النَّسخ مرَّتين (١)، والأوَّل أصحُّ؛ لأنَّه يجمع بين القولين، وقد صحَّحه الحاكم وغيره من حديث ابن عبَّاسٍ، فكأنَّ البخاريَّ رحمه الله تعالى أراد الإشارة إلى الجزم بالأصحِّ؛ من أنَّ الصَّلاة لمَّا كانت عند البيت كانت إلى بيت المقدس، واقتصر على ذلك اكتفاءً بالأولويَّة؛ لأنَّ صلاتهم إلى غير جهة البيت وهم عند البيت إذا كانت لا تضيع فأحرى ألَّا تضيع إذا بَعُدوا عنه، والله أعلم.
٤٠ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ) بفتح العين، ابن فروخ الحنظليُّ الحرَّانيُّ (٢)، نزيل مصر، المُتوفَّى سنة تسعٍ وعشرين ومئتين، وليس هو «عُمرَ» بالضَّمِّ والفتح، وإن وقع في رواية القابسيِّ عن عَُبْدُوسٍ عن أبي زيدٍ المروزيِّ، وفي رواية أبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ؛ فقد قالوا: إنَّه تصحيفٌ (قَالَ) أي عمرٌو: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) بضمِّ أوَّله وفتح ثانيه، ابن معاويةَ بن حُدَيجٍ؛ بضمِّ الحاء وفتح الدَّال المُهمَلَتين آخره جيمٌ، الجعفيُّ (٣) الكوفيُّ، المُتوفَّى سنة اثنتين أو ثلاثٍ وسبعين ومئةٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله بن عليٍّ (٤)
стр. 562
الهَمْدانيُّ السَّبيعيُّ، الكوفيُّ التَّابعيُّ الجليل، المُتوفَّى سنة ستٍّ، أو سبعٍ، أو ثمان، أو تسعٍ وعشرين ومئةٍ، وقول أحمد: إنَّ سماع زهيرٍ منه بعد أن بدا تغيُّره، أُجِيب عنه: بأنَّ إسرائيل بن يونس حفيدُه، وغيره تابعه عليه عند المؤلِّف [خ¦٣٩٩] (عَنِ البَرَاءِ) بتخفيف الرَّاء والمدِّ على الأشهر، أبي عمرٍو أو أبي عامرٍ، أو أبي الطَّفيل، وللأَصيليِّ في روايةٍ: «عن البراء بن عازب» بن الحارث الأنصاريِّ الأوسيِّ، المُتوفَّى بالكوفة سنة اثنتين وسبعين، وله في «البخاريِّ» ثمانيةٌ وثلاثون حديثًا، وما يُخَاف من تدليس أبي إسحاق فهو مأمونٌ؛ حيث ساقه المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦٤٤٨٦] من طريق الثَّوريِّ بلفظ عن أبي إسحاق: سمعت البَرَاء ﵁: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ) بكسر الدَّال، ونصب «أوَّلَ» على الظَّرفيَّة، لا خبر «كان» كما وَهِمَ (١) الزَّركشيُّ، فإنَّ خبرَ «كان» قولُهُ: «نزل» أي: في أوَّل قدومه (المَدِينَةَ) طيبة في هجرته من مكَّة (نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ، أَوْ قَالَ) أي: أبو إسحاقَ: (أَخْوَالِهِ مِنَ الأَنْصَارِ) وكلاهما صحيحٌ، وهو على سبيل المجاز لأنَّ أقاربه من الأنصار من جهة الأمومة؛ لأنَّ أُمَّ جدِّه عبد المطَّلب منهم (وَأَنَّهُ) ﵊ (صَلَّى قِبَلَ) بكسر القاف وفتح المُوحَّدة (بَيْتِ المَقْدِسِ) مصدرٌ ميميٌّ كالمَرْجِع، أي: حال كونه مُتوجِّهًا إليه (سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا) على الشَّكِّ في رواية زُهيرٍ هنا، وللمؤلِّف عن إسرائيل [خ¦٣٩٩] وللتِّرمذيِّ أيضًا، ورواه أبو عوانة في صحيحه عن عمار ابن رجاء وغيره عن أبي نعيم فقال: «ستة عشر» من غير شَكّ (٢) وكذا لمسلمٍ من رواية أبي الأحوص الجزمُ بالأوَّل، فيكون أخذ من شهر القدوم وشهر التَّحويل شهرًا، وألغى الأيَّام الزَّائدة، وللبزَّار والطَّبرانيِّ عن عمرو بن عوفٍ الجزم بالثَّاني كغيرهما، فيكون عدَّ الشهرين معًا، ومن شكَّ تردَّد في ذلك؛ وذلك أنَّ القدوم كان في شهر ربيع الأوَّل بلا خلافٍ، وكان
стр. 563
التَّحويل في نصف رجب من السَّنة الثَّانية على الصَّحيح، وبه جزم الجمهور، ورواه الحاكم بسندٍ صحيحٍ عن ابن عبَّاسٍ، وقال ابن حبَّان: سبعة عشر شهرًا وثلاثة أيَّامٍ، وهو مبنيٌّ على أن القدوم كان في ثاني عشر ربيع الأوَّل، وقال ابن حبيبٍ: كان التَّحويل في نصف شعبان، وهو الذي ذكره النَّوويُّ في «الرَّوضة»، وأقرَّه مع كونه رجَّح في «شرح مسلم» رواية ستَّة عشر شهرًا؛ لكونها مجزومًا بها عند «مسلمٍ»، ولا يستقيم أن يكون ذلك في شعبان إلَّا إن أُلغي شهرا القدوم والتَّحويل، وسقط لغير ابن عساكر قوله «شهرًا» الأوَّل (وَكَانَ) ﵊ (يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ) أي: كون قبلته جهة (البَيْتِ) الحرام (وَأَنَّهُ) بفتح الهمزة عطفًا على «أنَّ» الأولى كالثَّانية (صَلَّى أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا) متوجِّهًا إلى الكعبة (صَلَاةَ العَصْرِ) بنصب «أوَّلَ» مفعول «صلَّى»، و «صلاةَ العصر» بدلٌ منه، وأعربه ابن مالكٍ بالرَّفع، وسقط لغير الأربعة لفظة «صلَّى» ولابن سعدٍ: حُوِّلَت القبلة في صلاة الظُّهر أو العصر (وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ) وهو عبَّاد بن بشر بن قيظيٍّ، أو عبَّاد بن نَهِيكٍ (فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ) من بني حارثة، ويعرف الآن بمسجد القبلتين (وَهُمْ رَاكِعُونَ) حقيقةً، أو من باب: إطلاق الجزء وإرادة الكلِّ (فَقَالَ: أَشْهَدُ) أي: أحلف (بِاللهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ) ولابن عساكرَ: «مع النَّبيِّ» (¬ ﷺ قِبَلَ مَكَّةَ) أي: حال كونه متوجِّهًا إليها، و «اللَّام» للتَّأكيد، و «قد» للتَّحقيق، وجملة «أشهد» اعتراضٌ بين القول ومقوله (فَدَارُوا) أي: سمعوا كلامه فداروا
стр. 564
(كَمَا هُمْ) عليه (قِبَلَ البَيْتِ) الحرام، ولم يقطعوا الصَّلاة، بل أتمُّوها إلى جهة الكعبة، فصلَّوا صلاةً واحدةً إلى جهتين بدليلين شرعيِّين. قال في «المصابيح»: والظَّاهر: أنَّ الكاف في «كما هم» بمعنى: على، و «ما»: كافَّةٌ، و «هم»: مبتدأٌ حُذِفَ خبرُه، أي: عليه أو كائنون، وقد يُقَال: إنَّ «ما» موصولةٌ، و «هم»: مبتدأٌ حُذِفَ خبره، أي: عليه، لكن يلزم حذف العائد المجرور مع تخلُّف شرطه، وفيه: جواز النَّسخ بخبر الواحد، وإليه ميلُ المحقِّقين (وَكَانَتِ اليَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ) أي: النَّبيَّ ﷺ ، و «هم» (١): منصوبٌ على المفعوليَّة (إِذْ كَانَ) ﵊ (يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ) أي: حال كونه متوجِّهًا إليه (وَأَهْلُ الكِتَابِ) بالرَّفع عطفًا على «اليهود»، وهو من عطف العامِّ على الخاصِّ، أو المُرَاد به النَّصارى فقط، وإعجابهم ذلك ليس لكونه قبلتهم، بل بطريق التَّبعيَّة لهم (فَلَمَّا وَلَّى) ﷺ (وَجْهَهُ) الشَّريفَ (قِبَلَ البَيْتِ) الحرام (أَنْكَرُوا ذَلِكَ) فنزل (٢): ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاء﴾ [البقرة: ١٤٢] كما صرَّح به المصنِّف في روايةٍ من طريق إسرائيل [خ¦٣٩٩] (قَالَ زُهَيْرٌ) يعني ابن معاويةَ: (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) يعني السَّبيعيّ (عَنِ البَرَاءِ) بن عازبٍ (فِي حَدِيثِهِ هَذَا) وللأَصيليِّ: «أبو إسحاق في حديثه عن البَرَاء» (أَنَّهُ مَاتَ عَلَى القِبْلَةِ) المنسوخة (قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ) أي: قبل التَّحويل إلى الكعبة (رِجَالٌ) عشرةٌ؛ منهم: عبد الله بن شهابٍ الزُّهريُّ القرشيُّ مات بمكَّة، والبَرَاء بن معرورٍ الأنصاريُّ بالمدينة (وَقُتِلُوا) بضمِّ أوَّله وكسر ثانيه، وفائدة ذكر القتل: بيان كيفيَّة موتهم
стр. 565
إشعارًا بشرفهم، واستبعادًا لضياع طاعتهم، أو أنَّ «الواو» بمعنى: أو، فيكون شكًّا، لكنَّ القتلَ فيه نظرٌ؛ فإنَّ تحويل القبلة كان قبل نزول القتال، على أنَّ هذه اللَّفظة لا توجد في غير رواية زهير بن معاوية، إنَّما الموجود في باقي الرِّوايات ذكر الموت فقط (فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى) وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: « »: (﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]) بالقبلة المنسوخة، أو صلاتكم إليها، وقول الكِرمانيِّ في قول زهيرٍ هذا: «إنَّه يحتمل أن يكون المؤلِّف ذكره معلَّقًا» تعقَّبه الحافظ ابن حجرٍ: بأنَّ المؤلِّف ساقه في «التَّفسير» [خ¦٤٤٨٦] موصولًا مع (١) جملة الحديث، وقد تعقَّبه العينيُّ: بأنَّ صُورتَه صُورةُ تعليقٍ، وأنَّه لا يلزم من سَوْقِه في «التَّفسير» جملةً واحدةً أن يكون هذا موصولًا غير معلَّقٍ. انتهى.
واختُلِف في صلاته ﵊ إلى بيت المقدس وهو بمكَّة، فقال قومٌ: لم يَزَلْ يَستقبلُ الكعبة بمكَّة، فلمَّا قدم المدينة استقبل بيت المقدس، ثمَّ نُسِخَ، وقال البيضاويُّ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: الجهة التي كنت عليها؛ وهي الكعبة، فإنَّه ﵊ كان يصلِّي إليها بمكَّة، ثمَّ لمَّا هاجر أُمِرَ بالصَّلاة إلى الصَّخرة تألُّفًا لليهود، وقال قومٌ: كان لبيت المقدس، فروى ابن ماجه حديث: «صلينا مع رسول الله ﷺ نحو بيت المقدس ثمانيةَ عَشَرَ شهرًا، وصُرِفَتِ القبلةُ إلى الكعبة بعد دخول المدينة بشهرين»، وظاهره: أنَّه كان يصلِّي بمكَّةَ إلى بيت المقدس مَحضًا، وعن ابن عبَّاسٍ: كانت قبلتُه بمكَّةَ بيتَ المقدس، إلَّا أنَّه كان يجعل الكعبة بينه وبينه، قال البيضاويُّ: فالمُخبر به على الأوَّل الجَعْل النَّاسخ، وعلى الثاني المنسوخُ؛ والمعنى: أنَّ أصل أمرك أن تستقبل الكعبة، وما جعلنا قبلتك بيت المقدس. انتهى.
