← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

وَبِجُنْدِهِ، فَإِذَا غَنِمْنَا نَفَّلَهُمْ، وَيَقُولُ: هَذَا أَخْلَصُ لِجِهَادِنَا، وَإِذَا حَاصَرْنَا مَدِينَةً قَدَّمَنَا وَأَخَّرَهُمْ، وَيَقُولُ: هَذَا ازْدِيَادٌ فِي الْأَجْرِ، وَمِثْلُنَا كَفَى إِخْوَانَهُ، ثُمَّ إِنَّهُمْ عَمَدُوا إِلَى مَاشِيتِنَا، فَجَعَلُونَا يَبْقُرُونَ بُطُونَهَا عَنْ سِخَالِهَا، يَطْلُبُونَ الْفِرَاءَ الْبِيضَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَيَقْتُلُونَ أَلْفَ شَاةٍ فِي جِلْدٍ، فَاحْتَمَلْنَا ذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّهُمْ سَامُونَا أَنْ يَأْخُذُوا كُلَّ جَمِيلَةٍ مِنْ بَنَاتِنَا، فَقُلْنَا: لَمْ نَجِدْ هَذَا فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَنَحْنُ الْمُسْلِمُونَ، فَأَحْبَبْنَا أَنْ نَعْلَمَ أَعَنْ رَأْيِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ هَذَا أَمْ لَا؟ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْمُقَامُ وَنَفِدَتْ نَفَقَاتُهُمْ، فَكَتَبُوا أَسْمَاءَهُمْ وَدَفَعُوهَا إِلَى وُزَرَائِهِ وَقَالُوا: إِنْ سَأَلَ عَنَّا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَأَخْبِرُوهُ. ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ فَخَرَجُوا عَلَى عَامِلِ هِشَامٍ، فَقَتَلُوهُ وَاسْتَوْلَوْا عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ هِشَامًا، فَسَأَلَ عَنِ النَّفَرِ فَعَرَفَ أَسْمَاءَهُمْ، فَإِذَا هُمُ الَّذِينَ صَنَعُوا ذَلِكَ. ذكر غَزْوَةِ الْأَنْدَلُسِ لَمَّا افْتُتِحَتْ إِفْرِيقِيَّةُ أَمَرَ عُثْمَانُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ نَافِعِ بْنِ الْحُصَيْنِ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ نَافِعِ بْنِ عَبْدِ الْقَيْسِ أَنْ يَسِيرَا إِلَى الْأَنْدَلُسِ، فَأَتَيَاهَا مِنْ قِبَلِ الْبَحْرِ، وَكَتَبَ عُثْمَانُ إِلَى مَنِ انْتَدَبَ مَعَهُمَا: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ إِنَّمَا تُفْتَحُ مِنْ قِبَلِ الْأَنْدَلُسِ. فَخَرَجُوا وَمَعَهُمُ الْبَرْبَرُ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَزَادَ فِي سُلْطَانِ الْمُسْلِمِينَ مِثْلَ إِفْرِيقِيَّةَ. وَلَمَّا عَزَلَ عُثْمَانُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدٍ عَنْ إِفْرِيقِيَّةَ تَرَكَ فِي عَمَلِهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ نَافِعِ بْنِ عَبْدِ الْقَيْسِ، فَكَانَ عَلَيْهَا، وَرَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى مِصْرَ. وَبَعَثَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى عُثْمَانَ مَالًا قَدْ حَشَدَ فِيهِ، فَدَخَلَ عَمْرٌو عَلَى عُثْمَانَ فَقَالَ لَهُ: يَا عَمْرُو هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ تِلْكَ اللِّقَاحَ دَرَّتْ بَعْدَكَ؟ قَالَ عَمْرٌو: إِنَّ فِصَالَهَا قَدْ هَلَكَتْ. ذكر عِدَّةِ حَوَادِثَ حَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ عُثْمَانُ. وَفِيهَا كَانَ فَتْحُ إِصْطَخْرَ الثَّانِي عَلَى يَدِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ. وَفِيهَا غَزَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ قِنَّسْرِينَ.

стр. 1157

[الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ أَبُو ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيُّ الشَّاعِرُ بِمِصْرَ مُنْصَرِفًا مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ، وَقِيلَ: بَلْ مَاتَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ فِي الْبَادِيَةِ، وَقِيلَ: مَاتَ بِبِلَادِ الرُّومِ، وَكُلُّهُمْ قَالُوا: مَاتَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ. وَفِيهَا مَاتَ أَبُو رِمْثَةَ الْبَلَوِيُّ بِإِفْرِيقِيَّةَ، لَهُ صُحْبَةٌ. وَفِيهَا مَاتَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقِيلَ: مَاتَتْ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ، وَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ.

стр. 1158

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ] ٢٨ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ ذكر فَتْحِ قُبْرُسَ قِيلَ: فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ كَانَ فَتْحُ قُبْرُسَ عَلَى يَدِ مُعَاوِيَةَ، وَقِيلَ: سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ، وَقِيلَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ، وَقِيلَ: إِنَّمَا غُزِيَتْ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ لِأَنَّ أَهْلَهَا غَدَرُوا، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، فَغَزَاهَا الْمُسْلِمُونَ. وَلَمَّا غَزَاهَا مُعَاوِيَةُ هَذِهِ السَّنَةَ، غَزَا مَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فِيهِمْ أَبُو ذَرٍّ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، وَمَعَهُ زَوْجَتُهُ أُمُّ حَرَامٍ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ، وَشَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ قَدْ لَجَّ عَلَى عُمَرَ فِي غَزْوِ الْبَحْرِ وَقُرْبِ الرُّومِ مِنْ حِمْصَ، وَقَالَ: إِنَّ قَرْيَةً مِنْ قُرَى حِمْصَ لِيَسْمَعُ أَهْلُهَا نُبَاحَ كِلَابِهِمْ وَصِيَاحَ دَجَاجِهِمْ. فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: صِفْ لِي الْبَحْرَ وَرَاكِبَهُ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: إِنِّي رَأَيْتُ خَلْقًا كَبِيرًا يَرْكَبُهُ خَلْقٌ صَغِيرٌ، لَيْسَ إِلَّا السَّمَاءُ وَالْمَاءُ، إِنْ رَكَدَ خَرَقَ الْقُلُوبَ، وَإِنَّ تَحَرَّكَ أَزَاغَ الْعُقُولَ، يَزْدَادُ فِيهِ الْيَقِينُ قِلَّةً، وَالشَّكُّ كَثْرَةً، هُمْ فِيهِ كَدُودٍ عَلَى عُودٍ، إِنْ مَالَ غَرِقَ، وَإِنْ نَجَا بَرِقَ. فَلَمَّا قَرَأَهُ كَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ: وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ ، بِالْحَقِّ لَا أَحْمِلُ فِيهِ مُسْلِمًا أَبَدًا، وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ بَحْرَ الشَّامِ يُشْرِفُ عَلَى أَطْوَلِ شَيْءٍ مِنَ الْأَرْضِ، فَيَسْتَأْذِنُ اللَّهَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي أَنْ يُغْرِقَ الْأَرْضَ، فَكَيْفَ أَحْمِلُ الْجُنُودَ عَلَى هَذَا

стр. 1159

الْكَافِرِ! وَبِاللَّهِ لَمُسْلِمٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا حَوَتِ الرُّومُ. وَإِيَّاكَ أَنْ تَعَرَّضَ إِلَيَّ، فَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَقِيَ الْعَلَاءُ مِنِّي. قَالَ: وَتَرَكَ مَلِكُ الرُّومِ الْغَزْوَ وَكَاتَبَ عُمَرَ وَقَارَبَهُ. وَبَعَثَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، زَوْجُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، إِلَى امْرَأَةِ مَلِكِ الرُّومِ بِطِيبٍ وَشَيْءٍ يَصْلُحُ لِلنِّسَاءِ مَعَ الْبَرِيدِ، فَأَبْلَغَهُ إِلَيْهَا، فَأَهْدَتِ امْرَأَةُ الْمَلِكِ إِلَيْهَا هَدِيَّةً، مِنْهَا عِقْدٌ فَاخِرٌ. فَلَمَّا رَجَعَ الْبَرِيدُ أَخَذَ عُمَرُ مَا مَعَهُ وَنَادَى: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، فَاجْتَمَعُوا، وَأَعْلَمَهُمُ الْخَبَرَ، فَقَالَ الْقَائِلُونَ: هُوَ لَهَا بِالَّذِي كَانَ لَهَا، وَلَيْسَتِ امْرَأَةُ الْمَلِكِ بِذِمَّةٍ فَتُصَانِعَكَ. وَقَالَ آخَرُونَ: قَدْ كُنَّا نُهْدِي لِنَسْتَثِيبَ. فَقَالَ عُمَرُ: لَكِنَّ الرَّسُولَ رَسُولُ الْمُسْلِمِينَ وَالْبَرِيدَ بَرِيدُهُمْ، وَالْمُسْلِمُونَ عَظَّمُوهَا فِي صَدْرِهَا فَأَمَرَ بَرَدِّهَا إِلَى بَيْتِ الْمَالِ وَأَعْطَاهَا بِقَدْرِ نَفَقَتِهَا. فَلَمَّا كَانَ زَمَنُ عُثْمَانَ كَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ يَسْتَأْذِنُهُ فِي غَزْوِ الْبَحْرِ مِرَارًا، فَأَجَابَهُ عُثْمَانُ بِآخِرَةٍ إِلَى ذَلِكَ، وَقَالَ لَهُ: لَا تَنْتَخِبِ النَّاسَ وَلَا تُقْرِعْ بَيْنَهُمْ، خَيِّرْهُمْ فَمَنِ اخْتَارَ الْغَزْوَ طَائِعًا فَاحْمِلْهُ وَأَعِنْهُ. فَفَعَلَ، وَاسْتَعْمَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ الْجَاسِيَّ حَلِيفَ بَنِي فَزَارَةَ، وَسَارَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الشَّامِ إِلَى قُبْرُسَ، وَسَارَ إِلَيْهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ مِنْ مِصْرَ، فَاجْتَمَعُوا عَلَيْهَا، فَصَالَحَهُمْ أَهْلُهَا عَلَى جِزْيَةٍ سَبْعَةِ آلَافِ دِينَارٍ كُلَّ سَنَةٍ، يُؤَدُّونَ إِلَى الرُّومِ مِثْلَهَا، لَا يَمْنَعُهُمُ الْمُسْلِمُونَ عَنْ ذَلِكَ، وَلَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَنْعُهُمْ مِمَّنْ أَرَادَهُمْ مِمَّنْ وَرَاءَهُمْ، وَعَلَيْهِمْ أَنْ يُؤْذِنُوا الْمُسْلِمِينَ بِمَسِيرِ عَدُوِّهِمْ مِنَ الرُّومِ إِلَيْهِمْ، وَيَكُونَ طَرِيقُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْعَدُوِّ عَلَيْهِمْ. قَالَ جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ: وَلَمَّا فُتِحَتْ قُبْرُسُ وَنُهِبَ مِنْهَا السَّبْيُ نَظَرْتُ إِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ يَبْكِي فَقُلْتُ: مَا يُبْكِيكَ فِي يَوْمٍ أَعَزَّ اللَّهُ فِيهِ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ؟ قَالَ: فَضَرَبَ مَنْكِبِي بِيَدِهِ وَقَالَ: مَا أَهْوَنَ الْخَلْقَ عَلَى اللَّهِ إِذَا تَرَكُوا أَمْرَهُ، بَيْنَمَا هِيَ أُمَّةٌ ظَاهِرَةٌ قَاهِرَةٌ لِلنَّاسِ لَهُمُ الْمُلْكُ، إِذَا تَرَكُوا أَمْرَ اللَّهِ فَصَارُوا إِلَى مَا تَرَى فَسَلَّطَ عَلَيْهِمُ السِّبَاءَ، وَإِذَا سَلَّطَ السِّبَاءَ عَلَى قَوْمٍ فَلَيْسَ لَهُ فِيهِمْ حَاجَةٌ.

стр. 1160

وَفِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ مَاتَتْ أُمُّ حَرَامٍ بِنْتُ مِلْحَانَ الْأَنْصَارِيَّةُ، أَلْقَتْهَا بِغْلَتُهَا بِجَزِيرَةِ قُبْرُسَ فَانْدَقَّتْ عُنُقُهَا فَمَاتَتْ، تَصْدِيقًا لِلنَّبِيِّ ﷺ ، حَيْثُ أَخْبَرَهَا أَنَّهَا فِي أَوَّلِ مَنْ يَغْزُو فِي الْبَحْرِ. وَبَقِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ الْجَاسِيُّ عَلَى الْبَحْرِ، فَغَزَا خَمْسِينَ غَزَاةً مِنْ بَيْنِ شَاتِيَةٍ وَصَائِفَةٍ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، لَمْ يَغْرَقْ أَحَدٌ وَلَمْ يُنْكَبْ، فَكَانَ يَدْعُو اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَهُ فِي جُنْدِهِ، فَأَجَابَهُ، فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُ فِي جَسَدِهِ خَرَجَ فِي قَارِبٍ طَلِيعَةً، فَانْتَهَى إِلَى الْمَرْفَإِ مِنْ أَرْضِ الرُّومِ وَعَلَيْهِ مَسَاكِينُ يَسْأَلُونَ، فَتَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ، فَرَجَعَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُمْ إِلَى قَرْيَتِهَا فَقَالَتْ لِلرِّجَالِ: هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ فِي الْمَرْفَإِ، فَثَارُوا إِلَيْهِ فَهَجَمُوا عَلَيْهِ فَقَاتَلُوهُ بَعْدَ أَنْ قَاتَلَهُمْ، فَأُصِيبَ وَحْدَهُ، وَنَجَا الْمَلَّاحُ حَتَّى أَتَى أَصْحَابَهُ، فَأَعْلَمَهُمْ فَجَاءُوا حَتَّى أَرْسَوْا بِالْمَرْفَإِ، وَالْخَلِيفَةُ عَلَيْهِمْ سُفْيَانُ بْنُ عَوْفٍ الْأَزْدِيُّ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَاتَلَهُمْ فَضَجِرَ، فَجَعَلَ يَشْتُمُ أَصْحَابَهُ. فَقَالَتْ جَارِيَةُ عَبْدِ اللَّهِ: مَا هَكَذَا كَانَ يَقُولُ حِينَ يُقَاتِلُ! فَقَالَ سُفْيَانُ: فَكَيْفَ كَانَ يَقُولُ؟ قَالَتْ: " الْغَمَرَاتُ ثُمَّ يَنْجَلِينَا " فَلَزِمَهَا بِقَوْلِهَا، وَأُصِيبَ فِي الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ. وَقِيلَ لِتِلْكَ الْمَرْأَةِ بَعْدُ: بِأَيِّ شَيْءٍ عَرَفْتِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ كَالتَّاجِرِ فَلَمَّا سَأَلْتُهُ أَعْطَانِي كَالْمَلِكِ فَعَرَفْتُهُ بِهَذَا. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ سُورِيَّةَ مِنْ أَرْضِ الرُّومِ.

стр. 1161

وَفِيهَا تَزَوَّجَ عُثْمَانُ نَائِلَةَ بِنْتَ الْفَرَافِصَةِ، وَكَانَتْ نَصْرَانِيَّةً فَأَسْلَمَتْ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا. وَفِيهَا بَنَى عُثْمَانُ الزَّوْرَاءَ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ عُثْمَانُ هَذِهِ السَّنَةَ. (حَرَامٌ: بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ. وَالْجَاسِيُّ: بِالْجِيمِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ. وَالْفَرَافِصَةُ: بِفَتْحِ الْفَاءِ إِلَّا الْفَرَافِصَةَ بْنَ الْأَحْوَصِ الْكَلْبِيَّ الَّذِي مِنْ وَلَدِهِ نَائِلَةُ زَوْجُ عُثْمَانَ) .

