← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

يَجِدُونَ بِهَا أَحَدًا، وَرُبَّمَا كَمَّنَ عِنْدَهَا الرُّومُ فَأَصَابُوا غِرَّةً الْمُتَخَلِّفِينَ، فَاحْتَاطَ الْمُسْلِمُونَ لِذَلِكَ. ذِكْرُ فَتْحِ حَلَبَ وَأَنْطَاكِيَةَ وَغَيْرِهَا مِنَ الْعَوَاصِمِ لَمَّا فَرَغَ أَبُو عُبَيْدَةَ مِنْ قِنَّسْرِينَ سَارَ إِلَى حَلَبَ، فَبَلَغَهُ أَنَّ أَهْلَ قِنَّسْرِينَ نَقَضُوا وَغَدَرُوا، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمُ السِّمْطَ الْكِنْدِيَّ فَحَصَرَهُمْ وَفَتَحَهَا، وَأَصَابَ فِيهَا بَقَرًا وَغَنَمًا، فَقَسَّمَ بَعْضَهُ فِي جَيْشِهِ، وَجَعَلَ بَقِيَّتَهُ فِي الْمَغْنَمِ. وَوَصَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى حَاضِرِ حَلَبَ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْهَا فَجَمَعَ أَصْنَافًا مِنَ الْعَرَبِ، فَصَالَحَهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى الْجِزْيَةِ، ثُمَّ أَسْلَمُوا بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَتَى حَلَبَ وَعَلَى مُقَدَّمَتِهِ عِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ الْفِهْرِيُّ، فَتَحَصَّنَ أَهْلُهَا وَحَصَرَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ طَلَبُوا الصُّلْحَ وَالْأَمَانَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ وَمَدِينَتِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ وَحِصْنِهِمْ، فَأُعْطُوا ذَلِكَ، وَاسْتُثْنِيَ عَلَيْهِمْ مَوْضِعُ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ الَّذِي صَالَحَهُمْ عِيَاضٌ، فَأَجَازَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَلِكَ. وَقِيلَ: صُولِحُوا عَلَى أَنْ يُقَاسَمُوا مَنَازِلَهُمْ وَكَنَائِسَهُمْ. وَقِيلَ: إِنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ لَمْ يُصَادِفْ بِحَلَبَ أَحَدًا لِأَنَّ أَهْلَهَا انْتَقَلُوا إِلَى أَنْطَاكِيَةَ وَرَاسَلُوا فِي الصُّلْحِ، فَلَمَّا تَمَّ ذَلِكَ رَجَعُوا إِلَيْهَا. وَسَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ مِنْ حَلَبَ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ، وَقَدْ تَحَصَّنَ بِهَا كَثِيرٌ مِنَ الْخَلْقِ مِنْ قِنَّسْرِينَ وَغَيْرِهَا. فَلَمَّا فَارَقَهَا لَقِيَهُ جَمْعُ الْعَدُوِّ، فَهَزَمَهُمْ فَأَلْجَأَهُمْ إِلَى الْمَدِينَةِ وَحَاصَرَهَا مِنْ جَمِيعِ نَوَاحِيهَا، ثُمَّ إِنَّهُمْ صَالَحُوهُمْ عَلَى الْجَلَاءِ أَوِ الْجِزْيَةِ، فَجَلَا بَعْضٌ وَأَقَامَ بَعْضٌ فَآمَنَهُمْ، ثُمَّ نَقَضُوا، فَوَجَّهَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَيْهِمْ عِيَاضَ بْنَ غَنْمٍ وَحَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ، فَفَتَحَاهَا عَلَى الصُّلْحِ الْأَوَّلِ. وَكَانَتْ أَنْطَاكِيَةُ عَظِيمَةَ الذِّكْرِ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا فُتِحَتْ كَتَبَ عُمَرُ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ أَنْ رَتِّبْ بِأَنْطَاكِيَةَ جَمَاعَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَاجْعَلْهُمْ بِهَا مُرَابِطَةً، وَلَا تَحْبِسْ عَنْهُمُ الْعَطَاءَ. وَبَلَغَ أَبَا عُبَيْدَةَ أَنْ جَمْعًا مِنَ الرُّومِ بَيْنَ مَعَرَّةَ مَصْرِينَ وَحَلَبَ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ فَلَقِيَهُمْ

стр. 1017

فَهَزَمَهُمْ وَقَتَلَ عِدَّةَ بَطَارِقَةٍ، وَسَبَى وَغَنِمَ، وَفَتَحَ مَعَرَّةَ مَصْرِينَ عَلَى مِثْلِ صُلْحِ حَلَبَ، وَجَالَتْ خُيُولُهُ فَبَلَغَتْ بُوقَا، وَفُتِحَتْ قُرَى الْجُومَةَ وَسَرْمِينَ وَتِيزِينَ، وَغَلَبُوا عَلَى جَمِيعِ أَرْضِ قِنَّسْرِينَ وَأَنْطَاكِيَةَ. ثُمَّ أَتَى أَبُو عُبَيْدَةَ حَلَبَ وَقَدِ الْتَاثَ أَهْلُهَا، فَلَمْ يَزَلْ بِهِمْ حَتَّى أَذْعَنُوا وَفَتَحُوا الْمَدِينَةَ. وَسَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُرِيدُ قُورُسَ وَعَلَى مُقَدَّمَتِهِ عِيَاضٌ، فَلَقِيَهُ رَاهِبٌ مِنْ رُهْبَانِهَا يَسْأَلُهُ الصُّلْحَ، فَبَعَثَ بِهِ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ فَصَالَحَهُ عَلَى صُلْحِ أَنْطَاكِيَةَ، وَبَثَّ خَيْلَهُ فَغَلَبَ عَلَى جَمِيعِ أَرْضِ قُورُسَ وَفَتَحَ تَلَّ عَزَازَ، وَكَانَ سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ الْبَاهِلِيُّ فِي جَيْشِ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَنَزَلَ فِي حِصْنٍ بِقُورُسَ، فَنُسِبَ إِلَيْهِ، فَهُوَ يُعْرَفُ بِحِصْنِ سَلْمَانَ. ثُمَّ سَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى مَنْبِجَ وَعَلَى مُقَدَّمَتِهِ عِيَاضٌ، فَلَحِقَهُ وَقَدْ صَالَحَ أَهْلَهَا عَلَى مِثْلِ صُلْحِ أَنْطَاكِيَةَ، وَسَيَّرَ عِيَاضًا إِلَى نَاحِيَةِ دُلُوكَ وَرَعْبَانَ فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا عَلَى مِثْلِ صُلْحِ مَنْبِجَ، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُخْبِرُوا الْمُسْلِمِينَ بِخَبَرِ الرُّومِ. وَوَلَّى أَبُو عُبَيْدَةَ كُلَّ كُورَةٍ فَتَحَهَا عَامِلًا، وَضَمَّ إِلَيْهِ جَمَاعَةً، وَشَحَنَ النَّوَاحِيَ الْمَخُوفَةَ. وَسَارَ إِلَى بَالِسَ، وَبَعَثَ جَيْشًا مَعَ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ إِلَى قَاصِرِينَ، فَصَالَحَهُمْ أَهْلُهَا عَلَى الْجِزْيَةِ أَوِ الْجَلَاءِ، فَجَلَا أَكْثَرُهُمْ إِلَى بَلَدِ الرُّومِ وَأَرْضِ الْجَزِيرَةِ وَقَرْيَةِ جِسْرِ مَنْبِجَ، وَلَمْ يَكُنِ الْجِسْرُ يَوْمَئِذٍ، وَإِنَّمَا اتُّخِذَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ لِلصَّوَائِفِ، وَقِيلَ: بَلْ كَانَ لَهُ رَسْمٌ قَدِيمٌ. وَاسْتَوْلَى الْمُسْلِمُونَ عَلَى الشَّامِ مِنْ هَذِهِ النَّاحِيَةِ إِلَى الْفُرَاتِ، وَعَادَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى فِلَسْطِينَ. وَكَانَ بِجَبَلِ اللُّكَّامِ مَدِينَةٌ يُقَالُ لَهَا جُرْجُومَةُ، وَأَهْلُهَا يُقَالُ لَهُمُ الْجَرَاجِمَةُ، فَسَارَ حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ إِلَيْهَا مِنْ أَنْطَاكِيَةَ، فَافْتَتَحَهَا صُلْحًا، عَلَى أَنْ يَكُونُوا أَعْوَانًا لِلْمُسْلِمِينَ.

стр. 1018

وَفِيهَا سَيَّرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ جَيْشًا مَعَ مَيْسَرَةَ بْنِ مَسْرُوقٍ الْعَبْسِيِّ، فَسَلَكُوا دَرْبَ بَغْرَاسَ مِنْ أَعْمَالِ أَنْطَاكِيَةَ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سَلَكَ ذَلِكَ الدَّرْبَ، فَلَقِيَ جَمْعًا لِلرُّومِ مَعَهُمْ عَرَبٌ مِنْ غَسَّانَ وَتَنُوخَ وَإِيَادٍ يُرِيدُونَ اللَّحَاقَ بِهِرَقْلَ، فَأَوْقَعَ مِنْهُمْ وَقَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، ثُمَّ لَحِقَ بِهِ مَالِكٌ الْأَشْتَرُ النَّخَعِيُّ مَدَدًا مِنْ قِبَلِ أَبِي عُبَيْدَةَ وَهُوَ بِأَنْطَاكِيَةَ، فَسَلِمُوا وَعَادُوا. وَسَيَّرَ جَيْشًا آخَرَ إِلَى مَرْعَشَ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَفَتَحَهَا عَلَى إِجْلَاءِ أَهْلِهَا بِالْأَمَانِ وَأَخْرَبَهَا. وَسَيَّرَ جَيْشًا آخَرَ مَعَ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ إِلَى حِصْنِ الْحَدَثِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْحَدَثَ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَقُوا عَلَيْهِ غُلَامًا حَدَثًا فَقَاتَلَهُمْ فِي أَصْحَابِهِ، فَقِيلَ دَرْبُ الْحَدَثِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ أُصِيبُوا بِهِ فَقِيلَ دَرْبُ الْحَدَثِ، وَكَانَ بَنُو أُمَيَّةَ يُسَمُّونَهُ دَرْبَ السَّلَامَةِ لِهَذَا الْمَعْنَى. ذِكْرُ فَتْحِ قَيْسَارِيَّةَ وَحَصْرِ غَزَّةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فُتِحَتْ قَيْسَارِيَّةُ، وَقِيلَ: سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ، وَقِيلَ: سَنَةَ عِشْرِينَ. وَكَانَ سَبَبُهَا: أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إِلَى يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَنْ يُرْسِلَ مُعَاوِيَةَ إِلَى قَيْسَارِيَّةَ، وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى مُعَاوِيَةَ يَأْمُرُهُ بِذَلِكَ، فَسَارَ مُعَاوِيَةُ إِلَيْهَا فَحَصَرَ أَهْلَهَا، فَجَعَلُوا يُزَاحِفُونَهُ وَهُوَ يَهْزِمُهُمْ وَيَرُدُّهُمْ إِلَى حِصْنِهِمْ. ثُمَّ زَاحَفُوهُ آخِرَ ذَلِكَ مُسْتَمِيتِينَ، وَبَلَغَتْ قَتْلَاهُمْ فِي الْمَعْرَكَةِ ثَمَانِينَ أَلْفًا، وَكَمَّلَهَا فِي هَزِيمَتِهِمْ مِائَةَ أَلْفٍ وَفَتَحَهَا، وَكَانَ عَلْقَمَةُ بْنُ مُجَزِّزٍ قَدْ حَصَرَ الْقِيقَارَ بِغَزَّةَ وَجَعَلَ يُرَاسِلُهُ، فَلَمْ يُشْفِهُ أَحَدٌ بِمَا يُرِيدُ، فَأَتَاهُ كَأَنَّهُ رَسُولُ عَلْقَمَةَ، فَأَمَرَ الْقِيقَارُ رَجُلًا أَنْ يَقْعُدَ لَهُ فِي الطَّرِيقِ، فَإِذَا مَرَّ بِهِ قَتَلَهُ، فَفَطِنَ عَلْقَمَةُ فَقَالَ: إِنَّ مَعِيَ نَفَرًا يُشْرِكُونَنِي فِي الرَّأْيِ، فَأَنْطَلِقُ فَآتِيكَ بِهِمْ، فَبَعَثَ الْقِيقَارُ إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ أَنْ لَا يَعْرِضَ لَهُ، فَخَرَجَ عَلْقَمَةُ مِنْ عِنْدِهِ فَلَمْ يَعُدْ، وَفَعَلَ كَمَا فَعَلَ عَمْرٌو بِالْأَرْطَبُونِ. (مُجَزِّزٌ: بِجِيمٍ وَزَايَيْنِ الْأُولَى مَكْسُورَةٌ [مُشَدَّدَةٌ] ) .

стр. 1019

ذِكْرُ فَتْحِ بَيْسَانَ وَوَقْعَةِ أَجْنَادَيْنِ وَلَمَّا انْصَرَفَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَخَالِدٌ إِلَى حِمْصَ نَزَلَ عَمْرٌو وَشُرَحْبِيلُ عَلَى أَهْلِ بَيْسَانَ، فَافْتَتَحَاهَا وَصَالَحَا أَهْلَ الْأُرْدُنِّ، وَاجْتَمَعَ عَسْكَرُ الرُّومِ بِغَزَّةَ وَأَجْنَادَيْنِ وَبَيْسَانَ، وَسَارَ عَمْرٌو وَشُرَحْبِيلَ إِلَى الْأَرْطَبُونِ وَمَنْ مَعَهُ وَهُوَ بِأَجْنَادَيْنِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْأُرْدُنِّ أَبَا الْأَعْوَرِ، فَنَزَلَ بِالْأَرْطَبُونِ وَمَعَهُ الرُّومُ. وَكَانَ الْأَرْطَبُونُ أَدْهَى الرُّومِ وَأَبْعَدَهَا غَوْرًا، وَكَانَ قَدْ وَضَعَ بِالرَّمْلَةِ جُنْدًا عَظِيمًا، وَبِإِيلِيَاءَ جُنْدًا عَظِيمًا. فَلَمَّا بَلَغَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ الْخَبَرُ قَالَ: قَدْ رَمَيْنَا أَرْطَبُونَ الرُّومِ بِأَرْطَبُونِ الْعَرَبِ، فَانْظُرُوا عَمَّ تَنْفَرِجُ. وَكَانَ مُعَاوِيَةُ قَدْ شَغَلَ أَهْلَ قَيْسَارِيَّةَ عَنْ عَمْرٍو، وَكَانَ عَمْرٌو قَدْ جَعَلَ عَلْقَمَةَ بْنَ حَكِيمٍ الْفَارِسِيَّ وَمَسْرُوقَ بْنَ فُلَانٍ الْعَكِّيَّ عَلَى قِتَالِ إِيلِيَاءَ، فَشَغَلُوا مَنْ بِهِ عَنْهُ، وَجَعَلَ أَيْضًا أَبَا أَيُّوبَ الْمَالِكِيَّ عَلَى مَنْ بِالرَّمْلَةِ مِنَ الرُّومِ، فَشَغَلَهُمْ عَنْهُ، وَتَتَابَعَتِ الْأَمْدَادُ مِنْ عِنْدِ عُمَرَ إِلَى عَمْرٍو، فَأَقَامَ عَمْرٌو عَلَى أَجْنَادَيْنِ لَا يَقْدِرُ مِنَ الْأَرْطَبُونِ عَلَى شَيْءٍ، وَلَا تُشْفِيهِ الرُّسُلُ، فَسَارَ إِلَيْهِ بِنَفْسِهِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ رَسُولٌ، فَفَطِنَ بِهِ الْأَرْطَبُونُ وَقَالَ: لَا شَكَّ أَنَّ هَذَا هُوَ الْأَمِيرُ أَوْ مَنْ يَأْخُذُ الْأَمِيرُ بِرَأْيِهِ، فَأَمَرَ إِنْسَانًا أَنْ يَقْعُدَ عَلَى طَرِيقِهِ لِيَقْتُلَهُ إِذَا مَرَّ بِهِ، وَفَطِنَ عَمْرٌو لِفِعْلِهِ فَقَالَ لَهُ: قَدْ سَمِعْتَ مِنِّي وَسَمِعْتُ مِنْكَ، وَقَدْ وَقَعَ قَوْلُكَ مِنِّي مَوْقِعًا، وَأَنَا وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ، بَعَثَنَا عُمَرُ إِلَى هَذَا الْوَالِي لِنُكَانِفَهُ، فَأَرْجِعُ فَآتِيكَ بِهِمُ الْآنَ، فَإِنْ رَأَوُا الَّذِي عَرَضْتَ عَلَيَّ الْآنَ فَقَدْ رَآهُ الْأَمِيرُ وَأَهْلُ الْعَسْكَرِ، وَإِنْ لَمْ يَرَوْهُ رَدَدْتَهُمْ إِلَى مَأْمَنِهِمْ. فَقَالَ: نَعَمْ، وَرَدَّ الرَّجُلَ الَّذِي أَمَرَ بِقَتْلِهِ. فَخَرَجَ عَمْرٌو مِنْ عِنْدِهِ، وَعَلِمَ الرُّومِيُّ أَنَّهَا خُدْعَةٌ اخْتَدَعَهُ بِهَا فَقَالَ: هَذَا أَدْهَى الْخَلْقِ! وَبَلَغَتْ خَدِيعَتُهُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقَالَ: لِلَّهِ دَرُّ عَمْرٍو! وَعَرَفَ عَمْرٌو مَأْخَذَهُ فَلَقِيَهُ، فَاقْتَتَلُوا بِأَجْنَادَيْنِ قِتَالًا شَدِيدًا كَقِتَالِ الْيَرْمُوكِ، حَتَّى كَثُرَتِ الْقَتْلَى بَيْنَهُمْ. وَانْهَزَمَ أَرْطَبُونُ إِلَى إِيلِيَاءَ، وَنَزَلَ عَمْرٌو أَجْنَادَيْنِ، وَأَفْرَجَ الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ يَحْصُرُونَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِأَرْطَبُونَ، فَدَخَلَ إِيلِيَاءَ وَأَزَاحَ الْمُسْلِمِينَ عَنْهُ إِلَى عَمْرٍو. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ وَقْعَةِ أَجْنَادَيْنِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَجْعَلُهَا قَبْلَ الْيَرْمُوكِ، وَسِيَاقُهَا عَلَى غَيْرِ هَذِهِ السِّيَاقَةِ، فَلِهَذَا ذَكَرْنَاهَا هُنَالِكَ وَهَاهُنَا.

стр. 1020

ذِكْرُ فَتْحِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَهُوَ إِيلِيَاءُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فُتِحَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ، وَقِيلَ: سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ أَرْطَبُونُ إِيلِيَاءَ، فَتَحَ عَمْرٌو غَزَّةَ، وَقِيلَ: كَانَ فَتْحُهَا فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ فَتَحَ سَبَسْطِيَةَ، وَفِيهَا قَبْرُ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّاءَ، ﵇، وَفَتَحَ نَابُلُسَ بِأَمَانٍ عَلَى الْجِزْيَةِ، وَفَتَحَ مَدِينَةَ لُدٍّ، ثُمَّ فَتَحَ يُبْنَى وَعَمَوَاسَ وَبَيْتَ جِبْرِينَ، وَفَتَحَ يَافَا، وَقِيلَ: فَتَحَهَا مُعَاوِيَةُ، وَفَتَحَ عَمْرٌو رَفَحَ. فَلَمَّا تَمَّ لَهُ ذَلِكَ أَرْسَلَ إِلَى أَرْطَبُونَ رَجُلًا يَتَكَلَّمُ بِالرُّومِيَّةِ وَقَالَ لَهُ: اسْمَعْ مَا يَقُولُ، وَكَتَبَ مَعَهُ كِتَابًا، فَوَصَلَ الرَّسُولُ، وَدَفَعَ الْكِتَابَ إِلَى أَرْطَبُونَ وَعِنْدَهُ وُزَرَاؤُهُ، فَقَالَ أَرْطَبُونُ: لَا يَفْتَحُ - وَاللَّهِ - عَمْرٌو شَيْئًا مِنْ فِلَسْطِينَ بَعْدَ أَجْنَادَيْنِ. فَقَالُوا لَهُ: مَنْ أَيْنَ عَلِمْتَ هَذَا؟ فَقَالَ: صَاحِبُهَا رَجُلٌ صِفَتُهُ كَذَا وَكَذَا، وَذَكَرَ صِفَةَ عُمَرَ. فَرَجَعَ الرَّسُولُ إِلَى عَمْرٍو فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَقُولُ: إِنِّي أُعَالِجُ عَدُوًّا شَدِيدًا وَبِلَادًا قَدِ ادُّخِرَتْ لَكَ، فَرَأْيَكَ. فَعَلِمَ عُمَرُ أَنَّ عَمْرًا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إِلَّا بِشَيْءٍ سَمِعَهُ، فَسَارَ عُمَرُ عَنِ الْمَدِينَةِ وَقِيلَ: كَانَ سَبَبُ قُدُومِ عُمَرَ إِلَى الشَّامِ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ حَصَرَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَطَلَبَ أَهْلُهُ مِنْهُ أَنْ يُصَالِحَهُمْ عَلَى صُلْحِ أَهْلِ مُدُنِ الشَّامِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُتَوَلِّي لِلْعَقْدِ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ، فَسَارَ عَنِ الْمَدِينَةِ وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: أَيْنَ تَخْرُجُ بِنَفْسِكَ؟ إِنَّكَ تُرِيدُ عَدُوًّا كَلِبًا. فَقَالَ عُمَرُ: أُبَادِرُ بِالْجِهَادِ قَبْلَ مَوْتِ الْعَبَّاسِ، إِنَّكُمْ لَوْ فَقَدْتُمُ الْعَبَّاسَ لَانْتَقَضَ بِكُمُ الشَّرُّ كَمَا يَنْتَقِضُ [أَوَّلُ] الْحَبْلِ. فَمَاتَ الْعَبَّاسُ لِسِتِّ سِنِينَ مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ، فَانْتَقَضَ بِالنَّاسِ الشَّرُّ وَسَارَ عُمَرُ فَقَدِمَ الْجَابِيَةَ عَلَى فَرَسٍ، وَجَمِيعُ مَا قَدِمَ الشَّامَ أَرْبَعُ مَرَّاتٍ: الْأُولَى عَلَى

