Полный текст (6 163 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
الطُّفَيْلُ) . (وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً) .
стр. 1192
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ]
(٣٢)
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ
(قِيلَ: فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ مَضِيقَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَمَعَهُ زَوْجَتُهُ عَاتِكَةُ بِنْتُ قَرَظَةَ، وَقِيلَ فَاخِتَةُ) .
ذكر ظَفَرِ التُّرْكِ وَقَتْلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَبِيعَةَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ انْتَصَرَتِ الْخَزَرُ وَالتُّرْكُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
وَسَبَبُهُ أَنَّ الْغَزَوَاتِ لَمَّا تَتَابَعَتْ عَلَيْهِمْ تَذَامَرُوا وَقَالُوا: كُنَّا [أُمَّةً] لَا يُقْرَنُ بِنَا أَحَدٌ، حَتَّى جَاءَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ الْقَلِيلَةُ فَصِرْنَا لَا نَقُومُ لَهَا. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَمُوتُونَ وَمَا أُصِيبَ مِنْهُمْ أَحَدٌ فِي غَزْوِهِمْ. وَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ غَزُوهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ فَلَمْ يُقْتَلْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَلِهَذَا ظَنُّوا أَنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَفَلَا تُجَرِّبُونَ؟ فَكَمَنُوا لَهُمْ فِي الْغِيَاضِ، فَمَرَّ بِالْكَمِينِ نَفَرٌ مِنَ الْجُنْدِ فَرَمَوْهُمْ مِنْهَا فَقَتَلُوهُمْ، فَتَوَاعَدَ رُءُوسُهُمْ إِلَى حَرْبِهِمْ ثُمَّ اتَّعَدُوا يَوْمًا. وَكَانَ عُثْمَانُ قَدْ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَبِيعَةَ وَهُوَ عَلَى الْبَابِ: إِنَّ الرَّعِيَّةَ قَدْ أَبْطَرَهَا الْبِطْنَةُ، فَلَا تَقْتَحِمْ بِالْمُسْلِمِينَ فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يُقْتَلُوا. فَلَمْ يَرْجِعْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ مَقْصِدِهِ، فَغَزَا نَحْوَ بَلَنْجَرَ، وَكَانَ التُّرْكُ قَدِ اجْتَمَعَتْ مَعَ الْخَزَرِ، فَقَاتَلُوا الْمُسْلِمِينَ قِتَالًا شَدِيدًا وَقُتِلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ ذُو النُّورِ، وَهُوَ اسْمُ سَيْفِهِ، فَأَخَذَ أَهْلُ بَلَنْجَرَ جَسَدَهُ وَجَعَلُوهُ فِي تَابُوتٍ فَهُمْ يَسْتَسْقُونَ بِهِ، فَلَمَّا قُتِلَ انْهَزَمَ النَّاسُ وَافْتَرَقُوا فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةً نَحْوَ الْبَابِ، فَلَقُوا سَلْمَانَ بْنَ رَبِيعَةَ أَخَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كَانَ قَدْ سَيَّرَهُ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ مَدَدًا
стр. 1193
لِلْمُسْلِمِينَ بِأَمْرِ عُثْمَانَ، فَلَمَّا لَقُوهُ نَجَوْا مَعَهُ، وَفِرْقَةً نَحْوَ جِيلَانَ وَجُرْجَانَ، فِيهِمْ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ الْعَسْكَرِ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ النَّخَعِيُّ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ، وَمِعْضَدٌ الشَّيْبَانِيُّ، وَأَبُو مُفْرَزٍ التَّمِيمِيُّ فِي خِبَاءٍ وَاحِدٍ، وَعَمْرُو بْنُ عُتْبَةَ، وَخَالِدُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَالْحِلْحَالُ بْنُ ذَرِيٍّ، وَالْقَرْثَعُ فِي خِبَاءٍ، فَكَانُوا مُتَجَاوِرِينَ فِي ذَلِكَ الْعَسْكَرِ، وَكَانَ الْقَرْثَعُ يَقُولُ: مَا أَحْسَنَ لَمْعَ الدِّمَاءِ عَلَى الثِّيَابِ! وَكَانَ عَمْرُو بْنُ عُتْبَةَ يَقُولُ لِقَبَاءٍ عَلَيْهِ: مَا أَحْسَنَ حُمْرَةَ الدِّمَاءِ عَلَى بَيَاضِكَ!
وَرَأَى يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ أَنَّ غَزَالًا جِيءَ بِهِ لَمْ يُرَ أَحْسَنَ مِنْهُ فَلُفَّ فِي مِلْحَفَةٍ، ثُمَّ دُفِنَ فِي قَبْرٍ لَمْ يُرَ أَحْسَنَ مِنْهُ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ قُعُودٌ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ وَاقْتَتَلَ النَّاسُ رُمِيَ بِحَجَرٍ فَهَشَّمَ رَأْسَهُ فَمَاتَ، فَكَأَنَّمَا زُيِّنَ ثَوْبُهُ بِالدِّمَاءِ وَلَيْسَ بِتَلْطِيخٍ، فَدُفِنَ فِي قَبْرٍ عَلَى الصُّورَةِ الَّتِي رَأَى.
وَقَالَ مِعْضَدٌ لِعَلْقَمَةَ: أَعِرْنِي بُرْدَكَ أَعْصِبُ بِهِ رَأْسِي، فَفَعَلَ، فَأَتَى بُرْجَ بَلَنْجَرَ الَّذِي أُصِيبَ فِيهِ يَزِيدُ فَرَمَاهُمْ فَقَتَلَ مِنْهُمْ، وَأَتَاهُ حَجَرُ عَرَّادَةٍ فَفَضَخَ هَامَتَهُ، فَأَخَذَهُ أَصْحَابُهُ فَدَفَنُوهُ إِلَى جَنْبِ يَزِيدَ، وَأَخَذَ عَلْقَمَةُ الْبُرْدَ، فَكَانَ يَغْسِلُهُ فَلَا يَخْرُجُ أَثَرُ الدَّمِ مِنْهُ، وَكَانَ يَشْهَدُ فِيهِ الْجُمُعَةَ وَيَقُولُ: يَحْمِلُنِي عَلَى هَذَا أَنَّ دَمَ مِعْضَدٍ فِيهِ. وَأَصَابَ عَمْرَو بْنَ عُتْبَةَ جِرَاحَةٌ فَرَأَى قِبَاءَهُ كَمَا اشْتَهَى ثُمَّ قُتِلَ. وَأَمَّا الْقَرْثَعُ فَإِنَّهُ قَاتَلَ حَتَّى خُرِقَ بِالْحِرَابِ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ بِذَلِكَ عُثْمَانَ فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ، انْتَكَثَ أَهْلُ الْكُوفَةِ، اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِمْ وَأَقْبِلْ بِهِمْ!
وَكَانَ عُثْمَانُ قَدْ كَتَبَ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ أَنْ يُنْفِذَ سَلْمَانَ إِلَى الْبَابِ لِلْغَزْوِ، فَسَيَّرَهُ فَلَقِيَ الْمَهْزُومِينَ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ، فَنَجَّاهُمُ اللَّهُ بِهِ. فَلَمَّا أُصِيبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ اسْتَعْمَلَ سَعِيدٌ سَلْمَانَ بْنَ رَبِيعَةَ عَلَى الْبَابِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْغَزْوِ بِأَهْلِ الْكُوفَةِ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ، وَمَدَّهُمْ عُثْمَانُ بِأَهْلِ الشَّامِ عَلَيْهِمْ حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَتَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ سَلْمَانُ وَأَبُو حَبِيبٍ حَتَّى قَالَ أَهْلُ الشَّامِ: لَقَدْ هَمَمْنَا بِضَرْبِ سَلْمَانَ. فَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: إِذَنْ وَاللَّهِ نَضْرِبُ حَبِيبًا وَنَحْبِسُهُ، وَإِنْ أَبَيْتُمْ كَثُرَتِ الْقَتْلَى فِينَا وَفِيكُمْ، وَقَالَ أَوْسُ بْنُ مَغْرَاءَ فِي ذَلِكَ:
إِنْ تَضْرِبُوا سَلْمَانَ نَضْرِبْ حَبِيبَكُمْ ... وَإِنْ تَرْحَلُوا نَحْوَ ابْنِ عَفَّانَ نَرْحَلُ
وَإِنْ تُقْسِطُوا فَالثَّغْرُ ثَغْرُ أَمِيرِنَا ... وَهَذَا أَمِيرٌ فِي الْكَتَائِبِ مُقْبِلُ
стр. 1194
وَنَحْنُ وُلَاةُ الْأَمْرِ كُنَّا حُمَاتَهُ
لَيَالِيَ نَرْمِي كُلَّ ثَغْرٍ وَنَعْكِلُ
وَأَرَادَ حَبِيبٌ أَنْ يَتَأَمَّرَ عَلَى صَاحِبِ الْبَابِ كَمَا يَتَأَمَّرُ أَمِيرُ الْجَيْشِ إِذَا جَاءَ مِنَ الْكُوفَةِ، فَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ اخْتِلَافٍ وَقَعَ بَيْنَ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَالشَّامِ. وَغَزَا حُذَيْفَةُ ثَلَاثَ غَزَوَاتٍ، فَقُتِلَ عُثْمَانُ فِي الثَّالِثَةِ، وَلَقِيَهُمْ مَقْتَلُ عُثْمَانَ فَقَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ: اللَّهُمَّ الْعَنْ قَتَلَتَهُ وَشُتَّامَهُ! اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نُعَاتِبُهُ وَيُعَاتِبُنَا فَاتَّخَذُوا ذَلِكَ سُلَّمًا إِلَى الْفِتْنَةِ! اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُمْ إِلَّا بِالسُّيُوفِ!
ذكر وَفَاةِ أَبِي ذَرٍّ
وَفِيهَا مَاتَ أَبُو ذَرٍّ، وَكَانَ قَدْ قَالَ لِابْنَتِهِ: اسْتَشْرِفِي يَا بُنَيَّةُ هَلْ تَرَيْنَ أَحَدًا؟ قَالَتْ:
стр. 1195
لَا. قَالَ: فَمَا جَاءَتْ سَاعَتِي بَعْدُ. ثُمَّ أَمَرَهَا فَذَبَحَتْ شَاةً ثُمَّ طَبَخَتْهَا ثُمَّ قَالَ: إِذَا جَاءَكِ الَّذِينَ يَدْفِنُونَنِي فَإِنَّهُ سَيَشْهَدُنِي قَوْمٌ صَالِحُونَ فَقُولِي لَهُمْ: يُقْسِمُ عَلَيْكُمْ أَبُو ذَرٍّ أَنْ لَا تَرْكَبُوا حَتَّى تَأْكُلُوا. فَلَمَّا نَضِجَتْ قِدْرُهَا قَالَ لَهَا: انْظُرِي هَلْ تَرَيْنَ أَحَدًا؟ قَالَتْ: نَعَمْ هَؤُلَاءِ رَكْبٌ. قَالَ: اسْتَقْبِلِي بِي الْكَعْبَةَ، فَفَعَلَتْ. فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ وَبِاللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ مَاتَ، فَخَرَجَتِ ابْنَتُهُ فَتَلَقَّتْهُمْ وَقَالَتْ: رَحِمَكُمُ اللَّهُ! اشْهَدُوا أَبَا ذَرٍّ. قَالُوا: وَأَيْنَ هُوَ؟ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ، قَالُوا: نَعَمْ وَنُعْمَةُ عَيْنٍ! لَقَدْ أَكْرَمَنَا اللَّهَ بِذَلِكَ. «وَكَانَ فِيهِمُ ابْنُ مَسْعُودٍ فَبَكَى وَقَالَ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمُوتُ وَحْدَهُ وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ» . فَغَسَّلُوهُ وَكَفَّنُوهُ وَصَلَّوْا عَلَيْهِ وَدَفَنُوهُ. وَقَالَتْ لَهُمُ ابْنَتُهُ: إِنَّ أَبَا ذَرٍّ يَقْرَأُ عَلَيْكُمُ السَّلَامَ، وَأَقْسَمَ عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَرْكَبُوا حَتَّى تَأْكُلُوا، فَفَعَلُوا وَحَمَلُوا أَهْلَهُ مَعَهُمْ حَتَّى أَقْدَمُوهُمْ مَكَّةَ وَنَعَوْهُ إِلَى عُثْمَانَ، فَضَمَّ ابْنَتَهُ إِلَى عِيَالِهِ وَقَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا ذَرٍّ وَيَغْفِرُ لَهُ نُزُولَهُ الرَّبَذَةَ.
وَلَمَّا حَضَرُوا شَمُّوا مِنَ الْخِبَاءِ رِيحَ مِسْكٍ فَسَأَلُوهَا عَنْهُ فَقَالَتْ: إِنَّهُ لَمَّا حُضِرَ قَالَ: إِنَّ الْمَيِّتَ يَحْضُرُهُ شُهُودٌ يَجِدُونَ الرِّيحَ لَا يَأْكُلُونَ، فَدُوفِي مِسْكًا لَهُمْ بِمَاءٍ وَرُشِّي بِهِ الْخِبَاءَ.
وَكَانَ النَّفَرُ الَّذِينَ شَهِدُوهُ: ابْنَ مَسْعُودٍ، وَأَبَا مُفْرَزٍ، وَبَكْرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيَّيْنِ، وَالْأَسْوَدَ بْنَ يَزِيدَ، وَعَلْقَمَةَ بْنَ قَيْسٍ، وَمَالِكَ الْأَشْتَرَ النَّخَعِيَّيْنِ، وَالْحِلْحَالَ الضَّبِّيَّ، وَالْحَارِثَ بْنَ سُوَيْدٍ التَّمِيمِيَّ، وَعَمْرَو بْنَ عُتْبَةَ السُّلَمِيَّ، وَابْنَ رَبِيعَةَ السُّلَمِيَّ، وَأَبَا رَافِعٍ الْمُزَنِيَّ، وَسُوَيْدَ بْنَ شُعْبَةَ التَّمِيمِيَّ، وَزِيَادَ بْنَ مُعَاوِيَةَ النَّخَعِيَّ، وَأَخَا الْقَرْثَعِ الضَّبِّيَّ، وَأَخَا مَعْضِدٍ الشَّيْبَانِيَّ. وَقِيلَ: كَانَ مَوْتُهُ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ.
стр. 1196
وَقِيلَ: إِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ لَمْ يَحْمِلْ أَهْلَ أَبِي ذَرٍّ مَعَهُ إِنَّمَا تَرَكَهُمْ حَتَّى قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ بِمَكَّةَ فَأَعْلَمَهُ بِمَوْتِهِ، فَجَعَلَ عُثْمَانُ طَرِيقَهُ عَلَيْهِمْ فَحَمَلَهُمْ مَعَهُ.
ذكر خُرُوجِ قَارِنَ
ثُمَّ جَمَعَ قَارِنُ جَمْعًا كَثِيرًا مِنْ نَاحِيَةِ الطَّبَسَيْنِ وَأَهْلِ بَاذَغِيسَ وَهَرَاةَ وَقُوهِسْتَانَ وَأَقْبَلَ فِي أَرْبَعِينَ أَلْفًا، فَقَالَ قَيْسٌ لِابْنِ خَازِمٍ: مَا تَرَى؟ قَالَ: أَرَى أَنْ تُخَلِّيَ الْبِلَادَ، فَإِنِّي أَمِيرُهَا وَمَعِي عَهْدٌ مِنِ ابْنِ عَامِرٍ إِذَا كَانَتْ حَرْبٌ بِخُرَاسَانَ فَأَنَا أَمِيرُهَا، وَأَخْرَجَ كِتَابًا كَانَ قَدِ افْتَعَلَهُ عَمْدًا، فَكَرِهَ قَيْسٌ مُنَازَعَتَهُ وَخَلَّاهُ وَالْبِلَادَ، وَأَقْبَلَ إِلَى ابْنِ عَامِرٍ، فَلَامَهُ ابْنُ عَامِرٍ وَقَالَ: قَدْ تَرَكْتَ الْبِلَادَ خَرَابًا وَأَقْبَلْتَ! قَالَ: جَاءَنِي بِعَهْدٍ مِنْكَ. قَالَ: فَسَارَ ابْنُ خَازِمٍ إِلَى قَارِنَ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ، وَأَمَرَ النَّاسَ فَحَمَلُوا الْوَدَكَ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْ قَارِنَ أَمَرَ النَّاسَ أَنْ يُدْرِجَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ عَلَى زُجِّ رُمْحِهِ خِرْقَةً أَوْ قُطْنًا، ثُمَّ يُكْثِرُوا دُهْنَهُ، ثُمَّ سَارَ حَتَّى أَمْسَى، فَقَدَّمَ مُقَدَّمَتَهُ سِتَّمِائَةٍ ثُمَّ اتَّبَعَهُمْ، وَأَمَرَ النَّاسَ فَأَشْعَلُوا النِّيرَانَ فِي أَطْرَافِ الرِّمَاحِ، فَانْتَهَتْ مُقَدَّمَتُهُ إِلَى مُعَسْكَرِ قَارِنَ نِصْفَ اللَّيْلِ فَنَاوَشُوهُمْ، وَهَاجَ النَّاسُ عَلَى دَهَشٍ وَكَانُوا آمِنِينَ مِنَ الْبَيَاتِ، وَدَنَا ابْنُ خَازِمٍ مِنْهُمْ فَرَأَوُا النِّيرَانَ يَمْنَةً وَيَسْرَةً تَتَقَدَّمُ وَتَتَأَخَّرُ وَتَنْخَفِضُ وَتَرْتَفِعُ، فَهَالَهُمْ ذَلِكَ، وَمُقَدَّمَةُ ابْنِ خَازِمٍ يُقَاتِلُونَهُمْ، ثُمَّ غَشِيَهُمُ ابْنُ خَازِمٍ بِالْمُسْلِمِينَ فَقَتَلَ قَارِنَ، فَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ وَاتَّبَعُوهُمْ يَقْتُلُونَهُمْ كَيْفَ شَاءُوا، وَأَصَابُوا سَبْيًا كَثِيرًا. وَكَتَبَ ابْنُ خَازِمٍ بِالْفَتْحِ إِلَى ابْنِ عَامِرٍ، فَرَضِيَ وَأَقَرَّهُ عَلَى خُرَاسَانَ، فَلَبِثَ عَلَيْهَا حَتَّى انْقَضَى أَمْرُ الْجَمَلِ، وَأَقْبَلَ إِلَى الْبَصْرَةِ فَشَهِدَ وَقْعَةَ ابْنِ الْحَضْرَمِيِّ، وَكَانَ مَعَهُ فِي دَارِ سَنْبِيلٍ.
وَقِيلَ: لَمَّا جَمَعَ قَارِنُ اسْتَشَارَ قَيْسُ بْنُ الْهَيْثَمِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَازِمٍ فِيمَا يَصْنَعُ، فَقَالَ: أَرَى أَنَّكَ لَا تُطِيقُ كَثْرَةَ مَنْ قَدْ أَتَانَا، فَاخْرُجْ بِنَفْسِكَ إِلَى ابْنِ عَامِرٍ فَتُخْبِرَهُ بِكَثْرَةِ الْعَدُوِّ، وَنُقِيمُ نَحْنُ فِي الْحُصُونِ وَنُطَاوِلُهُمْ وَيَأْتِينَا مَدَدُكُمْ. فَخَرَجَ قَيْسٌ، فَلَمَّا أَمْعَنَ أَظْهَرَ ابْنُ خَازِمٍ عَهْدًا وَقَالَ: قَدْ وَلَّانِي ابْنُ عَامِرٍ خُرَاسَانَ، فَسَارَ إِلَى قَارِنَ فَظَفِرَ بِهِ وَكَتَبَ بِالْفَتْحِ إِلَى ابْنِ عَامِرٍ فَأَقَرَّهُ عَلَى خُرَاسَانَ، وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ الْبَصْرَةِ يَغْزُونَ مَنْ لَمْ يَكُنْ صَالَحَ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ، فَإِذَا عَادُوا تَرَكُوا أَرْبَعَةَ آلَافٍ نَجْدَةً.
стр. 1197
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ الْعَبَّاسُ عَمُّ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ عُمْرُهُ يَوْمَ مَاتَ ثَمَانِيًا وَثَمَانِينَ
стр. 1198
سَنَةً، كَانَ أَسَنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِثَلَاثِ سِنِينَ. وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَعُمْرُهُ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَصَلَّى عَلَيْهِ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَقِيلَ
стр. 1199
عُثْمَانُ. وَتُوُفِّيَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ الَّذِي أُرِيَ الْأَذَانَ.
