بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - التعريف بابن فارس
لم تعين كتب التراجم تاريخاً لولادة أبى الحسين أحمد بن فارس بن زكريا بن حبيب الرازى، على حين نجد الرواة يختلفون فى نسبه وموطنه.
أما اختلافهم في اسمه فقد زعم ابن الجوزى - على ما رواه ياقوت، وهو ما رأيته فى كتابه المنتظم نسخة دار الكتب المصرية - أن اسمه أحمد بن زكريا بن فارس (١).
ولكنَّ ياقوتا لا يعبأ بهذا القول الشاذ، ويذهب أنه قول «لا يعاج به».
وأما موطنه فندع القفطى (٢) يقول فيه: «واختلفوا فى وطنه، فقيل كان من قزوين. ولا يصح ذلك، وإنما قالوه لأنه كان يتكلم بكلام القزاونة (٣). وقيل:
كان من رستاق الزهراء، من القرية المدعوة كرسف جياناباذ».
стр. 2
وقال ياقوت: «وجدت على نسخة قديمة لكتاب المجمل من تصنيف ابن فارس ما صورته: تأليف الشيخ أبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا الزهراوى الأستاذ خرزى. واختلفوا فى وطنه، فقيل كان من رستاق الزهراء من القرية المعروفة بكرسفة وجياناباذ. وقد حضرت القريتين مراراً. ولا خلاف فى أنه قروى.
حدثنى والدى محمد بن أحمد، وكان من جملة حاضرى مجالسه، قال: أتاه آت فسأله عن وطنه، فقال: كرسف. قال: فتمثل الشيخ:
بلاد بها شُدّت علىَّ تمائمى … وأولُ أرض مس جلدى ترابها (١)
وكتبه مجمع بن محمد بن أحمد بخطه، فى شهر ربيع الأول سنة ست وأربعين وأربعمائة». قال ياقوت: «وكان في آخر هذا الكتاب ما صورته أيضاً: قضى الشيخ أبو الحسين أحمد بن فارس ﵀ في صفر سنة خمس وتسعين وثلاثمائة بالرى، ودفن بها مقابل مشهد قاضى القضاة أبى الحسن على بن عبد العزيز.
يعنى الجرجانى».
فهذا النص الذى أورده ياقوت يكسب أبا الحسين بن فارس نسبتين أخريين.
هما «الزهراوى» و «الأستاذ خرزى»، غير نسبته المشهورة «الرازى» إلى مدينه «الرى» قصبة بلاد الجبال.
ولعل فى كثرة اضطراب أبى الحسين فى بلاد شتى، ما يدعو إلى هذا الخلاف فى معرفة وطنه الأول.
ويروى القفطى أيضاً أن «أصله من همذان، ورحل إلى قزوين إلى أبى الحسين إبراهيم بن على بن إبراهيم بن سلمة بن فخر، .. فأقام هناك مدة. ورحل إلى زنجان إلى أبى بكر أحمد بن الحسن بن الخطيب رواية ثعلب. ورحل إلى ميانج».
стр. 3
ويروى ياقوت عن يحيى بن منده الأصبهانى، قال: «سمعت عمى عبد الرحمن ابن محمد العبدي يقول: سمعت أبا الحسين أحمد بن زكريا بن فارس النحوى يقول: دخلت بغداد (١) طالباً للحديث؛ فحضرت مجلس بعض أصحاب الحديث وليست معى قارورة، فرأيت شابًّا عليه سِمَة من جمال فاستأذنته فى كَتب الحديث من قارورته فقال: من انبسط إلى الإخوان بالاستئذان، فقد استحق الحرمان».
فهو كما ترى قد تنقل فى جملة من البلاد ساعياً للعلم، شأنَ طلاب العلم فى ذلك الزمان، فاكتسب بذلك جماعة من الأنساب.
إقامته بهمذان:
ولكن المقام استقر به فى معظم الأمر بمدينة همذان. قال ابن خلكان:
«وكان مقيماً بهمذان». ويقول الثعالبى (٢) في ترجمته: «أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا، المقيم كان بهمذان. من أعيان العلم وأفذاذ الدَّهر، يجمع إتقان العلماء، وظرف الكتاب والشعراء. وهو بالجبل كابن لنكك بالعراق، وابن خالويه بالشام، وابن العلاف بفارس، وأبى بكر الخوارزمى بخراسان».
وقد تَلْمَذ له في أثناء إقامته الطويلة بهمذان أديبها المعروف «بديع الزمان الهمذانى» الذي يرجع الفضل كل الفضل في تكوينه وتأديبه إلى أبى الحسين أحمد بن فارس. قال الثعالبى في ترجمته بديعَ الزمان: «وقد درس على أبى الحسين ابن فارس، وأخذ عنه جميع ما عنده، واستنفد علمه، واستنزف بحره».
стр. 4
انتقاله إلى الرى:
ولما اشتهر أمره بهمذان وذاع صوته، استدعى منها إلى بلاط آل بويه بمدينة الري، ليقرأ عليه أبو طالب بن فخر الدَّولة على بن ركن الدَّولة الحسن بن بويه الدَّيلمى. وهناك التقى برجل خطير كان يبغى من قبل أن يعقد صلة بينه وبينه، حتى لقد أنفذ إليه من همذان كتاباً من تأليفه، هو «كتاب الحجر (١)».
ذلك الرجل الخطير هو الصاحب إسماعيل بن عباد (٢). وفي هذه الآونة زال ما كان بين أبى الحسين وبين الصاحب من انحراف، كانت علته انتساب ابن فارس إلى خدمة آل العميد (٣) وتعصبه لهم. واصطفاه الصاحب حينئذ، وأخذ عنه الأدب،
стр. 5
واعترف له بالأستاذية والفضل، وكان يقول فيه: «شيخنا أبو الحسين ممن رزق حسن التصنيف، وأمن فيه من التصحيف (١)».
شيوخ ابن فارس وتلاميذه:
كان والد أبى الحسين فقيهاً شافعياً لغوياً، وقد أخذ عنه أبو الحسين فقه الشافعى، وروى عنه في كتبه (٢). قال ابن فارس: «سمعت أبى يقول: سمعت محمد بن عبد الواحد يقول: إذا نُتِج ولدُ الناقة في الربيع ومضت عليه أيام فهو رُبَع، فإذا نُتج في الصيف فهو هُبَع، فإذا نتج بين الصيفِ والربيع فهو بُعَّة (٣)».
وأنت تجد في مقدمة ابن فارس لكتاب المقاييس نصًّا على أنه روى كتاب المنطق لابن السكيت عن أبيه فارس بن زكريا.
وكان أبوه أيضاً رجلاً أديباً راوية للشعر. قال ياقوت: «وحدث ابن فارس:
سمعت أبى يقول: حججت فلقيت ناساً من هذيل، فجاريتهم ذكر شعرائهم فما عرفوا أحداً منهم، ولكنى رأيت أمثل الجماعة رجلاً فصيحاً، وأنشدنى:
إذا لم تَحظَ في أرضٍ فدعْها … وحُثَّ اليَعمَلاتِ على وَجاها
ولا يَغررك حَظُّ أخيك فيها … إذا صفرت يمينُك مِنْ جَداها
стр. 6
ونفسَك فُزْ بها إن خفت ضيما … وخَلِّ الدَّارَ تنعَى مَنْ بكاها
فإنك واجدٌ أرضاً بأرض … ولستَ بواجدٍ نفساً سواها
ومن شيوخه أيضا أبو بكر أحمد بن الحسن الخطيب رواية ثعلب. وهذه الأستاذية تفسر لنا السر في أن ابن فارس كان نحويا على طريقة الكوفيين.
ومن شيوخه كذلك أبو الحسن على بن إبراهيم بن سلمة القطان. وقد أكثر ابن فارس من الرواية عنه في كتابه «الصاحبى»، ونص في مقدمة المقاييس أنه قرأ عليه كتاب العين المنسوب إلى الخليل.