стр. 1162

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ] ٢٩ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ ذكر عَزْلِ أَبِي مُوسَى عَنِ الْبَصْرَةِ وَاسْتِعْمَالِ ابْنِ عَامِرٍ عَلَيْهَا قِيلَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ عُثْمَانُ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ عَنِ الْبَصْرَةِ، وَاسْتَعْمَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ كَرِيزِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ (وَهُوَ ابْنُ خَالِ عُثْمَانَ) ، وَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ لِثَلَاثِ سِنِينَ مَضَتْ مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ. وَكَانَ سَبَبُ عَزْلِهِ أَنَّ أَهْلَ إِيذَجَ وَالْأَكْرَادِ كَفَرُوا فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ، فَنَادَى أَبُو مُوسَى فِي النَّاسِ وَحَضَّهُمْ عَلَى الْجِهَادِ، وَذَكَرَ مَنْ فَضَّلَ الْجِهَادَ مَاشِيًا، فَحَمَلَ نَفَرٌ عَلَى دَوَابِّهِمْ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنْ يَخْرُجُوا رَجَّالَةً. وَقَالَ آخَرُونَ: لَا نُعَجِّلُ بِشَيْءٍ حَتَّى نَنْظُرَ مَا يَصْنَعُ، فَإِنْ أَشْبَهَ قَوْلُهُ فِعْلَهُ فَعَلْنَا كَمَا يَفْعَلُ. فَلَمَّا خَرَجَ أَخْرَجَ ثَقَلَهُ مِنْ قَصْرِهِ عَلَى أَرْبَعِينَ بَغْلًا، فَتَعَلَّقُوا بِعِنَانِهِ وَقَالُوا: احْمِلْنَا عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الْفُضُولِ، وَارْغَبْ فِي الْمَشْيِ كَمَا رَغَّبْتَنَا. فَضَرَبَ الْقَوْمَ بِسَوْطِهِ، فَتَرَكُوا دَابَّتَهُ، فَمَضَى. وَأَتَوْا عُثْمَانَ فَاسْتَعْفَوْهُ مِنْهُ وَقَالُوا: مَا كُلُّ مَا نَعْلَمُ نُحِبُّ أَنْ تَسْأَلَنَا عَنْهُ، فَأَبْدِلْنَا بِهِ. فَقَالَ: مَنْ تُحِبُّونَ؟ فَقَالَ غَيْلَانُ بْنُ خَرَشَةَ: فِي كُلِّ أَحَدٍ عِوَضٌ مِنْ هَذَا الْعَبْدِ الَّذِي قَدْ أَكَلَ أَرْضَنَا! أَمَا مِنْكُمْ خَسِيسٌ فَتَرْفَعُوهُ؟ أَمَا مِنْكُمْ فَقِيرٌ فَتُجِيرُوهُ؟ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، حَتَّى مَتَى يَأْكُلُ هَذَا الشَّيْخُ الْأَشْعَرِيُّ هَذِهِ الْبِلَادَ؟ فَانْتَبَهَ لَهَا عُثْمَانُ، فَعَزَلَ أَبَا مُوسَى وَوَلَّى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ. فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو مُوسَى قَالَ: يَأْتِيكُمْ غُلَامٌ خَرَّاجٌ

стр. 1163

وَلَّاجٌ، كَرِيمُ الْجَدَّاتِ وَالْخَالَاتِ وَالْعَمَّاتِ، يُجْمَعُ لَهُ الْجُنْدَانُ. (وَكَانَ عُمْرُ ابْنِ عَامِرٍ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً) ، وَجُمِعَ لَهُ جُنْدُ أَبِي مُوسَى وَجُنْدُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ مِنْ عُمَانَ وَالْبَحْرَيْنِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى خُرَاسَانَ عُمَيْرَ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ سَعْدٍ، وَعَلَى سِجِسْتَانَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيَّ، وَهُوَ مِنْ ثَعْلَبَةَ، فَأَثْخَنَ فِيهَا إِلَى كَابُلَ، وَأَثْخَنَ عُمَيْرٌ فِي خُرَاسَانَ، حَتَّى بَلَغَ فَرْغَانَةَ، لَمْ يَدَعْ دُونَهَا كُورَةً إِلَّا أَصْلَحَهَا، وَبَعَثَ إِلَى مُكْرَانَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ مَعْمَرٍ، فَأَثْخَنَ فِيهَا حَتَّى بَلَغَ النَّهْرَ، وَبَعَثَ عَلَى كَرْمَانَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عُبَيْسٍ، وَبَعَثَ إِلَى الْأَهْوَازِ وَفَارِسَ نَفَرًا، ثُمَّ عَزَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَيْرٍ، وَاسْتَعْمَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ فَأَقَرَّهُ عَلَيْهَا سَنَةً ثُمَّ عَزَلَهُ، وَاسْتَعْمَلَ عَاصِمَ بْنَ عَمْرٍو وَعَزَلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عُبَيْسٍ، وَأَعَادَ عَدِيَّ بْنَ سُهَيْلِ بْنِ عَدِيٍّ، وَصَرَفَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ مَعْمَرٍ إِلَى فَارِسَ، وَاسْتَعْمَلَ مَكَانَهُ عُمَيْرَ بْنَ عُثْمَانَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى خُرَاسَانَ أُمَيْرَ بْنَ أَحْمَرَ الْيَشْكُرِيَّ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى سِجِسْتَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ عِمْرَانَ بْنَ الْفُضَيْلِ الْبَرْجَمِيَّ. وَمَاتَ عَاصِمُ بْنُ عَمْرٍو بِكَرْمَانَ. (عُبَيْسٌ: بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ الْيَاءُ الْمُثَنَّاةُ مِنْ تَحْتِهَا وَآخِرُهُ سِينٌ مُهْمَلَةٌ. وَأُمَيْرٌ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ [وَفَتْحِ الْمِيمِ وَآخِرُهُ رَاءٌ. وَكُرَيْزُ بْنُ رَبِيعَةَ بِضَمِّ الْكَافِ وَفَتْحِ الرَّاءِ] ) . ذكر انْتِقَاضِ أَهْلِ فَارِسَ ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ فَارِسَ انْتَفَضُوا وَنَكَثُوا بِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ، فَالْتَقَوْا عَلَى بَابِ إِصْطَخْرَ، فَقُتِلَ عُبَيْدُ اللَّهِ وَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ، فَاسْتَنْفَرَ أَهْلَ الْبَصْرَةِ وَسَارَ بِالنَّاسِ إِلَى فَارِسَ فَالْتَقَوْا بِإِصْطَخْرَ، وَكَانَ عَلَى مَيْمَنَتِهِ أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ، وَعَلَى الْخَيْلِ عِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ، وَلِكُلِّهِمْ صُحْبَةٌ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، فَانْهَزَمَ الْفُرْسُ وَقُتِلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، وَفُتِحَتْ إِصْطَخْرُ عَنْوَةً، وَأَتَى دَارَابْجِرْدَ وَقَدْ غَدَرَ أَهْلُهَا فَفَتَحَهَا، وَسَارَ إِلَى مَدِينَةِ جُورَ، وَهِيَ أَرْدَشِيرُ خُرَّهْ،

стр. 1164

فَانْتَقَضَتْ إِصْطَخْرُ فَلَمْ يَرْجِعْ، وَتَمَّمَ السَّيَرَ إِلَى جُورَ وَحَاصَرَهَا، وَكَانَ هَرِمُ بْنُ حَيَّانَ مُحَاصِرًا لَهَا، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يُحَاصِرُونَهَا وَيَنْصَرِفُونَ عَنْهَا فَيَأْتُونَ إِصْطَخْرَ وَيَغْزُونَ نَوَاحِيَ كَانَتْ تَنْتَقِضُ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا نَزَلَ ابْنُ عَامِرٍ عَلَيْهَا فَتَحَهَا. وَكَانَ سَبَبُ فَتْحِهَا أَنَّ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ قَامَ يُصَلِّي ذَاتَ لَيْلَةٍ، وَإِلَى جَانِبِهِ جِرَابٌ لَهُ فِيهِ خُبْزٌ وَلَحْمٌ، فَجَاءَ كَلْبٌ فَجَرَّهُ وَعَدَا بِهِ حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ مِنْ مَدْخَلٍ لَهَا خَفِيٍّ، فَلَزِمَ الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ الْمَدْخَلَ حَتَّى دَخَلُوهَا مِنْهُ وَفَتَحُوهَا عَنْوَةً. فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا ابْنُ عَامِرٍ عَادَ إِلَى إِصْطَخْرَ فَفَتَحَهَا عَنْوَةً بَعْدَ أَنْ حَاصَرَهَا وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ عَلَيْهَا، وَرُمِيَتْ بِالْمَجَانِيقِ، وَقَتَلَ بِهَا خَلْقًا كَثِيرًا مِنَ الْأَعَاجِمِ، وَأُفْنِيَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْبُيُوتَاتِ وَوُجُوهُ الْأَسَاوِرَةِ، وَكَانُوا قَدْ لَجَئُوا إِلَيْهَا. وَقِيلَ: إِنَّ أَهْلَ إِصْطَخْرَ لَمَّا نَكَثُوا عَادَ إِلَيْهَا ابْنُ عَامِرٍ قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَى جُورَ، فَمَلَكَهَا عَنْوَةً، وَعَادَ إِلَى جُورَ فَأَتَى دَارَابْجِرْدَ فَمَلَكَهَا، وَكَانَتْ مُنْتَقِضَةً أَيْضًا، وَوَطِئَ أَهْلَ فَارِسَ وَطْأَةً لَمْ يَزَالُوا مِنْهَا فِي ذُلٍّ، وَكَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ بِالْخَبَرِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَسْتَعْمِلَ عَلَى بِلَادِ فَارِسَ هَرِمَ بْنَ حَيَّانَ الْيَشْكُرِيَّ، وَهَرِمَ بْنَ حَيَّانَ الْعَبْدِيَّ، وَالْخِرِّيتَ بْنَ رَاشِدٍ، وَالْمِنْجَابَ بْنَ رَاشِدٍ، وَالتُّرْجُمَانَ الْهُجَيْمِيَّ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُفَرِّقَ كُوَرَ خُرَاسَانَ عَلَى جَمَاعَةٍ، فَيَجْعَلَ الْأَحْنَفَ عَلَى الْمَرْوَيْنِ، وَحَبِيبَ بْنَ قُرَّةَ الْيَرْبُوعِيَّ عَلَى بَلْخَ، وَخَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زُهَيْرٍ عَلَى هَرَاةَ، وَأُمَيْرَ بْنَ أَحْمَرَ عَلَى طُوسَ، وَقَيْسَ بْنَ هُبَيْرَةَ السُّلَمِيَّ عَلَى نَيْسَابُورَ، وَبِهِ تَخَرَّجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمٍ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّهِ، ثُمَّ جَمَعَهَا عُثْمَانُ قَبْلَ مَوْتِهِ لِقَيْسٍ، وَاسْتَعْمَلَ أُمَيْرَ بْنَ أَحْمَرَ عَلَى سِجِسْتَانَ، ثُمَّ جَعَلَ عَلَيْهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، وَهُوَ مِنْ آلِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، فَمَاتَ عُثْمَانُ وَهُوَ عَلَيْهَا، وَمَاتَ وَعِمْرَانُ عَلَى مُكْرَانَ، وَعُمَيْرُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعْدٍ عَلَى فَارِسَ، وَابْنُ كِنْدِيرَ الْقُشَيْرِيُّ عَلَى كَرْمَانَ. ثُمَّ وَفَّدَ قَيْسُ بْنُ الْهَيْثَمِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَازِمٍ إِلَى ابْنِ عَامِرٍ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ، وَكَانَ ابْنُ عَامِرٍ يُكْرِمُهُ، فَقَالَ لِابْنِ عَامِرٍ: اكْتُبْ لِي عَلَى خُرَاسَانَ عَهْدًا إِنْ خَرَجَ عَنْهَا قَيْسٌ. فَفَعَلَ، فَرَجَعَ إِلَى خُرَاسَانَ، فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ وَجَاشَ الْعَدُوُّ قَالَ ابْنُ خَازِمٍ لِقَيْسٍ: الرَّأْيُ أَنْ تَخْلُفَنِي وَتَمْضِيَ حَتَّى تَنْظُرَ فِيمَا يَنْظُرُونَ فِيهِ، فَفَعَلَ، فَأَخْرَجَ ابْنُ خَازِمٍ بَعْدَهُ عَهْدًا

стр. 1165

بِخِلَافَتِهِ وَثَبَتَ عَلَى خُرَاسَانَ إِلَى أَنْ قَامَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. وَغَضِبَ قَيْسٌ مِنْ صَنِيعِ ابْنِ خَازِمٍ. (الْخِرِّيتُ: بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ وَآخِرُهُ تَاءٌ فَوْقَهَا نُقْطَتَانِ) . ذكر الزِّيَادَةِ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذِهِ السَّنَةِ زَادَ عُثْمَانُ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَكَانَ يَنْقُلُ الْجِصَّ مِنْ بَطْنِ نَخْلٍ، وَبَنَاهُ بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ، وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ فِيهَا رَصَاصٌ، وَجَعَلَ طُولَهُ سِتِّينَ وَمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَعَرْضَهُ خَمْسِينَ وَمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَجَعَلَ أَبْوَابَهُ عَلَى مَا كَانَتْ أَيَّامَ عُمَرَ سِتَّةَ أَبْوَابٍ. ذكر إِتْمَامِ عُثْمَانَ الصَّلَاةَ بِجَمْعٍ وَأَوَّلِ مَا تَكَلَّمَ النَّاسُ فِيهِ حَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُثْمَانُ، وَضَرَبَ فُسْطَاطَهُ بِمِنًى، وَكَانَ أَوَّلَ فُسْطَاطٍ ضَرَبَهُ عُثْمَانُ بِمِنًى، وَأَتَمَّ الصَّلَاةَ بِهَا وَبِعَرَفَةَ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ النَّاسُ فِي عُثْمَانَ ظَاهِرًا حِينَ أَتَمَّ الصَّلَاةَ بِمِنًى، فَعَابَ ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: مَا حَدَثَ أَمْرٌ وَلَا قَدُمَ عَهْدٌ، وَلَقَدْ عَهِدْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يُصَلُّونَ رَكْعَتَيْنِ وَأَنْتَ صَدْرًا مِنْ خِلَافَتِكَ، فَمَا أَدْرِي مَا تَرْجِعُ إِلَيْهِ. فَقَالَ: رَأْيٌ رَأَيْتُهُ. وَبَلَغَ الْخَبَرُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَكَانَ مَعَهُ، فَجَاءَهُ وَقَالَ لَهُ: أَلَمْ تُصَلِّ فِي هَذَا الْمَكَانِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَكْعَتَيْنِ وَصَلَّيْتَ أَنْتَ رَكْعَتَيْنِ؟ قَالَ: بَلَى وَلَكِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّ بَعْضَ مَنْ حَجَّ مِنَ الْيَمَنِ وَجُفَاةِ النَّاسِ قَالُوا: إِنَّ الصَّلَاةَ لِلْمُقِيمِ رَكْعَتَانِ، وَاحْتَجُّوا بِصَلَاتِي، وَقَدِ اتَّخَذْتُ بِمَكَّةَ أَهْلًا وَلِي بِالطَّائِفِ مَالٌ. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: مَا فِي هَذَا عُذْرٌ، أَمَّا قَوْلُكَ: اتَّخَذْتُ بِهَا أَهْلًا، فَإِنَّ زَوْجَكَ بِالْمَدِينَةِ تَخْرُجُ بِهَا إِذَا شِئْتَ، وَإِنَّمَا تَسْكُنُ بِسُكْنَاكَ، وَأَمَّا مَالُكَ بِالطَّائِفِ فَبَيْنَكَ وَبَيْنَهُ مَسِيرَةُ ثَلَاثِ لَيَالٍ، وَأَمَّا قَوْلُكَ عَنْ حَاجِّ الْيَمَنِ وَغَيْرِهِمْ، فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ وَالْإِسْلَامُ قَلِيلٌ، ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَصَلَّوْا رَكْعَتَيْنِ وَقَدْ ضَرَبَ الْإِسْلَامُ بِجِرَانِهِ. فَقَالَ عُثْمَانُ: هَذَا رَأْيٌ رَأَيْتُهُ.

стр. 1166

فَخَرَجَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَلَقِيَ ابْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ: أَبَا مُحَمَّدٍ، غُيِّرَ مَا تَعْلَمُ. قَالَ: فَمَا أَصْنَعُ؟ قَالَ: اعْمَلْ بِمَا تَرَى وَتَعْلَمُ. فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الْخِلَافُ شَرٌّ وَقَدْ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي أَرْبَعًا. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَدْ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي رَكْعَتَيْنِ وَأَمَّا الْآنُ فَسَوْفَ أُصَلِّي أَرْبَعًا. وَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ سَنَةَ ثَلَاثِينَ.

стр. 1167

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثِينَ] (٣٠) ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثِينَ ذكر عَزْلِ الْوَلِيدِ عَنِ الْكُوفَةِ وَوِلَايَةِ سَعِيدٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ عُثْمَانُ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ عَنِ الْكُوفَةِ وَوَلَّاهَا سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ سَبَبُ وِلَايَةِ الْوَلِيدِ عَلَى الْكُوفَةِ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ، وَأَنَّهُ كَانَ مَحْبُوبًا إِلَى النَّاسِ، فَبَقِيَ كَذَلِكَ خَمْسَ سِنِينَ وَلَيْسَ لِدَارِهِ بَابٌ، ثُمَّ إِنَّ شَبَابًا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ نَقَبُوا عَلَى ابْنِ الْحَيْسُمَانِ الْخُزَاعِيِّ وَكَاثَرُوهُ، فَنَذِرَ بِهِمْ وَخَرَجَ عَلَيْهِمْ بِالسَّيْفِ وَصَرَخَ، فَأَشْرَفَ عَلَيْهِمْ أَبُو شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيُّ، وَكَانَ قَدِ انْتَقَلَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْكُوفَةِ لِلْقُرْبِ مِنَ الْجِهَادِ، فَصَاحَ بِهِمْ أَبُو شُرَيْحٍ، فَلَمْ يَلْتَفِتُوا وَقَتَلُوا ابْنَ الْحَيْسُمَانِ، وَأَخَذَهُمُ النَّاسُ وَفِيهِمْ زُهَيْرُ بْنُ جُنْدُبٍ الْأَزْدِيُّ وَمُوَرِّعُ بْنُ أَبِي مُوَرِّعٍ الْأَسَدِيُّ، وَشُبَيْلُ بْنُ أُبَيٍّ الْأَزْدِيُّ وَغَيْرُهُمْ، فَشَهِدَ عَلَيْهِمْ أَبُو شُرَيْحٍ وَابْنُهُ، فَكَتَبَ فِيهِمُ الْوَلِيدُ إِلَى عُثْمَانَ، فَكَتَبَ عُثْمَانُ بِقَتْلِهِمْ، فَقَتَلَهُمْ عَلَى بَابِ الْقَصْرِ، وَلِهَذَا السَّبَبِ أَخَذَ فِي الْقَسَامَةِ بِقَوْلِ وَلِيِّ الْمَقْتُولِ عَنْ مَلَإٍ مِنَ النَّاسِ لِيَفْطِمَ النَّاسَ عَنِ الْقَتْلِ. وَكَانَ أَبُو زُبَيْدٍ الشَّاعِرُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ فِي بَنِي تَغْلِبٍ، وَكَانُوا أَخْوَالَهُ، فَظَلَمُوهُ دَيْنًا لَهُ، فَأَخَذَ لَهُ الْوَلِيدُ حَقَّهُ إِذْ كَانَ عَامِلًا عَلَيْهِمْ، فَشَكَرَ أَبُو زُبَيْدٍ ذَلِكَ لَهُ، وَانْقَطَعَ إِلَيْهِ وَغَشِيَهُ بِالْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا، فَأَسْلَمَ عِنْدَ الْوَلِيدِ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ عِنْدَهُ أَتَى آتٍ أَبَا زَيْنَبَ وَأَبَا مُوَرِّعٍ وَجُنْدُبًا، وَكَانُوا يَحْفِرُونَ لِلْوَلِيدِ مُنْذُ قَتَلَ أَبْنَاءَهُمْ وَيَضَعُونَ لَهُ الْعُيُونَ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ الْوَلِيدَ وَأَبَا زُبَيْدٍ يَشْرَبَانِ الْخَمْرَ، فَثَارُوا وَأَخَذُوا مَعَهُمْ نَفَرًا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَاقْتَحَمُوا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرَوْا، فَأَقْبَلُوا يَتَلَاوَمُونَ وَسَبَّهُمُ النَّاسُ، وَكَتَمَ الْوَلِيدُ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ. وَجَاءَ جُنْدُبٌ وَرَهْطٌ مَعَهُ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ الْوَلِيدَ يَعْتَكِفُ عَلَى الْخَمْرِ،

