← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

(بِمَا) أي: بالذي (جِئْتَ بِهِ) من الوحيِ، وهذا يحتمل أن يكون إخبارًا، وإليه ذهب المؤلِّف، ورجَّحه القاضي عياضٌ، وأنَّه حضر بعد إسلامه مستثبتًا من الرَّسول ﵊ ما أخبره به رسوله إليهم؛ لأنَّه قال في حديث ثابتٍ عن أنسٍ عند مسلمٍ وغيره: فإنَّ رسولك زعم، وقال في رواية كُريبٍ عن ابن عبَّاسٍ عند الطَّبرانيِّ: أتتنا كتبك وأتتنا رسلك (وَأَنَا رَسُولُ): مبتدأٌ وخبرٌ مضافٌ إلى (١) (مَنْ) بفتح الميم (وَرَائِي مِنْ) بكسرها (قَوْمِي، وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ) بالمُثلَّثة المفتوحة والمُهمَلَة والمُوحَّدة (أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ) بفتح المُوحَّدة، أي: ابن هوازن، وما وقع من السُّؤال والاستفهام على الوجه المذكور فَمِن بقايا جفاء الأعراب الذين وَسِعَهم حلمُه ﵊، وليس في رواية الأَصيليِّ: «وأنا ضِمَامُ … » إلى قوله (٢): «بكرٍ». (رَوَاهُ) أي: الحديث السَّابق، وفي رواية ابن عساكر: «ورواه» (مُوسَى) أي: ابن إسماعيل، كما في رواية ابن عساكر، وهو أبو سلمة (٣) المِنْقَرِيُّ (وَ) رواه أيضًا (عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ) بن مصعبٍ المَعْنِيُّ؛ بفتح الميم، وسكون العين المُهمَلَة، وكسر النُّون؛ بعدها ياءٌ؛ نسبةً إلى مَعْنِ بن مالكٍ، المُتوفَّى سنة اثنتين وعشرين ومئتين، كلاهما (عَنْ سُلَيْمَانَ) زاد في رواية أبي ذَرٍّ: «ابن المغيرة» كما في الفرع كأصله، المُتوفَّى سنة خمسين ومئةٍ، وللأَصيليِّ: «أخبرنا عن (٤) سليمان» (عَنْ ثَابِتٍ) البُنانيِّ؛ بضمِّ الموحَّدة وبالنُّونين؛ نسبةً إلى بُنَانة، بطنٌ من قريشٍ، أو اسم أمِّه: بُنانةُ، واسم أبيه: أَسْلَمُ، العابد البصريّ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ وعشرين ومئةٍ (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا) أي: بمعناه، وسقط لفظ «بهذا» من رواية أبي الوقت وابن عساكر، وفي روايةٍ: «مثله» وحديث موسى بن إسماعيل موصولٌ في «صحيح أبي عوانة»، وحديث عليِّ بن عبد الحميد موصولٌ عند التِّرمذيِّ، وأخرجه عن المؤلِّف.

стр. 667

ولمَّا فرغ المؤلِّف من عرض القراءة شَرَعَ يذكر المُنَاوَلَة، فقال: (٧) (بابُ مَا يُذْكَرُ) بضمِّ الياء وفتح الكاف (فِي المُنَاوَلَةِ) المقرونة بالإجازة؛ وهي أن يعطيَ الشَّيخُ الكتابَ للطَّالب ويقول: هذا سماعي من فلانٍ أو تصنيفي، وقد أجزت لك أن ترويَه عنِّي، وهي حالَّةٌ محلَّ السَّماع عند يحيى بن سعيدٍ الأنصاريِّ، ومالكٍ، والزُّهريِّ، فيسوغ فيها التَّعبير بالتَّحديث والإخبار، لكنَّها أحطُّ مرتبةً من السَّماع عند الأكثرين، وهذه غير عرض المُنَاوَلَة السَّابق؛ الذي هو أن يُحْضِرَ الطَّالبُ الكتابَ، على أنَّ الجمهور سوَّغوا الرِّواية بها، وتقييد المُناوَلَة باقتران الإجازة مُخْرِجٌ لِمَا إذا ناول الشَّيخُ الكتابَ للطَّالب من غير إجازةٍ، فإنَّه لا تسوغ الرِّواية بها على الصَّحيح، ثمَّ عطف المؤلِّف على قوله: «في المُناوَلَة» قوله: (وَكِتَابِ أَهْلِ العِلْمِ بِالعِلْمِ إِلَى) أهل (البُلْدَانِ) بضمِّ المُوحَّدة، وأهل القرى والصحارى وغيرهما، والمُكاتَبَة صورتها: أن يكتبَ المحدِّثُ لغائبٍ بخطِّه، أو يأذنَ لثقةٍ يكتب، سواءٌ كان لضرورةٍ أم لا، وسواء سُئِلَ في ذلك أم لا، فيقول بعد البسملة: من فلان بن فلانٍ، ثمَّ يكتب شيئًا من مرويِّه حديثًا فأكثر، أو من تصنيفه أو نظمه، والإذن له في روايته عنه؛ كأن يكتب: أجزت لك ما كتبته لك، أو ما كتبت به إليك، ويرسله إلى الطَّالب مع ثقةٍ مُؤتَمَنٍ بعد تحريره بنفسه، أو بثقةٍ مُعتَمَدٍ وشدِّه وختمه احتياطًا؛ ليحصل الأمن من توهُّم تغييره، وهذه في القوَّة والصِّحَّة كالمُناوَلَة المقترنة بالإجازة، كما مشى عليه المؤلِّف حيث قال: «ما يُذكَر في المُناوَلَة وكتابِ أهل العلم بالعلم إلى البلدان»، لكن قد رجَّح قومٌ -منهمُ الخطيبُ- المُناوَلَة عليها لحصول المشافَهَة فيها بالإذن دون المُكاتَبَة، وهذا وإن كان مُرجَّحًا فالمُكاتَبَة أيضًا

стр. 668

تترجَّح بكون الكتابة لأجل الطَّالب، وإذا أدَّى المُكاتَب (١) ما تحمَّله من ذلك فبأيّ صيغةٍ يؤدِّي؟ جوَّز قومٌ -منهمُ اللَّيثُ بن سعدٍ، ومنصور بن المعتمر- إطلاق «أخبرنا» و «حدَّثنا»، والجمهور: على اشتراط التَّقييد بالكتابة، فيقول: حدَّثنا أو أخبرنا فلانٌ مُكاتَبَةً أو كتابةً أو نحوهما، فإن عَرَتِ الكتابة عن الإجازة فالمشهور تسويغ الرِّواية بها. (وَقَالَ أَنَسٌ) وللأَصيليِّ: «أنسُ بن مالكٍ» كما هو موصولٌ عند المؤلِّف في حديثٍ طويلٍ في «فضائل القرآن» [خ¦٤٩٨٤] (نَسَخَ) أي: كَتَبَ (عُثْمَانُ المَصَاحِفَ) أي: أَمَرَ زيدَ بنَ ثابتٍ، وعبد الله بن الزُّبَيْر، وسعيد بن العاص، وعبد الرَّحمن بن الحارث بن هشامٍ أن ينسخوها، وللأَصيليِّ: «عثمان بن عفَّان» وهو أحد العشرة، المُتوفَّى -شهيد الدَّار- يوم الجمعة لثمانِ عَشْرةَ خَلَتْ من ذي الحجَّة سنة خمسٍ وثلاثين، وهو ابن تسعين سنةً، وكانت خلافته اثنتي عشرةَ سنةً ﵁ (فَبَعَثَ بِهَا) أي: أرسل عثمانُ بالمصاحف (إِلَى الآفَاقِ) مصحفًا إلى مكَّة، وآخرَ إلى الشام، وآخرَ إلى اليمن، وآخرَ إلى البحرين، وآخرَ إلى البصرة، وآخرَ إلى الكوفة، وأمسك بالمدينة واحدًا، والمشهور: أنَّها كانت خمسةً، وقال الدَّاني (٢): أكثر الرِّوايات (٣) على أنَّها أربعةٌ، قلت: وفيما جمعته في «فنون القراءات الأربعَ عشْرةَ» مزيدٌ لذلك، فليُراجَع،

стр. 669

ودلالة هذا الحديث على تجويز الرِّواية بالمُكاتَبَة بيِّنٌ غيرُ خفيٍّ لأنَّ عثمان أمرهم بالاعتماد على ما في تلك المصاحف ومُخالفةِ ما عداها، قال ابن المُنَيِّر: والمُستَفَاد من بعثه المصاحفَ إنَّما هو ثبوت إسناد صورة المكتوب فيها إلى عثمان، لا أصل ثبوت القرآن فإنَّه متواترٌ عندهم. (وَرَأَى عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن عاصم بن عمر بن الخطَّاب، أبو عبد الرَّحمن القرشيُّ المدنيُّ العدويُّ، المُتوفَّى سنة إحدى وسبعين ومئة، أو هو ابن (١) عمرو بن العاص، وبالأوَّل جزم الكِرمانيُّ وغيره، وهو موافقٌ لجميع نسخ «البخاريِّ» حيث ضُمَّتِ العينُ من «عُمر» وسقطتِ الواو، وبالثَّاني قال الحافظ ابن حجرٍ معلّلًا بقرينةِ تقديمِه في الذِّكر على يحيى بن سعيدٍ: لأنَّ يحيى أكبر من العمريِّ، وبأنَّه وجد في «كتاب الوصيَّة» لابن منده من طريق البخاريِّ بسندٍ صحيحٍ إلى (٢) أبي عبد الرحمن الحُبُليِّ؛ بضمِّ المُهمَلَة والمُوحَّدة: «أنَّه أتى عبد الله بكتاب فيه أحاديث، فقال: انظر في هذا الكتاب، فما عَرَفته منه اتركه، وما لم تعرفه امْحُه». قال: وعبد الله يحتمل أن يكون ابن عمر بن الخطَّاب، فإنَّ الحُبُليَّ سمع منه، ويحتمل أن يكون ابن عمرو بن العاص، فإنَّ الحُبُليَّ مشهورٌ بالرِّواية عنه، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ التَّقديم لا يستلزم التَّعيين، فمنِ ادَّعى ذلك فعليه بيان المُلازَمَة، وبأنَّ قول الحُبُليِّ: «إنَّه أتى عبد الله» لا يدلُّ بحسب الاصطلاح إلَّا على عبد الله بن مسعودٍ، وبأنَّ عمرو بن العاص -بالواو-، وهي ساقطةٌ في جميع نسخ «البخاريِّ». وأجاب في «انتقاض الاعتراض»: بأنَّه لا يلزم من انتفاء

стр. 670

المُلازَمَة ألَّا تثبت المُلازَمَة إذا وُجِدَتِ القرينة؛ وهي أنَّ التقديم (١) يفيد الاهتمام، والاهتمام بالأسنِّ الأوثق مستقرأ (٢)، وبأنَّ الحصر الذي ادَّعاه مردودٌ، وقد صرَّح الأئمَّة بخلافه، فقال الخطيب عن أهل الصَّنعة: إذا قال المصريُّ: عن عبد الله، فمراده عبد الله بن عمرو بن العاص، وإذا قال الكوفيُّ: عبد الله، فمراده ابن مسعودٍ، والحُبُلِيُّ مصريٌّ. انتهى. (وَ) كذا رأى (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريُّ المدنيُّ (وَمَالِكٌ) إمام دار الهجرة، وللأَصيليِّ: «مالك بن أنسٍ» (ذَلِكَ جَائِزًا) أي: المُناوَلَة والإجازة، على حدِّ قوله تعالى: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] أي: ما ذُكِرَ من «الفارض» و «البِكْر»، فأشار بـ «ذلك» إلى المُثنَّى (وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَهْلِ الحِجَازِ) هو شيخ المصنِّف الحميديُّ (فِي) صحَّة (المُنَاوَلَةِ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ حَيْثُ كَتَبَ) أي: أمر بالكتابة (لأَمِيرِ) وفي رواية الأَصيليِّ: «إلى أمير» (السَّرِيَّةِ) عبد الله بن جحشٍ المُجدَّع، أخي زينب أمِّ المؤمنين (كِتَابًا، وَقَالَ: لَا تَقْرَأْهُ حَتَّى تَبْلُغَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا) وفي رواية عروة أنَّه قال له: «إذا سرتَ يومين فافتحِ الكتاب». وللكُشْمِيهَنِيِّ: «لا نقرأ» بنون الجمع، مع حذف الضَّمير، ويلزم منه كون «نبلغ» بالنُّون أيضًا (فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ المَكَانَ) وهو نخلةٌ بين مكَّة والطَائف (قَرَأَهُ عَلَى النَّاسِ، وَأَخْبَرَهُمْ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) ولم يذكره المؤلِّف ﵀ موصولًا. نعم؛ وصله الطَّبرانيُّ بإسنادٍ حسنٍ، وهو في «سيرة ابن إسحاق» مُرسَلًا، ورجاله ثقاتٌ، ووجه الدَّلالة منه غير خفيَّةٍ، فإنَّه جاز له الإخبار بما في الكتاب بمُجرَّد المُناوَلَة، ففيه المُناوَلَةُ ومعنى الكتابة. ٦٤ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي)

