صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ مُوسَى) وللأَصيليِّ زيادة: « ﷺ » (السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ) بلامٍ مضمومةٍ فقافٍ مكسورةٍ فمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ مُشدَّدةٍ (هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ ¬) حال كونه (١) (يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ قَالَ) أُبيٌّ: (نَعَمْ؛ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ) وفي رواية ابن عساكر: «النَّبيَّ» (¬ ﷺ ¬) زاد في رواية أبي ذرٍّ وأبي الوقت (٢): «يذكر شأنه» حال كونه (يَقُولُ: بَيْنَمَا) بالميم (مُوسَى) ﵊ (فِي مَلإٍ) بالقصر، أي: في جماعةٍ أو أشرافٍ (مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) وهم أولاد يعقوب ﵇، وكان أولاده اثني عشر؛ وهم الأسباط، وجميع بني إسرائيل منهم (جَاءَهُ رَجُلٌ) جواب «بينما»، والفصيح في جوابه -كما تقرَّر- ترك «إذ» و «إذا». نعم؛ ثبتت «إذ» في رواية أبي ذَرٍّ، كما في فرع «اليونينيَّة» كهي (٣)، قال الحافظ ابن حجرٍ: ولم أقف على تسمية الرَّجل (فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟) بنصب «أعلمَ» صفةٌ لـ «أحدًا» (قَالَ) وفي رواية الأَصيليِّ: «فقال» (مُوسَى: لَا) أعلم أحدًا أعلمَ منِّي، وفي «التَّفسير» [خ¦٤٧٢٥]: فسُئِل: أيُّ النَّاس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب الله عليه، أي: تنبيهًا له وتعليمًا لمن بعده، ولئلَّا يقتديَ به غيره في تزكية نفسه فيهلك، ولا ريبَ أنَّ في هذه القصَّة أبلغَ ردٍّ على مَنْ في هذا العصر؛ حيث (٤) فاهَ بقوله: أنا أعلمُ خلقِ الله، وإنَّما أُلجِئَ موسى للخضر للتَّأديب لا للتَّعليم، فافهم (فَأَوْحَى اللهُ) زاد الأَصيليُّ: « » (إِلَى مُوسَى: بَلَى) بفتح اللَّام وألفٍ؛ كـ «على» (عَبْدُنَا خَضِرٌ) وهو بَلْيَا بن ملكان (٥) أعلم منك؛ بما أعلمتُه من الغيوب وحوادث القدرة ممَّا لا تعلم الأنبياء منه إلَّا ما أُعلِموا به؛ كما قال سيِّدهم وصفوتهم صلوات الله وسلامه عليه وعليهم في هذا المقام: «إنِّي لا أعلم إلَّا ما علَّمني ربِّي»، وإِلَّا فلا ريبَ أنَّ موسى ﵊ أعلم بوظائف النُّبوَّة، وأمور الشَّريعة، وسياسة الأمَّة، وفي رواية الكُشْمِيهَنيِّ: «بلْ» بإسكان اللَّام، والتَّقدير: فأوحى الله إليه لا تُطلقِ النَّفيَ، بل قل: خَضِرٌ، لكن استُشكِل على هذه الرِّواية قوله: «عبدنا» إذ إنَّ المقام يقتضي أن يقول: عبد الله أو عبدك،
стр. 702
وأُجِيب: بأنَّه ورد على سبيل الحكاية عنِ الله تعالى، وأضافه تعالى إليه للتَّعظيم (فَسَأَلَ مُوسَى) ﵊ (السَّبِيلَ إِلَيْهِ) أي: إلى الخضر، فقال: اللهمَّ؛ ادللني عليه (فَجَعَلَ اللهُ لَهُ) أي: لأجله (الحُوتَ آيَةً) أي: علامةً لمكان الخضر ولُقِيِّه (وَقِيلَ لَهُ): يا موسى (إِذَا فَقَدْتَ الحُوتَ) بفتح القاف (فَارْجِعْ، فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ) وذلك: أنَّه لمَّا سأل موسى السَّبيل إليه قال الله تعالى له: اطلبه على السَّاحل عند الصَّخرة، قال: يا ربِّ؛ كيف لي به؟ قال: تأخذ حوتًا في مِكْتَلٍ، فحيث فقدته فهو هناك، فقِيلَ: أخذ سمكةً مملوحةً، وقال لفتاه: إذا فقدت الحوت فأخبرني (وَكَانَ) وللأَصيليِّ وأبي الوقت وابن عساكر: «فكان» (يَتَّبِعُ) بتشديد المُثنَّاة الفوقيَّة (أَثَرَ الحُوتِ فِي البَحْرِ، فَقَالَ لِمُوسَى فَتَاهُ) يوشع بن نونٍ، فإنَّه كان يخدمه ويتبعه ولذلك سمَّاه فتاه: (﴿أَرَأَيْتَ﴾) ما دهاني (﴿إِذْ﴾) أي: حين (﴿أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾) يعني: الصَّخرة التي رقد عندها موسى ﵊، أوِ الصَّخرة التي دون نهر الزَّيت؛ وذلك أنَّ موسى لمَّا رقد اضطرب الحوت المشويُّ ووقع في البحر؛ معجزةً لموسى أو الخضر ﵉، وقِيلَ: إنَّ يوشع حمل الخبز والحوت في المِكْتَل، ونزلا ليلًا (١) على شاطئ عينٍ تُسمَّى: عين الحياة، فلمَّا أصاب السَّمكة روح الماء وبرده عاشت، وقِيلَ: توضَّأ يوشعُ من تلك العين، فانتضح الماء على الحوت، فعاش ووقع في الماء (﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾) فقدته، أو نسيت ذكره بما رأيت (﴿وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾) قال البيضاويُّ: أي: وما أنساني ذكرَه إلَّا الشَّيطانُ، فإنَّ «أن أذكره» بدلٌ من الضَّمير، وهو اعتذارٌ عن نسيانه بشغل الشَّيطان له بوساوسه، والحال وإن كانت عجيبةً لا يُنسَى مثلها، لكنَّه لمَّا ضَرِيَ بمشاهدة أمثالها عند موسى وأَلِفَها قلَّ اهتمامه بها، ولعلَّه نَسِيَ ذلك لاستغراقه في الاستبصار، وانجذاب شراشره إلى جناب القدس بما عراه من مشاهدة الآيات الباهرة، وإنَّما نسبه إلى الشَّيطان هضمًا لنفسه (﴿قَالَ﴾) موسى: (﴿ذَلِكَ﴾) أي: فقدان الحوت (﴿مَا كُنَّا نَبْغِ﴾) أي: الذي نطلبه؛ لأنَّه (٢) علامةٌ على وجدان المقصود (﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا﴾) فرجعا في الطَّريق الذي جاءا فيه يقصَّان (﴿قَصَصًا﴾) أي: يتَّبعان آثارهما
стр. 703
اتِّباعًا، أو مقتصّين حتَّى أتيا الصَّخرة (فَوَجَدَا خَضِرًا) ﵊ (فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا) أي: الخضر وموسى (الَّذِي قَصَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ) من قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾ … [الكهف: ٦٦] إلى آخر ذلك، والله أعلم.
(١٧) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : اللهمَّ عَلِّمْهُ) أي: حفِّظه أو فهِّمه (الكِتَابَ) أي: القرآن، والضَّمير يحتمل أن يكون لابن عبَّاسٍ لسبق ذكره في الحديث السَّابق [خ¦٧٤] إشارةً إلى أنَّ ما وقع من غلبته للحُرِّ بن قيسٍ إنَّما كان بدعائه له ﷺ ، أو استعمل لفظ الحديث الآتي ترجمةً إشارةً إلى أنَّ ذلك لا يختصُّ جوازه به، والضَّمير على هذا لغير المذكور، وهل يُقَال لمثل هذا ممَّا سبق في الباب سنده: تعليقٌ؟ فيه خلافٌ.
٧٥ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بميمين مفتوحتين بينهما عينٌ مُهمَلَةٌ ساكنةٌ وآخره راءٌ، عبد الله بن عمرو بن أبي الحجَّاج، البصريُّ المُقعَد؛ بضمِّ الميم وفتح العين، المِنْقَريُّ الحافظ القدريُّ، المُوثَّق من ابن معينٍ، المُتوفَّى سنة تسعٍ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان التَّميميُّ العنبريُّ، أبو عبيدةَ البصريُّ، المُتوفَّى في المُحرَّم سنة ثمانين ومئةٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ) هو ابن مهران الحذَّاء، ولم يكن حذَّاءً وإنَّما كان يجلس إليهم (١)، التَّابعيُّ المُوثَّق من يحيى وأحمد، المُتوفَّى سنة إحدى وأربعين ومئةٍ (عَنْ عِكْرِمَةَ) أبي عبد الله المدنيِّ، المُتكلَّم فيه لرأيه رأيَ الخوارج. نعم؛ اعتمده البخاريُّ في أكثر ما يصحُّ عنه من الرِّوايات، المُتوفَّى سنة خمسٍ، أو ستٍّ، أو سبعٍ ومئةٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) عبد الله ﵄ (قَالَ: ضَمَّنِي رَسُولُ اللهِ) وفي روايةٍ لأبي ذَرٍّ: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ ¬) إلى نفسه أو صدره كما في رواية مُسدَّدٍ عن
стр. 704
عبد الوارث في «المناقب» (١) [خ¦٣٧٥٦] (وَقَالَ: اللهمَّ عَلِّمْهُ) أي: عرِّفه (الكِتَابَ) بالنَّصب مفعولٌ ثانٍ، والأوَّل الضَّمير، أي: القرآن، والمُرَاد تعليم لفظه باعتبار دلالته على معانيه، وفي رواية عطاءٍ عن ابن عبَّاسٍ عند التِّرمذيِّ والنَّسائيِّ: أنَّه ﷺ دعا له أن يُؤتَى الحكمة مرَّتين، وفي رواية ابن عمر عند البَغويِّ في «مُعجَم الصَّحابة»: مسح رأسه، وقال: «اللَّهمَّ؛ فقِّهه في الدِّين وعلِّمه التَّأويل»، وفي رواية طاوسٍ: مسح رأسه وقال: «اللَّهمَّ؛ علِّمه الحكمة وتأويل الكتاب»، وقد تحقَّقت إجابته ﷺ ، فقد كان ابن عبَّاسٍ بحرَ العلم وحبرَ الأمَّة، ورئيس المفسِّرين، وترجمان القرآن.
(١٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (مَتَى يَصِحُّ سَمَاعُ الصَّغِيرِ؟) وللكُشْمِيهَنِيِّ: «الصَّبيِّ الصَّغير (٢)» ومراده: أنَّ البلوغ ليس شرطًا في التَّحمُّل.
