← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

ثُمَّ ذَكَرَ يَزِيدَ وَفَضْلَهُ وَعِلْمَهُ بِالسِّيَاسَةِ وَعَرَّضَ بِبَيْعَتِهِ، فَعَارَضَهُ الضَّحَّاكُ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قِيلَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ وَالٍ بَعْدَكَ، وَقَدْ بَلَوْنَا الْجَمَاعَةَ وَالْأُلْفَةَ، فَوَجَدْنَاهُمَا أَحْقَنَ لِلدِّمَاءِ، وَأَصْلَحَ لِلدَّهْمَاءِ، وَآمَنَ لِلسُّبُلِ، وَخَيْرًا فِي الْعَاقِبَةِ، وَالْأَيَّامُ عِوَجٌ رَوَاجِعٌ، وَاللَّهُ كُلَّ يَوْمٍ فِي شَأْنٍ، وَيَزِيدُ ابْنُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي حُسْنِ هَدْيِهِ وَقَصْدِ سِيرَتِهِ عَلَى مَا عَلِمْتُ، وَهُوَ مِنْ أَفْضَلِنَا عِلْمًا وَحِلْمًا، وَأَبْعَدِنَا رَأْيًا، فَوَلِّهِ عَهْدَكَ وَاجْعَلْهُ لَنَا عَلَمًا بَعْدَكَ وَمَفْزَعًا نَلْجَأُ إِلَيْهِ وَنَسْكُنُ فِي ظِلِّهِ. وَتَكَلَّمَ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ الْأَشْدَقُ بِنَحْوٍ مِنْ ذَلِكَ: ثُمَّ قَامَ يَزِيدُ بْنُ الْمُقَنَّعِ الْعُذْرِيُّ فَقَالَ: هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَشَارَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَإِنْ هَلَكَ فَهَذَا، وَأَشَارَ إِلَى يَزِيدَ، وَمَنْ أَبَى فَهَذَا، وَأَشَارَ إِلَى سَيْفِهِ: فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: اجْلِسْ فَأَنْتَ سَيِّدُ الْخُطَبَاءِ. وَتَكَلَّمَ مَنْ حَضَرَ مِنَ الْوُفُودِ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِلْأَحْنَفِ: مَا تَقُولُ يَا أَبَا بَحْرٍ؟ فَقَالَ: نَخَافُكُمْ إِنْ صَدَقْنَا، وَنَخَافُ اللَّهَ إِنْ كَذَبْنَا، وَأَنْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَعْلَمُ بِيَزِيدَ فِي لَيْلِهِ وَنَهَارِهِ وَسِرِّهِ وَعَلَانِيَتِهِ وَمَدْخَلِهِ وَمَخْرَجِهِ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُهُ لِلَّهِ تَعَالَى وَلِلْأُمَّةِ رِضًى فَلَا تُشَاوِرِ [النَّاسَ] فِيهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ فِيهِ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا تُزَوِّدْهُ وَأَنْتَ صَائِرٌ إِلَى الْآخِرَةِ، وَإِنَّمَا عَلَيْنَا أَنْ نَقُولَ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. وَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ فَقَالَ: مَا نَدْرِي مَا تَقُولُ هَذِهِ الْمَعَدِّيَةُ الْعِرَاقِيَّةُ وَإِنَّمَا عِنْدَنَا سَمْعٌ وَطَاعَةٌ وَضَرْبٌ وَازْدِلَافٌ. فَتَفَرَّقَ النَّاسُ يَحْكُونَ قَوْلَ الْأَحْنَفِ، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ يُعْطِي الْمُقَارِبَ وَيُدَارِي الْمُبَاعِدَ وَيَلْطُفُ بِهِ حَتَّى اسْتَوْثَقَ لَهُ أَكْثَرُ النَّاسِ وَبَايَعَهُ. فَلَمَّا بَايَعَهُ أَهْلُ الْعِرَاقِ وَالشَّامِ سَارَ إِلَى الْحِجَازِ فِي أَلْفِ فَارِسٍ، لَمَّا دَنَا مِنَ الْمَدِينَةِ لَقِيَهُ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ أَوَّلَ النَّاسِ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ قَالَ: لَا مَرْحَبًا وَلَا أَهْلًا! بَدَنَةٌ بِتَرَقْرُقِ دَمِهَا وَاللَّهُ مُهَرِيقُهُ! قَالَ: مَهْلًا فَإِنِّي وَاللَّهِ لَسْتُ بِأَهْلٍ لِهَذِهِ الْمَقَالَةِ! قَالَ: بَلَى وَلَشَرٌّ مِنْهَا: وَلَقِيَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَقَالَ: لَا مَرْحَبًا وَلَا أَهْلًا خَبَّ ضَبٌّ تَلْعَةٌ، يُدْخِلُ رَأْسَهُ وَيَضْرِبُ بِذَنَبِهِ، وَيُوشِكُ وَاللَّهِ أَنْ يُؤْخَذَ بِذَنَبِهِ، وَيُدَقَّ ظَهْرُهُ، نَحِّيَاهُ عَنِّي، فَضُرِبَ وَجْهُ رَاحِلَتِهِ: ثُمَّ لَقِيَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: لَا

