← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

مُنَادِيهَا: إِنَّ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرَ شَاخِصُونَ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَمَنْ أَرَادَ إِعْزَازَ الْإِسْلَامِ وَقِتَالَ الْمُحِلِّينَ وَالطَّلَبَ بِثَأْرِ عُثْمَانَ، وَلَيْسَ لَهُ مَرْكَبٌ وَجِهَازٌ فَلْيَأْتِ! فَحَمَلُوا سِتَّمِائَةٍ عَلَى سِتِّمِائَةِ بَعِيرٍ وَسَارُوا فِي أَلْفٍ. وَقِيلَ: فِي تِسْعِمِائَةٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ، وَلَحِقَهُمُ النَّاسُ، فَكَانُوا فِي ثَلَاثَةِ آلَافِ رَجُلٍ. وَبَعَثَتْ أُمُّ الْفَضْلِ بِنْتُ الْحَرْثِ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَجُلًا مِنْ جُهَيْنَةَ يُدْعَى ظَفَرًا، فَاسْتَأْجَرَتْهُ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ عَلِيًّا بِالْخَبَرِ، فَقَدِمَ عَلَى عَلِيٍّ بِكِتَابِهَا. وَخَرَجَتْ عَائِشَةُ وَمَنْ مَعَهَا مِنْ مَكَّةَ، فَلَمَّا خَرَجُوا مِنْهَا أَذَّنَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، ثُمَّ جَاءَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ فَقَالَ: عَلَى أَيِّكُمْ أُسَلِّمُ بِالْإِمْرَةِ وَأُؤَذِّنُ بِالصَّلَاةِ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي أَبَاهُ الزُّبَيْرَ -. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ: عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ - يَعْنِي أَبَاهُ طَلْحَةَ -. فَأَرْسَلَتْ عَائِشَةُ إِلَى مَرْوَانَ وَقَالَتْ لَهُ: أَتُرِيدُ أَنْ تُفَرِّقَ أَمْرَنَا! لِيُصَلِّ بِالنَّاسِ ابْنُ أُخْتِي - تَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ -. وَقِيلَ: بَلْ صَلَّى بِالنَّاسِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ حَتَّى قُتِلَ، فَكَانَ مُعَاذُ بْنُ عُبَيْدٍ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَوْ ظَفِرْنَا لَاقْتَتَلْنَا، مَا كَانَ الزُّبَيْرُ يَتْرُكُ طَلْحَةَ وَالْأَمْرَ، وَلَا كَانَ طَلْحَةُ يَتْرُكُ الزُّبَيْرَ وَالْأَمْرَ. وَتَبِعَهَا أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى ذَاتِ عِرْقٍ، فَبَكَوْا عَلَى الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يُرَ يَوْمٌ كَانَ أَكْثَرَ بَاكِيًا وَبَاكِيَةً مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَكَانَ يُسَمَّى يَوْمُ النَّحِيبِ. فَلَمَّا بَلَغُوا ذَاتَ عِرْقٍ لَقِيَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ وَأَصْحَابَهُ بِهَا فَقَالَ: أَيْنَ تَذْهَبُونَ وَتَتْرُكُونَ ثَأْرَكُمْ عَلَى أَعْجَازِ الْإِبِلِ وَرَاءَكُمْ؟ - يَعْنِي: عَائِشَةَ، وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرَ -. اقْتُلُوهُمْ ثُمَّ ارْجِعُوا إِلَى مَنَازِلِكُمْ. فَقَالُوا: نَسِيرُ فَلَعَلَّنَا نَقْتُلُ قَتَلَةَ عُثْمَانَ جَمِيعًا. فَخَلَا سَعِيدٌ بِطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ فَقَالَ: إِنْ ظَفِرْتُمَا لِمَنْ تَجْعَلَانِ الْأَمْرَ؟ أَصْدِقَانِي. قَالَا: نَجْعَلُهُ لِأَحَدِنَا أَيَّنَا اخْتَارَهُ النَّاسُ. قَالَ: بَلْ تَجْعَلُونَهُ لِوَلَدِ عُثْمَانَ، فَإِنَّكُمْ خَرَجْتُمْ تَطْلُبُونَ بِدَمِهِ. فَقَالَا: نَدَعُ شُيُوخَ الْمُهَاجِرِينَ وَنَجْعَلُهَا لِأَيْتَامٍ! قَالَ: فَلَا أَرَانِي أَسْعَى إِلَّا لِإِخْرَاجِهَا مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ. فَرَجَعَ وَرَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ

стр. 1262

خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ، وَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: الرَّأْيُ مَا قَالَ سَعِيدٌ، مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِنْ ثَقِيفٍ فَلْيَرْجِعْ. فَرَجَعَ، وَمَضَى الْقَوْمُ وَمَعَهُمْ أَبَانٌ، وَالْوَلِيدُ ابْنَا عُثْمَانَ. وَأَعْطَى يَعْلَى بْنُ مُنْيَةَ عَائِشَةَ جَمَلًا اسْمُهُ عَسْكَرُ اشْتَرَاهُ بِثَمَانِينَ دِينَارًا، فَرَكِبَتْهُ. وَقِيلَ: بَلْ كَانَ جَمَلُهَا لِرَجُلٍ مِنْ عُرَيْنَةَ. قَالَ الْعُرَنِيُّ: بَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ عَلَى جَمَلٍ إِذْ عَرَضَ لِي رَاكِبٌ فَقَالَ: أَتَبِيعُ جَمَلَكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: بِكَمْ؟ قُلْتُ: بِأَلْفِ دِرْهَمٍ. قَالَ: أَمْجَنُونٌ أَنْتَ؟ قُلْتُ: وَلِمَ؟ وَاللَّهِ مَا طَلَبْتُ عَلَيْهِ أَحَدًا إِلَّا أَدْرَكْتُهُ، وَلَا طَلَبَنِي وَأَنَا عَلَيْهِ أَحَدٌ إِلَّا فُتُّهُ. قَالَ: لَوْ تَعْلَمُ لِمَنْ نُرِيدُهُ! إِنَّمَا نُرِيدُهُ لِأُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ! فَقُلْتُ: خُذْهُ بِغَيْرِ ثَمَنٍ. قَالَ: بَلْ تَرْجِعُ مَعَنَا إِلَى الرَّحْلِ فَنُعْطِيكَ نَاقَةً وَدَرَاهِمَ. قَالَ: فَرَجَعْتُ مَعَهُ فَأَعْطَوْنِي نَاقَةً مَهْرِيَّةً وَأَرْبَعَمِائَةِ دِرْهَمٍ أَوْ سِتَّمِائَةٍ، وَقَالُوا لِي: يَا أَخَا عُرَيْنَةَ هَلْ لَكَ دِلَالَةٌ بِالطَّرِيقِ؟ قُلْتُ: أَنَا مِنْ أَدِلِّ النَّاسِ. قَالُوا: فَسِرْ مَعَنَا. فَسِرْتُ مَعَهُمْ فَلَا أَمُرُّ عَلَى وَادٍ إِلَّا سَأَلُونِي عَنْهُ، حَتَّى طَرَقْنَا الْحَوْأَبَ، وَهُوَ مَاءٌ، فَنَبَحَتْنَا كِلَابُهُ، فَقَالُوا: أَيُّ مَاءٍ هَذَا؟ فَقُلْتُ: هَذَا مَاءُ الْحَوْأَبِ. فَصَرَخَتْ عَائِشَةُ بِأَعْلَى صَوْتِهَا وَقَالَتْ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، إِنِّي لَهِيَهْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «يَقُولُ وَعِنْدَهُ نِسَاؤُهُ: " لَيْتَ شِعْرِي أَيَّتُكُنَّ تَنْبَحُهَا كِلَابُ الْحَوْأَبِ "!» ثُمَّ ضَرَبَتْ عَضُدَ بَعِيرِهَا فَأَنَاخَتْهُ وَقَالَتْ: رُدُّونِي، أَنَا وَاللَّهِ صَاحِبَةُ مَاءِ الْحَوْأَبِ. فَأَنَاخُوا حَوْلَهَا يَوْمًا وَلَيْلَةً، فَقَالَ لَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: إِنَّهُ كَذِبَ، وَلَمْ يَزَلْ بِهَا وَهِيَ تَمْتَنِعُ، فَقَالَ لَهَا: النَّجَاءَ النَّجَاءَ! قَدْ أَدْرَكَكُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. فَارْتَحَلُوا نَحْوَ الْبَصْرَةِ، فَلَمَّا كَانُوا بِفِنَائِهَا لَقِيَهُمْ عُمَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ وَقَالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْشُدُكِ اللَّهَ أَنْ تَقْدَمِي الْيَوْمَ عَلَى قَوْمٍ لَمْ تُرَاسِلِي مِنْهُمْ أَحَدًا، فَعَجِّلِي ابْنَ عَامِرٍ، فَإِنَّ لَهُ بِهَا صَنَائِعَ، فَلْيَذْهَبْ إِلَيْهِمْ لِيَلْقَوُا النَّاسَ إِلَى أَنْ تَقْدَمِي وَيَسْمَعُوا مَا جِئْتُمْ بِهِ. فَأَرْسَلَتْهُ، فَانْدَسَّ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَأَتَى الْقَوْمَ، وَكَتَبَتْ عَائِشَةُ

стр. 1263

إِلَى رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَإِلَى الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، وَصَبْرَةَ بْنِ شَيْمَانَ، وَأَمْثَالِهِمْ، وَأَقَامَتْ بِالْحَفِيرِ تَنْتَظِرُ الْجَوَابَ. وَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ أَهْلَ الْبَصْرَةِ دَعَا عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ عِمْرَانَ بْنَ حَصِينٍ - وَكَانَ رَجُلَ عَامَّةٍ - وَأَلَزَّهُ بِأَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ - وَكَانَ رَجُلَ خَاصَّةٍ - وَقَالَ لَهُمَا: انْطَلِقَا إِلَى هَذِهِ الْمَرْأَةِ فَاعْلَمَا عِلْمَهَا وَعِلْمَ مَنْ مَعَهَا. فَخَرَجَا فَانْتَهَيَا إِلَيْهَا بِالْحَفِيرِ، فَأَذِنَتْ لَهُمَا، فَدَخَلَا وَسَلَّمَا وَقَالَا: إِنَّ أَمِيرَنَا بَعَثَنَا إِلَيْكَ لِنَسْأَلَكَ عَنْ مَسِيرِكَ، فَهَلْ أَنْتِ مُخْبِرَتُنَا؟ فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا مِثْلِي يُعْطِي لِبَنِيهِ الْخَبَرَ، إِنَّ الْغَوْغَاءَ وَنُزَّاعَ الْقَبَائِلِ غَزَوْا حَرَمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَحْدَثُوا فِيهِ وَآوَوُا الْمُحْدِثِينَ، فَاسْتَوْجَبُوا لَعْنَةَ اللَّهِ وَلَعْنَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ مَا نَالُوا مِنْ قَتْلِ إِمَامِ الْمُسْلِمِينَ بِلَا تِرَةٍ وَلَا عُذْرٍ، فَاسْتَحَلُّوا الدَّمَ الْحَرَامَ وَسَفَكُوهُ، وَانْتَهَبُوا الْمَالَ الْحَرَامَ، وَأَحَلُّوا الْبَلَدَ الْحَرَامَ، وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ، فَخَرَجْتُ فِي الْمُسْلِمِينَ أُعَلِّمُهُمْ مَا أَتَى هَؤُلَاءِ، وَمَا النَّاسُ فِيهِ وَرَاءَنَا، وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ مِنْ إِصْلَاحِ هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَقَرَأْتُ: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ [النساء: ١١٤] الْآيَةَ، فَهَذَا شَأْنُنَا إِلَى مَعْرُوفٍ نَأْمُرُكُمْ بِهِ وَمُنْكَرٍ نَنْهَاكُمْ عَنْهُ. فَخَرَجَ عِمْرَانُ وَأَبُو الْأَسْوَدِ مِنْ عِنْدِهَا فَأَتَيَا طَلْحَةَ وَقَالَا: مَا أَقْدَمَكَ؟ فَقَالَ: الطَّلَبُ بِدَمِ عُثْمَانَ. فَقَالَا: أَلَمْ تُبَايِعْ عَلِيًّا؟ فَقَالَ: بَلَى وَالسَّيْفُ عَلَى عُنُقِي، وَمَا أَسْتَقِيلُ عَلِيًّا الْبَيْعَةَ إِنْ هُوَ لَمْ يَحُلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَتَلَةِ عُثْمَانَ. ثُمَّ أَتَيَا الزُّبَيْرَ فَقَالَا لَهُ مِثْلَ قَوْلِهِمَا لِطَلْحَةَ، وَقَالَ لَهُمَا مِثْلَ قَوْلِ طَلْحَةَ، فَرَجَعَا إِلَى عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ، وَنَادَى مُنَادِيهَا بِالرَّحِيلِ، فَدَخَلَا عَلَى عُثْمَانَ فَبَادَرَ أَبُو الْأَسْوَدِ عِمْرَانَ فَقَالَ: يَا ابْنَ حُنَيْفٍ قَدْ أُتِيتَ فَانْفِرِ ... وَطَاعِنِ الْقَوْمَ وَجَالِدْ وَاصْبِرِ وَابْرُزْ لَهُمْ مُسْتَلْئِمًا وَشَمِّرِ فَقَالَ عُثْمَانُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، دَارَتْ رَحَى الْإِسْلَامِ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ فَانْظُرُوا بِأَيِّ زَيَفَانٍ تَزِيفُ. فَقَالَ عِمْرَانُ: إِيْ وَاللَّهِ لَتَعْرِكَنَّكُمْ عَرْكًا طَوِيلًا. قَالَ: فَأَشِرْ عَلَيَّ يَا عِمْرَانُ. قَالَ: اعْتَزِلْ فَإِنِّي قَاعِدٌ. قَالَ عُثْمَانُ: بَلْ أَمْنَعُهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ.

стр. 1264

فَانْصَرَفَ عِمْرَانُ إِلَى بَيْتِهِ وَقَامَ عُثْمَانُ فِي أَمْرِهِ، فَأَتَاهُ هِشَامُ بْنُ عَامِرٍ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ الَّذِي تُرِيدُهُ يُسْلِمُ إِلَى شَرٍّ مِمَّا تَكْرَهُ، إِنَّ هَذَا فَتْقٌ لَا يُرْتَقُ، وَصَدْعٌ لَا يُجْبَرُ، فَارْفُقْ بِهِمْ وَسَامِحْهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ عَلِيٍّ. فَأَبَى وَنَادَى عُثْمَانُ فِي النَّاسِ وَأَمَرَهُمْ بِلُبْسِ السِّلَاحِ، فَاجْتَمَعُوا إِلَى الْمَسْجِدِ وَأَمَرَهُمْ بِالتَّجْهِيزِ، وَأَمَرَ رَجُلًا دَسَّهُ إِلَى النَّاسِ خَدِعًا كُوفِيًّا قَيْسِيًّا، فَقَامَ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ أَنَا قَيْسُ بْنُ الْعَقَدِيَّةِ الْحُمَيْسِيُّ، إِنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ إِنْ كَانُوا جَاؤُوا خَائِفِينَ فَقَدْ أَتَوْا مِنْ بَلَدٍ يَأْمَنُ فِيهِ الطَّيْرُ، وَإِنْ كَانُوا جَاءُوا يَطْلُبُونَ بِدَمِ عُثْمَانَ، فَمَا نَحْنُ بِقَتَلَةِ عُثْمَانَ، فَأَطِيعُونِي وَرَدُّوهُمْ مِنْ حَيْثُ جَاؤُوا. فَقَامَ الْأَسْوَدُ بْنُ سَرِيعٍ السَّعْدِيُّ فَقَالَ: أَوَزَعَمُوا أَنَّا قَتَلَةُ عُثْمَانَ؟ إِنَّمَا أَتَوْا يَسْتَعِينُونَ بِنَا عَلَى قَتَلَةِ عُثْمَانَ مِنَّا وَمِنْ غَيْرِنَا. فَحَصَبَهُ النَّاسُ، فَعَرَفَ عُثْمَانُ أَنَّ لَهُمْ بِالْبَصْرَةِ نَاصِرًا، فَكَسَرَهُ ذَلِكَ. فَأَقْبَلَتْ عَائِشَةُ فِيمَنْ مَعَهَا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى الْمِرْبَدِ، فَدَخَلُوا مِنْ أَعْلَاهُ، وَوَقَفُوا حَتَّى خَرَجَ عُثْمَانُ فِيمَنْ مَعَهُ وَخَرَجَ إِلَيْهَا مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ مَعَهَا، فَاجْتَمَعَ الْقَوْمُ بِالْمِرْبَدِ، فَتَكَلَّمَ طَلْحَةُ وَهُوَ فِي مَيْمَنَةِ الْمِرْبَدِ، وَعُثْمَانُ فِي مَيْسَرَتِهِ، فَأَنْصَتُوا لَهُ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَذَكَرَ عُثْمَانَ وَفَضْلَهُ وَمَا اسْتَحَلَّ مِنْهُ، وَدَعَا إِلَى الطَّلَبِ بِدَمِهِ وَحَثَّهُمْ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الزُّبَيْرُ. فَقَالَ مَنْ فِي مَيْمَنَةِ الْمِرْبَدِ: صَدَقَا وَبَرَّا. وَقَالَ فِي مَيْسَرَتِهِ: فَجَرَا وَغَدَرَا وَأَمَرَا بِالْبَاطِلِ، فَقَدْ بَايَعَا عَلِيًّا ثُمَّ جَاءَا يَقُولَانِ، وَتَحَاثَى النَّاسُ وَتَحَاصَبُوا وَأَرْهَجُوا. فَتَكَلَّمَتْ عَائِشَةُ، وَكَانَتْ جَهْوَرِيَّةَ الصَّوْتِ، فَحَمِدَتِ اللَّهَ وَقَالَتْ: كَانَ النَّاسُ يَتَجَنَّوْنَ عَلَى عُثْمَانَ وَيَزْرُونَ عَلَى عُمَّالِهِ، وَيَأْتُونَنَا بِالْمَدِينَةِ فَيَسْتَشِيرُونَنَا فِيمَا يُخْبِرُونَنَا عَنْهُمْ، فَنَنْظُرُ فِي ذَلِكَ فَنَجِدُهُ بَرِيئًا تَقِيًّا وَفِيًّا، وَنَجِدُهُمْ فَجَرَةً غَدَرَةً كَذَبَةً، وَهُمْ يُحَاوِلُونَ غَيْرَ مَا يُظْهِرُونَ، فَلَمَّا قَوَوْا كَاثَرُوهُ، وَاقْتَحَمُوا عَلَيْهِ دَارَهُ، وَاسْتَحَلُّوا الدَّمَ الْحَرَامَ، وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ، وَالْبَلَدَ الْحَرَامَ، بِلَا تِرَةٍ وَلَا عُذْرٍ، أَلَا إِنَّ مِمَّا يَنْبَغِي لَا يَنْبَغِي لَكُمْ غَيْرُهُ، أَخْذُ قَتَلَةِ عُثْمَانَ وَإِقَامَةُ كِتَابِ اللَّهِ، وَقَرَأَتْ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٣] الْآيَةَ، فَافْتَرَقَ أَصْحَابُ عُثْمَانَ فِرْقَتَيْنِ، فِرْقَةٌ قَالَتْ: صَدَقَتْ وَبَرَّتْ، وَقَالَ الْآخَرُونَ: كَذَبْتُمْ وَاللَّهِ مَا نَعْرِفُ مَا جِئْتُمْ بِهِ! فَتَحَاثَوْا وَتَحَاصَبُوا. فَلَمَّا رَأَتْ عَائِشَةُ ذَلِكَ انْحَدَرَتْ وَانْحَدَرَ أَهْلُ الْمَيْمَنَةِ مُفَارِقِينَ لِعُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ حَتَّى وَقَفُوا فِي الْمِرْبَدِ فِي مَوْضِعِ الدَّبَّاغِينَ، وَبَقِيَ أَصْحَابُ عُثْمَانَ عَلَى حَالِهِمْ، وَمَالَ بَعْضُهُمْ إِلَى عَائِشَةَ وَبَقِيَ بَعْضُهُمْ مَعَ عُثْمَانَ.

