةً لـ «الإبل» أي: رعاة الإبل البهمِ (١) السُّود، وقد عدَّ في الحديث من الأشراط علامتين، والجمع يقتضي ثلاثةً؛ فإمَّا أن يكون على أنَّ أقلَّ الجمع اثنان، أو أنَّه اكتفى باثنين لحصول المقصود بهما في علم أشراط السَّاعة، وعلم وقتها داخلٌ (فِي) جملة (خَمْسٍ) من الغيب (لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا الله، ثُمَّ تَلَا النَّبِيُّ ﷺ : ﴿إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]) أي: علم وقتها، وللأَصيليِّ: «﴿وَيُنَزِّلُ﴾ … » (الآيَةَ) بالنَّصبِ بتقدير: «اقرأ»، وبالرَّفع مبتدأ خبره محذوفٌ، أي: الآيةُ مقروءةٌ إلى آخر السُّورة، ولمسلمٍ: إلى قوله: ﴿خَبِيرٌ﴾ وكذا في رواية أبي فَرْوة، والسِّياق يرشد إلى أنَّه تلا الآية كلَّها، وسقط في رواية قوله «الآية» (٢) والجارُّ متعلِّقٌ بمحذوفٍ كما قدَّرته، فهو على حدِّ قوله تعالى: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ [النمل: ١٢] أي: اذهب إلى فرعون بهذه الآية في جملة تسع آياتٍ، وتمام الآية السَّابقة: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ أي: في أوانه المُقدَّر له، والمحلِّ المُعيَّن له ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ أذكرًا أم أنثى، تامًّا أم ناقصًا؟ ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ من خيرٍ أو شرٍّ، وربَّما يعزم على شيءٍ ويفعل خلافه ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ أي: كما لا تدري في أيِّ وقتٍ تموت، قال القرطبيُّ: لا مطمع لأحدٍ في علم شيءٍ من هذه الأمور الخمسة لهذا الحديث، فَمَنِ ادَّعى علم شيءٍ منها غير مستندٍ إلى الرَّسول ﷺ كان كاذبًا في دعواه. (ثُمَّ أَدْبَرَ) الرَّجل السَّائل (فَقَالَ) رسول الله ﷺ : (رُدُّوهُ) فأخذوا ليردُّوه (فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا) لا عينه ولا أثره، قال ابن بَزِيْزَة: ولعلَّ قوله: «رُدُّوه عليَّ» إيقاظٌ للصَّحابة ليتفطَّنوا إلى أنَّه

стр. 607

مَلَكٌ لا بشرٌ (فَقَالَ) ﷺ : (هَذَا) ولكريمة: «إنَّ هذا» (جِبْرِيلُ) ﵇ (جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ) أي: قواعد دينهم، وهي جملةٌ وقعت حالًا مُقدَّرةً لأنَّه لم يكن مُعلِّمًا وقت المجيء، وأَسْنَدَ التَّعليمَ إليه -وإن كان سائلًا- لأنَّه لمَّا كان السَّبب فيه أسنده إليه، أو أنَّه كان من غرضه، وللإسماعيليِّ: «أراد أن تَعلَّموا إذ لم تسألوا»، وفي حديث أبي عامرٍ: «والَّذي نفسُ محمَّدٍ بيده؛ ما جاءني قطُّ إلَّا وأنا أعرفه، إلَّا أن تكون هذه المرَّة»، وفي رواية سليمانَ التَّيميِّ: «ما شُبِّهَ عليَّ منذ أتاني قبل مرَّتي هذه، وما عرفته حتَّى ولَّى». (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ رحمه الله تعالى: (جَعَلَ) النَّبيُّ ﷺ (ذَلِكَ) المذكور في هذا الحديث (كُلَّهُ مِنَ الإِيمَانِ) أي: الكامل المشتمل على هذه الأمور كلِّها، وفي هذا الحديث: بيان عِظَمِ الإخلاص والمُرَاقَبَة، وفيه: أنَّ العالِمَ إذا سُئِلَ عمَّا لا يعلمه يقول: لا أدري، ولا يُنْقِصُ ذلك من جلالته، بل يدلُّ على ورعه وتقواه ووفور علمه، وأنَّه يسأل العالِمَ لِيعلمَ السَّامعون، ويحتمل أنَّ في سؤال جبريلَ النَّبيَّ ﷺ في حضور الصَّحابة أنَّه يريد أنْ يُرِيَهم أنَّه ﵊ مليءٌ من العلوم، وأنَّ علمه مأخوذٌ من الوحيِ، فتزيد رغبتهم ونشاطهم فيه، وهو المعنيُّ بقوله: «جاء يعلِّم النَّاس دينَهم»، وأنَّ الملائكة تَمثَّلُ بأيِّ صورةٍ شاؤوا من صور بني آدم، وأخرجه المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦٤٧٧٧] وفي «الزَّكاة» مُختصرًا [خ¦١٣٩٧]، ومسلمٌ في «الإيمان»، وابن ماجه في «السُّنَّة» بتمامه، وفي «الفتن» ببعضه، وأبو داود في «السُّنَّة»، والنَّسائيُّ في «الإيمان»، وكذا التِّرمذيُّ، وأحمد في «مُسنَده»، والبزَّار بإسنادٍ حسنٍ، وأبو عوانة في «صحيحه»، وأخرجه مسلمٌ أيضًا عن عمر بن الخطَّاب، ولم يخرجه البخاريُّ لاختلافٍ فيه على بعض رواته، وبالجملة: فهو حديثٌ جليلٌ، حتَّى قال القرطبيُّ: يصلح أن يُقَال له: أمُّ السُّنَّة لِمَا تضمَّنه من جُمَلِ علمها، وقال عياضٌ إنَّه اشتمل على جميع وظائف العبادات الظَّاهرة والباطنة من عقود الإيمان، ابتداءً وحالًا ومآلًا، ومن أعمال الجوارح، ومن إخلاص السَّرائر، والتَّحفُّظ من آفات الأعمال، حتَّى إنَّ علوم الشَّريعة كلَّها راجعةٌ إليه ومتشعِّبةٌ منه. انتهى.

стр. 608

(٣٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، مع سقوط التَّرجمة لأبي الوقت وكريمة، وسقط ذلك للأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ وابن عساكر، ورجَّح النَّوويُّ الأوَّل بأنَّ الحديث التَّالي لا تعلُّق له بالتَّرجمة السَّابقة، وأُجِيب: بأنَّه يتعلَّق بها من جهة اشتراكهما في جعل الإيمان دِينًا، لكن استُشكِل من جهة الاستدلال بقول هِرَقْلَ مع كونه غير مؤمنٍ، وأُجِيب: بأنَّ هِرَقْلَ لم يَقُلْهُ من قِبَلِ رأيه، إنَّما رواه عن الكتب السَّالفة (١)، وفي شرعهم كان الإيمان دينًا، وشرعُ مَنْ قَبْلَنا شَرْعٌ (٢) لنا ما لم يرد ناسخٌ، وتداولته الصَّحابة.

стр. 609

٥١ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ) بالزَّاي، ابن محمَّد بن مصعب بن عبد الله بن الزُّبير بن العوَّام القرشيُّ المدنيُّ، المُتوفَّى بالمدينة سنة ثلاثين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) هو ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ القرشيُّ المدنيُّ (عَنْ صَالِحٍ) هو ابن كيسان الغفاريُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين (بْنِ عَبْدِ اللهِ) بفتحها ابن عُتبة، أحد الفقهاء السَّبعة بالمدينة (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سُفْيَانَ) بتثليث أوَّله، وللأَصيليِّ: «ابن حربٍ» (أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ) أي: لأبي سفيان: (سَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟) وفي الرِّواية السَّابقة [خ¦٧] الاستفهام بالهمزة وهو القياس؛ لأنَّ «أَم» المتَّصلة مستلزمةٌ للهمزة، وأجيب: بأنَّ «أمْ» هنا منقطعةٌ، أي: بل يَنْقُصُون، فيكون إضرابًا عن سؤال الزِّيادة، واستفهامًا عن النُّقصان، على أنَّ جارَ الله (١) أطلق أنَّها لا تقع إلَّا بعد الاستفهام، فهو أعمُّ من الهمزة (فَزَعَمْتَ) وفي السَّابقة: «فَذَكَرْتَ» (أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ) أي: أمر الإيمان، كما في الرِّواية السَّابقة (وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَرْتَدُّ) وفي السَّابقة: «أيرتد» بالهمزة (أَحَدٌ سَخْطَةً) بفتح السِّين، وفي روايةٍ لابن عساكر: «أحدٌ منهم سَخْطَةً» (لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ فَزَعَمْتَ) وفي السَّابقة: «فَذَكَرْتَ» (أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ القُلُوبَ، لَا يَسْخَطُهُ أَحَدٌ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة والخاء، ولم يذكر هذه اللَّفظةَ وتاليَها في الرِّواية السَّابقة، وبين المؤلِّف وبين الزُّهريِّ هنا ثلاثةُ أنفسٍ، وفي السَّابقة