стр. 566
وفي هذا (١) الحديث: جواز نسخ الأحكام خلافًا لليهود، وبخبر الواحد، وإليه مال القاضي أبو بكرٍ وغيره من المحقِّقين، وجواز الاجتهاد في القبلة، وبيان شرفه ﵊، وكرامته على ربِّه لإعطائه له ما أحبَّ، والرَّدُّ على المرجئة في إنكارهم تسميةَ أعمالِ الدِّين إيمانًا، ورواة الحديث السَّابق أئمَّةٌ أَجِلَّاءُ أربعةٌ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦٣٩٩] و «التَّفسير» [خ¦٤٤٨٦] وفي «خبر الواحد» [خ¦٧٢٥٢]، والنَّسائيُّ، والتِّرمذيُّ، وابن ماجه.
(٣١) هذا (بابُ حُسْنِ إِسْلَامِ المَرْءِ) بإضافة باب لتاليه، و «باب» ساقطٌ عند الأَصيليِّ.
٤١ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (قَالَ مَالِكٌ) وللأَصيليِّ: «وقال مالكٌ» ولابن عساكر في نسخةٍ: «قال: وقال مالكٌ» يعني: ابن أنسٍ، إمام دار الهجرة: (أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) هو (٢) أبو أسامةَ القرشيُّ المكِّيُّ، مولى عمر بن الخطَّاب (أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة والسِّين المُهمَلة، أبا محمَّدٍ المدنيَّ، مولى أمِّ المؤمنين ميمونةَ (أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ) بالدَّال المُهمَلة ﵁ (أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) حال كونه (يَقُولُ) -بالمضارع- حكاية حالٍ ماضيةٍ: (إِذَا أَسْلَمَ العَبْدُ) أو الأَمَةُ، وذكر المذكَّر فقط تغليبًا
стр. 567
(فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ) أو إسلامها بأنْ دَخَلَا فيه بريئين من الشُّكوك، أو المُرَاد المبالغة في الإخلاص بالمراقبة (يُكَفِّرُ اللهُ عَنْهُ) وعنها (كُلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ زَلَفَهَا) بتخفيف اللَّام المفتوحة، وبه قُرِئَ على الحافظ المنذريِّ وغيره، ولأبي الوقت: «زلَّفها» بتشديدها، وعَزَاه في «التَّنقيح» للأَصيليِّ، ولأبي ذَرٍّ ممَّا ليس في «اليونينيَّة»: «أَزلفها» بزيادة همزةٍ مفتوحةٍ، وهما بمعنًى، كما قاله الخطَّابيُّ وغيره، أي: أسلفها وقدَّمها، وفي فرع «اليونينيَّة» كهي: «أسلفها» بالهمزة والسِّين لأبي ذَرٍّ، والتَّكفير: هو التَّغطية، وهو في المعاصي كالإحباط في الطَّاعات، وقال الزَّمخشريُّ: التَّكفير إماطة المُستحَقِّ من العقاب بثوابٍ زائدٍ، والرِّواية في «يُكَفِّرُ» بالرَّفع، ويجوز الجزم لأنَّ فعل الشَّرط ماضٍ وجوابه مضارعٌ (١)، وقول الحافظ ابن حجرٍ في «الفتح»: بضمِّ الراء لأنَّ «إذا» وإن كانت من أدوات الشَّرط لكنها لا تَجزم، تعقَّبه العينيُّ فقال: هذا كلامُ من لم يَشَمَّ شيئًا من العربيَّة، وقد قال الشاعر:
استغنِ ما أغناك ربُّكَ بالغِنَى … وإذا تُصِبْكَ خَصَاصَةٌ فَتَحَمَّلِ
стр. 568
فجزم «إذا تُصِبْك». انتهى. قلت: قال ابن هشامٍ في «مُغْنِيه»: ولا تعمل «إذا» الجزمَ إلَّا في الضَّرورة؛ كقوله: استغنِ ما أغناك … إلى آخره، قال الرَّضِيُّ: لمَّا كان حَدَثُ «إذا» الواقعُ فيه مقطوعًا به في أصل الوضع لم يرسخ فيه معنى «إن» الدَّالَّ على الفَرَض (١)، بل صار عارضًا على شرف الزَّوال، فلهذا لم تَجْزِم إلَّا في الشِّعر مع إرادة معنى الشَّرط، وكونها بمعنى: «متى» (وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ) أي: بعد حسن الإسلام (القِصَاصُ) بالرَّفع اسم «كان» على أنَّها ناقصةٌ، أو فاعلٌ على أنَّها تامَّةٌ، وعبَّر بالماضي وإن كان السِّياق يقتضي المضارع لتحقُّق الوقوع؛ كما في نحو قوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٤] والمعنى: وكتابة المجازاة في الدُّنيا (الحَسَنَةُ) بالرَّفع مبتدأٌ، خبره: (بِعَشْرِ) أي: تُكتَب أو تثبت بِعَشْرِ (أَمْثَالِهَا) حال كونها منتهيةً (إِلَى سَبْعِ مئةِ ضِعْفٍ) بكسر الضَّاد، والضِّعْفُ: المِثْلُ إلى ما زاد، ويُقَال: لك ضِعْفُه؛ يريدون: مثليه وثلاثةَ أمثاله؛ لأنَّه زيادةٌ غير مخصوصةٍ (٢). قاله في «القاموس»، وقد أخذ بعضهم -فيما حكاه الماورديُّ- بظاهر هذه الغاية، فزعم أنَّ التَّضعيف لا يتجاوز سَبْعَ مئةٍ، وأُجِيب: بأنَّ في حديث ابن عبَّاسٍ عند المصنِّف في «الرِّقاق»: «كتب له الله عَشر حَسناتٍ إلى سبع مئة ضِعفٍ إلى أضعافٍ كثيرةٍ» [خ¦٦٤٩١] وهو يَرُدُّ عليه، وأمَّا قولُه تعالى: ﴿وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء﴾ [البقرة: ٢٦١] فيحتمل أن يكون المُرَاد أنَّه يضاعف تلك المُضَاعَفَة لمن يشاء بأن يجعلها سَبْعَ مئةٍ، وهو الذي قاله البيضاويُّ تبعًا لغيره، ويحتمل أن يضاعف السَّبع مئةٍ بأن يزيد عليها (وَالسَّيِّئَةُ
стр. 569
بِمِثْلِهَا) من غير زيادةٍ (إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللهُ) (عَنْهَا) أي: عن السَّيِّئة فيعفوَ عنها، وفيه دليلٌ لأهل السُّنَّة أنَّ العبد تحت المشيئة؛ إن شاء الله تعالى تجاوز عنه، وإن شاء آخذه، وَرَدٌّ على القاطع لأهل الكبائر بالنَّار كالمعتزلة، وقول الحافظ ابن حجرٍ: «إنَّ أوَّل الحديث يردُّ على من أنكر الزِّيادة والنَّقص في الإيمان؛ لأنَّ الحُسْن تتفاوت درجاته» تعقَّبه العينيُّ: بأنَّ الحُسْن من أوصاف الإيمان، ولا يلزم من قابليَّة الوصف الزِّيادة والنُّقصان قابليَّة الذَّات إيَّاهما؛ لأنَّ الذات من حيث هي هي (١) لا تقبل ذلك، كما عُرِفَ (٢) في موضعه. انتهى. وقد تقدَّم في أوَّل «كتاب الإيمان» عند قوله : ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢] تحقيق البحث في ذلك، فليُراجَع.
وهذا الحديث لم يسنده المؤلِّف، بل علَّقه، وقد وصله أبو ذَرٍّ الهرويُّ في روايته، فقال: أخبرنا النَّضرويُّ؛ وهو العبَّاس بن الفضل: حدَّثنا الحسين بن إدريسَ: حدَّثنا هشام بن خالدٍ: حدَّثنا الوليد بن مسلمٍ، عن مالكٍ، عن زيد بن أسلم به، ووصله النَّسائيُّ في «سننه»، والحسن ابن سفيان في «مُسنَدِه» من طريق عبد الله بن نافع (٣)، والإسماعيليُّ، ولفظه من طريق عبد الله بن نافعٍ عن زيد بن أَسْلَمَ، عن عطاء بن يسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إذا أسلم العبد كتب الله له كلَّ حسنةٍ قدَّمها، ومحا عنه كلَّ سيِّئةٍ زَلَفَها، ثمَّ قِيلَ له: اِئْتَنِفِ
стр. 570
العمل، الحسنة بِعشْر أمثالها إلى سَبْعِ مئةٍ، والسَّيِّئة بمثلها إلَّا أن يغفر (١) الله»، والدَّارقطنيُّ في «غرائب مالكٍ» من تِسع طرقٍ، ولفظه من طريق طلحة بن يحيى عن مالكٍ: «ما من عبدٍ يُسْلِم فَيحسن إسلامه إلَّا كتب الله له كلَّ حسنةٍ زَلَفَها، ومحا عنه كلَّ خطيئةٍ زَلَفَها» بالتَّخفيف فيهما، وللنَّسائيِّ نحوه، لكن قال: «أَزْلفها»، فقد ثبت في جميع الرِّوايات ما أسقطه البخاريُّ؛ وهو كتابة الحسنات المُتقدِّمة قبل الإسلام، وقوله: «كتب الله» أي: أمر أن يُكتب، وللدَّارقطنيِّ من طريق ابن شعيبٍ عن مالكٍ: «يقول الله لملائكته: اكتبوا»، قِيلَ: وإنَّما اختصره المؤلِّف لأنَّ قاعدة الشَّرع: أنَّ الكافر لا يُثابُ على طاعته في شِرْكِه؛ لأنَّ من شرطِ المتقرِّبِ كونه عارفًا بمن تقرَّب إليه، والكافر ليس كذلك، وردَّه النَّوويُّ: بأنَّ الذي عليه المحقِّقون -بل نقل بعضهم فيه الإجماع- أنَّ الكافر إذا فعل أفعالًا جميلةً على جهة التَّقرُّب إلى الله تعالى؛ كصدقةٍ، وصِلَةِ رَحمٍ، وإعتاقٍ ونحوها، ثمَّ أسلم ومات على الإسلام؛ أنَّ ثواب ذلك يُكتَب له، وحديث حكيم بن حزامٍ المرويُّ في «الصَّحيحين» يدلُّ عليه [خ¦١٤٣٦] كالحديث الآتي [خ¦٤٢] ودعوى أنَّه مخالفٌ للقواعد غير مُسلَّمَةٍ؛ لأنَّه قد يُعتَدُّ ببعض أفعال الكافر في الدُّنيا؛ ككفَّارة الظِّهار، فإنَّه لا يلزم إعادتها إذا أسلم، وتُجْزِئُهُ، قال ابن المُنَيِّر: المُخالف للقواعد دعوى أنَّه يُكتَب له ذلك في حال كفره، وأمَّا أنَّ الله تعالى يضيف إلى حسناته في الإسلام ثواب ما كان صدر منه ممَّا كان يظنُّه خيرًا فلا مانع منه، ورواة هذا الحديث أئمَّةٌ أَجِلَّاءُ مشهورون، وهو مُسلسَلٌ بلفظ الإخبار على سبيل الانفراد، مع التَّصريح بسماع الصَّحابيِّ من الرسول ﷺ .