стр. 1021

فَرَسٍ، الثَّانِيَةُ عَلَى بَعِيرٍ، وَالثَّالِثَةُ عَلَى بَغْلٍ - رَجَعَ لِأَجْلِ الطَّاعُونِ - وَالرَّابِعَةُ عَلَى حِمَارٍ. وَكَتَبَ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ أَنْ يُوَافُوهُ بِالْجَابِيَةِ لِيَوْمٍ سَمَّاهُ لَهُمْ فِي الْمُجَرَّدَةِ، وَيَسْتَخْلِفُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ، فَلَقُوهُ حَيْثُ رُفِعَتْ لَهُمُ الْجَابِيَةُ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ لَقِيَهُ يَزِيدُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ ثُمَّ خَالِدٌ عَلَى الْخُيُولِ، عَلَيْهِمُ الدِّيبَاجُ وَالْحَرِيرُ، فَنَزَلَ وَأَخَذَ الْحِجَارَةَ وَرَمَاهُمْ بِهَا وَقَالَ: مَا أَسْرَعَ مَا رَجَعْتُمْ عَنْ رَأْيِكُمْ! إِيَّايَ تَسْتَقْبِلُونَ فِي هَذَا الزِّيِّ وَإِنَّمَا شَبِعْتُمْ مُذْ سَنَتَيْنِ! وَبِاللَّهِ لَوْ فَعَلْتُمْ هَذَا عَلَى رَأْسِ الْمِائَتَيْنِ لَاسْتَبْدَلْتُ بِكُمْ غَيْرَكُمْ. فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّهَا يَلَامِقَةُ، وَإِنَّ عَلَيْنَا السِّلَاحَ. قَالَ: فَنَعَمْ إِذَنْ. وَرَكِبَ حَتَّى دَخَلَ الْجَابِيَةَ وَعَمْرٌو وَشُرَحْبِيلُ كَأَنَّهُمَا لَمْ يَتَحَرَّكَا. فَلَمَّا قَدِمَ عُمَرُ الْجَابِيَةَ قَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّكَ لَا تَرْجِعُ إِلَى بِلَادِكَ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ إِيلِيَاءَ، وَكَانُوا قَدْ شَجُّوا عَمْرًا وَشَجَّهُمْ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا وَلَا عَلَى الرَّمْلَةِ. فَبَيْنَمَا عُمَرُ مُعَسْكِرٌ بِالْجَابِيَةِ فَزِعَ النَّاسُ إِلَى السِّلَاحِ، فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ؟ فَقَالُوا: أَلَا تَرَى إِلَى الْخَيْلِ وَالسُّيُوفِ؟ فَنَظَرَ فَإِذَا كُرْدُوسٌ يُلْمِعُونَ بِالسُّيُوفِ. فَقَالَ عُمَرُ: مُسْتَأْمِنَةٌ فَلَا تُرَاعُوا، فَأَمِّنُوهُمْ، وَإِذَا أَهْلُ إِيلِيَاءَ وَحَيِّزِهَا، فَصَالَحَهُمْ عَلَى الْجِزْيَةِ وَفَتَحُوهَا لَهُ. وَكَانَ الَّذِي صَالَحَهُ الْعَوَّامُّ، لِأَنَّ أَرْطَبُونَ وَالتَّذَارِقَ دَخَلَا مِصْرَ لَمَّا وَصَلَ عُمَرُ إِلَى الشَّامِ، وَأَخَذُوا كِتَابَهُ عَلَى إِيلِيَاءَ وَحَيِّزِهَا وَالرَّمْلَةِ وَحَيِّزِهَا، فَشَهِدَ ذَلِكَ الْيَهُودِيُّ الصُّلْحَ. فَسَأَلَهُ عُمَرُ عَنِ الدَّجَّالِ، وَكَانَ كَثِيرَ السُّؤَالِ عَنْهُ. فَقَالَ لَهُ: وَمَا مَسْأَلَتُكَ عَنْهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ أَنْتُمْ وَاللَّهِ تَقْتُلُونَهُ دُونَ بَابِ لُدٍّ بِبِضْعَ عَشْرَةَ ذِرَاعًا. وَأَرْسَلَ عُمَرُ إِلَيْهِمْ بِالْأَمَانِ وَجَعَلَ عَلْقَمَةَ بْنَ حَكِيمٍ عَلَى نِصْفِ فِلَسْطِينَ وَأَسْكَنَهُ الرَّمْلَةِ، وَجَعَلَ عَلْقَمَةَ بْنَ مُجَزِّزٍ عَلَى نِصْفِهَا الْآخَرِ وَأَسْكَنَهُ إِيلِيَاءَ. وَضَمَّ عَمْرًا وَشُرَحْبِيلَ إِلَيْهِ بِالْجَابِيَةِ فَلَقِيَاهُ رَاكِبًا فَقَبَّلَا رُكْبَتَيْهِ، وَضَمَّ عُمَرُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُحْتَضِنَهُمَا. ثُمَّ سَارَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ مِنَ الْجَابِيَةِ فَرَكِبَ فَرَسَهُ فَرَأَى بِهِ عَرَجًا، فَنَزَلَ عَنْهُ وَأُتِيَ

стр. 1022

بِبِرْذَوْنٍ فَرَكِبَهُ، فَجَعَلَ يَتَجَلْجَلُ بِهِ، فَنَزَلَ وَضَرَبَ وَجْهَهُ وَقَالَ: لَا أَعْلَمُ مَنْ عَلَّمَكَ هَذِهِ الْخُيَلَاءَ! ثُمَّ لَمْ يَرْكَبْ بِرْذَوْنًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ. وَفُتِحَتْ إِيلِيَاءُ وَأَهْلُهَا عَلَى يَدَيْهِ. وَقِيلَ: كَانَ فَتْحُهَا سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ، وَلَحِقَ أَرْطَبُونُ وَمَنْ أَبَى الصُّلْحَ مِنَ الرُّومِ بِمِصْرَ، فَلَمَّا مَلَكَ الْمُسْلِمُونَ مِصْرَ قُتِلَ، وَقِيلَ: بَلْ لَحِقَ بِالرُّومِ، فَكَانَ يَكُونُ عَلَى صَوَائِفِهِمْ، وَالْتَقَى هُوَ وَصَاحِبُ صَائِفَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَعَ الْمُسْلِمِينَ رَجُلٌ مِنْ قَيْسٍ يُقَالُ لَهُ ضُرَيْسٌ، فَقَطَعَ يَدَ الْقَيْسِيِّ وَقَتَلَهُ الْقَيْسِيُّ، فَقَالَ فِيهِ: فَإِنْ يَكُنْ أَرْطَبُونُ الرُّومِ أَفْسَدَهَا فَإِنَّ فِيهَا بِحَمْدِ اللَّهِ مُنْتَفَعَا وَإِنْ يَكُنْ أَرْطَبُونُ الرُّومِ قَطَّعَهَا فَقَدْ تَرَكْتُ بِهَا أَوْصَالَهُ قِطَعَا ذِكْرُ فَرْضِ الْعَطَاءِ وَعَمَلِ الدِّيوَانِ وَفِي سَنَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ فَرَضَ عُمَرُ لِلْمُسْلِمِينَ الْفُرُوضَ، وَدَوَّنَ الدَّوَاوِينَ، وَأَعْطَى الْعَطَايَا عَلَى السَّابِقَةِ، وَأَعْطَى صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ وَالْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ وَسُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو فِي أَهْلِ الْفَتْحِ أَقَلَّ مَا أَخَذَ مَنْ قَبْلَهُمْ، فَامْتَنَعُوا مِنْ أَخْذِهِ وَقَالُوا: لَا نَعْتَرِفُ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ أَكْرَمَ مِنَّا. فَقَالَ: إِنِّي إِنَّمَا أَعْطَيْتُكُمْ عَلَى السَّابِقَةِ فِي الْإِسْلَامِ لَا عَلَى الْأَحْسَابِ. قَالُوا: فَنَعَمْ إِذًا، وَأَخَذُوا، وَخَرَجَ الْحَارِثُ وَسُهَيْلٌ بِأَهْلَيْهِمَا نَحْوَ الشَّامِ، فَلَمْ يَزَالَا مُجَاهِدَيْنِ حَتَّى أُصِيبَا فِي بَعْضِ تِلْكَ الدُّرُوبِ، وَقِيلَ: مَاتَا فِي طَاعُونِ عَمَوَاسَ. وَلَمَّا أَرَادَ عُمَرُ وَضْعَ الدِّيوَانِ قَالَ لَهُ عَلِيٌّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: ابْدَأْ بِنَفْسِكَ. قَالَ: لَا بَلْ أَبْدَأُ بِعَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ ; فَفَرَضَ لِلْعَبَّاسِ وَبَدَأَ بِهِ، ثُمَّ فَرَضَ لِأَهْلِ بَدْرٍ خَمْسَةَ آلَافٍ خَمْسَةَ آلَافٍ، ثُمَّ فَرَضَ لِمَنْ بَعْدَ بَدْرٍ إِلَى الْحُدَيْبِيَةِ أَرْبَعَةَ آلَافٍ أَرْبَعَةَ آلَافٍ، ثُمَّ فَرَضَ لِمَنْ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ إِلَى أَنْ أَقْلَعَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ ثَلَاثَةَ آلَافٍ ثَلَاثَةَ آلَافٍ (فِي ذَلِكَ مَنْ شَهِدَ الْفَتْحَ وَقَاتَلَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَمَنْ وَلِيَ الْأَيَّامَ قَبْلَ الْقَادِسِيَّةِ، كُلُّ هَؤُلَاءِ ثَلَاثَةَ آلَافٍ ثَلَاثَةَ آلَافٍ) ، ثُمَّ فَرَضَ لِأَهْلِ الْقَادِسِيَّةِ وَأَهْلِ الشَّامِ

стр. 1023

أَلْفَيْنِ أَلْفَيْنِ، وَفَرَضَ لِأَهْلِ الْبَلَاءِ النَّازِعِ مِنْهُمْ أَلْفَيْنِ وَخَمْسَمِائَةٍ أَلْفَيْنِ وَخَمْسَمِائَةٍ. فَقِيلَ لَهُ: لَوْ أَلْحَقْتَ الْقَادِسِيَّةَ بِأَهْلِ الْأَيَّامِ، فَقَالَ: لَمْ أَكُنْ لِأُلْحِقَهُمْ بِدَرَجَةِ مَنْ لَمْ يُدْرِكُوا. وَقِيلَ لَهُ: قَدْ سَوَّيْتَ مَنْ بَعُدَتْ دَارُهُ بِمَنْ قَرُبَتْ دَارُهُ وَقَاتَلَهُمْ عَنْ فِنَائِهِ. فَقَالَ: مَنْ قَرُبَتْ دَارُهُ أَحَقُّ بِالزِّيَادَةِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا رِدْءًا لِلْحُتُوفِ وَشَجًى لِلْعَدُوِّ، فَهَلَّا قَالَ الْمُهَاجِرُونَ مِثْلَ قَوْلِكُمْ حِينَ سَوَّيْنَا بَيْنَ السَّابِقِينَ مِنْهُمْ وَالْأَنْصَارَ! فَقَدْ كَانَتْ نُصْرَةُ الْأَنْصَارِ بِفِنَائِهِمْ وَهَاجَرَ إِلَيْهِمُ الْمُهَاجِرُونَ مِنْ بَعْدُ. وَفَرَضَ لِمَنْ بَعْدَ الْقَادِسِيَّةِ وَالْيَرْمُوكِ أَلْفًا أَلْفًا، ثُمَّ فَرَضَ لِلرَّوَادِفِ الْمُثَنَّى خَمْسَمِائَةٍ خَمْسَمِائَةٍ، ثُمَّ لِلرَّوَادِفِ الثَّلِيثِ بَعْدَهُمْ ثَلَاثَمِائَةٍ، سَوَّى كُلَّ طَبَقَةٍ فِي الْعَطَاءِ قَوِيَّهُمْ وَضَعِيفَهُمْ، عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ، وَفَرَضَ لِلرَّوَادِفِ الرَّبِيعِ عَلَى مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَفَرَضَ لِمَنْ بَعْدَهُمْ - وَهُمْ أَهْلُ هَجَرَ وَالْعِبَادِ - عَلَى مِائَتَيْنِ، وَأَلْحَقَ بِأَهْلِ بَدْرٍ أَرْبَعَةً مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا: الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ وَأَبَا ذَرٍّ وَسَلْمَانَ. وَكَانَ فَرَضَ لِلْعَبَّاسِ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ أَلْفًا، وَقِيلَ: اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَأَعْطَى نِسَاءَ النَّبِيِّ ﷺ ، عَشَرَةَ آلَافٍ عَشَرَةَ آلَافٍ، إِلَّا مَنْ جَرَى عَلَيْهَا الْمِلْكُ. فَقَالَ نِسْوَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُفَضِّلُنَا عَلَيْهِنَّ فِي الْقِسْمَةِ، فَسَوِّ بَيْنَنَا ; فَفَعَلَ وَفَضَّلَ عَائِشَةَ بِأَلْفَيْنِ لِمَحَبَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، إِيَّاهَا، فَلَمْ تَأْخُذْ. وَجَعَلَ نِسَاءَ أَهْلِ بَدْرٍ فِي خَمْسِمِائَةٍ خَمْسِمِائَةٍ، وَنِسَاءَ مَنْ بَعْدَهُمْ إِلَى الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى أَرْبَعِمِائَةٍ أَرْبَعِمِائَةٍ، وَنِسَاءَ مَنْ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الْأَيَّامِ ثَلَاثِمِائَةٍ ثَلَاثِمِائَةٍ، وَنِسَاءَ أَهْلِ الْقَادِسِيَّةِ مِائَتَيْنِ مِائَتَيْنِ، ثُمَّ سَوَّى بَيْنَ النِّسَاءِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَجَعَلَ الصِّبْيَانَ سَوَاءً عَلَى مِائَةٍ مِائَةٍ، ثُمَّ جَمَعَ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَأَطْعَمَهُمُ الْخُبْزَ، فَأَحْصَوْا مَا أَكَلُوا فَوَجَدُوهُ يَخْرُجُ مِنْ جَرِيبَتَيْنِ، فَفَرَضَ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ وَلِعِيَالِهِ جَرِيبَتَيْنِ فِي الشَّهْرِ. وَقَالَ عُمَرُ قَبْلَ مَوْتِهِ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَجْعَلَ الْعَطَاءَ أَرْبَعَةَ آلَافٍ أَرْبَعَةَ آلَافٍ، أَلْفًا يَجْعَلُهَا الرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ، وَأَلْفًا يُزَوَّدُهَا مَعَهُ، وَأَلْفًا يَتَجَهَّزُ بِهَا، وَأَلْفًا يَتَرَفَّقُ بِهَا. فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَ.

стр. 1024

وَقَالَ لَهُ قَائِلٌ عِنْدَ فَرْضِ الْعَطَاءِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ تَرَكْتَ فِي بُيُوتِ الْأَمْوَالِ عِدَّةً لِكَوْنٍ إِنْ كَانَ. فَقَالَ: كَلِمَةٌ أَلْقَاهَا الشَّيْطَانُ عَلَى فِيكَ وَقَانِي اللَّهُ شَرَّهَا، وَهِيَ فِتْنَةٌ لِمَنْ بَعْدِي، بَلْ أُعِدُّ لَهُمْ مَا أَعَدَّ اللَّهُ وَرَسُولُهُ طَاعَةً لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، هُمَا عُدَّتُنَا الَّتِي بِهَا أَفْضَيْنَا إِلَى مَا تَرَوْنَ، فَإِذَا كَانَ الْمَالُ ثَمَنَ دِينِ أَحَدِكُمْ هَلَكْتُمْ. وَقَالَ عُمَرُ لِلْمُسْلِمِينَ: إِنِّي كُنْتُ امْرَأً تَاجِرًا يُغْنِي اللَّهُ عِيَالِي بِتِجَارَتِي، وَقَدْ شَغَلْتُمُونِي بِأَمْرِكُمْ هَذَا، فَمَا تَرَوْنَ أَنَّهُ يَحِلُّ لِي فِي هَذَا الْمَالِ؟ وَعَلِيٌّ سَاكِتٌ. فَأَكْثَرَ الْقَوْمُ، فَقَالَ: مَا تَقُولُ يَا عَلِيُّ؟ فَقَالَ: مَا أَصْلَحَكَ وَعِيَالَكَ بِالْمَعْرُوفِ لَيْسَ لَكَ غَيْرُهُ. فَقَالَ الْقَوْمُ: الْقَوْلُ مَا قَالَ عَلِيٌّ. فَأَخَذَ قُوتَهُ وَاشْتَدَّتْ حَاجَةُ عُمَرَ، فَاجْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ فَقَالُوا: لَوْ قُلْنَا لِعُمَرَ فِي زِيَادَةٍ نَزِيدُهُ إِيَّاهَا فِي رِزْقِهِ. فَقَالَ عُثْمَانُ: هَلُمُّوا فَلْنَسْتَبْرِئْ مَا عِنْدَهُ مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ، فَأَتَوْا حَفْصَةَ ابْنَتَهُ فَأَعْلَمُوهَا الْحَالَ وَاسْتَكْتَمُوهَا أَنْ لَا تُخْبِرَ بِهِمْ عُمَرَ. فَلَقِيَتْ عُمَرَ فِي ذَلِكَ، فَغَضِبَ وَقَالَ: مَنْ هَؤُلَاءِ لِأَسَوءَهُمْ؟ قَالَتْ: لَا سَبِيلَ إِلَى عِلْمِهِمْ. قَالَ: أَنْتِ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، مَا أَفْضَلُ مَا اقْتَنَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِكِ مِنَ الْمَلْبَسِ؟ قَالَتْ: ثَوْبَيْنِ مُمَشَّقَيْنِ كَانَ يَلْبَسُهُمَا لِلْوَفْدِ وَالْجُمَعِ. قَالَ: فَأَيُّ الطَّعَامِ نَالَهُ عِنْدَكِ أَرْفَعُ؟ قَالَتْ: حَرْفًا مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ فَصَبَبْنَا عَلَيْهِ وَهُوَ حَارٌّ أَسْفَلَ عُكَّةٍ لَنَا، فَجَعَلْتُهَا دَسِمَةً حُلْوَةً فَأَكَلَ مِنْهَا. وَقَالَ: وَأَيُّ مُبْسَطٍ كَانَ يُبْسَطُ عِنْدَكِ كَانَ أَوْطَأَ؟ قَالَتْ: كِسَاءٌ ثَخِينٌ كُنَّا نُرَبِّعُهُ فِي الصَّيْفِ، فَإِذَا كَانَ الشِّتَاءُ بَسَطْنَا نِصْفَهُ وَتَدَثَّرْنَا بِنِصْفِهِ. قَالَ: يَا حَفْصَةُ فَأَبْلِغِيهِمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدَّرَ فَوَضَعَ الْفُضُولَ مَوَاضِعَهَا وَتَبَلَّغَ بِالتَّزْجِيَةِ، فَوَاللَّهِ لَأَضَعَنَّ الْفُضُولَ مَوَاضِعَهَا وَلَأَتَبَلَّغَنَّ بِالتَّزْجِيَةِ، وَإِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ صَاحِبَيَّ كَثَلَاثَةٍ سَلَكُوا طَرِيقًا، فَمَضَى الْأَوَّلُ وَقَدْ تَزَوَّدَ فَبَلَغَ الْمَنْزِلَ، ثُمَّ اتَّبَعَهُ الْآخَرُ فَسَلَكَ طَرِيقَهُ فَأَفْضَى إِلَيْهِ، ثُمَّ اتَّبَعَهُ الثَّالِثُ فَإِنْ لَزِمَ طَرِيقَهُمَا وَرَضِيَ بِزَادِهِمَا أُلْحِقَ بِهِمَا، وَإِنْ سَلَكَ غَيْرَ طَرِيقِهِمَا لَمْ يُجَامِعْهُمَا.