стр. 610

اثنان: أبو اليمان وشعيبٌ، واقتصر هنا على هذه القطعة من جمله السَّابقة لتعلُّقها بغرضه هنا (١)؛ وهي تسمية الدِّين إيمانًا، ونحو هذا الحذف يسمُّونه خرمًا، والصَّحيح: جوازه من العالِم إذا كان ما تركه غير متعلِّقٍ بما رواه؛ بحيث لا يختلُّ البيان ولا تختلف الدَّلالة، والظَّاهر: أنَّ الخرم وقع مِنَ الزُّهريِّ لا من البخاريِّ لاختلاف شيوخ الإسنادين بالنِّسبة إلى المؤلِّف، ولعلَّ شيخه ابن حمزة لم يَذكُر في مقام الاستدلال على أنَّ الإيمان دينٌ إلَّا هذا القدر، وإنَّما يقع الخرم لاختلاف المقامات والسِّياقات، فهناك بيان كيف الوحيُ يقتضي ذكر الكلِّ، ومقام الاستدلال يقتضي الاختصار. ورواته كلُّهم مدنيُّون، وفيهم ثلاثةٌ من التَّابعين، مع التَّحديث والإخبار والعنعنة. (٣٩) هذا (بابُ فَضْلِ مَنِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ) أي: الذي طلب البراءة لأجل دينه مِنَ الذَّمِّ الشَّرعيِّ أو مِنَ الإثم، واكتفى بالدِّين عن أن يقول: لعرضه ودينه لأنَّه لازمٌ له، ولا ريبَ أنَّ الاستبراء للدِّين من الإيمان. ٥٢ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) بضمِّ النُّون، الفضل بن دُكَيْنٍ؛ بمُهمَلَةٍ مضمومةٍ وفتح الكاف، واسمه: عمرو بن حمَّادٍ القرشيُّ التَّيميُّ الطَّلحيُّ، المُتوفَّى بالكوفة سنة ثمانِ أو تسعَ عَشْرةَ ومئتين، قالَ: (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ (٢)) بن أبي زائدة، واسمه: خالد بن

стр. 611

ميمونٍ الهَمْدانيُّ الوادعيُّ الكوفيُّ، المُتوفَّى سنة سبعٍ أو تسعٍ وأربعين ومئةٍ (عَنْ عَامِرٍ) الشَّعبيِّ، وفي «فوائد ابن أبي الهيثم» من طريق يزيد بن هارون عن زكريَّا قال: حدَّثنا الشَّعبيُّ، فحصل الأمن من تدليس زكريَّا أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ) بفتح المُوحَّدة وكسر المُعجَمَة، ابن سَعْدٍ -بسكون العين- الأنصاريَّ الخزرجيَّ، وأمُّه عمرةُ بنت (١) رواحة، وهو أوَّل مولودٍ وُلِدَ للأنصار بعد الهجرة، المقتول سنة خمسٍ وستِّين، وله في «البخاريِّ» ستَّة أحاديث، وقول أبي الحسن القابسيِّ ويحيى بن معينٍ عن أهل المدينة: إنَّه لا يصحُّ للنُّعمان سماعٌ مِنَ النَّبيِّ ﷺ ، يردُّه قوله هنا: سمعت النُّعمان بن بشيرٍ (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ) وفي روايةٍ: «النَّبيَّ» (¬ ﷺ ¬) وعند مسلمٍ والإسماعيليِّ من طريق زكريَّا: وأهوى النُّعمان بإصبعيه إلى أذنيه (يَقُولُ: الحَلَالُ بَيِّنٌ) أي: ظاهرٌ بالنَّظر إلى ما دلَّ عليه بلا شبهةٍ (وَالحَرَامُ بَيِّنٌ) أي: ظاهرٌ بالنَّظر إلى ما دلَّ عليه بلا شبهةٍ (وَبَيْنَهُمَا) أمورٌ (مُشَبَّهَاتٌ) بتشديد المُوحَّدة المفتوحة، أي: شَبُهَت بغيرها ممَّا لم يتبيَّن به حكمها على التَّعيين، وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: «مُشْتَبِهاتٌ» بمُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ مفتوحةٍ، ومُوحَّدةٍ مكسورةٍ، أي: اكتسبتِ الشُّبهة من وجهين متعارضين (لَا يَعْلَمُهَا) أي: لا يعلم حكمها (كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) أَمِنَ الحلال هي أمْ مِنَ الحرام؟ بل انفرد بها العلماء، إمَّا بنصٍّ أو قياسٍ أو استصحابٍ أو غير ذلك، فإذا تردَّد الشَّيء بين الحلِّ والحُرْمة ولم يكن نصٌّ ولا إجماعٌ اجتهد فيه المجتهد وألحقه بأحدهما بالدَّليل الشَّرعيِّ، فـ «المُشَبَّهات» على هذا في حقِّ غيرهم، وقد يقع لهم حيث لا يظهر ترجيحٌ لأحد الدَّليلين، وهل يُؤخَذ في هذا «المُشْتَبِه» بالحلِّ أو الحرمة أو يُوقَف؟ وهو كالخلاف في الأشياء قبل ورود الشَّرع، والأصحُّ عدم الحكم بشيءٍ لأنَّ التَّكليف عند أهل الحقِّ لا يثبت إلَّا بالشرع، وقِيلَ: الحلُّ والإباحة، وقِيلَ: المنع، وقِيلَ: الوقف، وقد يكون الدَّليل غير خالٍ عن الاحتمال (٢)، فالورع

стр. 612

تركه لا سيَّما على القول بأنَّ المصيب واحدٌ، وهو مشهورُ مذهبِ مالكٍ، ومنه ثار القول في مذهبه بمراعاة الخلاف أيضًا، وكذلك رُوِيَ أيضًا عن إمامنا الشَّافعيِّ أنَّه كان يراعي الخلاف، ونصَّ عليه في مسائل، وبه قال أصحابه حيث لا تفوت به سُنَّةٌ عندهم (فَمَنِ اتَّقَى) أي: حَذِرَ (المُشَبَّهَاتِ) بالميم وتشديد المُوحَّدة، وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: «المشْتبهات» بالميم وبالمُثنَّاة الفوقيَّة بعد الشِّين السَّاكنة، وفي أخرى: «الشُّبهات» بإسقاط الميم وضمِّ الشِّين وبالمُوحَّدة (اسْتَبْرَأَ) وللأَصيليِّ أيضًا (١) ولأبي ذَرٍّ: «فقد استبرأ» -بالهمز- بوزن «اسْتَفْعَلَ» (لِدِينِهِ) المتعلِّق بخالقه (وَعِرْضِهِ) المتعلِّق بالخَلْق، أي: حصَّل البراءة لدينه من النَّقص ولِعرْضِه من الطَّعن فيه، ولابن عساكر والأَصيليِّ: «لِعِرْضِهِ وَدِيْنِهِ» (وَمَنْ) شرطيَّةٌ، وفعل الشَّرط قوله (٢): (وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ) التي أشبهتِ الحلالَ من وجهٍ، والحرامَ من آخَرَ، وللأَصيليِّ: «المشْتَبِهات» بالميم وسكون الشِّين وفوقيَّةٍ قبل المُوحَّدة، ولابن عساكر: «المُشَبَّهات» بالميم والمُوحَّدة المُشدَّدة (٣)، وجواب الشَّرط محذوفٌ في جميع نسخ «الصَّحيح» وثبت في رواية الدَّارميِّ عن أبي نعيمٍ شيخ المؤلِّف فيه، ولفظه قال: «ومن وقع في الشُّبهات وقع في الحرام» (كَرَاعٍ) أي: مَثَلُهُ مَثَلُ راعٍ، وفي روايةٍ كما في «اليونينيَّة»: «كراعي» بالياء آخرُه (يَرْعَى) جملةٌ مُستأنَفَةٌ وردت على سبيل التَّمثيل للتَّنبيه بالشَّاهد على الغائب، ويحتمل أن تكون «مَنْ» موصولةً لا شرطيَّةً، فتكون مبتدأً، والخبر: «كَرَاعٍ يَرْعَى»، وحينئذٍ لا حذفَ، والتَّقدير: الذي وقع في الشُّبهات كراعٍ يرعى مواشيه (حَوْلَ الحِمَى) بكسر الحاء المُهمَلَة، وفتح الميم مِنَ:

стр. 613

المحميِّ، من إطلاق المصدر على اسم المفعول، والمُرَاد (١): موضع الكلأ الذي مَنَعَ منه الغيرَ، وتوعَّد على من رعى فيه لِتعدِّيه (٢) (يُوشِكُ) بكسر المُعجَمَة، أي: يقرب (أَنْ يُوَاقِعَهُ) أي: يقع فيه، وعند ابن حبَّانَ: «اجعلوا بينكم وبين الحرام سترَةً من الحلال، مَنْ فعل ذلك استبرأ لعرضه ودينه، ومَنْ أرتعَ فيه كان كالمُرتع إلى جنب الحمى يوشك أن يقع فيه» فَمَنْ أَكْثَرَ مِنَ الطَّيِّبات مثلًا فإنَّه يحتاج إلى كثرة الاكتساب الموقع في أخذ ما لا يستحقُّ، فيقع في الحرام فيأثم وإن لم يتعمَّد لتقصيره، أو يفضي إلى بطر النَّفس، وأقلُّ ما فيه الاشتغال عن مواقف العبوديَّة، ومن تعاطى ما نُهِيَ عنه أَظْلَمَ قلبُه لفقد نور الورع، وأعلى الورعِ ترك الحلال مخافة الحرام، كترك ابنِ أدهمَ أُجرتَه لِشَكِّه في وفاء عمله، وطوى عن جوعٍ شديدٍ. فائدة (٣): بالله ما لم تعلم (٤) حِلَّه يقينًا اتركه؛ كتركه ﷺ تمرةً خشيةَ الصَّدقة، كما في «البخاريِّ» [خ¦٢٠٥٥] الأورع أسرع على الصِّراط يوم القيامة، قالت أُخت بِشْرٍ الحافيّ لأحمد ابن حنبل: إنا نغزل على سطوحنا فيمرُّ بنا مشاعل الظَّاهريَّة، ويقع الشُّعاع علينا، أفيجوز لنا الغزلُ في شعاعها؟ فقال: من أنتِ عافاك الله؟ قالت: أخت بِشْرٍ الحافيّ، فبكى أحمد وقال: مِنْ