٤٢ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، وفي رواية ابن عساكرَ: «حدَّثني» (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) أي: ابن بَِهْرام؛ بكسر المُوحَّدة فيما قاله النَّوويُّ، والمشهور: فتحها، أبو يعقوب
стр. 571
الكوسج، من أهل مرو، المُتوفَّى سنة إحدى وخمسين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا) وفي رواية أَبَوَي ذَرٍّ والوقت وابن عساكرَ: «أخبرنا» (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام بن نافعٍ اليمانيُّ الصَّنعانيُّ، المُتوفَّى سنة إحدى عَشْرَةَ ومئتين (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بميمَين مفتوحتَين، ابن راشدٍ أبو عروةَ البصريُّ، وسبق (عَنْ هَمَّامٍ) بتشديد الميم، وفي روايةٍ: «عن همَّام بن مُنَبِّهٍ» بن كاملٍ أبي عقبة اليمانيِّ الصَّنعانيِّ (١) الذِّماريِّ الأبناويِّ (٢) التَّابعيِّ، المُتوفَّى سنة إحدى عَشْرَةَ ومئةٍ بصنعاءَ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (٣) (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ) باعتقاده وإخلاصه، ودخوله فيه بالباطن والظَّاهر، والخطاب للحاضرين، والحكم عامٌّ لهم ولغيرهم باتِّفاقٍ؛ لأنَّ حكمه ﵊ على الواحد حكمٌ على الجماعة، ويدخل فيه النِّساء والعبيد، لكنِ النِّزاع في كيفيَّة التَّناول؛ أهي حقيقةٌ عرفيَّةٌ أو شرعيَّةٌ، أو مجازٌ؟ (فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا) مبتدأٌ، خبره: (تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا) حال كونها منتهيةً (إِلَى سَبْعِ مئةِ ضِعْفٍ) بكسر الضَّاد، أي: مثل، وأتى بـ «كلُّ»، وهي أصرح في الاستغراق من «ال» في الحديث السَّابق (وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا) زاد مسلمٌ: «حتَّى يلقى الله تعالى» وقيَّد الحسنة والسَّيئة هنا بالعمل، وأطلق في السَّابق، فيُحمَل المُطلَق على المُقيَّد، والباء في «بمثلها» للمقابلة.
وفي هذا (٤) الحديث: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وهو إسنادُ حديثٍ من نسخة همَّامٍ
стр. 572
المشهورة المرويَّة بإسنادٍ واحدٍ عن عبد الرَّزَّاق عن مَعْمَرٍ عنه، والجمهور على جواز سياق حديثٍ منها بإسنادها، ولو لم يكن مبتدأً به، فافهم.
(٣٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللهِ) زاد في رواية الأَصيليِّ: « » (أَدْوَمُهُ) «أَفْعَلُ» تفضيلٍ من الدَّوام، والمُرَاد به هنا: الدَّوام العرفيُّ، وهو قابلٌ للكثرة والقلَّة.
٤٣ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال رحمه الله تعالى: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) بالمُثلَّثة والنُّون المفتوحة المُشدَّدة، أبو موسى البصريُّ، المذكور في «باب حلاوة الإيمان» [خ¦١٦] قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان الأحول (عَنْ هِشَامٍ) يعني: ابن عروة (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) أمِّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا وَ) الحال أنَّ (١) (عِنْدَهَا امْرَأَةٌ، فَقَالَ) بإثبات فاء العطف، وللأَصيليِّ: «قال» بحذفها، فتكون جملةً استئنافيَّةً جواب سؤالٍ مقدَّرٍ؛ كأنَّ قائلًا يقول: ماذا قال حين دخل؟ قالت: قال: (مَنْ هَذِهِ؟ قَالَتْ) عائشة: هي (فُلَانَةُ) بعدم الصَّرف للتَّأنيث والعلميَّة؛ إذ هو كنايةٌ عن ذلك، وهي الحَوْلاء -بالمُهملَة والمدِّ كما في «مسلمٍ» - بنت تُوَيتٍ؛ بمُثنَّاتين مُصغَّرًا (تَذْكُرُ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة، أي: عائشة (مِنْ صَلَاتِهَا) في محلِّ نصبٍ على المفعوليَّة، ولغير الأربعة (٢): «يُذكَر» بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة مبنيًّا لِمَا لم يُسمَّ فاعله، وتاليه نائبٌ عنه، أي: يذكرون أنَّ صلاتها كثيرةٌ، وعند المؤلِّف في «صلاة
стр. 573
اللَّيل» معلَّقًا: «لا تنام باللَّيل» [خ¦١١٥١] ولعلَّ عائشة أَمِنَتْ عليها الفتنة فمدحتها في وجهها، لكن في «مُسنَد الحسن بن سفيان»: كانت عندي امرأةٌ، فلمَّا قامت قال رسول الله ﷺ : «من هذه يا عائشة؟» قالت: يا رسول الله، هذه فلانةُ، وهي أَعْبَدُ أهلِ المدينة، فظاهر هذه الرِّواية أنَّ مدحها كان في غيبتها (قَالَ) ﵊: (مَهْ) بفتح الميم وسكون الهاء؛ اسمٌ للزَّجر بمعنى: اكفُف، ينهاها ﵊ عن مدح المرأة بما ذكرته، أو عن تكلُّف عملِ ما لا يُطَاق؛ ولذا قال بعده: (عَلَيْكُمْ) من العمل (بِمَا) بمُوحَّدَةٍ قبل الميم، وفي رواية الأَصيليِّ: «ما» (تُطِيقُونَ) أي: بالذي تطيقون المُداوَمَةَ عليه، وحذف العائد للعلم به، ويُفهَم منه النَّهيُ عن تكليف ما لا يُطَاق، وسبب وروده خاصٌّ بالصَّلاة، لكنَّ اللَّفظ عامٌّ، فيشمل جميع الأعمال، وعَدَلَ عن خطاب النِّساء إلى خطاب الرِّجال طلبًا لتعميم الحكم، فغلَّب الذُّكور على الإناث في الذِّكر (فَوَاللهِ لَا يَمَلُّ اللهُ حَتَّى) إلى أن (تَمَلُّوا) (١) بفتح الميم في الموضعين، وهو من باب
стр. 574
المُشاكَلَة والازدواج؛ وهو أن تكون إحدى اللَّفظتين موافقةً للأخرى، وإن خالفت معناها، والمَلال: ترك الشَّيء استثقالًا وكراهةً له بعد حِرصٍ ومحبَّةٍ فيه، فهو من صفات المخلوقين، لا من صفات الخالق تعالى، فيحتاج إلى تأويلٍ، فقال المحقِّقون: هو على سبيل المجاز لأنَّه تعالى لمَّا كان يقطع ثوابه عمَّن قطع العمل ملالًا عبَّر عن ذلك بـ «الملال»، من باب تسمية الشَّيء باسم سببه، أو معناه: لا يقطع عنكم فضله حتَّى تملُّوا سؤالَه (وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ) أي: الطَّاعة (إِلَيْهِ) أي: إلى الرسول ﷺ ، وفي رواية المُستملي: «إلى الله» وليس بين الرِّوايتين تخالفٌ لأنَّ ما كان أحبَّ إلى الله كان أحبَّ إلى رسوله، وفي رواية أبي الوقت والأَصيليِّ: «وكان أحبُّ» بالرَّفع اسمُ «كان» (مَا دَاوَمَ) أي: واظب (عَلَيْهِ صَاحِبُهُ) وإن قلَّ، فبالمُداوَمة على القليل تستمرُّ الطَّاعة، بخلاف الكثير الشَّاقِّ، وربَّما ينمو القليل الدَّائم حتَّى يزيد على الكثير المنقطع أضعافًا كثيرةً، وهذا من مزيد شفقته ﷺ ورأفته بأمَّته؛ حيث أرشدهم إلى ما يصلحهم، وهو ما يمكنهم الدَّوام عليه من غير مشقَّةٍ، جزاه الله عنَّا ما هو أهله، وسقط عند الأَصيليِّ قوله «ما داوم عليه صاحبه»، والتَّعبير بـ «أحبَّ» هنا يقتضي أنَّ ما لم يداوم عليه صاحبه من الدِّين محبوبٌ، ولا يكون هذا إلَّا في العمل ضرورةَ أنَّ (١) تركَ الإيمان كفرٌ، قاله في «المصابيح».
وفي هذا الحديث: الدَّلالة على استعمال المجاز، وجواز الحلف من غير استحلافٍ، وأنَّه لا كراهة فيه إذا كان لمصلحةٍ، وفضيلة المُداوَمَة على العمل، وتسمية العمل دِينًا، وقد أخرجه
стр. 575
المؤلِّف أيضًا في «الصلاة» [خ¦١١٥١]، ومسلمٌ، ومالكٌ في «موطَّئه».
(٣٣) (بابُ زِيَادَةِ الإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ) بإضافة «بابُ» لتاليه فقط (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بجرِّ «قولِ» عطفًا على «زيادةِ الإيمان» ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: « » بدل قوله: «تعالى»: (﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣]) لأنَّ زيادتَه مستلزمةٌ للإيمان، أو (١) المُرَاد بـ «الهدى» الإيمان نفسه، وقوله تعالى: (﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١] وَقَالَ) تعالى: (﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]) أي: شرائعه، فإن قلت: إذا كان تفسير الآية ما ذُكِرَ فما وجه استدلال المصنِّف بها على زيادة الإيمان ونقصانه؟ أُجِيب: بأنَّ الكمال مستلزمٌ للنَّقص، واستلزامه للنَّقص يستدعي قبولَه الزِّيادةَ، ومن ثمَّ قال المؤلِّف: (فَإِذَا تَرَكَ) وللأَصيليِّ: «فإذا تركت» (شَيْئًا مِنَ الكَمَالِ فَهُوَ نَاقِصٌ) لا يُقَال: إنَّ الدِّين كان ناقصًا قبلُ، وإنَّ مَنْ مات من الصَّحابة كان ناقص الإيمان من حيث إنَّ موته قبل نزول الفرائض أو بعضها؛ لأنَّ الإيمان لم يَزَلْ تامًّا، والنَّقص بالنِّسبة إلى الذين ماتوا قبل نزول الفرائض من الصَّحابة صوريٌّ نسبيٌّ، ولهم فيه رتبة الكمال من حيث المعنى، وهذا يشبه قول القائل: إنَّ شرع محمَّدٍ أكمل من شرع موسى وعيسى؛ لاشتماله من الأحكام على ما لم يقع في الكتب السَّابقة، ومع هذا فشرع موسى في زمانه كان كاملًا، وتجدَّد في شرع عيسى بعده ما تجدَّد، فالأكمليَّة أمرٌ نسبيٌّ، وعبَّر المؤلِّف: بـ «قال» الماضي، ولم يَقُلْ: «وقوله: ﴿الْيَوْمَ﴾» على أسلوب السَّابق؛ لأنَّ الاستدلال به نصٌّ صريحٌ في الزِّيادة، وهو مستلزمٌ للنَّقص بخلاف هذه فإنَّ الصَّريح فيها الكمالُ، وليس هو نصًّا صريحًا في الزِّيادة.