стр. 705
٧٦ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ) كما في رواية كريمة (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) هو ابن أنس الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بتصغير «العبد» (بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بضمِّ العين وسكون المُثنَّاة الفوقيَّة وفتح المُوحَّدة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (قَالَ: أَقْبَلْتُ) حال كوني (رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ) بفتح الهمزة وبالمُثنَّاة الفوقيَّة (١): الأُنثى من الحمير، ولمَّا كان الحمار شاملًا للذَّكر والأنثى خصَّصه بقوله: «أتانٍ»، وإنَّما لم يَقُلْ: حمارة، ويكتفي عن (٢) تعميم «حمارٍ» ثمَّ تخصيصه (٣)؛ لأنَّ التَّاء تحتمل الوحدة، كذا قاله الكِرمانيُّ، لكن تعقَّبه البرماويُّ بأنَّ «حمارًا» مُفرَدٌ، لا اسم جنسٍ جمعيٍّ كتمرٍ، وقال العينيُّ: الأحسن في الجواب أنَّ الحمارة قد تُطلَق على الفرس الهجين، كما قاله الصَّغانيُّ، فلو قال: على حمارةٍ لرُبَّما (٤) كان يُفهَم أنَّه أقبل على فرسٍ هجينٍ، وليس الأمر كذلك، على أنَّ الجوهريَّ حكى أنَّ الحمارة في الأنثى شاذَّةٌ (٥)، و «أتانٍ» بالجرِّ والتَّنوين كسابقه على النَّعت، أو بدلِ الغلط، أو بدلِ بعضٍ من كلٍّ لأنَّ «الحمار» يُطلَق على الجنس فيشمل الذَّكر والأنثى، أو بدل كلٍّ من كلٍّ نحو: شجرةٌ زيتونةٌ، ويُروَى بإضافة «حمارٍ» إلى «أتانٍ» أي: حمار هذا النَّوع وهو الأتان، قال
стр. 706
البدر الدَّمامينيُّ: قال سراج بن عبد الملك: كذا وجدته مضبوطًا (١) في بعض الأصول، واستنكرها السُّهيليُّ، وقال: إنَّما يجوِّزه مَنْ جَوَّزَ إضافة الشَّيء إلى نفسه إذا اختلف اللَّفظان، وذكر ابن الأثير أنَّ فائدة التَّنصيص على كونها أُنثى الاستدلال (٢) بطريق الأولى على أنَّ الأنثى من بني آدم لا تقطع الصَّلاة لأنَّهنَّ (٣) أشرف، وعُورِضَ: بأنَّ العلَّة ليست مُجرَّد الأنوثة فقط، بلِ الأنوثة بقيد البشريَّة لأنَّها مظنَّة الشَّهوة (وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ) أي: قاربت (الاِحْتِلَامَ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بِمِنًى) بالصَّرف وعدمه، والأَجْوَد الصَّرف، وكتابته بالألف، وسُمِّيت بذلك لِمَا يُمنَى -أي: يُرَاق- بها من الدِّماء (إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ) قال في «فتح الباري»: أي: إلى غير سترةٍ أصلًا، قاله الشَّافعيُّ، وسياق الكلام يدلُّ عليه لأنَّ ابن عبَّاسٍ أورده في مَعْرِض الاستدلال على أنَّ المرور بين يديِ المصلِّي لا يقطع صلاته، ويؤيِّده رواية البزَّار بلفظ: «والنَّبيُّ ﷺ يصلِّي المكتوبة ليس شيءٌ يستره» (فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ) أي: قُدَّام (بَعْضِ الصَّفِّ) فالتَّعبير بـ «اليد» مجازٌ، وإلَّا فالصَّفُّ لا يَدَ له (وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ) أي: تأكل، و «ترتع» مرفوعٌ (٤)، والجملة في محلِّ نصبٍ على الحال من «الأتان»، وهي حالٌ مُقدَّرةٌ لأنَّه لم يرسلها في تلك الحال، وإنَّما أرسلها قبل مقدّرًا كونها على تلك الحال، وجوَّز ابن السِّيْد فيه أن يريد: «لترتع»، فلمَّا حُذِفَ النَّاصب رُفِع (٥) كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ [الزمر: ٦٤] قاله البدر الدَّمامينيُّ، وقِيلَ: «ترتع»: تسرع في المشي، والأوَّل أَصْوَب، ويدلُّ عليه رواية المؤلِّف في «الحجِّ» [خ¦١٨٥٧]: «نزلت عنها فرتعت» (وَدَخَلْتُ الصَّفَّ) وللكُشْمِيهَنِيِّ: «فدخلت» بالفاء «في الصَّفِّ» (فَلَمْ يُنْكَرْ)
стр. 707
بفتح الكاف (ذَلِكَ عَلَيَّ) أي: لم ينكره عليَّ رسول الله ﷺ ولا غيره، واستدلَّ المؤلِّف بسياق هذا على ما ترجم له وهو أنَّ التَّحمُّل لا يُشتَرط فيه كمال الأهليَّة، وإنَّما يُشتَرط عند الأداء، ويلحق بالصَّبيِّ في ذلك العبدُ، والفاسق، والكافر، وأدخل المصنِّف هذا الحديث في ترجمة «سماع الصَّبيِّ»، وليس فيه سماعٌ لتنزيل عدم إنكار المرور منزلة قوله: إنَّه جائزٌ، والمُرَاد من الصَّغير غيرُ البالغ، وذكره مع الصَّبيِّ من باب التَّوضيح والبيان (١).
٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «حدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) هو البيكنديُّ، كما جزم به (٢) البيهقيُّ وغيره، وقِيلَ: هو الفريابيُّ، ورُدَّ: بأنَّه لا رواية له عن أبي مُسْهرٍ الآتي (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ) بضمِّ الميم وسكون السِّين المُهمَلَة وكسر الهاء وآخره راءٌ، عبد الأعلى بن مُسْهرٍ الغسَّانيُّ الدِّمشقيُّ، المُتوفَّى ببغداد (٣) سنة ثمانِ عشْرةَ ومئتين، وقد لقيه المؤلِّفُ وسمع منه شيئًا يسيرًا، لكنَّه حدَّث عنه هنا بواسطةٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولابن عساكر وأبي الوقت: «حدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ) بفتح الحاء وسكون الرَّاء المُهمَلَتين آخره مُوحَّدةٌ، الخولانيُّ الحمصيُّ، المُتوفَّى سنة أربعٍ وسبعين ومئةٍ، وقد شارك أبا مُسْهِرٍ في رواية هذا الحديث عن محمَّد بن حربٍ هذا محمَّدُ بن المُصفَّى، كما عند النَّسائيِّ وابن جوصا عن سلمة بن الخليل وأبي (٤) التَّقيِّ، كلاهما عن محمَّد
стр. 708
بن حربٍ، كما في «المدخل» للبيهقيِّ، فقد رواه ثلاثةٌ غير أبي مُسْهِرٍ عن ابن حربٍ، فاندفع دعوى تفرُّد أبي مُسْهِرٍ به عنه، قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (الزُّبَيْدِيُّ) بضمِّ الزَّاي وفتح المُوحَّدة، أبو الهذيل محمَّد بن الوليد بن عامرٍ الشَّاميُّ الحمصيُّ، المُتوفَّى بالشَّام سنة سبعٍ أو ثمانٍ وأربعين ومئةٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ) بفتح الرَّاء وكسر المُوحَّدة، ابن سراقة الأنصاريِّ الخزرجيِّ المدنيِّ، المُتوفَّى ببيت المقدس سنة تسعٍ وتسعين، عن ثلاثٍ وتسعين سنةً أنَّه (قَالَ: عَقَلْتُ) بفتح القاف من «باب ضرَب يضرِب» أي: عرفت أو حفظت (مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَجَّةً) بالنَّصب على المفعوليَّة (مَجَّهَا) مِنْ فِيْهِ، أي: رمى بها حال كونها (فِي وَجْهِي، وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ) جملة من المُبتدَأ والخبر وقعت حالًا؛ إمَّا من الضَّمير المرفوع في «عقلت»، أو من الياء في «وجهي» (مِنْ) ماءِ (دَلْوٍ) كان من بئرهم التي في دارهم، وكان فعله ﵊ لذلك على جهة المُدَاعبَة، أو التَّبريك عليه كما كان ﷺ يفعل مع أولاد الصَّحابة، ثمَّ نقله (١) لذلك الفعل المُنزَّل منزلة السَّماع، وكونه سنَّةً مقصودةً دليلٌ لأن يُقال لابن خمسٍ: سمع، وقد تعقَّب ابنُ أبي صُفْرَة المؤلِّفَ في كونه لم يذكر في هذه التَّرجمة حديث ابن الزُّبير في رؤيته إيَّاه يوم الخندق يختلف إلى بني قريظة، ففيه السَّماع منه، وكان سنُّه حينئذٍ ثلاث سنين أو أربعًا، فهو أصغر من محمودٍ، وليس في قصَّة محمودٍ ضبطُه لسماع شيءٍ، فكان ذكر حديث ابن الزُّبير أَوْلَى بهذين المعنيين، وأجاب ابن المُنَيِّر -كما قاله في «فتح الباري» و «مصابيح الجامع» -: بأنَّ المؤلِّف إنَّما أراد نقل السُّنن النَّبويَّة، لا الأحوال الوجوديَّة، ومحمودٌ نقل سنَّةً مقصودةً (٢) في كون النَّبيِّ ﷺ مجَّ مجَّةً في وجهه، بل في مُجرَّد رؤيته إيَّاه فائدةٌ شرعيَّةٌ ثبت بها كونه صحابيًّا، وأمَّا قصَّة ابن الزُّبير فليس فيها نقل سنَّةٍ من السُّنن النَّبويَّة حتَّى تدخل في هذا الباب، ولا يُقَال -كما قاله
стр. 709
الزَّركشيُّ-: إنَّ قضية (١) ابن الزُّبير تحتاج إلى ثبوت صحَّتها على شرط البخاريِّ، أي: حتَّى يتوجَّه الإيراد، بأنَّه قد أخرجها في «مناقب الزُّبير» [خ¦٣٧٢٠] من كتابه هذا، فنفيُ الورود (٢) حينئذٍ لا يخفى ما فيه.
وفي هذا الحديث من الفقه: جوازُ إحضار الصِّبيان مجالسَ الحديث، واستُدِلَّ به أيضًا على أنَّ تعيينَ وقت السَّماع خمسُ سنين، وعزاه عياضٌ في «الإلماع» لأهل الصَّنعة، وقال ابن الصَّبَّاغ: وعليه قدِ استقرَّ عمل أهل الحديث المتأخِّرين، فيكتبون لابن خمسٍ فصاعدًا: «سمع»، ولمن لم يَبْلُغْها: «حضر» أو «أُحْضِر»، وحكى القاضي عياضٌ أنَّ محمودًا حين عقل المجَّة كان ابنَ أربعٍ، ومن ثمَّ صحَّح الأكثرون سماع مَنْ بلغ أربعًا، لكن بالنِّسبة لابن العربيِّ خاصَّةً، أمَّا ابن العجميِّ فإذا بلغ سبعًا، قال في «فتح الباري»: وليس في الحديث ما يدلُّ على تسميع مَنْ عُمُرُه خمس سنين، بل الذي ينبغي في ذلك اعتبار الفهم، فمن فَهِمَ الخطاب سُمِّعَ وإن كان دون خمسٍ، وإلَّا فلا.