стр. 1542

أَهْلًا وَلَا مَرْحَبًا! شَيْخٌ قَدْ خَرِفَ وَذَهَبَ عَقْلُهُ، ثُمَّ أَمَرَ فَضُرَبَ وَجْهَ رَاحِلَتِهِ: ثُمَّ فَعَلَ بِابْنِ عُمَرَ نَحْوَ ذَلِكَ، فَأَقْبَلُوا مَعَهُ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِمْ حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ، فَحَضَرُوا بَابَهُ، فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُمْ عَلَى مَنَازِلِهِمْ وَلَمْ يَرَوْا مِنْهُ مَا يُحِبُّونَ، فَخَرَجُوا إِلَى مَكَّةَ فَأَقَامُوا بِهَا، وَخَطَبَ مُعَاوِيَةُ بِالْمَدِينَةِ فَذَكَرَ يَزِيدَ فَمَدَحَهُ وَقَالَ: مَنْ أَحَقُّ مِنْهُ بِالْخِلَافَةِ فِي فَضْلِهِ وَعَقْلِهِ وَمَوْضِعِهِ؟ وَمَا أَظُنُّ قَوْمًا بِمُنْتَهِينَ حَتَّى تُصِيبَهُمْ بَوَائِقُ تَجْتَثُّ أُصُولَهُمْ، وَقَدْ أَنْذَرْتُ إِنْ أَغْنَتِ النُّذُرُ، ثُمَّ أَنْشَدَ مُتَمَثِّلًا: قَدْ كُنْتُ حَذَّرْتُكَ آلَ الْمُصْطَلِقْ ... وَقُلْتُ يَا عَمْرُو أَطِعْنِي وَانْطَلِقْ إِنَّكَ إِنْ كَلَّفْتَنِي مَا لَمْ أُطِقْ ... سَاءَكَ مَا سَرَّكَ مِنِّي مِنْ خُلُقٍ دُونَكَ مَا اسْتَسْقَيْتَهُ فَاحْسُ وَذُقْ ثُمَّ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ، وَقَدْ بَلَغَهَا أَنَّهُ ذَكَرَ الْحُسَيْنَ وَأَصْحَابَهُ، فَقَالَ: لَأَقْتُلَنَّهُمْ إِنْ لَمْ يُبَايِعُوا، فَشَكَاهُمْ إِلَيْهَا، فَوَعَظَتْهُ وَقَالَتْ لَهُ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تَتَهَدُّهُمْ بِالْقَتْلِ، فَقَالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ هُمْ أَعَزُّ مِنْ ذَلِكَ وَلَكِنِّي بَايَعْتُ لِيَزِيدَ وَبَايَعَهُ غَيْرُهُمْ، أَفَتَرَيْنَ أَنْ أَنْقُضَ بَيْعَةً قَدْ تَمَّتْ؟ قَالَتْ: فَارْفُقْ بِهِمْ فَإِنَّهُمْ يَصِيرُونَ إِلَى مَا تُحِبُّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ: قَالَ: أَفْعَلُ. وَكَانَ فِي قَوْلِهَا لَهُ: مَا يُؤَمِّنُكَ أَنْ أُقْعِدَ لَكَ رَجُلًا يَقْتُلُكَ وَقَدْ فَعَلْتَ بِأَخِي مَا فَعَلْتَ؟ تَعْنِي أَخَاهَا مُحَمَّدًا. فَقَالَ لَهَا: كَلَّا يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي فِي بَيْتِ أَمْنٍ. قَالَتْ: أَجَلْ. وَمَكَثَ بِالْمَدِينَةِ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ فَلَقِيَهُ النَّاسُ، فَقَالَ أُولَئِكَ النَّفَرُ: نَتَلَقَّاهُ فَلَعَلَّهُ قَدْ نَدِمَ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ، فَلَقُوهُ بِبَطْنِ مَرَّ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ لَقِيَهُ الْحُسَيْنُ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ وَسَيِّدَ شَبَابِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَمَرَ لَهُ بِدَابَّةٍ فَرَكِبَ وَسَايَرَهُ، ثُمَّ فَعَلَ بِالْبَاقِينَ مِثْلَ ذَلِكَ وَأَقْبَلَ يُسَايِرُهُمْ لَا يَسِيرُ مَعَهُ غَيْرُهُمْ حَتَّى دَخَلَ مَكَّةَ، فَكَانُوا أَوَّلَ دَاخِلٍ وَآخَرَ خَارِجٍ، وَلَا يَمْضِي يَوْمٌ إِلَّا وَلَهُمْ صِلَةٌ وَلَا يَذْكُرُ لَهُمْ شَيْئًا، حَتَّى قَضَى نُسُكَهُ وَحَمَلَ أَثْقَالَهُ وَقَرُبَ مَسِيرُهُ فَقَالَ بَعْضُ أُولَئِكَ النَّفَرِ لِبَعْضٍ: لَا تُخْدَعُوا فَمَا صَنَعَ بِكُمْ هَذَا لِحُبِّكُمْ وَمَا صَنَعَهُ إِلَّا لِمَا يُرِيدُ: فَأَعِدُّوا لَهُ جَوَابًا فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمُخَاطِبُ لَهُ ابْنَ الزُّبَيْرِ. فَأَحْضَرَهُمْ مُعَاوِيَةُ وَقَالَ: قَدْ عَلِمْتُمْ سِيرَتِي وَصِلَتِي لِأَرْحَامِكُمْ وَحَمْلِي مَا