стр. 576
٤٤ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بضمِّ ميم «مُسلِم» وكسر لامه مُخفَّفًا، أبو عمرٍو البصريُّ الأزديُّ، الفَرَاهِيدِيُّ؛ بفتح الفاء وبالرَّاء وبالهاء المكسورة والمُثنَّاة التَّحتيَّة والدَّال المُهمَلَة، وعند ابن الأثير: بالمُعجَمَة؛ بطنٌ من الأزد مولاهم، القصَّاب أو الشَّحَّام، المُتوفَّى سنة اثنتين وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ) بكسر الهاء، ابن أبي عبد الله سنْدر الرَّبَعيُّ؛ بفتح الرَّاء والمُوحَّدة؛ نسبةً إلى ربيعة بن نزار (١) بن معد بن عدنان البصريُّ الدَّسْتَُوَائيُّ؛ بفتح الدَّال وإسكان السِّين المُهمَلَتين بعدهما مُثنَّاةٌ فوقيَّةٌ مفتوحةٌ أو مضمومةٌ، مهموزٌ من غير نونٍ؛ نسبةً إلى كورة من كور الأهواز لبيعه الثِّياب المجلوبة منها، المُتوفَّى سنة أربعٍ وخمسين ومئةٍ، وكان يُرمَى بالقَدَر لكنَّه لم يكن داعيةً (قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامةَ (عَنْ أَنَسٍ) هو ابن مالكٍ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ) -بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة- مِنْ الخروج، وفي رواية الأَصيليِّ وأبي الوقت: «يُخرَج» -بضمِّها - مِنَ الإخراج في جميع الحديث، فالتَّالي وهو: (مَنْ قَالَ) في محلِّ رفعٍ على الوجهين، فالرَّفع على الأوَّل: على الفاعليَّة، وعلى الثَّاني: على النِّيابة عن الفاعل، و «مَنْ» موصولةٌ، ولاحقها: جملةُ صلتِها، ومقول القول: (لَا إِلَهَ إِلَّا الله) أي: مع قول: محمَّدٌ رسول الله، فالجزء الأوَّل علَمٌ على المجموع؛ كـ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ على السُّورة كلِّها، أو أنَّ هذا كان قبل مشروعيَّة ضمِّها إليه، كما قاله العينيُّ كالكِرمانيِّ، وفي ذلك نظرٌ على ما لا يخفى (وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ) أي: من إيمانٍ، كما في الرِّواية الأخرى، والمُرَاد به: الإيمان بجميع ما جاء به الرَّسول ﵊، والجملة في موضع الحال، والتَّنوين في «خيرٍ» للتَّقليل المُرغَّب في
стр. 577
تحصيله إذ إنَّه إذا حصل الخروج بأقلَّ ممَّا (١) ينطلق عليه اسم الإيمان فبالكثير منه أحرى، فإن قلت: الوزن إنَّما يُتصوَّر في الأجسام دون المعاني، أُجِيب: بأنَّ الإيمان شُبِّه بالجسم فأُضِيف إليه ما هو من لوازمه وهو الوزن، والمُرَاد بـ «القول» هنا النَّفسيُّ. نعم؛ الإقرار لا بدَّ منه ولذا أعاده في كلِّ مرَّةٍ (وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله) محمَّدٌ رسول الله (وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ) بضمِّ المُوحَّدة وتشديد الرَّاء المفتوحة؛ وهي القمحة (مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله) محمَّدٌ رسول الله (وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ) بفتح الذَّال المُعجَمَة وتشديد الرَّاء المفتوحة، واحدة الذَّرِّ، وهو كما قال (٢) في «القاموس»: صغار النَّمل، ومئةٌ منها زِنَةُ حبَّة شعيرٍ. انتهى. ولغيره: أنَّ أربع ذَرَّاتٍ وزن خردلةٍ، أو هو الهباء الذي يظهر في شعاع الشَّمس مثل رؤوس الإبر؛ وهو (٣) السَّاقط من التُّراب بعد وضع كفِّك فيه ونفضها، ونُسِبَ هذا الأخير لابن عبَّاسٍ، فوزن الذَّرَّة هو التَّصديق الذي لا يجوز أن يدخله النَّقص، وما في البُرَّة والشَّعيرة من الزِّيادة على الذَّرَّة فإنَّما هو من زيادة الأعمال التي يكمل التَّصديق بها، وليست زيادة في نفس التَّصديق، قاله المُهلَّب، وقال في «الكواكب»: وإنَّما أضاف هذه الأجزاء التي في الشَّعيرة والبُرَّة الزَّائدة على الذَّرَّة إلى القلب لأنَّه لمَّا كان الإيمان التَّامُّ إنَّما هو قولٌ وعملٌ، والعمل لا يكون إلَّا بنيَّةٍ وإخلاصٍ من القلب فلذا جاز أن يُنسَب العمل إلى القلب إذ تمامه بتصديق القلب، فإن قلت: التَّصديق القلبيُّ كافٍ في الخروج إذ المؤمن لا يُخلَّد في النَّار، وأمَّا قوله: «لا إله إلَّا الله» فلإجراء
стр. 578
أحكام الدُّنيا عليه، فما وجه الجمع بينهما؟ أُجِيب: بأنَّ المسألة مُختلَفٌ فيها؛ فقال جماعةٌ: لا يكفي مجرَّد التَّصديق، بل لا بدَّ من القول والعمل أيضًا، وعليه البخاريُّ، أو المُرَاد بالخروج هو بحسب حكمنا به، أي: الحكم بالخروج لمن كان في قلبه إيمانٌ ضامًّا إليه عنوانه الذي يدلُّ عليه إذ الكلمة هي شعار الإيمان في الدُّنيا، وعليه مدار الأحكام، فلا بدَّ منهما حتَّى يصحَّ الحكم بالخروج. انتهى. وقال ابن بطَّالٍ: التَّفاوت في التَّصديق على قدر العلم والجهل، فمن قلَّ علمه كان تصديقه مثلًا بمقدار ذَرَّةٍ، والذي فوقه في العلم تصديقه بمقدار بُرَّةٍ أو شعيرةٍ، إلَّا أنَّ التَّصديق الحاصلَ في قلبِ كلِّ واحدٍ منهم لا يجوز عليه النُّقصان، وتجوز عليه الزِّيادة بزيادة العلم والمُعايَنة، وبالجملة؛ فحقيقة التَّصديق واحدةٌ لا تقبل الزِّيادة والنُّقصان، وقدَّم «الشَّعيرة» على «البُرَّة» لكونها أكبرَ جرمًا منها، وأَخَّرَ «الذَّرَّة» لصغرها، فهو من باب التَّرقِّي في الحكم وإن كان من باب التَّنزُّل.
وفي هذا الحديث: الدَّلالة على زيادة الإيمان ونقصانه، ودخول طائفةٍ من عصاة (١) الموحِّدين النَّارَ، وأنَّ الكبيرة لا يُكفَّر مَنْ عملها ولا يُخلَّد في النار، ورواته كلُّهم أئمَّةٌ أَجِلَّاءُ بصريُّون، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه البخاريُّ أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٤١٠]، ومسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ في «صفة جهنَّم»، وقال: حسنٌ صحيحٌ.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ، وفي رواية ابن عساكرَ بحذف: «قال أبو عبد الله» كما في الفرع وأصله (قَالَ أَبَانُ) -بفتح الهمزة وتخفيف المُوحَّدة، بالصَّرف على أنَّه «فَعَال» كغزالٍ، والهمزة أصلٌ وهي فاء الكلمة، والمنع على أنَّها زائدةٌ، ووزنه «أَفْعَل»، فمُنِعَ لوزن الفعل والعلميَّة، واختاره ابن مالكٍ- ابنُ يزيدَ العطَّار البصريُّ، وللأربعة: «وقال أبان» بواو العطف: (حَدَّثَنَا
стр. 579
قَتَادَةُ) بن دعامةَ قال: (حَدَّثَنَا أَنَسٌ) هو ابن مالكٍ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : مِنْ إِيمَانٍ مَكَانَ خَيْرٍ) وللأَصيليِّ: «من خيرٍ» وهذا من التَّعليقات، وقد وصله الحاكم في «كتاب الأربعين» له من طريق أبي سلمة موسى بن إسماعيل قال: حدَّثنا أَبَانُ، ونبَّه المؤلِّف به على تصريح قتادة فيه بالتَّحديث عن أنسٍ؛ لأنَّ قتادة مُدلِّسٌ لا يُحتَجُّ بعنعنته إلَّا إذا ثبت سماعه للذي عنعن عنه (١)، وعلى تفسير (٢) المتن بقوله: «من إيمانٍ» بدل قوله: «من خيرٍ».
٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ) بتشديد المُوحَّدة، ابن محمَّدٍ، وللأَصيليِّ: «البزَّار» بزايٍ بعدها راءٌ، الواسطيُّ، المُتوفَّى ببغدادَ سنة ستِّين ومئتين أنَّه (سَمِعَ جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ) أي: ابن (٣) جعفرٍ المخزوميَّ، المُتوفَّى بالكوفة سنة سبعٍ ومئتين قال: (حَدَّثَنَا أَبُو العُمَيْسِ) بضمِّ العين المُهمَلَة وفتح الميم وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخره سينٌ مهملَةٌ، الهُذَلِيُّ المسعودِيُّ الكوفيُّ، المُتوفَّى سنة عشرين ومئةٍ قال: (أَخْبَرَنَا قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ) الكوفيُّ العابد، المُتوفَّى سنة
стр. 580
عشرين ومئةٍ أيضًا (عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ) يعني: ابنَ عبد شمسٍ الصَّحابيِّ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ وعشرين ومئةٍ (١)، وقال المِزِّيُّ: سنة ثلاثٍ وثمانين، وقِيلَ: سنة اثنتين، وقِيلَ: سنة أربعٍ (عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ) ﵁: (أَنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ) هو كعب الأحبار قبل أن يسلم، كما قاله الطَّبرانيُّ في «الأوسط» وغيره، كلُّهم من طريق رجاء (٢) بن أبي سلمة عن عبادة (٣) بن نُسَيٍّ -بضمِّ النُّون وفتح المُهمَلَة- عن إسحاق بن خرشة عن (٤) قَبيصة بن ذؤيبٍ، عن كعبٍ أنَّه (قَالَ لَهُ) أي: لعمرَ: (يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، آيَةٌ): مبتدأٌ، وساغ مع كونه نكرةً لتخصيصه بالصِّفة وهي: (فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَؤُوْنَهَا) والخبرُ: (لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ) أي: لو نزلت علينا كقوله: ﴿لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ [الإسراء: ١٠٠] أي: لو تملكون أنتم؛ لأنَّ «لو» لا تدخل إلَّا على الفعل، فحُذِف الفعل لدلالة الفعل المذكور عليه، و «معشرَ»: نُصِبَ على الاختصاص، أي: أعني معشرَ اليهود (لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا) نعظِّمه في كلِّ سنةٍ، ونُسَرُّ فيه لعظم ما حصل فيه من كمال الدِّين (قَالَ) عمر ﵁: (أَيُّ آيَةٍ) هي؟ فالخبر محذوفٌ (قَالَ) كعبٌ: (﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾) قال البيضاويُّ: بالنَّصر والإظهار على الأديان كلِّها، أو بالتَّنصيص على قواعد العقائد، والتَّوقيف على أصول الشَّرائع وقوانين الاجتهاد (﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾) بالهداية
стр. 581
والتَّوفيق، أو بإكمال الدِّين، أو بفتح مكَّة وهدم منارات الجاهليَّة (﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ﴾) أي: اخترته لكم (﴿دِينًا﴾ [المائدة: ٣]) من بين الأديان، وهو الدِّين عند الله (قَالَ) وفي رواية الأربعة: «فقال» (عُمَرُ) ﵁: (قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ وَالمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ) وفي رواية الأَصيليِّ: «أُنزِلت» (فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ) وفي رواية أبي ذَرٍّ: «على رسول الله» (¬ ﷺ ، وَهُوَ قَائِمٌ) أي: والحال أنَّه قائمٌ (بِعَرَفَةَ) بعدم الصَّرف للعلميَّة والتَّأنيث (يَوْمَ جُمُعَةٍ) وفي رواية أبي ذَرٍّ وأبي الوقت ونسخةٍ لابن عساكر (١): «يوم الجمعة» وإنَّما لم يُمنَع من الصَّرف على الأولى -كما في «عرفة» - لأنَّ الجمعة صفةٌ، أو غير صفةٍ وليس علمًا ولو كانت علمًا؛ لامتنع صرفها، وهي بفتح الميم وضمِّها وإسكانها، فالمتحرِّك بمعنى الفاعل كضُحَكة بمعنى: ضاحكٍ، والمُسكَّن بمعنى المفعول كضُحْكةٍ، أي: مضحوكٍ عليه، وهذه قاعدةٌ كُلِّيَّةٌ، فالمعنى إمَّا
стр. 582
جامعٌ للنَّاس أو مجموعٌ له، وإنَّما لم يقل عمرُ ﵁: جعلناه عيدًا ليطابق جوابه السُّؤال؛ لأنَّه ثبت في الصَّحيح أنَّ النُّزول كان بعد العصر، ولا يتحقَّق العيد إلَّا من أوَّل النَّهار، وقد قالوا: إنَّ رؤية الهلال بعد الزَّوال للقابلة، ولا ريب أنَّ اليوم التَّالي ليوم عرفة عيدٌ للمسلمين، فكأنَّه قال: جعلناه عيدًا بعد إدراكنا استحقاق ذلك اليوم للتَّعبُّد فيه (١)، وقال الحافظ ابن حجرٍ: وعندي أنَّ هذه الرِّواية اكتفى فيها بالإشارة، وإلَّا فرواية إسحاق عن (٢) قبيصةَ قد نصَّت على المُرَاد، ولفظه: «يوم جمعة ويوم عرفة، وكلاهما -بحمد الله سبحانه- لنا عيدٌ»، وللطَّبرانيِّ: «وهما لنا عيدٌ» فظهر أنَّ الجواب تضمَّن أنَّهم اتَّخذوا ذلك اليوم عيدًا وهو يوم الجمعة، واتَّخذوا يوم عرفة عيدًا لأنَّه ليلة العيد. انتهى. وقال النَّوويُّ: قد اجتمع في ذلك اليوم فضيلتان وشرفان، ومعلومٌ تعظيمنا لكلٍّ منهما، فإذا اجتمعا؛ زاد التعظيم، فقد اتَّخذنا ذلك اليوم عيدًا وعظَّمنا مكانه.