وفي عداد شيوخه أبو الحسن على بن عبد العزيز صاحب أبى عبيد القاسم بن سلام، وقد روى عنه ابن فارس كتابَىْ أبى عبيد: غريب الحديث، ومصنفِ الغريب، كما نص في المقدَّمة.
ومنهم أبو بكر محمد بن أحمد الأصفهانى، وعلى بن أحمد الساوى، وأبو القاسم سلمان بن أحمد الطبرانى.
والشيخ الذي كان يسترعى انتباه ابن فارس وإعجابَه الشديد، هو أبو عبد اللّه أحمد بن طاهر المنجم. وفيه يقول ابن فارس (١): «ما رأيت مثل أبى عبد اللّه بن طاهر، ولا رأى هو مثل نفسه».
وأما تلاميذ ابن فارس فكثيرون، وكان من أشهرهم بديع الزمان الهمذانى، وأبو طالب بن فخر الدَّولة البويهى، والصاحب إسماعيل بن عباد، كما أسلفنا القول.
وقال ابن الأنبارى: «وكان له صاحب يقال له أبو العباسِ أحمد بن محمد الرازى المعروف بالغضبان، وسبب تسميته بذلك أنه كان يخدمه ويتصرف في بعض
стр. 7
أموره. قال: فكنت ربما دخلت فأجد فرش البيت أو بعضه قد وهبه، فأعاتبه على ذلك وأضجر منه، فيضحك من ذلك ولا يزول عن عادته. فكنت متى دخلت عليه ووجدت شيئاً من البيت قد ذهب علمت أنه قد وهبه، فأعبس وتظهر الكآبة في وجهى، فيبسطنى ويقول: ما شأن الغضبان! حتى لحق بى هذا اللقب منه. وإنما كان يمازحنى به».
ومن تلاميذه أيضا على بن القاسم المقرى، وقد قرأ عليه كتابه (أوجز السير لخير البشر) المطبوع في الجزائر وبمباى، ويفهم من هذا الكتاب أن ابن فارس أقام في مدينة الموصل زماناً وقرأ عليه المقرى فيها هذا الكتاب.
وفاته:
لم يختلف المؤرخون في أن ابن فارس قد قضى نحبه في مدينة الرى، أو المحمدية (١)، وأنه دُفن بها مقابلَ مشهد قاضى القضاة أبى الحسن على بن عبد العزيز الجرجانى.
ولكنهم يختلفون في تاريخ وفاته على أقوال خمسة:
فقيل توفى سنة (٣٦٠) كما نقل ياقوت عن الحميدي، وعقب على ذلك بأنه قول لا اعتبار به. وقيل كانت وفاته سنة (٣٦٩) ذكر ذلك ابن الجوزى فى المنتظم، ونقله عنه ياقوت. وعَدَّه ابن الأثير أيضا في وفيات سنة ٣٦٩.
وذكر ابن خلكَان أنه توفى سنة (٣٧٥) بالمحمدية.
وقيل إنه توفى سنة (٣٩٠) ذكر ذلك ابن خلكان أيضا، وابن كثير
стр. 8
فى أحد قوليه في كتابه البداية والنهاية، وكذا اليافعى في مرآة الجنان، وصاحب شذرات الذهب.
وأصح الأقوال وأولاها بالصواب أن وفاته كانت سنة (٣٩٥) كما ذكر القفطى في إنباه الرواة، وكما نقل السيوطى عن الذهبي في بغية الوعاة، قال:
«وهو أصح ما قيل في وفاته». وذكره أيضا في هذه السنة ابن تغرى بَردى فى النجوم الزاهرة، وابن كثير في البداية والنهاية. وهو الذي استظهره ياقوت، إذ وجد هذا التاريخ على نسخة قديمة من كتاب المجمل (١).
وذكر في معجم البلدان (٣٣٩: ٧) أنه وجد كتاب تمام الفصيح بخط ابن فارس، كتبه سنة ٣٩٠.
وفي إرشاد الأريب أنه وجد خطه على كتاب [تمام] الفصيح تصنيفه وقد كتبه سنة ٣٩١.
فهذا كله يؤيد القول أنه توفى سنة ٣٩٥.
وروى أكثر من ترجم له أنه قال قبل وفاته بيومين:
يا ربِّ إنَّ ذنوبى قد أحطتَ بها … علما وبى وبإعلانى وإسرارى
أنا الموحِّد لكنى المقرُّ بها … فهب ذنوبى لتوحيدى وإقرارى
стр. 9
٢ - ابن فارس الأديب
لم يكن ابن فارس من العلماء الذين ينزَوُون على أنفسهم ويكتفون بمجالس العلم والتعليم، بل كان متصلا بالحياة أكمل اتصال، مادّا بسببه إلى نواحٍ شتى منها.
شعره:
فهو شاعر يقول الشعر ويرقّ فيه، حتى لَينم شعره عن ظَرفه وحسن تأتِّيه في الصنعة على طريقة شعراء دهره. وهو ملحٌّ في التهكم والسخرية، لا ينسى السخرية في الغزل فيقول (١):
مرت بنا هيفاءُ مقدودةٌ … تُركيَّةٌ تُنمَى لتركىِّ
ترنو بطرف فاتن فاتر … كأنه حُجّة نحوىّ
فيجعل من حجة النحوي في ضعفها على ما يراه، شبها لطرف صاحبته الفاتن الفاتر. وهو يستعملها في تصوير حظوظ العلماء والأدباء إذ يقول:
وصاحبٍ لى أتانى يستشير وقد … أرادَ في جنَبات الأرض مُضطرَبَا (٢)
قلتُ اطَّلِبْ أيَّ شئ شئتَ واسْعَ ورِد … منه المَواردَ إلاَّ العلمَ والأدبا
стр. 10
وهو يتبرم بهمَذان والعيشِ فيها، فيرسم حياته فيها على هذَا النحو الساخر البديع:
سقى همذانَ الغيثُ لستُ بقائل … سوى ذا وفي الأحشاء نار تَضرّمُ (١)
وما لى لا أُصفِى الدُّعاءَ لبلدةٍ … أفدتُ بها نسيانَ ما كنتُ أَعلم
نَسِيت الذي أحسنتُه غير أننى … مَدِينٌ وما في جوف بيتىَ درهم
وهو صاحبُ حملة ما جنة على من يزهدون فِي الدِّينار والدِّرهم، ويطلبون المجد في العلم والعقل، أنشد البِيرونى له (٢):
قد قال فيما مضى حكيم … ما المرء إلا بأصغريه
فقلت قول امرئ لبيبٍ … ما المرء إِلا بدرهميه
من لم يكن مَعْهُ درهماه … لم تلتفت عِرسُه إِليه
وكان من ذُلِّهِ حقِيرا … تبول سنَّورُه عليه
ولابن فارس التفات عجيب إلى السنور، وقد سجل في غير هذا الموضع من شعره أنه كان يصطفى لنفسه هرة تلازمه، وتنفى عنه هموم قلبه ووساوس النفس:
وقالوا كيف أنت فقلت خيرٌ … تُقَضَّى حاجةٌ وتفوت حاجُ
إِذا ازدحمت همومُ القلب قلنا … عَسى يوما يكون لها انفراجُ
نديمى هِرّتى وسرور قلبى … دفاتر لى ومعشوقى السراج (٣)
وهو بصير ذو خبرة بطبائع الناس، واستئسارهم للمال، وخضوعهم له:
إذا كنت في حاجة مرسِلا … وأنت بها كَلِفٌ مغرمُ
стр. 11
فأَرسِلْ حكيما ولا توصِهِ … وذاك الحكيم هو الدرهم (١)
ويقول:
عتبتُ عليه حين ساء صنيعه … وآليت لا أمسيتُ طَوع يديه
فلما خَبَرت الناس خُبر مجرِّب … ولم أر خيراً منه عدت إِليه (٢)
ويقول أيضا:
يا ليت لى ألف دينارٍ موجَّهةً … وأن حظىَ منها حظُّ فَلاّسِ (٣)
قالوا فما لَكَ منها، قلت تخدمُنى … لها ومنَ أجلها الحمقى من الناس (٢)
ويستعمل التهكم في أمور أخرى إذ يقول لمن يتكاسل في طِلاب العلم:
إذا كان يؤذيك حر المصيف … ويُبْس الخريف وبردُ الشتا
ويلهيك حُسنُ زمان الربيع … فأخذك للعلم قل لى متى (٤)
ولمن يقدِّر لأمر الدُّنيا، ويَجْرى القضاءُ بخلاف ما قدَّر:
تَلَبَّسْ لباسَ الرضا بالقضا … وخلِّ الأمورَ لمن يَملِكُ
تقدِّرُ أنت وجارِى القضا … ءِ مما تقدِّرُه يَضحكُ (٥)
وروى له الثعالبى في خاص الخاص ١٥٣:
اسمع مقالة ناصح … جمع النصيحة والمقه
إياك واحذر أن تكو … ن من الثقات على ثقه
استعماله الشعر في تقييد مسائل اللغة:
ولعلّ ابن فارس من أقدم من استعمل أسلوب الشعر في تقييد مسائل اللغة والعربية. قال ياقوت: «قرأت بخط الشيخ أبى الحسن علىّ بن عبد الرحيم السُّلَمى:
стр. 12
وجدت بخط ابن فارس على وجه المجمل، والأبياتُ له. ثم قرأتها على سعد الخير الأنصارى، وأخبرنى أنه سمعها من ابن شيخه أبى زكريا، عن سليمان بن أيوب، عن ابن فارسِ:
يا دارَ سُعدى بذات الضال من إضَمٍ … سقاكِ صوبُ حياً من واكف العينِ
العين: سحاب ينشأ من قبل القبلة.