(١٩) هذا (بابُ الخُرُوجِ فِي طَلَبِ العِلْمِ) أي: السَّفر لأجل طلب العلم (وَرَحَلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريُّ الصَّحابيُّ ﵁ (مَسِيرَةَ شَهْرٍ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ أُنَيْسٍ) بضمِّ الهمزة مُصغَّرٌ، الجُهَنِيِّ، المُتوفَّى بالشَّام سنة أربعٍ وخمسين في خلافة معاوية ﵁ (فِي) أي: لأجل (حَدِيثٍ وَاحِدٍ) ذكره المؤلِّف في «المظالم» [خ¦٩٧/ ٣٢ - ١١٠٣٤] آخر هذا الصَّحيح بلفظ: ويُذكر عن جابرٍ عن عبد الله بن أُنَيْسٍ: سمعت النَّبيَّ ﷺ يقول: «يَحشُرُ الله (٣) العباد فيناديهم بصوتٍ … » الحديثَ، ورواه أيضًا في
стр. 710
«الأدب المُفرَد» موصولًا، وفيه: «أنَّ جابرًا بلغه عنه حديثٌ سمعه من رسول الله ﷺ ، فاشترى بعيرًا ثمَّ شدَّ رحله، وسار إليه شهرًا حتَّى قدم عليه الشَّام، وسمعه منه … » فَذَكَرَه، ورواه كذلك أحمد وأبو يَعلى، لا يُقَال: إنَّ المؤلِّف نقض قاعدته حيث عبَّر هنا بقوله: «ورحل» بصيغة الجزم المقتضية للتَّصحيح، وفي «باب المظالم» [خ¦٩٧/ ٣٢ - ١١٠٣٤] بقوله: و «يُذكر» بصيغة التَّمريض، كما ذكره الزَّركشيُّ وحكاه عنه صاحب «المصابيح» من غير تعرُّضٍ له؛ لأنَّ المجزوم به هو الرِّحلة لا الحديث، قال في «فتح الباري»: جزم بالارتحال لأنَّ الإسناد حسنٌ وقد اعتضد، ولم يجزم بما ذكره من المتن لأنَّ لفظ الصَّوت ممَّا يُتوقَّف في إطلاق نسبته إلى الرَّبِّ، ويحتاج إلى تأويلٍ، فلا يكفي فيه مجيء الحديث من طريقٍ (١) مُختلَفٍ فيها ولو اعتُضِدت. انتهى.
стр. 711
٧٨ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا أَبُو القَاسِمِ خَالِدُ بْنُ خَلِيٍّ) بفتح الخاء المُعجَمَة وكسر اللَّام الخفيفة بعدها مُثنَّاةٌ تحتيَّةٌ مُشدَّدةٌ، لا بلامٍ مُشدَّدةٍ كما وقع للزَّركشيِّ، قال (١) في «فتح الباري»: وهو سبق قلمٍ، أو خطأٌ من النَّاسخ. انتهى، الكَلاعيُّ، وفي رواية أبي ذَرٍّ «قاضي حمص» (قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ) الخولانيُّ الحمصيُّ (قَالَ: قَالَ الأَوْزَاعِيُّ) وللأَصيليِّ: «قال: حدَّثنا الأَوزاعيُّ» بفتح الهمزة؛ نسبةً إلى الأوزاع؛ قرية بقُرْب دمشق خارج باب الفراديس، أو لبطنٍ من حِمْيَر، أو همْدان؛ بسكون الميم، أو لأوزاع (٢) القبائل، أي: فِرَقها، أبو عمرٍو عبد الرَّحمن بن عمرو بن يُحْمِد (٣)، أحد الأعلام، من أتباع التَّابعين، المُتوفَّى سنة سبع وخمسين ومئةٍ (أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بتصغير «العبد» الأوَّل (بْنِ عُتْبَةَ) بضمِّ العين (بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) عبد الله ﵄: (أَنَّهُ تَمَارَى) مِنَ التَّماري؛ وهو التَّجادل والتَّنازع (هُوَ وَالحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى) بن عمران ﵇؛ هل هو خَضِرٌ أم لا؟ وأتى بضمير الفصل لأنَّه لا يُعطَف على الضَّمير المرفوع المتَّصل إلَّا إذا أُكِّد بالمنفصل، وسقطت لفظة «هو» من رواية ابن عساكر، فعطف (٤) على المرفوع المتَّصل بغير تأكيدٍ ولا فصلٍ، وهو جائزٌ عند الكوفيِّين، وزاد في الرِّواية السَّابقة [خ¦٧٤]: قال ابن عبَّاسٍ: هو خَضِرٌ (فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ) الأنصاريُّ، أَقْرَأُ هذهِ الأمَّةِ، المَقُولُ فيه عن عمر: سيِّد المسلمين (فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ) هلمَّ إلينا (فَقَالَ: إِنِّي
стр. 712
تَمَارَيْتُ أَنَا (١) وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ) موسى (السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ) بضمِّ اللَّام وكسر القاف وتشديد الياء؛ مصدَرٌ بمعنى اللِّقاء، يُقَال: لقيته لقاءً بالمدِّ، ولُقًا بالقصر، ولقيًّا بالقصر (٢) بالتشديد (هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ) قصَّته؟ (فَقَالَ أُبَيٌّ: نَعَمْ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ) وفي رواية أبي ذَرٍّ: «رسول الله» (¬ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ يَقُولُ: بَيْنَمَا مُوسَى) ﵇ (فِي مَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) من ذرِّيَّة يعقوب بن إسحاق بن الخليل عليهم الصلاة والسلام، وعند مسلمٍ: «بينما موسى في قومه يذكِّرهم أيَّام الله» (إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ) لم يُسمَّ (فَقَالَ) وفي روايةٍ: «قال»: (أَتَعْلَمُ) بهمزة الاستفهام، وفي رواية الأربعة: «تعلم» بحذفها، وللكُشْمِيهَنِيِّ في رواية أبي ذَرٍّ (٣): «هل تعلم» (أَحَدًا أَعْلَمَ) بنصبهما مفعولًا وصفةً، وفي رواية الحَمُّويي: «أنَّ أحدًا أعلمُ» (مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لَا) إنَّما نفى الأعلميَّة بالنَّظر لِمَا في اعتقاده (فَأَوْحَى اللهُ تَعَالَى إِلَى مُوسَى: بَلَى) وللكُشْمِيهَنيِّ (٤) والحَمُّويي: «بل» (عَبْدُنَا خَضِرٌ) أعلم منك، أي: في شيءٍ خاصٍّ (فَسَأَلَ) موسى (السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ) وفي السَّابقة [خ¦٧٤]: «إليه» بدل «لقيِّه» وزيادة: «موسى» (فَجَعَلَ اللهُ) تعالى (لَهُ الحُوتَ آيَةً) علامةً دالَّةً له على مكانه (وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الحُوتَ) بفتح القاف (فَارْجِعْ، فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، فَكَانَ مُوسَى) وللأَصيليِّ: « ﷺ » (٥) (يَتَّبِعُ) بتشديد المُثنَّاة الفوقيَّة (أَثَرَ الحُوتِ فِي البَحْرِ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ والحَمُّويي: «في الماء» (فَقَالَ فَتَى مُوسَى) يوشع (لِمُوسَى: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا) أي: حين نزلنا (إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ) وفي حرف (٦) عبد الله: (وما أنسانيه أن أذكره إلَّا الشَّيطان) وكانا تزوَّدا حوتًا وخبزًا، فكانا يُصِيبان منه عند الغداء والعشاء، فلمَّا انتهيا إلى الصَّخرة على ساحل
стр. 713
البحر، فانسرب الحوت فيه، وكان قد قِيلَ لموسى: تزوَّدْ حوتًا، فإذا فقدته وجدت الخَضِر، فاتَّخذ سبيله في البحر مسلكًا ومذهبًا (قَالَ مُوسَى: ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي) مِنَ الآية الدَّالَّة على لُقِيِّ الخَضِر ﵇ (فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا) يقصَّان (١) (قَصَصًا، فَوَجَدَا خَضِرًا) على طِنْفِسَةٍ على وجه الماء، أو نائمًا مُسجًّى بثوبٍ، أو غير ذلك (فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا) أي: من شأن موسى والخضر (مَا قَصَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ) بسورة الكهف ممَّا سيأتي البحث فيه إن شاء الله تعالى بعون الله [خ¦٤٧٢٥].
(٢٠) هذا (بابُ فَضْلِ مَنْ عَلِمَ) بتخفيف اللَّام المكسورة، أي: مَنْ صار عالِمًا (وَعَلَّمَ) غيرَه؛ بفتحها مُشدَّدةً.
٧٩ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) بالمُهمَلَة والمدِّ، المُكنَّى بأبي كُرَيْبٍ؛ بضمِّ الكاف مُصغَّر «كربٍ» بالمُوحَّدة، وشهرته بكنيته أكثر من اسمه، المُتوفَّى سنة ثمانٍ وأربعين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ) بضمِّ الهمزة، ابن زيدٍ الهاشميُّ القرشيُّ الكوفيُّ، المُتوفَّى سنة إحدى ومئتين، وهو ابن ثمانين سنةً فيما قِيلَ (عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بضمِّ
стр. 714
المُوحَّدة وفتح الرَّاء وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخره دالٌ مُهملَةٌ (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) بضمِّ المُوحَّدة وإسكان الرَّاء، ابن أبي موسى الأشعريِّ (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ ﵁، ولم يَقُلْ: «عن أبيه» بدل قوله: «عن أبي موسى» تفنُّنًا في العبارة (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَثَلُ) بفتح الميم والمُثلَّثة (مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ) وللأَصيليِّ: «ما بعثني به الله» (١) (مِنَ الهُدَى وَالعِلْمِ) بالجرِّ عطفًا على «الهدى» من: عطف المدلول على الدَّليل؛ لأنَّ «الهدى» هو الدَّلالة الموصلة للمقصد، و «العلم» هو المدلول، وهو صفةٌ توجب تمييزًا لا يحتمل النَّقيض، والمُرَاد به هنا: الأدلَّة الشَّرعيَّة (كَمَثَلِ) بفتح الميم والمُثلَّثة (الغَيْثِ) المطر (الكَثِيرِ أَصَابَ) الغيث (أَرْضًا) الجملة من الفعل والفاعل والمفعول في موضع نصبٍ على الحال بتقدير «قد» (فَكَانَ مِنْهَا) أي: من الأرضِ أرضٌ (نَقِيَّةٌ) بنونٍ مفتوحة، وقاف مكسورةٍ ومُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ مُشدَّدةٍ، أي: طيِّبةٌ (قَبِلَتِ المَاءَ) بفتح القاف وكسر المُوحَّدة؛ مِنَ القبول (فَأَنْبَتَتِ الكَلأَ) بفتح الكاف واللَّام آخره همزة (٢)، مقصورٌ؛ النَّبات يابسًا ورطبًا (وَالعُشْبَ) الرَّطب منه، وهو نصبٌ عطفًا على المفعول (الكَثِيرَ) صفةٌ لـ «العشب» فهو من ذكر الخاصِّ بعد العامِّ، وفي حاشية أصل أبي ذَرٍّ -وهو عند الخطَّابيِّ والحُميديِّ-: «ثَغِبَة» بمُثلَّثةٍ مفتوحةٍ، وغَيْنٍ مُعجَمَةٍ مكسورةٍ -وقد تُسكَّن- بعدها باءٌ مُوحَّدةٌ خفيفةٌ مفتوحةٌ، وفي هامش فرع «اليونينيَّة» كأصلها لغير الأربعة (٣): «ثُغْبة» مُضبَّبٌ عليها؛ وهي بضمِّ المُثلَّثة وتسكين الغَيْن؛ وهو مُستنقَع الماء في الجبال والصُّخور كما قاله الخطَّابيُّ، لكن ردَّه القاضي عياضٌ، وجزم بأنَّه تصحيفٌ وقلبٌ للتَّمثيل، قال: لأنَّه إنَّما جعل هذا المثل فيما ينبت، والثِّغاب لا تنبت، والذي رويناه من طرق البخاريِّ كلِّها بالنُّون، مثل قوله في
