← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

هَتَكْتُ لَهُ بِالرُّمْحِ جَيْبَ قَمِيصِهِ فَخَرَّ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ وَلِلْفَمِ ... يُذَكِّرُنِي حَامِيمَ وَالرُّمْحُ شَاجِرٌ فَهَلَّا تَلَا حَامِيمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ ... عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ غَيْرَ أَنْ لَيْسَ تَابِعًا عَلِيًّا وَمَنْ لَا يَتْبَعُ الْحَقَّ يَنْدَمِ وَأَخَذَ الْخِطَامَ عَمْرُو بْنُ الْأَشْرَفِ فَجَعْلَ لَا يَدْنُو مِنْهُ أَحَدٌ إِلَّا خَبَطَهُ بِالسَّيْفِ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ الْحَرْثُ بْنُ زُهَيْرٍ الْأَزْدِيُّ وَهُوَ يَقُولُ: يَا أُمَّتَا يَا خَيْرَ أُمٍّ نَعْلَمُ ... أَمَا تَرَيْنَ كَمْ شُجَاعٍ يُكَلَمُ وَتُخْتَلَى هَامَتُهُ وَالْمِعْصَمُ فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ، فَقَتَلَ كُلٌّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحَبَهُ، وَأَحْدَقَ أَهْلُ النَّجْدَاتِ وَالشَّجَاعَةِ بِعَائِشَةَ، فَكَانَ لَا يَأْخُذُ الْخِطَامَ أَحَدٌ إِلَّا قُتِلَ، وَكَانَ لَا يَأْخُذُهُ وَالرَّايَةَ إِلَّا مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْمُطِيفِينَ بِالْجَمَلِ فَيَنْتَسِبُ: أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، فَوَاللَّهِ إِنْ كَانَ لَيُقَاتِلُونِ عَلَيْهِ، وَإِنَّهُ لَلْمَوْتُ لَا يُوَصَّلُ إِلَيْهِ إِلَّا بِطِلْبَةٍ وَعَنَتٍ، وَمَا رَامَهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ إِلَّا قُتِلَ أَوْ أَفْلَتَ ثُمَّ لَمْ يَعُدْ، وَحَمَلَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ الطَّائِيُّ عَلَيْهِمْ، فَفُقِئَتْ عَيْنُهُ، وَجَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فَقَالَتْ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: ابْنُكِ ابْنُ أُخْتِكِ. قَالَتْ: وَاثُكْلَ أَسْمَاءَ! وَانْتَهَى إِلَيْهِ الْأَشْتَرُ، فَاقْتَتَلَا، فَضَرْبَهُ الْأَشْتَرُ عَلَى رَأْسِهِ فَجَرَحَهُ جُرْحًا شَدِيدًا، وَضَرْبَهُ عَبْدُ اللَّهِ ضَرْبَةً خَفِيفَةً، وَاعْتَنَقَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمَا صَاحَبَهُ وَسَقَطَا إِلَى الْأَرْضِ يَعْتَرِكَانِ، فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: اقْتُلُونِي وَمَالِكًا وَاقْتُلُوا مَالِكًا مَعِي. فَلَوْ يَعْلَمُونَ مَنْ مَالِكٌ لَقَتَلُوهُ، إِنَّمَا كَانَ يُعَرَفُ بِالْأَشْتَرِ، فَحَمَلَ أَصْحَابُ عَلِيٍّ وَعَائِشَةَ فَخَلَّصُوهُمَا. قَالَ الْأَشْتَرُ: لَقِيتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَتَّابٍ، فَلَقِيتُ أَشَدَّ النَّاسِ وَأَخْرَقَهُ مَا لَبِثْتُ أَنْ قَتَلْتُهُ، وَلَقِيتُ الْأَسْوَدَ بْنَ عَوْفٍ فَلَقِيَتُ أَشَدَّ النَّاسِ وَأَشْجَعَهُ، فَمَا كِدْتُ أَنْجُو

стр. 1297

مِنْهُ، فَتَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ لَقِيتُهُ، وَلَحِقَنِي جُنْدُبُ بْنُ زُهَيْرٍ الْغَامِدِيُّ فَضَرَبْتُهُ فَقَتَلْتُهُ، قَالَ: وَرَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وَعِنْدَهُ رَايَةُ قُرَيْشٍ، وَهُوَ يُقَاتِلُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ، وَهُمَا يَتَصَاوَلَانِ تَصَاوُلَ الْفَحْلَيْنِ، فَتَعَاوَرْنَاهُ فَقَتَلْنَاهُ. قَالَ: وَأَخَذَ الْخِطَامَ الْأَسْوَدُ بْنُ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، فَقُتِلَ، وَهُوَ قِرْشِيٌّ أَيْضًا، وَأَخْذَهُ عَمْرُو بْنُ الْأَشْرَفِ فَقُتِلَ، وَقُتِلَ مَعَهُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ أَزْدِيٌّ، وَجُرِحَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، وَجُرِحَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ سَبْعًا وَثَلَاثِينَ جِرَاحَةً مِنْ طَعْنَةٍ وَرَمْيَةٍ، قَالَ: وَمَا رَأَيْتُ مِثْلَ يَوْمِ الْجَمَلِ، مَا يَنْهَزِمُ مِنَّا أَحَدٌ، وَمَا نَحْنُ إِلَّا كَالْجَبَلِ الْأَسْوَدِ، وَمَا يَأْخُذُ بِخِطَامِ الْجَمَلِ أَحَدٌ إِلَّا قُتِلَ حَتَّى ضَاعَ الْخِطَامُ، وَنَادَى عَلِيٌّ: اعْقِرُوا الْجَمَلَ فَإِنَّهُ إِنْ عُقِرَ تَفَرَّقُوا، فَضَرَبَهُ رَجُلٌ فَسَقَطَ، فَمَا سَمِعْتُ صَوْتًا قَطُّ أَشَدَّ مِنْ عَجِيجِ الْجَمَلِ. وَكَانَتْ رَايَةُ الْأَزْدِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ مَعَ مِخْنَفِ بْنِ سُلَيْمٍ فَقُتِلَ وَأَخَذَهَا الصَّقْعَبُ، وَأَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمٍ فَقُتِلَ، وَأَخَذَهَا الْعَلَاءُ بْنُ عُرْوَةَ، فَكَانَ الْفَتْحُ وَهِيَ بِيَدِهِ. وَكَانَتْ رَايَةُ عَبْدِ الْقَيْسِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ مَعَ الْقَاسِمِ بْنِ سُلَيْمٍ فَقُتِلَ، وَقُتِلَ مَعَهُ زَيْدٌ وَسَيْحَانُ ابْنَا صُوحَانَ، وَأَخَذَهَا عِدَّةُ نَفَرٍ فَقُتِلُوا، مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رُقَيَّةَ، ثُمَّ أَخَذَهَا مُنْقِذُ بْنُ النُّعْمَانِ، فَدَفَعَهَا إِلَى ابْنِهِ مُرَّةَ بْنَ مُنْقِذٍ، فَانْقَضَتِ الْحَرْبُ وَهِيَ فِي يَدِهِ. وَكَانَتْ رَايَةُ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ فِي بَنِي ذُهْلٍ، مَعَ الْحَارِثِ بْنِ حَسَّانَ الذُّهْلِيِّ، فَأَقْدَمَ وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ بِكْرٍ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ لَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ مَنْزِلَةِ صَاحِبِكُمْ [فَانْصُرُوهُ] ، فَتَقَدَّمَ وَقَاتَلَهُمْ فَقُتِلَ ابْنُهُ وَخَمْسَةٌ مِنْ بَنِي أَهْلِهِ، وَقُتِلَ الْحَارِثُ فَقِيلَ فِيهِ: أَنْعَى الرَّئِيسَ الْحَارْثَ بْنَ حَسَّانْ ... لِآلِ ذُهْلٍ وَلِآلِ شَيْبَانْ وَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي ذُهْلٍ: تَنْعَى لَنَا خَيْرَ امْرِئٍ مِنْ عَدْنَانْ ... عِنْدَ الطِّعَانِ وَنِزَالِ الْأَقْرَانْ وَقَالَ أَخُوهُ بِشْرُ بْنُ حَسَّانَ: أَنَا ابْنُ حَسَّانَ بْنِ خُوطٍ وَأَبِي ... رَسُولُ بَكْرٍ كُلِّهَا إِلَى النَّبِي وَقُتِلَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي مَحْدُوجٍ، وَقُتِلَ مِنْ بَنِي ذُهْلٍ خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ رَجُلًا، وَقَالَ رَجُلٌ

стр. 1298

لِأَخِيهِ وَهُوَ يُقَاتِلُ: يَا أَخِي مَا أَحْسَنَ قِتَالَنَا إِنْ كُنَّا عَلَى الْحَقِّ! قَالَ: فَإِنَّا عَلَى الْحَقِّ، إِنَّ النَّاسَ أَخَذُوا يَمِينًا وَشِمَالًا، وَإِنَّا تَمَسَّكْنَا بِأَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّنَا، فَقَاتَلَا حَتَّى قُتِلَا. وَجُرِحَ يَوْمَئِذٍ عُمَيْرُ بْنُ الْأَهْلَبِ الضَّبِّيُّ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ وَهُوَ فِي الْجَرْحَى يَفْحَصُ بِرِجْلَيْهِ وَيَقُولُ: لَقَدْ أَوْرَدَتْنَا حَوْمَةَ الْمَوْتِ أَمُّنَا ... فَلَمْ نَنْصَرِفْ إِلَّا وَنَحْنُ رِوَاءُ لَقَدْ كَانَ فِي نَصْرِ ابْنِ ضَبَّةَ أُمَّهُ ... وَشِيعَتَهَا مَنْدُوحَةٌ وَغَنَاءُ أَطَعْنَا قُرَيْشًا (ضِلَّةً مِنْ) حُلُومِنَا ... وَنُصْرَتُنَا أَهْلَ الْحِجَازِ عَنَاءُ أَطَعْنَا بَنِي تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ شِقْوَةً ... وَهَلْ تَيْمٌ إِلَّا أَعْبُدٌ وَإِمَاءُ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. قَالَ: ادْنُ مِنِّي فَلَقِّنِي فَبِي صَمَّمٌ. فَدَنَا مِنْهُ الرَّجُلُ، فَوَثَبَ عَلَيْهِ فَعَضَّ أُذُنَهُ فَقَطَعَهَا. وَقِيلَ فِي عَقْرِ الْجَمَلِ: إِنَّ الْقَعْقَاعَ لَقِيَ الْأَشْتَرَ وَقَدْ عَادَ مِنَ الْقِتَالِ عِنْدَ الْجَمَلِ فَقَالَ: هَلْ لَكَ فِي الْعَوْدِ؟ فَلَمْ يُجِبْهُ. فَقَالَ: يَا أَشْتَرُ بَعْضُنَا أَعْلَمُ بِقِتَالِ بَعْضٍ مِنْكَ، وَحَمَلَ الْقَعْقَاعُ وَالزِّمَامُ مَعَ زُفَرِ بْنِ الْحَارِثِ، وَكَانَ آخِرَ مَنْ أَخَذَ الْخِطَامَ، فَلَمْ يَبْقَ شَيْخٌ مِنْ بَنِي عَامِرٍ إِلَّا أُصِيبَ قُدَّامَ الْجَمَلِ، وَزُفَرُ بْنُ الْحَارِثِ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ: يَا أُمَّتَا مِثْلُكِ لَا يُرَاعْ ... كُلُّ بَنِيكِ بَطَلٌ شُجَاعْ لَيْسَ بِوِهْوَاهٍ وَلَا بِرَاعٍ وَقَالَ الْقَعْقَاعُ:

стр. 1299

إِذَا وَرَدْنَا آجِنًا جَهَرْنَاهْ ... وَلَا يُطَاقُ وِرْدُ مَا مَنَعْنَاهْ وَزَحْفَ إِلَى زُفَرُ بْنُ الْحَارِثِ الْكَلَّائِيِّ، وَتَسَرَّعَتْ عَامِرٌ إِلَى حَرْبِهِ فَأُصِيبُوا، فَقَالَ الْقَعْقَاعُ لِبُجَيْرِ بْنِ دُلْجَةَ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ: يَا بُجَيْرُ بْنَ دُلْجَةَ صِحْ بِقَوْمِكَ فَلْيَعْقِرُوا الْجَمَلَ قَبْلَ أَنْ تُصَابُوا وَتُصَابَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ بُجَيْرٌ: يَا آلَ ضَبَّةَ! يَا عَمْرَو بْنَ دُلْجَةَ! ادْعُ بِي إِلَيْكَ، فَدَعَاهُ، فَقَالَ: أَنَا آمِنٌ حَتَّى أَرْجِعَ عَنْكُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَاجْتَثَّ سَاقَ الْبَعِيرِ، فَرَمَى نَفْسَهُ عَلَى شِقِّهِ وَجَرْجَرَ الْبَعِيرَ، فَقَالَ الْقَعْقَاعُ لِمَنْ يَلِيهِ: أَنْتُمْ آمِنُونَ. وَاجْتَمَعَ هُوَ وَزُفَرُ عَلَى قَطْعِ بِطَانِ الْبَعِيرِ، وَحَمَلَا الْهَوْدَجَ فَوَضَعَاهُ، (وَإِنَّهُ كَالْقُنْفُذِ لِمَا فِيهِ مِنَ السِّهَامِ) ، ثُمَّ أَطَافَا بِهِ، وَفَرَّ مَنْ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ النَّاسِ. فَلَمَّا انْهَزَمُوا أَمَرَ عَلِيٌّ مُنَادِيًا فَنَادَى: أَلَا لَا تَتْبَعُوا مُدْبِرًا، وَلَا تُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحٍ، وَلَا تَدْخُلُوا الدُّورَ. وَأَمَرَ عَلِيٌّ نَفَرًا أَنْ يَحْمِلُوا الْهَوْدَجَ مِنْ بَيْنِ الْقَتْلَى، وَأَمَرَ أَخَاهَا مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَضْرِبَ عَلَيْهَا قُبَّةً، وَقَالَ: انْظُرْ هَلْ وَصَلَ إِلَيْهَا شَيْءٌ مِنْ جِرَاحَةٍ؟ فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ فِي هَوْدَجِهَا، فَقَالَتْ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: أَبْغَضُ أَهْلِكِ إِلَيْكِ. قَالَتِ ابْنُ الْخَثْعَمِيَّةِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: يَا بِأَبِي، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَاكَ! وَقِيلَ: لَمَّا سَقَطَ الْجَمَلُ أَقْبَلَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ إِلَيْهِ وَمَعَهُ عَمَّارٌ، فَاحْتَمَلَا الْهَوْدَجَ فَنَحَّيَاهُ، فَأَدْخَلَ مُحَمَّدٌ يَدَهُ فِيهِ، فَقَالَتْ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: أَخُوكِ الْبَرُّ. قَالَتْ: عُقَقِ! قَالَ: يَا أُخَيَّةُ هَلْ أَصَابَكِ شَيْءٌ؟ قَالَتْ مَا أَنْتَ وَذَاكَ؟ قَالَ: فَمَنْ إِذًا الضُّلَّالُ؟ قَالَتْ: بَلِ الْهُدَاةُ. وَقَالَ لَهَا عَمَّارٌ: كَيْفَ رَأَيْتِ ضَرْبَ بَنِيكِ الْيَوْمَ يَا أُمَّاهُ؟ قَالَتْ: لَسْتُ لَكَ بِأُمٍّ. قَالَ: بَلَى وَإِنْ كَرِهْتِ. قَالَتْ: فَخَرْتُمْ أَنْ ظَفِرْتُمْ، وَأَتَيْتُمْ مِثْلَ الَّذِي نَقَمْتُمْ، هَيْهَاتَ، وَاللَّهِ لَنْ يَظْفَرَ مَنْ كَانَ هَذَا دَأْبُهُ! فَأَبْرَزُوا هَوْدَجَهَا فَوَضَعُوهَا لَيْسَ قُرْبَهَا أَحَدٌ. وَأَتَاهَا عَلِيٌّ: فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتِ يَا أُمَّهْ؟ قَالَتْ: بِخَيْرٍ. قَالَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكِ. قَالَتْ: وَلَكَ. وَجَاءَ أَعْيَنُ بْنُ ضُبَيْعَةَ (ابْنُ أَعْيَنَ)

стр. 1300

الْمُجَاشِعِيُّ حَتَّى اطَّلَعَ فِي الْهَوْدَجِ، فَقَالَتْ: إِلَيْكَ لَعَنَكَ اللَّهُ! فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرَى إِلَّا حُمَيْرَاءَ! فَقَالَتْ لَهُ: هَتَكَ اللَّهُ سِتْرَكَ، وَقَطَعَ يَدَكَ وَأَبْدَى عَوْرَتَكَ. فَقُتِلَ بِالْبَصْرَةِ، وَسُلِبَ، وَقُطِعَتْ يَدُهُ وَرُمِيَ عُرْيَانًا فِي خَرِبَةٍ مِنْ خَرِبَاتٍ الْأَزْدِ. ثُمَّ أَتَى وُجُوهُ النَّاسِ عَائِشَةَ، وَفِيهِمُ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو، فَسَلَّمَ عَلَيْهَا فَقَالَتْ: إِنِّي رَأَيْتُ بِالْأَمْسِ رَجُلَيْنِ اجْتَلَدَا وَارْتَجَزَا بِكَذَا، فَهَلْ تَعْرِفُ كُوفِيَّكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، ذَاكَ الَّذِي قَالَ: أَعَقُّ أُمٍّ نَعْلَمُ، وَكَذَبَ، إِنَّكِ لَأَبَرُّ أُمٍّ نَعْلَمُ وَلَكِنْ لَمْ تُطَاعِي. قَالَتْ: وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي مِتُّ قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ بِعِشْرِينَ سَنَةً. وَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا فَأَتَى عَلِيًّا، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي مِتُّ مِنْ قَبْلِ الْيَوْمِ بِعِشْرِينَ سَنَةً. وَكَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ ذَلِكَ الْيَوْمَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنِ الْقِتَالِ: إِلَيْكَ أَشْكُو عُجَرِي وَبُجَرِي ... وَمَعْشَرًا أَغْشَوْا عَلَيَّ بَصَرِي قَتَلْتُ مِنْهُمْ مُضَرًا بِمُضَرِي ... شَفَيْتُ نَفْسِي وَقَتَلْتُ مَعْشَرِي فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ أَدْخَلَهَا أَخُوهَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْبَصْرَةَ، فَأَنْزَلَهَا فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفٍ الْخُزَاعِيِّ عَلَى صَفِيَّةَ بِنْتِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ، وَهِيَ أُمُّ طَلْحَةَ الطَّلْحَاتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفٍ، وَتَسَلَّلَ الْجَرْحَى مِنْ بَيْنِ الْقَتْلَى لَيْلًا فَدَخَلُوا الْبَصْرَةَ، فَأَقَامَ عَلِيٌّ بِظَاهِرِ الْبَصْرَةِ ثَلَاثًا، وَأَذِنَ لِلنَّاسِ فِي دَفْنِ مَوْتَاهُمْ، فَخَرَجُوا إِلَيْهِمْ فَدَفَنُوهُمْ، وَطَافَ عَلِيٌّ فِي الْقَتْلَى، فَلَمَّا أَتَى عَلَى كَعْبِ بْنِ سُورٍ قَالَ: أَزْعَمْتُمْ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَهُمُ السُّفَهَاءُ، وَهَذَا الْحَبْرُ قَدْ تَرَوْنَ! وَأَتَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَتَّابٍ فَقَالَ: هَذَا يَعْسُوبُ الْقَوْمِ، يَعْنِي أَنَّهُمْ كَانُوا يُطِيفُونَ بِهِ، وَاجْتَمَعُوا عَلَى الرِّضَا بِهِ

