← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

الْمُسْلِمِينَ فَلَهُمْ مَا وَرَاءَهُمْ، وَإِنْ كَانَتِ الْأُخْرَى رَجَعُوا إِلَى فِئَةٍ ثُمَّ يَكُونُوا أَعْلَمَ بِسَبِيلِهِمْ، وَأَجْرَأَ عَلَى أَرْضِهِمْ، إِلَى أَنْ يَرُدَّ اللَّهُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ. فَتَرَحَّمَ سَعْدٌ وَمَنْ مَعَهُ عَلَى الْمُثَنَّى، وَجَعَلَ الْمُعَنَّى عَلَى عَمَلِهِ وَأَوْصَى بِأَهْلِ بَيْتِهِ خَيْرًا، ثُمَّ تَزَوَّجَ سَعْدٌ سَلْمَى زَوْجَ الْمُثَنَّى، وَكَانَ مَعَهُ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ بَدْرِيًّا، وَثَلَاثُمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ مِمَّنْ كَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ فِيمَا بَيْنَ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ إِلَى مَا فَوْقَ ذَلِكَ، وَثَلَاثُمِائَةٍ مِمَّنْ شَهِدَ الْفَتْحَ، وَسَبْعُمِائَةٍ مِنْ أَبْنَاءِ الصَّحَابَةِ. وَقَدِمَ عَلَى سَعْدٍ كِتَابُ عُمَرَ بِمِثْلِ رَأْيِ الْمُثَنَّى، وَكَتَبَ عُمَرُ أَيْضًا إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ لِيَصْرِفَ أَهْلَ الْعِرَاقِ وَمَنِ اخْتَارَ أَنْ يَلْحَقَ بِهِمْ إِلَى الْعِرَاقِ. وَكَانَ لِلْفُرْسِ رَابِطَةٌ بِقَصْرِ ابْنِ مُقَاتِلٍ، عَلَيْهَا النُّعْمَانُ بْنُ قَبِيصَةَ الطَّائِيُّ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ قَبِيصَةَ بْنِ إِيَاسٍ صَاحِبِ الْحِيرَةِ، فَلَمَّا سَمِعَ بِمَجِيءِ سَعْدٍ سَأَلَ عَنْهُ وَعِنْدَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سِنَانِ بْنِ خُزَيْمٍ الْأَسَدِيُّ، فَقِيلَ: رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَأُحَادَّنَّهُ الْقِتَالَ، فَإِنَّ قُرَيْشًا عَبِيدُ مَنْ غَلَبَ، وَاللَّهِ لَا يَخْرُجُونَ مِنْ بِلَادِهِمْ إِلَّا بِخُفَّيْنِ! فَغَضِبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سِنَانٍ مِنْ قَوْلِهِ وَأَمْهَلَهُ حَتَّى دَخَلَ قُبَّتَهُ فَقَتَلَهُ، وَلَحِقَ بِسَعْدٍ وَأَسْلَمَ. وَسَارَ سَعْدٌ مِنْ شَرَافَ فَنَزَلَ الْعُذَيْبَ، ثُمَّ سَارَ حَتَّى نَزَلَ الْقَادِسِيَّةَ بَيْنَ الْعَتِيقِ وَالْخَنْدَقِ بِحِيَالِ الْقَنْطَرَةِ، وَقُدَيْسٍ أَسْفَلَ مِنْهَا بِمِيلٍ. وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى سَعْدٍ: إِنِّي أُلْقِيَ فِي رُوعِي أَنَّكُمْ إِذَا لَقِيتُمُ الْعَدُوَّ هَزَمْتُمُوهُمْ، فَمَتَى لَاعَبَ أَحَدٌ مِنْكُمْ أَحَدًا مِنَ الْعَجَمِ بِأَمَانٍ أَوْ بِإِشَارَةٍ أَوْ بِلِسَانٍ كَانَ عِنْدَهُمْ أَمَانًا - فَأَجْرُوا لَهُ ذَلِكَ مَجْرَى الْأَمَانِ وَالْوَفَاءِ؛ فَإِنَّ الْخَطَأَ بِالْوَفَاءِ بَقِيَّةٌ، وَإِنَّ الْخَطَأَ بِالْغَدْرِ هَلَكَةٌ، وَفِيهَا وَهْنُكُمْ وَقُوَّةُ عَدُوِّكُمْ، فَلَمَّا نَزَلَ زُهْرَةُ فِي الْمُقَدِّمَةِ وَأَمْسَى بَعَثَ سَرِيَّةً فِي ثَلَاثِينَ مَعْرُوفِينَ بِالنَّجْدَةِ، وَأَمَرَهُمْ بِالْغَارَةِ عَلَى الْحِيرَةِ، فَلَمَّا جَازُوا السَّيْلَحِينَ سَمِعُوا جَلَبَةً، فَمَكَثُوا حَتَّى حَاذُوهُمْ، وَإِذَا أُخْتُ آزَادُمَرْدَ بْنِ آزَاذَبَهْ مَرْزُبَانِ الْحِيرَةِ تُزَفُّ إِلَى صَاحِبِ الصِّنَّيْنِ، وَهُوَ مِنْ أَشْرَافِ الْعَجَمِ، فَحَمَلَ بُكَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيُّ أَمِيرُ السَّرِيَّةِ عَلَى شِيرَزَادَ بْنِ آزَاذَبَهْ فَدَقَّ صُلْبَهُ، وَطَارَتِ الْخَيْلُ عَلَى وُجُوهِهَا، وَأَخَذُوا الْأَثْقَالَ وَابْنَةَ آزَاذَبَهْ فِي ثَلَاثِينَ امْرَأً مِنْ

стр. 982

الدَّهَاقِينِ وَمِائَةٍ مِنَ التَّوَابِعِ، وَمَعَهُمْ مَا لَا يُدْرَى قِيمَتُهُ، فَاسْتَاقَ ذَلِكَ وَرَجَعَ فَصَبَّحَ سَعْدًا بِعُذَيْبِ الْهِجَانَاتِ، فَقَسَّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَتَرَكَ الْحَرِيمَ بِالْعُذَيْبِ وَمَعَهَا خَيْلٌ تَحُوطُهَا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ غَالِبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيَّ. وَنَزَلَ سَعْدٌ الْقَادِسِيَّةَ وَأَقَامَ بِهَا شَهْرًا لَمْ يَأْتِهِ مِنَ الْفُرْسِ أَحَدٌ، فَأَرْسَلَ سَعْدٌ عَاصِمَ بْنَ عَمْرٍو إِلَى مَيْسَانَ، فَطَلَبَ غَنَمًا أَوْ بَقَرًا فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا، وَتَحَصَّنَ مِنْهُ مَنْ هُنَاكَ، فَأَصَابَ عَاصِمٌ رَجُلًا بِجَانِبِ أَجَمَةٍ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، فَقَالَ: مَا أَعْلَمُ. فَصَاحَ ثَوْرٌ مِنَ الْأَجَمَةِ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ، هَا نَحْنُ! فَدَخَلَ فَاسْتَاقَ الْبَقَرَ فَأَتَى بِهَا الْعَسْكَرَ، فَقَسَّمَهُ سَعْدٌ عَلَى النَّاسِ، فَأَخْصَبُوا أَيَّامًا، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْحَجَّاجَ فِي زَمَانِهِ فَأَرْسَلَ إِلَى جَمَاعَةٍ فَسَأَلَهُمْ، فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ سَمِعُوا ذَلِكَ وَشَاهَدُوهُ، فَقَالَ: كَذَبْتُمْ. قَالُوا: ذَلِكَ إِنْ كُنْتَ شَهِدْتَهَا وَغِبْنَا عَنْهَا. قَالَ: صَدَقْتُمْ، فَمَا كَانَ النَّاسُ يَقُولُونَ فِي ذَلِكَ؟ قَالُوا: وَإِنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى رِضَى اللَّهِ وَفَتْحِ عَدُوِّنَا، فَقَالَ: مَا يَكُونُ هَذَا إِلَّا وَالْجَمْعُ أَبْرَارٌ أَتْقِيَاءُ. قَالُوا: مَا نَدْرِي مَا أَجَنَّتْ قُلُوبُهُمْ، فَأَمَّا مَا رَأَيْنَا فَمَا رَأَيْنَا قَطُّ أَزْهَدَ فِي دُنْيَا مِنْهُمْ، وَلَا أَشَدَّ بُغْضًا لَهَا، لَيْسَ فِيهِمْ جَبَانٌ وَلَا غَارٌّ وَلَا غَدَّارٌ. وَذَلِكَ يَوْمَ الْأَبَاقِرِ. وَبَثَّ سَعْدٌ الْغَارَاتِ وَالنَّهْبَ بَيْنَ كَسْكَرَ وَالْأَنْبَارِ، فَحَوَوْا مِنَ الْأَطْعِمَةِ مَا اسْتَكْفَوْا بِهِ زَمَانًا، وَكَانَ بَيْنَ نُزُولِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ الْعِرَاقَ وَبَيْنَ نُزُولِ سَعْدٍ الْقَادِسِيَّةَ وَالْفَرَاغِ مِنْهَا سَنَتَانِ وَشَيْءٌ، وَكَانَ مُقَامُ سَعْدٍ بِالْقَادِسِيَّةِ شَهْرَيْنِ وَشَيْئًا حَتَّى ظَفِرَ. فَاسْتَغَاثَ أَهْلُ السَّوَادِ إِلَى يَزْدَجِرْدَ، وَأَعْلَمُوهُ أَنَّ الْعَرَبَ قَدْ نَزَلُوا الْقَادِسِيَّةَ وَلَا يَبْقَى عَلَى فِعْلِهِمْ شَيْءٌ، وَقَدْ أَخْرَبُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْفُرَاتِ، وَنَهَبُوا الدَّوَابَّ وَالْأَطْعِمَةَ، وَإِنْ أَبْطَأَ الْغِيَاثُ أَعْطَيْنَاهُمْ بِأَيْدِينَا، وَكَتَبَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ الَّذِينَ لَهُمُ الضِّيَاعُ بِالطَّفِّ، وَهَيَّجُوهُ عَلَى إِرْسَالِ الْجُنُودِ، فَأَرْسَلَ يَزْدَجِرْدُ إِلَى رُسْتُمَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ: إِنِّي أُرِيدُ أَنَّ أُوَجِّهَكَ فِي هَذَا الْوَجْهِ، فَأَنْتَ رَجُلُ فَارِسَ الْيَوْمَ، وَقَدْ تَرَى مَا حَلَّ بِالْفُرْسِ مِمَّا لَمْ يَأْتِهِمْ مِثْلُهُ. فَأَظْهَرَ لَهُ الْإِجَابَةَ ثُمَّ قَالَ لَهُ: دَعْنِي، فَإِنَّ الْعَرَبَ لَا تَزَالُ تَهَابُ الْعَجَمَ مَا لَمْ تَضْرِبْهُمْ بِي، وَلَعَلَّ الدَّوْلَةَ أَنْ تَثْبُتَ بِي إِذَا لَمْ أَحْضُرِ الْحَرْبَ، فَيَكُونُ اللَّهُ قَدْ كَفَى، وَنَكُونُ قَدْ أَصَبْنَا الْمَكِيدَةَ، وَالرَّأْيُ فِي الْحَرْبِ أَنْفَعُ مِنْ بَعْضِ الظَّفَرِ، وَالْأَنَاةُ خَيْرٌ مِنَ الْعَجَلَةِ، وَقِتَالُ جَيْشٍ بَعْدَ جَيْشٍ أَمْثَلُ مِنْ هَزِيمَةٍ بِمَرَّةٍ وَأَشَدُّ عَلَى عَدُوِّنَا. فَأَبَى عَلَيْهِ، وَأَعَادَ رُسْتُمُ كَلَامَهُ وَقَالَ: قَدِ اضْطَرَّنِي تَضْيِيعُ الرَّأْيِ إِلَى إِعْظَامِ نَفْسِي وَتَزْكِيَتِهَا، وَلَوْ أَجِدُ مِنْ ذَلِكَ بُدًّا لَمْ أَتَكَلَّمْ بِهِ، فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ

стр. 983

فِي نَفْسِكَ وَمُلْكِكَ دَعْنِي أَقِمْ بِعَسْكَرِي وَأُسَرِّحِ الْجَالِينُوسَ، فَإِنْ تَكُنْ لَنَا فَذَلِكَ، وَإِلَّا بَعَثْنَا غَيْرَهُ، حَتَّى إِذَا لَمْ نَجِدْ بُدًّا صَبَرْنَا لَهُمْ وَقَدْ وَهَّنَّاهُمْ وَنَحْنُ جَامُّونَ، فَإِنِّي لَا أَزَالُ مَرْجُوًّا فِي أَهْلِ فَارِسَ مَا لَمْ أُهْزَمْ. فَأَبَى إِلَّا أَنْ يَسِيرَ، فَخَرَجَ حَتَّى ضَرَبَ عَسْكَرَهُ بِسَابَاطَ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْمَلِكِ لِيُعْفِيَهُ فَأَبَى. وَجَاءَتِ الْأَخْبَارُ إِلَى سَعْدٍ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: لَا يَكْرُبَنَّكَ مَا يَأْتِيكَ عَنْهُمْ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ، وَابْعَثْ إِلَيْهِ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْمُنَاظَرَةِ وَالرَّأْيِ وَالْجَلَدِ يَدْعُونَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ دُعَاءَهُمْ تَوْهِينًا لَهُمْ. فَأَرْسَلَ سَعْدٌ نَفَرًا، مِنْهُمْ: النُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ، وَبُسْرُ بْنُ أَبِي رُهْمٍ، وَحَمَلَةُ بْنُ حَوِيَّةَ، وَحَنْظَلَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَفُرَاتُ بْنُ حَيَّانَ، وَعَدِيُّ بْنُ سُهَيْلٍ، وَعُطَارِدُ بْنُ حَاجِبٍ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ زُرَارَةَ بْنِ النَّبَّاشِ الْأَسَدِيُّ، وَالْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ حَسَّانَ، وَعَاصِمُ بْنُ عَمْرٍو، وَعَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَالْمُعَنَّى بْنُ حَارِثَةَ - إِلَى يَزْدَجِرْدَ دُعَاةً، فَخَرَجُوا مِنَ الْعَسْكَرِ فَقَدِمُوا عَلَى يَزْدَجِرْدَ، وَطَوَوْا رُسْتُمَ وَاسْتَأْذَنُوا عَلَى يَزْدَجِرْدَ فَحُبِسُوا، وَأَحْضَرَ وُزَرَاءَهُ وَرُسْتُمَ مَعَهُمْ، وَاسْتَشَارَهُمْ فِيمَا يَصْنَعُ وَيَقُولُهُ لَهُمْ. وَاجْتَمَعَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِمْ وَتَحْتَهُمْ خُيُولٌ كُلُّهَا صُهَّالٌ، وَعَلَيْهِمُ الْبُرُودُ وَبِأَيْدِيهِمُ السِّيَاطُ، فَأَذِنَ لَهُمْ، وَأَحْضَرَ التُّرْجُمَانَ وَقَالَ لَهُ: سَلْهُمْ مَا جَاءَ بِكُمْ وَمَا دَعَاكُمْ إِلَى غَزْوِنَا وَالْوَلُوعِ بِبِلَادِنَا؟ أَمِنْ أَجْلِ أَنَّنَا تَشَاغَلْنَا عَنْكُمُ اجْتَرَأْتُمْ عَلَيْنَا؟ فَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ لِأَصْحَابِهِ: إِنْ شِئْتُمْ تَكَلَّمْتُ عَنْكُمْ، وَمَنْ شَاءَ آثَرْتُهُ. فَقَالُوا: بَلْ تَكَلَّمْ. فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ رَحِمَنَا فَأَرْسَلَ إِلَيْنَا رَسُولًا يَأْمُرُنَا بِالْخَيْرِ وَيَنْهَانَا عَنِ الشَّرِّ، وَوَعَدَنَا عَلَى إِجَابَتِهِ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَلَمْ يَدْعُ قَبِيلَةً إِلَّا وَقَارَبَهُ مِنْهَا فِرْقَةٌ وَتَبَاعَدَ عَنْهُ بِهَا فِرْقَةٌ، ثُمَّ أَمَرَ أَنْ يَنْبِذَ إِلَى مَنْ خَالَفَهُ مِنَ الْعَرَبِ، فَبَدَأَ بِهِمْ، فَدَخَلُوا مَعَهُ عَلَى وَجْهَيْنِ: مُكْرَهٌ عَلَيْهِ فَاغْتَبَطَ، وَطَائِعٌ أَتَاهُ فَازْدَادَ، فَعَرَفْنَا جَمِيعًا فَضْلَ مَا جَاءَ بِهِ عَلَى الَّذِي كُنَّا عَلَيْهِ مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالضِّيقِ، ثُمَّ أَمَرَنَا أَنْ نَبْدَأَ بِمَنْ يَلِينَا مِنَ الْأُمَمِ فَنَدْعُوَهُمْ إِلَى الْإِنْصَافِ، فَنَحْنُ نَدْعُوكُمْ إِلَى دِينِنَا، وَهُوَ دِينٌ حَسَّنَ الْحَسَنَ وَقَبَّحَ الْقَبِيحَ كُلَّهُ، فَإِنْ أَبَيْتُمْ فَأَمْرٌ مِنَ الشَّرِّ هُوَ أَهْوَنُ مِنْ آخَرَ شَرٌّ مِنْهُ: الْجِزْيَةُ، فَإِنْ أَبَيْتُمْ فَالْمُنَاجَزَةُ، فَإِنْ أَجَبْتُمْ إِلَى دِينِنَا خَلَّفْنَا فِيكُمْ كِتَابَ اللَّهِ، وَأَقَمْنَا عَلَى أَنْ

стр. 984

تَحْكُمُوا بِأَحْكَامِهِ، وَنَرْجِعُ عَنْكُمْ وَشَأْنُكُمْ وَبِلَادَكُمْ، وَإِنْ بَذَلْتُمُ الْجَزَاءَ قَبِلْنَا وَمَنَعْنَاكُمْ، وَإِلَّا قَاتَلْنَاكُمْ. فَتَكَلَّمَ يَزْدَجِرْدُ فَقَالَ: إِنِّي لَا أَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أُمَّةً أَشْقَى وَلَا أَقَلَّ عَدَدًا وَلَا أَسْوَأَ ذَاتَ بَيْنٍ مِنْكُمْ، قَدْ كُنَّا نُوكِلُ بِكُمْ قُرَى الضَّوَاحِي فَيَكْفُونَنَا أَمْرَكُمْ، وَلَا تَطْمَعُوا أَنْ تَقُومُوا لِفَارِسٍ، فَإِنْ كَانَ غَرَرٌ لَحِقَكُمْ فَلَا يَغُرَنَّكُمْ مِنَّا، وَإِنْ كَانَ الْجُهْدُ فَرَضْنَا لَكُمْ قُوتًا إِلَى خِصْبِكُمْ، وَأَكْرَمْنَا وُجُوهَكُمْ وَكَسَوْنَاكُمْ، وَمَلَّكْنَا عَلَيْكُمْ مَلِكًا يَرْفُقُ بِكُمْ. فَأَسْكَتَ الْقَوْمَ، فَقَامَ الْمُغِيرَةُ بْنُ زُرَارَةَ فَقَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، إِنَّ هَؤُلَاءِ رُءُوسُ الْعَرَبِ وَوُجُوهُهُمْ، وَهُمْ أَشْرَافٌ يَسْتَحْيُونَ مِنَ الْأَشْرَافِ، وَإِنَّمَا يُكْرِمُ الْأَشْرَافَ وَيُعَظِّمُ حَقَّهُمُ الْأَشْرَافُ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا أُرْسِلُوا بِهِ قَالُوهُ، وَلَا كُلُّ مَا تَكَلَّمْتَ بِهِ أَجَابُوكَ عَلَيْهِ، فَجَاوِبْنِي لِأَكُونَ الَّذِي أُبْلِغُكَ وَهُمْ يَشْهَدُونَ عَلَى ذَلِكَ لِي، فَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ سُوءِ الْحَالِ فَهِيَ عَلَى مَا وَصَفْتَ وَأَشَدُّ. ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ سُوءِ عَيْشِ الْعَرَبِ وَإِرْسَالِ اللَّهِ النَّبِيَّ ﷺ إِلَيْهِمْ نَحْوَ قَوْلِ النُّعْمَانِ، وَقِتَالِ مَنْ خَالَفَهُمْ أَوِ الْجِزْيَةِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: اخْتَرْ إِنْ شِئْتَ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَأَنْتَ صَاغِرٌ، وَإِنْ شِئْتَ فَالسَّيْفُ، أَوْ تُسْلِمُ فَتُنْجِي نَفْسَكَ. فَقَالَ: لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَقَتَلْتُكُمْ! لَا شَيْءَ لَكُمْ عِنْدِي. ثُمَّ اسْتَدْعَى بِوِقْرٍ مِنْ تُرَابٍ فَقَالَ: احْمِلُوهُ عَلَى أَشْرَافِ هَؤُلَاءِ، ثُمَّ سُوقُوهُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ بَابِ الْمَدَائِنِ، ارْجِعُوا إِلَى صَاحِبِكُمْ فَأَعْلِمُوهُ أَنِّي مُرْسِلٌ إِلَيْهِ رُسْتُمَ حَتَّى يَدْفِنَهُ وَيَدْفِنَكُمْ مَعَهُ فِي خَنْدَقِ الْقَادِسِيَّةِ، ثُمَّ أُورِدُهُ بِلَادَكُمْ حَتَّى أُشْغِلَكُمْ بِأَنْفُسِكُمْ بِأَشَدَّ مِمَّا نَالَكُمْ مِنْ سَابُورَ. فَقَامَ عَاصِمُ بْنُ عَمْرٍو لِيَأْخُذَ التُّرَابَ وَقَالَ: أَنَا أَشْرَفُهُمْ، أَنَا سَيِّدُ هَؤُلَاءِ. فَحَمَلَهُ عَلَى عُنُقِهِ وَخَرَجَ إِلَى رَاحِلَتِهِ فَرَكِبَهَا، وَأَخَذَ التُّرَابَ وَقَالَ لِسَعْدٍ: أَبْشِرْ فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَعْطَانَا اللَّهُ أَقَالِيدَ مُلْكِهِمْ. وَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى جُلَسَاءِ الْمَلِكِ، وَقَالَ الْمَلِكُ لِرُسْتُمَ، وَقَدْ حَضَرَ عِنْدَهُ مِنْ سَابَاطَ: مَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ فِي الْعَرَبِ مِثْلَ هَؤُلَاءِ، مَا أَنْتُمْ بِأَحْسَنَ جَوَابًا مِنْهُمْ، وَلَقَدْ صَدَقَنِي الْقَوْمُ، لَقَدْ وُعِدُوا أَمْرًا لَيُدْرِكُنَّهُ أَوْ لَيَمُوتُنَّ عَلَيْهِ، عَلَى أَنِّي وَجَدْتُ أَفْضَلَهُمْ أَحْمَقَهُمْ حَيْثُ حَمَلَ