стр. 671

بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن (١) بن عوفٍ (عَنْ صَالِحٍ) يعني: ابن كيسانَ الغفاريِّ المدنيِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بالتَّصغير (بْنِ عَبْدِ اللهِ) بالتَّكبير (بْنِ عُتْبَةَ) بضمِّ العين المُهمَلَة وإسكان المُثنَّاة الفوقيَّة وفتح المُوحَّدة (بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ بِكِتَابِهِ رَجُلًا) أي: بعث رجلًا مُتلبِّسًا بكتابه مُصاحِبًا له، و «رجلًا»: بالنَّصب على المفعوليَّة، وهو عبد الله بن حذافةَ السَّهميُّ، كما سُمِّيَ في «المغازي» [خ¦٤٤٢٤] من هذا الكتاب (وَأَمَرَهُ) ﷺ (أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ البَحْرَيْنِ) المنذر بن سَاوى؛ بالسِّين المُهمَلَة وبفتح (٢) الواو، و «البحرين»: بلفظ التَّثنية؛ بلدٌ بين البصرة وعُمان، وعبَّر بـ «العظيم» دون لكٍ؛ لأنَّه لا مُلْكَ ولا سلطنةَ للكفَّار (فَدَفَعَهُ) أي: فذهب به (٣) إلى عظيم البحرين، فدفعه إليه، ثمَّ دفعه (عَظِيمُ البَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى) بكسر الكاف وفتحها، والكسرُ أفصحُ؛ وهو أبرويز بن هرمز بن أنوشروان، وليس هو أنوشروان (فَلَمَّا قَرَأَهُ) وللحَمُّويي والمُستملي: «قرأ» (٤) بحذف الهاء، أي: قرأ كسرى الكتابَ (مَزَّقَهُ) أي: خرقه، قال ابن شهابٍ الزُّهريُّ: (فَحَسِبْتُ أَنَّ ابْنَ المُسَيَِّبِ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وكسرها، قال السَّفاقسيُّ: وبالفتح رُوِّيناه (قَالَ): ولمَّا مزَّقه وبلغَ النَّبيَّ ﷺ ذلك غضب (فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ) أي: بأن (يُمَزَّقُوا) أي: بالتَّمزيق، فـ «أنْ»: مصدريَّةٌ (كُلَّ مُمَزَّقٍ) بفتح الزَّاي في الكلمتين، أي: يُمزَّقوا غايةَ

стр. 672

التَّمزيق، فسلَّط الله على كسرى ابنه شيرويه فقتله بأنْ مزَّق بطنه سنة سبعٍ، فتمزَّق مُلْكُه كلَّ مُمَزَّقٍ، وزال من جميع الأرض، واضمحلَّ بدعوته ﷺ ، ووجه الدَّلالة من الحديث -كما قال ابن المُنَيِّر-: أنَّه ﷺ لم يقرأ الكتاب على رسوله، ولكنْ ناوله إيَّاه، وأجاز له أن يُسْنِدَ ما فيه عنه، ويقول: هذا كتاب رسول الله ﷺ ، ويلزم المبعوث إليه العمل بما فيه، وهذه ثمرة الإجازة في الأحاديث. وفي هذا الحديث من اللَّطائف: التَّحديث بالجمع والإفراد، والعنعنة والإخبار، ورجاله كلُّهم مدنيُّون، وفيه تابعيٌّ عن تابعيٍّ، وأخرجه المؤلِّف في «المغازي» [خ¦٤٤٢٤] وفي «خبر الواحد» [خ¦٧٢٦٤] وفي «الجهاد» [خ¦٢٩٣٩]، وهو من أفراده عن مسلمٍ، وأخرجه النَّسائيُّ في «السِّير». ٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) بصيغة الفاعل مِنَ المُقاتَلة؛ بالقاف والمُثنَّاة الفوقيَّة، وكنيته (أَبُو الحَسَنِ) المُتوفَّى في آخر سنة ستٍّ وعشرين ومئتين، ولابن عساكر: «أبو الحسن المروزيُّ» قال: (أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (عَبْدُ اللهِ) بن المُبارَك؛ لأنَّه إذا أُطْلِقَ عبدُ الله فيمن بعد الصَّحابة فالمُرَاد هو (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة السَّدوسيِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) وسقط لأبي ذرٍّ وابن عساكر «ابن مالكٍ» ﵁ (قَالَ: كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) أي: كتب الكاتب (١) بأمره (كِتَابًا) إلى العجم أو إلى الرُّوم، كما صرِّح بهما في «كتاب اللِّباس» [خ¦٥٨٧٢] [خ¦٥٨٧٥] عند المؤلِّف (أَوْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ) أي: أراد الكتابة، فـ «أن»: مصدريَّةٌ، وهو شكٌّ مِنَ الرَّاوي أنسٍ (فَقِيلَ لَهُ) ﷺ : (إِنَّهُمْ) أي: الرُّوم أو العجم (لَا يَقْرَؤُوْنَ كِتَابًا إِلَّا مَخْتُومًا) خوفًا من كشف أسرارهم، و «مختومًا»: نُصِبَ

стр. 673

على الاستثناء؛ لأنَّه من كلامٍ غير موجبٍ (فَاتَّخَذَ) ﵊ (خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ نَقْشُهُ) بسكون القاف: مبتدأٌ (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ) مبتدأٌ وخبرٌ، والجملة خبرٌ عن الأوَّل، والرَّابط كونُ الخبرِ عينَ المُبتدَأ، كأنَّه قِيلَ: نقشه هذا المذكورُ (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ) حال كونه (فِي يَدِهِ) الكريمة، وهو من باب: إطلاق الكلِّ وإرادة الجزء، وإلَّا فالخاتم ليس في اليد، بل في إصبعها، وفيه القلب؛ لأنَّ الأصبع في الخاتم لا الخاتم في الإصبع، ومثله: عرضت النَّاقة على الحوض، قال شعبة: (فَقُلْتُ لِقَتَادَةَ) بن دعامةَ: (مَنْ قَالَ: نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ) ﷺ ؟ (قَالَ: أَنَسٌ) قاله. (٨) (بابُ) حكم (مَنْ قَعَدَ حَيْثُ) بالبناء على الضَّمِّ، وموضعه نصبٌ على الظَّرفيَّة (يَنْتَهِي بِهِ المَجْلِسُ، وَمَنْ رَأَى فُرْجَةً) بضمِّ الفاء «فُعْلَةٌ» بمعنى: المفعول، كالقبضة بمعنى المقبوض (فِي الحَلْقَةِ) بإسكان اللَّام لا بفتحها على المشهور، قال العسكريُّ: هي كلُّ مستديرٍ خالي الوسط،

стр. 674

والجمع حَلَقٌ؛ بفتح الحاء واللَّام (فَجَلَسَ فِيهَا) أي: في الفرجة، وفي روايةٍ: «إليها»، وإنَّما قال: «في الحلقة» دون أن يقول: في المجلس؛ ليطابق لفظ الحديث، وقال في الأوَّل: «به المجلس» لأنَّ الحكم فيهما واحدٌ ههنا (١). ٦٦ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) إمامُ الأئمَّة (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريِّ البخاريِّ، ابن أخي أنسٍ لأمِّه، التَّابعيِّ، المُتوفَّى سنة اثنتين وثلاثين ومئةٍ (أَنَّ أَبَا مُرَّةَ) بضمِّ الميم وتشديد الرَّاء، اسمه: يزيدُ (مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) بفتح العين (أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ) بالقاف المكسورة والدَّال المُهمَلَة، اسمه الحارث بن مالكٍ، أو ابن عوفٍ الصَّحابيِّ (اللَّيْثِيِّ) بالمُثلَّثة البدريِّ في قول بعضهم، المُتوفَّى بمكَّة (٢) سنة ثمانٍ وستِّين، وليس له في «البخاريِّ» إلَّا هذا الحديث، وقد صرَّح أبو مُرَّة في رواية النَّسائيِّ من طريق (٣) يحيى بن أبي كثيرٍ عن إسحاق، فقال: عن أبي مرَّة أنَّ أبا واقدٍ حدَّثه: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَيْنَمَا) بزيادة الميم (هُوَ) مبتدأٌ، خبره (جَالِسٌ) حال كونه (فِي المَسْجِدِ) المدنيِّ (وَالنَّاسُ مَعَهُ) جملةٌ حاليَّةٌ (إِذْ أَقْبَلَ) جوابُ «بينما» (ثَلَاثَةُ

стр. 675

نَفَرٍ) بالتَّحريك، ولم يُسَمَّ (١) واحدٌ من الثَّلاثة، أي: ثلاثة رجالٍ من الطَّريق، «فدخلوا المسجد» كما في حديث أنسٍ: فإذا ثلاثة نفرٍ مارِّين (فَأَقْبَلَ اثْنَانِ) منهم (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى) مجلس (رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) و «على» هنا بمعنى: عند، قاله في «الفتح»، وتعقَّبه صاحب «عمدة القاري» بأنَّه لم تَجِئْ بمعناها، وزاد التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وأكثر رواة «المُوطَّأ»: فلمَّا وقفا سلَّما (فَأَمَّا) بفتح الهمزة وتشديد الميم تفصيليَّةٌ (أَحَدُهُمَا) بالرَّفع مبتدأٌ، خبره: (فَرَأَى فُرْجَةً) بضمِّ الفاء (فِي الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا) وأتى بالفاء في قوله: «فرأى» لتضمُّن «أمَّا» معنى الشَّرط، ولابن عساكر: «فَرْجةً» بفتح الفاء، وهي والضَّمُّ لغتان؛ وهي: الخلل بين الشَّيئين، قاله النَّوويُّ فيما نقله في «عمدة القاري» (وَأَمَّا الآخَرُ) بفتح الخاء، أي: الثَّاني (فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ) بالنَّصب على الظَّرفيَّة (وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَأَدْبَرَ) حال كونه (ذَاهِبًا) أي: أدبر مُستمِرًّا في ذهابه ولم يرجع، وإلَّا «فأدبر» بمعنى: مرَّ ذاهبًا (فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) ممَّا كان مشتغلًا به من تعليم القرآن، أوِ (٢) العلم، أوِ الذِّكر، أوِ الخطبة، أو نحو ذلك (قَالَ: أَلَا) بالتَّخفيف؛ حرفُ تنبيهٍ، والهمزة يحتمل أن تكون للاستفهام، و «لا» للنَّفي