стр. 1301

لِصَلَاتِهِمْ. وَمَرَّ عَلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَهُوَ صَرِيعٌ فَقَالَ: لَهْفِي عَلَيْكَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ! إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَكْرَهُ أَنْ أَرَى قُرَيْشًا صَرْعَى، أَنْتَ وَاللَّهِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: فَتًى كَانَ يُدْنِيهِ الْغِنَى مِنْ صَدِيقِهِ إِذَا مَا هُوَ اسْتَغْنَى وَيُبْعِدُهُ الْفَقْرُ وَجَعَلَ كُلَّمَا مَرَّ بِرَجُلٍ فِيهِ خَيْرٌ قَالَ: زَعَمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ إِلَيْنَا إِلَّا الْغَوْغَاءُ وَهَذَا الْعَابِدُ الْمُجْتَهِدُ فِيهِمْ. وَصَلَّى عَلِيٌّ عَلَى الْقَتْلَى مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ، وَصَلَّى عَلَى قُرَيْشٍ مِنْ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ، وَأَمَرَ فَدُفِنَتِ الْأَطْرَافُ فِي قَبْرٍ عَظِيمٍ، وَجَمَعَ مَا كَانَ فِي الْعَسْكَرِ مِنْ شَيْءٍ وَبَعْثَ بِهِ إِلَى مَسْجِدِ الْبَصْرَةِ وَقَالَ: مَنْ عَرَفَ شَيْئًا فَلْيَأْخُذْهُ، إِلَّا سِلَاحًا كَانَ فِي الْخَزَائِنِ عَلَيْهِ سِمَةُ السُّلْطَانِ. وَكَانَ جَمِيعُ الْقَتْلَى عَشَرَةَ آلَافٍ، نِصْفُهُمْ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ، وَنِصْفُهُمْ مِنْ أَصْحَابِ عَائِشَةَ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَقُتِلَ مِنْ ضَبَّةَ أَلْفُ رَجُلٍ، وَقُتِلَ مِنْ بَنِي عَدِيٍّ حَوْلَ الْجَمَلِ سَبْعُونَ رَجُلًا، كُلُّهُمْ قَدْ قَرَأَ الْقُرْآنَ، سِوَى الشَّبَابِ وَمَنْ لَمْ يَقْرَأْ. وَلَمَّا فَرَغَ عَلِيٌّ مِنَ الْوَقْعَةِ أَتَاهُ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ فِي بَنِي سَعِدٍ، وَكَانُوا قَدِ اعْتَزَلُوا الْقِتَالَ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: تَرَبَّصْتَ؟ فَقَالَ: مَا كُنْتُ أَرَانِي إِلَّا وَقَدْ أَحْسَنْتُ، وَبِأَمْرِكَ كَانَ مَا كَانَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَارْفُقْ فَإِنَّ طَرِيقَكَ الَّذِي سَلَكَتَ بِعِيدٌ، وَأَنْتَ إِلَيَّ غَدًا أَحْوَجُ مِنْكَ أَمْسِ، فَاعْرِفْ إِحْسَانِي وَاسْتَصْفِ مَوَدَّتِي لِغَدٍ، وَلَا تَقُلْ مِثْلَ هَذَا، فَإِنِّي لَمْ أَزَلْ لَكَ نَاصِحًا. ثُمَّ دَخَلَ عَلِيٌّ الْبَصْرَةَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ فَبَايَعَهُ أَهْلُهَا عَلَى رَايَاتِهِمْ حَتَّى الْجَرْحَى وَالْمُسْتَأْمِنَةُ، وَأَتَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ فِي الْمُسْتَأْمِنِينَ أَيْضًا فَبَايَعَهُ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ [وَمَا] عَمِلَ الْمُتَرَبِّصُ الْمُتَقَاعِدُ بِي أَيْضًا؟ يَعْنِي أَبَاهُ أَبَا بَكْرَةَ! فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَرِيضٌ،

стр. 1302

وَإِنَّهُ عَلَى مَسَرَّتِكَ لَحَرِيصٌ. فَقَالَ عَلِيٌّ: امْشِ أَمَامِي! فَمَشَى مَعَهُ إِلَى أَبِيهِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ عَلِيٌّ قَالَ لَهُ: تَقَاعَدْتَ بِي وَتَرَبَّصْتَ؟ وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ وَقَالَ: هَذَا وَجَعٌ بَيِّنٌ، وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ، فَقَبِلَ عُذْرَهُ، وَأَرَادَهُ عَلَى الْبَصْرَةِ، فَامْتَنَعَ وَقَالَ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِكَ يَسْكُنُ إِلَيْهِ النَّاسُ وَسَأُشِيرُ عَلَيْهِ. فَافْتَرَقَا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَوَلَّى زِيَادًا عَلَى الْخَرَاجِ وَبَيْتِ الْمَالِ، وَأَمْرَ ابْنَ عَبَّاسٍ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُ وَيُطِيعَ، وَكَانَ زِيَادٌ مُعْتَزِلًا، ثُمَّ رَاحَ إِلَى عَائِشَةَ، وَهِيَ فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفٍ، وَهِيَ أَعْظَمُ دَارٍ بِالْبَصْرَةِ، فَوَجَدَ النِّسَاءَ يَبْكِينَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ وَعُثْمَانَ ابْنَيْ خَلَفٍ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ قُتِلَ مَعَ عَائِشَةَ، وَعُثْمَانُ قُتِلَ مَعَ عَلِيٍّ، وَكَانَتْ صَفِيَّةُ زَوْجَةُ عَبْدِ اللَّهِ مُخْتَمِرَةً تَبْكِي، فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ لَهُ: يَا عَلِيُّ! يَا قَاتِلَ الْأَحِبَّةِ! يَا مُفَرِّقَ الْجَمْعِ! أَيْتَمَ اللَّهُ مِنْكَ بَنِيكَ كَمَا أَيْتَمْتَ وَلَدَ عَبْدِ اللَّهِ مِنْهُ! فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهَا شَيْئًا. وَدَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فَسَلَّمَ عَلَيْهَا وَقَعَدَ عِنْدَهَا، ثُمَّ قَالَ: جَبَهَتْنَا صَفِيَّةُ، أَمَا إِنِّي لَمْ أَرَهَا مُنْذُ كَانَتْ جَارِيَةً. فَلَمَّا خَرَجَ عَلِيٌّ أَعَادَتْ عَلَيْهِ الْقَوْلَ، فَكَفَّ بَغْلَتَهُ وَقَالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَفْتَحَ هَذَا الْبَابَ، وَأَشَارَ إِلَى بَابٍ فِي الدَّارِ، وَأَقْتُلَ مَنْ فِيهِ، وَكَانَ فِيهِ نَاسٌ مِنَ الْجَرْحَى، فَأُخْبِرَ عَلِيٌّ بِمَكَانِهِمْ، فَتَغَافَلَ عَنْهُمْ فَسَكَتَ، وَكَانَ مَذْهَبُهُ أَنْ لَا يَقْتُلَ مُدْبِرًا، وَلَا يُذَفِّفُ عَلَى جَرِيحٍ، وَلَا يَكْشِفُ سِتْرًا، وَلَا يَأْخُذُ مَالًا. وَلَمَّا خَرَجَ عَلِيٌّ مِنْ عِنْدِ عَائِشَةَ قَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَزْدٍ: وَاللَّهِ لَا تَغْلِبُنَا هَذِهِ الْمَرْأَةُ! فَغَضِبَ وَقَالَ: مَهْ! لَا تَهْتِكُنَّ سِتْرًا، وَلَا تَدْخُلُنَّ دَارًا، وَلَا تُهَيِّجُنَّ امْرَأَةً بِأَذًى، وَإِنْ شَتَمْنَ أَعْرَاضَكُمْ، وَسَفَّهْنَ أُمَرَاءَكُمْ وَصُلَحَاءَكُمْ، فَإِنَّ النِّسَاءَ ضَعِيفَاتٌ، وَلَقَدْ كُنَّا نُؤْمَرُ بِالْكَفِّ عَنْهُنَّ وَهُنَّ مُشْرِكَاتٌ، (فَكَيْفَ إِذَا هُنَّ مُسْلِمَاتٌ) ؟ وَمَضَى عَلِيٌّ، فَلَحِقَهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَامَ رَجُلَانِ عَلَى الْبَابِ فَتَنَاوَلَا مَنْ هُوَ أَمْضُّ شَتِيمَةً لَكَ مِنْ صَفِيَّةَ. قَالَ: وَيْحَكَ لَعَلَّهَا عَائِشَةُ! قَالَ: نَعَمْ. قَالَ أَحَدُهُمَا:

стр. 1303

جُزِيتِ عَنَّا أُمَّنَا عُقُوقًا. وَقَالَ الْآخَرُ: يَا أُمِّي تُوبِي فَقَدْ أَخْطَأْتِ. فَبَعَثَ الْقَعْقَاعَ بْنَ عَمْرٍو إِلَى الْبَابِ، فَأَقْبَلَ بِمَنْ كَانَ عَلَيْهِ، فَأَحَالُوا عَلَى رَجُلَيْنِ مَنْ أَزْدِ الْكُوفَةِ، وَهَمَا: عَجْلَانُ وَسَعْدٌ ابْنَا عَبْدِ اللَّهِ، فَضَرَبَهُمَا مِائَةَ سَوْطٍ وَأَخْرَجَهُمَا مِنْ ثِيَابِهِمَا. وَسَأَلَتْ عَائِشَةُ يَوْمَئِذٍ عَمَّنْ قُتِلَ مِنَ النَّاسِ مِنْهُمْ مَعَهَا وَمِنْهُمْ عَلَيْهَا، وَالنَّاسُ عِنْدَهَا، فَكُلَّمَا نُعِيَ وَاحِدٌ مِنَ الْجَمِيعِ قَالَتْ: يَرْحَمُهُ اللَّهُ. فَقِيلَ لَهَا: كَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَتْ: كَذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فُلَانٌ فِي الْجَنَّةِ، وَفُلَانٌ فِي الْجَنَّةِ، وَقَالَ عَلِيٌّ: إِنِّي أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونُ أَحَدٌ نَقَّى قَلْبَهُ لِلَّهِ مِنْ هَؤُلَاءِ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ. ثُمَّ جَهَّزَ عَلِيٌّ عَائِشَةَ بِكُلِّ مَا يَنْبَغِي لَهَا مِنْ مَرْكَبٍ وَزَادٍ وَمَتَاعٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَبَعَثَ مَعَهَا كُلَّ مَنْ نَجَا مِمَّنْ خَرَجَ مَعَهَا إِلَّا مَنْ أَحَبَّ الْمُقَامَ، وَاخْتَارَ لَهَا أَرْبَعِينَ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ الْبَصْرَةِ الْمَعْرُوفَاتِ، وَسَيَّرَ مَعَهَا أَخَاهَا مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي ارْتَحَلَتْ فِيهِ أَتَاهَا عَلِيٌّ فَوَقَفَ لَهَا، وَحَضَرَ النَّاسُ، فَخَرَجَتْ وَوَدَّعَتْهُمْ وَقَالَتْ: يَا بُنَيَّ لَا يَعْتِبْ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ، إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَلِيٍّ فِي الْقَدِيمِ إِلَّا مَا يَكُونُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَبَيْنَ أَحْمَائِهَا، وَإِنَّهُ عَلَى مَعْتَبَتِي لَمِنَ الْأَخْيَارِ. وَقَالَ عَلِيٌّ: صَدَقْتِ، وَاللَّهِ مَا كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا إِلَّا ذَاكَ، وَإِنَّهَا لَزَوْجَةُ نَبِيِّكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَخَرَجَتْ يَوْمَ السَّبْتِ غُرَّةَ رَجَبٍ، وَشَيَّعَهَا أَمْيَالًا وَسَرَّحَ بَنِيهِ مَعَهَا يَوْمًا، فَكَانَ وَجْهُهَا إِلَى مَكَّةَ، فَأَقَامَتْ إِلَى الْحَجِّ ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَقَالَ لَهَا عَمَّارٌ حِينَ وَدَّعَهَا: مَا أَبْعَدَ هَذَا الْمَسِيرَ مِنَ الْعَهْدِ الَّذِي عُهِدَ إِلَيْكِ! قَالَتْ: وَاللَّهِ إِنَّكَ مَا عَلِمْتُ لَقَوَّالٌ بِالْحَقِّ. قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قَضَى عَلَى لِسَانِكِ لِي.

стр. 1304

وَأَمَّا الْمُنْهَزِمُونَ فَقَدْ ذَكَرْنَا حَالَهُمْ، وَكَانَ مِنْهُمْ: عَتَبَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، فَخَرَجَ هُوَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَيَحْيَى ابْنَا الْحَكَمِ فَسَارُوا فِي الْبِلَادِ، فَلَقِيَهُمْ عِصْمَةُ بْنُ أُبَيْرٍ التَّيْمِيُّ، فَقَالَ لَهُمْ: هَلْ لَكَمْ فِي الْجِوَارِ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ. فَأَجَارَهُمْ وَأَنْزَلَهُمْ حَتَّى بَرِأَتْ جِرَاحُهُمْ وَسَيَّرَهُمْ نَحْوَ الشَّامِ فِي أَرْبَعِمِائَةِ رَاكِبٍ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى دُومَةِ الْجَنْدَلِ قَالُوا: قَدْ وَفَّيْتَ ذِمَّتَكَ، وَقَضَيْتَ مَا عَلَيْكَ، فَرَجَعَ. وَأَمَّا ابْنُ عَامِرٍ فَإِنَّهُ خَرَجَ أَيْضًا، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي حُرْقُوصٍ يُدْعَى مُرِّيَّ، فَأَجَارَهُ وَسَيَّرَهُ إِلَى الشَّامِ. وَأَمَّا مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، فَاسْتَجَارَ بِمَالِكِ بْنِ مِسْمَعٍ، فَأَجَارَهُ وَوَفَى لَهُ، وَحَفِظَ لَهُ بَنُو مَرْوَانَ ذَلِكَ فِي خِلَافَتِهِمْ، وَانْتَفَعَ بِهِمْ، وَشَرَّفُوهُ بِذَلِكَ. وَقِيلَ: إِنَّ مَرْوَانَ نَزَلَ مَعَ عَائِشَةَ بِدَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفٍ، وَصَحِبَهَا إِلَى الْحِجَازِ، فَلَمَّا سَارَتْ إِلَى مَكَّةَ سَارَ إِلَى الْمَدِينَةِ. وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فَإِنَّهُ نَزَلَ بِدَارِ رَجُلٍ مِنَ الْأَزْدِ يُدْعَى وَزِيرًا، فَقَالَ لَهُ: ائْتِ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ فَأَعْلِمْهَا بِمَكَانِي، وَلَا يَعْلَمْ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ. فَأَتَى عَائِشَةَ فَأَخْبَرَهَا، فَقَالَتْ: عَلَيَّ بِمُحَمَّدٍ. فَقَالَ لَهَا: إِنَّهُ قَدْ نَهَانِي أَنْ يَعْلَمَ مُحَمَّدٌ. فَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ وَأَرْسَلَتْ إِلَى مُحَمَّدٍ وَقَالَتْ: اذْهَبْ مَعَ هَذَا الرَّجُلِ حَتَّى تَأْتِيَنِي بِابْنِ أُخْتِكَ. فَانْطَلَقَ مَعَهُ، وَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ وَمُحَمَّدٌ حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى دَارِ عَائِشَةَ فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفٍ. وَلَمَّا فَرَغَ عَلِيٌّ مِنْ بَيْعَةِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ نَظَرَ فِي بَيْتِ الْمَالِ، فَرَأَى فِيهِ سِتَّمِائَةِ أَلْفٍ وَزِيَادَةً، فَقَسَّمَهَا عَلَى مَنْ شَهِدَ مَعَهُ، فَأَصَابَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ خَمْسَمِائَةٍ خَمْسَمِائَةٍ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنْ أَظْفَرَكُمُ اللَّهُ بِالشَّامِ فَلَكُمْ مَثَلُهَا إِلَى أُعْطِيَاتِكُمْ. فَخَاضَ فِي ذَلِكَ السَّبَئِيَّةُ، وَطَعَنُوا عَلَى عَلِيٍّ مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ، وَطَعَنُوا فِيهِ أَيْضًا حِينَ نَهَاهُمْ عَنْ أَخْذِ أَمْوَالِهِمْ، فَقَالُوا: مَا [لَهُ] يُحِلُّ لَنَا دِمَاءَهُمْ وَيُحَرِّمُ عَلَيْنَا أَمْوَالَهُمْ؟ فَقَالَ لَهُمْ عَلِيٌّ: الْقَوْمُ أَمْثَالُكُمْ، مَنْ صَفَحَ عَنَّا فَهُوَ مِنَّا وَمَنْ لَجَّ حَتَّى يُصَابَ فَقِتَالُهُ مِنِّي عَلَى الصَّدْرِ وَالنَّحْرِ. وَقَالَ الْقَعْقَاعُ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِشَيْءٍ مِنْ قِتَالِ الْقَلْبِ يَوْمَ الْجَمَلِ بِقِتَالِ صِفِّينَ، لَقَدْ رَأَيْتُنَا نُدَافِعُهُمْ بَأَسِنَّتِنَا، وَنَتَّكِئُ عَلَى أَزِجَّتِنَا وَهُمْ مِثْلُ ذَلِكَ، حَتَّى لَوْ أَنَّ الرِّجَالَ مَشَتْ

стр. 1305

عَلَيْهَا لَاسْتَقَلَّتْ بِهِمْ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سِنَانٍ الْكَاهِلِيُّ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجَمَلِ تَرَامَيْنَا بِالنَّبْلِ حَتَّى فَنِيَتْ، وَتَطَاعَنَّا بِالرِّمَاحِ حَتَّى تَكَسَّرَتْ، وَتَشَبَّكَتْ فِي صُدُورِنَا وَصُدُورِهِمْ، حَتَّى لَوْ سُيِّرَتْ عَلَيْهَا الْخَيْلُ لَسَارَتْ. ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ: السُّيُوفُ يَا بَنِي الْمُهَاجِرِينَ! فَمَا شُبِّهَتْ أَصْوَاتُهَا إِلَّا بِضَرْبِ الْقَصَّارِينَ. وَعَلِمَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِالْوَقْعَةِ يَوْمَ الْحَرْبِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ مِنْ نَسْرٍ مَرَّ بِمَاءٍ حَوْلَ الْمَدِينَةِ، وَمَعَهُ شَيْءٌ مُعَلَّقٌ، فَسَقَطَ مِنْهُ، فَإِذَا كَفٌّ فِيهِ خَاتَمٌ نَقْشُهُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَتَّابٍ. وَعَلِمَ مَنْ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ بِالْوَقْعَةِ بِمَا يَنْقِلُ إِلَيْهِمُ النُّسُورُ مِنَ الْأَيْدِي وَالْأَقْدَامِ. وَأَرَادَ عَلِيٌّ الْمُقَامَ بِالْبَصْرَةِ لِإِصْلَاحِ حَالِهَا، فَأَعْجَلَتْهُ السَّبَئِيَّةُ عَنِ الْمُقَامِ، فَإِنَّهُمُ ارْتَحَلُوا بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَارْتَحَلَ فِي آثَارِهِمْ لِيَقْطَعَ عَلَيْهِمْ أَمْرًا إِنْ أَرَادُوهُ. [رِوَايَةٌ أُخْرَى فِي وَقْعَةِ الْجَمَلِ] وَقَدْ قِيلَ فِي سَبَبِ الْقِتَالِ يَوْمَ الْجَمَلِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى مَسِيرِ أَصْحَابِ عَائِشَةَ وَنُزُولِهِمُ الْبَصْرَةَ وَالْوَقْعَةُ الْأُولَى مَعَ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ وَحُكَيْمٍ. وَأَمَّا مَسِيرُ عَلِيٍّ وَعَزْلُ أَبِي مُوسَى فَقِيلَ فِيهِ: إِنَّ عَلِيًّا لَمَّا أَرْسَلَ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ إِلَى أَبِي مُوسَى، وَجَرَى لَهُ مَا تَقَدَّمَ سَارَ هَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ إِلَى عَلِيٍّ بِالرَّبَذَةِ، فَأَعْلَمَهُ الْحَالَ، فَأَعَادَهُ عَلِيٌّ إِلَى أَبِي مُوسَى يَقُولُ لَهُ: أَرْسِلِ النَّاسَ، فَإِنِّي لَمْ أُوَلِّكَ إِلَّا لِتَكُونَ مِنْ أَعْوَانِي عَلَى الْحَقِّ. فَامْتَنَعَ أَبُو مُوسَى، فَكَتَبَ هَاشِمٌ إِلَى عَلِيٍّ: إِنِّي قَدِمْتُ عَلَى رَجُلٍ غَالٍ مُشَاقِقٍ ظَاهِرِ الشَّنَآنِ، وَأَرْسَلَ الْكِتَابَ مَعَ الْمُحِلِّ بْنِ خَلِيفَةَ الطَّائِيِّ، فَبَعَثَ عَلِيٌّ: الْحَسَنَ ابْنَهُ، وَعَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ يَسْتَنْفِرَانِ النَّاسَ، وَبَعَثَ قَرَظَةَ بْنَ كَعْبٍ الْأَنْصَارِيَّ أَمِيرًا، وَكَتَبَ مَعَهُ إِلَى أَبِي مُوسَى: إِنِّي قَدْ بَعَثْتُ الْحَسَنَ وَعَمَّارًا يَسْتَنْفِرَانِ النَّاسَ، وَبَعَثْتُ قَرَظَةَ بْنَ كَعْبٍ وَالِيًا عَلَى الْكُوفَةِ، فَاعْتَزِلْ عَمَلَنَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَإِنِّي قَدْ أَمَرْتُهُ أَنْ يُنَابِذَكَ، فَإِنْ نَابَذْتَهُ فَظَفِرَ بِكَ يُقَطِّعْكَ إِرَبًا إِرَبًا. فَلَمَّا قَدِمَ الْكِتَابُ عَلَى أَبِي مُوسَى اعْتَزَلَ، وَاسْتَنْفَرَ الْحَسَنُ النَّاسَ، فَنَفَرُوا نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ. وَسَارَ عَلِيٌّ نَحْوَ