стр. 1200
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ]
٣٣ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ غَزْوَةُ مُعَاوِيَةَ حِصْنَ الْمَرْأَةِ مِنْ أَرْضِ الرُّومِ بِنَاحِيَةِ مَلَطْيَةَ. وَفِيهَا كَانَتْ غَزْوَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ إِفْرِيقِيَّةَ الثَّانِيَةَ حِينَ نَقَضَ أَهْلُهَا الْعَهْدَ، وَفِيهَا كَانَ مَسِيرُ الْأَحْنَفِ إِلَى خُرَاسَانَ وَفَتْحِ الْمَرْوَيْنِ، وَمَسِيرُ ابْنِ عَامِرٍ إِلَى نَيْسَابُورَ وَفَتْحِهَا، فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ، وَفِيهَا كَانَتْ غَزْوَةُ قُبْرُسَ، فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا مُسْتَوْفًى، وَقِيلَ إِنَّ فَتْحَهَا كَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ، فَلَمَّا كَانَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ أَعَانَ أَهْلُهَا الرُّومَ عَلَى الْغُزَاةِ فِي الْبَحْرِ بِمَرَاكِبَ أَعْطُوهُمْ إِيَّاهَا، فَغَزَاهُمْ مُعَاوِيَةُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ فَفَتَحَهَا عَنْوَةً فَقَتَلَ وَسَبَى، ثُمَّ أَقَرَّهُمْ عَلَى صُلْحِهِمْ وَبَعَثَ إِلَيْهِمُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، فَبَنَوُا الْمَسَاجِدَ وَبَنَى مَدِينَةً. وَقِيلَ: كَانَتْ غَزْوَتُهُ الثَّانِيَةُ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ.
ذكر تَسْيِيرِ مَنْ سُيِّرَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ إِلَى الشَّامِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ سَيَّرَ عُثْمَانُ نَفَرًا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ إِلَى الشَّامِ. وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ لَمَّا وَلَّاهُ عُثْمَانُ الْكُوفَةَ حِينَ شَهِدَ عَلَى الْوَلِيدِ بِشُرْبِ الْخَمْرِ، أَمَرَهُ أَنْ يُسَيِّرَ الْوَلِيدَ إِلَيْهِ، فَقَدِمَ سَعِيدٌ الْكُوفَةَ وَسَيَّرَ الْوَلِيدَ وَغَسَلَ الْمِنْبَرَ، فَنَهَاهُ رِجَالٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ كَانُوا قَدْ خَرَجُوا مَعَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ، وَاخْتَارَ سَعِيدٌ وُجُوهَ النَّاسِ وَأَهْلَ الْقَادِسِيَّةِ وَقُرَّاءَ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَكَانَ هَؤُلَاءِ دَخْلَتُهُ إِذَا خَلَا، وَأَمَّا إِذَا خَرَجَ فَكُلُّ النَّاسِ يَدْخُلُ عَلَيْهِ،
стр. 1201
فَدَخَلُوا عَلَيْهِ يَوْمًا، فَبَيْنَا هُمْ يَتَحَدَّثُونَ قَالَ حُبَيْشُ بْنُ فُلَانٍ الْأَسَدِيُّ: مَا أَجْوَدَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ! فَقَالَ سَعِيدٌ: إِنَّ مَنْ لَهُ مِثْلُ النَّشَاسْتَجِ لَحَقِيقٌ أَنْ يَكُونَ جَوَادًا، وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ لِي مِثْلَهُ لَأَعَاشَكُمُ اللَّهُ بِهِ عَيْشًا رَغَدًا. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حُبَيْشٍ، وَهُوَ حَدَثٌ: وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ هَذَا الْمِلْطَاطَ لَكَ، يَعْنِي لِسَعِيدٍ، وَهُوَ مَا كَانَ لِلْأَكَاسِرَةِ عَلَى جَانِبِ الْفُرَاتِ الَّذِي يَلِي الْكُوفَةَ. قَالُوا: فَضَّ اللَّهُ فَاكَ! وَاللَّهِ لَقَدْ هَمَمْنَا بِكَ! فَقَالَ أَبُوهُ: غُلَامٌ فَلَا تَجَاوَزُهُ. فَقَالُوا: يَتَمَنَّى لَهُ سَوَادَنَا. قَالَ: وَيَتَمَنَّى لَكُمْ أَضْعَافَهُ، فَثَارَ بِهِ الْأَشْتَرُ، وَجُنْدَبٌ، وَابْنُ ذِي الْحِنْكَةِ، وَصَعْصَعَةُ، وَابْنُ الْكَوَّاءِ، وَكُمَيْلٌ، وَعُمَيْرُ بْنُ ضَابِئٍ فَأَخَذُوهُ، فَثَارَ أَبُوهُ لِيَمْنَعَ عَنْهُ، فَضَرَبُوهُمَا حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِمَا، وَجَعَلَ سَعِيدٌ يُنَاشِدُهُمْ وَيَأْبَوْنَ حَتَّى قَضَوْا مِنْهُمَا وَطَرًا. فَسَمِعَتْ بِذَلِكَ بَنُو أَسَدٍ فَجَاءُوا وَفِيهِمْ طُلَيْحَةُ، فَأَحَاطُوا بِالْقَصْرِ، وَرَكِبَتِ الْقَبَائِلُ فَعَاذُوا بِسَعِيدٍ، فَخَرَجَ سَعِيدٌ إِلَى النَّاسِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ قَوْمٌ تَنَازَعُوا وَقَدْ رَزَقَ اللَّهُ الْعَافِيَةَ، فَرَدَّهُمْ فَتَرَاجَعُوا. وَأَفَاقَ الرَّجُلَانِ فَقَالَا: قَاتَلَنَا غَاشِيَتُكَ. فَقَالَ: لَا يَغْشَوْنِي أَبَدًا، فَكُفَّا أَلْسِنَتَكُمَا وَلَا تُحَزِّبَا النَّاسَ. فَفَعَلَا، وَقَعَدَ أُولَئِكَ النَّفَرُ فِي بُيُوتِهِمْ وَأَقْبَلُوا يَقَعُونَ فِي عُثْمَانَ.
وَقِيلَ: بَلْ كَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَسْمُرُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ وُجُوهُ أَهْلِ الْكُوفَةِ، مِنْهُمْ: مَالِكُ بْنُ كَعْبٍ الْأَرْحَبِيُّ وَالْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ النَّخَعِيَّانِ، وَمَالِكٌ الْأَشْتَرُ، وَغَيْرُهُمْ، فَقَالَ سَعِيدٌ: إِنَّمَا هَذَا السَّوَادُ بُسْتَانُ قُرَيْشٍ. فَقَالَ الْأَشْتَرُ: أَتَزْعُمُ أَنَّ السَّوَادَ الَّذِي أَفَاءَهُ اللَّهُ عَلَيْنَا بِأَسْيَافِنَا بُسْتَانٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ؟ وَتَكَلَّمَ الْقَوْمُ مَعَهُ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَسَدِيُّ، وَكَانَ عَلَى شُرْطَةِ سَعِيدٍ: أَتَرُدُّونَ عَلَى الْأَمِيرِ مَقَالَتَهُ؟ وَأَغْلَظَ لَهُمْ. فَقَالَ الْأَشْتَرُ: مَنْ هَاهُنَا؟ لَا يَفُوتَنَّكُمُ الرَّجُلُ! فَوَثَبُوا عَلَيْهِ فَوَطِئُوهُ وَطْأً شَدِيدًا حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ جُرَّ بِرِجْلِهِ، فَنُضِحَ بِمَاءٍ فَأَفَاقَ فَقَالَ: قَتَلَنِي مَنِ انْتَخَبْتُ. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَسْمُرُ عِنْدِي
стр. 1202
أَحَدٌ أَبَدًا. فَجَعَلُوا يَجْلِسُونَ فِي مَجَالِسِهِمْ يَشْتُمُونَ عُثْمَانَ وَسَعِيدًا، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِمُ النَّاسُ حَتَّى كَثُرُوا، فَكَتَبَ سَعِيدٌ وَأَشْرَافُ أَهْلِ الْكُوفَةِ إِلَى عُثْمَانَ فِي إِخْرَاجِهِمْ، فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ أَنْ يُلْحِقُوهُمْ بِمُعَاوِيَةَ، وَكَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ: إِنَّ نَفَرًا قَدْ خُلِقُوا لِلْفِتْنَةِ فَأَقِمْ عَلَيْهِمْ وَانْهَهُمْ، فَإِنْ آنَسْتَ مِنْهُمْ رُشْدًا فَاقْبَلْ، وَإِنْ أَعْيَوْكَ فَارْدُدْهُمْ عَلَيَّ.
فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى مُعَاوِيَةَ أَنْزَلَهُمْ كَنِيسَةَ مَرْيَمَ، وَأَجْرَى عَلَيْهِمْ مَا كَانَ لَهُمْ بِالْعِرَاقِ بِأَمْرِ عُثْمَانَ، وَكَانَ يَتَغَدَّى وَيَتَعَشَّى مَعَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ يَوْمًا:
إِنَّكُمْ قَوْمٌ مِنَ الْعَرَبِ لَكُمْ أَسْنَانٌ وَأَلْسِنَةٌ، وَقَدْ أَدْرَكْتُمْ بِالْإِسْلَامِ شَرَفًا، وَغَلَبْتُمُ الْأُمَمَ وَحَوَيْتُمْ مَوَارِيثَهُمْ، وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ نَقِمْتُمْ قُرَيْشًا، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ قُرَيْشٌ كُنْتُمْ أَذِلَّةً، إِنَّ أَئِمَّتَكُمْ لَكُمْ جُنَّةٌ فَلَا تَفْتَرِقُوا عَنْ جُنَّتِكُمْ، وَإِنَّ أَئِمَّتَكُمْ يَصْبِرُونَ لَكُمْ عَلَى الْجَوْرِ وَيَحْتَمِلُونَ مِنْكُمُ الْمَؤُونَةَ، وَاللَّهِ لَتَنْتَهُنَّ أَوْ لَيَبْتَلِيَنَّكُمُ اللَّهُ بِمَنْ يَسُومُكُمُ السُّوءَ وَلَا يَحْمَدُكُمْ عَلَى الصَّبْرِ، ثُمَّ تَكُونُونَ شُرَكَاءَهُمْ فِيمَا جَرَرْتُمْ عَلَى الرَّعِيَّةِ فِي حَيَاتِكُمْ وَبَعْدَ وَفَاتِكُمْ.
فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، وَهُوَ صَعْصَعَةُ: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ قُرَيْشٍ فَإِنَّهَا لَمْ تَكُنْ أَكْثَرَ الْعَرَبِ وَلَا أَمْنَعَهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَتُخَوِّفَنَا، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنَ الْجُنَّةِ فَإِنَّ الْجُنَّةَ إِذَا اخْتُرِقَتْ خُلِصَ إِلَيْنَا.
فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: عَرَفْتُكُمُ الْآنَ وَعَلِمْتُ أَنَّ الَّذِي أَغْرَاكُمْ عَلَى هَذَا قِلَّةُ الْعُقُولِ، وَأَنْتَ خَطِيبُهُمْ وَلَا أَرَى لَكَ عَقْلًا، أُعَظِّمُ عَلَيْكَ أَمْرَ الْإِسْلَامِ وَتُذَكِّرُنِي بِالْجَاهِلِيَّةِ! أَخْزَى اللَّهُ قَوْمًا عَظَّمُوا أَمْرَكُمْ! افْقَهُوا عَنِّي، وَلَا أَظُنُّكُمْ تَفْقَهُونَ أَنَّ قُرَيْشًا لَمْ تُعَزَّ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ إِلَّا بِاللَّهِ تَعَالَى، لَمْ تَكُنْ بِأَكْثَرِ الْعَرَبِ وَلَا أَشَدِّهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا أَكْرَمَهُمْ أَحْسَابًا، وَأَمْحَضَهُمْ أَنْسَابًا، وَأَكْمَلَهُمْ مُرُوءَةً، وَلَمْ يَمْتَنِعُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَالنَّاسُ يَأْكُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، إِلَّا بِاللَّهِ، فَبَوَّأَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ! هَلْ تَعْرِفُونَ عَرَبِيًّا أَوْ عَجَمِيًّا أَوْ أَسْوَدَ أَوْ أَحْمَرَ إِلَّا وَقَدْ أَصَابَهُ الدَّهْرُ فِي بَلَدِهِ وَحُرْمَتِهِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ قُرَيْشٍ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يُرِدْهُمْ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ بِكَيْدٍ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ خَدَّهُ الْأَسْفَلَ، حَتَّى أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَسْتَنْقِذَ مَنْ أَكْرَمَ وَاتَّبَعَ دِينَهُ مِنْ هَوَانِ الدُّنْيَا وَسُوءِ مَرَدِّ الْآخِرَةِ، فَارْتَضَى لِذَلِكَ خَيْرَ خَيْرِ خَلْقِهِ، ثُمَّ ارْتَضَى لَهُ أَصْحَابًا فَكَانَ خِيَارُهُمْ قُرَيْشًا، ثُمَّ بَنَى هَذَا الْمُلْكَ عَلَيْهِمْ، وَنَجْعَلُ هَذِهِ الْخِلَافَةَ فِيهِمْ، فَلَا
стр. 1203
يَصْلُحُ ذَلِكَ إِلَّا عَلَيْهِمْ، فَكَانَ اللَّهُ يَحُوطُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ، أَفَتَرَاهُ لَا يَحُوطُهُمْ وَهُمْ عَلَى دِينِهِ؟ أُفٍّ لَكَ وَلِأَصْحَابِكَ!
أَمَّا أَنْتَ يَا صَعْصَعَةُ فَإِنَّ قَرْيَتَكَ شَرُّ الْقُرَى! أَنْتَنُهَا بَيْتًا، وَأَعْمَقُهَا وَادِيًا، وَأَعْرَفُهَا بِالشَّرِّ، وَأَلْأَمُهَا جِيرَانًا! لَمْ يَسْكُنْهَا شَرِيفٌ قَطُّ وَلَا وَضِيعٌ إِلَّا سُبَّ بِهَا، ثُمَّ كَانُوا أَلْأَمَ الْعَرَبِ أَلْقَابًا وَأَصْهَارًا، نُزَّاعُ الْأُمَمِ، وَأَنْتُمْ جِيرَانُ الْخَطِّ، وَفَعَلَةُ فَارِسَ، حَتَّى أَصَابَتْكُمْ دَعْوَةُ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ تَسْكُنِ الْبَحْرَيْنِ فَتُشْرِكَهُمْ فِي دَعْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَنْتَ شَرُّ قَوْمِكَ، حَتَّى إِذَا أَبْرَزَكَ الْإِسْلَامُ وَخَلَطَكَ بِالنَّاسِ أَقْبَلْتَ تَبْغِي دِينَ اللَّهِ عِوَجًا، وَتَنْزِعُ إِلَى الذِّلَّةِ، وَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ قُرَيْشًا وَلَا يَضَعُهُمْ، وَلَنْ يَمْنَعَهُمْ مِنْ تَأْدِيَةِ مَا عَلَيْهِمْ، إِنَّ الشَّيْطَانَ عَنْكُمْ غَيْرُ غَافِلٍ، قَدْ عَرَفَكُمْ بِالشَّرِّ فَأَغْرَى بِكُمُ النَّاسَ، وَهُوَ صَارِعُكُمْ، وَلَا تُدْرِكُونَ بِالشَّرِّ أَمْرًا أَبَدًا إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ شَرًّا مِنْهُ وَأَخْزَى.
ثُمَّ قَامَ وَتَرَكَهُمْ فَتَقَاصَرَتْ إِلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَتَاهُمْ فَقَالَ: إِنِّي قَدْ أَذِنْتُ لَكُمْ فَاذْهَبُوا حَيْثُ شِئْتُمْ لَا يَنْفَعُ اللَّهُ بِكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَلَا يَضُرُّهُ، وَلَا أَنْتُمْ بِرِجَالِ مَنْفَعَةٍ وَلَا مَضَرَّةٍ، فَإِنْ أَرَدْتُمُ النَّجَاةَ فَالْزَمُوا جَمَاعَتَكُمْ وَلَا يُبْطِرَنَّكُمُ الْإِنْعَامُ، فَإِنَّ الْبَطَرَ لَا يَعْتَرِي الْخِيَارَ، اذْهَبُوا حَيْثُ شِئْتُمْ فَسَأَكْتُبُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِيكُمْ.
فَلَمَّا خَرَجُوا دَعَاهُمْ وَقَالَ لَهُمْ: إِنِّي مُعِيدٌ عَلَيْكُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ مَعْصُومًا فَوَلَّانِي وَأَدْخَلَنِي فِي أَمْرِهِ، ثُمَّ اسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ فَوَلَّانِي، ثُمَّ اسْتُخْلِفَ عُمَرُ فَوَلَّانِي، ثُمَّ اسْتُخْلِفَ عُثْمَانُ فَوَلَّانِي، وَلَمْ يُولِّنِي أَحَدٌ إِلَّا وَهُوَ عَنِّي رَاضٍ، وَإِنَّمَا طَلَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْأَعْمَالِ أَهْلَ الْجَزَاءِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ وَالْغَنَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ ذُو سَطَوَاتٍ وَنَقَمَاتٍ يَمْكُرُ بِمَنْ مَكَرَ بِهِ، فَلَا تَعْرِضُوا لِأَمْرٍ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ غَيْرَ مَا تُظْهِرُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ غَيْرُ تَارِكِكُمْ حَتَّى يَخْتَبِرَكُمْ وَيُبْدِيَ لِلنَّاسِ سَرَائِرَكُمْ.
وَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عُثْمَانَ: إِنَّهُ قَدِمَ عَلَى أَقْوَامٍ لَيْسَتْ لَهُمْ عُقُولٌ وَلَا أَدْيَانٌ، أَضْجَرَهُمُ الْعَدْلُ، لَا يُرِيدُونَ اللَّهَ بِشَيْءٍ، وَلَا يَتَكَلَّمُونَ بِحُجَّةٍ، إِنَّمَا هَمُّهُمُ الْفِتْنَةُ وَأَمْوَالُ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَاللَّهُ مُبْتَلِيهِمْ وَمُخْتَبِرُهُمْ ثُمَّ فَاضِحُهُمْ وَمُخْزِيهِمْ، وَلَيْسُوا بِالَّذِينَ يَنْكُونَ أَحَدًا إِلَّا مَعَ غَيْرِهِمْ، فَانْهَ سَعِيدًا وَمَنْ عِنْدَهُ عَنْهُمْ، فَإِنَّهُمْ لَيْسُوا لِأَكْثَرَ مِنْ شَغَبٍ وَنَكِيرٍ.
فَخَرَجُوا مِنْ دِمَشْقَ فَقَالُوا: لَا تَرْجِعُوا بِنَا إِلَى الْكُوفَةِ، فَإِنَّهُمْ يَشْمَتُونَ بِنَا، وَلَكِنْ مَيِّلُوا
стр. 1204
إِلَى الْجَزِيرَةِ، فَسَمِعَ بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَكَانَ عَلَى حِمْصَ، فَدَعَاهُمْ فَقَالَ: يَا آلَةَ الشَّيْطَانِ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ وَلَا أَهْلًا، قَدْ رَجَعَ الشَّيْطَانُ مَحْسُورًا وَأَنْتُمْ بَعْدُ نِشَاطٌ، خَسَّرَ اللَّهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِنْ لَمْ يُؤَدِّبْكُمْ، يَا مَعْشَرَ مَنْ لَا أَدْرِي أَعَرَبٌ هُمْ أَمْ عَجَمٌ، لَا تَقُولُوا لِي مَا بَلَغَنِي أَنَّكُمْ قُلْتُمْ لِمُعَاوِيَةَ، أَنَا ابْنُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، أَنَا ابْنُ مَنْ قَدْ عَجَمَتْهُ الْعَاجِمَاتُ، أَنَا ابْنُ فَاقِئِ الرِّدَّةِ! وَاللَّهِ لَئِنْ بَلَغَنِي يَا صَعْصَعَةُ أَنَّ أَحَدًا مِمَّنْ مَعِي دَقَّ أَنْفَكَ ثُمَّ أَمَصَّكَ لَأَطِيرَنَّ بِكَ طَيْرَةً بَعِيدَةَ الْمَهْوَى! فَأَقَامَهُمْ شَهْرًا كُلَّمَا رَكِبَ أَمْشَاهُمْ، فَإِذَا مَرَّ بِهِ صَعْصَعَةُ قَالَ: يَا ابْنَ الْحُطَيْئَةِ، أَعَلِمْتَ أَنَّ مَنْ لَمْ يُصْلِحْهُ الْخَيْرُ أَصْلَحَهُ الشَّرُّ؟ مَا لَكَ لَا تَقُولُ كَمَا بَلَغَنِي أَنَّكَ قُلْتَ لِسَعِيدٍ وَمُعَاوِيَةَ؟ فَيَقُولُونَ: نَتُوبُ إِلَى اللَّهِ، أَقِلْنَا أَقَالَكَ اللَّهُ. فَمَا زَالُوا بِهِ حَتَّى قَالَ: تَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ. وَسَرَّحَ الْأَشْتَرَ إِلَى عُثْمَانَ، فَقَدِمَ إِلَيْهِ ثَانِيًا، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: احْلُلْ حَيْثُ شِئْتَ. فَقَالَ: مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدٍ. فَقَالَ: ذَلِكَ إِلَيْكَ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ.