стр. 1025

ذِكْرُ الْحُرُوبِ إِلَى آخِرِ السَّنَةِ فَمِنْ ذَلِكَ يَوْمُ بُرْسَ وَبَابِلَ وَكُوثَى لَمَّا فَرَغَ سَعْدٌ مِنْ أَمْرِ الْقَادِسِيَّةِ أَقَامَ بِهَا بَعْدَ الْفَتْحِ شَهْرَيْنِ، وَكَاتَبَ عُمَرَ فِيمَا يَفْعَلُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْمَدَائِنِ، وَأَنْ يُخَلِّفَ النِّسَاءَ وَالْعِيَالَ بِالْعَتِيقِ، وَأَنْ يَجْعَلَ مَعَهُمْ جُنْدًا كَثِيفًا وَأَنْ يُشْرِكَهُمْ فِي كُلِّ مَغْنَمٍ مَا دَامُوا يَخْلُفُونَ الْمُسْلِمِينَ فِي عِيَالَاتِهِمْ. فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَسَارَ مِنَ الْقَادِسِيَّةِ لِأَيَّامٍ بَقِينَ مِنْ شَوَّالٍ، وَكُلُّ النَّاسِ مُؤَدٍّ مُذْ نَقَلَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ مَا كَانَ فِي عَسْكَرِ الْفُرْسِ. فَلَمَّا وَصَلَتْ مُقَدَّمَةُ الْمُسْلِمِينَ بُرْسَ وَعَلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَمِّ وَزُهْرَةُ بْنُ حَوِيَّةَ وَشُرَحْبِيلُ بْنُ السِّمْطِ لَقِيَهُمْ بِهَا بَصْبُهْرَا فِي جَمْعٍ مِنَ الْفُرْسِ، فَهَزَمَهُ الْمُسْلِمُونَ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى بَابِلَ، وَبِهَا فَالَّةُ الْقَادِسِيَّةِ وَبَقَايَا رُؤَسَائِهِمُ النَّخِيرَخَانُ، وَمِهْرَانُ الرَّازِيُّ، وَالْهُرْمُزَانُ، وَأَشْبَاهُهُمْ، وَقَدِ اسْتَعْمَلُوا عَلَيْهِمُ الْفَيْرُزَانَ، وَقَدِمَ بَصْبُهْرَا مُنْهَزِمًا مِنْ بُرْسَ، فَوَقَعَ فِي النَّهْرِ، وَمَاتَ مِنْ طَعْنَةٍ كَانَ طَعَنَهُ زُهْرَةُ. وَلَمَّا هُزِمَ بَصْبُهْرَا أَقْبَلَ بِسْطَامُ دِهْقَانُ بُرْسَ فَصَالَحَ زُهْرَةَ، وَعَقَدَ لَهُ الْجُسُورَ، وَأَخْبَرَهُ بِمَنِ اجْتَمَعَ بِبَابِلَ، فَأَرْسَلَ زُهْرَةُ إِلَى سَعْدٍ يُعَرِّفُهُ ذَلِكَ. فَقَدِمَ عَلَيْهِ سَعْدٌ بِبُرْسَ وَسَيَّرَهُ فِي الْمُقَدَّمَةِ، وَأَتْبَعَهُ عَبْدَ اللَّهِ وَشُرَحْبِيلَ وَهَاشِمًا الْمِرْقَالَ، وَاتَّبَعَهُمْ، فَنَزَلُوا عَلَى الْفَيْرُزَانَ بِبَابِلَ وَقَدْ قَالُوا: نُقَاتِلُهُمْ قَبْلَ أَنْ نَفْتَرِقَ، فَاقْتَتَلُوا فَهَزَمَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، فَانْطَلَقُوا عَلَى وَجْهَيْنِ، فَسَارَ الْهُرْمُزَانُ نَحْوَ الْأَهْوَازِ فَأَخَذَهَا فَأَكَلَهَا، وَخَرَجَ الْفَيْرُزَانُ نَحْوَ نَهَاوَنْدَ، فَأَخَذَهَا فَأَكَلَهَا وَبِهَا كُنُوزُ كِسْرَى، وَأَكَلَ الْمَاهَيْنَ، وَسَارَ النَّخِيرَخَانُ وَمِهْرَانُ إِلَى الْمَدَائِنِ وَقَطَعَا الْجِسْرَ. وَأَقَامَ سَعْدٌ بِبَابِلَ، فَقَدَّمَ زُهْرَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ بُكَيْرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيَّ وَكَثِيرَ بْنَ شِهَابٍ السَّعْدِيَّ حَتَّى عَبَرَا الصَّرَاةَ، فَلَحِقَا بِأُخْرَيَاتِ الْقَوْمِ، وَفِيهِمْ فُيُومَانُ وَالْفَرُّخَانُ، فَقَتَلَ بُكَيْرٌ الْفَرُّخَانَ وَقَتَلَ كَثِيرٌ فُيُومَانَ بِسُورَاءَ، وَجَاءَ زُهْرَةُ فَجَازَ سُورَاءَ وَنَزَلَ، وَجَاءَ سَعْدٌ وَهَاشِمٌ

стр. 1026

وَالنَّاسُ وَنَزَلُوا عَلَيْهِ، وَتَقَدَّمَ زُهْرَةُ نَحْوَ الْفُرْسِ، وَكَانُوا قَدْ نَزَلُوا بَيْنَ الدَّيْرِ وَكُوثَى، وَقَدِ اسْتَخْلَفَ النَّخِيرَخَانُ وَمِهْرَانُ عَلَى جُنُودِهِمَا شَهْرَيَارَ، فَنَازَلَهُمْ زُهْرَةُ، فَبَرَزُوا إِلَى قِتَالِهِ، وَخَرَجَ شَهْرَيَارُ يَطْلُبُ الْمُبَارَزَةَ، فَأَخْرَجَ زُهْرَةُ إِلَيْهِ أَبَا نُبَاتَةَ نَائِلَ بْنَ جَشْعَمٍ الْأَعْرَجِيَّ، وَكَانَ مِنْ شُجْعَانِ بَنِي تَيْمٍ، وَكِلَاهُمَا وَثِيقُ الْخَلْقِ. فَلَمَّا رَأَى شَهْرَيَارُ نَائِلًا أَلْقَى الرُّمْحَ لِيَعْتَنِقَهُ، وَأَلْقَى أَبُو نُبَاتَةَ رُمْحَهُ لِيَعْتَنِقَهُ أَيْضًا، وَانْتَضَيَا سَيْفَيْهِمَا فَاجْتَلَدَا، ثُمَّ اعْتَنَقَا فَسَقَطَا عَنْ دَابَّتِهِمَا، فَوَقَعَ شَهْرَيَارُ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ جَمَلٌ، فَضَغَطَهُ بِفَخِذِهِ، وَأَخَذَ الْخِنْجَرَ وَأَرَادَ حَلَّ أَزْرَارَ دِرْعِهِ، فَوَقَعَتْ إِصْبَعُهُ فِي نَائِلٍ فَكَسَرَ عَظْمَهَا، وَرَأَى مِنْهُ فُتُورًا فَبَادَرَ وَجَلَدَ بِهِ الْأَرْضَ، ثُمَّ قَعَدَ عَلَى صَدْرِهِ وَأَخَذَ خِنْجَرَهُ وَكَشَفَ دِرْعَهُ عَنْ بَطْنِهِ، وَطَعَنَ بِهِ بَطْنَهُ وَجَنْبَهُ حَتَّى مَاتَ، وَأَخَذَ فَرَسَهُ وَسِوَارَيْهِ وَسَلَبَهُ، وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ فَذَهَبُوا فِي الْبِلَادِ، وَأَقَامَ زُهْرَةُ بِكُوثَى حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهِ سَعْدٌ، فَقَدَّمَ إِلَيْهِ نَائِلًا وَأَلْبَسَهُ سِلَاحَ شَهْرَيَارَ وَسِوَارَيْهِ وَأَرْكَبَهُ بِرْذَوْنَهُ وَغَنَّمَهُ الْجَمِيعَ، فَكَانَ أَوَّلَ أَعْرَجِيٍّ سُوِّرَ بِالْعِرَاقِ، وَقَامَ بِهَا سَعْدٌ أَيَّامًا وَزَارَ مَجْلِسَ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ ﵇. وَقِيلَ: كَانَتْ هَذِهِ الْوَقَعَاتُ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ. (نَائِلٌ بِالنُّونِ، وَبَعْدَ الْأَلِفِ يَاءٌ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَآخِرُهُ لَامٌ) . ذِكْرُ بَهُرَسِيرَ وَهِيَ الْمَدِينَةُ الْعَتِيقَةُ وَهِيَ الْمَدَائِنُ الدُّنْيَا مِنَ الْغَرْبِ ثُمَّ إِنَّ سَعْدًا قَدَّمَ زُهْرَةَ إِلَى بَهُرَسِيرَ فَمَضَى فِي الْمُقَدَّمَاتِ، فَتَلَقَّاهُ شِيرَازَادُ دِهْقَانُ سَابَاطَ بِالصُّلْحِ، فَأَرْسَلَهُ إِلَى سَعْدٍ، فَصَالَحَهُ عَلَى تَأْدِيَةِ الْجِزْيَةِ. وَلَقِيَ زُهْرَةُ كَتِيبَةَ بِنْتِ كِسْرَى الَّتِي تُدْعَى بُورَانُ، وَكَانُوا يَحْلِفُونَ كُلَّ يَوْمٍ أَنْ لَا يَزُولَ مُلْكُ فَارِسٍ مَا عِشْنَا، فَهَزَمَهُمْ وَقَتَلَ هَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ - وَهُوَ ابْنُ أَخِي سَعْدٍ - الْمُقَرَّطَ - وَهُوَ

стр. 1027

أَسَدٌ كَانَ لِكِسْرَى قَدْ أَلِفَهُ، فَقَبَّلَ سَعْدٌ رَأْسَ هَاشِمٍ، وَقَبَّلَ هَاشِمٌ قَدَمَ سَعْدٍ، وَأَرْسَلَهُ سَعْدٌ فِي الْمُقَدِّمَةِ إِلَى بَهُرَسِيرَ، فَنَزَلَ إِلَى الْمُظْلِمِ، وَقَرَأَ: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤] ; ثُمَّ ارْتَحَلَ فَنَزَلَ عَلَى بَهُرَسِيرَ، وَوَصَلَهَا سَعْدٌ وَالْمُسْلِمُونَ فَرَأَوُا الْإِيوَانَ، فَقَالَ ضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ: اللَّهُ أَكْبَرُ! أَبْيَضُ كِسْرَى! هَذَا مَا وَعَدَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. وَكَبَّرَ وَكَبَّرَ النَّاسُ مَعَهُ، فَكَانُوا كُلَّمَا وَصَلَتْ طَائِفَةٌ كَبَّرُوا، ثُمَّ نَزَلُوا عَلَى الْمَدِينَةِ، وَكَانَ نُزُولُهُمْ عَلَيْهَا فِي ذِي الْحِجَّةِ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. وَكَانَ عَامِلُهُ فِيهَا عَلَى مَكَّةَ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ فِي الْقَوْلِ، وَعَلَى الطَّائِفِ يَعْلَى بْنُ مُنْيَةَ، وَعَلَى الْيَمَامَةِ وَالْبَحْرَيْنِ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ، وَعَلَى عُمَانَ حُذَيْفَةُ بْنُ مِحْصَنٍ، وَعَلَى الشَّامِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَعَلَى الْكُوفَةِ وَأَرْضِهَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ، وَقِيلَ: تُوُفِّيَّ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ. وَنَوْفَلُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ أَسَنَّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ.

стр. 1028

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتَّ عَشْرَةَ] [ ذِكْرُ فَتْحِ الْمَدَائِنِ الْغَرْبِيَّةِ وَهِيَ بَهُرَسِيرُ] ١٦ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتَّ عَشْرَةَ ذِكْرُ فَتْحِ الْمَدَائِنِ الْغَرْبِيَّةِ وَهِيَ بَهُرَسِيرُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ - فِي صَفَرٍ - دَخَلَ الْمُسْلِمُونَ بَهُرَسِيرَ، وَكَانَ سَعْدٌ مُحَاصِرًا لَهَا، وَأَرْسَلَ الْخُيُولَ فَأَغَارَتْ عَلَى مَنْ لَيْسَ لَهُ عَهْدٌ، فَأَصَابُوا مِائَةَ أَلْفِ فَلَّاحٍ، فَأَصَابَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَلَّاحًا، لِأَنَّ كُلَّ الْمُسْلِمِينَ كَانَ فَارِسًا، فَأَرْسَلَ سَعْدٌ إِلَى عُمَرَ يَسْتَأْذِنُهُ، فَأَجَابَهُ: إِنَّ مَنْ جَاءَكُمْ مِنَ الْفَلَّاحِينَ مِمَّنْ لَمْ يُعِينُوا عَلَيْكُمْ فَهُوَ أَمَانُهُمْ، وَمَنْ هَرَبَ فَأَدْرَكْتُمُوهُ فَشَأْنُكُمْ بِهِ. فَخَلَّى سَعْدٌ عَنْهُمْ وَأَرْسَلَ إِلَى الدَّهَاقِينِ وَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ أَوِ الْجِزْيَةِ وَلَهُمُ الذِّمَّةُ، فَتَرَاجَعُوا وَلَمْ يَدْخُلْ فِي ذَلِكَ مَا كَانَ لِآلِ كِسْرَى، فَلَمْ يَبْقَ فِي غَرْبَيِّ دِجْلَةَ إِلَى أَرْضِ الْعَرَبِ سَوَادِيٌّ إِلَّا أَمِنَ وَاغْتَبَطَ بِمُلْكِ الْإِسْلَامِ. وَأَقَامُوا عَلَى بَهُرَسِيرَ شَهْرَيْنِ يَرْمُونَهُمْ بِالْمَجَانِيقِ، وَيَدِبُّونَ إِلَيْهِمْ بِالدَّبَّابَاتِ وَيُقَاتِلُونَهُمْ بِكُلِّ عُدَّةٍ، وَنَصَبُوا عَلَيْهَا عِشْرِينَ مَنْجِنِيقًا فَشَغَلُوهُمْ بِهَا، وَرُبَّمَا خَرَجَ الْعَجَمُ فَقَاتَلُوهُمْ فَلَا يَقُومُونَ لَهُمْ، وَكَانَ آخِرُ مَا خَرَجُوا مُتَجَرِّدِينَ لِلْحَرْبِ وَتَبَايَعُوا عَلَى الصَّبْرِ، فَقَاتَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ. وَكَانَ عَلَى زُهْرَةَ بْنِ الْحَوِيَّةِ دِرْعٌ مَفْصُومَةٌ، فَقِيلَ: لَوْ أَمَرْتَ بِهَذَا الْفَصْمِ فَسُرِدَ. فَقَالَ لَهُمْ: إِنِّي عَلَى اللَّهِ لَكَرِيمٌ، أَنْ تَرَكَ سَهْمُ فَارِسَ الْجُنْدَ كُلَّهُمْ ثُمَّ أَتَانِي مِنْ هَذَا الْفَصْمِ حَتَّى يَثْبُتَ فِيَّ! فَكَانَ أَوَّلَ رَجُلٍ أُصِيبَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ

стр. 1029

هُوَ، بِنُشَّابَةٍ مِنْ ذَلِكَ الْفَصْمِ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: انْزِعُوهَا. فَقَالَ: دَعُونِي فَإِنَّ نَفْسِي مَعِي مَا دَامَتْ فِيَّ لَعَلِّي أَنْ أُصِيبَ مِنْهُمْ بِطَعْنَةٍ أَوْ ضَرْبَةٍ. فَمَضَى نَحْوَ الْعَدُوِّ فَضَرَبَ بِسَيْفِهِ شَهْرَيَارَ مِنْ أَهْلِ إِصْطَخْرَ فَقَتَلَهُ، وَأُحِيطَ بِهِ فَقُتِلَ وَمَا انْكَشَفُوا. وَقِيلَ: إِنْ زُهْرَةَ عَاشَ إِلَى أَيَّامِ الْحَجَّاجِ فَقَتَلَهُ شَبِيبٌ الْخَارِجِيُّ، وَسَيَرِدُ ذِكْرُهُ. وَاشْتَدَّ الْحِصَارُ بِأَهْلِ الْمَدَائِنِ الْغَرْبِيَّةِ حَتَّى أَكَلُوا السَّنَانِيرَ وَالْكِلَابَ، وَصَبَرُوا مِنْ شِدَّةِ الْحِصَارِ عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ، فَبَيْنَا هُمْ يُحَاصِرُونَهُمْ إِذْ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ الْمَلِكِ، فَقَالَ: الْمَلِكُ يَقُولُ لَكُمْ: هَلْ لَكُمْ إِلَى الْمُصَالَحَةِ عَلَى أَنَّ لَنَا مَا يَلِينَا مِنْ دِجْلَةَ إِلَى جَبَلِنَا، وَلَكُمْ مَا يَلِيكُمْ مِنْ دِجْلَةَ إِلَى جَبَلِكُمْ؟ أَمَا شَبِعْتُمْ لَا أَشْبَعَ اللَّهُ بُطُونَكُمْ! فَقَالَ لَهُمْ أَبُو مُفَزِّرٍ الْأَسْوَدُ بْنُ قُطْبَةَ، وَقَدْ أَنْطَقَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - بِمَا لَا يَدْرِي مَا هُوَ وَلَا مَنْ مَعَهُ. فَرَجَعَ الرَّجُلُ فَقَطَعُوا دِجْلَةَ إِلَى الْمَدَائِنِ الشَّرْقِيَّةِ الَّتِي فِيهَا الْإِيوَانُ، فَقَالَ لَهُ مَنْ مَعَهُ: يَا أَبَا مُفَزِّرٍ مَا قُلْتَ لَهُ؟ قَالَ: وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ مَا أَدْرِي! وَأَنَا أَرْجُو أَنْ أَكُونَ قَدْ نَطَقْتُ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ. وَسَأَلَهُ سَعْدٌ وَالنَّاسُ عَمَّا قَالَ فَلَمْ يَعْلَمْ. فَنَادَى سَعْدٌ فِي النَّاسِ، فَنَهَدُوا إِلَيْهِمْ، فَمَا ظَهَرَ عَلَى الْمَدِينَةِ أَحَدٌ، وَلَا خَرَجَ رَجُلٌ إِلَّا رَجُلٌ يُنَادِي بِالْأَمَانِ، فَآمَنُوهُ، فَقَالَ لَهُمْ: مَا بَقِيَ بِالْمَدِينَةِ مَنْ يَمْنَعُكُمْ. فَدَخَلُوا فَمَا وَجَدُوا فِيهَا شَيْئًا وَلَا أَحَدًا إِلَّا أُسَارَى وَذَلِكَ الرَّجُلَ، فَسَأَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ هَرَبُوا؟ فَقَالَ: بَعَثَ الْمَلِكُ إِلَيْكُمْ يَعْرِضُ عَلَيْكُمُ الصُّلْحَ، فَأَجَبْتُمُوهُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ صُلْحٌ أَبَدًا حَتَّى نَأْكُلَ عَسَلَ أَفْرِيدُونَ بِأُتْرُجِّ كُوثَى. فَقَالَ الْمَلِكُ: يَا مَيْلَتَيْهِ! إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَكَلَّمُ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ تَرُدُّ عَلَيْنَا. فَسَارُوا إِلَى الْمَدِينَةِ الْقُصْوَى. فَلَمَّا دَخَلَهَا الْمُسْلِمُونَ أَنْزَلَهُمْ سَعْدٌ الْمَنَازِلَ، وَأَرَادُوا الْعُبُورَ إِلَى الْمَدَائِنِ فَوَجَدُوا الْمَعَابِرَ قَدْ أَخَذُوهَا مَا بَيْنَ الْمَدَائِنِ وَتَكْرِيتَ. [ذكر فَتْحِ الْمَدَائِنِ الَّتِي فِيهَا إِيوَانُ كِسْرَى] وَكَانَ فَتْحُهَا فِي صَفَرٍ أَيْضًا سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ، قِيلَ: وَأَقَامَ سَعْدٌ بِبَهُرَسِيرَ أَيَّامًا مِنْ

стр. 1030

صَفَرٍ، فَأَتَاهُ عِلْجٌ فَدَلَّهُ عَلَى مَخَاضَةٍ تُخَاضُ إِلَى صُلْبِ الْفُرْسِ، فَأَبَى وَتَرَدَّدَ عَنْ ذَلِكَ، وَقَحَمَهُمُ الْمَدُّ، وَكَانَتِ السَّنَةُ كَثِيرَةَ الْمُدُودِ، وَدِجْلَةُ تَقْذِفُ بِالزَّبَدِ، فَأَتَاهُ عِلْجٌ فَقَالَ: مَا يُقِيمُكَ؟ لَا يَأْتِي عَلَيْكَ ثَلَاثَةٌ حَتَّى يَذْهَبَ يَزْدَجِرْدُ بِكُلِّ شَيْءٍ فِي الْمَدَائِنِ. فَهَيَّجَهُ ذَلِكَ عَلَى الْعُبُورِ، وَرَأَوْا رُؤْيَا: أَنَّ خُيُولَ الْمُسْلِمِينَ اقْتَحَمَتْ دِجْلَةَ فَعَبَرَتْ، فَعَزَمَ سَعْدٌ لِتَأْوِيلِ الرُّؤْيَا، فَجَمَعَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ عَدُوَّكُمْ قَدِ اعْتَصَمَ مِنْكُمْ بِهَذَا الْبَحْرِ، فَلَا تَخْلُصُونَ إِلَيْهِ مَعَهُ وَيَخْلُصُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا شَاءُوا فِي سُفُنِهِمْ فَيُنَاوِشُونَكُمْ، وَلَيْسَ وَرَاءَكُمْ شَيْءٌ تَخَافُونَ أَنْ تُؤْتَوْا مِنْهُ، قَدْ كَفَاكُمْ أَهْلُ الْأَيَّامِ وَعَطَّلُوا ثُغُورَهُمْ، وَقَدْ رَأَيْتُ مِنَ الرَّأْيِ أَنْ تُجَاهِدُوا الْعَدُوَّ قَبْلَ أَنْ تَحْصُدَكُمُ الدُّنْيَا، أَلَا إِنِّي قَدْ عَزَمْتُ عَلَى قَطْعِ هَذَا الْبَحْرِ إِلَيْهِمْ. فَقَالُوا جَمِيعًا: عَزَمَ اللَّهُ لَنَا وَلَكَ عَلَى الرُّشْدِ فَافْعَلْ. فَنَدَبَ النَّاسَ إِلَى الْعُبُورِ وَقَالَ: مَنْ يَبْدَأُ وَيَحْمِي لَنَا الْفِرَاضَ حَتَّى تَتَلَاحَقَ بِهِ النَّاسُ لِكَيْلَا يَمْنَعُوهُمْ مِنَ الْعُبُورِ؟ فَانْتُدِبَ لَهُ عَاصِمُ بْنُ عَمْرٍو ذُو الْبَأْسِ، فِي سِتِّمِائَةٍ مِنْ أَهْلِ النَّجَدَاتِ، فَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَاصِمًا، فَتَقَدَّمَهُمْ عَاصِمٌ فِي سِتِّينَ فَارِسًا، وَجَعَلَهُمْ عَلَى خَيْلٍ ذُكُورٍ وَإِنَاثٍ لِيَكُونَ أَسْلَسَ لِسِبَاحَةِ الْخَيْلِ، ثُمَّ اقْتَحَمُوا دِجْلَةَ. فَلَمَّا رَآهُمُ الْأَعَاجِمُ وَمَا صَنَعُوا أَخْرَجُوا لِلْخَيْلِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ مِثْلَهَا فَاقْتَحَمُوا عَلَيْهِمْ دِجْلَةَ، فَلَقُوا عَاصِمًا وَقَدْ دَنَا مِنَ الْفِرَاضِ. فَقَالَ عَاصِمٌ: الرِّمَاحَ الرِّمَاحَ! أَشْرِعُوهَا وَتَوَخُّوا الْعُيُونَ. فَالْتَقَوْا فَاطَّعَنُوا، وَتَوَخَّى الْمُسْلِمُونَ عُيُونَهُمْ فَوَلَّوْا، وَلَحِقَهُمُ الْمُسْلِمُونَ فَقَتَلُوا أَكْثَرَهُمْ، وَمَنْ نَجَا مِنْهُمْ صَارَ أَعْوَرَ مِنَ الطَّعْنِ، وَتَلَاحَقَ السِّتُّمِائَةِ بِالسِّتِّينَ غَيْرَ مُتْعَبِينَ. وَلَمَّا رَأَى سَعْدٌ عَاصِمًا عَلَى الْفِرَاضِ قَدْ مَنَعَهَا، أَذِنَ لِلنَّاسِ فِي الِاقْتِحَامِ وَقَالَ: قُولُوا نَسْتَعِينُ بِاللَّهِ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ، حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، وَاللَّهِ لَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ وَلِيَّهُ وَلَيُظْهِرَنَّ دِينَهُ وَلَيَهْزِمَنَّ عَدُوَّهُ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ! . وَتَلَاحَقَ النَّاسُ فِي دِجْلَةَ وَإِنَّهُمْ يَتَحَدَّثُونَ كَمَا يَتَحَدَّثُونَ فِي الْبَرِّ، وَطَبَّقُوا دِجْلَةَ حَتَّى مَا يُرَى مِنَ الشَّاطِئِ شَيْءٌ. وَكَانَ الَّذِي يُسَايِرُ سَعْدًا سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ، فَعَامَتْ بِهِمْ خُيُولُهُمْ، وَسَعْدٌ يَقُولُ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، وَاللَّهِ لَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ وَلِيَّهُ، وَلَيُظْهِرَنَّ دِينَهُ وَلَيَهْزِمَنَّ عَدُوَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْجَيْشِ

стр. 1031

بَغْيٌ أَوْ ذُنُوبٌ تَغْلِبُ الْحَسَنَاتِ، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: الْإِسْلَامُ جَدِيدٌ، ذُلِّلَتْ لَهُمُ الْبُحُورُ كَمَا ذُلِّلَ لَهُمُ الْبَرُّ، أَمَا وَالَّذِي نَفْسُ سَلْمَانَ بِيَدِهِ لَيَخْرُجُنَّ مِنْهُ أَفْوَاجًا كَمَا دَخَلُوا فِيهِ أَفْوَاجًا. فَخَرَجُوا مِنْهُ كَمَا قَالَ سَلْمَانُ لَمْ يَفْقِدُوا شَيْئًا، إِلَّا أَنَّ مَالِكَ بْنَ عَامِرٍ الْعَنْبَرِيَّ سَقَطَ مِنْهُ قَدَحٌ فَذَهَبَتْ بِهِ جَرْيَةُ الْمَاءِ، فَقَالَ لَهُ الَّذِي يُسَايِرُهُ مُعَيِّرًا لَهُ: أَصَابَهُ الْقَدَرُ فَطَاحَ. فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَعَلَى حَالَةٍ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَسْلُبَنِي قَدَحِي مِنْ بَيْنِ الْعَسْكَرَيْنِ. فَلَمَّا عَبَرُوا أَلْقَتْهُ الرِّيحُ إِلَى الشَّاطِئِ فَتَنَاوَلَهُ بَعْضُ النَّاسِ وَعَرَفَهُ صَاحِبُهُ فَأَخَذَهُ. وَلَمْ يَغْرَقْ مِنْهُمْ أَحَدٌ غَيْرَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَارِقٍ يُدْعَى غَرْقَدَةَ زَالَ عَنْ ظَهْرِ فَرَسٍ لَهُ أَشْقَرَ، فَثَنَى الْقَعْقَاعُ عِنَانَ فَرَسِهِ إِلَيْهِ فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَأَخْرَجَهُ سَالِمًا. وَخَرَجَ النَّاسُ سَالِمِينَ وَخَيْلُهُمْ تَنْفُضُ أَعْرَافَهَا. فَلَمَّا رَأَى الْفُرْسُ ذَلِكَ، وَأَتَاهُمْ أَمْرٌ لَمْ يَكُنْ فِي حِسَابِهِمْ خَرَجُوا هَارِبِينَ نَحْوَ حُلْوَانَ، وَكَانَ يَزْدَجِرْدُ قَدْ قَدَّمَ عِيَالَهُ إِلَى حُلْوَانَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَخَلَّفَ مِهْرَانَ الرَّازِيَّ وَالنَّخِيرَخَانَ، وَكَانَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ بِالنَّهْرَوَانِ، وَخَرَجُوا مَعَهُمْ بِمَا قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنْ خَيْرِ مَتَاعِهِمْ وَخَفِيفِهِ، وَمَا قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَبِالنِّسَاءِ وَالذَّرَارِي، وَتَرَكُوا فِي الْخَزَائِنِ مِنَ الثِّيَابِ وَالْمَتَاعِ وَالْآنِيَةِ وَالْفُصُوصِ وَالْأَلْطَافِ مَا لَا يُدْرَى قِيمَتُهُ، وَخَلَّفُوا مَا كَانُوا أَعَدُّوا لِلْحِصَارِ مِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالْأَطْعِمَةِ. وَكَانَ فِي بَيْتِ الْمَالِ ثَلَاثَةُ آلَافِ أَلْفِ أَلْفِ أَلْفٍ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، أَخَذَ مِنْهَا رُسْتُمُ عِنْدَ مَسِيرِهِ إِلَى الْقَادِسِيَّةِ النِّصْفَ وَبَقِيَ النِّصْفُ. وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ الْمَدَائِنَ كَتِيبَةُ الْأَهْوَالِ، وَهِيَ كَتِيبَةُ عَاصِمِ بْنِ عَمْرٍو، ثُمَّ كَتِيبَةُ الْخَرْسَاءِ، وَهِيَ كَتِيبَةُ الْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو، فَأَخَذُوا فِي سِكَكِهَا لَا يَلْقَوْنَ فِيهَا أَحَدًا يَخْشَوْنَهُ إِلَّا مَنْ كَانَ فِي الْقَصْرِ الْأَبْيَضِ، فَأَحَاطُوا بِهِمْ وَدَعَوْهُمْ فَاسْتَجَابُوا عَلَى تَأْدِيَةِ الْجِزْيَةِ وَالذِّمَّةِ، فَتَرَاجَعَ إِلَيْهِمْ أَهْلُ الْمَدَائِنِ عَلَى مِثْلِ عَهْدِهِمْ لَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا كَانَ لِآلِ كِسْرَى.

стр. 1032

وَنَزَلَ سَعْدٌ الْقَصْرَ الْأَبْيَضَ، وَسَرَّحَ سَعْدٌ زُهْرَةَ فِي آثَارِهِمْ إِلَى النَّهْرَوَانَ، وَمِقْدَارِ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ. وَكَانَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ رَائِدَ الْمُسْلِمِينَ وَدَاعِيَتَهُمْ، دَعَا أَهْلَ بَهُرَسِيرَ ثَلَاثًا وَأَهْلَ الْقَصْرِ الْأَبْيَضِ ثَلَاثًا، وَاتَّخَذَ سَعْدٌ إِيوَانَ كِسْرَى مُصَلًّى وَلَمْ يُغَيِّرْ مَا فِيهِ مِنَ التَّمَاثِيلِ. وَلَمْ يَكُنْ بِالْمَدَائِنِ أَعْجَبُ مِنْ عُبُورِ الْمَاءِ، وَكَانَ يُدْعَى يَوْمَ الْجَرَاثِيمِ، لَا يَبْغِي أَحَدٌ إِلَّا اشْمَخَرَّتْ لَهُ جُرْثُومَةٌ مِنَ الْأَرْضِ يَسْتَرِيحُ عَلَيْهَا مَا يُبْلُغُ الْمَاءُ حِزَامَ فَرَسِهِ، وَلِذَلِكَ يَقُولُ أَبُو بُجَيْدٍ نَافِعُ بْنُ الْأَسْوَدِ: وَأَسَلْنَا عَلَى الْمَدَائِنِ خَيْلًا بَحْرُهَا مِثْلُ بَرِّهِنَّ أَرِيضَا فَانْتَثَلْنَا خَزَائِنَ الْمَرْءِ كِسْرَى يَوْمَ وَلَّوْا وَخَاضَ مِنْهَا جَرِيضَا وَلَمَّا دَخَلَ سَعْدٌ الْإِيوَانَ قَرَأَ: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ﴾ [الدخان: ٢٥] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٨] ، وَصَلَّى فِيهِ صَلَاةَ الْفَتْحِ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ وَلَا يُصَلِّي جَمَاعَةً، وَأَتَمَّ الصَّلَاةَ لِأَنَّهُ نَوَى الْإِقَامَةَ، وَكَانَتْ أَوَّلَ جُمُعَةٍ بِالْعِرَاقِ، وَجُمِّعَتْ بِالْمَدَائِنِ فِي صَفَرٍ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ. وَلَمَّا سَارَ الْمُسْلِمُونَ وَرَاءَهُمْ أَدْرَكَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَارِسِيًّا يَحْمِي أَصْحَابَهُ، فَضَرَبَ فَرَسَهُ لِيَقْدُمَ عَلَى الْمُسْلِمِ، فَأَحْجَمَ وَأَرَادَ الْفِرَارَ فَتَقَاعَسَ، فَأَدْرَكَهُ الْمُسْلِمُ فَقَتَلَهُ وَأَخَذَ سَلَبَهُ. وَأَدْرَكَ رَجُلٌ آخَرُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ جَمَاعَةً مِنَ الْفُرْسِ يَتَلَاوَمُونَ، وَقَدْ نَصَبُوا لِأَحَدِهِمْ كُرَةً، وَهُوَ يَرْمِيهَا لَا يُخْطِئُهَا، فَرَجَعُوا فَلَقِيَهُمُ الْمُسْلِمُ، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ ذَلِكَ الْفَارِسِيُّ فَرَمَاهُ بِأَقْرَبَ مِمَّا كَانَتِ الْكُرَةُ فَلَمْ يُصِبْهُ، فَوَصَلَ الْمُسْلِمُ إِلَيْهِ فَقَتَلَهُ وَهَرَبَ أَصْحَابُهُ.

стр. 1033

(أَبُو بُجَيْدٍ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ: وَفَتْحِ الْجِيمِ، وَبَعْدَهَا يَاءٌ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَدَالٌ مُهْمَلَةٌ) . ذكر مَا جُمِعَ مِنْ غَنَائِمِ أَهْلِ الْمَدَائِنِ وَقِسْمَتِهَا كَانَ سَعْدٌ قَدْ جَعَلَ عَلَى الْأَقْبَاضِ عَمْرَو بْنَ عَمْرِو بْنِ مُقَرِّنٍ، وَعَلَى الْقِسْمَةِ سَلْمَانَ بْنَ رَبِيعَةَ الْبَاهِلِيَّ، فَجَمَعَ مَا فِي الْقَصْرِ وَالْإِيوَانِ وَالدُّورِ، وَأَحْصَى مَا يَأْتِيهِ بِهِ الطَّلَبُ، وَكَانَ أَهْلُ الْمَدَائِنِ قَدْ نَهَبُوهَا عِنْدَ الْهَزِيمَةِ، وَهَرَبُوا فِي كُلِّ وَجْهٍ، فَمَا أَفْلَتَ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا أَدْرَكَهُمُ الطَّلَبُ، فَأَخَذُوا مَا مَعَهُمْ، وَرَأَوْا بِالْمَدَائِنِ قِبِابًا تُرْكِيَّةً مَمْلُوَّةً سِلَالًا مَخْتُومَةً بِرَصَاصٍ فَحَسِبُوهَا طَعَامًا، فَإِذَا فِيهَا آنِيَةُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَكَانَ الرَّجُلُ يَطُوفُ لِيَبِيعَ الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ مُتَمَاثِلَيْنِ. وَرَأَوْا كَافُورًا كَثِيرًا فَحَسِبُوهُ مِلْحًا، فَعَجَنُوا بِهِ فَوَجَدُوهُ مُرًّا. وَأَدْرَكَ الطَّلَبُ مَعَ زُهْرَةَ جَمَاعَةً مِنَ الْفُرْسِ عَلَى جِسْرِ النَّهْرَوَانِ فَازْدَحَمُوا عَلَيْهِ، فَوَقَعَ مِنْهُمْ بَغْلٌ فِي الْمَاءِ فَعَجِلُوا وَكَبُّوا عَلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ: إِنَّ لِهَذَا الْبَغْلِ لَشَأْنًا، فَجَالَدَهُمُ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ حَتَّى أَخَذُوهُ، وَفِيهِ حِلْيَةُ كِسْرَى، ثِيَابُهُ وَخَرَزَاتُهُ وَوِشَاحُهُ وَدِرْعُهُ الَّتِي فِيهَا الْجَوْهَرُ، وَكَانَ يَجْلِسُ فِيهَا لِلْمُبَاهَاةِ، وَلَحِقَ الْكَلَجُ بَغْلَيْنِ مَعَهُمَا فَارِسِيَّانِ، فَقَتَلَهُمَا وَأَخَذَ الْبَغْلَيْنِ فَأَبْلَغَهُمَا صَاحِبَ الْأَقْبَاضِ، وَهُوَ يَكْتُبُ مَا يَأْتِيهِ بِهِ الرِّجَالُ، فَقَالَ لَهُ: قِفْ حَتَّى نَنْظُرَ مَا مَعَكَ. فَحَطَّ عَنْهُمَا فَإِذَا سَفَطَانِ فِيهِمَا تَاجُ كِسْرَى مُرَصَّعًا، وَكَانَ لَا يَحْمِلُهُ إِلَّا أُسْطُونَتَانِ وَفِيهِ الْجَوْهَرُ، وَعَلَى الْبَغْلِ الْآخَرِ سَفَطَانِ فِيهِمَا ثِيَابُ كِسْرَى الَّتِي كَانَ يَلْبَسُ مِنَ الدِّيبَاجِ الْمَنْسُوجِ بِالذَّهَبِ الْمَنْظُومِ بِالْجَوْهَرِ وَغَيْرِ الدِّيبَاجِ مَنْسُوجًا مَنْظُومًا. وَأَدْرَكَ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو فَارِسِيًّا فَقَتَلَهُ، وَأَخَذَ مِنْهُ عَيْبَتَيْنِ فِي إِحْدَاهُمَا خَمْسَةُ

стр. 1034

أَسْيَافٍ، وَفِي الْأُخْرَى سِتَّةُ أَسْيَافٍ وَأَدْرُعٌ، مِنْهَا دِرْعُ كِسْرَى وَمَغَافِرُهُ، وَدِرْعُ هِرَقْلَ، وَدِرْعُ خَاقَانَ مَلِكِ التُّرْكِ، وَدِرْعُ دَاهِرَ مَلِكُ الْهِنْدِ، وَدِرْعُ بَهْرَامَ جُوبِينَ، وَدِرْعُ سَيَاوُخْشَ، وَدِرْعُ النُّعْمَانِ، اسْتَلَبَهَا الْفُرْسُ أَيَّامَ غَزَاهُمْ خَاقَانُ وَهِرَقْلُ وَدَاهِرُ، وَأَمَّا النُّعْمَانُ وَجُوبِينُ فَحِينَ هَرَبَا مِنْ كِسْرَى، وَالسُّيُوفُ مِنْ سُيُوفِ كِسْرَى وَهُرْمُزَ وَقُبَاذَ وَفَيْرُوزَ وَهِرَقْلَ وَخَاقَانَ وَدَاهِرَ وَبَهْرَامَ وَسَيَاوُخْشَ وَالنُّعْمَانِ، فَأَحْضَرَ الْقَعْقَاعُ الْجَمِيعَ عِنْدَ سَعْدٍ، فَخَيَّرَهُ بَيْنَ الْأَسْيَافِ فَاخْتَارَ سَيْفَ هِرَقْلَ، وَأَعْطَاهُ دِرْعَ بَهْرَامَ، وَنَفَّلَ سَائِرَهَا فِي الْخَرْسَاءِ، إِلَّا سَيْفَ كِسْرَى وَالنُّعْمَانِ، بَعَثَ بِهِمَا إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لِتَسْمَعَ الْعَرَبُ بِذَلِكَ وَحَسَبُوهُمَا فِي الْأَخْمَاسِ، وَبَعَثُوا بِتَاجِ كِسْرَى وَحِلْيَتِهِ وَثِيَابِهِ إِلَى عُمَرَ لِيَرَاهُ الْمُسْلِمُونَ. وَأَدْرَكَ عِصْمَةُ بْنُ خَالِدٍ الضَّبِّيُّ رَجُلَيْنِ مَعَهُمَا حِمَارَانِ، فَقَتَلَ أَحَدَهُمَا وَهَرَبَ الْآخَرُ، وَأَخَذَ الْحِمَارَيْنِ فَأَتَى بِهِمَا صَاحِبَ الْأَقْبَاضِ، فَإِذَا عَلَى أَحَدِهِمَا سَفَطَانِ فِي أَحَدِهِمَا فَرَسٌ مِنْ ذَهَبٍ بِسَرْجٍ مِنْ فِضَّةٍ مُكَلَّلٍ بِالْجَوْهَرِ، وَفِي الْآخَرِ نَاقَةٌ مِنْ فِضَّةٍ عَلَيْهَا شَلِيلٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَبِطَانٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَلَهَا زِمَامٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ مَنْظُومٌ بِالْيَاقُوتِ، وَعَلَيْهَا رَجُلٌ مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّلٌ بِالْجَوَاهِرِ، كَانَ كِسْرَى يَضَعُهَا عَلَى أُسْطُوَانَتَيِ التَّاجِ. وَأَقْبَلَ رَجُلٌ بِحُقٍّ إِلَى صَاحِبِ الْأَقْبَاضِ، فَقَالَ هُوَ وَالَّذِينَ مَعَهُ: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ هَذَا [خَطُّ] ، مَا يَعْدِلُهُ مَا عِنْدَنَا وَلَا يُقَارِبُهُ. فَقَالُوا: هَلْ أَخَذْتَ مِنْهُ شَيْئًا؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا أَتَيْتُكُمْ بِهِ. فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أُخْبِرُكُمْ فَتَحْمَدُونِي وَلَكِنِّي أَحْمَدُ اللَّهَ وَأَرْضَى بِثَوَابِهِ. فَأَتْبَعُوهُ رَجُلًا، فَسَأَلَ عَنْهُ فَإِذَا هُوَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ. وَقَالَ سَعْدٌ: وَاللَّهِ إِنَّ الْجَيْشَ لَذُو أَمَانَةٍ، وَلَوْلَا مَا سَبَقَ لِأَهْلِ بَدْرٍ لَقُلْتُ إِنَّهُمْ عَلَى فَضْلِ أَهْلِ بَدْرٍ، لَقَدْ تَتَبَّعْتُ مِنْهُمْ هَنَاتٍ مَا أَحْسَبُهَا مِنْ هَؤُلَاءِ. وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، مَا اطَّلَعْنَا عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْقَادِسِيَّةِ

стр. 1035

أَنَّهُ يُرِيدُ الدُّنْيَا مَعَ الْآخِرَةِ، فَلَقَدِ اتَّهَمْنَا ثَلَاثَةَ نَفَرٍ، فَمَا رَأَيْنَا كَأَمَانَتِهِمْ وَزُهْدِهِمْ، وَهُمْ: طُلَيْحَةُ، وَعَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ، وَقَيْسُ بْنُ الْمَكْشُوحِ. وَقَالَ عُمَرُ لَمَّا قُدِمَ عَلَيْهِ بِسَيْفِ كِسْرَى وَمِنْطَقَتِهِ وَبِزُبْرِجِهِ: إِنَّ قَوْمًا أَدَّوْا هَذَا لَذَوُو أَمَانَةٍ. فَقَالَ عَلِيٌّ: إِنَّكَ عَفَفْتَ فَعَفَّتِ الرَّعِيَّةُ. فَلَمَّا جُمِعَتِ الْغَنَائِمُ قَسَّمَ سَعْدٌ الْفَيْءَ بَيْنَ النَّاسِ بَعْدَمَا خَمَّسَهُ، وَكَانُوا سِتِّينَ أَلْفًا، فَأَصَابَ الْفَارِسَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا، وَكُلُّهُمْ كَانَ فَارِسًا لَيْسَ فِيهِمْ رَاجِلٌ، وَنَفَّلَ مِنَ الْأَخْمَاسِ فِي أَهْلِ الْبَلَاءِ، وَقَسَّمَ الْمَنَازِلَ بَيْنَ النَّاسِ، وَأَحْضَرَ الْعِيَالَاتِ فَأَنْزَلَهُمُ الدُّورَ، فَأَقَامُوا بِالْمَدَائِنِ حَتَّى فَرَغُوا مِنْ جَلُولَاءَ وَحُلْوَانَ وَتَكْرِيتَ وَالْمَوْصِلِ ثُمَّ تَحَوَّلُوا إِلَى الْكُوفَةِ. وَأَرْسَلَ سَعْدٌ فِي الْخُمُسِ كُلَّ شَيْءٍ أَرَادَ أَنْ يَعْجَبَ مِنْهُ الْعَرَبُ، وَمَا كَانَ يُعْجِبُهُمْ أَنْ يَقَعَ، وَأَرَادَ إِخْرَاجَ خُمُسِ الْقِطْفِ، فَلَمْ تَعْتَدِلْ قِسْمَتُهُ، وَهُوَ بُهَارُ كِسْرَى، فَقَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: هَلْ تَطِيبُ أَنْفُسُكُمْ عَنْ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِهِ فَنَبْعَثُ بِهِ إِلَى عُمَرَ يَضَعُهُ حَيْثُ يَشَاءُ فَإِنَّا لَا نَرَاهُ يَنْقَسِمُ، وَهُوَ بَيْنَنَا قَلِيلٌ، وَهُوَ يَقَعُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَوْقِعًا؟ فَقَالُوا: نَعَمْ. فَبَعَثَهُ إِلَى عُمَرَ. وَالْقِطْفُ بِسَاطٌ وَاحِدٌ طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، وَعَرْضُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، مِقْدَارَ جُرَيْبٍ، كَانَتِ الْأَكَاسِرَةُ تُعِدُّهُ لِلشِّتَاءِ إِذَا ذَهَبَتِ الرَّيَاحِينُ شَرِبُوا عَلَيْهِ، فَكَأَنَّهُمْ فِي رِيَاضٍ، فِيهِ طُرُقٌ كَالصُّوَرِ، وَفِيهِ فُصُوصٌ كَالْأَنْهَارِ أَرْضُهَا مُذَهَّبَةٌ، وَخِلَالَ ذَلِكَ فُصُوصٌ كَالدُّرِّ، وَفِي حَافَّاتِهِ كَالْأَرْضِ الْمَزْرُوعَةِ وَالْأَرْضِ الْمُبْقِلَةِ بِالنَّبَاتِ فِي الرَّبِيعِ، وَالْوَرَقُ مِنَ الْحَرِيرِ عَلَى قُضْبَانِ الذَّهَبِ، وَزَهْرُهُ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، وَثَمَرُهُ الْجَوْهَرُ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تُسَمِّيهِ الْقِطْفَ. فَلَمَّا قَدِمَتِ الْأَخْمَاسُ عَلَى عُمَرَ نَفَّلَ مِنْهَا مَنْ غَابَ وَمَنْ شَهِدَ مِنْ أَهْلِ الْبَلَاءِ، ثُمَّ قَسَّمَ الْخُمُسَ فِي مَوَاضِعِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي هَذَا الْقِطْفِ: فَمِنْ بَيْنِ مُشِيرٍ بِقَبْضِهِ، وَآخَرَ مُفَوِّضٍ إِلَيْهِ. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ عِلْمَكَ جَهْلًا وَيَقِينَكَ شَكًّا، إِنَّهُ لَيْسَ لَكَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا أَعْطَيْتَ فَأَمْضَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ أَوْ أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، وَإِنَّكَ إِنْ تُبْقِهِ عَلَى هَذَا الْيَوْمَ لَمْ تَعْدَمْ فِي غَدٍ مَنْ يَسْتَحِقُّ بِهِ مَا لَيْسَ لَهُ. فَقَالَ: صَدَقْتَنِي