стр. 1306

الْبَصْرَةِ، فَقَالَ جَوْنُ بْنُ قَتَادَةَ: كُنْتُ مَعَ الزُّبَيْرِ فَجَاءَ فَارِسٌ يَسِيرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْأَمِيرُ، فَرَدَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ قَدْ أَتَوْا مَكَانَ كَذَا وَكَذَا، فَلَمْ أَرَ أَرَثَّ سِلَاحًا، وَلَا أَقَلَّ عَدَدًا، وَلَا أَرْعَبَ قُلُوبًا مِنْهُمْ. ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ، وَجَاءَ فَارِسٌ آخَرُ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ الْقَوْمَ قَدْ بَلَغُوا مَكَانَ كَذَا وَكَذَا، فَسَمِعُوا بِمَا جَمَعَ اللَّهُ لَكُمْ مِنَ الْعَدَدِ وَالْعُدَّةِ، فَخَافُوا فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ. فَقَالَ الزُّبَيْرُ: إِيهًا عَنْكَ! فَوَاللَّهِ لَوْ لَمْ يَجِدْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إِلَّا الْعَرْفَجَ لَدَبَّ إِلَيْنَا فِيهِ، فَانْصَرَفَ. وَجَاءَ فَارِسٌ، وَقَدْ كَادَتِ الْخَيْلُ تَخْرُجُ مِنَ الرَّهَجِ، فَقَالَ: هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ قَدْ أَتَوْكَ، فَلَقَيْتُ عَمَّارًا فَقُلْتُ لَهُ وَقَالَ لِي. فَقَالَ الزُّبَيْرُ: إِنَّهُ لَيْسَ فِيهِمْ! فَقَالَ الرَّجُلُ: بَلَى وَاللَّهِ إِنَّهُ لَفِيهِمْ. فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللَّهِ مَا جَعَلَهُ اللَّهُ فِيهِمْ. فَقَالَ الرَّجُلُ: بَلَى وَاللَّهِ. فَلَمَّا كَرَّرَ عَلَيْهِ أَرْسَلَ الزُّبَيْرُ رَجُلَيْنِ يَنْظُرَانِ، فَانْطَلَقَا ثُمَّ رَجَعَا فَقَالَا: صَدَقَ الرَّجُلُ. فَقَالَ الزُّبَيْرُ: يَا جَدْعَ أَنْفَاهُ! يَا قَطْعَ ظَهْرَاهُ! ثُمَّ أَخَذَتْهُ رَعْدَةٌ فَجَعَلَ السِّلَاحُ يَنْتَفِضُ. قَالَ جَوْنٌ: فَقُلْتُ ثَكِلَتْنِي أُمِّي! هَذَا الَّذِي كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ أَمُوتَ مَعَهُ أَوْ أَعِيشَ، مَا أَخَذَ هَذَا الْأَمْرَ إِلَّا لِشَيْءٍ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَانْصَرَفَ جَوْنٌ فَاعْتَزَلَ، وَجَاءَ عَلِيٌّ، فَلَمَّا تَوَاقَفَ النَّاسُ دَعَا الزُّبَيْرَ وَطَلْحَةَ فَتَوَاقَفُوا، وَذَكَرَ مِنْ أَمْرِ الزُّبَيْرِ وَعَوْدِهِ وَتَكْفِيرِهِ عَنْ يَمِينِهِ مِثْلَ مَا تَقَدَّمَ، فَلَمَّا أَبَوْا إِلَّا الْقِتَالَ قَالَ عَلِيٌّ: أَيُّكُمْ يَأْخُذُ هَذَا الْمُصْحَفَ يَدْعُوهُمْ إِلَى مَا فِيهِ، فَإِنْ قُطِعَتْ يَدُهُ أَخَذَهُ بِيَدِهِ الْأُخْرَى، فَإِنْ قُطِعَتْ أَخَذَهُ بِأَسْنَانِهِ وَهُوَ مَقْتُولٌ؟ فَقَالَ شَابٌّ: أَنَا. فَطَافَ بِهِ عَلَى أَصْحَابِهِ فَلَمْ يُجِبْهُ إِلَّا ذَلِكَ الشَّابُّ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَسَلَّمَهُ إِلَيْهِ، فَدَعَاهُمْ، فَقُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى، فَأَخَذَهُ بِالْيُسْرَى، فَقُطِعَتْ، فَأَخَذَهُ بِصَدْرِهِ وَالدِّمَاءُ تَسِيلُ عَلَى قَبَائِهِ، فَقُتِلَ، فَقَالَ عَلِيٌّ: الْآنَ حَلَّ قِتَالُهُمْ. فَقَالَتْ أُمُّ الْفَتَى: لَاهُمَّ إِنَّ مُسْلِمًا دَعَاهُمْ ... يَتْلُو كِتَابَ اللَّهِ لَا يَخْشَاهُمْ وَأُمُّهُمْ قَائِمَةٌ تَرَاهُمْ ... تَأْمُرُهُمْ بِالْقَتْلِ لَا تَنْهَاهُمْ قَدْ خُضِبَتْ مِنْ عَلَقٍ لِحَاهُمْ

стр. 1307

وَحَمَلَتْ مَيْمَنَةُ عَلِيٍّ عَلَى مَيْسَرَتِهِمْ، فَاقْتَتَلُوا، فَلَاذَ النَّاسُ بِعَائِشَةَ، وَكَانَ أَكْثَرُهُمْ مِنْ ضَبَّةَ وَالْأَزْدِ، وَكَانَ قِتَالُهُمْ مِنَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ إِلَى قَرِيبٍ مِنَ الْعَصْرِ ثُمَّ انْهَزَمُوا، وَنَادَى رَجُلٌ مِنَ الْأَزْدِ: كِرُّوا، فَضَرَبَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ فَقَطَعَ يَدَهُ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْأَزْدِ فِرُّوا وَاسْتَحَرَّ الْقَتْلُ فِي الْأَزْدِ فَنَادَوْا: نَحْنُ عَلَى دِينِ عَلِيٍّ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي لَيْثٍ: سَائِلْ بِنَا حِينَ لَقِينَا الْأَزْدَا ... وَالْخَيْلُ تَعْدُو أَشْقَرًا وَوِرْدَا لَمَّا قَطَعْنَا كِبْدَهُمْ وَالزَّنْدَا ... سُحْقًا لَهُمْ فِي رَأْيِهِمْ وَبُعْدَا وَحَمَلَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ عَلَى الزُّبَيْرِ، فَجَعَلَ يَحُوزُهُ بِالرُّمْحِ، فَقَالَ: أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي يَا أَبَا الْيَقْظَانِ؟ فَقَالَ: لَا يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، انْصَرِفْ، فَانْصَرَفَ، وَجُرِحَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، فَأَلْقَى نَفْسَهُ فِي الْجَرْحَى ثُمَّ بَرِأَ. وَعُقِرَ الْجَمَلُ، وَاحْتَمَلَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَائِشَةَ فَأَنْزَلَهَا، وَضَرَبَ عَلَيْهَا قُبَّةً، فَوَقَفَ عَلِيٌّ عَلَيْهَا وَقَالَ لَهَا: اسْتَنْفَرْتِ النَّاسَ وَقَدْ فَرُّوا، وَأَلَّبْتِ بَيْنَهُمْ حَتَّى قَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فِي كَلَامٍ كَثِيرٍ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: مَلَكْتَ فَأَسْجِحْ، نِعْمَ مَا ابْتَلَيْتَ قَوْمَكَ الْيَوْمَ! فَسَرَّحَهَا وَأَرْسَلَ مَعَهَا جَمَاعَةً مِنْ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ وَجَهَّزَهَا بِمَا تَحْتَاجُ. لَمْ أَذْكُرْ فِي وَقْعَةِ الْجَمَلِ إِلَّا مَا ذَكَرَهُ أَبُو جَعْفَرٍ، إِذْ كَانَ أَوْثَقَ مَنْ نَقَلَ التَّارِيخَ، فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ حَشَوَا تَوَارِيخَهُمْ بِمُقْتَضَى أَهْوَائِهِمْ. وَمِمَّنْ قُتِلَ يَوْمَ الْجَمَلِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ أَخُو طَلْحَةَ، لَهُ صُحْبَةٌ. وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَيْسِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، لَهُ صُحْبَةٌ. وَفِيهَا قُتِلَ الْمُحْرِزُ بْنُ حَارِثَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عَبْدِ شَمَّسٍ، لَهُ صُحْبَةٌ، وَاسْتَعْمَلَهُ عُمَرُ عَلَى مَكَّةَ ثُمَّ عَزَلَهُ. وَفِيهَا قُتِلَ مُعَرِّضُ بْنُ عِلَاطٍ السُّلَمِيُّ أَخُو الْحَجَّاجِ بْنِ عِلَاطٍ، قُتِلَ مَعَ عَلِيٍّ، وَفِيهَا قُتِلَ مُجَاشِعٌ وَمُجَالِدٌ ابْنَا مَسْعُودٍ السُّلَمِيَّانِ مَعَ عَائِشَةَ، لَهُمَا صُحْبَةٌ، فَأَمَّا مُجَاشِعٌ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ قُتِلَ فِي الْجَمَلِ. وَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ الْأَسَدِيُّ الْقُرَشِيُّ مَعَ عَائِشَةَ، وَكَانَ

стр. 1308

إِسْلَامُهُ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَفِيهَا قُتِلَ هِنْدُ بْنُ أَبِي هَالَةَ الْأُسَيِّدِيُّ، أُمُّهُ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ عَلِيٍّ، وَقِيلَ مَاتَ بِالْبَصْرَةِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. (الْأُسَيِّدِيُّ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، مَنْسُوبٌ إِلَى أُسَيِّدٍ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ، وَهُمْ بَطْنٌ مِنْ تَمِيمٍ. وَقُتِلَ هِلَالُ بْنُ وَكِيعِ بْنِ بِشْرٍ التَّمِيمِيُّ مَعَ عَائِشَةَ، لَهُ صُحْبَةٌ، وَفِيهَا قُتِلُ مُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ أَخُو مُعَوِّذٍ، وَهُمَا ابْنَا الْحَرْثِ بْنِ رِفَاعَةَ الْأَنْصَارِيَّانِ، وَشَهِدَا بَدْرًا، وَقُتِلَ مَعَ عَلِيٍّ، وَقِيلَ: عَاشَ وَقُتِلَ فِي وَقْعَةِ الْحَرَّةِ. (التَّيِّهَانُ: بِفَتْحِ التَّاءِ فَوْقَهَا نُقْطَتَانِ، وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَآخِرُهُ نُونٌ. وَشَبَثٌ: بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَآخِرُهُ ثَاءٌ مُثَلَّثَةٌ. وَسَيْحَانُ: بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَسُكُونِ الْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَآخِرُهُ نُونٌ. وَنَجَبَةُ: بِفَتْحِ النُّونِ وَالْجِيمِ، وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ. وَعَمِيرَةُ: بِفَتْحِ الْعَيْنِ، وَكَسْرِ الْمِيمِ. وَأُبَيْرُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ. وَالْخِرِّيتُ: بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَالرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ، وَسُكُونِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتِهَا نُقْطَتَانِ، وَفِي آخِرِهِ تَاءٌ فَوْقَهَا نُقْطَتَانِ) . ذكر قَصْدِ الْخَوَارِجِ سِجِسْتَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ وَقْعَةِ الْجَمَلِ خَرَجَ حَسَكَةُ بْنُ عَتَّابٍ الْحَبَطِيُّ، وَعِمْرَانُ بْنُ الْفُضَيْلِ الْبَرْجَمِيُّ فِي صَعَالِيكَ مِنَ الْعَرَبِ حَتَّى نَزَلُوا زَالِقَ مِنْ سِجِسْتَانَ، وَقَدْ نَكَثَ أَهْلُهَا، فَأَصَابُوا مِنْهَا مَالًا، ثُمَّ أَتَوْا زَرَنْجَ وَقَدْ خَافَهُمْ مَرْزُبَانُهَا فَصَالَحَهُمْ وَدَخَلُوهَا، فَقَالَ الرَّاجِزُ: بَشِّرْ سِجِسْتَانَ بِجُوعٍ وَحَرَبْ ... بِابْنِ الْفُضَيْلِ وَصَعَالِيكِ الْعَرَبْ لَا فِضَّةٌ تُغْنِيهِمُ وَلَا ذَهَبْ فَبَعَثَ عَلِيٌّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ جَزْءٍ الطَّائِيَّ، فَقَتَلَهُ حَسَكَةُ، فَكَتَبَ عَلِيٌّ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ يَأْمُرُهُ أَنْ يُوَلِّيَ سِجِسْتَانَ رَجُلًا وَيُسَيِّرَهُ إِلَيْهَا فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ، فَوَجَّهَ

стр. 1309

رِبْعِيَّ بْنَ كَاسٍ الْعَنْبَرِيَّ، وَمَعَهُ الْحُصَيْنُ بْنُ أَبِي الْحُرِّ الْعَنْبَرِيُّ، فَلَمَّا وَرَدَ سِجِسْتَانَ قَاتَلَهُمْ حَسَكَةُ وَقَتَلُوهُ، وَضَبَطَ رِبْعِيٌّ الْبِلَادَ، وَكَانَ فَيْرُوزُ حُصَيْنٍ يُنْسَبُ إِلَى الْحُصَيْنِ بْنِ أَبِي الْحُرِّ هَذَا، وَهُوَ مِنْ سِجِسْتَانَ. ذكر قَتْلِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حُذَيْفَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ، وَكَانَ أَبُوهُ أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ قَدْ قُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ، وَتَرَكَ ابْنَهُ مُحَمَّدًا هَذَا، فَكَفَلَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانٍ وَأَحْسَنَ تَرْبِيَتَهُ، وَكَانَ فِيمَا قِيلَ: أَصَابَ شَرَابًا فَحَدَّهُ عُثْمَانُ، ثُمَّ تَنَسَّكَ مُحَمَّدٌ وَأَقْبَلَ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَطَلَبَ مِنْ عُثْمَانَ أَنْ يُوَلِّيَهُ عَمَلًا، فَقَالَ: لَوْ كُنْتَ أَهْلًا لِذَلِكَ لَوَلَّيْتُكَ. فَقَالَ لَهُ: إِنِّي قَدْ رَغِبْتُ فِي غَزْوِ الْبَحْرِ فَأْذَنْ [لِي] فِي إِتْيَانِ مِصْرَ، فَأَذِنَ لَهُ وَجَهَّزَهُ، فَلَمَّا قَدِمَهَا رَأَى النَّاسُ عِبَادَتَهُ فَلَزِمُوهُ وَعَظَّمُوهُ، وَغَزَا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ غَزْوَةَ الصَّوَارِي. وَكَانَ مُحَمَّدٌ يَعِيبُهُ وَيَعِيبُ عُثْمَانَ بِتَوْلِيَتِهِ وَيَقُولُ: اسْتَعْمَلَ رَجُلًا أَبَاحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَمَهُ. فَكَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى عُثْمَانَ: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ أَفْسَدَ عَلَيَّ الْبِلَادَ هُوَ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَمَّا ابْنُ أَبِي بَكْرٍ فَإِنَّهُ يُوهَبُ لِأَبِيهِ وَلِعَائِشَةَ، وَأَمَّا ابْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ فَإِنَّهُ ابْنِي وَابْنُ أَخِي وَتَرْبِيَتِي وَهُوَ فَرْخُ قُرَيْشٍ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّ هَذَا الْفَرْخَ قَدِ اسْتَوَى رِيشُهُ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يَطِيرَ. فَبَعَثَ عُثْمَانُ إِلَى ابْنِ أَبِي حُذَيْفَةَ بِثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَبِجَمَلٍ عَلَيْهِ كُسْوَةٌ،

стр. 1310

فَوَضَعَهَا مُحَمَّدٌ فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أَلَا تَرَوْنَ إِلَى عُثْمَانَ يُخَادِعُنِي عَنْ دِينِي وَيَرْشُونِي عَلَيْهِ! فَازْدَادَ أَهْلُ مِصْرَ تَعْظِيمًا لَهُ وَطَعْنًا عَلَى عُثْمَانَ، (وَبَايَعُوهُ عَلَى رِيَاسَتِهِمْ) ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُثْمَانُ يُذَكِّرُهُ بِرَّهُ بِهِ وَتَرْبِيَتَهُ إِيَّاهُ وَقِيَامَهُ بِشَأْنِهِ، وَيَقُولُ: إِنَّكَ كَفَرْتَ إِحْسَانِي أَحْوَجُ مَا كُنْتُ إِلَى شُكْرِكَ. فَلَمْ يَرُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ ذَمَّهِ وَتَأْلِيبِ النَّاسِ عَلَيْهِ، وَحَثِّهِمْ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى حَصْرِهِ، وَمُسَاعَدَةِ مَنْ يُرِيدُ ذَلِكَ. فَلَمَّا سَارَ الْمِصْرِيُّونَ إِلَى عُثْمَانَ، أَقَامَ هُوَ بِمِصْرَ، وَخَرَجَ عَنْهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، (فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا) وَضَبَطَهَا، فَلَمْ يَزَلْ بِهَا مُقِيمًا حَتَّى قُتِلَ عُثْمَانُ وَبُويِعَ عَلِيٌّ، وَاتَّفَقَ مُعَاوِيَةُ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَلَى خِلَافِ عَلِيٍّ، فَسَارَ إِلَى مِصْرَ قَبْلَ قُدُومِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ إِلَيْهَا أَمِيرًا، فَأَرَادَ دُخُولَهَا فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ، فَخَدَعَ مُحَمَّدًا حَتَّى خَرَجَ مِنْهَا إِلَى الْعَرِيشِ فِي أَلْفِ رَجُلٍ، فَتَحَصَّنَ بِهَا، فَنَصَبَ عَلَيْهِ الْمَنْجَنِيقَ حَتَّى نَزَلَ فِي ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقُتِلَ. وَهَذَا الْقَوْلُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأَنَّ عَلِيًّا اسْتَعْمَلَ قَيْسًا عَلَى مِصْرَ أَوَّلَ مَا بُويِعَ لَهُ، وَلَوْ أَنَّ ابْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ قَتَلَهُ مُعَاوِيَةُ وَعَمْرٌو قَبْلَ وُصُولِ قَيْسٍ إِلَى مِصْرَ لَاسْتَوْلَيَا عَلَيْهَا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِهَا أَمِيرٌ يَمْنَعُهُمَا عَنْهَا، وَلَا خِلَافَ أَنَّ اسْتِيلَاءَ مُعَاوِيَةَ وَعَمْرٍو عَلَيْهَا كَانَ بَعْدَ صِفِّينِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ سَيَّرَ الْمِصْرِيِّينَ إِلَى عُثْمَانَ، فَلَمَّا حَصَرُوهُ أَخْرَجَ مُحَمَّدٌ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدٍ عَنْ مِصْرَ، وَهُوَ عَامِلُ عُثْمَانَ، وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، فَنَزَلَ عَبْدُ اللَّهِ عَلَى تُخُومِ مِصْرَ، وَانْتَظَرَ أَمْرَ عُثْمَانَ، فَطَلَعَ عَلَيْهِ رَاكِبٌ فَسَأَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ بِقَتْلِ عُثْمَانَ، فَاسْتَرْجَعَ، وَسَأَلَهُ عَمَّا صَنَعَ النَّاسُ بَعْدَهُ، فَأَخْبَرَهُ بِبَيْعَةِ عَلِيٍّ، فَاسْتَرْجَعَ، فَقَالَ لَهُ: كَأَنَّ إِمْرَةَ عَلِيٍّ تَعْدِلُ عِنْدَكَ قَتْلَ عُثْمَانَ! قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَظُنُّكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدٍ. فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ لَهُ: إِنْ كَانَتْ لَكَ فِي نَفْسِكَ حَاجَةٌ فَالنَّجَاءَ النَّجَاءَ، فَإِنَّ رَأْيَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ فِيكَ وَفِي أَصْحَابِكَ إِنْ ظَفِرَ بِكُمْ أَنْ يَقْتُلَكُمْ أَوْ يَنْفِيَكُمْ، وَهَذَا بَعْدِي أَمِيرٌ يَقْدَمُ عَلَيْكَ. فَقَالَ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ قَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ: أَبْعَدَ اللَّهُ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ، فَإِنَّهُ بَغَى عَلَى ابْنِ عَمِّهِ وَسَعَى عَلَيْهِ، وَقَدْ كَفَلَهُ وَرَبَّاهُ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، فَأَسَاءَ جِوَارَهُ وَجَهَّزَ إِلَيْهِ الرِّجَالَ حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ وَلَّى عَلَيْهِ مَنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ وَمِنْ عُثْمَانَ،