تُدنى معشقةً منَّا معتَّقة … فى كل إِصباح يومٍ قرَةُ العينِ
العين ها هنا: عين الإنسان وغيره.
إذا تمزَّزَها شيخٌ به طَرَقٌ … سرت بقُوَّتها في الساق والعينِ
العين ها هنا: عين الركبة. والطرق: ضعف الركبتين.
والزقُّ ملآنُ من ماء السرور فلا … تخشى تولُّهَ ما فيه من العين
العين ها هنا: ثقب يكون في المزادة. وقوله الماء: أن يتسرب.
وغاب عُذَّالُنا عنَّا فلا كدرٌ … فى عيشنا من رقيب السَّوْءِ والعينِ
العين ها هنا: والرقيب.
يقسِّم الودَّ فيما بيننا قِسَما … ميزانُ صدقٍ بلا بَخْسٍ ولا عينِ
العين ها هنا: العين في الميزان (١).
وفائض المال يغنينا بحاضره … فنكتفى من ثقيل الدَّين بالعين (٢)
العين ها هنا: المال الناض.
стр. 13
رأيه في النقد:
وابن فارس يلم أيضاً بالحياة الأدبية في عصره، ولا يتزمّت كما يتزمّت كثير من اللغويين الذين ينصرفون عن إِنتاج معاصريهم ولا يقيمون له وزناً، فهو يصغى إلى نشيدهم ويروى لكثير منهم، وينتصر للمحسن وينتصف له من المتعصبين الجامدين، الذين يزيِّفون شعر المحدَثين ويستسقطونه.
وإِليك فصلاً من رسالة له كتبها لأبى عمرو محمد بن سعيد الكاتب (١)؛ لتستبينَ مذهبه ذلك، وتلمس أسلوبه الفنى الأدبى:
«ألهمك اللّه الرشاد، وأصْحَبَك السداد، وجنَّبك الخلافَ، وحبب إِليك الإِنصافَ. وسبب دعائى بهذا لك إنكارك على أبى الحسن محمد بن على العجلى تأليفه كتاباً في الحماسة وإعظامُك ذلك. ولعله لو فعل حتى يُصيبَ النرض الذي يريده، ويَرِد المنهل الذي يؤمُّه، لَاستدركَ من جيّد الشعر ونقيِّه، ومختاره ورضيِّه، كثيراً مما فات المؤلِّف الأول. فماذا الإنكار، ولَمه هذا الاعتراضُ، ومن ذا حَظَر على المتأخِّر مضادَّة المتقدِّم، ولمه تأخذ بقول من قال: ما ترك الأول للآخر شيئاً، وتدع قول الآخر:
* كم ترك الأوَّل للآخِر *
وهل الدُّنيا إلا أزمان، ولكل زمان منها رجال. وهل العلوم بعد الأصول المحفوظة إِلا خطرات الأوهام ونتائج العقول. ومَنْ قصر الآداب على زمانٍ
стр. 14
معلوم، ووقفها على وقت محدود؟! ولمه لا ينظر الآخر مثلما نظر الأوَّل حتى يؤلف مثلَ تأليفه، ويجمع مثل جمعه، ويرى في كل مثل رأيه. وما تقول لفقهاء زماننا إذا نزلت بهم من نوادر الأحكام نازلة لم تخطر على بال مَنْ كان قبلهم. أو ما علمت أن لكل قلب خاطراً، ولكل خاطر نتيجة. ولمه جاز أن يقال بعد أبى تمام مثل شعره ولَمْ يجزُ أن يؤلف مثلُ تأليفه. ولمه حجرت واسعاً وحظرت مباحاً، وحرمت حلالاً وسددتَ طريقاً مسلوكاً. وهل حبيبٌ إلا واحد من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم. ولمه جاز أن يُعارَض الفقهاء في مؤلفاتهم، وأهل النحو في مصنفاتهم، والنّظار في موضوعاتهم، وأرباب الصناعات في جميع صناعاتهم، ولم يجز معارضة أبى تمام في كتابٍ شذ عنه في الأبواب التى شرعها فيه أمرٌ لا يدرك ولا يدرى قدره.
ولو اقتصر الناس على كتب القدماء لضاع علم كثير، ولذهَب أدب غزير، ولضلت أفهام ثاقبة، ولكلَّتْ ألسنٌ لِسنة، ولما توشَّى أحد بالخطابة، ولا سلك شعباً من شعاب البلاغة، ولمجت الأسماع كل مردود مكرر، ولَلَفظت القلوب كل مرجَّع ممضَّغ. وحَتَّامَ لا يسأم:
* لو كنتُ من مازن لم تستبح إبلى *
* صفَحْنا عن بَنى ذَهل *
وإلى متى ولمه أنكرت على العجلىّ معروفاً، واعترفت لحمزة بن الحسين ما أنكره على أبى تمام، فى زعمه أن في كتابه تكريراً وتصحيفاً، وإيطاءً وإِقواءً، ونقلا لأبياتٍ عن أبوابها إِلي أبوابٍ لا تليق بها ولا تصلح لها؛ إلى ما سوى ذلك من روايات مدخولة، وأمور عليلة. ولمه رضيت لنا بغير الرضى، وهلا حثثت على إثارة ما غيبته الدهور، وتجديد ما أخلقته الأيام، وتدوين ما نُتِجته خواطر هذا الدَّهر،
стр. 15
وأفكار هذا العصر. على أن ذلك لو رامه رائم لأتعبه، ولو فعله لقرأتَ ما لم ينحط عن درجة من قبله، مِنْ جدٍّ يروعك، وهزل يروقك، واستنباط يعجبك، ومزاحٍ يُلهيك.
وكان بقزوين رجل معروف بأبى حامد الضرير القزوينى، حضر طعاما وإلى جنبه رجل أكون، فأحسَّ أبو حامد بجودة أكله فقال:
وصاحب لى بطنه كالهاويه … كأن في أمعائه معاويه (١)
فانظر إلى وجازة هذا اللفظ، وجودة وقوع الأمعاء إلى جنبِ معاوية.