стр. 614

بيتِكم يخرج الورع الصَّادق، لا تغزلي في شعاعها، مكث مالك بن دينارٍ بالبصرة أربعين سنةً لم يأكل من ثمرها حتَّى مات، أقامت السَّيِّدة بديعة الإيجيَّة من أهل عصرنا هذا بمكَّة أكثر من ثلاثين سنةً لم تأكل من اللُّحوم والثِّمار وغيرها المجلوبة من بَجِيلة لِمَا قِيلَ: إنَّهم لا يورِّثون البنات، وامتنع أبوها نور الدِّين من تناول ثمر المدينة لِمَا ذُكِرَ أنَّهم لا يزكُّون، مَنْ ترخَّص نَدِم وَمِنْ فواضل الفضائل حُرِم. (أَلَا) بفتح الهمزة وتخفيف اللَّام؛ أنَّ الأمر كما تقدَّم (وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ) -بكسر اللَّام- من ملوك العرب (حِمًى) مكانًا مُخْصِبًا حَظَرَهُ لرعي مواشيه، وتوعَّد مَنْ رعى فيه بغير إذنه بالعقوبة الشَّديدة، وسقط قوله «أَلَا وإنَّ» في رواية الأَصيليِّ: (أَلَا) بفتح الهمزة وتخفيف اللَّام (إِنَّ) وفي رواية أبي ذَرٍّ (١): «وإنَّ» (حِمَى اللهِ) تعالى، وفي رواية غير المُستملي هنا زيادة: (فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ) أي: المعاصي التي حرَّمها كالزِّنا والسَّرقة؛ فهو من باب التَّمثيل والتشبيه (٢) بالشَّاهد عن الغائب، فشبَّه «المُكلَّفَ» بالرَّاعي، و «النَّفسَ البهيميَّة» بالأنعام، و «المُشَبَّهات» بما حول الحِمَى، و «المحارم» بالحِمَى، و «تناول المُشَبَّهات» بالرَّتع حول الحمى، ووجه التَّشبيه: حصول العقاب بعدم الاحتراز عن ذلك، كما أنَّ الراعيَ إذا جرَّه رعيُه حول الحِمَى إلى وقوعه في الحمى استحقَّ العقاب بسبب ذلك، فكذلك مَنْ أكثر من الشُّبُهات وتعرَّض لمقدِّماتها وقع في الحرام، فاستحقَّ العقاب بسبب ذلك (أَلَا) إنَّ الأمر كما ذُكِرَ (وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً) بالنَّصب اسم «إنَّ» مُؤخَّرًا، أي: قطعةً من اللَّحم، وسُمِّيت بذلك لأنَّها تُمضَغُ في الفم لصغرها (إِذَا صَلَحَتْ) بفتح اللَّام، وقد تُضَمُّ، أي: المضغة (صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ) وسقط لفظ «كلُّه» عند ابن عساكر (وَإِذَا فَسَدَتْ) أي: المضغة أيضًا (فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ؛ أَلَا وَهِيَ القَلْبُ) إنَّما كان كذلك لأنَّه أمير البدن، وبصلاح الأمير تصلح الرَّعيَّة، وبفساده تَفْسُد، وأشرفُ ما في الإنسان قلبُه؛ فإنَّه

стр. 615

العالم بالله تعالى، والجوارحُ خَدَمٌ له، وفي هذا الحديث: الحثُّ على إصلاح القلب، وأنَّ لِطِيب الكسب أثرًا فيه، والمُرَاد به: المعنى المُتعلِّق به من الفهم والمعرفة، وسُمِّيَ «قلبًا» لسرعة تقلُّبه بالخواطر، ومنه قوله: ما سُمِّيَ القلبُ إلَّا مِن تقلُّبِهِ … فاحذر على القلبِ من قَلْبٍ وتحويلِ وهو محلُّ العقل عندنا خلافًا للحنفيَّة، ويكفي في الدَّلالة لنا قول الله تعالى: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: ٤٦] وهو قول الجمهور مِنَ المتكلِّمين، وقال أبو حنيفة: في الدِّماغ، وحُكِيَ الأوَّل: عنِ الفلاسفة، والثَّاني: عنِ الأطباء؛ احتجاجًا بأنَّه إذا فسد الدِّماغ فسد العقل، ورُدَّ بأنَّ الدِّماغَ آلةٌ عندهم، وفساد الآلة لا يقتضي فساده، وثبتت الواو بعد «أَلَا» من قوله: «ألا وإنَّ لكلِّ مَلِكٍ حِمًى»، «أَلَا وإنَّ في الجسد مضغةً» وسقطت من: «أَلَا إنَّ حِمَى الله» لبُعْد المُناسَبَة بين حِمَى الملوك وبين حِمَى الله تعالى الذي هو الملك الحقُّ، لا مُلْكَ حقيقةً إلَّا له، وثبتت في رواية غير أبي ذَرٍّ نظرًا إلى وجوب التَّناسب بين الجملتين؛ من حيث ذِكْرُ «الحِمَى» فيهما، وعبَّر بقوله: «إذا» دون «إن» لتحقُّق الوقوع غالبًا وقد تأتي بمعنى: «إنْ» كما هنا، وقد أجمع العلماء على عِظَمِ موقع هذا الحديث، وأنَّه أحدُ الأحاديث الأربعة التي عليها مدارُ الإسلام المنظومة في قوله: عمدةُ الدِّين عندنا كلماتُ … مسنداتٌ من قولِ خيرِ البريَّهْ اتَّقِ الشُّبهَ وازهدنَّ ودعْ ما … ليس يعنيك واعملنَّ بنيَّهْ وهذا الحديث مِنَ الرُّباعيَّات، ورجاله كلُّهم كوفيُّون، وفيه: التَّحديث، والعنعنة،

стр. 616

والسَّماع، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «البيوع» [خ¦٢٠٥١]، وكذا مسلمٌ، وأبو داود، والتِّرمذيُّ، والنسائي فيه، وابن ماجه في «الفتن». (٤٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (أَدَاءُ الخُمُسِ) بضمِّ المُعجَمَة والميم (مِنَ الإِيمَانِ) أي: من شُعَبه، مبتدأٌ وخبرٌ (١)، ويجوز إضافة «باب» لتاليه. ٥٣ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ) بفتح الجيم وسكون العين، ابن عبيدٍ الهاشميُّ الجوهريُّ البغداديُّ، المُتوفَّى سنة ثلاثين ومئتين (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي جَمْرَةَ) بالجيم والرَّاء، اسمه: نصرٌ؛ بالصَّاد المُهمَلَة، ابن عمران الضُّبعيُّ؛ بضمِّ المُعجَمَة وفتح الموحَّدة، البصريِّ، المُتوفَّى سنة ثمانٍ وعشرين ومئةٍ (قَالَ: كُنْتُ أَقْعُدُ) بلفظ المضارع حكايةً عن الحال الماضية استحضارًا لتلك الصُّورة للحاضرين (مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄، أي: عنده في زمن ولايته البصرةَ من قِبَلِ عليِّ بن أبي طالبٍ (يُجْلِسُنِي) بضمِّ أوَّله من غير فاءٍ في أصل فرع «اليونينيَّة» كهي، مِنْ: أَجْلَسَ، وفي هامشها عن أبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «فَيُجْلِسُني» أي: يرفعني بعد أن أقعد (عَلَى سَرِيرِهِ) فهو عطفٌ على «أقعدُ» بالفاء؛ لأنَّ