стр. 1311

وَلَمْ يُمَتِّعْهُ بِسُلْطَانِ بِلَادِهِ شَهْرًا، وَلَمْ يَرَهْ لِذَلِكَ أَهْلًا. وَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ هَارِبًا حَتَّى قَدِمَ عَلَى مُعَاوِيَةَ. وَهَذَا الْقَوْلُ يَدُلُّ عَلَى أَنْ قَيْسًا وَلِيَ مِصْرَ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ حَيٌّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَقِيلَ: إِنَّ عَمْرًا سَارَ إِلَى مِصْرَ بَعْدَ صِفِّينَ، فَلَقِيَهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ فِي جَيْشٍ، فَلَمَّا رَأَى عَمْرٌو كَثْرَةَ مَنْ مَعَهُ أَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَالْتَقَيَا وَاجْتَمَعَا، فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: إِنَّهُ قَدْ كَانَ مَا تَرَى وَقَدْ بَايَعْتُ هَذَا الرَّجُلَ، يَعْنِي مُعَاوِيَةَ، وَمَا أَنَا بِرَاضٍ بِكَثِيرٍ مِنْ أَمْرِهِ، وَإِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَكَ عَلِيًّا أَفْضَلُ مِنْ مُعَاوِيَةَ نَفْسًا وَقَدِيمًا وَأَوْلَى بِهَذَا الْأَمْرِ، فَوَاعِدْنِي مَوْعِدًا أَلْتَقِي مَعَكَ فِيهِ فِي غَيْرِ جَيْشٍ، تَأْتِي فِي مِائَةٍ وَآتِي فِي مِثْلِهَا، وَلَيْسَ مَعَنَا إِلَّا السُّيُوفُ فِي الْقُرُبِ. فَتَعَاهَدَا وَتَعَاقَدَا عَلَى ذَلِكَ وَاتَّعَدَا الْعَرِيشَ، وَرَجَعَ عَمْرٌو إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَلَمَّا جَاءَ الْأَجَلُ سَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ فِي مِائَةٍ، وَجَعَلَ عَمْرٌو لَهُ جَيْشًا خَلْفَهُ لِيَنْطَوِيَ خَبَرُهُ، فَلَمَّا الْتَقَيَا بِالْعَرِيشِ قَدِمَ جَيْشُ عَمْرٍو عَلَى أَثَرِهِ، فَعَلِمَ مُحَمَّدٌ أَنَّهُ قَدْ غُدِرَ بِهِ، فَدَخَلَ قَصْرًا بِالْعَرِيشِ فَتَحَصَّنَ بِهِ، فَحَصَرَهُ عَمْرٌو وَرَمَاهُ بِالْمَنْجَنِيقِ حَتَّى أُخِذَ أَسِيرًا، وَبَعَثَ بِهِ عَمْرٌو إِلَى مُعَاوِيَةَ فَسَجَنَهُ، وَكَانَتِ ابْنَةُ قَرَظَةَ امْرَأَةَ مُعَاوِيَةَ ابْنَةَ عَمَّةِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حُذَيْفَةَ أُمُّهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ عُتْبَةَ، فَكَانَتْ تَصْنَعُ لَهُ طَعَامًا تُرْسِلُهُ إِلَيْهِ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ يَوْمًا فِي الطَّعَامِ مَبَارِدَ، فَبَرَدَ بِهَا قُيُودَهُ وَهَرَبَ فَاخْتَفَى فِي غَارٍ فَأُخِذَ وَقُتِلَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ: إِنَّهُ بَقِيَ مَحْبُوسًا إِلَى أَنْ قُتِلَ حُجْرُ بْنُ عَدِيٍّ، ثُمَّ إِنَّهُ هَرَبَ، فَطَلَبَهُ مَالِكُ بْنُ هُبَيْرَةَ السَّكُّونِيُّ، فَظَفِرَ بِهِ فَقَتَلَهُ غَضَبًا لِحُجْرٍ، وَكَانَ مَالِكٌ قَدْ شَفَعَ إِلَى مُعَاوِيَةَ فِي حُجْرٍ فَلَمْ يُشَفِّعْهُ. وَقِيلَ: إِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ لَمَّا قُتِلَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ خَرَجَ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ إِلَى عَمْرٍو (فَآمَنُهُ عَمْرٌو) ، ثُمَّ غَدَرَ بِهِ وَحَمَلَهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِفِلَسْطِينَ فَحَبَسَهُ، ثُمَّ إِنَّهُ هَرَبَ، فَأَظْهَرَ مُعَاوِيَةُ لِلنَّاسِ أَنَّهُ كَرِهَ هَرَبَهُ وَأَمَرَ بِطَلَبِهِ، فَسَارَ فِي أَثَرِهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ ظَلَّامٍ الْخَثْعَمِيُّ، فَأَدْرَكَهُ بِحَوْرَانَ فِي غَارٍ، وَجَاءَتْ حُمُرٌ تَدْخُلُ الْغَارَ، فَلَمَّا رَأَتْ مُحَمَّدًا نَفَرَتْ مِنْهُ، وَكَانَ هُنَاكَ نَاسٌ يَحْصُدُونَ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ إِنَّ لِنُفْرَةِ هَذِهِ الْحُمُرِ لَشَأْنًا. فَذَهَبُوا إِلَى الْغَارِ فَرَأَوْهُ، فَخَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ، فَوَافَقَهُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ فَسَأَلَهُمْ عَنْهُ وَوَصَفَهُ لَهُمْ، فَقَالُوا:

стр. 1312

هُوَ فِي الْغَارِ، فَأَخْرَجَهُ وَكَرِهَ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ مُعَاوِيَةَ فَيُخْلِي سَبِيلَهُ، فَضَرَبَ عُنُقَهُ، وَكَانَ ابْنَ خَالِ مُعَاوِيَةَ. ذكر وِلَايَةِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ مِصْرَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي صَفَرٍ بَعَثَ عَلِيٌّ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ أَمِيرًا عَلَى مِصْرَ، وَكَانَ صَاحِبَ رَايَةِ الْأَنْصَارِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ مِنْ ذَوِي الرَّأْيِ وَالْبَأْسِ، فَقَالَ لَهُ: سِرْ إِلَى مِصْرَ فَقَدْ وَلَّيْتُكَهَا وَاخْرُجْ إِلَى رَحْلِكَ وَاجْمَعْ إِلَيْكَ ثِقَاتِكَ وَمَنْ أَحْبَبْتَ أَنْ يَصْحَبَكَ حَتَّى تَأْتِيَهَا وَمَعَكَ جُنْدٌ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَرْعَبُ لِعَدُوِّكَ وَأَعَزُّ لِوَلِيِّكَ، وَأَحْسِنْ إِلَى الْمُحْسِنِ، وَاشْتَدَّ عَلَى الْمُرِيبِ، وَارْفُقْ بِالْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، فَإِنَّ الرِّفْقَ يُمْنٌّ. فَقَالَ لَهُ قَيْسٌ: أَمَّا قَوْلُكَ: اخْرُجْ إِلَيْهَا بِجُنْدٍ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ لَمْ أَدْخُلْهَا إِلَّا بِجُنْدٍ آتِيهَا بِهِ مِنَ الْمَدِينَةِ لَا أَدْخُلُهَا أَبَدًا، فَأَنَا أَدَعُ ذَلِكَ الْجُنْدَ لَكَ، فَإِنْ كُنْتَ احْتَجْتَ إِلَيْهِمْ كَانُوا مِنْكَ قَرِيبًا، وَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَبْعَثَهُمْ إِلَى وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِكَ كَانُوا عُدَّةً. فَخَرَجَ قَيْسٌ حَتَّى دَخَلَ مِصْرَ فِي سَبْعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَجَلَسَ عَلَيْهِ، وَأَمَرَ بِكِتَابِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فُقِرِئَ عَلَى أَهْلِ مِصْرَ بِإِمَارَتِهِ، وَيَأْمُرُهُمْ بِمُبَايَعَتِهِ وَمُسَاعَدَتِهِ وَإِعَانَتِهِ عَلَى الْحَقِّ، ثُمَّ قَامَ قَيْسٌ خَطِيبًا وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَاءَ بِالْحَقِّ وَأَمَاتَ الْبَاطِلَ وَكَبَتَ الظَّالِمِينَ، أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا قَدْ بَايَعْنَا خَيْرَ مَنْ نَعْلَمُ بَعْدَ نَبِيِّنَا ﷺ فَقُومُوا أَيُّهَا النَّاسُ فَبَايِعُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسَنَةِ رَسُولِهِ، فَإِنْ نَحْنُ لَمْ نَعْمَلُ لَكُمْ بِذَلِكَ فَلَا بَيْعَةَ لَنَا عَلَيْكُمْ. فَقَامَ النَّاسُ فَبَايَعُوا وَاسْتَقَامَتْ مِصْرُ، وَبَعَثَ عَلَيْهَا عُمَّالَهُ إِلَّا قَرْيَةً مِنْهَا يُقَالُ لَهَا خَرْنَبَا فِيهَا نَاسٌ قَدْ أَعْظَمُوا قَتْلَ عُثْمَانَ، عَلَيْهِمْ رَجُلٌ مَنْ بَنِي كِنَانَةَ، ثُمَّ مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ اسْمُهُ يَزِيدُ بْنُ الْحَارِثِ، فَبَعَثَ إِلَى قَيْسٍ يَدْعُو إِلَى الطَّلَبِ بِدَمِ عُثْمَانَ. وَكَانَ مَسْلَمَةُ بْنُ مُخَلَّدٍ قَدْ أَظْهَرَ الطَّلَبَ أَيْضًا بِدَمِ عُثْمَانَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ قَيْسٌ: وَيْحَكَ أَعَلَيَّ تَثِبُ! فَوَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي مُلْكَ الشَّامِ إِلَى مِصْرَ وَأَنِّي قَتَلْتُكَ! فَبَعَثَ إِلَيْهِ مَسْلَمَةُ: إِنِّي كَافٌّ عَنْكَ مَا دُمْتَ أَنْتَ وَالِيَ مِصْرَ. وَبَعَثَ قَيْسٌ، وَكَانَ حَازِمًا، إِلَى أَهْلِ خَرْنَبَا: إِنِّي لَا أُكْرِهُكُمْ عَلَى الْبَيْعَةِ، وَإِنِّي كَافٌّ عَنْكُمْ، فَهَادَنَهُمْ وَجَبَى الْخَرَاجَ لَيْسَ أَحَدٌ يُنَازِعُهُ، وَخَرَجَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الْجَمَلِ

стр. 1313

وَرَجَعَ وَهُوَ بِمَكَانِهِ، فَكَانَ أَثْقَلَ خَلْقِ اللَّهِ عَلَى مُعَاوِيَةَ لِقُرْبِهِ مِنَ الشَّامِ، وَمَخَافَةَ أَنْ يُقْبِلَ عَلِيٌّ فِي أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَقَيْسٌ فِي أَهْلِ مِصْرَ، فَيَقَعُ بَيْنَهُمَا مُعَاوِيَةُ، فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى قَيْسٍ: سَلَامٌ عَلَيْكَ، أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّكُمْ نَقَمْتُمْ عَلَى عُثْمَانَ ضَرْبَةً بِسَوْطٍ أَوْ شَتِيمَةَ رَجُلٍ أَوْ تَسْيِيرَ آخَرَ وَاسْتِعْمَالَ فَتًى، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ دَمَهُ لَا يَحِلُّ لَكُمْ، فَقَدْ رَكِبْتُمْ عَظَيِمًا، وَجِئْتُمْ أَمْرًا إِدًّا، فَتُبْ إِلَى اللَّهِ يَا قَيْسُ، فَإِنَّكَ مِنَ الْمُجْلِبِينِ عَلَى عُثْمَانَ، فَأَمَّا صَاحِبُكَ فَإِنَّا اسْتَيْقَنَا أَنَّهُ الَّذِي أَغْرَى [بِهِ] النَّاسَ وَحَمَلَهُمْ حَتَّى قَتَلُوهُ، وَإِنَّهُ لَمْ يَسْلَمْ مِنْ دَمِهِ عُظْمَ قَوْمِكَ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ يَا قَيْسُ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يُطَالِبُ بِدَمِ عُثْمَانَ فَافْعَلْ، وَتَابِعْنَا عَلَى أَمْرِنَا، وَلَكَ سُلْطَانُ الْعِرَاقَيْنِ إِذَا ظَهَرْتُ مَا بَقِيتُ، وَلِمَنْ أَحْبَبْتَ مِنْ أَهْلِكَ سُلْطَانُ الْحِجَازِ مَا دَامَ لِي سُلْطَانٌ، وَسَلْنِي مَا شِئْتَ، فَإِنِّي أُعْطِيكَ وَاكْتُبْ إِلَيَّ بِرَأْيِكَ. فَلَمَّا جَاءَهُ الْكِتَابُ أَنْ أَحَبَّ يُدَافِعَهُ وَلَا يُبْدِيَ لَهُ أَمْرَهُ، وَلَا يَتَعَجَّلَ إِلَى حَرْبِهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ فَهِمْتُ مَا ذَكَرْتَهُ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ، فَذَلِكَ شَيْءٌ لَمْ أُقَارِبْهُ، وَذَكَرْتَ أَنَّ صَاحِبِي هُوَ الَّذِي أَغْرَى بِهِ حَتَّى قَتَلُوهُ، وَهَذَا مِمَّا لَمْ أَطَّلِعْ عَلَيْهِ، وَذَكَرْتَ أَنَّ عُظْمَ عَشِيرَتِي لَمْ تَسْلَمْ [مِنْ دَمِ عُثْمَانَ] ، فَأَوَّلُ النَّاسِ كَانَ فِيهِ قِيَامًا عَشِيرَتِي، وَأَمَّا مَا عَرَضْتَهُ مِنْ مُتَابَعَتِكَ، فَهَذَا أَمْرٌ لِي فِيهِ نَظَرٌ وَفِكْرَةٌ، وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا يُسْرَعُ إِلَيْهِ، وَأَنَا كَافٌّ عَنْكَ، وَلَيْسَ يَأْتِيكَ مِنْ قِبَلِي شَيْءٌ تَكْرَهُهُ، حَتَّى تَرَى وَنَرَى - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -. فَلَمَّا قَرَأَ مُعَاوِيَةُ كِتَابَهُ رَآهُ مُقَارِبًا مُبَاعِدًا، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ فَقَرَأْتُ كِتَابَكَ، فَلَمْ أَرَكَ تَدْنُو فَأَعُدَّكَ سِلْمًا، وَلَا مُتَبَاعِدًا فَأَعُدَّكَ حَرْبًا، وَلَيْسَ مِثْلِي يُصَانِعُ الْمُخَادِعَ وَيَنْخَدِعُ لِلْمَكَايِدِ، وَمَعَهُ عَدَدُ الرِّجَالِ وَبِيَدِهِ [أَعِنَّةُ الْخَيْلِ] ، وَالسَّلَامُ. فَلَمَّا قَرَأَ قَيْسٌ كِتَابَهُ، وَرَأَى أَنَّهُ لَا يُفِيدُ مَعَهُ الْمُدَافَعَةُ وَالْمُمَاطَلَةُ، أَظْهَرَ لَهُ مَا فِي نَفْسِهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَمَّا بَعْدُ فَالْعَجَبُ مِنَ اغْتِرَارِكَ بِي، وَطَمَعِكَ فِيَّ، وَاسْتِسْقَاطِكَ إِيَّايَ، أَتَسُومُنِي الْخُرُوجَ عَنْ طَاعَةِ أَوْلَى النَّاسِ بِالْإِمَارَةِ، وَأَقُوَلِهِمُ بِالْحَقِّ، وَأَهْدَاهُمْ سَبِيلًا، وَأَقْرَبِهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَسِيلَةً، وَتَأْمُرُنِي بِالدُّخُولِ فِي طَاعَتِكَ، طَاعَةَ أَبْعَدِ النَّاسِ مِنْ

стр. 1314

هَذَا الْأَمْرِ، وَأَقُوَلِهِمْ بِالزُّورِ، وَأَضَلِّهِمْ سَبِيلًا، وَأَبْعَدِهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَسِيلَةً، وَلَدِ ضَالِّينَ مُضِلِّينَ، طَاغُوتٍ مِنْ طَوَاغِيتِ إِبْلِيسَ! وَأَمَّا قَوْلُكَ إِنِّي مَالِئٌ عَلَيْكَ مِصْرَ خَيْلًا وَرِجَالًا، فَوَاللَّهِ إِنْ لَمْ أَشْغَلْكَ بِنَفْسِكَ حَتَّى تَكُونَ أَهَمَّ إِلَيْكَ إِنَّكَ لَذُو جَدٍّ، وَالسَّلَامُ. فَلَمَّا رَأَى مُعَاوِيَةُ كِتَابَهُ أَيِسَ مِنْهُ وَثَقُلَ عَلَيْهِ مَكَانُهُ، وَلَمْ تَنْجَعْ حِيَلُهُ فِيهِ، فَكَادَهُ مِنْ قِبَلِ عَلِيٍّ، فَقَالَ لِأَهْلِ الشَّامِ: لَا تَسُبُّوا قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ، وَلَا تَدْعُوا إِلَى غَزْوِهِ، فَإِنَّهُ لَنَا شِيعَةٌ، قَدْ تَأْتِينَا كُتُبُهُ وَنَصِيحَتُهُ سِرًّا، أَلَا تَرَوْنَ مَا يَفْعَلُ بِإِخْوَانِكُمُ الَّذِينَ عِنْدَهُ مِنْ أَهْلِ خَرْنَبَا، يُجْرِي عَلَيْهِمْ أُعْطِيَاتِهِمْ وَأَرْزَاقِهِمْ وَيُحْسِنُ إِلَيْهِمْ! وَافْتَعَلَ كِتَابًا عَنْ قَيْسٍ إِلَيْهِ بِالطَّلَبِ بِدَمِ عُثْمَانَ، وَالدُّخُولِ مَعَهُ فِي ذَلِكَ، وَقَرَأَهُ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ. فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا، أَبْلَغَهُ ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَعْلَمَتْهُ عُيُونُهُ بِالشَّامِ، فَأَعْظَمَهُ وَأَكْبَرَهُ، فَدَعَا ابْنَيْهِ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ فَأَعْلَمُهُمْ ذَلِكَ. فَقَالَ ابْنُ جَعْفَرٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ، اعْزِلْ قَيْسًا عَنْ مِصْرَ. فَقَالَ عَلِيٌّ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا أُصَدِّقُ بِهَذَا عَنْهُ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: اعْزِلْهُ، فَإِنْ كَانَ هَذَا حَقًّا لَا يَعْتَزِلُ لَكَ. فَإِنَّهُمْ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ قَيْسٍ يُخْبِرُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِحَالِ الْمُعْتَزِلِينَ وَكَفِّهِ عَنْ قِتَالِهِمْ. فَقَالَ ابْنُ جَعْفَرٍ: مَا أَخْوَفَنِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُمَالَأَةً مِنْهُ، فَمُرْهُ بِقِتَالِهِمْ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِقِتَالِهِمْ، فَلَمَّا قَرَأَ الْكِتَابَ كَتَبَ جَوَابَهُ: أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ عَجِبْتُ لِأَمْرِكَ تَأْمُرُنِي بِقِتَالِ قَوْمٍ كَافِّينَ عَنْكَ مُفْرِغِيكَ لِعَدُوِّكَ! وَمَتَى حَادَدْنَاهُمْ سَاعَدُوا عَلَيْكَ عَدُوَّكَ، فَأَطِعْنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَاكْفُفْ عَنْهُمْ فَإِنَّ الرَّأْيَ تَرْكُهُمْ، وَالسَّلَامُ. فَلَمَّا قَرَأَ عَلِيٌّ الْكِتَابَ قَالَ ابْنُ جَعْفَرٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ابْعَثْ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ عَلَى مِصْرَ وَاعْزِلْ قَيْسًا، فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ قَيْسًا يَقُولُ: إِنَّ سُلْطَانًا لَا يَسْتَقِيمُ إِلَّا بِقَتْلِ مَسْلَمَةَ بْنَ مُخَلَّدٍ لَسُلْطَانُ سَوْءٍ. وَكَانَ ابْنُ جَعْفَرٍ أَخَا مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ لِأُمِّهِ، فَبَعَثَ عَلِيٌّ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ إِلَى مِصْرَ، وَقِيلَ: بَعَثَ الْأَشْتَرَ النَّخَعِيَّ، فَمَاتَ بِالطَّرِيقِ، فَبَعَثَ مُحَمَّدًا، فَقَدِمَ مُحَمَّدٌ عَلَى قَيْسٍ بِمِصْرَ، فَقَالَ لَهُ قَيْسٌ: مَا بَالُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ مَا غَيَّرَهُ؟ أَدَخَلَ أَحَدٌ بَيْنِي وَبَيْنَهُ؟ قَالَ: لَا، وَهَذَا السُّلْطَانُ سُلْطَانُكَ. قَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا أُقِيمُ. وَخَرَجَ مِنْهَا مُقْبِلًا إِلَى الْمَدِينَةِ وَهُوَ غَضْبَانُ لِعَزْلِهِ، فَجَاءَهُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، وَكَانَ عُثْمَانِيًّا، يَشْمَتُ بِهِ، فَقَالَ لَهُ: قَتَلْتَ عُثْمَانَ وَنَزَعَكَ عَلِيٌّ، فَبَقِيَ عَلَيْكَ الْإِثْمُ وَلَمْ يَحْسُنْ لَكَ الشُّكْرُ! فَقَالَ لَهُ قَيْسٌ: يَا أَعْمَى