وهل ضر ذلك أن لم يقله حماد عجرد وأبو الشمقمق. وهل في إثبات ذلك عار على مثبته، أو في تدوينه وصمة على مدوِّنه.
وبقزوين رجل يعرف بابن الرياشى القزوينى، نظر إلى حاكم من حكامها من أهل طبرستان مقبلا، عليه عمامة سوداء وطيلسان أزرق، وقميص شديد البياض، وخُفٌّ أحمر، وهو مع ذلك كله قصير، على برذون أبلقَ هزيل الخلق، طويل الحلق، فقال حين نظر إليه:
وحاكمٍ جاء على أبلقِ … كعَقعَقٍ جاء على لَقلقِ
فلو شهدت هذا الحاكم على فرسه لشهدتَ للشاعر بصحَّة التشبيه وجودة التمثيل، ولعلمت أنه لم يقصر عن قول بشار:
كأن مثار النقع فوق رءوسهم … وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
فما تقول لهذا. وهل يَحسن ظلمه، فى إِنكار إِحسانه، وجحود تجويده.
وأنشدنى الأستاذ أبو على محمد بن أحمد بن الفضل، لرجل بشيراز يعرف
стр. 16
بالهمذانى وهو اليوم حى يرزق، وقد عاتبَ (١) بعضَ كتابها على حضوره طعاما مرض منه:
وُقيتَ الردى وصروفَ العلل … ولا عَرَفت قدماك العللْ
شكا المرضَ المجدُ لما مرض … تَ فلما نهضتَ سليماً أبلّ
لك الذنب لا عتب إلا عليك … لماذا أكلت طعام السِّفَلْ
وأنشدنى له في شاعر هو اليوم هناك يعرف بابن عمرو الأسدى، وقد رأيته فرأيت صفة وافقت الموصوف:
وأصفر اللون أزرق الحدقه … فى كل ما يدعيه غير ثقه
كأنه مالك الحزين إذا … همَّ بزَرْقٍ وقد لوى عنقَه
إن قمتُ في هجوه بقافيةٍ … فكل شعرٍ أقوله صدقَه
وأنشدنى عبد اللّه بن شاذان القارى، ليوسف بن حمويه من أهل قزوين؛ ويعرفُ بابن المنادى:
إذا ما جئتَ أحمد مستميحا … فلا يغرركَ منظرُه الأنيقُ
له لطف وليس لديه عرفُ … كبارقةٍ تروق ولا تريق
فما يخشى العدو له وعيداً … كما بالوعد لا يثق الصدِيق
وليوسفَ محاسن كثيرة، وهو القائل - ولعلك سمعت به -:
حجُّ مثلى زيارةُ الخمارِ … واقتنائى العَقارَ شُربُ العُقارِ
ووقارى إذا توقر ذو الشَّيْ … بةِ وَسْطَ النَّدىِّ تركُ الوقارِ
ما أبالى إذا المدامةُ دامتْ … عَذْلَ ناهٍ ولا شناعةَ جارِ
رُبَّ ليلٍ كأنه فرعُ ليلى … ما به كوكبٌ يلوح لسارِى
стр. 17
قد طويناه فوق خِشفٍ كحيلٍ … أحورِ الطرفِ فاترٍ سَحّارِ
وعكفنا على المُدامة فيه … فرأينا النهار في الظهر جارى
وهى مليحةٌ كما ترى. وفي ذكرها كلِّها تطويل، والإيجاز أمثل وما أحسبك ترى بتدوين هذا وما أشبهه بأسا.
ومدح رجلٌ بعض أمراء البصرة، ثم قال بعد ذلك وقد رأى توانياً في أمره، قصيدَةً يقول فيها كأنه يجيب سائلاً:
جوَّدتَ شعرَك في الأمي … رِ فكيفَ أمْرُك قلتُ فاترْ
فكيفَ تقول لهذا، ومن أى وجه تأتى فتظلمه، وبأى شئٍ تعانده فتدفعه عن الإيجاز، والدلالة على المراد بأقصر لفظٍ وأوجز كلام. وأنت الذي أنشدتنى:
سَدَّ الطريقَ على الزما … نِ وقام في وجه القطوب
كما أنشدتَنى لبعض شُعراء الموصل:
فدَيتك ما شبت عن كُبرةٍ … وهذى سِنِيَّ وهذا الحسابُ
ولكن هُجِرتُ فحَلَّ المشيبُ … ولو قد وُصِلتُ لعاد الشبابُ
فلِمَ لم تخاصم هذين الرجلين في مزاحمتهما فحولة الشعراء وشياطين الإِنس، ومَرَدة العالَم في الشعر.
وأنشدنى أبو عبد اللّه المغلسى المراغى لنفسه:
غداةَ تولت عِيسُهم فترحلوا … بكيت على ترحالهم فعميتُ
فلا مُقلتِى أدّت حقوقَ وِدادهم … ولا أنا عن عينى بذاك رضيتُ
وأنشدنى أحمد بن بندار لهذا الذي قدمت ذكره، وهو اليوم حى يرزق:
زارَنى في الدُّجى فنمَّ عليه … طيبُ أردانِه لدى الرقباءِ
стр. 18
والثريا كأنها كفُّ خَودٍ … أُبرِزَت من غِلالةٍ زرقاءِ
وسمعت أبا الحسين السروجى يقول: كان عندنا طبيب يسمى النعمان، ويكنى أبا المنذر، فقال فيه صديقٌ لى:
أقول لنعمانٍ وقد ساق طبُّه … نفوساً نفيساتٍ إلى باطن الأرضِ
أبا منذر أفنيتَ فاستبقِ بعضَنا … حنانيك بعضُ الشرِّ أهون من بعض» (١)
وهذا الفَصل الذي أورده الثعالبى من رسالة ابن فارس، إلى ما رواه ياقوت فى إرشاد الأريبِ (٢) من مساجلة أدبية بين ابن فارس وعبد الصَّمد بن بابك الشاعر المعروف، يظهرنا على مدى اتصال أبى الحسين بالحركة الأدبية في عصره.
стр. 19
٣ - ابن فارس اللغوى
عرف ابن فارس بمعرفته الواسعة باللغة. وكتابه «المجمل» في اللغة لا يقل كثيرا في الشهرة عن كتاب العين، والجمهرة، والصِّحاح.
توثيقه:
وقد عرف ابن فارس بالتزامه إيراد الصحيح من اللغات. قال السيوطى بعد أن سرد طائفة من كتب اللغة المشهورة (١): «وغالب هذه الكتب لم يلتزم فيها مؤلفوها الصحيح، بل جمعوا فيها ما صح وغَيْرَه، وينبهون على ما لم يثبت غالبا.
وأول من التزم الصحيحَ مقتصرا عليه، الإمامُ أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهرى.
ولهذا سمى كتابه بالصحاح». ثم قال: «وكان في عصر صاحب الصحاح ابن فارس، فالتزم أن يذكر في مجمله الصَّحيح، قال في أوله: قد ذكرنا الواضح من كلام العرب والصَّحيحَ منه، دون الوحشى والمستنكر … وقال في آخر المجمل:
قد توخيت فيه الاختصار، وآثرت فيه الإيجاز، واقتصرت على ما صح عندى سماعا، ومن كتاب صحيح النسب مشهور. ولولا تَوَخِّى ما لم أشكُك فيه من كلام العرب لوجدْت مقالا».
стр. 20
والناظر في كتاب المقاييس، يلمس من ابن فارس حرصَه على إيراد الصَّحيح من اللغات، ويري أيضا صدق تحرّيه، وتحرّجَه من إثبات ما لم يصحّ. وهو مع كثرة اعتماده على ابن دريد، ينقد بعض ما أورده في كتابه «الجمهرةِ» من اللغات، ويضعه على محك امتحانه وتوثيقه، فإذا فيه الزيف والرَّيب (١).