стр. 1168

وَأَذَاعُوا ذَلِكَ. فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَنِ اسْتَتَرَ عَنَّا لَمْ نَتَّبِعْ عَوْرَتَهُ. فَعَاتَبَهُ الْوَلِيدُ عَلَى قَوْلِهِ حَتَّى تَغَاضَبَا. ثُمَّ أُتِيَ الْوَلِيدُ بِسَاحِرٍ، فَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ يَسْأَلُهُ عَنْ حَدِّهِ، وَاعْتَرَفَ السَّاحِرُ عِنْدَ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَكَانَ يُخَيِّلُ إِلَى النَّاسِ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي دُبُرِ الْحِمَارِ وَيَخْرُجُ مِنْ فِيهِ، فَأَمَرَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ بِقَتْلِهِ. فَلَمَّا أَرَادَ الْوَلِيدُ قَتْلَهُ أَقْبَلَ النَّاسُ وَمَعَهُمْ جُنْدُبٌ فَضَرَبَ السَّاحِرَ فَقَتَلَهُ، فَحَبَسَهُ الْوَلِيدُ وَكَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ فِيهِ، وَأَمَرَهُ بِإِطْلَاقِهِ وَتَأْدِيبِهِ، فَغَضِبَ لِجُنْدُبٍ أَصْحَابُهُ، وَخَرَجُوا إِلَى عُثْمَانَ يَسْتَعْفُونَ مِنَ الْوَلِيدِ، فَرَدَّهُمْ خَائِبِينَ. فَلَمَّا رَجَعُوا أَتَاهُمْ كُلُّ مَوْتُورٍ فَاجْتَمَعُوا مَعَهُمْ عَلَى رَأْيِهِمْ، وَدَخَلَ أَبُو زَيْنَبَ وَأَبُو مُوَرِّعٍ وَغَيْرُهُمَا عَلَى الْوَلِيدِ فَتَحَدَّثُوا عِنْدَهُ، فَنَامَ فَأَخَذَا خَاتَمَهُ وَسَارَا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَاسْتَيْقَظَ الْوَلِيدُ فَلَمْ يَرَ خَاتَمَهُ، فَسَأَلَ نِسَاءَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَخْبَرْنَهُ أَنَّ آخِرَ مَنْ بَقِيَ عِنْدَهُ رَجُلَانِ صِفَتُهُمَا كَذَا وَكَذَا. فَاتَّهَمَهُمَا وَقَالَ: هُمَا أَبُو زَيْنَبَ وَأَبُو مُوَرِّعٍ، وَأَرْسَلَ يَطْلُبُهُمَا، فَلَمْ يُوجَدَا. فَقَدِمَا عَلَى عُثْمَانَ وَمَعَهُمَا غَيْرُهُمَا، وَأَخْبَرَاهُ أَنَّهُ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْوَلِيدِ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ، وَدَعَا بِهِمَا عُثْمَانَ فَقَالَ: أَتَشْهَدَانِ أَنَّكُمَا رَأَيْتُمَاهُ يَشْرَبُ؟ فَقَالَا: لَا. قَالَ: فَكَيْفَ؟ قَالَا: اعْتَصَرْنَاهَا مِنْ لِحْيَتِهِ وَهُوَ يَقِيءُ الْخَمْرَ. فَأَمَرَ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ فَجَلَدَهُ، فَأَوْرَثَ ذَلِكَ عَدَاوَةً بَيْنَ أَهْلَيْهِمَا، فَكَانَ عَلَى الْوَلِيدِ خَمِيصَةٌ فَأَمَرَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِنَزْعِهَا لَمَّا جُلِدَ. هَكَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الَّذِي جَلَدَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ لِأَنَّ عَلِيًّا أَمَرَ ابْنَهُ الْحَسَنَ أَنْ يَجْلِدَهُ، فَقَالَ الْحَسَنُ: وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قَارَّهَا! فَأَمَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ فَجَلَدَهُ أَرْبَعِينَ. فَقَالَ عَلِيٌّ: أَمْسِكْ، جَلَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ وَجَلَدَ عُثْمَانُ ثَمَانِينَ وَكُلٌّ سُنَّةٌ وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ. وَقِيلَ: إِنَّ الْوَلِيدَ سَكِرَ وَصَلَّى الصُّبْحَ بِأَهْلِ الْكُوفَةِ أَرْبَعًا ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: أَزِيدُكُمْ؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَا زِلْنَا مَعَكَ فِي زِيَادَةٍ مُنْذُ الْيَوْمِ، وَشَهِدُوا عَلَيْهِ عِنْدَ عُثْمَانَ، فَأَمَرَ عَلِيًّا بِجَلْدِهِ، فَأَمَرَ عَلِيٌّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ فَجَلَدَهُ، وَقَالَ الْحُطَيْئَةُ: شَهِدَ الْحُطَيْئَةُ يَوْمَ يَلْقَى رَبَّهُ أَنَّ الْوَلِيدَ أَحَقُّ بِالْعُذْرِ نَادَى وَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُمْ: أَأَزِيدُكُمْ؟ سُكْرًا وَمَا يَدْرِي فَأَبَوْا أَبَا وَهْبٍ وَلَوْ أَذِنُوا لَقَرَنْتَ بَيْنَ الشَّفْعِ وَالْوِتْرِ كَفُّوا عِنَانَكَ إِذْ جَرَيْتَ وَلَوْ تَرَكُوا عِنَانَكَ لَمْ تَزَلْ تَجْرِي

стр. 1169

فَلَمَّا عَلِمَ عُثْمَانُ مِنَ الْوَلِيدِ شُرْبَ الْخَمْرِ عَزَلَهُ، وَوَلَّى سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَكَانَ سَعِيدٌ قَدْ رُبِّيَ فِي حِجْرِ عُمَرَ، فَلَمَّا فُتِحَ الشَّامُ قَدِمَهُ، فَأَقَامَ مَعَ مُعَاوِيَةَ، فَذَكَرَ عُمَرُ يَوْمًا قُرَيْشًا، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَأُخْبِرَ أَنَّهُ بِالشَّامِ، فَاسْتَقْدَمَهُ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: قَدْ بَلَغَنِي عَنْكَ بَلَاءٌ وَصَلَاحٌ فَازْدَدْ يَزِدْكَ اللَّهُ خَيْرًا. وَقَالَ لَهُ: هَلْ لَكَ مِنْ زَوْجَةٍ؟ قَالَ: لَا. وَجَاءَ عُمَرَ بَنَاتُ سُفْيَانَ بْنِ عُوَيْفٍ وَمَعَهُنَّ أُمُّهُنَّ، فَقَالَتْ أُمُّهُنَّ: هَلَكَ رِجَالُنَا وَإِذَا هَلَكَ الرِّجَالُ ضَاعَ النِّسَاءُ، فَضَعْهُنَّ فِي أَكْفَائِهِنَّ. فَزَوَّجَ سَعِيدًا إِحْدَاهُنَّ، وَزَوَّجَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ أُخْرَى. وَأَتَاهُ بَنَاتُ مَسْعُودِ بْنِ نُعَيْمٍ النَّهْشَلِيُّ فَقُلْنَ لَهُ: قَدْ هَلَكَ رِجَالُنَا وَبَقِيَ الصِّبْيَانُ، فَضَعْنَا فِي أَكْفَائِنَا، فَزَوَّجَ سَعِيدًا إِحْدَاهُنَّ، وَجُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ الْأُخْرَى. وَكَانَ عُمُومَتُهُ ذَوِي بَلَاءٍ فِي الْإِسْلَامِ وَسَابِقَةٍ، فَلَمْ يَمُتْ عُمَرُ حَتَّى كَانَ سَعِيدٌ مِنْ رِجَالِ قُرَيْشٍ. فَلَمَّا اسْتَعْمَلَهُ عُثْمَانُ سَارَ حَتَّى أَتَى الْكُوفَةَ أَمِيرًا، وَرَجَعَ مَعَهُ الْأَشْتَرُ، وَأَبُو خَشَّةَ الْغِفَارِيُّ وَجُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَجَثَّامَةُ بْنُ صَعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ، وَكَانُوا مِمَّنْ شَخَصَ مَعَ الْوَلِيدِ يُعِينُونَهُ فَصَارُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُ شُعَرَاءِ الْكُوفَةِ: فَرَرْتُ مِنَ الْوَلِيدِ إِلَى سَعِيدٍ ... كَأَهْلِ الْحِجْرِ إِذْ جَزِعُوا فَبَارُوا يَلِينَا مِنْ قُرَيْشٍ كُلَّ عَامٍ ... أَمِيرٌ مُحْدَثٌ أَوْ مُسْتَشَارٌ لَنَا نَارٌ نُخَوَّفُهَا فَنَخْشَى ... وَلَيْسَ لَهُمْ، فَلَا يَخْشَوْنَ، نَارُ فَلَمَّا وَصَلَ سَعِيدٌ الْكُوفَةَ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ وَإِنِّي لَكَارِهٌ، وَلَكِنِّي لَمْ أَجِدْ بُدًّا إِذَا أُمِّرْتُ أَنْ أَتَّمِرَ، أَلَا إِنَّ الْفِتْنَةَ قَدْ أَطْلَعَتْ خَطْمَهَا وَعَيْنَيْهَا، وَوَاللَّهِ لَأَضْرِبَنَّ وَجْهَهَا حَتَّى أَقْمَعَهَا أَوْ تُعْيِينِي، وَإِنِّي لَرَائِدٌ نَفْسِيَ الْيَوْمَ. ثُمَّ نَزَلَ وَسَأَلَ عَنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ فَعَرَفَ حَالَ أَهْلِهَا، فَكَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ أَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ قَدِ اضْطَرَبَ أَمْرُهُمْ، وَغُلِبَ أَهْلُ الشَّرَفِ مِنْهُمْ وَالْبُيُوتَاتِ وَالسَّابِقَةِ، وَالْغَالِبُ عَلَى تِلْكَ الْبِلَادِ رَوَادِفُ قَدِمَتْ، وَأَعْرَابٌ لَحِقَتْ، حَتَّى لَا يُنْظَرَ إِلَى ذِي شَرَفٍ وَبَلَاءٍ مِنْ نَابِتَتِهَا وَلَا نَازِلَتِهَا.

стр. 1170

فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُثْمَانُ: أَمَّا بَعْدُ فَفَضْلُ أَهْلِ السَّابِقَةِ وَالْقُدْمَةِ وَمَنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ تِلْكَ الْبِلَادَ، وَلْيَكُنْ مَنْ نَزَلَهَا مِنْ غَيْرِهِمْ تَبَعًا لَهُمْ، إِلَّا أَنْ يَكُونُوا تَثَاقَلُوا عَنِ الْحَقِّ وَتَرَكُوا الْقِيَامَ بِهِ وَقَامَ بِهِ هَؤُلَاءِ، وَاحْفَظْ لِكُلٍّ مَنْزِلَتَهُ، وَأَعْطِهِمْ جَمِيعًا بِقِسْطِهِمْ مِنَ الْحَقِّ، فَإِنَّ الْمَعْرِفَةَ بِالنَّاسِ بِهَا يُصَابُ الْعَدْلُ. فَأَرْسَلَ سَعِيدٌ إِلَى أَهْلِ الْأَيَّامِ وَالْقَادِسِيَّةِ فَقَالَ: أَنْتُمْ وُجُوهُ النَّاسِ، وَالْوَجْهُ يُنْبِئُ عَنِ الْجَسَدِ، فَأَبْلِغُونَا حَاجَةَ ذِي الْحَاجَةِ. وَأَدْخَلَ مَعَهُمْ مَنْ يَحْتَمِلُ مِنَ اللَّوَاحِقِ وَالرَّوَادِفِ. وَجَعَلَ الْقُرَّاءَ فِي سَمَرِهِ، فَفَشَتِ الْقَالَةُ فِي أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَكَتَبَ سَعِيدٌ إِلَى عُثْمَانَ بِذَلِكَ، فَجَمَعَ النَّاسَ وَأَخْبَرَهُمْ بِمَا كَتَبَ إِلَيْهِ. فَقَالُوا لَهُ: أَصَبْتَ، لَا تُطِعْهُمْ فِيمَا لَيْسُوا لَهُ بِأَهْلٍ، فَإِنَّهُ إِذَا نَهَضَ فِي الْأُمُورِ مَنْ لَيْسَ بِأَهْلٍ لَهَا لَمْ يَحْتَمِلْهَا وَأَفْسَدَهَا. فَقَالَ عُثْمَانُ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ اسْتَعِدُّوا وَاسْتَمْسِكُوا فَقَدْ دَبَّتْ إِلَيْكُمُ الْفِتَنُ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَأَتَخَلَّصَنَّ لَكُمُ الَّذِي لَكُمْ حَتَّى أَنْقُلَهُ إِلَيْكُمْ إِنْ رَأَيْتُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ مَنْ شَهِدَ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ سَهْمَهُ، فَيُقِيمَ مَعَهُ فِي بِلَادِهِ. فَقَالُوا: كَيْفَ تَنْقُلُ إِلَيْنَا سَهْمَنَا مِنَ الْأَرَضِينَ؟ فَقَالَ: يَبِيعُهَا مَنْ شَاءَ بِمَا كَانَ لَهُ بِالْحِجَازِ وَالْيَمَنِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْبِلَادِ. فَفَرِحُوا وَفَتَحَ اللَّهُ لَهُمْ أَمْرًا لَمْ يَكُنْ فِي حِسَابِهِمْ، وَفَعَلُوا ذَلِكَ وَاشْتَرَاهُ رِجَالٌ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ، وَجَازَ لَهُمْ عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمْ وَمِنَ النَّاسِ وَإِقْرَارٍ بِالْحُقُوقِ. ذكر غَزْوِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ طَبَرِسْتَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ طَبَرِسْتَانَ، فَإِنَّهَا لَمْ يَغْزُهَا أَحَدٌ إِلَى هَذِهِ السَّنَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَيَّامِ عُمَرَ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّ إِصْبَهْبَذَهَا صَالَحَ سُويدَ بْنَ مُقَرِّنٍ أَيَّامَ عُمَرَ عَلَى مَالٍ بَذَلَهُ. وَأَمَّا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَإِنَّ سَعِيدًا غَزَاهَا مِنَ الْكُوفَةِ سَنَةَ ثَلَاثِينَ، وَمَعَهُ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَخَرَجَ ابْنُ عَامِرٍ مِنَ الْبَصْرَةِ يُرِيدُ خُرَاسَانَ، فَسَبَقَ سَعِيدًا وَنَزَلَ نَيْسَابُورَ، وَنَزَلَ سَعِيدٌ قُومِسَ، وَهِيَ صُلْحٌ، صَالَحَهُمْ حُذَيْفَةُ بَعْدَ نَهَاوَنْدَ، فَأَتَى جُرْجَانَ فَصَالَحُوهُ عَلَى مِائَتَيْ أَلْفٍ، ثُمَّ أَتَى طَمِيسَةَ، وَهِيَ كُلُّهَا مِنْ طَبَرِسْتَانَ مُتَاخِمَةٌ جُرْجَانَ، عَلَى الْبَحْرِ، فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا، فَصَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ، أَعْلَمَهُ حُذَيْفَةُ كَيْفِيَّتَهَا، وَهُمْ يَقْتَتِلُونَ. وَضَرَبَ سَعِيدٌ يَوْمَئِذٍ رَجُلًا بِالسَّيْفِ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ، فَخَرَجَ السَّيْفُ مِنْ تَحْتِ مِرْفَقِهِ، وَحَاصَرَهُمْ، فَسَأَلُوا الْأَمَانَ، فَأَعْطَاهُمْ عَلَى أَنْ لَا يَقْتُلَ مِنْهُمْ