стр. 1543

كَانَ مِنْكُمْ، وَيَزِيدُ أَخُوكُمْ وَابْنُ عَمِّكُمْ وَأَرَدْتُ أَنْ تُقَدِّمُوهُ بِاسْمِ الْخِلَافَةِ وَتَكُونُوا أَنْتُمْ تَعْزِلُونَ وَتُؤَمِّرُونَ وَتَجْبُونَ الْمَالَ وَتَقْسِمُونَهُ لَا يُعَارِضُكُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. فَسَكَتُوا. فَقَالَ: أَلَا تُجِيبُونَ؟ مَرَّتَيْنِ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: هَاتِ لَعَمْرُكَ إِنَّكَ خَطِيبُهُمْ. فَقَالَ: نَعَمْ، نُخَيِّرُكَ بَيْنَ ثَلَاثِ خِصَالٍ: قَالَ: اعْرِضْهُنَّ: قَالَ: تَصْنَعُ كَمَا صَنَعَ رَسُولُ ﷺ أَوْ كَمَا صَنَعَ أَبُو بَكْرٍ أَوْ كَمَا صَنَعَ عُمَرُ: قَالَ مُعَاوِيَةُ: مَا صَنَعُوا؟ قَالَ: قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَسْتَخْلِفْ أَحَدًا فَارْتَضَى النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ: قَالَ: لَيْسَ فِيكُمْ مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ وَأَخَافُ الِاخْتِلَافَ: قَالُوا: صَدَقْتَ فَاصْنَعْ كَمَا صَنَعَ أَبُو بَكْرٍ فَإِنَّهُ عَهِدَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ قَاصِيَةِ قُرَيْشٍ لَيْسَ مِنْ بَنِي أَبِيهِ فَاسْتَخْلَفَهُ، وَإِنْ شِئْتَ فَاصْنَعْ كَمَا صَنَعَ عُمَرُ، جَعَلَ الْأَمْرَ شُورَى فِي سِتَّةِ نَفَرٍ لَيْسَ فِيهِمْ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِهِ وَلَا مَنْ بَنِي أَبِيهِ: قَالَ مُعَاوِيَةُ: هَلْ عِنْدَكَ غَيْرُ هَذَا؟ قَالَ: لَا. ثُمَّ قَالَ: فَأَنْتُمْ؟ قَالُوا: قَوْلُنَا قَوْلُهُ. قَالَ: فَإِنِّي قَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ أَتَقَدَّمَ إِلَيْكُمْ، إِنَّهُ قَدْ أَعْذَرَ مَنْ أَنْذَرَ، إِنِّي كُنْتُ أَخْطُبُ فِيكُمْ فَيَقُومُ إِلَيَّ الْقَائِمُ مِنْكُمْ فَيُكَذِّبُنِي عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ فَأَحْمِلُ ذَلِكَ وَأَصْفَحُ، وَإِنِّي قَائِمٌ بِمَقَالَةٍ، فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَئِنْ رَدَّ عَلَيَّ أَحَدُكُمْ كَلِمَةً فِي مَقَامِي هَذَا لَا تَرْجِعُ إِلَيْهِ كَلِمَةٌ غَيْرُهَا حَتَّى يَسْبِقَهَا السَّيْفُ إِلَى رَأْسِهِ، فَلَا يُبْقِيَنَّ رَجُلٌ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ. ثُمَّ دَعَا صَاحِبَ حَرَسِهِ بِحَضْرَتِهِمْ فَقَالَ: أَقِمْ عَلَى رَأْسِ كُلِّ رَجُلٍ مِنْ هَؤُلَاءِ رَجُلَيْنِ وَمَعَ كُلِّ وَاحِدٍ سَيْفٌ، فَإِنْ ذَهَبَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يَرُدُّ عَلَيَّ كَلِمَةً بِتَصْدِيقٍ أَوْ تَكْذِيبٍ فَلْيَضْرِبَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا. ثُمَّ خَرَجَ وَخَرَجُوا مَعَهُ حَتَّى رَقَى الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ سَادَةُ الْمُسْلِمِينَ وَخِيَارُهُمْ لَا يُبَتُّ أَمْرٌ دُونَهُمْ وَلَا يُقْضَى إِلَّا عَنْ مَشُورَتِهِمْ، وَإِنَّهُمْ قَدْ رَضُوا وَبَايَعُوا لِيَزِيدَ، فَبَايِعُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ! فَبَايَعَ النَّاسُ، وَكَانُوا يَتَرَبَّصُونَ بَيْعَةَ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ، ثُمَّ رَكِبَ رَوَاحِلَهُ وَانْصَرَفَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَقِيَ النَّاسُ أُولَئِكَ النَّفَرَ فَقَالُوا لَهُمْ: زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ لَا تُبَايِعُونَ فَلِمَ؟ أَرَضِيتُمْ وَأَعْطَيْتُمْ وَبَايَعْتُمْ؟ قَالُوا: وَاللَّهِ مَا فَعَلْنَا: فَقَالُوا: مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تَرُدُّوا عَلَى الرَّجُلِ؟ قَالُوا: كَادَنَا وَخِفْنَا الْقَتْلَ. وَبَايَعَهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الشَّامِ وَجَفَا بَنِي هَاشِمٍ، فَأَتَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ

стр. 1544

لَهُ: مَا بَالُكَ جَفَوْتَنَا؟ قَالَ: إِنَّ صَاحِبَكُمْ لَمْ يُبَايِعْ لِيَزِيدَ فَلَمْ تُنْكِرُوا ذَلِكَ عَلَيْهِ فَقَالَ: يَا مُعَاوِيَةُ إِنِّي لَخَلِيقٌ أَنْ أَنْحَازَ إِلَى بَعْضِ السَّوَاحِلِ فَأُقِيمَ بِهِ ثُمَّ أَنْطَلِقُ بِمَا تَعْلَمُ حَتَّى أَدَعَ النَّاسَ كُلَّهُمْ خَوَارِجَ عَلَيْكَ: قَالَ: يَا أَبَا الْعَبَّاسِ تُعْطَوْنَ وَتَرْضَوْنَ وَتُرَادُّونَ. وَقِيلَ: إِنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ: أُبَايِعُكَ عَلَى أَنِّي أَدْخُلُ فِيمَا تَجْتَمِعُ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ، فَوَاللَّهِ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى حَبَشِيٍّ لَدَخَلْتُ مَعَهَا ثُمَّ عَادَ إِلَى مَنْزِلِهِ فَأَغْلَقَ بَابَهُ وَلَمْ يَأْذَنْ لِأَحَدٍ. قُلْتُ: ذِكْرُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ لَا يَسْتَقِيمُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَجْعَلُ وَفَاتَهُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَجْعَلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ الْوَقْتِ. ذِكْرُ عَزْلِ ابْنِ زِيَادٍ عَنْ خُرَاسَانَ وَاسْتِعْمَالِ سَعِيدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَعْمَلَ مُعَاوِيَةُ سَعِيدَ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ عَلَى خُرَاسَانَ وَعَزَلَ ابْنَ زِيَادٍ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ سَأَلَ مُعَاوِيَةَ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ عَلَى خُرَاسَانَ، فَقَالَ: إِنَّ بِهَا عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ: فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدِ اصْطَنَعَكَ أَبِي حَتَّى بَلَغْتَ بِاصْطِنَاعِهِ الْمَدَى الَّذِي تُجَارَى إِلَيْهِ وَلَا تُسَامَى، فَمَا شَكَرْتَ بَلَاءَهُ وَلَا جَازَيْتَهُ وَقَدَّمْتَ هَذَا، يَعْنِي يَزِيدَ، وَبَايَعْتَ لَهُ، وَاللَّهِ لَأَنَا خَيْرٌ مِنْهُ أَبًا وَأُمًّا وَنَفْسًا! فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: أَمَّا بَلَاءُ أَبِيكَ فَقَدْ يَحِقُّ عَلَيْكَ الْجَزَاءُ بِهِ، وَقَدْ كَانَ مِنْ شُكْرِي لِذَلِكَ أَنِّي قَدْ طَلَبْتُ بِدَمِهِ، وَأَمَّا فَضْلُ أَبِيكَ عَلَى أَبِيهِ فَهُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ مِنِّي، وَأَمَّا فَضْلُ أُمِّكَ عَلَى أُمِّهِ فَلَعَمْرِي امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ خَيْرٌ مِنِ امْرَأَةٍ مِنْ كَلْبٍ، وَأَمَّا فَضْلُكَ عَلَيْهِ فَوَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ الْغُوطَةَ مُلِئَتْ لِيَزِيدَ رِجَالًا مِثْلَكَ. فَقَالَ لَهُ يَزِيدُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ابْنُ عَمِّكَ وَأَنْتَ أَحَقُّ مَنْ نَظَرَ فِي أَمْرِهِ، قَدْ عَتَبَ عَلَيْكَ فَأَعْتِبْهُ. فَوَلَّاهُ حَرْبَ خُرَاسَانَ، وَوَلَّى إِسْحَاقَ بْنَ طَلْحَةَ خَرَاجَهَا وَكَانَ إِسْحَاقُ ابْنُ خَالَةِ مُعَاوِيَةَ، أُمُّهُ أُمُّ أَبَانٍ بِنْتُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، فَلَمَّا صَارَ بِالرَّيِّ مَاتَ إِسْحَاقُ فَوَلِيَ سَعِيدٌ