стр. 1315

الْقَلْبِ وَالْبَصَرِ! وَاللَّهِ لَوْلَا أَنْ أُلْقِيَ بَيْنَ رَهْطِي وَرَهْطِكَ حَرْبًا لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ! اخْرُجْ عَنِّي! ثُمَّ أَخَافَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ قَيْسًا بِالْمَدِينَةِ، فَخَرَجَ مِنْهَا هُوَ وَسَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ إِلَى عَلِيٍّ، فَشَهِدَا مَعَهُ صِفِّينَ. فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى مَرْوَانَ يَتَغَيَّظُ عَلَيْهِ وَيَقُولُ لَهُ: لَوْ أَمْدَدْتَ عَلِيًّا بِمِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ لَكَانَ أَيْسَرَ عِنْدِي مِنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ فِي رَأْيِهِ وَمَكَانِهِ. فَلَمَّا قَدِمَ قَيْسٌ عَلَى عَلِيٍّ وَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ يُقَاسِي أُمُورًا عِظَامًا مِنَ الْمُكَايَدَةِ، وَجَاءَهُمْ خَبَرُ قَتْلِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، فَعَظُمَ مَحَلُّ قَيْسٍ عِنْدَهُ، وَأَطَاعَهُ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ، وَلَمَّا قَدِمَ مُحَمَّدٌ مِصْرَ قَرَأَ كِتَابَ عَلِيٍّ عَلَى أَهْلِ مِصْرَ ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا وَإِيَّاكُمْ لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ، وَبَصَّرَنَا وَإِيَّاكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كَانَ عَمِيَ عَنْهُ الْجَاهِلُونَ. أَلَا إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَلَّانِي أَمْرَكُمْ، وَعَهِدَ إِلَيَّ مَا سَمِعْتُمْ، وَمَا تَوْفِيقِيَ إِلَّا بِاللَّهِ، عَلَيْهِ تَوَكَّلَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ، فَإِنْ يَكُنْ مَا تَرَوْنَ مِنْ إِمَارَتِي وَأَعْمَالِي طَاعَةً لِلَّهِ فَاحْمَدُوا اللَّهَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ هُوَ الْهَادِي لَهُ، وَإِنْ رَأَيْتُمْ عَامِلًا لِي عَمِلَ بِغَيْرِ الْحَقِّ فَارْفَعُوهُ إِلَيَّ وَعَاتِبُونِي فِيهِ، فَإِنِّي بِذَلِكَ أَسْعَدُ، وَأَنْتُمْ [بِذَلِكَ] جَدِيرُونَ، وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ لِصَالِحِ الْأَعْمَالِ بِرَحْمَتِهِ. ثُمَّ نَزَلَ، وَلَبِثَ شَهْرًا كَامِلًا، حَتَّى بَعَثَ إِلَى أُولَئِكَ الْقَوْمِ الْمُعْتَزِلِينَ الَّذِينَ كَانُوا قَدْ وَادَعَهُمْ قَيْسٌ، فَقَالَ لَهُمْ: إِمَّا أَنْ تَدْخُلُوا فِي طَاعَتِنَا وَإِمَّا أَنْ تَخْرُجُوا عَنْ بِلَادِنَا. فَأَجَابُوهُ: إِنَّا لَا نَفْعَلُ، فَدَعْنَا حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى مَا يَصِيرُ إِلَيْهِ أَمْرُنَا، فَلَا تَعْجَلْ لِحَرْبِنَا. فَأَبَى عَلَيْهِمْ، فَامْتَنَعُوا [مِنْهُ] وَأَخَذُوا حِذْرَهُمْ، فَكَانَتْ وَقْعَةُ صِفِّينَ وَهُمْ هَائِبُونَ لِمُحَمَّدٍ. فَلَمَّا رَجَعَ عَلِيٌّ عَنْ مُعَاوِيَةَ، وَصَارَ الْأَمْرُ إِلَى التَّحْكِيمِ، طَمِعُوا فِي مُحَمَّدٍ، وَأَظْهَرُوا لَهُ الْمُبَارَزَةَ، فَبَعَثَ مُحَمَّدٌ الْحَارِثَ بْنَ جَمْهَانَ الْجُعْفِيَّ إِلَى أَهْلٍ خَرْنَبَا، وَفِيهَا يَزِيدُ بْنُ الْحَرْثِ مَعَ بَنِي كِنَانَةَ وَمَنْ مَعَهُ، فَقَاتَلَهُمْ فَقَاتَلُوهُ وَقَتَلُوهُ. فَبَعَثَ مُحَمَّدٌ إِلَيْهِمْ أَيْضًا ابْنَ مَضَاهِمٍ الْكَلْبِيَّ فَقَتَلُوهُ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ جَرَى بَيْنَ مُحَمَّدٍ وَمُعَاوِيَةَ مُكَاتَبَاتٌ كَرِهْتُ ذِكْرَهَا، فَإِنَّهَا مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ سَمَاعَهَا الْعَامَّةُ. وَفِيهَا قَدِمَ أَبْرَازُ مَرْزُبَانَ مَرْوَ إِلَى عَلِيٍّ بَعْدَ الْجَمَلِ مُقِرًّا بِالصُّلْحِ، فَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا

стр. 1316

إِلَى دَهَاقِينَ مَرْوَ وَالْأَسَاوِرَةِ، وَمَنْ بِمَرْوَ، ثُمَّ إِنَّهُمْ كَفَرُوا وَأَغْلَقُوا نَيْسَابُورَ، فَبَعَثَ عَلِيٌّ خُلَيْدَ بْنَ قُرَّةَ، وَقِيلَ: ابْنَ طَرِيفٍ الْيَرْبُوعِيَّ، إِلَى خُرَاسَانَ. ذكر قُدُومِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَلَى مُعَاوِيَةَ وَمُتَابَعَتِهِ لَهُ قِيلَ: كَانَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ قَدْ سَارَ عَنِ الْمَدِينَةِ، قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ عُثْمَانُ، نَحْوَ فِلَسْطِينَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أُحِيطَ بِعُثْمَانِ قَالَ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ لَا يُقِيمُ أَحَدٌ فَيُدْرِكُهُ قَتْلُ هَذَا الرَّجُلِ إِلَّا ضَرَبَهُ اللَّهُ بِذُلٍّ، مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ نَصْرَهُ فَلْيَهْرُبْ. فَسَارَ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ - وَقَدْ تَقَدَّمَ -، وَسَارَ مَعَهُ ابْنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ وَمُحَمَّدٌ، فَسَكَنَ فِلَسْطِينَ، فَمَرَّ بِهِ رَاكِبٌ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: حَصِيرَةٌ. قَالَ عَمْرٌو: حُصِرَ الرَّجُلُ! فَمَا الْخَبَرُ؟ قَالَ: تَرَكْتُ عُثْمَانَ مَحْصُورًا. ثُمَّ مَرَّ بِهِ رَاكِبٌ آخَرُ بَعْدَ أَيَّامٍ فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: قَتَّالٌ. قَالَ: قُتِلَ الرَّجُلُ! فَمَا الْخَبَرُ؟ قَالَ قُتِلَ عُثْمَانُ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ إِلَى أَنْ سِرْتُ. ثُمَّ مَرَّ بِهِ رَاكِبٌ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: حَرْبٌ. قَالَ عَمْرٌو: يَكُونُ حَرْبٌ، وَقَالَ لَهُ: مَا الْخَبَرُ؟ فَقَالَ: بَايَعَ النَّاسُ عَلِيًّا. فَقَالَ سَلْمُ بْنُ زِنْبَاعٍ: يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ كَانَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الْعَرَبِ بَابٌ فَكُسِرَ، فَاتَّخَذُوا بَابًا غَيْرَهُ. فَقَالَ عَمْرٌو: ذَلِكَ الَّذِي نُرِيدُهُ. ثُمَّ ارْتَحَلَ عَمْرٌو رَاجِلًا مَعَهُ ابْنَاهُ يَبْكِي كَمَا تَبْكِي الْمَرْأَةُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاعُثْمَانَاهُ! أَنْعِي الْحَيَاءَ وَالدِّينَ! حَتَّى قَدِمَ دِمَشْقَ، وَكَانَ قَدْ عَلِمَ الَّذِي يَكُونُ فَعَمِلَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ قَدْ بَعَثَهُ إِلَى عَمَّانَ، فَسَمِعَ مِنْ حَبْرٍ هُنَاكَ شَيْئًا عَرَفَ مِصْدَاقَهُ، فَسَأَلَهُ عَنْ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَنْ يَكُونُ بَعْدَهُ، فَأَخْبَرَهُ بِأَبِي بَكْرٍ وَأَنَّ مُدَّتَهُ قَصِيرَةٌ، ثُمَّ يَأْتِي بَعْدَهُ رَجُلٌ مَنْ قَوْمِهِ مِثْلُهُ تَطُولُ مُدَّتُهُ، وَيُقْتَلُ غِيلَةً، ثُمَّ يَلِي بَعْدَهُ رَجُلٌ مَنْ قَوْمِهِ تَطُولُ مُدَّتُهُ، وَيُقْتَلُ عَنْ مَلَإٍ، قَالَ: ذَلِكَ أَشَدُّ، ثُمَّ يَلِي بَعْدَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ يَنْتَشِرُ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَيَكُونُ عَلَى رَأْسِهِ حَرْبٌ شَدِيدَةٌ، ثُمَّ يُقْتَلُ قَبْلَ أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَلِي بَعْدَهُ أَمِيرُ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، فَيَطُولُ مُلْكُهُ، وَتَجْتَمِعُ عَلَيْهِ أَهْلُ تِلْكَ الْفِرْقَةِ، ثُمَّ يَمُوتُ.

стр. 1317

وَقِيلَ: إِنَّ عَمْرًا لَمَّا بَلَغَهُ قَتْلُ عُثْمَانَ قَالَ: أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، أَنَا قَتَلْتُهُ، وَأَنَا بَوَادِي السِّبَاعِ، إِنْ يَلِ هَذَا الْأَمْرَ طَلْحَةُ فَهُوَ فَتَى الْعَرَبِ سَيْبًا، وَإِنْ يَلِهِ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ فَهُوَ أَكْرَهُ مَنْ يَلِيهِ إِلَيَّ. فَبَلَغَهُ بَيْعَةُ عَلِيٍّ، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ، وَأَقَامَ يَنْتَظِرُ مَا يَصْنَعُ النَّاسُ، فَأَتَاهُ مَسِيرُ عَائِشَةَ، وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرِ، فَأَقَامَ يَنْتَظِرُ مَا يَصْنَعُونَ، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ بِوَقْعَةِ الْجَمَلِ، فَأُرْتِجَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ، فَسَمِعَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ لَا يُبَايِعُ عَلِيًّا، وَأَنَّهُ يُعَظِّمُ شَأْنَ عُثْمَانَ، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ عَلِيٍّ، فَدَعَا ابْنَيْهِ عَبْدَ اللَّهِ وَمُحَمَّدًا فَاسْتَشَارَهُمَا وَقَالَ: مَا تَرَيَانِ؟ أَمَّا عَلِيٌّ فَلَا خَيْرَ عِنْدَهُ، وَهُوَ يَدُلُّ بِسَابِقَتِهِ، وَهُوَ غَيْرُ مُشْرِكِي فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ. فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ: تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ وَهُمْ عَنْكَ رَاضُونَ، فَأَرَى أَنْ تَكُفَّ يَدَكَ وَتَجْلِسَ فِي بَيْتِكَ حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ [عَلَى إِمَامٍ فَتُبَايِعَهُ] . وَقَالَ لَهُ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ: أَنْتَ نَابٌ مِنْ أَنْيَابِ الْعَرَبِ وَلَا أَرَى أَنْ [يَجْتَمِعَ هَذَا الْأَمْرُ] وَلَيْسَ لَكَ فِيهِ صَوْتٌ. فَقَالَ عَمْرٌو: أَمَّا أَنْتَ يَا عَبْدَ اللَّهِ فَأَمَرْتَنِي بِمَا هُوَ خَيْرٌ لِي فِي آخِرَتِي وَأَسْلَمُ لِي فِي دِينِي، وَأَمَّا أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَمَرْتَنِي بِمَا هُوَ خَيْرٌ لِي فِي دُنْيَايَ، وَشَرٌّ لِي فِي آخِرَتِي. ثُمَّ خَرَجَ وَمَعَهُ ابْنَاهُ حَتَّى قَدِمَ عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَوَجَدَ أَهْلَ الشَّامِ يَحُضُّونَ مُعَاوِيَةَ عَلَى الطَّلَبِ بِدَمِ عُثْمَانَ، وَقَالَ عَمْرٌو: أَنْتُمْ عَلَى الْحَقِّ، اطْلُبُوا بِدَمِ الْخَلِيفَةِ الْمَظْلُومِ، وَمُعَاوِيَةُ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ لِعَمْرٍو ابْنَاهُ: أَلَا تَرَى مُعَاوِيَةَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْكَ؟ فَانْصَرِفْ إِلَى غَيْرِهِ. فَدَخَلَ عَمْرٌو عَلَى مُعَاوِيَةَ فَقَالَ لَهُ: وَاللَّهِ لَعَجَبٌ لَكَ! إِنِّي أَرْفِدُكَ بِمَا أَرْفِدُكَ وَأَنْتَ مُعْرِضٌ عَنِّي، [أَمَا وَاللَّهِ] إِنْ قَاتَلْنَا مَعَكَ نَطْلُبُ بِدَمِ الْخَلِيفَةِ إِنَّ فِي النَّفْسِ [مِنْ ذَلِكَ] مَا فِيهَا، حَيْثُ تُقَاتِلُ مَنْ تَعْلَمُ سَابِقَتَهُ وَفَضْلَهُ وَقَرَابَتَهُ، وَلَكِنَّا أَرَدْنَا هَذِهِ الدُّنْيَا. فَصَالَحَهُ مُعَاوِيَةُ وَعَطَفَ عَلَيْهِ. [ذكر ابْتِدَاءِ وَقْعَةِ صِفِّينَ] لَمَّا عَادَ عَلِيٌّ مِنَ الْبَصْرَةِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الْجَمَلِ قَصَدَ الْكُوفَةَ، وَأَرْسَلَ إِلَى جَرِيرِ بْنِ

стр. 1318

عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ، وَكَانَ عَامِلًا عَلَى هَمَذَانَ اسْتَعْمَلَهُ عُثْمَانُ، وَإِلَى الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، وَكَانَ عَلَى أَذْرَبَيْجَانَ اسْتَعْمَلَهُ عُثْمَانُ أَيْضًا، يَأْمُرُهُمَا بِأَخْذِ الْبَيْعَةِ وَالْحُضُورِ عِنْدَهُ، فَلَمَّا حَضَرَا عِنْدَهُ، أَرَادَ عَلِيٌّ أَنْ يُرْسِلَ رَسُولًا إِلَى مُعَاوِيَةَ، قَالَ جَرِيرٌ: أَرْسِلْنِي إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ لِي وُدٌّ. فَقَالَ الْأَشْتَرُ: لَا تَفْعَلْ فَإِنَّ هَوَاهُ مَعَ مُعَاوِيَةَ. فَقَالَ عَلِيٌّ: دَعْهُ حَتَّى نَنْظُرَ مَا الَّذِي يَرْجِعُ إِلَيْنَا بِهِ. فَبَعَثَهُ وَكَتَبَ مَعَهُ كِتَابًا إِلَى مُعَاوِيَةَ يُعْلِمُهُ فِيهِ بِاجْتِمَاعِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ عَلَى بَيْعَتِهِ (وَنَكْثِ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ وَحَرْبِهِ إِيَّاهُمَا وَيَدْعُوهُ إِلَى الدُّخُولِ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ مِنْ طَاعَتِهِ) . فَسَارَ جَرِيرٌ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ مَاطَلَهُ وَاسْتَنْظَرَهُ وَاسْتَشَارَ عَمْرًا، فَأَشَارَ عَلَيْهِ أَنْ يَجْمَعَ أَهْلَ الشَّامِ، وَيُلْزِمَ عَلِيَّا دَمَ عُثْمَانَ وَيُقَاتِلَهُ بِهِمْ، فَفَعَلَ مُعَاوِيَةُ ذَلِكَ، وَكَانَ أَهْلُ الشَّامِ لَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِمُ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ بِقَمِيصِ عُثْمَانَ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ مَخْضُوبًا بِالدَّمِ بِأَصَابِعِ زَوْجَتِهِ نَائِلَةَ، إِصْبَعَانِ مِنْهَا وَشَيْءٌ مِنَ الْكَفِّ وَإِصْبَعَانِ مَقْطُوعَتَانِ مِنْ أُصُولِهِمَا، وَنِصْفُ الْإِبْهَامِ، وَضَعَ مُعَاوِيَةُ الْقَمِيصَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَجَمَعَ الْأَجْنَادَ إِلَيْهِ، فَبَكَوْا عَلَى الْقَمِيصِ مُدَّةً وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَالْأَصَابِعُ مُعَلَّقَةٌ فِيهِ، وَأَقْسَمَ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ أَنْ لَا يَمَسَّهُمُ الْمَاءُ إِلَّا لِلْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَأَنْ لَا يَنَامُوا عَلَى الْفُرُشِ حَتَّى يَقْتُلُوا قَتَلَةَ عُثْمَانَ، وَمَنْ قَامَ دُونَهُمْ قَتَلُوهُ. فَلَمَّا عَادَ جَرِيرٌ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ، وَأَخْبَرَهُ خَبَرَ مُعَاوِيَةَ، وَاجْتِمَاعَ أَهْلِ الشَّامِ مَعَهُ عَلَى قِتَالِهِ، وَأَنَّهُمْ يَبْكُونَ عَلَى عُثْمَانَ وَيَقُولُونَ: إِنَّ عَلِيًّا قَتَلَهُ وَآوَى قَتَلَتَهُ، وَأَنَّهُمْ لَا يَنْتَهُونَ عَنْهُ حَتَّى يَقْتُلَهُمْ أَوْ يَقْتُلُوهُ، قَالَ الْأَشْتَرُ لِعَلِيٍّ: قَدْ كُنْتُ نَهَيْتُكَ أَنْ تُرْسِلَ جَرِيرًا، وَأَخْبَرْتُكَ بِعَدَاوَتِهِ وَغِشِّهِ، وَلَوْ كُنْتَ أَرْسَلْتَنِي لَكَانَ خَيْرًا مِنْ هَذَا الَّذِي أَقَامَ عِنْدَهُ حَتَّى لَمْ يَدَعْ بَابًا يَرْجُو فَتْحَهُ إِلَّا فَتْحَهُ، وَلَا بَابًا يَخَافُ مِنْهُ إِلَّا أَغْلَقَهُ. فَقَالَ جَرِيرٌ: لَوْ كُنْتَ ثَمَّ لَقَتَلُوكَ، لَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّكَ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ. فَقَالَ الْأَشْتَرُ: وَاللَّهِ لَوْ أَتَيْتُهُمْ لَمْ يُعْيِنِي جَوَابُهُمْ وَلَحَمَلْتُ مُعَاوِيَةَ عَلَى خُطَّةٍ أُعْجِلُهُ فِيهَا عَنِ الْفِكْرِ، وَلَوْ أَطَاعَنِي [فِيكِ] أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لِحَبَسَكَ وَأَشْبَاهَكَ حَتَّى يَسْتَقِيمَ هَذَا الْأَمْرُ. فَخَرَجَ جَرِيرٌ إِلَى قَرْقِيسْيَا وَكَتَبَ إِلَى