стр. 1171

رَجُلًا وَاحِدًا، (فَفَتَحُوا الْحِصْنَ فَقُتِلُوا جَمِيعًا إِلَّا رَجُلًا وَاحِدًا) ، وَحَوَى مَا فِي الْحِصْنِ، فَأَصَابَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي نَهْدٍ سَفَطًا عَلَيْهِ قُفْلٌ، فَظَنَّ أَنَّ فِيهِ جَوْهَرًا، وَبَلَغَ سَعِيدًا فَبَعَثَ إِلَى النَّهْدِيِّ فَأَتَاهُ بِالسَّفَطِ، فَكَسَرُوا قُفْلَهُ فَوَجَدُوا فِيهِ سَفَطًا، فَفَتَحُوهُ فَوَجَدُوا خِرْقَةً حَمْرَاءَ فَنَشَرُوهَا، فَإِذَا خِرْقَةٌ صَفْرَاءُ وَفِيهَا أَيْرَانُ كُمَيْتٍ وَوَرْدٍ. فَقَالَ شَاعِرٌ يَهْجُو بَنِي نَهْدٍ: آبَ الْكِرَامُ بِالسَّبَايَا غَنِيمَةً ... وَآبَ بَنُو نَهْدٍ بِأَيْرَيْنِ فِي سَفَطْ كُمَيْتٍ وَوَرْدٍ وَافِرَيْنِ كِلَاهُمَا ... فَظَنُّوهُمَا غُنْمًا فَنَاهِيكَ مِنْ غَلَطْ وَفَتَحَ سَعِيدٌ نَامِيَةَ، وَلَيْسَتْ بِمَدِينَةٍ، هِيَ صَحَارَى. وَمَاتَ مَعَ سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي عَقِيلٍ جَدُّ يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ. ثُمَّ رَجَعَ سَعِيدٌ، فَمَدَحَهُ كَعْبُ بْنُ جُعَيْلٍ فَقَالَ: فَنِعْمَ الْفَتَى إِذَا حَالَ جِيلَانُ دُونَهُ ... وَإِذْ هَبَطُوا مِنْ دَسْتَبَى ثُمَّ أَبْهَرَا فِي أَبْيَاتٍ. وَلَمَّا صَالَحَ سَعِيدٌ أَهْلَ جُرْجَانَ كَانُوا يَجْبُونَ أَحْيَانًا مِائَةَ أَلْفٍ، وَأَحْيَانًا مِائَتَيْ أَلْفٍ، وَأَحْيَانًا ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفٍ، وَيَقُولُونَ: هَذَا صُلْحُ صُلْحِنَا، وَرُبَّمَا مَنَعُوهُ، ثُمَّ امْتَنَعُوا وَكَفَرُوا، فَانْقَطَعَ طَرِيقُ خُرَاسَانَ مِنْ نَاحِيَةِ قُومِسَ إِلَّا عَلَى خَوْفٍ شَدِيدٍ مِنْهُمْ. كَانَ الطَّرِيقُ إِلَى خُرَاسَانَ مِنْ فَارِسَ إِلَى كَرْمَانَ إِلَى خُرَاسَانَ، وَأَوَّلُ مَنْ صَيَّرَ الطَّرِيقَ مِنْ قُومِسَ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ حِينَ وَلِيَ خُرَاسَانَ. وَقَدِمَهَا يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ فَصَالَحَ صُولَ، وَفَتَحَ الْبُحَيْرَةَ وَدِهِسْتَانَ، وَصَالَحَ أَهْلَ جُرْجَانَ عَلَى صُلْحِ سَعِيدٍ. ذكر غَزْوِ حُذَيْفَةَ الْبَابَ وَأَمْرِ الْمَصَاحِفِ وَفِيهَا صُرِفُ حُذَيْفَةُ عَنْ غَزْوِ الرَّيِّ إِلَى غَزْوِ الْبَابِ مَدَدًا لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَخَرَجَ مَعَهُ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ، فَبَلَغَ مَعَهُ أَذْرَبِيجَانَ، وَكَانُوا يَجْعَلُونَ النَّاسَ رِدْءًا، فَأَقَامَ حَتَّى

стр. 1172

عَادَ حُذَيْفَةُ ثُمَّ رَجَعَا. فَلَمَّا عَادَ حُذَيْفَةُ قَالَ لِسَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ: لَقَدْ رَأَيْتُ فِي سَفْرَتِي هَذِهِ أَمْرًا، لَئِنْ تُرِكَ النَّاسُ لَيَخْتَلِفُنَّ فِي الْقُرْآنِ، ثُمَّ لَا يَقُومُونَ عَلَيْهِ أَبَدًا. قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: رَأَيْتُ أُنَاسًا مِنْ أَهْلِ حِمْصَ يَزْعُمُونَ أَنَّ قِرَاءَتَهُمْ خَيْرٌ مِنْ قِرَاءَةِ غَيْرِهِمْ، وَأَنَّهُمْ أَخَذُوا الْقُرْآنَ عَنِ الْمِقْدَادِ، وَرَأَيْتُ أَهْلَ دِمَشْقَ يَقُولُونَ: إِنَّ قِرَاءَتَهُمْ خَيْرٌ مِنْ قِرَاءَةِ غَيْرِهِمْ، وَرَأَيْتُ أَهْلَ الْكُوفَةِ يَقُولُونَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَإِنَّهُمْ قَرَءُوا عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَهْلَ الْبَصْرَةِ يَقُولُونَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَإِنَّهُمْ قَرَءُوا عَلَى أَبِي مُوسَى، وَيُسَمُّونَ مُصْحَفَهُ لُبَابَ الْقُلُوبِ. فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى الْكُوفَةِ أَخْبَرَ حُذَيْفَةُ النَّاسَ بِذَلِكَ وَحَذَّرَهُمْ مَا يَخَافُ، فَوَافَقَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَثِيرٌ مِنَ التَّابِعِينَ. وَقَالَ لَهُ أَصْحَابُ ابْنِ مَسْعُودٍ: مَا تُنْكِرُ؟ أَلَسْنَا نَقْرَأُهُ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ؟ فَغَضِبَ حُذَيْفَةُ وَمَنْ وَافَقَهُ، وَقَالُوا: إِنَّمَا أَنْتُمْ أَعْرَابٌ فَاسْكُتُوا فَإِنَّكُمْ عَلَى خَطَأٍ. وَقَالَ حُذَيْفَةُ: وَاللَّهِ لَئِنْ عِشْتُ لَآتِيَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَأُشِيرَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَحُولَ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ ذَلِكَ. فَأَغْلَظَ لَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَغَضِبَ سَعِيدٌ وَقَامَ وَتَفَرَّقَ النَّاسُ، وَغَضِبَ حُذَيْفَةُ وَسَارَ إِلَى عُثْمَانَ فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي رَأَى، وَقَالَ: أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ فَأَدْرِكُوا الْأُمَّةَ. فَجَمَعَ عُثْمَانُ الصَّحَابَةَ وَأَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ، فَأَعْظَمُوهُ وَرَأَوْا جَمِيعًا مَا رَأَى حُذَيْفَةُ. فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ: أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخْهَا. وَكَانَتْ هَذِهِ الصُّحُفُ هِيَ الَّتِي كُتِبَتْ فِي أَيَّامِ أَبِي بَكْرٍ، فَإِنَّ الْقَتْلَ لَمَّا كَثُرَ فِي الصَّحَابَةِ يَوْمَ الْيَمَامَةِ قَالَ عُمَرُ لِأَبِي بَكْرٍ: إِنَّ الْقَتْلَ قَدْ كَثُرَ وَاسْتَحَرَّ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ يَوْمَ الْيَمَامَةِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ فَيَذْهَبَ مِنَ الْقُرْآنِ كَثِيرٌ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ، فَأَمَرَ أَبُو بَكْرٍ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَجَمَعَهُ مِنَ الرِّقَاعِ وَالْعُسُبِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ، فَكَانَتِ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَّ عُمَرُ أَخَذَتْهَا حَفْصَةُ فَكَانَتْ عِنْدَهَا. فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَيْهَا [مَنْ] أَخَذَهَا مِنْهَا، وَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فَنَسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ، وَقَالَ عُثْمَانُ: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ فَاكْتُبُوهَا بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ، فَفَعَلُوا. فَلَمَّا نَسَخُوا الصُّحُفَ رَدَّهَا عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ، وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ، وَحَرَقَ مَا سِوَى ذَلِكَ، وَأَمَرَ أَنْ يَعْتَمِدُوا عَلَيْهَا وَيَدَعُوا مَا سِوَى ذَلِكَ. فَكُلُّ النَّاسِ عَرَفَ فَضْلَ هَذَا الْفِعْلِ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَإِنَّ الْمُصْحَفَ لَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِمْ فَرِحَ بِهِ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ ، وَإِنَّ أَصْحَابَ عَبْدِ اللَّهِ وَمَنْ وَافَقَهُمُ امْتَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ وَعَابُوا النَّاسَ، فَقَامَ فِيهِمُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَقَالَ: وَلَا كُلُّ ذَلِكَ، فَإِنَّكُمْ وَاللَّهِ قَدْ سُبِقْتُمْ سَبْقًا بَيِّنًا، فَارْبِعُوا عَلَى ظَلْعِكُمْ. وَلَمَّا قَدِمَ عَلِيٌّ

стр. 1173

الْكُوفَةَ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَعَابَ عُثْمَانَ بِجَمْعِ النَّاسِ عَلَى الْمُصْحَفِ، فَصَاحَ بِهِ وَقَالَ: اسْكُتْ فَعَنْ مَلَأٍ مِنَّا فَعَلَ ذَلِكَ، فَلَوْ وُلِّيتُ مِنْهُ مَا وُلِّيَ عُثْمَانُ لَسَلَكْتُ سَبِيلَهُ. ذكر سُقُوطِ خَاتَمِ النَّبِيِّ ﷺ فِي بِئْرِ أَرِيسٍ وَفِيهَا وَقَعَ خَاتَمُ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ يَدِ عُثْمَانَ فِي بِئْرِ أَرِيسٍ، وَهِيَ عَلَى مِيلَيْنِ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ قَلِيلَةَ الْمَاءِ، فَمَا أُدْرِكَ قَعْرُهَا بَعْدُ. «وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اتَّخَذَهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُكَاتِبَ الْأَعَاجِمَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى -، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ كِتَابًا إِلَّا مَخْتُومًا، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُعْمَلَ لَهُ خَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ، فَلَمَّا عُمِلَ جَعَلَهُ فِي إِصْبَعِهِ، فَأَتَاهُ جِبْرَائِيلُ فَنَهَاهُ عَنْهُ، فَنَبَذَهُ، وَأَمَرَ فَعُمِلَ لَهُ خَاتَمٌ مِنْ نُحَاسٍ وَجَعَلَهُ فِي إِصْبَعِهِ، فَقَالَ لَهُ جِبْرَائِيلُ: انْبِذْهُ، فَنَبَذَهُ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِخَاتَمٍ مِنْ فِضَّةٍ، فَصُنِعَ لَهُ، فَجَعَلَهُ فِي إِصْبَعِهِ، فَأَمَرَهُ جِبْرَائِيلُ أَنْ يُقِرَّهُ، فَأَقَرَّهُ. وَكَانَ نَقْشُهُ ثَلَاثَةَ أَسْطُرٍ: مُحَمَّدٌ سَطْرٌ، وَرَسُولٌ سَطْرٌ، وَاللَّهُ سَطْرٌ، فَتَخَتَّمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى تُوُفِّيَّ،» ثُمَّ تَخَتَّمَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى تُوُفِّيَّ، ثُمَّ عُمَرُ حَتَّى تُوُفِّيَّ، ثُمَّ تَخَتَّمَ بِهِ عُثْمَانُ سِتَّ سِنِينَ. فَحَفَرُوا بِئْرًا بِالْمَدِينَةِ شِرْبًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَقَعَدَ عَلَى رَأْسِ الْبِئْرِ فَجَعَلَ يَعْبَثُ بِالْخَاتَمِ فَسَقَطَ مِنْ يَدِهِ فِي الْبِئْرِ، فَطَلَبُوهُ فِيهَا وَنَزَحُوا مَا فِيهَا مِنَ الْمَاءِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، فَجَعَلَ فِيهِ مَالًا عَظِيمًا لِمَنْ جَاءَ بِهِ، وَاغْتَمَّ لِذَلِكَ غَمًّا شَدِيدًا. فَلَمَّا يَئِسَ مِنْهُ صَنَعَ خَاتَمًا آخَرَ عَلَى مِثَالِهِ وَنَقْشِهِ فَبَقِيَ فِي إِصْبَعِهِ حَتَّى هَلَكَ، فَلَمَّا قُتِلَ ذَهَبَ الْخَاتَمُ فَلَمْ يُدْرَ مَنْ أَخَذَهُ. ذكر تَسْيِيرِ أَبِي ذَرٍّ إِلَى الرَّبَذَةِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ مَا ذُكِرَ فِي أَمْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَإِشْخَاصِ مُعَاوِيَةَ إِيَّاهُ مِنَ الشَّامِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي سَبَبِ ذَلِكَ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ، مِنْ سَبِّ مُعَاوِيَةَ إِيَّاهُ وَتَهْدِيدِهِ بِالْقَتْلِ، وَحَمْلِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ مِنَ الشَّامِ بِغَيْرِ وِطَاءٍ، وَنَفْيِهِ مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى الْوَجْهِ الشَّنِيعِ، لَا يَصِحُّ النَّقْلُ بِهِ، وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَذَرَ عَنْ عُثْمَانَ، فَإِنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُؤَدِّبَ رَعِيَّتَهُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ

стр. 1174

الْأَعْذَارِ، لَا أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلطَّعْنِ عَلَيْهِ، كَرِهْتُ ذِكْرَهَا. وَأَمَّا الْعَاذِرُونَ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لَمَّا وَرَدَ ابْنُ السَّوْدَاءِ إِلَى الشَّامِ لَقِيَ أَبَا ذَرٍّ فَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ أَلَا تَعْجَبُ مِنْ مُعَاوِيَةَ يَقُولُ: الْمَالُ مَالُ اللَّهِ! أَلَا إِنَّ كُلَّ شَيْءٍ لِلَّهِ، كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَحْتَجِبَهُ دُونَ النَّاسِ، وَيَمْحُوَ اسْمَ الْمُسْلِمِينَ. فَأَتَاهُ أَبُو ذَرٍّ فَقَالَ: مَا يَدْعُوكَ إِلَى أَنْ تُسَمِّيَ مَالَ الْمُسْلِمِينَ مَالَ اللَّهِ السَّاعَةَ؟ قَالَ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ يَا أَبَا ذَرٍّ! أَلَسْنَا عِبَادَ اللَّهِ وَالْمَالُ مَالُهُ؟ قَالَ: فَلَا تَقُلْهُ. قَالَ: سَأَقُولُ مَالَ الْمُسْلِمِينَ. وَأَتَى ابْنُ السَّوْدَاءِ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ. فَقَالَ: أَظُنُّكَ [وَاللَّهِ] يَهُودِيًّا! فَأَتَى عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ، فَتَعَلَّقَ بِهِ عُبَادَةُ وَأَتَى بِهِ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: هَذَا وَاللَّهِ الَّذِي بَعَثَ عَلَيْكَ أَبَا ذَرٍّ. وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ فِي مِلْكِهِ أَكْثَرُ مِنْ قُوتِ يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ، أَوْ شَيْءٍ يُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ يُعِدُّهُ لِكَرِيمٍ، وَيَأْخُذُ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ ﴿الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] . فَكَانَ يَقُومُ بِالشَّامِ وَيَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْأَغْنِيَاءِ وَاسُوا الْفُقَرَاءَ، بَشِّرِ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِمَكَاوٍ مِنْ نَارٍ تُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ، فَمَا زَالَ حَتَّى وَلِعَ الْفُقَرَاءُ بِمِثْلِ ذَلِكَ وَأَوْجَبُوهُ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ، وَشَكَا الْأَغْنِيَاءُ مَا يَلْقَوْنَ مِنْهُمْ. فَأَرْسَلَ مُعَاوِيَةُ إِلَيْهِ بِأَلْفِ دِينَارٍ فِي جُنْحِ اللَّيْلِ فَأَنْفَقَهَا. فَلَمَّا صَلَّى مُعَاوِيَةُ الصُّبْحَ دَعَا رَسُولَهُ الَّذِي أَرْسَلَهُ إِلَيْهِ فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَى أَبِي ذَرٍّ فَقُلْ لَهُ: أَنْقِذْ جَسَدِي مِنْ عَذَابِ مُعَاوِيَةَ، فَإِنَّهُ أَرْسَلَنِي إِلَى غَيْرِكَ وَإِنِّي أَخْطَأْتُ بِكَ. فَفَعَلَ ذَلِكَ. فَقَالَ لَهُ أَبُو ذَرٍّ: يَا بُنَيَّ قُلْ لَهُ: وَاللَّهِ مَا أَصْبَحَ عِنْدَنَا مِنْ دَنَانِيرِكَ دِينَارٌ وَلَكِنْ أَخِّرْنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى نَجْمَعَهَا. فَلَمَّا رَأَى مُعَاوِيَةُ أَنَّ فِعْلَهُ يَصْدُقُ قَوْلَهُ كَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ: إِنَّ أَبَا ذَرٍّ قَدْ ضَيَّقَ عَلَيَّ، وَقَدْ كَانَ كَذَا وَكَذَا، لِلَّذِي يَقُولُهُ الْفُقَرَاءُ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُثْمَانُ: إِنَّ الْفِتْنَةَ قَدْ أَخْرَجَتْ خَطْمَهَا وَعَيْنَيْهَا وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ تَثِبَ، فَلَا تَنْكَأِ الْقَرْحَ، وَجَهِّزْ أَبَا ذَرٍّ إِلَيَّ، وَابْعَثْ مَعَهُ دَلِيلًا وَكَفْكِفِ النَّاسَ وَنَفْسَكَ مَا اسْتَطَعْتَ. وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِأَبِي ذَرٍّ. فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ، وَرَأَى الْمَجَالِسَ فِي أَصْلِ جَبَلِ سَلْعٍ قَالَ: بِشِّرْ أَهْلَ الْمَدِينَةِ بِغَارَةٍ شَعْوَاءَ وَحَرْبٍ مِذْكَارٍ. وَدَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ فَقَالَ لَهُ: مَا لِأَهْلِ الشَّامِ يَشْكُونَ ذَرَبَ لِسَانِكَ؟