стр. 1265

وَأَقْبَلُ جَارِيَةُ بْنُ قُدَامَةَ السَّعْدِيُّ وَقَالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، وَاللَّهِ، لَقَتْلُ عُثْمَانَ أَهْوَنُ مِنْ خُرُوجِكِ مِنْ بَيْتِكِ عَلَى هَذَا الْجَمَلِ الْمَلْعُونِ عُرْضَةً لِلسِّلَاحِ! إِنَّهُ قَدْ كَانَ لَكِ مِنَ اللَّهِ سِتْرٌ وَحُرْمَةٌ، فَهَتَكْتِ سِتْرَكِ وَأَبَحْتِ حُرْمَتَكِ! إِنَّهُ مَنْ رَأَى قِتَالَكِ يَرَى قَتْلَكِ! لَئِنْ كُنْتِ أَتَيْتِنَا طَائِعَةً فَارْجِعِي إِلَى مَنْزِلِكِ، وَإِنْ كُنْتِ أَتَيْتِنَا مُكْرَهَةً فَاسْتَعِينِي بِالنَّاسِ. وَخَرَجَ غُلَامٌ شَابٌّ مِنْ بَنِي سَعْدٍ إِلَى طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ فَقَالَ: أَمَّا أَنْتَ يَا زُبَيْرُ فَحَوَارِيُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَمَّا أَنْتَ يَا طَلْحَةَ فَوَقَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِيَدِكَ وَأَرَى أُمَّكُمَا مَعَكُمَا، فَهَلْ جِئْتُمَا بِنِسَائِكُمَا؟ قَالَا: لَا. قَالَ: فَمَا أَنَا مِنْكُمْ فِي شَيْءٍ، وَاعْتَزَلَ وَقَالَ فِي ذَلِكَ: صُنْتُمْ حَلَائِلَكُمْ وَقُدْتُمْ أُمَّكُمْ ... هَذَا لَعَمْرُكَ قِلَّةُ الْإِنْصَافِ أُمِرَتْ بِجَرِّ ذُيُولِهَا فِي بَيْتِهَا ... فَهَوَتْ تَشُقُّ الْبِيدَ بِالْإِيجَافِ غَرَضًا يُقَاتِلُ دُونَهَا أَبْنَاؤُهَا ... بِالنَّبْلِ وَالْخَطِّيِّ وَالْأَسْيَافِ هُتِكَتْ بِطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ سُتُورُهَا ... هَذَا الْمُخَبَّرُ عَنْهُمُ وَالْكَافِي وَأَقْبَلَ حُكَيْمُ بْنُ جَبَلَةَ الْعَبْدِيُّ - وَهُوَ عَلَى الْخَيْلِ - فَأَنْشَبَ الْقِتَالَ، وَأَشْرَعَ أَصْحَابُ عَائِشَةَ رِمَاحَهُمْ، وَأَمْسَكُوا لِيُمْسِكَ حُكَيْمٌ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمْ يَنْتَهِ، وَقَاتَلَهُمْ وَأَصْحَابُ عَائِشَةَ كَافُّونَ يَدْفَعُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، وَحَكِيمٌ يَذْمُرُ خَيْلَهُ وَيَرْكَبُهُمْ بِهَا، فَاقْتَتَلُوا عَلَى فَمِ السِّكَّةِ، وَأَمَرَتْ عَائِشَةُ أَصْحَابَهَا فَتَيَامَنُوا إِلَى مَقْبَرَةِ بَنِي مَازِنٍ، وَحَجَزَ اللَّيْلُ بَيْنَهُمْ، وَرَجَعَ عُثْمَانُ إِلَى الْقَصْرِ، وَأَتَى أَصْحَابُ عَائِشَةَ إِلَى نَاحِيَةِ دَارِ الرِّزْقِ، وَبَاتُوا يَتَأَهَّبُونَ، وَبَاتَ النَّاسُ يَأْتُونَهُمْ، وَاجْتَمَعُوا بِسَاحَةِ دَارِ الرِّزْقِ. فَغَادَاهُمْ حُكَيْمُ بْنُ جَبَلَةَ وَهُوَ يَسُبُّ وَبِيَدِهِ الرُّمْحُ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ: مَنْ هَذَا الَّذِي تَسُبُّهُ؟ قَالَ: عَائِشَةُ. قَالَ: يَا ابْنَ الْخَبِيثَةِ أَلِأُمِّ الْمُؤْمِنِينَ تَقُولُ هَذَا؟ فَطَعَنَهُ حُكَيْمٌ فَقَتَلَهُ. ثُمَّ مَرَّ بِامْرَأَةٍ وَهُوَ يَسُبُّهَا أَيْضًا، فَقَالَتْ لَهُ: أَلِأُمِّ الْمُؤْمِنِينَ تَقُولُ هَذَا يَا ابْنَ الْخَبِيثَةِ؟ فَطَعَنَهَا فَقَتَلَهَا. ثُمَّ سَارَ فَاقْتَتَلُوا بِدَارِ الرِّزْقِ قِتَالًا شَدِيدًا إِلَى أَنْ زَالَ النَّهَارُ وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِي أَصْحَابِ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ وَكَثُرَ الْجِرَاحُ فِي الْفَرِيقَيْنِ. فَلَمَّا عَضَّتْهُمُ الْحَرْبُ تَنَادَوْا إِلَى الصُّلْحِ وَتَوَادَعُوا، فَكَتَبُوا بَيْنَهُمْ كِتَابًا عَلَى أَنْ يَبْعَثُوا رَسُولًا إِلَى الْمَدِينَةِ يَسْأَلُ أَهْلَهَا، فَإِنْ كَانَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ أُكْرِهَا خَرَجَ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ عَنِ الْبَصْرَةِ وَأَخْلَاهَا لَهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا أُكْرِهَا خَرَجَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ، وَكَتَبُوا بَيْنَهُمْ كِتَابًا بِذَلِكَ. وَسَارَ كَعْبُ بْنُ سُورٍ إِلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَسْأَلُهُمْ. فَلَمَّا قَدِمَهَا اجْتَمَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَكَانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ،

стр. 1266

فَقَامَ وَقَالَ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ، أَنَا رَسُولُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، نَسْأَلُكُمْ هَلْ أُكْرِهَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ عَلَى بَيْعَةِ عَلِيٍّ أَمْ أَتَيَاهَا طَائِعِينَ؟ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَإِنَّهُ قَامَ وَقَالَ: أَنَّهُمَا بَايَعَا وَهُمَا مُكْرَهَانِ. فَأَمَرَ بِهِ تَمَّامُ بْنُ الْعَبَّاسِ، فَوَاثَبَهُ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٌ وَالنَّاسُ، وَثَارَ صُهَيْبٌ وَأَبُو أَيُّوبَ فِي عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِمْ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ حِينَ خَافُوا أَنْ يُقْتَلَ أُسَامَةُ فَقَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ. فَتَرَكُوهُ، وَأَخَذَ صُهَيْبٌ أُسَامَةَ بِيَدِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ وَقَالَ لَهُ: أَمَا وَسِعَكَ مَا وَسِعَنَا مِنَ السُّكُوتِ؟ قَالَ: مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ الْأَمْرَ كَمَا أَرَى. فَرَجَعَ كَعْبٌ وَبَلَغَ عَلِيًّا الْخَبَرُ، فَكَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ يُعْجِزُهُ وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أُكْرِهَا عَلَى فُرْقَةٍ وَلَقَدْ أُكْرِهَا عَلَى جَمَاعَةٍ وَفَضْلٍ، فَإِنْ كَانَا يُرِيدَانِ الْخَلْعَ فَلَا عُذْرَ لَهُمَا، وَإِنْ كَانَا يُرِيدَانِ غَيْرَ ذَلِكَ نَظَرْنَا وَنَظَرُوا. فَقِدَمَ الْكِتَابُ عَلَى عُثْمَانَ، وَقَدِمَ كَعْبُ بْنُ سُورٍ، فَأَرْسَلُوا إِلَى عُثْمَانَ لِيَخْرُجَ، فَاحْتَجَّ بِالْكِتَابِ وَقَالَ: هَذَا أَمْرٌ آخَرُ غَيْرُ مَا كُنَّا فِيهِ. فَجَمَعَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ الرِّجَالَ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ ذَاتِ رِيَاحٍ وَمَطَرٍ، ثُمَّ قَصَدَا الْمَسْجِدَ فَوَافَقَا صَلَاةَ الْعِشَاءِ، وَكَانُوا يُؤَخِّرُونَهَا، فَأَبْطَأَ عُثْمَانُ، فَقَدَّمَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَتَّابٍ، فَشَهَرَ الزُّطُّ وَالسَّيَابِجَةُ السِّلَاحَ ثُمَّ وَضَعُوهُ فِيهِمْ، فَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ فَاقْتَتَلُوا فِي الْمَسْجِدِ فَقُتِلُوا، وَهُمْ أَرْبَعُونَ رَجُلًا، فَأَدْخَلَا الرِّجَالَ عَلَى عُثْمَانَ فَأَخْرَجُوهُ إِلَيْهِمَا. فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِمَا [تَوَطَّؤُوهُ] وَمَا بَقِيَتْ فِي وَجْهِهِ شَعْرَةٌ فَاسْتَعْظَمَا ذَلِكَ وَأَرْسَلَا إِلَى عَائِشَةَ يُعْلِمَانِهَا الْخَبَرَ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِمَا أَنْ خَلُّوا سَبِيلَهُ. وَقِيلَ: لَمَّا أُخِذَ عُثْمَانُ أَرْسَلُوا إِلَى عَائِشَةَ يَسْتَشِيرُونَهَا فِي أَمْرِهِ، فَقَالَتْ: اقْتُلُوهُ. فَقَالَتْ لَهَا امْرَأَةٌ: نَشَدْتُكِ اللَّهَ فِي عُثْمَانَ وَصُحْبَتِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ! فَقَالَتْ لَهُمْ: احْبِسُوهُ. فَقَالَ لَهُمْ مُجَاشِعُ بْنُ مَسْعُودٍ: اضْرِبُوهُ وَأَنْتِفُوا لِحْيَتَهُ وَحَاجِبَيْهِ وَأَشْفَارَ عَيْنَيْهِ. فَضَرَبُوهُ أَرْبَعِينَ سَوْطًا وَنَتَفُوا لِحْيَتَهُ وَحَاجِبَيْهِ وَأَشْفَارَ عَيْنَيْهِ وَحَبَسُوهُ ثُمَّ أَطْلَقُوهُ وَجَعَلُوا عَلَى بَيْتِ الْمَالِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. وَقَدْ قِيلَ فِي إِخْرَاجِ عُثْمَانَ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ، وَذَلِكَ أَنَّ عَائِشَةَ، وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرَ لَمَّا

стр. 1267

قَدِمُوا الْبَصْرَةَ كَتَبَتْ عَائِشَةُ إِلَى زَيْدِ بْنِ صُوحَانَ: مِنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ حَبِيبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى ابْنِهَا الْخَالِصِ زَيْدِ بْنِ صُوحَانَ، أَمَّا بَعْدُ فَإِذَا أَتَاكَ كِتَابِي هَذَا فَاقْدُمْ فَانْصُرْنَا، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَخَذِّلِ النَّاسَ عَنْ عَلِيٍّ. فَكَتَبَ إِلَيْهَا: أَمَّا بَعْدُ فَأَنَا ابْنُكِ الْخَالِصُ، لَئِنِ اعْتَزَلْتِ وَرَجَعْتِ إِلَى بَيْتِكِ، وَإِلَّا فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ نَابَذَكِ. وَقَالَ زَيْدٌ: رَحِمَ اللَّهُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ! أُمِرَتْ أَنْ تَلْزَمَ بَيْتَهَا، وَأُمِرْنَا أَنْ نُقَاتِلَ، فَتَرَكَتْ مَا أُمِرَتْ وَأَمَرَتْنَا بِهِ، وَصَنَعَتْ مَا أُمِرْنَا بِهِ وَنَهَتْنَا عَنْهُ. وَكَانَ عَلَى الْبَصْرَةِ عِنْدَ قُدُومِهَا عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ فَقَالَ لَهُمْ: مَا نَقَمْتُمْ عَلَى صَاحِبِكُمْ؟ فَقَالُوا: لَمْ نَرَهُ أَوْلَى بِهَا مِنَّا وَقَدْ صَنَعَ مَا صَنَعَ. قَالَ: فَإِنَّ الرَّجُلَ أَمَّرَنِي فَأَكْتُبُ إِلَيْهِ فَأُعْلِمُهُ مَا جِئْتُمْ بِهِ، عَلَى أَنْ أُصَلِّيَ أَنَا بِالنَّاسِ حَتَّى يَأْتِيَنَا كِتَابُهُ. فَوَقَفُوا عَنْهُ، فَكَتَبَ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً حَتَّى وَثَبُوا عَلَى عُثْمَانَ عِنْدَ مَدِينَةِ الرِّزْقِ، فَظَفِرُوا بِهِ وَأَرَادُوا قَتْلَهُ، ثُمَّ خَشُوا غَضَبَ الْأَنْصَارِ، فَنَتَفُوا شَعْرَ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ وَحَاجِبَيْهِ وَضَرَبُوهُ وَحَبَسُوهُ. وَقَامَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ خَطِيبَيْنِ فَقَالَا: يَا أَهْلَ الْبَصْرَةِ تَوْبَةً لِحَوْبَةٍ، إِنَّمَا أَرَدْنَا أَنْ نَسْتَعْتِبَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ، فَغَلَبَ السُّفَهَاءُ الْحُلَمَاءَ فَقَتَلُوهُ! فَقَالَ النَّاسُ لِطَلْحَةَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ قَدْ كَانَتْ كُتُبُكَ تَأْتِينَا بِغَيْرِ هَذَا. فَقَالَ الزُّبَيْرُ: هَلْ جَاءَكُمْ مِنِّي كِتَابٌ فِي شَأْنِهِ؟ ثُمَّ ذَكَرَ قَتْلَ عُثْمَانَ وَأَظْهَرَ عَيْبَ عَلِيٍّ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ فَقَالَ: أَيُّهَا الرَّجُلُ أَنْصِتْ حَتَّى نَتَكَلَّمَ. فَأَنْصَتَ. فَقَالَ الْعَبْدِيُّ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ أَنْتُمْ أَوَّلُ مَنْ أَجَابَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَانَ لَكُمْ بِذَلِكَ فَضْلٌ، ثُمَّ دَخَلَ النَّاسُ فِي الْإِسْلَامِ كَمَا دَخَلْتُمْ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَايَعْتُمْ رَجُلًا مِنْكُمْ فَرَضِينَا وَسَلَّمْنَا، وَلَمْ تَسْتَأْمِرُونَا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَجَعَلَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ فِي إِمَارَتِهِ بَرَكَةً، ثُمَّ مَاتَ وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْكُمْ رَجُلًا فَلَمْ تُشَاوِرُونَا فِي ذَلِكَ فَرَضِينَا وَسَلَّمْنَا، فَلَمَّا تُوُفِّيَ جَعَلَ أَمْرَكُمْ إِلَى سِتَّةِ نَفَرٍ فَاخْتَرْتُمْ عُثْمَانَ وَبَايَعْتُمُوهُ عَنْ غَيْرِ مَشُورَتِنَا، ثُمَّ أَنْكَرْتُمْ مِنْهُ شَيْئًا فَقَتَلْتُمُوهُ عَنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَّا، ثُمَّ بَايَعْتُمْ عَلِيًّا عَنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَّا، فَمَا الَّذِي نَقِمْتُمْ عَلَيْهِ فَنُقَاتِلُهُ؟ هَلِ اسْتَأْثَرَ بِفَيْءٍ، أَوْ عَمِلَ بِغَيْرِ الْحَقِّ، أَوْ أَتَى شَيْئًا تُنْكِرُونَهُ فَنَكُونُ مَعَكُمْ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَمَا هَذَا؟ فَهَمُّوا

стр. 1268

بِقَتْلِ ذَلِكَ الرَّجُلِ، فَمَنَعَتْهُ عَشِيرَتُهُ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ وَثَبُوا عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ مَعَهُ فَقَتَلُوا مِنْهُمْ سَبْعِينَ. وَبَقِيَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ بَعْدَ أَخْذِ عُثْمَانَ بِالْبَصْرَةِ وَمَعَهُمَا بَيْتُ الْمَالِ وَالْحَرَسُ وَالنَّاسُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمَا اسْتَتَرَ. وَبَلَغَ حُكَيْمَ بْنَ جَبَلَةَ مَا صُنِعَ بِعُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ فَقَالَ: لَسْتُ أَخَافُ اللَّهَ إِنْ لَمْ أَنْصُرْهُ! فَجَاءَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ رَبِيعَةَ، وَتَوَجَّهَ نَحْوَ دَارِ الرِّزْقِ، وَبِهَا طَعَامٌ أَرَادَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنْ يُرْزَقَهُ أَصْحَابَهُ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: مَا لَكَ يَا حُكَيْمُ؟ قَالَ: نُرِيدُ أَنَّ نَرْتَزِقَ مِنْ هَذَا الطَّعَامِ وَأَنْ تُخَلُّوا عُثْمَانَ، فَيُقِيمَ فِي دَارِ الْإِمَارَةِ عَلَى مَا كَتَبْتُمْ بَيْنَكُمْ حَتَّى يَقَدَمَ عَلِيٌّ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَجِدُ أَعْوَانًا عَلَيْكُمْ مَا رَضِيَتُ بِهَذِهِ مِنْكُمْ حَتَّى أَقْتُلَكُمْ بِمَنْ قَتَلْتُمْ، وَلَقَدْ أَصْبَحْتُمْ وَإِنَّ دِمَاءَكُمْ لَنَا لَحَلَالٌ بِمَنْ قَتَلْتُمْ، أَمَا تَخَافُونَ اللَّهَ؟ بِمَ تَسْتَحِلُّونَ الدَّمَ الْحَرَامَ؟ قَالَ: بِدَمِ عُثْمَانَ. قَالَ: فَالَّذِينَ قَتَلْتُمْ هُمْ قَتَلُوا عُثْمَانَ؟ ! أَمَا تَخَافُونَ مَقْتَ اللَّهِ؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: لَا نَرْزُقُكُمْ مِنْ هَذَا الطَّعَامِ وَلَا نُخَلِّي سَبِيلَ عُثْمَانَ حَتَّى تَخْلَعَ عَلِيًّا. فَقَالَ حُكَيْمٌ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ حَكَمٌ عَدْلٌ فَاشْهَدْ، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: لَسْتُ فِي شَكٍّ مِنْ قِتَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، فَمَنْ كَانَ فِي شَكٍّ فَلْيَنْصَرِفْ. وَتَقَدَّمَ فَقَاتَلَهُمْ. فَقَالَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَمَعَ لَنَا ثَأْرَنَا مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، اللَّهُمَّ لَا تُبْقِ مِنْهُمْ أَحَدًا! فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا وَمَعَ حُكَيْمٍ أَرْبَعَةُ قُوَّادٍ، فَكَانَ حُكَيْمٌ بِحِيَالِ طَلْحَةَ، وَذُرَيْحٌ بِحِيَالِ الزُّبَيْرِ، وَابْنُ الْمُحْتَرِشِ بِحِيَالِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَتَّابٍ، وَحُرْقُوصُ بْنُ زُهَيْرٍ بِحِيَالِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَرْثِ بْنِ هِشَامٍ، فَزَحْفَ طَلْحَةُ لِحُكَيْمٍ وَهُوَ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ، وَجَعَلَ حُكَيْمٌ يَضْرِبُ بِالسَّيْفِ وَيَقُولُ: أَضْرِبُهُمْ بِالْيَابِسِ ضَرْبَ غُلَامٍ عَابِسِ ... مِنَ الْحَيَاةِ آيِسِ فِي الْغُرُفَاتِ نَافَسِ فَضَرَبَ رَجُلٌ رِجْلَهُ فَقَطَعَهَا، (فَحَبَا حَتَّى) أَخَذَهَا فَرَمَى بِهَا صَاحِبَهُ فَصَرَعَهُ وَأَتَاهُ فَقَتَلَهُ ثُمَّ اتَّكَأَ عَلَيْهِ وَقَالَ:

стр. 1269

يَا سَاقِي لَنْ تُرَاعِي ... إِنَّ مَعِي ذِرَاعِي أَحْمِي بِهَا كُرَاعِي وَقَالَ أَيْضًا: لَيْسَ عَلَيَّ أَنْ أَمُوتَ عَارُ ... وَالْعَارُ فِي النَّاسِ هُوَ الْفِرَارُ وَالْمَجْدُ لَا يَفْضَحُهُ الدَّمَارُ فَأَتَى عَلَيْهِ رَجُلٌ وَهُوَ رَثِيثٌ، رَأْسُهُ عَلَى آخَرَ، فَقَالَ: مَا لَكَ يَا حُكَيْمُ؟ قَالَ: قُتِلْتُ. قَالَ: مَنْ قَتَلَكَ؟ قَالَ: وِسَادَتِي. فَاحْتَمَلَهُ وَضَمَّهُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَتَكَلَّمَ يَوْمَئِذٍ حُكَيْمٌ وَإِنَّهُ لَقَائِمٌ عَلَى رِجْلٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنَّ السُّيُوفَ لَتَأْخُذُهُمْ وَمَا يَتَتَعْتَعُ وَيَقُولُ: إِنَّا خَلَّفْنَا هَذَيْنِ، وَقَدْ بَايَعَا عَلِيًّا وَأَعْطَيَاهُ الطَّاعَةَ ثُمَّ أَقْبَلَا مُخَالِفَيْنِ مُحَارِبَيْنِ يَطْلُبَانِ بِدَمِ عُثْمَانَ، فَفَرَّقَا بَيْنَنَا، وَنَحْنُ أَهْلُ دَارٍ وَجِوَارٍ، اللَّهُمَّ أَنَّهُمَا لَمْ يُرِيدَا عُثْمَانَ! فَنَادَاهُ مُنَادٍ: يَا خَبِيثُ! جَزِعْتَ حِينَ عَضَّكَ نَكَالُ اللَّهِ إِلَى الْكَلَامِ مِنْ نَصْبِكَ وَأَصْحَابِكَ بِمَا رَكِبْتُمْ مِنَ الْإِمَامِ الْمَظْلُومِ وَفَرَّقْتُمْ مِنَ الْجَمَاعَةِ وَأَصَبْتُمْ مِنَ الدِّمَاءِ، فَذُقْ وَبَالَ اللَّهِ وَانْتِقَامَهُ. وَقُتِلُوا وَقُتِلَ مَعَهُمْ، قَتَلَهَ يَزِيدُ بْنُ الْأَسْحَمِ الْحُدَّانِيُّ، فَوُجِدَ حُكَيْمٌ قَتِيلًا بَيْنَ يَزِيدَ وَأَخِيهِ كَعْبٍ. وَقِيلَ: قَتَلَهُ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ ضُخَيْمٌ، وَقُتِلَ مَعَهُ ابْنُهُ الْأَشْرَفُ وَأَخُوهُ الرِّعْلُ بْنُ جَبَلَةَ. وَلَمَّا قُتِلَ حُكَيْمٌ أَرَادُوا قَتْلَ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ فَقَالَ لَهُمْ: أَمَا إِنَّ سَهْلًا بِالْمَدِينَةِ، فَإِنْ قَتَلْتُمُونِي انْتَصَرَ، فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، فَقَصَدَ عَلِيًّا. وَقُتِلَ ذُرَيْحٌ وَمَنْ مَعَهُ، وَأَفْلَتَ حُرْقُوصُ بْنُ زُهَيْرٍ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَجَأُوا إِلَى قَوْمِهِمْ، فَنَادَى مُنَادِي طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ: مَنْ كَانَ فِيهِمْ أَحَدٌ مِمَّنْ غَزَا الْمَدِينَةَ فَلْيَأْتِنَا بِهِمْ، فَجِيءَ بِهِمْ فَقُتِلُوا، وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ إِلَّا حُرْقُوصُ بْنُ زُهَيْرٍ، فَإِنَّ عَشِيرَتَهُ بَنِي سَعْدٍ مَنَعُوهُ، وَكَانَ مِنْهُمْ، فَنَالَهُمْ مِنْ ذَلِكَ أَمْرٌ شَدِيدٌ، وَضَرَبُوا فِيهِ أَجَلًا وَخَشَّنُوا صُدُورَ بَنِي سَعِدٍ، وَكَانُوا عُثْمَانِيَّةً، فَاعْتَزَلُوا، وَغَضِبَتْ عَبْدُ الْقَيْسِ حِينَ غَضِبَتْ سَعْدٌ لِمَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ بَعْدَ الْوَقْعَةِ وَمَنْ كَانَ هَرَبَ إِلَيْهِمْ إِلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ لُزُومِ