стр. 715
«مسلمٍ»: «طائفةٌ طيِّبةٌ قبلت الماء» (وَكَانَتْ) وفي بعض النُّسخ: «وكان» (مِنْهَا أَجَادِبُ) بالجيم والدَّال المُهمَلَة، جمع جدَبٍ -بفتح الدَّال المُهمَلَة- على غير قياسٍ، ولغير الأَصيليِّ: «أجاذب» بالمُعجَمَة، قال الأَصيليُّ: وبالمُهمَلَة هو الصواب، أي: لا تشرب ماءً، ولا تنبت (أَمْسَكَتِ المَاءَ، فَنَفَعَ اللهُ بِهَا) أي: بالأجادب، وللأَصيليِّ: «به» (النَّاسَ) والضَّمير المذكَّر (١) للماء (فَشَرِبُوا) من الماء (وَسَقَوْا) دوابَّهم؛ وهو بفتح السِّين (وَزَرَعُوا) ما يصلح للزَّرع، ولمسلمٍ وكذا النَّسائيُّ: «ورعَوا» مِن الرَّعي، وضَبْطُ المازريِّ «أجاذب» بالذَّال المُعجَمَة، وَهَّمه فيه القاضي عياضٌ، ولأبي ذَرٍّ: «إِخاذات» بهمزةٍ مكسورةٍ وخاءٍ خفيفةٍ وذالٍ مُعجَمَتين آخره مُثنَّاةٌ فوقيَّةٌ قبلها ألفٌ، جمع إخاذٍ؛ وهي الأرض التي تمسك الماء كالغدير، وعند الإسماعيليِّ: «أحارب» بحاءٍ وراءٍ مُهمَلَتين آخره مُوحَّدَةٌ (وَأَصَابَ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى) وللأَصيليِّ وكريمة: «وأصابت» أي: أصابت طائفةً أخرى، ووقع كذلك صريحًا عند النَّسائيِّ (إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ) بكسر القاف جمع قاعٍ؛ وهو أرضٌ مستويةٌ ملساءُ (لَا تُمْسِكُ مَاءً، وَلَا تُنْبِتُ كَلأً) بضمِّ المثنَّاة الفوقيَّة فيهما (فَذَلِكَ) أي: ما ذكر من الأقسام الثَّلاثة (مَثَلُ) بفتح الميم والمُثلَّثة (مَنْ فَقُهَ) بضمِّ القاف، وقد تُكسَر، أي: صار فقيهًا (فِي دِينِ اللهِ وَنَفَعَهُ مَا) وفي رواية أبي الوقت وابن عساكر: «بما» أي: بالذي (بَعَثَنِي اللهُ) (بِهِ، فَعَلِمَ) ما جئت به (وَعَلَّمَ) غيره، وهذا يكون على قسمين: الأوَّل (٢): العالِم العامل المعلِّم؛ وهو كالأرض الطَّيِّبة شربت فانتفعت (٣) في نفسها، وأنبتت فنفعت غيرها، والثَّاني: الجامع للعلم المستغرق لزمانه فيه، المعلِّم غيره، لكنَّه (٤) لم يعمل بنوافله أو لم يتفقَّه (٥) فيما جمع، فهو كالأرض التي يستقرُّ فيها الماء فينتفع النَّاس به (وَمَثَلُ)
стр. 716
بفتح الميم والمُثلَّثة (مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا) أي: تكبَّر، ولم يلتفت إليه من غاية تكبُّره، وهو من دخل في الدِّين ولم يسمعِ العلم، أو سمعه فلم يعمل به ولم يعلِّمه؛ فهو كالأرض السَّبخة (١) التي لا تقبل الماء، وتفسده على غيرها، وأشار بقوله: (وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ) إلى من لم يدخل في الدِّين أصلًا، بل بلغه فكفر به؛ وهو كالأرض الصَّمَّاء الملساء المستوية التي يمرُّ عليها الماء فلا تنتفع به، قال في «المصابيح»: وتشبيه «الهدى» و «العلم» بـ «الغيث» المذكور تشبيهُ مفرَدٍ بمُركَّبٍ؛ إذ «الهدى» مُفرَدٌ وكذا «العلم»، والمشبَّه به وهو «غيثٌ كثيرٌ أصاب أرضًا»؛ منها ما قبلت فأنبتت، ومنها ما أمسكت خاصَّةً، ومنها ما لم تنبت ولم تمسك، مُركَّبٌ من عدَّة أمورٍ كما تراه، وشبَّه منِ انتفع بالعلم ونفع به بأرضٍ قبلتِ الماءَ وأنبتتِ الكلأ والعشب، وهو تمثيلٌ؛ لأنَّ وجه الشَّبه (٢) فيه هو الهيئة الحاصلة من قبول المَحلِّ لِمَا يَرِد عليه من الخير، مع ظهور أماراته (٣) وانتشارها على وجهٍ عامّ الثَّمرة، متعدِّي النَّفع، ولا يخفى أنَّ هذه الهيئة مُنتزَعةٌ من أمورٍ متعدِّدةٍ، ويجوز أن يُشبَّه انتفاعه بقبول الأرض للماء، ونفعه المتعدِّي بإنباتها الكلأ والعشب، والأوَّل أفحل وأجزل؛ لأنَّ لهيئة (٤) المُركَّبات من الوقع (٥) في النَّفس ما ليس في المفردات من (٦) ذواتها، من غير نظرٍ إلى تضامِّها (٧)، ولا التفاتٍ إلى هيئتها الاجتماعيَّة، قال الشَّيخ عبد القاهر في قول القائل:
وكأنَّ أجرامَ النُّجومِ لوامعًا … دُرَرٌ نُثِرْنَ (٨) على بساطٍ أزرقِ
стр. 717
لو قال: كأنَّ النُّجوم دُرَرٌ وكأنَّ السَّماء بساطٌ أزرقُ كان التَّشبيه مقبولًا، لكن أين هو من التَّشبيه الذي يريك الهيئة التي تملأ النَّواظر عجبًا، وتستوقف العيون، وتستنطق القلوب بذكر الله؛ من طلوع النُّجوم مؤتلفةً متفرِّقة في أديم السَّماء وهي زرقاءُ، زرقتها بحسب الرُّؤية صافيةٌ، والنُّجوم تبرق وتتلألأ في أثناء تلك الزُّرقة؟ ومن لك بهذه الصُّورة إذا جعلت التَّشبيه مُفرَدًا؟ وقد وقع في الحديث أنَّه شبَّه منِ انتفع بالعلم في خاصَّة نفسه ولم ينفع به أحدًا بأرضٍ أمسكتِ الماء ولم تنبت شيئًا، أو شبَّه انتفاعه المُجرَّد بإمساك الأرض للماء مع عدم إنباتها، وشبَّه مَنْ عُدِمَ (١) فضيلتيِ النَّفع والانتفاع (٢) جميعًا بأرضٍ لم تمسك ماءً أصلًا، أو شبَّه فوات ذلك له بعدم إمساكها الماء، وهذه الحالات الثَّلاث مستوفيةٌ لأقسام النَّاس، ففيه من البديع: التَّقسيمُ، فإن قلت: ليس في الحديث تعرُّضٌ إلى القسم الثَّاني، وذلك أنَّه قال: «فذلك مَثَلُ مَنْ فَقُه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فَعَلِمَ وعلَّم» وهذا القسم الأوَّل، ثمَّ قال: «ومَثَلُ من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أُرسِلتُ به» وهذا هو القسم الثَّالث، فأين الثَّاني؟ أُجِيب: باحتمال أن يكون ذَكَرَ من الأقسام أعلاها وأدناها، وطوى ذكر ما هو (٣) بينهما لفهمه من أقسام المُشبَّه به المذكورة أوَّلًا، ويحتمل أن يكون قوله: «نفعه … » إلى آخره صلة موصولٍ محذوفٍ، معطوفٍ على الموصول الأوَّل، أي: فذلك مَثَله (٤) مَثَلُ من فقه في دين الله، ومَثَلُ من (٥) نفعه؛ كقول حسَّانَ ﵁:
أَمَنْ يهجو رسولَ الله منكمْ … ويمدحُه وينصرُه سواءُ؟
أي: ومَنْ يمدحه وينصره سواءٌ؟ وعلى هذا فتكون الأقسامُ الثَّلاثة مذكورةً، فـ «من فقه في دين الله» هو الثَّاني، و «من نفعه الله من ذلك فَعَلِمَ وعَلَّم» هو الأوَّل، و «من لم يرفع بذلك رأسًا» هو الثَّالث، وفيه حينئذٍ لفٌّ ونشرٌ غيرُ مُرتَّبٍ. انتهى.
стр. 718
وقال غيره: شبَّه ﵊ ما جاء به من الدِّين بالغيث العامِّ الذي يأتي النَّاسَ في حال حاجتهم إليه، وكذا كان حال النَّاس قبل مبعثه، فكما أنَّ الغيث يحيي البلد الميت؛ فكذا علوم الدِّين تحيي القلب الميت، ثمَّ شبَّه السَّامعين له بالأراضي المختلفة التي ينزل بها الغيث.
وهذا الحديث فيه: التَّحديث والعنعنة، ورواته كلُّهم كوفيُّون، وأخرجه المؤلِّف هنا فقط، ومسلمٌ في «فضائله ﷺ »، والنَّسائيُّ في «العلم».
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي: البخاريّ، وفي رواية غير الأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ (١)، وابن عساكر بحذف ذلك (قَالَ إِسْحَاقُ) بن إبراهيم بن مَخْلَدٍ؛ بفتح الميم وسكون الخاء وفتح اللَّام، الحنظليُّ المروزيُّ، المشهور بابن رَاهُوْيَه، المُتوفَّى بنيسابور سنة ثمانٍ (٢) وثلاثين ومئتين، وهذا هو الظَّاهر؛ لأنَّه إذا وقع في هذا الكتاب إسحاق غير منسوبٍ فهو -كما قاله الجيَّانيُّ عن ابن السَّكن- يكون ابن رَاهُوْيَه في روايته عن أبي أسامة: (وَكَانَ مِنْهَا طَائِفَةٌ قَيَّلَتِ المَاءَ) بالمثنَّاة التَّحتيَّة المُشدَّدة بدل قوله: «قبلت» بالمُوحَّدة، وجزم الأَصيليُّ بأنَّها تصحيفٌ من إسحاق، وصوَّبها غيره؛ والمعنى: شَربت القَيْل، وهو شُرب نصف النَّهار، وزاد في رواية المُستملي هنا: (قَاعٌ) أي: أنَّ «قيعان» المذكورة في الحديث جمعُ قاعٍ، أرضٌ (٣) (يَعْلُوهُ المَاءُ) ولا يستقرُّ فيه (وَالصَّفْصَفُ: المُسْتَوِي مِنَ الأَرْضِ) هذا وليس هو (٤) في الحديث، وإنَّما ذكره جريًا على
стр. 719
عادته في الاعتناء بتفسير ما يقع في الحديث من الألفاظ الواقعة في القرآن، وعند ابن عساكر بعد: «قيَّلت (١) الماء» «والصَّفصف: المستوي من الأرض» (٢).
(٢١) (بابُ رَفْعِ العِلْمِ، وَظُهُورِ الجَهْلِ) الأوَّل مستلزمٌ للثَّاني، وأتى به للإيضاح (وَقَالَ رَبِيعَةُ) الرَّأْي -بالهمزة السَّاكنة- ابن أبي عبد الرَّحمن المدنيُّ التَّابعيُّ، شيخ إمام الأئمَّة مالكٍ، المُتوفَّى بالمدينة سنة ستٍّ وثلاثين ومئةٍ، وإنَّما قِيلَ له «الرَّأي» لكثرة اشتغاله بالرَّأي والاجتهاد، ومقول قوله الموصول عند الخطيب في «جامعه»، والبيهقيِّ في «مدخله»: (لَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ العِلْمِ) أي: الفهم (أَنْ يُضَيِّعَ نَفْسَهُ) بترك الاشتغال أو بعدم إفادته لأهله؛ لِئلَّا يموت العلم (٣) فيؤدِّي ذلك إلى رفع العلم المستلزم لظهور الجهل، وفي رواية الأربعة: «يضيِّع نفسه» بحذف «أنْ».