стр. 1175

فَأَخْبَرَهُ. فَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ عَلَيَّ أَنْ أَقْضِيَ مَا عَلَيَّ، وَأَنْ أَدْعُوَ الرَّعِيَّةَ إِلَى الِاجْتِهَادِ وَالِاقْتِصَادِ، وَمَا عَلَيَّ أَنْ أُجْبِرَهُمْ عَلَى الزُّهْدِ. فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: لَا تَرْضَوْا مِنَ الْأَغْنِيَاءِ حَتَّى يَبْذُلُوا الْمَعْرُوفَ، وَيُحْسِنُوا إِلَى الْجِيرَانِ وَالْإِخْوَانِ، وَيَصِلُوا الْقَرَابَاتِ. فَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ، وَكَانَ حَاضِرًا: مَنْ أَدَّى الْفَرِيضَةَ فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ. فَضَرَبَهُ أَبُو ذَرٍّ فَشَجَّهُ، وَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ الْيَهُودِيَّةِ مَا أَنْتَ وَمَا هَاهُنَا؟ فَاسْتَوْهَبَ عُثْمَانُ كَعْبًا شَجَّتَهُ، فَوَهَبَهُ. فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ لِعُثْمَانَ: تَأْذَنُ لِي فِي الْخُرُوجِ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَنِي بِالْخُرُوجِ مِنْهَا إِذَا بَلَغَ الْبِنَاءُ سَلْعًا. فَأَذِنَ لَهُ، فَنَزَلَ الرَّبَذَةَ وَبَنَى بِهَا مَسْجِدًا، وَأَقْطَعَهُ عُثْمَانُ صِرْمَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَأَعْطَاهُ مَمْلُوكَيْنِ وَأَجْرَى عَلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ عَطَاءً، وَكَذَلِكَ عَلَى رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَكَانَ قَدْ خَرَجَ أَيْضًا عَنِ الْمَدِينَةِ لِشَيْءٍ سَمِعَهُ. وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ يَتَعَاهَدُ الْمَدِينَةَ مَخَافَةَ أَنْ يَعُودَ أَعْرَابِيًّا، أَخْرَجَ مُعَاوِيَةُ إِلَيْهِ أَهْلَهُ، فَخَرَجُوا وَمَعَهُمْ جِرَابٌ مُثْقِلٌ يَدَ الرَّجُلِ، فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الَّذِي يَزْهَدُ فِي الدُّنْيَا مَا عِنْدَهُ؟ فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: وَاللَّهِ مَا هُوَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، وَلَكِنَّهَا فَلُوسٌ، كَانَ إِذَا خَرَجَ عَطَاؤُهُ ابْتَاعَ مِنْهُ فُلُوسًا لِحَوَائِجِنَا. وَلَمَّا نَزَلَ الرَّبَذَةَ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَعَلَيْهَا رَجُلٌ يَلِي الصَّدَقَةَ، فَقَالَ: «تَقَدَّمْ يَا أَبَا ذَرٍّ. فَقَالَ: لَا، تَقَدَّمْ أَنْتَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِي: اسْمَعْ وَأَطِعْ وَإِنْ كَانَ عَلَيْكَ عَبْدٌ مُجَدَّعٌ» ، فَأَنْتَ عَبْدٌ وَلَسْتَ بِأَجْدَعَ، وَكَانَ مِنْ رَقِيقِ الصَّدَقَةِ اسْمُهُ مُجَاشِعٌ. ذكر عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ زَادَ عُثْمَانُ النِّدَاءَ الثَّالِثَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الزَّوْرَاءِ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ اللَّخْمِيُّ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ.

стр. 1176

(حَاطِبٌ: بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ. وَبَلْتَعَةُ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، ثُمَّ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقٍ بِوَزْنِ مَقْرَعَةٍ) . وَفِيهَا مَاتَ عَمْرُو بْنُ أَبِي سَرْحٍ الْفِهْرِيُّ، وَكَانَ بَدْرِيًّا. وَفِيهَا مَاتَ مَسْعُودُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَقِيلَ: ابْنُ رَبِيعَةَ بْنِ عَمْرٍو الْقَارِيُّ - مِنَ الْقَارَةِ - أَسْلَمَ قَبْلَ دُخُولِ النَّبِيِّ ﷺ دَارَ الْأَرْقَمِ، وَشَهِدَ بَدْرًا، وَكَانَ عُمْرُهُ قَدْ جَاوَزَ السِّتِّينَ. وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ، شَهِدَ بَدْرًا، وَكَانَ عَلَى غَنَائِمِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا. وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَظْعُونٍ أَخُو عُثْمَانَ وَكَانَ بَدْرِيًّا، وَجَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ، وَهُوَ بَدْرِيٌّ أَيْضًا.

стр. 1177

(جَبَّارٌ: بِالْجِيمِ وَآخِرُهُ رَاءٌ) .

стр. 1178

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ] ٣١ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ ذكر غَزْوَةِ الصَّوَارِي قِيلَ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ غَزْوَةُ الصَّوَارِي، وَقِيلَ: كَانَتْ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ، وَقِيلَ: فِي سَنَةِ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ كَانَتْ غَزْوَةُ الْأَسَاوِرَةِ، وَقِيلَ: كَانَتَا مَعًا سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ، وَكَانَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مُعَاوِيَةُ، وَكَانَ جُمِعَ الشَّامُ لَهُ أَيَّامَ عُثْمَانَ. وَسَبَبُ جَمْعِهِ لَهُ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ لَمَّا حَضَرَ اسْتَخْلَفَ عَلَى عَمَلِهِ عِيَاضَ بْنَ غَنْمٍ، وَكَانَ خَالَهُ وَابْنَ عَمِّهِ، وَكَانَ جَوَادًا مَشْهُورًا، وَقِيلَ: اسْتَخْلَفَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ، فَمَاتَ عِيَاضٌ وَاسْتَخْلَفَ عُمَرُ بَعْدَهُ سَعِيدَ بْنَ حِذَيْمٍ الْجُمَحِيَّ، وَمَاتَ سَعِيدٌ وَأَمَّرَ عُمَرُ مَكَانَهُ عُمَيْرَ بْنَ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيَّ، وَمَاتَ عُمَرُ وَعُمَيْرٌ عَلَى حِمْصَ وَقِنَّسْرِينَ، وَمَاتَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، فَجَعَلَ عُمَرُ مَكَانَهُ أَخَاهُ مُعَاوِيَةَ، فَاجْتَمَعَتْ لِمُعَاوِيَةَ الْأُرْدُنُّ وَدِمَشْقُ، وَمَرَضَ عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ فَاسْتَعْفَى عُثْمَانَ وَاسْتَأْذَنَهُ فِي الرُّجُوعِ إِلَى أَهْلِهِ، فَأَذِنَ لَهُ، وَضَمَّ عُثْمَانُ حِمْصَ وَقِنَّسْرِينَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، وَمَاتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلْقَمَةَ، وَكَانَ عَلَى فِلَسْطِينَ، فَضَمَّ عُثْمَانُ عَمَلَهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَاجْتَمَعَ الشَّامُ لِمُعَاوِيَةَ لِسَنَتَيْنِ مِنْ إِمَارَةِ عُثْمَانَ، فَهَذَا كَانَ سَبَبُ اجْتِمَاعِ الشَّامِ لَهُ. وَأَمَّا سَبَبُ هَذِهِ الْغَزْوَةِ، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا أَصَابُوا مِنْ أَهْلِ إِفْرِيقِيَّةَ وَقَتَلُوهُمْ وَسَبَوْهُمْ، خَرَجَ قُسْطَنْطِينُ بْنُ هِرَقْلَ فِي جَمْعٍ لَهُ لَمْ تَجْمَعِ الرُّومُ مِثْلَهُ مُذْ كَانَ الْإِسْلَامُ، فَخَرَجُوا فِي

стр. 1179

خَمْسِمِائَةِ مَرْكَبٍ أَوْ سِتِّمِائَةٍ، وَخَرَجَ الْمُسْلِمُونَ وَعَلَى أَهْلِ الشَّامِ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَعَلَى الْبَحْرِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، وَكَانَتِ الرِّيحُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لَمَّا شَاهَدُوا الرُّومَ، فَأَرْسَى الْمُسْلِمُونَ وَالرُّومُ وَسَكَنَتِ الرِّيحُ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: الْأَمَانُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، فَبَاتُوا لَيْلَتَهُمْ وَالْمُسْلِمُونَ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَيُصَلُّونَ وَيَدْعُونَ، وَالرُّومُ يَضْرِبُونَ بِالنَّوَاقِيسِ، وَقَرَّبُوا مِنَ الْغَدِ سُفُنَهُمْ، وَقَرَّبَ الْمُسْلِمُونَ سُفُنَهُمْ، فَرَبَطُوا بَعْضَهَا مَعَ بَعْضٍ، وَاقْتَتَلُوا بِالسُّيُوفِ وَالْخَنَاجِرِ، وَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بَشَرٌ كَثِيرٌ، وَقُتِلَ مِنَ الرُّومِ مَا لَا يُحْصَى، وَصَبَرُوا يَوْمَئِذٍ صَبْرًا لَمْ يَصْبِرُوا فِي مَوْطِنٍ قَطُّ مِثْلَهُ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ نَصْرَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَانْهَزَمَ قُسْطَنْطِينُ جَرِيحًا، وَلَمْ يَنْجُ مِنَ الرُّومِ إِلَّا الشَّرِيدُ. وَأَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ بِذَاتِ الصَّوَارِي بَعْدَ الْهَزِيمَةِ أَيَّامًا وَرَجَعَ. فَكَانَ أَوَّلُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فِي أَمْرِ عُثْمَانَ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ وَأَظْهَرَا عَيْبَهُ، وَمَا غَيَّرَ وَمَا خَالَفَ بِهِ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَيَقُولَانِ: اسْتَعْمَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدٍ رَجُلًا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَبَاحَ دَمَهُ، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ بِكُفْرِهِ، وَأَخْرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَوْمًا أَدْخَلَهُمْ، وَنَزَعَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاسْتَعْمَلَ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ وَابْنَ عَامِرٍ. فَبَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدٍ فَقَالَ: لَا تَرْكَبَا مَعَنَا، فَرَكِبَا فِي مَرْكَبٍ مَا مَعَهُمَا إِلَّا الْقِبْطُ، فَلَقُوا الْعَدُوَّ، فَكَانَا أَقَلَّ الْمُسْلِمِينَ نِكَايَةً وَقِتَالًا، فَقِيلَ لَهُمَا فِي ذَلِكَ، فَقَالَا: كَيْفَ نُقَاتِلُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ؟ اسْتَعْمَلَهُ عُثْمَانُ، وَعُثْمَانُ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمَا عَبْدُ اللَّهِ يَنْهَاهُمَا وَيَتَهَدَّدُهُمَا، فَفَسَدَ النَّاسُ بِقَوْلِهِمَا، وَتَكَلَّمُوا مَا لَمْ يَكُونُوا يَنْطِقُونَ بِهِ. وَأَمَّا قُسْطَنْطِينُ، فَإِنَّهُ سَارَ فِي مَرْكَبِهِ إِلَى صِقِلِّيَةَ، فَسَأَلَهُ أَهْلُهَا عَنْ حَالِهِ، فَأَخْبَرَهُمْ. فَقَالُوا: أَهْلَكْتَ النَّصْرَانِيَّةَ وَأَفْنَيْتَ رِجَالَهَا! لَوْ أَتَانَا الْعَرَبُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَنَا مَنْ يَمْنَعُهُمْ. ثُمَّ

стр. 1180

أَدْخَلُوهُ الْحَمَّامَ وَقَتَلُوهُ، وَتَرَكُوا مَنْ كَانَ مَعَهُ فِي الْمَرْكَبِ (وَأَذِنُوا لَهُمْ فِي الْمَسِيرِ إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ) . (وَقِيلَ: فِي هَذِهِ السَّنَةِ فُتِحَتْ أَرْمِينِيَّةُ عَلَى يَدِ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ. ذكر مَقْتَلِ يَزْدَجِرْدَ بْنِ شَهْرَيَارَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ هَرَبَ يَزْدَجِرْدُ مِنْ فَارِسَ إِلَى خُرَاسَانَ، فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِيهِ، وَكَانَ ابْنُ عَامِرٍ قَدْ خَرَجَ مِنَ الْبَصْرَةِ حِينَ وَلِيَهَا إِلَى فَارِسَ فَافْتَتَحَهَا، وَهَرَبَ يَزْدَجِرْدُ مِنْ جُورَ، وَهِيَ أَرْدَشِيرْ خُرَّهْ، فِي سَنَةِ ثَلَاثِينَ، فَوَجَّهَ ابْنُ عَامِرٍ فِي أَثَرِهِ مُجَاشِعَ بْنَ مَسْعُودٍ، وَقِيلَ: هَرِمَ بْنَ حَيَّانَ الْعَبْدِيَّ، وَقِيلَ: هَرِمَ بْنَ حَيَّانَ الْيَشْكُرِيَّ، فَاتَّبَعَهُ إِلَى كَرْمَانَ، فَهَرَبَ يَزْدَجِرْدُ إِلَى خُرَاسَانَ. وَأَصَابَ مُجَاشِعَ بْنَ مَسْعُودٍ وَمَنْ مَعَهُ الثَّلْجُ وَالدَّمَقُ وَاشْتَدَّ الْبَرْدُ، وَكَانَ الثَّلْجُ قَيْدَ رُمْحٍ، فَهَلَكَ الْجُنْدُ، وَسَلِمَ مُجَاشِعٌ وَرَجُلٌ مَعَهُ جَارِيَةٌ، فَشَقَّ بَطْنَ بَعِيرٍ فَأَدْخَلَهَا فِيهِ وَهَرَبَ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ جَاءَ فَوَجَدَهَا حَيَّةً فَحَمَلَهَا. فَسُمِّيَ ذَلِكَ الْقَصْرُ قَصْرَ مُجَاشِعٍ لِأَنَّ جَيْشَهُ هَلَكُوا فِيهِ، وَهُوَ عَلَى خَمْسَةِ فَرَاسِخَ أَوْ سِتَّةٍ مِنَ السِّيرَجَانِ مِنْ أَعْمَالِ كَرْمَانَ. هَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ هَرَبَ يَزْدَجِرْدَ مِنْ فَارِسَ كَانَ هَذِهِ السَّنَةَ. وَأَمَّا سَبَبُ قَتْلِهِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ (فَتْحِ فَارِسَ وَخُرَاسَانَ) ، فَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي سَبَبِ قَتْلِهِ، فَقِيلَ: إِنَّهُ هَرَبَ مِنْ كَرْمَانَ فِي جَمَاعَةٍ إِلَى مَرْوَ، وَمَعَهُ خُرَّزَادُ أَخُو رُسْتُمَ، فَرَجَعَ عَنْهُ إِلَى الْعِرَاقِ، وَوَصَّى بِهِ مَاهَوَيْهِ مَرْزُبَانَ مَرْوَ، فَسَأَلَهُ يَزْدَجِرْدُ مَالًا فَمَنَعَهُ،

стр. 1181

فَخَافَهُ أَهْلُ مَرْوَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَأَرْسَلُوا إِلَى التُّرْكِ يَسْتَنْصِرُونَهُمْ عَلَيْهِ، فَأَتَوْهُ فَبَيَّتُوهُ، فَقَتَلُوا أَصْحَابَهُ، فَهَرَبَ يَزْدَجِرْدُ مَاشِيًا إِلَى شَطِّ الْمَرْغَابِ، فَأَوَى إِلَى بَيْتِ رَجُلٍ يَنْقُرُ الْأَرْحَاءَ، فَلَمَّا نَامَ قَتَلَهُ. وَقِيلَ: بَلْ بَيَّتَهُ أَهْلُ مَرْوَ، وَلَمْ يَسْتَنْصِرُوا بِالتُّرْكِ، فَقَتَلُوا أَصْحَابَهُ وَهَرَبَ مِنْهُمْ، فَقَتَلَهُ النَّقَّارُ، وَتَبِعُوا أَثَرَهُ إِلَى بَيْتِ الَّذِي يَنْقُرُ الْأَرْحَاءَ، فَأَخَذُوهُ وَضَرَبُوهُ، فَأَقَرَّ بِقَتْلِهِ فَقَتَلُوهُ وَأَهْلَهُ. وَكَانَ يَزْدَجِرْدُ قَدْ وَطِئَ امْرَأَةً بِهَا، فَوَلَدَتْ لَهُ غُلَامًا ذَاهِبَ الشِّقِّ، وَلَدَتْهُ بَعْدَ قَتْلِهِ فَسُمِّيَ الْمُخْدَجُ، فَوُلِدَ لَهُ أَوْلَادٌ بِخُرَاسَانَ، فَوَجَدَ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ حِينَ افْتَتَحَ الصُّغْدَ وَغَيْرَهَا جَارِيَتَيْنِ مِنْ وَلَدِ الْمُخْدَجِ، فَبَعَثَ بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا إِلَى الْحَجَّاجِ، فَبَعَثَ بِهَا إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَوَلَدَتْ لِلْوَلِيدِ يَزِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ النَّاقِصَ. وَأُخْرِجَ يَزْدَجِرْدُ مِنَ النَّهْرِ فِي تَابُوتٍ وَحُمِلَ إِلَى إِصْطَخْرَ فَوُضِعَ فِي نَاوُوسٍ هُنَاكَ. وَقِيلَ: إِنَّ يَزْدَجِرْدَ هَرَبَ بَعْدَ وَقْعَةِ نَهَاوَنْدَ إِلَى أَرْضِ أَصْبَهَانَ، وَبِهَا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ مِطْيَارُ كَانَ قَدْ أَصَابَ مِنَ الْعَرَبِ شَيْئًا يَسِيرًا، فَصَارَ لَهُ بِهَا مَحَلٌّ كَبِيرٌ، فَأَتَى مِطْيَارٌ يَزْدَجِرْدَ ذَاتَ يَوْمٍ، فَحَجَبَهُ بَوَّابُهُ لِيَسْتَأْذِنَ لَهُ، فَضَرَبَهُ وَشَجَّهُ، فَدَخَلَ الْبَوَّابُ عَلَى يَزْدَجِرْدَ مُدْمًى، فَرَحَلَ عَنْ أَصْبَهَانَ مِنْ سَاعَتِهِ فَأَتَى الرَّيَّ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ صَاحِبُ طَبَرِسْتَانَ وَعَرَضَ عَلَيْهِ بِلَادَهُ وَأَخْبَرَهُ بِحَصَانَتِهَا، فَلَمْ يُجِبْهُ. وَقِيلَ: مَضَى مِنْ فَوْرِهِ ذَلِكَ إِلَى سِجِسْتَانَ، ثُمَّ سَارَ إِلَى مَرْوَ فِي أَلْفِ فَارِسٍ، وَقِيلَ: بَلْ قَصَدَ فَارِسَ فَأَقَامَ بِهَا أَرْبَعَ سِنِينَ، ثُمَّ أَتَى كَرْمَانَ فَأَقَامَ بِهَا سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَطَلَبَ إِلَيْهِ دِهْقَانُهُ شَيْئًا، فَلَمْ يُجِبْهُ، فَجَرَّهُ بِرِجْلِهِ وَطَرَدَهُ عَنْ بِلَادِهِ، فَسَارَ إِلَى سِجِسْتَانَ فَأَقَامَ بِهَا نَحْوًا مِنْ خَمْسِ سِنِينَ، ثُمَّ عَزَمَ عَلَى قَصْدِ خُرَاسَانَ لِيَجْمَعَ الْجُمُوعَ وَيَسِيرَ بِهِمْ إِلَى الْعَرَبِ، فَسَارَ إِلَى مَرْوَ وَمَعَهُ الرَّهْنُ مِنْ أَوْلَادِ الدَّهَاقِينِ وَمَعَهُ فَرُّخَزَادُ. فَلَمَّا قَدِمَ مَرْوَ كَاتَبَ مُلُوكَ الصِّينِ وَمَلِكَ فَرْغَانَةَ وَمَلِكَ كَابُلَ وَمَلِكَ الْخَزَرِ يَسْتَمِدُّهُمْ، وَكَانَ الدِّهْقَانَ يَوْمَئِذٍ بِمَرْوَ مَاهَوَيْهِ أَبُو بَرَازَ، فَوَكَّلَ مَاهَوَيْهِ بِمَرْوَ ابْنَهُ بَرَازَ لِيَحْفَظَهَا، وَيَمْنَعَ عَنْهَا يَزْدَجِرْدَ خَوْفًا مِنْ مَكْرَهٍ، فَرَكِبَ يَزْدَجِرْدُ يَوْمًا وَطَافَ بِالْمَدِينَةِ، وَأَرَادَ دُخُولَهَا مِنْ بَعْضِ أَبْوَابِهَا، فَمَنَعَهُ بَرَازُ، فَصَاحَ بِهِ أَبُوهُ لِيَفْتَحَ الْبَابَ فَلَمْ يَفْعَلْ، وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَبُوهُ أَنْ لَا يَفْعَلَ، فَفَطِنَ لَهُ