стр. 1036

وَنَصَحْتَنِي، فَقَطَّعَهُ بَيْنَهُمْ، فَأَصَابَ عَلِيًّا قِطْعَةٌ مِنْهُ فَبَاعَهَا بِعِشْرِينَ أَلْفًا، وَمَا هِيَ بِأَجْوَدِ تِلْكَ الْقِطَعِ. وَكَانَ الَّذِي سَارَ بِالْأَخْمَاسِ بَشِيرُ بْنُ الْخَصَاصِيَّةِ، وَأَثْنَى النَّاسُ عَلَى أَهْلِ الْقَادِسِيَّةِ، فَقَالَ عُمَرُ: أُولَئِكَ أَعْيَانُ الْعَرَبِ. وَلَمَّا رَأَى عُمَرُ سَيْفَ النُّعْمَانِ سَأَلَ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ عَنْ نَسَبِ النُّعْمَانِ. فَقَالَ جُبَيْرٌ: كَانَتِ الْعَرَبُ تَنْسُبُهُ إِلَى أَشْلَاءِ قَنَصٍ، وَكَانَ أَحَدَ بَنِي عَجَمَ بْنِ قَنَصٍ، فَجَهِلَ النَّاسُ عَجَمَ فَقَالُوا لَخْمٌ، فَنَفَّلَهُ سَيْفَهُ. وَوَلَّى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ صَلَاةَ مَا غَلَبَ عَلَيْهِ وَحَرْبَهُ، وَوَلَّى الْخَرَاجَ النُّعْمَانَ وَسُوَيْدًا ابْنَيْ مُقَرِّنٍ، سُوَيْدًا عَلَى مَا سَقَتِ الْفُرَاتُ، وَالنُّعْمَانَ عَلَى مَا سَقَتْ دِجْلَةُ، ثُمَّ اسْتَعْفَيَا، فَوَلَّى عَمَلَهُمَا حُذَيْفَةَ بْنَ أَسِيدٍ وَجَابِرَ بْنَ عَمْرٍو الْمُزَنِيَّ، ثُمَّ وَلَّى عَمَلَهُمَا بَعْدُ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ وَعُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ. (حُذَيْفَةُ بْنُ أَسِيدٍ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَكَسْرِ السِّينِ) . [ذكر وَقْعَةِ جَلُولَاءَ وَفَتْحِ حُلْوَانَ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ وَقْعَةُ جَلُولَاءَ. وَسَبَبُهَا أَنَّ الْفُرْسَ لَمَّا انْتَهَوْا بَعْدَ الْهَرَبِ مِنَ الْمَدَائِنِ إِلَى جَلُولَاءَ، وَافْتَرَقَتِ الطُّرُقُ بِأَهْلِ أَذْرَبِيجَانَ وَالْبَابِ وَأَهْلِ الْجِبَالِ وَفَارِسَ قَالُوا: لَوِ افْتَرَقْتُمْ لَمْ تَجْتَمِعُوا أَبَدًا، وَهَذَا مَكَانٌ يُفَرِّقُ بَيْنَنَا، فَهَلُمُّوا فَلْنَجْتَمِعْ لِلْعَرَبِ بِهِ وَلْنُقَاتِلْهُمْ، فَإِنْ كَانَتْ لَنَا فَهُوَ الَّذِي نُحِبُّ، وَإِنْ كَانَتِ الْأُخْرَى كُنَّا قَدْ قَضَيْنَا الَّذِي عَلَيْنَا وَأَبْلَيْنَا عُذْرًا. فَاحْتَفَرُوا خَنْدَقًا، وَاجْتَمَعُوا فِيهِ عَلَى مِهْرَانَ الرَّازِيِّ، وَتَقَدَّمَ يَزْدَجِرْدُ إِلَى حُلْوَانَ، وَأَحَاطُوا خَنْدَقَهُمْ بِحَسَكِ الْحَدِيدِ إِلَّا طُرُقَهُمْ. فَبَلَغَ ذَلِكَ سَعْدًا فَأَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: أَنْ سَرِّحْ هَاشِمَ بْنَ عُتْبَةَ إِلَى جَلُولَاءَ وَاجْعَلْ عَلَى مُقَدَّمَتِهِ الْقَعْقَاعَ بْنَ عَمْرٍو، وَإِنْ هَزَمَ اللَّهُ الْفُرْسَ فَاجْعَلِ الْقَعْقَاعَ بَيْنَ

стр. 1037

السَّوَادِ وَالْجَبَلِ، وَلْيَكُنِ الْجُنْدُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا. فَفَعَلَ سَعْدٌ ذَلِكَ، وَسَارَ هَاشِمٌ مِنَ الْمَدَائِنِ بَعْدَ قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، مِنْهُمْ وُجُوهُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَأَعْلَامُ الْعَرَبِ مِمَّنْ كَانَ ارْتَدَّ وَمَنْ لَمْ يَرْتَدَّ، فَسَارَ مِنَ الْمَدَائِنِ فَمَرَّ بِبَابِلَ مَهْرُوذَ، فَصَالَحَهُ دِهْقَانُهَا عَلَى أَنْ يَفْرِشَ لَهُ جَرِيبَ الْأَرْضِ دَرَاهِمَ فَفَعَلَ وَصَالَحَهُ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى قَدِمَ جَلُولَاءَ، فَحَاصَرَهُمْ فِي خَنَادِقِهِمْ وَأَحَاطَ بِهِمْ، وَطَاوَلَهُمُ الْفُرْسُ وَجَعَلُوا لَا يَخْرُجُونَ إِلَّا إِذَا أَرَادُوا، وَزَاحَفَهُمُ الْمُسْلِمُونَ نَحْوَ ثَمَانِينَ يَوْمًا، كُلُّ ذَلِكَ يُنْصَرُ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ، وَجَعَلَتِ الْأَمْدَادُ تَرِدُ مِنْ يَزْدَجِرْدَ إِلَى مِهْرَانَ، وَأَمَدَّ سَعْدٌ الْمُسْلِمِينَ، وَخَرَجَتِ الْفُرْسُ وَقَدِ احْتَفَلُوا، فَاقْتَتَلُوا، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرِّيحَ حَتَّى أَظْلَمَتْ عَلَيْهِمُ الْبِلَادُ فَتَحَاجَزُوا فَسَقَطَ فُرْسَانُهُمْ فِي الْخَنْدَقِ، فَجَعَلُوا فِيهِ طُرُقًا مِمَّا يَلِيهِمْ يَصْعَدُ مِنْهُ خَيْلُهُمْ، فَأَفْسَدُوا حِصْنَهُمْ. وَبَلَغَ ذَلِكَ الْمُسْلِمِينَ فَنَهَضُوا إِلَيْهِمْ وَقَاتَلُوهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا لَمْ يَقْتَتِلُوا مِثْلَهُ وَلَا لَيْلَةَ الْهَرِيرِ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ أَعْجَلَ. وَانْتَهَى الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي زَحَفَ فِيهِ إِلَى بَابِ خَنْدَقِهِمْ فَأَخَذَ بِهِ وَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، هَذَا أَمِيرُكُمْ قَدْ دَخَلَ الْخَنْدَقَ وَأَخَذَ بِهِ، فَأَقْبِلُوا إِلَيْهِ وَلَا يَمْنَعْكُمْ مَنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مِنْ دُخُولِهِ. وَإِنَّمَا أَمَرَ بِذَلِكَ لِيُقَوِّيَ الْمُسْلِمِينَ. فَحَمَلُوا وَلَا يَشُكُّونَ بِأَنَّ هَاشِمًا فِي الْخَنْدَقِ، فَإِذَا هُمْ بِالْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو وَقَدْ أَخَذَ بِهِ، فَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ عَنِ الْمَجَالِ يَمْنَةً وَيَسْرَةً، فَهَلَكُوا فِيمَا أَعَدُّوا مِنَ الْحَسَكِ، فَعُقِرَتْ دَوَابُّهُمْ وَعَادُوا رَجَّالَةً، وَاتَّبَعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ إِلَّا مَنْ لَا يُعَدُّ، وَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ مِنْهُمْ مِائَةُ أَلْفٍ، فَحَلَّلَتِ الْقَتْلَى الْمَجَالَ وَمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَمَا خَلْفَهُ، فَسُمِيَتْ جَلُولَاءَ بِمَا جَلَّلَهَا مِنْ قَتْلَاهُمْ، فَهِيَ جَلُولَاءُ الْوَقِيعَةِ. فَسَارَ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو فِي الطَّلَبِ حَتَّى بَلَغَ خَانِقِينَ. وَلَمَّا بَلَغَتِ الْهَزِيمَةُ يَزْدَجِرْدَ سَارَ مِنْ حُلْوَانَ نَحْوَ الرَّيِّ، وَقَدِمَ الْقَعْقَاعُ حُلْوَانَ فَنَزَلَهَا فِي جُنْدٍ مِنَ الْأَفْنَاءِ وَالْحَمْرَاءِ. وَكَانَ فَتْحُ جَلُولَاءَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ.

стр. 1038

وَلَمَّا سَارَ يَزْدَجِرْدُ عَنْ حُلْوَانَ اسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا خَشْرَشْنُومَ، فَلَمَّا وَصَلَ الْقَعْقَاعُ قَصْرَ شِيرِينَ خَرَجَ عَلَيْهِ خَشْرَشْنُومُ وَقَدِمَ إِلَيْهِ الزَّيْنَبِيُّ دِهْقَانُ حُلْوَانَ، فَلَقِيَهُ الْقَعْقَاعُ، فَقَتَلَ الزَّيْنَبِيَّ، وَهَرَبَ خَشْرَشْنُومُ، وَاسْتَوْلَى الْمُسْلِمُونَ عَلَى حُلْوَانَ، وَبَقِيَ الْقَعْقَاعُ بِهَا إِلَى أَنْ تَحَوَّلَ سَعْدٌ إِلَى الْكُوفَةِ، فَلَحِقَهُ الْقَعْقَاعُ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى حُلْوَانَ قُبَاذَ، وَكَانَ أَصْلُهُ خُرَسَانِيًّا. وَكَتَبُوا إِلَى عُمَرَ بِالْفَتْحِ وَبِنُزُولِ الْقَعْقَاعِ حُلْوَانَ، وَاسْتَأْذَنُوهُ فِي اتِّبَاعِهِمْ، فَأَبَى وَقَالَ: لَوَدِدْتُ أَنَّ بَيْنَ السَّوَادِ وَبَيْنَ الْجَبَلِ سَدًّا لَا يَخْلُصُونَ إِلَيْنَا وَلَا نَخْلُصُ إِلَيْهِمْ، حَسْبُنَا مِنَ الرِّيفِ السَّوَادَ، إِنِّي آثَرْتُ سَلَامَةَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْأَنْفَالِ. وَأَدْرَكَ الْقَعْقَاعُ فِي اتِّبَاعِهِ الْفُرْسَ مِهْرَانَ بِخَانِقِينَ فَقَتَلَهُ، وَأَدْرَكَ الْفَيْرُزَانَ فَنَزَلَ وَتَوَغَّلَ فِي الْجَبَلِ فَتَحَامَى، وَأَصَابَ الْقَعْقَاعُ سَبَايَا فَأَرْسَلَهُنَّ إِلَى هَاشِمٍ فَقَسَّمَهُنَّ، فَاتُّخِذْنَ فَوَلَدْنَ، وَمِمَّنْ يُنْسَبُ إِلَى ذَلِكَ السَّبْيِ أُمُّ الشَّعْبِيِّ. وَقُسِّمَتِ الْغَنِيمَةُ، وَأَصَابَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَوَارِسِ تِسْعَةَ آلَافٍ وَتِسْعَةً مِنَ الدَّوَابِّ. وَقِيلَ: إِنَّ الْغَنِيمَةَ كَانَتْ ثَلَاثِينَ أَلْفَ أَلْفٍ، فَقَسَّمَهَا سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَبَعَثَ سَعْدٌ بِالْأَخْمَاسِ إِلَى عُمَرَ، وَبَعَثَ الْحِسَابَ مَعَ زِيَادِ بْنِ أَبِيهِ، فَكَلَّمَ عُمَرَ فِيمَا جَاءَ لَهُ وَوَصَفَ لَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقُومَ فِي النَّاسِ بِمِثْلِ مَا كَلَّمْتَنِي بِهِ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا عَلَى الْأَرْضِ أَهْيَبُ فِي صَدْرِي مِنْكَ، فَكَيْفَ لَا أَقْوَى عَلَى هَذَا مِنْ غَيْرِكَ! فَقَامَ فِي النَّاسِ بِمَا أَصَابُوا وَمَا صَنَعُوا، وَبِمَا يَسْتَأْنِفُونَ مِنَ الِانْسِيَاحِ فِي الْبِلَادِ. فَقَالَ عُمَرُ: هَذَا الْخَطِيبُ الْمِصْقَعُ. فَقَالَ: إِنَّ جُنْدَنَا أَطْلَقُوا أَلْسِنَتَنَا. فَلَمَّا قَدِمَ الْخَمُسُ عَلَى عُمَرَ قَالَ: وَاللَّهِ لَا يُجِنُّهُ سَقْفٌ حَتَّى أُقَسِّمَهُ. فَبَاتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَرْقَمِ يَحْرُسَانِهِ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ فِي النَّاسِ فَكَشَفَ عَنْهُ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى يَاقُوتِهِ وَزَبَرْجَدِهِ وَجَوْهَرِهِ بَكَى، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: مَا يُبْكِيكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَوَاللَّهِ إِنَّ هَذَا لَمَوْطِنُ شُكْرٍ! . فَقَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ مَا ذَلِكَ يُبْكِينِي،

стр. 1039

وَبِاللَّهِ مَا أَعْطَى اللَّهُ هَذَا قَوْمًا إِلَّا تَحَاسَدُوا وَتَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا إِلَّا أَلْقَى اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ. وَمَنَعَ عُمَرُ مِنْ قِسْمَةِ السَّوَادِ، لِتَعَذُّرِ ذَلِكَ بِسَبَبِ الْآجَامِ وَالْغِيَاضِ وَمَغِيضِ الْمِيَاهِ، وَمَا كَانَ لِبُيُوتِ النَّارِ وَلِسِكَكِ الْبُرُدِ، وَمَا كَانَ لِكِسْرَى وَمَنْ جَامَعَهُ، وَمَا كَانَ لِمَنْ قُتِلَ وَالْأَرْحَاءِ ; وَخَافَ أَيْضًا الْفِتْنَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَمَنَعَ مِنْ بِيعِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُقَسَّمْ، وَأَقَرُّوهَا حَبِيسًا يُوَلُّونَهَا مَنْ أَجْمَعُوا عَلَيْهِ بِالرِّضَا، وَكَانُوا لَا يُجْمِعُونَ إِلَّا عَلَى الْأُمَرَاءِ، فَلَا يَحِلُّ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ أَرْضِ السَّوَادِ مَا بَيْنَ حُلْوَانَ وَالْقَادِسِيَّةِ، وَاشْتَرَى جَرِيرٌ أَرْضًا عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ، فَرَدَّ عُمَرُ ذَلِكَ الشِّرَاءَ وَكَرِهَهُ. [ذكر تَكْرِيتَ وَالْمَوْصِلِ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ فُتِحَتْ تَكْرِيتُ فِي جُمَادَى. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَنْطَاقَ سَارَ مِنَ الْمَوْصِلِ إِلَى تَكْرِيتَ، وَخَنْدَقَ عَلَيْهِ لِيَحْمِيَ أَرْضَهُ وَمَعَهُ الرُّومُ وَإِيَادُ وَتَغْلِبُ وَالنَّمِرُ وَالشَّهَارِجَةُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ سَعْدًا فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: أَنْ سَرِّحْ إِلَيْهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُعْتَمِّ، وَاسْتَعْمِلْ عَلَى مُقَدَّمَتِهِ رِبْعِيَّ بْنَ الْأَفْكَلِ، وَعَلَى الْخَيْلِ عَرْفَجَةَ بْنَ هَرْثَمَةَ. فَسَارَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى تَكْرِيتَ وَنَزَلَ عَلَى الْأَنْطَاقِ، فَحَصَرَهُ وَمَنْ مَعَهُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَتَزَاحَفُوا أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ زَحْفًا، وَكَانُوا أَهْوَنَ شَوْكَةً مِنْ أَهْلِ جَلُولَاءَ، وَأَرْسَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَمِّ إِلَى الْعَرَبِ الَّذِينَ مَعَ الْأَنْطَاقِ يَدْعُوهُمْ إِلَى نُصْرَتِهِ، وَكَانُوا لَا يُخْفُونَ عَلَيْهِ شَيْئًا. وَلَمَّا رَأَتِ الرُّومُ الْمُسْلِمِينَ ظَاهِرِينَ عَلَيْهِمْ تَرَكُوا أُمَرَاءَهُمْ وَنَقَلُوا مَتَاعَهُمْ إِلَى السُّفُنِ، فَأَرْسَلَتْ تَغْلِبُ وَإِيَادٌ وَالنَّمِرُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بِالْخَبَرِ، وَسَأَلُوهُ الْأَمَانَ وَأَعْلَمُوهُ أَنَّهُمْ مَعَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ: إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَأَسْلِمُوا. فَأَجَابُوهُ وَأَسْلَمُوا. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ: إِذَا سَمِعْتُمْ تَكْبِيرَنَا فَاعْلَمُوا أَنَّا أَخَذْنَا أَبْوَابَ الْخَنْدَقِ، فَخُذُوا الْأَبْوَابَ الَّتِي تَلِي دِجْلَةَ وَكَبِّرُوا وَاقْتُلُوا مَنْ قَدَرْتُمْ عَلَيْهِ. وَنَهَدَ عَبْدُ اللَّهِ وَالْمُسْلِمُونَ وَكَبَّرُوا وَكَبَّرَتْ تَغْلِبُ وَإِيَادٌ وَالنَّمِرُ وَأَخَذُوا الْأَبْوَابَ،

стр. 1040

فَظَنَّ الرُّومُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ أَتَوْهُمْ مِنْ خَلْفِهِمْ مِمَّا يَلِي دِجْلَةَ، فَقَصَدُوا الْأَبْوَابَ الَّتِي عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ، فَأَخَذَتْهُمْ سُيُوفُ الْمُسْلِمِينَ وَسُيُوفُ الرِّبْعِيِّينَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْ أَهْلِ الْخَنْدَقِ إِلَّا مَنْ أَسْلَمَ مِنْ تَغْلِبَ وَإِيَادٍ وَالنَّمِرِ. وَأَرْسَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَمِّ رِبْعِيَّ بْنَ الْأَفْكَلِ إِلَى الْحِصْنَيْنِ، وَهُمَا نِيْنَوَى وَالْمَوْصِلُ، تُسَمَّى نِيْنَوَى الْحِصْنَ الشَّرْقِيَّ وَتُسَمَّى الْمَوْصِلُ الْحِصْنَ الْغَرْبِيَّ، وَقَالَ: اسْبِقِ الْخَبَرَ، وَسَرِّحْ مَعَهُ تَغْلِبَ وَإِيَادًا وَالنَّمِرَ. فَقَدَّمَهُمُ ابْنُ الْأَفْكَلِ إِلَى الْحِصْنَيْنِ، فَسَبَقُوا الْخَبَرَ، وَأَظْهَرُوا الظَّفَرَ وَالْغَنِيمَةَ وَبَشَّرُوهُمْ وَوَقَفُوا بِالْأَبْوَابِ، وَأَقْبَلَ ابْنُ الْأَفْكَلِ فَاقْتَحَمَ عَلَيْهِمُ الْحِصْنَيْنِ وَكَلَّبُوا أَبْوَابَهُمَا، فَنَادَوْا بِالْإِجَابَةِ إِلَى الصُّلْحِ وَصَارُوا ذِمَّةً. وَقَسَّمُوا الْغَنِيمَةَ فَكَانَ سَهْمُ الْفَارِسِ ثَلَاثَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَسَهْمُ الرَّاجِلِ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَبَعَثُوا بِالْأَخْمَاسِ إِلَى عُمَرَ، وَوَلَّى حَرْبَ الْمَوْصِلِ رِبْعِيَّ بْنَ الْأَفْكَلِ، وَالْخَرَاجَ عَرْفَجَةَ بْنَ هَرْثَمَةَ. وَقِيلَ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اسْتَعْمَلَ عُتْبَةَ بْنَ فَرْقَدٍ عَلَى قَصْدِ الْمَوْصِلِ، وَفَتْحِهَا سَنَةَ عِشْرِينَ، فَأَتَاهَا فَقَاتَلَهُ أَهْلُ نِيْنَوَى، فَأَخَذَ حِصْنَهَا، وَهُوَ الشَّرْقِيُّ، عَنْوَةً، وَعَبَرَ دِجْلَةَ، فَصَالَحَهُ أَهْلُ الْحِصْنِ الْغَرْبِيِّ، وَهُوَ الْمَوْصِلُ، عَلَى الْجِزْيَةِ، ثُمَّ فَتَحَ الْمَرْجَ وَبَانْهَذْرَا، وَبَاعَذْرَا وَدَاسِنْ وَجَمِيعَ مَعَاقِلِ الْأَكْرَادِ وَقَرْدَى وَبَازَبْدَى وَجَمِيعَ أَعْمَالِ الْمَوْصِلِ فَصَارَتْ لِلْمُسْلِمِينَ. وَقِيلَ: إِنَّ عِيَاضَ بْنَ غَنْمٍ لَمَّا فَتَحَ بَلَدًا، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، أَتَى الْمَوْصِلَ فَفَتَحَ أَحَدَ الْحِصْنَيْنِ وَبَعَثَ عُتْبَةَ بْنَ فَرْقَدٍ إِلَى الْحِصْنِ الْآخَرِ فَفَتَحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (الْمُعْتَمُّ بِضَمِّ الْمِيمِ، وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَآخِرُهُ مِيمٌ مُشَدَّدَةٌ) . ذِكْرُ فَتْحِ مَاسَبَذَانَ