стр. 676

(أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ) فقالوا: أَخْبِرْنا عنهم يا رسول الله؛ فقال: (أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى) بقصر الهمزة، أي: لجأ (إِلَى اللهِ) تعالى، أوِ انضمَّ إلى مجلس الرَّسول ﷺ (فَآوَاهُ الله) إليه؛ بالمدِّ، أي: جازاه بنظير فعله بأن ضمَّه إلى رحمته ورضوانه، أو يؤويه يوم القيامة إلى ظلِّ عرشه، فنسبة الإيواء إلى الله تعالى مجازٌ لاستحالته في حقِّه تعالى، فالمُرَاد لازِمه (١)؛ وهو إرادة إيصال الخير، ويُسمَّى هذا المجازُ مجازَ المُشاكَلَة والمُقابَلَة (وَأَمَّا الآخَرُ) بفتح الخاء (فَاسْتَحْيَا) أي: ترك المُزاحَمَة حياءً من الرَّسول ﷺ ومن أصحابه، وعند الحاكم: «ومضى الثَّاني قليلًا، ثمَّ جاء، فجلس» قال في «الفتح»: فالمعنى أنَّه استحيا من الذَّهاب عن المجلس كما فعل رفيقه الثَّالث (فَاسْتَحْيَا اللهُ مِنْهُ) بأن رَحِمَه ولم يعاقبه، فجازاه بمثل ما فعل، وهذا أيضًا من قبيل المُشاكَلَة؛ لأنَّ الحياء تغيُّرٌ وانكسارٌ يعتري الإنسان من خوف ما يُذَمُّ به، وهذا مُحال على الله تعالى، فيكون مَجازًا عن ترك العقاب، وحينئذٍ فهو من قَبِيل ذكر الملزوم وإرادة اللَّازم (وَأَمَّا الآخَرُ) وهو الثالث (فَأَعْرَضَ) عن مجلس رسول الله ﷺ ولم يلتفت إليه، بل ولَّى مُدْبِرًا (فَأَعْرَضَ اللهُ) تعالى (عَنْهُ) أي: جازاه بأنْ سخط عليه، وهذا أيضًا من باب (٢) المُشاكَلَة؛ لأنَّ الإعراض هو الالتفات إلى جهةٍ أخرى، وذلك لا يليق بالباري تعالى، فيكون مجازًا عن السُّخط والغضب، ويحتمل أنَّ هذا كان منافقًا، فَأَطْلَعَ اللهُ النَّبيَّ ﷺ على أمره (٣). ورواة هذا الحديث مدنيُّون، وفيه: التَّحديث بالجمع والإفراد، والعنعنة والإخبار، وتابعيّ عن مثله، وأخرجه المؤلِّف في «الصَّلاة» [خ¦٤٧٤]، ومسلمٌ والتِّرمذيُّ في «الاستئذان»، والنَّسائيُّ في «العلم».

стр. 677

(٩) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : رُبَّ مُبَلَّغٍ) -بفتح اللَّام لا بكسرها- إليه (١) عَنِّي يكون (أَوْعَى) أي: أَفْهَمَ لِمَا أقوله (مِنْ سَامِعٍ) منِّي، و «قول»: مجرورٌ بالإضافة، و «رُبَّ»: حرف جرٍّ يفيد التَّقليل، لكنَّه كَثُرَ في الاستعمال للتَّكثير، بحيث غلب حتَّى صارت كأنَّها حقيقةٌ فيه، وتنفرد عن أحرف الجرِّ: بوجوب تصديرها، وتنكيرِ مجرورها، ونعتِه إن كان ظاهرًا، وغلبةِ حذف مُعَدَّاها ومُضِيِّه، وبزيادتها في الإعراب دون المعنى، ومحلُّ مجرورها رفعٌ على الابتداء؛ نحو قوله هنا: «مُبلَّغٍ (٢)» فإنَّه وإن كان مجرورًا بالإضافة، ولكنَّه مرفوعٌ على الابتدائيَّة محلًّا، وخبره يكون المُقدَّر، و «أوعى»: صفةٌ للمجرور (٣)، وأمَّا في (٤) نحو: رُبَّ رجلٍ لقيت، فَنَصْبٌ على المفعوليَّة، وفي نحو: ربَّ رجلٍ صالحٍ لقيت، فَرَفْعٌ أو نَصْبٌ.

стр. 678

٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ) بكسر المُوحَّدة وسكون الشِّين المُعجَمَة، ابن المُفضَّل بن لاحقٍ الرَّقاشيُّ البصريُّ، المُتوفَّى سنة تسعٍ وثمانين ومئةٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ) بالنُّون، عبد الله بن أَرْطَبان البصريُّ، الثِّقة الفاضل من السَّادسة، المُتوفَّى سنة إحدى وخمسين ومئةٍ، وقال ابن حجرٍ: سنة خمسين على الصَّحيح (عَنِ ابْنِ سِيرِينَ) محمَّدٍ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ) بن الحارث الثَّقفيِّ البصريِّ، أوَّل من وُلِدَ في الإسلام بالبصرة سنة أربعَ عَشْرَةَ، المُتوفَّى سنة تسعٍ وتسعين (عَنْ أَبِيهِ) أبي بَكْرةَ نُفَيعٍ؛ بضمِّ النُّون وفتح الفاء (ذَكَرَ) أي: أبو بكرة، أي: أنَّه كان يحدِّثهم فذكر (النَّبِيَّ ﷺ ¬) وفي رواية ابن عساكر وأبي الوقت والأَصيليِّ: «عن أبيه أنَّ النَّبيَّ ﷺ » وفي رواية أبي ذَرٍّ وأبي الوقت وابن عساكرَ في نسخةٍ: «قال: ذُكِرَ» بضمِّ أوَّله وكسر ثانيه «النَّبيُّ ﷺ » بالرَّفع نائبٌ عن الفاعل، أي: قال أبو بكرة حالة (١) كونه قد ذكرَ النَّبيَّ ﷺ ، وعند النَّسائيِّ: عن أبي بكرة قال: وذكر النَّبيَّ ﷺ (٢)، فالواو: للحال، ويجوز أن تكون للعطف على أن يكون المعطوف عليه محذوفًا (قَعَدَ) ﵊ (عَلَى بَعِيرِهِ) بمنى يوم النَّحر في حجَّة الوداع، وإنَّما قعد عليه لحاجته إلى إسماع النَّاس، فالنَّهيُ عن اتِّخاذ ظهورِها منابرَ محمولٌ على ما إذا لم

стр. 679

تَدْعُ الحاجة إليه (وَأَمْسَكَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ) بكسر الخاء (أَوْ بِزِمَامِهِ) وهما بمعنًى، وإنَّما شكَّ الرَّاوي في اللَّفظ الذي سمعه؛ وهو الخيط الذي تُشدُّ فيه (١) الحلقة التي تُسمَّى البُرَة -بضمِّ المُوحَّدة وتخفيف الرَّاء المفتوحة- ثمَّ يُشَدُّ في طرفه المِقْود، والإنسان الممسك هنا هو أبو بكرة؛ لرواية الإسماعيليِّ الحديثَ بسنده إلى أبي بكرة، قال: خطب رسول الله ﷺ على راحلته وأمسكت -إمَّا (٢) قال-: بخطامها أو زمامها، أو كان الممسك بلالًا؛ لرواية النَّسائيِّ عن أمِّ الحصين قالت: حججت فرأيت بلالًا يقود بخطام راحلة النَّبيِّ ﷺ ، أو عمرو بن خارجة؛ لِمَا في «السُّنن» من حديثه قال: كنت آخذًا بزمام ناقته ﵊، وفائدة إمساك الزِّمام: صون البعير عن الاضطراب والإزعاج لراكبه، ثمَّ (قَالَ) ﵊، وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «فقال»: (أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟) برفع «أيُّ»، والجملة وقعت مقول القول (فَسَكَتْنَا) عطفٌ على «قال» (حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ، قَالَ: أَلَيْسَ) هو (يَوْمَ النَّحْرِ؟ قُلْنَا) وفي رواية أبي الوقت: «فقلنا»: (بَلَى) حرف يختصُّ بالنَّفيِ ويفيد إبطاله، وهو هنا مقول القول، أُقِيمَ مقام الجملة التي هي مقول القول (قَالَ) ﵊: (فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ) ﵊، ولأبي الوقت وابن عساكر: «قال»: (أَلَيْسَ بِذِي الحِجَّةِ؟) بكسر الحاء كما في «الصِّحاح»، وقال الزَّركشيُّ: هو المشهور، وأباه قومٌ، وقال القزَّاز: الأشهر فيه الفتح (قُلْنَا: بَلَى) وقد سقط من رواية الحَمُّويي والمُستملي والأَصيليِّ: السُّؤال عن الشَّهر، والجواب الذي قبله، ولفظهم: «أيُّ يومٍ هذا؟ فسكتنا حتَّى ظنَّنا أنَّه سيسمِّيه سوى اسمه، قال: أليس بذي الحجَّة؟» وتوجيهه ظاهرٌ؛ وهو من إطلاق الكلِّ على البعض، وفي رواية كريمة: «قال: فأيُّ بلدٍ هذا؟ فسكتنا حتَّى ظنَّنا أنَّه سيسمِّيه بغير اسمه، قال: أليس بمكَّة؟» وفي رواية الكُشْمِيهَنيِّ وكريمة: بالسُّؤال عن الشَّهر والجواب الذي قبله -كمسلمٍ (٣) وغيره (٤) - مع السُّؤال عن البلد، والثلاثة ثابتةٌ عند المؤلِّف في «الأضاحي» [خ¦٥٥٥٠]

стр. 680

و «الحجِّ» [خ¦١٧٤١] (قَالَ) ﷺ : (فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا) أي: فإنَّ سفكَ دمائِكم وأخذَ أموالِكم وثَلْبَ (١) أعراضِكم؛ لأنَّ الذَّوات لا تحرم فيه (٢)، فيُقدَّر لكلٍّ ما يناسبه، كذا قاله الزَّركشيُّ والبرماويُّ والعينيُّ والحافظ ابن حجرٍ، وفي إطلاقهم هذا اللَّفظ نظرٌ؛ لأنَّ سفك الدَّم وأخذَ المال وثلبَ العرض إنَّما يَحْرُم إذا كان بغير حقٍّ، فالإفصاح به مُتعيِّنٌ، والأَوْلى -كما أفاده في «مصابيح الجامع» - أن يُقدّر في الثَّلاثة كلمة واحدة، وهي لفظة «انتهاكٌ» التي موضوعها تناول (٣) الشَّيءِ بغير حقٍّ، كما نصَّ عليه القاضي، فكأنَّه قال: فإنَّ انتهاك دمائكم وأموالكم وأعراضكم، ولا حاجة إلى تقديره مع كلِّ واحدٍ من الثَّلاثة لصحَّة انسحابه على الجميع، وعدم احتياجه إلى التَّقييد بغير الحقِّيَّة، و «الأعراض» جمع عِرْضٍ؛ بكسر العين؛ وهو موضع المدح والذَّمِّ من الإنسان، سواءٌ كان في نفسه أو في سلفه، وشبَّه «الدِّماء» و «الأموال» و «الأعراض» في الحرمة بـ «اليوم» و «الشَّهر» و «البلد» لاشتهار الحرمة فيها عندهم، وإِلَّا فالمُشبَّه إنَّما يكون دون المُشبَّه به، ولهذا قدَّم السُّؤال عنها مع شهرتها لأنَّ تحريمها أثبتُ في نفوسهم؛ إذ هي عادة سلفهم، وتحريم الشَّرع طارئٌ، وحينئذٍ فإنَّما شبَّه الشَّيء بما هو أعلى منه باعتبار ما هو مُقرَّرٌ عندهم (لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ) أي: الحاضرُ في المجلس (الغَائِبَ) عنه، ولامُ «لِيبلِّغِ» مكسورةٌ فعل أمرٍ، ظاهره الوجوب، وكُسِرَت غَينه لالتقاء الساكنين، والمُرَاد: تبليغ القول المذكور أو جميع الأحكام