٨٠ - وبالسَّند السَّابق إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ) ضدَّ الميمنة؛ المنقريُّ البصريُّ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان التَّميميُّ (٤) البصريُّ (عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ) بفتح المثنَّاة الفوقيَّة وتشديد التَّحتيَّة آخره مُهمَلَةٌ، يزيد بن حميدٍ الضُّبعيِّ، المُتوفَّى سنة ثمانٍ وعشرين ومئةٍ (عَنْ أَنَسٍ) وللأَصيليِّ زيادة: «ابن مالكٍ»
стр. 720
أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ) بفتح الهمزة، أي: علاماتها (أَنْ يُرْفَعَ العِلْمُ) بموت حَملَته، وقبض نَقَلَته، لا بمحوه من صدورهم، و «يُرفَع» بضمِّ أوَّله، وعند النَّسائيِّ: «من أشراط السَّاعة» بحذف «إنَّ» وحينئذٍ فيكون محلُّ «أنْ يُرفَع العلمُ» رفعًا على الابتداء، وخبرُه مُقدَّمٌ (وَ) أن (يَثْبُتَ الجَهْلُ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة مِنَ الثُّبوت بالمُثلَّثة؛ وهو ضدُّ النَّفيِ، وعند مسلمٍ: «ويُبَثَّ» مِنَ البثِّ؛ بمُوحَّدةٍ فمُثلَّثةٍ؛ وهو الظُّهور والفشوُّ (١) (وَ) أن (يُشْرَبَ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة (الخَمْرُ) أي: يكثر شربه، وفي «النِّكاح» من طريق هشام عن قتادة: «ويكثر شرب الخمر» [خ¦٥٢٣١] فالمُطلَق محمولٌ على المُقيَّد خلافًا لمن ذهب إلى أنَّه لا يجب حمله عليه، والاحتياط (٢) بالحمل (٣) ههنا أَوْلى لأنَّ حمل كلام النُّبوَّة على أقوى محامله (٤) أقرب، فإنَّ السِّياق يفهم أنَّ المُرَاد بـ «أشراط السَّاعة» وقوع أشياء لم تكن معهودةً حين المقالة، فإذا ذكر شيئًا كان موجودًا عند المقالة؛ فحمله على أنَّ المُرَاد بجعله علامة أن يتَّصف بصفةٍ زائدةٍ على ما كان موجودًا -كالكثرة والشُّهرة- أقرب (وَ) أن (يَظْهَرَ) أي: يفشو (الزِّنَى) بالقصر على لغة أهل الحجاز، وبها جاء التَّنزيل، وبالمدِّ لأهل نجدٍ، والنِّسبة إلى الأوَّل: زنويٌّ، وإلى الآخر: زناويٌّ، فوجود الأربع هو العلامة لوقوع الساعة.
стр. 721
٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بضمِّ الميم وفتح السِّين والدَّال المُهمَلَتين، ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ شُعْبَةَ) بنِ الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بفتح القاف، ابن دعامة (عَنْ أَنَسٍ) وللأَصيليِّ زيادة (١): «ابن مالك» (قَالَ: لأُحَدِّثَنَّكُمْ) بفتح اللَّام، أي: والله لَأحدِّثنَّكم؛ ولذا أُكِّد بالنُّون، وبه صرَّح أبو عَوانة عن هشامٍ عن قتادةَ (حَدِيثًا لَا يُحَدِّثُكُمْ أَحَدٌ بَعْدِي) ولـ «مسلمٍ»: «لا يُحدِّث أحدٌ بعدي» بحذف المفعول، وللمؤلِّف من طريق هشامٍ: «لا يُحدِّثكم غيري» [خ¦٥٥٧٧] وحُمِلَ على أنَّه قاله لأهل البصرة، وقد كان هو آخر من مات بها من الصَّحابة: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ) وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: «النَّبيَّ» (¬ ﷺ ¬) أي: كلامه حال كونه (يَقُولُ: مِنْ) وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: «إنَّ من» (أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَقِلَّ العِلْمُ) بكسر القاف مِنَ: القِلَّة، وله في «الحدود» [خ¦٦٨٠٨] و «النِّكاح» [خ¦٥٢٣١]: «أنْ يُرفَع العلم»، وكذا لمسلمٍ، ولا تنافيَ بينهما؛ إمَّا لأنَّ القِلة فيه مُعبَّرٌ بها عن العدم، قال في «الفتح»: وهذا أَلْيَقُ لاتِّحاد المخرج، أو ذلك باعتبار زمانين: مبدأ الاشتراط (٢) وانتهائه (وَ) أنْ (يَظْهَرَ الجَهْلُ، وَ) أنْ (يَظْهَرَ الزِّنَى، وَ) أنْ (تَكْثُرَ النِّسَاءُ، وَ) أنْ (يَقِلَّ الرِّجَالُ) لكثرة القتل بسبب الفتن، وبقلَّتهم (٣) مع كثرة النساء يظهر (٤) الجهل والزنى ويرفع العلم؛ لأنَّ النِّساء حبائل الشَّيطان (حَتَّى) أي: إلى أنْ (يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً القَيِّمُ الوَاحِدُ) بالرَّفع صفةُ «القيِّمُ» وهو من يقوم بأمرهنَّ، وقال أبو عبد الله القرطبيُّ في «التَّذكرة»: يحتمل أن يُرَاد بـ «القيِّم» مَنْ يقوم عليهنَّ، سواءٌ كنَّ مَوْطُوءاتٍ أم لا، ويحتمل أن يكون ذلك في الزَّمان الذي لا يبقى فيه من يقول: الله الله، فيتزوَّج الواحد بغير عددٍ
стр. 722
جهلًا بالحكم الشَّرعيِّ، وقال: «القيِّم» بـ «ال» (١) إشعارًا بما هو معهودٌ من كون الرِّجال قوَّامين على النِّساء، وهلِ المُرَاد من قوله: «خمسين امرأةً» حقيقة العدد أو المجاز عن الكثرة؟ ويؤيِّد الثَّاني ما في حديث أبي موسى [خ¦١٤١٤]: «ويرى الرَّجل الواحد يتَّبعه أربعون امرأةً».
(٢٢) هذا (بابُ فَضْلِ العِلْمِ) والباب السَّابق في أوَّل «كتاب العلم» باب (٢) «فضيلة العلماء»، والمُرَاد هنا: الزِّيادة، أي: ما فَضُل عنه، وهناك بمعنى: الفضيلة، وحينئذٍ فلا تكرار.
٨٢ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) بضمِّ العين المُهمَلَة وفتح الفاء وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخره راءٌ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية أبي ذَرٍّ: «حدَّثنا» (اللَّيْثُ) بن سعدٍ، إمام المصريِّين (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُقَيْلٌ) بضمِّ العين وفتح القاف وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، ابن خالدٍ الأَيْلِيُّ؛ بفتح الهمزة، وفي رواية أبي ذَرٍّ: «عن عُقيلٍ» وفي «فتح الباري»: وللأَصيليِّ وكريمة: «حدَّثني اللَّيث: حدَّثني عقيلٌ» (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ حَمْزَةَ) بالمُهمَلَة والزَّاي (بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب، المُكنَّى بأبي عُمارة -بضمِّ العين- القرشيِّ العدويِّ المدنيِّ التابعيِّ (أَنَّ ابْنَ عُمَرَ) ﵄ (قَالَ: سَمِعْتُ
стр. 723
رَسُولَ اللهِ) أي: كلامه (¬ ﷺ ¬) حال كونه (قَالَ) وفي رواية أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «يقول»: (بَيْنَا) بغير ميمٍ (أَنَا) مبتدأٌ، وخبره: (نَائِمٌ (١) أُتِيتُ) بضمِّ الهمزة، وهو جواب «بينا» (بِقَدَحِ لَبَنٍ، فَشَرِبْتُ) أي: من اللَّبن (حَتَّى إِنِّي) بكسر همزة «إنَّ» لوقوعها بعد «حتَّى» الابتدائيَّة، أو فتحها على جعلها جارَّةً (لَأَرَى) بفتح الهمزة مِنَ الرُّؤية (الرِّيَّ) بكسر الرَّاء وتشديد الياء، كذا في الرِّواية، وزاد الجوهريُّ حكاية الفتح أيضًا، وقِيلَ: بالكسر الفعل، وبالفتح المصدر (يَخْرُجُ فِي أَظْفَارِي) في محلِّ نصبٍ مفعول (٢) ثانٍ لـ «أرى» إن قُدِّرَتِ الرُّؤية بمعنى العلم، أو حالٌ إن قُدِّرت بمعنى الإبصار، وفي رواية ابن عساكر (٣) والحَمُّويي: «من أظفاري» وللمؤلِّف في «التَّعبير» (٤) [خ¦٧٠٠٧] «من أطرافي»، ويجوز أن تكون «في» هنا بمعنى «على» أي: على أظفاري كقوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] أي: عليها، ويكون بمعنى: يظهر عليها، و «الظُّفْر» إمَّا منشأ الخروج أو طرفه (٥)، وقال: «لَأَرى» بلفظ المضارع لاستحضار هذه الرُّؤية للسَّامعين، و «اللَّام» فيه هي الدَّاخلة في خبر «إنَّ» للتَّأكيد كما في قولك: إنَّ زيدًا لَقائمٌ، أو هي لام جواب قَسَمٍ محذوفٍ، ورُدَّ: بأنَّه ليس بصحيحٍ فليس فيه قَسَمٌ صريحٌ ولا مُقدَّرٌ. انتهى. وعبَّر بـ «يخرج» المضارع موضع الماضي لاستحضار صورة الرُّؤية للسَّامعين، وجعل «الرِّيِّ» مرئيًّا له تنزيلًا له منزلة الجسم، وإلَّا فالرِّيُّ لا يُرَى، فهو
стр. 724
استعارةٌ أصليَّةٌ (ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي) أي: ما فضل من لبن القدح الذي شربت منه (عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ) ﵁، مفعولُ «أعطيت» الثَّاني (قَالُوا) أي: الصَّحابة (فَمَا أَوَّلْتَهُ) أي: عبَّرته (يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ) أوَّلتُه (العِلْمَ) بالنَّصب، ويجوز الرَّفع، خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: المُؤوَّل به العلم، ووجه تفسير «اللَّبن» بـ «العلم»: الاشتراك في كثرة النَّفع بهما، وكونهما سببًا للصَّلاح، ذاك في الأشباح، والآخر في الأرواح، والفاء في «فما أوَّلته» زائدةٌ كهي في قوله تعالى: ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ [ص: ٥٧] فافهم ذلك.
(٢٣) هذا (بابُ الفُتْيَا) بضمِّ الفاء (وَهُوَ) أي: العالِم المفتي المجيب المستفتي عن سؤاله (وَاقِفٌ) أي: راكبٌ (عَلَى الدَّابَّةِ) التي تُركَب، وفي بعض الرِّوايات: «على ظهر الدَّابَّة» (وَغَيْرِهَا) سواءٌ كان واقفًا على الأرض أو ماشيًا، وعلى كلِّ أحواله، وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت: «أو غيرها».