стр. 1041

وَلَمَّا رَجَعَ هَاشِمٌ مِنْ جَلُولَاءَ إِلَى الْمَدَائِنِ بَلَغَ سَعْدًا أَنَّ آذِينَ بْنَ الْهُرْمُزَانِ قَدْ جَمَعَ جَمْعًا وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى السَّهْلِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ ضِرَارَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي جَيْشٍ، فَالْتَقَوْا بِسَهْلِ مَاسَبَذَانَ فَاقْتَتَلُوا، فَأَسْرَعَ الْمُسْلِمُونَ فِي الْمُشْرِكِينَ وَأَخَذَ ضِرَارٌ آذِينَ أَسِيرًا فَضَرَبَ رَقَبَتَهُ. ثُمَّ خَرَجَ فِي الطَّلَبِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى السَّيْرَوَانِ، فَأَخَذَ مَاسَبَذَانَ عَنْوَةً، فَهَرَبَ أَهْلُهَا فِي الْجِبَالِ، فَدَعَاهُمْ فَاسْتَجَابُوا لَهُ، وَأَقَامَ بِهَا حَتَّى تَحَوَّلَ سَعْدٌ إِلَى الْكُوفَةِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَنَزَلَ الْكُوفَةَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى مَاسَبَذَانَ ابْنَ الْهُذَيْلِ الْأَسَدِيَّ، فَكَانَتْ أَحَدَ فُرُوجِ الْكُوفَةِ. وَقِيلَ: إِنَّ فَتْحَهَا كَانَ بَعْدَ وَقْعَةِ نَهَاوَنْدَ. ذكر فَتْحِ قَرْقِيسِيَا وَلَمَّا رَجَعَ هَاشِمٌ مِنْ جَلُولَاءَ إِلَى الْمَدَائِنِ، وَقَدِ اجْتَمَعَتْ جُمُوعُ أَهْلِ الْجَزِيرَةِ، فَأَمَدُّوا هِرَقْلَ عَلَى أَهْلِ حِمْصَ، وَبَعَثُوا جُنْدًا إِلَى أَهْلِ هِيتَ، أَرْسَلَ سَعْدٌ عُمَرَ بْنَ مَالِكِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ فِي جُنْدٍ، وَجَعَلَ عَلَى مُقَدَّمَتِهِ الْحَارِثَ بْنَ يَزِيدَ الْعَامِرِيَّ، فَخَرَجَ عُمَرُ بْنُ مَالِكٍ فِي جُنْدِهِ نَحْوَ هِيتَ، فَنَازَلَ مَنْ بِهَا وَقَدْ خَنْدَقُوا عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ بْنُ مَالِكٍ اعْتِصَامَهُمْ بِخَنْدَقِهِمْ تَرَكَ الْأَخْبِيَةَ عَلَى حَالِهَا، وَخَلَّفَ عَلَيْهِمُ الْحَارِثَ بْنَ يَزِيدَ يُحَاصِرُهُمْ، وَخَرَجَ فِي نِصْفِ النَّاسِ، فَجَاءَ قَرْقِيسِيَا عَلَى غِرَّةٍ، فَأَخَذَهَا عَنْوَةً، فَأَجَابُوا إِلَى الْجِزْيَةِ، وَكَتَبَ إِلَى الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ: إِنْ هُمُ اسْتَجَابُوا فَخَلِّ عَنْهُمْ فَلْيَخْرُجُوا، وَإِلَّا فَخَنْدِقْ عَلَى خَنْدَقِهِمْ خَنْدَقًا بِأَبْوَابِهِ، مِمَّا يَلِيكَ، حَتَّى أَرَى رَأْيِي. فَرَاسَلَهُمُ الْحَارِثُ، فَأَجَابُوا إِلَى الْعَوْدِ إِلَى بِلَادِهِمْ، فَتَرَكَهُمْ وَسَارَ الْحَارِثُ إِلَى عُمَرَ بْنِ مَالِكٍ.

стр. 1042

وَفِيهَا غَرَّبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَبَا مِحْجَنٍ الثَّقَفِيَّ إِلَى بَاضِعٍ. وَفِيهَا تَزَوَّجَ ابْنُ عُمَرَ صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ أُخْتَ الْمُخْتَارِ. وَفِيهَا حَمَى عُمَرُ الرَّبَذَةَ لِخَيْلِ الْمُسْلِمِينَ. وَفِيهَا مَاتَتْ مَارِيَةُ أُمُّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصَلَّى عَلَيْهَا عُمَرُ وَدَفَنَهَا بِالْبَقِيعِ فِي الْمُحَرَّمِ. وَفِيهَا كَتَبَ عُمَرُ التَّارِيخَ بِمَشُورَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ. وَكَانَ عُمَّالُهُ عَلَى الْبِلَادِ الَّذِينَ كَانُوا فِي السَّنَةِ قَبْلَهَا، وَكَانَ عَلَى حَرْبِ الْمَوْصِلِ رِبْعِيُّ بْنُ الْأَفْكَلِ، وَعَلَى خَرَاجِهَا عَرْفَجَةُ بْنُ هَرْثَمَةَ، وَقِيلَ: كَانَ عَلَى الْحَرْبِ وَالْخَرَاجِ بِهَا عُتْبَةُ بْنُ فَرْقَدٍ، وَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُعْتَمِّ. وَعَلَى الْجَزِيرَةِ عِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ.

стр. 1043

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ] [ ذكر بِنَاءِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ] ١٧ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ ذكر بِنَاءِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ اخْتُطَّتِ الْكُوفَةُ، وَتَحَوَّلَ سَعْدٌ إِلَيْهَا مِنَ الْمَدَائِنِ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ سَعْدًا أَرْسَلَ وَفْدًا إِلَى عُمَرَ بِهَذِهِ الْفُتُوحِ الْمَذْكُورَةِ، فَلَمَّا رَآهُمْ عُمَرُ سَأَلَهُمْ عَنْ تَغَيُّرِ أَلْوَانِهِمْ وَحَالِهِمْ، فَقَالُوا: وُخُومَةُ الْبِلَادِ غَيَّرَتْنَا فَأَمَرَهُمْ عُمَرُ أَنْ يَرْتَادُوا مَنْزِلًا يَنْزِلَهُ النَّاسُ، وَكَانَ قَدْ حَضَرَ مَعَ الْوَفْدِ نَفَرٌ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ لِيُعَاقِدُوا عُمَرَ عَلَى قَوْمِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ عُمَرُ: أُعَاقِدُهُمْ عَلَى أَنَّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْكُمْ كَانَ لَهُ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْهِمْ، وَمَنْ أَبَى فَعَلَيْهِ الْجِزْيَةُ. فَقَالُوا: إِذَنْ يَهْرُبُونَ وَيَصِيرُونَ عَجَمًا، وَبَذَلُوا لَهُ الصَّدَقَةَ، فَأَبَى، فَجَعَلُوا جِزْيَتَهُمْ مِثْلَ صَدَقَةِ الْمُسْلِمِ، فَأَجَابَهُمْ عَلَى أَنْ لَا يُنَصِّرُوا وَلِيدًا، فَهَاجَرَ هَؤُلَاءِ التَّغْلِبِيُّونَ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ مِنَ النَّمِرِ وَإِيَادٍ إِلَى سَعْدٍ بِالْمَدَائِنِ، وَنَزَلُوا بِالْمَدَائِنِ وَنَزَلُوا مَعَهُ بَعْدُ بِالْكُوفَةَ. وَقِيلَ: بَلْ كَتَبَ حُذَيْفَةُ إِلَى عُمَرَ: إِنَّ الْعَرَبَ قَدْ رَقَّتْ بُطُونُهَا، وَجَفَّتْ أَعْضَادُهَا وَتَغَيَّرَتْ أَلْوَانُهَا. وَكَانَ مَعَ سَعْدٍ فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى سَعْدٍ: أَخْبِرْنِي مَا الَّذِي غَيَّرَ أَلْوَانَ الْعَرَبِ وَلُحُومَهُمْ؟ فَكَتَبَ إِلَيْهِ سَعْدٌ: إِنَّ الَّذِي غَيَّرَهُمْ وُخُومَةُ الْبِلَادِ، وَإِنَّ الْعَرَبَ لَا يُوَافِقُهَا إِلَّا مَا وَافَقَ إِبِلَهَا مِنَ الْبُلْدَانِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: أَنِ ابْعَثْ سَلْمَانَ وَحُذَيْفَةَ رَائِدَيْنِ فَلْيَرْتَادَا مَنْزِلًا بَرِّيًّا بَحْرِيًّا لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ فِيهِ بَحْرٌ وَلَا جِسْرٌ. فَأَرْسَلَهُمَا سَعْدٌ، فَخَرَجَ سَلْمَانُ حَتَّى يَأْتِيَ الْأَنْبَارَ فَسَارَ فِي غَرْبَيِّ الْفُرَاتِ لَا يَرْضَى شَيْئًا حَتَّى أَتَى الْكُوفَةَ، وَسَارَ

стр. 1044

حُذَيْفَةُ فِي شَرْقَيِّ الْفُرَاتِ لَا يَرْضَى شَيْئًا حَتَّى أَتَى الْكُوفَةَ، وَكُلُّ رَمْلٍ وَحَصْبَاءَ مُخْتَلِطَيْنِ فَهُوَ كُوفَةٌ، فَأَتَيَا عَلَيْهَا وَفِيهَا دِيرَاتٌ ثَلَاثَةٌ: دَيْرُ حُرْمَةَ، وَدَيْرُ أُمِّ عَمْرٍو، وَدَيْرُ سِلْسِلَةَ، وَخِصَاصٌ خِلَالَ ذَلِكَ، فَأَعْجَبَتْهُمَا الْبُقْعَةُ فَنَزَلَا فَصَلَّيَا وَدَعَوُا اللَّهَ - تَعَالَى - أَنْ يَجْعَلَهَا مَنْزِلَ الثَّبَاتِ. فَلَمَّا رَجَعَا إِلَى سَعْدٍ بِالْخَبَرِ وَقَدِمَ كِتَابُ عُمَرَ إِلَيْهِ أَيْضًا كَتَبَ سَعْدٌ إِلَى الْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُعْتَمِّ أَنْ يَسْتَخْلِفَا عَلَى جُنْدِهِمَا وَيَحْضُرَا عِنْدَهُ، فَفَعَلَا. فَارْتَحَلَ سَعْدٌ مِنَ الْمَدَائِنِ حَتَّى نَزَلَ الْكُوفَةَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ، وَكَانَ بَيْنَ نُزُولِ الْكُوفَةِ وَوَقْعَةِ الْقَادِسِيَّةِ سَنَةٌ وَشَهْرَانِ، وَكَانَ فِيمَا بَيْنَ قِيَامِ عُمَرَ وَاخْتِطَاطِ الْكُوفَةِ ثَلَاثُ سِنِينَ وَثَمَانِيَةُ أَشْهُرٍ. وَلَمَّا نَزَلَهَا سَعْدٌ وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ: إِنِّي قَدْ نَزَلْتُ بِالْكُوفَةِ مَنْزِلًا فِيمَا بَيْنَ الْحِيرَةِ وَالْفُرَاتِ بَرِّيًّا وَبَحْرِيًّا يُنْبِتُ الْحَلْفَاءَ وَالنَّصِّيَّ، وَخَيَّرْتُ الْمُسْلِمِينَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدَائِنِ فَمَنْ أَعْجَبَهُ الْمُقَامُ بِالْمَدَائِنِ تَرَكْتُهُ فِيهَا كَالْمَسْلَحَةِ. وَلَمَّا اسْتَقَرُّوا بِهَا عَرَفُوا أَنْفُسَهُمْ وَرَجَعَ إِلَيْهِمْ مَا كَانُوا فَقَدُوا مِنْ قُوَّتِهِمْ، وَاسْتَأْذَنَ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي بُنْيَانِ الْقَصَبِ، وَاسْتَأْذَنَ فِيهِ أَهْلُ الْبَصْرَةِ أَيْضًا، وَاسْتَقَرَّ مَنْزِلُهُمْ فِيهَا فِي الشَّهْرِ الَّذِي نَزَلَ أَهْلُ الْكُوفَةِ بَعْدَ ثَلَاثِ نَزَلَاتٍ قَبْلَهَا. فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ: إِنَّ الْعَسْكَرَ أَشَدُّ لِحَرْبِكُمْ وَأَذْكَرُ لَكُمْ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ أُخَالِفَكُمْ. فَابْتَنَى أَهْلُ الْمِصْرَيْنِ بِالْقَصَبِ. ثُمَّ إِنَّ الْحَرِيقَ وَقَعَ فِي الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ، وَكَانَتِ الْكُوفَةُ أَشَدَّ حَرِيقًا فِي شَوَّالٍ، فَبَعَثَ سَعْدٌ نَفَرًا مِنْهُمْ إِلَى عُمَرَ يَسْتَأْذِنُونَهُ فِي الْبُنْيَانِ بِاللَّبِنِ، فَقَدِمُوا عَلَيْهِ بِخَبَرِ الْحَرِيقِ

стр. 1045

وَاسْتِئْذَانِهِ أَيْضًا، فَقَالَ: افْعَلُوا وَلَا يَزِيدَنَّ أَحَدُكُمْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَبْيَاتٍ، وَلَا تَطَاوَلُوا فِي الْبُنْيَانِ، وَالْزَمُوا السُّنَّةَ تَلْزَمْكُمُ الدَّوْلَةُ. فَرَجَعَ الْقَوْمُ إِلَى الْكُوفَةِ بِذَلِكَ، وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى الْبَصْرَةِ بِمِثْلِ ذَلِكَ. وَكَانَ عَلَى تَنْزِيلِ الْكُوفَةِ أَبُو هَيَّاجِ بْنُ مَالِكٍ، وَعَلَى تَنْزِيلِ الْبَصْرَةِ عَاصِمُ بْنُ دُلَفٍ أَبُو الْجَرْبَاءِ، وَقَدَّرَ الْمَنَاهِجَ أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا، وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ عِشْرِينَ ذِرَاعًا، وَالْأَزِقَّةَ سَبْعَ أَذْرُعٍ، وَالْقَطَائِعَ سِتِّينَ ذِرَاعًا، وَأَوَّلُ شَيْءٍ خُطَّ فِيهِمَا وَبُنِيَ مَسْجِدَاهُمَا، وَقَامَ فِي وَسَطِهِمَا رَجُلٌ شَدِيدُ النَّزْعِ، فَرَمَى فِي كُلِّ جِهَةٍ بِسَهْمٍ، وَأَمَرَ أَنْ يُبْنَى مَا وَرَاءَ ذَلِكَ، وَبَنَى ظُلَّةً فِي مُقَدِّمَةِ مَسْجِدِ الْكُوفَةِ عَلَى أَسَاطِينَ رُخَامٍ مِنْ بِنَاءِ الْأَكَاسِرَةِ فِي الْحِيرَةِ، وَجَعَلُوا عَلَى الصَّحْنِ خَنْدَقًا لِئَلَّا يَقْتَحِمَهُ أَحَدٌ بِبُنْيَانٍ، وَبَنَوْا لِسَعْدٍ دَارًا بِحِيَالِهِ، وَهِيَ قَصْرُ الْكُوفَةِ الْيَوْمَ، بَنَاهُ رَوْزَبَهْ مِنْ آجُرِّ بُنْيَانِ الْأَكَاسِرَةِ بِالْحِيرَةِ، وَجَعَلَ الْأَسْوَاقَ عَلَى شِبْهِ الْمَسَاجِدِ مَنْ سَبَقَ إِلَى مَقْعَدٍ فَهُوَ لَهُ، حَتَّى يَقُومَ مِنْهُ إِلَى بَيْتِهِ أَوْ يَفْرَغَ مِنْ بَيْعِهِ. وَبَلَغَ عُمَرُ أَنَّ سَعْدًا قَالَ وَقَدْ سَمِعَ أَصْوَاتَ النَّاسِ مِنَ الْأَسْوَاقِ: سَكِّنُوا عَنِّي الصُّوَيْتَ، وَأَنَّ النَّاسَ يُسَمُّونَهُ قَصْرَ سَعْدٍ، فَبَعَثَ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ إِلَى الْكُوفَةِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَخْرِقَ بَابَ الْقَصْرِ ثُمَّ يَرْجِعَ، فَفَعَلَ، فَبَلَغَ سَعْدًا ذَلِكَ فَقَالَ: هَذَا رَسُولٌ أُرْسِلَ لِهَذَا، فَاسْتَدْعَاهُ سَعْدٌ، فَأَبَى أَنْ يَدْخُلَ إِلَيْهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِ سَعْدٌ وَعَرَضَ عَلَيْهِ نَفَقَتَهُ، فَلَمْ يَأْخُذْ، وَأَبْلَغَهُ كِتَابَ عُمَرَ إِلَيْهِ: بَلَغَنِي أَنَّكَ اتَّخَذْتَ قَصْرًا جَعَلْتَهُ حِصْنًا، وَيُسَمَّى قَصْرَ سَعْدٍ بَيْنَكَ وَبَيْنَ النَّاسِ بَابٌ فَلَيْسَ بِقَصْرِكَ وَلَكِنَّهُ قَصْرُ الْخَبَالِ، انْزِلْ مِنْهُ [مَنْزِلًا] مِمَّا يَلِي بُيُوتَ الْأَمْوَالِ، وَأَغْلِقْهُ وَلَا تَجْعَلْ عَلَى الْقَصْرِ بَابًا يَمْنَعُ النَّاسَ مِنْ دُخُولِهِ. فَحَلَفَ لَهُ سَعْدٌ مَا قَالَ الَّذِي قَالُوا، فَرَجَعَ مُحَمَّدٌ فَأَبْلَغَ عُمَرَ قَوْلَ سَعْدٍ، فَصَدَّقَهُ. وَكَانَتْ ثُغُورُ الْكُوفَةِ أَرْبَعَةً: حُلْوَانَ وَعَلَيْهَا الْقَعْقَاعُ، وَمَاسَبَذَانَ وَعَلَيْهَا ضِرَارُ بْنُ

стр. 1046

الْخَطَّابِ، وَقَرْقِيسِيَا وَعَلَيْهَا عُمَرُ بْنُ مَالِكٍ، أَوْ عَمْرُو بْنُ عُتْبَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، وَالْمَوْصِلَ وَعَلَيْهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَمِّ، وَكَانَ بِهَا خُلَفَاؤُهُمْ إِذَا غَابُوا عَنْهَا. وَوَلِيَ سَعْدٌ الْكُوفَةَ بَعْدَمَا اخْتُطَّتْ ثَلَاثَ سِنِينَ وَنِصْفًا سِوَى مَا كَانَ بِالْمَدَائِنِ قَبْلَهَا. [ذكر خَبَرِ حِمْصَ حِينَ قَصَدَ هِرَقْلُ مَنْ بِهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قَصَدَ الرُّومُ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِحِمْصَ، وَكَانَ الْمُهَيِّجُ لِلرُّومِ أَهْلَ الْجَزِيرَةِ، فَإِنَّهُمْ أَرْسَلُوا إِلَى مَلِكِهِمْ وَبَعَثُوهُ عَلَى إِرْسَالِ الْجُنُودِ إِلَى الشَّامِ، وَوَعَدُوا مِنْ أَنْفُسِهِمُ الْمُعَاوَنَةَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ. فَلَمَّا سَمِعَ الْمُسْلِمُونَ بِاجْتِمَاعِهِمْ ضَمَّ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَيْهِ مَسَالِحَهُمْ، وَعَسْكَرَ بِفِنَاءِ مَدِينَةِ حِمْصَ، وَأَقْبَلَ خَالِدٌ مِنْ قِنَّسْرِينَ إِلَيْهِمْ، فَاسْتَشَارَهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي الْمُنَاجَزَةِ أَوِ التَّحْصِينِ إِلَى مَجِيءِ الْغِيَاثِ، فَأَشَارَ خَالِدٌ بِالْمُنَاجَزَةِ، وَأَشَارَ سَائِرُهُمْ بِالتَّحْصِينِ وَمُكَاتَبَةِ عُمَرَ، فَأَطَاعَهُمْ وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بِذَلِكَ، وَكَانَ عُمَرُ قَدِ اتَّخَذَ فِي كُلِّ مِصْرٍ خُيُولًا عَلَى قَدْرِهِ مِنْ فُضُولِ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ عُدَّةً لِكَوْنٍ إِنْ كَانَ، فَكَانَ بِالْكُوفَةِ مِنْ ذَلِكَ أَرْبَعَةُ آلَافِ فَرَسٍ، وَكَانَ الْقَيِّمَ عَلَيْهَا سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ الْبَاهِلِيُّ وَنَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَفِي كُلِّ مِصْرٍ مِنَ الْأَمْصَارِ الثَّمَانِيَةِ عَلَى قَدْرِهِ، فَإِنْ تَأْتِهِمْ آتِيَةٌ رَكِبَهَا النَّاسُ وَسَارُوا إِلَى أَنْ يَتَجَهَّزَ النَّاسُ. فَلَمَّا سَمِعَ عُمَرُ الْخَبَرَ كَتَبَ إِلَى سَعْدٍ: أَنِ انْدِبِ النَّاسَ مَعَ الْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو وَسَرِّحْهُمْ مِنْ يَوْمِهِمْ، فَإِنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدْ أُحِيطَ بِهِ. وَكَتَبَ إِلَيْهِ أَيْضًا: سَرِّحْ سُهَيْلَ بْنَ عَدِيٍّ إِلَى الرَّقَّةِ، فَإِنَّ أَهْلَ الْجِزْيَةِ هُمُ الَّذِينَ اسْتَثَارُوا الرُّومَ عَلَى أَهْلِ حِمْصَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُسَرِّحَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عِتْبَانَ إِلَى نَصِيبِينَ، ثُمَّ لِيَقْصِدْ حَرَّانَ وَالرُّهَاءَ، وَأَنْ يُسَرِّحَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ عَلَى عَرَبِ الْجَزِيرَةِ مِنْ رَبِيعَةَ وَتَنُوخَ، وَأَنْ يُسَرِّحَ عِيَاضَ بْنَ غَنْمٍ، فَإِنْ كَانَ قِتَالٌ فَأَمْرُهُمْ إِلَى عِيَاضٍ. فَمَضَى الْقَعْقَاعُ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ مِنْ يَوْمِهِمْ إِلَى حِمْصَ، وَخَرَجَ عِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ

стр. 1047

وَأُمَرَاءُ الْجَزِيرَةِ، وَأَخَذُوا طَرِيقَ الْجَزِيرَةِ، وَتَوَجَّهَ كُلُّ أَمِيرٍ إِلَى الْكُورَةِ الَّتِي أُمِّرَ عَلَيْهَا، وَخَرَجَ عُمَرُ مِنَ الْمَدِينَةِ فَأَتَى الْجَابِيَةَ لِأَبِي عُبَيْدَةَ مُغِيثًا يُرِيدُ حِمْصَ. وَلَمَّا بَلَغَ أَهْلَ الْجَزِيرَةِ الَّذِينَ أَعَانُوا الرُّومَ عَلَى أَهْلِ حِمْصَ، وَهُمْ مَعَهُمْ، خَبَرُ الْجُنُودِ الْإِسْلَامِيَّةِ تَفَرَّقُوا إِلَى بِلَادِهِمْ، وَفَارَقُوا الرُّومَ، فَلَمَّا فَارَقُوهُمُ اسْتَشَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ خَالِدًا فِي الْخُرُوجِ إِلَى الرُّومِ، فَأَشَارَ بِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَاتَلَهُمْ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَقَدِمَ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو بَعْدَ الْوَقْعَةِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَكَتَبُوا إِلَى عُمَرَ بِالْفَتْحِ وَبِقُدُومِ الْمَدَدِ عَلَيْهِمْ وَالْحُكْمِ فِي ذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ: أَنْ أَشْرِكُوهُمْ فَإِنَّهُمْ نَفَرُوا إِلَيْكُمْ وَانْفَرَقَ لَهُمْ عَدُوُّكُمْ، وَقَالَ: جَزَى اللَّهُ أَهْلَ الْكُوفَةِ خَيْرًا، يَكْفُونَ حَوْزَتَهُمْ وَيَمُدُّونَ أَهْلَ الْأَمْصَارِ. فَلَمَّا فَرَغُوا رَجَعُوا. [ذكر فَتْحِ الْجَزِيرَةِ وَأَرْمِينِيَّةَ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ فُتِحَتِ الْجَزِيرَةُ. قَدْ ذَكَرْنَا إِرْسَالَ سَعْدٍ الْعَسَاكِرَ إِلَى الْجَزِيرَةِ، فَخَرَجَ عِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ وَمَنْ مَعَهُ، فَأَرْسَلَ سُهَيْلَ بْنَ عَدِيٍّ إِلَى الرَّقَّةِ وَقَدِ ارْفَضَّ أَهْلُ الْجَزِيرَةِ عَنْ حِمْصَ إِلَى كُوَرِهِمْ، حِينَ سَمِعُوا بِأَهْلِ الْكُوفَةِ، فَنَزَلَ عَلَيْهِمْ فَأَقَامَ يُحَاصِرُهُمْ حَتَّى صَالَحُوهُ، فَبَعَثُوا فِي ذَلِكَ إِلَى عِيَاضٍ وَهُوَ فِي مَنْزِلٍ وَسَطٍ بَيْنَ الْجَزِيرَةِ، فَقَبِلَ مِنْهُمْ وَصَالَحَهُمْ، وَصَارُوا ذِمَّةً، وَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِتْبَانَ عَلَى الْمَوْصِلِ إِلَى نَصِيبِينَ، فَلَقُوهُ بِالصُّلْحِ، وَصَنَعُوا كَصُنْعِ أَهْلِ الرَّقَّةِ، فَكَتَبُوا إِلَى عِيَاضٍ فَقَبِلَ مِنْهُمْ وَعَقَدَ لَهُمْ. وَخَرَجَ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ فَقَدِمَ عَلَى عَرَبِ الْجَزِيرَةِ، فَنَهَضَ مَعَهُ مُسْلِمُهُمْ وَكَافِرُهُمْ، إِلَّا إِيَادَ بْنَ نِزَارٍ، فَإِنَّهُمْ دَخَلُوا أَرْضَ الرُّومِ، فَكَتَبَ الْوَلِيدُ بِذَلِكَ إِلَى عُمَرَ. وَلَمَّا أَخَذُوا الرَّقَّةَ وَنَصِيبِينَ ضَمَّ عِيَاضٌ إِلَيْهِ سُهَيْلًا وَعَبْدَ اللَّهِ، وَسَارَ بِالنَّاسِ إِلَى حَرَّانَ، فَلَمَّا وَصَلَ أَجَابَهُ أَهْلُهَا إِلَى الْجِزْيَةِ فَقَبِلَ مِنْهُمْ. ثُمَّ إِنَّ عِيَاضًا سَرَّحَ سُهَيْلًا وَعَبْدَ اللَّهِ إِلَى الرُّهَاءِ فَأَجَابُوهُمَا إِلَى الْجِزْيَةِ، وَأَجْرَوْا كُلَّ مَا أَخَذُوهُ مِنَ الْجَزِيرَةِ عَنْوَةً مَجْرَى الذِّمَّةِ، فَكَانَتِ الْجَزِيرَةُ أَسْهَلَ الْبُلْدَانِ فَتْحًا. وَرَجَعَ سُهَيْلٌ وَعَبْدُ اللَّهِ إِلَى الْكُوفَةِ. وَكَتَبَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى عُمَرَ بَعْدَ انْصِرَافِهِ مِنْ

стр. 1048

الْجَابِيَةِ يَسْأَلُهُ أَنْ يَضُمَّ إِلَيْهِ عِيَاضَ بْنَ غَنْمٍ إِذَا أَخَذَ خَالِدًا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَصَرَفَهُ إِلَيْهِ، فَاسْتَعْمَلَ حَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ عَلَى عَجَمِ الْجَزِيرَةِ وَحَرْبِهَا، وَالْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ عَلَى عَرَبِهَا. فَلَمَّا قَدِمَ كِتَابُ الْوَلِيدِ عَلَى عُمَرَ بِمَنْ دَخَلَ الرُّومَ مِنَ الْعَرَبِ كَتَبَ عُمَرُ إِلَى مَلِكِ الرُّومِ: بَلَغَنِي أَنَّ حَيًّا مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ تَرَكَ دَارَنَا وَأَتَى دَارَكَ، فَوَاللَّهِ لَتُخْرِجَنَّهُ إِلَيْنَا أَوْ لَنُخْرِجَنَّ النَّصَارَى إِلَيْكَ. فَأَخْرَجَهُمْ مَلِكُ الرُّومِ، فَخَرَجَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ آلَافٍ وَتَفَرَّقَ بَقِيَّتُهُمْ فِي مَا يَلِي الشَّامَ وَالْجَزِيرَةَ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ، فَكُلُّ إِيَادِيٍّ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ مِنْ أُولَئِكَ الْأَرْبَعَةِ آلَافٍ. وَأَبَى الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ أَنْ يَقْبَلَ مِنْ تَغْلِبَ إِلَّا الْإِسْلَامَ، فَكَتَبَ فِيهِمْ إِلَى عُمَرَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: إِنَّمَا ذَلِكَ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ [فِيهَا] إِلَّا الْإِسْلَامُ، فَدَعْهُمْ عَلَى أَنْ لَا يُنَصِّرُوا وَلِيدًا وَلَا يَمْنَعُوا أَحَدًا مِنْهُمْ مِنَ الْإِسْلَامِ. وَكَانَ فِي تَغْلِبَ عِزٌّ وَامْتِنَاعٌ، فَهَمَّ بِهِمُ الْوَلِيدُ فَخَافَ عُمَرُ أَنْ يَسْطُوَ عَلَيْهِمْ فَعَزَلَهُ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ فُرَاتَ بْنَ حَيَّانَ وَهِنْدَ بْنَ عَمْرٍو الْجَمَلِيَّ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: إِنَّ فَتْحَ الْجَزِيرَةِ كَانَ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ، وَقَالَ: إِنَّ عُمَرَ كَتَبَ إِلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: إِذَا فَتَحَ اللَّهُ الشَّامَ وَالْعِرَاقَ فَابْعَثْ جُنْدًا إِلَى الْجَزِيرَةِ وَأَمِّرْ عَلَيْهِ خَالِدَ بْنَ عُرْفُطَةَ أَوْ هَاشِمَ بْنَ عُتْبَةَ أَوْ عِيَاضَ بْنَ غَنْمٍ. قَالَ سَعْدٌ: مَا أَخَّرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عِيَاضًا إِلَّا لِأَنَّ لَهُ فِيهِ هَوًى وَأَنَا مُوَلِّيهِ، فَبَعَثَهُ وَبَعَثَ مَعَهُ جَيْشًا فِيهِ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، وَابْنُهُ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ لَيْسَ لَهُ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، فَسَارَ عِيَاضٌ وَنَزَلَ بِجُنْدِهِ عَلَى الرُّهَاءِ، فَصَالَحَهُ أَهْلُهُ مُصَالَحَةَ حَرَّانَ، وَبَعَثَ أَبَا مُوسَى إِلَى نَصِيبِينَ فَافْتَتَحَهَا، وَسَارَ عِيَاضٌ بِنَفْسِهِ إِلَى دَارَا فَافْتَتَحَهَا، وَوَجَّهَ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ إِلَى أَرْمِينِيَّةَ الرَّابِعَةِ فَقَاتَلَ أَهْلَهَا، فَاسْتَشْهَدَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ، وَصَالَحَ أَهْلُهَا عُثْمَانَ عَلَى الْجِزْيَةِ. ثُمَّ كَانَ فَتْحُ قَيْسَارِيَّةَ مِنْ فِلَسْطِينَ وَهَرَبَ هِرَقْلُ. فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ تَكُونُ الْجَزِيرَةُ مِنْ فُتُوحِ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهَا مِنْ فُتُوحِ أَهْلِ الشَّامِ، فَإِنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ سَيَّرَ عِيَاضَ بْنَ غَنْمٍ إِلَى الْجَزِيرَةِ. وَقِيلَ: إِنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ لَمَّا تُوُفِّيَّ اسْتَخْلَفَ عِيَاضًا فَوَرَدَ عَلَيْهِ كِتَابُ عُمَرَ بِوِلَايَتِهِ حِمْصَ وَقِنَّسْرِينَ وَالْجَزِيرَةِ، فَسَارَ إِلَى الْجَزِيرَةِ سَنَةَ ثَمَانِي عَشْرَةَ لِلنِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فِي خَمْسَةِ آلَافٍ وَعَلَى مَيْمَنَتِهِ سَعِيدُ بْنُ عَامِرِ بْنِ حِذْيَمٍ الْجُمَحِيُّ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ صَفْوَانُ بْنُ

стр. 1049

الْمُعَطَّلِ، وَعَلَى مُقَدَّمَتِهِ هُبَيْرَةُ بْنُ مَسْرُوقٍ، فَانْتَهَتْ طَلِيعَةُ عِيَاضٍ إِلَى الرَّقَّةِ، فَأَغَارُوا عَلَى الْفَلَّاحِينَ وَحَصَرُوا الْمَدِينَةَ، وَبَثَّ عِيَاضٌ السَّرَايَا فَأَتَوْهُ بِالْأَسْرَى وَالْأَطْعِمَةِ، وَكَانَ حَصْرُهَا سِتَّةَ أَيَّامٍ، فَطَلَبَ أَهْلُهَا الصُّلْحَ، فَصَالَحَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَذَرَارِيهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَمَدِينَتِهِمْ، وَقَالَ عِيَاضٌ: الْأَرْضُ لَنَا قَدْ وَطِئْنَاهَا وَمَلَكْنَاهَا، فَأَقَرَّهَا فِي أَيْدِيهِمْ عَلَى الْخَرَاجِ وَوَضْعِ الْجِزْيَةِ. ثُمَّ سَارَ إِلَى حَرَّانَ فَجَعَلَ عَلَيْهَا عَسْكَرًا يَحْصُرُهَا، عَلَيْهِمْ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ وَحَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَسَارَ هُوَ إِلَى الرُّهَاءِ، فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا ثُمَّ انْهَزَمُوا وَحَصَرَهُمُ الْمُسْلِمُونَ فِي مَدِينَتِهِمْ، فَطَلَبَ أَهْلُهَا الصُّلْحَ فَصَالَحَهُمْ، وَعَادَ إِلَى حَرَّانَ فَوَجَدَ صَفْوَانَ وَحَبِيبًا وَقَدْ غَلَبَا عَلَى حُصُونٍ وَقُرًى مِنْ أَعْمَالِ حَرَّانَ، فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا عَلَى مِثْلِ صُلْحِ الْرُّهَاءِ. وَكَانَ عِيَاضٌ يَغْزُو وَيَعُودُ إِلَى الرُّهَاءِ، وَفَتَحَ سُمَيْسَاطَ، وَأَتَى سَرُوجَ وَرَأْسَ كَيْفَا وَالْأَرْضَ الْبَيْضَاءَ، فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا عَلَى صُلْحِ الرُّهَاءِ. ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ سُمَيْسَاطَ غَدَرُوا، فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ عِيَاضٌ فَحَاصَرَهُمْ حَتَّى فَتَحَهَا، ثُمَّ أَتَى قُرَيَّاتٍ عَلَى الْفُرَاتِ، وَهِيَ جِسْرُ مَنْبِجَ وَمَا يَلِيهَا، فَفَتَحَهَا وَسَارَ إِلَى رَأْسِ عَيْنٍ، وَهِيَ عَيْنُ الْوَرْدَةِ، فَامْتَنَعَتْ عَلَيْهِ وَتَرَكَهَا وَسَارَ إِلَى تَلِّ مَوْزَنَ، فَفَتَحَهَا عَلَى صُلْحِ الرُّهَاءِ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ، وَسَارَ إِلَى آمِدٍ فَحَصَرَهَا، فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا ثُمَّ صَالَحُوهُ عَلَى صُلْحِ الرُّهَاءِ، وَفَتَحَ مَيَّافَارِقِينَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، وَكَفْرَتُوثَا، فَسَارَ إِلَى نَصِيبِينَ فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا ثُمَّ صَالَحُوهُ عَلَى مِثْلِ صُلْحِ الرُّهَاءِ، وَفَتَحَ طُورَ عَبْدَيْنِ وَحِصْنَ مَارِدِينَ، وَقَصَدَ الْمَوْصِلَ فَفَتَحَ أَحَدَ الْحِصْنَيْنِ، وَقِيلَ: لَمْ يَصِلْ إِلَيْهَا، وَأَتَاهُ بِطْرِيقُ الزَّوْزَانِ فَصَالَحَهُ، ثُمَّ سَارَ إِلَى أَرْزَنَ فَفَتَحَهَا، وَدَخَلَ الدَّرْبَ فَأَجَازَهُ بَدْلِيسُ وَبَلَغَ خِلَاطَ فَصَالَحَهُ بِطْرِيقُهَا، وَانْتَهَى إِلَى الْعَيْنِ الْحَامِضَةِ مِنْ أَرْمِينِيَّةَ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الرَّقَّةِ وَمَضَى إِلَى حِمْصَ فَمَاتَ سَنَةَ عِشْرِينَ. وَاسْتَعْمَلَ عُمَرُ سَعِيدَ بْنَ حِذْيَمٍ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى مَاتَ، فَاسْتَعْمَلَ عُمَيْرَ بْنَ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيَّ، فَفَتَحَ رَأْسَ عَيْنٍ بَعْدَ قِتَالٍ شَدِيدٍ. وَقِيلَ: إِنَّ عِيَاضًا أَرْسَلَ عُمَيْرَ بْنَ سَعْدٍ إِلَى رَأْسِ عَيْنٍ فَفَتَحَهَا بَعْدَ أَنِ اشْتَدَّ قِتَالُهُ عَلَيْهَا.

стр. 1050

وَقِيلَ: إِنَّ عُمَرَ أَرْسَلَ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ إِلَى رَأْسِ عَيْنٍ بَعْدَ وَفَاةِ عِيَاضٍ. وَقِيلَ: إِنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ حَضَرَ فَتْحَ الْجَزِيرَةِ مَعَ عِيَاضٍ وَدَخَلَ حَمَّامًا بِآمِدٍ فَاطَّلَى بِشَيْءٍ فِيهِ خَمْرٌ فَعَزَلَهُ عُمَرُ. وَقِيلَ: إِنَّ خَالِدًا لَمْ يَسِرْ تَحْتَ لِوَاءِ أَحَدٍ غَيْرِ أَبِي عُبَيْدَةَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَمَّا فَتَحَ عِيَاضٌ سُمَيْسَاطَ بَعَثَ حَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ إِلَى مَلَطْيَةَ فَفَتَحَهَا عَنْوَةً، ثُمَّ نَقَضَ أَهْلُهَا الصُّلْحَ، فَلَمَّا وَلِيَ مُعَاوِيَةُ الشَّامَ وَالْجَزِيرَةَ وَجَّهَ إِلَيْهَا حَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ أَيْضًا فَفَتَحَهَا عَنْوَةً وَرَتَّبَ فِيهَا جُنْدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَعَ عَامِلِهَا. [ذكر عَزْلِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ] فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَهِيَ سَنَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ، عُزِلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ التَّقَدُّمِ عَلَى الْجُيُوشِ وَالسَّرَايَا. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ أَدْرَبَ هُوَ وَعِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ، فَأَصَابَا أَمْوَالًا عَظِيمَةً، وَكَانَا تَوَجَّهَا مِنَ الْجَابِيَةِ مَرْجِعَ عُمَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَعَلَى حِمْصَ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَخَالِدٌ تَحْتَ يَدِهِ عَلَى قِنَّسْرِينَ، وَعَلَى الْأُرْدُنِّ مُعَاوِيَةُ، وَعَلَى فِلَسْطِينَ عَلْقَمَةُ بْنُ مُجَزِّزٍ، وَعَلَى السَّاحِلِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ، فَبَلَغَ النَّاسَ مَا أَصَابَ خَالِدٌ فَانْتَجَعَهُ رِجَالٌ، وَكَانَ مِنْهُمُ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، فَأَجَازَهُ بِعَشَرَةِ آلَافٍ. وَدَخَلَ خَالِدٌ الْحَمَّامَ، فَتَدَلَّكَ بِغُسْلٍ فِيهِ خَمْرٌ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تَدَلَّكْتَ بِخَمْرٍ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ ظَاهِرَ الْخَمْرِ وَبَاطِنَهُ وَمَسَّهُ، فَلَا تُمِسُّوهَا أَجْسَادَكُمْ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ خَالِدٌ: إِنَّا قَتَلْنَاهَا فَعَادَتْ غَسُولًا غَيْرَ خَمْرٍ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: إِنَّ آلَ الْمُغِيرَةِ ابْتُلُوا بِالْجَفَاءِ فَلَا أَمَاتَكُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ. فَلَمَّا فَرَّقَ خَالِدٌ فِي الَّذِينَ انْتَجَعُوهُ الْأَمْوَالَ سَمِعَ بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَكَانَ لَا