قِيلَ: وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا نَحْوُ مَا تَقَدَّمَ، وَزَادُوا فِيهِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا عَادَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْقَابِلَةِ وَذَكَّرَهُمْ كَانَ مِمَّا قَالَ لَهُمْ: وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا آمُرُكُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا وَقَدْ بَدَأْتُ فِيهِ بِنَفْسِي وَأَهْلِ بَيْتِي، وَقَدْ عَرَفَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ كَانَ أَكْرَمَهَا وَابْنَ أَكْرَمِهَا إِلَّا مَا جَعَلَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ فَإِنَّهُ انْتَخَبَهُ وَأَكْرَمَهُ، وَإِنِّي لَأَظُنُّ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ لَوْ وَلَدَ النَّاسَ لَمْ يَلِدْ إِلَّا حَازِمًا. قَالَ صَعْصَعَةُ: قَدْ كَذَبْتَ! قَدْ وَلَدَهُمْ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سُفْيَانَ مَنْ خَلَقَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَهُ، وَكَانَ فِيهِمُ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، وَالْأَحْمَقُ وَالْكَيِّسُ. فَخَرَجَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِنْ عِنْدِهِمْ ثُمَّ أَتَاهُمُ الْقَابِلَةَ فَتَحَدَّثَ عِنْدَهُمْ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا الْقَوْمُ رُدُّوا خَيْرًا أَوِ اسْكُتُوا وَتَفَكَّرُوا، وَانْظُرُوا فِيمَا يَنْفَعُكُمْ وَيَنْفَعُ أَهَالِيكُمْ وَالْمُسْلِمِينَ فَاطْلُبُوهُ. فَقَالَ صَعْصَعَةُ: لَسْتَ بِأَهْلِ ذَلِكَ وَلَا كَرَامَةَ لَكَ أَنْ تُطَاعَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ. فَقَالَ: أَلَيْسَ أَوَّلُ مَنِ ابْتَدَأْتُكُمْ بِهِ أَنْ أَمَرْتُكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَطَاعَةِ نَبِيِّهِ، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا؟ قَالُوا: بَلْ أَمَرْتَ بِالْفُرْقَةِ وَخِلَافِ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ . فَقَالَ: إِنِّي آمُرُكُمُ الْآنَ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ فَأَتُوبُ إِلَى اللَّهِ وَآمُرُكُمْ بِتَقْوَاهُ وَطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ نَبِيِّهِ ﷺ وَلُزُومِ الْجَمَاعَةِ وَأَنْ تُوَقِّرُوا أَئِمَّتَكُمْ وَتَدُلُّوهُمْ عَلَى أَحْسَنِ مَا قَدَرْتُمْ عَلَيْهِ. فَقَالَ صَعْصَعَةُ: فَإِنَّا نَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ عَمَلَكَ فَإِنَّ فِي الْمُسْلِمِينَ مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْكَ، مَنْ كَانَ أَبُوهُ أَحْسَنَ قَدَمًا فِي الْإِسْلَامِ مِنْ أَبِيكَ وَهُوَ أَحْسَنُ فِي الْإِسْلَامِ قَدَمًا مِنْكَ.
فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَدَمًا وَلَغَيْرِي كَانَ أَحْسَنَ قَدَمًا
стр. 1205
مِنِّي، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ فِي زَمَانِي أَحَدٌ أَقْوَى عَلَى مَا أَنَا فِيهِ مِنِّي، وَلَقَدْ رَأَى ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَلَوْ كَانَ غَيْرِي أَقْوَى مِنِّي لَمْ تَكُنْ عِنْدَ عُمَرَ هَوَادَةٌ لِي وَلَا لِغَيْرِي، وَلَمْ أُحْدِثْ مِنَ الْحَدَثِ مَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَعْتَزِلَ عَمَلِي، وَلَوْ رَأَى ذَلِكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَكَتَبَ إِلَيَّ فَاعْتَزَلْتُ عَمَلَهُ، فَمَهْلًا فَإِنَّ فِي ذَلِكَ وَأَشْبَاهِهِ مَا يَتَمَنَّى الشَّيْطَانُ وَيَأْمُرُ، وَلَعَمْرِي لَوْ كَانَتِ الْأُمُورُ تُقْضَى عَلَى رَأْيِكُمْ وَأَمَانِيِّكُمْ مَا اسْتَقَامَتْ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ يَوْمًا وَلَا لَيْلَةً، فَعَاوِدُوا الْخَيْرَ وَقُولُوهُ، وَإِنَّ لِلَّهِ لَسَطَوَاتٍ، وَإِنِّي لَخَائِفٌ عَلَيْكُمْ أَنْ تُتَابِعُوا فِي مُطَاوَعَةِ الشَّيْطَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّحْمَنِ، فَيُحِلَّكُمْ ذَلِكَ دَارَ الْهَوَانِ فِي الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ. فَوَثَبُوا عَلَيْهِ وَأَخَذُوا رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ، فَقَالَ: مَهْ إِنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ بِأَرْضِ الْكُوفَةِ، وَاللَّهِ لَوْ رَأَى أَهْلُ الشَّامِ مَا صَنَعْتُمْ بِي مَا مَلَكْتُ أَنْ أَنْهَاهُمْ عَنْكُمْ حَتَّى يَقْتُلُوكُمْ، فَلَعَمْرِي إِنَّ صَنِيعَكُمْ لَيُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا!
ثُمَّ قَامَ مِنْ عِنْدِهِمْ، وَكَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ نَحْوَ الْكِتَابِ الْمُتَقَدِّمِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُثْمَانُ يَأْمُرُهُ أَنْ يَرُدَّهُمْ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بِالْكُوفَةِ، فَرَدَّهُمْ فَأَطْلَقُوا أَلْسِنَتَهُمْ، فَضَجَّ سَعِيدٌ مِنْهُمْ إِلَى عُثْمَانَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُثْمَانُ أَنْ يُسَيِّرَهُمْ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدٍ بِحِمْصَ، فَسَيَّرَهُمْ إِلَيْهَا، فَأَنْزَلَهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَأَجْرَى عَلَيْهِمْ رِزْقًا، وَكَانُوا: الْأَشْتَرَ، وَثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ الْهَمْدَانِيَّ، وَكُمَيْلَ بْنَ زِيَادٍ، وَزَيْدَ بْنَ صُوحَانَ، وَأَخَاهُ صَعْصَعَةَ، وَجُنْدَبَ بْنَ زُهَيْرٍ الْغَامِدِيَّ، وَجُنْدَبَ بْنَ كَعْبٍ الْأَزْدِيَّ، وَعُرْوَةَ بْنَ الْجَعْدِ، وَعَمْرَو بْنَ الْحَمِقِ الْخُزَاعِيَّ، وَابْنَ الْكَوَّاءِ.
قِيلَ: سَأَلَ مُعَاوِيَةُ ابْنَ الْكَوَّاءِ عَنْ نَفْسِهِ قَالَ: أَنْتَ بَعِيدُ الثَّرَى كَثِيرُ الْمَرْعَى طَيِّبُ الْبَدِيهَةِ بَعِيدُ الْغَوْرِ، الْغَالِبُ عَلَيْكَ الْحِلْمُ، رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، سُدَّتْ بِكَ فُرْجَةٌ مَخُوفَةٌ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَهْلِ الْأَحْدَاثِ مِنَ الْأَمْصَارِ فَإِنَّكَ أَعْقَلُ أَصْحَابِكَ. قَالَ: أَمَّا أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَهُمْ أَحْرَصُ الْأُمَّةِ عَلَى الشَّرِّ وَأَعْجَزُهُمْ عَنْهُ، وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَإِنَّهُمْ يَرِدُونَ جَمِيعًا وَيَصْدُرُونَ شَتَّى، وَأَمَّا أَهْلُ مِصْرَ فَهُمْ أَوْفَى النَّاسِ بِشَرٍّ وَأَسْرَعُهُمْ نَدَامَةً، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّامِ فَهُمْ أَطْوَعُ النَّاسِ لِمُرْشِدِهِمْ وَأَعْصَاهُمْ لِمُغْوِيهِمْ.
ذكر تَسْيِيرِ مَنْ سُيِّرَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ إِلَى الشَّامِ
وَلَمَّا مَضَتْ ثَلَاثُ سِنِينَ مِنْ إِمَارَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ بَلَغَهُ أَنَّ [فِي عَبْدِ الْقَيْسِ] رَجُلًا
стр. 1206
نَازِلًا عَلَى حَكِيمِ بْنِ جَبَلَةَ الْعَبْدِيِّ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَبَأٍ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ السَّوْدَاءِ، هُوَ الرَّجُلُ النَّازِلُ عَلَيْهِ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ نَفَرٌ فَطَرَحَ إِلَيْهِمُ ابْنَ السَّوْدَاءِ وَلَمْ يُصَرِّحْ، فَقَبِلُوا مِنْهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ ابْنُ عَامِرٍ فَسَأَلَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ: رَغِبْتُ فِي الْإِسْلَامِ وَفِي جِوَارِكَ. فَقَالَ: مَا يَبْلُغُنِي ذَلِكَ، اخْرُجْ عَنِّي. فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى الْكُوفَةَ فَأُخْرِجَ مِنْهَا، فَقَصَدَ مِصْرَ فَاسْتَقَرَّ بِهَا وَجَعَلَ يُكَاتِبُهُمْ وَيُكَاتِبُونَهُ وَتَخْتَلِفُ الرِّجَالُ بَيْنَهُمْ.
وَكَانَ حُمْرَانُ بْنُ أَبَانَ قَدْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي عِدَّتِهَا فَفَرَّقَ عُثْمَانُ بَيْنَهُمَا وَضَرَبَهُ وَسَيَّرَهُ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَلَزِمَ ابْنَ عَامِرٍ، فَتَذَاكَرُوا يَوْمًا الْمُرُورَ بِعَامِرِ بْنِ عَبْدِ الْقَيْسِ، فَقَالَ حُمْرَانُ: أَلَا أَسْبِقُكُمْ فَأُخْبِرُهُ؟ فَخَرَجَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَقْرَأُ فِي الْمُصْحَفِ فَقَالَ: الْأَمِيرُ يُرِيدُ الْمُرُورَ بِكَ فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُعْلِمَكَ، فَلَمْ يَقْطَعْ قِرَاءَتَهُ، فَقَامَ مِنْ عِنْدِهِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الْبَابِ لَقِيَهُ ابْنُ عَامِرٍ فَقَالَ: [جِئْتُكَ] مِنْ عِنْدِ امْرِئٍ لَا يَرَى لِآلِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ فَضْلًا، وَدَخَلَ عَلَيْهِ ابْنُ عَامِرٍ فَأَطْبَقَ الْمُصْحَفَ وَحَدَّثَهُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَامِرٍ: أَلَا تَغْشَانَا؟ فَقَالَ: سَعْدُ بْنُ أَبِي الْقَرْحَاءِ يُحِبُّ الشَّرَفَ. فَقَالَ: أَلَا نَسْتَعْمِلُكَ؟ فَقَالَ: حُصَيْنُ بْنُ الْحُرِّ يُحِبُّ الْعَمَلَ. فَقَالَ: أَلَا نُزَوِّجُكَ؟ فَقَالَ: رَبِيعَةُ بْنُ عَسَلٍ يُعْجِبُهُ النِّسَاءُ. فَقَالَ: إِنَّ هَذَا يَزْعُمُ أَنَّكَ لَا تَرَى لِآلِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْكَ فَضْلًا! فَتَصَفَّحَ الْمُصْحَفَ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣] .
فَسَعَى بِهِ حُمْرَانُ، وَأَقَامَ حُمْرَانُ بِالْبَصْرَةِ مَا شَاءَ اللَّهُ، وَأَذِنَ لَهُ عُثْمَانُ فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ وَمَعَهُ قَوْمٌ، فَسَعَوْا بِعَامِرِ بْنِ عَبْدِ الْقَيْسِ أَنَّهُ لَا يَرَى التَّزْوِيجَ وَلَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ وَلَا يَشْهَدُ الْجُمُعَةَ، فَأَلْحَقَهُ بِمُعَاوِيَةَ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ رَأَى عِنْدَهُ ثَرِيدًا، فَأَكَلَ أَكْلًا عَرَبِيًّا، فَعَرَفَ أَنَّ الرَّجُلَ مَكْذُوبٌ عَلَيْهِ، فَعَرَّفَهُ مُعَاوِيَةُ سَبَبَ إِخْرَاجِهِ، فَقَالَ: أَمَّا الْجُمُعَةُ فَإِنِّي أَشْهَدُهَا فِي مُؤَخَّرِ الْمَجْلِسِ ثُمَّ أَرْجِعُ فِي أَوَائِلِ النَّاسِ، وَأَمَّا التَّزْوِيجُ فَإِنِّي خَرَجْتُ وَأَنَا يُخْطَبُ عَلَيَّ، وَأَمَّا اللَّحْمُ فَقَدْ رَأَيْتَ وَلَكِنِّي لَا آكُلُ ذَبَائِحَ الْقَصَّابِينَ مُنْذُ رَأَيْتُ قَصَّابًا يَجُرُّ شَاةً إِلَى مَذْبَحِهَا، ثُمَّ وَضَعَ السِّكِّينَ عَلَى حَلْقِهَا فَمَا زَالَ يَقُولُ: النَّفَاقَ النَّفَاقَ، حَتَّى ذَبَحَهَا. قَالَ: فَارْجِعْ. قَالَ: لَا أَرْجِعُ إِلَى بَلَدٍ اسْتَحَلَّ أَهْلُهُ مِنِّي مَا اسْتَحَلُّوا، (فَكَانَ يَكُونُ) فِي السَّوَاحِلِ، فَكَانَ يَلْقَى مُعَاوِيَةَ فَيُكْثِرُ مُعَاوِيَةُ أَنْ يَقُولَ: مَا حَاجَتُكَ؟ فَيَقُولُ: لَا حَاجَةَ لِي. فَلَمَّا أَكْثَرَ
стр. 1207
عَلَيْهِ قَالَ: تَرُدُّ عَلَيَّ مِنْ حَرِّ الْبَصْرَةِ شَيْئًا لَعَلَّ الصَّوْمَ أَنْ يَشْتَدَّ عَلَيَّ فَإِنَّهُ يَخِفُّ عَلَيَّ فِي بِلَادِكُمْ.
ذكر عِدَّةِ حَوَادِثَ
وَحَجَّ بِالنَّاسِ عُثْمَانُ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا مَاتَ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو الْمَعْرُوفُ بِالْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَوْصَى أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ الزُّبَيْرُ. وَفِيهَا تُوُفِّيَّ الطُّفَيْلُ وَالْحُصَيْنُ ابْنَا الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَشَهِدَا بَدْرًا وَأُحُدًا، (وَقِيلَ: مَاتَا سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ، وَقِيلَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ) .
стр. 1208
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ]
(٣٤)
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ
قِيلَ: فِيهَا كَانَتْ غَزْوَةُ الصَّوَارِي، فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا.
وَفِيهَا تَكَاتَبَ الْمُنْحَرِفُونَ عَنْ عُثْمَانَ لِلِاجْتِمَاعِ لِمُنَاظَرَتِهِ فِيمَا كَانُوا يَذْكُرُونَ أَنَّهُمْ نَقِمُوا عَلَيْهِ.
ذكر الْخَبَرِ عَنْ ذَلِكَ وَعَنْ يَوْمِ الْجَرَعَةِ
قَدْ ذَكَرْنَا خَبَرَ الْمُسَيَّرِينَ مِنَ الْكُوفَةِ وَمُقَامَهُمْ عِنْدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَوَفَدَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ إِلَى عُثْمَانَ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ، وَكَانَ سَعِيدٌ قَدْ وَلَّى قَبْلَ مَخْرَجِهِ إِلَى عُثْمَانَ بِسَنَةٍ وَبَعْضِ أُخْرَى الْأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ أَذْرَبِيجَانَ، وَسَعِيدَ بْنَ قَيْسٍ الرَّيَّ، وَالنُّسَيْرَ الْعِجْلِيَّ هَمَذَانَ، وَالسَّائِبَ بْنَ الْأَقْرَعِ أَصْبَهَانَ، وَمَالِكَ بْنَ حَبِيبٍ مَاهَ، وَحَكِيمَ بْنَ سَلَامٍ الْحِزَامِيَّ الْمَوْصِلَ، وَجَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَرْقِيسِيَا، وَسَلْمَانَ بْنَ رَبِيعَةَ الْبَابَ، وَجَعَلَ الْقَعْقَاعَ بْنَ عَمْرٍو عَلَى الْحَرْبِ، وَعَلَى حُلْوَانَ عُتَيْبَةَ بْنَ النَّهَّاسِ، وَخَلَتِ الْكُوفَةُ مِنَ الرُّؤَسَاءِ. فَخَرَجَ يَزِيدُ بْنُ قَيْسٍ وَهُوَ يُرِيدُ خَلْعَ عُثْمَانَ، وَمَعَهُ الَّذِينَ كَانَ ابْنُ السَّوْدَاءِ يُكَاتِبُهُمْ، فَأَخَذَهُ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ: إِنَّمَا نَسْتَعْفِي مِنْ سَعِيدٍ. فَقَالَ: أَمَّا هَذَا فَنَعَمْ، فَتَرَكَهُ وَكَاتَبَ يَزِيدُ الْمُسَيَّرِينَ فِي الْقُدُومِ عَلَيْهِ، فَسَارَ الْأَشْتَرُ وَالَّذِينَ عِنْدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدٍ، فَسَبَقَهُمُ الْأَشْتَرُ، فَلَمْ يَفْجَأِ النَّاسُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَّا وَالْأَشْتَرُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ يَقُولُ: جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ وَتَرَكْتُ سَعِيدًا يُرِيدُهُ عَلَى نُقْصَانِ نِسَائِكُمْ عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ، وَرَدِّ أُولِي الْبَلَاءِ مِنْكُمْ إِلَى أَلْفَيْنِ، وَيَزْعُمُ أَنَّ فَيْئَكُمْ بُسْتَانُ قُرَيْشٍ. فَاسْتَخَفَّ النَّاسُ وَجَعَلَ أَهْلُ الرَّأْيِ يَنْهَوْنَهُمْ فَلَا يُسْمَعُ مِنْهُمْ.
стр. 1209
فَخَرَجَ يَزِيدُ وَأَمَرَ مُنَادِيًا يُنَادِي: مَنْ شَاءَ أَنْ يَلْحَقَ بِيَزِيدَ لِرَدِّ سَعِيدٍ فَلْيَفْعَلْ، فَبَقِيَ أَشْرَافُ النَّاسِ وَحُلَمَاؤُهُمْ فِي الْمَسْجِدِ. وَعَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ يَوْمَئِذٍ خَلِيفَةُ سَعِيدٍ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَأَمَرَهُمْ بِالِاجْتِمَاعِ وَالطَّاعَةِ، فَقَالَ لَهُ الْقَعْقَاعُ: أَتَرُدُّ السَّيْلَ عَنْ أَدْرَاجِهِ؟ هَيْهَاتَ لَا وَاللَّهِ لَا يُسْكِنُ الْغَوْغَاءَ إِلَّا الْمَشْرَفِيَّةُ، وَيُوشِكُ أَنْ تُنْتَضَى وَيَعُجُّونَ عَجِيجَ الْعَدَّانِ، وَيَتَمَنَّوْنَ مَا هُمْ فِيهِ الْيَوْمَ فَلَا يَرُدُّهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَبَدًا، فَاصْبِرْ. قَالَ: أَصْبِرُ. وَتَحَوَّلَ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَخَرَجَ يَزِيدُ بْنُ قَيْسٍ فَنَزَلَ الْجَرَعَةَ، وَهِيَ قَرِيبٌ مِنَ الْقَادِسِيَّةِ، وَمَعَهُ الْأَشْتَرُ، فَوَصَلَ إِلَيْهِمْ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ، فَقَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا بِكَ. قَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكُمْ أَنْ تَبْعَثُوا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ رَجُلًا وَإِلَيَّ رَجُلًا، وَهَلْ يَخْرُجُ الْأَلْفُ لَهُمْ عُقُولٌ إِلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ؟ ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُمْ، وَتَحَسَّوْا بِمَوْلًى لَهُ عَلَى بَعِيرٍ قَدْ حُسِرَ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا كَانَ يَنْبَغِي لِسَعِيدٍ أَنْ يَرْجِعَ. فَقَتَلَهُ الْأَشْتَرُ. وَمَضَى سَعِيدٌ حَتَّى قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا فَعَلُوا وَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ الْبَدَلَ وَأَنَّهُمْ يَخْتَارُونَ أَبَا مُوسَى، فَجَعَلَ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ أَمِيرًا، وَكَتَبَ إِلَيْهِمْ:
أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ أَمَّرْتُ عَلَيْكُمْ مَنِ اخْتَرْتُمْ وَأَعْفَيْتُكُمْ مِنْ سَعِيدٍ، وَاللَّهِ لَأُقْرِضَنَّكُمْ عِرْضِي وَلَأَبْذُلَنَّ لَكُمْ صَبْرِي وَلَأَسْتَصْلِحَنَّكُمْ بِجُهْدِي، فَلَا تَدَعُوا شَيْئًا أَحْبَبْتُمُوهُ لَا يُعْصَى اللَّهُ فِيهِ إِلَّا سَأَلْتُمُوهُ، وَلَا شَيْئًا كَرِهْتُمُوهُ لَا يُعْصَى اللَّهُ فِيهِ إِلَّا مَا اسْتَعْفَيْتُمْ مِنْهُ، أَنْزِلُ فِيهِ عِنْدَمَا أَحْبَبْتُمْ حَتَّى لَا يَكُونَ لَكُمْ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ، وَلَنَصْبِرَنَّ كَمَا أُمِرْنَا حَتَّى تَبْلُغُوا مَا تُرِيدُونَ. وَرَجَعَ مِنَ الْأُمَرَاءِ مَنْ قَرُبَ مِنَ الْكُوفَةِ، فَرَجَعَ جَرِيرٌ مِنْ قَرْقِيسِيَا، وَعُتَيْبَةُ بْنُ النَّهَّاسِ مِنْ حُلْوَانَ، وَخَطَبَهُمْ أَبُو مُوسَى وَأَمَرَهُمْ بِلُزُومِ الْجَمَاعَةِ، (وَطَاعَةِ عُثْمَانَ) ، فَأَجَابُوا إِلَى ذَلِكَ وَقَالُوا: صَلِّ بِنَا فَقَالَ: لَا إِلَّا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِعُثْمَانَ. قَالُوا: نَعَمْ. فَصَلَّى بِهِمْ وَأَتَاهُ وِلَايَتُهُ فَوَلِيَهُمْ.