стр. 1545

حَرْبَهَا وَخَرَاجَهَا، فَلَمَّا قَدِمَ خُرَاسَانَ قَطَعَ النَّهْرَ إِلَى سَمَرْقَنْدَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ الصُّغْدَ فَتَوَاقَفُوا يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ وَلَمْ يَقْتَتِلُوا، فَقَالَ مَالِكُ بْنُ الرَّيْبِ: مَا زِلْتَ يَوْمَ الصُّغْدِ تُرْعِدُ وَاقِفًا ... مِنَ الْجُبْنِ حَتَّى خِفْتُ أَنْ تَتَنَصَّرَا فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ اقْتَتَلُوا فَهَزَمَهُمْ سَعِيدٌ وَحَصَرَهُمْ فِي مَدِينَتِهِمْ، فَصَالَحُوهُ وَأَعْطَوْهُ رَهْنًا مِنْهُمْ خَمْسِينَ غُلَامًا مِنْ أَبْنَاءِ عُظَمَائِهِمْ، فَسَارَ إِلَى تِرْمِذَ فَفَتَحَهَا صُلْحًا وَلَمْ يَفِ لِأَهْلِ سَمَرْقَنْدَ وَجَاءَ بِالْغِلْمَانِ مَعَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ: وَكَانَ مِمَّنْ قُتِلَ مَعَهُ قُثَمُ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِي هَذِهِ [السَّنَةِ] مَاتَتْ جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ .

стр. 1546

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ] ٥٧ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ فِيهَا كَانَ مَشْتَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ بِأَرْضِ الرُّومِ. وَفِيهَا عُزِلَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ عَنِ الْمَدِينَةِ، وَاسْتُعْمِلَ عَلَيْهَا الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَقِيلَ: لَمْ يُعْزَلْ مَرْوَانُ هَذِهِ السَّنَةَ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ: وَكَانَ الْعَامِلُ عَلَى الْكُوفَةِ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ، وَعَلَى خُرَاسَانَ سَعِيدَ بْنَ عُثْمَانَ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ، وَقِيلَ: سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ قُدَامَةَ السَّعْدِيُّ، وَلَهُ صُحْبَةٌ، وَقِيلَ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ وَقْدَانَ السَّعْدِيُّ، وَإِنَّمَا

стр. 1547

قِيلَ لَهُ السَّعْدِيُّ لِأَنَّ أَبَاهُ اسْتُرْضِعَ فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، وَهُوَ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ: وَعُثْمَانُ بْنُ شَيْبَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْعَبْدَرِيُّ، وَهُوَ جَدُّ بَنِي شَيْبَةَ سَدَنَةِ الْكَعْبَةِ، وَمِفْتَاحُهَا مَعَهُمْ إِلَى الْآنَ، وَأَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَقِيلَ يَوْمَ حُنَيْنٍ، وَجَبَيْرُ بْنُ مَطْعِمِ بْنِ نَوْفَلٍ الْقُرَشِيُّ، لَهُ صُحْبَةٌ. وَأُمُّ سَلَمَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ وَقِيلَ: بَقِيَتْ إِلَى قَتْلِ الْحُسَيْنِ.