стр. 1182

رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ يَزْدَجِرْدَ، فَأَعْلَمَهُ بِذَلِكَ وَاسْتَأْذَنَهُ فِي قَتْلِهِ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ. وَقِيلَ: أَرَادَ يَزْدَجِرْدُ صَرْفَ الدَّهْقَنَةِ عَنْ مَاهَوَيْهِ إِلَى سَنْجَانَ ابْنِ أَخِيهِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ مَاهَوَيْهِ، فَعَمِلَ فِي هَلَاكِ يَزْدَجِرْدَ، فَكَتَبَ إِلَى نَيْزَكِ طَرْخَانَ يَدْعُوهُ إِلَى الْقُدُومِ عَلَيْهِ ; لِيَتَّفِقَا عَلَى قَتْلِهِ وَمُصَالَحَةِ الْعَرَبِ عَلَيْهِ، وَضَمِنَ لَهُ إِنْ فَعَلَ أَنْ يُعْطِيَهُ كُلَّ يَوْمٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ. فَكَتَبَ نَيْزَكُ إِلَى يَزْدَجِرْدَ يَعِدَهُ الْمُسَاعَدَةَ عَلَى الْعَرَبِ، وَأَنَّهُ يَقْدُمُ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ إِنْ أَبْعَدَ عَسْكَرَهُ وَفَرُّخَزَادَ عَنْهُ. فَاسْتَشَارَ يَزْدَجِرْدُ أَصْحَابَهُ فَقَالَ لَهُ سَنْجَانُ: لَسْتُ أَرَى أَنْ تُبْعِدَ عَنْكَ أَصْحَابَكَ وَفَرُّخَزَادَ. وَقَالَ أَبُو بَرَازَ: أَرَى أَنْ تَتَأَلَّفَ نَيْزَكَ وَتُجِيبَهُ إِلَى مَا سَأَلَ. فَقَبِلَ رَأْيَهُ وَفَرَّقَ عَنْهُ جُنْدَهُ، فَصَاحَ فَرُّخَزَادُ وَشَقَّ جَيْبَهُ وَقَالَ: أَظُنُّكُمْ قَاتِلِي هَذَا! وَلَمْ يَبْرَحْ فَرُّخَزَادُ حَتَّى كَتَبَ لَهُ يَزْدَجِرْدُ بِخَطِّ يَدِهِ أَنَّهُ آمِنٌ وَأَنَّهُ قَدْ أَسْلَمَ يَزْدَجِرْدَ وَأَهْلَهُ وَمَا مَعَهُ إِلَى مَاهَوَيْهِ، وَأَشْهَدَ بِذَلِكَ. وَأَقْبَلَ نَيْزَكُ فَلَقِيَهُ يَزْدَجِرْدُ بِالْمَزَامِيرِ وَالْمَلَاهِي، أَشَارَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ أَبُو بَرَازَ، فَلَمَّا لَقِيَهُ تَأَخَّرَ عَنْهُ أَبُو بَرَازَ فَاسْتَقْبَلَهُ نَيْزَكُ مَاشِيًا، فَأَمَرَ لَهُ يَزْدَجِرْدُ بِجَنِيبَةٍ مِنْ جَنَائِبِهِ، فَرَكِبَهَا، فَلَمَّا تَوَسَّطَ عَسْكَرَهُ تَوَاقَفَا، فَقَالَ لَهُ نَيْزَكُ فِيمَا يَقُولُ: زَوِّجْنِي إِحْدَى بَنَاتِكَ حَتَّى أُنَاصِحَكَ فِي قِتَالِ عَدُوِّكَ. فَسَبَّهُ يَزْدَجِرْدُ، فَضَرَبَهُ نَيْزَكُ بِمِقْرَعَتِهِ، وَصَاحَ يَزْدَجِرْدُ، وَرَكَضَ مُنْهَزِمًا. وَقَتَلَ أَصْحَابُ نَيْزَكَ أَصْحَابَ يَزْدَجِرْدَ، وَانْتَهَى يَزْدَجِرْدُ إِلَى بَيْتِ طَحَّانٍ، فَمَكَثَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَمْ يَأْكُلْ طَعَامًا. فَقَالَ لَهُ الطَّحَّانُ: اخْرُجْ أَيُّهَا الشَّقِيُّ فَكُلْ طَعَامًا فَقَدْ جُعْتَ! فَقَالَ: لَسْتُ أَصِلُ إِلَى ذَلِكَ إِلَّا بِزَمْزَمَةٍ، وَكَانَ عِنْدَ الطَّحَّانِ رَجُلٌ يُزَمْزِمُ، فَكَلَّمَهُ الطَّحَّانُ فِي ذَلِكَ فَفَعَلَ وَزَمْزَمَ لَهُ فَأَكَلَ. فَلَمَّا رَجَعَ الْمُزَمْزِمُ سَمِعَ بِذِكْرِ يَزْدَجِرْدَ، فَسَأَلَ عَنْ حِلْيَتِهِ، فَوَصَفُوهُ لَهُ، فَأَخْبَرَهُمْ بِهِ وَبِحِلْيَتِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَبُو بَرَازَ رَجُلًا مِنَ الْأَسَاوِرَةِ، وَأَمَرَهُ بِخَنْقِهِ وَإِلْقَائِهِ فِي النَّهْرِ، وَأَتَى الطَّحَّانَ فَضَرَبَهُ لِيَدُلَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَفْعَلْ وَجَحَدَهُ. فَلَمَّا أَرَادَ الِانْصِرَافَ عَنْهُ قَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ مِسْكٍ ; وَنَظَرَ إِلَى طَرَفِ ثَوْبِهِ مِنْ دِيبَاجٍ فِي الْمَاءِ، فَجَذَبَهُ فَإِذَا هُوَ يَزْدَجِرْدُ، فَسَأَلَهُ أَنْ لَا يَقْتُلَهُ وَلَا يَدُلَّ عَلَيْهِ، وَجَعَلَ لَهُ خَاتَمَهُ وَمِنْطَقَتَهُ وَسِوَارَهُ. فَقَالَ لَهُ: أَعْطِنِي أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ وَأُخَلِّي عَنْكَ، فَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ وَقَالَ: إِنَّ خَاتَمِي لَا يُحْصَى ثَمَنُهُ فَخُذْهُ، فَأَبَى عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ يَزْدَجِرْدُ: قَدْ كُنْتُ أُخْبَرُ أَنِّي سَأَحْتَاجُ إِلَى أَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ فَقَدْ رَأَيْتُ ذَلِكَ، ثُمَّ نَزَعَ أَحَدَ قُرْطَيْهِ، فَأَعْطَاهُ الطَّحَّانَ لِيَسْتُرَ عَلَيْهِ، وَأَرَادُوا قَتْلَهُ، فَقَالَ: وَيْحَكُمْ! إِنَّا نَجِدُ فِي كُتُبِنَا أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ الْمُلُوكَ عَاقَبَهُ اللَّهُ بِالْحَرِيقِ فِي الدُّنْيَا، فَلَا تَقْتُلُونِي وَاحْمِلُونِي إِلَى الدِّهْقَانِ أَوْ إِلَى الْعَرَبِ فَإِنَّهُمْ يَسْتَبْقُونَ مِثْلِي! فَأَخَذُوا مَا عَلَيْهِ وَخَنَقُوهُ بِوَتَرِ الْقَوْسِ وَأَلْقَوْهُ فِي الْمَاءِ، فَأَخَذَهُ أَسْقُفُّ مَرْوَ وَجَعَلَهُ فِي تَابُوتٍ وَدَفَنَهُ. وَسَأَلَ أَبُو

стр. 1183

بَرَازَ عَنْ أَحَدِ الْقُرْطَيْنِ، وَأَخَذَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ فَضَرَبَهُ حَتَّى أَتَى عَلَى نَفْسِهِ. وَقِيلَ: بَلْ سَارَ يَزْدَجِرْدُ مِنْ كَرْمَانَ قَبْلَ وُرُودِ الْعَرَبِ إِلَيْهَا نَحْوَ مَرْوَ عَلَى الطَّبَسَيْنِ وَقُوهِسْتَانَ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ، فَلَمَّا قَارَبَ مَرْوَ لَقِيَهُ قَائِدَانِ، يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا بَرَازُ، وَلِلْآخَرِ سَنْجَانَ وَكَانَا مُتَبَاغِضَيْنِ، فَسَعَى بَرَازُ بِسَنْجَانَ حَتَّى هَمَّ يَزْدَجِرْدُ بِقَتْلِهِ، وَأَفْشَى ذَلِكَ إِلَى امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ، فَفَشَا الْحَدِيثُ، فَجَمَعَ سَنْجَانُ أَصْحَابَهُ، وَقَصَدَ قَصْرَ يَزْدَجِرْدَ، فَهَرَبَ بَرَازُ وَخَافَ يَزْدَجِرْدُ فَهَرَبَ أَيْضًا إِلَى رَحَى عَلَى فَرْسَخَيْنِ مِنْ مَرْوَ، فَدَخَلَ بَيْتَ نَقَّارِ الرَّحَى، فَأَطْعَمَهُ الطَّحَّانُ، فَطَلَبَ مِنْهُ شَيْئًا فَأَعْطَاهُ مِنْطَقَتَهُ، فَقَالَ: إِنَّمَا يَكْفِينِي أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ، فَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ، ثُمَّ نَامَ يَزْدَجِرْدُ فَقَتَلَهُ الطَّحَّانُ بِفَأْسٍ كَانَتْ مَعَهُ، وَأَخَذَ مَا عَلَيْهِ وَأَلْقَى جُثَّتَهُ فِي الْمَاءِ وَشَقَّ بَطْنَهُ وَثَقَّلَهُ. وَسَمِعَ بِقَتْلِهِ مُطْرَانٌ كَانَ بِمَرْوَ، فَجَمَعَ النَّصَارَى وَقَالَ: قُتِلَ ابْنُ شَهْرَيَارَ، وَإِنَّمَا شَهْرَيَارُ ابْنُ شِيرِينَ الْمُؤْمِنَةِ الَّتِي قَدْ عَرَفْتُمْ حَقَّهَا وَإِحْسَانَهَا إِلَى أَهْلِ مِلَّتِنَا، مَعَ مَا نَالَ النَّصَارَى فِي مُلْكِ جَدِّهِ أَنُوشِرْوَانَ مِنَ الشَّرَفِ، فَيَنْبَغِي أَنْ نَحْزَنَ لِقَتْلِهِ وَنَبْنِيَ لَهُ نَاوُوسًا، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ وَبَنَوْا لَهُ نَاوُوسًا وَأَخْرَجُوا جُثَّتَهُ وَكَفَّنُوهَا وَدَفَنُوهَا فِي النَّاوُوسِ. وَكَانَ مُلْكُهُ عِشْرِينَ سَنَةً، مِنْهَا أَرْبَعُ سِنِينَ فِي دَعَةٍ، وَسِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً فِي تَعَبٍ مِنْ مُحَارَبَةِ الْعَرَبِ إِيَّاهُ وَغِلْظَتِهِمْ عَلَيْهِ، وَكَانَ آخِرَ مَنْ مَلَكَ مِنْ آلِ أَرْدِشِيرَ بْنِ بَابَكَ وَصَفَا الْمُلْكُ بَعْدَهُ لِلْعَرَبِ. ذكر مَسِيرِ ابْنِ عَامِرٍ إِلَى خُرَاسَانَ وَفَتْحِهَا لَمَّا قُتِلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ نَقَضَ أَهْلُ خُرَاسَانَ وَغَدَرُوا. فَلَمَّا افْتَتَحَ ابْنُ عَامِرٍ فَارِسَ قَامَ إِلَيْهِ حَبِيبُ بْنُ أَوْسٍ التَّمِيمِيُّ فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ إِنَّ الْأَرْضَ بَيْنَ يَدَيْكَ وَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا إِلَّا الْقَلِيلُ، فَسِرْ فَإِنَّ اللَّهَ نَاصِرُكَ. قَالَ: أَوَلَمْ نُأْمَرْ بِالْمَسِيرِ؟ وَكَرِهَ أَنْ يُظْهِرَ أَنَّهُ قَبِلَ رَأْيَهُ. وَقِيلَ: إِنَّ ابْنَ عَامِرٍ لَمَّا فَتَحَ فَارِسَ عَادَ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى إِصْطَخْرَ شَرِيكَ بْنَ الْأَعْوَرِ الْحَارِثِيَّ، فَبَنَى شَرِيكٌ مَسْجِدَ إِصْطَخْرَ. فَلَمَّا دَخَلَ الْبَصْرَةَ أَتَاهُ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ، وَقِيلَ غَيْرُهُ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ عَدُوَّكَ مِنْكَ هَارِبٌ، وَلَكَ هَائِبٌ، وَالْبِلَادُ