وَقِيلَ: سَبَبُ يَوْمِ الْجَرَعَةِ أَنَّهُ كَانَ قَدِ اجْتَمَعَ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَتَذَاكَرُوا أَعْمَالَ عُثْمَانَ فَأَجْمَعَ رَأْيُهُمْ، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ عَامِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيَّ ثُمَّ الْعَنْبَرِيَّ، وَهُوَ الَّذِي
стр. 1210
يُدْعَى عَامِرَ بْنَ عَبْدِ الْقَيْسِ، فَأَتَاهُ فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ نَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ اجْتَمَعُوا وَنَظَرُوا فِي أَعْمَالِكَ، فَوَجَدُوكَ قَدْ رَكِبْتَ أُمُورًا عِظَامًا، فَاتَّقِ اللَّهَ وَتُبْ إِلَيْهِ. فَقَالَ عُثْمَانُ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا فَإِنَّ النَّاسَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ قَارِئٌ، ثُمَّ هُوَ يَجِيءُ يُكَلِّمُنِي فِي الْمُحَقَّرَاتِ، وَوَاللَّهِ مَا يَدْرِي أَيْنَ اللَّهُ! فَقَالَ عَامِرٌ: بَلَى وَاللَّهِ إِنِّي لَأَدْرِي أَنَّ اللَّهَ لَبِالْمِرْصَادِ!
فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ وَإِلَى سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ فَجَمَعَهُمْ فَشَاوَرَهُمْ وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ لِكُلِّ امْرِئٍ وُزَرَاءٌ وَنُصَحَاءُ، وَإِنَّكُمْ وُزَرَائِي وَنُصَحَائِي وَأَهْلُ ثِقَتِي، وَقَدْ صَنَعَ النَّاسُ مَا قَدْ رَأَيْتُمْ وَطَلَبُوا إِلَيَّ أَنْ أَعْزِلَ عُمَّالِي، وَأَنْ أَرْجِعَ عَنْ جَمِيعِ مَا يَكْرَهُونَ إِلَى مَا يُحِبُّونَ، فَاجْتَهِدُوا رَأْيَكُمْ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَامِرٍ: أَرَى لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ تَشْغَلَهُمْ بِالْجِهَادِ عَنْكَ حَتَّى يَذِلُّوا لَكَ وَلَا يَكُونَ هِمَّةُ أَحَدِهِمْ إِلَّا فِي نَفْسِهِ وَمَا هُوَ فِيهِ مِنْ دُبُرِ دَابَّتِهِ وَقَمْلِ فَرْوَتِهُ. وَقَالَ سَعِيدٌ: احْسِمْ عَنْكَ الدَّاءَ فَاقْطَعْ عَنْكَ الَّذِي تَخَافُ، إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ قَاعِدَةً مَتَى تَهْلِكْ يَتَفَرَّقُوا وَلَا يَجْتَمِعْ لَهُمْ أَمْرٌ. فَقَالَ عُثْمَانُ: إِنَّ هَذَا هُوَ الرَّأْيُ لَوْلَا مَا فِيهِ. وَقَالَ مُعَاوِيَةُ: أُشِيرُ عَلَيْكَ أَنْ تَأْمُرَ أُمَرَاءَ الْأَجْنَادِ فَيَكْفِيَكَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَا قِبَلَهُ وَأَكْفِيَكَ أَنَا أَهْلَ الشَّامِ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ: إِنَّ النَّاسَ أَهْلُ طَمَعٍ، فَأَعْطِهِمْ مِنْ هَذَا الْمَالِ تَعْطِفْ عَلَيْكَ قُلُوبُهُمْ. ثُمَّ قَامَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّكَ قَدْ رَكِبْتَ النَّاسَ بِمِثْلِ بَنِي أُمَيَّةَ، فَقُلْتَ وَقَالُوا وَزُغْتَ وَزَاغُوا، فَاعْتَدِلْ أَوِ اعْتَزِلْ، فَإِنْ أَبَيْتَ فَاعْتَزِمْ عَزْمًا وَاقْدُمْ قُدُمًا. فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: مَا لَكَ قَمِلَ فَرْوُكَ؟ أَهَذَا الْجِدُّ مِنْكَ؟ فَسَكَتَ عَمْرٌو حَتَّى تَفَرَّقُوا فَقَالَ: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَأَنْتَ أَكْرَمُ عَلَيَّ مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنِّي عَلِمْتُ أَنَّ بِالْبَابِ مَنْ يُبَلِّغُ النَّاسَ قَوْلَ كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا، فَأَرَدْتُ أَنْ يَبْلُغَهُمْ قَوْلِي فَيَثِقُوا بِي، فَأَقُودَ إِلَيْكَ خَيْرًا وَأَدْفَعَ عَنْكَ شَرًّا.
فَرَدَّ عُثْمَانُ عُمَّالَهُ إِلَى أَعْمَالِهِمْ، وَأَمَرَهُمْ بِتَجْهِيزِ النَّاسِ فِي الْبُعُوثِ، وَعَزَمَ عَلَى تَحْرِيمِ أُعْطِيَّاتِهِمْ لِيُطِيعُوهُ، وَرَدَّ سَعِيدًا إِلَى الْكُوفَةِ، فَلَقِيَهُ النَّاسُ مِنَ الْجَرَعَةِ وَرَدُّوهُ، كَمَا سَبَقَ ذِكْرُهُ. قَالَ أَبُو ثَوْرٍ الْحَدَّانِيُّ: جَلَسْتُ إِلَى حُذَيْفَةَ، وَأَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ بِمَسْجِدِ الْكُوفَةِ يَوْمَ الْجَرَعَةِ، فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: مَا أَرَى أَنْ تُرَدَّ عَلَى عَقِبَيْهَا حَتَّى يَكُونَ فِيهَا دِمَاءٌ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: وَاللَّهِ لَتُرَدَّنَّ عَلَى عَقِبَيْهَا وَلَا يَكُونُ فِيهَا مَحْجَمَةُ دَمٍ، وَمَا أَرَى الْيَوْمَ شَيْئًا إِلَّا وَقَدْ عَلِمْتُهُ وَالنَّبِيُّ ﷺ حَيٌّ. فَرَجَعَ سَعِيدٌ إِلَى عُثْمَانَ وَلَمْ يُسْفَكْ دَمٌ، وَجَاءَ أَبُو مُوسَى
стр. 1211
أَمِيرًا، وَأَمَرَ عُثْمَانُ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ أَنْ يَغْزُوَ الْبَابَ فَسَارَ نَحْوَهُ.
ذكر ابْتِدَاءِ قَتْلِ عُثْمَانَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تَكَاتَبَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَغَيْرُهُمْ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ: أَنِ اقْدَمُوا فَإِنَّ الْجِهَادَ عِنْدَنَا، وَعَظُمَ النَّاسُ عَلَى عُثْمَانَ وَنَالُوا مِنْهُ، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ يَنْهَى وَلَا يَذُبُّ إِلَّا نَفَرٌ، مِنْهُمْ: زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ، وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، وَحَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ فَكَلَّمُوا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَدَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ فَقَالَ لَهُ: النَّاسُ وَرَائِي وَقَدْ كَلَّمُونِي فِيكَ، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكَ وَلَا أَعْرِفُ شَيْئًا تَجْهَلُهُ وَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَمْرٍ لَا تَعْرِفُهُ، إِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا أَعْلَمُ، مَا سَبَقْنَاكَ إِلَى شَيْءٍ فَنُخْبِرَكَ عَنْهُ، وَلَا خَلَوْنَا بِشَيْءٍ فَنُبَلِّغَكَهُ، وَمَا خُصِصْنَا بِأَمْرٍ دُونَكَ، وَقَدْ رَأَيْتُ وَصَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَسَمِعْتُ مِنْهُ وَنِلْتُ صِهْرَهُ، وَمَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ بِأَوْلَى بِعَمَلِ الْحَقِّ مِنْكَ، وَلَا ابْنُ الْخَطَّابِ بِأَوْلَى بِشَيْءٍ مِنَ الْخَيْرِ مِنْكَ، وَأَنْتَ أَقْرَبُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَحِمًا، وَلَقَدْ نِلْتَ مِنْ صِهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا لَمْ يَنَالَاهُ، وَمَا سَبَقَاكَ إِلَى شَيْءٍ، فَاللَّهَ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ، فَإِنَّكَ وَاللَّهِ مَا تُبْصِرُ مِنْ عَمَى وَلَا تَعْلَمُ مِنْ جَهَالَةٍ، وَإِنَّ الطَّرِيقَ لَوَاضِحٌ بَيِّنٌ، وَإِنَّ أَعْلَامَ الدِّينِ لَقَائِمَةٌ. اعْلَمْ يَا عُثْمَانُ أَنَّ أَفْضَلَ عِبَادِ اللَّهِ إِمَامٌ عَادِلٌ هُدِيَ وَهَدَى، فَأَقَامَ سُنَّةً مَعْلُومَةً وَأَمَاتَ بِدْعَةً مَتْرُوكَةً، فَوَاللَّهِ إِنَّ كُلًّا لَبَيِّنٌ، وَإِنَّ السُّنَنَ لَقَائِمَةٌ لَهَا أَعْلَامٌ، وَإِنَّ الْبِدَعَ لَقَائِمَةٌ لَهَا أَعْلَامٌ، وَإِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ إِمَامٌ جَائِرٌ ضَلَّ وَأَضَلَّ، فَأَمَاتَ سُنَّةً مَعْلُومَةً وَأَحْيَا بِدْعَةً مَتْرُوكَةً، وَإِنِّي أُحَذِّرُكَ اللَّهَ وَسَطَوَاتِهِ وَنَقَمَاتِهِ، فَإِنَّ عَذَابَهُ شَدِيدٌ أَلِيمٌ، وَأُحَذِّرُكَ أَنْ تَكُونَ إِمَامَ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّذِي يُقْتَلُ فَيَفْتَحُ عَلَيْهَا الْقَتْلَ وَالْقِتَالَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَيَلْبِسُ أُمُورَهَا عَلَيْهَا وَيَتْرُكُهَا شِيَعًا لَا يُبْصِرُونَ الْحَقَّ لِعُلُوِّ الْبَاطِلِ، يَمُوجُونَ فِيهَا مَوْجًا، وَيَمْرَجُونَ فِيهَا مَرْجًا.
فَقَالَ عُثْمَانُ: قَدْ عَلِمْتُ وَاللَّهِ لَيَقُولُنَّ الَّذِي قُلْتَ، أَمَا وَاللَّهِ لَوْ كُنْتَ مَكَانِي مَا عَنَّفْتُكَ وَلَا أَسْلَمْتُكَ وَلَا عِبْتُ عَلَيْكَ وَلَا جِئْتُ مُنْكِرًا، أَنْ وَصَلْتَ رَحِمًا وَسَدَدْتَ خَلَّةً وَآوَيْتَ ضَائِعًا، وَوَلَّيْتَ شَبِيهًا بِمَنْ كَانَ عُمَرُ يُوَلِّي. أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا عَلِيُّ هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ لَيْسَ هُنَاكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَتَعْلَمُ أَنَّ عُمَرَ وَلَّاهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَلِمَ تَلُمْنِي أَنْ وَلَّيْتُ ابْنَ عَامِرٍ فِي رَحِمِهِ وَقَرَابَتِهِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: إِنَّ عُمَرَ كَانَ يَطَأُ عَلَى صِمَاخِ مَنْ وَلَّى إِنْ
стр. 1212
بَلَغَهُ عَنْهُ حَرْفٌ جَلَبَهُ، ثُمَّ بَلَغَ بِهِ أَقْصَى الْعُقُوبَةِ وَأَنْتَ لَا تَفْعَلُ، ضَعُفْتَ وَرَقَقْتَ عَلَى أَقْرِبَائِكَ. قَالَ عُثْمَانُ: وَهُمْ أَقْرِبَاؤُكَ أَيْضًا! قَالَ: أَجَلْ، إِنَّ رَحِمَهُمْ مِنِّي لَقَرِيبَةٌ، وَلَكِنَّ الْفَضْلَ فِي غَيْرِهِمْ. قَالَ عُثْمَانُ: هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ عُمَرَ وَلَّى مُعَاوِيَةَ؟ فَقَدَ وَلَّيْتُهُ. فَقَالَ عَلِيٌّ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ، هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ أَخْوَفَ لِعُمَرَ مِنْ يَرْفَأَ، غُلَامِ عُمَرَ، لَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ عَلِيٌّ: فَإِنَّ مُعَاوِيَةَ يَقْتَطِعُ الْأُمُورَ دُونَكَ وَيَقُولُ لِلنَّاسِ هَذَا أَمْرُ عُثْمَانَ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ ذَلِكَ فَلَا تُغَيِّرُ عَلَيْهِ.
ثُمَّ خَرَجَ عَلِيٌّ مِنْ عِنْدِهِ، وَخَرَجَ عُثْمَانُ عَلَى أَثَرِهِ فَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ آفَةً وَلِكُلِّ أَمْرٍ عَاهَةً، وَإِنَّ آفَةَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَعَاهَةَ هَذِهِ النِّعْمَةِ عَيَّابُونَ طَعَّانُونَ يُرُونَكُمْ مَا تُحِبُّونَ وَيَسْتُرُونَ عَنْكُمْ مَا تَكْرَهُونَ، يَقُولُونَ لَكُمْ وَيَقُولُونَ، أَمْثَالَ النَّعَامِ يَتَّبِعُونَ أَوَّلَ نَاعِقٍ، أَحَبُّ مَوَارِدِهِمْ إِلَيْهِمُ الْبَعِيدُ، لَا يَشْرَبُونَ إِلَّا نَغَصًا وَلَا يَرِدُونَ إِلَّا عَكَرًا، [لَا] يَقُومُ لَهُمْ رَائِدٌ وَقَدْ أَعْيَتْهُمُ الْأُمُورُ، أَلَا فَقَدْ وَاللَّهِ عِبْتُمْ عَلَيَّ مَا أَقْرَرْتُمْ لِابْنِ الْخَطَّابِ بِمِثْلِهِ، وَلَكِنَّهُ وَطِئَكُمْ بِرِجْلِهِ وَضَرَبَكُمْ بِيَدِهِ وَقَمَعَكُمْ بِلِسَانِهِ، فَدِنْتُمْ لَهُ عَلَى مَا أَحْبَبْتُمْ وَكَرِهْتُمْ، وَلِنْتُ لَكُمْ وَأَوْطَأْتُكُمْ كَتِفِي وَكَفَفْتُ يَدِي وَلِسَانِي عَنْكُمْ، فَاجْتَرَأْتُمْ عَلَيَّ. أَمَا وَاللَّهِ لَأَنَا أَعَزُّ نَفَرًا وَأَقْرَبُ نَاصِرًا وَأَكْثَرُ عَدَدًا وَأَحْرَى، إِنْ قُلْتُ هَلُمَّ أُتِيَ إِلَيَّ، وَلَقَدْ عَدَدْتُ لَكُمْ أَقْرَانًا، وَأَفْضَلْتُ عَلَيْكُمْ فُضُولًا، وَكَشَّرْتُ لَكُمْ عَنْ نَابِي، وَأَخْرَجْتُمْ مِنِّي خُلُقًا لَمْ أَكُنْ أُحْسِنُهُ وَمَنْطِقًا لَمْ أَنْطِقْ بِهِ، فَكُفُّوا عَنِّي أَلْسِنَتَكُمْ وَعَيْبَكُمْ وَطَعْنَكُمْ عَلَى وُلَاتِكُمْ، فَإِنِّي كَفَفْتُ عَنْكُمْ مَنْ لَوْ كَانَ هُوَ الَّذِي يُكَلِّمُكُمْ لَرَضِيتُمْ مِنْهُ بِدُونِ مَنْطِقِي هَذَا. أَلَا فَمَا تَفْقِدُونَ مِنْ حَقِّكُمْ؟ وَاللَّهِ مَا قَصَّرْتُ عَنْ بُلُوغِ مَا بَلَغَ مَنْ كَانَ قَبْلِي، وَلَمْ تَكُونُوا تَخْتَلِفُونَ عَلَيْهِ.
فَقَامَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ فَقَالَ: إِنْ شِئْتُمْ حَكَّمْنَا وَاللَّهِ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ السَّيْفَ، نَحْنُ وَأَنْتُمْ وَاللَّهِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
فَرَشْنَا لَكُمْ أَعْرَاضَنَا فَنَبَتْ بِكُمْ ... مَعَارِسُكُمْ تَبْنُونَ فِي دِمَنِ الثَّرَى
فَقَالَ عُثْمَانُ: اسْكُتْ لَا سَكَتَّ، دَعْنِي وَأَصْحَابِي، مَا مَنْطِقُكَ فِي هَذَا! أَلَمْ أَتَقَدَّمْ إِلَيْكَ أَنْ لَا تَنْطِقَ؟ فَسَكَتَ مَرْوَانُ وَنَزَلَ عُثْمَانُ. (عَنِ الْمِنْبَرِ، فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ عَلَى النَّاسِ وَعَظُمَ وَزَادَ تَأَلُّبُهُمْ عَلَيْهِ) .
стр. 1213
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
[الْوَفَيَاتُ]
وَحَجَّ هَذِهِ السَّنَةَ بِالنَّاسِ عُثْمَانُ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَّ كَعْبُ الْأَحْبَارِ، وَهُوَ كَعْبُ بْنُ مَاتِعٍ، وَأَسْلَمَ أَيَّامَ عُمَرَ. وَفِيهَا مَاتَ أَبُو عَبْسٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَبْرٍ الْأَنْصَارِيُّ، شَهِدَ بَدْرًا. وَفِيهَا مَاتَ مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ الْمُطَّلِبِيُّ، وَهُوَ ابْنُ سِتٍّ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَقِيلَ:
стр. 1214
بَلْ عَاشَ وَشَهِدَ صِفِّينَ مَعَ عَلِيٍّ، وَهُوَ الْأَكْثَرُ، وَكَانَ بَدْرِيًّا.
وَفِيهَا تُوُفِّيَّ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ الْأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ مِمَّنْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ، وَكَانَ نَقِيبًا بَدْرِيًّا.
(وَعَاقِلُ بْنُ الْبُكَيْرِ، وَهُوَ بَدْرِيٌّ أَيْضًا) .
стр. 1215
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ] [ ذكر مَسِيرِ مَنْ سَارَ إِلَى حَصْرِ عُثْمَانَ]
٣٥ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ
ذكر مَسِيرِ مَنْ سَارَ إِلَى حَصْرِ عُثْمَانَ
قِيلَ: فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ مَسِيرُ مَنْ سَارَ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ إِلَى ذِي خُشُبٍ، وَمَسِيرُ مَنْ سَارَ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ إِلَى ذِي الْمَرْوَةِ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَبَأٍ كَانَ يَهُودِيًّا، وَأَسْلَمَ أَيَّامَ عُثْمَانَ، ثُمَّ تَنَقَّلَ فِي الْحِجَازِ ثُمَّ بِالْبَصْرَةِ ثُمَّ بِالْكُوفَةِ ثُمَّ بِالشَّامِ يُرِيدُ إِضْلَالَ النَّاسِ، فَلَمْ يَقْدِرْ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَأَخْرَجَهُ أَهْلُ الشَّامِ، فَأَتَى مِصْرَ فَأَقَامَ فِيهِمْ وَقَالَ لَهُمْ: الْعَجَبُ مِمَّنْ يُصَدِّقُ أَنَّ عِيسَى يَرْجِعُ، وَيُكَذِّبُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَرْجِعُ، فَوَضَعَ لَهُمُ الرَّجْعَةَ، فَقُبِلَتْ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّهُ كَانَ لِكُلِّ نَبِيٍّ وَصِيٌّ، وَعَلِيٌّ وَصِيُّ مُحَمَّدٍ، فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ لَمْ يُجِزْ وَصِيَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَوَثَبَ عَلَى وَصِيِّهِ، وَإِنَّ عُثْمَانَ أَخَذَهَا بِغَيْرِ حَقٍّ، فَانْهَضُوا فِي هَذَا الْأَمْرِ وَابْتَدِءُوا بِالطَّعْنِ عَلَى أُمَرَائِكُمْ، وَأَظْهِرُوا الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ تَسْتَمِيلُوا بِهِ النَّاسَ.