ولوعه باللغة:
وقد بلغ من حبه للغة وعشقه لها، أن ألَّف فيها ضروباً من التأليف، وكان يستحث عزيمة معاصريه من الفقهاء أن ينهضوا بتعرُّف اللغة والتبحر فيها، وألف لهم فناً من الإلغاز سماه «فتيا فقيه العرب»، يضع لهم مسائل الفقه ونحوَها فى معرض اللغة. ولعل الإمام الشافعى أول من عرف بهذا الضرب من المعاياة اللغوية الفقهية (٢).
قال السيوطى، عند الكلام على فتيا فقيه العرب: «وقد ألف فيه ابن فارس تأليفاً لطيفاً في كراسة، سماه بهذا الاسم. رأيته قديماً وليس هو عندى الآن».
وقد أجمع المترجمون لابن فارس على أن الحريرى في المقامة الثانية والثلاثين (الطَّيْبيَّة) قد اقتبس من ابن فارسٍ ذلك الأسلوب، فى وضع المسائل الفقهية بمعرض اللغة.
ويصوِّر لنا القفطى في إنباه الرواة صدق دعوته للغة بقوله: «وإذا وجد فقيهاً، أو متكلماً، أو نحوياً، كان يأمر أصحابه بسؤالهم إياه، ويناظره في مسائل
стр. 21
من جنس العلم الذي يتعاطاه، فإن وجده بارعاً جَدِلاً جَرَّه في المجادلة إلى اللغة فيغلبه بها. وكان يحثُّ الفقهاء دائماً على معرفة اللغة، ويلقى عليهم مسائل ذكرها فى كتاب سماه فتيا فقيه العرب، ويخجلهم بذلك؛ ليكون خجلهم داعياً إلى حفظ اللغة. ويقول: من قصر علمه فى اللغة وغولط غلط».
حذقه باللغة وتأليفه كتاب المقاييس:
على أن ابن فارس في كتابِه هذا «المقاييس»، قد بلغ الغاية في الحذق باللغة، وتكنُّه أسرارها، وفهم أصولها؛ إذ يردُّ مفرداتِ كلِّ مادة من مواد اللغة إلى أصولها المعنوية المشتركة فلا يكاد يخطئه التوفيق. وقد انفرد من بين اللغويين بهذا التأليف، لم يسبقه أحدٌ ولم يخلُفْه أحَد. وأرى أن صاحبَ الفضل في الإيحاء إليه بهذه الفكرة العبقرية هو الإمام الجليل أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد (١)؛ إذ حاول في كتاب «الاشتقاق» أن يرد أسماء قبائل العرب وعمائرها، وأفخاذها وبطونها، وأسماء ساداتها وثُنيانها، وشعرائها وفرسانها وحكامها، إلى أصول لغوية اشتُقَّت منها هذه الأسماء. ويقول ابن دريد في مقدِّمة الاشتقاق: «ولم نتَعدَّ ذلك إلى اشتقاق أسماء صنوف النامى من نبات الأرض نجمِها وشجرِها وأعشابها ولا إلى الجماد من صخرها ومَدَرها وحَزْنها وسهلها؛ لأنا إن رُمْنا ذلك احتجنا إلى اشتقاق الأصول التى تشتق منها. وهذا ما لا نهاية له».
ومما هو بالذكر جدير، أن ابن فارسٍ كان يتأسّى بابن دريد في حياته العلمية والأدبية والتأليفية، وهو بلا ريب قد اطَّلع على هذه الإشارة من ابن دريد،
стр. 22
فحاول أن يقوم بما عجز عنه ابن دريد أو نكص عنه، فألَّف كتابه هذا المقاييسَ، يطرُد فيه قاعدة الاشتقاق فيما صحَّ لديه من كلام العرب.
الاشتقاق:
والكلام في الاشتقاق قديم، يرجع العهد به إلى زمان الأصمعى وقطرب وأبى الحسن الأخفش، وكلهم قد ألَّف في هذا الفن (١). ولكن ابن دريد بدأ النجاح الكبير لهذه الفكرة بتأليف كتاب الاشتقاق، وثَنَّاه ابن فارس بتأليف المقاييس، وحاول معاصراه أبو على الفارسى (٢)، وتلميذه أبو الفتح بن جنى (٣) أن يصعدا درجةً فوق هذا، بإذاعة قاعدة الاشتقاق الأكبر، التى تجعل للمادة الواحدة وجميع تقاليبها أصلاً أو أصولاً ترجع إليها (٤)، فأخفقا في ذلك، ولم يستطيعا أن يشيعا هذا المذهب في سائر مواد اللغة.
стр. 23
٤ - مؤلفات ابن فارس
وابن فارس يعدُّ في طليعة العلماء الذين أخذوا من كل فن بسهم وافر، ولم يقف بنفسه عند حدِّ المعرفة والتعليم، بل اقتحم بها ميدان التأليف الموفق، فهو يذهب فيه إلى مدى متطاول. ويحتفظ التاريخ له بهذه المؤلفات العديدة القيمة:
١ - الاتباع والمزاوجة
وهو ضرب من التأليف اللغوى. قال السيوطى في المزهر (١): «وقد ألَّف ابن فارس المذكور تأليفاً مستقلاًّ في هذا النوع، وقد رأيته مرتباً على حروف المعجم. وفاته أكثر مما ذكره. وقد اختصرت تأليفه وزدت عليه ما فاته، فى تأليف لطيف سمَّيتُه: الإلماع في الإتباع».
ذكر هذا الكتاب السيوطى في بغية الوعاة والمزهر. ومنه نسخة مخطوطة.
بدار الكتب المصرية برقم ٥٥ ش لغة، وهى نسخة قديمة جيدة كتبت سنة ٧١١ بخط عمر بن أحمد بن الأزرق الشاذلى. وقد نشره المستشرق رودلف برونو، بمدينة غيسن سنة ١٩٠٦. ويقع في ٢٤ صفحة.
стр. 24
٢ - اختلاف النحويين
ذكره السيوطى في البغية، وحاجى خليفة في كشف الظنون باسم «اختلاف النحاة». وقد ذكره ياقوت باسم «كفاية المتعلمين، فى اختلاف النحويين».
٣ - أخلاق النبى ﷺ
ذكره ياقوت في إرشاد الأريب.
٤ - أصول الفقه
ذكره ياقوت في إرشاد الأريب.
٥ - الإفراد
ذكره السيوطى في الإتقان ١٤٣: ١.
٦ - الأمالى
ذكره ياقوت في معجم البلدان (أوطاس) ونقل عنه.
٧ - أمثلة الأسجاع
وجدته يذكر هذا الكتاب في نهاية كتاب «الإتباع والمزاوجة».
قال: وسترى ما جاء من كلامهم في الأمثال وما أشبه الأمثال من حكمهم على السجع، فى كتاب أمثلة الأسجاع إن شاء اللّه تعالى».
٨ - الانتصار لثعلب
أورده السيوطى في بغية الوعاة، وحاجى خليفة. وقد سرد حاجى خليفة طائفة من الكتب التى تحمل عنوان «الانتصار» ينتصر فيها عالم الآخر. وثعلب من أئمة الكوفيين. وكان ابن فارس يميل إلى الجانب الكوفى ويتأثر مذاهبه.
أوجز السير
انظر سيرة النبى ﷺ .
стр. 25
٩ - التاج
ذكره ابن خير الأندلسى في فهرسته ص ٣٧٤ طبع سرقسطة.
١٠ - تفسير أسماء النبى ﵊
وهو ضرب من التأليف الاشتقاق. عدَّه ابن الأنبارى في نزهة الألباء، وياقوت في الإرشاد الأريب، والسيوطى في بغية الوعاة.
١١ - تمام فصيح الكلام
منه نسخة بالمكتبة التيمورية برقم ٥٢٣ لغة. ويقع هذا الكتاب في ٢٧ صفحة صغيرة. قرأت في أواخره: «قال أحمد بن فارس: هذا آخر ما أردت إثباته في هذا الباب. ولم أعنِ أن أبا العباس (١) قصَّر عنه، لكن المشيخة آثروا الاختصار.