وفي رجال هذا الحديث ثلاثةٌ كوفيُّون، ورواية صحابيٍّ عن صحابيٍّ، والتَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «المغازي» [خ¦٤٤٠٧] و «التَّفسير» [خ¦٤٦٠٦] و «الاعتصام» [خ¦٧٢٦٨]، ومسلمٌ، والتِّرمذيُّ وقال: حسنٌ صحيحٌ، وكذا النَّسائيُّ في «الإيمان» و «الحجِّ».
(٣٤) (بابٌ) بالتَّنوين (الزَّكَاةُ مِنَ الإِسْلَامِ) أي: من شُعَبِهِ، مبتدأٌ وخبرٌ، ويجوز إضافة «الباب»
стр. 583
للاحقه (وَقَوْلُهُ) بالرَّفع والجرِّ على ما لا يخفى، وللأَصيليِّ: « » ولابن عساكر: «سبحانه»: (﴿وَمَا أُمِرُوا﴾) أي: أهل الكتاب في التَّوراة والإنجيل، ولأبي ذَرٍّ: «باب الزَّكاة من الإسلام، وما أُمِروا» (﴿إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ﴾) حالَ كونِهم (﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾) لا يشركون به، فما أُرِيدَ به وجه الله فقط إخلاصٌ، ما لم يَشُبْهُ رُكونٌ أو حظٌّ كطُهْرِه لله تعالى مع نيَّة تَبَرُّدٍ، وصومه لله تعالى بنيَّة الحِمْيةِ ونحوها، أو يعتكف لله بمسجدٍ ويدفع مؤنة مسكنه، وهذه النِّيَّة لا تحبطه (١) لصحَّة حجِّه لله تعالى مع نيَّة تجارةٍ إجماعًا، فإلاخلاص ما صفا عن الكدر، وخَلُصَ من الشَّوائب، والرِّياء آفةٌ عظيمةٌ تقلب الطَّاعة معصيةً، فالإخلاص رأس جميع العبادات (﴿حُنَفَاء﴾) مائلين عن العقائد الزَّائغة (﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾) التي هي عماد الدِّين، وهو من باب عطف الخاصِّ على العامِّ (﴿وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾) ولكنَّهم حرَّفوا وبدَّلوا (﴿وَذَلِكَ﴾) المذكور من هذه الأشياء هو: (﴿دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]) أي: دين الملَّة القيِّمة، أي: المُستقيمة، وسقط عند الأَصيليِّ «﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾»، وفي رواية أبي الوقت من قوله: «﴿حُنَفَاء﴾ … إلى آخر الآية»، فقال: «﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ الآية».
стр. 584
٤٦ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أُويسٍ الأصبحيُّ المدنيُّ، المُتوفَّى سنة ستٍّ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) الإمام، وسقط عند الأَصيليِّ وابن عساكر قوله «ابن أنسٍ» (عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ) واسمُ أبي سُهيلٍ: نافعٌ المدني (عَنْ أَبِيهِ) مالك بن أبي عامرٍ (أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ) بن عثمان القرشيَّ التَّيميَّ، أحد العشرة المُبشَّرة بالجنَّة، المقتول يومَ الجمل لعشرٍ خَلَوْنَ من جمادى الأولى سنة ستٍّ وثلاثين، ودُفِنَ بالبصرة، وله في «البخاريِّ» أربعةُ أحاديثَ (يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ) هو ضِمام بن ثعلبة أو غيره (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ) بفتح النُّون وسكون الجيم، وهو -كما في «العباب» وغيره- ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق، وفي رواية أبي ذَرٍّ: «جاء رجلٌ من أهل نجدٍ إلى رسول الله ﷺ » (ثَائِرُ) بالمُثلَّثة، أي: متفرِّق شعر (الرَّأْسِ) من عدم الرَّفاهيَة، فحُذِف المضافُ للقرينة العقليَّة، أو أُطلِقَ اسم الرَّأس على الشَّعر لأنَّه نبت منه، كما يُطلَق اسم السَّماء على المطر، أو مبالغةً بجعل الرَّأس كأنَّها المُنْتَفشة، و «ثائرُ»: بالرَّفع صفةٌ لـ «رجل»، أو بالنَّصب على الحال، ولا يضرُّ إضافتها لأنَّها لفظيَّةٌ (نسْمَعُ) بنون الجمع (دَوِيَّ صَوْتِهِ) -بفتح الدَّال
стр. 585
وكسر الواو وتشديد الياء- منصوبٌ مفعولًا به (وَلَا نفْقَهُ) بنون الجمع كذلك (مَا يَقُولُ) أي: الذي يقوله، في محلِّ نصبٍ على المفعوليَّة، وفي رواية ابن عساكر: «يُسمَع» «ولا يُفقَه» بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة فيهما مبنيًّا لِمَا لم يُسمَّ فاعله، و «دويُّ» و «ما يقول» نائبان عنه، والدَّويُّ: شدَّة الصَّوت وبُعْدُه في الهواء، فلا يُفهَمُ منه شيءٌ (حَتَّى دَنَا) أي: إلى أن قَرُبَ فهمناه (فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَامِ) أي: عن أركانه وشرائعه بعد التَّوحيد والتَّصديق، أو عن حقيقته، واستُبعِد هذا؛ من حيث إنَّ الجواب يكون غير مطابقٍ للسُّؤال، وهو قوله: (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬): هو (خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ) أو خذ خمسَ صلواتٍ، ويجوز الجرُّ بدلًا من «الإسلام»، فظهر أنَّ السُّؤال وقع عن أركان الإسلام وشرائعه، ووقع الجواب مطابقًا له، ويؤيِّده ما في رواية إسماعيل بن جعفرٍ عند المؤلِّف في «الصِّيام» [خ¦١٨٩١] أنَّه قال: أخبرني ماذا (١) فرض الله عليَّ من الصَّلاة؟ وليست (٢) الصَّلوات الخمس عين الإسلام، ففيه حذفٌ تقديره: إقامةُ خَمسِ صلواتٍ في اليوم واللَّيلة، وإنَّما لم يذكر له الشَّهادة لأنَّه عَلِم أنَّه يعلمها، أو عَلِم أنَّه إنَّما يسأل عن الشَّرائع الفعليَّة، أو ذكرها فلم ينقلها الرَّاوي لشهرتها (فَقَالَ) الرَّجل المذكور، ولابن عساكر: «قال»: (هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟) بالرَّفع مبتدأٌ مُؤخَّرٌ، خبره «عليَّ» (قَالَ) ﷺ : (لَا) شيءَ عليك غيرُها، وهو حجَّةٌ على الحنفيَّة حيث أوجبوا الوترَ، وعلى الإصطخريِّ من الشَّافعيَّة
стр. 586
حيث قال: إنَّ صلاة العيدين فرضُ كفاية (إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ) استثناءٌ من قوله: «لا» منقطعٌ، أي: لكنَّ التطوَّعَ مُستحَبٌّ لك، وعلى هذا لا تلزم النَّوافل بالشُّروع فيها، لكن يُستحَبُّ إتمامها ولا يجب، وقد روى النَّسائيُّ وغيره: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان أحيانًا ينوي صَوم التَّطوُّع ثمَّ يفطر، وفي «البخاريِّ»: «أنَّه أمر جويرية بنت الحارث أن تفطر يوم الجمعة بعد أن شرعت فيه» [خ¦١٩٨٦] فدلَّ على أنَّ الشُّروع في النَّفل لا يستلزم الإتمام، فهذا النَّصُّ في الصَّوم، والباقي (١) بالقياس، ولا يرد الحجُّ؛ لأنَّه امتاز عن غيره بالمضيِّ في فاسده، فكيف في صحيحه؟ أو الاستثناء متَّصلٌ على الأصل، واستُدلَّ به على أنَّ الشُّروع في التَّطوُّع يلزم إتمامه، وقرَّره القرطبيُّ من المالكيَّة: بأنَّه نفيُ وجوب شيءٍ آخرَ، أي: إلَّا ما تُطوَّع به، والاستثناء من النَّفيِ إثباتٌ، ولا قائلَ بوجوب التَّطوُّع، فتعيَّن أن يكون المُرَاد: إلَّا أن تَشرع في تَطوُّعٍ، فيلزمك إتمامه، وفي «مُسنَد أحمد» من حديث عائشة ﵂ قالت: أصبحت أنا وحفصةُ صائمتين، فأُهدِيتْ لنا شاةٌ فأكلْنا، فدخل علينا النبي ﷺ ، فأخبرناه، فقال: «صُوما يومًا مكانه» والأمر للوجوب، فدلَّ على أنَّ الشُّروع مُلزِمٌ (قَالَ): وفي رواية أبي الوقت والأَصيليِّ: «فقال» (رَسُولُ اللهِ ﷺ : وَصِيَامُ) بالرَّفع (٢) عطفًا على «خمس صلوات»، وفي رواية أبي ذَرٍّ: «وصوم» (رَمَضَانَ. قَالَ) الرَّجل: (هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ) ﷺ : (لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ) فلا يلزمك إتمامه إذا شرعت فيه، أو إلَّا إذا تطوَّعت فالتَّطوُّع يلزمك إتمامه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وفي استدلال الحنفيَّة نظرٌ، لأنَّهم لا يقولون بفرضيَّة الإتمام، بل بوجوبه واستثناء الواجب من الفرض منقطعٌ لتباينهما، وأيضًا فإنَّ الاستثناء عندهم
стр. 587
من النَّفيِ ليس للإثبات، بل مسكوتٌ عنه كما قاله في «الفتح» (قَالَ) الرَّاوي طلحةُ بن عبيد الله: (وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ الزَّكَاةَ، قَالَ) وفي رواية الأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: «فقال» الرَّجل المذكور: (هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ) ﷺ : (لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ، قَالَ) الراوي: (فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ) من الإدبار، أي: تَوَلَّى (وَهُوَ يَقُولُ) أي: والحالُ أنَّه يقول: (وَاللهِ لَا أَزِيدُ) في التَّصديق والقَبول (عَلَى هَذَا، وَلَا أَنْقُصُ) منه شيئًا، أي: قبلت كلامك قبولًا لا مَزِيدَ عليه من جهة السُّؤال، ولا نقصانَ فيه من طريق القبول، أو لا أَزِيدُ على ما سَمعتُ، ولا أنقصُ منه عند الإبلاغ؛ لأنَّه كان وافدَ قومه ليتعلَّم ويُعلِّمهم، لكن يُعكِّر عليهما رواية إسماعيل بن جعفر حيث قال: لا أتطوَّع شيئًا، ولا أنقص ممَّا فرض الله عليَّ شيئًا [خ¦١٨٩١] أو المُرَاد: لا أغيِّر صفة الفرض؛ كمن ينقص الظُّهر مثلًا ركعةً، أو يزيدُ المغربَ (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَفْلَحَ) الرَّجل، أي: فاز (إِنْ صَدَقَ) في كلامه، واستُشكِل كَونه أثبت له الفلاح بمُجرَّد ما ذكر، وهو لم يذكر له جميع الواجبات ولا المنهيَّات ولا المندوبات، وأُجِيب: بأنَّه داخلٌ في عموم قوله في حديث إسماعيل بن جعفرٍ المرويِّ عند المؤلِّف في «الصِّيام» [خ¦١٨٩١] بلفظ: فأخبره رسول الله ﷺ بشرائع الإسلام، فإن قلت: أمَّا فلاحه بأنَّه لا ينقص فواضحٌ، وأمَّا بألَّا يزيد فكيف يصحُّ؟
стр. 588
أجاب النَّوويُّ: بأنَّه أثبتَ له الفلاحَ لأنَّه أتى بما عليه، وليس فيه أنَّه إذا أتى بزائدٍ على ذلك لا يكون مفلحًا؛ لأنَّه إذا أفلح بالواجب ففلاحه بالمندوب مع الواجب أَوْلى.