стр. 681

(فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ) أي: الذي (هُوَ أَوْعَى لَهُ) أي: للحديث (مِنْهُ) صلةٌ لـ «أَفْعَلَ» التَّفضيل، وفصل بينهما بـ «له» للتَّوسُّع في الظَّرف، كما يُفصَل بين المُضَاف والمُضَاف إليه كقراءة ابن عامرٍ: ﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] بضمِّ الزَّاي ورفع اللَّام ونصب الدَّال وخفض الهمزة، والفاصل غير أجنبيٍّ. واستُنبِط من الحديث: أنَّ حامل الحديث يُؤخَذ عنه وإن كان جاهلًا بمعناه، وهو مأجورٌ بتبليغه، محسوبٌ في زمرة أهل العلم، وفي هذا الحديث: التَّحديث والعنعنة، ورواته كلُّهم بصريُّون، وأخرجه المؤلِّف في «الحجِّ» [خ¦١٧٤١] و «التَّفسير» [خ¦٤٦٦٢] و «الفتن» [خ¦٧٠٧٨] و «بدء الخلق» [خ¦٣١٩٧]، ومسلمٌ في «الدِّيات»، والنَّسائيُّ في «الحجِّ» و «العلم». (١٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، وهو ساقطٌ في رواية الأَصيليِّ (العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ) لتقدُّمه بالذَّات عليهما لأنَّه شرطٌ في صحَّتهما؛ إذ إنَّه مصحِّحٌ (١) للنِّيَّة المُصحِّحة للعمل، فنبَّه

стр. 682

المؤلِّف على مكانة العلم خوفًا من أن يَسبِق إلى الذِّهن -من قولهم: لا ينفع العلم إلَّا بالعمل- تَوهينُ أمر العلم والتَّساهل في طلبه (لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) وللأَصيليِّ: « »: (﴿فَاعْلَمْ﴾) أي: يا محمَّد (﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ﴾ [محمد: ١٩] فَبَدَأَ) تعالى (بِالعِلْمِ) أوَّلًا حيث قال: ﴿فَاعْلَمْ﴾ ثمَّ قال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ﴾ إشارةً إلى القول والعمل، وهذا وإن كان خطابًا له ﵊ فهو يتناول أمَّته، أوِ الأمر للدَّوام والثَّبات؛ كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ﴾ [الأحزاب: ١] أي: دُمْ على التَّقوى (وَأَنَّ العُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ) بفتح همزة «أَنَّ» عطفًا على سابقه، أو -بكسرها- على الحكاية (وَرَّثُوا) بتشديد الرَّاء المفتوحة، أي: الأنبياء، أو بالتَّخفيف مع الكسر، وهو في «اليونينيَّة» من غير رقمٍ (١)، أي: العلماء وَرِثُوا (العِلْمَ، مَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ) من ميراث النُّبوَّة (بِحَظٍّ وَافِرٍ) أي: بنصيبٍ كاملٍ، وهذا كلُّه قطعةٌ من حديثٍ عند أبي داودَ والتِّرمذيِّ وابن حبَّانَ والحاكم مُصحَّحًا من حديث أبي الدَّرداء، وضعَّفه غيرهم بالاضطراب في سنده، لكنْ له شواهدُ يتقوَّى بها، ومُناسَبَته للتَّرجمة من جهة أنَّ الوارث قائمٌ مقام المُورِّث، فله حكمه فيما قام مقامه فيه (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا) حال كونه (يَطْلُبُ بِهِ) أي: السَّالك (عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيقًا) أي: في الآخرة أو في الدُّنيا بأن يوفِّقه للأعمال الصَّالحة الموصلة (إِلَى الجَنَّةِ) أو هو بشارةٌ بتسهيل العلم على طالبه لأنَّ طلبه من الطُّرق الموصلة إلى الجنَّة، ونكَّر «علمًا» كـ «طريقًا» ليندرج فيه القليل والكثير، وليتناول أنواع الطُّرق الموصلة إلى تحصيل العلوم الدينيَّة، وهذه الجملة أخرجها مسلمٌ من حديث الأعمش عن أبي صالحٍ، والتِّرمذيُّ وقال: حسنٌ، وإنَّما لم يَقُلْ: صحيحٌ لتدليس الأعمش، لكنْ في رواية مسلمٍ عنِ الأعمش: حدَّثنا أبو صالحٍ، فانتفت تهمة تدليسه. وفي «مُسنَد الفردوس» بسنده إلى سعيد بن جبيرٍ قال: قال رسول الله ﷺ : «ارحموا طالب العلم؛ فإنَّه متعوب البدن، لولا أنَّه يَأْخذُ بالعُجْب لصافحته الملائكة مُعايَنةً، ولكنْ يأخذ بالعُجْب ويريد أن يَقْهَرَ مَن هو أعلم منه» (٢) (وَقَالَ) الله (جَلَّ ذِكْرُهُ) وفي

стр. 683

روايةٍ: «جلَّ وعزَّ» (١): (﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ﴾) أي: يخافه (﴿مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ [فاطر: ٢٨]) الذين علموا قدرته وسلطانه، فمن كان أَعْلَمَ كان أخشى لله؛ ولذا قال ﵊: «أنا أخشاكم لله وأتقاكم له» (وَقَالَ) تعالى: (﴿وَمَا يَعْقِلُهَا﴾) أي: الأمثالُ المضروبةُ وَحسنها وفائدتها (﴿إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]) الذين يعقلون عن الله، فيتدبَّرون الأشياء على ما ينبغي، وقال تعالى حكايةً عن قول الكفَّار حين دخولهمُ النَّار: (﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ﴾) أي: كلامَ الرُّسلِ فَنَقْبَلُه جملةً من غير بحثٍ وتفتيشٍ؛ اعتمادًا على ما لاح من صدقهم بالمعجزات (﴿أَوْ نَعْقِلُ﴾) فنفكِّر في حكمه ومعانيه تفكُّر المستبصرين (﴿مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠]) أي: في عدادهم وفي جملتهم (وَقَالَ) تعالى: (﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]) قال القاضي ناصر الدِّين رحمه الله تعالى: نفيٌ لاستواء الفريقين؛ باعتبار القوَّة العِلْميَّة بعد نفيها؛ باعتبار القوَّة العَمَليَّة على وجهٍ أبلغَ لمزيد فضل العلم (٢)، وقِيلَ: تقرير للأوَّل (٣) على سبيل التَّشبيه، أي: كما لا يستوي العالِمون والجاهلون لا يستوي القانتون والعاصُون. (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) فيما وصله المؤلِّف بعد بابين [خ¦٧١]: (مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ) في الدِّين، وللمُستملي: «يُفهِّمه» بالهاء المُشدَّدة المكسورة بعدَها ميمٌ، وأخرجه بهذا اللَّفظ ابن أبي عاصمٍ في «كتاب العلم» بإسنادٍ حسنٍ، والتَّفقُّه: هو التَّفهُّم (وَإِنَّمَا العِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ) بضمِّ اللَّام المُشدَّدة على الصَّواب، وليس هو من كلام المؤلِّف، فقد رواه ابن أبي عاصمٍ، والطَّبرانيُّ من

стр. 684

حديث معاويةَ مرفوعًا، وأبو نعيمٍ الأصفهانيُّ في «رياض المتعلِّمين» من حديث أبي الدَّرداء مرفوعًا: «إنَّما العلم بالتَّعلُّم، وإنَّما الحلم بالتَّحلُّم، ومن يتحرَّ (١) الخير يعطه»، وفي بعض النُّسخ -وهو في أصل فرع «اليونينيَّة» كهي (٢) -: «بالتَّعلِيم» بكسر اللَّام وبالمُثنَّاة التَّحتيَّة، وفي «هامشها»: «بالتَّعلُّم» بضمِّ اللَّام، قال: وهو الصَّواب. (وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ) جندب بن جنادة، فيما وصله الدَّارميُّ في «مُسنَده» وغيره من حديث أبي مَرْثَدٍ، لمَّا قال له رجلٌ والنَّاس مجتمعون عليه عند الجمرة الوسطى يستفتونه: ألم تُنْهَ عن الفتيا؟ -وكان الذي منعه عثمان لاختلافٍ حصل بينه وبين معاوية بالشَّام في تأويل: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب خاصَّةً، وقال أبو ذَرٍّ: نزلت فينا وفيهم. وأدَّى ذلك إلى انتقال أبي ذرٍّ عن المدينة إلى الرَّبَذَة-[قال:] أرقيبٌ أنت عليَّ؟ (لَوْ وَضَعْتُمُ الصَّمْصَامَةَ) بالمُهمَلَتين الأولى مفتوحةٌ، أي: السَّيف الصَّارم الذي لا ينثني، أو الذي له حدٌّ واحد (عَلَى هَذِهِ، وَأَشَارَ إِلَى قَفَاهُ) كذا في فرع «اليونينيَّة»، وفي غيره:

стр. 685

«إلى القفا» (١) وهو مقصورٌ يُذكَّر ويُؤنَّث (ثُمَّ ظَنَنْتُ أَنِّي أُنْفِذُ) بضمِّ الهمزة وكسر الفاء آخره معجَمةٌ، أي: أُمْضِي (كَلِمَةً سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «رسول الله» (¬ ﷺ قَبْلَ أَنْ تُجِيزُوا) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وكسر الجيم وبعد التَّحتيَّة زايٌ، الصَّمْصَامَة (عَلَيَّ) أي: على قفايَ؛ والمعنى: قبل أن تقطعوا رأسي (لأَنْفَذْتُهَا) بفتح الهمزة والفاء وتسكين الذَّال المُعجَمَة، وإنَّما فعل أبو ذرٍّ هذا حرصًا على تعليم العلم طلبًا للثَّواب، وهو يَعْظُم مع حصول المشقَّة، واستُشكِل الإتيانُ هنا بـ «لو» لأنَّها لامتناع الثَّاني لامتناع الأوَّل، وحينئذٍ فيكون المعنى انتفاء الإنفاذ لانتفاء الوضع، وليس المعنى عليه، وأُجِيب بأنَّ «لو» هنا لِمُجرَّد الشَّرط كـ (إن) من غير أن يُلاحَظ الامتناع، أو المُرَاد أنَّ الإنفاذ حاصلٌ على تقدير الوضع، فعلى تقدير عدم الوضع حصولُه أَوْلى؛ فهو مثل قوله ﵇: «نِعْمَ العبدُ صهيبٌ، لو لم يَخَفِ الله لم يَعْصِه»، ولأبي الوقت هنا زيادةٌ؛ وهي قول النَّبيِّ ﷺ : «ليُبَلِّغِ الشَّاهدُ الغائبَ» وتقدَّم قريبًا [خ¦٦٧]. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ فيما وصله ابن أبي عاصمٍ والخطيب بإسنادٍ حسنٍ: (﴿كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩]) أي (حُلَمَاءَ) جمع حليمٍ باللَّام (فُقَهَاءَ) جمع فقيهٍ، وفي روايةٍ: «حكماء» -بالكاف- جمع حكيمٍ «علماء» جمع عالِمٍ، وهذا تفسير ابن عبَّاسٍ، وقال البيضاويُّ: و «الرَّبانيُّ»: المنسوب إلى الرَّبِّ؛ بزيادة الألف والنُّون، كاللِّحيانيِّ والرَّقَبانيِّ؛ وهو الكامل في العلم والعمل، وقال البخاريُّ حكايةً عن قول بعضهم: (وَيُقَالُ: الرَّبَّانِيُّ الَّذِي يُرَبِّي النَّاسَ بِصِغَارِ العِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ) أي: بجزئيَّات العلم قبل كليَّاته، أو بفروعه قبل أصوله، أو بوسائله قبل مقاصده، أو ما وَضُحَ من مسائله قبل ما دقَّ منها، ولم يذكر المؤلِّف حديثًا موصولًا، ولعلَّه اكتفى بما ذكره، أو غير ذلك من الاحتمالات، والله أعلم.