стр. 985

التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ. فَقَالَ رُسْتُمُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، إِنَّهُ أَعْقَلُهُمْ. وَتَطَيَّرَ إِلَى ذَلِكَ وَأَبْصَرَهَا دُونَ أَصْحَابِهِ، وَخَرَجَ رُسْتُمُ مِنْ عِنْدِ الْمَلِكِ غَضْبَانَ كَئِيبًا، وَبَعَثَ فِي أَثَرِ الْوَفْدِ وَقَالَ لِثِقَتِهِ: إِنْ أَدْرَكَهُمُ الرَّسُولُ تَلَافَيْنَا أَرْضَنَا، وَإِنْ أَعْجَزَهُ سَلَبَكُمُ اللَّهُ أَرْضَكُمْ، فَرَجَعَ الرَّسُولُ مِنَ الْحِيرَةِ بِفَوَاتِهِمْ، فَقَالَ: ذَهَبَ الْقَوْمُ بِأَرْضِكُمْ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ. وَكَانَ مُنَجِّمًا كَاهِنًا. وَأَغَارَ سَوَادُ بْنُ مَالِكٍ التَّمِيمِيُّ بَعْدَ مَسِيرِ الْوَفْدِ إِلَى يَزْدَجِرْدَ عَلَى النِّجَافِ وَالْفِرَاضِ، فَاسْتَاقَ دَابَّةً مِنْ بَيْنِ بَغْلٍ وَحِمَارٍ وَثَوْرٍ وَأَوْقَرَهَا سُمْكًا، وَصَبَّحَ الْعَسْكَرَ، فَقَسَمَهُ سَعْدٌ بَيْنَ النَّاسِ، وَهَذَا يَوْمُ الْحِيتَانِ، وَكَانَتِ السَّرَايَا تَسْرِي لِطَلَبِ اللُّحُومِ، فَإِنَّ الطَّعَامَ كَانَ كَثِيرًا عِنْدَهُمْ، فَكَانُوا يُسَمُّونَ الْأَيَّامَ بِهَا: يَوْمُ الْأَبَاقِرِ وَيَوْمُ الْحِيتَانِ. وَبَعَثَ سَعْدٌ سَرِيَّةً أُخْرَى فَأَغَارُوا فَأَصَابُوا إِبِلًا لِبَنِي تَغْلِبَ وَالنَّمِرِ وَاسْتَاقُوهَا وَمَنْ فِيهَا، فَنَحَرَ سَعْدٌ الْإِبِلَ وَقَسَمَهَا فِي النَّاسِ فَأَخْصَبُوا، وَأَغَارَ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَلَى النَّهْرَيْنِ فَاسْتَاقَ مَوَاشِيَ كَثِيرَةً وَعَادَ. وَسَارَ رُسْتُمُ مِنْ سَابَاطَ، وَجَمَعَ آلَةَ الْحَرْبِ وَبَعَثَ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ الْجَالِينُوسَ فِي أَرْبَعِينَ أَلْفًا، وَخَرَجَ هُوَ فِي سِتِّينَ أَلْفًا، وَفِي سَاقَتِهِ عِشْرُونَ أَلْفًا، وَجَعَلَ فِي مَيْمَنَتِهِ الْهُرْمُزَانَ، وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ مِهْرَانَ بْنَ بَهْرَامَ الرَّازِيَّ، وَقَالَ رُسْتُمُ لِلْمَلِكِ يُشَجِّعُهُ بِذَلِكَ: إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْنَا الْقَوْمَ فَتَوَجَّهْنَا إِلَى مِلْكِهِمْ فِي دَارِهِمْ حَتَّى نُشْغِلَهُمْ فِي أَصْلِهِمْ وَبِلَادِهِمْ إِلَى أَنْ يَقْبَلُوا الْمُسَالَمَةَ. وَكَانَ خُرُوجُ رُسْتُمَ مِنَ الْمَدَائِنِ فِي سِتِّينَ أَلْفَ مَتْبُوعٍ، وَمَسِيرُهُ عَنْ سَابَاطَ فِي مِائَةِ أَلْفٍ وَعِشْرِينَ أَلْفَ مَتْبُوعٍ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَلَمَّا فَصَلَ رُسْتُمُ عَنْ سَابَاطَ كَتَبَ إِلَى أَخِيهِ الْبِنْذَوَانِ: أَمَّا بَعْدُ فَرُمُّوا حُصُونَكُمْ وَأَعِدُّوا وَاسْتَعِدُّوا، فَكَأَنَّكُمْ بِالْعَرَبِ قَدْ قَارَعُوكُمْ عَنْ أَرْضِكُمْ وَأَبْنَائِكُمْ، وَقَدْ كَانَ مِنْ رَأْيِي مُدَافَعَتُهُمْ وَمُطَاوَلَتُهُمْ حَتَّى تَعُودَ سُعُودُهُمْ نُحُوسًا، فَإِنَّ السَّمَكَةَ قَدْ كَدَّرَتِ الْمَاءَ، وَإِنَّ النَّعَائِمَ قَدْ حَسُنَتْ، وَالزُّهْرَةُ قَدْ حَسُنَتْ، وَاعْتَدَلَ الْمِيزَانُ، وَذَهَبَ بَهْرَامُ، وَلَا أَرَى هَؤُلَاءِ

стр. 986

الْقَوْمَ إِلَّا سَيَظْهَرُونَ عَلَيْنَا، وَيَسْتَوْلُونَ عَلَى مَا يَلِينَا، وَإِنَّ أَشَدَّ مَا رَأَيْتُ أَنَّ الْمَلِكَ قَالَ: لَتَسِيرُنَّ أَوْ لَأَسِيرَنَّ بِنَفْسِي. وَلَقِيَ جَابَانُ رُسْتُمَ عَلَى قَنْطَرَةِ سَابَاطَ، وَكَانَا مُنَجِّمَيْنِ، فَشَكَا إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: أَلَا تَرَى مَا أَرَى؟ فَقَالَ لَهُ رُسْتُمُ: أَمَّا أَنَا فَأُقَادُ بِخِشَاشٍ وَزِمَامٍ، وَلَا أَجِدُ بُدًّا مِنَ الِانْقِيَادِ. ثُمَّ سَارَ فَنَزَلَ بِكُوثَى، فَأُتِيَ بِرَجُلٍ مِنَ الْعَرَبِ، فَقَالَ لَهُ: مَا جَاءَ بِكُمْ وَمَاذَا تَطْلُبُونَ؟ فَقَالَ: جِئْنَا نَطْلُبُ مَوْعُودَ اللَّهِ بِمِلْكِ أَرْضِكُمْ وَأَبْنَائِكُمْ إِنْ أَبَيْتُمْ أَنْ تُسْلِمُوا. قَالَ رُسْتُمُ: فَإِنْ قُتِلْتُمْ قَبْلَ ذَلِكَ! قَالَ: مَنْ قُتِلَ مِنَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ بَقِيَ مِنَّا أَنْجَزَهُ اللَّهُ مَا وَعَدَهُ، فَنَحْنُ عَلَى يَقِينٍ. فَقَالَ رُسْتُمُ: قَدْ وَضَعَنَا إِذَنْ فِي أَيْدِيكُمْ! فَقَالَ: أَعْمَالُكُمْ وَضَعَتْكُمْ فَأَسْلَمَكُمُ اللَّهُ بِهَا، فَلَا يَغُرَنَّكَ مَنْ تَرَى حَوْلَكَ، فَإِنَّكَ لَسْتَ تُجَاوِلُ الْإِنْسَ إِنَّمَا تُجَاوِلُ الْقَدَرَ. فَضَرَبَ عُنُقَهُ، ثُمَّ سَارَ فَنَزَلَ الْبُرْسَ، فَغَصَبَ أَصْحَابُهُ النَّاسَ أَبْنَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَوَقَعُوا عَلَى النِّسَاءِ وَشَرِبُوا الْخُمُورَ، فَضَجَّ أَهْلُهَا إِلَى رُسْتُمَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ فَارِسَ، وَاللَّهِ لَقَدْ صَدَقَ الْعَرَبِيُّ، وَاللَّهِ مَا أَسْلَمَنَا إِلَّا أَعْمَالُنَا، وَاللَّهِ إِنَّ الْعَرَبَ مَعَ هَؤُلَاءِ وَهُمْ لَهُمْ حَرْبٌ أَحْسَنُ سِيرَةً مِنْكُمْ، إِنَّ اللَّهَ كَانَ يَنْصُرُكُمْ عَلَى الْعَدُوِّ وَيُمَكِّنُ لَكْمُ فِي الْبِلَادِ بِحُسْنِ السِّيرَةِ، وَكَفِّ الظُّلْمِ وَالْوَفَاءِ وَالْإِحْسَانِ، فَإِذَا تَغَيَّرْتُمْ فَلَا يُرَى اللَّهُ إِلَّا مُغَيِّرًا مَا بِكُمْ، وَمَا أَنَا بِآمِنٍ مِنْ أَنْ يَنْزِعَ اللَّهُ سُلْطَانَهُ مِنْكُمْ. وَأُتِيَ بِبَعْضِ مَنْ يُشْكَى مِنْهُ فَضَرَبَ عُنُقَهُ. ثُمَّ سَارَ حَتَّى نَزَلَ الْحِيرَةَ، وَدَعَا أَهْلَهَا وَتَهَدَّدَهُمْ وَهَمَّ بِهِمْ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ بُقَيْلَةَ: لَا تَجْمَعْ عَلَيْنَا أَنْ تَعْجِزَ عَنْ نُصْرَتِنَا، وَتَلُومَنَا عَلَى الدَّفْعِ عَنْ أَنْفُسِنَا. وَلَمَّا نَزَلَ رُسْتُمُ بِالنَّجَفِ رَأَى كَأَنَّ مَلَكًا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ وَمَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَعُمَرُ، فَأَخَذَ الْمَلِكُ سِلَاحَ أَهْلِ فَارِسَ فَخَتَمَهُ، ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَدَفَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى عُمَرَ، فَأَصْبَحَ رُسْتُمُ حَزِينًا. وَأَرْسَلَ سَعْدٌ السَّرَايَا وَرُسْتُمُ بِالنَّجَفِ، وَالْجَالِينُوسُ بَيْنَ النَّجَفِ وَالسَّيْلَحِينِ، فَطَافَتْ فِي السَّوَادِ، فَبَعَثَ سَوَادًا وَحُمَيْضَةَ فِي مِائَةِ مِائَةٍ، فَأَغَارُوا عَلَى النَّهْرَيْنِ، وَبَلَغَ رُسْتُمَ الْخَبَرُ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ خَيْلًا، وَسَمِعَ سَعْدٌ أَنَّ خَيْلَهُ قَدْ وَغَلَتْ فَأَرْسَلَ عَاصِمَ بْنَ عَمْرٍو وَجَابِرًا

стр. 987

الْأَسَدِيَّ فِي آثَارِهِمْ، فَلَقِيَهُمْ عَاصِمٌ وَخَيْلُ فَارِسَ تَحُوشُهُمْ لِيُخَلِّصُوا مَا بِأَيْدِيهِمْ، فَلَمَّا رَأَتْهُ الْفُرْسُ هَرَبُوا وَرَجَعَ الْمُسْلِمُونَ بِالْغَنَائِمِ. وَأَرْسَلَ سَعْدٌ عَمْرَو بْنَ مَعْدِي كَرِبَ وَطُلَيْحَةَ الْأَسَدِيَّ طَلِيعَةً، فَسَارَا فِي عَشَرَةٍ، فَلَمْ يَسِيرُوا إِلَّا فَرْسَخًا وَبَعْضَ آخَرَ حَتَّى رَأَوْا مَسَالِحَهُمْ وَسَرْحَهُمْ عَلَى الطُّفُوفِ قَدْ مَلَئُوهَا، فَرَجَعَ عَمْرٌو وَمَنْ مَعَهُ، وَأَبَى طُلَيْحَةُ إِلَّا التَّقَدُّمَ، فَقَالُوا لَهُ: أَنْتَ رَجُلٌ فِي نَفْسِكَ غَدْرٌ، وَلَنْ تُفْلِحَ بَعْدَ قَتْلِ عُكَّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ، فَارْجِعْ مَعَنَا. فَأَبَى، فَرَجَعُوا إِلَى سَعْدٍ فَأَخْبَرُوهُ بِقُرْبِ الْقَوْمِ. وَمَضَى طُلَيْحَةُ حَتَّى دَخَلَ عَسْكَرَ رُسْتُمَ، وَبَاتَ فِيهِ يَجُوسُهُ وَيَتَوَسَّمُ، فَهَتَكَ أَطْنَابَ بَيْتِ رَجُلٍ عَلَيْهِ وَاقْتَادَ فَرَسَهُ، ثُمَّ هَتَكَ عَلَى آخَرَ بَيْتَهُ وَحَلَّ فَرَسَهُ، ثُمَّ فَعَلَ بِآخَرَ كَذَلِكَ، ثُمَّ خَرَجَ يَعْدُو بِهِ فَرَسُهُ، وَنَذَرَ بِهِ النَّاسُ فَرَكِبُوا فِي طَلَبِهِ، فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَحِقَهُ فَارِسٌ مِنَ الْجُنْدِ فَقَتَلَهُ طُلَيْحَةُ، ثُمَّ آخَرُ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ لَحِقَ بِهِ ثَالِثٌ فَرَأَى مَصْرَعَ صَاحِبَيْهِ، وَهُمَا ابْنَا عَمِّهِ، فَازْدَادَ حَنَقًا، فَلَحِقَ طُلَيْحَةَ، فَكَرَّ عَلَيْهِ طُلَيْحَةُ وَأَسَرَهُ، وَلَحِقَهُ النَّاسُ، فَرَأَوْا فَارِسَيِ الْجُنْدِ قَدْ قُتِلَا وَأُسِرَ الثَّالِثُ وَقَدْ شَارَفَ طُلَيْحَةُ عَسْكَرَهُ، فَأَحْجَمُوا عَنْهُ، وَدَخَلَ طُلَيْحَةُ عَلَى سَعْدٍ وَمَعَهُ الْفَارِسِيُّ وَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَسَأَلَ التُّرْجُمَانُ الْفَارِسِيَّ، فَطَلَبَ الْأَمَانَ، فَآمَنَهُ سَعْدٌ، قَالَ: أُخْبِرُكُمْ عَنْ صَاحِبِكُمْ هَذَا قَبْلَ أَنْ أُخْبِرَكُمْ عَمَّنْ قِبَلِي، بَاشَرْتُ الْحُرُوبَ مُنْذُ أَنَا غُلَامٌ إِلَى الْآنِ، وَسَمِعْتُ بِالْأَبْطَالِ، وَلَمْ أَسْمَعْ بِمِثْلِ هَذَا، أَنَّ رَجُلًا قَطَعَ فَرْسَخَيْنِ إِلَى عَسْكَرٍ فِيهِ سَبْعُونَ أَلْفًا، يَخْدِمُ الرَّجُلَ مِنْهُمُ الْخَمْسَةُ وَالْعَشَرَةُ، فَلَمْ يَرْضَ أَنْ يَخْرُجَ كَمَا دَخَلَ حَتَّى سَلَبَ فُرْسَانَ الْجُنْدِ، وَهَتَكَ عَلَيْهِمُ الْبُيُوتَ، فَلَمَّا أَدْرَكْنَاهُ قَتَلَ الْأَوَّلَ وَهُوَ يُعَدُّ بِأَلْفِ فَارِسٍ، ثُمَّ الثَّانِي وَهُوَ نَظِيرُهُ، ثُمَّ أَدْرَكْتُهُ أَنَا وَلَا أَظُنُّ أَنَّنِي خَلَّفْتُ مِنْ بَعْدِي مَنْ يَعْدِلُنِي وَأَنَا الثَّائِرُ بِالْقَتِيلَيْنِ، فَرَأَيْتُ الْمَوْتَ وَاسْتُؤْسِرْتُ. ثُمَّ أَخْبَرَهُ عَنِ الْفُرْسِ، وَأَسْلَمَ وَلَزِمَ طُلَيْحَةَ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْبَلَاءِ بِالْقَادِسِيَّةِ، وَسَمَّاهُ سَعْدٌ مُسْلِمًا. ثُمَّ سَارَ رُسْتُمُ وَقَدِمَ الْجَالِينُوسُ وَذَا الْحَاجِبِ، فَنَزَلَ الْجَالِينُوسُ بِحِيَالِ زُهْرَةَ مِنْ دُونِ الْقَنْطَرَةِ، وَنَزَلَ ذُو الْحَاجِبِ بِطِيزَنَابَاذَ، وَنَزَلَ رُسْتُمُ بِالْخَرَّارَةِ، ثُمَّ سَارَ رُسْتُمُ فَنَزَلَ بِالْقَادِسِيَّةِ، وَكَانَ بَيْنَ مَسِيرِهِ مِنَ الْمَدَائِنِ وَوُصُولِهِ الْقَادِسِيَّةَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، لَا يَقْدَمُ رَجَاءَ أَنْ

стр. 988

يَضْجَرُوا بِمَكَانِهِمْ فَيَنْصَرِفُوا، وَخَافَ أَنْ يَلْقَى مَا لَقِيَ مَنْ قَبْلَهُ، وَطَاوَلَهُمْ لَوْلَا مَا جَعَلَ الْمَلِكُ يَسْتَعْجِلُهُ وَيُنْهِضُهُ وَيُقَدِّمُهُ، حَتَّى أَقْحَمَهُ. وَكَانَ عُمَرُ قَدْ كَتَبَ إِلَى سَعْدٍ يَأْمُرُهُ بِالصَّبْرِ وَالْمُطَاوَلَةِ أَيْضًا، فَأَعَدَّ لِلْمُطَاوَلَةِ. فَلَمَّا وَصَلَ رُسْتُمُ الْقَادِسِيَّةَ وَقَفَ عَلَى الْعَتِيقِ بِحِيَالِ عَسْكَرِ سَعْدٍ وَنَزَلَ النَّاسُ، فَمَا زَالُوا يَتَلَاحَقُونَ حَتَّى أَعْتَمُوا مِنْ كَثْرَتِهِمْ، وَالْمُسْلِمُونَ مُمْسِكُونَ عَنْهُمْ. وَكَانَ مَعَ رُسْتُمَ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ فِيلًا، مِنْهَا فِيلُ سَابُورَ الْأَبْيَضُ، وَكَانَتِ الْفِيَلَةُ تَأْلَفُهُ، فَجَعَلَ فِي الْقَلْبِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ فِيلًا، وَفِي الْمُجَنِّبَتَيْنِ خَمْسَةَ عَشَرَ فِيلًا. فَلَمَّا أَصْبَحَ رُسْتُمُ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ رَكِبَ وَسَايَرَ الْعَتِيقَ نَحْوَ خُفَّانَ، حَتَّى أَتَى عَلَى مُنْقَطَعِ عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ صَعِدَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْقَنْطَرَةِ، فَتَأَمَّلَ الْمُسْلِمِينَ وَوَقَفَ عَلَى مَوْضِعٍ يُشْرِفُ مِنْهُ عَلَيْهِمْ، وَوَقَفَ عَلَى الْقَنْطَرَةِ، وَأَرْسَلَ إِلَى زُهْرَةَ فَوَاقَفَهُ، فَأَرَادَهُ عَلَى أَنْ يُصَالِحَهُ وَيَجْعَلَ لَهُ جُعْلًا عَلَى أَنْ يَنْصَرِفُوا عَنْهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُصَرِّحَ لَهُ بِذَلِكَ، بَلْ يَقُولُ لَهُ: كُنْتُمْ جِيرَانَنَا، وَكُنَّا نُحْسِنُ إِلَيْكُمْ وَنَحْفَظُكُمْ. وَيُخْبِرُهُ عَنْ صَنِيعِهِمْ مَعَ الْعَرَبِ. فَقَالَ لَهُ زُهْرَةُ: لَيْسَ أَمْرُنَا أَمْرَ أُولَئِكَ، إِنَّنَا لَمْ نَأْتِكُمْ لِطَلَبِ الدُّنْيَا، إِنَّمَا طَلِبَتُنَا وَهِمَّتُنَا الْآخِرَةُ، وَقَدْ كُنَّا كَمَا ذَكَرْتَ إِلَى أَنْ بَعَثَ اللَّهُ فِينَا رَسُولًا، فَدَعَانَا إِلَى رَبِّهِ، فَأَجَبْنَاهُ، فَقَالَ لِرَسُولِهِ: إِنِّي سَلَّطْتُ هَذِهِ الطَّائِفَةَ عَلَى مَنْ لَمْ يَدِنْ بِدِينِي، فَأَنَا مُنْتَقِمٌ بِهِ مِنْهُمْ، وَأَجْعَلُ لَهُمُ الْغَلَبَةَ مَا دَامُوا مُقِرِّينَ بِهِ، وَهُوَ دِينُ الْحَقِّ لَا يَرْغَبُ عَنْهُ أَحَدٌ إِلَّا ذَلَّ، وَلَا يَعْتَصِمُ بِهِ أَحَدٌ إِلَّا عَزَّ. فَقَالَ لَهُ رُسْتُمُ: مَا هُوَ؟ قَالَ: أَمَّا عَمُودُهُ الَّذِي لَا يَصْلُحُ إِلَّا بِهِ فَشَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ: وَأَيُّ شَيْءٍ أَيْضًا؟ قَالَ: وَإِخْرَاجُ الْعِبَادِ مِنْ عِبَادَةِ الْعِبَادِ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ، وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ وَحَوَّاءَ إِخْوَةٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ. قَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا! ثُمَّ قَالَ رُسْتُمُ: أَرَأَيْتَ إِنْ أَجَبْتُ إِلَى هَذَا وَمَعِي قَوْمِي، كَيْفَ يَكُونُ أَمْرُكُمْ، أَتَرْجِعُونَ؟ قَالَ: إِي وَاللَّهِ. قَالَ: صَدَقْتَنِي، أَمَّا إِنَّ أَهْلَ فَارِسَ مُنْذُ وَلِيَ أَرْدَشِيرُ لَمْ يَدَعُوا أَحَدًا يَخْرُجُ مِنْ عَمَلِهِ مِنَ السِّفْلَةِ، كَانُوا يَقُولُونَ: إِذَا خَرَجُوا مِنْ أَعْمَالِهِمْ تَعَدُّوا طَوْرَهُمْ وَعَادُوا أَشْرَافَهُمْ. فَقَالَ زُهْرَةُ: نَحْنُ خَيْرُ النَّاسِ لِلنَّاسِ، فَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَكُونَ كَمَا تَقُولُونَ، بَلْ نُطِيعُ اللَّهَ فِي السِّفْلَةِ، وَلَا يَضُرُّنَا مَنْ عَصَى اللَّهَ فِينَا. فَانْصَرَفَ عَنْهُ وَدَعَا رِجَالَ فَارِسَ فَذَاكَرَهُمْ هَذَا فَأَنِفُوا. فَأَرْسَلَ إِلَى سَعْدٍ: أَنِ