وفي هذا الحديث: أنَّ السَّفر والارتحال لتعلُّم العلم مشروعٌ، وجواز الحلف من غير استحلافٍ ولا ضرورةٍ، ورجاله كلُّهم مدنيُّون، وتسلسلٌ بالأقارب؛ لأنَّ إسماعيل يرويه (١) عن خاله عن عمِّه عن أبيه، وأخرجه أيضًا في «الصَّوم» [خ¦١٨٩١] وفي «ترك الحيل» [خ¦٦٩٥٦]، وأخرجه مسلمٌ في «الإيمان»، وأبو داودَ في «الصَّلاة»، والنَّسائيُّ فيها وفي «الصَّوم».
(٣٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (اتِّبَاعُ الجَنَائِزِ مِنَ الإِيمَانِ) أي: شعبةٌ من شُعَبِهِ، و «اتِّباع» بتشديد التَّاء المكسورة، و «الجَنائز» جمع جَِنازةٍ؛ بفتح الجيم وكسرها: المَيت، أو بالفتح: للميت، وبالكسر: للنَّعش، أو عكسه، أو بالكسر: النَّعش وعليه الميت.
٤٧ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَلِيٍّ المَنْجُوفِيُّ) نسبةً إلى جدِّ أبيه مَنْجُوفٍ؛ بفتح الميم وسكون النُّون وضمِّ الجيم وفي آخره فاءٌ؛ ومعناه: الموسع، المُتوفَّى سنة اثنتين وخمسين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ) بفتح الرَّاء وبالحاء المُهمَلَتين، ابن عبادة بن العلاء البصريُّ، المُتوفَّى سنة خمسٍ ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ) بالفاء؛ ابن أبي جميلةَ
стр. 589
بَنْدُوْيه؛ بفتح المُوحَّدة وبالنُّون السَّاكنة والدَّال المُهمَلة المضمومة والواو السَّاكنة والمُثنَّاة التَّحتيِّة، العبديُّ الهجريُّ البصريُّ، المُتوفَّى سنة ستٍّ أو سبعٍ وأربعين ومئةٍ، ونُسِبَ إلى التَّشيُّع (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ (وَمُحَمَّدٍ) بالجرِّ عطفًا على «الحسن»، وللأَصيِليِّ: «ومحمَّدٌ» بالرَّفع؛ هو ابن سيرين، أبو بكرٍ الأنصاريُّ مولاهم البصريُّ، التَّابعيُّ الجليل، المُتوفَّى سنة عشرٍ ومئةٍ بعد الحسن بمئةٍ وعشرين يومًا، كلاهما (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ والجمهور على أنَّ الحسن لم يسمع من أبي هريرة (١) (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: مَنِ اتَّبَعَ) بتشديد المُثنَّاة الفوقيَّة، وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: «تبِع» بغير ألفٍ وكسر المُوحَّدة (جَنَازَةَ مُسْلِمٍ) حال كون ذلك (إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا) أي: مؤمنا محتسبًا، لا مكافأةً ومخافةً (وَكَانَ مَعَهُ) أي: مع المسلم، وفي رواية أبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «معها» أي: الجنازة (حَتَّى يُصَلَّى) بفتح اللَّام في «اليونينيَّة» فقط، وفي «هامشها» (٢) بكسرها (عَلَيْهَا وَيَُفْرَُغَ مِنْ دَفْنِهَا) بالبناء للفاعل في الفعلين، أو بالبناء للمفعول، والجارُّ والمجرور فيهما هو النَّائب عن الفاعل، وللأَصيليِّ: «يصلِّ» بحذف الياء وكسر اللَّام (فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ) مُثنَّى قيراطٍ؛ وهو اسمٌ لمقدارٍ من الثَّواب يقع على القليل والكثير، بيَّنه بقوله: (كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ) جبل (أُحُدٍ) بضمَّتين بالمدينة، سُمِّي به لتوحُّده وانقطاعه عن جبالٍ أخرى هناك، فحصول القيراطين مُقيَّدٌ بالصَّلاة والاتِّباع في جميع الطَّريق مع الدَّفن؛ وهو: تسوية القبر بالتَّمام، أو نصب اللَّبِنِ عليه، والأوَّل أصحُّ عندنا، ويحتمل حصول القيراط بكلٍّ منهما، لكن بتفاوت (٣) القيراط، ولا يُقَال: يحصل القيراطان بالدَّفن من غير صلاةٍ؛ عملًا بظاهر رواية فتح لام «يُصلَّى (٤)» لأنَّ المُرَاد فِعلُهما معًا؛ جمعًا بين الرِّوايتين
стр. 590
وحملًا للمُطلَق على المُقيَّد (وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ) بنصب «قبلَ» على الظَّرفيَّة، و «أن»: مصدريَّةٌ، أي: قبل الدَّفن (فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ) من الأجر، فلو صلَّى وذهب إلى القبر وحده ثمَّ حضر الدَّفن لم يحصل له القيراط الثَّاني، كذا قاله النَّوويُّ، وليس في الحديث ما يقتضي ذلك إلَّا بطريق المفهوم، فإن ورد منطوقٌ بحصول القيراط بشهود الدَّفن وحده كان مُقدَّمًا، ويُجمَع حينئذٍ بتفاوت القيراط، ولو صلَّى ولم يُشيِّع رجع بالقيراط؛ لأنَّ كلَّ ما قبل الصَّلاة وسيلةٌ إليها، لكن يكون قِيراطُ مَنْ صلَّى دونَ قِيراطِ مَنْ شيَّع مثلًا وصلَّى، وفي «مسلمٍ»: «أصغرهما (١) مثل أُحُدٍ»، وهو يدلُّ على أنَّ القراريط تتفاوت، وفي رواية مسلمٍ أيضًا: «من صلَّى على جنازةٍ ولم يتَّبعها فله قيراطٌ»، لكن يحتمل أن يكون المُرَاد بـ «الاتِّباع» هنا ما بعد الصَّلاة، ولو تبعها ولم يصلِّ ولم يحضر الدَّفن فلا شيءَ له، بل حُكِيَ عن أَشْهَبَ كراهتُه، وسيأتي مزيدٌ لذلك إن شاء الله تعالى في «كتاب الجنائز» [خ¦١٣٢٣] بحول الله وقوَّته.
وفي الحديث: الحثُّ على صلاة الجنازة واتِّباعها، وحضور الدَّفن، والاجتماع لها، ورجاله كلُّهم بصريُّون غير أبي هريرة، واشتمل على التَّحديث والعنعنة، وأخرجه النَّسائيُّ في «الإيمان» و «الجنائز».
(تَابَعَهُ) أي: تابع روحًا في الرِّواية عن عوفٍ (عُثْمَانُ) بن الهيثم بن جَهْمٍ البصريُّ (المُؤَذِّنُ) بجامعها، المُتوفَّى لإحدى عَشْرَةَ ليلةً خلت من رجب سنة عشرين ومئتين، وفي رواية ابن عساكر: «قال أبو عبد الله -أي: البخاريُّ-: تابعه عثمان المؤذِّن» (قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ) الأعرابيُّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) بن سيرين، ولم يروه عن الحسن (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ) بالنَّصب، أي: بمعنى ما سبق لا بلفظه، وهذه المُتابَعة وصلها أبو نعيمٍ في «مُستخرَجه».
стр. 591
(٣٦) هذا (بابُ خَوْفِ المُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ) على صيغة المعلوم من «باب عَلِم يعلَم» (عَمَلُهُ) أي: من حَبْطِ عمله وهو ثوابه الموعود به (وَهُوَ لَا يَشْعُرُ) به، جملةٌ اسميَّةٌ وقعت حالًا، لا يُقَال: إنَّ ما قاله المؤلِّف يقوِّي مذهب الإحباطيَّة؛ لأنَّ مذهبهم إحباط الأعمال بالسَّيِّئات وإذهابها جملةً، فحكموا على العاصي بحكم الكافر؛ لأنَّ مُرَاد المؤلِّف إحباطُ ثواب ذلك العمل فقط لأنَّه لا يُثَاب إلَّا على ما أخلص فيه، وقال النَّوويُّ: المُرَاد بـ «الحبط»: نقصانُ الإيمان، وإبطال بعض العبادات لا الكفر. انتهى. ولفظة: «مِنْ» ساقطةٌ في رواية ابن عساكر، وهي مقدَّرةٌ عند سقوطها لأنَّ المعنى عليها، وهذا الباب وضعه المؤلِّف ردًّا على المرجئة القائلين: بأنَّ الإيمان هو التَّصديق بالقلب فقط، المُطلقين الإيمان الكامل مع وجود المعصية.
(وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن شريكٍ (التَّيْمِيُّ) تيم الرِّباب؛ بكسر الراء، الكوفيُّ، المُتوفَّى سنة اثنتين وتسعين: (مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلَّا خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذَّبًا) بفتح المُعجَمة، أي: يكذِّبني مَنْ رأى عملي مخالفًا لقولي، وإنَّما قال ذلك لأنَّه كان يَعِظُ، وفي روايةٍ للأربعة: «مكذِّبًا» بكسر الذَّال، وهي رواية الأكثر كما قاله الحافظ ابن حجرٍ؛ ومعناه: أنَّه مع وعظه للنَّاس لم يبلغ غاية العمل، وقد ذمَّ الله تعالى مَنْ أمر بالمعروف ونهى عن المُنْكر وقصَّر في العمل، فقال: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣]. وقال البيضاويُّ في آية ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ [البقرة: ٤٤]: إنَّها ناعيةٌ على من يَعِظُ غيرَه ولا يَعِظُ نفسَه سوءَ صنيعِه
стр. 592
وخُبْثَ نفسِه، وأنَّ فعلَه فعلُ الجاهل بالشَّرع، أو الأحمق الخالي عن العقل، فإنَّ الجامع بينهما تأبى عنه شَكِيمته، والمُرَاد بها: حثُّ الواعظ على تزكية النَّفس، والإقبال عليها بالتَّكميل، لِيقومَ فيقيمَ غيره (١)، لا منع الفاسق من الوعظ، فإنَّ الإخلال بأحد الأمرين المأمور بهما لا يوجب الإخلال بالآخر. انتهى.
وهذا التَّعليق المذكور وصله المصنِّف في «تاريخه» عن أبي نعيمٍ، وأحمدُ ابن حنبل في «الزُّهد» عن ابن مهديٍّ، كلاهما عن سفيانَ الثَّوريِّ، عن أبي حيَّان التَّيميِّ، عن إبراهيم المذكور.
(وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) بضمِّ الميم، عَبد الله -بفتح العين- ابن عُبيد الله -بضمِّها- القرشيُّ التَّيميُّ المكيُّ الأحول المؤذِّن القاضي لابن الزُّبير، المُتوفَّى سنة سَبْعَ عشْرةَ ومئةٍ: (أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ) وفي نسخةٍ: «رسول الله» (¬ ﷺ ¬) أجلُّهم عائشة، وأختها أسماء، وأمُّ سلمة، والعبادلة الأربعة، وعقبة بن الحارث، والمِسْوَرُ بن مَخْرَمة (كُلُّهُمْ يَخَافُ) أي: يخشى (النِّفَاقَ) في الأعمال (عَلَى نَفْسِهِ) لأنَّه قد يعرض للمؤمن في عمله ما يشوبه ممَّا يخالف الإخلاص، ولا يلزم من خوفهم ذلك وقوعه منهم، وإنَّما ذلك على سبيل المُبالغَة منهم في الورع والتَّقوى، رضي الله عنَّا بهم، أو قالوا ذلك لكون أعمارهم طالت حتَّى رأَوْا مِنَ التَّغيير ما لم يعهدوه مع عجزهم عن إنكاره، فخافوا أن يكونوا داهنوا بالسُّكوت (مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ:
стр. 593
إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ) عليهما الصلاة والسلام، أي: لا يجزم أحدٌ منهم بعدم عروض ما يخالف الإخلاص، كما يجزم بذلك في إيمان جبريل وميكائيل؛ لأنَّهما معصومان لا يطرأ عليهما ما يطرأ على غيرهما من البشر، وقد روى معنى هذا الأثرِ الطَّبرانيُّ في «الأوسط» مرفوعًا من حديث عائشة بإسنادٍ ضعيفٍ، وفي هذا الأثر إشارةٌ إلى أنَّهم كانوا يقولون بزيادة الإيمان ونقصانه (وَيُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ ﵀ ممَّا وصله جعفر الفريابيُّ في «كتاب صفة المنافق» له من طرقٍ: (مَا خَافَهُ) أي: النِّفاق، وفي نسخةٍ: «عن الحسن أنَّه قال: ما خافه» وفي روايةٍ: «وما خافه» (إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا أَمِنَهُ) بفتح الهمزة وكسر الميم (إِلَّا مُنَافِقٌ) جعل النَّوويُّ الضَّميرَ في «خافه» و «أمنه» لله تعالى، وتبعه جماعةٌ على ذلك، لكنَّ سياق الحسن البصريِّ المرويَّ عند الفريابيِّ حيث قال: حدَّثنا قتيبة: حدَّثنا جعفر بن سليمان عن المعلَّى بن زيادٍ: سمعت الحسن يحلف في هذا المسجد بالله الذي لا إله إلَّا هو: ما مضى مُؤمن قطُّ ولا (١) بقي إلَّا وهو من النفاق مُشفِقٌ، ولا مضى منافقٌ قطُّ ولا بقي إلَّا وهو من النِّفاق آمنٌ، وهو عند أحمد بلفظ: والله ما مضى مؤمنٌ ولا بقي إلَّا وهو يخاف النِّفاق، ولا أمنه إلَّا منافقٌ. يُعيِّن إرادة المؤلف الأوَّل، وأتى بـ «يُذكر» الدالة على التمريض مع صحَّة هذا الأثر؛ لأنَّ عادته الإتيان بنحو ذلك فيما يختصره من المتون أو يسوقه بالمعنى، لا أنَّه ضعيفٌ.
ثم عطف المؤلِّف على خوف المؤمن قوله: (وَمَا يُحْذَرُ) بضم أوله وفتح ثالثه المعجم مع التخفيف. وقال الحافظ ابن حجر: بتشديده، أي: وباب ما يُحذَّر (مِنَ الإِصْرَارِ عَلَى التَّقَاتُلِ وَالعِصْيَانِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ) وفي رواية أبوي ذر والوقت: «على النِّفاق» بدل «التَّقاتل»، والأولى هي المناسبة لحديث الباب؛ حيث قال فيه -كما سيأتي إن شاء الله تعالى-: «وقتاله كفرٌ» [خ¦٤٨]
стр. 594
وهي رواية أبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر، ومعنى الثانية -كما في «الفتح» - صحيحٌ وإن لم تثبت به الرواية. انتهى. نعم؛ ثبتت به الرواية عن أبي ذرٍّ ونسخة السُّمَيْسَاطيِّ، كما رقم له بفرع «اليونينيَّة» كما ترى، و «ما»: مصدريَّةٌ، وما بين التَّرجمتين من الآثار اعتراضٌ بين المعطوف والمعطوف عليه، وفصل بها بينهما لتعلقها بالأولى فقط. وأما الحديثان الآتيان -إن شاء الله تعالى- فالأوَّل منهما للثَّانية، والثاني للأولى، فهو لفٌّ ونشرٌ غير مرتَّبٍ، ومراد المؤلِّف الردُّ على المرجئة أيضًا؛ حيث قالوا: لا حذر من المعاصي مع حصول الإيمان، ومفهوم الآية التي ذكرها المؤلف يردُّ عليهم؛ حيث قال: (لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) ولأبي ذر: « » بدل قوله: «تعالى»، وفي رواية الأَصيليِّ: «لقوله »: (﴿وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ﴾) ولم يقيموا على ذنوبهم غير مستغفرين؛ لقوله ﷺ فيما رواه التِّرمذيُّ من حديث أبي بكر الصِّدِّيق ﵁: «ما أصرَّ مَنِ استغفرَ، وإن عاد في اليوم سبعين مرَّةً» (﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]) حالٌ من ﴿يُصِرُّواْ﴾ أي: ولم يُصِرُّوا على قبيح فِعلِهم عالمين به، وروى أحمد من حديث ابن عمر مرفوعًا: «ويلٌ للمُصِرِّين الذين يُصِرُّون على ما فعلوا وهم يعلمون» أي: يعلمون أنَّ مَنْ تَابَ تَابَ الله عليه، ثمَّ لا يستغفرون، قاله مجاهدٌ وغيره.
٤٨ - وبالسَّند السَّابق إلى المصنِّف قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ) بالعينين والرَّاءين المُهمَلات، غير منصرفٍ للعلميَّة والتَّأنيث، ابن البِرِنْد؛ بكسر المُوحَّدة والرَّاء، أو بفتحهما وبسكون النُّون، البصريُّ، المُتوفَّى سنة ثلاث عشْرةَ ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ زُبَيْدٍ) بضمِّ الزَّاي وفتح المُوحَّدة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخرُه دالٌ مُهملَةٌ، ابن الحارث
стр. 595
بن عبد الكريم اليامِيِّ -بالمُثناَّة التَّحتيَّة وميمٍ خفيفةٍ مكسورة- الكوفيِّ، المُتوفَّى سنة اثنتين وعشرين ومئةٍ (قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ) بالهمز بعد الألف، شقيقَ بن سلمة الأسديَّ، أسد خزيمة، الكوفيَّ التَّابعيَّ، المُتوفَّى سنة تسعٍ وتسعين أو سنة اثنتين وثمانين (عَنِ) المقالة المنسوبة للطَّائفة (المُرْجِئَةِ) بضمِّ الميم وكسر الجيم ثمَّ همزةٍ؛ نسبةً إلى الإرجاء، أي: التَّأخير؛ لأنَّهم أخَّروا الأعمال عن الإيمان حيث زعموا أنَّ مرتكب الكبيرة غير فاسقٍ، هل هم مصيبون فيها أو مخطئون؟ (فَقَالَ) أبو وائلٍ في جوابه لزُبَيْدٍ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁ (أَنَّ) أي: بأنَّ (النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: سِبَابُ) بكسر السِّين المُهمَلَة وتخفيف المُوحَّدة، مصدرٌ مُضَافٌ للمفعول، أي: شتم (المُسْلِمِ) والتَّكلُّم في عِرْضه بما يعيبه ويؤلمه (فُسُوقٌ) أي: فجورٌ وخروجٌ عن الحقِّ، ويُحتمل أن يكون على بابه من «المُفاعَلَة» أي: تشاتمهما فسوقٌ (وَقِتَالُهُ) أي: مقاتلته (كُفْرٌ) أي: فكيف يُحكَم بتصويب قولهم: إنَّ مرتكبَ الكبيرة غيرُ فاسقٍ، مع حكم النبيِّ ﷺ على من سبَّ المسلم بالفسق، ومن قاتله بالكفر؟ وقد عُلِمَ بهذا خطؤهم، ومُطابقة جواب أبي وائلٍ لسؤال زُبَيْدٍ عنهم، وليس المُرَاد بالكفر هنا حقيقته التي هي: الخروج عن الملَّة، وإنَّما أطلق عليه الكفر مُبالَغَةً في التحذير، معتمدًا على ما تقرَّر من القواعد على عدم كفره بمثل ذلك، أو أطلقه عليه لشبهه به؛ لأنَّ قتال المسلم من شأن الكافر، أو المُرَاد: الكفر اللُّغويُّ؛ وهو: السَّتر؛ لأنَّه بقتاله له سَتَرَ ما له عليه من حقِّ الإعانة والنُّصرة وكفِّ الأذى.
стр. 596
وفي هذا الحديث: تعظيمُ حقِّ المسلم، والحكم على من سبَّه بالفسق، ورجاله كلُّهم أئمَّةٌ أَجِلَّاء، ما بين بصريٍّ وواسطيٍّ وكوفيٍّ، مع التَّحديث إفرادًا وجمعًا، والعنعنة، وأخرجه أيضًا في «الأدب» [خ¦٦٠٤٤]، ومسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ وقال: حسنٌ صحيحٌ، والنَّسائيُّ في «المُحارَبَة».