стр. 686

(١١) (بابُ مَا كَانَ) أي: باب كون (النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُهُمْ) بالخاء المُعجَمَة واللَّام، أي: يتعهَّد أصحابه (بِالمَوْعِظَةِ) بالنُّصح والتَّذكير بالعواقب (وَالعِلْمِ) من عطف العامِّ على الخاصِّ، وإنَّما عطفه لأنَّها منصوصةٌ في الحديث الآتي، وذكر العلم استنباطًا (كَيْ لَا يَنْفِرُوا) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وكسر الفاء، أي: يتباعدوا. ٦٨ - وبالسَّند السَّابق إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) بن واقدٍ الفريابيُّ الضَّبِّيُّ، المُتوفَّى في ربيع الأوّل سنة اثنتي عشْرةَ ومئتين، وليس هو محمَّد بن يوسف البِيكَنْدِيُّ؛ لأنَّه إذا أُطْلِقَ في هذا الكتاب محمَّدُ بن يوسف تعيَّن الأوَّل (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وفي رواية ابن عساكرَ والأَصيليِّ: «حدّثنا» (سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة الكوفيِّ (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) عبد الله ﵁ أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُنَا) بالخاء المُعجَمَة واللَّام، أي: يتعهَّدنا؛ والمعنى: كان يراعي الأوقات في تذكيره، ولا يُدْخِل ذلك كلَّ يومٍ، أو هي بالمُهمَلَة، أي: يطلب أحوالنا التي ننشط منها للموعظة (١)، وصوَّبها أبو عمرٍو الشَّيبانيُّ، وعن الأصمعيِّ: «يتخوَّننا» بالمُعجَمَة والنُّون، أي: يتعهَّدنا (بِالمَوْعِظَةِ فِي الأَيَّامِ) فكان يراعي الأوقات في وعظنا، فلا يفعله كلَّ يومٍ (كَرَاهَةَ) بالنَّصب مفعولٌ له، أي: لأجل كراهة (السَّآمَةِ) أي: الملالة من الموعظة (عَلَيْنَا) وفي رواية الأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ عنِ الحَمُّويي: «كراهية» بزيادة مُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ، وهما لغتان، والجارُّ والمجرور متعلِّقٌ بـ «السَّآمة»

стр. 687

على تضمين «السَّآمة» معنى المشقَّة، أي: كراهة المشقَّة علينا، أو بتقدير الصِّفة، أي: كراهة السَّآمة الطَّارئة علينا، أو الحال، أي: كراهة السَّآمة حال كونها طارئةً علينا، أو بمحذوفٍ، أي: كراهة السَّآمة شفقةً علينا. ٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح المُوحَّدة وتشديد المُعجَمَة، ابن داودَ، المُلقَّب ببُنْدار؛ بضمِّ المُوحَّدة وسكون النُّون وبالدَّال المُهمَلَة، العبديُّ؛ نسبةً إلى عَبدِ مُضَر بن كِلابٍ، البصريُّ، المُتوفَّى في رجب سنة اثنتين وخمسين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) وفي رواية أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وأبي الوقت: «بْنُ سَعِيدٍ» أي: الأحول القطَّان (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو التَّيَّاحِ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وتشديد التَّحتيَّة آخره مُهمَلَةٌ، يزيد بن حُمَيْدٍ -بالتَّصغير- الضُّبَعِيُّ؛ بضمِّ المُعجَمَة وفتح المُوحَّدة؛ نسبةً إلى ضُبيعة (١) بن يزيد، المُتوفَّى سنة سبع وعشرين ومئةٍ (عَنْ أَنَسٍ) أي: ابن مالكٍ، كما في رواية الأَصيليِّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: يَسِّرُوا) أمرٌ مِنَ اليُسْرِ؛ نقيض العسر (وَلَا تُعَسِّرُوا) نهيٌ (٢) من: عَسَّرَ تعسيرًا، واستُشكِل الإتيان بالثَّاني بعد الأوَّل؛ لأنَّ الأمرَ بالإتيان بالشَّي نهيٌ عن ضدِّه، وأُجِيب: بأنَّه إنَّما صرَّح باللَّازم للتَّأكيد، وبأنَّه (٣) لو اقتصر على الأوَّل لَصَدَقَ على من أتى (٤) به مرَّةً، وأتى بالثَّاني غالبَ أوقاته، فلمَّا قال: «ولا تعسِّروا» انتفى التَّعسير في كلِّ الأوقات من جميع الوجوه (وَبَشِّرُوا): أمرٌ مِنَ البشارة؛ وهي الإخبار بالخير؛ نقيض النّذارة

стр. 688

(وَلَا تُنَفِّرُوا) نهيٌ (١) من نفَّر بالتَّشديد، أي: بشِّروا النَّاس أوِ المؤمنين بفضل الله وثوابه وجزيل عطائه وسَعَةِ رحمته، ولا تنفِّروهم بذكر التَّخويف وأنواع الوعيد، لا يُقَال: كان المناسب أن يأتيَ بدل «ولا تنفِّروا»: ولا تنذروا؛ لأنَّه نقيض التَّبشير لا التَّنفير؛ لأنَّهم قالوا: المقصود من الإنذار التَّنفير، فصرَّح بما هو المقصود منه، ولم يقتصر على أحدهما، كما لم يقتصر في الأوَّلَين لعموم النَّكرة في سياق النَّفيِ (٢)؛ لأنَّه لا يلزم من عدم التَّعسير ثبوتُ التَّيسير، ولا من عدم التَّنفير ثبوتُ التَّبشير، فجمع بين هذه الألفاظ لثبوت هذه المعاني، لا سيَّما والمقامُ مقامُ إطنابٍ، وفي قوله: «بشِّروا» بعد «يسِّروا» الجناسُ الخطِّيُّ. (١٢) هذا (بابُ مَنْ جَعَلَ لأَهْلِ العِلْمِ أَيَّامًا مَعْلُومَةً) بالجمع في الأوَّل والإفراد في الثَّاني، أو بالجمع فيهما، أو بالإفراد فيهما، فالأوَّل لكريمةَ، والثَّاني: للكُشْمِيهَنِيِّ، والثَّالث: لغيرهما، و «بابُ»: خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، ومضافٌ لتاليه. ٧٠ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو عثمان بن محمَّد بن إبراهيم ابن أبي شيبة بن عثمان ابنُ خُوَاسْتِي؛ بضمِّ الخاء المُعجَمَة وبعد الألف سينٌ مُهمَلَةٌ ساكنةٌ

стр. 689

ثمَّ مُثنَّاةٌ فوقيَّةٌ، العبسيُّ الكوفيُّ، المُتوفَّى لثلاثٍ بقيْنَ من المحرَّم سنة تسعٍ وثلاثين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد بن قُرْطٍ الضَّبِّيُّ (١) الكوفيُّ، المُتوفَّى سنة ثمانٍ أو سبعٍ وثمانين ومئةٍ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر بن عبد الله، المُتوفَّى سنةَ ثلاثٍ أوِ اثنتين وثلاثين ومئةٍ (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمةَ أنَّه (قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعود ﵁ (يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ) أي: لابن مسعودٍ (رَجُلٌ) قال في «فتح الباري»: يشبه أن يكون هو يزيد بن عبد الله (٢) النَّخعيُّ: (يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) وهو كنية ابن مسعود (لَوَدِدْتُ) أي: والله لأحببتُ (أَنَّكَ) بفتح الهمزة مفعولُ سابقِهِ (ذَكَّرْتَنَا) بتشديد الكاف (كُلَّ) أي: في كلِّ (يَوْمٍ) قاله استحلاءً للذِّكر؛ لِمَا وجد من بركته ونوره (قَالَ) عبد الله: (أَمَا) بفتح الهمزة وتخفيف الميم؛ حرفُ تنبيهٍ عند الكِرمانيِّ، واستفتاحٍ بمنزلة «أَلَا» أو بمعنى: «حقًّا» عند غيره (إِنَّهُ) بكسر الهمزة، أو بفتحها على قول إنَّ «أَمَا» بمعنى «حقًّا»، والضَّمير للشَّأن (يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي) بفتح الهمزة، فاعلُ «يمنعني» (أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ) بضمِّ الهمزة وكسر الميم وتشديد اللَّام المفتوحة، أي: أكرهُ إملالَكم وضجرَكم (وَإِنِّي) بكسر الهمزة (أَتَخَوَّلُكُمْ) بالخاء المعجمة، أي: أتعهَّدكم (بِالمَوْعِظَةِ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُنَا بِهَا) أي: بالموعظة في مظانِّ القبول، ولا يُكْثِر (مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا) إمَّا أن يتعلَّق بـ «المخافة» أو بـ «السَّآمة»، وزعم بعضهم أنَّ الصَّواب «يتحوَّلنا» بالحاء المُهمَلَة، لكنَّ الرِّوايات الصَّحيحَة بالخاء المعجمة.

стр. 690

(١٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (مَنْ) أي: الذي (يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا) بالنَّصب، مفعول «يُرِدِ» المجزوم؛ لأنَّه فعل الشَّرط؛ إذِ الموصول متضمِّنٌ معنى الشَّرط، وكُسِرَ لالتقاء السَّاكنين، وجواب الشَّرط: (يُفَقِّهْهُ) فالهاء ساكنةٌ، وفي روايةٍ للكُشْمِيهَنِيِّ زيادة: «فِي الدِّينِ» وهي ساقطةٌ عند الباقين، والفقهُ في الأصل: الفَهْمُ، يُقَال: فَقِه الرَّجل -بالكسر- يَفْقَهُ فِقْهًا إذا فَهِمَ وعَلِمَ، وفَقُه -بالضَّمِّ- إذا صار فقيهًا عالمًا، وجعله العُرْفُ خاصًّا بعلم الشَّريعة، ومُخصّصًا بعلم الفروع، وإنَّما خُصَّ علمُ الشَّريعة بالفقه لأنَّه علمٌ مُستنبَطٌ بالقوانين والأدلَّة والأقيسة والنَّظر الدَّقيق؛ بخلاف علم اللُّغة والنَّحو وغيرهما (١)، رُوِيَ: أنَّ سلمان (٢) نزل على نبطيَّةٍ بالعراق، فقال لها: هل هنا مكانٌ نظيفٌ أُصَلِّي فيه؟ فقالت: طهِّر قلبك، وصلِّ حيث شئت، فقال: فقِهت، أي: فهمت (٣)، وفطنت الحقَّ، ولو قال: علمت، لم يقع هذا الموقع؛ ومفهومه: أنَّ من لم يتفقَّه في الدِّين فقد حُرِمَ الخير.

стр. 691

٧١ - وبالسَّند السَّابق إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) بضمِّ العين المُهمَلَة وفتح الفاء وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخرُه راءٌ، المصريُّ، واسم أبيه: كثيرٌ؛ بمُثلَّثةٍ، وإنَّما نسبه المؤلِّف لجدِّه لشهرته به، المُتوفَّى سنة ستٍّ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) بسكون الهاء، واسمه: عبد الله بن مسلمٍ القرشيُّ المصريُّ الفهري، الذي لم يكتبِ الإمامُ مالكٌ لأحدٍ: «الفقيهَ» إلَّا له فيما قِيلَ، المُتوفَّى بمصر سنة سبعٍ وتسعين ومئةٍ لأربعٍ بقيْنَ من شعبان (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأَيْلِيِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (قَالَ: قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ، وحاء «حُميدٍ» مضمومةٌ، وفي نسخةٍ: «حدَّثني» بالإفراد «حُميَدُ بن عبد الرَّحمن» قال: (سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ) بن أبي سفيانَ صخرِ بن حربٍ، كاتب الوحي لرسول الله ﷺ ، ذا المناقب الجمَّة، المُتوفَّى في رجب سنة ستِّين، وله من العمر ثمانٍ وسبعون سنةً، وله في «البخاريِّ» ثمانية أحاديث، أي: سمعت قوله حال كونه (خَطِيبًا) حال كونه (يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ) وفي رواية الأَصيليِّ: «سمعت رسول الله» (¬ ﷺ ¬) أي: كلامه حال كونه (يَقُولُ: مَنْ يُرِدِ اللهُ) ؛ بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وكسر الرَّاء، من الإرادة؛ وهي صفةٌ مُخصِّصَةٌ لأحد طرفيِ الممكن (١) المُقدَّر بالوقوع (بِهِ خَيْرًا) أي: جميع الخيرات، أو خيرًا عظيمًا (يُفَقِّهْهُ) أي: يجعله فقيهًا (فِي الدِّينِ) والفقه لغةً: الفهم، والحمل عليه هنا أَوْلَى من الاصطلاحيِّ ليعمَّ فَهْم كلِّ علمٍ من علوم الدِّين، و «مَنْ» موصولٌ فيه معنى الشَّرط كما مرَّ، ونكَّر «خيرًا» ليفيد التَّعميم؛ لأنَّ النَّكرة في سياق الشَّرط كهي في سياق النَّفيِ، أوِ (٢) التَّنكير للتَّعظيم إذ إنَّ المقام يقتضيه؛ ولذا قُدِّر -كما مرَّ- بجميعٍ وعظيمٍ (وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ) أي: أقسم بينكم تبليغ الوحيِ من غير تخصيصٍ (وَاللهُ يُعْطِي) كلَّ واحدٍ منكم من الفهم على قدر ما تعلَّقت به إرادته تعالى، فالتَّفاوت في أفهامكم منه سبحانه، وقد كان (٣) بعض الصَّحابة يسمع الحديث فلا يفهم منه إلَّا الظَّاهر الجليَّ، ويسمعه