стр. 1184

وَاسِعَةٌ، فَسِرْ فَإِنَّ اللَّهَ نَاصِرُكَ وَمُعِزٌّ دِينَهُ. فَتَجَهَّزَ وَسَارَ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْبَصْرَةِ زِيَادًا، وَسَارَ إِلَى كَرْمَانَ، فَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا مُجَاشِعَ بْنَ مَسْعُودٍ السُّلَمِيَّ، وَلَهُ صُحْبَةٌ، وَأَمَرَهُ بِمُحَارَبَةِ أَهْلِهَا، وَكَانُوا قَدْ نَكَثُوا أَيْضًا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى سِجِسْتَانَ الرَّبِيعَ بْنَ زِيَادٍ الْحَارِثِيَّ، وَكَانُوا أَيْضًا قَدْ غَدَرُوا وَنَقَضُوا الصُّلْحَ. وَسَارَ ابْنُ عَامِرٍ إِلَى نَيْسَابُورَ، وَجَعَلَ عَلَى مُقَدَّمَتِهِ الْأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ، فَأَتَى الطَّبَسَيْنِ، وَهُمَا حِصْنَانِ، وَهُمَا بَابَا خُرَاسَانَ، فَصَالَحَهُ أَهْلُهُمَا، وَسَارَ إِلَى قُوهِسْتَانَ فَلَقِيَهُ أَهْلُهَا، وَقَاتَلَهُمْ حَتَّى أَلْجَأَهُمْ إِلَى حِصْنِهِمْ، وَقَدِمَ عَلَيْهَا ابْنُ عَامِرٍ، فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا عَلَى سِتِّمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ. وَقِيلَ: كَانَ الْمُتَوَجِّهَ إِلَى قُوهِسْتَانَ أُمَيْرُ بْنُ أَحْمَرُ الْيَشْكُرِيُّ - وَهِيَ بِلَادُ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ - وَبَعَثَ ابْنُ عَامِرٍ سَرِيَّةً إِلَى رُسْتَاقِ زَامَ مِنْ أَعْمَالِ نَيْسَابُورَ، فَفَتَحَهُ عَنْوَةً، وَفَتَحَ بَاخَرْزَ مِنْ أَعْمَالِ نَيْسَابُورَ أَيْضًا، وَفَتَحَ جُوَيْنَ مِنْ أَعْمَالِ نَيْسَابُورَ أَيْضًا. وَوَجَّهَ ابْنُ عَامِرٍ الْأَسْوَدَ بْنَ كُلْثُومٍ الْعَدَوِيَّ مِنْ عَدِيِّ الرَّبَابِ، وَكَانَ نَاسِكًا، إِلَى بَيْهَقَ، مِنْ أَعْمَالِهِمَا أَيْضًا، فَقَصَدَ قَصَبَتَهُ وَدَخَلَ حِيطَانَ الْبَلَدِ مِنْ ثُلْمَةٍ كَانَتْ فِيهِ، وَدَخَلَتْ مَعَهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَخَذَ الْعَدُوُّ عَلَيْهِمْ تِلْكَ الثُّلْمَةَ، فَقَاتَلَ الْأَسْوَدُ حَتَّى قُتِلَ هُوَ وَطَائِفَةٌ مِمَّنْ مَعَهُ، وَقَامَ بِأَمْرِ النَّاسِ بَعْدَهُ أَخُوهُ أَدْهَمُ بْنُ كُلْثُومٍ، فَظَفِرَ وَفَتَحَ بَيْهَقَ، وَكَانَ الْأَسْوَدُ يَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَحْشُرَهُ مِنْ بُطُونِ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ، فَلَمْ يُوَارِهِ أَخُوهُ، وَدَفَنَ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِنْ أَصْحَابِهِ. وَفَتَحَ ابْنُ عَامِرٍ بُشْتَ مِنْ نَيْسَابُورَ. (وَهَذِهِ بُشْتُ: بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، وَلَيْسَتْ بِبُسْتَ الَّتِي بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، تِلْكَ مِنْ بِلَادِ الدَّاوُنِ، وَهَذِهِ مِنْ خُرَاسَانَ مِنْ نَيْسَابُورَ) . وَافْتَتَحَ خَوَافَ وَأَسْفَرَايِينَ وَأَرْغِيَانَ، ثُمَّ قَصَدَ نَيْسَابُورَ بَعْدَمَا اسْتَوْلَى عَلَى أَعْمَالِهَا وَافْتَتَحَهَا، فَحَصَرَ أَهْلَهَا أَشْهُرًا، وَكَانَ عَلَى كُلِّ رُبْعٍ مِنْهَا مَرْزُبَانٌ لِلْفُرْسِ يَحْفَظُهُ، فَطَلَبَ صَاحِبُ رُبْعٍ مِنْ تِلْكَ الْأَرْبَاعِ الْأَمَانَ عَلَى أَنْ يُدْخِلَ الْمُسْلِمِينَ الْمَدِينَةَ، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ، فَأَدْخَلَهُمْ لَيْلًا فَفَتَحُوا الْبَابَ وَتَحَصَّنَ مَرْزُبَانُهَا الْأَكْبَرُ فِي حِصْنِهَا، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ، وَطَلَبَ الْأَمَانَ وَالصُّلْحَ عَلَى جَمِيعِ نَيْسَابُورَ، فَصَالَحَهُ عَلَى أَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَوَلَّى نَيْسَابُورَ قَيْسَ بْنَ الْهَيْثَمِ السُّلَمِيَّ، وَسَيَّرَ جَيْشًا إِلَى نَسَا وَأَبِيوَرْدَ فَافْتَتَحُوهَا صُلْحًا، وَسَيَّرَ سَرِيَّةً

стр. 1185

أُخْرَى إِلَى سَرْخَسَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ السُّلَمِيِّ، فَقَاتَلُوا أَهْلَهَا ثُمَّ طَلَبُوا الْأَمَانَ وَالصُّلْحَ عَلَى أَمَانِ مِائَةِ رَجُلٍ، فَأُجِيبُوا إِلَى ذَلِكَ، فَصَالَحَهُمْ مَرْزُبَانُهَا عَلَى ذَلِكَ، وَسَمَّى مِائَةَ رَجُلٍ وَلَمْ يَذْكُرْ نَفْسَهُ فَقَتَلَهُ، وَدَخَلَ سَرْخَسَ عَنْوَةً. وَأَتَى مَرْزُبَانُ طُوسَ إِلَى ابْنِ عَامِرٍ فَصَالَحَهُ عَنْ طُوسَ عَلَى سِتِّمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَسَيَّرَ جَيْشًا إِلَى هَرَاةَ عَلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمٍ، وَقِيلَ غَيْرُهُ، فَبَلَغَ مَرْزُبَانَ هَرَاةَ ذَلِكَ، فَسَارَ إِلَى ابْنِ عَامِرٍ فَصَالَحَهُ عَنْ هَرَاةَ وَبَاذَغِيسَ وَبُوشَنْجَ. وَقِيلَ: بَلْ سَارَ ابْنُ عَامِرٍ فِي الْجَيْشِ إِلَى هَرَاةَ، فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا ثُمَّ صَالَحَهُ مَرْزُبَانُهَا عَلَى أَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَلَمَّا غَلَبَ ابْنُ عَامِرٍ عَلَى هَذِهِ الْبِلَادِ أَرْسَلَ إِلَيْهِ مَرْزُبَانُ مَرْوَ فَصَالَحَهُ عَلَى أَلْفَيْ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَأَرْسَلَ ابْنُ عَامِرٍ حَاتِمَ بْنَ النُّعْمَانِ الْبَاهِلِيَّ إِلَى مَرْزُبَانِهَا، وَكَانَتْ مَرْوُ كُلُّهَا صُلْحًا إِلَّا قَرْيَةً مِنْهَا يُقَالُ لَهَا سِنْجُ، فَإِنَّهَا أُخِذَتْ عَنْوَةً (وَهِيَ بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ السَّاكِنَةِ وَآخِرُهَا جِيمٌ) . وَوَجَّهَ ابْنُ عَامِرٍ الْأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ إِلَى طُخَارِسْتَانَ، فَمَرَّ بِرُسْتَاقٍ يُعْرَفُ بِرُسْتَاقِ الْأَحْنَفِ، وَيُدْعَى سِوَانْجَرْدَ، فَحَصَرَ أَهْلَهَا، فَصَالَحُوهُ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَقَالَ الْأَحْنَفُ: أُصَالِحُكُمْ عَلَى أَنْ يَدْخُلَ رَجُلٌ مِنَّا الْقَصْرَ فَيُؤَذِّنَ فِيهِ، وَيُقِيمَ فِيكُمْ حَتَّى يَنْصَرِفَ. فَرَضُوا بِذَلِكَ، وَمَضَى الْأَحْنَفُ إِلَى مَرْوِ الرُّوَذِ فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا فَقَتَلَهُمْ وَهَزَمَهُمْ وَحَصَرَهُمْ، وَكَانَ مَرْزُبَانُهَا مِنْ أَقَارِبِ بَاذَانَ صَاحِبِ الْيَمَنِ، فَكَتَبَ إِلَى الْأَحْنَفِ: إِنَّهُ دَعَانِي إِلَى الصُّلْحِ إِسْلَامُ بَاذَانَ، فَصَالَحَهُ عَلَى سِتِّمِائَةِ أَلْفٍ، وَسَيَّرَ الْأَحْنَفَ سَرِيَّةً، فَاسْتَوْلَتْ عَلَى رُسْتَاقِ بَغَ وَاسْتَاقَتْ مِنْهُ مَوَاشِيَ، ثُمَّ صَالَحُوا أَهْلَهُ. وَجُمِعَ لَهُ أَهْلُ طُخَارِسْتَانَ، فَاجْتَمَعَ أَهْلُ الْجُوزَجَانِ وَالطَّالَقَانِ وَالْفَارِيَابِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ فِي خَلْقٍ كَثِيرٍ، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا، وَحَمَلَ مَلِكُ الصَّغَانِيَانِ عَلَى الْأَحْنَفِ، فَانْتَزَعَ الْأَحْنَفُ الرُّمْحَ مِنْ يَدِهِ وَقَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ وَقَتَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ قَتْلًا ذَرِيعًا كَيْفَ شَاءُوا، وَعَادَ إِلَى مَرْوِ الرُّوَذِ، وَلَحِقَ بَعْضُ الْعَدُوِّ بِالْجُوزَجَانِ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمُ الْأَحْنَفُ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ التَّمِيمِيَّ فِي

стр. 1186

خَيْلٍ وَقَالَ: يَا بَنِي تَمِيمٍ تَحَابُّوا وَتَبَاذَلُوا تُعْدَلْ أُمُورُكُمْ، وَابْدَءُوا بِجِهَادِ بُطُونِكُمْ وَفُرُوجِكُمْ يَصْلُحْ لَكُمْ دِينُكُمْ، وَلَا تَغْلُوا يَسْلَمْ لَكُمْ جِهَادُكُمْ. فَسَارَ الْأَقْرَعُ فَلَقِيَ الْعَدُوَّ بِالْجُوزَجَانِ فَكَانَتْ بِالْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ، ثُمَّ عَادُوا فَهَزَمُوا الْمُشْرِكِينَ وَفَتَحُوا الْجُوزَجَانَ عَنْوَةً، فَقَالَ ابْنُ الْغَرِيزَةِ النَّهْشَلِيُّ: سَقَى صَوْبُ السَّحَابِ إِذَا اسْتَهَلَّتْ ... مَصَارِعَ فِتْيَةٍ بِالْجُوزَجَانِ إِلَى الْقَصْرَيْنِ مِنْ رُسْتَاقِ خُوتٍ ... أَقَادَهُمْ هُنَاكَ الْأَقْرَعَانِ وَفَتَحَ الْأَحْنَفُ الطَّالَقَانَ صُلْحًا، وَفَتَحَ الْفَارِيَابَ، وَقِيلَ: بَلْ فَتَحَهَا أُمَيْرُ بْنُ أَحْمَرَ، ثُمَّ سَارَ الْأَحْنَفُ إِلَى بَلْخَ، وَهِيَ مَدِينَةُ طُخَارِسْتَانَ، فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا عَلَى أَرْبَعِمِائَةِ أَلْفٍ، وَقِيلَ: سَبْعِمِائَةِ أَلْفٍ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى بَلْخَ أَسِيدَ بْنَ الْمُتَشَمِّسِ، ثُمَّ سَارَ إِلَى خَوَارِزْمَ، وَهِيَ عَلَى نَهْرِ جَيْحُونَ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا، فَاسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ، فَقَالَ لَهُ حُضَيْنُ بْنُ الْمُنْذِرِ: قَالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يكَرِبَ: إِذَا لَمْ تَسْتَطِعْ أَمْرًا فَدَعْهُ ... وَجَاوِزْهُ إِلَى مَا تَسْتَطِيعُ فَعَادَ إِلَى بَلْخَ وَقَدْ قَبَضَ أَسِيدٌ صُلْحَهَا، وَوَافَقَ وَهُوَ يُجِيبُهُمُ الْمَهْرَجَانَ، فَأَهْدَوْا لَهُ هَدَايَا كَثِيرَةً مِنْ دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ وَدَوَابَّ وَأَوَانٍ وَثِيَابٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُمْ: مَا صَالَحْنَاهُمْ عَلَى هَذَا! : فَقَالُوا لَا، وَلَكِنْ هَذَا شَيْءٌ نَفْعَلُهُ فِي هَذَا الْيَوْمِ بِأُمَرَائِنَا. فَقَالَ: مَا أَدْرِي مَا هَذَا وَلَعَلَّهُ مِنْ حَقِّي، وَلَكِنْ أَقْبِضُهُ حَتَّى أَنْظُرَ، فَقَبَضَهُ حَتَّى قَدِمَ الْأَحْنَفُ فَأَخْبَرَهُ، فَسَأَلَهُمْ عَنْهُ، فَقَالُوا مَا قَالُوا لِأَسِيدٍ، فَحَمَلَهُ إِلَى ابْنِ عَامِرٍ وَأَخْبَرَهُ عَنْهُ، فَقَالَ: خُذْهُ يَا أَبَا بَحْرٍ. قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ. فَأَخَذَهُ ابْنُ عَامِرٍ. قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: فَضَمَّهُ الْقُرَشِيُّ ... ، وَكَانَ مُضِمًّا. وَلَمَّا تَمَّ لَابْنِ عَامِرٍ هَذَا الْفَتْحُ قَالَ لَهُ النَّاسُ: مَا فُتِحَ لِأَحَدٍ مَا فُتِحَ عَلَيْكَ، فَارِسُ وَكَرْمَانُ وَسِجِسْتَانُ وَخُرَاسَانُ. فَقَالَ: لَا جَرَمَ لَأَجْعَلَنَّ شُكْرِي لِلَّهِ عَلَى ذَلِكَ أَنْ أَخْرُجَ مُحْرِمًا مِنْ مَوْقِفِي هَذَا. فَأَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ مِنْ نَيْسَابُورَ وَقَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى خُرَاسَانَ قَيْسَ بْنَ الْهَيْثَمِ، فَسَارَ قَيْسٌ بَعْدَ شُخُوصِهِ فِي أَرْضِ طَخَارِسْتَانَ، فَلَمْ يَأْتِ بَلَدًا

стр. 1187

مِنْهَا إِلَّا صَالَحَهُ أَهْلُهُ وَأَذْعَنُوا لَهُ، حَتَّى أَتَى سِمِنْجَانَ فَامْتَنَعُوا عَلَيْهِ، فَحَصَرَهُمْ حَتَّى فَتَحَهَا عَنْوَةً. (أَسِيدٌ: بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ السِّينِ. وَحُضَيْنُ بْنُ الْمُنْذِرِ: بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ) . ذكر فَتْحِ كَرْمَانَ لَمَّا سَارَ ابْنُ عَامِرٍ عَنْ كَرْمَانَ إِلَى خُرَاسَانَ وَاسْتَعْمَلَ مُجَاشِعَ بْنَ مَسْعُودٍ السُّلَمِيَّ عَلَى كَرْمَانَ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ، أَمَرَهُ أَنْ يَفْتَحَهَا، وَكَانَ أَهْلُهَا قَدْ نَكَثُوا وَغَدَرُوا، فَفَتَحَ هَمِيدَ عَنْوَةً وَاسْتَبْقَى أَهْلَهَا وَأَعْطَاهُمْ أَمَانًا، وَبَنَى بِهَا قَصْرًا يُعْرَفُ بِقَصْرِ مُجَاشِعٍ، وَأَتَى السِّيرَجَانَ، وَهِيَ مَدِينَةُ كَرْمَانَ، فَأَقَامَ عَلَيْهَا أَيَّامًا يَسِيرَةً وَأَهْلُهَا مُتَحَصِّنُونَ، فَقَاتَلَهُمْ وَفَتَحَهَا عَنْوَةً، فَجَلَا كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِهَا عَنْهَا، وَفَتَحَ جِيرَفْتَ عَنْوَةً، وَسَارَ فِي كَرْمَانَ فَدَوَّخَ أَهْلَهَا، وَأَتَى الْقَفَصَ وَقَدْ تَجَمَّعَ لَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْأَعَاجِمِ الَّذِينَ جَلَوْا، فَقَاتَلَهُمْ فَظَفِرَ بِهِمْ وَظَهَرَ عَلَيْهِمْ، وَهَرَبَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ كَرْمَانَ فَرَكِبُوا الْبَحْرَ، وَلَحِقَ بَعْضُهُمْ بِمُكْرَانَ وَبَعْضُهُمْ بِسِجِسْتَانَ، فَأُقْطِعَتِ الْعَرَبُ مَنَازِلَهُمْ وَأَرَاضِيَهُمْ فَعَمَّرُوهَا، وَاحْتَفَرُوا لَهَا الْقُنِيَّ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا، وَأَدَّوُا الْعُشْرَ مِنْهَا. ذكر فَتْحِ سِجِسْتَانَ وَكَابُلَ وَغَيْرِهِمَا قَدْ تَقَدَّمَ فَتْحُ سِجِسْتَانَ أَيَّامَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، ثُمَّ إِنَّ أَهْلَهَا نَقَضُوا بَعْدَهُ. فَلَمَّا تَوَجَّهَ ابْنُ عَامِرٍ إِلَى خُرَاسَانَ سَيَّرَ إِلَيْهَا مِنْ كَرْمَانَ الرَّبِيعَ بْنَ زِيَادٍ الْحَارِثِيَّ، فَقَطَعَ الْمَفَازَةَ حَتَّى أَتَى حِصْنَ زَالِقٍ، فَأَغَارَ عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ مَهْرَجَانٍ وَأَخَذَ الدِّهْقَانَ، فَافْتَدَى نَفْسَهُ بِأَنْ غَرَزَ عَنَزَةً وَغَمَرَهَا ذَهَبًا وَفِضَّةً، وَصَالَحَهُ عَلَى صُلْحِ فَارِسَ. ثُمَّ أَتَى بَلْدَةً يُقَالُ لَهَا كَرْكُوَيْهِ، فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا، وَسَارَ إِلَى زَرَنْجَ فَنَزَلَ عَلَى مَدِينَةِ رُوَشْتَ بِقُرْبِ زَرَنْجَ، فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا وَأُصِيبَ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. ثُمَّ انْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ وَقُتِلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، وَأَتَى الرَّبِيعُ نَاشِرُوذَ فَفَتَحَهَا، ثُمَّ أَتَى شَرْوَاذَ فَغَلَبَ عَلَيْهَا، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى زَرَنْجَ فَنَازَلَهَا وَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا فَهَزَمَهُمْ وَحَصَرَهُمْ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَرْزُبَانُهَا لِيُصَالِحَهُ وَاسْتَأْمَنَهُ عَلَى نَفْسِهِ لِيَحْضُرَ عِنْدَهُ فَأَمَّنَهُ، وَجَلَسَ لَهُ الرَّبِيعُ عَلَى جَسَدٍ مِنْ أَجْسَادِ الْقَتْلَى وَاتَّكَأَ عَلَى آخَرَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ فَفَعَلُوا مِثْلَهُ، فَلَمَّا رَآهُمُ الْمَرْزُبَانُ هَالَهُ ذَلِكَ فَصَالَحَهُ عَلَى أَلْفِ وَصِيفٍ مَعَ كُلِّ وَصِيفٍ جَامٌ مَنْ ذَهَبٍ، وَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ الْمَدِينَةَ. ثُمَّ سَارَ مِنْهَا إِلَى سَنَارُوذَ، وَهِيَ وَادٍ، فَعَبَرَهُ وَأَتَى الْقَرْيَةَ الَّتِي بِهَا