стр. 617

الجلوس على السَّرير قد يكون بعد القعود وغيره، وقد بيَّن المصنِّف في «العلم» [خ¦٨٧] من رواية غُنَدر عن شعبة السَّبب في إكرام ابن عبَّاسٍ له، ولفظه: «كنت أترجم بين ابن عبَّاسٍ وبين النَّاس» (فَقَالَ: أَقِمْ) أي: توطَّن (عِنْدِي) لتساعدني بتبليغ كلامي إلى من خَفِيَ عليه من السَّائلين، أو بالتَّرجمة عن الأعجميِّ وله (١)؛ لأنَّ أبا جمرةَ كان يَعرف بالفارسيَّة، وكان يُترجم لابن عبَّاسٍ بها (حَتَّى) أن (أَجْعَلَ لَكَ سَهْمًا) أي: نصيبًا (مِنْ مَالِي) سبب الجعل الرُّؤيا التي رآها في العمرة، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- بحول الله وقوَّته في «الحجِّ» [خ¦١٥٦٧]. قال أبو جمرة: (فَأَقَمْتُ مَعَهُ) أي: عنده مدَّة (٢) (شَهْرَيْنِ) بمكَّة، وإنَّما عبَّر بـ «مع» المُشْعِرةِ بالمُصاحَبَة دون «عند» المقتضية لمُطابَقَة «أَقِمْ عندي» لأجل المُبالَغَة، وفي رواية مسلمٍ بعد قوله: «وبين النَّاس»: «فأتت امرأةٌ تسأله عن نبيذ الجرِّ فنهى عنه، فقلت: يا ابْن عبَّاسٍ، إنِّي أنتبذ في جرَّةٍ خضراءَ نبيذًا حلوًا، فأشرب منه فيقرقر بطني، قال: لا تشرب منه، وإن كان أحلى من العسل» (ثُمَّ قَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ) هو ابن أَفْصَى؛ بهمزة مفتوحةٍ وفاءٍ ساكنةٍ وصادٍ مُهمَلَةٍ مفتوحةٍ، ابن دُعْميٍّ؛ بضمِّ الدَّال المُهمَلَة وسكون العين المُهمَلَة وبياءِ النِّسبة، أبو قبيلة، كانوا ينزلون البحرين، وكانوا أربعة عشر رجلًا بالأشجِّ، ويُروَى أنَّهم أربعون،

стр. 618

فيحتمل أن تكون (١) لهم وفادتان، أو أنَّ الأشراف أربعةَ عَشَرَ، والباقي تبعٌ (لَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ ¬) عام الفتح، وكان سببُ مجيئهم إسلامَ منقذ بن حبَّان وتعلُّمه الفاتحة وسورة «اقرأ»، وكتابته ﵊ لجماعة عبد القيس كتابًا، فلمَّا رحل إلى قومه كتمه أيَّامًا، وكان يصلِّي؛ فقالت زوجته لأبيها المنذر بن عائذٍ وهو الأَشَجُّ: إنِّي أنكرتُ فِعْلَ بَعْلي منذ قَدِمَ من يثرب، إنَّه لَيغسل أطرافه، ثمَّ يستقبل الجهة؛ يعني الكعبة، فيحني ظهره مرَّة، ويقع أخرى، فاجتمعا فتحادثا ذلك، فوقع الإسلام في قلبه وقرأ عليهمُ الكتاب، وأسلموا وأجمعوا المسير إلى رسول الله ﷺ ، فلمَّا قدموا (قَالَ) ﷺ : (مَنِ القَوْمُ؟ أَوْ) قال: (مَنِ الوَفْدُ؟) شكَّ شعبة أو أبو جمرة (قَالُوا) نحن (رَبِيعَةُ) أي: ابن نزار بن معد بن عدنانَ، وإنَّما قالوا: ربيعة؛ لأنَّ عبد القيس من أولاده، وعبَّر عن البعض بالكلِّ لأنَّهم بعض ربيعة، ويدلُّ عليه ما عند المصنِّف في «الصَّلاة» [خ¦٥٢٣]: «فقالوا: إنَّا -هذا الحيّ- من ربيعة» (قَالَ) ﷺ : (مَرْحَبًا بِالقَوْمِ، أَوْ) قال: (بِالوَفْدِ) وأوَّل من قال: «مرحبًا» سيفُ بن ذي يزنَ، كما قاله العسكريُّ، وانتصابه على المصدريَّة بفعلٍ مُضمَرٍ، أي: صادفوا رُحبًا؛ بالضَّمِّ، أي: سعةَ حالٍ كونهَم (غَيْرَِ خَزَايَا) جمع خزيان على القياس، أي: غير أَذِلَّاء، أو غير مستحيين لقدومكم، مبادرين دون حربٍ يوجب استحياءكم، و «غير»: بالنَّصب حالٌ (٢)، ويُروَى بالخفض صفةٌ

стр. 619

لـ «القوم»، وتعقَّبه أبو عبد الله الأُبيُّ: بأنَّه يلزم منه وصف المعرفة بالنَّكرة، إلَّا أن تُجعَل الأداة في القوم للجنس؛ كقوله: ولقد أمرُّ على اللئيم يسبُّني ........................ فالأَوْلى: أن تكون بالخفض على البدل (وَلَا نَدَامَى) جمع «نادمٍ» على غير قياسٍ، وإنَّما جُمِعَ كذلك إتباعًا لـ «خزايا» للمُشاكَلَة والتَّحسين، وذكر القزَّاز: أنَّ «ندمان» لغةٌ في «نادم»، فجمعُه المذكورُ على هذا قياسٌ (فَقَالُوا) وللأَصيليِّ: «قالوا» (يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ) أي: الإتيانَ إليك (إِلَّا فِي الشَهْرِ الحَرَامِ) لحرمة القتال فيه عندهم، والمُرَاد الجنس فيشمل الأربعةَ الحُرُم، أو العهد، والمُرَاد: شهر رجبٍ، كما صرَّح به في رواية البيهقيِّ، وللأَصيليِّ وكريمة: «إلَّا في شهر الحرام» وهو من إضافة الموصوف إلى الصِّفة؛ كصلاة الأولى، والبصريُّون يمنعونها، ويؤوِّلون ذلك على حذف مُضَافٍ، أي: صلاة السَّاعة الأولى، وشهر الوقت الحرام، وقول الحافظ ابن حجرٍ: هذا من إضافة الشَّيء إلى نفسه، تعقَّبه العينيُّ بأنَّ إضافة الشَّيء إلى نفسه لا تجوز (وَ) الحال أنَّ (بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ) بضمِّ الميم وفتح المُعجَمَة، مخفوضٌ بالمُضافِ (١) بالفتحة للعلميَّة والتَّأنيث، وهذا -مع قولهم: يا رسول الله- يدلُّ على تقدُّم إسلامهم على قبائل مُضَرَ الذين كانوا بينهم وبين المدينة، وكانت مساكنهم بالبحرين وما والاها من أطراف العراق (فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ) بالصَّاد المُهمَلَة وبالتَّنوين في الكلمتين على الوصفيَّة لا بالإضافة، أي: يفصل بين الحقِّ والباطل، أو بمعنى: المُفصل المُبين، وأصل «مُرْنَا»: «اُؤْمُرْنا» بهمزتين من: «أَمَرَ» «يَأْمُر»، فحُذِفتِ الهمزةُ

стр. 620

الأصليَّة للاستثقال، فصار «اُمرنا»، فاستغنى عن همزة الوصل فحُذِفَت، فبقي «مُرْ» على وزن «عُلْ» لأنَّ المحذوف فاءُ الفعل (نُخْبِرْ بِهِ مَنْ) أي: الذي استقرَّ (وَرَاءَنَا) أي: خلفنا من قومنا الذين خلَّفناهم في بلادنا، و «نُخْبِرْ» بالجزم جوابًا للأمر، وهو الذي في فرع «اليونينيَّة»، وبالرَّفع لخلوِّه من ناصبٍ وجازمٍ، والجملة في محلِّ جرٍّ صفةٌ لـ «أمرٍ» (وَنَدْخُلُْ بِهِ الجَنَّةَ) إذا قُبِلَ برحمة الله، ويجوز الجزم والرَّفع في «ندخلْ» كـ «نخبرْ» عطفًا عليها. نعم؛ يتعيَّن الرَّفع في هذه على رواية حذف الواو، وتكون جملةً مُستأنَفَةً لا محلَّ لها من الإعراب (وَسَأَلُوهُ) ﷺ (عَنِ الأَشْرِبَةِ) أي: عن ظروفها، أو سألوه عن الأشربة التي تكون في الأواني المختلفة، فعلى التَّقدير الأوَّل: المحذوفُ: المُضافُ، وعلى الثَّاني: الصِّفة (فَأَمَرَهُمْ) ﷺ (بِأَرْبَعٍ) أي: بأربع جملٍ أو خصالٍ (وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ بِاللهِ وَحْدَهُ) تفسيرٌ لقوله: «فأمرهم بأربعٍ» ومن ثمَّ حذف العاطف (قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللهِ وَحْدَهُ؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ) ﷺ : هو (شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ) برفع «شهادةُ» خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، ويجوز جرُّه على البدليَّة (وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ المَغْنَمِ الخُمُسَ) واستُشكِل قوله: «أمرهم بأربعٍ» مع ذكر خمسةٍ، وأجيب بزيادة الخامسة وهي «أداء الخُمُس» لأنَّهم كانوا مجاورين لكفَّار مُضَرَ، وكانوا أهلَ جهادٍ وغنائم، وتُعقِّب: بأنَّ المؤلِّف عقد الباب على أنَّ «أداء الخُمُس من الإيمان»، فلا بدَّ أن يكون داخلًا تحت أجزاء الإيمان، كما أنَّ ظاهر العطف يقتضي ذلك، أو أنَّه عدَّ «الصَّلاة» و «الزَّكاة» واحدةً لأنَّها قرينتها في كتاب الله تعالى، أو أنَّ «أداء الخُمُس» داخلٌ في عموم «إيتاء الزَّكاة»، والجامع بينهما إخراج مالٍ مُعيَّنٍ في حالٍ دون حالٍ، وعن البيضاويِّ: أنَّ الخمسةَ تفسيرٌ للإيمان؛ وهو:

стр. 621

أحد الأربعة المأمور بها، والثَّلاثة الباقية حذفها الرَّاوي نسيانًا أوِ اختصارًا، أو أنَّ الأربعة: «إقام الصَّلاة … » إلى آخره، وذكر «الشَّهادتين» تبرُّكًا بهما كما في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] لأنَّ القوم كانوا مؤمنين، ولكن ربَّما كانوا يظنُّون أنَّ الإيمان مقصورٌ على الشَّهادتين كما كان الأمر في صدر الإسلام، وعُورِضَ بأنَّه وقع في رواية حمَّاد بن زيدٍ عن أبي جمرة عند المؤلِّف في «المغازي» [خ¦٤٣٦٩]: «آمركم بأربعٍ: الإيمان بالله شهادة أن لا إله إِلَّا الله، وعقد واحدةً»، وهو يدلُّ على أنَّ الشَّهادة إحدى الأربع، وعنده في «الزَّكاة» [خ¦١٣٩٨] من هذا الوجه: «الإيمان بالله»، ثمَّ فسَّرها لهم: بشهادة أن لا إله إلَّا الله، وهو يدلُّ أيضًا على عدِّها في الأربع؛ لأنَّه أعاد الضَّمير في قوله: «فسَّرها» مُؤنَّثًا، فيعود على الأربع، ولو أراد تفسير الإيمان لأعاده مُذَكَّرًا، وأُجِيب: بزيادة أداء الخُمُس، قال أبو عبد الله الأُبِّيُّ: وأتمُّ جوابٍ في المسألة: ما ذكره ابن الصَّلاح من أنَّه معطوفٌ على أربعٍ، أي: أمرهم بأربعٍ وبإعطاء الخُمُسِ، وإنَّما كان أتمّ لأنَّ به تتَّفق الطَّريقان، ويرتفع الإشكال. انتهى. ولم يذكر «الحجَّ» لكونهم سألوه أن يخبرهم بما يدخلون بفعله الجنَّة، فاقتصر لهم على ما يمكنهم فعله في الحال، ولم يقصد إعلامهم بجميع الأحكام التي تجب عليهم فعلًا وتركًا، ويدلُّ على ذلك: اقتصاره في المناهي على الانتباذ في الأوعية، مع أنَّ في المناهي ما هو أشدُّ في التَّحريم من الانتباذ، لكنِ اقتصرَ عليها لكثرة تعاطيهم لها، أو لأنَّه لم يُفرَض -كما قاله عياضٌ- إلَّا في سنة تسعٍ، ووفادتُهم في سنة ثمانٍ، أي: على أحد الأقوال في وقت فرضه، ولكنَّ الأرجحَ: أنَّه فُرِضَ سنة ستٍّ كما سيأتي إن شاء الله تعالى، أو لكونه لم يكن لهم سبيلٌ إليه من أجل كفَّار مُضَرَ، أو لكونه على التَّراخي، أو لشهرته عندهم، أو أنَّه أخبرهم ببعض الأوامر، ثمَّ عطف المؤلف على قوله: «وأمرهم» قوله (وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنِ الحَنْتَمِ) أي: عن الانتباذ فيه؛ وهو بفتح المُهمَلَة وسكون النُّون وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة؛ وهي الجرَّة، أو الجرار الخُضْر أو الحُمْر أعناقُها على (١) جنوبها، أو متَّخذةٌ من طينٍ وشعرٍ ودمٍ، أوِ «الحنتم» ما طُلِيَ من الفخَّار بالحنتم المعمول بالزُّجاج وغيره،

стр. 622

وسقطت: «عن» الثَّانية لكريمة (وَ) عن الانتباذ في (الدُّبَّاءِ) بضمِّ المُهمَلَة وتشديد المُوحَّدة والمدِّ: اليقطين (وَ) عنِ الانتباذ في (النَّقِيرِ) بفتح النُّون وكسر القاف؛ وهو: ما يُنقَر من (١) أصل النَّخلة، فيُوعَى فيه (وَ) عن الانتباذ في (المُزَفَّتِ) بالزَّاي والفاء: ما طُلِيَ بالزِّفت (وَرُبَّمَا قَالَ: المُقَيَّرِ) بالقاف والمُثنَّاة التَّحتيَّة المُشدَّدة المفتوحة؛ وهو ما طُلِيَ بالقار، ويُقَال له: القِيْر؛ وهو نبتٌ يُحرَق إذا يبس، تُطلَى به السُّفن وغيرها كما تُطلَى بالزِّفت (وَقَالَ: احْفَظُوهُنَّ وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ) بفتح الهمزة (مَنْ وَرَاءَكُمْ) أي: الذين كانوا أو استقرُّوا، ومعنى النَّهيِ عن الانتباذ في هذه الأوعية بخصوصها لأنَّه يسرع إليها الإسكار، فربَّما شرب منها من لم يشعر بذلك، ثمَّ ثبتت الرُّخصة في الانتباذ في كلِّ وعاءٍ، مع النَّهيِ عن شرب كلِّ مُسْكِرٍ، ففي «صحيح مسلمٍ»: «كنت نهيتكم عن الانتباذ إلَّا في الأسقية، فانتبذوا في كلِّ وعاءٍ، ولا تشربوا مسكرًا». وفي الحديث: استعانة العالِمِ في تفهيم الحاضرين والفهم عنهم، واستحباب قول «مرحبًا» للزُّوَّار، وندب العالم إلى إكرام الفاضل، ورواته ما بين بغداديٍّ وواسطيٍّ وبصريٍّ، واشتمل على التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في عشرة مواضع: هنا، وفي «خبر الواحد» [خ¦٧٢٦٦] و «كتاب العلم» [خ¦٨٧] وفي «الصلاة» [خ¦٥٢٣] وفي «الزَّكاة» [خ¦١٣٩٨] وفي «الخُمُس» [خ¦٣٠٩٥] وفي «مناقب قريشٍ» [خ¦٣٥١٠] وفي «المغازي» [خ¦٤٣٦٩] وفي «الأدب» [خ¦٦١٧٦] وفي «التَّوحيد» [خ¦٧٥٥٦]، وأخرجه مسلمٌ في «الإيمان» وفي «الأشربة»، وأبو داود، والتِّرمذيُّ، وقال: حسنٌ صحيحٌ، والنَّسائيُّ في «العلم» و «الإيمان» و «الصَّلاة».

стр. 623

(٤١) (بابُ مَا جَاءَ) في الحديث: (أَنَّ الأَعْمَالَ) بفتح همزة «أنْ» وكسرها في «اليونينيَّة»، ولكريمة: «إنَّ العمل» (بِالنِّيَّةِ وَالحِسْبَةِ) بكسر الحاء وإسكان السِّين المُهمَلَتين، أي: الاحتساب؛ وهو الإخلاص (وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) ولفظ «الحِسْبة» من حديث أبي مسعودٍ الآتي -إن شاء الله تعالى-[خ¦٥٥] وأدخلها بين الجملتين للتَّنبيه على أنَّ التَّبويب شاملٌ لثلاث تراجم: «الأعمال بالنِّيَّة» و «الِحسْبة» و «لكلِّ امرئٍ ما نوى»، وفي رواية ابن عساكر: «قال أبو عبد الله البخاريُّ» وفي رواية الباقي بحذف: «قال أبو عبد الله»، وإذا كان الأعمال بالنِّيَّة (فَدَخَلَ فِيهِ) أي: في الكلام المتقدِّم (الإِيمَانُ) أي: على رأيه؛ لأنَّه عنده عملٌ، كما مرَّ البحث فيه، وأمَّا الإيمان بمعنى التَّصديق؛ فلا يحتاج إلى نيَّةٍ كسائر أعمال القلوب (وَ) كذا (الوُضُوءُ) خلافًا للحنفيَّة؛ لأنَّه عندهم من الوسائل لا عبادةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، وبأنَّه ﵊ علَّم الأعرابيَّ الجاهلَ الوضوءَ ولم يعلِّمه النِّيَّة، ولو كانت فرضًا (١) لَعَلَّمه، ونُوقِضوا بالتَّيمُّم فإنَّه وسيلةٌ وشرطوا (٢) فيه النِّيَّة، وأجابوا: بأنَّه طهارةٌ ضعيفةٌ فيُحتَاج لتقويتها بالنِّيَّة، وبأنَّ قياسه على التَّيمُّم غير مستقيمٍ لأنَّ الماء خُلِقَ مُطهِّرًا، قال الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] والتُّراب ليس كذلك، وكان التَّطهير به تعبُّدًا محضًا فاحتاج إلى النِّيَّة؛ إذِ التَّيمُّم يُنبْئ لغةً عن القصد فلا يتحقَّق دونه بخلاف الوضوء، ففسد قياسه على التَّيمُّم (وَ) كذا (الصَّلَاةُ) من غير خلافٍ أنَّها لا تصحُّ إلَّا بالنِّيَّة. نعم؛ نازع ابن القيِّم في استحباب التَّلفُّظ بها محتجًّا بأنَّه لم يُرْوَ أنَّه ﷺ تلفَّظ بها، ولا عن أحدٍ من أصحابه، وأُجِيب: بأنَّه عونٌ على استحضار النِّيَّة القلبيَّة، وعبادةٌ باللِّسان (٣)، وقاسه بعضهم على ما في «الصَّحيح» من حديث أنسٍ: أنَّه سمع النَّبيَّ ﷺ يلبِّي بالحجِّ والعمرة جميعًا؛ يقول: «لبَّيك حجًّا وعمرةً» وهذا