стр. 1270

الطَّاعَةِ لِعَلِيٍّ، فَأَمَرَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ لِلنَّاسِ بِأُعْطِيَّاتِهِمْ وَأَرْزَاقِهِمْ، وَفَضَّلَا أَهْلَ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَخَرَجَتْ عَبْدُ الْقَيْسِ وَكَثِيرٌ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ حِينَ مَنَعُوهُمُ الْفُضُولَ، فَبَادَرُوهُمْ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَأَكَبَّ عَلَيْهِمُ النَّاسُ، فَأَصَابُوا مِنْهُمْ، وَخَرَجُوا حَتَّى نَزَلُوا عَلَى طَرِيقِ عَلِيٍّ. وَأَقَامَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا ثَأْرٌ إِلَّا حُرْقُوصُ بْنُ زُهَيْرٍ، وَكَتَبُوا إِلَى أَهْلِ الشَّامِ بِمَا صَنَعُوا وَصَارُوا إِلَيْهِ، وَكَتَبَتْ عَائِشَةُ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ بِمَا كَانَ مِنْهُمْ، وَتَأْمُرُهُمْ أَنْ يُثَبِّطُوا النَّاسَ عَنْ عَلِيٍّ، وَتَحُثُّهُمْ عَلَى طَلَبِ قَتَلَةِ عُثْمَانَ، وَكَتَبَتْ إِلَى أَهْلِ الْيَمَامَةِ وَإِلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِمَا كَانَ مِنْهُمْ أَيْضًا، وَسَيَّرَتِ الْكُتُبَ. وَكَانَتْ هَذِهِ الْوَقْعَةُ لِخَمْسِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخَرِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ. وَبَايَعَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ، فَلَمَّا بَايَعُوهُمَا قَالَ الزُّبَيْرُ: أَلَا أَلْفُ فَارِسٍ أَسِيرُ بِهِمْ إِلَى عَلِيٍّ، أَقْتُلُهُ بَيَاتًا أَوْ صَبَاحًا قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْنَا! فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ لَلْفِتْنَةُ الَّتِي كُنَّا نُحَدَّثُ عَنْهَا. فَقَالَ لَهُ مَوْلَاهُ: أَتُسَمِّيهَا فِتْنَةً وَتُقَاتِلُ فِيهَا؟ قَالَ: وَيْلَكَ! إِنَّا نُبَصَّرُ وَلَا نُبْصِرُ، مَا كَانَ أَمْرٌ قَطُّ إِلَّا وَإِنَّا أَعْلَمُ مَوْضِعَ قَدَمِي فِيهِ، غَيْرَ هَذَا الْأَمْرِ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي أَمُقْبِلٌ أَنَا فِيهِ أَمْ مُدْبِرٌ! وَقَالَ عَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ اللِّيثِيُّ: لَمَّا خَرَجَ طَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَعَائِشَةُ، رَأَيْتُ طَلْحَةَ وَأَحَبُّ الْمَجَالِسِ إِلَيْهِ أَخْلَاهَا وَهُوَ ضَارِبٌ بِلِحْيَتِهِ عَلَى صَدْرِهِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ أَرَى أَحَبَّ الْمَجَالِسِ إِلَيْكَ أَخْلَاهَا وَأَنْتَ ضَارِبٌ بِلِحْيَتِكَ عَلَى صَدْرِكَ، إِنْ كَرِهْتَ شَيِئًا فَاجْلِسْ. قَالَ: فَقَالَ لِي: يَا عَلْقَمَةُ بَيْنَا نَحْنُ يَدٌ وَاحِدَةٌ عَلَى مَنْ سِوَانَا إِذْ صِرْنَا جَبَلَيْنِ مِنْ حَدِيدٍ يَطْلُبُ بَعْضُنَا بَعْضًا، إِنَّهُ كَانَ مِنِّي فِي عُثْمَانَ شَيْءٌ لَيْسَ تَوْبَتِي إِلَّا أَنْ يُسْفَكَ دَمِي فِي طَلَبِ دَمِهِ. قَالَ: فَقُلْتُ: فَرُدَّ ابْنَكَ مُحَمَّدًا، فَإِنَّ لَكَ ضَيْعَةً وَعِيَالًا، فَإِنْ يَكُ شَيْءٌ يَخْلُفْكَ. قَالَ: فَامْنَعْهُ. قَالَ: فَأَتَيْتُ مُحَمَّدًا ابْنَهُ فَقُلْتُ لَهُ: لَوْ أَقَمْتَ فَإِنْ حَدَثَ بِهِ حَدَثٌ كُنْتَ تَخْلُفُهُ فِي عِيَالِهِ وَضَيْعَتِهِ. قَالَ: مَا أُحِبُّ أَنْ أَسْأَلَ عَنْهُ الرُّكْبَانَ. (يَعْلَى بْنُ مُنْيَةَ بِضَمِّ الْمِيمِ، وَسُكُونِ النُّونِ، وَالْيَاءِ الْمُعْجَمَةِ بِاثْنَتَيْنِ مِنْ تَحْتِهَا، وَهِيَ

стр. 1271

أُمُّهُ، وَاسْمُ أَبِيهِ أُمَيَّةُ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ بِفَتْحِ هَمْزَةِ أَسِيدٍ. جَارِيَةُ بْنُ قُدَامَةَ بِالْجِيمِ. حُكَيْمُ بْنُ جَبَلَةَ بِضَمِّ الْحَاءِ، وَفَتْحِ الْكَافِ، وَقِيلَ بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَكَسْرِ الْكَافِ. وَصُوحَانُ بِضَمِّ الصَّادِ، وَآخِرُهُ نُونٌ) . ذكر مَسِيرِ عَلِيٍّ إِلَى الْبَصْرَةِ وَالْوَقْعَةِ قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ تَجَهُّزَ عَلِيٍّ إِلَى الشَّامِ، فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ أَتَاهُ الْخَبَرُ عَنْ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ وَعَائِشَةَ مِنْ مَكَّةَ بِمَا عَزَمُوا عَلَيْهِ، فَلَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ دَعَا وُجُوهَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَخَطَبَهُمْ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ آخِرَ هَذَا الْأَمْرِ لَا يَصْلُحُ إِلَّا بِمَا صَلَحَ [بِهِ] أَوَّلُهُ، فَانْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُصْلِحْ لَكُمْ أَمْرَكُمْ. فَتَثَاقَلُوا، فَلَمَّا رَأَى زِيَادُ بْنُ حَنْظَلَةَ تَثَاقُلَ النَّاسِ انْتَدَبَ إِلَى عَلِيٍّ وَقَالَ لَهُ: مَنْ تَثَاقَلَ عَنْكَ فَإِنَّا نَخَفُّ مَعَكَ فَنُقَاتِلُ دُونَكَ. وَقَامَ رَجُلَانِ صَالِحَانِ مِنْ أَعْلَامِ الْأَنْصَارِ، أَحَدُهُمَا أَبُو الْهَيْثَمِ ابْنُ التَّيِّهَانِ، وَهُوَ بَدْرِيٌّ، وَالثَّانِي خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ، وَقِيلَ: [هُوَ ذُو الشَّهَادَتَيْنِ] ، وَقَالَ الْحَكَمُ: لَيْسَ بِذِي الشَّهَادَتَيْنِ، مَاتَ ذُو الشَّهَادَتَيْنِ أَيَّامَ عُثْمَانَ، فَأَجَابَهُ إِلَى نُصْرَتِهِ. قَالَ الشَّعْبِيُّ: مَا نَهَضَ فِي تِلْكَ الْفِتْنَةِ إِلَّا سِتَّةُ نَفَرٍ بَدْرِيُّونَ مَا لَهُمْ سَابِعٌ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ: مَا اجْتَمَعَ أَرْبَعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ لِخَيْرٍ يَعْلَمُونَهُ إِلَّا وَعَلِيٌّ أَحَدُهُمْ. قِيلَ: وَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ لَعَلِّيٍّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَلَّدَنِي هَذَا السَّيْفَ وَقَدْ أَغْمَدْتُهُ زَمَانًا، وَقَدْ حَانَ تَجْرِيدُهُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ [لَا] يَأْلُونَ الْأُمَّةَ غِشًّا، وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ تُقَدِّمَنِي فَقَدِّمْنِي. وَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْلَا أَنْ أَعْصِيَ اللَّهَ وَأَنَّكَ لَا تَقْبَلُهُ مِنِّي لَخَرَجْتُ مَعَكَ، وَهَذَا ابْنُ عَمِّي، وَهُوَ وَاللَّهِ أَعَزُّ عَلَيَّ مِنْ نَفْسِي، يَخْرُجُ مَعَكَ وَيَشْهَدُ مَشَاهِدَكَ. فَخَرَجَ مَعَهُ وَهُوَ لَمْ يَزَلْ مَعَهُ، وَاسْتَعْمَلَهُ عَلِيٌّ عَلَى الْبَحْرِينِ، ثُمَّ عَزَلَهُ، وَاسْتَعْمَلَ النُّعْمَانَ بْنَ عَجْلَانَ الزُّرَقِيَّ. فَلَمَّا أَرَادَ عَلِيٌّ الْمَسِيرَ إِلَى الْبَصْرَةِ وَكَانَ يَرْجُو أَنْ يُدْرِكَ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ فَيَرُدَّهُمَا قَبْلَ وُصُولِهِمَا إِلَى الْبَصْرَةِ، أَوْ يُوقِعَ بِهِمَا، فَلَمَّا سَارَ اسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ تَمَّامَ بْنَ الْعَبَّاسِ، وَعَلَى مَكَّةَ قُثَمُ بْنُ الْعَبَّاسِ،

стр. 1272

وَقِيلَ: أَمَّرَ عَلَى الْمَدِينَةِ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ. وَسَارَ عَلِيٌّ مِنَ الْمَدِينَةِ فِي تَعْبِيَتِهِ الَّتِي تَعَبَّاهَا لِأَهْلِ الشَّامِ آخِرَ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخَرِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، فَقَالَتْ أُخْتُ عَلِيِّ بْنِ عَدِيٍّ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ: لَاهُمَّ فَاعْقِرْ بِعَلِيٍّ جَمَلَهْ ... وَلَا تُبَارِكْ فِي بَعِيرٍ حَمَلَهْ أَلَا عَلِيُّ بْنُ عَدِيٍّ لَيْسَ لَهْ وَخَرَجَ مَعَهُ مَنْ نَشِطَ مِنَ الْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ مُتَخَفِّفِينَ فِي تِسْعِمِائَةٍ، وَهُوَ يَرْجُو أَنْ يُدْرِكَهُمْ فَيَحُولَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْخُرُوجِ أَوْ يَأْخُذَهُمْ، فَلَقِيَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ فَأَخَذَ بِعِنَانِهِ وَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَخْرُجْ مِنْهَا، فَوَاللَّهِ إِنْ خَرَجْتَ مِنْهَا لَا يَعُودُ إِلَيْهَا سُلْطَانُ الْمُسْلِمِينَ أَبَدًا! فَسَبُّوهُ. فَقَالَ: دَعُوا الرَّجُلَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وَسَارَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الرَّبَذَةِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهَا أَتَاهُ خَبَرُ سَبْقِهِمْ، فَأَقَامَ بِهَا يَأْتَمِرُ مَا يَفْعَلُ، وَأَتَاهُ ابْنُهُ الْحَسَنُ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ لَهُ: لَقَدْ أَمَرْتُكَ فَعَصَيْتَنِي فَتُقْتَلُ غَدًا بِمَضْيَعَةٍ لَا نَاصِرَ لَكَ. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: إِنَّكَ لَا تَزَالُ تَخِنُّ خَنِينَ الْجَارِيَةِ، وَمَا الَّذِي أَمَرْتَنِي فَعَصَيْتُكَ؟ قَالَ: أَمَرْتُكَ يَوْمَ أُحِيطَ بِعُثْمَانَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الْمَدِينَةِ فَيُقْتَلُ وَلَسْتَ بِهَا، ثُمَّ أَمَرَتُكَ يَوْمَ قُتِلَ أَنْ لَا تُبَايِعَ حَتَّى تَأْتِيَكَ وُفُودُ الْعَرَبِ وَبَيْعَةُ أَهْلِ كُلِّ مِصْرَ، فَإِنَّهُمْ لَنْ يَقْطَعُوا أَمْرًا دُونَكَ، فَأَبَيْتَ عَلَيَّ، وَأَمَرْتُكَ حِينَ خَرَجَتْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ وَهَذَانِ الرَّجُلَانِ أَنْ تَجْلِسَ فِي بَيْتِكَ حَتَّى يَصْطَلِحُوا فَإِنْ كَانَ الْفَسَادُ كَانَ عَلَى يَدِ غَيْرِكَ، فَعَصَيْتَنِي فِي ذَلِكَ كُلِّهِ. فَقَالَ أَيْ بُنَيَّ! أَمَّا قَوْلُكَ: لَوْ خَرَجْتَ مِنَ الْمَدِينَةِ حِينَ أُحِيطَ بِعُثْمَانَ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ أُحِيطَ بِنَا كَمَا أُحِيطَ بِهِ، وَأَمَّا قَوْلُكَ: لَا تُبَايِعْ حَتَّى يُبَايِعَ أَهْلُ الْأَمْصَارِ، فَإِنَّ الْأَمْرَ أَمْرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، (وَكَرِهْنَا أَنْ يَضِيعَ هَذَا الْأَمْرُ، وَلَقَدْ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَا أَرَى أَحَدًا أَحَقَّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنِّي، فَبَايَعَ النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ فَبَايَعْتُهُ، ثُمَّ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ (انْتَقَلَ إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ) وَمَا أَرَى أَحَدًا أَحَقَّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنِّي، فَبَايَعَ النَّاسُ عُمَرَ فَبَايَعْتُهُ، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ (انْتَقَلَ إِلَى رَحْمَةِ

стр. 1273

اللَّهِ) وَمَا أَرَى أَحَدًا أَحَقَّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنِّي، فَجَعَلَنِي سَهْمًا مِنْ سِتَّةِ أَسْهُمٍ، فَبَايَعَ النَّاسُ عُثْمَانَ فَبَايَعْتُهُ، ثُمَّ سَارَ النَّاسُ إِلَى عُثْمَانَ فَقَتَلُوهُ وَبَايَعُونِي طَائِعِينَ غَيْرَ مُكْرَهِينَ، فَأَنَا مُقَاتِلٌ مَنْ خَالَفَنِي بِمَنْ أَطَاعَنِي حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ، وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) . وَأَمَّا قَوْلُكَ أَنْ أَجْلِسَ فِي بَيْتِي حِينَ خَرَجَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ، فَكَيْفَ لِي بِمَا قَدْ لَزِمَنِي أَوَمَنْ تُرِيدُنِي؟ أَتُرِيدُنِي أَنْ أَكُونَ كَالضَّبُعِ الَّتِي يُحَاطُ بِهَا وَيُقَالُ لَيْسَتْ هَاهُنَا حَتَّى يُحَلَّ عُرْقُوبَاهَا حَتَّى تَخْرُجَ! وَإِذَا لَمْ أَنْظُرُ فِيمَا يَلْزَمُنِي مِنْ هَذَا الْأَمْرِ وَيَعْنِينِي فَمَنْ يَنْظُرُ فِيهِ؟ فَكُفَّ عَنْكَ يَا بُنَيَّ. وَلَمَّا قَدِمَ عَلِيٌّ الرَّبَذَةَ وَسَمِعَ بِهَا خَبَرَ الْقَوْمِ أَرْسَلَ مِنْهَا إِلَى الْكُوفَةِ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَمُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ، وَكَتَبَ إِلَيْهِمْ: إِنِّي اخْتَرْتُكُمْ عَلَى الْأَمْصَارِ وَفَزِعْتُ إِلَيْكُمْ لِمَا حَدَثَ، فَكُونُوا لِدِينِ اللَّهِ أَعْوَانًا وَأَنْصَارًا وَانْهَضُوا إِلَيْنَا، فَالْإِصْلَاحَ نُرِيدُ ; لِتَعُودَ هَذِهِ الْأُمَّةُ إِخْوَانًا. فَمَضَيَا وَبَقِيَ عَلِيٌّ بِالرَّبَذَةِ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَتَاهُ مَا يُرِيدُهُ مِنْ دَابَّةٍ وَسِلَاحٍ، وَأَمَرَ أَمْرَهُ، وَقَامَ فِي النَّاسِ فَخَطَبَهُمْ وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ ﵎ أَعَزَّنَا بِالْإِسْلَامِ وَرَفَعَنَا بِهِ، وَجَعَلَنَا بِهِ إِخْوَانًا بَعْدَ ذِلَّةٍ وَقِلَّةٍ وَتَبَاغُضٍ وَتَبَاعُدٍ، فَجَرَى النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ، الْإِسْلَامُ دِينُهُمْ، وَالْحَقُّ فِيهِمْ، وَالْكِتَابُ إِمَامُهُمْ، حَتَّى أُصِيبَ هَذَا الرَّجُلُ بِأَيْدِي هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ نَزَغَهُمُ الشَّيْطَانُ لِيَنْزَغَ بَيْنَ هَذِهِ الْأُمَّةِ! أَلَا إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ لَا بُدَّ مُفْتَرِقَةٌ كَمَا افْتَرَقَتِ الْأُمَمُ قَبْلَهَا، فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ مَا هُوَ كَائِنٌ، (ثُمَّ عَادَ ثَانِيَةً وَقَالَ: إِنَّهُ لَا بُدَّ مِمَّا هُوَ كَائِنٌ) أَنْ يَكُونَ، أَلَا وَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، شَرُّهَا فِرْقَةٌ تَنْتَحِلُنِي وَلَا تَعْمَلُ بِعَمَلِي، وَقَدْ أَدْرَكْتُمْ وَرَأَيْتُمْ، فَالْزَمُوا دِينَكُمْ، وَاهْدُوا بِهَدْيِي، فَإِنَّهُ هَدْيُ نَبِيِّكُمْ، وَاتَّبِعُوا سُنَّتَهُ، وَأَعْرِضُوا عَمَّا أُشْكِلَ عَلَيْكُمْ حَتَّى تَعْرِضُوهُ عَلَى الْقُرْآنِ، فَمَا عَرَفَهُ الْقُرْآنُ فَالْزَمُوهُ، وَمَا أَنْكَرَهُ فَرُدُّوهُ، وَارْضُوا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَبِالْقُرْآنِ حَكَمًا وَإِمَامًا. فَلَمَّا أَرَادَ الْمَسِيرَ مِنَ الرَّبَذَةِ إِلَى الْبَصْرَةِ قَامَ إِلَيْهِ ابْنٌ لِرِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَيَّ شَيْءٍ تُرِيدُ وَأَيْنَ تَذْهَبُ بِنَا؟ فَقَالَ: أَمَّا الَّذِي نُرِيدُ وَنَنْوِي فَالْإِصْلَاحُ إِنْ قَبِلُوا

стр. 1274

مِنَّا وَأَجَابُونَا إِلَيْهِ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ يُجِيبُونَا إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَدَعُهُمْ بِعُذْرِهِمْ وَنُعْطِيهِمُ الْحَقَّ وَنَصْبِرُ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَرْضَوْا؟ قَالَ: نَدَعُهُمْ مَا تَرَكُونَا. قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَتْرُكُونَا؟ قَالَ: امْتَنَعْنَا مِنْهُمْ. قَالَ: فَنَعَمْ إَذًا. وَقَامَ الْحَجَّاجُ بْنُ غَزِيَّةَ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: لَأُرْضِيَنَّكَ بِالْفِعْلِ كَمَا أَرْضَيْتَنِي بِالْقَوْلِ، وَقَالَ: دَرَاكِهَا دَرَاكِهَا قَبْلَ الْفَوْتْ ... فَانْفِرْ بِنَا وَاسْمُ بِنَا نَحْوَ الصَّوْتْ لَا وَأَلَتْ نَفْسِي إِنْ كَرِهْتُ الْمَوْتْ ... وَاللَّهِ لَنَنْصُرَنَّ اللَّهَ كَمَا سَمَّانَا أَنْصَارًا ! ثُمَّ أَتَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ طَيِّءٍ وَهُوَ بِالرَّبَذَةِ، فَقِيلَ لَعَلِيٍّ: هَذِهِ جَمَاعَةٌ قَدْ أَتَتْكَ، مِنْهُمْ مَنْ يُرِيدُ الْخُرُوجَ مَعَكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُرِيدُ التَّسْلِيمَ عَلَيْكَ. قَالَ: جَزَى اللَّهُ كِلَيْهِمَا خَيْرًا، ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٥] . فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالَ لَهُمْ: مَا شَهِدْتُمُونَا بِهِ؟ قَالُوا: شَهِدْنَاكَ بِكُلِّ مَا تُحِبُّ. فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا، فَقَدْ أَسْلَمْتُمْ طَائِعِينَ، وَقَاتَلْتُمُ الْمُرْتَدِّينَ، وَوَافَيْتُمْ بِصَدَقَاتِكُمُ الْمُسْلِمِينَ. فَنَهَضَ سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّائِيُّ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعَبِّرُ لِسَانُهُ عَمَّا فِي قَلْبِهِ، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَجِدُ لِسَانِي يُعَبِّرُ عَمَّا فِي قَلْبِي، وَسَأَجْهَدُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ، أَمَّا أَنَا فَسَأَنْصَحُ لَكَ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَأُقَاتِلُ عَدُوَّكَ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ، وَأَرَى مِنَ الْحَقِّ لَكَ مَا لَا أَرَاهُ لِأَحَدٍ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ زَمَانِكَ لِفَضْلِكَ وَقَرَابَتِكَ. فَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ! قَدْ أَدَّى لِسَانُكَ عَمَّا يَجِنُّ ضَمِيرُكَ. فَقُتِلَ مَعَهُ بِصِفِّينِ. وَسَارَ عَلِيٌّ مِنَ الرَّبَذَةِ وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ أَبُو لَيْلَى بْنُ عُمَرَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَالرَّايَةُ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَعَلِيٌّ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ يَقُودُ فَرَسًا كُمَيْتًا. فَلَمَّا نَزَلَ بِفَيْدَ أَتَتْهُ أَسَدٌ وَطَيِّءٌ، فَعَرَضُوا عَلَيْهِ أَنْفُسَهُمْ، فَقَالَ: الْزَمُوا قَرَارَكُمْ، فِي الْمُهَاجِرِينَ كِفَايَةٌ. وَأَتَاهُ رَجُلٌ بِفَيْدَ مِنَ الْكُوفَةِ، فَقَالَ لَهُ: مَنِ الرَّجُلُ؟ قَالَ: عَامِرُ بْنُ مَطَرٍ

стр. 1275

الشَّيْبَانِيُّ. قَالَ: أَخْبِرْ عَمَّا وَرَاءَكَ. فَأَخْبَرَهُ، فَسَأَلَهُ عَنْ أَبِي مُوسَى، فَقَالَ: إِنْ أَرَدْتَ الصُّلْحَ فَأَبُو مُوسَى صَاحِبُهُ، وَإِنْ أَرَدْتَ الْقِتَالَ فَلَيْسَ بِصَاحِبِهِ. فَقَالَ عَلِيٌّ: وَاللَّهِ مَا أُرِيدَ إِلَّا الصُّلْحَ حَتَّى يُرَدَّ عَلَيْنَا. وَلَمَّا نَزَلَ عَلِيٌّ الثَّعْلَبِيَّةَ أَتَاهُ الَّذِي لَقِيَ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ وَحَرَسَهُ، فَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ الْخَبَرَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ عَافِنِي مِمَّا ابْتَلَيْتَ بِهِ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ. فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الْإِسَادِ أَتَاهُ مَا لَقِيَ حُكَيْمُ بْنُ جَبَلَةَ وَقَتَلَةُ عُثْمَانَ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ! مَا يُنْجِينِي مِنْ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ إِنْ أَصَابَا ثَأْرَهُمَا! وَقَالَ: دَعَا حُكَيْمٌ دَعْوَةَ الزِّمَاعِ ... حَلَّ بِهَا مَنْزِلَةَ النِّزَاعِ فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى ذِي قَارٍ، أَتَاهُ فِيهَا عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ، وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ شَعْرَةٌ، وَقِيلَ: أَتَاهُ بِالرَّبَذَةِ، وَكَانُوا قَدْ نَتَفُوا شَعْرَ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ - عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ - فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بَعَثْتَنِي ذَا لِحْيَةٍ وَقَدْ جِئْتُكَ أَمَرَدَ. فَقَالَ: أَصَبْتَ أَجْرًا وَخَيْرًا، إِنَّ النَّاسَ وَلِيَهُمْ قَبْلِي رَجُلَانِ، فَعَمِلَا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، ثُمَّ وَلِيَهُمْ ثَالِثٌ فَقَالُوا وَفَعَلُوا، ثُمَّ بَايَعُونِي وَبَايَعَنِي طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ، ثُمَّ نَكَثَا بَيْعَتِي وَأَلَّبَا النَّاسَ عَلَيَّ، وَمِنَ الْعَجَبِ انْقِيَادُهُمَا لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَخِلَافُهُمَا عَلَيَّ، وَاللَّهِ إِنَّهُمَا لَيَعْلَمَانِ أَنِّي لَسْتُ بِدُونِ رَجُلٍ مِمَّنْ تَقَدَّمَ، اللَّهُمَّ فَاحْلُلْ مَا عَقَدَا وَلَا تُبْرِمْ مَا أَحْكَمَا فِي أَنْفُسِهِمَا، وَأَرِهِمَا الْمُسَاءَةَ فِيمَا قَدْ عَمِلَا! وَأَقَامَ بِذِي قَارٍ يَنْتَظِرُ مُحَمَّدًا وَمُحَمَّدًا، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ بِمَا لَقِيَتْ رَبِيعَةُ وَخُرُوجِ عَبْدِ الْقَيْسِ، فَقَالَ: عَبْدُ الْقَيْسِ خَيْرُ رَبِيعَةَ، وَفِي كُلِّ رَبِيعَةَ خَيْرٌ، وَقَالَ: يَا لَهْفَ نَفْسِي عَلَى رَبِيعِهْ ... رَبِيعَةَ السَّامِعَةِ الْمُطِيعَهْ قَدْ سَبَقَتْنِي فِيهِمُ الْوَقِيعَهْ ... دَعَا عَلِيٌّ دَعْوَةً سَمِيعَهْ حَلُّوا بِهَا الْمَنْزِلَةَ الرَّفِيعَهْ