стр. 1188

مَرْبِطُ فَرَسِ رُسْتُمَ الشَّدِيدِ، فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا، فَظَفِرَ بِهِمْ ثُمَّ عَادَ إِلَى زَرَنْجَ وَأَقَامَ بِهَا نَحْوَ سَنَةً، وَعَادَ إِلَى ابْنِ عَامِرٍ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا عَامِلًا، فَأَخْرَجَ أَهْلُهَا الْعَامِلَ وَامْتَنَعُوا. فَكَانَتْ وِلَايَةُ الرَّبِيعِ سَنَةً وَنِصْفًا. وَسَبَى فِيهَا أَرْبَعِينَ أَلْفَ رَأْسٍ. وَكَانَ كَاتِبُهُ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ. فَاسْتَعْمَلَ ابْنُ عَامِرٍ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ عَلَى سِجِسْتَانَ، فَسَارَ إِلَيْهَا فَحَصَرَ زَرَنْجَ، فَصَالَحَهُ مَرْزُبَانُهَا عَلَى أَلْفَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَأَلْفَيْ وَصِيفٍ. وَغَلَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى مَا بَيْنَ زَرَنْجَ وَالْكَشِّ مِنْ نَاحِيَةِ الْهِنْدِ، وَغَلَبَ مِنْ نَاحِيَةِ الرُّخَّجِ عَلَى مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدَّاوَرِ. فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى بَلَدِ الدَّاوَرِ حَصَرَهُمْ فِي جَبَلِ الزَّوْرِ، ثُمَّ صَالَحَهُمْ وَدَخَلَ عَلَى الزُّورِ، وَهُوَ صَنَمٌ مِنْ ذَهَبٍ، عَيْنَاهُ يَاقُوتَتَانِ، فَقَطَعَ يَدَهُ وَأَخَذَ الْيَاقُوتَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ لِلْمَرْزُبَانِ: دُونَكَ الذَّهَبُ وَالْجَوْهَرُ، وَإِنَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أُعْلِمَكَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ. وَفَتَحَ كَابُلَ وَزَابُلِسْتَانَ، وَهِيَ وِلَايَةُ غَزْنَةَ، ثُمَّ عَادَ إِلَى زَرَنْجَ فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى اضْطَرَبَ أَمْرُ عُثْمَانَ، فَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا أُمَيْرَ بْنَ أَحْمَرَ الْيَشْكُرِيَّ وَانْصَرَفَ، فَأَخْرَجَ أَهْلُهَا أُمَيْرَ بْنَ أَحْمَرَ وَامْتَنَعُوا، وَلِأُمَيْرٍ يَقُولُ زِيَادُ بْنُ الْأَعْجَمِ: لَوْلَا أُمَيْرٌ هَلَكَتْ يَشْكُرُ ... وَيَشْكُرُ هَلْكَى عَلَى كُلِّ حَالٍ ذكر عِدَّةِ حَوَادِثَ وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ عُثْمَانُ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ أَبُو الدَّرْدَاءِ الْأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ بَدْرِيٌّ، وَقِيلَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ. وَفِيهَا

стр. 1189

مَاتَ أَبُو طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ بَدْرِيٌّ، وَقِيلَ: سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ، وَقِيلَ: سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ.

стр. 1190

وَفِيهَا مَاتَ أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ، وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ سِتِّينَ، وَهُوَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنَ الْبَدْرِيِّينَ. (أُسَيْدٌ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ) . وَفِيهَا مَاتَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، (وَأَخُوهُ

стр. 1191

الطُّفَيْلُ) . (وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً) .

стр. 1192

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ] (٣٢) ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ (قِيلَ: فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ مَضِيقَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَمَعَهُ زَوْجَتُهُ عَاتِكَةُ بِنْتُ قَرَظَةَ، وَقِيلَ فَاخِتَةُ) . ذكر ظَفَرِ التُّرْكِ وَقَتْلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَبِيعَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ انْتَصَرَتِ الْخَزَرُ وَالتُّرْكُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَسَبَبُهُ أَنَّ الْغَزَوَاتِ لَمَّا تَتَابَعَتْ عَلَيْهِمْ تَذَامَرُوا وَقَالُوا: كُنَّا [أُمَّةً] لَا يُقْرَنُ بِنَا أَحَدٌ، حَتَّى جَاءَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ الْقَلِيلَةُ فَصِرْنَا لَا نَقُومُ لَهَا. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَمُوتُونَ وَمَا أُصِيبَ مِنْهُمْ أَحَدٌ فِي غَزْوِهِمْ. وَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ غَزُوهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ فَلَمْ يُقْتَلْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَلِهَذَا ظَنُّوا أَنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَفَلَا تُجَرِّبُونَ؟ فَكَمَنُوا لَهُمْ فِي الْغِيَاضِ، فَمَرَّ بِالْكَمِينِ نَفَرٌ مِنَ الْجُنْدِ فَرَمَوْهُمْ مِنْهَا فَقَتَلُوهُمْ، فَتَوَاعَدَ رُءُوسُهُمْ إِلَى حَرْبِهِمْ ثُمَّ اتَّعَدُوا يَوْمًا. وَكَانَ عُثْمَانُ قَدْ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَبِيعَةَ وَهُوَ عَلَى الْبَابِ: إِنَّ الرَّعِيَّةَ قَدْ أَبْطَرَهَا الْبِطْنَةُ، فَلَا تَقْتَحِمْ بِالْمُسْلِمِينَ فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يُقْتَلُوا. فَلَمْ يَرْجِعْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ مَقْصِدِهِ، فَغَزَا نَحْوَ بَلَنْجَرَ، وَكَانَ التُّرْكُ قَدِ اجْتَمَعَتْ مَعَ الْخَزَرِ، فَقَاتَلُوا الْمُسْلِمِينَ قِتَالًا شَدِيدًا وَقُتِلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ ذُو النُّورِ، وَهُوَ اسْمُ سَيْفِهِ، فَأَخَذَ أَهْلُ بَلَنْجَرَ جَسَدَهُ وَجَعَلُوهُ فِي تَابُوتٍ فَهُمْ يَسْتَسْقُونَ بِهِ، فَلَمَّا قُتِلَ انْهَزَمَ النَّاسُ وَافْتَرَقُوا فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةً نَحْوَ الْبَابِ، فَلَقُوا سَلْمَانَ بْنَ رَبِيعَةَ أَخَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كَانَ قَدْ سَيَّرَهُ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ مَدَدًا

стр. 1193

لِلْمُسْلِمِينَ بِأَمْرِ عُثْمَانَ، فَلَمَّا لَقُوهُ نَجَوْا مَعَهُ، وَفِرْقَةً نَحْوَ جِيلَانَ وَجُرْجَانَ، فِيهِمْ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ الْعَسْكَرِ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ النَّخَعِيُّ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ، وَمِعْضَدٌ الشَّيْبَانِيُّ، وَأَبُو مُفْرَزٍ التَّمِيمِيُّ فِي خِبَاءٍ وَاحِدٍ، وَعَمْرُو بْنُ عُتْبَةَ، وَخَالِدُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَالْحِلْحَالُ بْنُ ذَرِيٍّ، وَالْقَرْثَعُ فِي خِبَاءٍ، فَكَانُوا مُتَجَاوِرِينَ فِي ذَلِكَ الْعَسْكَرِ، وَكَانَ الْقَرْثَعُ يَقُولُ: مَا أَحْسَنَ لَمْعَ الدِّمَاءِ عَلَى الثِّيَابِ! وَكَانَ عَمْرُو بْنُ عُتْبَةَ يَقُولُ لِقَبَاءٍ عَلَيْهِ: مَا أَحْسَنَ حُمْرَةَ الدِّمَاءِ عَلَى بَيَاضِكَ! وَرَأَى يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ أَنَّ غَزَالًا جِيءَ بِهِ لَمْ يُرَ أَحْسَنَ مِنْهُ فَلُفَّ فِي مِلْحَفَةٍ، ثُمَّ دُفِنَ فِي قَبْرٍ لَمْ يُرَ أَحْسَنَ مِنْهُ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ قُعُودٌ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ وَاقْتَتَلَ النَّاسُ رُمِيَ بِحَجَرٍ فَهَشَّمَ رَأْسَهُ فَمَاتَ، فَكَأَنَّمَا زُيِّنَ ثَوْبُهُ بِالدِّمَاءِ وَلَيْسَ بِتَلْطِيخٍ، فَدُفِنَ فِي قَبْرٍ عَلَى الصُّورَةِ الَّتِي رَأَى. وَقَالَ مِعْضَدٌ لِعَلْقَمَةَ: أَعِرْنِي بُرْدَكَ أَعْصِبُ بِهِ رَأْسِي، فَفَعَلَ، فَأَتَى بُرْجَ بَلَنْجَرَ الَّذِي أُصِيبَ فِيهِ يَزِيدُ فَرَمَاهُمْ فَقَتَلَ مِنْهُمْ، وَأَتَاهُ حَجَرُ عَرَّادَةٍ فَفَضَخَ هَامَتَهُ، فَأَخَذَهُ أَصْحَابُهُ فَدَفَنُوهُ إِلَى جَنْبِ يَزِيدَ، وَأَخَذَ عَلْقَمَةُ الْبُرْدَ، فَكَانَ يَغْسِلُهُ فَلَا يَخْرُجُ أَثَرُ الدَّمِ مِنْهُ، وَكَانَ يَشْهَدُ فِيهِ الْجُمُعَةَ وَيَقُولُ: يَحْمِلُنِي عَلَى هَذَا أَنَّ دَمَ مِعْضَدٍ فِيهِ. وَأَصَابَ عَمْرَو بْنَ عُتْبَةَ جِرَاحَةٌ فَرَأَى قِبَاءَهُ كَمَا اشْتَهَى ثُمَّ قُتِلَ. وَأَمَّا الْقَرْثَعُ فَإِنَّهُ قَاتَلَ حَتَّى خُرِقَ بِالْحِرَابِ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ بِذَلِكَ عُثْمَانَ فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ، انْتَكَثَ أَهْلُ الْكُوفَةِ، اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِمْ وَأَقْبِلْ بِهِمْ! وَكَانَ عُثْمَانُ قَدْ كَتَبَ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ أَنْ يُنْفِذَ سَلْمَانَ إِلَى الْبَابِ لِلْغَزْوِ، فَسَيَّرَهُ فَلَقِيَ الْمَهْزُومِينَ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ، فَنَجَّاهُمُ اللَّهُ بِهِ. فَلَمَّا أُصِيبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ اسْتَعْمَلَ سَعِيدٌ سَلْمَانَ بْنَ رَبِيعَةَ عَلَى الْبَابِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْغَزْوِ بِأَهْلِ الْكُوفَةِ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ، وَمَدَّهُمْ عُثْمَانُ بِأَهْلِ الشَّامِ عَلَيْهِمْ حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَتَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ سَلْمَانُ وَأَبُو حَبِيبٍ حَتَّى قَالَ أَهْلُ الشَّامِ: لَقَدْ هَمَمْنَا بِضَرْبِ سَلْمَانَ. فَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: إِذَنْ وَاللَّهِ نَضْرِبُ حَبِيبًا وَنَحْبِسُهُ، وَإِنْ أَبَيْتُمْ كَثُرَتِ الْقَتْلَى فِينَا وَفِيكُمْ، وَقَالَ أَوْسُ بْنُ مَغْرَاءَ فِي ذَلِكَ: إِنْ تَضْرِبُوا سَلْمَانَ نَضْرِبْ حَبِيبَكُمْ ... وَإِنْ تَرْحَلُوا نَحْوَ ابْنِ عَفَّانَ نَرْحَلُ وَإِنْ تُقْسِطُوا فَالثَّغْرُ ثَغْرُ أَمِيرِنَا ... وَهَذَا أَمِيرٌ فِي الْكَتَائِبِ مُقْبِلُ

стр. 1194

وَنَحْنُ وُلَاةُ الْأَمْرِ كُنَّا حُمَاتَهُ لَيَالِيَ نَرْمِي كُلَّ ثَغْرٍ وَنَعْكِلُ وَأَرَادَ حَبِيبٌ أَنْ يَتَأَمَّرَ عَلَى صَاحِبِ الْبَابِ كَمَا يَتَأَمَّرُ أَمِيرُ الْجَيْشِ إِذَا جَاءَ مِنَ الْكُوفَةِ، فَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ اخْتِلَافٍ وَقَعَ بَيْنَ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَالشَّامِ. وَغَزَا حُذَيْفَةُ ثَلَاثَ غَزَوَاتٍ، فَقُتِلَ عُثْمَانُ فِي الثَّالِثَةِ، وَلَقِيَهُمْ مَقْتَلُ عُثْمَانَ فَقَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ: اللَّهُمَّ الْعَنْ قَتَلَتَهُ وَشُتَّامَهُ! اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نُعَاتِبُهُ وَيُعَاتِبُنَا فَاتَّخَذُوا ذَلِكَ سُلَّمًا إِلَى الْفِتْنَةِ! اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُمْ إِلَّا بِالسُّيُوفِ! ذكر وَفَاةِ أَبِي ذَرٍّ وَفِيهَا مَاتَ أَبُو ذَرٍّ، وَكَانَ قَدْ قَالَ لِابْنَتِهِ: اسْتَشْرِفِي يَا بُنَيَّةُ هَلْ تَرَيْنَ أَحَدًا؟ قَالَتْ:

стр. 1195

لَا. قَالَ: فَمَا جَاءَتْ سَاعَتِي بَعْدُ. ثُمَّ أَمَرَهَا فَذَبَحَتْ شَاةً ثُمَّ طَبَخَتْهَا ثُمَّ قَالَ: إِذَا جَاءَكِ الَّذِينَ يَدْفِنُونَنِي فَإِنَّهُ سَيَشْهَدُنِي قَوْمٌ صَالِحُونَ فَقُولِي لَهُمْ: يُقْسِمُ عَلَيْكُمْ أَبُو ذَرٍّ أَنْ لَا تَرْكَبُوا حَتَّى تَأْكُلُوا. فَلَمَّا نَضِجَتْ قِدْرُهَا قَالَ لَهَا: انْظُرِي هَلْ تَرَيْنَ أَحَدًا؟ قَالَتْ: نَعَمْ هَؤُلَاءِ رَكْبٌ. قَالَ: اسْتَقْبِلِي بِي الْكَعْبَةَ، فَفَعَلَتْ. فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ وَبِاللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ مَاتَ، فَخَرَجَتِ ابْنَتُهُ فَتَلَقَّتْهُمْ وَقَالَتْ: رَحِمَكُمُ اللَّهُ! اشْهَدُوا أَبَا ذَرٍّ. قَالُوا: وَأَيْنَ هُوَ؟ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ، قَالُوا: نَعَمْ وَنُعْمَةُ عَيْنٍ! لَقَدْ أَكْرَمَنَا اللَّهَ بِذَلِكَ. «وَكَانَ فِيهِمُ ابْنُ مَسْعُودٍ فَبَكَى وَقَالَ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمُوتُ وَحْدَهُ وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ» . فَغَسَّلُوهُ وَكَفَّنُوهُ وَصَلَّوْا عَلَيْهِ وَدَفَنُوهُ. وَقَالَتْ لَهُمُ ابْنَتُهُ: إِنَّ أَبَا ذَرٍّ يَقْرَأُ عَلَيْكُمُ السَّلَامَ، وَأَقْسَمَ عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَرْكَبُوا حَتَّى تَأْكُلُوا، فَفَعَلُوا وَحَمَلُوا أَهْلَهُ مَعَهُمْ حَتَّى أَقْدَمُوهُمْ مَكَّةَ وَنَعَوْهُ إِلَى عُثْمَانَ، فَضَمَّ ابْنَتَهُ إِلَى عِيَالِهِ وَقَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا ذَرٍّ وَيَغْفِرُ لَهُ نُزُولَهُ الرَّبَذَةَ. وَلَمَّا حَضَرُوا شَمُّوا مِنَ الْخِبَاءِ رِيحَ مِسْكٍ فَسَأَلُوهَا عَنْهُ فَقَالَتْ: إِنَّهُ لَمَّا حُضِرَ قَالَ: إِنَّ الْمَيِّتَ يَحْضُرُهُ شُهُودٌ يَجِدُونَ الرِّيحَ لَا يَأْكُلُونَ، فَدُوفِي مِسْكًا لَهُمْ بِمَاءٍ وَرُشِّي بِهِ الْخِبَاءَ. وَكَانَ النَّفَرُ الَّذِينَ شَهِدُوهُ: ابْنَ مَسْعُودٍ، وَأَبَا مُفْرَزٍ، وَبَكْرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيَّيْنِ، وَالْأَسْوَدَ بْنَ يَزِيدَ، وَعَلْقَمَةَ بْنَ قَيْسٍ، وَمَالِكَ الْأَشْتَرَ النَّخَعِيَّيْنِ، وَالْحِلْحَالَ الضَّبِّيَّ، وَالْحَارِثَ بْنَ سُوَيْدٍ التَّمِيمِيَّ، وَعَمْرَو بْنَ عُتْبَةَ السُّلَمِيَّ، وَابْنَ رَبِيعَةَ السُّلَمِيَّ، وَأَبَا رَافِعٍ الْمُزَنِيَّ، وَسُوَيْدَ بْنَ شُعْبَةَ التَّمِيمِيَّ، وَزِيَادَ بْنَ مُعَاوِيَةَ النَّخَعِيَّ، وَأَخَا الْقَرْثَعِ الضَّبِّيَّ، وَأَخَا مَعْضِدٍ الشَّيْبَانِيَّ. وَقِيلَ: كَانَ مَوْتُهُ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ.
следующие страницы →