وحقَّا أقول إن ما ذكرته من علم أبى العباس جزاه اللّه عنا خيراً». فهو قد جعل هذا الكتاب ذيلاً لفصيح ثعلب. وجاء في نهاية تمام الفصيح: «وكتب أحمد ابن فارس بن زكريا بخطه في شهر رمضان سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة بالمحمدية.
وفرغ من نسخ هذه النسخة عن خط مؤلفها، ياقوت بكرة الأحد سنة ٦١٦ بمرورالشاهجان. وكتب عن هذه النسخة غرة ربيع الثانى سنة ١٣٤٥».
وذكره بروكلمان في ملحق الجزء الأول ص ١٩٨ وذكر أن منه نسخة بالنجف كتبها ياقوت في مروالروذ في ٧ ربيع الثانى سنة ٦١٦ عن نسخة المؤلف التى يرجع تاريخها إلى سنة ٣٩٣. قلت: ذكر ياقوت في معجم البلدان (رسم المحمدية) أنه وجد بمرو نسخة من هذا الكتاب بخط ابن فارس كتبها في شهر رمضان سنة ٣٩٠ بالمحمدية. وهذا التاريخ يغاير التاريخ الذي سبق. ويبدو أن ابن فارس قد كتب هذا الكتاب عدة مرات (٢)
стр. 26
١٢ - الثلاثة
ذكره بروكلمان في الجزء الأول ص ١٣٠، وأن منه نسخة بمكتبة الإسكوربال (فهرس ديرنبورج ٣٦٣).
١٣ - جامع التأويل
فى تفسير القرآن، أربع مجلدات، كما يذكر ياقوت في إرشاد الأريب.
١٤ - الحجر
وقد سبقت الإشارة إلى هذا الكتاب في ص ٦ من هذه المقدمة. وهو من الكتب التى سردها ياقوت. وقد أشار ابن فارس إلى هذا الكتاب في الصاحبى ١٥ - ١٦.
١٥ - حلية الفقهاء
جاء في سرد ياقوت، وابن خلكان، والسيوطى في بغية الوعاة، واليافعى فى مرآة الجنان، وابن العماد في شذرات الذهب (فى وفيات ٣٩٠)، وحاجى خليفة.
١٦ - الحماسة المحدثة
هو في عداد الكتب التى ذكرها ياقوت له (١)، وذكره ابن النديم فى الفهرست ١١٩.
١٧ - خضارة (٢)
ذكره ابن فارس نفسه في نهاية كتابه «فقه اللغة» المعروف بالصاحبى ص ٢٣٢.
стр. 27
قال: «وما سوى هذا مما ذكرت الرواةُ أن الشعراء غلطوا فيه فقد ذكرتُه فى كتاب خُضارة، وهو كتاب نعت الشعر (١)».
١٨ - خلق الإنسان
فى أسماء أعضائه وصفاته. وقد ألَّف في هذا الضرب كثير من اللغويين، ومنهم ابن فارس، كما في كشف الظنون. وذكر هذا الكتاب أيضاً ياقوت في إرشاد الأريب، والسيوطى في بغية الوعاة. وقد أثبته بروكلمان في ملحق الجزء الأول ص ١٩٨ باسم «مقالة في أسماء أعضاء الإنسان»، وهى في مخطوطات الموصل ص ٣٣ بالمجموعة ١٥٢ رقم ٥. ونبشره داود الجلبى في مجلة المشرق السنة التاسعة ١١٠ - ١١٦.
١٩ - دارات العرب
ذكره ابن الأنبارى في نزهة الألباء، وياقوت في إرشاد الأريب. وذكره مرة أخرى في معجم البلدان (١٤: ٤)، قال: «ولم أر أحداً من الأئمة القدماء زاد على العشرين دارة، إلا ما كان من أبى الحسين بن فارس؛ فإنه أفرد له كتاباً فذكر نحو الأربعين، فزدت أنا عليه بحول اللّه وقوته نحوها (٢)».
٢٠ - ذخائر الكلمات
عدَّه ياقوت في إرشاد الأريب.
٢١ - ذم الخطاء في الشعر
ذكره السيوطى في بغية الوعاة، وحاجى خليفة في كشف الظنون. وقد طبع
стр. 28
هذا الكتاب مع «الكشف عن مساوى شعر المتنبى للصاحب بن عباد» بمطبعة المعاهد بالقاهرة ١٣٤٩، نشره القدسى. وهذا الكتاب لا يتجاوز أربع صفحات، يبتدي من صفحة ٢٩ وينتهى إلى ص ٣٢. ومنه نسخة مخطوطة بدار الكتب المصرية برقم ١٨١ صرف، وبمكتبة برلين برقم ٧١٨١. واستظهر بروكلمان فى ملحق الجزء الأول أنه الذي يسمى نقد الشعر. وليس كذلك.
٢٢ - ذم الغيبة
قال حاجى خليفة: «ذم الغيبة لأبى الحسين أحمد بن فارس المار ذكره ذكره ابن حجر في المجمع (١)».
رائع الدرر، ورأئق الزهر، فى أخبار خير البشر انظر: سيرة النبى ﷺ .
٢٣ - سيرة النبى ﷺ
وصفه ياقوت بأنه كتاب صغير الحجم. وقد نبه بروكلمان على كتاب «مختصر سير رسول اللّه» منه نسخة بالإسكوريال (ديرنبورج ١٦١٥) ونسختان بالقاهرة إحداهما برقم ٤٦٠ تاريخ والثانية برقم ٤٩٤ مجاميع. وعنوانها «سيرة ابن فارس اللغوى المختصرة» وقال بروكلمان: لعله الموجود ببرلين برقم ٩٥٧٠ باسم «مختصر في نسب النبي ومولده ومنشئه ومبعثه»، ولعله الموجود في الفاتيكان (فهرس بورج ص ١٤٤) باسم «ائع الدرر، ورائق الزهر، فى أخبار خير البشر (٢)»، ولعله أيضاً كتاب «أخلاق النبى» الذي كتب فيه «كاسان» فى مجلة (إسلام) ١٩٤: ١٧.
стр. 29
وأقول: هذا الاحتمال الأخير ضعيف؛ فإن ياقوتاً ذكرهما كتابين، كما أن العنوانين يحملان معنيين متغايرين عند مؤلفى الإسلام، وقد اطلعتُ على كتاب السيرة، فإذا هو موضوع وضع السير لا وضع كتب الشمائل النبوية. ويقع في ثمانى صفحات، أوله: «هذا ذكر ما يحق على المرء المسلم حفظه، ويجب على ذى الدين معرفته من نسب رسول اللّه ﷺ ومولده ومنشئه ومبعثه وذكر أحواله في مغازيه، ومعرفة أسماء ولده وعمومته وأزواجه».
وأقول أيضاً: قد طبع الكتاب مرتين باسم «أوجز السير لخير البشر» إحداهما في الجزائر سنة ١٣٠١ والأخرى في بمباى سنة ١٣١١.
٢٤ - شرح رسالة الزهرى إلى عبد الملك بن مروان
ذكره ياقوت. والزهرى هذا هو أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد اللّه بن عبد اللّه ابن شهاب الزهرى، أحد أعلام التابعين. وكان الزهرى مع عبد الملك، ثم هشام ابن عبد الملك، وكان يزيد بن عبد الملك قد استقضاه (١)
٢٥ - الشيات والحلى
وقد جاء محرفا في الطبعة الحديثة من إرشاد الأريب باسم «الثياب والحلى».
٢٦ - الصاحبى
وهو الاسم الذي شهر به كتابه فقه اللغة. وقد عرف هذا الكتاب ابن الأنبارى والسيوطى باسم «فقه اللغة». وأما ياقوت فقد أخطأ في السرد؛ إذ
стр. 30
جعل «الصاحبى» كتابا آخر غير فقه اللغة. وإنما الكتاب «فقه اللغة» صنفه للصاحب بن عباد فسمى بالصاحبى. وأنت تجد أول كتاب فقه اللغة: «هذا الكتاب الصاحبى في فقه اللغة العربية وسنن العرب في كلامها؛ وإنما عنونته بهذا الاسم لأنى لما ألفته أودعته خزانة الصاحب».