стр. 989

ابْعَثْ إِلَيْنَا رَجُلًا نُكَلِّمُهُ وَيُكَلِّمُنَا. فَدَعَا سَعْدٌ جَمَاعَةً لِيُرْسِلَهُمْ إِلَيْهِمْ. فَقَالَ لَهُ رِبْعِيُّ بْنُ عَامِرٍ: مَتَى نَأْتِهِمْ جَمِيعًا يَرَوْا أَنَا قَدِ احْتَفَلْنَا بِهِمْ، فَلَا تَزِدْهُمْ عَلَى رَجُلٍ. فَأَرْسَلَهُ وَحْدَهُ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ، فَحَبَسُوهُ عَلَى الْقَنْطَرَةِ. وَأُعْلِمَ رُسْتُمُ بِمَجِيئِهِ فَأَظْهَرَ زِينَتَهُ، وَجَلَسَ عَلَى سَرِيرٍ مِنْ ذَهَبٍ، وَبَسَطَ الْبُسُطَ وَالنَّمَارِقَ وَالْوَسَائِدَ الْمَنْسُوجَةَ بِالذَّهَبِ، وَأَقْبَلَ رِبْعِيٌّ عَلَى فَرَسِهِ وَسَيْفُهُ فِي خِرْقَةٍ، وَرُمْحُهُ مَشْدُودٌ بِعَصَبٍ وَقَدٍّ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الْبُسُطِ قِيلَ لَهُ: انْزِلْ، فَحَمَلَ فَرَسَهُ عَلَيْهَا وَنَزَلَ، وَرَبَطَهَا بِوِسَادَتَيْنِ شَقَّهُمَا، وَأَدْخَلَ الْحَبْلَ فِيهِمَا، فَلَمْ يَنْهَوْهُ وَأَرَوْهُ التَّهَاوُنَ، وَعَلَيْهِ دِرْعٌ، وَأَخَذَ عَبَاءَةَ بِعِيرِهِ فَتَدَرَّعَهَا وَشَدَّهَا عَلَى وَسَطِهِ. فَقَالُوا: ضَعْ سِلَاحَكَ. فَقَالَ: لَمْ آتِكُمْ فَأَضَعَ سِلَاحِي بِأَمْرِكُمْ، أَنْتُمْ دَعَوْتُمُونِي. فَأَخْبَرُوا رُسْتُمَ، فَقَالَ: ائْذَنُوا لَهُ. فَأَقْبَلَ يَتَوَكَّأُ عَلَى رُمْحِهِ وَيُقَارِبُ خَطْوَهُ، فَلَمْ يَدْعُ لَهُمْ نُمْرُقًا وَلَا بِسَاطًا إِلَّا أَفْسَدَهُ وَهَتَكَهُ، فَلَمَّا دَنَا مِنْ رُسْتُمَ جَلَسَ عَلَى الْأَرْضِ، وَرَكَّزَ رُمْحَهُ عَلَى الْبُسُطِ، فَقِيلَ لَهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: إِنَّا لَا نَسْتَحِبُّ الْقُعُودَ عَلَى زِينَتِكُمْ. فَقَالَ لَهُ تُرْجُمَانُ رُسْتُمَ، وَاسْمُهُ عَبُودٌ مِنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ: مَا جَاءَ بِكُمْ؟ قَالَ: اللَّهُ جَاءَ بِنَا، وَهُوَ بَعَثَنَا لِنُخْرِجَ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ مِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا إِلَى سِعَتِهَا، وَمِنْ جَوْرِ الْأَدْيَانِ إِلَى عَدْلِ الْإِسْلَامِ، فَأَرْسَلَنَا بِدِينِهِ إِلَى خَلْقِهِ، فَمَنْ قَبِلَهُ قَبِلْنَا مِنْهُ، وَرَجَعْنَا عَنْهُ وَتَرَكْنَاهُ وَأَرْضَهُ دُونَنَا، وَمَنْ أَبَى قَاتَلْنَاهُ حَتَّى نُفْضِيَ إِلَى الْجَنَّةِ أَوِ الظَّفَرِ. فَقَالَ رُسْتُمُ: قَدْ سَمِعْنَا قَوْلَكُمْ، فَهَلْ لَكُمْ أَنْ تُؤَخِّرُوا هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى نَنْظُرَ فِيهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَإِنَّ مِمَّا سَنَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا نُمَكِّنَ الْأَعْدَاءَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ، فَنَحْنُ مُتَرَدِّدُونَ عَنْكُمْ ثَلَاثًا، فَانْظُرْ فِي أَمْرِكَ، وَاخْتَرْ وَاحِدَةً مِنْ ثَلَاثٍ بَعْدَ الْأَجَلِ: إِمَّا الْإِسْلَامُ وَنَدَعَكَ وَأَرْضَكَ، أَوِ الْجَزَاءُ فَنَقْبَلُ وَنَكُفُّ عَنْكَ، وَإِنِ احْتَجْتَ إِلَيْنَا نَصَرْنَاكَ، أَوِ الْمُنَابَذَةُ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ، إِلَّا أَنْ تَبْدَأَ بِنَا، أَنَا كَفِيلٌ بِذَلِكَ عَنْ أَصْحَابِي. قَالَ أَسَيِّدُهُمْ أَنْتَ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّ الْمُسْلِمِينَ كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ، بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، يُجِيرُ أَدْنَاهُمْ عَلَى أَعْلَاهُمْ. فَخَلَا رَسْتُمُ بِرُؤَسَاءِ قَوْمِهِ فَقَالَ: هَلْ رَأَيْتُمْ كَلَامًا قَطُّ أَعَزَّ وَأَوْضَحَ مِنْ كَلَامِ هَذَا الرَّجُلِ؟ فَقَالُوا: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَمِيلَ إِلَى دِينِ هَذَا الْكَلْبِ! أَمَا تَرَى إِلَى ثِيَابِهِ؟ فَقَالَ: وَيْحَكُمْ! لَا تَنْظُرُوا إِلَى الثِّيَابِ، وَلَكِنِ انْظُرُوا إِلَى الرَّأْيِ وَالْكَلَامِ وَالسِّيرَةِ، إِنَّ الْعَرَبَ تَسْتَخِفُّ بِاللِّبَاسِ وَتَصُونُ الْأَحْسَابَ، لَيْسُوا مِثْلَكُمْ. فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَرْسَلَ رُسْتُمُ إِلَى سَعْدٍ: أَنِ ابْعَثْ إِلَيْنَا ذَلِكَ الرَّجُلَ. فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ حَذِيفَةَ بْنَ مِحْصَنٍ، فَأَقْبَلَ فِي نَحْوٍ مِنْ ذَلِكَ الزِّيِّ، وَلَمْ يَنْزِلْ عَنْ فَرَسِهِ، وَوَقَفَ عَلَى

стр. 990

رُسْتُمَ رَاكِبًا. قَالَ لَهُ: انْزِلْ. قَالَ: لَا أَفْعَلُ. فَقَالَ لَهُ: مَا جَاءَ بِكَ وَلَمْ يَجِئِ الْأَوَّلُ؟ قَالَ لَهُ: إِنَّ أَمِيرَنَا يُحِبُّ أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَنَا فِي الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ، وَهَذِهِ نَوْبَتِي. فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكُمْ؟ فَأَجَابَهُ مِثْلَ الْأَوَّلِ. فَقَالَ رُسْتُمُ: أَوِ الْمُوَادَعَةُ إِلَى يَوْمٍ مَا؟ قَالَ: نَعَمْ، ثَلَاثًا مِنْ أَمْسِ. فَرَدَّهُ وَأَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ وَقَالَ: وَيْحَكُمْ! أَمَا تَرَوْنَ مَا أَرَى؟ جَاءَنَا الْأَوَّلُ بِالْأَمْسِ فَغَلَبَنَا عَلَى أَرْضِنَا، وَحَقَّرَ مَا نُعَظِّمُ وَأَقَامَ فَرَسَهُ عَلَى زِبْرِجِنَا، وَجَاءَ هَذَا الْيَوْمَ فَوَقَفَ عَلَيْنَا وَهُوَ فِي يُمْنِ الطَّائِرِ، يَقُومُ عَلَى أَرْضِنَا دُونَنَا. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ أَرْسَلَ: ابْعَثُوا إِلَيْنَا رَجُلًا. فَبَعَثَ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِمْ وَعَلَيْهِمُ التِّيجَانُ وَالثِّيَابُ الْمَنْسُوجَةُ بِالذَّهَبِ، وَبُسُطُهُمْ عَلَى غُلْوَةٍ، لَا يُوصَلُ إِلَى صَاحِبِهِمْ حَتَّى يُمْشَى عَلَيْهَا، فَأَقْبَلَ الْمُغِيرَةُ حَتَّى جَلَسَ مَعَ رُسْتُمَ عَلَى سَرِيرِهِ، فَوَثَبُوا عَلَيْهِ وَأَنْزَلُوهُ وَمَعَكُوهُ، وَقَالَ: قَدْ كَانَتْ تَبْلُغُنَا عَنْكُمُ الْأَحْلَامُ، وَلَا أَرَى قَوْمًا أَسْفَهَ مِنْكُمْ، إِنَّا مَعْشَرَ الْعَرَبِ لَا نَسْتَعْبِدُ بَعْضَنَا بَعْضًا، فَظَنَنْتُ أَنَّكُمْ تُوَاسُونَ قَوْمَكُمْ كَمَا نَتَوَاسَى، فَكَانَ أَحْسَنَ مِنَ الَّذِي صَنَعْتُمْ أَنْ تُخْبِرُونِي أَنَّ بَعْضَكُمْ أَرْبَابُ بَعْضٍ، فَإِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَا يَسْتَقِيمُ فِيكُمْ وَلَا يَصْنَعُهُ أَحَدٌ، وَإِنِّي لَمْ آتِكُمْ وَلَكِنْ دَعَوْتُمُونِي، الْيَوْمَ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ مُغَلَّبُونَ، وَأَنَّ مُلْكًا لَا يَقُومُ عَلَى هَذِهِ السِّيرَةِ وَلَا عَلَى هَذِهِ الْعُقُولِ. فَقَالَتِ السِّفْلَةُ: صَدَقَ وَاللَّهِ الْعَرَبِيُّ. وَقَالَتِ الدَّهَاقِينُ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَمَى بِكَلَامٍ لَا تَزَالُ عَبِيدُنَا يَنْزِعُونَ إِلَيْهِ، قَاتَلَ اللَّهُ أَوَّلِينَا حِينَ كَانُوا يُصَغِّرُونَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ! ثُمَّ تَكَلَّمَ رُسْتُمُ فَحَمِدَ قَوْمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُمْ وَقَالَ: لَمْ نَزَلْ مُتَمَكِّنِينَ فِي الْبِلَادِ، ظَاهِرِينَ عَلَى الْأَعْدَاءِ، أَشْرَافًا فِي الْأُمَمِ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِثْلُ عِزِّنَا وَسُلْطَانِنَا، نُنْصَرُ عَلَيْهِمْ وَلَا يُنْصَرُونَ عَلَيْنَا، إِلَّا الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَالشَّهْرَ لِلذُّنُوبِ، فَإِذَا انْتَقَمَ اللَّهُ مِنَّا وَرَضِيَ عَلَيْنَا رَدَّ لَنَا الْكَرَّةَ عَلَى عَدُوِّنَا، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأُمَمِ أُمَّةٌ أَصْغَرَ عِنْدَنَا أَمْرًا مِنْكُمْ، كُنْتُمْ أَهْلَ قَشَفٍ وَمَعِيشَةٍ سَيِّئَةٍ لَا نَرَاكُمْ شَيْئًا، وَكُنْتُمْ تَقْصِدُونَنَا إِذَا قَحَطَتْ بِلَادُكُمْ، فَنَأْمُرُ لَكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ ثُمَّ نَرُدُّكُمْ، وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْكُمْ عَلَى مَا صَنَعْتُمْ إِلَّا الْجُهْدُ فِي بِلَادِكُمْ، فَأَنَا آمِرٌ لِأَمِيرِكُمْ بِكُسْوَةٍ وَبَغْلٍ وَأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَآمِرٌ لِكُلٍّ مِنْكُمْ بِوِقْرِ تَمْرٍ وَتَنْصَرِفُونَ عَنَّا، فَإِنِّي أَشْتَهِي أَنْ أَقْتُلَكُمْ.

стр. 991

فَتَكَلَّمَ الْمُغِيرَةُ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَرَازِقُهُ، فَمَنْ صَنَعَ شَيْئًا فَإِنَّمَا هُوَ يَصْنَعُهُ، وَأَمَّا الَّذِي ذَكَرْتَ بِهِ نَفْسَكَ وَأَهْلَ بِلَادِكَ فَنَحْنُ نَعْرِفُهُ، فَاللَّهُ صَنَعَهُ بِكُمْ وَوَضَعَهُ فِيكُمْ، وَهُوَ لَهُ دُونَكُمْ، وَأَمَّا الَّذِي ذَكَرْتَ فِينَا مِنْ سُوءِ الْحَالِ وَالضِّيقِ وَالِاخْتِلَافِ فَنَحْنُ نَعْرِفُهُ وَلَسْنَا نُنْكِرُهُ، وَاللَّهُ ابْتَلَانَا بِهِ وَالدُّنْيَا دُوَلٌ، وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ الشَّدَائِدِ يَتَوَقَّعُونَ الرَّخَاءَ حَتَّى يَصِيرُوا إِلَيْهِ، وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ الرَّخَاءِ يَتَوَقَّعُونَ الشَّدَائِدَ حَتَّى تَنْزِلَ بِهِمْ، وَلَوْ شَكَرْتُمْ مَا آتَاكُمُ اللَّهُ لَكَانَ شُكْرُكُمْ يُقَصِّرُ عَمَّا أُوتِيتُمْ، وَأَسْلَمَكُمْ ضُعْفُ الشُّكْرِ إِلَى تَغَيُّرِ الْحَالِ، وَلَوْ كُنَّا فِيمَا ابْتُلِينَا بِهِ أَهْلَ كُفْرٍ لَكَانَ عَظِيمُ مَا ابْتُلِينَا بِهِ مُسْتَجْلِبًا مِنَ اللَّهِ رَحْمَةً يُرَفِّهُ بِهَا عَنَّا، إِنَّ اللَّهَ ﵎ بَعَثَ فِينَا رَسُولًا. ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذِكْرِ الْإِسْلَامِ وَالْجِزْيَةِ وَالْقِتَالِ، وَقَالَ لَهُ: وَإِنَّ عِيَالَنَا قَدْ ذَاقُوا طَعَامَ بِلَادِكُمْ، فَقَالُوا: لَا صَبْرَ لَنَا عَنْهُ. فَقَالَ رُسْتُمُ: إِذًا تَمُوتُونَ دُونَهَا. فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: يَدْخُلُ مَنْ قُتِلَ مِنَّا الْجَنَّةَ وَمَنْ قُتِلَ مِنْكُمُ النَّارَ، وَيَظْفَرُ مَنْ بَقِيَ مِنَّا بِمَنْ بَقِيَ مِنْكُمْ. فَاسْتَشَاطَ رُسْتُمُ غَضَبًا ثُمَّ حَلَفَ أَنْ لَا يَرْتَفِعَ الصُّبْحُ غَدًا حَتَّى نَقْتُلَكُمْ أَجْمَعِينَ. وَانْصَرَفَ الْمُغِيرَةُ وَخَلَصَ رُسْتُمُ بِأَهْلِ فَارِسَ وَقَالَ: أَيْنَ هَؤُلَاءِ مِنْكُمْ! هَؤُلَاءِ وَاللَّهِ الرِّجَالُ، صَادِقِينَ كَانُوا أَمْ كَاذِبِينَ، وَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ بَلَغَ مِنْ عَقْلِهِمْ وَصَوْنِهِمْ لِسِرِّهِمْ أَنْ لَا يَخْتَلِفُوا، فَمَا قَوْمٌ أَبْلَغَ لِمَا أَرَادُوا مِنْهُمْ، وَلَئِنْ كَانُوا صَادِقِينَ فَمَا يَقُومُ لِهَؤُلَاءِ شَيْءٌ! فَلُجُّوا وَتَجَلَّدُوا. فَأَرْسَلَ رُسْتُمُ مَعَ الْمُغِيرَةِ وَقَالَ لَهُ: إِذَا قَطَعَ الْقَنْطَرَةَ فَأَعْلِمْهُ أَنَّ عَيْنَهُ تُفْقَأُ غَدًا، فَأَعْلَمَهُ الرَّسُولُ ذَلِكَ: فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: بَشَّرْتَنِي بِخَيْرٍ وَأَجْرٍ، وَلَوْلَا أَنْ أُجَاهِدَ بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ أَشْبَاهَكُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ لَتَمَنَّيْتُ أَنَّ الْأُخْرَى ذَهَبَتْ. فَرَجَعَ إِلَى رُسْتُمَ فَأَخْبَرَهُ. فَقَالَ: أَطِيعُونِي يَا أَهْلَ فَارِسَ، إِنِّي لَأَرَى لِلَّهِ فِيكُمْ نِقْمَةً لَا تَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا. ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ سَعْدٌ بَقِيَّةَ ذَوِي الرَّأْيِ فَسَارُوا، وَكَانُوا ثَلَاثَةً، إِلَى رُسْتُمَ فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ أَمِيرَنَا يَدْعُوكَ إِلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَنَا وَلَكَ، الْعَافِيَةُ أَنْ تَقْبَلَ مَا دَعَاكَ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَنَرْجِعُ إِلَى أَرْضِنَا، وَتَرْجِعُ إِلَى أَرْضِكَ، وَدَارُكُمْ لَكُمْ وَأَمْرُكُمْ فِيكُمْ، وَمَا أَصَبْتُمْ كَانَ زِيَادَةً لَكُمْ دُونَنَا، وَكُنَّا عَوْنًا لَكُمْ عَلَى أَحَدٍ إِنْ أَرَادَكُمْ، فَاتَّقِ اللَّهَ وَلَا يَكُونَنَّ هَلَاكُ قَوْمِكَ عَلَى يَدِكَ، وَلَيْسَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ أَنْ تُغْبَطَ بِهَذَا الْأَمْرِ إِلَّا أَنْ تَدْخُلَ فِيهِ، وَتَطْرُدَ بِهِ الشَّيْطَانَ عَنْكَ.

стр. 992

فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ الْأَمْثَالَ أَوْضَحُ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْكَلَامِ، إِنَّكُمْ كُنْتُمْ أَهْلَ جَهْدٍ وَقَشَفٍ لَا تَنْتَصِفُونَ وَلَا تَمْتَنِعُونَ فَلَمْ نُسِئْ جِوَارَكُمْ، وَكُنَّا نَمِيرُكُمْ وَنُحْسِنُ إِلَيْكُمْ، فَلَمَّا طَعِمْتُمْ طَعَامَنَا وَشَرِبْتُمْ شَرَابَنَا وَصَفْتُمْ لِقَوْمِكُمْ ذَلِكَ، وَدَعَوْتُمُوهُمْ ثُمَّ أَتَيْتُمُونَا، وَإِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُنَا كَمَثَلِ رَجُلٍ كَانَ لَهُ كَرْمٌ فَرَأَى فِيهِ ثَعْلَبًا، فَقَالَ: وَمَا ثَعْلَبٌ! فَانْطَلَقَ الثَّعْلَبُ، فَدَعَا الثَّعَالِبَ إِلَى ذَلِكَ الْكَرْمِ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ سَدَّ صَاحِبُ الْكَرْمِ النَّقْبَ الَّذِي كُنَّ يَدْخُلْنَ مِنْهُ فَقَتَلَهُنَّ ; فَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ الَّذِي حَمَلَكُمْ عَلَى هَذَا: الْحِرْصُ وَالْجَهْدُ، فَارْجِعُوا وَنَحْنُ نَمِيرُكُمْ، فَإِنِّي لَا أَشْتَهِي أَنْ أَقْتُلَكُمْ، وَمَثَلُكُمْ أَيْضًا كَالذُّبَابِ يَرَى الْعَسَلَ فَيَقُولُ: مَنْ يُوصِلُنِي إِلَيْهِ وَلَهُ دِرْهَمَانِ؟ فَإِذَا دَخَلَهُ غَرِقَ وَنَشِبَ، فَيَقُولُ: مَنْ يُخْرِجُنِي وَلَهُ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ؟ وَقَالَ أَيْضًا: إِنَّ رَجُلًا وَضَعَ سَلَّةً وَجَعَلَ طَعَامًا فِيهَا، فَأَتَى الْجُرْذَانُ فَخَرَقْنَ السَّلَّةَ، فَدَخَلْنَ فِيهَا، فَأَرَادَ سَدَّهَا فَقِيلَ لَهُ: لَا تَفْعَلْ إِذَنْ يَخْرِقْنَهُ، لَكِنِ انْقُبْ بِحِيَالِهِ، ثُمَّ اجْعَلْ (فِيهَا) قَصَبَةً مُجَوَّفَةً، فَإِذَا دَخَلَهَا الْجُرْذَانُ وَخَرَجْنَ مِنْهَا فَاقْتُلْ كُلَّ مَا خَرَجَ مِنْهَا، وَقَدْ سَدَدْتُ عَلَيْكُمْ (فَإِيَّاكُمْ) أَنْ تَقْتَحِمُوا الْقَصَبَةَ فَلَا يَخْرُجُ مِنْهَا أَحَدٌ إِلَّا قُتِلَ، فَمَا دَعَاكُمْ إِلَى مَا صَنَعْتُمْ وَلَا أَرَى عَدَدًا وَلَا عُدَّةً! . قَالَ: فَتَكَلَّمَ الْقَوْمُ، وَذَكَرُوا سُوءَ حَالِهِمْ، وَمَا مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ إِرْسَالِ رَسُولِهِ، وَاخْتِلَافِهِمْ أَوَّلًا، ثُمَّ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنَ الْجِهَادِ، وَقَالُوا: وَأَمَّا مَا ضَرَبْتَ لَنَا مِنَ الْأَمْثَالِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَكِنْ إِنَّمَا مَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ غَرَسَ أَرْضًا وَاخْتَارَ لَهَا الشَّجَرَ، وَأَجْرَى إِلَيْهَا الْأَنْهَارَ، وَزَيَّنَهَا بِالْقُصُورِ، وَأَقَامَ فِيهَا فَلَّاحِينَ يَسْكُنُونَ قُصُورَهَا وَيَقُومُونَ عَلَى جِنَانِهَا، فَخَلَا الْفَلَّاحُونَ فِي الْقُصُورِ عَلَى مَا لَا يُحِبُّ، فَأَطَالَ إِمْهَالَهُمْ فَلَمْ يَسْتَحْيُوا، فَدَعَا إِلَيْهَا غَيْرَهُمْ وَأَخْرَجَهُمْ مِنْهَا، فَإِنْ ذَهَبُوا عَنْهَا تَخَطَّفَهُمُ النَّاسُ وَإِنْ أَقَامُوا فِيهَا صَارُوا خَوَلًا لِهَؤُلَاءِ فَيَسُومُونَهُمُ الْخَسْفَ أَبَدًا ; وَاللَّهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَا نَقُولُ حَقًّا، وَلَمْ يَكُنْ إِلَّا الدُّنْيَا، لَمَا صَبَرْنَا عَنِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ مِنْ لَذِيذِ عَيْشِكُمْ، وَرَأَيْنَا مَنْ بُزُرْجُكُمْ، وَلَقَارَعْنَاكُمْ عَلَيْهِ! . فَقَالَ رُسْتُمُ: أَتَعْبُرُونَ إِلَيْنَا أَمْ نَعْبُرُ إِلَيْكُمْ؟ فَقَالُوا: بَلِ اعْبُرُوا إِلَيْنَا. وَرَجَعُوا مِنْ عِنْدِهِ عَشِيًّا، وَأَرْسَلَ سَعْدٌ إِلَى النَّاسِ أَنْ يَقِفُوا مَوَاقِفَهُمْ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ: شَأْنُكَمْ وَالْعُبُورَ، فَأَرَادُوا الْقَنْطَرَةَ فَقَالَ: لَا وَلَا كَرَامَةَ! أَمَّا شَيْءٌ غَلَبْنَاكُمْ عَلَيْهِ فَلَنْ نَرُدَّهُ عَلَيْكُمْ. فَبَاتُوا يُسَكِّرُونَ الْعَتِيقَ حَتَّى الصَّبَاحِ بِالتُّرَابِ وَالْقَصَبِ وَالْبَرَاذِعِ حَتَّى جَعَلُوهُ طَرِيقًا، وَاسْتَتَمَّ بَعْدَمَا ارْتَفَعَ النَّهَارُ.