стр. 1319

مُعَاوِيَةَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ يَأْمُرُهُ بِالْقُدُومِ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: كَانَ الَّذِي حَمَلَ مُعَاوِيَةَ عَلَى رَدِّ جَرِيرٍ الْبَجَلِيِّ غَيْرَ مَقْضِيِّ الْحَاجَةِ شُرَحْبِيلُ بْنُ السِّمْطِ الْكِنْدِيُّ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنْ شُرَحْبِيلًا كَانَ قَدْ سَيَّرَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى الْعِرَاقِ إِلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَكَانَ مَعَهُ، فَقَدَّمَهُ سَعْدٌ وَقَرَّبَهُ، فَحَسَدَهُ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ الْكِنْدِيُّ لِمُنَافَسَةٍ بَيْنِهِمَا، فَوَفْدَ جَرِيرٌ الْبَجَلِيُّ عَلَى عُمَرَ، فَقَالَ لَهُ الْأَشْعَثُ: إِنْ قَدَرْتَ أَنْ تَنَالَ مِنْ شُرَحْبِيلَ عِنْدَ عُمَرَ فَافْعَلْ. فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ سَأَلَهُ عُمَرُ عَنِ النَّاسِ، فَأَحْسَنَ الثَّنَاءَ عَلَى سَعْدٍ، قَالَ: وَقَدْ قَالَ شِعْرًا: أَلَا لَيْتَنِي وَالْمَرْءُ سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ وَزَبْرًا ... وَابْنَ السِّمْطِ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ فَيَغْرَقَ أَصْحَابِي وَأَخْرُجَ سَالِمًا عَلَى ظَهْرِ ... قُرْقُورٍ أُنَادِي أَبَا بَكْرِ فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى سَعْدٍ يَأْمُرُهُ بِأَنْ يُرْسِلَ زَبْرًا وَشُرَحْبِيلًا إِلَيْهِ، فَأَرْسَلَهُمَا، فَأَمْسَكَ زَبْرًا بِالْمَدِينَةِ وَسَيَّرَ شُرَحْبِيلًا إِلَى الشَّامِ، فَشَرُفَ وَتَقَدَّمَ، وَكَانَ أَبُوهُ السِّمْطُ مِنْ غَزَّةَ الشَّامِ. فَلَمَّا قَدِمَ جَرِيرٌ بِكِتَابِ عَلِيٍّ إِلَى مُعَاوِيَةَ فِي الْبَيْعَةِ انْتَظَرَ مُعَاوِيَةُ قُدُومَ شُرَحْبِيلَ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ أَخْبَرَهُ مُعَاوِيَةُ بِمَا قَدِمَ فِيهِ جَرِيرٌ، فَقَالَ: كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانُ خَلِيفَتَنَا، فَإِنْ قَوِيتَ عَلَى الطَّلَبِ بِدَمِهِ، وَإِلَّا فَاعْتَزِلْنَا. فَانْصَرَفَ جَرِيرٌ، فَقَالَ النَّجَاشِيُّ: شُرَحْبِيلُ مَا لِلدِّينِ فَارَقْتَ أَمْرَنَا ... وَلَكِنْ لِبُغْضِ الْمَالِكِيِّ جَرِيرِ وَقَوْلِكَ مَا قَدْ قُلْتَ عَنْ أَمْرِ أَشْعَثٍ ... فَأَصْبَحْتَ كَالْحَادِي بِغَيْرِ بَعِيرِ (جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرِ بْنِ مَالِكٍ، فَنُسِبَ إِلَى جَدِّهِ مَالِكٍ) . وَخَرَجَ عَلِيٌّ فَعَسْكَرَ بِالنُّخَيْلَةِ، وَتَخَلَّفَ عَنْهُ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، مِنْهُمْ: مُرَّةُ الْهَمْدَانِيُّ، وَمَسْرُوقٌ، أَخَذَا أُعْطِيَاتِهِمَا وَقَصَدَا قَزْوِينَ، فَأَمَّا مَسْرُوقٌ فَإِنَّهُ كَانَ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ

стр. 1320

مِنْ تَخَلُّفِهِ عَنْ عَلِيٍّ بِصِفِّينَ، وَقَدِمَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ فِيمَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ، فَاسْتَشَارَ عَمْرًا، فَقَالَ: أَمَّا إِذَا سَارَ عَلِيٌّ فَسِرْ إِلَيْهِ بِنَفْسِكَ، وَلَا تَغِبْ عَنْهُ بِرَأْيِكَ وَمَكِيدَتِكَ. فَتَجَهَّزَ مُعَاوِيَةُ وَتَجَهَّزَ النَّاسُ وَحَضَّهُمْ عَمْرٌو وَضَعَّفَ عَلِيًّا وَأَصْحَابَهُ وَقَالَ: إِنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ قَدْ فَرَّقُوا جَمْعَهُمْ، وَوَهَّنُوا شَرِكَتَهُمْ، وَفَلُّوا حَدَّهُمْ، وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ مُخَالِفُونَ لِعَلِيٍّ بِمَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ، وَقَدْ تَفَانَتْ صَنَادِيدُهُمْ وَصَنَادِيدُ أَهْلِ الْكُوفَةِ يَوْمَ الْجَمَلِ، وَإِنَّمَا سَارَ عَلِيٌّ فِي شِرْذِمَةٍ قَلِيلَةٍ، وَقَدْ قُتِلَ خَلِيفَتُكُمْ، وَاللَّهَ اللَّهَ فِي حَقِّكُمْ أَنْ تُضَيِّعُوهُ، وَفِي دَمِكُمْ أَنْ تُطِلُّوهُ! وَكَتَّبَ مُعَاوِيَةُ أَهْلَ الشَّامِ، وَعَقْدَ لِوَاءً لِعَمْرٍو، وَلِوَاءً لِابْنَيْهِ عَبْدِ اللَّهِ وَمُحَمَّدٍ، وَلِوَاءً لِغُلَامِهِ وَرْدَانَ. وَعَقَدَ عَلِيٌّ لِوَاءً لِغُلَامِهِ قَنْبَرَ، فَقَالَ عَمْرٌو: هَلْ يُغْنِيَنَّ وَرْدَانُ عَنِّي قَنْبَرَا ... وَتُغْنِيَ السَّكُونُ عَنِّي حِمْيَرَا إِذَا الْكُمَاةُ لَبِسُوا السَّنَوَّرَا فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَقَالَ: لَأُصْبِحَنَّ الْعَاصِيَ ابْنَ الْعَاصِي ... سَبْعِينَ أَلْفًا عَاقِدِي النَّوَاصِي مُجَنِّبِينَ الْخَيْلَ بِالْقِلَاصِ ... مُسْتَحْقِبَيْنِ حِلَقَ الدِّلَاصِ فَلَمَّا سَمِعَ مُعَاوِيَةُ ذَلِكَ قَالَ: مَا أَرَى عَلِيًّا إِلَّا وَقَدْ وَفَى لَكَ. وَسَارَ مُعَاوِيَةُ وَتَأَنَّى فِي مَسِيرِهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ بَعَثَ إِلَيْهِ يَقُولُ: أَلَا أَبْلِغْ مُعَاوِيَةَ بْنَ حَرْبٍ ... فَإِنَّكَ مِنْ أَخِي ثِقَةٍ مُلِيمُ قَطَعْتَ الدَّهْرَ كَالسَّدِمِ الْمُعَنَّى ... تُهَدِّرُ فِي دِمَشْقَ فَمَا تَرِيمُ وَإِنَّكَ وَالْكِتَابَ إِلَى عَلِيٍّ ... كَدَابِغَةٍ وَقَدْ حَلِمَ الْأَدِيمُ

стр. 1321

يُمَنِّيكَ الْإِمَارَةَ كُلُّ رَكْبٍ لِأَنْقَاضِ الْعِرَاقِ بِهَا رَسِيمُ ... وَلَيْسَ أَخُو التِّرَاتِ بِمَنْ تَوَانَى وَلَكِنْ طَالَبُ التِّرَةِ الْغَشُومُ ... وَلَوْ كُنْتَ الْقَتِيلَ وَكَانَ حَيًّا لَجَرَّدَ لَا أَلَفُّ وَلَا غَشُومُ ... وَلَا نَكِلٌ عَنِ الْأَوْتَارِ حَتَّى يُبِيءَ بِهَا وَلَا بَرِمٌ جَثُومُ ... وَقَوْمُكَ بِالْمَدِينَةِ قَدْ أُبِيرُوا فَهُمْ صَرْعَى كَأَنَّهُمُ الْهَشِيمُ فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ: وَمُسْتَعْجِبٍ مِمَّا يَرَى مِنْ أَنَاتِنَا ... وَلَوْ زَبَنَتْهُ الْحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمِ وَبَعَثَ عَلِيٌّ زِيَادَ بْنَ النَّضْرِ الْحَارِثِيَّ طَلِيعَةً فِي ثَمَانِيَةِ آلَافٍ، وَبَعَثَ مَعَهُ شُرَيْحَ ابْنَ هَانِئٍ [فِي] أَرْبَعَةِ آلَافٍ، وَسَارَ عَلِيٌّ مِنَ النُّخَيْلَةِ، وَأَخَذَ مَعَهُ مَنْ بِالْمَدَائِنِ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ، وَوَلَّى عَلَى الْمَدَائِنِ سَعْدَ بْنَ مَسْعُودٍ، عَمَّ الْمُخْتَارِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ الثَّقَفِيِّ. وَلَمَّا سَارَ عَلِيٌّ كَانَ مَعَهُ نَابِغَةُ بَنِي جَعْدَةَ، فَحَدَا بِهِ يَوْمًا فَقَالَ: قَدْ عَلِمَ الْمِصْرَانِ وَالْعِرَاقُ ... أَنَّ عَلِيًّا فَحْلُهَا الْعِتَاقُ

стр. 1322

أَبْيَضُ جَحْجَاحٌ لَهُ رُوَاقٌ ... إِنَّ الْأُولَى جَارَوْكَ لَا أَفَاقُوا لَكُمْ سِبَاقٌ وَلَهُمْ سِبَاقٌ ... قَدْ عَلِمَتْ ذَلِكُمُ الرِّفَاقُ وَوَجَّهَ عَلِيٌّ مِنَ الْمَدَائِنِ مَعْقِلَ بْنَ قَيْسٍ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ، وَأَمْرَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى الْمَوْصِلِ حَتَّى يُوَافِيَهُ عَلَى الرَّقَّةِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الرَّقَّةِ قَالَ لِأَهْلِهَا لِيَعْمَلُوا لَهُ جِسْرًا يَعْبُرُ عَلَيْهِ إِلَى الشَّامِ، فَأَبَوْا، وَكَانُوا قَدْ ضَمُّوا سُفُنَهُمْ إِلَيْهِمْ، فَنَهَضَ مَنْ عِنْدِهِمْ لِيَعْبُرَ عَلَى جِسْرِ مَنْبِجَ، وَخَلَّفَ عَلَيْهِمُ الْأَشْتَرَ، فَنَادَاهُمُ الْأَشْتَرُ وَقَالَ: أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَئِنْ لَمْ تَعْمَلُوا جِسْرًا يَعْبُرُ عَلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لِأُجَرِّدَنَّ فِيكُمُ السَّيْفَ، وَلَأَقْتُلَنَّ الرِّجَالَ، وَلَآخُذَنَّ الْأَمْوَالَ! فَلَقِيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَقَالُوا: إِنَّهُ الْأَشْتَرُ، وَإِنَّهُ قَمِنٌ أَنْ يَفِيَ لَكُمْ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ، أَوْ يَأْتِي بِأَكْثَرَ مِنْهُ. فَنَصَبُوا لَهُ جِسْرًا وَعَبَرَ عَلَيْهِ عَلِيٌّ وَأَصْحَابُهُ، وَازْدَحَمُوا عَلَيْهِ، فَسَقَطَتْ قَلَنْسُوَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْحُصَيْنِ الْأَزْدِيِّ، فَنَزَلَ فَأَخَذَهَا، ثُمَّ رَكِبَ، وَسَقَطَتْ قَلَنْسُوَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَجَّاجِ الْأَزْدِيِّ، فَنَزَلَ فَأَخَذَهَا، ثُمَّ قَالَ لِصَاحِبِهِ: فَإِنْ يَكُ ظَنُّ الزَّاجِرِي الطَّيْرَ صَادِقًا ... كَمَا زَعَمُوا أُقْتَلْ وَشِيكًا وَتُقْتَلُ فَقَالَ ابْنُ أَبِي الْحُصَيْنِ: مَا شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا ذَكَرْتَ! فَقُتِلَا جَمِيعًا بِصِفِّينَ. وَلَمَّا بَلَغَ عَلِيٌّ الْفُرَاتَ دَعَا زِيَادَ بْنَ النَّضْرِ الْحَارِثِيَّ، وَشُرَيْحَ بْنَ هَانِئٍ فَسَرَّحَهُمَا أَمَامَهُ (فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا) نَحْوَ مُعَاوِيَةَ عَلَى حَالِهِمَا الَّتِي خَرَجَا عَلَيْهَا مِنَ الْكُوفَةِ. وَكَانَ سَبَبُ عَوْدِهِمَا إِلَيْهِ أَنَّهُمَا حَيْثُ سَيَّرَهُمَا عَلِيٌّ مِنَ الْكُوفَةِ أَخَذَا عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ يَلِي الْبَرَّ. فَلَمَّا بَلَغَا عَانَاتٍ بَلَغَهُمَا أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَدْ أَقْبَلَ فِي جُنُودِ الشَّامِ، فَقَالَا: لَا وَاللَّهِ مَا هَذَا لَنَا بِرَأْيٍ نَسِيرُ وَبَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ هَذَا الْبَحْرُ! وَمَا لَنَا خَيْرٌ فِي أَنْ نَلْقَى جُنُودَ الشَّامِ بِقِلَّةِ مَنْ مَعَنَا. فَذَهَبُوا لِيَعْبُرُوا مِنْ عَانَاتٍ، فَمَنَعَهُمْ أَهْلُهَا. فَرَجَعُوا فَعَبَرُوا مَنْ هِيتَ، فَلَحِقُوا عَلِيًّا دُونَ قَرْقِيسْيَا، فَلَمَّا لَحِقُوا عَلِيًّا قَالَ: مُقَدِّمَتِي تَأْتِينِي مِنْ وَرَائِي. فَأَخْبَرَهُ شُرَيْحٌ وَزِيَادٌ بِمَا كَانَ، فَقَالَ: سُدِّدْتُمَا. فَلَمَّا عَبَرَ الْفُرَاتَ سَيَّرَهُمَا أَمَامَهُ، فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى سُورِ الرُّومِ لَقِيَهُمَا أَبُو الْأَعْوَرِ السُّلَمِيُّ فِي جُنْدٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، فَأَرْسَلَا إِلَى عَلِيٍّ فَأَعْلَمَاهُ، فَأَرْسَلَ عَلِيٌّ إِلَى الْأَشْتَرِ وَأَمَرَهُ بِالسُّرْعَةِ وَقَالَ لَهُ: إِذَا قَدِمْتَ فَأَنْتَ عَلَيْهِمْ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَبْدَأَ الْقَوْمَ بِقِتَالٍ إِلَّا أَنْ يَبْدَءُوكَ حَتَّى تَلْقَاهُمْ فَتَدَعُوَهُمْ وَتَسْمَعَ مِنْهُمْ، وَلَا يَحْمِلْكَ بُغْضُهُمْ عَلَى قِتَالِهِمْ قَبْلَ دُعَائِهِمْ، وَالْإِعْذَارِ إِلَيْهِمْ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَاجْعَلْ عَلَى مَيْمَنَتِكَ زِيَادًا، وَعَلَى مَيْسَرَتِكَ شُرَيْحًا، وَلَا تَدْنُ مِنْهُمْ دُنُوَّ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُنْشِبَ الْحَرْبَ، وَلَا تُبَاعِدْ مِنْهُمْ تَبَاعُدَ مَنْ يَهَابُ

стр. 1323

الْبَأْسَ حَتَّى أَقْدَمَ عَلَيْكَ، فَإِنِّي حَثِيثُ الْمَسِيرِ فِي إِثْرِكَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -. وَكَتَبَ عَلِيٌّ إِلَى شُرَيْحٍ وَزِيَادٍ بِذَلِكَ وَأَمَرَهُمَا بِطَاعَةِ الْأَشْتَرِ. فَسَارَ الْأَشْتَرُ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهِمْ، وَاتَّبَعَ مَا أَمَرَهُ وَكَفَّ عَنِ الْقِتَالِ، وَلَمْ يَزَالُوا مُتَوَاقِفِينَ حَتَّى [إِذَا] كَانَ عِنْدَ الْمَسَاءِ حَمَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو الْأَعْوَرِ السُّلَمِيُّ، فَثَبَتُوا لَهُ وَاضْطَرَبُوا سَاعَةً، ثُمَّ انْصَرَفَ أَهْلُ الشَّامِ وَخَرَجَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْغَدِ هَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ الْمِرْقَالُ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ أَبُو الْأَعْوَرِ، فَاقْتَتَلُوا يَوْمَهُمْ، وَصَبَرَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، ثُمَّ انْصَرَفُوا، وَخَرَجَ عَلَيْهِمُ الْأَشْتَرُ وَقَالَ: أَرَوْنِي أَبَا الْأَعْوَرِ، وَتَرَاجَعُوا، وَوَقَفَ أَبُو الْأَعْوَرِ وَرَاءَ الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ فِيهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَجَاءَ الْأَشْتَرُ فَصَفَّ أَصْحَابَهُ بِمَكَانِ أَبِي الْأَعْوَرِ بِالْأَمْسِ، فَقَالَ الْأَشْتَرُ لِسِنَانِ بْنِ مَالِكٍ النَّخَعِيِّ: انْطَلِقْ إِلَى أَبِي الْأَعْوَرِ فَادْعُهُ إِلَى الْبِرَازِ. فَقَالَ: إِلَى مُبَارَزَتِي أَوْ مُبَارَزَتِكَ؟ فَقَالَ الْأَشْتَرُ: لَوْ أَمَرْتُكَ بِمُبَارَزَتِهِ فَعَلْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَاللَّهِ لَوْ أَمَرْتَنِي أَنْ أَعْتَرِضَ صَفَّهُمْ بِسَيْفِي لَفَعَلْتُ! فَدَعَا لَهُ وَقَالَ: إِنَّمَا تَدْعُوهُ لِمُبَارَزَتِي. فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: آمِنُونِي فَإِنِّي رَسُولٌ، فَآمَنُوهُ، فَانْتَهَى إِلَى أَبِي الْأَعْوَرِ وَقَالَ لَهُ: إِنَّ الْأَشْتَرَ يَدْعُوكَ إِلَى أَنْ تُبَارِزَهُ، فَسَكَتَ طَوِيلًا ثُمَّ قَالَ: إِنَّ خِفَّةَ الْأَشْتَرِ وَسُوءَ رَأْيِهِ حَمَلَاهُ عَلَى إِجْلَاءِ عُمَّالِ عُثْمَانَ عَنِ الْعِرَاقِ وَتَقْبِيحِ مَحَاسِنِهِ، وَعَلَى أَنْ سَارَ إِلَيْهِ فِي دَارِهِ حَتَّى قَتَلَهُ، فَأَصْبَحَ مُتَّبَعًا بِدَمِهِ لَا حَاجَةَ لِي فِي مُبَارَزَتِهِ. قَالَ لَهُ الرَّسُولُ: قَدْ قُلْتُ فَاسْمَعْ مِنِّي أُجِبْكَ. قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِي جَوَابِكَ، اذْهَبْ عَنِّي! فَصَاحَ بِهِ أَصْحَابُهُ، فَانْصَرَفَ عَنْهُ وَرَجَعَ إِلَى الْأَشْتَرِ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: لِنَفْسِهِ نَظَرَ. فَوَقَفُوا حَتَّى حَجَزَ اللَّيْلُ بَيْنَهُمْ، وَعَادَ الشَّامِيُّونَ مِنَ اللَّيْلِ، وَأَصْبَحَ عَلِيٌّ غَدْوَةً عِنْدَ الْأَشْتَرِ، وَتَقَدَّمَ الْأَشْتَرُ وَمَنْ مَعَهُ فَانْتَهَى إِلَى مُعَاوِيَةَ فَوَاقَفَهُ، وَلَحِقَ بِهِمْ عَلِيٌّ فَتَوَاقَفُوا طَوِيلًا. ثُمَّ إِنَّ عَلِيًّا طَلَبَ لِعَسْكَرِهِ مَوْضِعًا يَنْزِلُ فِيهِ، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ قَدْ سَبَقَ، فَنَزَلَ مَنْزِلًا اخْتَارَهُ بَسِيطًا وَاسِعًا أَفْيَحَ، وَأَخَذَ شَرِيعَةَ الْفُرَاتِ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ الصُّقْعِ شَرِيعَةٌ غَيْرَهَا، وَجَعَلَهَا فِي حَيِّزِهِ، وَبَعَثَ عَلَيْهَا أَبَا الْأَعْوَرِ السُّلَمِيَّ يَحْمِيهَا وَيَمْنُعُهَا، فَطَلَبَ أَصْحَابُ عَلِيٍّ شَرِيعَةً غَيْرَهَا فَلَمْ يَجِدُوا، فَأَتَوْا عَلِيًّا فَأَخْبَرُوهُ بِفِعْلِهِمْ وَبِعَطَشِ النَّاسِ، فَدَعَا صَعْصَعَةَ بْنَ صُوحَانَ فَأَرْسَلَهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ يَقُولُ لَهُ: إِنَّا سِرْنَا مَسِيرَنَا هَذَا وَنَحْنُ نَكْرَهُ قِتَالَكُمْ قَبْلَ الْإِعْذَارِ إِلَيْكُمْ، فَقَدِمَتْ إِلَيْنَا خَيْلُكَ وَرِجَالُكَ فَقَاتَلَتْنَا قَبْلَ أَنْ نُقَاتِلَكَ، وَنَحْنُ مِنْ رَأَيِنَا الْكَفُّ حَتَّى