وقد عنى بنشر هذا الكتاب في القاهرة الأخ الجليل الأستاذ السيد محب الدين الخطيب، نشره بمطبعة المؤيد سنة ١٣٢٨ عن نسخة الشنقيطى المودعة بدار الكتب المصرية تحت رقم ٧ ش لغة، وهى بخط الشنقيطى. وذكر بروكلمان من مخطوطاته نسخة بمكتبة أبا صوفيا برقم ٤٧١٥ وأخرى بمكتبة بايزيد برقم ٣١٢٩.
وقد اقتبس الثعالبى اسم هذا الكتاب «فقه اللغة»، كما اقتبس كثيراً من فصوله الأخيرة في «سر العربية» وإن كان الثعالبى قد أربى على ابن فارس. وكما ألَّف ابن فارس كتابه للصاحب، ألَّف الثعالبى كتابه للأمير أبى الفضل الميكالى.
العرق
ذكره ياقوت. ويبدو أنه تصحيف «الفرق» الذي سيأتى.
٢٧ - الصم والخال
ذكره ياقوت.
٢٨ - غريب إعراب القرآن
ذكره ابن الأنبارى وياقوت.
стр. 31
٢٩ - فتيا فقيه العرب (١)
ذكره ابن الأنبارى، والقفطى في إنباه الرواة. وقال السيوطى في المزهر، عند الكلام على (فتيا فقيه العرب): «وذلك أيضا ضرب من الإلغاز. وقد ألَّف فيه ابن فارس تأليفا لطيفا في كراسة، سماه بهذا الاسم. رأيته قديماً وليس هو عندى الآن. فنذكر ما وقع من ذلك في مقامات الحريرى، ثم إن ظفرت بكتاب ابن فارس ألحقت ما فيه». ولكن السيوطى لم يلحق بالمزهر شيئا من كتاب ابن فارس.
وقد ذكر هذا الكتاب في البغية باسم «فتاوى فقيه العرب». وذكر ابن خلكان هذا الكتاب باسم «مسائل في اللغة وتعانى بها الفقهاء»، والسيوطى في بغية الوعاة بلفظ: «مسائل في اللغة يغالى بها الفقهاء» واليافعى في مرآة الجنان برسم «مسائل فى اللغة يتعانى الفقهاء»، وصواب هذا كله «مسائل في اللغة يعايا بها الفقهاء» والمعاياة: أن تأتى بكلامٍ لا يُهتَدَى إليه. وقد نبه بروكلمان أنه في مكتبة مشهد بفهرسها (٢٩: ١٥، ٨٤).
٣٠ - الفرق
ذكره ابن فارس في نهاية تمام الفصيح، قال: «فأما الفرق فقد كنت ألفت على اختصارى له كتابا جامعا، وقد شهر، وباللّه التّوفيق».
٣١ - الفريدة والخريدة
ذكره في طبقات الشافعية ٢: ٤.
- الفصيح
ذكره ياقوت، قال: «وجدت خط كفه على كتا - الفصيح تصنيفه. وقد كتبه سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة. قلت: صوابه «تمام الفصيح»، وقد سبق.
стр. 32
- فقه اللغة
سبق الكلام عليه في رسم «الصاحبى».
٣٢ - قصص النهار وسمر الليل
أورده بروكلمان في ملحق الجزء الأول. ومنه نسخة في مكتبة ليبسك برقم ٨٧٠.
٣٣ - كفاية المتعلمين في اختلاف النحويين
ذكره ياقوت. وأراه كتاب «اختلاف النحويين». وقد مضى.
٣٤ - اللامات
نبه بروكلمان أن منه نسخة بالمكتبة الظاهرية. وقد نشره برجستراسر في مجلة () الألمانية ص ٧٧ - ٩٩. ووجدت العلامة عبد العزيز الميمنى الراجكوتى فى مقدِّمة «مقالة كلا» يقول: «وبين يدى نسخةٌ مسخها ناسخها». وأقول:
قد عقد ابن فارس في الصَّاحبى ٨٣ - ٨٧ بابا كبيراً لِلاَّمات. وقد أورد حاجى خليفة «كتاب اللامات» لابن الأنبارى.
٣٥ - الليل والنهار
ذكره ياقوت والسيوطى في بغية الوعاة، وحاجى خليفة. ولعله «قصَص النهار وسمر الليل».
٣٦ - مأخذ العلم
ذكره ابن حجر في المجمع المؤسس ص ٢٠٨ من مخطوطة دار الكتب المصرية، وذكره أيضا حاجى خليفة في كشف الظنون.
стр. 33
٣٧ - متخير الألفاظ
ذكره ابن الأنبارى وياقوت. وذكره الجرجانى في الكنايات ١٤٥ باسم «مختار الألفاظ».
٣٨ - المجمل
وهو أشهر كتُب ابن فارس. وقد سبق الكلام عليه في ص ٢١ من هذه المقدِّمة.
ومنه ثلاث نسخ مخطوطة بدار الكتب المصرية برقم ٢٣٨، ٣٨٢، ١٨ ش.
وقد طبع الجزء الأول منه بالقاهرة في مطبعة السعادة سنة ١٣٣١ عن نسخة بخط مصرف بن شبيب بن الحسين سنة ٥٩١ قرأها الإمام الشنقيطى. وقد سرد بروكلمان منه نحو عشرين مخطوطة في مكتبات برلين، وجوته، وليدن، وباريس، والمتحف البريطانى، والمكتب الهندى، وبودليان، وامبروزيانا، وبنى جامع، وكوبريلى، ودمشق، ونور عثمانية، ولالالى، ودمشق، والموصل، ومشهد.
- مختصر سير رسول اللّه
انظر: سيرة النبي ﷺ .
٣٩ - مختصر في المؤنث والمذكر
منه نسخة بالمكتبة التيمورية بالقاهرة برقم ٢٦٥ لغة، تقع في ١٥ صفحة.
قرأت في أوله: «هذا مختصر في معرفة المذكر والمؤنث لا غنى بأهل العلم عنه، لأن تأنيث المذكر وتذكير المؤنث قبيح جداً».
стр. 34
- مختصر في نسب النبى ومولده ومنشئه ومبعثه
انظر: سيرة النبى ﷺ .
- مسائل في اللغة
انظر: فتيا فقيه العرب.
- مقالة في أسماء أعضاء الإنسان
انظر: خلق الإنسان.
٤٠ - مقالة كلا وما جاء منها في كتاب اللّه
نشرها العلامة عبد العزيز الميمنى الراجكوتى في القاهرة سنة ١٣٤٤ بالمطبعة السلفية، عن نسخة في مجموعة بمكتبة المرحوم عبد الحى اللكنوى، وتقع في نحو ١٢ صفحة. وهى مطبوعة في أول مجموعة تشمل أيضاً كتابَ ما تلحن فيه العوام للكسائى، ورسالة محيى الدين بن عربى إلى الإمام الفخر الرازى. وقد ذكرها ابن فارس فى الصاحبى ص ١٣٤، وقال: «وقد ذكرنا وجوه كلا، فى كتاب أفردناه».
٤١ - المقاييس
وسأفرد له قولا خاصاً.
٤٢ - مقدمة الفرائض
ذكره ياقوت في إرشاد الأريب.
стр. 35
٤٣ - مقدمة في النحو
ذكره ابن الأنبارى، والسيوطى في بغية الوعاة، وحاجى خليفة في كشف الظنون.
- نعت الشعر، أو نقد الشعر
انظر: خضارة.
٤٤ - النيروز
منه نسخة بمكتبة تيمور باشا برقم ٤٠٢ لغة، تقع في ثمانى صفحات. وهذه النسخة مستنسخة من المكتبة الظاهرية بدمشق، كتبت في سنة ١٣٣٩.