стр. 692

آخرُ منهم، أو من القرن الذي يليهم، أو ممَّن أتى بعدهم فيستنبط منه مسائلَ كثيرةً، و ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء﴾ [الجمعة: ٤] وقال الطِّيبيُّ: الواو في قوله: «وإنَّما أنا قاسمٌ» للحال من فاعل «يُفَقِّهْهُ»، أو من مفعوله، فعلى الثَّاني فالمعنى: أنَّ الله تعالى يعطي كلًّا ممَّن أراد أن يفقِّهَه استعدادًا لدَرَْك المعاني على ما قدَّره له، ثمَّ يلهمني بإلقاء ما هو لائقٌ باستعداد كلِّ واحدٍ، وعلى الأوَّل فالمعنى: أنِّي أُلْقي على ما يسنح لي وأسوِّي فيه، ولا أرجِّح بعضهم على بعضٍ، والله يوفِّق كلًّا منهم على ما أراد وشاء من العطاء. انتهى. وقال غيره: المراد القَسْم الماليُّ، لكنَّ سياقَ الكلام يدلُّ على الأول؛ إذ إنَّه أخبر أنَّ من أراد به خيرًا فقَّهه (١) في الدِّين، وظاهره يدلُّ على الثَّاني؛ لأنَّ القسمة حقيقيَّةٌ في الأموال. نعم؛ يتوجَّه السُّؤال عن وجه المُناسَبَة بين اللَّاحق والسَّابق، وقد يُجَاب بأنَّ مورد الحديث كان عند قِسمة مالٍ، وخصَّص ﵊ بعضهم (٢) بزيادةٍ لمُقْتَضٍ اقتضاه، فتعرَّض بعضُ من خَفِيَ عليه الحكمة، فردَّ عليه ﷺ بقوله: «من يُرِدِ الله به خيرًا … » إلى آخره، أي: من أراد الله به الخير يزيد له في فهمه في أمور الشَّرع فلا يتعرَّض لأمرٍ ليس على وفق خاطره؛ إذِ (٣) الأمر كلُّه لله، وهو الذي يعطي ويمنع، ويزيد وينقص، والنَّبيُّ ﷺ قائمٌ (٤) بأمر الله، ليس بمعطٍ حتَّى تُنْسَب إليه الزِّيادةُ والنُّقصان، واستُشكِل: الحصر بـ «إنَّما» مع أنَّه ﵊ له صفاتٌ أخرى سوى «قاسم»، وأُجِيب: بأنَّ هذا ورد ردًّا على من اعتقد أنَّه ﵊ يعطي ويقسم، فلا ينفي إلَّا ما اعتقده السَّامع، لا كلَّ صفةٍ من الصِّفات، وفيه حذف المفعول (وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الأُمَّةُ قَائِمَةً) بالنَّصب خبر «تزال» (عَلَى أَمْرِ اللهِ) على الدِّين الحقِّ (لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ) أي: الذي (خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ) و «حتَّى» غايةٌ لقوله: «لن تزالَ»، واسْتُشكِل بأنَّ ما بعد الغاية مخالفٌ لِمَا قبلها إذ يلزم منه ألَّا تكون هذه الأمَّة يوم القيامة على الحقِّ، وأُجِيب بأنَّ المرادَ من قوله: «أمر الله» التَّكاليف، وهي معدومةٌ فيها، أوِ المُرَاد بالغاية هنا تأكيد التَّأبيد؛ على حدِّ قوله تعالى: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ [هود: ١٠٨] أو هي غايةٌ لقوله:

стр. 693

«لا يضرُّهم» لأنَّه أقرب، ويكون المعنى: حتَّى يأتيَ بلاء الله، فيضرُّهم حينئذٍ، فيكون ما بعدها مخالفًا لما قبلها. (١٤) هذا (١) (بابُ الفَهْمِ) بإسكان الهاء وفتحها، لغتان (فِي العِلْمِ) أي: المعلوم (٢)، أي: إدراك المعلومات، وإلَّا فالفهم نفس العلم كما فسَّره به الجوهريُّ، كذا قاله الحافظ ابن حجرٍ والبرماويُّ تبعًا للكِرمانيِّ، وعُورِضَ بأنَّ العلم عبارةٌ عن الإدراكِ الجَلِيِّ، والفهم جودة الذِّهن، والذهن قوَّةٌ تُقتنَص بها الصُّور والمعاني، وتشمل الإدراكات العقليَّة والحسيَّة، وقال اللَّيث: يُقَال: فهمت الشَّيء؛ أي (٣) عقلته وعرفته، ويُقَال: «فهَْمٌ» بتسكين الهاء وفتحها، وهذا قد فسَّر الفهم بالمعرفة، وهو عين (٤) العلم. ٧٢ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) وفي رواية أبي ذَرٍّ: «بن عبد الله (٥)» أي: المدينيُّ، أَعْلم أهل (٦) زمانه بهذا الشَّأن، المُتوفَّى -فيما قاله المؤلِّف- لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة أربعٍ وثلاثين ومئتين، قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنةَ (قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ) بفتح النُّون؛ هو عبد الله، واسم أبيه يسارٌ، القدريُّ، المُوثَّق من أبي زرعةَ، المُتوفَّى سنة إحدى

стр. 694

وثلاثين ومئةٍ، وفي «مُسنَد الحميديِّ»: عن سفيان: حدَّثني ابن أبي نجيح (عَنْ مُجَاهِدٍ) أي: ابن جَبْرٍ؛ بفتح الجيم وسكون المُوحَّدة، وقِيلَ: جُبَيْرٍ مُصغَّرًا، المخزوميِّ الإمام، المُتفَّق على جلالته وتوثيقه، المُتوفَّى سنة مئةٍ، وليس له في هذا الكتاب إلَّا هذا (١) (قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄ (إِلَى المَدِينَةِ) النَّبويَّة (فَلَمْ أَسْمَعْهُ) حال كونه (يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا، قَالَ: كُنَّا) ولغير أبي الوقت: «واحدًا، كنَّا» (عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأُتِيَ) بضمِّ الهمزة (بِجُمَّارٍ) بضمِّ الجيم وتشديد الميم؛ وهو شحم النَّخيل (فَقَالَ) ﷺ : (إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً مَثَلُهَا كَمَثَلِ) بفتح الميم والمُثلَّثة فيهما، أي: صفتها العجيبة كصفة (المُسْلِمِ) قال ابن عمر: (فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ) في جواب قول الرَّسول ﷺ : «حدِّثوني ما هِيَ؟» كما صرَّح به في غير هذه الرِّواية [خ¦٦١] (هِيَ النَّخْلَةُ، فَإِذَا أَنَا أَصْغَرُ القَوْمِ فَسَكَتُّ) تعظيمًا للأكابر (قَالَ) وفي رواية أبي الوقت وابن عساكر: «فقال» (النَّبِيُّ ﷺ : هِيَ النَّخْلَةُ) فإن قلت: ما وجه مُناسَبَة الحديث للتَّرجمة؟ أُجِيب: من كون ابن عمر لمَّا ذكر النَّبيُّ ﷺ المسألةَ عند إحضار الجُمَّار إليه فَهِمَ أنَّ المسؤول عنه النَّخلة بقرينة الإتيان بجُمَّارها. (١٥) هذا (بابُ الاِغْتِبَاطِ فِي العِلْمِ وَالحِكْمَةِ) من باب العطف التَّفسيريِّ، أو من باب عطف الخاصِّ على العامِّ، والاغتباط بالغين المُعجَمَة: «افتعالٌ» مِنَ الغبطة؛ وهي تمنِّي مثلَ ما للمغبوط من غير زواله عنه؛ بخلاف الحسد فإنَّه مع تمنِّي الزَّوال عنه (وقَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ فيما رواه ابن عبد البرِّ بسندٍ صحيحٍ من حديث ابن سيرين عن الأحنف عنه: (تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ

стр. 695

تُسَوَّدُوا) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وتشديد الواو، أي: تصيروا سادةً، من ساد قومه يسودهم سيادةً، قال أبو عبيد (١) أي: تفقَّهوا وأنتم صغارٌ قبل أن تصيروا سادةً، فتمنعكم الأنفة عن الأخذ عمَّن هو دونكم، فتبقوا جهَّالًا، ولا وجه لمن خصَّه بالتَّزوُّج لأنَّ السِّيادة أعمُّ؛ لأنَّها قد تكون به وبغيره من الأشياء الشَّاغلة، ولا يخفى تكلُّف من جعله من السَّواد في اللِّحية، فيكون أمر الشَّابِّ بالتَّفقُّه قبل أن تسودَّ لحيته (٢)، والكهل قبل أن تتحوَّل لحيته من السَّواد إلى الشَّيب، وزاد الكُشْمِيهَنيُّ في روايته: «قال أبو عبد الله»، أي: المؤلِّف -وفي نسخةٍ: وقال محمَّد بن إسماعيل (٣) -: «وبعد أن تُسَوَّدُوا» وإنَّما عقَّب المؤلِّف السَّابقَ بهذا اللَّاحق ليبيِّن أنْ لا مفهومَ له؛ خوف أن يُفهَم منه أنَّ السِّيادة مانعةٌ من التَّفقُّه، وإنَّما أراد عمر ﵁ أنَّه قد يكون سببًا للمنع؛ لأنَّ الرَّئيس قد يمنعه الكِبَر والاحتشام أن يجلس مجلس المتعلِّمين، «وقد تعلَّم أصحاب النَّبيِّ ﷺ في كِبَر سنِّهم»، أورده تأكيدًا للسَّابق، وليس قول عمر ﵁ هنا من تمام التَّرجمة. نعم؛ قال البرماويُّ وغيره تبعًا للكِرمانيِّ: إلَّا أن يُقَال: الاغتباط في الحكمة على القضاء لا يكون إلَّا قبل كون الغابط قاضيًا، قالوا: ويُؤوَّل حينئذٍ بمصدرٍ، والتَّقدير: باب الاغتباطِ وقول عمر. انتهى. وتُعقِّب: بأنَّه كيف يُؤوَّل الماضي بالمصدر، وتأويل الفعل بالمصدر لا يكون إلَّا بوجود «أن» المصدريَّة؟ ٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) أبو بكرٍ عبد الله بن الزُّبَيْر بن عيسى المكِّيُّ، المُتوفَّى سنة تسعَ عشْرةَ ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية أبوي ذَرٍّ