وَبَثَّ دُعَاتَهُ، وَكَاتَبَ مَنِ اسْتَفْسَدَ فِي الْأَمْصَارِ وَكَاتَبُوهُ، وَدَعَوْا فِي السِّرِّ إِلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ رَأْيُهُمْ، وَصَارُوا يَكْتُبُونَ إِلَى الْأَمْصَارِ بِكُتُبٍ يَضَعُونَهَا فِي عَيْبِ وُلَاتِهِمْ، وَيَكْتُبُ أَهْلُ كُلِّ مِصْرٍ مِنْهُمْ إِلَى مِصْرٍ آخَرَ بِمَا يَصْنَعُونَ، حَتَّى تَنَاوَلُوا بِذَلِكَ الْمَدِينَةَ وَأَوْسَعُوا بِذَلِكَ الْأَرْضَ إِذَاعَةً، فَيَقُولُ أَهْلُ كُلِّ مِصْرٍ: إِنَّا لَفِيَ عَافِيَةٍ مِمَّا ابْتُلِيَ بِهِ هَؤُلَاءِ، إِلَّا أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَإِنَّهُمْ جَاءَهُمْ ذَلِكَ عَنْ جَمِيعِ الْأَمْصَارِ، فَقَالُوا: إِنَّا لَفِيَ عَافِيَةٍ مِمَّا فِيهِ النَّاسُ. فَأَتَوْا عُثْمَانَ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَيَأْتِيكَ عَنِ النَّاسِ الَّذِي يَأْتِينَا؟ فَقَالَ: مَا جَاءَنِي إِلَّا السَّلَامَةُ وَأَنْتُمْ شُرَكَائِي وَشُهُودُ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَشِيرُوا عَلَيَّ. قَالُوا: نُشِيرُ عَلَيْكَ أَنْ تَبْعَثَ رِجَالًا مِمَّنْ تَثِقُ بِهِمْ إِلَى الْأَمْصَارِ حَتَّى يَرْجِعُوا إِلَيْكَ بِأَخْبَارِهِمْ.
فَدَعَا مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ فَأَرْسَلَهُ إِلَى الْكُوفَةِ، وَأَرْسَلَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ إِلَى الْبَصْرَةِ،
стр. 1216
وَأَرْسَلَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ إِلَى مِصْرَ، وَأَرْسَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ إِلَى الشَّامِ، وَفَرَّقَ رِجَالًا سِوَاهُمْ، فَرَجَعُوا جَمِيعًا قَبْلَ عَمَّارٍ فَقَالُوا: مَا أَنْكَرْنَا شَيْئًا أَيُّهَا النَّاسُ وَلَا أَنْكَرَهُ أَعْلَامُ الْمُسْلِمِينَ وَلَا عَوَامُّهُمْ. وَتَأَخَّرَ عَمَّارٌ حَتَّى ظَنُّوا أَنَّهُ قَدِ اغْتِيلَ، فَوَصَلَ كِتَابٌ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ يَذْكُرُ أَنَّ عَمَّارًا قَدِ اسْتَمَالَهُ قَوْمٌ وَانْقَطَعُوا إِلَيْهِ، مِنْهُمْ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّوْدَاءِ، وَخَالِدُ بْنُ مُلْجَمٍ، وَسَوْدَانُ بْنُ حُمْرَانَ، وَكِنَانَةُ بْنُ بِشْرٍ.
فَكَتَبَ عُثْمَانُ إِلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ: [أَمَّا بَعْدُ] فَإِنِّي آخِذٌ عُمَّالِي بِمُوَافَاتِي كُلَّ مَوْسِمٍ، وَقَدْ رَفَعَ إِلَيَّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ أَنَّ أَقْوَامًا يُشْتَمُونَ وَيُضْرَبُونَ، فَمَنِ ادَّعَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَلْيُوَافِ الْمَوْسِمَ يَأْخُذْ حَقَّهُ حَيْثُ كَانَ مِنِّي أَوْ مِنْ عُمَّالِي، أَوْ تَصَّدَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ. فَلَمَّا قُرِئَ فِي الْأَمْصَارِ بَكَى النَّاسُ وَدَعَوْا لِعُثْمَانَ. وَبَعَثَ إِلَى عُمَّالِ الْأَمْصَارِ فَقَدِمُوا عَلَيْهِ فِي الْمَوْسِمِ: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدٍ، وَمُعَاوِيَةَ، وَأَدْخَلَ مَعَهُمْ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ وَعَمْرًا، فَقَالَ: وَيْحَكُمُ مَا هَذِهِ الشِّكَايَةُ وَالْإِذَاعَةُ؟ إِنِّي وَاللَّهِ لَخَائِفٌ أَنْ تَكُونُوا مَصْدُوقًا عَلَيْكُمْ وَمَا يُعْصَبُ هَذَا إِلَّا بِي! فَقَالُوا لَهُ: أَلَمْ تَبْعَثْ؟ أَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْكَ الْخَبَرُ عَنِ الْعَوَامِّ؟ أَلَمْ يَرْجِعْ رُسُلُكَ وَلَمْ يُشَافِهْهُمْ أَحَدٌ بِشَيْءٍ؟ وَاللَّهِ مَا صَدَقُوا وَلَا بَرُّوا وَلَا نَعْلَمُ لِهَذَا الْأَمْرِ أَصْلًا، وَلَا يَحِلُّ الْأَخْذُ بِهَذِهِ الْإِذَاعَةِ! فَقَالَ: أَشِيرُوا عَلَيَّ. فَقَالَ سَعِيدٌ: هَذَا أَمْرٌ مَصْنُوعٌ يُلْقَى فِي السِّرِّ فَيَتَحَدَّثُ بِهِ النَّاسُ، وَدَوَاءُ ذَلِكَ طَلَبُ هَؤُلَاءِ وَقَتْلُ الَّذِينَ يَخْرُجُ هَذَا مِنْ عِنْدِهِ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ: خُذْ مِنَ النَّاسِ الَّذِي عَلَيْهِمْ إِذَا أَعْطَيْتُمُ الَّذِي لَهُمْ فَإِنَّهُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ. وَقَالَ مُعَاوِيَةُ: قَدْ وَلَّيْتَنِي فَوُلِّيتُ قَوْمًا لَا يَأْتِيكَ عَنْهُمْ إِلَّا الْخَيْرُ، وَالرَّجُلَانِ أَعْلَمُ بِنَاحِيَتَيْهِمَا، وَالرَّأْيُ حُسْنُ الْأَدَبِ. وَقَالَ عَمْرٌو: أَرَى أَنَّكَ قَدْ لِنْتَ لَهُمْ وَرَخَيْتَ عَلَيْهِمْ وَزِدْتَهُمْ عَلَى مَا كَانَ يَصْنَعُ عُمَرُ، فَأَرَى أَنْ تَلْزَمَ طَرِيقَةَ صَاحِبَيْكَ فَتَشْتَدَّ فِي مَوْضِعِ الشِّدَّةِ، وَتَلِينَ فِي مَوْضِعِ اللِّينِ.
فَقَالَ عُثْمَانُ: قَدْ سَمِعْتُ كُلَّ مَا أَشَرْتُمْ بِهِ عَلَيَّ، وَلِكُلِّ أَمْرٍ بَابٌ يُؤْتَى مِنْهُ، إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ الَّذِي يُخَافُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ كَائِنٌ، وَإِنَّ بَابَهُ الَّذِي يُغْلَقُ عَلَيْهِ لَيُفْتَحَنَّ فَنُكَفْكِفُهُ بِاللِّينِ وَالْمُؤَاتَاةِ إِلَّا فِي حُدُودِ اللَّهِ، فَإِنْ فُتِحَ فَلَا يَكُونُ لِأَحَدٍ عَلَيَّ حُجَّةُ حَقٍّ، وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ أَنِّي لَمْ آلُ النَّاسَ خَيْرًا، وَإِنَّ رَحَى الْفِتْنَةِ لَدَائِرَةٌ، فَطُوبَى لِعُثْمَانَ إِنْ مَاتَ وَلَمْ يُحَرِّكْهَا. سَكِّنُوا النَّاسَ وَهَبُوا لَهُمْ حُقُوقَهُمْ، فَإِذَا تُعُوطِيَتْ حُقُوقُ اللَّهِ فَلَا تُدْهِنُوا فِيهَا. فَلَمَّا نَفَرَ عُثْمَانُ وَشَخَصَ مُعَاوِيَةُ وَالْأُمَرَاءُ مَعَهُ وَاسْتَقَلَّ عَلَى الطَّرِيقِ رَجَزَ بِهِ الْحَادِي فَقَالَ:
стр. 1217
قَدْ عَلِمَتْ ضَوَامِرُ الْمَطِيُّ ... وَضُمَّرَاتُ عُوَّجِ الْقِسِيِّ
أَنَّ الْأَمِيرَ بَعْدَهُ عَلِيٌّ ... وَفِي الزُّبَيْرِ خَلَفٌ رَضِيٌّ
[وَطَلْحَةُ الْحَامِي لَهَا وَلِيٌّ
]
فَقَالَ كَعْبٌ: كَذَبْتَ بَلْ يَلِي بَعْدَهُ صَاحِبُ الْبَغْلَةِ الشَّهْبَاءِ - يَعْنِي مُعَاوِيَةَ - فَطَمِعَ فِيهَا مِنْ يَوْمِئِذٍ.
فَلَمَّا قَدِمَ عُثْمَانُ الْمَدِينَةَ دَعَا عَلِيًّا وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَعِنْدَهُ مُعَاوِيَةُ، فَحَمِدَ اللَّهَ مُعَاوِيَةُ ثُمَّ قَالَ: أَنْتُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَخِيرَتُهُ مِنْ خَلَفِهِ وَوُلَاةُ أَمْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، لَا يَطْمَعُ فِيهِ أَحَدٌ غَيْرَكُمْ، اخْتَرْتُمْ صَاحِبَكُمْ عَنْ غَيْرِ غَلَبَةٍ وَلَا طَمَعٍ، وَقَدْ كَبُرَ وَوَلَّى عُمْرُهُ، وَلَوِ انْتَظَرْتُمْ بِهِ الْهَرَمَ لَكَانَ قَرِيبًا، مَعَ أَنِّي أَرْجُو أَنْ يَكُونَ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ أَنْ يَبْلُغَهُ ذَلِكَ، وَقَدْ فَشَتْ مَقَالَةٌ خِفْتُهَا عَلَيْكُمْ فَمَا عَتَبْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ، فَهَذِهِ يَدِي لَكُمْ بِهِ، وَلَا تُطْمِعُوا النَّاسَ فِي أَمْرِكُمْ، فَوَاللَّهِ إِنْ طَمِعُوا فِيهِ لَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا أَبَدًا إِلَّا إِدْبَارًا.
قَالَ عَلِيٌّ: مَا لَكَ وَلِذَلِكَ لَا أُمَّ لَكَ؟ قَالَ: دَعْ أُمِّي فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِشَرِّ أُمَّهَاتِكُمْ، قَدْ أَسْلَمَتْ وَبَايَعَتِ النَّبِيَّ ﷺ وَأَجِبْنِي عَمَّا أَقُولُ لَكَ. فَقَالَ عُثْمَانُ: صَدَقَ ابْنُ أَخِي، أَنَا أُخْبِرُكُمْ عَنِّي وَعَمَّا وُلِّيتُ، إِنَّ صَاحِبَيَّ اللَّذَيْنِ كَانَا قَبْلِي ظَلَمَا أَنْفُسَهُمَا وَمَنْ كَانَ مِنْهُمَا بِسَبِيلٍ احْتِسَابًا، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُعْطِي قَرَابَتَهُ وَأَنَا فِي رَهْطٍ أَهْلِ عَيْلَةٍ وَقِلَّةِ مَعَاشٍ، فَبَسَطْتُ يَدِي فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِمَا أَقُومُ بِهِ فِيهِ، فَإِنْ رَأَيْتُمْ ذَلِكَ خَطَأً فَرُدُّوهُ فَأَمْرِي لِأَمْرِكُمْ تَبَعٌ. فَقَالُوا: قَدْ أَصَبْتَ وَأَحْسَنْتَ، قَدْ أَعْطَيْتَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ خَمْسِينَ أَلْفًا، وَأَعْطَيْتَ مَرْوَانَ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا. فَأُخِذَ مِنْهُمَا ذَلِكَ، فَرَضُوا وَخَرَجُوا رَاضِينَ.
وَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِعُثْمَانَ: اخْرُجْ مَعِي إِلَى الشَّامِ فَإِنَّهُمْ عَلَى الطَّاعَةِ قَبْلَ أَنْ يَهْجُمَ عَلَيْكَ مَنْ لَا قِبَلَ لَكَ بِهِ. فَقَالَ: لَا أَبِيعُ جِوَارَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ وَإِنْ كَانَ فِيهِ خَيْطُ عُنُقِي. قَالَ: فَإِنْ بَعَثْتُ إِلَيْكَ جُنْدًا مِنْهُمْ يُقِيمُ مَعَكَ لِنَائِبَةٍ إِنْ نَابَتْ؟ قَالَ: لَا أُضَيِّقُ عَلَى جِيرَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقَالَ: وَاللَّهِ لَتُغْتَالَنَّ وَلَتُغْزَيَنَّ! فَقَالَ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ!
ثُمَّ خَرَجَ مُعَاوِيَةُ فَمَرَّ عَلَى نَفَرٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فِيهِمْ عَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَعَلَيْهِ ثِيَابُ
стр. 1218
السَّفَرِ، فَقَامَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: إِنَّكُمْ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ كَانَ النَّاسُ يَتَغَالَبُونَ عَلَيْهِ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ وَكَانُوا يَتَفَاضَلُونَ بِالسَّابِقَةِ وَالْقُدْمَةِ وَالِاجْتِهَادِ، فَإِنْ أَخَذُوا بِذَلِكَ فَالْأَمْرُ أَمْرُهُمْ وَالنَّاسُ لَهُمْ تَبَعٌ، وَإِنْ طَلَبُوا الدُّنْيَا بِالتَّغَالُبِ سُلِبُوا ذَلِكَ وَرَدَّهُ اللَّهُ إِلَى غَيْرِهِمْ، وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى الْبَدَلِ لَقَادِرٌ، وَإِنِّي قَدْ خَلَفْتُ فِيكُمْ شَيْخًا فَاسْتَوْصُوا بِهِ خَيْرًا وَكَانِفُوهُ تَكُونُوا أَسْعَدَ مِنْهُ بِذَلِكَ. ثُمَّ وَدَّعَهُمْ وَمَضَى. فَقَالَ عَلِيٌّ: [مَا] كُنْتُ أَرَى فِي هَذَا خَيْرًا. فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللَّهِ مَا كَانَ قَطُّ أَعْظَمَ فِي صَدْرِكَ وَصُدُورِنَا مِنْهُ الْيَوْمَ.
وَاتَّعَدَ الْمُنْحَرِفُونَ عَنْ عُثْمَانَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ بِالْأَمْصَارِ جَمِيعًا إِذَا سَارَ عَنْهَا الْأُمَرَاءُ، فَلَمْ يَتَهَيَّأْ لَهُمْ ذَلِكَ، وَلَمَّا رَجَعَ الْأُمَرَاءُ وَلَمْ يَتِمَّ لَهُمُ الْوُثُوبُ صَارُوا يُكَاتِبُونَ فِي الْقُدُومِ إِلَى الْمَدِينَةِ، لِيَنْظُرُوا فِيمَا يُرِيدُونَ وَيَسْأَلُوا عُثْمَانَ عَنْ أَشْيَاءَ لِتَطِيرَ فِي النَّاسِ. وَكَانَ بِمِصْرَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ يُحَرِّضَانِ عَلَى عُثْمَانَ.
فَلَمَّا خَرَجَ الْمِصْرِيُّونَ خَرَجَ فِيهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُدَيْسٍ الْبَلَوِيُّ فِي خَمْسِمِائَةٍ، وَقِيلَ: فِي أَلْفٍ، وَفِيهِمْ كِنَانَةُ بْنُ بِشْرٍ اللَّيْثِيُّ، وَسَوْدَانُ بْنُ حُمْرَانَ السَّكُونِيُّ، وَقُتَيْرَةُ بْنُ فُلَانٍ السَّكُونِيُّ، وَعَلَيْهِمْ جَمِيعًا الْغَافِقِيُّ بْنُ حَرْبٍ الْعَكِّيُّ، وَخَرَجَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَفِيهِمْ زَيْدُ بْنُ صُوحَانَ الْعَبْدِيُّ، وَالْأَشْتَرُ النَّخَعِيُّ، وَزِيَادُ بْنُ النَّضْرِ الْحَارِثِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَصَمِّ الْعَامِرِيُّ، وَهُمْ فِي عِدَادِ أَهْلِ مِصْرَ، وَخَرَجَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ فِيهِمْ حُكَيْمُ بْنُ جَبَلَةَ الْعَبْدِيُّ، وَذُرَيْحُ بْنُ عَبَّادٍ، وَبِشْرُ بْنُ شُرَيْحٍ الْقَيْسِيُّ، وَابْنُ الْمُحْتَرِشِ، وَهُمْ بِعِدَادِ أَهْلِ مِصْرَ، وَأَمِيرُهُمْ حُرْقُوصُ بْنُ زُهَيْرٍ السَّعْدِيُّ، فَخَرَجُوا جَمِيعًا فِي شَوَّالٍ وَأَظْهَرُوا أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ الْحَجَّ، فَلَمَّا كَانُوا مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى ثَلَاثٍ، تَقَدَّمَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ فَنَزَلُوا ذَا خُشُبٍ، وَكَانَ هَوَاهُمْ فِي طَلْحَةَ، وَتَقَدَّمَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَكَانَ هَوَاهُمْ فِي الزُّبَيْرِ، وَتَرَكُوا الْأَعْوَصَ، وَجَاءَهُمْ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ، وَكَانَ هَوَاهُمْ فِي عَلِيٍّ، وَنَزَلُوا عَامَّتُهُمْ بِذِي الْمَرْوَةِ، وَمَشَى فِيمَا بَيْنَ أَهْلِ مِصْرَ وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ زِيَادُ بْنُ النَّضْرِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَصَمِّ وَقَالَا لَهُمْ: لَا تَعْجَلُوا حَتَّى نَدْخُلَ الْمَدِينَةَ وَنَرْتَادَ لَكُمْ، فَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّهُمْ عَسْكَرُوا لَنَا، فَوَاللَّهِ إِنْ كَانَ هَذَا حَقًّا وَاسْتَحَلُّوا قِتَالَنَا بَعْدَ عِلْمِ حَالِنَا إِنَّ أَمْرَنَا لَبَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي بَلَغَنَا بَاطِلًا رَجَعْنَا إِلَيْكُمْ بِالْخَبَرِ. قَالُوا: اذْهَبَا. فَذَهَبَا فَدَخَلَا الْمَدِينَةَ فَلَقِيَا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَعَلِيًّا وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ، فَقَالَا: إِنَّمَا نُرِيدُ هَذَا الْبَيْتَ وَنَسْتَعْفِي مِنْ بَعْضِ عُمَّالِنَا، وَاسْتَأْذَنَاهُمْ فِي الدُّخُولِ،
стр. 1219
فَكَلَّمَهُمَا أُبَيٌّ وَنَهَاهُمَا، فَرَجَعَا إِلَى أَصْحَابِهِمَا. فَاجْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ فَأَتَوْا عَلِيًّا، وَنَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ فَأَتَوْا طَلْحَةَ، وَنَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ فَأَتَوُا الزُّبَيْرَ، وَقَالَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ: إِنْ بَايَعْنَا صَاحِبَنَا وَإِلَّا كَذَبْنَاهُمْ وَفَرَّقْنَا جَمَاعَتَهُمْ، ثُمَّ رَجَعْنَا عَلَيْهِمْ حَتَّى نُبْغِتَهُمْ. فَأَتَى الْمِصْرِيُّونَ عَلِيًّا وَهُوَ فِي عَسْكَرٍ عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ مُتَقَلِّدًا سَيْفَهُ، وَقَدْ أَرْسَلَ ابْنَهُ الْحَسَنَ إِلَى عُثْمَانَ فِيمَنِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ وَعَرَضُوا عَلَيْهِ، فَصَاحَ بِهِمْ وَطَرَدَهُمْ وَقَالَ: لَقَدْ عَلِمَ الصَّالِحُونَ أَنَّ جَيْشَ ذِي الْمَرْوَةِ وَجَيْشَ ذِي خُشُبٍ وَالْأَعْوَصِ مَلْعُونُونَ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَانْصَرَفُوا عَنْهُ. وَأَتَى الْبَصْرِيُّونَ طَلْحَةَ فَقَالَ لَهُمْ مِثْلَ ذَلِكَ، وَكَانَ قَدْ أَرْسَلَ ابْنَيْهِ إِلَى عُثْمَانَ، وَأَتَى الْكُوفِيُّونَ الزُّبَيْرَ فَقَالَ لَهُمْ مِثْلَ ذَلِكَ، وَكَانَ قَدْ أَرْسَلَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ إِلَى عُثْمَانَ.