стр. 993

وَرَأَى رُسْتُمُ مِنَ اللَّيْلِ كَأَنَّ مَلَكًا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، فَأَخَذَ قِسِيَّ أَصْحَابِهِ، فَخَتَمَ عَلَيْهَا، ثُمَّ صَعِدَ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ، فَاسْتَيْقَظَ مَهْمُومًا وَاسْتَدْعَى خَاصَّتَهُ، فَقَصَّهَا عَلَيْهِمْ وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَيَعِظُنَا لَوِ اتَّعَظْنَا. وَلَمَّا رَكِبَ رُسْتُمُ لِيَعْبُرَ كَانَ عَلَيْهِ دِرْعَانِ وَمِغْفَرٌ، وَأَخَذَ سِلَاحَهُ وَوَثَبَ، فَإِذَا هُوَ عَلَى فَرَسِهِ لَمْ يَضَعْ رِجْلَهُ فِي الرِّكَابِ، وَقَالَ: غَدًا نَدُقُّهُمْ دَقًّا! فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَقَالَ: وَإِنْ لَمْ يَشَأْ! ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا ضَغَا الثَّعْلَبُ حِينَ مَاتَ الْأَسَدُ - يَعْنِي كِسْرَى - وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ تَكُونَ هَذِهِ سُنَّةَ الْقُرُودِ! فَإِنَّمَا قَالَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ تَوْهِينًا لِلْمُسْلِمِينَ عِنْدَ الْفُرْسِ، وَإِلَّا فَالْمَشْهُورُ عَنْهُ الْخَوْفُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ أَظْهَرَ ذَلِكَ إِلَى مَنْ يَثِقُ بِهِ. [ذِكْرُ يَوْمِ أَرْمَاثَ] لَمَّا عَبَرَ الْفُرْسُ الْعَتِيقَ، جَلَسَ رُسْتُمُ عَلَى سَرِيرِهِ وَضُرِبَ عَلَيْهِ طَيَّارَةٌ، وَعَبَّى فِي الْقَلْبِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ فِيلًا، عَلَيْهَا صَنَادِيقُ وَرِجَالٌ، وَفِي الْمُجَنِّبَتَيْنِ ثَمَانِيَةً وَسَبْعَةً، وَأَقَامَ الْجَالِينُوسُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رُسْتُمَ رِجَالًا عَلَى كُلِّ دَعْوَةٍ رَجُلًا، أَوَّلُهُمْ عَلَى بَابِ إِيوَانِهِ وَآخِرُهُمْ مَعَ رُسْتُمَ، فَكُلَّمَا فَعَلَ رُسْتُمُ شَيْئًا قَالَ الَّذِي مَعَهُ لِلَّذِي يَلِيهِ: كَانَ كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ يَقُولُ الثَّانِي لِلَّذِي يَلِيهِ، وَهَكَذَا إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى يَزْدَجِرْدَ فِي أَسْرَعِ وَقْتٍ. وَأَخَذَ الْمُسْلِمُونَ مَصَافَّهُمْ. وَكَانَ بِسَعْدٍ دَمَامِيلُ وَعِرْقُ النَّسَا فَلَا يَسْتَطِيعُ الْجُلُوسَ، إِنَّمَا هُوَ مُكِبٌّ عَلَى وَجْهِهِ، فِي صَدْرِهِ وِسَادَةٌ عَلَى سَطْحِ الْقَصْرِ يُشْرِفُ عَلَى النَّاسِ، وَالصَّفُّ فِي أَصْلِ حَائِطِهِ، لَوْ أَعْرَاهُ الصَّفُّ فَوَاقَ نَاقَةٍ لَأُخِذَ بِرُمَّتِهِ، فَمَا كَرَثَهُ هَوْلُ تِلْكَ الْأَيَّامِ شَجَاعَةً، وَذَكَرَ ذَلِكَ النَّاسُ، وَعَابَهُ بَعْضُهُمْ بِذَلِكَ فَقَالَ: نُقَاتِلُ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ نَصْرَهُ ... وَسَعْدٌ بِبَابِ الْقَادِسِيَّةِ مُعْصَمُ فَأُبْنَا وَقَدْ آمَتْ نِسَاءٌ كَثِيرَةٌ ... وَنِسْوَةُ سَعْدٍ لَيْسَ فِيهِنَّ أَيِّمُ

стр. 994

فَبَلَغَتْ أَبْيَاتُهُ سَعْدًا فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا كَاذِبًا وَقَالَ الَّذِي قَالَهُ رِيَاءً وَسُمْعَةً فَاقْطَعْ عَنِّي لِسَانَهُ! فَإِنَّهُ لَوَاقِفٌ فِي الصَّفِّ يَوْمَئِذٍ أَتَاهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فَأَصَابَ لِسَانَهُ، فَمَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ تَعَالَى. فَقَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نَحْوَ ذَلِكَ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ، وَنَزَلَ سَعْدٌ إِلَى النَّاسِ فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ وَأَرَاهُمْ مَا بِهِ مِنَ الْقُرُوحِ فِي فَخِذَيْهِ وَأَلْيَتَيْهِ، فَعَذَرَهُ النَّاسُ وَعَلِمُوا حَالَهُ، وَلَمَّا عَجَزَ عَنِ الرُّكُوبِ اسْتَخْلَفَ خَالِدَ بْنَ عُرْفُطَةَ عَلَى النَّاسِ، فَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ، فَأَخَذَ نَفَرًا مِمَّنْ شَغَبَ عَلَيْهِ فَحَبَسَهُمْ فِي الْقَصْرِ، مِنْهُمْ: أَبُو مِحْجَنٍ الثَّقَفِيُّ، وَقَيَّدَهُمْ. وَقِيلَ: بَلْ كَانَ حَبْسُ أَبِي مِحْجَنٍ بِسَبَبِ الْخَمْرِ، وَأَعْلَمَ النَّاسَ أَنَّهُ قَدِ اسْتَخْلَفَ خَالِدًا وَإِنَّمَا يَأْمُرُهُمْ خَالِدٌ، فَسَمِعُوا وَأَطَاعُوا، وَخَطَبَ النَّاسَ يَوْمَئِذٍ، وَهُوَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ مِنَ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَحَثَّهُمْ عَلَى الْجِهَادِ وَذَكَّرَهُمْ مَا وَعَدَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَتْحِ الْبِلَادِ، وَمَا نَالَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْفُرْسِ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ أَمِيرُ كُلِّ قَوْمٍ، وَأَرْسَلَ سَعْدٌ نَفَرًا مِنْ ذَوِي الرَّأْيِ وَالنَّجْدَةِ، مِنْهُمُ: الْمُغِيرَةُ، وَحُذَيْفَةُ، وَعَاصِمٌ، وَطُلَيْحَةُ، وَقَيْسٌ الْأَسَدِيُّ، وَغَالِبٌ، وَعَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ وَأَمْثَالُهُمْ، وَمِنَ الشُّعَرَاءِ: الشَّمَّاخُ، وَالْحُطَيْئَةُ، وَأَوْسُ بْنُ مَغْرَاءَ، وَعُبَيْدَةُ بْنُ الطَّبِيبِ وَغَيْرُهُمْ، وَأَمَرَهُمْ بِتَحْرِيضِ النَّاسِ عَلَى الْقِتَالِ، فَفَعَلُوا. وَكَانَ صَفُّ الْمُشْرِكِينَ عَلَى شَفِيرِ الْعَتِيقِ، وَكَانَ صَفُّ الْمُسْلِمِينَ مَعَ حَائِطِ قُدَيْسٍ وَالْخَنْدَقِ، فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ بَيْنَ الْخَنْدَقِ وَالْعَتِيقِ، وَمَعَ الْفُرْسِ ثَلَاثُونَ أَلْفَ مُسَلْسَلٍ، وَأَمَرَ سَعْدٌ النَّاسَ بِقِرَاءَةِ سُورَةِ الْجِهَادِ - وَهِيَ الْأَنْفَالُ - فَلَمَّا قُرِئَتْ هَشَّتْ قُلُوبُ النَّاسِ وَعُيُونُهُمْ وَعَرَفُوا السَّكِينَةَ مَعَ قِرَاءَتِهَا. فَلَمَّا فَرَغَ الْقُرَّاءُ مِنْهَا قَالَ سَعْدٌ: الْزَمُوا مَوَاقِفَكُمْ حَتَّى تُصَلُّوا الظُّهْرَ، فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَإِنِّي مُكَبِّرٌ تَكْبِيرَةً، فَكَبِّرُوا وَاسْتَعِدُّوا، فَإِذَا سَمِعْتُمُ الثَّانِيَةَ فَكَبِّرُوا وَالْبَسُوا عُدَّتَكُمْ، ثُمَّ إِذَا كَبَّرْتُ الثَّالِثَةَ فَكَبِّرُوا، وَلْيُنَشِّطْ فُرْسَانُكُمُ النَّاسَ، فَإِذَا كَبَّرْتُ الرَّابِعَةَ فَازْحَفُوا جَمِيعًا حَتَّى تُخَالِطُوا عَدُوَّكُمْ، وَقُولُوا لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. فَلَمَّا كَبَّرَ سَعْدٌ الثَّالِثَةَ بَرَزَ أَهْلُ النَّجَدَاتِ فَأَنْشَبُوا الْقِتَالَ، وَخَرَجَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْفُرْسِ أَمْثَالُهُمْ، فَاعْتَوَرُوا الطَّعْنَ وَالضَّرْبَ، وَقَالَ غَالِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَسَدِيُّ:

стр. 995

قَدْ عَلِمَتْ وَارِدَةُ الْمَشَائِحِ ... ذَاتُ اللَّبَانِ وَالْبَيَانِ الْوَاضِحِ أَنِّي سِمَامٌ بَطَلُ الْمَسَالِحِ ... وَفَارِجُ الْأَمْرِ الْمُهِمِّ الْفَادِحِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ هُرْمُزُ، وَكَانَ مِنْ مُلُوكِ الْبَابِ، وَكَانَ مُتَوَّجًا، فَأَسَرَهُ غَالِبٌ، فَجَاءَ بِهِ سَعْدًا وَرَجَعَ، وَخَرَجَ عَاصِمٌ وَهُوَ يَقُولُ: قَدْ عَلِمَتْ بَيْضَاءُ صَفْرَاءُ اللَّبَبْ ... مِثْلُ اللُّجَيْنِ إِذْ تَغَشَّاهُ الذَّهَبْ أَنِّي امْرُؤٌ لَا مَنْ يَعِيبُهُ السَّبَبْ ... مِثْلِي عَلَى مِثْلِكَ يُغْرِيهِ الْعَتَبْ فَطَارَدَ فَارِسِيًّا فَانْهَزَمَ، فَاتَّبَعَهُ عَاصِمٌ حَتَّى خَالَطَ صَفَّهُمْ، فَحَمَوْهُ، فَأَخَذَ عَاصِمٌ رَجُلًا عَلَى بَغْلٍ وَعَادَ بِهِ، وَإِذَا هُوَ خَبَّازُ الْمَلِكِ مَعَهُ مِنْ طَعَامِ الْمَلِكِ وَخَبِيصٌ، فَأَتَى بِهِ سَعْدًا فَنَفَّلَهُ أَهْلَ مَوْقِفِهِ. وَخَرَجَ فَارِسِيٌّ فَطَلَبَ الْبِرَازَ، فَبَرَزَ إِلَيْهِ عَمْرُو بْنُ مَعْدِيِ كَرِبَ، فَأَخَذَهُ وَجَلَدَ بِهِ الْأَرْضَ، فَذَبَحَهُ وَأَخَذَ سِوَارَيْهِ وَمِنْطَقَتَهُ. وَحَمَلَتِ الْفِيَلَةُ عَلَيْهِمْ فَفَرَّقَتْ بَيْنَ الْكَتَائِبِ، فَنَفَرَتِ الْخَيْلُ، وَكَانَتِ الْفُرْسُ قَدْ قَصَدَتْ بَجِيلَةَ بِسَبْعَةَ عَشَرَ فِيلًا، فَنَفَرَتْ خَيْلُ بَجِيلَةَ، فَكَادَتْ بَجِيلَةُ تَهْلِكُ لِنِفَارِ خَيْلِهَا عَنْهَا وَعَمَّنْ مَعَهَا، وَأَرْسَلَ سَعْدٌ إِلَى بَنِي أَسَدٍ أَنْ دَافِعُوا عَنْ بَجِيلَةَ وَعَمَّنْ مَعَهَا مِنَ النَّاسِ. فَخَرَجَ طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ، وَحَمَّالُ بْنُ مَالِكٍ فِي كَتَائِبِهِمَا، فَبَاشَرُوا الْفِيَلَةَ حَتَّى عَدَلَهَا رُكْبَانُهَا. وَخَرَجَ إِلَى طُلَيْحَةَ عَظِيمٌ مِنْهُمْ، فَقَتَلَهُ طُلَيْحَةُ، وَقَامَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ فِي كِنْدَةَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ كِنْدَةَ لِلَّهِ دَرُّ بَنِي أَسَدٍ! أَيُّ فَرْيٍّ يَفْرُونَ، وَأَيُّ هَذٍّ يَهُذُّونَ عَنْ مَوْقِفِهِمْ،

стр. 996

أَغْنَى كُلُّ قَوْمٍ مَا يَلِيهِمْ، وَأَنْتُمْ تَنْتَظِرُونَ مَنْ يَكْفِيكُمْ، أَشْهَدُ مَا أَحْسَنْتُمْ أُسْوَةَ قَوْمِكُمْ مِنَ الْعَرَبِ. فَنَهَدَ وَنَهَدُوا، فَأَزَالُوا الَّذِينَ بِإِزَائِهِمْ. فَلَمَّا رَأَى الْفُرْسُ مَا يَلْقَى النَّاسُ وَالْفِيَلَةُ مِنْ أَسَدٍ رَمَوْهُمْ بِحَدِّهِمْ وَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ وَفِيهِمْ ذُو الْحَاجِبِ، وَالْجَالِينُوسُ. وَالْمُسْلِمُونَ يَنْتَظِرُونَ التَّكْبِيرَةَ الرَّابِعَةَ مِنْ سَعْدٍ، فَاجْتَمَعَتْ حَلْبَةُ فَارِسَ عَلَى أَسَدٍ وَمَعَهُمْ تِلْكَ الْفِيَلَةُ، فَثَبَتُوا لَهُمْ، وَكَبَّرَ سَعْدٌ الرَّابِعَةَ، وَزَحَفَ إِلَيْهِمُ الْمُسْلِمُونَ وَرَحَا الْحَرْبِ تَدُورُ عَلَى أَسَدٍ، وَحَمَلَتِ الْفُيُولُ عَلَى الْمَيْمَنَةِ وَالْمَيْسَرَةِ فَكَانَتِ الْخُيُولُ تَحِيدُ عَنْهَا. فَأَرْسَلَ سَعْدٌ إِلَى عَاصِمِ بْنِ عَمْرٍو التَّمِيمِيِّ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ بَنِي تَمِيمٍ، أَمَا عِنْدَكُمْ لِهَذِهِ الْفِيَلَةِ مِنْ حِيلَةٍ؟ قَالُوا: بَلَى وَاللَّهِ! ثُمَّ نَادَى فِي رِجَالٍ مِنْ قَوْمِهِ رُمَاةٍ، وَآخَرِينَ لَهُمْ ثَقَافَةٌ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الرُّمَاةِ، ذُبُّوا رُكْبَانَ الْفِيَلَةِ عَنْهُمْ بِالنَّبْلِ. وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ أَهْلِ الثَّقَافَةِ، اسْتَدْبِرُوا الْفِيَلَةَ فَقَطِّعُوا وُضُنَهَا، وَخَرَجَ يَحْمِيهِمْ، وَرَحَا الْحَرْبِ تَدُورُ عَلَى أَسَدٍ، وَقَدْ جَالَتِ الْمَيْمَنَةُ وَالْمَيْسَرَةُ غَيْرَ بَعِيدٍ، وَأَقْبَلَ أَصْحَابُ عَاصِمٍ عَلَى الْفِيَلَةِ فَأَخَذُوا بِأَذْنَابِ تَوَابِيتِهَا، فَقَطَعُوا وُضُنَهَا، وَارْتَفَعَ عُوَاؤُهُمْ، فَمَا بَقِيَ لَهُمْ فِيلٌ إِلَّا أَوَى، وَقُتِلَ أَصْحَابُهَا، وَنُفِّسَ عَنْ أَسَدٍ، وَرَدُّوا فَارِسَ عَنْهُمْ إِلَى مَوَاقِفِهِمْ، وَاقْتَتَلُوا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ حَتَّى ذَهَبَتْ هَدْأَةٌ مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ رَجَعَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ، وَأُصِيبَ مِنْ أَسَدٍ تِلْكَ الْعَشِيَّةَ خَمْسُمِائَةٍ، وَكَانُوا رِدْءًا لِلنَّاسِ، وَكَانَ عَاصِمٌ حَامِيَةً لِلنَّاسِ، وَهَذَا الْيَوْمُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ يَوْمُ أَرْمَاثَ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ شَأْسٍ الْأَسَدِيُّ: جَلَبْنَا الْخَيْلَ مِنْ أَكْنَافِ نِيقٍ ... إِلَى كِسْرَى فَوَافَقَهَا رِعَالَا تَرَكْنَ لَهُمْ عَلَى الْأَقْسَامِ شَجْوًا ... وَبِالْحَقْوَيْنِ أَيَّامًا طِوَالَا قَتَلْنَا رُسْتُمًا وَبَنِيهِ قَسْرًا ... تُشِيرُ الْخَيْلُ فَوْقَهُمُ الْهَيَالَا الْأَبْيَاتِ.

стр. 997

وَكَانَ سَعْدٌ قَدْ تَزَوَّجَ سَلْمَى امْرَأَةَ الْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيِّ بَعْدَهُ بِشَرَافَ، فَلَمَّا جَالَ النَّاسُ يَوْمَ أَرْمَاثَ، وَكَانَ سَعْدٌ لَا يُطِيقُ الْجُلُوسَ، جَعَلَ سَعْدٌ يَتَمَلْمَلُ جَزَعًا فَوْقَ الْقَصْرِ، فَلَمَّا رَأَتْ سَلْمَى مَا يَصْنَعُ الْفُرْسُ قَالَتْ: وَامُثَنَّيَاهْ! وَلَا مُثَنَّى لِلْخَيْلِ الْيَوْمَ! قَالَتْ ذَلِكَ عِنْدَ رَجُلٍ ضَجِرٍ مِمَّا يَرَى فِي أَصْحَابِهِ وَنَفْسِهِ، فَلَطَمَ وَجْهَهَا وَقَالَ: أَيْنَ الْمُثَنَّى عَنْ هَذِهِ الْكَتِيبَةِ الَّتِي تَدُورُ عَلَيْهَا الرَّحَا! يَعْنِي أَسَدًا وَعَاصِمًا. فَقَالَتْ: أَغَيْرَةً وَجُبْنًا؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَعْذِرُنِي الْيَوْمَ أَحَدٌ إِنْ لَمْ تَعْذِرِينِي وَأَنْتِ تَرَيْنَ مَا بِي! فَتَعَلَّقَهَا النَّاسُ لَمْ يَبْقَ شَاعِرٌ إِلَّا اعْتَدَّ بِهَا عَلَيْهِ، وَكَانَ غَيْرَ جَبَانٍ وَلَا مَلُومٍ. [ذِكْرُ يَوْمِ أَغْوَاثٍ] وَلَمَّا أَصْبَحَ الْقَوْمُ، وَكَّلَ سَعْدٌ بِالْقَتْلَى وَالْجَرْحَى مَنْ يَنْقُلُهُمْ، فَسُلِّمَ الْجَرْحَى إِلَى النِّسَاءِ لِيَقُمْنَ عَلَيْهِمْ، وَأَمَّا الْقَتْلَى فَدُفِنُوا هُنَالِكَ عَلَى مُشَرِّقٍ، وَهُوَ وَادٍ بَيْنَ الْعُذَيْبِ وَعَيْنِ الشَّمْسِ. فَلَمَّا نَقَلَ سَعْدٌ الْقَتْلَى وَالْجَرْحَى طَلَعَتْ نَوَاصِي الْخَيْلِ مِنَ الشَّامِ، وَكَانَ فَتْحُ دِمَشْقَ قَبْلَ الْقَادِسِيَّةِ، فَلَمَّا قَدِمَ كِتَابُ عُمَرَ عَلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ بِإِرْسَالِ أَهْلِ الْعِرَاقِ، سَيَّرَهُمْ وَعَلَيْهِمْ هَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَلَى مُقَدَّمَتِهِ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو التَّمِيمِيُّ، فَتَعَجَّلَ الْقَعْقَاعُ، فَقَدِمَ عَلَى النَّاسِ صَبِيحَةَ هَذَا الْيَوْمِ، وَهُوَ يَوْمُ أَغْوَاثٍ، وَقَدْ عَهِدَ إِلَى أَصْحَابِهِ أَنْ يَتَقَطَّعُوا أَعْشَارًا، وَهُمْ أَلْفٌ، كُلَّمَا بَلَغَ عَشَرَةٌ مَدَى الْبَصَرِ سَرَّحُوا عَشَرَةً، فَقَدِمَ أَصْحَابُهُ فِي عَشَرَةٍ، فَأَتَى النَّاسَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ وَبَشَّرَهُمْ بِالْجُنُودِ، وَحَرَّضَهُمْ عَلَى الْقِتَالِ وَقَالَ: اصْنَعُوا كَمَا أَصْنَعُ، وَطَلَبَ الْبِرَازَ، فَقَالُوا فِيهِ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: لَا يُهْزَمُ جَيْشٌ فِيهِمْ مِثْلُ هَذَا. فَخَرَجَ إِلَيْهِ ذُو الْحَاجِبِ، فَعَرَفَهُ الْقَعْقَاعُ فَنَادَى: يَا لِثَارَاتِ أَبِي عُبَيْدٍ، وَسَلِيطٍ، وَأَصْحَابِ الْجِسْرِ! وَتَضَارَبَا، فَقَتَلَهُ الْقَعْقَاعُ، وَجَعَلَتْ خَيْلُهُ تَرِدُ إِلَى اللَّيْلِ وَتُنَشِّطُ النَّاسَ، وَكَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِالْأَمْسِ مُصِيبَةٌ، وَفَرِحُوا بِقَتْلِ ذِي الْحَاجِبِ، وَانْكَسَرَتِ الْأَعَاجِمُ بِذَلِكَ. وَطَلَبَ الْقَعْقَاعُ الْبِرَازَ فَخَرَجَ إِلَيْهِ الْفَيْرُزَانُ وَالْبَنْذَوَانُ، فَانْضَمَّ إِلَى الْقَعْقَاعِ الْحَارِثُ بْنُ ظَبْيَانِ بْنِ الْحَارِثِ - أَحَدُ بَنِي تَيْمِ اللَّاتِ - فَتَبَارَزُوا، فَقَتَلَ الْقَعْقَاعُ الْفَيْرُزَانَ، وَقَتَلَ الْحَارِثُ الْبِنْذَوَانَ، وَنَادَى الْقَعْقَاعُ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، بَاشِرُوهُمْ بِالسُّيُوفِ، فَإِنَّمَا يُحْصَدُ النَّاسُ

стр. 998

بِهَا! فَاقْتَتَلُوا حَتَّى الْمَسَاءِ، فَلَمْ يَرَ أَهْلُ فَارِسَ فِي هَذَا الْيَوْمِ (شَيْئًا) مِمَّا يُعْجِبُهُمْ، وَأَكْثَرَ الْمُسْلِمُونَ فِيهِمُ الْقَتْلَ، وَلَمْ يُقَاتِلُوا فِي هَذَا الْيَوْمِ عَلَى فِيَلٍ، كَانَتْ تَوَابِيتُهَا تَكَسَّرَتْ بِالْأَمْسِ، فَاسْتَأْنَفُوا عَمَلَهَا فَلَمْ يَفْرَغُوا مِنْهَا حَتَّى كَانَ الْغَدُ. وَجَعَلَ الْقَعْقَاعُ كُلَّمَا طَلَعَتْ قِطْعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ كَبَّرَ وَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ، وَيَحْمِلُ وَيَحْمِلُونَ، وَحَمَلَ بَنُو عَمٍّ لِلْقَعْقَاعِ عَشَرَةً عَشَرَةً عَلَى إِبِلٍ قَدْ أَلْبَسُوهَا وَهِيَ مُجَلَّلَةٌ مُبَرْقَعَةٌ، وَأَطَافَتْ بِهِمْ خُيُولُهُمْ تَحْمِيهِمْ، وَأَمَرَهُمُ الْقَعْقَاعُ أَنْ يَحْمِلُوهَا عَلَى خَيْلِ الْفُرْسِ يَتَشَبَّهُونَ بِالْفِيَلَةِ، فَفَعَلُوا بِهِمْ هَذَا الْيَوْمَ، وَهُوَ يَوْمُ أَغْوَاثٍ، كَمَا فَعَلَتْ فَارِسُ يَوْمَ أَرْمَاثَ، فَجَعَلَتْ خَيْلُ الْفُرْسِ تَفِرُّ مِنْهَا، وَرَكِبَتْهَا خُيُولُ الْمُسْلِمِينَ. فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ ذَلِكَ اسْتَنُّوا بِهِمْ، فَلَقِيَ الْفُرْسُ مِنَ الْإِبِلِ أَعْظَمَ مِمَّا لَقِيَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْفِيَلَةِ. وَحَمَلَ رَجُلٌ مِنْ تَمِيمٍ عَلَى رُسْتُمَ يُرِيدُ قَتْلَهُ، فَقُتِلَ دُونَهُ. وَخَرَجَ رَجُلٌ مِنْ فَارِسَ يُبَارِزُ، فَبَرَزَ إِلَيْهِ الْأَعْرَفُ بْنُ الْأَعْلَمِ الْعَقِيلِيُّ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ بَرَزَ إِلَيْهِ آخَرُ فَقَتَلَهُ، وَأَحَاطَتْ بِهِ فَوَارِسُ مِنْهُمْ فَصَرَعُوهُ وَأَخَذُوا سِلَاحَهُ، فَغَبَّرَ فِي وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ حَتَّى رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ. وَحَمَلَ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو يَوْمَئِذٍ ثَلَاثِينَ حَمْلَةً، كُلَّمَا طَلَعَتْ قِطْعَةٌ حَمَلَ حَمْلَةً وَأَصَابَ فِيهَا وَقَتَلَ، كَانَ آخِرُهُمْ بُزُرْجُمِهْرَ الْهَمَذَانِيَّ. وَبَارَزَ الْأَعْوَرُ بْنُ قُطْبَةَ شَهْرَيَارَ سِجِسْتَانَ فَقَتَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، وَقَاتَلَتِ الْفُرْسَانُ إِلَى انْتِصَافِ النَّهَارِ. فَلَمَّا اعْتَدَلَ النَّهَارُ تَزَاحَفَ النَّاسُ، فاَقْتَتَلُوا حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ، فَكَانَتْ لَيْلَةُ أَرْمَاثَ تُدْعَى الْهَدْأَةَ، وَلَيْلَةُ أَغَوَاثٍ تُدْعَى السَّوَادَ، وَلَمْ يَزَلِ الْمُسْلِمُونَ يَرَوْنَ (فِي) يَوْمِ أَغْوَاثٍ الظَّفَرَ، وَقَتَلُوا فِيهِ عَامَّةَ أَعْلَامِهِمْ، وَحَالَتْ فِيهِ خَيْلُ الْقَلْبِ وَثَبَتَ رَجْلُهُمْ، فَلَوْلَا أَنَّ خَيْلَهُمْ عَادَتْ أُخِذَ رُسْتُمُ أَخْذًا. وَبَاتَ النَّاسُ عَلَى مَا بَاتَ عَلَيْهِ الْقَوْمُ لَيْلَةَ أَرْمَاثَ، وَلَمْ يَزَلِ الْمُسْلِمُونَ يَنْتَمُونَ. فَلَمَّا سَمِعَ سَعْدٌ ذَلِكَ قَالَ لِبَعْضِ مَنْ عِنْدَهُ: إِنْ تَمَّ النَّاسُ عَلَى الِانْتِمَاءِ فَلَا تُوقِظْنِي فَإِنَّهُمْ أَقْوِيَاءُ، وَإِنْ سَكَتُوا وَلَمْ يَنْتَمِ الْآخَرُونَ فَلَا تُوقِظْنِي، فَإِنَّهُمْ عَلَى السَّوَاءِ، فَإِنْ سَمِعْتَهُمْ يَنْتَمُونَ فَأَيْقِظْنِي فَإِنَّ انْتِمَائَهُمْ عَنِ السَّوْءِ. وَلَمَّا اشْتَدَّ الْقِتَالُ، وَكَانَ أَبُو مِحْجَنٍ قَدْ حُبِسَ وَقُيِّدَ فَهُوَ فِي الْقَصْرِ، قَالَ لِسَلْمَى زَوْجِ سَعْدٍ: هَلْ لَكِ أَنْ تُخَلِّي عَنِّي وَتُعِيرِينِي الْبَلْقَاءَ؟ فَلِلَّهِ عَلَيَّ إِنْ سَلَّمَنِي اللَّهُ أَنْ أَرْجِعَ إِلَيْكِ حَتَّى أَضَعَ رِجْلِي فِي قَيْدِي. فَأَبَتْ، فَقَالَ:

стр. 999

كَفَى حَزَنًا أَنْ تَرْدَى الْخَيْلُ بِالْقَنَا ... وَأُتْرَكَ مَشْدُودًا عَلَيَّ وَثَاقِيَا إِذَا قُمْتُ عَنَّانِي الْحَدِيدُ وَأُغْلِقَتْ ... مَصَارِيعُ دُونِي قَدْ تُصِمُّ الْمُنَادِيَا وَقَدْ كُنْتُ ذَا مَالٍ كَثِيرٍ وَإِخْوَةٍ ... فَقَدْ تَرَكُونِي وَاحِدًا لَا أَخَا لِيَا وَلِلَّهِ عَهْدٌ لَا أَخِيسُ بِعَهْدِهِ ... لَئِنْ فُرِّجَتْ أَنْ لَا أَزُورَ الْحَوَانِيَا فَرَقَّتْ لَهُ سَلْمَى وَأَطْلَقَتْهُ، وَأَعْطَتْهُ الْبَلْقَاءَ فَرَسَ سَعْدٍ، فَرَكِبَهَا حَتَّى إِذَا كَانَ بِحِيَالِ الْمَيْمَنَةِ كَبَّرَ، ثُمَّ حَمَلَ عَلَى مَيْسَرَةِ الْفُرْسِ، ثُمَّ رَجَعَ خَلْفَ الْمُسْلِمِينَ، وَحَمَلَ عَلَى مَيْمَنَتِهِمْ، وَكَانَ يَقْصِفُ النَّاسَ قَصْفًا مُنْكَرًا، وَتَعَجَّبَ النَّاسُ مِنْهُ وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مِنْ أَصْحَابِ هَاشِمٍ أَوْ هَاشِمٌ نَفْسُهُ، وَكَانَ سَعْدٌ يَقُولُ: لَوْلَا مَحْبَسُ أَبِي مِحْجَنٍ لَقُلْتُ هَذَا أَبُو مِحْجَنٍ وَهَذِهِ الْبَلْقَاءُ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: هَذَا الْخَضِرُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْلَا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تُبَاشِرُ الْحَرْبَ لَقُلْنَا إِنَّهُ مَلَكٌ. فَلَمَّا انْتَصَفَ اللَّيْلُ وَتَرَاجَعَ الْمُسْلِمُونَ وَالْفُرْسُ عَنِ الْقِتَالِ أَقْبَلَ أَبُو مِحْجَنٍ فَدَخَلَ الْقَصْرَ وَأَعَادَ رِجْلَيْهِ فِي الْقَيْدِ وَقَالَ: لَقَدْ عَلِمَتْ ثَقِيفٌ غَيْرَ فَخْرٍ بِأَنَّا نَحْنُ أَكْرَمُهُمْ سُيُوفَا وَأَكْثَرُهُمْ دُرُوعًا سَابِغَاتٍ وَأَصْبَرُهُمْ إِذَا كَرِهُوا الْوُقُوفَا

стр. 1000

وَأَنَا وَفْدُهُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ ... فَإِنْ عُمُّوا فَسَلْ بِهِمْ عَرِيفَا وَلَيْلَةَ قَادِسٍ لَمْ يَشْعُرُوا بِي ... وَلَمْ أُشْعِرْ بِمَخْرَجِي الزُّحُوفَا فَإِنْ أُحْبَسْ فَذَلِكُمْ بَلَائِي ... وَإِنْ أُتْرَكْ أُذِيقُهُمُ الْحُتُوفَا فَقَالَتْ لَهُ سَلْمَى: فِي أَيِّ شَيْءٍ حَبَسَكَ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا حَبَسَنِي بِحَرَامٍ أَكَلْتُهُ وَلَا شَرِبْتُهُ، وَلَكِنَّنِي كُنْتُ صَاحِبَ شَرَابٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَنَا امْرُؤٌ شَاعِرٌ يَدِبُّ الشِّعْرُ عَلَى لِسَانِي، فَقُلْتُ: إِذَا مِتُّ فَادْفِنِّي إِلَى أَصْلِ كَرْمَةٍ ... تُرّوِّي عِظَامِي بَعْدَ مَوْتِي عُرُوقُهَا وَلَا تَدْفِنَنِّي بِالْفَلَاةِ فَإِنَّنِي ... أَخَافُ إِذَا مَا مِتُّ أَنْ لَا أَذُوقَهَا فَلِذَلِكَ حَبَسَنِي. فَلَمَّا أَصْبَحَتْ أَتَتْ سَعْدًا فَصَالَحَتْهُ، وَكَانَتْ مُغَاضِبَةً لَهُ، وَأَخْبَرَتْهُ بِخَبَرِ أَبِي مِحْجَنٍ، فَأَطْلَقَهُ فَقَالَ: اذْهَبْ فَمَا أَنَا مُؤَاخِذُكَ بِشَيْءٍ تَقُولُهُ حَتَّى تَفْعَلَهُ. قَالَ: لَا جَرَمَ، [وَاللَّهِ] لَا أُجِيبُ لِسَانِي إِلَى [صِفَةِ] قَبِيحٍ أَبَدًا! [ذِكْرُ يَوْمِ عِمَاسَ] ثُمَّ أَصْبَحُوا الْيَوْمَ الثَّالِثَ وَهُمْ عَلَى مَوَاقِفِهِمْ، وَبَيْنَ الصَّفَّيْنِ مِنْ قَتْلَى الْمُسْلِمِينَ أَلْفَانِ مِنْ جَرِيحٍ وَمَيِّتٍ، وَمِنَ الْمُشْرِكِينَ عَشَرَةُ آلَافٍ، فَجَعَلَ الْمُسْلِمُونَ يَنْقُلُونَ قَتْلَاهُمْ إِلَى الْمَقَابِرِ وَالْجَرْحَى إِلَى النِّسَاءِ، وَكَانَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ يَحْفِرُونَ الْقُبُورَ، وَكَانَ عَلَى الشُّهَدَاءِ حَاجِبُ بْنُ زَيْدٍ. وَأَمَّا قَتْلَى الْمُشْرِكِينَ فَبَيْنَ الصَّفَّيْنِ لَمْ يُنْقَلُوا، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا

стр. 1001

قَوَّى الْمُسْلِمِينَ، وَبَاتَ الْقَعْقَاعُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ يُسَرِّبُ أَصْحَابَهُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي فَارَقَهُمْ فِيهِ وَقَالَ: إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَأَقْبِلُوا مِائَةً مِائَةً، فَإِنْ جَاءَ هَاشِمٌ فَذَاكَ وَإِلَّا جَدَّدْتُمْ لِلنَّاسِ رَجَاءً وَجِدًّا وَلَا يَشْعُرُ بِهِ أَحَدٌ. وَأَصْبَحَ النَّاسُ عَلَى مَوَاقِفِهِمْ، فَلَمَّا ذَرَّ قَرْنُ الشَّمْسِ أَقْبَلَ أَصْحَابُ الْقَعْقَاعِ، فَحِينَ رَآهُمْ كَبَّرَ وَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ وَتَقَدَّمُوا وَتَكَتَّبَتِ الْكَتَائِبُ وَاخْتَلَفُوا الضَّرْبَ وَالطَّعْنَ وَالْمَدَدُ مُتَتَابِعٌ، فَمَا جَاءَ آخِرُ أَصْحَابِ الْقَعْقَاعِ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِمْ هَاشِمٌ، فَأُخْبِرَ بِمَا صَنَعَ الْقَعْقَاعُ، فَعَبَّى أَصْحَابَهُ سَبْعِينَ سَبْعِينَ، وَكَانَ فِيهِمْ قَيْسُ بْنُ هُبَيْرَةَ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ الْمَعْرُوفُ بِقَيْسِ بْنِ الْمَكْشُوفِ الْمُرَادِيِّ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْأَيَّامِ إِنَّمَا كَانَ بِالْيَرْمُوكِ، فَانْتُدِبَ مَعَ هَاشِمٍ حَتَّى إِذَا خَالَطَ الْقَلْبَ كَبَّرَ وَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ وَقَالَ: أَوَّلُ قِتَالٍ الْمُطَارَدَةُ ثُمَّ الْمُرَامَاةُ ; ثُمَّ حَمَلَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ يُقَاتِلُهُمْ حَتَّى خَرَقَ صَفَّهُمْ إِلَى الْعَتِيقِ ثُمَّ عَادَ. وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ قَدْ بَاتُوا يَعْمَلُونَ تَوَابِيتَهُمْ، حَتَّى أَعَادُوا وَأَصْبَحُوا عَلَى مَوَاقِفِهِمْ، وَأَقْبَلَتِ الرَّجَّالَةُ مَعَ الْفِيَلَةِ يَحْمُونَهَا أَنْ تُقْطَعَ وُضُنُهَا، وَمَعَ الرَّجَّالَةِ فُرْسَانٌ يَحْمُونَهُمْ، فَلَمْ تَنْفِرِ الْخَيْلُ مِنْهُمْ كَمَا كَانَتْ بِالْأَمْسِ، لِأَنَّ الْفِيلَ إِذَا كَانَ وَحْدَهُ كَانَ أَوْحَشَ، وَإِذَا طَافُوا بِهِ كَانَ آنَسَ، وَكَانَ يَوْمُ عِمَاسَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ شَدِيدًا، الْعَرَبُ وَالْعَجَمُ فِيهِ سَوَاءٌ، وَلَا تَكُونُ بَيْنَهُمْ نُقْطَةٌ إِلَّا أَبْلَغُوهَا يَزْدَجِرْدَ بِالْأَصْوَاتِ، فَيَبْعَثُ إِلَيْهِمْ أَهْلَ النَّجَدَاتِ مِمَّنْ عِنْدَهُ، فَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ أَلْهَمَ الْقَعْقَاعَ مَا فَعَلَ فِي الْيَوْمَيْنِ وَإِلَّا كَسَرَ ذَلِكَ الْمُسْلِمِينَ. وَقَاتَلَ قَيْسُ بْنُ الْمَكْشُوحِ، وَكَانَ قَدْ قَدِمَ مَعَ هَاشِمٍ، قِتَالًا شَدِيدًا وَحَرَّضَ أَصْحَابَهُ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ: إِنِّي حَامِلٌ عَلَى الْفِيلِ وَمَنْ حَوْلَهُ، لِفِيلٍ بِإِزَائِهِ، فَلَا تَدَعُونِي أَكْثَرَ مِنْ جَزْرِ جَزُورٍ، فَإِنْ تَأَخَّرْتُمْ عَنِّي فَقَدْتُمْ أَبَا ثَوْرٍ، يَعْنِي نَفْسَهُ، وَأَيْنَ لَكُمْ مِثْلُ أَبِي ثَوْرٍ! فَحَمَلَ وَضَرَبَ فِيهِمْ حَتَّى سَتَرَهُ الْغُبَارُ وَحَمَلَ بِأَصْحَابِهِ فَأَفْرَجَ الْمُشْرِكُونَ عَنْهُ بَعْدَمَا صَرَعُوهُ، وَإِنَّ سَيْفَهُ لَفِي يَدِهِ يُصَارِمُهُمْ، وَقَدْ طُعِنَ فَرَسُهُ، فَأَخَذَ بِرِجْلِ فَرَسٍ أَعْجَمِيٍّ فَلَمْ يُطِقِ الْجَرْيَ، فَنَزَلَ عَنْهُ صَاحِبُهُ إِلَى أَصْحَابِهِ وَرَكِبَ عَمْرٌو. وَبَرَزَ فَارِسِيٌّ، فَبَرَزَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُقَالُ لَهُ شَبْرُ بْنُ عَلْقَمَةَ، وَكَانَ قَصِيرًا، فَتَرَجَّلَ الْفَارِسِيُّ إِلَيْهِ فَاحْتَمَلَهُ وَجَلَسَ عَلَى صَدْرِهِ، ثُمَّ أَخَذَ سَيْفَهُ لِيَذْبَحَهُ، وَمِقْوَدُ فَرَسِهِ مَشْدُودٌ فِي مِنْطَقَتِهِ، فَلَمَّا

стр. 1002

سَلَّ سَيْفَهُ نَفَرَ الْفَرَسُ، فَجَذَبَهُ الْمِقْوَدُ فَقَلَبَهُ عَنْهُ، وَتَبِعَهُ الْمُسْلِمُ فَقَتَلَهُ، وَأَخَذَ سَلَبَهُ فَبَاعَهُ بِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا. فَلَمَّا رَأَى سَعْدٌ الْفُيُولَ قَدْ فَرَّقَتْ بَيْنَ الْكَتَائِبِ وَعَادَتْ لِفِعْلِهَا، أَرْسَلَ إِلَى الْقَعْقَاعِ وَعَاصِمِ ابْنَيْ عَمْرٍو: اكْفِيَانِي الْأَبْيَضَ، وَكَانَتْ كُلُّهَا آلِفَةً لَهُ، وَكَانَ بِإِزَائِهِمَا، وَقَالَ لِحَمَّالٍ وَالرِّبِّيلِ: اكْفِيَانِي الْأَجْرَبَ، وَكَانَ بِإِزَائِهِمَا، فَأَخَذَ الْقَعْقَاعُ وَعَاصِمٌ رُمْحَيْنِ، وَتَقَدَّمَا فِي خَيْلٍ وَرَجْلٍ، وَفَعَلَ حَمَّالٌ وَالرِّبِّيلُ مِثْلَ فِعْلِهِمَا، فَحَمَلَ الْقَعْقَاعُ وَعَاصِمٌ فَوَضَعَا رُمْحَيْهِمَا فِي عَيْنِ الْفِيلِ الْأَبْيَضِ فَنَفَضَ رَأْسَهُ فَطَرَحَ سَائِسَهُ وَدَلَّى مِشْفَرَهُ، فَضَرَبَهُ الْقَعْقَاعُ فَرَمَى بِهِ، وَوَقَعَ لِجَنْبِهِ، وَقَتَلُوا مَنْ كَانَ عَلَيْهِ، وَحَمَلَ حَمَّالٌ وَالرِّبِّيلُ الْأَسَدِيَّانِ عَلَى الْفِيلِ الْآخَرِ فَطَعَنَهُ حَمَّالٌ فِي عَيْنِهِ، فَأَقْعَى ثُمَّ اسْتَوَى، وَضَرَبَهُ الرِّبِّيلُ فَأَبَانَ مِشْفَرَهُ، وَبَصُرَ بِهِ سَائِسُهُ فَبَقَرَ أَنْفَهَ وَجَبِينَهُ بِالطَّبْرَزِينَ، فَأَفْلَتَ الرِّبِّيلُ جَرِيحًا، فَبَقِيَ الْفِيلُ جَرِيحًا مُتَحَيِّرًا بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، كُلَّمَا جَاءَ صَفَّ الْمُسْلِمِينَ وَخَزُوهُ، وَإِذَا أَتَى صَفَّ الْمُشْرِكِينَ نَخَسُوهُ. وَوَلَّى الْفِيلُ، وَكَانَ يُدْعَى الْأَجْرَبَ، وَقَدْ عَوَّرَ حَمَّالٌ عَيْنَيْهِ، فَأَلْقَى نَفْسَهُ فِي الْعَتِيقِ، فَاتَّبَعَتْهُ الْفِيَلَةُ فَخَرَقَتْ صَفَّ الْأَعَاجِمِ، فَعَبَرَتْ فِي أَثَرِهِ، فَأَتَتِ الْمَدَائِنَ فِي تَوَابِيتِهَا، وَهَلَكَ مَنْ فِيهَا. فَلَمَّا ذَهَبَتِ الْفِيَلَةُ وَخَلَصَ الْمُسْلِمُونَ وَالْفُرْسُ، وَمَالَ الظِّلُّ، تَزَاحَفَ الْمُسْلِمُونَ، فَاجْتَلَدُوا حَتَّى أَمْسَوْا وَهُمْ عَلَى السَّوَاءِ. فَلَمَّا أَمْسَى النَّاسُ اشْتَدَّ الْقِتَالُ، وَصَبَرَ الْفَرِيقَانِ فَخَرَجَا عَلَى السَّوَاءِ. [ذِكْرُ لَيْلَةِ الْهَرِيرِ وَقَتْلِ رُسْتُمَ] قِيلَ: إِنَّمَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَرْكِهِمُ الْكَلَامَ إِنَّمَا كَانُوا يَهِرُّونَ هَرِيرًا، وَأَرْسَلَ سَعْدٌ طُلَيْحَةَ وَعَمْرًا لَيْلَةَ الْهَرِيرِ إِلَى مَخَاضَةٍ أَسْفَلَ الْعَسْكَرِ، لِيَقُومُوا عَلَيْهَا خَشْيَةَ أَنْ يَأْتِيَهُ الْقَوْمُ مِنْهَا. فَلَمَّا أَتَيَاهَا قَالَ طُلَيْحَةُ: لَوْ خُضْنَا وَأَتَيْنَا الْأَعَاجِمَ مِنْ خَلْفِهِمْ. قَالَ عَمْرٌو: بَلْ نَعْبُرُ أَسْفَلَ. فَافْتَرَقَا، وَأَخَذَ طُلَيْحَةُ وَرَاءَ الْعَسْكَرِ وَكَبَّرَ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ ذَهَبَ وَقَدِ ارْتَاعَ أَهْلُ فَارِسَ وَتَعَجَّبَ الْمُسْلِمُونَ، وَطَلَبَهُ الْأَعَاجِمُ فَلَمْ يُدْرِكُوهُ.

стр. 1003

وَأَمَّا عَمْرٌو فَإِنَّهُ أَغَارَ أَسْفَلَ الْمَخَاضَةِ وَرَجَعَ، وَخَرَجَ مَسْعُودُ بْنُ مَالِكٍ الْأَسَدِيُّ، وَعَاصِمُ بْنُ عَمْرٍو، وَابْنُ ذِي الْبُرْدَيْنِ الْهِلَالِيُّ، وَابْنُ ذِي السَّهْمَيْنِ، وَقَيْسُ بْنُ هُبَيْرَةَ الْأَسَدِيُّ وَأَشْبَاهُهُمْ فَطَارَدُوا الْقَوْمَ، فَإِذَا هُمْ لَا يَشُدُّونَ وَلَا يُرِيدُونَ غَيْرَ الزَّحْفِ، فَقَدَّمُوا صُفُوفَهُمْ وَزَاحَفَهُمُ النَّاسُ بِغَيْرِ إِذَنْ سَعْدٍ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ زَاحَفَهُمُ الْقَعْقَاعُ، وَقَالَ سَعْدٌ: اللَّهُمَّ اغْفِرْهَا لَهُ وَانْصُرْهُ، فَقَدْ أَذِنْتُ لَهُ إِنْ لَمْ يَسْتَأْذِنِّي. ثُمَّ قَالَ: أَرَى الْأَمْرَ مَا فِيهِ هَذَا، فَإِذَا كَبَّرْتُ ثَلَاثًا فَاحْمِلُوا، وَكَبَّرَ وَاحِدَةً فَلَحِقَهُمْ أَسَدٌ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْهَا لَهُمْ وَانْصُرْهُمْ. ثُمَّ حَمَلَتِ النَّخَعُ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْهَا لَهُمْ وَانْصُرْهُمْ. ثُمَّ حَمَلَتْ بَجِيلَةُ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْهَا لَهُمْ وَانْصُرْهُمْ. ثُمَّ حَمَلَتْ كِنْدَةُ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْهَا لَهُمْ وَانْصُرْهُمْ. ثُمَّ زَحَفَ الرُّؤَسَاءُ وَرَحَا الْحَرْبِ تَدُورُ عَلَى الْقَعْقَاعِ، وَتَقَدَّمَ حَنْظَلَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَأُمَرَاءُ الْأَعْشَارِ، وَطُلَيْحَةُ، وَغَالِبٌ، وَحَمَّالٌ، وَأَهْلُ النَّجَدَاتِ، وَلَمَّا كَبَّرَ الثَّالِثَةَ لَحِقَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَخَالَطُوا الْقَوْمَ، وَاسْتَقَبَلُوا اللَّيْلَ اسْتِقْبَالًا بَعْدَمَا صَلَّوُا الْعِشَاءَ، وَكَانَ صَلِيلُ الْحَدِيدِ فِيهَا كَصَوْتِ الْقُيُونِ لَيْلَتَهُمْ إِلَى الصَّبَاحِ، وَأَفْرَغَ اللَّهُ الصَّبْرَ عَلَيْهِمْ إِفْرَاغًا، وَبَاتَ سَعْدٌ بِلَيْلَةٍ لَمْ يَبِتْ بِمِثْلِهَا، وَرَأَى الْعَرَبُ وَالْعَجَمُ أَمْرًا لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ قَطُّ، وَانْقَطَعَتِ الْأَخْبَارُ وَالْأَصْوَاتُ عَنْ سَعْدٍ وَرُسْتُمَ، وَأَقْبَلَ سَعْدٌ عَلَى الدُّعَاءِ، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الصُّبْحِ انْتَمَى النَّاسُ، فَاسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمُ الْأَعْلَوْنَ، وَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ سَمِعَهُ نِصْفَ اللَّيْلِ الْبَاقِي صَوْتَ الْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو وَهُوَ يَقُولُ: نَحْنُ قَتَلْنَا مَعْشَرًا وَزَائِدًا ... أَرْبَعَةً وَخَمْسَةً وَوَاحِدَا نُحْسَبُ فَوْقَ اللِّبَدِ وَالْأَسَاوِدَا ... حَتَّى إِذَا مَاتُوا دَعَوْتُ جَاهِدَا اللَّهُ رَبِّي وَاحْتَرَزْتُ عَامِدَا وَقَتَلَتْ كِنْدَةُ تُرْكًا الطَّبَرِيَّ، وَكَانَ مُقَدَّمًا فِيهِمْ. وَأَصْبَحَ النَّاسُ لَيْلَةَ الْهَرِيرِ وَتُسَمَّى لَيْلَةَ الْقَادِسِيَّةِ مِنْ بَيْنِ تِلْكَ اللَّيَالِي وَهُمْ حَسْرَى، لَمْ يُغْمِضُوا لَيْلَتَهُمْ كُلَّهَا. فَسَارَ الْقَعْقَاعُ فِي النَّاسِ فَقَالَ: إِنَّ الدَّائِرَةَ بَعْدَ سَاعَةٍ لِمَنْ بَدَأَ الْقَوْمَ، فَاصْبِرُوا سَاعَةً وَاحْمِلُوا، فَإِنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ. فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِمْ جَمَاعَةٌ مِنَ الرُّؤَسَاءِ وَصَمَدُوا لِرُسْتُمَ حَتَّى خَالَطُوا الَّذِينَ دُونَهُ مَعَ الصُّبْحِ. فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ الْقَبَائِلُ قَامَ فِيهَا رُؤَسَاؤُهُمْ وَقَالُوا: لَا يَكُونَنَّ هَؤُلَاءِ أَجَدَّ فِي أَمْرِ اللَّهِ مِنْكُمْ، وَلَا هَؤُلَاءِ، يَعْنِي الْفُرْسَ، أَجْرَأَ عَلَى الْمَوْتِ مِنْكُمْ. فَحَمَلُوا فِيمَا يَلِيهِمْ، وَخَالَطُوا مَنْ بِإِزَائِهِمْ، فَاقْتَتَلُوا حَتَّى