стр. 1276

وَعَرَضَتْ عَلَيْهِ بَكْرُ بْنُ وَائِلٍ، فَقَالَ لَهَا مَا قَالَ لِطَيِّءٍ وَأَسَدٍ. وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ فَأَتَيَا أَبَا مُوسَى بِكِتَابِ عَلِيٍّ، وَقَامَا فِي النَّاسِ بِأَمْرِهِ، فَلَمْ يُجَابَا إِلَى شَيْءٍ. فَلَمَّا أَمْسَوْا دَخْلَ نَاسٌ مَنْ أَهْلِ الْحِجَى عَلَى أَبِي مُوسَى فَقَالُوا: مَا تَرَى فِي الْخُرُوجِ؟ فَقَالَ: كَانَ الرَّأْيُ بِالْأَمْسِ لَيْسَ الْيَوْمَ، إِنَّ الَّذِي تَهَاوَنْتُمْ [بِهِ] فِيمَا مَضَى هُوَ الَّذِي جَرَّ عَلَيْكُمْ مَا تَرَوْنَ، إِنَّمَا هُمَا أَمْرَانِ: الْقُعُودُ سَبِيلُ الْآخِرَةِ، وَالْخُرُوجُ سَبِيلُ الدُّنْيَا، فَاخْتَارُوا. فَلَمْ يَنْفِرْ إِلَيْهِ أَحَدٌ، فَغَضِبَ مُحَمَّدٌ وَمُحَمَّدٌ، وَأَغْلَظَا لِأَبِي مُوسَى. فَقَالَ لَهُمَا: وَاللَّهِ إِنَّ بَيْعَةَ عُثْمَانَ لَفِي عُنُقِي وَعُنُقِ صَاحِبِكُمَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ قِتَالٍ لَا نُقَاتِلُ أَحَدًا حَتَّى نَفْرَغَ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ حَيْثُ كَانُوا. فَانْطَلَقَا إِلَى عَلِيٍّ فَأَخْبَرَاهُ الْخَبَرَ وَهُوَ بِذِي قَارٍ، فَقَالَ لِلْأَشْتَرِ، وَكَانَ مَعَهُ: أَنْتَ صَاحِبُنَا فِي أَبِي مُوسَى وَالْمُعْتَرِضُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، اذْهَبْ أَنْتَ وَابْنُ عَبَّاسٍ فَأَصْلِحْ مَا أَفْسَدْتَ. فَخَرَجَا فَقَدِمَا الْكُوفَةَ، فَكَلَّمَا أَبَا مُوسَى، وَاسْتَعَانَا عَلَيْهِ بِنَفَرٍ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَقَامَ لَهُمْ أَبُو مُوسَى وَخَطَبَهُمْ وَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِينَ صَحِبُوهُ أَعْلَمُ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ مِمَّنْ لَمْ يَصْحَبْهُ، وَإِنَّ لَكُمْ عَلَيْنَا لَحَقًّا، وَأَنَا مُؤَدٍّ إِلَيْكُمْ نَصِيحَةً، كَانَ الرَّأْيُ أَنْ لَا تَسْتَخِفُّوا بِسُلْطَانِ اللَّهِ، وَأَنْ لَا تَجْتَرِئُوا عَلَى اللَّهِ، وَأَنْ تَأْخُذُوا مَنْ قَدِمَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْمَدِينَةِ فَتَرُدُّوهُمْ إِلَيْهَا حَتَّى يَجْتَمِعُوا، فَهُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ تَصْلُحُ لَهُ الْإِمَامَةُ، وَهَذِهِ فِتْنَةٌ صَمَّاءُ، النَّائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْيَقْظَانِ، وَالْيَقِظَانُ خَيْرٌ مِنَ الْقَاعِدِ، وَالْقَاعِدُ خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ خَيْرٌ مِنَ الرَّاكِبِ، وَالرَّاكِبُ خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، فَكُونُوا جُرْثُومَةً مِنْ جَرَاثِيمِ الْعَرَبِ، فَأَغْمِدُوا السُّيُوفَ، وَانْصِلُوا الْأَسِنَّةَ، وَاقْطَعُوا الْأَوْتَارَ، وَآوُوا الْمَظْلُومَ وَالْمُضْطَهَدَ، حَتَّى يَلْتَئِمَ هَذَا الْأَمْرُ، وَتَنْجَلِيَ هَذِهِ الْفِتْنَةُ. فَرَجَعَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْأَشْتَرُ إِلَى عَلِيٍّ فَأَخْبَرَاهُ الْخَبَرَ، فَأَرْسَلَ ابْنَهُ الْحَسَنَ وَعَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ، وَقَالَ لِعَمَّارٍ: انْطَلَقْ فَأَصْلِحْ مَا أَفْسَدْتَ. فَأَقْبَلَا حَتَّى دَخَلَا الْمَسْجِدَ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ أَتَاهُمَا الْمَسْرُوقُ بْنُ الْأَجْدَعِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمَا، وَأَقْبَلَ عَلَى عَمَّارٍ فَقَالَ: يَا أَبَا الْيَقْظَانِ عَلَامَ قَتَلْتُمْ عُثْمَانَ؟ قَالَ: عَلَى شَتْمِ أَعْرَاضِنَا وَضَرْبِ أَبْشَارِنَا. قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا عَاقَبْتُمْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ، وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَكَانَ خَيْرًا لِلصَّابِرِينَ. فَخَرَجَ أَبُو مُوسَى فَلَقِيَ الْحَسَنَ فَضَمَّهُ إِلَيْهِ، وَأَقْبَلَ عَلَى عَمَّارٍ فَقَالَ: يَا أَبَا الْيَقْظَانِ أَعَدَوْتَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِيمَنْ عَدَا،

стр. 1277

فَأَحْلَلْتَ نَفْسَكَ مَعَ الْفُجَّارِ؟ فَقَالَ: لَمْ أَفْعَلْ وَلَمْ يَسُؤْنِي. فَقَطَعَ الْحَسَنُ عَلَيْهِمَا الْكَلَامَ، وَأَقْبَلَ عَلَى أَبِي مُوسَى فَقَالَ لَهُ: لِمَ تُثَبِّطِ النَّاسَ عَنَّا؟ فَوَاللَّهِ مَا أَرَدْنَا إِلَّا الْإِصْلَاحَ، وَلَا مِثْلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ يُخَافُ عَلَى شَيْءٍ. فَقَالَ: صَدَقْتَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، وَلَكِنَّ الْمُسْتَشَارَ مُؤْتَمَنٌ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي خَيْرٌ مِنَ الرَّاكِبِ» ". وَقَدْ جَعَلَنَا اللَّهُ إِخْوَانًا، وَقَدْ حَرَّمَ عَلَيْنَا دِمَاءَنَا وَأَمْوَالَنَا. فَغَضِبَ عَمَّارٌ وَسَبَّهُ وَقَامَ وَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا قَالَ لَهُ وَحْدَهُ: أَنْتَ فِيهَا قَاعِدًا خَيْرٌ مِنْكَ قَائِمًا. فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ فَسَبَّ عَمَّارًا وَقَالَ: أَنْتَ أَمْسِ مَعَ الْغَوْغَاءِ وَالْيَوْمَ تُسَافِهُ أَمِيرَنَا! وَثَارَ زَيْدُ بْنُ صُوحَانَ وَطَبَقَتُهُ، وَثَارَ النَّاسُ، وَجَعَلَ أَبُو مُوسَى يُكَفْكِفُ النَّاسَ، وَوَقَفَ زَيْدٌ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ كِتَابٌ إِلَيْهِ مِنْ عَائِشَةَ تَأْمُرُهُ فِيهِ بِمُلَازَمَةِ بَيْتِهِ أَوْ نُصْرَتِهَا، وَكِتَابٌ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ بِمَعْنَاهُ، فَأَخْرَجَهُمَا فَقَرَأَهُمَا عَلَى النَّاسِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُمَا قَالَ: أُمِرَتْ أَنْ تَقَرَّ فِي بَيْتِهَا، وَأُمِرْنَا أَنْ نُقَاتِلَ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ، فَأَمَرَتْنَا بِمَا أُمِرَتْ بِهِ وَرَكِبَتْ مَا أُمِرْنَا بِهِ. فَقَالَ لَهُ شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ: يَا عُمَانِيُّ لِأَنَّهُ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ وَهُمْ يَسْكُنُونَ عُمَانَ سَرَقْتَ بِجَلُولَاءَ فَقُطِعَتْ يَدُكَ، وَعَصَيْتَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ! وَتَهَاوَى النَّاسُ. وَقَامَ أَبُو مُوسَى وَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ أَطِيعُونِي وَكُونُوا جُرْثُومَةً مِنْ جَرَاثِيمِ الْعَرَبِ يَأْوِي إِلَيْكُمُ الْمَظْلُومُ، وَيَأْمَنُ فِيكُمُ الْخَائِفُ، إِنَّ الْفِتْنَةَ إِذَا أَقْبَلَتْ شَبَّهَتْ فَإِذَا أَدْبَرَتْ بَيَّنَتْ، وَإِنَّ هَذِهِ الْفِتْنَةَ فَاقِرَةٌ كَدَاءِ الْبَطْنِ تَجْرِي بِهَا الشَّمَالُ وَالْجَنُوبُ وَالصَّبَا وَالدَّبُورُ، تَذَرُ الْحَلِيمَ وَهُوَ حَيْرَانُ كَابْنِ أَمْسِ، شِيمُوا سُيُوفَكُمْ، وَقَصِّدُوا رِمَاحَكُمْ، وَقَطِّعُوا أَوْتَارَكُمْ، وَالْزَمُوا بُيُوتَكُمْ، خَلُّوا قُرَيْشًا إِذَا أَبَوْا إِلَّا الْخُرُوجَ مِنْ دَارِ الْهِجْرَةِ وَفِرَاقَ أَهْلِ عِلْمٍ بِالْأُمَرَاءِ، اسْتَنْصِحُونِي وَلَا تَسْتَغِشُّونِي، أَطِيعُونِي يَسْلَمْ لَكُمْ دِينُكُمْ وَدُنْيَاكُمْ، وَيَشْقَى بِحَرِّ هَذِهِ الْفِتْنَةِ مَنْ جَنَاهَا. فَقَامَ زَيْدٌ فَشَالَ يَدَهُ الْمَقْطُوعَةَ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ رُدَّ الْفُرَاتَ عَلَى أَدْرَاجِهِ، ارْدُدْهُ مِنْ حَيْثُ يَجِيءُ حَتَّى يَعُودَ كَمَا بَدَأَ، فَإِنْ قَدَرْتَ عَلَى ذَلِكَ فَسَتَقْدِرُ عَلَى مَا تُرِيدُ،

стр. 1278

فَدَعْ عَنْكَ مَا لَسْتَ مُدْرِكَهُ! سِيرُوا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَسَيِّدِ الْمُسْلِمِينَ، انْفَرُوا إِلَيْهِ أَجْمَعِينَ تُصِيبُوا الْحَقَّ. فَقَامَ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ: إِنِّي لَكُمْ نَاصِحٌ وَعَلَيْكُمْ شَفِيقٌ، أُحِبُّ لَكُمْ أَنْ تَرْشُدُوا، وَلَأَقُولَنَّ لَكُمْ قَوْلًا هُوَ الْحَقُّ، (أَمَّا مَا قَالَ الْأَمِيرُ فَهُوَ الْحَقُّ) لَوْ أَنَّ إِلَيْهِ سَبِيلًا، وَأَمَّا مَا قَالَ زَيْدٌ، فَزِيدٌ عَدُوُّ هَذَا الْأَمْرِ فَلَا تَسْتَنْصِحُوهُ، وَالْقَوْلُ الَّذِي هُوَ الْحَقُّ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إِمَارَةٍ تُنَظِّمُ النَّاسَ وَتَزِعُ الظَّالِمَ وَتُعِزُّ الْمَظْلُومَ، وَهَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وُلِّيَ بِمَا وُلِّيَ وَقَدْ أَنْصَفَ فِي الدُّعَاءِ، وَإِنَّمَا يَدْعُو إِلَى الْإِصْلَاحِ، فَانْفِرُوا وَكُونُوا مِنْ هَذَا الْأَمْرِ بِمَرْأًى وَمَسْمَعٍ. وَقَالَ عَبْدُ الْخَيْرِ الْخَيْوَانِيُّ: يَا أَبَا مُوسَى هَلْ بَايَعَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: هَلْ أَحْدَثَ عَلِيٌّ مَا يَحِلُّ بِهِ نَقْضُ بَيْعَتِهِ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي. قَالَ: لَا دَرَيْتَ، نَحْنُ نَتْرُكُكَ حَتَّى تَدْرِيَ، هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا خَارِجًا مِنْ هَذِهِ الْفِتْنَةِ؟ إِنَّمَا النَّاسُ أَرْبَعُ فِرَقٍ: عَلِيٌّ بِظَهْرِ الْكُوفَةِ، وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ بِالْبَصْرَةِ، وَمُعَاوِيَةُ بِالشَّامِ، وَفِرْقَةٌ بِالْحِجَازِ، لَا غَنَاءَ بِهَا، وَلَا يُقَاتَلُ بِهَا عَدُوٌّ. . فَقَالَ أَبُو مُوسَى: أُولَئِكَ خَيْرُ النَّاسِ، وَهِيَ فِتْنَةٌ. فَقَالَ عَبْدُ الْخَيْرِ: غَلَبَ عَلَيْكَ غِشُّكَ يَا أَبَا مُوسَى! فَقَالَ سَيْحَانُ بْنُ صُوحَانَ: أَيُّهَا النَّاسُ، لَا بُدَّ لِهَذَا الْأَمْرِ وَهَؤُلَاءِ النَّاسِ مِنْ وَالٍ يَدْفَعُ الظَّالِمَ وَيُعِزُّ الْمَظْلُومَ وَيَجْمَعُ النَّاسَ، وَهَذَا وَالِيكُمْ يَدْعُوكُمْ لِتَنْظُرُوا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبَيْهِ، وَهُوَ الْمَأْمُونُ عَلَى الْأُمَّةِ، الْفَقِيهُ فِي الدِّينِ، فَمَنْ نَهَضَ إِلَيْهِ فَإِنَّا سَائِرُونَ مَعَهُ. فَلَمَّا فَرَغَ سَيْحَانُ قَالَ عَمَّارٌ: هَذَا ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَسْتَنْفِرُكُمْ إِلَى زَوْجَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَإِلَى طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ، وَإِنِّي أَشْهَدُ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَانْظُرُوا ثُمَّ انْظُرُوا فِي الْحَقِّ فَقَاتِلُوا مَعَهُ. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَنَا مَعَ مَنْ شَهِدْتَ لَهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى مَنْ لَمْ تَشْهَدْ لَهُ. فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ: اكْفُفْ عَنَّا فَإِنَّ لِلْإِصْلَاحِ أَهْلًا. وَقَامَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ أَجِيبُوا دَعْوَةَ أَمِيرِكُمْ وَسِيرُوا إِلَى إِخْوَانِكُمْ، فَإِنَّهُ سَيُوجَدُ لِهَذَا الْأَمْرِ مَنْ يَنْفِرُ إِلَيْهِ، وَوَاللَّهِ لَأَنْ يَلِيَهِ أُولُو النُّهَى أَمْثَلُ فِي الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ وَخَيْرٌ فِي الْعَاقِبَةِ،

стр. 1279

فَأَجِيبُوا دَعْوَتَنَا وَأَعِينُونَا عَلَى مَا ابْتُلِينَا بِهِ وَابْتُلِيتُمْ، وَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُ: قَدْ خَرَجْتُ مَخْرَجِي هَذَا ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا، وَإِنِّي أُذَكِّرُ اللَّهَ رَجُلًا رَعَى حَقَّ اللَّهِ إِلَّا نَفَرَ، فَإِنْ كُنْتُ مَظْلُومًا أَعَانَنِي، وَإِنْ كُنْتُ ظَالِمًا أَخَذَ مِنِّي، وَاللَّهِ إِنَّ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ لَأَوَّلُ مَنْ بَايَعَنِي وَأَوَّلُ مَنْ غَدَرَ، فَهَلِ اسْتَأْثَرْتُ بِمَالٍ أَوْ بَدَّلَتُ حُكْمًا؟ فَانْفِرُوا، فَمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَانْهُوا عَنِ الْمُنْكَرِ. فَسَامَحَ النَّاسَ، وَأَجَابُوا وَرَضُوا. وَأَتَى قَوْمٌ مِنْ طَيِّءِ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ فَقَالُوا: مَاذَا تَرَى وَمَا تَأْمُرُ؟ فَقَالَ: قَدْ بَايَعْنَا هَذَا الرَّجُلَ، وَقَدْ دَعَانَا إِلَى جَمِيلٍ، وَإِلَى هَذَا الْحَدَثِ الْعَظِيمِ لِنَنْظُرَ فِيهِ، وَنَحْنُ سَائِرُونَ وَنَاظِرُونَ. فَقَامَ هِنْدُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ دَعَانَا وَأَرْسَلَ إِلَيْنَا رُسُلَهُ حَتَّى جَاءَنَا ابْنُهُ، فَاسْمَعُوا إِلَى قَوْلِهِ، وَانْتَهُوا إِلَى أَمْرِهِ، وَانْفِرُوا إِلَى أَمِيرِكُمْ، فَانْظُرُوا مَعَهُ فِي هَذَا الْأَمْرِ، وَأَعِينُوهُ بِرَأْيِكُمْ. وَقَامَ حُجْرُ بْنُ عَدِيٍّ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ أَجِيبُوا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَانْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا،، مُرُّوا وَإِنَّا أَوَّلُكُمْ. فَأَذْعَنَ النَّاسُ لِلْمَسِيرِ، فَقَالَ الْحَسَنُ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي غَادٍ، فَمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَخْرُجَ مَعِي عَلَى الظَّهْرِ، وَمَنْ شَاءَ فِي الْمَاءِ. فَنَفَرَ مَعَهُ قَرِيبٌ [مِنْ] تِسْعَةِ آلَافٍ، أَخَذَ فِي الْبَرِّ سِتَّةَ آلَافٍ وَمِائَتَانِ، وَأَخَذَ فِي الْمَاءِ أَلْفَانِ وَأَرْبَعَمِائَةٍ. وَقِيلَ: إِنَّ عَلِيًّا أَرْسَلَ الْأَشْتَرَ بَعْدَ ابْنِهِ الْحَسَنِ وَعَمَّارٍ إِلَى الْكُوفَةَ، فَدَخَلَهَا وَالنَّاسُ فِي الْمَسْجِدِ، وَأَبُو مُوسَى يَخْطُبُهُمْ وَيُثَبِّطُهُمْ، وَالْحَسَنُ (وَعَمَّارٌ مَعَهُ فِي مُنَازَعَةٍ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ النَّاسِ، كَمَا تَقَدَّمَ، فَجَعَلَ الْأَشْتَرُ لَا يَمُرُّ بِقَبِيلَةٍ فِيهَا جَمَاعَةٌ إِلَّا دَعَاهُمْ، وَيَقُولُ: اتْبَعُونِي إِلَى الْقَصْرِ، فَانْتَهَى إِلَى الْقَصْرِ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ النَّاسِ، فَدَخَلَهُ وَأَبُو مُوسَى فِي الْمَسْجِدِ يَخْطُبُهُمْ وَيُثَبِّطُهُمْ وَالْحَسَنُ) يَقُولُ لَهُ: اعْتَزِلْ عَمَلَنَا، لَا أُمَّ لَكَ! وَتَنَحَّ عَنْ مِنْبَرِنَا! وَعَمَّارٌ يُنَازِعُهُ، فَأَخْرَجَ الْأَشْتَرُ غِلْمَانَ أَبِي مُوسَى مِنَ الْقَصْرِ، فَخَرَجُوا يَعْدُونَ وَيُنَادُونَ: يَا أَبَا مُوسَى هَذَا الْأَشْتَرُ قَدْ دَخَلَ الْقَصْرَ فَضَرَبَنَا وَأَخْرَجَنَا. فَنَزَلَ أَبُو مُوسَى فَدَخَلَ الْقَصْرَ فَصَاحَ بِهِ الْأَشْتَرُ: اخْرُجْ لَا أُمَّ لَكَ أَخْرَجَ اللَّهُ نَفْسَكَ! فَقَالَ: أَجِّلْنِي هَذِهِ الْعَشِيَّةَ. فَقَالَ: هِيَ لَكَ وَلَا تَبِيتُنَّ فِي الْقَصْرِ اللَّيْلَةَ. وَدَخَلَ النَّاسُ يَنْهَبُونَ مَتَاعَ أَبِي مُوسَى، فَمَنَعَهُمُ الْأَشْتَرُ وَقَالَ أَنَا لَهُ جَارٌ. فَكُفُّوا عَنْهُ. فَنَفَرَ النَّاسُ فِي الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ. وَقِيلَ: إِنَّ عَدَدَ مَنْ سَارَ مِنَ الْكُوفَةِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ رَجُلٍ وَرَجُلٌ. قَالَ أَبُو الطُّفَيْلِ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ ذَلِكَ قَبْلَ وُصُولِهِمْ، فَقَعَدْتُ فَأَحْصَيْتُهُمْ فَمَا زَادُوا رَجُلًا وَلَا نَقَصُوا