٨٣ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ، ابن أخت الإمام مالكٍ (قَالَ:
стр. 725
حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين مُصغَّرًا، القرشيِّ التَّيميِّ التَّابعيِّ، المُتوفَّى سنة مئةٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِي) بإثبات الياء بعد الصَّاد على الأفصح (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ) بفتح الواو، اسمٌ من «ودَّع»، والفتح في حاء «حَجَّة» هو الرِّواية، ويجوز كسرها، أي: حال وقوفه (بِمِنًى) بالصَّرف وعدمه (لِلنَّاسِ) حال كونهم (يَسْأَلُونَهُ) ﵊، فهو حالٌ من ضمير «وقف»، ويحتمل أن يكون من «النَّاس» أي: وقف لهم حال كونهم سائلين منه، ويجوز أن يكون استئنافًا بيانيًّا (١) لعلَّة الوقوف (فَجَاءَهُ رَجُلٌ) قال في «الفتح»: لم أعرف اسمه، وفي رواية الأَصيليِّ: «فجاء رجلٌ» (فَقَالَ): يا رسول الله (لَمْ أَشْعُرْ) بضمِّ العين، أي: لم أفطن (فَحَلَقْتُ) رأسي (قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ) الهديَ (فَقَالَ) رسول الله ﷺ ، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «قال» (٢): (اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ) أي: ولا إثمَ عليك (فَجَاءَ آخَرُ) غيره (فَقَالَ): يا رسول الله (لَمْ أَشْعُرْ، فَنَحَرْتُ) هديي (قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ) الجمرة (قَالَ) ﵊، وفي رواية أبي ذَرٍّ (٣): «فقال»: (ارْمِ) الجمرة (وَلَا حَرَجَ) عليك في ذلك (فَمَا سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ شَيْءٍ) من أعمال يوم العيد: الرَّمي والنَّحر والحلق والطَّواف (قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ) بضمِّ أوَّلهما على صيغة المجهول، وفي الأوَّل حذفٌ، أي: لا قُدِّم ولا أُخِّر؛ لأنَّها لا تكون في الماضي إلَّا مُكرَّرةً على الفصيح، وحَسُنَ ذلك هنا أنَّه في سياق النَّفيِ كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩] ولمسلمٍ:
стр. 726
ما سُئِلَ عن شيءٍ قُدِّمَ أو أُخِّر (١) (إِلَّا قَالَ) ﵊ للسَّائل (٢): (افْعَلْ) ذلك كما فعلته قبل، أو متى شئت (وَلَا حَرَجَ) عليك مُطلَقًا، لا في التَّرتيب ولا في ترك الفدية، وهذا مذهب إمامنا الشَّافعيِّ وأحمد وعطاءٍ وطاوسٍ ومجاهدٍ، وقال مالكٌ وأبو حنيفةَ: التَّرتيب واجبٌ يُجبَر بدمٍ لِمَا رُوي عن (٣) ابن عبَّاسٍ أنَّه قال: مَنْ قدَّم شيئًا في حجِّه أو أخَّره فليُهرقْ لذلك دمًا، وتأوَّلوا الحديث، أي: لا إثم عليكم فيما فعلتموه من هذا لأنَّكم (٤) فعلتموه على الجهل منكم لا على القصد، فأسقط عنهمُ الحرج وأعذرهم لأجل النِّسيان وعدم العلم، ويدلُّ له قول السَّائل: «لم أشعر»، ويؤيِّده: أنَّ في رواية عليٍّ عند الطَّحاويِّ بإسنادٍ صحيحٍ بلفظ: رميت وحلقت ونسيت أن أنحر.
وفي الحديث: جواز سؤال العالِم راكبًا وماشيًا وواقفًا وعلى كلِّ حالٍ، ولا يُعارَض هذا بما رُوِيَ عن مالكٍ من كراهة ذكر العلم والسُّؤال عن الحديث في الطَّريق لأنَّ الموقف بمنًى لا يُعدُّ من الطُّرقات؛ لأنَّه موقفُ سُنَّةٍ وعِبادةٍ وذِكرٍ، ووقت حاجةٍ إلى التَّعلُّم خوف الفوات؛ إمَّا بالزَّمان أو بالمكان.
(٢٤) هذا (بابُ مَنْ أَجَابَ) في (الفُتْيَا) أي: في بيان المفتي الذي أجاب المستفتي فيما سأله عنه (بِإِشَارَةِ اليَدِ وَالرَّأْسِ) وسقط لفظ «باب» للأَصيليِّ.
стр. 727
٨٤ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو وفتح الهاء وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخره مُوحَّدةٌ، ابن خالدٍ الباهليُّ البصريُّ، المُتوفَّى سنة خمسٍ وستِّين (١)، أو تسعٍ وستِّين، لا سنة ستٍّ وخمسين (قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاس (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) عبد الله ﵄: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ) بضمِّ السِّين (فِي حَجَّتِهِ) أي: الوداع (فَقَالَ) أي: السَّائل: (ذَبَحْتُ) هديي (قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ) الجمرة، فهل يصحُّ؟ وهل عليَّ حرجٌ؟ (فَأَوْمَأَ) أي: أشار ﷺ ، وفي رواية الأَصيليِّ وأبي الوقت: «قال: فأومأ» (بِيَدِهِ) الكريمة حال كونه قد (قَالَ) وفي رواية أبي ذَرٍّ: «فقال»: (لَا حَرَجَ) عليك، وللأَصيليِّ: «ولا حرج» بالواو، أي: صحَّ فعلُك ولا حرج عليك، وهي ساقطةٌ في روايةٍ (٢) لأبي ذَرٍّ، وعلى حاليَّةِ «قَالَ» يكون جمع بين الإشارة والنُّطق، ويحتمل أن يكون «قال» بيانًا لقوله: «فأومأ»، ويكون من إطلاق القول على الفعل، وهذا هو الأحسن (وقَالَ) ذلك السَّائل أو غيره: (حَلَقْتُ) رأسي (قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ) هديي، أي: قبل ذبحه (فَأَوْمَأَ) فأشار رسول الله ﷺ (بِيَدِهِ) الشَّريفة: (وَلَا حَرَجَ) أي: صحَّ فعلُك ولا إثمَ عليك، ولم يَحْتَجْ إلى ذكر «قال» هنا لأنَّه أشار بيده بحيث فُهِمَ من تلك الإشارة أنَّه لا حَرَج.
ورجال هذا الحديث كلُّهم بصريُّون (٣)، وفيه: رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ، والتَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الحجِّ» من طريقين [خ¦١٧٢٢] [خ¦١٧٢٣]، ومسلمٌ، والنَّسائيُّ فيه أيضًا.
стр. 728
٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن بَشِير؛ بفتح المُوحَّدة وكسر المُعجَمَة آخره راءٌ، البلخيُّ، المُتوفَّى ببلخٍ سنة أربعَ عشْرةَ ومئتين (قَالَ: أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ) زاد الأَصيليُّ: «ابن (١) أبي سفيان» (عَنْ سَالِمٍ) هو ابن عبد الله بن عمر بن الخطَّاب ﵁ (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) عبد الرَّحمن بن صخرٍ، أي: كلامه (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يُقْبَضُ العِلْمُ) أي: بموت العلماء، و «يُقبَض»: بضمِّ أوَّله على صيغة المجهول، وهو تفسيرٌ (٢) لقوله في الرِّواية السَّابقة: «يُرفَع العلمُ» [خ¦٨٠] (وَيَظْهَرُ الجَهْلُ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة على صيغة المعلوم، وذكر هذه لزيادة التَّأكيد والإيضاح، وإلَّا فظهور الجهل من لازمِ قبضِ العلمِ (وَالفِتَنُ) بالرَّفع عطفًا على «الجهل»، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «وتظهر الفتن» بإسقاط: «الجهل» (وَيَكْثُرُ الهَرْجُ) بفتح الهاء وسكون الرَّاء آخره جيمٌ؛ الفتنة والاختلاط، وأصله (٣) كثرة الشَّرِّ، وهو بلسان الحبشة: القتل، كما عند المصنِّف في «كتاب (٤) الفتن» [خ¦٧٠٦١] (قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ وَمَا الهَرْجُ؟ فَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ، فَحَرَّفَهَا، كَأَنَّهُ يُرِيدُ القَتْلَ) فهمه الرَّاوي من تحريف يده الكريمة وحركتها كالضَّارب، وفيه إطلاق القول على الفعل، والفاء في قوله: «فَحَرَّفَهَا» تفسيريَّةٌ، فهي مفسِّرةٌ لقوله: «هكذا».