стр. 1004

قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ زَالَ الْفَيْرُزَانُ وَالْهُرْمُزَانُ، فَتَأَخَّرَا وَثَبَتَا حَيْثُ انْتَهَيَا، وَانْفَرَجَ الْقَلْبُ، وَرَكَدَ عَلَيْهِمُ النَّقْعُ وَهَبَّتْ رِيحٌ عَاصِفٌ فَقَلَعَتْ طَيَّارَةَ رُسْتُمَ عَنْ سَرِيرِهِ، فَهَوَتْ فِي الْعَتِيقِ، وَهِيَ دَبُورُ، وَمَالَ الْغُبَارُ عَلَيْهِمْ، وَانْتَهَى الْقَعْقَاعُ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى السَّرِيرِ فَعَثَرُوا بِهِ، وَقَدْ قَامَ رُسْتُمُ عَنْهُ حِينَ أَطَارَتِ الرِّيحُ الطَّيَّارَةَ إِلَى بِغَالٍ قَدْ قَدِمَتْ عَلَيْهِ بِمَالٍ، فَهِيَ وَاقِفَةٌ، فَاسْتَظَلَّ فِي ظِلِّ بَغْلٍ وَحِمْلِهِ، وَضَرَبَ هِلَالُ بْنُ عُلَّفَةَ الْحِمْلَ الَّذِي تَحْتَهُ رُسْتُمُ، فَقَطَعَ حِبَالَهُ، وَوَقَعَ عَلَيْهِ أَحَدُ الْعِدْلَيْنِ، وَلَا يَرَاهُ هِلَالٌ وَلَا يَشْعُرُ بِهِ، فَأَزَالَ عَنْ ظَهْرِهِ فَقَارًا، وَضَرَبَهُ هِلَالٌ ضَرْبَةً فَنَفَحَتْ مِسْكًا. وَمَضَى رُسْتُمُ نَحْوَ الْعَتِيقِ فَرَمَى بِنَفْسِهِ فِيهِ، وَاقْتَحَمَهُ هِلَالٌ عَلَيْهِ وَأَخَذَ بِرِجْلَيْهِ، ثُمَّ خَرَجَ بِهِ فَضَرَبَ جَبِينَهُ بِالسَّيْفِ حَتَّى قَتَلَهُ، ثُمَّ أَلْقَاهُ بَيْنَ أَرْجُلِ الْبِغَالِ، ثُمَّ صَعِدَ السَّرِيرَ وَقَالَ: قَتَلْتُ رُسْتُمَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ! إِلَيَّ إِلَيَّ! فَأَطَافُوا بِهِ وَكَبَّرُوا، فَنَفَّلَهُ سَعْدٌ سَلَبَهُ، وَكَانَ قَدْ أَصَابَهُ الْمَاءُ وَلَمْ يَظْفَرْ بِقَلَنْسُوَتِهِ، وَلَوْ ظَفِرَ بِهَا لَكَانَتْ قِيمَتُهَا مِائَةَ أَلْفٍ. وَقِيلَ: إِنَّ هِلَالًا لَمَّا قَصَدَ رُسْتُمَ رَمَاهُ رُسْتُمُ بِنَشَّابَةٍ أَثْبَتْ قَدَمَهُ بِالرِّكَابِ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ هِلَالٌ فَضَرَبَهُ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ احْتَزَّ رَأْسَهُ وَعَلَّقَهُ وَنَادَى: قَتَلْتُ رُسْتُمَ! فَانْهَزَمَ قَلْبُ الْمُشْرِكِينَ. وَقَامَ الْجَالِينُوسُ عَلَى الرَّدْمِ، وَنَادَى الْفُرْسَ إِلَى الْعُبُورِ، وَأَمَّا الْمُقْتَرِنُونَ فَإِنَّهُمْ جَشِعُوا فَتَهَافَتُوا فِي الْعَتِيقِ، فَوَخَزَهُمُ الْمُسْلِمُونَ بِرِمَاحِهِمْ، فَمَا أَفْلَتَ مُخْبِرٌ، وَهُمْ ثَلَاثُونَ أَلْفًا. وَأَخَذَ ضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ " دِرَقْشَ كَابِيَانَ "، وَهُوَ الْعَلَمُ الْأَكْبَرُ الَّذِي كَانَ لِلْفُرْسِ، فَعُوِّضَ مِنْهُ ثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَكَانَتْ قِيمَتُهُ أَلْفَ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ أَلْفٍ. وَقَتَلُوا فِي الْمَعْرَكَةِ عَشَرَةَ آلَافٍ سِوَى مَنْ قَتَلُوا فِي الْأَيَّامِ قَبْلَهُ، وَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ لَيْلَةِ الْهِرِيرِ أَلْفَانِ وَخَمْسُمِائَةٍ، وَقُتِلَ لَيْلَةَ الْهَرِيرِ وَيَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ سِتَّةُ آلَافٍ، فَدُفِنُوا فِي الْخَنْدَقِ حِيَالَ مُشَرِّقٍ، وَدُفِنَ مَا كَانَ قَبْلَ لَيْلَةِ الْهَرِيرِ عَلَى مُشَرِّقٍ، وَجُمِعَتِ الأَسْلَابُ وَالْأَمْوَالُ فَجُمِعَ مِنْهَا شَيْءٌ لَمْ يُجْمَعْ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلُهُ. وَأَرْسَلَ سَعْدٌ إِلَى هِلَالٍ فَسَأَلَهُ عَنْ رُسْتُمَ، فَأَحْضَرَهُ، فَقَالَ: جَرِّدْهُ إِلَّا مَا شِئْتَ.

стр. 1005

فَأَخَذَ سَلَبَهُ فَلَمْ يَدَعْ عَلَيْهِ شَيْئًا. وَأَمَرَ الْقَعْقَاعَ، وَشُرَحْبِيلَ بِاتِّبَاعِهِمْ، حَتَّى بَلَغَا مِقْدَارَ الْخَرَّارَةِ مِنَ الْقَادِسِيَّةِ، وَخَرَجَ زُهْرَةُ بْنُ الْحَوِيَّةِ التَّمِيمِيُّ فِي أَثَارِهِمْ، فِي ثَلَاثِمِائَةِ فَارِسٍ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ النَّاسُ فَلَحِقَ الْمُنْهَزِمِينَ وَالْجَالِينُوسُ يَجْمَعُهُمْ، فَقَتَلَهُ زُهْرَةُ وَأَخَذَ سَلَبَهُ، وَقَتَلُوا مَا بَيْنَ الْخَرَّارَةِ إِلَى السَّيْلَحِينِ إِلَى النَّجَفِ، وَعَادُوا مِنْ أَثَرِ الْمُنْهَزِمِينَ وَمَعَهُمُ الْأَسْرَى، فَرُئِيَ شَبَابٌ مِنَ النَّخَعِ وَهُوَ يَسُوقُ ثَمَانِينَ رَجُلًا أَسْرَى مِنَ الْفُرْسِ. وَاسْتَكْثَرَ سَعْدٌ سَلَبَ الْجَالِينُوسِ، فَكَتَبَ فِيهِ إِلَى عُمَرَ. فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى سَعْدٍ: تَعْمَدُ إِلَى مِثْلِ زُهْرَةَ وَقَدْ صَلِيَ بِمِثْلِ مَا صَلِيَ بِهِ، وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْكَ مِنْ حَرْبِكَ مَا بَقِيَ، تُفْسِدُ قَلْبَهُ، أَمْضِ لَهُ سَلَبَهُ وَفَضِّلْهُ عَلَى أَصْحَابِهِ عِنْدَ عَطَائِهِ بِخَمْسِمِائَةٍ. وَلَمَّا اتَّبَعَ الْمُسْلِمُونَ الْفُرْسَ كَانَ الرَّجُلُ يُشِيرُ إِلَى الْفَارِسِيِّ فَيَأْتِيهِ فَيَقْتُلُهُ، وَرُبَّمَا أَخَذَ سِلَاحَهُ فَقَتَلَهُ بِهِ، وَرُبَّمَا أَمَرَ رَجُلَيْنِ فَيَقْتُلُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ. وَلَحِقَ سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ الْبَاهِلِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ رَبِيعَةَ بِطَائِفَةٍ مِنْهُمْ قَدْ نَصَبُوا رَايَةً وَقَالُوا: لَا نَبْرَحُ حَتَّى نَمُوتَ، فَقَتَلَهُمْ سَلْمَانُ وَمَنْ مَعَهُ. وَكَانَ قَدْ ثَبَتَ بَعْدَ الْهَزِيمَةِ بِضْعٌ وَثَلَاثُونَ كَتِيبَةً اسْتَحْيَوْا مِنَ الْفِرَارِ، وَقَصَدَهُمْ بِضْعَةٌ وَثَلَاثُونَ مِنْ رُؤَسَاءِ الْمُسْلِمِينَ، لِكُلِّ كَتِيبَةٍ مِنْهَا رَئِيسٌ. وَكَانَ قِتَالُ أَهْلِ الْكَتَائِبِ مِنَ الْفُرْسِ عَلَى وَجْهَيْنِ، مِنْهُمْ مَنْ هَرَبَ، وَمِنْهُمْ مَنْ ثَبَتَ حَتَّى قُتِلَ، وَكَانَ مِمَّنْ هَرَبَ مِنْ أُمَرَاءِ الْكَتَائِبِ الْهُرْمُزَانُ، وَكَانَ بِإِزَاءِ عُطَارِدٍ، وَمِنْهُمْ أَهْوَذُ، وَكَانَ بِإِزَاءِ حَنْظَلَةَ بْنِ الرَّبِيعِ، وَهُوَ كَاتِبُ النَّبِيِّ ﷺ وَمِنْهُمْ زَادُ بْنُ بُهَيْشْ، وَكَانَ بِإِزَاءِ عَاصِمِ بْنِ عَمْرٍو، وَمِنْهُمْ قَارَنُ، وَكَانَ بِإِزَاءِ الْقَعْقَاعِ ; وَكَانَ مِمَّنْ ثَبَتَ وَقُتِلَ شَهْرَيَارُ بْنُ كُنَارَا، وَكَانَ بِإِزَاءِ سَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَابْنُ الْهِرْبِذِ، وَكَانَ بِإِزَاءِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْفُرُّخَانُ الْأَهْوَازِيُّ، وَكَانَ بِإِزَاءِ بُسْرِ بْنِ أَبِي رُهْمٍ الْجُهَنِيِّ، وَمِنْهُمْ خُشْدَسُومُ الْهَمَذَانِيُّ، وَكَانَ بِإِزَاءِ ابْنِ الْهُذَيْلِ الْكَاهِلِيِّ.

стр. 1006

وَتَرَاجَعَ النَّاسُ مِنْ طَلَبِ الْمُنْهَزِمِينَ، وَقَدْ قُتِلَ مُؤَذِّنُهُمْ، فَتَشَاجَّ الْمُسْلِمُونَ فِي الْأَذَانِ حَتَّى كَادُوا يَقْتَتِلُونَ، وَأَقْرَعَ سَعْدٌ بَيْنَهُمْ فَخَرَجَ سَهْمُ رَجُلٍ، فَأَذَّنَ. وَفُضِّلَ أَهْلُ الْبَلَاءِ مِنْ أَهْلِ الْقَادِسِيَّةِ عِنْدَ الْعَطَاءِ بِخَمْسِمِائَةٍ خَمْسِمِائَةٍ، وَهُمْ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ رَجُلًا، مِنْهُمْ: زُهْرَةُ وَعِصْمَةُ الضَّبِّيُّ وَالْكَلَجُ، وَأَمَّا أَهْلُ الْأَيَّامِ قَبْلَهَا فَإِنَّهُمْ فُرِضَ لَهُمْ عَلَى ثَلَاثَةِ آلَافٍ، فُضِّلُوا عَلَى أَهْلِ الْقَادِسِيَّةِ، فَقِيلَ لِعُمَرَ: لَوْ أَلْحَقْتَ بِهِمْ أَهْلَ الْقَادِسِيَّةِ. فَقَالَ: لَمْ أَكُنْ لِأُلْحِقَ بِهِمْ مَنْ لَمْ يُدْرِكْهُمْ. وَقِيلَ لَهُ: لَوْ فَضَّلْتَ مَنْ بَعُدَتْ دَارُهُ عَلَى مَنْ قَاتَلَهُمْ بِفِنَائِهِ. قَالَ: كَيْفَ أُفَضِّلُ عَلَيْهِمْ وَهُمْ شَجَنُ الْعَدُوِّ! فَهَلَّا فَعَلَ الْمُهَاجِرُونَ بِالْأَنْصَارِ هَذَا! وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَتَوَقَّعُ وَقْعَةَ الْعَرَبِ وَأَهْلِ فَارِسَ بِالْقَادِسِيَّةِ، فِيمَا بَيْنَ الْعُذَيْبِ إِلَى عَدَنَ أَبْيَنَ، وَفِيمَا بَيْنَ الْأُبُلَّةِ وَأَيْلَةَ، يَرَوْنَ أَنَّ ثَبَاتَ مُلْكِهِمْ وَزَاوَلَهُ بِهَا ; وَكَانَتْ فِي كُلِّ بَلَدٍ مُصِيخَةٌ إِلَيْهَا، تَنْظُرُ مَا يَكُونُ مِنْ أَمْرِهَا. فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ الْقَادِسِيَّةِ سَارَتْ بِهَا الْجِنُّ، فَأَتَتْ بِهَا أُنَاسًا مِنَ الْإِنْسِ، فَسَبَقَتْ أَخْبَارُ الْإِنْسِ [إِلَيْهِمْ] . وَكَتَبَ سَعْدٌ إِلَى عَمْرٍو بِالْفَتْحِ، وَبِعِدَّةِ مَنْ قُتِلُوا، وَبِعِدَّةِ مَنْ أُصِيبَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ - وَسَمَّى مَنْ يَعْرِفُ - مَعَ سَعْدِ بْنِ عُمَيْلَةَ الْفَزَارِيِّ. وَكَانَ عُمَرُ يَسْأَلُ الرُّكْبَانَ مِنْ حِينِ يُصْبِحُ إِلَى انْتِصَافِ النَّهَارِ عَنْ أَهْلِ الْقَادِسِيَّةِ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ وَمَنْزِلِهِ، قَالَ: فَلَمَّا لَقِيَ الْبَشِيرَ سَأَلَهُ مِنْ أَيْنَ؟ فَأَخْبَرَهُ، قَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ حَدِّثْنِي. قَالَ: هَزَمَ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ. وَعُمَرُ يَخِبُّ مَعَهُ يَسْأَلُهُ، وَالْآخَرُ يَسِيرُ عَلَى نَاقَتِهِ، لَا يَعْرِفُهُ حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ، وَإِذَا النَّاسُ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ الْبَشِيرُ: هَلَّا أَخْبَرْتَنِي - رَحِمَكَ اللَّهُ - أَنَّكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ! فَقَالَ عُمَرُ: لَا بَأْسَ عَلَيْكَ يَا أَخِي. وَأَقَامَ الْمُسْلِمُونَ بِالْقَادِسِيَّةِ فِي انْتِظَارِ قُدُومِ الْبَشِيرِ، وَأَمَرَ عُمَرُ النَّاسَ أَنْ يَقُومُوا عَلَى أَقْبَاضِهِمْ، وَيُصْلِحُوا أَحْوَالَهُمْ، وَيُتَابِعَ إِلَيْهِمْ أَهْلُ الشَّامِ مِمَّنْ شَهِدَ الْيَرْمُوكَ وَدِمَشْقَ مُمِدِّينَ لَهُمْ، وَجَاءَ أَوَّلُهُمْ يَوْمَ أَغْوَاثٍ، وَآخِرُهُمْ بَعْدَ الْغَدِ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَكَتَبُوا فِيهِمْ إِلَى عُمَرَ يَسْأَلُونَهُ

стр. 1007

عَمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُشَارَ فِيهِ مَعَ نَذِيرِ بْنِ عَمْرٍو. وَقِيلَ: كَانَتْ وَقْعَةُ الْقَادِسِيَّةِ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ، قَالَ: وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ يَقُولُ: إِنَّهَا كَانَتْ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهَا كَانَتْ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ (حُمَيْضَةُ بْنُ النُّعْمَانِ: بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ الْمِيمِ، وَبِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ. بُسْرُ بْنُ أَبِي رُهْمٍ: بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ. وَالْحَوِيَّةُ: بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَكَسْرِ الْوَاوِ، وَقِيلَ بِالْجِيمِ الْمَضْمُومَةِ، وَفَتْحِ الْوَاوِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَحَمَّالٌ: بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ. وَالْمُعَنَّى: بِضَمِّ الْمِيمِ، وَفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَالنُّونِ الْمُشَدَّدَةِ. وَحُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ: بِضَمِّ الْحَاءِ، وَفَتْحِ الصَّادِ. وَمُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ: بِضَمِّ الْحَاءِ، وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَآخِرُهُ جِيمٌ. وَالْمُعْتَمُّ: بِضَمِّ الْمِيمِ، وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ التَّاءِ فَوْقَهَا نُقْطَتَانِ، وَآخِرُهُ مِيمٌ مُشَدَّدَةٌ. وَصِرَارٌ: بِكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، وَبِالرَّائَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ: مَوْضِعٌ عِنْدَ الْمَدِينَةِ. وَصِنَّيْنُ بِكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، وَالنُّونِ الْمُشَدَّدَةِ بَعْدَهَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ مُعْجَمَةٌ بِاثْنَتَيْنِ مِنْ تَحْتِهَا، وَآخِرُهُ نُونٌ: مَوْضِعٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْكُوفَةِ) . انْتَهَى خَبَرُ الْقَادِسِيَّةِ. [ذِكْرُ وِلَايَةِ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ الْبَصْرَةَ] قِيلَ: فِي هَذِهِ السَّنَةِ بَعَثَ عُمَرُ عُتْبَةَ بْنَ غَزْوَانَ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَكَانَ بِهَا قُطْبَةُ بْنُ قَتَادَةَ السَّدُوسِيُّ يُغِيرُ بِتِلْكَ النَّاحِيَةِ، كَمَا كَانَ يُغِيرُ الْمُثَنَّى بِنَاحِيَةِ الْحِيرَةِ، فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ يُعْلِمُهُ مَكَانَهُ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعَهُ عَدَدٌ يَسِيرٌ ظَفِرَ بِمَنْ كَانَ قِبَلَهُ مِنَ الْعَجَمِ، فَنَفَاهُمْ عَنْ بِلَادِهِمْ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ يَأْمُرُهُ بِالْمُقَامِ وَالْحَذَرِ، وَوَجَّهَ إِلَيْهِ شُرَيْحَ بْنَ عَامِرٍ أَحَدَ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، فَأَقْبَلَ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَتَرَكَ بِهَا قُطْبَةَ، وَمَضَى إِلَى الْأَهْوَازِ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى دَارِسَ، وَفِيهَا مَسْلَحَةُ الْأَعَاجِمِ، فَقَتَلُوهُ، فَبَعَثَ عُمَرُ عُتْبَةَ بْنَ غَزْوَانَ، [وَ] قَالَ لَهُ حِينَ وَجَّهَهُ: يَا عُتْبَةُ، إِنِّي قَدِ اسْتَعْمَلْتُكَ عَلَى أَرْضِ الْهِنْدِ، وَهِيَ حَوْمَةٌ مِنْ حَوْمَةِ الْعَدُوِّ، وَأَرْجُو

стр. 1008

أَنْ يَكْفِيَكَ اللَّهُ مَا حَوْلَهَا، وَيُعِينَكَ عَلَيْهَا، وَقَدْ كَتَبْتُ إِلَى الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ أَنْ يُمِدَّكَ بِعَرْفَجَةَ بْنِ هَرْثَمَةَ، وَهُوَ ذُو مُجَاهَدَةٍ وَمُكَايَدَةٍ لِلْعَدُوِّ، فَإِذَا قَدِمَ عَلَيْكَ فَاسْتَشِرْهُ، وَادْعُ إِلَى اللَّهِ، فَمَنْ أَجَابَكَ فَاقْبَلْ مِنْهُ، وَمَنْ أَبَى فَالْجِزْيَةُ وَإِلَّا فَالسَّيْفُ، وَاتَّقِ اللَّهَ فِيمَا وُلِّيتَ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُنَازِعَكَ نَفْسُكَ إِلَى كِبْرٍ مِمَّا يُفْسِدُ عَلَيْكَ إِخْوَتَكَ، وَقَدْ صَحِبْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعُزِّزْتَ بِهِ بَعْدَ الذِّلَّةِ، وَقُوِّيتَ بِهِ بَعْدَ الضَّعْفِ، حَتَّى صِرْتَ أَمِيرًا مُسَلَّطًا وَمَلِكًا مُطَاعًا، تَقُولُ فَيُسْمَعُ مِنْكَ، وَتَأْمُرُ فَيُطَاعُ أَمْرُكَ، فَيَا لَهَا نِعْمَةٌ! إِنْ لَمْ تَرْفَعْكَ فَوْقَ قَدْرِكَ وَتَبْطَرْكَ عَلَى مَنْ دُونَكَ، وَاحْتَفِظْ مِنَ النِّعْمَةِ احْتِفَاظَكَ مِنَ الْمَعْصِيَةِ، وَلَهِيَ أَخْوَفُهُمَا عِنْدِي عَلَيْكَ أَنْ تَسْتَدْرِجَكَ وَتَخْدَعَكَ، فَتَسْقُطَ سَقْطَةً تَصِيرُ بِهَا إِلَى جَهَنَّمَ، أُعِيذُكَ بِاللَّهِ وَنَفْسِي مِنْ ذَلِكَ. إِنَّ النَّاسَ أَسْرَعُوا إِلَى اللَّهِ حِينَ رُفِعَتْ لَهُمُ الدُّنْيَا فَأَرَادُوهَا، فَأَرِدِ اللَّهَ وَلَا تُرِدِ الدُّنْيَا، وَاتَّقِ مَصَارِعَ الظَّالِمِينَ. انْطَلِقْ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي أَقْصَى الْعَرَبِ وَأَدْنَى أَرْضِ الْعَجَمِ فَأَقِيمُوا. فَسَارَ عُتْبَةُ وَمَنْ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْمِرْبَدِ تَقَدَّمُوا حَتَّى بَلَغُوا حِيَالَ الْجِسْرِ الصَّغِيرِ فَنَزَلُوا. فَبَلَغَ صَاحِبَ الْفُرَاتِ خَبَرُهُمْ، فَأَقْبَلَ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ فَالْتَقَوْا، فَقَاتَلَهُمْ عُتْبَةُ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَكَانَ فِي خَمْسِمِائَةٍ، فَقَتَلَهُمْ أَجْمَعِينَ، وَلَمْ يُبْقِ إِلَّا صَاحِبَ الْفُرَاتِ فَأَخَذَهُ أَسِيرًا، ثُمَّ خَطَبَ عُتْبَةُ أَصْحَابَهُ وَقَالَ: إِنَّ الدُّنْيَا قَدْ تَصَرَّمَتْ وَوَلَّتْ حَذَّاءَ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الْإِنَاءِ، أَلَا وَإِنَّكُمْ مُنْتَقِلُونَ مِنْهَا إِلَى دَارِ الْقَرَارِ، فَانْتَقِلُوا بِخَيْرِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ، وَقَدْ ذُكِرَ لِي: لَوْ أَنَّ صَخْرَةً أُلْقِيَتْ مِنْ شَفِيرِ جَهَنَّمَ لَهَوَتْ سَبْعِينَ خَرِيفًا، وَلَتُمْلَأَنَّهُ ; أَوَعَجِبْتُمْ! وَلَقَدْ ذُكِرَ لِي أَنَّ مَا بَيْنَ مِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ مَسِيرَةَ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا، وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَيْهِ يَوْمٌ وَهُوَ كَظِيظٌ، [بِزِحَامٍ] ، وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي وَأَنَا سَابِعُ سَبْعَةٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، مَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّا وَرَقُ السَّمُرِ حَتَّى تَقَرَّحَتْ أَشْدَاقُنَا، وَالْتَقَطْتُ بُرْدَةً فَشَقَقْتُهَا بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدٍ، فَمَا مِنَّا [مِنْ] أُولَئِكَ السَّبْعَةِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَهُوَ أَمِيرُ مِصْرٍ مِنَ الْأَمْصَارِ،