стр. 1280

رَجُلًا. وَكَانَ عَلَى كِنَانَةَ، وَأَسَدٍ، وَتَمِيمٍ، وَالرِّبَابِ، وَمُزَيْنَةَ، مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ الرِّيَاحِيُّ، وَكَانَ عَلَى سُبْعِ قَيْسٍ سَعْدُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ عَمُّ الْمُخْتَارِ، وَعَلَى بَكْرٍ وَتَغْلِبَ وَعْلَةُ بْنُ مَحْدُوجٍ الذُّهْلِيُّ، وَكَانَ عَلَى مَذْحِجَ وَالْأَشْعَرِيِّينَ حُجْرُ بْنُ عَدِيٍّ، وَعَلَى بُجَيْلَةَ وَأَنْمَارٍ وَخَثْعَمٍ وَالْأَزْدِ مَخْنَفُ بْنُ سُلَيْمٍ الْأَزْدِيُّ، فَقَدِمُوا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِذِي قَارٍ، فَلَقِيَهُمْ فِي نَاسٍ مَعَهُ، فِيهِمُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَرَحَّبَ بِهِمْ وَقَالَ: يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ أَنْتُمْ قَاتَلْتُمْ مُلُوكَ الْعَجَمِ وَفَضَضْتُمْ جُمُوعَهُمْ حَتَّى صَارَتْ إِلَيْكُمْ مَوَارِيثُهُمْ فَمَنَعْتُمْ حَوْزَتَكُمْ، وَأَعَنْتُمُ النَّاسَ عَلَى عَدُوِّهِمْ، وَقَدْ دَعَوْتُكُمْ لِتَشْهَدُوا مَعَنَا إِخْوَانَنَا مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَإِنْ يَرْجِعُوا فَذَاكَ الَّذِي نُرِيدُ، وَإِنْ يَلِجُوا دَاوَيْنَاهُمْ بِالرِّفْقِ حَتَّى يَبْدَأُونَا بِظُلْمٍ، وَلَمْ نَدَعْ أَمْرًا فِيهِ صَلَاحٌ إِلَّا آثَرْنَاهُ عَلَى مَا فِيهِ الْفَسَادُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ -. وَاجْتَمَعُوا عِنْدَهُ بِذِي قَارٍ وَعَبْدُ الْقَيْسِ بِأَسْرِهَا فِي الطَّرِيقِ بَيْنَ عَلِيٍّ [وَأَهْلِ] الْبَصْرَةِ يَنْتَظِرُونَهُ وَهُمْ أُلُوفٌ. وَكَانَ رُؤَسَاءُ الْجَمَاعَةِ مِنَ الْكُوفِيِّينَ: الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو، وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ، وَهِنْدُ بْنُ عَمْرٍو، وَالْهَيْثَمُ بْنُ شِهَابٍ، وَكَانَ رُؤَسَاءُ النُّفَّارِ: زَيْدُ بْنُ صُوحَانَ، وَالْأَشْتَرُ، وَعَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، وَالْمُسَيَّبُ بْنُ نَجَبَةَ، وَيَزِيدُ بْنُ قَيْسٍ، وَأَمْثَالٌ لَهُمْ لَيْسُوا دُونَهُمْ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يُؤَمِّرُوا، مِنْهُمْ حُجْرَ بْنَ عَدِيٍّ. فَلَمَّا نَزَلُوا بِذِي قَارٍ دَعَا عَلِيٌّ الْقَعْقَاعَ فَأَرْسَلَهُ إِلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَقَالَ: الْقَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ، وَكَانَ الْقَعْقَاعُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَادْعُهُمَا إِلَى الْأُلْفَةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَعَظِّمْ عَلَيْهِمَا الْفُرْقَةَ، وَقَالَ لَهُ: كَيْفَ تَصْنَعُ فِيمَا جَاءَكَ مِنْهُمَا وَلَيْسَ عِنْدَكَ فِيهِ وُصَاةٌ [مِنِّي] ؟ قَالَ: نَلْقَاهُمْ بِالَّذِي أَمَرْتَ بِهِ. فَإِذَا جَاءَ مِنْهُمْ مَا لَيْسَ عِنْدَنَا مِنْكَ فِيهِ رَأْيٌ اجْتَهَدْنَا رَأْيَنَا وَكَلَّمْنَاهُمْ كَمَا نَسْمَعُ، وَنَرَى أَنَّهُ يَنْبَغِي. قَالَ: أَنْتَ لَهَا. فَخَرَجَ الْقَعْقَاعُ حَتَّى قَدِمَ الْبَصْرَةَ، فَبَدَأَ بِعَائِشَةَ فَسَلَّمَ عَلَيْهَا وَقَالَ: أَيْ أُمَّهْ، مَا أَشْخَصَكِ وَمَا أَقْدَمَكِ هَذِهِ الْبَلْدَةَ؟ قَالَتْ: أَيْ بُنَيَّ، الْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ. قَالَ: فَابْعَثِي إِلَى طَلْحَةَ

стр. 1281

وَالزُّبَيْرِ حَتَّى تَسْمَعِي كَلَامِي وَكَلَامَهُمَا. فَبَعَثَتْ إِلَيْهِمَا، فَجَاءَا، فَقَالَ لَهُمَا: إِنِّي سَأَلْتُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ مَا أَقْدَمَهَا، فَقَالَتِ الْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ، فَمَا تَقُولَانِ أَنْتُمَا، أَمُتَابِعَانِ أَمْ مُخَالِفَانِ؟ قَالَا: مُتَابِعَانِ. قَالَ: فَأَخْبِرَانِي مَا وَجُهُ هَذَا الْإِصْلَاحِ؟ فَوَاللَّهِ لَئِنْ عَرَفْنَاهُ لَنُصْلِحَنَّ وَلَئِنْ أَنْكَرْنَاهُ لَا نُصْلِحُ. قَالَا: قَتَلَةُ عُثْمَانَ، فَإِنَّ هَذَا إِنْ تُرِكَ كَانَ تَرْكًا لِلْقُرْآنِ. قَالَ: قَدْ قَتَلْتُمَا قَتَلَةَ عُثْمَانَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَأَنْتُمْ قَبْلَ قَتْلِهِمْ أَقْرَبُ إِلَى الِاسْتِقَامَةِ مِنْكُمُ الْيَوْمَ، قَتَلْتُمْ سِتَّمِائَةِ رَجُلٍ، فَغَضِبَ لَهُمْ سِتَّةُ آلَافٍ وَاعْتَزَلُوكُمْ، وَخَرَجُوا مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ، وَطَلَبْتُمْ حُرْقُوصَ بْنَ زُهَيْرٍ، فَمَنَعَهُ سِتَّةُ آلَافٍ، فَإِنْ تَرَكْتُمُوهُمْ كُنْتُمْ تَارِكِينَ لِمَا تَقُولُونَ، وَإِنْ قَاتَلْتُمُوهُمْ وَالَّذِينَ اعْتَزَلُوكُمْ فَأُدِيلُوا عَلَيْكُمْ، فَالَّذِي حَذِرْتُمْ وَقَوَّيْتُمْ بِهِ هَذَا الْأَمْرَ أَعْظَمُ مِمَّا أَرَاكُمْ تَكْرَهُونَ، وَإِنْ أَنْتُمْ مَنَعْتُمْ مُضَرَ وَرَبِيعَةَ مِنْ هَذِهِ الْبِلَادِ اجْتَمَعُوا عَلَى حَرْبِكُمْ وَخِذْلَانِكُمْ نُصْرَةً لِهَؤُلَاءِ، كَمَا اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ لِأَهْلِ هَذَا الْحَدَثِ الْعَظِيمِ وَالذَّنَبِ الْكَبِيرِ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَاذَا تَقُولُ أَنْتَ؟ قَالَ: أَقُولُ: إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ دَوَاؤُهُ التَّسْكِينُ، فَإِذَا سَكَنَ اخْتَلَجُوا، فَإِنْ أَنْتُمْ بَايَعْتُمُونَا فَعَلَامَةُ خَيْرٍ، وَتَبَاشِيرُ رَحْمَةٍ، وَدَرْكٌ بِثَأْرٍ، وَإِنْ أَنْتُمْ أَبَيْتُمْ إِلَّا مُكَابَرَةَ هَذَا الْأَمْرِ وَاعْتِسَافَهُ، كَانَتْ عَلَامَةَ شَرٍّ، وَذَهَابَ هَذَا الْمَالِ، فَآثِرُوا الْعَافِيَةَ تُرْزَقُوهَا، وَكُونُوا مَفَاتِيحَ الْخَيْرِ كَمَا كُنْتُمْ، وَلَا تُعَرِّضُونَا لِلْبَلَاءِ فَتُعَرَّضُوا لَهُ، فَيَصْرَعُنَا وَإِيَّاكُمْ. وَايْمُ اللَّهِ إِنِّي لَأَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ وَأَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ! وَإِنِّي لَخَائِفٌ أَنْ لَا يَتِمَّ حَتَّى يَأْخُذَ اللَّهُ حَاجَتَهُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّتِي قَلَّ مَتَاعُهَا، وَنَزَلَ بِهَا مَا نَزَلَ، فَإِنَّ هَذَا الْأَمْرَ الَّذِي حَدَثَ أَمْرٌ لَيْسَ يُقْدَرُ، وَلَيْسَ كَقَتْلِ الرَّجُلِ الرَّجُلَ، وَلَا النَّفَرِ الرَّجُلَ، وَلَا الْقَبِيلَةِ الرَّجُلَ. قَالُوا: قَدْ أَصَبْتَ وَأَحْسَنْتَ فَارْجِعْ، فَإِنْ قَدِمَ عَلِيٌّ وَهُوَ عَلَى مِثْلِ رَأْيِكَ صَلُحَ هَذَا الْأَمْرُ. فَرَجَعَ إِلَى عَلِيٍّ فَأَخْبَرَهُ، فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ، وَأَشْرَفَ الْقَوْمُ عَلَى الصُّلْحِ، كَرِهَ ذَلِكَ مَنْ كَرِهَهُ، وَرَضِيَهُ مَنْ رَضِيَهُ. وَأَقْبَلَتْ وُفُودُ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ نَحْوَ عَلِيٍّ بِذِي قَارٍ قَبْلَ رُجُوعِ الْقَعْقَاعِ ; لِيَنْظُرُوا مَا رَأَى إِخْوَانُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَعَلَى أَيِّ حَالٍ نَهَضُوا إِلَيْهِمْ، وَلِيُعْلِمُوهُمْ أَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ رَأْيُهُمُ الْإِصْلَاحُ، وَلَا يَخْطُرُ لَهُمْ قِتَالُهُمْ عَلَى بَالٍ. فَلَمَّا لَقُوا عَشَائِرَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ قَالَ لَهُمُ الْكُوفِيُّونَ مِثْلَ مَقَالَتِهِمْ، وَأَدْخَلُوهُمْ عَلَى عَلِيٍّ، فَأَخْبَرُوهُ بِخَبَرِهِمْ، وَسَأَلَ عَلِيٌّ جَرِيرَ بْنَ شَرِسٍ عَنْ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ، فَأَخْبَرَهُ بِدَقِيقِ

стр. 1282

أَمْرِهِمَا وَجَلِيلِهِ وَقَالَ لَهُ: أَمَّا الزُّبَيْرُ فَيَقُولُ: بَايَعْنَا كَرْهًا، وَأَمَّا طَلْحَةُ فَيَتَمَثَّلُ الْأَشْعَارَ، وَيَقُولُ: أَلَا أَبْلِغْ بَنِي بَكْرٍ رَسُولًا ... فَلَيْسَ إِلَى بَنِي كَعْبٍ سَبِيلُ سَيَرْجِعُ ظُلْمُكُمْ مِنْكُمْ عَلَيْكُمْ ... طَوِيلَ السَّاعِدَيْنِ لَهُ فُضُولُ فَتَمَثَّلَ عَلِيٌّ عِنْدَهَا: أَلَمْ تَعْلَمْ أَبَا سِمْعَانَ أَنَّا ... نَرُدُّ الشَّيْخَ مِثْلَكَ ذَا الصُّدَاعِ وَيَذْهَلُ عَقْلُهُ بِالْحَرْبِ حَتَّى ... يَقُومَ فَيَسْتَجِيبُ لِغَيْرِ دَاعٍ فَدَافَعَ عَنْ خُزَاعَةَ جَمْعُ بَكْرٍ ... وَمَا بِكَ يَا سُرَاقَةَ مِنْ دِفَاعِ وَرَجَعَتْ وُفُودُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ بِرَأْيِ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَرَجَعَ الْقَعْقَاعُ مِنَ الْبَصْرَةِ، فَقَامَ عَلِيٌّ خَطِيبًا فَحَمِدَ اللَّهَ، وَذَكَرَ الْجَاهِلِيَّةَ وَشَقَاءَهَا، وَالْإِسْلَامَ وَالسَّعَادَةَ، وَإِنْعَامَ اللَّهِ عَلَى الْأُمَّةِ بِالْجَمَاعَةِ بِالْخَلِيفَةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، ثُمَّ حَدَثَ هَذَا الْحَدَثُ الَّذِي جَرَّهُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ أَقْوَامٌ طَلَبُوا هَذِهِ الدُّنْيَا، وَحَسَدُوا مَنْ أَفَاءَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى الْفَضِيلَةِ، وَأَرَادُوا رَدَّ الْإِسْلَامِ وَالْأَشْيَاءَ عَلَى أَدْبَارِهَا، وَاللَّهُ بَالِغُ أَمْرِهِ. أَلَا وَإِنِّي رَاحِلٌ غَدًا فَارْتَحَلُوا، وَلَا يَرْتَحِلَنَّ أَحَدٌ أَعَانَ عَلَى عُثْمَانَ بِشَيْءٍ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ، وَلْيُغْنِ السُّفَهَاءُ عَنِّي أَنْفُسَهُمْ. فَاجْتَمَعَ نَفَرٌ، مِنْهُمْ: عِلْبَاءُ بْنُ الْهَيْثَمِ، وَعَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، وَسَالِمُ بْنُ ثَعْلَبَةَ الْقَيْسِيُّ، وَشُرَيْحُ بْنُ أَوْفَى، وَالْأَشْتَرُ، فِي عِدَّةٍ مِمَّنْ سَارَ إِلَى عُثْمَانَ وَرَضِيَ بِسَيْرِ مَنْ سَارَ، وَجَاءَ مَعَهُمُ الْمُضَرِيُّونَ، وَابْنُ السَّوْدَاءِ، وَخَالِدُ بْنُ مُلْجِمٍ، فَتَشَاوَرُوا فَقَالُوا: مَا الرَّأْيُ؟ وَهَذَا عَلِيٌّ، وَهُوَ وَاللَّهِ أَبْصَرُ بِكِتَابِ اللَّهِ مِمَّنْ يَطْلُبُ قَتَلَةَ عُثْمَانَ، وَأَقْرَبُ إِلَى الْعَمَلِ بِذَلِكَ، وَهُوَ يَقُولُ مَا يَقُولُ، وَلَمْ يَنْفِرْ إِلَيْهِ سِوَاهُمْ وَالْقَلِيلُ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَكَيْفَ بِهِ إِذَا شَامَ الْقَوْمَ وَشَامُوهُ، وَرَأَوْا قِلَّتَنَا فِي كَثْرَتِهِمْ، وَأَنْتُمْ وَاللَّهِ تُرَادُونَ وَمَا أَنْتُمْ بِالْحَيِّ مِنْ شَيْءٍ! فَقَالَ الْأَشْتَرُ: قَدْ عَرَفْنَا رَأْيَ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ فِينَا، وَأَمَّا عَلِيٌّ فَلَمْ نَعْرِفْ رَأْيَهُ إِلَى الْيَوْمِ، وَرَأْيُ النَّاسِ فِينَا وَاحِدٌ، فَإِنْ يَصْطَلِحُوا مَعَ عَلِيٍّ فَعَلَى دِمَائِنَا، فَهَلُمُّوا بِنَا نَثِبُ عَلَى عَلِيٍّ فَنُلْحِقَهُ بِعُثْمَانَ فَتَعُودَ فِتْنَةٌ يُرْضَى مِنَّا فِيهَا بِالسُّكُونِ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّوْدَاءِ: بِئْسَ الرَّأْيُ رَأَيْتَ، أَنْتُمْ يَا قَتَلَةَ عُثْمَانَ بِذِي قَارٍ أَلْفَانِ وَخَمْسُمِائَةٍ، أَوْ نَحْوَ مَنْ سِتِّمِائَةٍ، وَهَذَا ابْنُ الْحَنْظَلِيَّةِ - يَعْنِي طَلْحَةَ - وَأَصْحَابُهُ فِي نَحْوٍ مِنْ خَمْسَةِ آلَافٍ بِالْأَشْوَاقِ إِلَى أَنْ يَجِدُوا إِلَى

стр. 1283

قِتَالِكُمْ سَبِيلًا. فَقَالَ عِلْبَاءُ بْنُ الْهَيْثَمِ: انْصَرِفُوا بِنَا عَنْهُمْ وَدَعُوهُمْ، فَإِنْ قَلُّوا كَانَ أَقْوَى لِعَدُوِّهِمْ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ كَثُرُوا أَحْرَى أَنْ يَصْطَلِحُوا عَلَيْكُمْ، دَعُوهُمْ وَارْجِعُوا فَتَعَلَّقُوا بِبَلَدٍ مِنَ الْبُلْدَانِ حَتَّى يَأْتِيَكُمْ فِيهِ مَنْ تَقْوُونَ بِهِ وَامْتَنِعُوا مِنَ النَّاسِ. فَقَالَ ابْنُ السَّوْدَاءِ: بِئْسَ مَا رَأَيْتَ، وَدَّ وَاللَّهِ النَّاسُ أَنَّكُمُ انْفَرَدْتُمْ وَلَمْ تَكُونُوا مَعَ أَقْوَامٍ بُرَآءَ، وَلَوِ انْفَرَدْتُمْ لَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ كُلَّ شَيْءٍ. فَقَالَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ: وَاللَّهِ مَا رَضِيتُ وَلَا كَرِهْتُ، وَلَقَدْ عَجِبْتُ مِنْ تَرَدُّدِ مَنْ تَرَدَّدَ عَنْ قَتْلِهِ فِي خَوْضِ الْحَدِيثِ، فَأَمَّا إِذَا وَقَعَ مَا وَقَعَ وَنَزَلَ مِنَ النَّاسِ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ، فَإِنَّ لَنَا عَتَادًا مِنْ خُيُولٍ وَسِلَاحٍ، فَإِنْ أَقْدَمْتُمْ أَقْدَمْنَا وَإِنْ أَمْسَكْتُمْ أَمْسَكْنَا. فَقَالَ ابْنُ السَّوْدَاءِ: أَحْسَنْتَ. وَقَالَ سَالِمُ بْنُ ثَعْلَبَةَ: مَنْ كَانَ أَرَادَ بِمَا أَتَى الدُّنْيَا، فَإِنِّي لَمْ أُرِدْ ذَلِكَ، وَاللَّهِ لَئِنْ لَقِيتُهُمْ غَدًا لَا أَرْجِعُ إِلَى شَيْءٍ، أَحْلِفُ بِاللَّهِ إِنَّكُمْ لَتَفْرَقُنَّ السَّيْفَ فَرْقَ قَوْمٍ لَا تَصِيرُ أُمُورُهُمْ إِلَّا إِلَى السَّيْفِ. فَقَالَ ابْنُ السَّوْدَاءِ: قَدْ قَالَ قَوْلًا. وَقَالَ شُرَيْحُ بْنُ أَوْفَى: أَبْرِمُوا أُمُورَكُمْ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجُوا، وَلَا تُؤَخِّرُوا أَمْرًا يَنْبَغِي لَكُمْ تَعْجِيلُهُ، وَلَا تُعَجِّلُوا أَمْرًا يَنْبَغِي لَكُمْ تَأْخِيرُهُ، فَإِنَّا عِنْدَ النَّاسِ بِشَرِّ الْمَنَازِلِ، وَمَا أَدْرِي مَا النَّاسُ صَانِعُونَ إِذَا مَا هُمُ الْتَقَوْا. وَقَالَ ابْنُ السَّوْدَاءِ: يَا قَوْمُ إِنَّ عَزَّكُمْ فِي خُلْطَةِ النَّاسِ، فَإِذَا الْتَقَى النَّاسُ غَدًا فَأَنْشِبُوا الْقِتَالَ، وَلَا تُفَرِّغُوهُمْ لِلنَّظَرِ، فَمَنْ أَنْتُمْ مَعَهُ لَا يَجِدُ بُدًّا مِنْ أَنْ يَمْتَنِعَ، وَيَشْغَلَ اللَّهُ عَلِيًّا، وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرَ، وَمَنْ رَأَى رَأْيَهُمْ عَمَّا تَكْرَهُونَ. فَأَبْصَرُوا الرَّأْيَ وَتَفَرَّقُوا عَلَيْهِ وَالنَّاسُ لَا يَشْعُرُونَ. وَأَصْبَحَ عَلِيٌّ عَلَى ظَهْرٍ وَمَضَى، وَمَضَى مَعَهُ النَّاسُ حَتَّى نَزَلَ عَلَى عَبْدِ الْقَيْسِ فَانْضَمُّوا إِلَيْهِ، وَسَارَ مِنْ هُنَاكَ فَنَزَلَ الزَّاوِيَةَ، وَسَارَ مِنَ الزَّاوِيَةِ يُرِيدُ الْبَصْرَةَ، وَسَارَ طَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَعَائِشَةُ، مِنَ الْفُرْضَةِ، فَالْتَقَوْا عِنْدَ مَوْضِعِ قَصْرِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ. فَلَمَّا نَزَلَ النَّاسُ أَرْسَلَ شَقِيقُ بْنُ ثَوْرٍ إِلَى عَمْرِو بْنِ مَرْحُومٍ الْعَبْدِيِّ أَنِ اخْرُجْ، فَإِذَا خَرَجْتَ فَمِلْ بِنَا إِلَى عَسْكَرِ عَلِيٍّ. فَخَرَجَا فِي عَبْدِ الْقَيْسِ وَبَكْرِ بْنِ وَائِلٍ فَعَدَلُوا إِلَى عَسْكَرِ عَلِيٍّ، فَقَالَ النَّاسُ: مَنْ كَانَ هَؤُلَاءِ مَعَهُ غَلَبَ. وَأَقَامُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ، فَكَانَ عَلِيٌّ يُرْسِلُ إِلَيْهِمْ يُكَلِّمُهُمْ وَيَدْعُوهُمْ، وَكَانَ نُزُولُهُمْ فِي النِّصْفِ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، وَنَزَلَ

стр. 1284

بِهِمْ عَلِيٌّ وَقَدْ سَبَقَ أَصْحَابَهُ وَهُمْ يَتَلَاحَقُونَ بِهِ. فَلَمَّا نَزَلَ قَالَ أَبُو الْجَرْبَاءِ لِلزُّبَيْرِ: إِنَّ الرَّأْيَ أَنْ تَبْعَثَ أَلْفَ فَارِسٍ إِلَى عَلِيٍّ قَبْلَ أَنْ يُوَافِيَ إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ. فَقَالَ: إِنَّا لَنَعْرِفُ أُمُورَ الْحَرْبِ، وَلَكِنَّهُمْ أَهْلُ دَعْوَتِنَا وَهَذَا أَمْرٌ حَدَثٌ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ الْيَوْمِ، مَنْ لَمْ يَلْقَ اللَّهَ فِيهِ بِعُذْرٍ انْقَطَعَ عُذْرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَقَدْ فَارَقْنَا وَفْدَهُمْ عَلَى أَمْرٍ، وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يَتِمَّ لَنَا الصُّلْحُ، فَأَبْشِرُوا وَاصْبِرُوا. وَأَقْبَلَ صَبْرَةُ بْنُ شَيْمَانَ فَقَالَ لِطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ: انْتَهِزَا بِنَا هَذَا الرَّجُلَ، فَإِنَّ الرَّأْيَ فِي الْحَرْبِ خَيْرٌ مِنَ الشِّدَّةِ. فَقَالَا: إِنَّ هَذَا أَمْرٌ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ الْيَوْمِ فَيَنْزِلَ فِيهِ قُرْآنٌ، أَوْ يَكُونَ فِيهِ سُنَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَحْرِيكُهُ، وَهُمْ عَلِيٌّ وَمَنْ مَعَهُ، وَقُلْنَا نَحْنُ: إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتْرُكَهُ وَلَا نُؤَخِّرَهُ، وَقَدْ قَالَ عَلِيٌّ: تَرْكُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ شَرٌّ وَهُوَ خَيْرٌ مِنْ شَرٍّ مِنْهُ، وَقَدْ كَانَ يَتَبَيَّنُ لَنَا، وَقَدْ جَاءَتِ الْأَحْكَامُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بِأَعَمِّهَا مَنْفَعَةً. وَقَالَ كَعْبُ بْنُ سُورٍ: يَا قَوْمُ اقْطَعُوا هَذَا الْعُنُقَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، فَأَجَابُوهُ بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ. وَقَامَ عَلِيٌّ فَخَطَبَ النَّاسَ، فَقَامَ إِلَيْهِ الْأَعْوَرُ بْنُ بُنَانٍ الْمِنْقَرِيُّ، فَسَأَلَهُ عَنْ إِقْدَامِهِمْ عَلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: عَلَى الْإِصْلَاحِ وَإِطْفَاءِ النَّائِرَةِ لَعَلَّ اللَّهَ يَجْمَعُ شَمْلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِنَا وَيَضَعُ حَرْبَهُمْ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ يُجِيبُونَا؟ قَالَ: تَرَكْنَاهُمْ مَا تَرَكُونَا. قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَتْرُكُونَا؟ قَالَ: دَفَعْنَاهُمْ عَنْ أَنْفُسِنَا. قَالَ: فَهَلْ لَهُمْ مِنْ هَذَا مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِمْ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو سَلَامَةَ الدَّالَانِيُّ فَقَالَ: أَتَرَى لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ حُجَّةً فِيمَا طَلَبُوا مِنْ هَذَا الدَّمِ إِنْ كَانُوا أَرَادُوا اللَّهَ بِذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَفْتَرَى لَكَ حُجَّةً بِتَأْخِيرِ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنَّ الشَّيْءَ إِذَا كَانَ لَا يُدْرَكُ فَإِنَّ الْحُكْمَ فِيهِ أَحْوَطُهُ وَأَعَمُّهُ نَفْعًا. قَالَ: فَمَا حَالُنَا وَحَالُهُمْ إِنِ ابْتُلِينَا غَدًا؟ قَالَ: إِنِّي لَأَرْجُوَ أَنْ لَا يُقْتَلَ مِنَّا وَمِنْهُمْ أَحَدٌ نَقَّى قَلْبَهُ لِلَّهِ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ. وَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: أَيُّهَا النَّاسُ امْلِكُوا عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ أَيْدِيَكُمْ وَأَلْسِنَتَكُمْ، وَإِيَّاكُمْ أَنْ تَسْبِقُونَا، فَإِنَّ الْمَخْصُومَ غَدًا مَنْ خُصِمَ الْيَوْمَ. وَبَعَثَ إِلَيْهِمْ حَكِيمَ بْنَ سَلَامَةَ، وَمَالِكَ بْنَ حَبِيبٍ: إِنْ كُنْتُمْ عَلَى مَا فَارَقْتُمْ عَلَيْهِ الْقَعْقَاعَ، فَكُفُّوا حَتَّى نَنْزِلَ وَنَنْظُرَ فِي هَذَا الْأَمْرِ. وَخَرَجَ إِلَيْهِ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ وَبَنُو سَعْدٍ مُشَمِّرِينَ قَدْ مَنَعُوا حُرْقُوصَ بْنَ زُهَيْرٍ وَهُمْ مُعْتَزِلُونَ، وَكَانَ الْأَحْنَفُ قَدْ بَايَعَ عَلِيًّا بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ حَجَّ وَعَادَ مِنَ الْحَجِّ