٤٥ - اليشكريات
منها جزء بالمكتبة الظاهرية (فهرسها ١١: ٢٩) كما ذكر بروكلمان.
стр. 36
[انموذج من تصوير النسخة الخطية]
стр. 37
٥ - كتاب المقاييس
يبدو من قول ياقوت في أثناء سرده لكتب ابن فارس «كتاب مقاييس اللغة، وهو كتاب جليل لم يصنف مثله»، أنه اطلع على هذا الكتاب ونظر فيه.
ولم أجدْ أحداً غير ياقوت يذكر هذا الكتاب لابن فارس، ولعله من أواخر الكتب التى ألَّفها، فلذلك لم يظفر بالشهرة التى ظفر بها غيره.
معنى المقاييس:
وهو يعنى بكلمة المقاييس ما يسميه بعض اللغويين «الاشتقاق الكبير» الذي يرجع مفردات كل مادة إلى معنى أو معانٍ تشترك فيها هذه المفردات. قال في الصاحبى ص ٣٣: «أجمع أهل اللغة إلا من شذ منهم، أن للغة العرب قياساً، وأن العرب تشتق بعض الكلام من بعض، وأن اسم الجن مشتق من الاجتنان». وابن فارس لا يعتمد اطراد القياس في جميع مواد اللغة، بل هو ينبه على كثير من المواد التى لا يطرد فيها القياس (١)، كما أنه يذهب إلى أن الكلمات الدالة على الأصوات وكثيراً من أسماء البلدَان ليس مما يجرى عليه القياس. ويفطن إلى الإبدال فطنة عجيبة، فلا يجعل للمواد ذات الإبدال معنى قياساً جديداً، بل يردها إلى ما أبدلت منه (٢)
стр. 38
نسخ المقاييس:
وهذا الكتاب لم يسترع انتباه العُلماء إلا منذ عهد قريب، وكانت وزارة المعارف المصرية قد اعتزمت نشره منذُ بضع سنوات، ولكن لم يحقق ما اعتزمته حينئذٍ. وقد أشار بروكلمان إلى أن كتاب المقاييس قد وضع في البرنامج الذي وضعَته دائرة معارف حيدر أباد الدكن سنة ١٣٥٤ للكتب الَّتى انتَوت نشرها، وهذا العَزم لم يحقق أيضاً.
ولقَد دفَعتُ بنفسى إلى تحرِيرِ هذا الكتاب دَفْعاً، بَعد ما آذنَتْ بارتِداد، فإنى لم أجِد أمامى منه إلا نُسخة واحِدة مودعة بِدار الكتب المصرية.
وهذا الكتاب لم ينل حظوة المجمل في كثرة نُسخة وتعَدُّد أصوله، فإن منه نُسخةَ بالمدرسةِ المَرْويةِ بالبلاد الفارسية، وعن هذه النسخةِ أخذت صورتان لدار الكُتب المِصرية، وصورة للمكتَبةِ التَّيمورية، وأخرَى لمكتَبَة مجمع فؤاد الأول للغةِ العربية، ورابعَةً للمحقق الكبِير المَرحوم الأب أنَستَاس مارى الكِرِملى، فيما أخبرنى عن النسخة الأخيرة بعض الثقات.
وصورة دار الكتب المصرية إحداهما مُوجبَةً والأخرَى سالبَةً، كما اصطلح أصحاب التَّصوير. فالموجبَة برقم ٦٥٢ لغة والسالبة برقم ٦٥١ لغة.
وقد نشَرْت إزاء صدر هذَا الفصل مِنَ المقدَّمة صورَةً لبَعْضِ المواضع مِنَ النسخة الموجبَة. والنسخةُ في ٧٧٩ صفحة، يضاف إليها صفحتان كُرر الترقيم فيهما سهواً، وهما صفحتا ٤٩٧، ٤٩٨ وكل صفحَتين مِنها في لوحٍ واحد مِنْ ألواح التَّصوير الشمسى، عدد أسطُره سبعة وعشرون. وحجم الصفحة (١٢ + ٢٤).
стр. 39
وهذه النسخة يشيع فيها التحريف والاضطراب، كما أن بها بعضا مِنَ الفجواتِ والأسقاط، وبعضاً مِنَ الإقحام والتزيُّد.
وقد أشارَ بروكلمان إلى نسخةٍ بالنجف. وزعم أن أصل نسخة القاهرة فى «مَرَاكُش»، وهو سهو منه.
المجمل والمقاييس:
لا يساورنى الريب أن «المقاييس» مِنْ أواخرِ مُؤلفاتِ ابن فارِس، فإن هذَا النضج اللغوى الذي يتَجلّى فيه، مِنْ دلائل ذلك، كما أن خمول ذكْرِ هذَا الكتَاب بين العُلماء والمؤلفين، مِنْ أدلة ذلك. ولو أنه أتيح له أن يحيا طويلاً فى زمان مُؤلفه لاستَولى على بعْضِ الشهرة الَّتى نالها صنوهُ «المجمل».
وأستَطيع أن أذهب أيضاً إلى أنه ألَّف «المقاييس» بعدَ تأليفه «المجمل»، فإن الناظرَ في الكِتابين يلمس القوة في الأول، ويجِد أن ابن فارسٍ في المجمل إذا حاول الكلام في الاشتِقاق فإنما يحاوله في ضعف والتواء، فهو في مادة (جن) مِنَ المجمل يقول: «وسميت الجن لأنها تتَّقى ولا ترَى. وهذا حَسَنٌ». فهو يعجبه أن يهتدى إلى اشتقاق كلمة واحدة من مادة واحدة، وليس يكون هذا شأنَ رجلٍ يكون قد وضع من قبلُ كتاباً فيه آلاف من ضروب الاشتقاق، بل هو كلام رجل لم يكن قد أوغل من قبل في هذا الفن.
وهو في المجمل يترك بعض مسائل اللغة على علاتها، على حين ينقدها في المقاييس.
نقداً شديداً. ففى المجمل: ويقال الأترور الغلام الصغير في قوله:
* مِنْ عامِلِ الشرطةِ والأترور *
стр. 40
وفي المقاييس: «وكذلك قولهم إن الأترور الغلام الصعير. ولولا وجداننا ذلك في كتبهم لكان الإعراض عنه أصوب. وكيف يصح شئ يكون شاهده مثل هذا الشعر:
أعوذ باللّه وبالأمير … من عامل الشرطة والأترور»
على أنى لو أمعنت في الموازنة بين المجمل والمقاييس لأعضد هذا الرأى، لاقتضانى ذلك أن أكتب كثيراً. ولكن يستطيع القارئ بالنظر في الكتابين أن يذهب معى هذا المذهب.
نظام المعجم والمقاييس:
جرى ابن فارس على طريقة فاذَّةٍ بين مؤلفى المعاجم، فى وضع معجميه: المجمل والمقاييس. فهو لم يرتِّب موادهما على أوائل الحروف وتقليباتها كما صنع ابن دريد فى الجمهرة، ولم يطردها على أبواب أواخر الكلمات، كما ابتدع الجوهرى في الصحاح، وكما فعل ابن منظور والفيروز ابادىّ في معجميها، ولم ينَسُقْها على أوائل الحروف فقط كما صنع الزمخشرى في أساس البلاغة، والفيومى في المصباح المنير.
ولكنه سلك طريقاً خاصَّا به، لم يفطن إليه أحد من العلماء ولا نَبَّه عليه. وكنت قد ظننت أنه لم يلتزم نظاماً في إيراد المواد على أوائل الحروفِ وأنه ساقها في أبوابها هملاً على غير نظام. ولكنى بتتبُّع المجمل والمقاييس ألفَيْته يلتزم النظامَ الدقيق التالى:
١ - فهو قد قسم مواد اللغة أوَّلاً إلى كتب، تبدأ بكتاب الهمزة وتنتهى بكتاب الياء.