стр. 1009

وَسَيُجَرِّبُونَ النَّاسَ بَعْدَنَا. وَكَانَ نُزُولُهُ الْبَصْرَةَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ أَوِ الْآخِرِ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ. وَقِيلَ: إِنَّ الْبَصْرَةَ مُصِّرَتْ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ بَعْدَ جَلُولَاءَ وَتَكْرِيتَ، أَرْسَلَهُ سَعْدٌ إِلَيْهَا بِأَمْرِ عُمَرَ. وَإِنَّ عُتْبَةَ لَمَّا نَزَلَ الْبَصْرَةَ أَقَامَ نَحْوَ شَهْرٍ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَهْلُ الْأُبُلَّةِ، وَكَانَ بِهَا خَمْسُمِائَةِ أُسْوَارٍ يَحْمُونَهَا، وَكَانَتْ مَرْفَأَ السُّفُنِ مِنَ الصِّينِ، فَقَاتَلَهُمْ عُتْبَةُ فَهَزَمَهُمْ حَتَّى دَخَلُوا الْمَدِينَةَ، وَرَجَعَ عُتْبَةُ إِلَى عَسْكَرِهِ، وَأَلْقَى اللَّهُ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِ الْفُرْسِ، فَخَرَجُوا عَنِ الْمَدِينَةِ وَحَمَلُوا مَا خَفَّ وَعَبَرُوا الْمَاءَ، وَأَخْلَوُا الْمَدِينَةَ، وَدَخَلَهَا الْمُسْلِمُونَ، فَأَصَابُوا مَتَاعًا وَسِلَاحًا وَسَبْيًا فَاقْتَسَمُوهُ، وَأَخْرَجَ الْخُمُسَ مِنْهُ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ ثَلَاثَمِائَةٍ. وَكَانَ فَتْحُهَا فِي رَجَبٍ أَوْ فِي شَعْبَانَ. ثُمَّ نَزَلَ مَوْضِعَ الرِّزْقِ، وَخَطَّ مَوْضِعَ الْمَسْجِدِ وَبَنَاهُ بِالْقَصَبِ. وَكَانَ أَوَّلُ مَوْلُودٍ بِهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ، فَلَمَّا وُلِدَ ذَبَحَ أَبُوهُ جَزُورًا، فَكَفَتْهُمْ لِقِلَّةِ النَّاسِ. وَجَمَعَ لَهُمْ أَهْلُ دَسْتُمِيسَانَ، فَلَقِيَهُمْ عُتْبَةُ فَهَزَمَهُمْ وَأَخَذَ مَرْزُبَانَهَا أَسِيرًا، وَأَخَذَ قَتَادَةُ مِنْطَقَتَهُ، فَبَعَثَ بِهَا مَعَ أَنَسِ بْنِ حَجْنَةَ إِلَى عُمَرَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: كَيْفَ النَّاسُ؟ فَقَالَ: انْثَالَتْ عَلَيْهِمُ الدُّنْيَا، فَهُمْ يَهِيلُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ. فَرَغِبَ النَّاسُ فِي الْبَصْرَةِ فَأَتَوْهَا. وَاسْتَعْمَلَ عُتْبَةُ مُجَاشِعَ بْنَ مَسْعُودٍ عَلَى جَمَاعَةٍ وَسَيَّرَهُمْ إِلَى الْفُرَاتِ، وَاسْتَخْلَفَ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ عَلَى الصَّلَاةِ إِلَى أَنْ يَقْدَمَ مُجَاشِعُ بْنُ مَسْعُودٍ، فَإِذَا قَدِمَ فَهُوَ الْأَمِيرُ، وَسَارَ عُتْبَةُ إِلَى عُمَرَ. فَظَفِرَ مُجَاشِعٌ بِأَهْلِ الْفُرَاتِ وَجَمَعَ الْفَلِيكَانُ، عَظِيمٌ مِنَ الْفُرْسِ، لِلْمُسْلِمِينَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَلَقِيَهُمْ بِالْمَرْغَابِ فَاقْتَتَلُوا. فَقَالَ نِسَاءُ الْمُسْلِمِينَ: لَوْ لَحِقْنَا بِهِمْ فَكُنَّا مَعَهُمْ، فَاتَّخَذْنَ مِنْ خُمُرِهِنَّ رَايَاتٍ وَسِرْنَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ.

стр. 1010

فَلَمَّا رَأَى الْمُشْرِكُونَ الرَّايَاتِ ظَنُّوا أَنَّ مَدَدًا لِلْمُسْلِمِينَ قَدْ أَقْبَلَ، فَانْهَزَمُوا وَظَفِرَ بِهِمُ الْمُسْلِمُونَ. وَكُتِبَ إِلَى عُمَرَ بِالْفَتْحِ، فَقَالَ عُمَرُ لِعُتْبَةَ: مَنِ اسْتَعْمَلْتَ عَلَى الْبَصْرَةِ؟ فَقَالَ: مُجَاشِعَ بْنَ مَسْعُودٍ. قَالَ: أَتَسْتَعْمِلُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْوَبَرِ عَلَى أَهْلِ الْمَدَرِ؟ وَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنَ الْمُغِيرَةِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى عَمَلِهِ، فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ، وَقِيلَ فِي مَوْتِهِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَسَيَرِدُ ذِكْرُهُ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَكَانَ مِنْ سَبْيِ مَيْسَانَ يَسَارُ أَبُو الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ، وَأَرْطَبَانُ جَدُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنِ بْنِ أَرْطَبَانَ. وَقِيلَ: إِنَّ إِمَارَةَ عُتْبَةَ الْبَصْرَةَ كَانَتْ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَقِيلَ: سِتَّ عَشْرَةَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، فَكَانَتْ إِمَارَتُهُ عَلَيْهَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ. وَاسْتَعْمَلَ عُمَرُ عَلَى الْبَصْرَةِ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، فَبَقِيَ سَنَتَيْنِ ثُمَّ رُمِيَ بِمَا رُمِيَ، وَاسْتَعْمَلَ أَبَا مُوسَى، وَقِيلَ: اسْتَعْمَلَ بَعْدَ عُتْبَةَ أَبَا مُوسَى وَبَعْدَهُ الْمُغِيرَةَ. وَفِيهَا - أَعْنِي سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ - ضَرَبَ عُمَرُ ابْنَهُ عُبَيْدَ اللَّهِ وَأَصْحَابَهُ فِي شَرَابٍ شَرِبُوهُ، وَأَبَا مِحْجَنٍ. وَفِيهَا أَمَرَ عُمَرُ بِالْقِيَامِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي الْمَسَاجِدِ بِالْمَدِينَةِ، وَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَكَتَبَ إِلَى الْأَمْصَارِ بِذَلِكَ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. وَكَانَ عَلَى مَكَّةَ عَتَّابُ بْنُ أَسِيدٍ فِي قَوْلٍ، وَعَلَى الْيَمَنِ يَعْلَى بْنُ مُنْيَةَ، وَعَلَى الْكُوفَةِ سَعْدٌ، وَعَلَى الشَّامِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَعَلَى الْبَحْرَيْنِ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ، وَقِيلَ الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ، وَعَلَى عُمَانَ حُذَيْفَةُ بْنُ مِحْصَنٍ.

стр. 1011

[الْوَفَيَاتُ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ أَبُو قُحَافَةَ وَالِدُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ بَعْدَ مَوْتِ ابْنِهِ. وَفِيهَا مَاتَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ، وَقِيلَ: سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ، وَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَفِيهَا قُتِلَ سَلِيطُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ وَفِيهَا مَاتَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ أُمُّ مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ إِسْلَامُهَا يَوْمَ الْفَتْحِ.

стр. 1012

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ] ١٥ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ وَقِيلَ: إِنَّ الْكُوفَةَ مَصَّرَهَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، دَلَّهُمْ عَلَى مَوْضِعِهَا ابْنُ بُقَيْلَةَ، قَالَ لِسَعْدٍ: أَدُلُّكَ عَلَى أَرْضٍ لِلَّهِ ارْتَفَعَتْ مِنَ الْبَقِّ وَانْحَدَرَتْ عَنِ الْفَلَاةِ! فَدَلَّهُ عَلَى مَوْضِعِهَا، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَيَأْتِي ذِكْرُهُ ذِكْرُ الْوَقْعَةِ بِمَرْجِ الرُّومِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتِ الْوَقْعَةُ بِمَرْجِ الرُّومِ، وَكَانَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ وَخَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ سَارَا بِمَنْ مَعَهُمَا مِنْ فِحْلٍ قَاصِدِينَ حِمْصَ، فَنَزَلَا عَلَى ذِي الْكَلَاعِ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ هِرَقْلَ. فَبَعَثَ تُوذَرَ الْبِطْرِيقَ، حَتَّى نَزَلَ بِمَرْجِ الرُّومِ غَرْبَ دِمَشْقَ، وَنَزَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِمَرْجِ الرُّومِ أَيْضًا، وَنَازَلَهُ يَوْمَ نُزُولِهِ شَنَشُ الرُّومِيُّ فِي مِثْلِ خَيْلِ تُوذَرَ، إِمْدَادًا لِتُوذَرَ وَرِدْءًا لِأَهْلِ حِمْصَ. فَلَمَّا نَزَلَ أَصْبَحَتِ الْأَرْضُ مِنْ تُوذَرَ بِلَاقِعُ، وَكَانَ خَالِدٌ بِإِزَائِهِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بِإِزَاءِ شَنَشَ، وَسَارَ تُوذَرُ يَطْلُبُ دِمَشْقَ، فَسَارَ خَالِدٌ وَرَاءَهُ فِي جَرِيدَةٍ، وَبَلَغَ يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ فِعْلُ تُوذَرَ فَاسْتَقْبَلَهُ فَاقْتَتَلُوا، وَلَحِقَ بِهِمْ خَالِدٌ وَهُمْ يَقْتَتِلُونَ فَأَخَذَهُمْ مِنْ خَلْفِهِمْ وَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ إِلَّا الشَّرِيدُ، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ مَا مَعَهُمْ، فَقَسَّمَهُ يَزِيدُ فِي أَصْحَابِهِ وَأَصْحَابِ خَالِدٍ، وَعَادَ يَزِيدُ إِلَى دِمَشْقَ، وَرَجَعَ خَالِدٌ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ وَقَدْ قُتِلَ تُوذَرُ. وَقَاتَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ بَعْدَ مَسِيرِ خَالِدٍ شَنَشَ، فَاقْتَتَلُوا بِمَرْجِ الرُّومِ، فَقُتِلَتِ الرُّومُ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَقُتِلَ شَنَشُ، وَتَبِعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ إِلَى حِمْصَ، فَلَمَّا بَلَغَ هِرَقْلَ ذَلِكَ أَمَرَ بِطْرِيقَ حِمْصَ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهَا، وَسَارَ هُوَ إِلَى الرُّهَاءِ، وَسَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى حِمْصَ.

стр. 1013

ذِكْرُ فَتْحِ حِمْصَ وَبَعْلَبَكَّ وَغَيْرِهِمَا فَلَمَّا فَرَغَ أَبُو عُبَيْدَةَ مِنْ دِمَشْقَ سَارَ إِلَى حِمْصَ، فَسَلَكَ طَرِيقَ بَعْلَبَكَّ فَحَصَرَهَا، فَطَلَبَ أَهْلُهَا الْأَمَانَ فَآمَنَهُمْ وَصَالَحَهُمْ، وَسَارَ عَنْهُمْ فَنَزَلَ عَلَى حِمْصَ وَمَعَهُ خَالِدٌ وَقِيلَ: إِنَّمَا سَارَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى حِمْصَ مِنْ مَرْجِ الرُّومِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. فَلَمَّا نَزَلُوهَا قَاتَلُوا أَهْلَهَا فَكَانُوا يُغَادُونَهُمُ الْقِتَالَ وَيُرَاوِحُونَهُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ بَارِدٍ، وَلَقِيَ الْمُسْلِمُونَ بَرْدًا شَدِيدًا، وَالرُّومُ حِصَارًا طَوِيلًا، فَصَبَرَ الْمُسْلِمُونَ وَالرُّومُ، وَكَانَ هِرَقْلُ قَدْ أَرْسَلَ إِلَى أَهْلِ حِمْصَ يَعِدُهُمُ الْمَدَدَ، وَأَمَرَ أَهْلَ الْجَزِيرَةِ جَمِيعِهَا بِالتَّجْهِيزِ إِلَى حِمْصَ فَسَارُوا نَحْوَ الشَّامِ لِيَمْنَعُوا حِمْصَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ. فَسَيَّرَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ السَّرَايَا مِنَ الْعِرَاقِ إِلَى هِيتَ وَحَصَرُوهَا، وَسَارَ بَعْضُهُمْ إِلَى قَرْقِيسِيَا، فَتَفَرَّقَ أَهْلُ الْجَزِيرَةِ وَعَادُوا عَنْ نَجْدَةِ أَهْلِ حِمْصَ، فَكَانَ أَهْلُهَا يَقُولُونَ: تَمَسَّكُوا بِمَدِينَتِكُمْ فَإِنَّهُمْ حُفَاةٌ، فَإِذَا أَصَابَهُمُ الْبَرْدُ تَقَطَّعَتْ أَقْدَامُهُمْ. فَكَانَتْ أَقْدَامُ الرُّومِ تَسْقُطُ وَلَا يَسْقُطُ لِلْمُسْلِمِينَ إِصْبَعٌ. فَلَمَّا خَرَجَ الشِّتَاءُ قَامَ شَيْخٌ مِنَ الرُّومِ فَدَعَاهُمْ إِلَى مُصَالَحَةِ الْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يُجِيبُوهُ، وَقَامَ آخَرُ فَلَمْ يُجِيبُوهُ، فَنَاهَدَهُمُ الْمُسْلِمُونَ فَكَبَّرُوا تَكْبِيرَةً، فَانْهَدَمَ كَثِيرٌ مِنْ دُورِ حِمْصَ، وَزُلْزِلَتْ حِيطَانُهُمْ فَتَصَدَّعَتْ، فَكَبَّرُوا ثَانِيَةً فَأَصَابَهُمْ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، فَخَرَجَ أَهْلُهَا إِلَيْهِمْ يَطْلُبُونَ الصُّلْحَ، وَلَا يَعْلَمُ الْمُسْلِمُونَ بِمَا حَدَثَ فِيهِمْ، فَأَجَابُوهُمْ وَصَالَحُوهُمْ عَلَى صُلْحِ دِمَشْقَ، وَأَنْزَلَهَا أَبُو عُبَيْدَةَ السِّمْطَ بْنَ الْأَسْوَدِ الْكِنْدِيَّ فِي بَنِي مُعَاوِيَةَ، وَالْأَشْعَثَ بْنَ مِينَاسٍ فِي السَّكُونِ، وَالْمِقْدَادَ فِي بَلِيٍّ، وَأَنْزَلَهَا غَيْرَهُمْ، وَبَعَثَ بِالْأَخْمَاسِ إِلَى عُمَرَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ: أَنْ أَقِمْ بِمَدِينَتِكَ وَارْعَ أَهْلَ الْقُوَّةَ مِنْ عَرَبِ الشَّامِ، فَإِنِّي غَيْرُ تَارِكٍ الْبَعْثَةَ إِلَيْكَ. ثُمَّ اسْتَخْلَفَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى حِمْصَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ، وَسَارَ إِلَى حَمَاةَ، فَتَلَقَّاهُ أَهْلُهَا مُذْعِنِينَ، فَصَالَحَهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى الْجِزْيَةِ لِرُءُوسِهِمْ وَالْخَرَاجِ عَلَى أَرْضِهِمْ،

стр. 1014

وَمَضَى نَحْوَ شَيْزَرَ، فَخَرَجُوا إِلَيْهِ يَسْأَلُونَ الصُّلْحَ عَلَى مَا صَالَحَ عَلَيْهِ أَهْلَ حَمَاةَ، وَسَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى مَعَرَّةِ حِمْصَ، وَهِيَ مَعَرَّةُ النُّعْمَانِ، نُسِبَتْ بَعْدُ إِلَى النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيِّ، فَأَذْعَنُوا لَهُ بِالصُّلْحِ عَلَى مَا صَالَحَ عَلَيْهِ أَهْلَ حِمْصَ. ثُمَّ أَتَى اللَّاذِقِيَّةَ فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا، وَكَانَ لَهَا بَابٌ عَظِيمٌ يَفْتَحُهُ جَمْعٌ مِنَ النَّاسِ، فَعَسْكَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى بُعْدٍ مِنْهَا، ثُمَّ أَمَرَ فَحُفِرَ حَفَائِرُ عَظِيمَةٌ، تَسْتُرُ الْحُفْرَةُ مِنْهَا الْفَارِسَ رَاكِبًا، ثُمَّ أَظْهَرُوا أَنَّهُمْ عَائِدُونَ عَنْهَا وَرَحَلُوا، فَلَمَّا جَنَّهُمُ اللَّيْلُ عَادُوا وَاسْتَتَرُوا فِي تِلْكَ الْحَفَائِرِ، وَأَصْبَحَ أَهْلُ اللَّاذِقِيَّةِ وَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدِ انْصَرَفُوا عَنْهُمْ، فَأَخْرَجُوا سَرْحَهُمْ وَانْتَشَرُوا بِظَاهِرِ الْبَلَدِ، فَلَمْ يَرُعْهُمْ إِلَّا وَالْمُسْلِمُونَ يَصِيحُونَ بِهِمْ، وَدَخَلُوا مَعَهُمُ الْمَدِينَةَ وَمُلِكَتْ عَنْوَةً، وَهَرَبَ قَوْمٌ مِنَ النَّصَارَى، ثُمَّ طَلَبُوا الْأَمَانَ عَلَى أَنْ يَرْجِعُوا إِلَى أَرْضِهِمْ، فَقُوطِعُوا عَلَى خَرَاجٍ يُؤَدُّونَهُ قَلُّوا أَوْ كَثُرُوا، وَتُرِكَتْ لَهُمْ كَنِيسَتُهُمْ، وَبَنَى الْمُسْلِمُونَ بِهَا مَسْجِدًا جَامِعًا، بَنَاهُ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، ثُمَّ وُسِّعَ فِيهِ بَعْدُ. وَلَمَّا فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ اللَّاذِقِيَّةَ جَلَا أَهْلُ جَبَلَةَ مِنَ الرُّومِ عَنْهَا، فَلَمَّا كَانَ زَمَنُ مُعَاوِيَةَ بَنَى حِصْنًا خَارِجَ الْحِصْنِ الرُّومِيِّ وَشَحَنَهُ بِالرِّجَالِ. وَفَتَحَ الْمُسْلِمُونَ مَعَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنْطَرْطُوسَ، وَكَانَ حَصِينًا، فَجَلَا عَنْهُ أَهْلُهُ، فَبَنَى مُعَاوِيَةُ مَدِينَةَ أَنْطَرْطُوسَ، وَمَصَّرَهَا، وَأَقْطَعَ بِهَا الْقَطَائِعَ لِلْمُقَاتِلَةِ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ بِبَانْيَاسَ وَفُتِحَتْ سَلَمْيَةُ أَيْضًا، وَقِيلَ: إِنَّمَا سُمِّيَتْ سَلَمْيَةَ لِأَنَّهُ كَانَ بِقُرْبِهَا مَدِينَةٌ تُدْعَى الْمُؤْتَفِكَةَ انْقَلَبَتْ بِأَهْلِهَا وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْهُمْ غَيْرُ مِائَةِ نَفْسٍ، فَبَنَوْا لَهُمْ مِائَةَ مَنْزِلٍ، وَسُمِّيَتْ سَلِمَ مِائَةٌ، ثُمَّ حَرَّفَ النَّاسُ فَقَالُوا: سَلَمْيَةُ، وَهَذَا يَتَمَشَّى لِقَائِلِهِ لَوْ كَانَ أَهْلُهَا عَرَبًا وَلِسَانُهُمْ عَرَبِيًّا، وَأَمَّا إِذْ كَانَ لِسَانُهُمْ أَعْجَمِيًّا فَلَا يَسُوغُ هَذَا الْقَوْلُ. ثُمَّ إِنَّ صَالِحَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ اتَّخَذَهَا دَارًا وَبَنَى [وَ] وَلَدُهُ فِيهَا وَمَصَّرُوهَا، وَنَزَلَهَا مَنْ نَزَلَهَا مِنْ وَلَدِهُ، فَهِيَ وَأَرَضُوهَا لَهُمْ.