стр. 1285

فَبَايَعَهُ. قَالَ الْأَحْنَفُ: وَلَمْ أُبَايِعْ عَلِيًّا حَتَّى لَقِيتُ طَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرَ، وَعَائِشَةَ، بِالْمَدِينَةِ وَأَنَا أُرِيدُ الْحَجَّ وَعُثْمَانُ مَحْصُورٌ، فَقُلْتُ لِكُلٍّ مِنْهُمْ: إِنَّ الرَّجُلَ مَقْتُولٌ، فَمَنْ تَأْمُرُونَنِي أُبَايِعُ؟ فَكُلُّهُمْ قَالَ: بَايِعْ عَلِيًّا. فَقُلْتُ: أَتَرْضَوْنَهُ لِي؟ فَقَالُوا: نَعَمْ. فَلَمَّا قَضَيْتُ حَجِّي وَرَجَعْتُ إِلَى الْمَدِينَةِ رَأَيْتُ عُثْمَانَ قَدْ قُتِلَ، فَبَايَعْتُ عَلِيًّا وَرَجَعْتُ إِلَى أَهْلِي، وَرَأَيْتُ الْأَمْرَ قَدِ اسْتَقَامَ. فَبَيْنَمَا أَنَا كَذَلِكَ إِذْ أَتَانِي آتٍ فَقَالَ: هَذِهِ عَائِشَةُ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ بِالْخُرَيْبَةِ يَدْعُونَكَ. فَقُلْتُ: مَا جَاءَ بِهِمْ؟ قَالَ: يَسْتَنْصِرُونَكَ عَلَى قِتَالِ عَلِيٍّ فِي دَمِ عُثْمَانَ، فَأَتَانِي أَفْظَعُ أَمْرٍ، فَقُلْتُ: إِنَّ خِذْلَانِي أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ وَحَوَارِيَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَشَدِيدٌ، وَإِنَّ قِتَالَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ أَمَرُونِي بِبَيْعَتِهِ أَشَدُّ، فَلَمَّا أَتَيْتُهُمْ قَالُوا: جِئْنَا لِكَذَا وَكَذَا. قَالَ: فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ وَيَا زُبَيْرُ وَيَا طَلْحَةُ، نَشَدْتُكُمُ اللَّهَ أَقُلْتُ لَكُمْ: مَنْ تَأْمُرُونَنِي أُبَايِعُ؟ فَقُلْتُمْ: بَايِعْ عَلِيًّا. فَقَالُوا: نَعَمْ وَلَكِنَّهُ بَدَّلَ وَغَيَّرَ. فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أُقَاتِلُكُمْ وَمَعَكُمْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا أُقَاتِلُ ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ أَمَرْتُمُونِي بِبَيْعَتِهِ، وَلَكِنِّي أَعْتَزِلُ. فَأَذَنُوا لَهُ فِي ذَلِكَ، فَاعْتَزَلَ بِالْجَلْحَاءِ وَمَعَهُ زُهَاءُ سِتَّةِ آلَافٍ، وَهِيَ مِنَ الْبَصْرَةِ عَلَى فَرْسَخَيْنِ. فَلَمَّا قَدِمَ عَلِيٌّ أَتَاهُ الْأَحْنَفُ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ قَوْمَنَا بِالْبَصْرَةِ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ إِنْ ظَهَرْتَ عَلَيْهِمْ غَدًا قَتَلْتَ رِجَالَهُمْ وَسَبَيْتَ نِسَاءَهُمْ. قَالَ: مَا مِثْلِي يُخَافُ هَذَا مِنْهُ، وَهَلْ يَحِلُّ هَذَا إِلَّا لِمَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ وَهُمْ قَوْمٌ مُسْلِمُونَ؟ قَالَ: اخْتَرْ مِنِّي وَاحِدَةً مِنَ اثْنَتَيْنِ، إِمَّا أَنْ أُقَاتِلَ مَعَكَ، وَإِمَّا أَنَّ أَكُفَّ عَنْكَ عَشَرَةَ آلَافِ سَيْفٍ. قَالَ: فَكَيْفَ بِمَا أَعْطَيْتَ أَصْحَابَكَ مِنْ الِاعْتِزَالِ؟ قَالَ: إِنَّ مِنَ الْوَفَاءِ لِلَّهِ قِتَالَهُمْ. قَالَ: فَاكْفُفْ عَنَّا عَشَرَةَ آلَافِ سَيْفٍ. فَرَجَعَ إِلَى النَّاسِ فَدَعَاهُمْ إِلَى الْقُعُودِ وَنَادَى: يَا آلَ خِنْدِفٍ! فَأَجَابَهُ نَاسٌ، وَنَادَى: يَا آلَ تَمِيمٍ! فَأَجَابَهُ نَاسٌ، ثُمَّ نَادَى: يَا آلَ سَعْدٍ! فَلَمْ يَبْقَ سَعْدِيٌّ إِلَّا أَجَابَهُ، فَاعْتَزَلَ بِهِمْ وَنَظَرَ مَا يَصْنَعُ النَّاسُ، فَلَمَّا كَانَ الْقِتَالُ وَظَفِرَ عَلِيٌّ دَخَلُوا فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ وَافْرِينَ. فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ خَرَجَ الزُّبَيْرُ عَلَى فَرَسٍ عَلَيْهِ سِلَاحٌ، فَقِيلَ لِعَلِيٍّ: هَذَا الزُّبَيْرُ. فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُ أَحْرَى الرَّجُلَيْنِ إِنْ ذُكِّرَ بِاللَّهِ - تَعَالَى - أَنْ يَذْكُرَ. وَخَرَجَ طَلْحَةُ فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا عَلِيٌّ حَتَّى اخْتَلَفَتْ أَعْنَاقُ دَوَابِّهِمْ، فَقَالَ عَلِيٌّ: لَعَمْرِي قَدْ أَعْدَدْتُمَا سِلَاحًا وَخَيْلًا وَرِجَالًا إِنْ كُنْتُمَا أَعْدَدْتُمَا عِنْدَ اللَّهِ عُذْرًا، فَاتَّقِيَا اللَّهَ وَلَا تَكُونَا

стр. 1286

﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ [النحل: ٩٢] ، أَلَمْ أَكُنْ أَخَاكُمَا فِي دِينِكُمَا تُحَرِّمَانِ دَمِي وَأُحَرِّمُ دَمَكُمَا، فَهَلْ مِنْ حَدَثٍ أَحَلَّ لَكُمَا دَمِي؟ قَالَ طَلْحَةُ: أَلَّبْتَ عَلَى عُثْمَانَ. قَالَ عَلِيٌّ: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ [النور: ٢٥] . يَا طَلْحَةُ، تَطْلُبُ بِدَمِ عُثْمَانَ، فَلَعَنَ اللَّهُ قَتَلَةَ عُثْمَانَ! يَا طَلْحَةُ، أَجِئْتَ بِعِرْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، تُقَاتِلُ بِهَا وَخَبَّأْتَ عِرْسَكُ فِي الْبَيْتِ! أَمَا بَايَعْتَنِي؟ قَالَ: بَايَعْتُكَ وَالسَّيْفُ عَلَى عُنُقِي. فَقَالَ عَلِيٌّ لِلزُّبَيْرِ: يَا زُبَيْرُ مَا أَخْرَجَكَ؟ قَالَ: أَنْتَ، وَلَا أَرَاكَ لِهَذَا الْأَمْرِ أَهْلًا وَلَا أَوْلَى بِهِ مِنَّا. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: أَلَسْتُ لَهُ أَهْلًا بَعْدَ عُثْمَانَ؟ قَدْ كُنَّا نَعُدُّكَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حَتَّى بَلَغَ ابْنُكَ ابْنُ السُّوءِ فَفَرَّقَ بَيْنَنَا. وَذَكَّرَهُ أَشْيَاءَ، وَقَالَ لَهُ: «تَذَكَّرْ يَوْمَ مَرَرْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَنِي غَنْمٍ، فَنَظَرَ إِلَيَّ فَضَحِكَ وَضَحِكْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتَ لَهُ لَا يَدَعُ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ زَهْوَهُ، فَقَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَيْسَ (بِهِ زَهْوٌ) ، لَتُقَاتِلَنَّهُ وَأَنْتَ ظَالِمٌ لَهُ» ". قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، وَلَوْ ذَكَرْتُ مَا سِرْتُ مَسِيرِي هَذَا، وَاللَّهِ لَا أُقَاتِلُكَ أَبَدًا. فَانْصَرَفَ عَلِيٌّ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَمَّا الزُّبَيْرُ قَدْ أَعْطَى اللَّهَ عَهْدًا أَنْ لَا يُقَاتِلَكُمْ. وَرَجَعَ الزُّبَيْرُ إِلَى عَائِشَةَ فَقَالَ لَهَا: مَا كُنْتُ فِي مَوْطِنٍ مُنْذُ عَقِلْتُ إِلَّا وَأَنَا أَعْرِفُ فِيهِ أَمْرِي، غَيْرَ مَوْطِنِي هَذَا. قَالَتْ: فَمَا تُرِيدُ أَنْ تَصْنَعَ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَنْ أَدَعَهُمْ وَأَذْهَبَ. قَالَ لَهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ: جَمَعْتَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْغَارَّيْنِ حَتَّى إِذَا حَدَّدَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَرَدْتَ أَنْ تَتْرُكَهُمْ وَتَذْهَبَ، لَكِنَّكَ خَشِيتَ رَايَاتِ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعَلِمْتَ أَنَّهَا تَحْمِلُهَا فِتْيَةٌ أَنْجَادٌ، وَأَنَّ تَحْتَهَا الْمَوْتَ الْأَحْمَرَ فَجَبُنْتَ. فَأَحْفَظَهُ ذَلِكَ، وَقَالَ: إِنِّي حَلَفْتُ أَنْ لَا أُقَاتِلَهُ. قَالَ: كَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَقَاتِلْهُ. فَأَعْتَقَ غُلَامَهُ مَكْحُولًا، وَقِيلَ سِرْجِسَ. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ التَّمِيمِيُّ: لَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ أَخَا إِخْوَانِ ... أَعْجَبَ مِنْ مُكَفِّرِ الْأَيْمَانِ الْأَبْيَاتِ. وَقِيلَ: إِنَّمَا عَادَ الزُّبَيْرُ عَنِ الْقِتَالِ لَمَّا سَمِعَ أَنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ مَعَ عَلِيٍّ، فَخَافَ أَنْ يَقْتُلَ عَمَّارًا، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «يَا عَمَّارُ تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» "، فَرَدَّهُ ابْنُهُ

стр. 1287

عَبْدُ اللَّهِ - كَمَا ذَكَرْنَاهُ -. وَافْتَرَقَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ ثَلَاثَ فِرَقٍ: فِرْقَةٌ مَعَ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ، وَفِرْقَةٌ مَعَ عَلِيٍّ، وَفِرْقَةٌ لَا تَرَى الْقِتَالَ، مِنْهُمُ: الْأَحْنَفُ، وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، وَغَيْرُهُمَا. وَجَاءَتْ عَائِشَةُ فَنَزَلَتْ فِي مَسْجِدٍ الْحَدَّانِ فِي الْأَزْدِ، وَرَأَسُ الْأَزْدِ يَوْمَئِذٍ صَبْرَةُ بْنُ شَيْمَانَ، فَقَالَ لَهُ كَعْبُ بْنُ سُورٍ: إِنَّ الْجُمُوعَ إِذَا تَرَاءَتْ لَمْ تَسْتَطِعْ، إِنَّمَا هِيَ بُحُورٌ تَدَفَّقُ، فَأَطِعْنِي وَلَا تَشْهَدْهُمْ، وَاعْتَزِلْ بِقَوْمِكَ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ لَا يَكُونَ صُلْحٌ، وَدَعْ مُضَرَ وَرَبِيعَةَ فَهُمَا أَخَوَانِ، فَإِنِ اصْطَلَحَا فَالصُّلْحَ أَرَدْنَا، وَإِنِ اقْتَتَلَا كُنَّا حُكَّامًا عَلَيْهِمْ غَدًا. وَكَانَ كَعْبٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ نَصْرَانِيًّا، فَقَالَ لَهُ صَبْرَةُ: أَخْشَى أَنْ يَكُونَ فِيكَ شَيْءٌ مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ! أَتَأْمُرُنِي أَنْ أَغِيبَ عَنْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَأَنْ أَخْذُلَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرَ، إِنْ رَدُّوا عَلَيْهِمُ الصُّلْحَ، وَأَدَعَ الطَّلَبَ بِدَمِ عُثْمَانَ؟ وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ هَذَا أَبَدًا فَأَطْبَقَ أَهْلُ الْيَمَنِ عَلَى الْحُضُورِ، وَحَضَرَ مَعَ عَائِشَةَ الْمِنْجَابُ بْنُ رَاشِدٍ فِي الرَّبَابِ، وَهُمْ: تَيْمٌ، وَعَدِيٌّ، وَثَوْرٌ، وَعُكْلٌ بَنُو عَبْدِ مَنَافِ بْنِ أُدِّ بْنِ طَابِخَةَ بْنِ إِلْيَاسِ بْنِ مُضَرَ، وَضَبَّةُ بْنُ أُدِّ بْنِ طَابِخَةَ، وَحَضَرَ أَيْضًا أَبُو الْجَرْبَاءِ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ، وَهِلَالُ بْنِ وَكِيعٍ فِي بَنِي حَنْظَلَةَ، وَصُبْرَةُ بْنُ شَيْمَانَ عَلَى الْأَزْدِ، وَمُجَاشِعُ بْنُ مَسْعُودٍ السُّلَمِيُّ عَلَى سُلَيْمٍ، وَزُفَرُ بْنُ الْحَرْثِ فِي بَنِي عَامِرٍ وَغَطَفَانَ، وَمَالِكُ بْنُ مِسْمَعٍ عَلَى بَكْرٍ، وَالْخِرِّيتُ بْنُ رَاشِدٍ عَلَى بَنِي نَاجِيَةَ، وَعَلَى الْيَمَنِ ذُو الْآجِرَةِ الْحِمْيَرِيُّ.

стр. 1288

وَلِمَا خَرَجَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ نَزَلَتْ مُضَرُ جَمِيعًا وَهُمْ لَا يَشُكُّونَ فِي الصُّلْحِ، وَنَزَلَتْ رَبِيعَةُ فَوْقَهُمْ وَهُمْ لَا يَشُكُّونَ فِي الصُّلْحِ، وَنَزَلَتِ الْيَمَنُ أَسْفَلَ مِنْهُمْ وَلَا يَشُكُّونَ فِي الصُّلْحِ، وَعَائِشَةُ فِي الْحَدَّانِ، وَالنَّاسُ بِالزَّابُوقَةِ عَلَى رُؤَسَائِهِمْ هَؤُلَاءِ، وَهُمْ ثَلَاثُونَ أَلْفًا، وَرَدُّوا حُكَيْمًا وَمَالِكًا إِلَى عَلِيٍّ إِنَّنَا عَلَى مَا فَارَقْنَا عَلَيْهِ الْقَعْقَاعَ، وَنَزَلَ عَلِيٌّ بِحِيَالِهِمْ، فَنَزَلَتْ مُضَرُ إِلَى مُضَرَ، وَرَبِيعَةُ إِلَى رَبِيعَةَ، وَالْيَمَنُ إِلَى الْيَمَنِ، فَكَانَ بَعْضُهُمْ يَخْرُجُ إِلَى بَعْضٍ لَا يَذْكُرُونَ إِلَّا الصُّلْحَ، وَكَانَ أَصْحَابُ عَلِيٍّ عِشْرِينَ أَلْفًا، وَخَرَجَ عَلِيٌّ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ فَتَوَاقَفُوا فَلَمْ يَرَوْا أَمْرًا أَمْثَلَ مِنَ الصُّلْحِ وَوَضْعِ الْحَرْبِ، فَافْتَرَقُوا عَلَى ذَلِكَ. وَبَعَثَ عَلِيٌّ مِنَ الْعَشِيِّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ إِلَى طَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرِ، وَبَعَثَا هُمَا مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي طَلْحَةَ إِلَى عَلِيٍّ، وَأَرْسَلَ عَلِيٌّ إِلَى رُؤَسَاءِ أَصْحَابِهِ، وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ إِلَى رُؤَسَاءِ أَصْحَابِهِمَا بِذَلِكَ، فَبَاتُوا بِلَيْلَةٍ لَمْ يَبِيتُوا بِمِثْلِهَا لِلْعَافِيَةِ الَّتِي أَشْرَفُوا عَلَيْهَا وَالصُّلْحِ، وَبَاتَ الَّذِينَ أَثَارُوا أَمْرَ عُثْمَانَ بِشَرٍّ لَيْلَةً وَقَدْ أَشْرَفُوا عَلَى الْهَلَكَةِ، وَبَاتُوا يَتَشَاوَرُونَ، فَاجْتَمَعُوا عَلَى إِنْشَابِ الْحَرْبِ، فَغَدَوَا مَعَ الْغَلَسِ وَمَا يَشْعُرُ بِهِمْ، فَخَرَجُوا مُتَسَلِّلِينَ وَعَلَيْهِمْ ظُلْمَةٌ، فَقَصَدَ مُضَرُهُمْ إِلَى مُضَرِهِمْ، وَرَبِيعَتُهُمْ إِلَى رَبِيعَتِهِمْ، وَيَمَنُهُمْ إِلَى يَمَنِهِمْ، فَوَضَعُوا فِيهِمُ السِّلَاحَ، فَثَارَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ وَثَارَ كُلُّ قَوْمٍ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِهِمُ الَّذِينَ أَتَوْهُمْ، وَبَعَثَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ إِلَى الْمَيْمَنَةِ، وَهُمْ رَبِيعَةُ، أَمِيرًا عَلَيْهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَرْثِ، وَإِلَى الْمَيْسَرَةِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَتَّابٍ، وَثَبَتَا فِي الْقَلْبِ وَقَالَا: مَا هَذَا؟ قَالُوا: طَرَقَنَا أَهْلُ الْكُوفَةِ لَيْلًا. فَقَالَا: قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ عَلِيًّا غَيْرَ مُنْتَهٍ حَتَّى يَسْفِكَ الدِّمَاءَ وَأَنَّهُ لَنْ يُطَاوِعَنَا. فَرَدَّ أَهْلُ الْبَصْرَةِ أُولَئِكَ الْكُوفِيِّينَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ. فَسَمِعَ عَلِيٌّ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ الصَّوْتَ، وَقَدْ وَضَعَ السَّبَئِيَّةُ رَجُلًا قَرِيبًا مِنْهُ يُخْبِرُهُ بِمَا يُرِيدُ، فَلَمَّا قَالَ عَلِيٌّ: مَا هَذَا؟ قَالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ: مَا شَعُرْنَا إِلَّا وَقَوْمٌ مِنْهُمْ قَدْ بَيَّتُونَا فَرَدَدْنَاهُمْ فَوَجَدْنَا الْقَوْمَ عَلَى رَجُلٍ، فَرَكِبُونَا وَثَارَ النَّاسُ. فَأَرْسَلَ عَلِيٌّ صَاحِبَ الْمَيْمَنَةِ إِلَى الْمَيْمَنَةِ وَصَاحِبَ الْمَيْسَرَةِ إِلَى الْمَيْسَرَةِ وَقَالَ: لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ غَيْرَ مُنْتَهِيَيْنِ حَتَّى يَسْفِكَا الدِّمَاءَ، وَأَنَّهُمَا لَنْ يُطَاوِعَانَا وَالسَّبَئِيَّةُ لَا تَفْتُرُ [إِنْشَابًا] ، وَنَادَى عَلِيٌّ فِي النَّاسِ: كُفُّوا فَلَا شَيْءَ، وَكَانَ مِنْ رَأْيِهِمْ جَمِيعًا فِي تِلْكَ الْفِتْنَةِ أَلَّا يَقْتَتِلُوا حَتَّى يَبْدَأُوا، يَطْلُبُونَ بِذَلِكَ الْحُجَّةَ، وَأَنْ لَا يَقْتُلُوا مُدْبِرًا وَلَا يُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحٍ، وَلَا يَسْتَحِلُّوا سَلَبًا، وَلَا يَرْزَأُوا بِالْبَصْرَةِ سِلَاحًا وَلَا ثِيَابًا وَلَا مَتَاعًا. وَأَقْبَلَ كَعْبُ بْنُ سُورٍ حَتَّى أَتَى عَائِشَةَ فَقَالَ: أَدْرِكِي فَقَدْ أَبَى الْقَوْمُ إِلَّا الْقِتَالَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِكِ.