стр. 729
٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) أي: ابن خالدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ) أي: ابن عروة بن الزُّبَيْر بن العوَّام (عَنْ فَاطِمَةَ) بنت المنذر بن الزُّبَيْر بن العوَّام؛ وهي زوجة هشامٍ هذا وبنت عمِّه (عَنْ أَسْمَاءَ) بنت أبي بكر الصِّدِّيق، ذات النِّطاقين، زوج الزُّبَيْر، المُتوفَّاة بمكَّة سنة ثلاثٍ وسبعين، وقد بلغت المئة، ولم يسقط لها سنٌّ، ولم يتغير لها عقل، أنَّها (قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ) أمَّ المؤمنين ﵂ (وَهِيَ تُصَلِّي) أي: حال كون عائشة تصلِّي (فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ) قائمين مضطربين فزعين؟ (فَأَشَارَتْ) عائشة (إِلَى السَّمَاءِ) تعني: انكسفت الشَّمس (فَإِذَا النَّاسُ) أي: بعضهم (قِيَامٌ) لصلاة الكسوف (فَقَالَتْ) أي: ذكرت عائشة ﵂: (سُبْحَانَ اللهِ! قُلْتُ: آيَةٌ) هي؟ أي: علامةٌ لعذاب النَّاس كأنَّها (١) مقدِّمةٌ له، قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] أو علامةٌ لقرب زمان (٢) قيام السَّاعة (فَأَشَارَتْ) عائشة (بِرَأْسِهَا، أي: نَعَمْ) قالت أسماءُ: (فَقُمْتُ) في الصَّلاة (حَتَّى عَلَانِي) بالعين المُهمَلَة، من: عَلَوْتُ الرَّجل: غلبته، ولكريمة وابن عساكر: «تَجَلَّاني» بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة والجيم وتشديد اللَّام، وضُبِّب عليه في الفرع أي: علاني (الغَشْيُ) بفتح الغين وسكون
стр. 730
الشِّين المُعجمَتَين آخره مُثَّناةٌ تحتيَّةٌ مُخفَّفَةٌ، وبكسر الشِّين وتشديد الياء أيضًا؛ بمعنى: الغِشاوة؛ وهي الغطاء، وأصله: مرضٌ معروفٌ يحصل بطول القيام في الحرِّ ونحوه؛ وهو طرفٌ من الإغماء، والمُرَاد به هنا: الحالة القريبة (١) منه، فأطلقته مجازًا ولهذا قالت: (فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأْسِي المَاءَ) أي: في تلك الحالة ليذهب (فَحَمِدَ اللهَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَثْنَى عَلَيْهِ) عُطِفَ على «حَمِدَ» من باب عطف العامِّ على الخاصِّ؛ لأنَّ الثَّناء أعمُّ من الحمد والشُّكر والمدح (٢) أيضًا (ثُمَّ قَالَ) ﵊: (مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ) بضمِّ الهمزة، أي: ممَّا يصحُّ رؤيته عقلًا كرؤية الباري تعالى، ويليق عرفًا ممَّا يتعلَّق بأمر الدِّين وغيره (إِلَّا رَأَيْتُهُ) رؤيةَ عينٍ حقيقةً حال كوني (فِي مَقَامِي) بفتح الميم الأولى وكسر الثَّانية، زاد في رواية الكُشْمِيهَنيِّ والحَمُّويي: «هذا» خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هو هذا، ويُؤوَّل بالمُشَار إليه، والاستثناء مُفرَّغٌ متَّصِلٌ، فتُلْغَى فيه «إلَّا» من حيث العمل، لا من حيث المعنى كسائر الحروف نحو: ما جاءني إلَّا زيدٌ، وما رأيت إلَّا زيدًا، وما مررت إلَّا بزيدٍ (حَتَّى الجَنَّةَِ ُوَالنَّارَُِ) بالرَّفع فيهما على أنَّ «حتَّى»: ابتدائيَّةٌ، و «الجنَّةُ»: مبتدأٌ محذوفُ الخبر، أي: حتَّى الجنَّة مَرْئِيَّةٌ، و «النَّار» عُطِفَ (٣) عليه، والنَّصب: على أنَّها عاطفةٌ عطفت (٤) «الجنَّة» على الضَّمير المنصوب في
стр. 731
«رأيته» (١)، والجرُّ: على أنَّها جارَّةٌ، كذا قرَّروه بالثَّلاثة، وهي ثابتةٌ في فرع «اليونينيَّة» كهي (٢). وقال الحافظ ابن حجرٍ: رُوِّينَاه بالحركات الثَّلاث فيهما، لكن استشكل البدر الدَّمامينيُّ الجرَّ: بأنَّه لا وجه له إلَّا العطف على المجرور المتقدِّم، وهو مُمتنعٌ لما يلزم عليه من زيادة «مِن» مع المعرفة، والصَّحيح: منعه (فَأُوحِيَ) بضمِّ الهمزة وكسر الحاء (إِلَيَّ أَنَّكُمْ) بفتح الهمزة مفعول «أُوحِي» ناب عن الفاعل (تُفْتَنُونَ) تُمتَحَنون وتُختَبَرون (فِي قُبُورِكُمْ، مِثْلَ -أَوْ قَرِيبًا) بحذف التَّنوين في «مثل» وإثباته في تاليه (لَا أَدْرِي أَيَُّ ذَلِكَ) لفظ «مثل» أو «قريبًا» (قَالَتْ أَسْمَاءُ-) ﵂ (مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ) بالحاء المهملة لمسحه الأرض، أو لأنَّه ممسوح العين (الدَّجَّالِ) الكذَّاب، والتَّقدير: مثل فتنة المسيح أو قريبًا منها، فحذف ما كان «مثل» مُضَافًا إليه لدلالة ما بعده، وترك هو على هيئته قبل الحذف، كذا وجَّهه ابن مالكٍ، وقال: إنَّه الرِّواية المشهورة، وقال عياضٌ: الأحسن تنوين الثَّاني وتركه في الأوَّل (٣)، وفي روايةٍ في الفرع وأصله (٤): «مثلَ أو قريبَ» بالنَّصب من غير ألفٍ (٥) بغير تنوينٍ فيهما، قال الزَّركشيُّ: في المشهور في «البخاريِّ» أي: تُفتَنون مثل فتنة الدَّجال، أو قريبَ الشَّبه من فتنة الدَّجَّال، فكلاهما مضافٌ، وجملة: «لا أدري … » إلى آخرها اعتراضٌ بين المُضَاف والمُضَاف إليه، مُؤكِّدةٌ لمعنى الشَّكِّ المُستفَاد من كلمة «أو»، لا يُقَال: كيف فُصِلَ بين المُضَافين وبين ما أُضِيفا إليه (٦)؛ لأنَّ الجملة المُؤكِّدة للشَّيء لا تكون أجنبيَّةً منه، وإثبات «من» -كما في بعض النُّسخ، وهو الذي في فرع «اليونينيَّة» - بين المُضَاف والمُضَاف إليه لا يمتنع عند جماعةٍ من النُّحاة، ولا يخرج بذلك عن الإضافة، وفي روايةٍ: «مِثْلًا أو قريبًا» بإثبات التَّنوين فيهما، أي: تُفتَنون في قبوركم فتنةً مثلًا من فتنة المسيح، أو فتنةً قريبًا من فتنة المسيح، وحينئذٍ فالأوَّل: صفةٌ
стр. 732
لمصدرٍ محذوفٍ، والثَّاني: عطفٌ عليه، و «أيُّ» مرفوعٌ على الأشهر بالابتداء، والخبر: «قالت أسماء»، وضميرُ المفعول محذوفٌ، أي: قالته، وفِعلُ الدِّراية (١) مُعلَّقٌ بالاستفهام لأنَّه من أفعال القلوب، وبالنَّصب: مفعول «أدري» إن جُعلِت موصولةً أو «قالت» إن جُعِلَت استفهاميَّةً أو موصولةً (يُقَالُ) للمفتون: (مَا عِلْمُكَ) مبتدأٌ، وخبره: (بِهَذَا الرَّجُلِ؟) ﷺ
стр. 733
ولم يُعبِّر بضمير المتكلِّم لأنَّه حكاية قول المَلَكَين، ولم يَقُل: رسول الله ﷺ لأنَّه يصير تلقينًا لحُجَّته، وعدل عن خطاب الجمع في «أنَّكم تُفتَنون» إلى المُفرَد في قوله: «ما عِلْمُك» لأنَّه تفصيلٌ، أي: كلُّ واحدٍ يُقَال له ذلك؛ لأنَّ السُّؤال عن العلم يكون لكلِّ واحدٍ، وكذا الجواب بخلاف الفتنة (فَأَمَّا المُؤْمِنُ -أَوِ المُوقِنُ) أي: المصدِّق بنبوَّته ﷺ (لَا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا) وفي رواية الأربعة: «أيُّهما المؤمن أو الموقن» (قَالَتْ أَسْمَاءُ-) والشَّكُّ من فاطمة بنت المنذر (فَيَقُولُ) الفاء جواب «أمَّا» لِما في «أمَّا» من معنى الشَّرط: (هُوَ مُحَمَّدٌ) هو (رَسُولُ اللهِ) هو (جَاءَنَا بِالبَيِّنَاتِ) بالمعجزات الدَّالَّة على نبوَّته (وَالهُدَى) أي: الدَّلالة الموصلة إلى البُغْية (١) (فَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا) وفي رواية أبي ذَرٍّ: «فأجبناه واتَّبعناه» بالهاء فيهما، فحُذِف ضمير المفعول في الرِّواية الأولى للعلم به، أي: قَبِلنا نبوَّته معتقدين مصدِّقين، واتَّبعناه فيما جاء به إلينا، أوِ الإجابة تتعلَّق بالعلم والاتِّباع بالعمل، يقول المؤمن: (هُوَ مُحَمَّدٌ) وفي رواية أبي ذَرٍّ وأبي الوقت وابن عساكر عن الحَمُّويي (٢): «وهو محمَّدٌ ﷺ » قولًا (ثَلَاثًا) أي: ثلاثَ مرَّاتٍ (فَيُقَالُ) له: (نَمْ) حال كونك (صَالِحًا) مُنتفعًا بأعمالك؛ إذِ الصَّلاح: كونُ الشَّيء في حدِّ الانتفاع (قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ) بكسر الهمزة، أي: الشَّأن كنت (لَمُوقِنًا بِهِ) أي: إنَّك موقنٌ كقوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] أي: أنتم، أو
стр. 734
تبقى على بابها، قال القاضي: وهو الأَظْهَر، واللَّام في قوله: «لمُوقنًا» عند البصريِّين للفرق بين «إن» المُخفَّفة و «إن» (١) النَّافية، وأمَّا الكوفيُّون فإنَّها (٢) عندهم بمعنى: «ما»، واللَّام بمعنى: «إلَّا» كقوله تعالى: ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] أي: ما كلُّ نفسٍ إلَّا عليها حافظٌ، والتَّقدير: ما كنت إلَّا موقنًا، وحكى السَّفاقسيُّ فَتحُ همزة «أنْ» على جعلها مصدريَّةً، أي: عَلِمنا كونَك موقنًا به، وردَّه بدخول اللَّام. انتهى. وتعقَّبه البدر الدَّمامينيُّ، فقال: إنَّما تكون «اللَّام» مانعةً إذا جُعِلَت لام الابتداء على رأي سيبويه ومن تابعه، وأمَّا على رأي الفارسيِّ وابن جنِّيٍّ وجماعة أنَّها لامٌ غير لامِ الابتداء اجتُلِبت للفرق فيسوغ الفتح، بل يتعيَّن حينئذٍ لوجود المقتضي وانتفاء المانع (وَأَمَّا المُنَافِقُ) أي: غير المصدِّق بقلبه لنبوَّته (-أَوِ المُرْتَابُ) أي: الشَّاكُّ قالت فاطمة: (لَا أَدْرِي أَيَُّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ- فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ) أي: قلت ما كان النَّاس يقولونه، وفي روايةٍ: «وذكر الحديث» أي: إلى آخره، الآتي إن شاء الله تعالى، وفي هذا الحديث: إثباتُ عذابِ القبر وسؤال الملكين، وأنَّ مَنِ ارتاب في صدق الرَّسول ﷺ وصحَّةِ رسالته فهو كافرٌ، وأنَّ الغشيَ لا ينقضُ الوضوء ما دام العقل باقيًا، إلى غير ذلك ممَّا لا يخفى.
(٢٥) هذا (بابُ تَحْرِيضِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أي: حثِّه (وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ) القبيلة المشهورة (عَلَى أَنْ يَحْفَظُوا الإِيمَانَ وَالعِلْمَ) من باب عطف الخاصِّ على العامِّ (٣) (وَيُخْبِرُوا) به (مَنْ وَرَاءَهُمْ) و «تحريض»: بالضَّاد المُعجَمَة، وقِيلَ: وبالمُهمَلَة أيضًا، وهما بمعنًى كما قاله الكِرمانيُّ، وعُورِضَ: بأنَّه تصحيفٌ، ودُفِعَ: بأنَّه إذا كان كلاهما يُستعمَل في معنًى واحدٍ لا يكون
стр. 735
تصحيفًا، وعلى مُنْكِر استعمال المُهمَل بمعنى المُعجَم البيانُ، وأُجِيب: بأن النَّافيَ (١) لا يلزمه إقامة دليلٍ، وبأنَّه لا يلزم من ترادفهما وقوعهما معًا في الرِّواية، والكلام إنَّما هو في تقييد الرِّواية، لا مُطلَق الجواز. انتهى.
(وَقَالَ مَالِكُ بْنُ الحُوَيْرِثِ) بالتَّصغير والمُثلَّثة، ابن حَشيشٍ؛ بفتح المُهمَلَة وبالشِّين المُعجَمَة المُكرَّرة، اللَّيثيُّ، له في «البخاريِّ» أربعةُ أحاديث، المُتوفَّى بالبصرة سنة أربعٍ وتسعين، ممَّا هو موصولٌ عند المؤلِّف في «الصَّلاة» [خ¦٦٢٨] و «الأدب» [خ¦٦٠٠٨] و «خبر الواحد» [خ¦٧٢٤٦] كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وأخرجه مسلمٌ كذلك (قَالَ لَنَا النَّبِيُّ) وفي نسخةٍ: «رسول الله» (¬ ﷺ ¬) أي: لمَّا قَدِمَ عليه في ستَّةٍ من قومه، وأسلم وأقام عنده أيَّامًا، وأَذِنَ له في الرُّجوع: (ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ) أمر دينهم، وفي رواية الأَصيليِّ والمُستملي: «فعظوهم» من الوعظ والتذكير.