стр. 1324

نَدْعُوَكَ وَنَحْتَجَّ عَلَيْكَ، وَهَذِهِ أُخْرَى قَدْ فَعَلْتُمُوهَا، مَنَعْتُمُ النَّاسَ عَنِ الْمَاءِ وَالنَّاسُ غَيْرُ مُنْتَهِينَ، فَابْعَثْ إِلَى أَصْحَابِكَ فَلْيُخَلُّوا بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ الْمَاءِ، لْيَكُفُّوا لِنَنْظُرَ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، وَفِيمَا قَدِمْنَا لَهُ، فَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ نَتْرُكَ مَا جِئْنَا لَهُ، وَنَقْتَتِلَ عَلَى الْمَاءِ حَتَّى يَكُونَ الْغَالِبُ هُوَ الشَّارِبُ فَعَلْنَا. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِأَصْحَابِهِ: مَا تَرَوْنَ؟ فَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ: امْنَعْهُمُ الْمَاءَ كَمَا مَنَعُوهُ ابْنَ عَفَّانَ، اقْتُلْهُمْ عَطَشًا قَتَلَهُمُ اللَّهُ! فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: خَلِّ بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ الْمَاءِ، وَإِنَّهُمْ لَنْ يَعْطَشُوا وَأَنْتَ رَيَّانٌ، وَلَكِنْ بِغَيْرِ الْمَاءِ، فَانْظُرْ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ. فَأَعَادَ الْوَلِيدُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ مَقَالَتَهُمَا وَقَالَا: امْنَعْهُمُ الْمَاءَ إِلَى اللَّيْلِ، فَإِنَّهُمْ إِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ رَجَعُوا، وَكَانَ رُجُوعُهُمْ هَزِيمَةً، امْنَعْهُمُ الْمَاءَ مَنَعَهُمُ اللَّهُ [إِيَّاهُ] يَوْمَ الْقِيَامَةِ! قَالَ صَعْصَعَةُ: إِنَّمَا يَمْنَعُهُ اللَّهُ الْفَجَرَةَ شَرَبَةَ الْخَمْرِ، لَعَنَكَ اللَّهُ وَلَعَنَ هَذَا الْفَاسِقَ! يَعْنِي الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ. فَشَتَمُوهُ وَتَهَدَّدُوهُ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْوَلِيدَ وَابْنَ أَبِي سَرْحٍ لَمْ يَشْهَدَا صِفِّينَ. فَرَجَعَ صَعْصَعَةُ فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ، وَأَنَّ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَيَأْتِيكُمْ رَأْيِي، فَسَرَّبَ الْخَيْلَ إِلَى أَبِي الْأَعْوَرِ لِيَمْنَعَهُمُ الْمَاءَ، فَلَمَّا سَمِعَ عَلِيٌّ بِذَلِكَ قَالَ: قَاتِلُوهُمْ عَلَى الْمَاءِ. فَقَالَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ الْكِنْدِيُّ: أَنَا أَسِيرُ إِلَيْهِمْ. فَسَارَ إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا دَنَوْا مِنْهُمْ ثَارُوا فِي وُجُوهِهِمْ، فَرَمَوْهُمْ بِالنَّبْلِ، فَتَرَامَوْا سَاعَةً ثُمَّ تَطَاعَنُوا بِالرِّمَاحِ، ثُمَّ صَارُوا إِلَى السُّيُوفِ، فَاقْتَتَلُوا سَاعَةً، وَأَرْسَلَ مُعَاوِيَةُ يَزِيدَ بْنَ أَسَدٍ الْبَجَلِيَّ الْقَسْرِيَّ، جَدَّ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيِّ، فِي الْخَيْلِ إِلَى أَبِي الْأَعْوَرِ، فَأَقْبَلُوا، فَأَرْسَلَ عَلِيٌّ شَبَثَ بْنَ رِبْعِيٍّ الرِّيَاحِيَّ، فَازْدَادَ الْقِتَالُ، فَأَرْسَلَ مُعَاوِيَةُ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ فِي جُنْدٍ كَثِيرٍ، فَأَخَذَ يَمُدُّ أَبَا الْأَعْوَرِ وَيَزِيدَ بْنَ أَسَدٍ، وَأَرْسَلَ عَلِيٌّ الْأَشْتَرَ فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ وَجَعَلَ يَمُدُّ الْأَشْعَثَ وَشَبَثًا، فَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْفٍ الْأَزْدِيُّ الْأَحْمَرِيُّ: خَلُّوا لَنَا مَاءَ الْفُرَاتِ الْجَارِي ... أَوِ اثْبُتُوا لِجَحْفَلٍ جَرَّارِ لِكُلِّ قَرْمٍ مُسْتَمِيتٍ شَارِي ... طَاعِنٍ بِرُمْحِهِ كَرَّارِ

стр. 1325

ضَرَّابِ هَامَاتِ الْعِدَى مِغْوَارِ ( لَمْ يَخْشَ غَيْرَ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) وَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى خَلَّوْا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمَاءِ، وَصَارَ فِي أَيْدِي أَصْحَابِ عَلِيٍّ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَا نُسْقِيهِ أَهْلَ الشَّامِ! فَأَرْسَلَ عَلِيٌّ إِلَى أَصْحَابِهِ: أَنْ خُذُوا مِنَ الْمَاءِ حَاجَتَكُمْ وَخَلُّوا عَنْهُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ نَصَرَكُمْ بِبَغْيِهِمْ وَظُلْمِهِمْ. وَمَكَثَ عَلِيٌّ يَوْمَيْنِ لَا يُرْسِلُ إِلَيْهِمْ أَحَدًا وَلَا يَأْتِيهِ أَحَدٌ، ثُمَّ إِنَّ عَلِيًّا دَعَا أَبَا عَمْرٍو بَشِيرَ بْنَ عَمْرِو بْنِ مِحْصَنٍ الْأَنْصَارِيَّ، وَسَعِيدَ بْنَ قَيْسٍ الْهَمْدَانِيَّ، وَشَبَثَ بْنَ رِبْعِيٍّ التَّمِيمِيَّ، فَقَالَ لَهُمْ: ائْتُوا هَذَا الرَّجُلَ وَادْعُوهُ إِلَى اللَّهِ، وَإِلَى الطَّاعَةِ وَالْجَمَاعَةِ. فَقَالَ لَهُ شَبَثٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَلَا تُطْمِعُهُ فِي سُلْطَانٍ تَوَلِّيهِ إِيَّاهُ، أَوْ مَنْزِلَةٍ تَكُونُ لَهُ بِهَا أَثَرَةٌ عِنْدِكَ إِنْ هُوَ بَايَعَكَ؟ قَالَ: انْطَلِقُوا إِلَيْهِ وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ، وَانْظُرُوا مَا رَأْيُهُ. وَهَذَا فِي أَوَّلِ ذِي الْحِجَّةِ. فَأَتَوْهُ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، فَابْتَدَأَ بَشِيرُ بْنُ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: يَا مُعَاوِيَةَ إِنَّ الدُّنْيَا عَنْكَ زَائِلَةٌ، وَإِنَّكَ رَاجِعٌ إِلَى الْآخِرَةِ، وَإِنَّ اللَّهَ مُحَاسِبُكَ بِعَمَلِكَ وَمُجَازِيكَ عَلَيْهِ، وَإِنِّي أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَنْ تُفَرِّقُ جَمَاعَةَ هَذِهِ الْأُمَّةَ وَأَنْ تَسْفِكَ دِمَاءَهَا بَيْنَهَا. فَقَطَعَ عَلَيْهِ مُعَاوِيَةُ الْكَلَامَ وَقَالَ: هَلَّا أَوْصَيْتَ بِذَلِكَ صَاحِبَكَ؟ فَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: إِنَّ صَاحِبِي لَيْسَ مِثْلَكَ، إِنَّ صَاحِبِي أَحَقُّ الْبَرِّيَّةِ كُلِّهَا بِهَذَا الْأَمْرِ، فِي الْفَضْلِ وَالدِّينِ وَالسَّابِقَةِ فِي الْإِسْلَامِ وَالْقَرَابَةِ بِالرَّسُولِ ﷺ . قَالَ: فَمَاذَا يَقُولُ؟ قَالَ: يَأْمُرُكَ بِتَقْوَى اللَّهِ (وَأَنْ تُجِيبَ) ابْنَ عَمِّكَ إِلَى مَا يَدْعُوكَ إِلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ، فَإِنَّهُ أَسْلَمُ لَكَ فِي دُنْيَاكَ، وَخَيْرٌ لَكَ فِي عَاقِبَةِ أَمْرِكَ! قَالَ مُعَاوِيَةُ: وَنَتْرُكُ دَمَ بْنِ عَفَّانَ؟ لَا وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ ذَلِكَ أَبَدًا. قَالَ: فَذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ قَيْسٍ يَتَكَلَّمُ، فَبَادَرَهُ شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاوِيَةُ قَدْ فَهِمْتُ مَا رَدَدْتَ عَلَى ابْنِ مِحْصَنٍ، إِنَّهُ وَاللَّهِ لَا يَخْفَى عَلَيْنَا مَا تَطْلُبُ، إِنَّكَ لَمْ تَجِدْ شَيْئًا تَسْتَغْوِي بِهِ النَّاسَ، وَتَسْتَمِيلُ بِهِ أَهْوَاءَهُمْ، وَتَسْتَخْلِصُ بِهِ طَاعَتَهُمْ إِلَّا قَوْلَكَ: قُتِلَ إِمَامُكُمْ مَظْلُومًا، فَنَحْنُ نَطْلُبُ بِدَمِهِ، فَاسْتَجَابَ لَكَ سُفَهَاءُ طَغَامٍ، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّكَ أَبْطَأْتَ عَنْهُ بِالنَّصْرِ، وَأَحْبَبْتَ لَهُ الْقَتْلَ لِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ الَّتِي أَصْبَحْتَ تَطْلُبُ، وَرُبَّ مُتَمَنِّي أَمْرٍ وَطَالِبُهُ يَحُولُ اللَّهُ دُونَهُ، وَرُبَّمَا أُوتِيَ الْمُتَمَنِّي أُمْنِيَتَهُ وَفَوْقَ أُمْنِيَتِهِ، وَوَاللَّهِ مَا لَكَ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا خَيْرٌ! وَاللَّهِ إِنْ أَخْطَأَكَ مَا تَرْجُو، إِنَّكَ لَشَرُّ الْعَرَبِ حَالًا! وَلَئِنْ أَصَبْتَ مَا تَتَمَنَّاهُ لَا تُصِيبُهُ حَتَّى تَسْتَحِقَّ مِنْ رَبِّكَ صِلِيَّ النَّارِ! فَاتَّقِ اللَّهَ يَا مُعَاوِيَةَ، وَدَعْ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ، وَلَا تُنَازِعِ الْأَمْرَ أَهْلَهُ.

стр. 1326

قَالَ: فَحَمِدَ مُعَاوِيَةُ اللَّهَ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ أَوَّلَ مَا عَرَفْتُ بِهِ سَفَهَكَ وَخِفَّةَ حِلْمِكَ، أَنْ قَطَعْتَ عَلَى هَذَا الْحَسِيبِ الشَّرِيفِ سَيِّدِ قَوْمِهِ مَنْطِقَهُ، ثُمَّ اعْتَرَضْتَ بَعْدُ فِيمَا لَا عِلْمَ لَكَ بِهِ، فَقَدْ كَذَبْتَ وَلَؤُمْتَ أَيُّهَا الْأَعْرَابِيُّ الْجِلْفُ الْجَافِي فِي كُلِّ مَا ذَكَرْتَ وَوَصَفْتَ! انْصَرِفُوا مِنْ عِنْدِي فَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِلَّا السَّيْفَ. وَغَضِبَ، وَخَرَجَ الْقَوْمُ. فَقَالَ لَهُ شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ: أَتُهَوِّلُ بِالسَّيْفِ؟ أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَنُعَجِّلَنَّهَا إِلَيْكَ. فَأَتَوْا عَلِيًّا فَأَخْبَرُوهُ بِذَلِكَ، فَأَخَذَ عَلِيٌّ يَأْمُرُ الرَّجُلَ ذَا الشَّرَفِ فَيَخْرُجُ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَيَخْرُجُ إِلَيْهِ آخِرٌ مَنْ أَصْحَابِ مُعَاوِيَةَ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ، فَيَقْتَتِلَانِ فِي خَيْلِهِمَا ثُمَّ يَنْصَرِفَانِ، وَكَرِهُوا أَنْ يَلْقَوْا جَمْعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ بِجَمْعِ أَهْلِ الشَّامِ لِمَا خَافُوا أَنْ يَكُونَ فِيهِ مِنْ الِاسْتِئْصَالِ وَالْهَلَاكِ، فَكَانَ عَلِيٌّ يُخْرِجُ مَرَّةً الْأَشْتَرَ وَمَرَّةً حُجْرَ بْنَ عَدِيٍّ الْكِنْدِيَّ، وَمَرَّةً شَبَثَ بْنَ رِبْعِيٍّ، وَمَرَّةً خَالِدَ بْنَ الْمُعَمَّرِ، وَمَرَّةً زِيَادَ بْنَ النَّضْرِ الْحَارِثِيَّ، وَمَرَّةً زِيَادَ بْنَ خَصَفَةً التَّيْمِيَّ، وَمَرَّةً سَعِيدَ بْنَ قَيْسٍ الْهَمْدَانِيَّ، وَمَرَّةً مَعْقِلَ بْنَ قَيْسٍ الرِّيَاحَيَّ، وَمَرَّةً قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيَّ، وَكَانَ الْأَشْتَرُ أَكْثَرُهُمْ خُرُوجًا. وَكَانَ مُعَاوِيَةُ يُخْرِجُ إِلَيْهِمْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَأَبَا الْأَعْوَرِ السُّلَمِيَّ، وَحَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِيَّ، وَابْنَ ذِي الْكَلَاعِ الْحِمْيَرِيَّ، وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَشُرَحْبِيلَ بْنَ السِّمْطِ الْكِنْدِيَّ، وَحُمْرَةَ بْنَ مَالِكٍ الْهَمْدَانِيَّ، فَاقْتَتَلُوا أَيَّامَ ذِي الْحِجَّةِ كُلَّهَا، وَرُبَّمَا اقْتَتَلُوا فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ مَرَّتَيْنِ. ذكر عِدَّةِ حَوَادِثَ [الْوَفَيَاتُ] فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ بِيَسِيرٍ، وَلَمْ يُدْرِكِ الْجَمَلَ،

стр. 1327

وَقُتِلَ ابْنَاهُ صَفْوَانَ وَسَعِيدٌ مَعَ عَلِيٍّ بِصِفِّينَ بِوَصِيَّةِ أَبِيهِمَا، قِيلَ: مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَفِيهَا مَاتَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَكَانَ عُمْرُهُ مِائَتَيْنِ

стр. 1328

وَخَمْسِينَ سَنَةً، (هَذَا أَقَلُّ مَا قِيلَ فِيهِ، وَقِيلَ: ثَلَثُمِائَةٍ وَخَمْسُونَ سَنَةً) . وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ بَعْضَ أَصْحَابِ الْمَسِيحِ ﵇. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، مَاتَ بِعَسْقَلَانَ حَيْثُ خَرَجَ مُعَاوِيَةُ إِلَى صِفِّينَ، وَكَرِهَ الْخُرُوجَ مَعَهُ. وَمَاتَ فِيهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُدَيْسٍ

стр. 1329

الْبَلَوِيُّ أَمِيرُ الْقَادِمِينَ مِنْ مِصْرَ لِقَتْلِ عُثْمَانَ، وَكَانَ مِمَّنْ بَايَعَ النَّبِيَّ ﷺ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَقِيلَ: بَلْ قُتِلَ بِالشَّامِ. وَفِيهَا مَاتَ قُدَامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ الْجُمَحِيُّ - وَهُوَ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْحَبَشَةِ وَشَهِدَ بَدْرًا -. وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرِو بْنِ ضَبَّةَ الْفِهْرِيُّ أَبُو شَدَّادٍ - شَهِدَ بَدْرًا -. وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ عَلِيٌّ عَلَى الرَّيِّ يَزِيدَ بْنَ حُجَيَّةَ التَّيْمِيَّ تَيْمَ اللَّاتِ، فَكَسَرَ مِنْ خَرَاجِهَا ثَلَاثِينَ أَلْفًا، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ يَسْتَدْعِيهِ، فَحَضَرَ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْمَالِ قَالَ: أَيْنَ مَا غَلَلْتَهُ مِنَ الْمَالِ؟ قَالَ: مَا أَخَذْتُ شَيْئًا! فَخَفَقَهُ بِالدِّرَّةِ خَفَقَاتٍ وَحَبَسَهُ وَوَكَّلَ بِهِ سَعْدًا مَوْلَاهُ، فَهَرَبَ مِنْهُ يَزِيدُ إِلَى الشَّامِ، فَسَوَّغَهُ مُعَاوِيَةُ الْمَالَ، فَكَانَ يَنَالُ مِنْ عَلِيٍّ، وَبَقِيَ بِالشَّامِ إِلَى أَنِ اجْتَمَعَ الْأَمْرُ لِمُعَاوِيَةَ فَسَارَ مَعَهُ إِلَى الْعِرَاقِ فَوَلَّاهُ الرَّيَّ، فَقِيلَ: إِنَّهُ شَهِدَ مَعَ عَلِيٍّ الْجَمَلَ وَصِفِّينَ وَالنَّهْرَوَانَ، ثُمَّ وَلَّاهُ الرَّيَّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، فَكَانَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.

стр. 1330

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ] [ ذكر تَتِمَّةِ أَمْرِ صِفِّينَ] ٣٧ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ ذكر تَتِمَّةِ أَمْرِ صِفِّينَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي الْمُحَرَّمِ جَرَتْ مُوَادَعَةٌ بَيْنَ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ، تَوَادَعَا عَلَى تَرْكِ الْحَرْبِ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَنْقَضِيَ الْمُحَرَّمُ طَمَعًا فِي الصُّلْحِ، وَاخْتَلَفَ بَيْنَهُمَا الرُّسُلُ، فَبَعَثَ عَلِيٌّ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ، وَيَزِيدَ بْنَ قَيْسٍ الْأَرْحَبِيَّ، وَشَبَثَ بْنَ رِبْعِيٍّ، وَزِيَادَ بْنَ خَصَفَةَ. فَتَكَلَّمَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ فَحَمِدَ اللَّهَ وَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّا أَتَيْنَاكَ نَدْعُوكَ إِلَى أَمْرٍ يَجْمَعُ اللَّهُ بِهِ كَلِمَتَنَا وَأُمَّتَنَا، وَنَحْقِنُ بِهِ الدِّمَاءَ، وَنُصْلِحُ ذَاتَ الْبَيْنِ، إِنَّ ابْنَ عَمِّكَ سَيِّدُ الْمُسْلِمِينَ أَفْضَلُهَا سَابِقَةً وَأَحْسَنُهَا فِي الْإِسْلَامِ أَثَرًا، وَقَدِ اسْتَجْمَعَ لَهُ النَّاسُ وَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ غَيْرَكَ وَغَيْرَ مَنْ مَعَكَ، فَاحْذَرْ يَا مُعَاوِيَةَ لَا يُصِبْكَ وَأَصْحَابَكَ مِثْلُ يَوْمِ الْجَمَلِ! فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: كَأَنَّكَ إِنَّمَا جِئْتَ مُتَهِدِّدًا، لَمْ تَأْتِ مُصْلِحًا! هَيْهَاتَ يَا عَدِيُّ! كَلَّا، وَاللَّهِ إِنِّي لَابْنُ حَرْبٍ لَا يُقَعْقَعُ لَهُ بِالشِّنَانِ، وَإِنَّكَ وَاللَّهِ مِنَ الْمُجْلِبِينَ عَلَى عُثْمَانَ، وَإِنَّكَ مِنْ قَتَلَتِهِ، وَإِنِّي لَأَرْجُوَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَقْتُلُهُ اللَّهُ بِهِ! فَقَالَ لَهُ شَبَثٌ وَزِيَادُ بْنُ خَصَفَةَ جَوَابًا وَاحِدًا: أَتَيْنَاكَ فِيمَا يُصْلِحُنَا وَإِيَّاكَ، فَأَقْبَلْتَ تَضْرِبُ لَنَا الْأَمْثَالَ، دَعْ مَا لَا يَنْفَعُ وَأَجِبْنَا فِيمَا يَعُمُّ نَفْعُهُ. وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ قَيْسٍ: إِنَّا لَمْ نَأْتِ إِلَّا لِنُبَلِّغَكَ مَا أُرْسِلْنَا بِهِ إِلَيْكَ، وَنُؤَدِّيَ عَنْكَ مَا سَمِعْنَا مِنْكَ، وَلَنْ نَدَعَ أَنْ نَنْصَحَ لَكَ، وَأَنْ نَذْكُرَ مَا يَكُونُ بِهِ الْحُجَّةُ عَلَيْكَ، وَيَرْجِعُ إِلَى الْأُلْفَةِ وَالْجَمَاعَةِ، إِنَّ صَاحِبَنَا مَنْ قَدْ عَرَفَ الْمُسْلِمُونَ فَضْلَهُ وَلَا يَخْفَى عَلَيْكَ، فَاتَّقِ اللَّهَ يَا مُعَاوِيَةُ وَلَا تُخَالِفْهُ، فَإِنَّا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا فِي النَّاسِ رَجُلًا قَطُّ أَعْمَلَ بِالتَّقْوَى، وَلَا أَزْهَدَ فِي الدُّنْيَا، وَلَا أَجْمَعَ لِخِصَالِ الْخَيْرِ كُلِّهَا مِنْهُ. فَحَمِدَ اللَّهَ مُعَاوِيَةُ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّكُمْ دَعَوْتُمْ إِلَى الطَّاعَةِ وَالْجَمَاعَةِ، فَأَمَّا الْجَمَاعَةُ الَّتِي دَعَوْتُمْ إِلَيْهَا فَمَعَنَا هِيَ، وَأَمَّا الطَّاعَةُ لِصَاحِبِكُمْ، فَإِنَّا لَا نَرَاهَا، لِأَنَّ صَاحِبَكُمْ