стр. 1548

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ] ٥٨ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا مَالِكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَثْعَمِيُّ أَرْضَ الرُّومِ، وَعَمْرُو بْنُ يَزِيدَ الْجُهَنِيُّ فِي الْبَحْرِ، وَقِيلَ: جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ. ذِكْرُ عَزْلِ الضَّحَّاكِ عَنِ الْكُوفَةِ وَاسْتِعْمَالِ ابْنِ أُمِّ الْحَكَمِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ مُعَاوِيَةُ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ عَنِ الْكُوفَةِ وَاسْتَعْمَلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ الثَّقَفِيَّ، وَهُوَ ابْنُ أُمِّ الْحَكَمِ، وَهُوَ ابْنُ أُخْتِ مُعَاوِيَةَ. وَفِي عَمَلِهِ هَذِهِ السَّنَةَ خَرَجَتِ الْخَوَارِجُ الَّذِي كَانَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ حَبَسَهُمْ فَجَمَعَهُمْ حَيَّانُ بْنُ ظَبْيَانَ السُّلَمِيُّ وَمُعَاذُ بْنُ جُوَيْنٍ الطَّائِيُّ فَخَطَبَاهُمْ وَحَثَّاهُمْ عَلَى الْجِهَادِ، فَبَايَعُوا حَيَّانَ بْنَ ظَبْيَانَ وَخَرَجُوا إِلَى بَانِقْيَا، فَسَارَ إِلَيْهِمُ الْجَيْشُ مِنَ الْكُوفَةِ فَقَتَلُوهُمْ جَمِيعًا. ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أُمِّ الْحَكَمِ طَرَدَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ لِسُوءِ سِيرَتِهِ، فَلَحِقَ بِخَالِهِ مُعَاوِيَةَ فَوَلَّاهُ مِصْرَ، فَاسْتَقْبَلَهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مِصْرَ، فَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ إِلَى خَالِكَ، فَلَعَمْرِي لَا تَسِيرُ فِينَا سِيرَتَكَ فِي إِخْوَانِنَا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ! فَرَجَعَ إِلَى مُعَاوِيَةَ:

стр. 1549

ثُمَّ إِنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ حُدَيْجٍ وَفَدَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ إِذَا قَدِمَ إِلَى مُعَاوِيَةَ زُيِّنَتْ لَهُ الطَّرِيقُ بِقِبَابِ الرَّيْحَانِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، فَدَخَلَ عَلَى مُعَاوِيَةَ وَعِنْدَهُ أُخْتُهُ أُمُّ الْحَكَمِ، فَقَالَتْ: مَنْ هَذَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: بَخٍ بَخٍ! هَذَا مُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ. قَالَتْ: لَا مَرْحَبًا، تَسْمَعُ بِالْمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَرَاهُ! فَسَمِعَهَا مُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ فَقَالَ: عَلَى رِسْلِكِ يَا أُمَّ الْحَكَمِ، وَاللَّهِ لَقَدْ تَزَوَّجْتِ فَمَا أُكْرِمْتِ، وَوَلَدْتِ فَمَا أَنْجَبْتِ، أَرَدْتِ أَنْ يَلِيَ ابْنُكِ الْفَاسِقُ عَلَيْنَا فَيَسِيرَ فِينَا كَمَا سَارَ فِي إِخْوَانِنَا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُرِيَهُ ذَلِكَ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَضَرَبْنَاهُ ضَرْبًا يُطَأْطِئُ مِنْهُ وَلَوْ كَرِهَ هَذَا الْقَاعِدُ، يَعْنِي خَالَهُ مُعَاوِيَةَ. فَالْتَفَتَ إِلَيْهَا مُعَاوِيَةُ وَقَالَ: كُفِّي، فَكَفَّتْ. ذِكْرُ خُرُوجِ طَوَّافِ بْنِ غَلَّاقٍ كَانَ قَوْمٌ مِنَ الْخَوَارِجِ بِالْبَصْرَةِ يَجْتَمِعُونَ إِلَى رَجُلٍ اسْمُهُ جِدَارٌ فَيَتَحَدَّثُونَ عِنْدَهُ وَيَعِيبُونَ السُّلْطَانَ، فَأَخَذَهُمُ ابْنُ زِيَادٍ فَحَبَسَهُمْ ثُمَّ دَعَا بِهِمْ وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَقْتُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيُخَلِّيَ سَبِيلَ الْقَاتِلِينَ، فَفَعَلُوا، فَأَطْلَقَهُمْ، وَكَانَ مِمَّنْ قَتَلَ طَوَّافٌ، فَعَذَلَهُمْ أَصْحَابُهُمْ وَقَالُوا: قَتَلْتُمْ إِخْوَانَكُمْ! قَالُوا: أُكْرِهْنَا وَقَدْ يُكْرَهُ الرَّجُلُ عَلَى الْكُفْرِ وَهُوَ مُطَمْئِنٌ بِالْإِيمَانِ. وَنَدِمَ طَوَّافٌ وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ طَوَّافٌ: أَمَا مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَكَانُوا يَبْكُونَ، وَعَرَضُوا عَلَى أَوْلِيَاءِ مَنْ قَتَلُوا الدِّيَةَ فَأَبَوْا، وَعَرَضُوا عَلَيْهِمُ الْقَوَدَ فَأَبَوْا وَلَقِيَ طَوَّافٌ الْهَثْهَاتَ بْنَ ثَوْرٍ السَّدُوسِيَّ فَقَالَ لَهُ: أَمَا تَرَى لَنَا مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: مَا أَجِدُ لَكَ إِلَّا آيَةً فِي كِتَابِ اللَّهِ، ، قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠] . فَدَعَا طَوَّافٌ أَصْحَابَهُ إِلَى الْخُرُوجِ وَإِلَى أَنْ يَفْتِكُوا بِابْنِ زِيَادٍ، فَبَايَعُوهُ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ، وَكَانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْقَيْسِ بِالْبَصْرَةِ، فَسَعَى بِهِمْ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِمْ إِلَى ابْنِ زِيَادٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ طَوَّافًا فَعَجَّلَ الْخُرُوجَ، فَخَرَجُوا