стр. 696

والوقت: «حدَّثنا» (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَلَى غَيْرِ مَا) أي: على غير اللَّفظ الذي (حَدَّثَنَاهُ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ، المسوق روايته عند المؤلِّف في «التَّوحيد» [خ¦٧٥٢٩] والحاصل أنَّ ابن عُيَيْنَةَ روى الحديث عن إسماعيل بن أبي خالدٍ وساق لفظه هنا، وعن الزُّهريِّ وساق لفظه في «التَّوحيد»، وسيأتي ما بين الرِّوايتين من التَّخالف في اللَّفظ إن شاء الله تعالى (١) (قَالَ) أي: إسماعيل بن أبي خالدٍ (سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المُهمَلَة والزَّاي (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ) ﵁، أي: كلامه حال كونه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا حَسَدَ) جائزٌ في شيءٍ (إِلَّا فِي) شأن (اثْنَتَيْنِ) بتاء التَّأنيث، أي: خصلتين، وللمؤلِّف في «الاعتصام»: «اثنين» بغير تاءٍ [خ¦٧٣١٦] أي: في شيئين (رَجُلٌ) بالرَّفع بتقدير إحدى الاثنتين خصلةُ رجلٍ، فلمَّا حذف المُضَاف اكتسب المُضَافُ إليه إعرابَه، والجرِّ بدلٌ من «اثنين»، وأمَّا على رواية تاء التَّأنيث فبدلٌ (٢) أيضًا على تقدير حذف المُضَاف، أي: خصلةُ رجلٍ؛ لأنَّ الاثنتين معناه -كما مرَّ- خصلتان (٣)، والنَّصب بتقدير: أعني، وهو رواية ابن ماجه (آتَاهُ اللهُ) بمدِّ الهمزة كاللَّاحقة (٤)، أي: أعطاه (مَالًا فَسُلِّطَ) بضمِّ السِّين مع حذف الهاء؛ وهي لأبي ذَرٍّ، وعبَّر بـ «سُلِّط» ليدلَّ على قهر النَّفس المجبولة على الشُّحِّ، ولغير أبي ذَرٍّ ممَّا ليس في «اليونينيَّة» (٥): «فَسَلَّطَه» (عَلَى هَلَكَتِهِ) بفتح اللَّام والكاف، أي: إهلاكه بأن أفناه كلَّه (فِي الحَقِّ) لا في التَّبذير ووجوه المكاره (وَرَجُلٌ) بالحركات الثَّلاث كما (٦) مرَّ (آتَاهُ اللهُ الحِكْمَةَ) القرآن، أو كلَّ ما منع من الجهل وزجر عن القبيح (فَهْوَ يَقْضِي بِهَا) بين

стр. 697

النَّاس (وَيُعَلِّمُهَا) لهم، وأطلق «الحسد» وأراد به الغبطة، وحينئذٍ فهو من باب (١) إطلاق المُسبَّب على السَّبب، ويؤيِّده ما عند المؤلِّف في «فضائل القرآن» من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ: «فقال: ليتني أُوتيت مثل ما أُوتِيَ فلانٌ فعملت بمثل ما يعمل» [خ¦٥٠٢٦] فلم يتمنَّ السَّلب، بل أن يكون مثله، أو الحسد على حقيقته، وخُصَّ منه المُستثنَى لإباحته كما خُصَّ نوعٌ من الكذب بالرُّخصة وإن كانت جملته محظورةً، فالمعنى هنا: لا إباحة في شيءٍ من الحسد إلَّا فيما كان هذا سبيله، أي: لا حسدَ محمودٌ إلَّا في هذين، فالاستثناء على الأوَّل من غير الجنس، وعلى الثَّاني منه، كذا قرَّره الزَّركشيُّ، والبرماويُّ والكِرمانيُّ، والعينيُّ. وتعقَّبه (٢) البدر الدَّمامينيُّ: بأنَّ الاستثناء متَّصلٌ على الأوَّل قطعًا، وأمَّا على الثَّاني (٣) فإنَّه يلزم عليه إباحة الحسد في الاثنتين كما صرَّح به، والحسد الحقيقيُّ -وهو كما تقرَّر تمنِّي زوال نعمة المحسود عنه وصيرورتها إلى الحاسد- لا يُباح أصلًا، فكيف يُبَاح تمنِّي زوال نعمة الله تعالى عن المسلمين القائمين بحقِّ الله فيها؟ انتهى. (١٦) (بابُ مَا ذُكِرَ فِي ذَهَابِ مُوسَى) بن عمران زاد الأَصيليُّ: « ﷺ » المُتوفَّى وعمره مئةٌ وستُّون سنةً -فيما قاله العزيزِيُّ (٤) - في التِّيه في سابع آذار، لمضيِّ ألف سنةٍ وستِّ مئةٍ

стр. 698

وعشرين سنةً من الطُّوفان (فِي البَحْرِ إِلَى الخَضِرِ) ﵉؛ بفتح الخاء وكسر الضَّاد المُعجَمَتين، وقد تُسكَّن الضَّاد مع كسر الخاء وفتحها، وكنيته أبو العبَّاس، واختُلِف في اسمه كأبيه، وهل هو نبيٌّ أو رسولٌ أو مَلَكٌ؟ وهل هو حيٌّ أو ميتٌ؟ فقال ابن قتيبة: اسمه (١): بَلْيَا؛ بفتح المُوحَّدة وسكون اللَّام، وبمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ، ابن مَلْكان؛ بفتح الميم وسكون اللَّام، وقِيلَ: إنَّه ابن فرعون صاحب موسى، وهو غريبٌ جدًّا، وقِيلَ: ابن مالكٍ، وهو أخو إلياس، وقِيلَ: ابن آدم لصلبه، رواه ابن عساكر بإسناده إلى الدَّارقطنيِّ، والصَّحيح أنَّه نبيٌّ معمَّرٌ محجوبٌ عن الأبصار، وأنَّه باقٍ إلى يوم القيامة لشربه من ماء الحياة، وعليه الجماهير واتِّفاق الصُّوفيَّة، وإجماع كثيرٍ من الصَّالحين (٢)، وأنكر جماعةٌ حياتَه؛ منهم المؤلِّف وابن المُبارَك والحربيُّ وابن الجوزيِّ، ويأتي ما في ذلك من المباحث إن شاء الله تعالى، وظاهر التَّبويب أنَّ موسى ﵊ ركب البحر لمَّا توجه في طلب الخضر، واستُشكِل؛ فإنَّ الثَّابت عند المصنِّف وغيره أنَّه إنَّما ذهب في البرِّ، وركب البحر في السَّفينة مع الخضر بعد اجتماعهما، وأُجِيب: بأنَّ مقصود الذَّهاب إنَّما حصل بتمام القصَّة، ومن تمامها أنَّه ركب مع الخضر البحر، فأطلق على جميعها «ذهابًا» مجازًا، من إطلاق اسم الكلِّ على البعض، أو من قَبِيلِ تسمية السَّبب باسم ما تسبَّب عنه. وعند عبد بن حميدٍ عن أبي العالية: أنَّ موسى التقى بالخضر في جزيرةٍ من جزائر البحر، ولا ريبَ أنَّ التَّوصُّل إلى جزيرة البحر لا يقع إلَّا بسلوك (٣) البحر غالبًا، وعنده (٤) من طريق الرَّبيع بن أنسٍ قال: «اِنجَابَ الماءُ عن مسلك الحوت فصار طاقةً مفتوحةً، فدخلها موسى على إثر الحوت حتَّى انتهى إلى الخضر» فهذا يوضِّح أنَّه ركب البحر إليه، وهذان الأثران الموقوفان رجالُهما ثقاتٌ (وَ) باب (قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ﴾) أي: على شرط أن تعلِّمَني، وهو في موضع الحال من الكاف (الآيةَ) بالنَّصب؛ بتقدير «فذكر» على المفعوليَّة، وزاد

стр. 699

الأَصيليُّ في روايته باقي الآية؛ وهو قوله: «﴿مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾» [الكهف: ٦٦] أي: علمًا ذا رشدٍ؛ وهو إصابة الخير، وقرأ يعقوب وأبو عمرٍو والحسن واليزيديُّ (١): بفتح الرَّاء والشِّين، والباقون: بضمِّ الرَّاء وسكون الشِّين (٢)، وهما لغتان؛ كالبَخَل والبُخْل، وهو مفعول: ﴿تُعَلِّمَنِ﴾، ومفعول ﴿عُلِّمْتَ﴾ العائدُ محذوفٌ، وكلاهما منقولٌ من «عَلِمَ» الذي له مفعولٌ واحدٌ، ويجوز أن يكون ﴿رُشْدًا﴾ (٣) علَّة لـ ﴿أَتَّبِعُكَ﴾ أو مصدرًا بإضمار فعله، ولا ينافي نبوَّته وكونه صاحب شريعةٍ أن يتعلَّم من غيره ما لم يكن شرطًا في أبواب الدِّين؛ فإنَّ الرَّسول ينبغي أن يكون أعلمَ ممَّن أُرسِلَ إليه فيما بُعِثَ به من أصول الدِّين وفروعه، لا مُطلَقًا، وقد (٤) راعى في ذلك غاية الأدب والتَّواضع، فاستجهل نفسه واستأذن أن يكون تابعًا له، وسأل منه أن يرشده ويُنعِمَ عليه بتعليمِ بعضِ ما أَنْعَمَ الله عليه، قاله البيضاويُّ. ٧٤ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَي) بالإفراد، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «حدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ) بغَيْنٍ مُعجَمَةٍ مضمومةٍ وراءٍ مُكرَّرةٍ؛ الأولى منهما مفتوحةٌ بينهما مُثَّناةٌ تحتيَّةٌ ساكنةٌ،

стр. 700

ابن الوليد القرشيُّ (الزُّهْرِيُّ) المدنيُّ، نزيل سمرقند (قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعدٍ القرشيُّ المدنيُّ الزُّهريُّ، سكن بغداد وتُوفِّي بها (١) في شوَّال سنة ثمانٍ ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «حدَّثنا» (أَبِي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ صَالِحٍ) أي: ابن كَيسان -بفتح الكاف- المدنيِّ التَّابعيِّ، المُتوفَّى وهو ابن مئة سنةٍ ونيَّفٍ وستِّين سنةً (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه (حَدَّثَ) وفي رواية الحَمُّويي والمُستملي: «حدَّثه» (أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ) بالتَّصغير (بْنَ عَبْدِ اللهِ) -بالتَّكبير- ابن عتبة، أحد الفقهاء السَّبعة (أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) عبد الله ﵄: (أَنَّهُ تَمَارَى) أي: تجادل وتنازع (هُوَ) أي: ابن عبَّاسٍ (وَالحُرُّ) بضمِّ الحاء المُهمَلَة، وتشديد الرَّاء (بْنُ قَيْسِ) بفتح القاف وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخرُه مُهمَلَةٌ (بْنِ حِصْنٍ) بكسر الحاء وسكون الصَّاد المُهمَلَتين، الصَّحابيُّ (الفَزَارِيُّ) بفتح الفاء والزَّاي ثمَّ الرَّاء؛ نسبةً إلى فَزَارةَ بن شيبانَ (فِي صَاحِبِ مُوسَى) ﵊؛ هل هو خضرٌ أو غيره؟ (قَالَ (٢) ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄: (هُوَ خَضِرٌ) بفتح أوَّله وكسر ثانيه، أو بكسر أوَّله وإسكان ثانيه، ولم يذكر مقالة الحرِّ بن قيسٍ، قال الحافظ ابن حجرٍ: ولا وقفت على ذلك في شيءٍ من طرق هذا الحديث (فَمَرَّ بِهِمَا) أي: بابن عبَّاسٍ والحرِّ بن قيسٍ (أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ) هو أبو (٣) المنذر الأنصاريُّ، المُتوفَّى سنة تسعَ عشْرةَ، أو عشرين، أو ثلاثين (فَدَعَاهُ) أي: ناداه (ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄، وفسَّره السَّفاقسيُّ -فيما نقله عنه الزَّركشيُّ وغيره- بقيامه إليه، أي: ثمَّ سأله، وعلَّله (٤) بأنَّ ابن عبَّاسٍ كان آدْبَ من أن يدعو أُبيًّا مع جلالته. انتهى. وليس في دعائه أن يجلس عندهم لفصل الخصومة ما يخلُّ بالأدب، وقد رُوِيَ: «فمرَّ بهما أُبيُّ بن كعبٍ، فدعاه ابن عبَّاسٍ، فقال: يا أبا الطُّفيل، هلمَّ إلينا» فهو صريحٌ في المُرَاد (فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ) أي: اختلفت (أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا) الحرُّ بن قيسٍ (فِي