٤٩ - وبه قال: (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) السَّابق، وفي رواية الأَصيليِّ بإسقاط: «ابن سعيدٍ» وفي رواية أبي الوقت: «هو ابن سعيدٍ» قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) الأنصاريُّ المدنيُّ (عَنْ حُمَيْدٍ) بضمِّ الحاء، ابن أبي حُمَيْدٍ تِيْر؛ بكسر المُثنَّاة الفوقيَّة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخره راءٌ، أي: السَّهميِّ الخزاعيِّ البصريِّ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ وأربعين ومئةٍ (عَنْ أَنَسٍ) وزاد الأَصيليُّ (١): «ابن مالكٍ» وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: «حدَّثنا أنسٌ» ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «حدَّثني» بالإفراد (٢) «أنسٌ» وبذلك يحصل الأمن من تدليس حُمَيْدٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ) ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ) من الحجرة (يُخْبِرُ) استئنافٌ أو حالٌ مُقدَّرةٌ؛ لأنَّ الخبر بعد الخروج على حدِّ ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] أي: مقدِّرين الخلود (بِلَيْلَةِ القَدْرِ) أي: بتعيينها (فَتَلَاحَى) بفتح الحاء المهملة، مِنَ التَّلاحِي؛ بكسرها، أي: تنازع
стр. 597
(رَجُلَانِ مِنَ المُسْلِمِينَ) وهما -فيما قاله ابن دحية-: عبد الله بن أبي حَدْرد؛ بمُهمَلَةٍ مفتوحةٍ ودالين مُهمَلَتين أولاهما ساكنةٌ وبينهما راءٌ، وكعبُ بن مالكٍ، كان له على عبد الله دَيْنٌ فطلبه، فتنازعا، وارتفع صوتهما في المسجد (فَقَالَ) ﷺ : (إِنِّي خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ) بنصب الرَّاء بـ «أَنِ» المُقدَّرة بعد لام التَّعليل، و «الضَّمير» مفعول «أخبر» الأوَّل، وقوله: (بِلَيْلَةِ القَدْرِ) سدَّ مسدَّ الثَّاني والثَّالث، أي: أخبركم بأنَّ ليلة القدر هي ليلةُ كذا (وَإِنَّهُ تَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ) ابن أبي (١) حدرد وكعب بن مالكٍ في المسجد وشهر رمضان اللَّذين هما محلَّان للذِّكر لا لِلَّغو، مع استلزام ذلك لرفع الصَّوت بحضرة الرَّسول ﵊ المنهيِّ عنه (فَرُفِعَتْ) أي: رُفِعَ بيانُها أو علمها من قلبي؛ بمعنى: نسيتها، ويدلُّ له حديث أبي سعيدٍ المرويِّ في «مسلمٍ»: «فجاء رجلان يحتقَّان -بتشديد القاف، أي: يدَّعي كلٌّ منهما أنَّه مُحِقٌّ- معهما الشَّيطان فنُسِّيتها» (وَعَسَى أَنْ يَكُونَ) رَفْعُها (خَيْرًا لَكُمُ) لتزيدوا في الاجتهاد في طلبها، فتكون زيادةً في ثوابكم، ولو كانت مُعيَّنةً لاقتصرتم عليها فَقَلَّ عملكم، وشَذَّ قومٌ فقالوا برفعها وهو غلطٌ كما بيَّنه قوله: (التَمِسُوهَا) أي: اطلبوها؛ إذ لو كان المُرَاد رفع وجودها لم يأمرهم بالتماسها، وفي رواية أبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «فالتمسوها» (فِي) ليلة (السَّبْعِ) -بالمُوحَّدة- والعشرين من رمضان المذكور (وَالتِّسْعِ) والعشرين منه (وَالخَمْسِ) والعشرين منه، كما استُفِيد التَّقدير من رواياتٍ أُخَرَ، وفي روايةٍ: بتقديم التِّسع -بالمُثنَّاة- على السَّبع -بالمُوحَّدة- فإن قلت: كيف أمر بطلب ما رُفِعَ علمه؟ أُجِيب: بأنَّ المُرَادَ طلبُ التَّعبُّد في مظانِّها، وربَّما يقع العمل مُضَافًا (٢) لها، لا أنَّه أمر بطلب العلم بعينه.
وفي الحديث: ذمُّ المُلاحَاة والخصومة، وأنَّهما سبب العقوبة للعامَّة بذنب الخاصَّة، والحثُّ على طلب ليلة القدر، ورواتُهُ ما بين بَلخِيٍّ وبَصرِيٍّ ومدنِيٍّ، ورواية صحابيٍّ عن صحابيٍّ، والتَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه أيضًا في «الصَّوم» [خ¦٢٠٢٣] وفي «الأدب» [خ¦٦٠٤٩]، وكذا النَّسائيُّ.
стр. 598
(٣٧) هذا (بابُ) بغير تنوينٍ؛ لإضافته إلى قوله (١): (سُؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الإِيمَانِ، وَالإِسْلَامِ، وَالإِحْسَانِ) بإضافة «سؤالِ» لـ «جبريل» من إضافة المصدر للفاعل، و «النَّبيَّ»: نصب معمول المصدر (وَ) عن (عِلْمِ) وقت (السَّاعَةِ) قُدِّر بالوقت لأنَّ السُّؤال لم يقع عن نفس السَّاعة، وإنَّما هو عن وقتها؛ بقرينة ذكر: متى السَّاعة (٢)؟ (وَبَيَانِ) -بالجرِّ- عطفًا على سؤالِ جبريلَ (النَّبِيِّ ﷺ لَهُ) أكثرَ المسؤولِ عنه لأنَّه لم يبيِّن وقت الساعة؛ إذ حكم مُعظَمِ الشَّيءِ حكمُ كلِّه، أو أنَّ قوله عنِ السَّاعة: «لا يعلمها إلَّا الله» بيانٌ له (ثُمَّ قَالَ) ﷺ ، وعطف الجملة الفعليَّة على الاسميَّة لأنَّ الأسلوب يتغيَّر بتغيُّر المقصود؛ لأنَّ مقصوده من الكلامِ الأوَّلِ: التَّرجمة، ومن الثَّاني: كيفيَّة الاستدلال، فَلِتغايرهما تَغَايَرَ الأسلوبان (جَاءَ جِبْرِيلُ ﵇ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ، فَجَعَلَ) ﷺ (ذَلِكَ كُلَّهُ دِينًا) يدخل فيه اعتقاد وجود السَّاعة، وعدم العلم بوقتها لغير الله تعالى لأنَّهما من الدِّين (وَمَا بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ لِوَفْدِ عَبْدِ القَيْسِ مِنَ الإِيمَانِ) أي: مع ما بيَّن للوفد أنَّ الإيمان هو الإسلام؛ حيث فسَّره في قصَّتهم بما فسَّر به الإسلام (وَقَوْلِهِ تَعَالَى) وفي رواية أبي ذَرٍّ: «وقول الله تعالى» وفي رواية الأَصيليِّ: « »: (﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]) أي: ومع ما دلَّت عليه هذه الآية أنَّ الإسلام هو الدِّين؛ إذ لو كان غيره لم يُقبَل، فاقتضى ذلك أنَّ الإيمانَ والإسلامَ شيءٌ واحدٌ، ويؤيِّده ما نقل أبو عوانة في «صحيحه» عن المزنيِّ من (٣) الجزم بأنَّهما عبارةٌ عن معنًى واحدٍ، وأنَّه سمع ذلك من الشَّافعيِّ، وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى قريبًا.
стр. 599
٥٠ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سهمٍ، وأمُّه عُلَيَّة؛ بضمِّ العين المُهمَلَة وفتح اللَّام وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ) -بفتح الحاء المُهمَلَة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة- يحيى بن سعيد بن حيَّان (١) (التَّيْمِيُّ) نسبةً إلى تيم الرِّباب الكوفيُّ (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) هرم بن عمرو بن جرير البجليِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ) وفي روايةٍ: «رسول الله» (¬ ﷺ بَارِزًا) أي: ظاهرًا (يَوْمًا لِلنَّاسِ) غير محتجبٍ عنهم، و «يومًا» نُصِبَ على الظَّرفيَّة (فَأَتَاهُ رَجُلٌ) أي: مَلَكٌ في صورة رجلٍ، وهي (٢) رواية الأربعة، وفي روايةٍ في أصل متن فرع «اليونينيَّة» كهي، «جبريل» (فَقَالَ) بعد أن سَلَّم: يا محمَّد، كما في «مسلمٍ»، وإنَّما ناداه باسمه كما يناديه الأعراب تعميةً بحاله، أو لأنَّ له دالَّة المعلِّم: (مَا الإِيمَانُ؟) أي: ما مُتعلَّقاتُه؟ (قَالَ) ﷺ : (الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ) أي: تصدِّق بوجوده، وبصفاته الواجبة له تعالى، وقد وقع
стр. 600
السُّؤال بـ «ما» ولا يُسأَل بها إلَّا عنِ الماهيَّة، لكنَّ الظَّاهر أنَّه ﵊ علم أنَّه سأله عن متعلَّقات الإيمان لا عن حقيقته، وإِلَّا فكان الجواب: الإيمانُ: التَّصديقُ، وإنَّما فسَّر الإيمان بذلك؛ لأنَّ المُرَاد من المحدود الإيمان الشَّرعيُّ، ومن الحدِّ اللُّغويُّ، حتَّى لا يلزم تفسير الشَّيء بنفسه، وحَمَلَهُ الأُبِّيُّ على الحقيقة، معلِّلًا بأنَّ السُّؤال بـ «ما» بحسب الخصوصيَّة إنَّما يكون عن الحقيقة لا عن الحكم، وعلى هذا فقوله: «أن تؤمن … » إلى آخره؛ من حيث إنه جواب السُّؤال المذكور يتعيَّن أن يكون حدًّا؛ لأنَّ المقول في جوابه إنَّما هو الحدُّ، فإن قلت: لو كان حدًّا لم يَقُلْ جبريل ﵇ في جوابه: «صدقتَ»، كما في «مسلمٍ» لأنَّ الحدَّ لا يقبل التَّصديق، أُجِيب: بأنَّه إذا قِيلَ في الإنسان: إنَّه حيوانٌ ناطقٌ، وقُصِدَ به التَّعريف؛ فهو لا يقبل التَّصديق كما ذكرت، وإن قُصِدَ به أنَّه الذَّات المحكوم عليها بالحيوانيَّة والنَّاطقيَّة فهو دعوى وخبر (١) فيقبل التَّصديق، فلعلَّ جبريلَ ﵊ راعى هذا المعنى؛ فلذلك قال: «صدقتَ»، أو يكون قوله: «صدقت» تسليمًا، والحدُّ يقبل التَّسليم، ولا يقبل المنع لأنَّ المنع طلب الدَّليل، والدَّليل إنَّما يتوجَّه للخبر، والحدُّ تفسيرٌ لا خبرٌ، قاله أبو عبد الله الأُبِّيُّ (٢)، وأعاد لفظ «الإيمان» للاعتناء بشأنه وتفخيمًا لأمره (وَمَلَائِكَتِهِ) جمع مَلَكٍ، وأصله: مَلْأَكٌ «مَفْعَلٌ» مِنَ: الألوكة؛ بمعنى: الرِّسالة، زِيدَت فيه «التَّاء» لتأكيد معنى الجمع، أو لتأنيث الجمع، وهم