стр. 624

تصريحٌ باللَّفظ، والحكم كما يثبت باللَّفظ يثبت بالقياس، وتجب مقارنة النِّيَّة لتكبيرة الإحرام لأنَّها أوَّل الأركان؛ وذلك بأن يأتيَ بها عند أوَّلها ويستمرَّ ذاكرًا لها إلى آخرها، واختار النَّوويُّ في شرحَي «المُهذَّب» و «الوسيط» -تبعًا للإمام الغزاليِّ- الاكتفاء بالمُقارَنة العرفيَّة عند العوامِّ بحيث يُعَدُّ مستحضرًا للصَّلاة؛ اقتداءً بالأوَّلين في تسامحهم بذلك، وقال ابن الرِّفعة: إنَّه الحقُّ، وصوَّبه السُّبكيُّ، ولو عَزَبت النِّيَّة قبل تمام التَّكبيرة لم تصحَّ الصَّلاة؛ لأنَّ النِّيَّة مُعتَبَرةٌ في الانعقاد، والانعقاد لا يحصل إلَّا بتمام التَّكبيرة، ولو نوى الخروج من الصَّلاة أو تردَّد في أن يخرجَ أو يستمرَّ بطلت، بخلاف الصَّوم والحجِّ والوضوء والاعتكاف (١) لأنَّها أضيق بابًا من الأربعة، فكان تأثيرها باختلاف النِّيَّة أشد، ولو علَّق الخروج من الصَّلاة بحصول (٢) شيءٍ بطلت في الحال ولو لم يقطع بحصوله؛ كتعليقه (٣) بدخول شخصٍ، كما لو علَّق به الخروج من الإسلام فإنَّه يكفر في الحال قطعًا، وتجب نيَّة فعل الصَّلاة، أي: لِتمتازَ عن بقيَّة الأفعال، وتعيينها كالظُّهر والعصر لتمتاز عن غيرها (وَ) كذا يدخل في قوله: «الأعمال بالنِّيَّة»: (الزَّكَاةُ) إلَّا إن أخذها الإمام من الممتنع فإنَّها تسقط، ولو لم ينوِ صاحب المال؛ لأنَّ السُّلطان قائمٌ مقامه (وَ) كذا (الحَجُّ) وإنَّما ينصرف إلى فرض من حجَّ عن (٤) غيره لدليلٍ خاصٍّ،

стр. 625

وهو حديث ابن عبَّاسٍ في قصَّة شُبْرُمَة (وَ) كذا (الصَّوْمُ) خلافًا لمذهب عطاءٍ ومجاهدٍ وزُفَرَ: أنَّ الصَّحيح المقيمَ في رمضان لا يحتاج إلى نيَّةٍ لأنَّه لا يصحُّ النَّفل في رمضان، وعند الأربعة: تلزم النِّيَّة. نعم؛ تعيين الرَّمضانيَّة لا يُشترَط عند الحنفيَّة (وَ) كذا (الأَحْكَامُ) من المُناكَحَات والمُعامَلَات والجراحات؛ إذ يُشترَط في كلِّها القصد، فلو سبق لسانه إلى «بِعتُ» أو «وهبتُ» أو «نكحتُ» أو «طلَّقتُ» لَغَا؛ لانتفاء القصد إليه، ولا يُصدَّق ظاهرًا إلَّا بقرينةٍ؛ كأن دعا زوجته بعد طهرها من الحيض إلى فراشه، وأراد أن يقول: أنت طاهرٌ، فسبق لسانه، وقال: أنت الآن طالقٌ (وَقَالَ: ﴿قُلْ كُلٌّ﴾) ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «وقال الله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ﴾» وللأَصيليِّ وكريمة: « : ﴿قُلْ كُلٌّ﴾» أي: كلُّ أحدٍ (﴿يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤]) أي: (عَلَى نِيَّتِهِ) وهو مرويٌّ عن الحسن البصريِّ ومعاوية بن قرَّةَ المزنيِّ وقتادة، فيما أخرجه عبد بن حُمَيدٍ والطَّبريُّ عنهم، وقال مجاهدٌ والزَّجَّاج: ﴿شَاكِلَتِهِ﴾ أي: طريقته ومذهبه، وحذف المؤلِّف أداة التَّفسير (ونَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا صَدَقَةٌ) حال كونه مريدًا بها وجه الله تعالى، فـ «يحتسبها»: حالٌ متوسِّطٌّ بين المُبتدَأ والخبر، وفي فرع «اليونينيَّة» كهي: «نفقة الرَّجل» بحذف الواو، وجملة: «نفقة الرَّجل» إلى آخرها ساقطةٌ عند أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر (وَقَالَ) النَّبيُّ ﷺ في حديث ابن عبَّاسٍ المرويِّ عند المؤلِّف مُسنَدًا: «لا هجرة بعد الفتح» (وَلَكِنْ) طلب الخير (جِهَادٌ وَنِيَّةٌ) وسقط لغير الأربعة «وقال (١) النَّبيُّ ﷺ ». ٥٤ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بفتح الميمين واللَّام (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وفي رواية ابن عساكر: «حدَّثنا» (مَالِكٌ) هو إمام الأئمَّة (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بن الحارث التَّيميِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ) اللَّيثيِّ (عَنْ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵁: (أَنَّ

стр. 626

رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: الأَعْمَالُ) تجزئ (بِالنِّيَّةِ) بالإفراد وحذفِ «إنَّما»، واتفق المحققون على إفادة الحصر من هذه الصِّيغة كالمُصَدَّرة بـ «إنَّما»، وهو من حصر المُبتدَأ في الخبر، والتَّقدير: كلُّ الأعمال بالنِّيَّة. نعم؛ خرج من العموم جزئيَّاتٌ بدليلٍ، والجارّ والمجرور يتعلَّق بمحذوفٍ، قدَّره بعضهم: قبول الأعمال واقعٌ بالنِّيَّة (١)، وفيه حذف المُبتدَأ؛ وهو «قبولُ»، وإقامة المُضَاف إليه مقامه، ثمَّ حُذِفَ الخبر؛ وهو «واقعٌ»، والأحسن تقدير مَنْ قَدَّر: الأعمال صحيحةٌ أو مُجزِئةٌ، وقِيلَ: تقدير الخبر «واقعٌ» أَوْلى من تقديره بـ «مُعتَبرٌ»؛ لأنَّهم أبدًا لا يضمرون إلَّا ما يدلُّ عليه الظَّرف؛ وهو واقعٌ أو استقرَّ، وهي قاعدةٌ مطَّرِدةٌ عندهم، وأُجِيب بأنَّه مُسَلَّمٌ في تقدير ما يتعلَّق به الظَّرف مُطلَقًا، مع قَطع النَّظر عن صورةٍ خاصَّةٍ، أمَّا الصُّورة المخصوصة فلا يُقدَّر فيها إلَّا ما يليق بها، ممَّا يدلُّ عليه المعنى أو السِّياق، وإنَّما قُدِّر هذا خبرًا لتقدير المُبتدَأ؛ وهو «قبولُ»، وإذا قدَّرنا ذلك نفس الخبر، لم يَحْتَجْ إلى حذف المُبتدَأ (وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) أي: الذي نواه إذا كان المحلُّ قابلًا، كما سبق تقريره (فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ) نيَّةً وعقدًا (فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ) حكمًا وشرعًا، كذا قاله ابن دقيقٍ العيد، وردَّه الزَّركشيُّ: بأنَّ المُقدَّر حينئذٍ حالٌ مبيِّنةٌ فلا تُحذَف، وكذا (٢) منع الرُّنديُّ في «شرح الجمل» جعل «بسم الله» متعلِّقًا بحالٍ محذوفةٍ، أي: أبتدئ مُتبرِّكًا، قال: لأنَّ حذف الحال لا يجوز. انتهى. وأُجِيب بمنع أنَّ المُقدَّر حالٌ، بل هو تمييزٌ، ويجوز حذف التَّمييز إذا دلَّ عليه دليلٌ؛ نحو:

стр. 627

﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ [الأنفال: ٦٥] أي: رجلًا، ويمكن أن يُقَال: لم يُرِدْ بتقدير نيَّةً وعقدًا في الأوَّل، وحكمًا وشرعًا في الثَّاني أنَّ هناك لفظًا محذوفًا، بل أراد بيان المعنى ومُغايَرَة الأوَّل للثَّاني، وتأوَّله بعضهم على إرادة المعهود المُستقرِّ في النُّفوس، فإنَّ المُبتدَأ والخبر، وكذلك الشَّرط والجزاء، قد يتَّحدان لبيان الشُّهرة وعدم التَّغيير، وإرادة المعهود المستقرِّ في النَّفس، ويكون ذلك للتَّعظيم، وقد يكون للتَّحقير، وذلك بحسب المقامات والقرائن، فَمِنَ الأوَّل قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] وقوله ﵊: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله»، ومن الثَّاني قوله: (وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا) وفي روايةٍ لأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر وكريمة (١): «إلى دنيا» (يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ) أي: إلى ما ذكر، واستُشكِل: استعمال «دنيا» لأنَّها في الأصل مُؤنَّث «أدنى»، و «أدنى» «أَفْعَلْ» تفضيل مِنَ الدُّنوِّ، و «أَفْعَل» التَّفضيل إذا نُكِّر لزم الإفراد والتَّذكير، وامتنع تأنيثه وجمعه، ففي استعمال «دنيا» بالتَّأنيث مع كونه مُنكَّرًا إشكالٌ؛ ولهذا لا يُقَال: قُصْوَى ولا كُبْرَى، وأجاب ابن مالكٍ بأنَّ «دنيا» خُلِعَت عن الوصفيَّة غالبًا، وأُجْرِيتْ مجرى ما لم يكن قطُّ وصفًا ممَّا وزنه «فُعْلَى»، كرُجْعَى وبُهْمَى فلهذا ساغ فيها ذلك. ثمَّ إنَّ غرض المؤلِّف من إيراد هذا الحديث هنا الرَّدُّ على من زعم من المرجئة أنَّ الإيمان قولٌ باللِّسان دون عقد القلب، فبيَّن أنَّ الإيمان لا بدَّ له من نيَّةٍ واعتقاد قلبٍ، فافهم. وإنَّما أبرز الضَّمير في الجملة الأولى لقصد الالتذاذ بذكر الله ورسوله، وعِظَمِ شأنهما: أَعِدْ ذكرَ نعمانَ لنا إنَّ ذكرَهُ … هو المسكُ ما كرَّرته يَتَضوَّعُ

стр. 628

وهذا بخلاف «الدُّنيا» و «المرأة»، لا سيَّما والسِّياق يُشعِر بالحثِّ على الإعراض عنهما، وهذه الجملة الأولى هنا سقطت عند المؤلِّف من رواية الحميديِّ أوَّل الكتاب [خ¦١] فذكر في كلِّ تبويبٍ ما يناسبه بحسب ما رواه. ٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) بكسر الميم، وفي رواية أبي ذَرٍّ: «الحجَّاج بن المنهال» بالتَّعريف فيهما، ولأبي الوقت: «حجَّاج بن المنهال» أبو محمَّدٍ الأنماطيُّ؛ بفتح الهمزة وسكون النُّون؛ نسبةً إلى بيع (١) الأنماط: ضربٌ من البُسُط، السُّلَميُّ؛ بضمِّ المُهمَلَة وفتح اللَّام، المُتوفَّى بالبصرة سنة ستَّ عشْرةَ أو سبعَ عشْرةَ ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ) الأنصاريُّ الكوفيُّ، المُتوفَّى سنة ستَّ عشْرةَ ومئةٍ (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ) بن حصين الأنصاريَّ الخَطْميَّ؛ بفتح الخاء المُعجمَة وسكون المُهمَلة، المُتوفَّى زمن ابن الزُّبير (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عَمرٍو؛ بفتح العين وسكون الميم، ابن ثعلبة الأنصاريِّ الخزرجيِّ البدريِّ، المُتوفَّى بالكوفة أو بالمدينة قبل الأربعين، سنة إحدى وثلاثين أو إحدى أو اثنتين وأربعين، وله في «البخاري» أحد عشر حديثًا (٢) (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ) نفقةً من دراهم أو غيرها (عَلَى أَهْلِهِ) زوجةٍ وولدٍ حال كون

стр. 629

الرَّجل (يَحْتَسِبُهَا) أي: يريد بها وجه الله (فَهُوَ) أي: الإنفاق، ولغير الأربعة: «فهي» أي: النَّفقة (لَهُ صَدَقَةٌ) أي: كالصَّدقة في الثَّواب لا حقيقةً، وإلَّا حرمت (١) على الهاشميِّ والمُطَّلبيِّ، والصَّارف له عن الحقيقة الإجماع، وإطلاق الصَّدقة على النَّفقة مجازٌ، أو المُرَاد بها الثَّواب، كما تقدَّم، فالتَّشبيه واقعٌ على أصل الثَّواب، لا في الكميَّة ولا في الكيفيَّة، قال القرطبيُّ: أفاد منطوقه أنَّ الأجر في الإنفاق إنَّما يحصل بقصد القربة، سواءٌ كانت واجبةً أم مُباحةً، وأفاد مفهومه أنَّ من لم يقصد القربة لم يُؤجَر، لكن تبرأ ذمَّته من النَّفقة الواجبة لأنَّها معقولة المعنى، وحذف المعمول ليفيد التَّعميم، أي: أيَّ نفقةٍ كانت كبيرةً أو صغيرةً. وفي هذا الحديث: الرَّدُّ على المرجئة؛ حيث قالوا: إنَّ الإيمان إقرارٌ باللِّسان فقط، ورجاله خمسةٌ ما بين بصريٍّ وواسطيٍّ وكوفيٍّ، وفيه: رواية صحابيٍّ عن صحابيٍّ، وفيه (٢): التَّحديث والإخبار والسَّماع والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٠٠٦] و «النَّفقات» [خ¦٥٣٥١]، ومسلمٌ في «الزَّكاة»، والتِّرمذيُّ في «البرِّ»، وقال: حسنٌ صحيحٌ، والنَّسائيُّ في «الزَّكاة». ٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحَكَمُ) بفتح الكاف: هو أبو اليمان (بْنُ نَافِعٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة القرشيُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أبي بكرٍ محمَّد ابن شهابٍ، أنَّه (٣) (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد

стр. 630

(عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين (عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) المدنيِّ، أحد العشرة (أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ) يخاطب سعدًا، وَمَنْ يصحُّ منه الإنفاق: (إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً) قليلةً أو كثيرةً (تَبْتَغِي) أي: تطلب (بِهَا وَجْهَ اللهِ) تعالى، هو من المتشابه، وفيه مذهبان: التَّفويض والتَّأويل، قال العارف المحقِّق شمس الدِّين بن اللَّبان المصريُّ الشَّاذليُّ: وقد جاء ذكره في آياتٍ كثيرةٍ، فإذا أردت أن تعلم حقيقة مظهره من الصُّور (١) فاعلم أنَّ حقيقته من غمام الشَّريعة: بارقُ نورِ التَّوحيد، ومظهره من العمل: وجه الإخلاص ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ … الآية [الروم: ٤٣] ويدلُّ على أنَّ وجه الإخلاص مظهره قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢] وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ﴾ [الإنسان: ٩] وقوله : ﴿إِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: ٢٠] والمُرَاد بذلك كلِّه: الثَّناء بالإخلاص على أهله، تعبيرًا بإرادة «الوجه» عن إخلاص النِّيَّة، وتنبيهًا على أنَّه مظهر وجهه ، ويدلُّ على أنَّ حقيقة الوجه هو بارق نور التَّوحيد قوله : ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] أي: إلَّا نور توحيده. انتهى. و «الباء» في قوله في الحديث «بها» للمقابلة، أو بمعنى «على» ولذا وقع في بعض النُّسخ: «عليها» بدل «بها»، أو للسَّببيَّة، أي: لن تُنفق نفقةً تبتغي بسببها وجه الله تعالى (إِلَّا) نفقةً (أُجِرْتَ عَلَيْهَا) بضمِّ الهمزة وكسر الجيم، ولكريمة: «إلَّا أُجِرْتَ بها» وهي في «اليونينيَّة» لأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكرَ، لكنَّه ضُرِبَ عليها بالحُمْرة (حَتَّى مَا تَجْعَلُ) أي: الذي تجعله (فِي فَمِ امْرَأَتِكَ) فأنت مأجورٌ فيه، وعلى هذا فالمرائي بعمل الواجب غير مُثَابٍ، وإن سقط عقابه بفعله، كذا قاله البرماويُّ كالكِرمانيِّ، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ سقوط العقاب مُطلَقًا غير صحيحٍ، بل الصَّحيح التَّفصيل فيه؛ وهو أنَّ العقاب الذي يترتَّب على ترك الواجب يسقط لأنَّه أتى بعين الواجب، ولكنَّه كان مأمورًا أن يأتيَ بما عليه بالإخلاص وترك الرِّياء، فينبغي أن يُعاقَب على ترك الإخلاص لأنَّه مأمورٌ به، وتارك المأمور به يُعاقَب، وقال النَّوويُّ: ما أُرِيدَ به وجه الله يثبت فيه الأجر، وإن حصل لفاعله في ضمنه حظُّ شهوةٍ من لذَّةٍ أو غيرها؛