стр. 1289

فَرَكِبَتْ وَأَلْبَسُوا هَوْدَجَهَا الْأَدْرَاعَ، فَلَمَّا بَرَزَتْ مِنَ الْبُيُوتِ وَهِيَ عَلَى الْجَمَلِ بِحَيْثُ تَسْمَعُ الْغَوْغَاءَ وَقَفَتْ، وَاقْتَتَلَ النَّاسُ. وَقَاتَلَ الزُّبَيْرُ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ فَجَعَلَ يَحُوزُهُ بِالرُّمْحِ وَالزُّبَيْرُ كَافٌّ عَنْهُ وَيَقُولُ: أَتَقْتُلُنِي يَا أَبَا الْيَقْظَانِ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ. وَإِنَّمَا كَفَّ الزُّبَيْرُ عَنْهُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : " «تَقْتُلُ عَمَّارًا الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» "، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَقَتَلَهُ. وَبَيْنَمَا عَائِشَةُ وَاقِفَةٌ إِذْ سَمِعْتُ ضَجَّةً شَدِيدَةً فَقَالَتْ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: ضَجَّةُ الْعَسْكَرِ. قَالَتْ: بِخَيْرٍ أَوْ بِشَرٍّ؟ قَالُوا: بِشَرٍّ، فَمَا فَجَأَهَا إِلَّا الْهَزِيمَةُ، فَمَضَى الزُّبَيْرُ مِنْ وَجْهِهِ إِلَى وَادِي السِّبَاعِ، وَإِنَّمَا فَارَقَ الْمَعْرَكَةَ لِأَنَّهُ قَاتَلَ تَعْذِيرًا لِمَا ذَكَرَ لَهُ عَلِيٌّ. وَأَمَّا طَلْحَةُ فَأَتَاهُ سَهْمُ غَرْبٍ فَأَصَابَهُ، فَشَكَّ رِجْلَهُ بِصَفْحَةِ الْفَرَسِ وَهُوَ يُنَادِي: إِلَيَّ إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ! الصَّبْرَ الصَّبْرَ! فَقَالَ لَهُ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ إِنَّكَ لَجَرِيحٌ، وَإِنَّكَ عَمَّا تُرِيدُ لَعَلِيلٌ، فَادْخُلِ الْبُيُوتَ. فَدَخَلَ وَدَمُهُ يَسِيلُ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ خُذْ لِعُثْمَانَ مِنِّي حَتَّى تَرْضَى، فَلَمَّا امْتَلَأَ خُفُّهُ دَمًا وَثَقُلَ قَالَ لِغُلَامِهِ: أَرْدِفْنِي وَأَمْسِكْنِي وَأَبْلِغْنِي مَكَانًا أَنْزِلُ فِيهِ. فَدَخَلَ الْبَصْرَةَ، فَأَنْزَلَهُ فِي دَارٍ خَرِبَةٍ فَمَاتَ فِيهَا. وَقِيلَ: إِنَّهُ اجْتَازَ بِهِ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ مِنْ أَصْحَابِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: امْدُدْ يَدَكَ أُبَايِعُكَ لَهُ، فَبَايَعَهُ، فَخَافَ أَنْ يَمُوتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ. وَلَمَّا قَضَى دُفِنَ فِي بَنِي سَعْدٍ، وَقَالَ: لَمْ أَرَ شَيْخًا أَضْيَعَ دَمًا مِنِّي. وَتَمَثَّلَ عِنْدَ دُخُولِ الْبَصْرَةِ مَثَلَهُ وَمَثَلَ الزُّبَيْرِ: فَإِنْ تَكُنِ الْحَوَادِثُ أَقَصَدَتْنِي ... وَأَخْطَأَهُنَّ سَهْمِي حِينَ أَرْمِي فَقَدْ ضُيِّعْتُ حِينَ تَبِعْتُ سَهْمًا ... سَفَاهًا مَا سَفِهْتُ وَضَلَّ حِلْمِي نَدِمْتُ نَدَامَةَ الْكُسَعِيِّ لَمَّا ... شَرَيْتُ رِضَا بَنِي سَهْمٍ بِرَغْمِي

стр. 1290

أَطَعْتُهُمُ بِفُرْقَةِ آلِ لِأْيٍ فَأَلْقَوْا لِلسِّبَاعِ دَمِي وَلَحْمِي وَكَانَ الَّذِي رَمَى طَلْحَةَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، وَقِيلَ غَيْرُهُ. وَأَمَّا الزُّبَيْرُ فَإِنَّهُ مَرَّ بِعَسْكَرِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا هَذَا انْحِيَازٌ، جَمَعَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى ضَرَبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا لَحِقَ بِبَيْتِهِ. وَقَالَ الْأَحْنَفُ لِلنَّاسِ: مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِهِ؟ فَقَالَ عَمْرُو بْنُ جُرْمُوزٍ لِأَصْحَابِهِ: أَنَا، فَاتَّبَعَهُ، فَلَمَّا لَحِقَهُ نَظَرَ إِلَيْهِ الزُّبَيْرُ قَالَ: مَا وَرَاءَكَ؟ قَالَ: إِنَّمَا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ. فَقَالَ غُلَامٌ لِلزُّبَيْرِ اسْمُهُ عَطِيَّةُ: إِنَّهُ مُعَدٌّ. قَالَ: مَا يَهُولُكَ مِنْ رَجُلٍ! وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَقَالَ ابْنُ جُرْمُوزٍ: الصَّلَاةَ. فَقَالَ الزُّبَيْرُ: الصَّلَاةَ، فَلَمَّا نَزَلَا اسْتَدْبَرَهُ ابْنُ جُرْمُوزٍ فَطَعَنَهُ فِي جِرْبَانِ دِرْعِهِ فَقَتَلَهُ، وَأَخَذَ فَرَسَهُ وَسِلَاحَهُ وَخَاتَمَهُ وَخَلَّى عَنِ الْغُلَامِ، فَدَفَنَهُ بِوَادِي السِّبَاعِ، وَرَجَعَ إِلَى النَّاسِ بِالْخَبَرِ. وَقَالَ الْأَحْنَفُ لِابْنِ جُرْمُوزٍ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي، أَحْسَنْتَ أَمْ أَسَأْتَ. فَأَتَى ابْنُ جُرْمُوزٍ عَلِيًّا فَقَالَ لِحَاجِبِهِ: اسْتَأْذِنْ لِقَاتِلِ الزُّبَيْرِ. فَقَالَ عَلِيٌّ: ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالنَّارِ. وَأُحْضِرُ سَيْفُ الزُّبَيْرِ عِنْدَ عَلِيٍّ فَأَخَذَهُ فَنَظَرَ إِلَيْهِ وَقَالَ: طَالَمَا جَلَّى بِهِ الْكَرْبَ عَنْ وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ! وَبَعَثَ بِهِ إِلَى عَائِشَةَ لَمَّا انْجَلَتِ الْوَقْعَةُ وَانْهَزَمَ النَّاسُ يُرِيدُونَ الْبَصْرَةَ، فَلَمَّا رَأَوُا الْخَيْلَ أَطَافَتْ بِالْجَمَلِ عَادُوا قَلْبًا كَمَا كَانُوا حَيْثُ الْتَقَوْا وَعَادُوا فِي أَمْرٍ جَدِيدٍ، وَوَقَفَتْ رَبِيعَةُ بِالْبَصْرَةِ مَيْمَنَةً وَبَعْضُهُمْ مَيْسَرَةً، وَقَالَتْ عَائِشَةُ: (لَمَّا انْجَلَتِ الْوَقْعَةُ وَانْهَزَمَ النَّاسُ) لِكَعْبِ بْنِ سُورٍ: خَلِّ عَنِ الْجَمَلِ وَتَقَدَّمْ بِالْمُصْحَفِ فَادْعُهُمْ إِلَيْهِ. وَنَاوَلَتْهُ مُصْحَفًا. فَاسْتَقْبَلَ الْقَوْمُ وَالسَّبَئِيَّةُ أَمَامَهُمْ فَرَمَوْهُ رَشْقًا وَاحِدًا فَقَتَلُوهُ، وَرَمَوْا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ فِي هَوْدَجِهَا، فَجَعَلَتْ تُنَادِي: الْبَقِيَّةَ الْبَقِيَّةَ يَا بُنَيَّ! وَيُعْلُوا صَوْتُهَا كَثْرَةً: اللَّهَ اللَّهَ! اذْكُرُوا اللَّهَ وَالْحِسَابَ! فَيَأْبَوْنَ إِلَّا إِقْدَامًا، فَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ أَحْدَثَتْهُ حِينَ أَبَوْا أَنْ قَالَتْ: أَيُّهَا النَّاسُ الْعَنُوا قَتَلَةَ عُثْمَانَ وَأَشْيَاعَهُمْ. وَأَقْبَلَتْ تَدْعُوَا، وَضَجَّ النَّاسُ بِالدُّعَاءِ، فَسَمِعَ عَلِيٌّ فَقَالَ: مَا

стр. 1291

هَذِهِ الضَّجَّةُ؟ قَالُوا: عَائِشَةُ تَدْعُو عَلَى قَتَلَةِ عُثْمَانَ وَأَشْيَاعِهِمْ. فَقَالَ عَلِيٌّ: اللَّهُمَّ الْعَنْ قَتَلَةَ عُثْمَانَ! فَأَرْسَلَتْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَتَّابٍ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَرْثِ بْنِ هِشَامٍ أَنِ اثْبُتَا مَكَانَكُمَا، وَحَرَّضَتِ النَّاسَ حِينَ رَأَتِ الْقَوْمَ يُرِيدُونَهَا وَلَا يَكُفُّونَ، فَحَمَلَتْ مُضَرُ الْبَصْرَةِ حَتَّى قَصَفَتْ مُضَرَ الْكُوفَةِ حَتَّى زُحِمَ عَلِيٌّ، فَنَخَسَ قَفَا ابْنِهِ مُحَمَّدٍ، وَكَانَتِ الرَّايَةُ مَعَهُ، وَقَالَ لَهُ: احْمِلْ! فَتَقَدَّمَ حَتَّى لَمْ يَجِدْ مُتَقَدَّمًا إِلَّا عَلَى سِنَانِ رُمْحٍ، فَأَخَذَ عَلِيٌّ الرَّايَةَ مِنْ يَدِهِ وَقَالَ: يَا بُنَيَّ بَيْنَ يَدَيَّ. وَحَمَلَتْ مُضَرُ الْكُوفَةِ، فَاجْتَلَدُوا قُدَّامَ الْجَمَلِ حَتَّى ضُرِسُوا وَالْمُجَنِّبَتَانِ عَلَى حَالِهِمَا لَا تَصْنَعُ شَيْئًا، وَمَعَ عَلِيٍّ قَوْمٌ مِنْ غَيْرِ مُضَرَ، مِنْهُمْ زَيْدُ بْنُ صُوحَانَ، طَلَبُوا ذَلِكَ مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: تَنَحَّ إِلَى قَوْمِكَ، مَا لَكَ وَلِهَذَا الْمَوْقِفِ؟ أَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ مُضَرَ بِحِيَالِكَ، وَالْجَمَلَ بَيْنَ يَدَيْكَ وَأَنَّ الْمَوْتَ دُونَهُ؟ فَقَالَ: الْمَوْتُ خَيْرٌ مِنَ الْحَيَاةِ، الْمَوْتُ أُرِيدُ، فَأُصِيبَ هُوَ وَأَخُوهُ سَيْحَانُ، وَارْتُثَّ صَعْصَعَةُ أَخُوهُمَا، وَاشْتَدَّتِ الْحَرْبُ، فَلَمَّا رَأَى عَلِيٌّ ذَلِكَ بَعَثَ إِلَى رَبِيعَةَ وَإِلَى الْيَمَنِ أَنِ اجْمَعُوا مَنْ يَلِيكُمْ. فَقَامَ رَجُلٌ مَنْ عَبْدِ الْقَيْسِ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ فَقَالَ: نَدْعُوكُمْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ. فَقَالُوا: وَكَيْفَ يَدْعُونَا إِلَيْهِ مَنْ لَا يَسْتَقِيمُ وَلَا يُقِيمُ حُدُودَ اللَّهِ، وَقَدْ قَتَلَ كَعْبَ بْنَ سُورٍ دَاعِيَ اللَّهِ! وَرَمَتْهُ رَبِيعَةُ رَشْقًا وَاحِدًا فَقَتَلُوهُ، فَقَامَ مُسْلِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعِجْلِيُّ مَكَانَهُ، فَرَشَقُوهُ رَشْقًا وَاحِدًا فَقَتَلُوهُ، وَدَعَتْ يَمَنُ الْكُوفَةِ يَمَنَ الْبَصْرَةِ فَرَشَقُوهُمْ، وَأَبَى أَهْلُ الْكُوفَةِ إِلَّا الْقِتَالَ، وَلَمْ يُرِيدُوا إِلَّا عَائِشَةَ، فَذَكَرَتْ أَصْحَابَهَا فَاقْتَتَلُوا حَتَّى تَنَادَوْا، فَتَحَاجَزُوا ثُمَّ رَجَعُوا، فَاقْتَتَلُوا، وَتَزَاحَفَ النَّاسُ، وَظَهَرَتْ يَمَنُ الْبَصْرَةِ عَلَى يَمَنِ الْكُوفَةِ فَهَزَمَتْهُمْ، وَرَبِيعَةُ الْبَصْرَةِ عَلَى رَبِيعَةِ الْكُوفَةِ فَهَزَمَتْهُمْ، ثُمَّ عَادَ يَمَنُ الْكُوفَةِ فَقُتِلَ عَلَى رَايَتِهِمْ عَشَرَةٌ، خَمْسَةٌ مِنْ هَمْدَانَ، وَخَمْسَةٌ مِنْ سَائِرِ الْيَمَنِ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ يَزِيدُ بْنُ قَيْسٍ أَخَذَهَا فَثَبَتَتْ فِي يَدِهِ وَهُوَ يَقُولُ: قَدْ عِشْتِ يَا نَفْسِي وَقَدْ غَنِيتِ ... دَهْرًا فَقَدْكِ الْيَوْمَ مَا بَقِيتِ أَطْلُبُ طُولَ الْعُمْرِ مَا حَيِيتِ

стр. 1292

وَإِنَّمَا تَمَثَّلَهَا، وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَمِرَانِ الْهَمْدَانِيُّ: جَرَّدْتُ سَيْفِي فِي رِجَالِ الْأَزْدِ ... أَضْرِبُ فِي كَهَوْلِهِمْ وَالْمُرْدِ كُلَّ طَوِيلِ السَّاعِدَيْنِ نَهْدِ وَرَجَعَتْ رَبِيعَةُ الْكُوفَةَ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَقُتِلَ عَلَى رَايَتِهِمْ، وَهُمْ فِي الْمَيْسَرَةِ: زَيْدٌ، وَعَبْدُ بْنِ رَقَبَةَ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ رَاشِدِ بْنِ سَلْمَى وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ هَدَيْتَنَا مِنَ الضَّلَالَةِ، وَاسْتَنْقَذْتَنَا مِنَ الْجَهَالَةِ، وَابْتَلَيْتَنَا بِالْفِتْنَةِ، فَكُنَّا فِي شُبْهَةٍ وَعَلَى رِيبَةٍ وَقَتْلٍ. وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ حَتَّى لَزِقَتْ مَيْمَنَةُ أَهْلِ الْكُوفَةِ بِقَلْبِهِمْ وَمَيْسَرَةُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ بِقَلْبِهِمْ، وَمَنَعُوا مَيْمَنَةَ أَهْلِ الْكُوفَةِ أَنْ يَخْتَلِطُوا بِقَلْبِهِمْ وَإِنْ كَانُوا إِلَى جَنْبِهِمْ، وَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ مَيْسَرَةُ أَهْلِ الْكُوفَةِ بِمَيْمَنَةِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَلَمَّا رَأَى الشُّجْعَانُ مِنْ مُضَرِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ الصَّبْرَ تَنَادَوْا: طَرِّفُوا إِذَا فَرَغَ الصَّبْرُ، فَجَعَلُوا يَقْصِدُونَ الْأَطْرَافَ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلَ، فَمَا رُؤِيَ وَقْعَةٌ كَانَتْ أَعْظَمَ مِنْهَا قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا، وَلَا أَكْثَرَ ذَرَاعًا مَقْطُوعَةً وَلَا رِجْلًا مَقْطُوعَةً، وَأُصِيبَتْ يَدُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَتَّابٍ قَبْلَ قَتْلِهِ. فَنَظَرَتْ عَائِشَةُ مِنْ يَسَارِهَا فَقَالَتْ: مَنِ الْقَوْمُ عَنْ يَسَارِي؟ قَالَ صَبْرَةُ بْنُ شَيْمَانَ: بَنُوكِ الْأَزْدُ. فَقَالَتْ: يَا آلَ غَسَّانَ حَافِظُوا الْيَوْمَ [عَلَى] جِلَادِكُمُ الَّذِي كُنَّا نَسْمَعُ بِهِ، وَتَمَثَّلَتْ: وَجَالَدَ مِنْ غَسَّانَ أَهْلُ حِفَاظِهَا ... وَهِنْبٌ وَأَوْسٌ جَالَدَتْ وَشَبِيبُ فَكَانَ الْأَزْدُ يَأْخُذُونَ بَعْرَ الْجَمَلِ يَشُمُّونَهُ وَيَقُولُونَ: بَعْرُ جَمَلِ أُمِّنَا رِيحُهُ رِيحُ الْمِسْكِ. وَقَالَتْ لِمَنْ عَنْ يَمِينِهَا: مَنِ الْقَوْمُ عَنْ يَمِينِي؟ قَالُوا: بَكْرُ بْنُ وَائِلٍ. قَالَتْ: لَكُمْ يَقُولُ الْقَائِلُ: وَجَاؤُوا إِلَيْنَا فِي الْحَدِيدِ كَأَنَّهُمْ ... مِنِ الْعِزَّةِ الْقَعْسَاءِ بَكْرُ بْنُ وَائِلِ إِنَّمَا بِإِزَائِكُمْ عَبْدُ الْقَيْسِ. فَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ مِنْ قِتَالِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ. وَأَقْبَلَتْ عَلَى كَتِيبَةٍ بَيْنَ

стр. 1293

يَدَيْهَا فَقَالَتْ: مَنِ الْقَوْمُ؟ قَالُوا: بَنُو نَاجِيَةَ. قَالَتْ: بَخٍ بَخٍ، سُيُوفٌ أَبْطَحِيَّةٌ قُرَشِيَّةٌ! فَجَالَدُوا جِلَادًا يُتَفَادَى مِنْهُ. ثُمَّ أَطَافَتْ بِهَا بَنُو ضَبَّةَ فَقَالَتْ: وَيْهًا جَمْرَةَ الْجَمَرَاتِ! فَلَمَّا رَقُّوا خَالَطَهُمْ بَنُو عَدِيِّ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ، وَكَثُرُوا حَوْلَهَا، فَقَالَتْ: مَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: بَنُو عَدِيٍّ خَالَطْنَا إِخْوَتَنَا، فَأَقَامُوا رَأْسَ الْجَمَلِ وَضَرَبُوا ضَرْبًا شَدِيدًا لَيْسَ بِالتَّعْذِيرِ، وَلَا يَعْدِلُونَ بِالتَّطْرِيفِ، حَتَّى إِذَا كَثُرَ ذَلِكَ، وَظَهَرَ فِي الْعَسْكَرَيْنِ جَمِيعًا رَامُوا الْجَمَلَ وَقَالُوا: لَا يَزَالُ الْقَوْمُ أَوْ يُصْرَعُ الْجَمَلُ، وَصَارَ مُجَنِّبَتَا عَلِيٍّ إِلَى الْقَلْبِ، وَفَعَلَ ذَلِكَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ، وَكَرِهَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَأَخَذَ عَمِيرَةُ بْنُ يَثْرِبِيٍّ بِرَأْسِ الْجَمَلِ، وَكَانَ قَاضِي الْبَصْرَةِ، قَبْلَ كَعْبِ بْنِ سُورٍ، فَشَهِدَ الْجَمَلَ هُوَ وَأَخُوهُ (عَبْدُ اللَّهِ) ، فَقَالَ عَلِيٌّ: مَنْ يَحْمِلُ عَلَى الْجَمَلِ؟ فَانْتَدَبَ لَهُ هِنْدُ بْنُ عَمْرٍو الْجَمَلِيُّ الْمُرَادِيُّ، فَاعْتَرَضَهُ ابْنُ يَثْرِبِيٍّ فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ فَقَتَلَهُ ابْنُ يَثْرِبِيٍّ، ثُمَّ حَمَلَ عِلْبَاءُ بْنُ الْهَيْثَمِ فَاعْتَرَضَهُ ابْنُ يَثْرِبِيٍّ فَقَتَلَهُ، وَقَتَلَ سَيْحَانَ بْنَ صُوحَانَ، وَارْتُثَّ صَعْصَعَةُ، وَقَالَ ابْنُ يَثْرِبِيٍّ: أَنَا لِمَنْ يُنْكِرُنِي ابْنُ يَثْرِبِي ... قَاتِلُ عِلْبَاءَ وَهِنْدِ الْجَمَلِي وَابْنٍ لِصُوحَانَ عَلَى دِينِ عَلِي وَقَالَ ابْنُ يَثْرِبِيٍّ أَيْضًا أَضْرِبُهُمْ وَلَا أَرَى أَبَا حَسَنْ ... كَفَى بِهَذَا حَزَنًا مِنَ الْحَزَنْ إِنَّا نُمِرُّ الْأَمْرَ إِمْرَارَ الرَّسَنْ فَنَادَاهُ عَمَّارٌ: لَقَدْ عُذْتَ بِحُرَيْزٍ، وَمَا إِلَيْكَ مِنْ سَبِيلٍ، فَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَاخْرُجْ مِنْ هَذِهِ الْكَتِيبَةِ إِلَيَّ. فَتَرَكَ الزِّمَامَ فِي يَدِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَدِيٍّ، حَتَّى إِذَا كَانَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ تَقَدَّمَ عَمَّارٌ، وَهُوَ ابْنُ تِسْعِينَ سَنَةً، وَقِيلَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، عَلَيْهِ فَرْوٌ قَدْ شَدَّ وَسَطَهُ بِحَبْلِ لِيفٍ، وَهُوَ أَضْعَفُ مِنْ مُبَارِزِهِ، وَاسْتَرْجَعَ النَّاسُ وَقَالُوا: هَذَا لَاحِقٌ بِأَصْحَابِهِ، وَضَرَبَهُ ابْنُ يَثْرِبِيٍّ فَاتَّقَاهُ عَمَّارٌ بِدَرَقَتِهِ فَنَشِبَ سَيْفُهُ فِيهَا فَلَمْ يَخْرُجْ، وَأَسَفَّ عَمَّارٌ

стр. 1294

لِرِجْلَيْهِ فَضَرَبَهُ فَقَطَعَهُمَا، فَوَقَعَ عَلَى اسْتِهِ، وَأُخِذَ أَسِيرًا، فَأُتِيَ بِهِ إِلَى عَلِيٍّ، فَقَالَ: اسْتَبْقِنِي. فَقَالَ: أَبَعْدَ ثَلَاثَةٍ تَقْتُلُهُمْ! وَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ. وَقِيلَ: إِنَّ الْمَقْتُولَ عَمْرُو بْنُ يَثْرِبِيٍّ، وَإِنَّ عَمِيرَةَ بَقِيَ حَتَّى وَلِيَ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ مَعَ مُعَاوِيَةَ، وَلَمَّا قُتِلَ ابْنُ يَثْرِبِيٍّ تَوَلَّى ذَلِكَ الْعَدَوِيُّ الزِّمَامَ، فَتَرَكَهُ بِيَدِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَدِيٍّ وَبَرَزَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَبِيعَةُ الْعُقَيْلِيُّ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ: يَا أُمَّتَا أَعَقَّ أُمٍّ نَعْلَمُ ... وَالْأُمُّ تَغْذُو وَلَدًا وَتَرْحَمُ أَلَا تَرَيْنَ كَمْ شُجَاعٍ يُكْلَمُ ... وَتُخْتَلَى مِنْهُ يَدٌ وَمِعْصَمُ (كَذَبَ فَهِيَ مِنْ أَبَرِّ أُمٍّ نَعْلَمُ ) . ثُمَّ اقْتَتَلَا، فَأَثْخَنَ كُلٌّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، فَمَاتَا جَمِيعًا، وَقَامَ مَقَامَ الْعَدَوِيِّ الْحَرْثُ الضَّبِّيُّ، فَمَا رُؤِيَ أَشَدُّ مِنْهُ، وَجَعَلَ يَقُولُ: نَحْنُ بَنُو ضَبَّةَ أَصْحَابُ الْجَمَلْ ... نُبَارِزُ الْقَرْنَ إِذَا الْقَرْنُ نَزَلْ نَنْعَى ابْنَ عَفَّانَ بِأَطْرَافِ الْأَسَلْ ... الْمَوْتُ أَحْلَى عِنْدِنَا مِنَ الْعَسَلْ رُدُّوا عَلَيْنَا شَيْخَنَا ثُمَّ بَجَلْ