فَرَجَعُوا وَتَفَرَّقُوا عَنْ ذِي خُشُبٍ وَذِي الْمَرْوَةِ وَالْأَعْوَصِ إِلَى عَسْكَرِهِمْ لِيَتَفَرَّقَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ثُمَّ يَرْجِعُوا إِلَيْهِمْ. فَلَمَّا بَلَغُوا عَسْكَرَهُمْ تَفَرَّقَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، فَرَجَعُوا بِهِمْ، فَلَمْ يَشْعُرْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ إِلَّا وَالتَّكْبِيرُ فِي نَوَاحِيهَا، وَنَزَلُوهَا وَأَحَاطُوا بِعُثْمَانَ وَقَالُوا: مَنْ كَفَّ يَدَهُ فَهُوَ آمِنٌ. وَصَلَّى عُثْمَانُ بِالنَّاسِ أَيَّامًا، وَلَزِمَ النَّاسُ بُيُوتَهُمْ وَلَمْ يَمْنَعُوا النَّاسَ مِنْ كَلَامِهِ، وَأَتَاهُمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَفِيهِمْ عَلِيٌّ فَقَالَ لَهُمْ: مَا رَدَّكُمْ بَعْدَ ذَهَابِكُمْ؟ فَقَالُوا: أَخَذْنَا مَعَ بَرِيدٍ كِتَابًا بِقَتْلِنَا. وَأَتَى طَلْحَةُ الْكُوفِيِّينَ فَسَأَلَهُمْ عَنْ عَوْدَتِهِمْ فَقَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ. وَأَتَى الزُّبَيْرُ الْبَصْرِيِّينَ فَقَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ، وَكُلٌّ مِنْهُمْ يَقُولُ: نَحْنُ نَمْنَعُ إِخْوَانَنَا وَنَنْصُرُهُمْ، كَأَنَّمَا كَانُوا عَلَى مِيعَادٍ. فَقَالَ لَهُمْ عَلِيٌّ: كَيْفَ عَلِمْتُمْ يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ وَيَا أَهْلَ الْبَصْرَةِ بِمَا لَقِيَ أَهْلُ مِصْرَ وَقَدْ سِرْتُمْ مَرَاحِلَ حَتَّى رَجَعْتُمْ عَلَيْنَا؟ هَذَا وَاللَّهِ أَمْرٌ أُبْرِمَ بِلَيْلٍ! فَقَالُوا: ضَعُوهُ كَيْفَ شِئْتُمْ، لَا حَاجَةَ لَنَا فِي هَذَا الرَّجُلِ - لِيَعْتَزِلْ عَنَّا. وَعُثْمَانُ يُصَلِّي بِهِمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ خَلْفَهُ، وَهُمْ أَدَقُّ فِي عَيْنِهِ مِنَ التُّرَابِ، وَكَانُوا يَمْنَعُونَ النَّاسَ مِنَ الِاجْتِمَاعِ.
وَكَتَبَ عُثْمَانُ إِلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ يَسْتَنْجِدُهُمْ وَيَأْمُرُهُمْ بِالْحَثِّ لِلْمَنْعِ عَنْهُ، وَيُعَرِّفُهُمْ مَا النَّاسُ فِيهِ. فَخَرَجَ أَهْلُ الْأَمْصَارِ عَلَى الصَّعْبِ وَالذَّلُولِ، فَبَعَثَ مُعَاوِيَةُ حَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِيَّ، وَبَعَثَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ مُعَاوِيَةَ بْنَ حُدَيْجٍ، وَخَرَجَ مِنَ الْكُوفَةِ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو وَقَامَ بِالْكُوفَةِ نَفَرٌ يَحُضُّونَ عَلَى إِعَانَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، مِنْهُمْ: عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى، وَحَنْظَلَةُ الْكَاتِبُ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَمِنَ التَّابِعِينَ: مَسْرُوقٌ،
стр. 1220
وَالْأَسْوَدُ، وَشُرَيْحٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَكِيمٍ، وَغَيْرُهُمْ، وَقَامَ بِالْبَصْرَةِ: عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَهِشَامُ بْنُ عَامِرٍ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَمِنَ التَّابِعِينَ: كَعْبُ بْنُ سُورٍ، وَهَرِمُ بْنُ حَيَّانَ، وَغَيْرُهُمَا، وَقَامَ بِالشَّامِ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَكَذَلِكَ بِمِصْرَ.
وَلَمَّا جَاءَتِ الْجُمُعَةُ الَّتِي عَلَى أَثَرِ دُخُولِهِمُ الْمَدِينَةَ، خَرَجَ عُثْمَانُ فَصَلَّى بِالنَّاسِ ثُمَّ قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: يَا هَؤُلَاءِ، اللَّهَ اللَّهَ! فَوَاللَّهِ إِنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ لَيَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ مَلْعُونُونَ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ ﵌ فَامْحُوا الْخَطَأَ بِالصَّوَابِ. فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ: أَنَا أَشْهَدُ بِذَلِكَ، فَأَقْعَدَهُ حَكِيمُ بْنُ جَبَلَةَ، وَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، فَأَقْعَدَهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي قُتَيْرَةَ، وَثَارَ الْقَوْمُ بِأَجْمَعِهِمْ فَحَصَبُوا النَّاسَ حَتَّى أَخْرَجُوهُمْ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَحَصَبُوا عُثْمَانَ حَتَّى صُرِعَ عَنِ الْمِنْبَرِ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَأُدْخِلَ دَارَهُ وَاسْتَقْتَلَ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَعَ عُثْمَانَ، مِنْهُمْ: سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَالْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ عُثْمَانُ يَعْزِمُ عَلَيْهِمْ بِالِانْصِرَافِ، فَانْصَرَفُوا، وَأَقْبَلَ عَلِيٌّ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، فَدَخَلُوا عَلَى عُثْمَانَ يَعُودُونَهُ مِنْ صَرْعَتِهِ، وَيَشْكُونَ إِلَيْهِ مَا يَجِدُونَ، وَكَانَ عِنْدَ عُثْمَانَ نَفَرٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ فِيهِمْ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، فَقَالُوا كُلُّهُمْ لِعَلِيٍّ: أَهْلَكْتَنَا وَصَنَعْتَ هَذَا الصَّنِيعَ، وَاللَّهِ لَئِنْ بَلَغْتَ الَّذِي تُرِيدُ لَتَمُرَّنَ عَلَيْكَ الدُّنْيَا! فَقَامَ مُغْضَبًا وَعَادَ هُوَ وَالْجَمَاعَةُ إِلَى مَنَازِلِهِمْ. وَصَلَّى عُثْمَانُ بِالنَّاسِ بَعْدَمَا نَزَلُوا بِهِ فِي الْمَسْجِدِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، ثُمَّ مَنَعُوهُ الصَّلَاةَ، وَصَلَّى بِالنَّاسِ أَمِيرُهُمُ الْغَافِقِيُّ، وَتَفَرَّقَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فِي حِيطَانِهِمْ وَلَزِمُوا بُيُوتَهُمْ لَا يَجْلِسُ أَحَدٌ وَلَا يَخْرُجُ إِلَّا بِسَيْفِهِ لِيَتَمَنَّعَ بِهِ، وَكَانَ الْحِصَارُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَمَنْ تَعَرَّضَ لَهُمْ وَضَعُوا فِيهِ السِّلَاحَ.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، وَمُحَمَّدَ بْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ كَانَا بِمِصْرَ يُحَرِّضَانِ عَلَى عُثْمَانَ، وَسَارَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ مَعَ مَنْ سَارَ إِلَى عُثْمَانَ، وَأَقَامَ ابْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ بِمِصْرَ وَغَلَبَ عَلَيْهَا لَمَّا سَارَ عَنْهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ، عَلَى مَا يَأْتِي. فَلَمَّا خَرَجَ الْمِصْرِيُّونَ إِلَى قَصْدِ عُثْمَانَ أَظْهَرُوا أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ الْعُمْرَةَ وَخَرَجُوا فِي رَجَبٍ وَعَلَيْهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُدَيْسٍ
стр. 1221
الْبَلَوِيُّ، وَبَعَثَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ رَسُولًا إِلَى عُثْمَانَ يُخْبِرُهُ بِحَالِهِمْ، وَأَنَّهُمْ قَدْ أَظْهَرُوا الْعُمْرَةَ وَقَصْدُهُمْ خَلْعُهُ أَوْ قَتْلُهُ، فَخَطَبَ عُثْمَانُ النَّاسَ وَأَعْلَمَهُمْ حَالَهُمْ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّهُمْ قَدْ أَسْرَعُوا إِلَى الْفِتْنَةِ وَاسْتَطَالُوا عُمْرِي، وَاللَّهِ لَئِنْ فَارَقْتُهُمْ لِيَتَمَنَّوْنَ أَنَّ عُمْرِي كَانَ عَلَيْهِمْ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ سَنَةً مِمَّا يَرَوْنَ مِنَ الدِّمَاءِ الْمَسْفُوكَةِ وَالْإِحَنِ وَالْأَثَرَةِ الظَّاهِرَةِ وَالْأَحْكَامِ الْمُغَيَّرَةِ.
وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ قَدْ خَرَجَ إِلَى عُثْمَانَ فِي آثَارِ الْمِصْرِيِّينَ بِإِذْنِهِ لَهُ، فَلَمَّا كَانَ بِأَيْلَةَ بَلَغَهُ أَنَّ الْمِصْرِيِّينَ رَجَعُوا إِلَى عُثْمَانَ فَحَصَرُوهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ غَلَبَ عَلَى مِصْرَ وَاسْتَجَابُوا لَهُ، فَعَادَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى مِصْرَ فَمُنِعَ عَنْهَا، فَأَتَى فِلَسْطِينَ فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى قُتِلَ عُثْمَانُ.
فَلَمَّا نَزَلَ الْقَوْمُ ذَا خُشُبٍ يُرِيدُونَ قَتْلَ عُثْمَانَ إِنْ لَمْ يَنْزِعْ عَمَّا يَكْرَهُونَ، وَلَمَّا رَأَى عُثْمَانُ ذَلِكَ جَاءَ إِلَى عَلِيٍّ فَدَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ فَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ عَمِّ، إِنَّ قَرَابَتِي قَرِيبَةٌ وَلِي عَلَيْكَ حَقٌّ عَظِيمٌ، وَقَدْ جَاءَ مَا تَرَى مِنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ وَهُمْ مُصَبِّحِيَّ، وَلَكَ عِنْدَ النَّاسِ قَدْرٌ وَهُمْ يَسْمَعُونَ مِنْكَ، وَأُحِبُّ أَنْ تَرْكَبَ إِلَيْهِمْ فَتَرُدَّهُمْ عَنِّي، فَإِنَّ فِي دُخُولِهِمْ عَلَيَّ تَوْهِينًا لِأَمْرِي وَجُرْأَةً عَلَيَّ! فَقَالَ عَلِيٌّ: عَلَى أَيِّ شَيْءٍ أَرُدُّهُمْ عَنْكَ؟ قَالَ: عَلَى أَنْ أَصِيرَ إِلَى مَا أَشَرْتَ إِلَيْهِ وَرَأَيْتَهُ لِي. فَقَالَ عَلِيٌّ: إِنِّي قَدْ كَلَّمْتُكَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، فَكُلُّ ذَلِكَ نَخْرُجُ وَنَقُولُ ثُمَّ تَرْجِعُ عَنْهُ، وَهَذَا مِنْ فِعْلِ مَرْوَانَ، وَابْنِ عَامِرٍ، وَمُعَاوِيَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ، فَإِنَّكَ أَطَعْتَهُمْ وَعَصَيْتَنِي. قَالَ عُثْمَانُ: فَأَنَا أَعْصِيهِمْ وَأُطِيعُكَ.
فَأَمَرَ النَّاسَ فَرَكِبَ مَعَهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ثَلَاثُونَ رَجُلًا فِيهِمْ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، وَأَبُو جَهْمٍ الْعَدَوِيُّ، وَجَبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ، وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، وَمَرْوَانُ وَسَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ، وَمِنَ الْأَنْصَارِ أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ، وَأَبُو حُمَيْدٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَحَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، وَمِنَ الْعَرَبِ نِيَارُ بْنُ مِكْرَزٍ، فَأَتَوُا الْمِصْرِيِّينَ فَكَلَّمُوهُمْ، وَكَانَ الَّذِي يُكَلِّمُهُمْ عَلِيٌّ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَسَمِعُوا مَقَالَتَهُمْ وَرَجَعُوا إِلَى مِصْرَ. فَقَالَ ابْنُ عُدَيْسٍ لِمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ: أَتُوصِينَا بِحَاجَةٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، تَتَّقِي اللَّهَ وَتَرُدُّ مَنْ قِبَلَكَ عَنْ إِمَامِهِمْ، فَإِنَّهُ قَدْ وَعَدَنَا أَنْ يَرْجِعَ وَيَنْزِعَ. قَالَ ابْنُ عُدَيْسٍ: أَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَرَجَعَ عَلِيٌّ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَدَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ فَأَخْبَرَهُ بِرُجُوعِهِمْ وَكَلَّمَهُ بِمَا فِي نَفْسِهِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ، فَمَكَثَ عُثْمَانُ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَجَاءَهُ مَرْوَانُ بُكْرَةَ الْغَدِ فَقَالَ لَهُ:
стр. 1222
تَكَلَّمْ وَأَعْلِمِ النَّاسَ أَنَّ أَهْلَ مِصْرَ قَدْ رَجَعُوا، وَأَنَّ مَا بَلَغَهُمْ عَنْ إِمَامِهِمْ كَانَ بَاطِلًا قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ النَّاسُ إِلَيْكَ مِنْ أَمْصَارِهِمْ وَيَأْتِيَكَ مَا لَا تَسْتَطِيعُ دَفْعَهُ. فَفَعَلَ عُثْمَانُ، فَلَمَّا خَطَبَ النَّاسَ قَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: اتَّقِ اللَّهَ يَا عُثْمَانُ، فَإِنَّكَ قَدْ رَكِبْتَ أُمُورًا وَرَكِبْنَاهَا مَعَكَ، فَتُبْ إِلَى اللَّهِ نَتُبْ. فَنَادَاهُ عُثْمَانُ: وَإِنَّكَ هُنَالِكَ يَا ابْنَ النَّابِغَةِ! قَمِلَتْ وَاللَّهِ جُبَّتُكَ مُنْذُ عَزَلْتُكَ عَنِ الْعَمَلِ! فَنُودِيَ مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى: تُبْ إِلَى اللَّهِ. فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ تَائِبٍ!
وَخَرَجَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِلَى مَنْزِلِهِ بِفِلَسْطِينَ، وَكَانَ يَقُولُ: وَاللَّهِ إِنِّي كُنْتُ لَأَلْقَى الرَّاعِيَ فَأُحَرِّضُهُ عَلَى عُثْمَانَ. وَأَتَى عَلِيًّا وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ فَحَرَّضَهُمْ عَلَى عُثْمَانَ، (فَبَيْنَمَا هُوَ بِقَصْرِهِ بِفِلَسْطِينَ وَمَعَهُ ابْنَاهُ مُحَمَّدٌ وَعَبْدُ اللَّهِ، وَسَلَامَةُ بْنُ رَوْحٍ الْجِذَامِيُّ إِذْ مَرَّ بِهِ رَاكِبٌ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَسَأَلَهُ عَمْرٌو عَنْ عُثْمَانَ، فَقَالَ: هُوَ مَحْصُورٌ. قَالَ عَمْرٌو: أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، قَدْ يَضْرِطُ الْعِيرُ وَالْمِكْوَاةُ فِي النَّارِ. ثُمَّ مَرَّ بِهِ رَاكِبٌ آخَرُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: قُتِلَ عُثْمَانُ. فَقَالَ عَمْرٌو: أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، إِذَا حَكَكْتُ قُرْحَةً نَكَأْتُهَا. فَقَالَ لَهُ سَلَامَةُ بْنُ رَوْحٍ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ كَانَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الْعَرَبِ بَابٌ فَكَسَرْتُمُوهُ! فَقَالَ: أَرَدْنَا أَنْ نُخْرِجَ الْحَقَّ مِنْ خَاصِرَةِ الْبَاطِلِ لِيَكُونَ النَّاسُ فِي الْحَقِّ شَرَعًا سَوَاءً) .
وَقِيلَ: إِنَّ عَلِيًّا لَمَّا رَجَعَ مِنْ عِنْدِ الْمِصْرِيِّينَ بَعْدَ رُجُوعِهِمْ إِلَى عُثْمَانَ قَالَ لَهُ: تَكَلَّمْ كَلَامًا يَسْمَعُهُ النَّاسُ مِنْكَ وَيَشْهَدُونَ عَلَيْكَ، وَيَشْهَدُ اللَّهُ عَلَى مَا فِي قَلْبِكَ مِنَ النُّزُوعِ وَالْأَمَانَةِ، فَإِنَّ الْبِلَادَ قَدْ تَمَخَّضَتْ عَلَيْكَ، فَلَا آمَنُ أَنْ يَجِيءَ رَكْبٌ آخَرُ مِنَ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ فَتَقُولَ: يَا عَلِيُّ ارْكَبْ إِلَيْهِمْ، فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ رَأَيْتَنِي قَدْ قَطَعْتُ رَحِمَكَ وَاسْتَخْفَفْتُ بِحَقِّكَ. فَخَرَجَ عُثْمَانُ فَخَطَبَ الْخُطْبَةَ الَّتِي نَزَعَ فِيهَا وَأَعْطَى النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ التَّوْبَةَ وَقَالَ: أَنَا أَوَّلُ مَنِ اتَّعَظَ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِمَّا فَعَلْتُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، فَمِثْلِي نَزَعَ وَتَابَ، فَإِذَا نَزَلْتُ فَلْيَأْتِنِي أَشْرَافُكُمْ فَلْيَرَوْا فِيَّ رَأْيَهُمْ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ رَدَّنِي الْحَقُّ عَبْدًا لَأَسْتَنَّنَّ بِسُنَّةِ الْعَبْدِ وَلَأَذِلَّنَّ ذُلَّ الْعَبْدِ، وَمَا عَنِ اللَّهِ مَذْهَبٌ إِلَّا إِلَيْهِ، فَوَاللَّهِ لَأُعْطِيَنَّكُمُ الرِّضَا وَلَأُنَحِّيَنَّ مَرْوَانَ وَذَوِيهِ، وَلَا أَحْتَجِبُ عَنْكُمْ! فَرَقَّ النَّاسُ وَبَكَوْا حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ وَبَكَى هُوَ أَيْضًا.
فَلَمَّا نَزَلَ عُثْمَانُ وَجَدَ مَرْوَانَ وَسَعِيدًا وَنَفَرًا مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ فِي مَنْزِلِهِ لَمْ يَكُونُوا شَهِدُوا
стр. 1223
خُطْبَتَهُ، فَلَمَّا جَلَسَ قَالَ مَرْوَانُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَتَكَلَّمُ أَمْ أَسْكُتُ؟ فَقَالَتْ نَائِلَةُ بِنْتُ الْفَرَافِصَةِ امْرَأَةُ عُثْمَانَ: لَا بَلِ اصْمُتْ فَإِنَّهُمْ وَاللَّهِ قَاتِلُوهُ وَمُؤَثِّمُوهُ، إِنَّهُ قَدْ قَالَ مَقَالَةً لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْزِعَ عَنْهَا. فَقَالَ لَهَا مَرْوَانُ: مَا أَنْتِ وَذَاكَ! فَوَاللَّهِ قَدْ مَاتَ أَبُوكِ وَمَا يُحْسِنُ يَتَوَضَّأُ! فَقَالَتْ: مَهْلًا يَا مَرْوَانُ عَنْ ذِكْرِ (الْآبَاءِ! تُخْبِرُ) عَنْ أَبِي وَهُوَ غَائِبٌ تَكْذِبُ عَلَيْهِ، وَإِنَّ أَبَاكَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ؟ أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّهُ عَمُّهُ. (وَأَنَّهُ يَنَالُهُ غَمُّهُ) لَأَخْبَرْتُكَ عَنْهُ مَا لَنْ أَكْذِبَ عَلَيْهِ. قَالَتْ: فَأَعْرَضَ عَنْهَا مَرْوَانُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَتَكَلَّمُ أَمْ أَسْكُتُ؟ قَالَ: تَكَلَّمْ. فَقَالَ مَرْوَانُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ مَقَالَتَكَ هَذِهِ كَانَتْ وَأَنْتَ مُمْتَنِعٌ فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ رَضِيَ بِهَا وَأَعَانَ عَلَيْهَا، وَلَكِنَّكَ قُلْتَ مَا قُلْتَ وَقَدْ بَلَغَ الْحِزَامُ الطِّبْيَيْنِ وَخَلَّفَ السَّيْلُ الزُّبَى، وَحِينَ أَعْطَى الْخُطَّةَ الذَّلِيلَةَ الذَّلِيلُ، وَاللَّهِ لَإِقَامَةٌ عَلَى خَطِيئَةٍ يُسْتَغْفَرُ مِنْهَا أَجْمَلُ مِنْ تَوْبَةٍ يُخَوَّفُ عَلَيْهَا، وَأَنْتَ إِنْ شِئْتَ تَقَرَّبْتَ بِالتَّوْبَةِ وَلَمْ تُقِرَّ بِالْخَطِيئَةِ، وَقَدِ اجْتَمَعَ بِالْبَابِ أَمْثَالُ الْجِبَالِ مِنَ النَّاسِ. فَقَالَ عُثْمَانُ: فَاخْرُجْ إِلَيْهِمْ فَكَلِّمْهُمْ فَإِنِّي أَسْتَحْيِي أَنْ أُكَلِّمَهُمْ. فَخَرَجَ مَرْوَانُ إِلَى الْبَابِ وَالنَّاسُ يَرْكَبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ قَدِ اجْتَمَعْتُمْ كَأَنَّكُمْ قَدْ جِئْتُمْ لِنَهْبٍ؟ شَاهَتِ الْوُجُوهُ! أَلَا مَنْ أُرِيدَ؟ جِئْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنْزِعُوا مُلْكَنَا مِنْ أَيْدِينَا! اخْرُجُوا عَنَّا، وَاللَّهِ لَئِنْ رُمْتُمُونَا لَيَمُرَّنَّ عَلَيْكُمْ مِنَّا أَمْرٌ لَا يَسُرُّكُمْ وَلَا تَحْمَدُوا غِبَّ رَأْيِكُمْ. ارْجِعُوا إِلَى مَنَازِلِكُمْ فَإِنَّا وَاللَّهِ مَا نَحْنُ بِمَغْلُوبِينَ عَلَى مَا فِي أَيْدِينَا. فَرَجَعَ النَّاسُ وَأَتَى بَعْضُهُمْ عَلِيًّا فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ.