стр. 1550

مِنْ لَيْلَتِهِمْ فَقَتَلُوا رَجُلًا، وَمَضَوْا إِلَى الْجَلْجَاءِ، فَنَدَبَ ابْنُ زِيَادٍ الشُّرَطَ الْبُخَارِيَّةَ، فَقَاتَلُوهُمْ، فَانْهَزَمَ الشُّرَطُ حَتَّى دَخَلُوا الْبَصْرَةَ وَاتَّبَعُوهُمْ، وَذَلِكَ يَوْمُ عِيدِ الْفِطْرِ، وَكَثَّرَهُمُ النَّاسُ فَقَاتَلُوا فَقُتِلُوا، وَبَقِيَ طَوَّافٌ فِي سِتَّةِ نَفَرٍ، وَعَطِشَ فَرَسُهُ فَأَقْحَمَهُ الْمَاءَ، فَرَمَاهُ الْبُخَارِيَّةُ بِالنُّشَّابِ حَتَّى قَتَلُوهُ وَصَلَبُوهُ، ثُمَّ دَفَنَهُ أَهْلُهُ، فَقَالَ شَاعِرٌ مِنْهُمْ: يَا رَبِّ هَبْ لِي التُّقَى وَالصِّدْقَ فِي ثَبَتٍ ... وَاكْفِ الْمُهِمَّ فَأَنْتَ الرَّازِقُ الْكَافِي حَتَّى أَبِيعَ الَّتِي تَفْنَى بِآخِرَةٍ ... تَبْقَى عَلَى دِينِ مِرْدَاسٍ وَطَوَّافِ وَكَهْمَسٍ وَأَبِي الشَّعْثَاءِ إِذْ نَفَرُوا ... إِلَى الْإِلَهِ ذَوِي أَخْبَابِ زَحَّافِ ذِكْرُ قَتْلِ عُرْوَةَ ابْنِ أُدَيَّةَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْخَوَارِجِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ اشْتَدَّ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ عَلَى الْخَوَارِجِ فَقَتَلَ مِنْهُمْ جَمَاعَةً كَثِيرَةً، مِنْهُمْ: عُرْوَةُ ابْنُ أُدَيَّةَ أَخُو أَبِي بِلَالٍ مِرْدَاسِ ابْنِ أُدَيَّةَ، وَأُدَيَّةُ أُمُّهُمَا، وَأَبُوهُمَا حُدَيْرٌ، وَهُوَ تَمِيمِيٌّ. وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّ ابْنَ زِيَادٍ كَانَ قَدْ خَرَجَ فِي رِهَانٍ لَهُ، فَلَمَّا جَلَسَ يَنْتَظِرُ الْخَيْلَ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ وَفِيهِمْ عُرْوَةُ، فَأَقْبَلَ عَلَى ابْنِ زِيَادٍ يَعِظُهُ، وَكَانَ مِمَّا قَالَ لَهُ: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ - وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ - وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٨ - ١٣٠] . فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ ظَنَّ ابْنُ زِيَادٍ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إِلَّا وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ، فَقَامَ وَرَكِبَ وَتَرَكَ رِهَانَهُ: فَقِيلَ لِعُرْوَةَ: لَيَقْتُلَنَّكَ! فَاخْتَفِي، فَطَلَبَهُ ابْنُ زِيَادٍ فَهَرَبَ وَأَتَى الْكُوفَةَ، فَأُخِذَ وَقُدِمَ بِهِ عَلَى ابْنِ زِيَادٍ، فَقَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَقَتَلَهُ، وَقَتَلَ ابْنَتَهُ. وَأَمَّا أَخُوهُ أَبُو بِلَالٍ مِرْدَاسٌ فَكَانَ عَابِدًا مُجْتَهِدًا عَظِيمَ الْقَدْرِ فِي الْخَوَارِجِ، وَشَهِدَ صِفِّينَ مَعَ عَلِيٍّ فَأَنْكَرَ التَّحْكِيمَ، وَشَهِدَ النَّهْرَوَانَ مَعَ الْخَوَارِجِ، وَكَانَتِ الْخَوَارِجُ كُلُّهَا تَتَوَلَّاهُ، وَرَأَى عَلَى ابْنِ عَامِرٍ قَبَاءً أَنْكَرَهُ فَقَالَ: هَذَا لِبَاسُ الْفُسَّاقِ! فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ: لَا تَقُلْ