٨٧ - وبالسَّند إلى البخاريِّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح الموحَّدة والشِّين المُعجَمَة المُثقَّلَة، ابن عثمان البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) بضمِّ الغَيْن المُعجَمَة وفتح الدَّال المُهمَلَة، محمَّد بن جعفرٍ الهُذَليُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي جَمْرَةَ) بالجيم والرَّاء، نصر بن عمران البصريِّ أنَّه (قَالَ: كُنْتُ أُتَرْجِمُ) أي: أعبِّر (بَيْنَ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (وَبَيْنَ النَّاسِ) فأعبِّر لهم ما أسمع
стр. 736
من ابن عبَّاسٍ، وله ما أسمع منهم (فَقَالَ) ابن عبَّاسٍ: (إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ) بن أَفْصَى؛ بفتح الهمزة وسكون الفاء وفتح الصَّاد المُهمَلَة، والوفد: اسمُ جمعٍ، لا جمعٌ لـ «وافدٍ» على الصَّحيح، قال القاضي: وهمُ القومُ يأتون ركبانًا (أَتَوُا النَّبِيَّ) وفي الرِّواية السَّابقة [خ¦٥٣]: «لمَّا أتَوُا النَّبيَّ» (¬ ﷺ فَقَالَ) لهم: (مَنِ الوَفْدُ، أَوْ) قال لهم: (مَنِ القَوْمُ؟) شكَّ شعبةُ أو شيخُه (قَالُوا) نحن (رَبِيعَةُ) لأنَّ عبد القيس من أولاده (فَقَالَ) ﵊، وفي رواية ابن عساكر: «قال» (مَرْحَبًا بِالقَوْمِ أَوْ بِالوَفْدِ) على الشَّكِّ أيضًا، وفي رواية غير الأَصيليِّ وكريمةَ: بحذفهما (غَيْرَ خَزَايَا) غير مُذَلِّين ولا مُهَانين ولا مفضوحين؛ بوطء البلاد وقتل الأنفس وسبيِ النِّساء، ونُصِبَ «غيرَ» على الحال، قال النَّوويُّ: وهو المعروف، وبالجرِّ: على الصِّفة (وَلَا نَدَامَى) الأصل نادمين جمع نادمٍ لأنَّ «نَدَامى» إنَّما هو جمع ندمان، أي: المُنادِم في اللهوِ، لكن هنا على الإتباع كما قالوا: العشايا والغدايا، و «غداةٌ» جمعها الغدوات لكنَّه أتبع، قاله الزَّركشيُّ كالخطَّابيِّ (١)، وعُورِض بما في «جامع القزَّاز» على ما حكاه السَّفاقسيُّ أنَّه يُقَال: رجلٌ نادمٌ وندمانُ في النَّدامة بمعنًى، أي: نادمٌ (٢)، وحينئذٍ يكون جاريًا على الأصل، وعند النَّسائيِّ من طريق قُرَّة: فقال: «مرحبًا بالوفد ليس الخزايا والنَّادمين (٣)» (قَالُوا): يا رسول الله (إِنَّا نَأْتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ) بضمِّ الشِّين المُعجَمَة، أي: سفرةٍ (بَعِيدَةٍ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ) أصل الحيِّ منزل
стр. 737
القبيلة، ثمَّ سُمِّيت به اتِّساعًا لأنَّ بعضهم يحيا ببعضٍ (وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّا فِي شَهْرٍ حَرَامٍ) بتنكيرهما، وهو يصلح لكلِّها، وفي رواية الأَصيليِّ: «في شهر الحرام» بتعريف الثَّاني كمسجد الجامع، والمُرَاد: رجبُ لتفرُّده بالتَّحريم، مع التَّصريح به في رواية البيهقيِّ، كما مرَّ (فَمُرْنَا بِأَمْرٍ) زاد في رواية «كتاب الإيمان» [خ¦٥٣]: فَصْلٍ (نُخْبِرُْ بِهِ) بالرَّفع: على الصِّفة لقوله: «أمرٍ» وبالجزم: جوابًا للأمر (مَنْ وَرَاءَنَا) مِنْ قومنا (نَدْخُلُ بِهِ الجَنَّةَ) بإسقاط واو العطف الثَّابتة (١) في رواية «كتاب الإيمان» [خ¦٥٣] معَ الرَّفع على الحال المُقدَّرة، أي: نخبر مقدِّرين دخول الجنَّة، أو على الاستئناف، أو البدليَّة، أو الصِّفة بعد الصِّفة، والجزم: جوابًا للأمر، جوابًا بعد جوابٍ، وفي فرع «اليونينيَّة»: «وندخل» بإثبات العاطف كالأولى، وحينئذٍ فلا يتأتَّى الجزم في الثَّاني مع رفع الأوَّل (فَأَمَرَهُمْ) ﵊ (بِأَرْبَعٍ) وزاد خامسةً وهي: إعطاء الخُمُس (وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ بِاللهِ وَحْدَهُ) زاد في رواية الكُشْمِيهَنيِّ لفظة (قَالَ) أي: كالرواية السابقة في «باب الإيمان» (٢): (هَلْ تَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللهِ وَحْدَهُ؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ) المفروضة (وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ) المعهودة (وَصَوْمُ رَمَضَانَ، و) أنْ (تُعْطُوا الخُمُسَ مِنَ المَغْنَمِ) صرَّح «بأنْ» في «وتعطوا» في رواية أحمد عن (٣) غندر، فقال: «وأن تعطوا» فكأنَّ الحذف من شيخ البخاري (وَنَهَاهُمْ عَنِ الدُّبَّاءِ) بضمِّ
стр. 738
الدَّال المُهمَلَة وتشديد المُوحَّدة والمدِّ: القرع (وَ) عن (الحَنْتَمِ) بفتح المُهمَلَة؛ وهو جرارٌ خضرٌ مَطْلِيَّةٌ بما يسدُّ الخرق (وَ) عنِ (المُزَفَّتِ) أي: المطليِّ بالزِّفت (قَالَ شُعْبَةُ: رُبَّمَا) وفي رواية أبي ذَرٍّ وأبي الوقت: «ورُبَّما» (قَالَ) أبو جمرة: عنِ (النَّقِيرِ) بالنُّون المفتوحة وكسر القاف، أي: الجذع المنقور (وَرُبَّمَا قَالَ) عنِ (المُقَيَّرِ) أي: المطليِّ بالقار، قال في «فتح الباري»: وليس المُرَاد أنَّه كان يتردَّد في هاتين اللَّفظتين ليثبت إحداهما دون الأخرى؛ لأنَّه (١) يلزم من ذكر «المُقيَّر» التَّكرار لسبق ذكر «المُزفَّت» لأنَّه بمعناه، بلِ المُرَاد: أنَّه كان جازمًا بذكر الثَّلاث الأُوَل، شاكًّا في الرَّابع وهو «النَّقير»، فكان تارةً يذكره وتارةً لا يذكره، وكان أيضًا شاكًّا في التَّلفُّظ بالثَّالث، فكان تارةً يقول: «المُزفَّت» وتارةً يقول: «المُقيَّر»، هذا توجيهه، فلا يُلتفَت إلى ما عداه، والدَّليل عليه: أنَّه جزم بـ «النَّقير» في الباب السَّابق؛ يعني: في «كتاب الإيمان» [خ¦٥٣] ولم يتردَّد إلَّا في «المُزفَّت» و «المُقيَّر» (قَالَ: احْفَظُوهُ) أي: المذكور (وَأَخْبِرُوهُ) بفتح الهمزة وكسر المُوحَّدة، وللكُشْمِيهَنِيِّ: «وأخبروا» بحذف الضَّمير، وفي رواية ابن عساكر وأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «وأخبروا به» (مَنْ وَرَاءَكُمْ) مِنْ قَومِكم.
(٢٦) هذا (بابُ الرِّحْلَةِ) بكسر الرَّاء من: رحَل يرحَل (٢)، أي: الارتحال (فِي المَسْأَلَةِ النَّازِلَةِ)
стр. 739
بالمرء، قال الحافظ ابن حجرٍ: وفي روايتنا أيضًا: «الرَّحلة» بفتح الرَّاء، أي: الواحدة، وأمَّا بضمِّها فالمُرَاد به: الجهة، وقد يُطلَق على من يُرحَل إليه. انتهى. وفي هامش الفرع كأصله: بضمِّ الرَّاء، ورُقِمَ عليه علامة الأَصيليِّ، وزاد (١) في رواية كريمة وأبي الوقت بعد قوله: «النَّازلة»: (وَتَعْلِيمِ أَهْلِهِ) بالجرِّ عطفًا على «الرِّحلة»، وصُوِّب حذفه لمجيئه في بابٍ آخر.
٨٨ - وبالسَّند السَّابق قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) المروزيُّ، وفي رواية غير الأَصيليِّ: «ابن مقاتلٍ أبو الحسن» (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المُبارَك المروزيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ) بضمِّ العَيْن في الأولى وكسرها في الثَّانية (بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ) بضمِّ الحاء وفتح السِّين مُصغَّرًا، النَّوفليُّ المكيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ) بفتح العَيْن وسكون المُوحَّدة (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) بضمِّ الميم، زهير التَّيميُّ (٢) القرشيُّ الأحول، ونَسبَهُ لجدِّه أبي مليكة لشهرته به، وإِلَّا فأبوه عُبَيْد الله، بضمِّ العين (عَنْ عُقْبَةَ) بضمِّ العين وسكون القاف وفتح الباء الموحدة (بْنِ الحَارِثِ) بن عامرٍ القرشيِّ المكيِّ، أبو سِروَعة؛ بكسر السِّين المُهمَلَة، وقد تُفتَح، أسلم يوم
стр. 740
الفتح وله في «البخاريِّ» ثلاثةُ أحاديثَ (١)، وعند المؤلِّف في «النِّكاح» في «باب شهادة المرضعة» [خ¦٥١٠٤]: أنَّ ابن أبي مُلَيْكة قال: حدَّثنا عبيد (٢) بن أبي مريم عن عقبة بن الحارث قال: وسمعته من عقبة لكنِّي لحديث (٣) عبيدٍ أحفظ، فصرَّح بسماعه من عقبة، فانتفى قول أبي عمر: إنَّ ابن أبي مُلَيْكَة لم يسمع من عقبة، بينهما عبيد بن أبي (٤) مريم، فإسناده منقطعٌ (أَنَّهُ) أي: عقبة بن الحارث (تَزَوَّجَ ابْنَةً) وللأَصيليِّ: «بنتًا» (لأَبِي إِهَابِ بْنِ عَزِيزٍ) بكسر الهمزة وفتح العَيْن المُهمَلَة وكسر الزَّاي وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، لا بضمِّ العَيْن وفتح الزَّاي، ابن قيس بن سويدٍ التَّميميِّ (٥) الدَّارميِّ، واسم ابنته: غَنِيَّة؛ بفتح المُعجَمَة وكسر النُّون وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، وكنيتها: أمُّ يحيى (فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على اسمها (فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ) بن الحارث (وَالَّتِي تَزَوَّجَ بِهَا) أي: غَنِيَّة، وفي رواية الأربعة بحذف: «بها» (فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ) بكسر الكاف (أَرْضَعْتِنِي) وفي رواية ابن عساكر وأبي الوقت: «أرضعتيني» بزيادة مُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ قبل النُّون (وَلَا أَخْبَرْتِنِي) ولابن عساكر: «ولا أخبرتيني» بزيادة مُثنَّاة تحتيَّةٍ بعد الفوقيَّة، تولَّدت من إشباع الكسرة فيهما، وعبَّر بـ «أعلم»