стр. 1295

وَقِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ لِوَسِيمِ بْنِ عَمْرٍو الضَّبِّيِّ. وَكَانَ عَمْرٌو يُحَرِّضُ أَصْحَابَهُ يَوْمَ الْجَمَلِ، وَقَدْ أَخَذَ الْخِطَامَ، وَيَقُولُ: نَحْنُ بَنُو ضَبَّةَ لَا نَفِرُّ حَتَّى نَرَى جَمَاجِمًا تَخِرُّ يَخِرُّ مِنْهَا الْعَلَقُ الْمُحْمَرُّ وَيَقُولُ: يَا أُمَّتَا يَا عَيْشُ لَنْ تُرَاعِي ... كُلُّ بَنِيكِ بَطَلٌ شُجَاعُ وَيَقُولُ: يَا أُمَّتَا يَا زَوْجَةَ النَّبِيِّ ... يَا زَوْجَةَ الْمُبَارَكِ الْمَهْدِيِّ وَلَمْ يَزَلِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ حَتَّى قُتِلَ عَلَى الْخِطَامِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا. قَالَتْ عَائِشَةُ: مَا زَالَ جَمَلِي مُعْتَدِلًا حَتَّى فَقَدْتُ أَصْوَاتِ بَنِي ضَبَّةَ. قَالَ: وَأَخَذَ الْخِطَامَ سَبْعُونَ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ كُلُّهُمْ يُقْتَلُ وَهُوَ آخِذٌ بِخِطَامِ الْجَمَلِ، وَكَانَ مِمَّنْ أَخَذَ بِزِمَامِ الْجَمَلِ مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ، وَقَالَ: يَا أُمَّتَاهُ مُرِينِي بِأَمْرِكِ. قَالَتْ: آمُرُكَ أَنْ تَكُونَ خَيْرَ بَنِي آدَمَ إِنْ تَرَكْتَ، فَجَعَلَ لَا يَحْمِلُ عَلَيْهِ أَحَدٌ إِلَّا حَمَلَ [عَلَيْهِ] ، وَقَالَ: حَامِيمْ لَا يُنْصَرُونَ، وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ نَفَرٌ كُلُّهُمُ ادَّعَى قَتْلَهُ، الْمُكَعْبَرُ الْأَسَدِيُّ، وَالْمُكَعْبَرُ الضَّبِّيُّ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ شَدَّادٍ الْعَبْسِيُّ، وَعَفَّانُ السَّعْدِيُّ النَّصْرِيُّ، فَأَنْفَذَهُ بَعْضُهُمْ بِالرُّمْحِ، فَفِي ذَلِكَ يَقُولُ: وَأَشْعَثَ قَوَّامٍ بِآيَاتِ رَبِّهِ ... قَلِيلِ الْأَذَى فِيمَا تَرَى الْعَيْنُ مُسْلِمِ

стр. 1296

هَتَكْتُ لَهُ بِالرُّمْحِ جَيْبَ قَمِيصِهِ فَخَرَّ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ وَلِلْفَمِ ... يُذَكِّرُنِي حَامِيمَ وَالرُّمْحُ شَاجِرٌ فَهَلَّا تَلَا حَامِيمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ ... عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ غَيْرَ أَنْ لَيْسَ تَابِعًا عَلِيًّا وَمَنْ لَا يَتْبَعُ الْحَقَّ يَنْدَمِ وَأَخَذَ الْخِطَامَ عَمْرُو بْنُ الْأَشْرَفِ فَجَعْلَ لَا يَدْنُو مِنْهُ أَحَدٌ إِلَّا خَبَطَهُ بِالسَّيْفِ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ الْحَرْثُ بْنُ زُهَيْرٍ الْأَزْدِيُّ وَهُوَ يَقُولُ: يَا أُمَّتَا يَا خَيْرَ أُمٍّ نَعْلَمُ ... أَمَا تَرَيْنَ كَمْ شُجَاعٍ يُكَلَمُ وَتُخْتَلَى هَامَتُهُ وَالْمِعْصَمُ فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ، فَقَتَلَ كُلٌّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحَبَهُ، وَأَحْدَقَ أَهْلُ النَّجْدَاتِ وَالشَّجَاعَةِ بِعَائِشَةَ، فَكَانَ لَا يَأْخُذُ الْخِطَامَ أَحَدٌ إِلَّا قُتِلَ، وَكَانَ لَا يَأْخُذُهُ وَالرَّايَةَ إِلَّا مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْمُطِيفِينَ بِالْجَمَلِ فَيَنْتَسِبُ: أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، فَوَاللَّهِ إِنْ كَانَ لَيُقَاتِلُونِ عَلَيْهِ، وَإِنَّهُ لَلْمَوْتُ لَا يُوَصَّلُ إِلَيْهِ إِلَّا بِطِلْبَةٍ وَعَنَتٍ، وَمَا رَامَهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ إِلَّا قُتِلَ أَوْ أَفْلَتَ ثُمَّ لَمْ يَعُدْ، وَحَمَلَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ الطَّائِيُّ عَلَيْهِمْ، فَفُقِئَتْ عَيْنُهُ، وَجَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فَقَالَتْ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: ابْنُكِ ابْنُ أُخْتِكِ. قَالَتْ: وَاثُكْلَ أَسْمَاءَ! وَانْتَهَى إِلَيْهِ الْأَشْتَرُ، فَاقْتَتَلَا، فَضَرْبَهُ الْأَشْتَرُ عَلَى رَأْسِهِ فَجَرَحَهُ جُرْحًا شَدِيدًا، وَضَرْبَهُ عَبْدُ اللَّهِ ضَرْبَةً خَفِيفَةً، وَاعْتَنَقَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمَا صَاحَبَهُ وَسَقَطَا إِلَى الْأَرْضِ يَعْتَرِكَانِ، فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: اقْتُلُونِي وَمَالِكًا وَاقْتُلُوا مَالِكًا مَعِي. فَلَوْ يَعْلَمُونَ مَنْ مَالِكٌ لَقَتَلُوهُ، إِنَّمَا كَانَ يُعَرَفُ بِالْأَشْتَرِ، فَحَمَلَ أَصْحَابُ عَلِيٍّ وَعَائِشَةَ فَخَلَّصُوهُمَا. قَالَ الْأَشْتَرُ: لَقِيتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَتَّابٍ، فَلَقِيتُ أَشَدَّ النَّاسِ وَأَخْرَقَهُ مَا لَبِثْتُ أَنْ قَتَلْتُهُ، وَلَقِيتُ الْأَسْوَدَ بْنَ عَوْفٍ فَلَقِيَتُ أَشَدَّ النَّاسِ وَأَشْجَعَهُ، فَمَا كِدْتُ أَنْجُو

стр. 1297

مِنْهُ، فَتَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ لَقِيتُهُ، وَلَحِقَنِي جُنْدُبُ بْنُ زُهَيْرٍ الْغَامِدِيُّ فَضَرَبْتُهُ فَقَتَلْتُهُ، قَالَ: وَرَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وَعِنْدَهُ رَايَةُ قُرَيْشٍ، وَهُوَ يُقَاتِلُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ، وَهُمَا يَتَصَاوَلَانِ تَصَاوُلَ الْفَحْلَيْنِ، فَتَعَاوَرْنَاهُ فَقَتَلْنَاهُ. قَالَ: وَأَخَذَ الْخِطَامَ الْأَسْوَدُ بْنُ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، فَقُتِلَ، وَهُوَ قِرْشِيٌّ أَيْضًا، وَأَخْذَهُ عَمْرُو بْنُ الْأَشْرَفِ فَقُتِلَ، وَقُتِلَ مَعَهُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ أَزْدِيٌّ، وَجُرِحَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، وَجُرِحَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ سَبْعًا وَثَلَاثِينَ جِرَاحَةً مِنْ طَعْنَةٍ وَرَمْيَةٍ، قَالَ: وَمَا رَأَيْتُ مِثْلَ يَوْمِ الْجَمَلِ، مَا يَنْهَزِمُ مِنَّا أَحَدٌ، وَمَا نَحْنُ إِلَّا كَالْجَبَلِ الْأَسْوَدِ، وَمَا يَأْخُذُ بِخِطَامِ الْجَمَلِ أَحَدٌ إِلَّا قُتِلَ حَتَّى ضَاعَ الْخِطَامُ، وَنَادَى عَلِيٌّ: اعْقِرُوا الْجَمَلَ فَإِنَّهُ إِنْ عُقِرَ تَفَرَّقُوا، فَضَرَبَهُ رَجُلٌ فَسَقَطَ، فَمَا سَمِعْتُ صَوْتًا قَطُّ أَشَدَّ مِنْ عَجِيجِ الْجَمَلِ. وَكَانَتْ رَايَةُ الْأَزْدِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ مَعَ مِخْنَفِ بْنِ سُلَيْمٍ فَقُتِلَ وَأَخَذَهَا الصَّقْعَبُ، وَأَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمٍ فَقُتِلَ، وَأَخَذَهَا الْعَلَاءُ بْنُ عُرْوَةَ، فَكَانَ الْفَتْحُ وَهِيَ بِيَدِهِ. وَكَانَتْ رَايَةُ عَبْدِ الْقَيْسِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ مَعَ الْقَاسِمِ بْنِ سُلَيْمٍ فَقُتِلَ، وَقُتِلَ مَعَهُ زَيْدٌ وَسَيْحَانُ ابْنَا صُوحَانَ، وَأَخَذَهَا عِدَّةُ نَفَرٍ فَقُتِلُوا، مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رُقَيَّةَ، ثُمَّ أَخَذَهَا مُنْقِذُ بْنُ النُّعْمَانِ، فَدَفَعَهَا إِلَى ابْنِهِ مُرَّةَ بْنَ مُنْقِذٍ، فَانْقَضَتِ الْحَرْبُ وَهِيَ فِي يَدِهِ. وَكَانَتْ رَايَةُ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ فِي بَنِي ذُهْلٍ، مَعَ الْحَارِثِ بْنِ حَسَّانَ الذُّهْلِيِّ، فَأَقْدَمَ وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ بِكْرٍ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ لَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ مَنْزِلَةِ صَاحِبِكُمْ [فَانْصُرُوهُ] ، فَتَقَدَّمَ وَقَاتَلَهُمْ فَقُتِلَ ابْنُهُ وَخَمْسَةٌ مِنْ بَنِي أَهْلِهِ، وَقُتِلَ الْحَارِثُ فَقِيلَ فِيهِ: أَنْعَى الرَّئِيسَ الْحَارْثَ بْنَ حَسَّانْ ... لِآلِ ذُهْلٍ وَلِآلِ شَيْبَانْ وَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي ذُهْلٍ: تَنْعَى لَنَا خَيْرَ امْرِئٍ مِنْ عَدْنَانْ ... عِنْدَ الطِّعَانِ وَنِزَالِ الْأَقْرَانْ وَقَالَ أَخُوهُ بِشْرُ بْنُ حَسَّانَ: أَنَا ابْنُ حَسَّانَ بْنِ خُوطٍ وَأَبِي ... رَسُولُ بَكْرٍ كُلِّهَا إِلَى النَّبِي وَقُتِلَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي مَحْدُوجٍ، وَقُتِلَ مِنْ بَنِي ذُهْلٍ خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ رَجُلًا، وَقَالَ رَجُلٌ

стр. 1298

لِأَخِيهِ وَهُوَ يُقَاتِلُ: يَا أَخِي مَا أَحْسَنَ قِتَالَنَا إِنْ كُنَّا عَلَى الْحَقِّ! قَالَ: فَإِنَّا عَلَى الْحَقِّ، إِنَّ النَّاسَ أَخَذُوا يَمِينًا وَشِمَالًا، وَإِنَّا تَمَسَّكْنَا بِأَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّنَا، فَقَاتَلَا حَتَّى قُتِلَا. وَجُرِحَ يَوْمَئِذٍ عُمَيْرُ بْنُ الْأَهْلَبِ الضَّبِّيُّ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ وَهُوَ فِي الْجَرْحَى يَفْحَصُ بِرِجْلَيْهِ وَيَقُولُ: لَقَدْ أَوْرَدَتْنَا حَوْمَةَ الْمَوْتِ أَمُّنَا ... فَلَمْ نَنْصَرِفْ إِلَّا وَنَحْنُ رِوَاءُ لَقَدْ كَانَ فِي نَصْرِ ابْنِ ضَبَّةَ أُمَّهُ ... وَشِيعَتَهَا مَنْدُوحَةٌ وَغَنَاءُ أَطَعْنَا قُرَيْشًا (ضِلَّةً مِنْ) حُلُومِنَا ... وَنُصْرَتُنَا أَهْلَ الْحِجَازِ عَنَاءُ أَطَعْنَا بَنِي تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ شِقْوَةً ... وَهَلْ تَيْمٌ إِلَّا أَعْبُدٌ وَإِمَاءُ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. قَالَ: ادْنُ مِنِّي فَلَقِّنِي فَبِي صَمَّمٌ. فَدَنَا مِنْهُ الرَّجُلُ، فَوَثَبَ عَلَيْهِ فَعَضَّ أُذُنَهُ فَقَطَعَهَا. وَقِيلَ فِي عَقْرِ الْجَمَلِ: إِنَّ الْقَعْقَاعَ لَقِيَ الْأَشْتَرَ وَقَدْ عَادَ مِنَ الْقِتَالِ عِنْدَ الْجَمَلِ فَقَالَ: هَلْ لَكَ فِي الْعَوْدِ؟ فَلَمْ يُجِبْهُ. فَقَالَ: يَا أَشْتَرُ بَعْضُنَا أَعْلَمُ بِقِتَالِ بَعْضٍ مِنْكَ، وَحَمَلَ الْقَعْقَاعُ وَالزِّمَامُ مَعَ زُفَرِ بْنِ الْحَارِثِ، وَكَانَ آخِرَ مَنْ أَخَذَ الْخِطَامَ، فَلَمْ يَبْقَ شَيْخٌ مِنْ بَنِي عَامِرٍ إِلَّا أُصِيبَ قُدَّامَ الْجَمَلِ، وَزُفَرُ بْنُ الْحَارِثِ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ: يَا أُمَّتَا مِثْلُكِ لَا يُرَاعْ ... كُلُّ بَنِيكِ بَطَلٌ شُجَاعْ لَيْسَ بِوِهْوَاهٍ وَلَا بِرَاعٍ وَقَالَ الْقَعْقَاعُ:

стр. 1299

إِذَا وَرَدْنَا آجِنًا جَهَرْنَاهْ ... وَلَا يُطَاقُ وِرْدُ مَا مَنَعْنَاهْ وَزَحْفَ إِلَى زُفَرُ بْنُ الْحَارِثِ الْكَلَّائِيِّ، وَتَسَرَّعَتْ عَامِرٌ إِلَى حَرْبِهِ فَأُصِيبُوا، فَقَالَ الْقَعْقَاعُ لِبُجَيْرِ بْنِ دُلْجَةَ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ: يَا بُجَيْرُ بْنَ دُلْجَةَ صِحْ بِقَوْمِكَ فَلْيَعْقِرُوا الْجَمَلَ قَبْلَ أَنْ تُصَابُوا وَتُصَابَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ بُجَيْرٌ: يَا آلَ ضَبَّةَ! يَا عَمْرَو بْنَ دُلْجَةَ! ادْعُ بِي إِلَيْكَ، فَدَعَاهُ، فَقَالَ: أَنَا آمِنٌ حَتَّى أَرْجِعَ عَنْكُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَاجْتَثَّ سَاقَ الْبَعِيرِ، فَرَمَى نَفْسَهُ عَلَى شِقِّهِ وَجَرْجَرَ الْبَعِيرَ، فَقَالَ الْقَعْقَاعُ لِمَنْ يَلِيهِ: أَنْتُمْ آمِنُونَ. وَاجْتَمَعَ هُوَ وَزُفَرُ عَلَى قَطْعِ بِطَانِ الْبَعِيرِ، وَحَمَلَا الْهَوْدَجَ فَوَضَعَاهُ، (وَإِنَّهُ كَالْقُنْفُذِ لِمَا فِيهِ مِنَ السِّهَامِ) ، ثُمَّ أَطَافَا بِهِ، وَفَرَّ مَنْ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ النَّاسِ. فَلَمَّا انْهَزَمُوا أَمَرَ عَلِيٌّ مُنَادِيًا فَنَادَى: أَلَا لَا تَتْبَعُوا مُدْبِرًا، وَلَا تُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحٍ، وَلَا تَدْخُلُوا الدُّورَ. وَأَمَرَ عَلِيٌّ نَفَرًا أَنْ يَحْمِلُوا الْهَوْدَجَ مِنْ بَيْنِ الْقَتْلَى، وَأَمَرَ أَخَاهَا مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَضْرِبَ عَلَيْهَا قُبَّةً، وَقَالَ: انْظُرْ هَلْ وَصَلَ إِلَيْهَا شَيْءٌ مِنْ جِرَاحَةٍ؟ فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ فِي هَوْدَجِهَا، فَقَالَتْ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: أَبْغَضُ أَهْلِكِ إِلَيْكِ. قَالَتِ ابْنُ الْخَثْعَمِيَّةِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: يَا بِأَبِي، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَاكَ! وَقِيلَ: لَمَّا سَقَطَ الْجَمَلُ أَقْبَلَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ إِلَيْهِ وَمَعَهُ عَمَّارٌ، فَاحْتَمَلَا الْهَوْدَجَ فَنَحَّيَاهُ، فَأَدْخَلَ مُحَمَّدٌ يَدَهُ فِيهِ، فَقَالَتْ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: أَخُوكِ الْبَرُّ. قَالَتْ: عُقَقِ! قَالَ: يَا أُخَيَّةُ هَلْ أَصَابَكِ شَيْءٌ؟ قَالَتْ مَا أَنْتَ وَذَاكَ؟ قَالَ: فَمَنْ إِذًا الضُّلَّالُ؟ قَالَتْ: بَلِ الْهُدَاةُ. وَقَالَ لَهَا عَمَّارٌ: كَيْفَ رَأَيْتِ ضَرْبَ بَنِيكِ الْيَوْمَ يَا أُمَّاهُ؟ قَالَتْ: لَسْتُ لَكَ بِأُمٍّ. قَالَ: بَلَى وَإِنْ كَرِهْتِ. قَالَتْ: فَخَرْتُمْ أَنْ ظَفِرْتُمْ، وَأَتَيْتُمْ مِثْلَ الَّذِي نَقَمْتُمْ، هَيْهَاتَ، وَاللَّهِ لَنْ يَظْفَرَ مَنْ كَانَ هَذَا دَأْبُهُ! فَأَبْرَزُوا هَوْدَجَهَا فَوَضَعُوهَا لَيْسَ قُرْبَهَا أَحَدٌ. وَأَتَاهَا عَلِيٌّ: فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتِ يَا أُمَّهْ؟ قَالَتْ: بِخَيْرٍ. قَالَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكِ. قَالَتْ: وَلَكَ. وَجَاءَ أَعْيَنُ بْنُ ضُبَيْعَةَ (ابْنُ أَعْيَنَ)

стр. 1300

الْمُجَاشِعِيُّ حَتَّى اطَّلَعَ فِي الْهَوْدَجِ، فَقَالَتْ: إِلَيْكَ لَعَنَكَ اللَّهُ! فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرَى إِلَّا حُمَيْرَاءَ! فَقَالَتْ لَهُ: هَتَكَ اللَّهُ سِتْرَكَ، وَقَطَعَ يَدَكَ وَأَبْدَى عَوْرَتَكَ. فَقُتِلَ بِالْبَصْرَةِ، وَسُلِبَ، وَقُطِعَتْ يَدُهُ وَرُمِيَ عُرْيَانًا فِي خَرِبَةٍ مِنْ خَرِبَاتٍ الْأَزْدِ. ثُمَّ أَتَى وُجُوهُ النَّاسِ عَائِشَةَ، وَفِيهِمُ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو، فَسَلَّمَ عَلَيْهَا فَقَالَتْ: إِنِّي رَأَيْتُ بِالْأَمْسِ رَجُلَيْنِ اجْتَلَدَا وَارْتَجَزَا بِكَذَا، فَهَلْ تَعْرِفُ كُوفِيَّكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، ذَاكَ الَّذِي قَالَ: أَعَقُّ أُمٍّ نَعْلَمُ، وَكَذَبَ، إِنَّكِ لَأَبَرُّ أُمٍّ نَعْلَمُ وَلَكِنْ لَمْ تُطَاعِي. قَالَتْ: وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي مِتُّ قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ بِعِشْرِينَ سَنَةً. وَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا فَأَتَى عَلِيًّا، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي مِتُّ مِنْ قَبْلِ الْيَوْمِ بِعِشْرِينَ سَنَةً. وَكَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ ذَلِكَ الْيَوْمَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنِ الْقِتَالِ: إِلَيْكَ أَشْكُو عُجَرِي وَبُجَرِي ... وَمَعْشَرًا أَغْشَوْا عَلَيَّ بَصَرِي قَتَلْتُ مِنْهُمْ مُضَرًا بِمُضَرِي ... شَفَيْتُ نَفْسِي وَقَتَلْتُ مَعْشَرِي فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ أَدْخَلَهَا أَخُوهَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْبَصْرَةَ، فَأَنْزَلَهَا فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفٍ الْخُزَاعِيِّ عَلَى صَفِيَّةَ بِنْتِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ، وَهِيَ أُمُّ طَلْحَةَ الطَّلْحَاتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفٍ، وَتَسَلَّلَ الْجَرْحَى مِنْ بَيْنِ الْقَتْلَى لَيْلًا فَدَخَلُوا الْبَصْرَةَ، فَأَقَامَ عَلِيٌّ بِظَاهِرِ الْبَصْرَةِ ثَلَاثًا، وَأَذِنَ لِلنَّاسِ فِي دَفْنِ مَوْتَاهُمْ، فَخَرَجُوا إِلَيْهِمْ فَدَفَنُوهُمْ، وَطَافَ عَلِيٌّ فِي الْقَتْلَى، فَلَمَّا أَتَى عَلَى كَعْبِ بْنِ سُورٍ قَالَ: أَزْعَمْتُمْ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَهُمُ السُّفَهَاءُ، وَهَذَا الْحَبْرُ قَدْ تَرَوْنَ! وَأَتَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَتَّابٍ فَقَالَ: هَذَا يَعْسُوبُ الْقَوْمِ، يَعْنِي أَنَّهُمْ كَانُوا يُطِيفُونَ بِهِ، وَاجْتَمَعُوا عَلَى الرِّضَا بِهِ
следующие страницы →