فَأَقْبَلَ عَلِيٌّ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ فَقَالَ: أَحَضَرْتَ خُطْبَةَ عُثْمَانَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَفَحَضَرْتَ مَقَالَةَ مَرْوَانَ لِلنَّاسِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ عَلِيٌّ: أَيْ عِبَادَ اللَّهِ! يَا لَلْمُسْلِمِينَ! إِنِّي إِنْ قَعَدْتُ فِي بَيْتِي قَالَ لِي: تَرَكْتَنِي وَقَرَابَتِي وَحَقِّي، وَإِنِّي إِنْ تَكَلَّمْتُ فَجَاءَ مَا يُرِيدُ يَلْعَبُ بِهِ مَرْوَانُ فَصَارَ سَيِّقَةً لَهُ يَسُوقُهُ حَيْثُ يَشَاءُ بَعْدَ كِبَرِ السِّنِّ وَصُحْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَقَامَ مُغْضَبًا حَتَّى دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ فَقَالَ لَهُ: أَمَا رَضِيتَ مِنْ مَرْوَانَ وَلَا رَضِيَ مِنْكَ إِلَّا بِتَحَرُّفِكَ عَنْ دِينِكَ وَعَنْ عَقْلِكَ مِثْلَ جَمَلِ الظَّعِينَةِ يُقَادُ حَيْثُ يُسَارُ بِهِ؟
стр. 1224
وَاللَّهِ مَا مَرْوَانُ بِذِي رَأْيٍ فِي دِينِهِ وَلَا نَفْسِهِ! وَايْمُ اللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ يُورِدُكَ وَلَا يُصْدِرُكَ! وَمَا أَنَا عَائِدٌ بَعْدَ مَقَامِي هَذَا لِمُعَاتَبَتِكَ، أَذْهَبْتَ شَرَفَكَ وَغُلِبْتَ عَلَى رَأْيِكَ.
(فَلَمَّا خَرَجَ عَلِيٌّ دَخَلَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ نَائِلَةُ ابْنَةُ الْفَرَافِصَةِ فَقَالَتْ: قَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ عَلِيٍّ وَلَيْسَ يُعَاوِدُكَ، وَقَدْ أَطَعْتَ مَرْوَانَ يَقُودُكَ حَيْثُ شَاءَ. قَالَ: فَمَا أَصْنَعُ؟ قَالَتْ: تَتَّقِي اللَّهَ وَتَتَّبِعُ سُنَّةَ صَاحِبَيْكَ، فَإِنَّكَ مَتَى أَطَعْتَ مَرْوَانَ قَتَلَكَ، وَمَرْوَانُ لَيْسَ لَهُ عِنْدَ النَّاسِ قَدْرٌ وَلَا هَيْبَةٌ وَلَا مَحَبَّةٌ، وَإِنَّمَا تَرَكَكَ النَّاسُ لِمَكَانِهِ، فَأَرْسِلْ إِلَى عَلِيٍّ فَاسْتَصْلِحْهُ فَإِنَّ لَهُ قَرَابَةً وَهُوَ لَا يُعْصَى. فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى عَلِيٍّ فَلَمْ يَأْتِهِ وَقَالَ: قَدْ أَعْلَمْتُهُ أَنِّي غَيْرُ عَائِدٍ. فَبَلَغَ مَرْوَانَ مَقَالَةُ نَائِلَةَ فِيهِ، فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْ عُثْمَانَ فَقَالَ: يَا ابْنَةَ الْفَرَافِصَةِ! فَقَالَ عُثْمَانُ: لَا تَذْكُرَنَّهَا بِحَرْفٍ فَأُسَوِّدَ وَجْهَكَ، فَهِيَ وَاللَّهِ أَنْصَحُ لِي! فَكَفَّ مَرْوَانُ) .
وَأَتَى عُثْمَانُ إِلَى عَلِيٍّ بِمَنْزِلِهِ لَيْلًا وَقَالَ لَهُ: إِنِّي غَيْرُ عَائِدٍ، وَإِنِّي فَاعِلٌ. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: بَعْدَمَا تَكَلَّمْتَ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَعْطَيْتَ مِنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ دَخَلْتَ بَيْتَكَ فَخَرَجَ مَرْوَانُ إِلَى النَّاسِ يَشْتُمُهُمْ عَلَى بَابِكَ وَيُؤْذِيهِمْ. فَخَرَجَ عُثْمَانُ مِنْ عِنْدِهِ وَهُوَ يَقُولُ: خَذَلْتَنِي وَجَرَّأْتَ النَّاسَ عَلَيَّ. فَقَالَ عَلِيٌّ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَكْثَرُ النَّاسِ ذَبًّا عَنْكَ، وَلَكِنِّي كُلَّمَا جِئْتُ بِشَيْءٍ أَظُنُّهُ لَكَ رِضًا جَاءَ مَرْوَانُ بِأُخْرَى فَسَمِعْتَ قَوْلَهُ وَتَرَكْتَ قَوْلِي.
وَلَمْ يَعُدْ عَلِيٌّ يَعْمَلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ إِلَى أَنْ مُنِعَ عُثْمَانُ الْمَاءَ. فَقَالَ عَلِيٌّ لِطَلْحَةَ (أُرِيدُ أَنْ) تُدْخَلَ عَلَيْهِ الرَّوَايَا، وَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا حَتَّى دَخَلَتِ الرَّوَايَا عَلَى عُثْمَانَ.
قَالَ: وَقَدْ قِيلَ إِنْ عَلِيًّا كَانَ عِنْدَ حَصْرِ عُثْمَانَ بِخَيْبَرَ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ وَالنَّاسُ مُجْتَمِعُونَ عِنْدَ طَلْحَةَ، وَكَانَ مِمَّنْ لَهُ فِيهِ أَثَرٌ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلِيٌّ أَتَاهُ عُثْمَانُ وَقَالَ لَهُ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ لِي حَقَّ الْإِسْلَامِ وَحَقَّ الْإِخَاءِ وَالْقَرَابَةِ وَالصِّهْرِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ وَكُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَكَانَ عَارًا عَلَى بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ أَنْ يَنْتَزِعَ أَخُو بَنِي تَيْمٍ، يَعْنِي طَلْحَةَ أَمْرَهُمْ. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: سَيَأْتِيكَ الْخَبَرُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَرَأَى أُسَامَةَ فَتَوَكَّأَ عَلَى يَدِهِ حَتَّى دَخَلَ دَارَ طَلْحَةَ، وَهُوَ [فِي] خَلْوَةٍ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَ لَهُ: يَا طَلْحَةُ مَا هَذَا الْأَمْرُ الَّذِي وَقَعْتَ فِيهِ؟ فَقَالَ يَا أَبَا
стр. 1225
الْحَسَنِ بَعْدَمَا مَسَّ الْحِزَامُ الطِّبْيَيْنِ. فَانْصَرَفَ عَلِيٌّ حَتَّى أَتَى بَيْتَ الْمَالِ فَقَالَ: افْتَحُوهُ، فَلَمْ يَجِدُوا الْمَفَاتِيحَ، فَكَسَرَ الْبَابَ وَأَعْطَى النَّاسَ، فَانْصَرَفُوا مِنْ عِنْدِ طَلْحَةَ حَتَّى بَقِيَ وَحْدَهُ، وَسُرَّ بِذَلِكَ عُثْمَانُ، وَجَاءَ طَلْحَةُ فَدَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ وَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَرَدْتُ أَمْرًا فَحَالَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ! فَقَالَ عُثْمَانُ: وَاللَّهِ مَا جِئْتَ تَائِبًا، وَلَكِنْ جِئْتَ مَغْلُوبًا، اللَّهُ حَسِيبُكَ يَا طَلْحَةُ!
[ذكر مَقْتَلِ عُثْمَانَ]
قَدْ ذَكَرْنَا سَبَبَ مَسِيرِ النَّاسِ إِلَى قَتْلِ عُثْمَانَ. وَقَدْ تَرَكْنَا كَثِيرًا مِنَ الْأَسْبَابِ الَّتِي جَعَلَهَا النَّاسُ ذَرِيعَةً إِلَى قَتْلِهِ لِعِلَلٍ دَعَتْ إِلَى ذَلِكَ، وَنَذْكُرُ الْآنَ كَيْفَ قُتِلَ، وَمَا كَانَ بَدْءُ ذَلِكَ وَابْتِدَاءُ الْجُرْأَةِ عَلَيْهِ قَبْلَ قَتْلِهِ.
فَكَانَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ إِبِلًا مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ قُدِمَ بِهَا عَلَى عُثْمَانَ، فَوَهَبَهَا لِبَعْضِ بَنِي الْحَكَمِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، فَأَخَذَهَا وَقَسَّمَهَا بَيْنَ النَّاسِ وَعُثْمَانُ فِي الدَّارِ.
قِيلَ: وَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اجْتَرَأَ عَلَى عُثْمَانَ بِالْمَنْطِقِ جَبَلَةُ بْنُ عَمْرٍو السَّاعِدِيُّ، مَرَّ بِهِ عُثْمَانُ وَهُوَ فِي نَادِي قَوْمِهِ وَبِيَدِهِ جَامِعَةٌ، فَسَلَّمَ فَرَدَّ الْقَوْمُ، فَقَالَ جَبَلَةُ: لِمَ تَرُدُّونَ عَلَى رَجُلٍ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا؟ ثُمَّ قَالَ لِعُثْمَانَ: وَاللَّهِ لَأَطْرَحَنَّ هَذِهِ الْجَامِعَةَ فِي عُنُقِكَ أَوْ لَتَتْرُكَنَّ بِطَانَتَكَ هَذِهِ الْخَبِيثَةَ: مَرْوَانَ، وَابْنَ عَامِرٍ، وَابْنَ سَعْدٍ، مِنْهُمْ مَنْ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِذَمِّهِ وَأَبَاحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَمَهُ. فَاجْتَرَأَ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ لَهُ فِي خُطْبَتِهِ.
قِيلَ: وَخَطَبَ يَوْمًا وَبِيَدِهِ عَصًا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَخْطُبُونَ عَلَيْهَا، فَأَخَذَهَا جَهْجَاهُ الْغِفَارِيُّ مِنْ يَدِهِ وَكَسَرَهَا عَلَى رُكْبَتِهِ، فَرُمِيَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ بِأَكِلَةٍ.
стр. 1226
وَقِيلَ: كَتَبَ جَمْعٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ إِلَى مَنْ بِالْآفَاقِ مِنْهُمْ: إِنْ أَرَدْتُمُ الْجِهَادَ فَهَلُمُّوا إِلَيْهِ فَإِنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ ﷺ قَدْ أَفْسَدَهُ خَلِيفَتُكُمْ فَأَقِيمُوهُ. فَاخْتَلَفَتْ قُلُوبُ النَّاسِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَجَاءَ الْمِصْرِيُّونَ - كَمَا ذَكَرْنَا - إِلَى الْمَدِينَةِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ عَلِيٌّ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ - كَمَا تَقَدَّمَ - فَكَلَّمَاهُمْ فَعَادُوا ثُمَّ رَجَعُوا، فَلَمَّا رَجَعُوا انْطَلَقَ إِلَيْهِمْ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَسَأَلَهُمْ عَنْ سَبَبِ عَوْدَتِهِمْ، فَأَخْرَجُوا صَحِيفَةً فِي أُنْبُوبَةِ رَصَاصٍ وَقَالُوا: وَجَدْنَا غُلَامَ عُثْمَانَ بِالْبُوَيْبِ عَلَى بَعِيرٍ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، فَفَتَّشْنَا مَتَاعَهُ فَوَجَدْنَا فِيهِ هَذِهِ الصَّحِيفَةَ يَأْمُرُ فِيهَا بِجَلْدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُدَيْسٍ، وَعَمْرِو بْنِ الْحَمِقِ، وَعُرْوَةَ بْنِ الْبَيَّاعِ وَحَبْسِهِمْ وَحَلْقِ رُءُوسِهِمْ وَلِحَاهُمْ وَصَلْبِ بَعْضِهِمْ. وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي أُخِذَتْ مِنْهُ الصَّحِيفَةُ أَبُو الْأَعْوَرِ السُّلَمِيُّ. فَلَمَّا رَأَوْهُ سَأَلُوهُ عَنْ مَسِيرِهِ وَهَلْ مَعَهُ كِتَابٌ فَقَالَ: لَا. فَسَأَلُوهُ فِي أَيِّ شَيْءٍ هُوَ، فَتَغَيَّرَ كَلَامُهُ، فَأَنْكَرُوهُ وَفَتَّشُوهُ وَأَخَذُوا الْكِتَابَ مِنْهُ وَعَادُوا وَعَادَ الْكُوفِيُّونَ وَالْبَصْرِيُّونَ. فَلَمَّا عَادَ أَهْلُ مِصْرَ أَخْبَرُوا بِذَلِكَ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ وَقَالُوا لَهُ: قَدْ كَلَّمْنَا عَلِيًّا وَوَعَدَنَا أَنْ يُكَلِّمَهُ، وَكَلَّمْنَا سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، وَسَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ فَقَالَا: لَا نَدْخُلُ فِي أَمْرِكُمْ. وَقَالُوا لِمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ لِيَحْضُرَ مَعَ عَلِيٍّ عِنْدَ عُثْمَانَ بَعْدَ الظُّهْرِ، فَوَعَدَهُمْ بِذَلِكَ، فَدَخَلَ عَلِيٌّ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ عَلَى عُثْمَانَ فَاسْتَأْذَنَا لِلْمِصْرِيِّينَ عَلَيْهِ، وَعِنْدَهُ مَرْوَانُ، فَقَالَ: دَعْنِي أُكَلِّمْهُمْ. فَقَالَ عُثْمَانُ: اسْكُتْ فَضَّ اللَّهُ فَاكَ! مَا أَنْتَ وَهَذَا الْأَمْرُ؟ اخْرُجْ عَنِّي! فَخَرَجَ مَرْوَانُ. وَقَالَ عَلِيٌّ وَمُحَمَّدٌ لِعُثْمَانَ مَا قَالَ الْمِصْرِيُّونَ، فَأَقْسَمَ بِاللَّهِ: مَا كَتَبْتُهُ وَلَا عِلْمَ [لِي] بِهِ. فَقَالَ مُحَمَّدٌ: صَدَقَ، هَذَا مِنْ عَمَلِ مَرْوَانَ.
وَدَخَلَ عَلَيْهِ الْمِصْرِيُّونَ فَلَمْ يُسَلِّمُوا عَلَيْهِ بِالْخِلَافَةِ، فَعَرَفُوا الشَّرَّ فِيهِمْ، وَتَكَلَّمُوا فَذَكَرَ ابْنُ عُدَيْسٍ مَا فَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ بِالْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ، وَالِاسْتِئْثَارِ فِي الْغَنَائِمِ، فَإِذَا قِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ قَالَ: هَذَا كِتَابُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. وَذَكَرُوا شَيْئًا مِمَّا أَحْدَثَ بِالْمَدِينَةِ، وَقَالُوا لَهُ: وَخَرَجْنَا مِنْ مِصْرَ وَنَحْنُ نُرِيدُ قَتْلَكَ، فَرَدَّنَا عَلِيٌّ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَضَمِنَا لَنَا النُّزُوعَ عَنْ كُلِّ مَا تَكَلَّمْنَا فِيهِ، فَرَجَعْنَا إِلَى بِلَادِنَا فَرَأَيْنَا غُلَامَكَ وَكِتَابَكَ وَعَلَيْهِ خَاتَمُكَ تَأْمُرُ عَبْدَ اللَّهِ بِجَلْدِنَا وَالْمُثْلَةِ بِنَا وَطُولِ الْحَبْسِ.
فَحَلَفَ عُثْمَانُ أَنَّهُ مَا كَتَبَ وَلَا أَمَرَ وَلَا عَلِمَ. فَقَالَ عَلِيٌّ وَمُحَمَّدٌ: صَدَقَ عُثْمَانُ. قَالَ الْمِصْرِيُّونَ: فَمَنْ كَتَبَهُ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي. قَالُوا: فَيَجْتَرِأُ عَلَيْكَ وَيَبْعَثُ غُلَامَكَ وَجَمَلًا مِنَ الصَّدَقَةِ، وَيَنْقُشُ عَلَى خَاتَمِكَ، وَيَبْعَثُ إِلَى عَامِلِكَ بِهَذِهِ الْأُمُورِ الْعَظِيمَةِ وَأَنْتَ لَا تَعْلَمُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالُوا: مَا أَنْتَ إِلَّا صَادِقٌ أَوْ كَاذِبٌ، فَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَقَدِ اسْتَحْقَقْتَ الْخَلْعَ لِمَا
стр. 1227
أَمَرْتَ بِهِ مَنْ قَتْلِنَا بِغَيْرِ حَقٍّ، وَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَقَدِ اسْتَحْقَقْتَ أَنْ تَخْلَعَ نَفْسَكَ لِضَعْفِكَ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ، وَغَفْلَتِكَ وَخُبْثِ بِطَانَتِكَ، وَلَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتْرُكَ هَذَا الْأَمْرَ بِيَدِ مَنْ تُقْطَعُ الْأُمُورُ دُونَهُ لِضَعْفِهِ وَغَفْلَتِهِ، فَاخْلَعْ نَفْسَكَ مِنْهُ كَمَا خَلَعَكَ اللَّهُ! فَقَالَ: لَا أَنْزِعُ قَمِيصًا أَلْبَسَنِيهِ اللَّهُ، وَلَكِنِّي أَتُوبُ وَأَنْزِعُ. قَالُوا: لَوْ كَانَ هَذَا أَوَّلَ ذَنْبٍ تُبْتَ مِنْهُ قَبِلْنَا، وَلَكِنَّا رَأَيْنَاكَ تَتُوبُ ثُمَّ تَعُودُ، وَلَسْنَا مُنْصَرِفِينَ حَتَّى نَخْلَعَكَ أَوْ نَقْتُلَكَ أَوْ تَلْحَقَ أَرْوَاحُنَا بِاللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ مَنَعَكَ أَصْحَابُكَ وَأَهْلُكَ قَاتَلْنَاهُمْ حَتَّى نَخْلُصَ إِلَيْكَ. فَقَالَ: أَمَّا أَنْ أَتَبَرَّأَ مِنْ خِلَافَةِ اللَّهِ فَالْقَتْلُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا قَوْلُكُمْ تُقَاتِلُونَ مَنْ مَنَعَنِي فَإِنِّي لَا آمُرُ أَحَدًا بِقِتَالِكُمْ، فَمَنْ قَاتَلَكُمْ فَبِغَيْرِ أَمْرِي قَاتَلَ، وَلَوْ أَرَدْتُ قِتَالَكُمْ لَكَتَبْتُ إِلَى الْأَجْنَادِ فَقَدِمُوا عَلَيَّ أَوْ لَحِقْتُ بِبَعْضِ أَطْرَافِي. وَكَثُرَتِ الْأَصْوَاتُ وَاللَّغَطُ.