стр. 1051

يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ عَمَلِهِ، فَدَعَا عُمَرُ الْبَرِيدَ، فَكَتَبَ مَعَهُ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ أَنْ يُقِيمَ خَالِدًا وَيَعْقِلَهُ بِعِمَامَتِهِ، وَيَنْزِعَ عَنْهُ قَلَنْسُوَتَهُ حَتَّى يُعْلِمَكُمْ مِنْ أَيْنَ أَجَازَ الْأَشْعَثَ، أَمِنْ مَالِهِ أَمْ مِنْ مَالِ إِصَابَةٍ أَصَابَهَا، فَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ فَرَّقَهُ مِنْ إِصَابَةٍ أَصَابَهَا فَقَدْ أَقَرَّ بِخِيَانَةٍ، وَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ مِنْ مَالِهِ فَقَدْ أَسْرَفَ، وَاعْزِلْهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ عَمَلَهُ. فَكَتَبَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى خَالِدٍ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ جَمَعَ النَّاسَ وَجَلَسَ لَهُمْ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَامَ الْبَرِيدُ فَسَأَلَ خَالِدًا مِنْ أَيْنَ أَجَازَ الْأَشْعَثَ، فَلَمْ يُجِبْهُ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ سَاكِتٌ لَا يَقُولُ شَيْئًا، فَقَامَ بِلَالٌ فَقَالَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمَرَ فِيكَ بِكَذَا وَكَذَا، وَنَزَعَ عِمَامَتَهُ، فَلَمْ يَمْنَعْهُ سَمْعًا وَطَاعَةً، وَوَضَعَ قَلَنْسُوَتَهُ، ثُمَّ أَقَامَ فَعَقَلَهُ بِعِمَامَتِهِ وَقَالَ: بَلْ مِنْ مَالِي، فَأَطْلَقَهُ وَأَعَادَ قَلَنْسُوَتَهُ، ثُمَّ عَمَّمَهُ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ: نَسْمَعُ وَنُطِيعُ لِوُلَاتِنَا وَنُفَخِّمُ وَنَخْدِمُ مَوَالِيَنَا. قَالَ: وَأَقَامَ خَالِدٌ مُتَحَيِّرًا لَا يَدْرِي أَمَعْزُولٌ أَمْ غَيْرُ مَعْزُولٍ، وَلَا يُعْلِمُهُ أَبُو عُبَيْدَةَ بِذَلِكَ تَكْرِمَةً وَتَفْخِمَةً. فَلَمَّا تَأَخَّرَ قُدُومُهُ عَلَى عُمَرَ ظَنَّ الَّذِي كَانَ، فَكَتَبَ إِلَى خَالِدٍ بِالْإِقْبَالِ إِلَيْهِ، فَرَجَعَ إِلَى قِنَّسْرِينَ، فَخَطَبَ النَّاسَ وَوَدَّعَهُمْ، وَرَجَعَ إِلَى حِمْصَ فَخَطَبَهُمْ ثُمَّ سَارَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ شَكَاهُ وَقَالَ: قَدْ شَكَوْتُكَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، فَبِاللَّهِ إِنَّكَ فِي أَمْرِي لَغَيْرُ مُجْمِلٍ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مِنْ أَيْنَ هَذَا الثَّرَاءُ؟ قَالَ: مِنَ الْأَنْفَالِ وَالسُّهْمَانِ، مَا زَادَ عَلَى سِتِّينَ أَلْفًا فَلَكَ، فَقَوَّمَ عُمَرُ مَالَهُ فَزَادَ عِشْرِينَ أَلْفًا، فَجَعَلَهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ، ثُمَّ قَالَ: يَا خَالِدُ وَاللَّهِ إِنَّكَ عَلَيَّ لَكَرِيمٌ، وَإِنَّكَ إِلَيَّ لَحَبِيبٌ. وَكَتَبَ إِلَى الْأَمْصَارِ: إِنِّي لَمْ أَعْزِلْ خَالِدًا عَنْ سُخْطَةٍ وَلَا خِيَانَةٍ، وَلَكِنَّ النَّاسَ فَخَّمُوهُ وَفُتِنُوا بِهِ، فَخِفْتُ أَنْ يُوكَلُوا إِلَيْهِ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ الصَّانِعُ، وَأَنْ لَا يَكُونُوا بِعَرَضِ فِتْنَةٍ. وَعَوَّضَهُ عَمَّا أُخِذَ مِنْهُ. [ذكر بِنَاءِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالتَّوْسِعَةِ فِيهِ] وَفِيهَا، أَعْنِي سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ، اعْتَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَبَنَى الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَوَسَّعَ فِيهِ، وَأَقَامَ بِمَكَّةَ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَهَدَمَ عَلَى قَوْمٍ أَبَوْا أَنْ يَبِيعُوا، وَوَضَعَ أَثْمَانَ دُورِهِمْ فِي بَيْتِ الْمَالِ حَتَّى أَخَذُوهَا، وَكَانَتْ عُمْرَتُهُ فِي رَجَبٍ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَأَمَرَ بِتَجْدِيدِ أَنْصَابِ الْحَرَمِ، فَأَمَرَ بِذَلِكَ مَخْرَمَةَ بْنَ نَوْفَلٍ وَالْأَزْهَرَ بْنَ عَبْدِ عَوْفٍ

стр. 1052

وَحُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ الْعُزَّى وَسَعِيدَ بْنَ يَرْبُوعٍ، وَاسْتَأْذَنَهُ أَهْلُ الْمِيَاهِ فِي أَنْ يَبْنُوا مَنَازِلَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَأَذِنَ لَهُمْ، وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنَّ ابْنَ السَّبِيلِ أَحَقُّ بِالظِّلِّ وَالْمَاءِ. وَفِيهَا تَزَوَّجَ عُمَرُ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَهِيَ ابْنَةُ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَدَخَلَ بِهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ. [ذكر غَزْوَةِ فَارِسَ مِنَ الْبَحْرَيْنِ] قِيلَ: كَانَ عُمَرُ يَقُولُ لَمَّا أُخِذَتِ الْأَهْوَازُ وَمَا يَلِيهَا: وَدِدْتُ أَنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ فَارِسٍ حَبْلًا مِنْ نَارٍ لَا نَصِلُ إِلَيْهِمْ مِنْهُ وَلَا يَصِلُونَ إِلَيْنَا. وَقَدْ كَانَ الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ عَلَى الْبَحْرَيْنِ أَيَّامَ أَبِي بَكْرٍ، فَعَزَلَهُ عُمَرُ وَجَعَلَ مَوْضِعَهُ قُدَامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ، ثُمَّ عَزَلَ قُدَامَةَ وَأَعَادَ الْعَلَاءَ يُنَاوِئُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، فَفَازَ الْعَلَاءُ فِي قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ بِالْفَضْلِ، فَلَمَّا ظَفِرَ سَعْدٌ بِأَهْلِ الْقَادِسِيَّةِ وَأَزَاحَ الْأَكَاسِرَةَ جَاءَ بِأَعْظَمَ مِمَّا فَعَلَهُ الْعَلَاءُ، فَأَرَادَ الْعَلَاءُ أَنْ يَصْنَعَ فِي الْفُرْسِ شَيْئًا، وَلَمْ يَنْظُرْ فِي الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ نَهَاهُ عَنِ الْغَزْوِ فِي الْبَحْرِ، وَنَهَى غَيْرَهُ أَيْضًا اتِّبَاعًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَخَوْفَ الْغَرَرِ. فَنَدَبَ الْعَلَاءُ النَّاسَ إِلَى فَارِسَ فَأَجَابُوهُ، وَفَرَّقَهُمْ أَجْنَادًا، عَلَى أَحَدِهَا الْجَارُودُ بْنُ الْمُعَلَّى، وَعَلَى الْآخَرِ سَوَّارُ بْنُ هَمَّامٍ، وَعَلَى الْآخَرِ خُلَيْدُ بْنُ الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوِي، وَخُلَيْدٌ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ، وَحَمَلَهُمْ فِي الْبَحْرِ إِلَى فَارِسَ بِغَيْرِ إِذْنِ عُمَرَ، فَعَبَرَتِ الْجُنُودُ مِنَ الْبَحْرَيْنِ إِلَى فَارِسَ، فَخَرَجُوا إِلَى إِصْطَخْرَ وَبِإِزَائِهِمْ أَهْلُ فَارِسَ وَعَلَيْهِمُ الْهِرْبِذُ، فَجَالَتِ الْفُرْسُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ سُفُنِهِمْ، فَقَامَ خُلَيْدٌ فِي النَّاسِ فَخَطَبَهُمْ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَدْعُوكُمْ إِلَى حَرْبِهِمْ، وَإِنَّمَا جِئْتُمْ لِمُحَارَبَتِهِمْ، وَالسُّفُنُ وَالْأَرْضُ لِمَنْ غَلَبَ، ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ ثُمَّ صَلَّوُا الظُّهْرَ ثُمَّ نَاهَدُوهُمْ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا

стр. 1053

بِمَكَانٍ يُدْعَى طَاوُسَ فَقُتِلَ سَوَّارٌ وَالْجَارُودُ. وَكَانَ خُلَيْدٌ قَدْ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُقَاتِلُوا رَجَّالَةً فَفَعَلُوا، فَقَتَلَ مِنْ أَهْلِ فَارِسَ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، ثُمَّ خَرَجُوا يُرِيدُونَ الْبَصْرَةَ، وَلَمْ يَجِدُوا إِلَى الرُّجُوعِ فِي الْبَحْرِ سَبِيلًا، وَأَخَذَتِ الْفُرْسُ مِنْهُمْ طُرُقَهُمْ فَعَسْكَرُوا وَامْتَنَعُوا. وَلَمَّا بَلَغَ عُمَرَ صَنِيعُ الْعَلَاءِ أَرْسَلَ إِلَى عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ يَأْمُرُهُ بِإِنْفَاذِ جُنْدٍ كَثِيفٍ إِلَى الْمُسْلِمِينَ بِفَارِسَ قَبْلَ أَنْ يَهْلَكُوا، وَقَالَ: فَإِنِّي قَدْ أُلْقِيَ فِي رُوعِي كَذَا وَكَذَا نَحْوَ الَّذِي كَانَ، وَأَمَرَ الْعَلَاءَ بِأَثْقَلِ الْأَشْيَاءِ عَلَيْهِ، تَأْمِيرِ سَعْدٍ عَلَيْهِ. فَشَخَصَ الْعَلَاءُ إِلَى سَعْدٍ بِمَنْ مَعَهُ، وَأَرْسَلَ عُتْبَةُ جَيْشًا كَثِيفًا فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ، فِيهِمْ عَاصِمُ بْنُ عَمْرٍو، وَعَرْفَجَةُ بْنُ هَرْثَمَةَ، وَالْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ وَغَيْرُهُمْ، فَخَرَجُوا عَلَى الْبِغَالِ يُجْنِبُونَ الْخَيْلَ، وَعَلَيْهِمْ أَبُو سَبْرَةَ بْنُ أَبِي رُهْمٍ أَحَدُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، فَسَارَ بِالنَّاسِ وَسَاحَلَ بِهِمْ، لَا يَعْرِضُ لَهُ أَحَدٌ حَتَّى الْتَقَى أَبُو سَبْرَةَ وَخُلَيْدٌ، بِحَيْثُ أُخِذَ عَلَيْهِمُ الطَّرِيقُ عَقِيبَ وَقْعَةِ طَاوُسَ، وَإِنَّمَا كَانَ وَلِيَ قِتَالَهُمْ أَهْلُ إِصْطَخْرَ وَحْدَهُمْ، وَمَنْ شَذَّ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَكَانَ أَهْلُ إِصْطَخْرَ حَيْثُ أَخَذُوا الطَّرِيقَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَجَمَعُوا أَهْلَ فَارِسَ عَلَيْهِمْ فَجَاءُوا مِنْ كُلِّ جِهَةٍ فَالْتَقَوْا هُمْ وَأَبُو سَبْرَةَ بَعْدَ طَاوُسَ، وَقَدْ تَوَافَتْ إِلَى الْمُسْلِمِينَ أَمْدَادُهُمْ، وَعَلَى الْمُشْرِكِينَ سَهْرَكُ، فَاقْتَتَلُوا فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَقَتَلَ الْمُشْرِكِينَ، وَأَصَابَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ مَا شَاءُوا، وَهِيَ الْغَزْوَةُ الَّتِي شَرُفَتْ فِيهَا نَابِتَةُ الْبَصْرَةِ، وَكَانُوا أَفْضَلَ نَوَابِتِ الْأَمْصَارِ، ثُمَّ انْكَفَأُوا بِمَا أَصَابُوا، وَكَانَ عُتْبَةُ كَتَبَ إِلَيْهِمْ بِالْحَثِّ وَقِلَّةِ الْعُرْجَةِ، فَرَجَعُوا إِلَى الْبَصْرَةِ سَالِمِينَ. وَلَمَّا أَحْرَزَ عُتْبَةُ الْأَهْوَازَ وَأَوْطَأَ فَارِسَ اسْتَأْذَنَ عُمَرَ فِي الْحَجِّ فَأَذِنَ لَهُ، فَلَمَّا قَضَى حَجَّهُ اسْتَعْفَاهُ فَأَبَى أَنْ يُعْفِيَهُ، وَعَزَمَ عَلَيْهِ لَيَرْجِعَنَّ إِلَى عَمَلِهِ، فَدَعَا اللَّهَ ثُمَّ انْصَرَفَ، فَمَاتَ فِي بَطْنِ نَخْلَةَ فَدُفِنَ، وَبَلَغَ عُمَرَ مَوْتُهُ، فَمَرَّ بِهِ زَائِرًا لِقَبْرِهِ وَقَالَ: أَنَا قَتَلْتُكَ لَوْلَا أَنَّهُ أَجَلٌ مَعْلُومٌ. وَأَثْنَى عَلَيْهِ خَيْرًا وَلَمْ يَخْتَطَّ فِيمَنِ اخْتَطَّ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَإِنَّمَا وَرِثَ وَلَدُهُ مَنْزِلَهُمْ مِنْ فَاخِتَةَ بِنْتِ غَزْوَانَ، وَكَانَتْ تَحْتَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَكَانَ حُبَابٌ مَوْلَاهُ قَدْ لَزِمَ شِيمَتَهُ فَلَمْ يَخْتَطَّ، وَمَاتَ عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ عَلَى رَأْسِ ثَلَاثِ سِنِينَ مِنْ مُفَارَقَةِ سَعْدٍ، وَذَلِكَ

стр. 1054

بَعْدَ أَنِ اسْتَنْفَذَ الْجُنْدَ الَّذِينَ بِفَارِسَ وَنُزُولِهِمُ الْبَصْرَةَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى النَّاسِ أَبَا سَبْرَةَ بْنَ أَبِي رُهْمٍ بِالْبَصْرَةِ، فَأَقَرَّهُ عُمَرُ بَقِيَّةَ السَّنَةِ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ عَلَيْهَا، فَلَمْ يَنْتَقِضْ عَلَيْهِ أَحَدٌ، وَلَمْ يُحْدِثْ شَيْئًا إِلَّا مَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي بَكْرَةَ. ثُمَّ اسْتَعْمَلَ أَبَا مُوسَى عَلَى الْبَصْرَةِ، ثُمَّ صُرِفَ إِلَى الْكُوفَةِ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَ عُمَرَ بْنَ سُرَاقَةَ، ثُمَّ صُرِفَ ابْنُ سُرَاقَةَ إِلَى الْكُوفَةِ مِنَ الْبَصْرَةِ، وَصُرِفَ أَبُو مُوسَى مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَعَمِلَ عَلَيْهَا ثَانِيَةً. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ وِلَايَةِ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ الْبَصْرَةَ وَالِاخْتِلَافِ فِيهَا سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ. [ذكر عَزْلِ الْمُغِيرَةِ عَنِ الْبَصْرَةِ وَوِلَايَةِ أَبِي مُوسَى] فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ عُمَرُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ عَنِ الْبَصْرَةِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا أَبَا مُوسَى، وَأَمَرَهُ أَنْ يُشْخِصَ إِلَيْهِ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ ; قَالَهُ الْوَاقِدِيٌّ. وَكَانَ سَبَبُ عَزْلِهِ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ أَبِي بَكْرَةَ وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ مُنَافَرَةٌ، وَكَانَا مُتَجَاوِرَيْنِ بَيْنَهُمَا طَرِيقٌ، وَكَانَا فِي مَشْرَبَتَيْنِ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا كُوَّةٌ مُقَابِلَةُ الْأُخْرَى، فَاجْتَمَعَ إِلَى أَبِي بَكْرَةَ نَفَرٌ يَتَحَدَّثُونَ فِي مَشْرَبَتِهِ، فَهَبَّتِ الرِّيحُ فَفَتَحَتْ بَابَ الْكُوَّةِ، فَقَامَ أَبُو بَكْرَةَ لِيَسُدَّهُ، فَبَصُرَ بِالْمُغِيرَةِ وَقَدْ فَتَحَتِ الرِّيحُ بَابَ كُوَّةِ مَشْرَبَتِهِ، وَهُوَ بَيْنَ رِجْلَيِ امْرَأَةٍ، فَقَالَ لِلنَّفَرِ: قُومُوا فَانْظُرُوا. فَقَامُوا فَنَظَرُوا، وَهُمْ أَبُو بَكْرَةَ وَنَافِعُ بْنُ كَلَدَةَ وَزِيَادُ بْنُ أَبِيهِ، وَهُوَ أَخُو أَبِي بَكْرَةَ لِأُمِّهِ، وَشِبْلُ بْنُ مَعْبَدٍ الْبَجَلِيُّ، فَقَالَ لَهُمْ: اشْهَدُوا، قَالُوا: وَمَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: أَمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ الْأَفْقَمِ، وَكَانَتْ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وَكَانَتْ تَغْشَى الْمُغِيرَةَ وَالْأُمَرَاءَ، وَكَانَ بَعْضُ النِّسَاءِ يَفْعَلْنَ ذَلِكَ فِي زَمَانِهَا، فَلَمَّا قَامَتْ عَرَفُوهَا. فَلَمَّا خَرَجَ الْمُغِيرَةُ إِلَى الصَّلَاةِ مَنَعَهُ أَبُو بَكْرَةَ وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ، فَبَعَثَ عُمَرُ أَبَا مُوسَى أَمِيرًا عَلَى الْبَصْرَةِ وَأَمَرَهُ بِلُزُومِ السُّنَّةِ، فَقَالَ: أَعِنِّي بِعِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّهُمْ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ كَالْمِلْحِ. قَالَ لَهُ: خُذْ مَنْ أَحْبَبْتَ. فَأَخَذَ مَعَهُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ رَجُلًا، مِنْهُمْ: أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ وَهِشَامُ بْنُ عَامِرٍ، وَخَرَجَ مَعَهُمْ فَقَدِمَ الْبَصْرَةَ، فَدَفَعَ الْكِتَابَ بِإِمَارَتِهِ إِلَى الْمُغِيرَةِ، وَهُوَ أَوْجَزُ كِتَابٍ وَأَبْلَغُهُ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ بَلَغَنِي نَبَأٌ عَظِيمٌ، فَبَعَثْتُ أَبَا مُوسَى أَمِيرًا، فَسَلِّمْ إِلَيْهِ مَا فِي يَدِكَ وَالْعَجَلَ. فَأَهْدَى إِلَيْهِ الْمُغِيرَةُ وَلِيدَةً تُسَمَّى عَقِيلَةَ. وَرَحَلَ الْمُغِيرَةُ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرَةَ وَالشُّهُودُ، فَقَدِمُوا عَلَى عُمَرَ، فَقَالَ لَهُ الْمُغِيرَةُ: سَلْ

стр. 1055

هَؤُلَاءِ الْأَعْبُدَ كَيْفَ رَأَوْنِي أَمُسْتَقْبِلُهُمْ أَمْ مُسْتَدْبِرُهُمْ، وَكَيْفَ رَأَوُا الْمَرْأَةَ أَوْ عَرَفُوهَا، فَإِنْ كَانُوا مُسْتَقْبِلِيَّ فَكَيْفَ لَمْ أَسْتَتِرْ، أَوْ مُسْتَدْبِرِيَّ فَبِأَيِّ شَيْءٍ اسْتَحَلُّوا النَّظَرَ إِلَيَّ فِي مَنْزِلِي عَلَى امْرَأَتِي؟ وَاللَّهِ مَا أَتَيْتُ إِلَّا امْرَأَتِي! وَكَانَتْ تُشْبِهُهَا. فَشَهِدَ أَبُو بَكْرَةَ أَنَّهُ رَآهُ عَلَى أُمِّ جَمِيلٍ يُدْخِلُهُ كَالْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ، وَأَنَّهُ رَآهُمَا مُسْتَدْبِرَيْنِ، وَشَهِدَ شِبْلٌ وَنَافِعٌ مِثْلَ ذَلِكَ. وَأَمَّا زِيَادٌ فَإِنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُهُ جَالِسًا بَيْنَ رِجْلَيِ امْرَأَةٍ، فَرَأَيْتُ قَدَمَيْنِ مَخْضُوبَتَيْنِ تَخْفِقَانِ، وَاسْتَيْنِ مَكْشُوفَتَيْنِ وَسَمِعْتُ حَفْزًا شَدِيدًا. قَالَ: هَلْ رَأَيْتَ كَالْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: هَلْ تَعْرِفُ الْمَرْأَةَ؟ قَالَ: لَا وَلَكِنْ أُشَبِّهُهَا. قَالَ: فَتَنَحَّ. وَأَمَرَ بِالثَّلَاثَةِ فَجُلِدُوا الْحَدَّ. فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: اشْفِنِي مِنَ الْأَعْبُدِ. قَالَ: اسْكُتْ أَسْكَتَ اللَّهُ نَأْمَتَكَ، أَمَا وَاللَّهِ لَوْ تَمَّتِ الشَّهَادَةُ لَرَجَمْتُكَ بِأَحْجَارِكَ! [ذكر الْخَبَرِ عَنْ فَتْحِ الْأَهْوَازِ وَمَنَاذِرَ وَنَهْرِ تِيرَى] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ فُتِحَتِ الْأَهْوَازُ وَمَنَاذِرُ وَنَهْرُ تِيرَى، وَقِيلَ: كَانَتْ سِتَ عَشْرَةَ. وَكَانَ السَّبَبُ فِي هَذَا الْفَتْحِ أَنَّهُ لَمَّا انْهَزَمَ الْهُرْمُزَانُ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ، وَهُوَ أَحَدُ الْبُيُوتَاتِ السَّبْعَةِ فِي أَهْلِ فَارِسَ، وَكَانَتْ أُمَّتَهُ مِنْهُمْ مِهْرَجَانْقَذَقَ وَكُوَرَ الْأَهْوَازِ، فَلَمَّا انْهَزَمَ قَصَدَ خُوزِسْتَانَ فَمَلَكَهَا وَقَاتَلَ بِهَا مَنْ أَرَادَهُمْ، فَكَانَ الْهُرْمُزَانُ يُغِيرُ عَلَى أَهْلِ مَيْسَانَ وَدَسْتِمَيْسَانَ مِنْ مَنَاذِرَ وَنَهْرِ تِيرَى. فَاسْتَمَدَّ عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ سَعْدًا فَأَمَدَّهُ بِنُعَيْمِ بْنِ مُقَرِّنٍ وَنُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَأَمَرَهُمَا أَنْ يَأْتِيَا أَعْلَى مَيْسَانَ وَدَسْتِمَيْسَانَ حَتَّى يَكُونَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ نَهْرِ تِيرَى، وَوَجَّهَ عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ سُلْمَى بْنَ الْقَيْنِ وَحَرْمَلَةَ بْنَ مُرَيْطَةَ، وَكَانَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُمَا مِنْ بَنِي الْعَدَوِيَّةِ مِنْ بَنِي حَنْظَلَةَ، فَنَزَلَا عَلَى حُدُودِ مَيْسَانَ وَدَسْتِمَيْسَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَنَاذِرَ، وَدَعَوْا بَنِي الْعَمِّ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ غَالِبٌ الْوَائِلِيُّ وَكُلَيْبُ بْنُ وَائِلٍ الْكُلَيْبِيُّ،
следующие страницы →