стр. 1331

قَتَلَ خَلِيفَتَنَا، وَفَرَّقَ جَمَاعَتَنَا، وَآوَى ثَأْرَنَا، وَصَاحِبُكُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ، (فَنَحْنُ لَا نَرُدُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَلْيَدْفَعْ إِلَيْنَا) قَتَلَةَ عُثْمَانَ لِنَقْتُلَهُمْ، وَنَحْنُ نُجِيبُكُمْ إِلَى الطَّاعَةِ وَالْجَمَاعَةِ. فَقَالَ شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ: أَيَسُرُّكَ يَا مُعَاوِيَةُ أَنْ تَقْتُلَ عَمَّارًا؟ فَقَالَ: وَمَا يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ؟ لَوْ تَمَكَّنْتُ (مِنِ ابْنِ سُمَيَّةَ) لَقَتَلْتُهُ بِمَوْلَى عُثْمَانَ. فَقَالَ شَبَثٌ: وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرَهُ، لَا تَصِلُ إِلَى ذَلِكَ حَتَّى تَنْدُرَ الْهَامُ عَنِ الْكَوَاهِلِ، وَتَضِيقَ الْأَرْضُ الْفَضَاءُ عَلَيْكَ! فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَكَانَتْ عَلَيْكَ أَضْيَقُ! وَتَفَرَّقَ الْقَوْمُ عَنْ مُعَاوِيَةَ، وَبَعَثَ مُعَاوِيَةُ إِلَى زِيَادِ بْنِ خَصْفَةَ فَخَلَا بِهِ، وَقَالَ لَهُ: يَا أَخَا رَبِيعَةَ، إِنَّ عَلِيًّا قَطَعَ أَرْحَامَنَا، وَقَتَلَ إِمَامَنَا، وَآوَى قَتَلَةَ صَاحِبِنَا، وَإِنِّي أَسْأَلُكَ النَّصْرَ عَلَيْهِ بِعَشِيرَتِكَ، ثُمَّ لَكَ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ، أَنِّي أُوَلِّيكَ إِذَا ظَهَرْتُ أَيَّ الْمِصْرَيْنِ أَحْبَبْتَ. فَقَالَ زِيَادٌ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي، وَمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ! وَقَامَ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: لَيْسَ نُكَلِّمُ رَجُلًا مِنْهُمْ فَيُجِيبُ إِلَى (خَيْرٍ، مَا) قُلُوبُهُمْ إِلَّا كَقَلْبٍ وَاحِدٍ. وَبَعَثَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عَلِيٍّ حَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِيَّ، وَشُرَحْبِيلَ بْنَ السِّمْطِ، وَمَعْنَ بْنَ يَزِيدَ بْنَ الْأَخْنَسِ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ حَبِيبٌ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ عُثْمَانَ كَانَ خَلِيفَةً مَهْدِيًّا يَعْمَلُ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَيُنِيبُ إِلَى أَمْرِهِ، فَاسْتَثْقَلْتُمْ حَيَاتَهُ وَاسْتَبْطَأْتُمْ وَفَاتَهُ فَعَدَوْتُمْ عَلَيْهِ فَقَتَلْتُمُوهُ، فَادْفَعْ إِلَيْهِ قَتَلَةَ عُثْمَانَ إِنْ زَعَمَتَ أَنَّكَ لَمْ تَقْتُلْهُ [نَقْتُلْهُمْ بِهِ] ، ثُمَّ اعْتَزِلْ أَمْرَ النَّاسِ فَيَكُونُ أَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ يُوَلُّونَهُ مَنْ أَجْمَعُوا عَلَيْهِ. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: مَا أَنْتَ لَا أُمَّ لَكَ وَالْعَزْلَ وَهَذَا الْأَمْرَ؟ اسْكُتْ [فَإِنَّكَ] لَسْتَ هُنَاكَ وَلَا بِأَهْلٍ لَهُ. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَتَرَيَنِّي بِحَيْثُ تَكْرَهُ! فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: وَمَا أَنْتَ؟ لَا أَبْقَى اللَّهُ عَلَيْكَ إِنْ أَبْقَيْتَ عَلَيْنَا، اذْهَبْ فَصَوِّبْ وَصَعِّدْ مَا بَدَا لَكَ! وَقَالَ شُرَحْبِيلُ: مَا كَلَامِي إِلَّا مِثْلُ كَلَامِ صَاحِبِي، فَهَلْ عِنْدَكَ جَوَابٌ غَيْرَ هَذَا؟ فَقَالَ عَلِيٌّ: لَيْسَ عِنْدِي جَوَابٌ غَيْرَهُ. ثُمَّ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعْثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالْحَقِّ ; فَأَنْقَذَ بِهِ مِنَ الضَّلَالَةِ وَالْهَلَكَةِ، وَجَمَعَ بِهِ مِنَ الْفُرْقَةِ، ثُمَّ قَبَضَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، فَاسْتَخْلَفَ النَّاسُ

стр. 1332

أَبَا بَكْرٍ، وَاسْتَخْلَفَ أَبُو بَكْرٍ عُمَرَ، فَأَحْسَنَا السِّيرَةَ وَعَدَلَا، وَقَدْ وَجَدْنَا عَلَيْهِمَا أَنْ تَوَلَّيَا الْأُمُورَ وَنَحْنُ آلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَغَفَرْنَا ذَلِكَ لَهُمَا، وَوَلَّى النَّاسُ عُثْمَانَ فَعَمِلَ بِأَشْيَاءَ عَابَهَا النَّاسُ فَسَارُوا إِلَيْهِ فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ أَتَانِي النَّاسُ فَقَالُوا لِي: بَايِعْ، فَأَبَيْتُ، فَقَالُوا: بَايِعْ، فَإِنَّ الْأُمَّةَ لَا تَرْضَى إِلَّا بِكَ، وَإِنَّا نَخَافُ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ أَنْ يَتَفَرَّقَ النَّاسُ، فَبَايَعْتُهُمْ، فَلَمْ يَرُعْنِي إِلَّا شِقَاقُ رَجُلَيْنِ بَايَعَانِي، وَخِلَافُ مُعَاوِيَةَ الَّذِي لَمْ يُجْعَلْ لَهُ سَابِقَةٌ فِي الدِّينِ، وَلَا سَلَفُ صِدْقٍ فِي الْإِسْلَامِ، طَلِيقُ ابْنُ طَلِيقٍ، حِزْبٌ مِنَ الْأَحْزَابِ، لَمْ يَزَلْ حَرْبًا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ هُوَ وَأَبُوهُ، حَتَّى دَخَلَا فِي الْإِسْلَامِ كَارِهَيْنِ، وَلَا عَجَبَ إِلَّا مِنَ اخْتِلَافِكُمْ مَعَهُ وَانْقِيَادِكُمْ لَهُ، وَتَتْرُكُونَ آلَ بَيْتِ نَبِيِّكُمُ الَّذِينَ لَا يَنْبَغِي لَكُمْ شِقَاقُهُمْ وَلَا خِلَافُهُمْ! أَلَا إِنِّي أَدْعُوكُمْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ، وَإِمَاتَةِ الْبَاطِلِ، وَإِحْيَاءِ الْحَقِّ، وَمَعَالِمِ الدِّينِ! أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ وَلِلْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَا: تَشْهَدُ أَنَّ عُثْمَانَ قُتِلَ مَظْلُومًا؟ فَقَالَ لَهُمَا: لَا أَقُولُ إِنَّهُ قُتِلَ مَظْلُومًا وَلَا ظَالِمًا. قَالَا: فَمَنْ لَمْ يَزْعُمْ أَنَّهُ قُتِلَ مَظْلُومًا فَنَحْنُ مِنْهُ بُرَآءٌ. وَانْصَرَفَا، فَقَالَ عَلِيٌّ ﵇: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [النمل: ٨١] . ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: لَا يَكُنْ هَؤُلَاءِ فِي الْجِدِّ فِي ضَلَالِهِمْ أَجَدَّ مِنْكُمْ فِي الْجِدِّ فِي حَقِّكُمْ وَطَاعَةِ رَبِّكُمْ. فَتَنَازَعَ عَامِرُ بْنُ قَيْسٍ الْحِذْمِرِيُّ ثُمَّ الطَّائِيُّ، وَعَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ الطَّائِيُّ فِي الرَّايَةِ بِصِفِّينَ، وَكَانَتْ حِذْمِرُ أَكْثَرَ مِنْ بَنِي عَدِيٍّ رَهْطِ حَاتِمٍ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَلِيفَةَ الْبَوْلَانِيُّ عِنْدَ عَلِيٍّ: يَا بَنِي حِذْمِرَ أَعْلَى عَدِيٍّ تَتَوَثَّبُونَ، وَهَلْ فِيكُمْ وَفِي آبَائِكُمْ مِثْلُ عَدِيٍّ وَأَبِيهِ؟

стр. 1333

أَلَيْسَ بِحَامِي الْقَرْيَةِ وَمَانِعِ الْمَاءِ يَوْمَ رَوِيَّةَ؟ أَلَيْسَ ابْنَ ذِي الْمِرْبَاعِ، وَابْنَ جَوَادِ الْعَرَبِ، وَابْنَ الْمُنْهَبِ مَالُهُ، وَمَانِعَ جَارِهِ، وَمَنْ لَمْ يَغْدِرْ وَلَمْ يَفْجُرْ، وَلَمْ يَبْخَلْ، وَلَمْ يَمْنُنْ وَلَمْ يَجْبُنْ؟ هَاتُوا فِي آبَائِكُمْ مِثْلَ أَبِيهِ، أَوَفِيكُمْ مِثْلُهُ، أَلَيْسَ أَفْضَلَكُمْ فِي الْإِسْلَامِ، وَوَافِدَكُمْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ؟ أَلَيْسَ بِرَأْسِكُمْ يَوْمَ النُّخَيْلَةِ وَيَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ وَيَوْمَ الْمَدَائِنِ وَيَوْمَ جَلُولَاءَ وَيَوْمَ نَهَاوَنْدَ وَيَوْمَ تُسْتَرَ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ: حَسْبُكَ يَا ابْنَ خَلِيفَةَ. وَقَالَ عَلِيٌّ: لِتَحْضُرْ جَمَاعَةُ طَيِّءٍ. فَأَتَوْهُ، فَقَالَ: مَنْ كَانَ رَأْسُكُمْ فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ؟ قَالُوا: عَدِيٌّ. فَقَالَ ابْنُ خَلِيفَةَ: سَلْهُمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَلَيْسُوا رَاضِينَ بِرِيَاسَةِ عَدِيٍّ؟ فَفَعَلَ، فَقَالُوا: بَلَى. فَقَالَ عَلِيٌّ: فَعَدِيٌّ أَحَقُّكُمْ بِالرَّايَةِ، وَأَخَذَهَا. فَلَمَّا كَانَ أَيَّامُ حُجْرِ بْنِ عَدِيٍّ طَلَبَ زِيَادٌ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَلِيفَةَ لِيَبْعَثَهُ مَعَ حُجْرٍ، فَسَارَ إِلَى الْجَبَلَيْنِ، وَوَعَدَهُ عَدِيٌّ أَنْ يَرُدَّهُ وَأَنْ يَسْأَلَ فِيهِ، فَطَالَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَقَالَ شِعْرًا، مِنْهُ: أَتَنْسَى بَلَائِي سَادِرًا يَا ابْنَ حَاتِمٍ ... عَشِيَّةَ مَا أَغْنَتْ عَدِيُّكَ حِذْمِرَا فَدَافَعْتُ عَنْكَ الْقَوْمَ حَتَّى تَخَاذَلُوا ... وَكُنْتُ أَنَا الْخَصْمَ الْأَلَدَّ الْعَذْوَرَا فَوَلَّوْا وَمَا قَامُوا مَقَامِي كَأَنَّمَا ... رَأَوْنِي لَيْثًا بِالْأَبَاءَةِ مُخْدِرَا نَصَرْتُكَ إِذْ خَامَ الْقَرِيبُ وَأَبْعَدَ الْ ... بَعِيدُ وَقَدْ أُفْرِدْتَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا فَكَانَ جَزَائِي أَنْ أُجَرِّرَ بَيْنَكُمْ ... سَحِيبًا وَأَنْ أُولَى الْهَوَانَ وَأُوسَرَا وَكَمْ عِدَةٍ لِي مِنْكَ أَنَّكَ رَاجِعِي ... فَلَمْ تُغْنِ بِالْمِيعَادِ عَنِّي حَبْتَرًا

стр. 1334

وَسَتَرِدُ قِصَّتُهُ بِتَمَامِهَا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -. فَلَمَّا انْسَلَخَ الْمُحَرَّمُ أَمْرَ عَلِيٌّ مُنَادِيًا فَنَادَى: يَا أَهْلَ الشَّامِ! يَقُولُ لَكُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: قَدِ اسْتَدَمْتُكُمْ لِتُرَاجِعُوا الْحَقَّ وَتُنِيبُوا إِلَيْهِ، فَلَمْ تَنْتَهُوا عَنْ طُغْيَانِكُمْ وَلَمْ تُجِيبُوا إِلَى الْحَقِّ، وَإِنِّي قَدْ نَبَذْتُ إِلَيْكُمْ عَلَى سَوَاءٍ، إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ! فَاجْتَمَعَ أَهْلُ الشَّامِ إِلَى أُمَرَائِهِمْ وَرُؤَسَائِهِمْ، خَرَجَ مُعَاوِيَةُ وَعَمْرُو يُكَتِّبَانِ الْكَتَائِبَ وَيُعَبِّيَانِ النَّاسَ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَالَ لِلنَّاسِ: لَا تُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ، فَأَنْتُمْ بِحَمْدِ اللَّهِ عَلَى حُجَّةٍ، وَتَرْكِكُمْ قِتَالَهُمْ حُجَّةٌ أُخْرَى، فَإِذَا هَزَمْتُمُوهُمْ فَلَا تَقْتُلُوا مُدْبِرًا، وَلَا تُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحٍ، وَلَا تَكْشِفُوا عَوْرَةً، وَلَا تُمَثِّلُوا بِقَتِيلٍ، وَإِذَا وَصَلْتُمْ إِلَى رِحَالِ الْقَوْمِ فَلَا تَهْتِكُوا سِتْرًا وَلَا تَدْخُلُوا دَارًا، وَلَا تَأْخُذُوا شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَلَا تُهَيِّجُوا امْرَأَةً، وَإِنْ شَتَمْنَ أَعْرَاضَكُمْ وَسَبَبْنَ أُمَرَاءَكُمْ وَصُلَحَاءَكُمْ، فَإِنَّهُنَّ ضِعَافُ الْقُوَى وَالْأَنْفُسِ. وَكَانَ يَقُولُ بِهَذَا الْمَعْنَى لِأَصْحَابِهِ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ، وَحَرَّضَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ: عِبَادَ اللَّهِ، اتَّقُوا اللَّهَ وَغُضُّوا الْأَبْصَارَ، وَاخْفِضُوا الْأَصْوَاتَ، وَأَقِلُّوا الْكَلَامَ، وَوَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ عَلَى الْمُنَازَلَةِ وَالْمُجَاوَلَةِ وَالْمُزَاوَلَةِ وَالْمُنَاضَلَةِ وَالْمُعَانَقَةِ وَالْمُكَادَمَةِ وَالْمُلَازَمَةِ، ﴿فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥] ، ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦] ، اللَّهُمَّ أَلْهِمْهُمُ الصَّبْرَ، وَأَنْزِلْ عَلَيْهِمُ النَّصْرَ، وَأَعْظِمْ لَهُمُ الْأَجْرَ! وَأَصْبَحَ عَلِيٌّ فَجَعَلَ عَلَى خَيْلِ الْكُوفَةِ الْأَشْتَرَ، وَعَلَى جُنْدِ الْبَصْرَةِ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ، وَعَلَى رَجَّالَةِ الْكُوفَةِ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ، وَعَلَى رَجَّالَةِ الْبَصْرَةِ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ، وَهَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ الْمِرْقَالُ مَعَهُ الرَّايَةُ، وَجَعْلَ مِسْعَرَ بْنَ فَدَكِّيٍ عَلَى قُرَّاءِ الْكُوفَةِ وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ. وَبَعَثَ مُعَاوِيَةُ عَلَى مَيْمَنَتِهِ ابْنَ ذِي الْكَلَاعِ الْحِمْيَرِيَّ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ حَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِيَّ،

стр. 1335

وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ أَبَا الْأَعْوَرِ السُّلَمِيَّ، وَعَلَى خَيْلِ دِمَشْقَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، وَعَلَى رَجَّالَةِ دِمَشْقَ مُسْلِمَ بْنَ عُقْبَةَ الْمُرِّيَّ، وَعَلَى النَّاسِ كُلِّهِمُ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ، وَبَايَعَ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ عَلَى الْمَوْتِ، فَعَقَلُوا أَنْفُسَهُمْ بِالْعَمَائِمِ، وَكَانُوا خَمْسَةَ صُفُوفٍ، وَخَرَجُوا أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ صَفَرَ فَاقْتَتَلُوا، وَكَانَ عَلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مَنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ الْأَشْتَرُ، وَعَلَى مَنْ خَرَجَ مَنْ أَهْلِ الشَّامِ حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَاقْتَتَلُوا يَوْمَهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا مُعْظَمَ النَّهَارِ، ثُمَّ تَرَاجَعُوا وَقَدِ انْتَصَفَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ. ثُمَّ خَرَجَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي هَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ فِي خَيْلٍ وَرِجَالٍ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ أَبُو الْأَعْوَرِ السُّلَمِيُّ، فَاقْتَتَلُوا يَوْمَهُمْ ذَلِكَ ثُمَّ انْصَرَفُوا، وَخَرَجَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، فَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ، وَقَالَ عَمَّارٌ: يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ عَادَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَجَاهَدَهُمَا، وَبَغَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَظَاهَرَ الْمُشْرِكِينَ؟ فَلَمَّا رَأَى اللَّهَ يُعِزُّ دِينَهُ، وَيُظْهِرُ رَسُولَهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ فِيمَا نَرَى رَاهِبٌ غَيْرَ رَاغِبٍ! ثُمَّ قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ فَوَاللَّهِ إِنْ زَالَ بَعْدَهُ مَعْرُوفًا بِعَدَاوَةِ الْمُسْلِمِ وَاتِّبَاعِ الْمُجْرِمِ، فَاثْبُتُوا لَهُ وَقَاتِلُوهُ. وَقَالَ عَمَّارٌ لِزِيَادِ بْنِ النَّضْرِ، وَهُوَ عَلَى الْخَيْلِ: احْمِلْ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ. فَحَمَلَ وَقَاتَلَهُ النَّاسُ وَصَبَرُوا لَهُ، وَحَمَلَ عَمَّارٌ فَأَزَالَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ عَنْ مَوْضِعِهِ، وَبَارَزَ يَوْمَئِذٍ زِيَادُ بْنُ النَّضْرِ أَخَاهُ لِأُمِّهِ، وَاسْمُهُ عَمْرُو بْنُ مُعَاوِيَةَ مِنْ بَنِي الْمُنْتَفِقِ، فَلَمَّا الْتَقَيَا تَعَارَفَا، فَانْصَرَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ وَتَرَاجَعَ النَّاسُ. وَخَرَجَ مِنَ الْغَدِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَهُوَ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي جَمْعَيْنِ عَظِيمَيْنِ، فَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ الْقِتَالِ، وَأَرْسَلَ عُبَيْدُ اللَّهِ إِلَى ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ يَدْعُوهُ إِلَى الْمُبَارَزَةِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ، فَحَرَّكَ عَلِيٌّ دَابَّتَهُ وَرَدَّ ابْنَهُ، وَبَرَزَ عَلِيٌّ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ، فَرَجَعَ عُبَيْدُ اللَّهِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ لِأَبِيهِ: لَوْ تَرَكَتْنِي لَرَجَوْتُ قَتْلَهُ. وَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَكَيْفَ تَبْرُزُ إِلَى هَذَا الْفَاسِقِ؟ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْغَبُ بِكَ عَنْ
следующие страницы →