فَقَامَ عَلِيٌّ فَخَرَجَ وَأَخْرَجَ الْمِصْرِيِّينَ وَمَضَى عَلِيٌّ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَحَصَرَ الْمِصْرِيُّونَ عُثْمَانَ، وَكَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَابْنِ عَامِرٍ وَأُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ يَسْتَنْجِدُهُمْ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالْعَجَلِ وَإِرْسَالِ الْجُنُودِ إِلَيْهِ. فَتَرَبَّصَ بِهِ مُعَاوِيَةُ، فَقَامَ فِي أَهْلِ الشَّامِ يَزِيدُ بْنُ أَسَدٍ الْقَسْرِيُّ جَدُّ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيِّ، فَتَبِعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَسَارَ بِهِمْ إِلَى عُثْمَانَ، فَلَمَّا كَانُوا بِوَادِي الْقُرَى بَلَغَهُمْ قَتْلُ عُثْمَانَ فَرَجَعُوا. وَقِيلَ: بَلْ سَارَ مِنَ الشَّامِ حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِيُّ، وَسَارَ مِنَ الْبَصْرَةِ مُجَاشِعُ بْنُ مَسْعُودٍ السُّلَمِيُّ، فَلَمَّا وَصَلُوا الرَّبَذَةَ وَنَزَلَتْ مُقَدَّمَتُهُمْ صِرَارًا بِنَاحِيَةِ الْمَدِينَةِ أَتَاهُمْ قَتْلُ عُثْمَانَ فَرَجَعُوا.
وَكَانَ عُثْمَانُ قَدِ اسْتَشَارَ نُصَحَاءَهُ فِي أَمْرِهِ، فَأَشَارُوا عَلَيْهِ أَنْ يُرْسِلَ إِلَى عَلِيٍّ يَطْلُبُ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمْ وَيُعْطِيَهُمْ مَا يُرْضِيهِمْ لِيُطَاوِلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَهُ إِمْدَادُهُ. فَقَالَ: إِنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ التَّعَلُّلَ، وَقَدْ كَانَ مِنِّي فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى مَا كَانَ. فَقَالَ مَرْوَانُ: أَعْطِهُمْ مَا سَأَلُوكَ وَطَاوِلْهُمْ مَا طَاوَلُوكَ، فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ بَغَوْا عَلَيْكَ وَلَا عَهْدَ لَهُمْ. فَدَعَا عَلِيًّا فَقَالَ لَهُ: قَدْ تَرَى مَا كَانَ مِنَ النَّاسِ وَلَسْتُ آمَنُهُمْ عَلَى دَمِي، فَارْدُدْهُمْ عَنِّي فَإِنِّي أُعْطِيهِمْ مَا يُرِيدُونَ مِنَ الْحَقِّ مِنْ نَفْسِي وَغَيْرِي. فَقَالَ عَلِيٌّ: النَّاسُ إِلَى عَدْلِكَ أَحْوَجُ مِنْهُمْ إِلَى قَتْلِكَ، وَلَا يَرْضَوْنَ إِلَّا بِالرِّضَا، وَقَدْ كُنْتَ أَعْطَيْتَهُمْ أَوَّلًا عَهْدًا فَلَمْ تَفِ بِهِ فَلَا تَغُرَّنِي هَذِهِ الْمَرَّةَ، فَإِنِّي مُعْطِيهِمْ عَلَيْكَ الْحَقَّ. فَقَالَ: أَعْطِهِمْ فَوَاللَّهِ لَأَفِيَنَّ لَهُمْ. فَخَرَجَ عَلِيٌّ إِلَى النَّاسِ فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّمَا طَلَبْتُمُ الْحَقَّ وَقَدْ أُعْطِيتُمُوهُ وَقَدْ زَعَمَ أَنَّهُ مُنْصِفُكُمْ مِنْ نَفْسِهِ. فَقَالَ النَّاسُ: قَبِلْنَا فَاسْتَوْثِقْ مِنْهُ لَنَا، فَإِنَّا لَا نَرْضَى بِقَوْلٍ دُونَ فِعْلٍ. فَدَخَلَ عَلَيْهِ عَلِيٌّ فَأَعْلَمَهُ فَقَالَ: اضْرِبْ بَيْنِي
стр. 1228
وَبَيْنَهُمْ أَجَلًا فَإِنِّي لَا أَقْدِرُ عَلَى أَنْ أَرُدَّ مَا كَرِهُوا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ. فَقَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا مَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَلَا أَجَلَ فِيهِ، وَمَا غَابَ فَأَجَلُهُ وُصُولُ أَمْرِكَ. قَالَ: نَعَمْ، فَأَجِّلْنِي فِيمَا فِي الْمَدِينَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَكَتَبَ بَيْنَهُمْ كِتَابًا عَلَى رَدِّ كُلِّ مَظْلَمَةٍ وَعَزْلِ كُلِّ عَامِلٍ كَرِهُوهُ.
فَكَفَّ النَّاسُ عَنْهُ، فَجَعَلَ يَتَأَهَّبُ لِلْقِتَالِ وَيَسْتَعِدُّ بِالسِّلَاحِ وَاتَّخَذَ جُنْدًا، فَلَمَّا مَضَتِ الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ وَلَمْ يُغَيِّرْ شَيْئًا ثَارَ بِهِ النَّاسُ، وَخَرَجَ عَمْرُو بْنُ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيُّ إِلَى الْمِصْرِيِّينَ فَأَعْلَمَهُمُ الْحَالَ، وَهُمْ بِذِي خُشُبٍ، فَقَدِمُوا الْمَدِينَةَ وَطَلَبُوا مِنْهُ عَزْلَ عُمَّالِهِ وَرَدَّ مَظَالِمِهِمْ. فَقَالَ: إِنْ كُنْتُ مُسْتَعْمِلًا مَنْ أَرَدْتُمْ وَعَازِلًا مَنْ كَرِهْتُمْ فَلَسْتُ فِي شَيْءٍ وَالْأَمْرُ أَمْرُكُمْ. فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ أَوْ لَتُخْلَعَنَّ أَوْ لَتُقْتَلَنَّ. فَأَبَى عَلَيْهِمْ وَقَالَ: لَا أَنْزِعُ سِرْبَالًا سَرْبَلَنِيهُ اللَّهُ. فَحَصَرُوهُ وَاشْتَدَّ الْحِصَارُ عَلَيْهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَلِيٍّ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ فَحَضَرُوا، فَأَشْرَفَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اجْلِسُوا. فَجَلَسُوا الْمُحَارِبُ وَالْمُسَالِمُ. فَقَالَ لَهُمْ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَسْتَوْدِعُكُمُ اللَّهَ، وَأَسْأَلُهُ أَنْ يُحْسِنَ عَلَيْكُمُ الْخِلَافَةَ مِنْ بَعْدِي، ثُمَّ قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ دَعَوْتُمُ اللَّهَ عِنْدَ مُصَابِ عُمَرَ أَنْ يَخْتَارَ لَكُمْ وَيَجْمَعَكُمْ عَلَى خَيْرِكُمْ؟ أَتَقُولُونَ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَسْتَجِبْ لَكُمْ وَهُنْتُمْ عَلَيْهِ وَأَنْتُمْ أَهْلُ حَقِّهِ؟ أَمْ تَقُولُونَ: هَانَ عَلَى اللَّهِ دِينُهُ فَلَمْ يُبَالِ مَنْ وُلِّيَ وَالدِّينُ لَمْ يَتَفَرَّقْ أَهْلُهُ يَوْمَئِذٍ؟ أَمْ تَقُولُونَ: لَمْ يَكُنْ أَخْذٌ عَنْ مَشُورَةٍ، إِنَّمَا كَانَ مُكَابَرَةً، فَوَكَّلَ اللَّهُ الْأُمَّةَ إِذَا عَصَتْهُ وَلَمْ يُشَاوِرُوا فِي الْإِمَامَةِ؟ أَمْ تَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَعْلَمْ عَاقِبَةَ أَمْرِي! وَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ أَتَعْلَمُونَ لِي مِنْ سَابِقَةِ خَيْرٍ وَقَدَمِ خَيْرٍ قَدَّمَهُ اللَّهُ لِي مَا يُوجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ جَاءَ بَعْدِي أَنْ يَعْرِفُوا لِي فَضْلَهَا! فَمَهْلًا لَا تَقْتُلُونِي فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ إِلَّا قَتْلُ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانِهِ، أَوْ كَفَرَ بَعْدَ إِيمَانِهِ، أَوْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ حَقٍّ، فَإِنَّكُمْ إِذَا قَتَلْتُمُونِي وَضَعْتُمُ السَّيْفَ عَلَى رِقَابِكُمْ، ثُمَّ لَمْ يَرْفَعِ اللَّهُ عَنْكُمُ الِاخْتِلَافَ أَبَدًا.
قَالُوا: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنِ اسْتِخَارَةِ النَّاسِ بَعْدَ عُمَرَ ثُمَّ وَلُّوكَ، فَإِنَّ كُلَّ مَا صَنَعَ اللَّهُ خِيرَةٌ، وَلَكِنَّ اللَّهَ جَعَلَكَ بَلِيَّةً ابْتَلَى بِهَا عِبَادَهُ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ قَدَمِكَ وَسَلَفِكَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَدْ كُنْتَ كَذَلِكَ وَكُنْتَ أَهْلًا لِلْوِلَايَةِ، وَلَكِنْ أَحْدَثْتَ مَا عَلِمْتَهُ، وَلَا نَتْرُكُ إِقَامَةَ الْحَقِّ عَلَيْكَ مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ عَامًا قَابِلًا، وَأَمَّا قَوْلُكَ: إِنَّهُ لَا يَحِلُّ إِلَّا قَتْلُ ثَلَاثَةٍ، فَإِنَّا نَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ قَتْلَ غَيْرِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ سَمَّيْتَ، قَتْلَ مَنْ سَعَى فِي الْأَرْضِ فَسَادًا، وَقَتْلَ مَنْ
стр. 1229
بَغَى ثُمَّ قَاتَلَ عَلَى بَغْيِهِ، وَقَتْلَ مَنْ حَالَ دُونَ شَيْءٍ مِنَ الْحَقِّ وَمَنَعَهُ وَقَاتَلَ دُونَهُ، وَقَدْ تَمَسَّكْتَ بِالْإِمَارَةِ عَلَيْنَا، فَإِنْ زَعَمْتَ أَنَّكَ لَمْ تُكَابِرْنَا عَلَيْهِ فَإِنَّ الَّذِينَ قَامُوا دُونَكَ وَمَنَعُوكَ مِنَّا إِنَّمَا يُقَاتِلُونَ لِتَمَسُّكٍ بِالْإِمَارَةِ، فَلَوْ خَلَعْتَ نَفْسَكَ لَانْصَرَفُوا عَنِ الْقِتَالِ مَعَكَ!
فَسَكَتَ عُثْمَانُ وَلَزِمَ الدَّارَ، وَأَمَرَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ بِالرُّجُوعِ وَأَقْسَمَ عَلَيْهِمْ، فَرَجَعُوا إِلَّا الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ، وَابْنَ عَبَّاسٍ، وَمُحَمَّدَ بْنَ طَلْحَةَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَأَشْبَاهًا لَهُمْ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ نَاسٌ كَثِيرٌ، فَكَانَتْ مُدَّةُ الْحِصَارِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَلَمَّا مَضَتْ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً قَدِمَ رُكْبَانٌ مِنَ الْأَمْصَارِ، فَأَخْبَرُوا بِخَبَرِ مَنْ تَهَيَّأَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْجُنُودِ وَشَجَّعُوا النَّاسَ، فَعِنْدَهَا حَالُوا بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ عُثْمَانَ، وَمَنَعُوهُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْمَاءَ. فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى عَلِيٍّ سِرًّا وَإِلَى طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ وَأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُمْ قَدْ مَنَعُونِي الْمَاءَ، فَإِنْ قَدَرْتُمْ أَنْ تُرْسِلُوا إِلَيْنَا مَاءً فَافْعَلُوا. فَكَانَ أَوَّلَهُمْ إِجَابَةً عَلِيٌّ، وَأُمُّ حَبِيبَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ ، فَجَاءَ عَلِيٌّ فِي الْغَلَسِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الَّذِي تَفْعَلُونَ لَا يُشْبِهُ أَمْرَ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا أَمْرَ الْكَافِرِينَ، فَلَا تَقْطَعُوا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ الْمَاءَ وَلَا الْمَادَّةَ، فَإِنَّ الرُّومَ وَفَارِسَ لَتَأْسِرُ فَتُطْعِمُ وَتَسْقِي! فَقَالُوا: لَا وَاللَّهِ وَلَا نُعْمَةَ عَيْنٍ! فَرَمَى بِعِمَامَتِهِ فِي الدَّارِ بِأَنِّي قَدْ نَهَضْتُ وَرَجَعْتُ، وَجَاءَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ عَلَى بَغْلَةٍ لَهَا مُشْتَمِلَةً عَلَى إِدَاوَةٍ، فَضَرَبُوا وَجْهَ بَغْلَتِهَا فَقَالَتْ: إِنَّ وَصَايَا بَنِي أُمَيَّةَ عِنْدَ هَذَا الرَّجُلِ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَسْأَلَهُ عَنْهَا لِئَلَّا تَهْلِكَ أَمْوَالُ الْأَيْتَامِ وَالْأَرَامِلِ. فَقَالُوا: كَاذِبَةٌ، وَقَطَعُوا حَبْلَ الْبَغْلَةِ بِالسَّيْفِ، فَنَفَرَتْ وَكَادَتْ تَسْقُطُ عَنْهَا، فَتَلَقَّاهَا النَّاسُ فَأَخَذُوهَا وَذَهَبُوا بِهَا إِلَى بَيْتِهَا.
فَأَشْرَفَ عُثْمَانُ يَوْمًا فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ قَالَ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنِّي اشْتَرَيْتُ بِئْرَ رُومَةَ بِمَالِي لِيُسْتَعْذَبَ بِهَا، فَجَعَلْتُ رِشَائِي فِيهَا كَرَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَلِمَ تَمْنَعُونِي أَنْ أَشْرَبَ مِنْهَا حَتَّى أُفْطِرَ عَلَى مَاءِ الْبَحْرِ؟ ثُمَّ قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنِّي اشْتَرَيْتُ أَرْضَ كَذَا فَزِدْتُهَا فِي الْمَسْجِدِ؟ قِيلَ: نَعَمْ. قَالَ: فَهَلْ عَلِمْتُمْ أَنَّ أَحَدًا مُنِعَ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ قَبْلِي؟ ثُمَّ قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ عَنِّي كَذَا وَكَذَا؟ أَشْيَاءُ فِي شَأْنِهِ. فَفَشَا النَّهْيُ فِي النَّاسِ يَقُولُونَ: مَهْلًا عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَامَ الْأَشْتَرُ فَقَالَ: لَعَلَّهُ مُكِرَ بِهِ وَبِكُمْ. وَخَرَجَتْ عَائِشَةُ إِلَى الْحَجِّ وَاسْتَتْبَعَتْ أَخَاهَا مُحَمَّدًا فَأَبَى، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ لَئِنِ اسْتَطَعْتُ أَنْ يَحْرِمَهُمُ اللَّهُ مَا يُحَاوِلُونَ لَأَفْعَلَنَّ.
فَقَالَ لَهُ حَنْظَلَةُ الْكَاتِبُ: تَسْتَتْبِعُكَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فَلَا تَتْبَعُهَا، وَتَتْبَعُ ذُؤْبَانَ الْعَرَبِ إِلَى مَا [لَا] يَحِلُّ؟ وَإِنَّ هَذَا الْأَمْرَ إِنْ صَارَ إِلَى التَّغَالُبِ غَلَبَكَ عَلَيْهِ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ. ثُمَّ رَجَعَ حَنْظَلَةُ إِلَى الْكُوفَةِ وَهُوَ يَقُولُ:
стр. 1230
عَجِبْتُ لِمَا يَخُوضُ النَّاسُ فِيهِ ... يَرُومُونَ الْخِلَافَةَ أَنْ تَزُولَا
وَلَوْ زَالَتْ لَزَالَ الْخَيْرُ عَنْهُمْ ... وَلَاقَوْا بَعْدَهَا ذُلًّا ذَلِيلَا
وَكَانُوا كَالْيَهُودِ وَكَالنَّصَارَى ... سَوَاءً كُلُّهُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَا
وَبَلَغَ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ مَا لَقِيَ عَلِيٌّ وَأُمُّ حَبِيبَةَ، فَلَزِمُوا بُيُوتَهُمْ وَبَقِيَ عُثْمَانُ يَسْقِيهِ آلُ حَزْمٍ فِي الْغَفَلَاتِ. فَأَشْرَفَ عُثْمَانُ عَلَى النَّاسِ فَاسْتَدْعَى ابْنَ عَبَّاسٍ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَحُجَّ بِالنَّاسِ، وَكَانَ مِمَّنْ لَزِمَ الْبَابَ، فَقَالَ: جِهَادُ هَؤُلَاءِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْحَجِّ فَأَقْسَمَ عَلَيْهِ فَانْطَلَقَ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ: دَخَلْتُ عَلَى عُثْمَانَ فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَسْمَعَنِي كَلَامَ مَنْ عَلَى بَابِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: مَا تَنْتَظِرُونَ بِهِ؟ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: انْظُرُوا عَسَى أَنْ يُرَاجِعَ. قَالَ: فَبَيْنَمَا نَحْنُ وَاقِفُونَ إِذْ مَرَّ طَلْحَةُ فَقَالَ: أَيْنَ ابْنُ عُدَيْسٍ؟ فَقَامَ إِلَيْهِ فَنَاجَاهُ، ثُمَّ رَجَعَ ابْنُ عُدَيْسٍ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: لَا تَتْرُكُوا أَحَدًا يَدْخُلُ عَلَى عُثْمَانَ وَلَا يَخْرُجُ مِنْ عِنْدِهِ. فَقَالَ لِي عُثْمَانُ: هَذَا مَا أَمَرَ بِهِ طَلْحَةُ، اللَّهُمَّ اكْفِنِي طَلْحَةَ فَإِنَّهُ حَمَلَ عَلَيَّ هَؤُلَاءِ وَأَلَّبَهُمْ عَلَيَّ! وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ مِنْهَا صِفْرًا وَأَنْ يُسْفَكَ دَمُهُ! قَالَ: فَأَرَدْتُ أَنْ أَخْرُجَ فَمَنَعُونِي حَتَّى أَمَرَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فَتَرَكُونِي أَخْرُجُ. وَقِيلَ: إِنَّ الزُّبَيْرَ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ عُثْمَانُ، وَقِيلَ: أَدْرَكَ قَتْلَهُ.
وَلَمَّا رَأَى الْمِصْرِيُّونَ أَنَّ أَهْلَ الْمَوْسِمِ يُرِيدُونَ قَصْدَهُمْ، وَأَنْ يَجْمَعُوا ذَلِكَ إِلَى حَجِّهِمْ مَعَ مَا بَلَغَهُمْ مِنْ مَسِيرِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ قَالُوا: لَا يُخْرِجُنَا مِنْ هَذَا الْأَمْرِ الَّذِي وَقَعْنَا فِيهِ إِلَّا قَتْلُ هَذَا الرَّجُلِ، فَيَشْتَغِلُ النَّاسُ عَنَّا بِذَلِكَ. فَرَامُوا الْبَابَ فَمَنَعَهُمُ الْحَسَنُ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ، وَمَرْوَانُ، وَسَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ، وَمَنْ مَعَهُمْ مِنْ أَبْنَاءِ الصَّحَابَةِ، وَاجْتَلَدُوا، فَزَجَرَهُمْ عُثْمَانُ وَقَالَ: أَنْتُمْ فِي حِلٍّ مِنْ نُصْرَتِي، فَأَبَوْا، فَفَتَحَ الْبَابَ لِمَنْعِهِمْ، فَلَمَّا خَرَجَ وَرَآهُ الْمِصْرِيُّونَ رَجَعُوا، فَرَكِبَهُمْ هَؤُلَاءِ، وَأَقْسَمَ عُثْمَانُ عَلَى أَصْحَابِهِ لَيَدْخُلُنَّ فَدَخَلُوا فَأَغْلَقَ الْبَابَ دُونَ الْمِصْرِيِّينَ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَسْلَمَ يُقَالُ لَهُ نِيَارُ بْنُ عِيَاضٍ، وَكَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَنَادَى عُثْمَانَ، فَبَيْنَا هُوَ يُنَاشِدُهُ أَنْ يَعْتَزِلَهُمْ إِذْ رَمَاهُ كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ الْكِنْدِيُّ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ.
فَقَالُوا لِعُثْمَانَ عِنْدَ ذَلِكَ: ادْفَعْ إِلَيْنَا قَاتِلَهُ لِنَقْتُلَهُ بِهِ. قَالَ: لَمْ أَكُنْ لِأَقْتُلَ رَجُلًا نَصَرَنِي وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَ قَتْلِي. فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ ثَارُوا إِلَى الْبَابِ، فَلَمْ يَمْنَعْهُمْ أَحَدٌ مِنْهُ، وَالْبَابُ مُغْلَقٌ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الدُّخُولِ مِنْهُ، فَجَاءُوا بِنَارٍ فَأَحْرَقُوهُ وَالسَّقِيفَةَ الَّتِي عَلَى الْبَابِ، وَثَارَ أَهْلُ
следующие страницы →