стр. 701

صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ مُوسَى) وللأَصيليِّ زيادة: « ﷺ » (السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ) بلامٍ مضمومةٍ فقافٍ مكسورةٍ فمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ مُشدَّدةٍ (هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ ¬) حال كونه (١) (يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ قَالَ) أُبيٌّ: (نَعَمْ؛ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ) وفي رواية ابن عساكر: «النَّبيَّ» (¬ ﷺ ¬) زاد في رواية أبي ذرٍّ وأبي الوقت (٢): «يذكر شأنه» حال كونه (يَقُولُ: بَيْنَمَا) بالميم (مُوسَى) ﵊ (فِي مَلإٍ) بالقصر، أي: في جماعةٍ أو أشرافٍ (مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) وهم أولاد يعقوب ﵇، وكان أولاده اثني عشر؛ وهم الأسباط، وجميع بني إسرائيل منهم (جَاءَهُ رَجُلٌ) جواب «بينما»، والفصيح في جوابه -كما تقرَّر- ترك «إذ» و «إذا». نعم؛ ثبتت «إذ» في رواية أبي ذَرٍّ، كما في فرع «اليونينيَّة» كهي (٣)، قال الحافظ ابن حجرٍ: ولم أقف على تسمية الرَّجل (فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟) بنصب «أعلمَ» صفةٌ لـ «أحدًا» (قَالَ) وفي رواية الأَصيليِّ: «فقال» (مُوسَى: لَا) أعلم أحدًا أعلمَ منِّي، وفي «التَّفسير» [خ¦٤٧٢٥]: فسُئِل: أيُّ النَّاس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب الله عليه، أي: تنبيهًا له وتعليمًا لمن بعده، ولئلَّا يقتديَ به غيره في تزكية نفسه فيهلك، ولا ريبَ أنَّ في هذه القصَّة أبلغَ ردٍّ على مَنْ في هذا العصر؛ حيث (٤) فاهَ بقوله: أنا أعلمُ خلقِ الله، وإنَّما أُلجِئَ موسى للخضر للتَّأديب لا للتَّعليم، فافهم (فَأَوْحَى اللهُ) زاد الأَصيليُّ: « » (إِلَى مُوسَى: بَلَى) بفتح اللَّام وألفٍ؛ كـ «على» (عَبْدُنَا خَضِرٌ) وهو بَلْيَا بن ملكان (٥) أعلم منك؛ بما أعلمتُه من الغيوب وحوادث القدرة ممَّا لا تعلم الأنبياء منه إلَّا ما أُعلِموا به؛ كما قال سيِّدهم وصفوتهم صلوات الله وسلامه عليه وعليهم في هذا المقام: «إنِّي لا أعلم إلَّا ما علَّمني ربِّي»، وإِلَّا فلا ريبَ أنَّ موسى ﵊ أعلم بوظائف النُّبوَّة، وأمور الشَّريعة، وسياسة الأمَّة، وفي رواية الكُشْمِيهَنيِّ: «بلْ» بإسكان اللَّام، والتَّقدير: فأوحى الله إليه لا تُطلقِ النَّفيَ، بل قل: خَضِرٌ، لكن استُشكِل على هذه الرِّواية قوله: «عبدنا» إذ إنَّ المقام يقتضي أن يقول: عبد الله أو عبدك،

стр. 702

وأُجِيب: بأنَّه ورد على سبيل الحكاية عنِ الله تعالى، وأضافه تعالى إليه للتَّعظيم (فَسَأَلَ مُوسَى) ﵊ (السَّبِيلَ إِلَيْهِ) أي: إلى الخضر، فقال: اللهمَّ؛ ادللني عليه (فَجَعَلَ اللهُ لَهُ) أي: لأجله (الحُوتَ آيَةً) أي: علامةً لمكان الخضر ولُقِيِّه (وَقِيلَ لَهُ): يا موسى (إِذَا فَقَدْتَ الحُوتَ) بفتح القاف (فَارْجِعْ، فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ) وذلك: أنَّه لمَّا سأل موسى السَّبيل إليه قال الله تعالى له: اطلبه على السَّاحل عند الصَّخرة، قال: يا ربِّ؛ كيف لي به؟ قال: تأخذ حوتًا في مِكْتَلٍ، فحيث فقدته فهو هناك، فقِيلَ: أخذ سمكةً مملوحةً، وقال لفتاه: إذا فقدت الحوت فأخبرني (وَكَانَ) وللأَصيليِّ وأبي الوقت وابن عساكر: «فكان» (يَتَّبِعُ) بتشديد المُثنَّاة الفوقيَّة (أَثَرَ الحُوتِ فِي البَحْرِ، فَقَالَ لِمُوسَى فَتَاهُ) يوشع بن نونٍ، فإنَّه كان يخدمه ويتبعه ولذلك سمَّاه فتاه: (﴿أَرَأَيْتَ﴾) ما دهاني (﴿إِذْ﴾) أي: حين (﴿أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾) يعني: الصَّخرة التي رقد عندها موسى ﵊، أوِ الصَّخرة التي دون نهر الزَّيت؛ وذلك أنَّ موسى لمَّا رقد اضطرب الحوت المشويُّ ووقع في البحر؛ معجزةً لموسى أو الخضر ﵉، وقِيلَ: إنَّ يوشع حمل الخبز والحوت في المِكْتَل، ونزلا ليلًا (١) على شاطئ عينٍ تُسمَّى: عين الحياة، فلمَّا أصاب السَّمكة روح الماء وبرده عاشت، وقِيلَ: توضَّأ يوشعُ من تلك العين، فانتضح الماء على الحوت، فعاش ووقع في الماء (﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾) فقدته، أو نسيت ذكره بما رأيت (﴿وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾) قال البيضاويُّ: أي: وما أنساني ذكرَه إلَّا الشَّيطانُ، فإنَّ «أن أذكره» بدلٌ من الضَّمير، وهو اعتذارٌ عن نسيانه بشغل الشَّيطان له بوساوسه، والحال وإن كانت عجيبةً لا يُنسَى مثلها، لكنَّه لمَّا ضَرِيَ بمشاهدة أمثالها عند موسى وأَلِفَها قلَّ اهتمامه بها، ولعلَّه نَسِيَ ذلك لاستغراقه في الاستبصار، وانجذاب شراشره إلى جناب القدس بما عراه من مشاهدة الآيات الباهرة، وإنَّما نسبه إلى الشَّيطان هضمًا لنفسه (﴿قَالَ﴾) موسى: (﴿ذَلِكَ﴾) أي: فقدان الحوت (﴿مَا كُنَّا نَبْغِ﴾) أي: الذي نطلبه؛ لأنَّه (٢) علامةٌ على وجدان المقصود (﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا﴾) فرجعا في الطَّريق الذي جاءا فيه يقصَّان (﴿قَصَصًا﴾) أي: يتَّبعان آثارهما

стр. 703

اتِّباعًا، أو مقتصّين حتَّى أتيا الصَّخرة (فَوَجَدَا خَضِرًا) ﵊ (فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا) أي: الخضر وموسى (الَّذِي قَصَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ) من قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾ … [الكهف: ٦٦] إلى آخر ذلك، والله أعلم. (١٧) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : اللهمَّ عَلِّمْهُ) أي: حفِّظه أو فهِّمه (الكِتَابَ) أي: القرآن، والضَّمير يحتمل أن يكون لابن عبَّاسٍ لسبق ذكره في الحديث السَّابق [خ¦٧٤] إشارةً إلى أنَّ ما وقع من غلبته للحُرِّ بن قيسٍ إنَّما كان بدعائه له ﷺ ، أو استعمل لفظ الحديث الآتي ترجمةً إشارةً إلى أنَّ ذلك لا يختصُّ جوازه به، والضَّمير على هذا لغير المذكور، وهل يُقَال لمثل هذا ممَّا سبق في الباب سنده: تعليقٌ؟ فيه خلافٌ. ٧٥ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بميمين مفتوحتين بينهما عينٌ مُهمَلَةٌ ساكنةٌ وآخره راءٌ، عبد الله بن عمرو بن أبي الحجَّاج، البصريُّ المُقعَد؛ بضمِّ الميم وفتح العين، المِنْقَريُّ الحافظ القدريُّ، المُوثَّق من ابن معينٍ، المُتوفَّى سنة تسعٍ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان التَّميميُّ العنبريُّ، أبو عبيدةَ البصريُّ، المُتوفَّى في المُحرَّم سنة ثمانين ومئةٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ) هو ابن مهران الحذَّاء، ولم يكن حذَّاءً وإنَّما كان يجلس إليهم (١)، التَّابعيُّ المُوثَّق من يحيى وأحمد، المُتوفَّى سنة إحدى وأربعين ومئةٍ (عَنْ عِكْرِمَةَ) أبي عبد الله المدنيِّ، المُتكلَّم فيه لرأيه رأيَ الخوارج. نعم؛ اعتمده البخاريُّ في أكثر ما يصحُّ عنه من الرِّوايات، المُتوفَّى سنة خمسٍ، أو ستٍّ، أو سبعٍ ومئةٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) عبد الله ﵄ (قَالَ: ضَمَّنِي رَسُولُ اللهِ) وفي روايةٍ لأبي ذَرٍّ: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ ¬) إلى نفسه أو صدره كما في رواية مُسدَّدٍ عن

стр. 704

عبد الوارث في «المناقب» (١) [خ¦٣٧٥٦] (وَقَالَ: اللهمَّ عَلِّمْهُ) أي: عرِّفه (الكِتَابَ) بالنَّصب مفعولٌ ثانٍ، والأوَّل الضَّمير، أي: القرآن، والمُرَاد تعليم لفظه باعتبار دلالته على معانيه، وفي رواية عطاءٍ عن ابن عبَّاسٍ عند التِّرمذيِّ والنَّسائيِّ: أنَّه ﷺ دعا له أن يُؤتَى الحكمة مرَّتين، وفي رواية ابن عمر عند البَغويِّ في «مُعجَم الصَّحابة»: مسح رأسه، وقال: «اللَّهمَّ؛ فقِّهه في الدِّين وعلِّمه التَّأويل»، وفي رواية طاوسٍ: مسح رأسه وقال: «اللَّهمَّ؛ علِّمه الحكمة وتأويل الكتاب»، وقد تحقَّقت إجابته ﷺ ، فقد كان ابن عبَّاسٍ بحرَ العلم وحبرَ الأمَّة، ورئيس المفسِّرين، وترجمان القرآن. (١٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (مَتَى يَصِحُّ سَمَاعُ الصَّغِيرِ؟) وللكُشْمِيهَنِيِّ: «الصَّبيِّ الصَّغير (٢)» ومراده: أنَّ البلوغ ليس شرطًا في التَّحمُّل.

стр. 705

٧٦ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ) كما في رواية كريمة (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) هو ابن أنس الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بتصغير «العبد» (بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بضمِّ العين وسكون المُثنَّاة الفوقيَّة وفتح المُوحَّدة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (قَالَ: أَقْبَلْتُ) حال كوني (رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ) بفتح الهمزة وبالمُثنَّاة الفوقيَّة (١): الأُنثى من الحمير، ولمَّا كان الحمار شاملًا للذَّكر والأنثى خصَّصه بقوله: «أتانٍ»، وإنَّما لم يَقُلْ: حمارة، ويكتفي عن (٢) تعميم «حمارٍ» ثمَّ تخصيصه (٣)؛ لأنَّ التَّاء تحتمل الوحدة، كذا قاله الكِرمانيُّ، لكن تعقَّبه البرماويُّ بأنَّ «حمارًا» مُفرَدٌ، لا اسم جنسٍ جمعيٍّ كتمرٍ، وقال العينيُّ: الأحسن في الجواب أنَّ الحمارة قد تُطلَق على الفرس الهجين، كما قاله الصَّغانيُّ، فلو قال: على حمارةٍ لرُبَّما (٤) كان يُفهَم أنَّه أقبل على فرسٍ هجينٍ، وليس الأمر كذلك، على أنَّ الجوهريَّ حكى أنَّ الحمارة في الأنثى شاذَّةٌ (٥)، و «أتانٍ» بالجرِّ والتَّنوين كسابقه على النَّعت، أو بدلِ الغلط، أو بدلِ بعضٍ من كلٍّ لأنَّ «الحمار» يُطلَق على الجنس فيشمل الذَّكر والأنثى، أو بدل كلٍّ من كلٍّ نحو: شجرةٌ زيتونةٌ، ويُروَى بإضافة «حمارٍ» إلى «أتانٍ» أي: حمار هذا النَّوع وهو الأتان، قال
следующие страницы →