стр. 1015

ذِكْرُ فَتْحِ قِنَّسْرِينَ وَدُخُولِ هِرَقْلَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ ثُمَّ أَرْسَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى قِنَّسْرِينَ. فَلَمَّا نَزَلَ الْحَاضِرَ زَحَفَ إِلَيْهِمُ الرُّومُ وَعَلَيْهِمْ مِينَاسُ، وَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ الرُّومِ بَعْدَ هِرَقْلَ، فَاقْتَتَلُوا فَقُتِلَ مِينَاسُ وَمَنْ مَعَهُ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً لَمْ يُقْتَلُوا مِثْلَهَا، فَمَاتُوا عَلَى دَمٍ وَاحِدٍ. وَسَارَ خَالِدٌ حَتَّى نَزَلَ عَلَى قِنَّسْرِينَ فَتَحَصَّنُوا مِنْهُ، فَقَالُوا: لَوْ كُنْتُمْ فِي السَّحَابِ لَحَمَلَنَا اللَّهُ إِلَيْكُمْ أَوْ لَأَنْزَلَكُمْ إِلَيْنَا. فَنَظَرُوا فِي أَمْرِهِمْ وَرَأَوْا مَا لَقِيَ أَهْلُ حِمْصَ فَصَالَحُوهُمْ عَلَى صُلْحِ حِمْصَ، فَأَبَى خَالِدٌ إِلَّا عَلَى إِخْرَابِ الْمَدِينَةِ فَأَخْرَبَهَا. فَعِنْدَ ذَلِكَ دَخَلَ هِرَقْلُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ ; وَسَبَبُهُ: أَنَّ خَالِدًا وَعِيَاضًا أَدْرَبَا إِلَى هِرَقْلَ مِنَ الشَّامِ، وَأَدْرَبَ عَمْرُو بْنُ مَالِكٍ مِنَ الْكُوفَةِ، فَخَرَجَ مِنْ نَاحِيَةِ قَرْقِيسِيَا، وَأَدْرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَمِّ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَوْصِلِ، ثُمَّ رَجَعُوا، فَعِنْدَهَا دَخَلَ هِرَقْلُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَكَانَتْ هَذِهِ أَوَّلَ مُدْرِبَةٍ فِي الْإِسْلَامِ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَقِيلَ: سِتَّ عَشْرَةَ. فَلَمَّا بَلَغَ عُمَرَ صَنِيعُ خَالِدٍ قَالَ: أَمَّرَ خَالِدٌ نَفْسَهُ، يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ هُوَ كَانَ أَعْلَمَ بِالرِّجَالِ مِنِّي! وَقَدْ كَانَ عَزَلَهُ وَالْمُثَنَّى بْنَ حَارِثَةَ وَقَالَ: إِنِّي لَمْ أَعْزِلْهُمَا عَنْ رِيبَةٍ وَلَكِنَّ النَّاسَ عَظَّمُوهُمَا فَخَشِيتُ أَنْ يُوكَلُوا إِلَيْهِمَا. فَأَمَّا الْمُثَنَّى فَإِنَّهُ رَجَعَ عَنْ رَأْيِهِ فِيهِ لَمَّا قَامَ بَعْدَ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَرَجَعَ عَنْ خَالِدٍ بَعْدَ قِنَّسْرِينَ. وَأَمَّا هِرَقْلُ فَإِنَّهُ خَرَجَ مِنَ الرُّهَاءِ ; وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ أَنَبَحَ كِلَابَهَا وَنَفَّرَ دَجَاجَهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ زِيَادُ بْنُ حَنْظَلَةَ - وَكَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ -، وَسَارَ هِرَقْلُ فَنَزَلَ بِشِمْشَاطَ، ثُمَّ أَدْرَبَ مِنْهَا نَحْوَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ. فَلَمَّا أَرَادَ الْمَسِيرَ مِنْهَا عَلَا عَلَى نَشَزٍ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الشَّامِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكِ يَا سُورِيَةُ، سَلَامٌ لَا اجْتِمَاعَ بَعْدَهُ، وَلَا يَعُودُ إِلَيْكِ رُومِيٌّ أَبَدًا إِلَّا خَائِفًا، حَتَّى يُولَدَ الْمَوْلُودُ الْمَشْئُومُ، يَا لَيْتَهُ لَا يُولَدُ! فَمَا أَحْلَى فِعْلَهُ وَأَمَرَّ فِتْنَتَهُ عَلَى الرُّومِ! . ثُمَّ سَارَ فَدَخَلَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَأَخَذَ أَهْلَ الْحُصُونِ الَّتِي بَيْنَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَطَرَسُوسَ مَعَهُ لِئَلَّا يَسِيرَ الْمُسْلِمُونَ فِي عِمَارَةٍ مَا بَيْنَ أَنْطَاكِيَةَ وَبِلَادِ الرُّومِ، وَشَعَّثَ الْحُصُونَ، فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ لَا

стр. 1016

يَجِدُونَ بِهَا أَحَدًا، وَرُبَّمَا كَمَّنَ عِنْدَهَا الرُّومُ فَأَصَابُوا غِرَّةً الْمُتَخَلِّفِينَ، فَاحْتَاطَ الْمُسْلِمُونَ لِذَلِكَ. ذِكْرُ فَتْحِ حَلَبَ وَأَنْطَاكِيَةَ وَغَيْرِهَا مِنَ الْعَوَاصِمِ لَمَّا فَرَغَ أَبُو عُبَيْدَةَ مِنْ قِنَّسْرِينَ سَارَ إِلَى حَلَبَ، فَبَلَغَهُ أَنَّ أَهْلَ قِنَّسْرِينَ نَقَضُوا وَغَدَرُوا، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمُ السِّمْطَ الْكِنْدِيَّ فَحَصَرَهُمْ وَفَتَحَهَا، وَأَصَابَ فِيهَا بَقَرًا وَغَنَمًا، فَقَسَّمَ بَعْضَهُ فِي جَيْشِهِ، وَجَعَلَ بَقِيَّتَهُ فِي الْمَغْنَمِ. وَوَصَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى حَاضِرِ حَلَبَ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْهَا فَجَمَعَ أَصْنَافًا مِنَ الْعَرَبِ، فَصَالَحَهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى الْجِزْيَةِ، ثُمَّ أَسْلَمُوا بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَتَى حَلَبَ وَعَلَى مُقَدَّمَتِهِ عِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ الْفِهْرِيُّ، فَتَحَصَّنَ أَهْلُهَا وَحَصَرَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ طَلَبُوا الصُّلْحَ وَالْأَمَانَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ وَمَدِينَتِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ وَحِصْنِهِمْ، فَأُعْطُوا ذَلِكَ، وَاسْتُثْنِيَ عَلَيْهِمْ مَوْضِعُ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ الَّذِي صَالَحَهُمْ عِيَاضٌ، فَأَجَازَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَلِكَ. وَقِيلَ: صُولِحُوا عَلَى أَنْ يُقَاسَمُوا مَنَازِلَهُمْ وَكَنَائِسَهُمْ. وَقِيلَ: إِنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ لَمْ يُصَادِفْ بِحَلَبَ أَحَدًا لِأَنَّ أَهْلَهَا انْتَقَلُوا إِلَى أَنْطَاكِيَةَ وَرَاسَلُوا فِي الصُّلْحِ، فَلَمَّا تَمَّ ذَلِكَ رَجَعُوا إِلَيْهَا. وَسَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ مِنْ حَلَبَ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ، وَقَدْ تَحَصَّنَ بِهَا كَثِيرٌ مِنَ الْخَلْقِ مِنْ قِنَّسْرِينَ وَغَيْرِهَا. فَلَمَّا فَارَقَهَا لَقِيَهُ جَمْعُ الْعَدُوِّ، فَهَزَمَهُمْ فَأَلْجَأَهُمْ إِلَى الْمَدِينَةِ وَحَاصَرَهَا مِنْ جَمِيعِ نَوَاحِيهَا، ثُمَّ إِنَّهُمْ صَالَحُوهُمْ عَلَى الْجَلَاءِ أَوِ الْجِزْيَةِ، فَجَلَا بَعْضٌ وَأَقَامَ بَعْضٌ فَآمَنَهُمْ، ثُمَّ نَقَضُوا، فَوَجَّهَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَيْهِمْ عِيَاضَ بْنَ غَنْمٍ وَحَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ، فَفَتَحَاهَا عَلَى الصُّلْحِ الْأَوَّلِ. وَكَانَتْ أَنْطَاكِيَةُ عَظِيمَةَ الذِّكْرِ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا فُتِحَتْ كَتَبَ عُمَرُ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ أَنْ رَتِّبْ بِأَنْطَاكِيَةَ جَمَاعَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَاجْعَلْهُمْ بِهَا مُرَابِطَةً، وَلَا تَحْبِسْ عَنْهُمُ الْعَطَاءَ. وَبَلَغَ أَبَا عُبَيْدَةَ أَنْ جَمْعًا مِنَ الرُّومِ بَيْنَ مَعَرَّةَ مَصْرِينَ وَحَلَبَ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ فَلَقِيَهُمْ

стр. 1017

فَهَزَمَهُمْ وَقَتَلَ عِدَّةَ بَطَارِقَةٍ، وَسَبَى وَغَنِمَ، وَفَتَحَ مَعَرَّةَ مَصْرِينَ عَلَى مِثْلِ صُلْحِ حَلَبَ، وَجَالَتْ خُيُولُهُ فَبَلَغَتْ بُوقَا، وَفُتِحَتْ قُرَى الْجُومَةَ وَسَرْمِينَ وَتِيزِينَ، وَغَلَبُوا عَلَى جَمِيعِ أَرْضِ قِنَّسْرِينَ وَأَنْطَاكِيَةَ. ثُمَّ أَتَى أَبُو عُبَيْدَةَ حَلَبَ وَقَدِ الْتَاثَ أَهْلُهَا، فَلَمْ يَزَلْ بِهِمْ حَتَّى أَذْعَنُوا وَفَتَحُوا الْمَدِينَةَ. وَسَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُرِيدُ قُورُسَ وَعَلَى مُقَدَّمَتِهِ عِيَاضٌ، فَلَقِيَهُ رَاهِبٌ مِنْ رُهْبَانِهَا يَسْأَلُهُ الصُّلْحَ، فَبَعَثَ بِهِ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ فَصَالَحَهُ عَلَى صُلْحِ أَنْطَاكِيَةَ، وَبَثَّ خَيْلَهُ فَغَلَبَ عَلَى جَمِيعِ أَرْضِ قُورُسَ وَفَتَحَ تَلَّ عَزَازَ، وَكَانَ سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ الْبَاهِلِيُّ فِي جَيْشِ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَنَزَلَ فِي حِصْنٍ بِقُورُسَ، فَنُسِبَ إِلَيْهِ، فَهُوَ يُعْرَفُ بِحِصْنِ سَلْمَانَ. ثُمَّ سَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى مَنْبِجَ وَعَلَى مُقَدَّمَتِهِ عِيَاضٌ، فَلَحِقَهُ وَقَدْ صَالَحَ أَهْلَهَا عَلَى مِثْلِ صُلْحِ أَنْطَاكِيَةَ، وَسَيَّرَ عِيَاضًا إِلَى نَاحِيَةِ دُلُوكَ وَرَعْبَانَ فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا عَلَى مِثْلِ صُلْحِ مَنْبِجَ، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُخْبِرُوا الْمُسْلِمِينَ بِخَبَرِ الرُّومِ. وَوَلَّى أَبُو عُبَيْدَةَ كُلَّ كُورَةٍ فَتَحَهَا عَامِلًا، وَضَمَّ إِلَيْهِ جَمَاعَةً، وَشَحَنَ النَّوَاحِيَ الْمَخُوفَةَ. وَسَارَ إِلَى بَالِسَ، وَبَعَثَ جَيْشًا مَعَ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ إِلَى قَاصِرِينَ، فَصَالَحَهُمْ أَهْلُهَا عَلَى الْجِزْيَةِ أَوِ الْجَلَاءِ، فَجَلَا أَكْثَرُهُمْ إِلَى بَلَدِ الرُّومِ وَأَرْضِ الْجَزِيرَةِ وَقَرْيَةِ جِسْرِ مَنْبِجَ، وَلَمْ يَكُنِ الْجِسْرُ يَوْمَئِذٍ، وَإِنَّمَا اتُّخِذَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ لِلصَّوَائِفِ، وَقِيلَ: بَلْ كَانَ لَهُ رَسْمٌ قَدِيمٌ. وَاسْتَوْلَى الْمُسْلِمُونَ عَلَى الشَّامِ مِنْ هَذِهِ النَّاحِيَةِ إِلَى الْفُرَاتِ، وَعَادَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى فِلَسْطِينَ. وَكَانَ بِجَبَلِ اللُّكَّامِ مَدِينَةٌ يُقَالُ لَهَا جُرْجُومَةُ، وَأَهْلُهَا يُقَالُ لَهُمُ الْجَرَاجِمَةُ، فَسَارَ حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ إِلَيْهَا مِنْ أَنْطَاكِيَةَ، فَافْتَتَحَهَا صُلْحًا، عَلَى أَنْ يَكُونُوا أَعْوَانًا لِلْمُسْلِمِينَ.

стр. 1018

وَفِيهَا سَيَّرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ جَيْشًا مَعَ مَيْسَرَةَ بْنِ مَسْرُوقٍ الْعَبْسِيِّ، فَسَلَكُوا دَرْبَ بَغْرَاسَ مِنْ أَعْمَالِ أَنْطَاكِيَةَ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سَلَكَ ذَلِكَ الدَّرْبَ، فَلَقِيَ جَمْعًا لِلرُّومِ مَعَهُمْ عَرَبٌ مِنْ غَسَّانَ وَتَنُوخَ وَإِيَادٍ يُرِيدُونَ اللَّحَاقَ بِهِرَقْلَ، فَأَوْقَعَ مِنْهُمْ وَقَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، ثُمَّ لَحِقَ بِهِ مَالِكٌ الْأَشْتَرُ النَّخَعِيُّ مَدَدًا مِنْ قِبَلِ أَبِي عُبَيْدَةَ وَهُوَ بِأَنْطَاكِيَةَ، فَسَلِمُوا وَعَادُوا. وَسَيَّرَ جَيْشًا آخَرَ إِلَى مَرْعَشَ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَفَتَحَهَا عَلَى إِجْلَاءِ أَهْلِهَا بِالْأَمَانِ وَأَخْرَبَهَا. وَسَيَّرَ جَيْشًا آخَرَ مَعَ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ إِلَى حِصْنِ الْحَدَثِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْحَدَثَ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَقُوا عَلَيْهِ غُلَامًا حَدَثًا فَقَاتَلَهُمْ فِي أَصْحَابِهِ، فَقِيلَ دَرْبُ الْحَدَثِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ أُصِيبُوا بِهِ فَقِيلَ دَرْبُ الْحَدَثِ، وَكَانَ بَنُو أُمَيَّةَ يُسَمُّونَهُ دَرْبَ السَّلَامَةِ لِهَذَا الْمَعْنَى. ذِكْرُ فَتْحِ قَيْسَارِيَّةَ وَحَصْرِ غَزَّةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فُتِحَتْ قَيْسَارِيَّةُ، وَقِيلَ: سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ، وَقِيلَ: سَنَةَ عِشْرِينَ. وَكَانَ سَبَبُهَا: أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إِلَى يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَنْ يُرْسِلَ مُعَاوِيَةَ إِلَى قَيْسَارِيَّةَ، وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى مُعَاوِيَةَ يَأْمُرُهُ بِذَلِكَ، فَسَارَ مُعَاوِيَةُ إِلَيْهَا فَحَصَرَ أَهْلَهَا، فَجَعَلُوا يُزَاحِفُونَهُ وَهُوَ يَهْزِمُهُمْ وَيَرُدُّهُمْ إِلَى حِصْنِهِمْ. ثُمَّ زَاحَفُوهُ آخِرَ ذَلِكَ مُسْتَمِيتِينَ، وَبَلَغَتْ قَتْلَاهُمْ فِي الْمَعْرَكَةِ ثَمَانِينَ أَلْفًا، وَكَمَّلَهَا فِي هَزِيمَتِهِمْ مِائَةَ أَلْفٍ وَفَتَحَهَا، وَكَانَ عَلْقَمَةُ بْنُ مُجَزِّزٍ قَدْ حَصَرَ الْقِيقَارَ بِغَزَّةَ وَجَعَلَ يُرَاسِلُهُ، فَلَمْ يُشْفِهُ أَحَدٌ بِمَا يُرِيدُ، فَأَتَاهُ كَأَنَّهُ رَسُولُ عَلْقَمَةَ، فَأَمَرَ الْقِيقَارُ رَجُلًا أَنْ يَقْعُدَ لَهُ فِي الطَّرِيقِ، فَإِذَا مَرَّ بِهِ قَتَلَهُ، فَفَطِنَ عَلْقَمَةُ فَقَالَ: إِنَّ مَعِيَ نَفَرًا يُشْرِكُونَنِي فِي الرَّأْيِ، فَأَنْطَلِقُ فَآتِيكَ بِهِمْ، فَبَعَثَ الْقِيقَارُ إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ أَنْ لَا يَعْرِضَ لَهُ، فَخَرَجَ عَلْقَمَةُ مِنْ عِنْدِهِ فَلَمْ يَعُدْ، وَفَعَلَ كَمَا فَعَلَ عَمْرٌو بِالْأَرْطَبُونِ. (مُجَزِّزٌ: بِجِيمٍ وَزَايَيْنِ الْأُولَى مَكْسُورَةٌ [مُشَدَّدَةٌ] ) .

стр. 1019

ذِكْرُ فَتْحِ بَيْسَانَ وَوَقْعَةِ أَجْنَادَيْنِ وَلَمَّا انْصَرَفَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَخَالِدٌ إِلَى حِمْصَ نَزَلَ عَمْرٌو وَشُرَحْبِيلُ عَلَى أَهْلِ بَيْسَانَ، فَافْتَتَحَاهَا وَصَالَحَا أَهْلَ الْأُرْدُنِّ، وَاجْتَمَعَ عَسْكَرُ الرُّومِ بِغَزَّةَ وَأَجْنَادَيْنِ وَبَيْسَانَ، وَسَارَ عَمْرٌو وَشُرَحْبِيلَ إِلَى الْأَرْطَبُونِ وَمَنْ مَعَهُ وَهُوَ بِأَجْنَادَيْنِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْأُرْدُنِّ أَبَا الْأَعْوَرِ، فَنَزَلَ بِالْأَرْطَبُونِ وَمَعَهُ الرُّومُ. وَكَانَ الْأَرْطَبُونُ أَدْهَى الرُّومِ وَأَبْعَدَهَا غَوْرًا، وَكَانَ قَدْ وَضَعَ بِالرَّمْلَةِ جُنْدًا عَظِيمًا، وَبِإِيلِيَاءَ جُنْدًا عَظِيمًا. فَلَمَّا بَلَغَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ الْخَبَرُ قَالَ: قَدْ رَمَيْنَا أَرْطَبُونَ الرُّومِ بِأَرْطَبُونِ الْعَرَبِ، فَانْظُرُوا عَمَّ تَنْفَرِجُ. وَكَانَ مُعَاوِيَةُ قَدْ شَغَلَ أَهْلَ قَيْسَارِيَّةَ عَنْ عَمْرٍو، وَكَانَ عَمْرٌو قَدْ جَعَلَ عَلْقَمَةَ بْنَ حَكِيمٍ الْفَارِسِيَّ وَمَسْرُوقَ بْنَ فُلَانٍ الْعَكِّيَّ عَلَى قِتَالِ إِيلِيَاءَ، فَشَغَلُوا مَنْ بِهِ عَنْهُ، وَجَعَلَ أَيْضًا أَبَا أَيُّوبَ الْمَالِكِيَّ عَلَى مَنْ بِالرَّمْلَةِ مِنَ الرُّومِ، فَشَغَلَهُمْ عَنْهُ، وَتَتَابَعَتِ الْأَمْدَادُ مِنْ عِنْدِ عُمَرَ إِلَى عَمْرٍو، فَأَقَامَ عَمْرٌو عَلَى أَجْنَادَيْنِ لَا يَقْدِرُ مِنَ الْأَرْطَبُونِ عَلَى شَيْءٍ، وَلَا تُشْفِيهِ الرُّسُلُ، فَسَارَ إِلَيْهِ بِنَفْسِهِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ رَسُولٌ، فَفَطِنَ بِهِ الْأَرْطَبُونُ وَقَالَ: لَا شَكَّ أَنَّ هَذَا هُوَ الْأَمِيرُ أَوْ مَنْ يَأْخُذُ الْأَمِيرُ بِرَأْيِهِ، فَأَمَرَ إِنْسَانًا أَنْ يَقْعُدَ عَلَى طَرِيقِهِ لِيَقْتُلَهُ إِذَا مَرَّ بِهِ، وَفَطِنَ عَمْرٌو لِفِعْلِهِ فَقَالَ لَهُ: قَدْ سَمِعْتَ مِنِّي وَسَمِعْتُ مِنْكَ، وَقَدْ وَقَعَ قَوْلُكَ مِنِّي مَوْقِعًا، وَأَنَا وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ، بَعَثَنَا عُمَرُ إِلَى هَذَا الْوَالِي لِنُكَانِفَهُ، فَأَرْجِعُ فَآتِيكَ بِهِمُ الْآنَ، فَإِنْ رَأَوُا الَّذِي عَرَضْتَ عَلَيَّ الْآنَ فَقَدْ رَآهُ الْأَمِيرُ وَأَهْلُ الْعَسْكَرِ، وَإِنْ لَمْ يَرَوْهُ رَدَدْتَهُمْ إِلَى مَأْمَنِهِمْ. فَقَالَ: نَعَمْ، وَرَدَّ الرَّجُلَ الَّذِي أَمَرَ بِقَتْلِهِ. فَخَرَجَ عَمْرٌو مِنْ عِنْدِهِ، وَعَلِمَ الرُّومِيُّ أَنَّهَا خُدْعَةٌ اخْتَدَعَهُ بِهَا فَقَالَ: هَذَا أَدْهَى الْخَلْقِ! وَبَلَغَتْ خَدِيعَتُهُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقَالَ: لِلَّهِ دَرُّ عَمْرٍو! وَعَرَفَ عَمْرٌو مَأْخَذَهُ فَلَقِيَهُ، فَاقْتَتَلُوا بِأَجْنَادَيْنِ قِتَالًا شَدِيدًا كَقِتَالِ الْيَرْمُوكِ، حَتَّى كَثُرَتِ الْقَتْلَى بَيْنَهُمْ. وَانْهَزَمَ أَرْطَبُونُ إِلَى إِيلِيَاءَ، وَنَزَلَ عَمْرٌو أَجْنَادَيْنِ، وَأَفْرَجَ الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ يَحْصُرُونَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِأَرْطَبُونَ، فَدَخَلَ إِيلِيَاءَ وَأَزَاحَ الْمُسْلِمِينَ عَنْهُ إِلَى عَمْرٍو. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ وَقْعَةِ أَجْنَادَيْنِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَجْعَلُهَا قَبْلَ الْيَرْمُوكِ، وَسِيَاقُهَا عَلَى غَيْرِ هَذِهِ السِّيَاقَةِ، فَلِهَذَا ذَكَرْنَاهَا هُنَالِكَ وَهَاهُنَا.

стр. 1020

ذِكْرُ فَتْحِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَهُوَ إِيلِيَاءُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فُتِحَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ، وَقِيلَ: سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ أَرْطَبُونُ إِيلِيَاءَ، فَتَحَ عَمْرٌو غَزَّةَ، وَقِيلَ: كَانَ فَتْحُهَا فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ فَتَحَ سَبَسْطِيَةَ، وَفِيهَا قَبْرُ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّاءَ، ﵇، وَفَتَحَ نَابُلُسَ بِأَمَانٍ عَلَى الْجِزْيَةِ، وَفَتَحَ مَدِينَةَ لُدٍّ، ثُمَّ فَتَحَ يُبْنَى وَعَمَوَاسَ وَبَيْتَ جِبْرِينَ، وَفَتَحَ يَافَا، وَقِيلَ: فَتَحَهَا مُعَاوِيَةُ، وَفَتَحَ عَمْرٌو رَفَحَ. فَلَمَّا تَمَّ لَهُ ذَلِكَ أَرْسَلَ إِلَى أَرْطَبُونَ رَجُلًا يَتَكَلَّمُ بِالرُّومِيَّةِ وَقَالَ لَهُ: اسْمَعْ مَا يَقُولُ، وَكَتَبَ مَعَهُ كِتَابًا، فَوَصَلَ الرَّسُولُ، وَدَفَعَ الْكِتَابَ إِلَى أَرْطَبُونَ وَعِنْدَهُ وُزَرَاؤُهُ، فَقَالَ أَرْطَبُونُ: لَا يَفْتَحُ - وَاللَّهِ - عَمْرٌو شَيْئًا مِنْ فِلَسْطِينَ بَعْدَ أَجْنَادَيْنِ. فَقَالُوا لَهُ: مَنْ أَيْنَ عَلِمْتَ هَذَا؟ فَقَالَ: صَاحِبُهَا رَجُلٌ صِفَتُهُ كَذَا وَكَذَا، وَذَكَرَ صِفَةَ عُمَرَ. فَرَجَعَ الرَّسُولُ إِلَى عَمْرٍو فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَقُولُ: إِنِّي أُعَالِجُ عَدُوًّا شَدِيدًا وَبِلَادًا قَدِ ادُّخِرَتْ لَكَ، فَرَأْيَكَ. فَعَلِمَ عُمَرُ أَنَّ عَمْرًا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إِلَّا بِشَيْءٍ سَمِعَهُ، فَسَارَ عُمَرُ عَنِ الْمَدِينَةِ وَقِيلَ: كَانَ سَبَبُ قُدُومِ عُمَرَ إِلَى الشَّامِ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ حَصَرَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَطَلَبَ أَهْلُهُ مِنْهُ أَنْ يُصَالِحَهُمْ عَلَى صُلْحِ أَهْلِ مُدُنِ الشَّامِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُتَوَلِّي لِلْعَقْدِ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ، فَسَارَ عَنِ الْمَدِينَةِ وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: أَيْنَ تَخْرُجُ بِنَفْسِكَ؟ إِنَّكَ تُرِيدُ عَدُوًّا كَلِبًا. فَقَالَ عُمَرُ: أُبَادِرُ بِالْجِهَادِ قَبْلَ مَوْتِ الْعَبَّاسِ، إِنَّكُمْ لَوْ فَقَدْتُمُ الْعَبَّاسَ لَانْتَقَضَ بِكُمُ الشَّرُّ كَمَا يَنْتَقِضُ [أَوَّلُ] الْحَبْلِ. فَمَاتَ الْعَبَّاسُ لِسِتِّ سِنِينَ مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ، فَانْتَقَضَ بِالنَّاسِ الشَّرُّ وَسَارَ عُمَرُ فَقَدِمَ الْجَابِيَةَ عَلَى فَرَسٍ، وَجَمِيعُ مَا قَدِمَ الشَّامَ أَرْبَعُ مَرَّاتٍ: الْأُولَى عَلَى
следующие страницы →