стр. 631

كوضع اللُّقمة (١) في فم الزَّوجة، وهو غالبًا لحظِّ النَّفس والشَّهوة، وإذا ثبت الأجر في هذا ففيما يُرَاد به وجه الله سبحانه فقط أحرى، وفي رواية الكُشْمِيهَنيِّ: «في فِي امرأتك» بغير ميمٍ، قال في «الفتح»: وهي رواية الأكثر، والمُستثنَى محذوفٌ لأنَّ الفعل لا يقع مُستثنًى، والتَّقدير -كما قال العينيُّ-: لن تنفق نفقةً تبتغي بها وجه (٢) الله إِلَّا نفقةً أُجِرْتَ عليها، ويكون قوله: «أُجِرْتَ عليها» صفةً للمُستثنَى، والمعنى على هذا؛ لأنَّ النَّفقة المأجور فيها هي التي تكون ابتغاءً لوجه الله تعالى، لأنَّها لو لم تكن لوجه الله لَمَا كانت مأجورًا فيها، والاستثناء متَّصلٌ لأنَّه من الجنس، والتَّنكير في قوله: «نفقةً» في سياق النَّفيِ يعمُّ القليلَ والكثيرَ، والخطاب في «إنَّك» للعموم إذ ليس المُرَاد «سعدًا» فقط، فهو مثل: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ [السجدة: ١٢] والصَّارف قرينة عدم اختصاصه، ويحتمل أن يكون بالقياس، و «حتَّى»: ابتدائيَّةٌ، و «ما»: مبتدأٌ، خبره المحذوف المُقدَّر بقوله: «فَأَنتَ مَأجُورٌ فِيْهِ»، فالنِّيَّة الصَّالحة إكسيرٌ تَقلِبُ العادةَ

стр. 632

عبادةً، والقبيح جميلًا، فالعاقل لا يتحرَّك حركةً إلَّا لله، فينوي بمكثه في المسجد زيارة ربِّه في انتظار الصَّلاة، واعتكافه (١) على طاعته، وبدخوله الأسواق ذكر الله، وليس الجهر بشرطٍ، وأمرًا بمعروفٍ، ونهيًا عن مُنكَرٍ، وينوي عقب كلِّ فريضةٍ انتظار أخرى، فأنفاسه إذًا نفائس، ونيَّته خيرٌ من عمله. وهذا الحديث المذكور في الباب قطعةٌ من حديثٍ طويلٍ مشهورٍ، أخرجه المؤلِّف في «الجنائز» [خ¦١٢٩٥] وفي «المغازي» [خ¦٤٤٠٩] و «الدَّعوات» [خ¦٦٣٧٣] و «الهجرة» [خ¦٣٩٣٦] و «الطِّب» [خ¦٥٦٦٨] و «الفرائض» [خ¦٦٧٣٣]، ومسلمٌ في «الوصايا»، وأبو داود، والتِّرمذيُّ فيها أيضًا، وقال: حسنٌ صحيحٌ، والنَّسائيُّ فيها وفي «عِشْرة النِّساء» وفي «اليوم واللَّيلة»، وابن ماجه في «الوصايا». (٤٢) هذا (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) مبتدأٌ مضافٌ، خبره قوله (٢): (الدِّينُ النَّصِيحَةُ) أي: قوامُ

стр. 633

الدِّين وعماده النَّصيحةُ (لِلَّهِ) تعالى بأن يؤمن به ويصفه بما هو أهله، ويخضع له ظاهرًا وباطنًا، ويرغب في محابِّه بفعل طاعته، ويرهب من (١) مساخطه بترك معصيته، ويجاهد في ردِّ العاصين إليه (وَ) النَّصيحة (لِرَسُولِهِ) ﵊ بأن يصدِّقَ برسالته، ويؤمنَ بجميع ما أتى به، ويعظِّمه وينصرَه حيًّا وميتًا، ويحييَ سُنَّته بتعلُّمها وتعليمها، ويتخلَّق بأخلاقه ويتأدَّب بآدابه، ويحبَّ أهل بيته وأصحابه وأتباعه وأحبابه (وَ) النَّصيحة (لأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ) بإعانتهم على الحقِّ وطاعتهم فيه، وتنبيههم عند الغفلة برفقٍ، وسدِّ خَلَّتهم عند الهفوة، وردِّ القلوب النَّافرة إليهم، وأما أئمَّة الاجتهاد فَبِبَثِّ علومهم، ونشر مناقبهم، وتحسين الظَّنِّ بهم (وَ) نصيحة (عَامَّتِهِمْ) بالشَّفقة عليهم (٢)، والسَّعيِ فيما يعود نفعُه عليهم، وتعليم ما ينفعهم، وكفِّ وجوه الأذى عنهم إلى غير ذلك، ويُستَفاد من هذا الحديث: أنَّ الدِّين يُطلَق على العمل لأنَّه سمَّى النَّصيحةَ دينًا، وعلى هذا المعنى بنى المؤلِّف أكثر «كتاب الإيمان»، وإنَّما أورده هنا ترجمةً، ولم يذكره في الباب مُسنَدًا لكونه ليس على شرطه كما سيأتي قريبًا، ووصله مسلمٌ عن تميمٍ الدَّاريِّ، وزاد فيه: «النصيحة لكتاب الله» وذلك يقع بتعلُّمه وتعليمه، وإقامة حروفه في التِّلاوة، وتحريرها في الكتابة، وتفهُّم (٣) معانيه، وحفظ حدوده، والعمل بما فيه إلى غير ذلك، وإنَّما لم يسنده المؤلِّف لأنَّه ليس على شرطه لأنَّه رواية (٤) تميمٍ، وأشهر طرقه فيه سُهيل بن أبي صالحٍ، وقد قال ابن المدينيِّ فيما ذكره عنه المؤلِّف: إنَّه نسي كثيرًا من الأحاديث لمَوْجَدَته لموت أخيه، وقال ابن معينٍ: لا يُحتَجُّ به، ونسبه بعضهم لسوء الحفظ،

стр. 634

ومن ثمَّ لم يخرج له البخاريُّ، وقد أخرج له الأئمَّة؛ كمسلمٍ والأربعة، وروى عنه مالكٌ ويحيى الأنصاريُّ والثَّوريُ وابن عُيَيْنةَ، وقال أبو حاتمٍ: يُكتَب حديثه، وقال ابن عَدِيٍّ: هو عندي ثَبْتٌ لا بأسَ به مقبولُ الأخبار، ثمَّ إن هذا الحديث قد عُدَّ من الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، وهو من بليغ الكلام، و «النَّصيحة» من نَصَحتُ العسل إذا صفَّيته من الشَّمع، أو مِنَ النُّصح وهو الخياطة بالمنصحة؛ وهي الإبرة، والمعنى أنَّه يلمُّ شعثه بالنُّصح، كما تلمُّ المنصحة، ومنه: التَّوبة النَّصوح؛ كأنَّ الذَّنبَ يمزِّق الدِّين والتَّوبةَ تخيطه. ثمَّ ذكر المؤلِّف ﵀ آيةً يَعضِدُ بها الحديث، فقال: (وَقَوْلِهِ تَعَالَى) ولأبي الوقت: « » بدل قوله «تعالى»، ولأبي ذَرٍّ: «وقول الله»: (﴿إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١]) بالإيمان والطَّاعة في السِّرِّ والعلانية، أو بما قدروا عليه فعلًا أو (١) قولًا يعود على الإسلام والمسلمين بالصَّلاح. ٥٧ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهد (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) بن أبي خالدٍ البَجَلِيِّ التَّابعيِّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد (٢) (قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المُهمَلَة والزَّاي المُعجَمَة، البَجَلِيُّ، بفتح المُوحَّدة والجيم؛ نسبةً إلى بَجِيلة بنت صعبٍ، الكوفيُّ التَّابعيُّ المُخضرَم، المُتوفَّى سنة أربعٍ أو سبعٍ وثمانين، أو سنة ثمانٍ وتسعين (عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن جابرٍ البَجَلِيِّ الأحمسيِّ؛ بالحاء والسِّين المُهمَلَتين،

стр. 635

المُتوفَّى سنة إحدى وخمسين (قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) أي: عاقدته، وكان قدومه عليه سنة عشر (١) في رمضان، وأسلم وبايعه (عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ) أي: إعطاء (الزَّكَاةِ وَالنُّصْحِ) بالعطف على المجرور السَّابق (لِكُلِّ مُسْلِمٍ) ومسلمةٍ، وفيه تسميةُ النُّصح دينًا وإسلامًا؛ لأنَّ الدِّين يقع على العمل كما يقع على القول، وهو فرض كفايةٍ على قدر الطَّاقة إذا علم أنَّه يقبلُ نُصحه ويأمن على نفسه المكروه، فإن خَشِيَ فهو في سعةٍ، فيجب على من علم بالمبيع عيبًا أن يبيِّنَه، بائعًا كان أو أجنبيًّا، وعلى أن ينصح نفسه بامتثال الأوامر واجتناب المناهي (٢)، وفي «زيادة الرَّوضة»: أنَّه لا يسقط الأمر بالمعروف عن المُكلَّف لظنِّه أنَّه لا يفيد، بل يجب عليه (٣)، وحذف التَّاء من «إقامة» تعويضًا عنها بالمُضَاف إليه، ولم يذكر «الصَّوم» ونحوه لدخوله في السَّمع والطَّاعة، كما وقع في الحديث المذكور عند المؤلِّف في «البيوع» بلفظ: «بايعت النَّبيَّ ﷺ على السَّمع والطَّاعة» [خ¦٢١٥٧] (٤). وهذا الحديث من الخماسيَّات، وفيه اثنان من التَّابعين: إسماعيل وقيس، وكلُّ رواته كوفيُّون غير مُسدَّدٍ، وفيه: التَّحديث بالإفراد والجمع والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «الصَّلاة» [خ¦٥٢٤] و «الزَّكاة» [خ¦١٤٠١] و «البيوع» [خ¦٢١٥٧] و «الشُّروط» [خ¦٢٧١٥]، ومسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ في «البيعة».
следующие страницы →