стр. 1551

هَذَا لِلسُّلْطَانِ فَإِنَّ مَنْ أَبْغَضَ السُّلْطَانَ أَبْغَضَهُ اللَّهُ، وَكَانَ لَا يَدِينُ بِالِاسْتِعْرَاضِ، وَيُحَرِّمُ خُرُوجَ النِّسَاءِ، وَيَقُولُ لَا نُقَاتِلُ إِلَّا مَنْ قَاتَلَنَا وَلَا نَجْبِي إِلَّا مَنْ حَمَيْنَا. وَكَانَتِ الْبَثْجَاءُ، امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي يَرْبُوعٍ، تُحَرِّضُ عَلَى ابْنِ زِيَادٍ وَتَذْكُرُ تَجَبُّرَهُ وَسُوءَ سِيرَتِهِ، وَكَانَتْ مِنَ الْمُجْتَهِدَاتِ، فَذَكَرَهَا ابْنُ زِيَادٍ، فَقَالَ لَهَا أَبُو بِلَالٍ: إِنَّ التَّقِيَّةَ لَا بَأْسَ بِهَا فَتَغَيَّبِي فَإِنَّ هَذَا الْجَبَّارَ قَدْ ذَكَرَكِ. قَالَتْ: أَخْشَى أَنْ يَلْقَى أَحَدٌ بِسَبَبِي مَكْرُوهًا. فَأَخَذَهَا ابْنُ زِيَادٍ فَقَطَعَ يَدَيْهَا وَرِجْلَيْهَا، فَمَرَّ بِهَا أَبُو بِلَالٍ فِي السُّوقِ فَعَضَّ عَلَى لِحْيَتِهِ وَقَالَ: أَهَذِهِ أَطْيَبُ نَفْسًا بِالْمَوْتِ مِنْكَ يَا مِرْدَاسُ؟ مَا مِيتَةٌ أُمُوتُهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مِيتَةِ الْبَثْجَاءِ! وَمَرَّ أَبُو بِلَالٍ بِبَعِيرٍ قَدْ طُلِيَ بِقَطِرَانٍ فَغُشِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَفَاقَ فَتَلَا: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠] . ثُمَّ إِنَّ ابْنَ زِيَادٍ أَلَحَّ فِي طَلَبِ الْخَوَارِجِ فَمَلَأَ مِنْهُمُ السِّجْنَ وَأَخَذَ النَّاسَ بِسَبَبِهِمْ وَحَبَسَ أَبَا بِلَالٍ قَبْلَ أَنْ يَقْتُلَ أَخَاهُ عُرْوَةَ، فَرَأَى السَّجَّانُ عِبَادَتَهُ فَأَذِنَ لَهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي إِتْيَانِ أَهْلِهِ، فَكَانَ يَأْتِيهِمْ لَيْلًا وَيَعُودُ مَعَ الصُّبْحِ، وَكَانَ صَدِيقٌ لِمِرْدَاسٍ يُسَامِرُ ابْنَ زِيَادٍ، فَذَكَرَ ابْنُ زِيَادٍ الْخَوَارِجَ لَيْلَةً فَعَزَمَ عَلَى قَتْلِهِمْ، فَانْطَلَقَ صَدِيقُ مِرْدَاسٍ إِلَيْهِ فَأَعْلَمَهُ الْخَبَرَ، وَبَاتَ السَّجَّانُ بِلَيْلَةِ سُوءٍ خَوْفًا أَنْ يَعْلَمَ مِرْدَاسٌ فَلَا يَرْجِعُ، فَلَمَّا كَانَ الْوَقْتُ الَّذِي كَانَ يَعُودُ فِيهِ إِذَا بِهِ قَدْ أَتَى، فَقَالَ لَهُ السَّجَّانُ: أَمَا بَلَغَكَ مَا عَزَمَ عَلَيْهِ الْأَمِيرُ؟ قَالَ: بَلَى قَالَ: ثُمَّ جِئْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ لَمْ يَكُنْ جَزَاؤُكَ مِنِّي مَعَ إِحْسَانِكَ إِلَيَّ أَنْ تُعَاقَبَ. وَأَصْبَحَ عُبَيْدُ اللَّهِ فَقَتَلَ الْخَوَارِجَ، فَلَمَّا أُحْضِرَ مِرْدَاسٌ قَامَ السَّجَّانُ، وَكَانَ ظِئْرًا لِعُبَيْدِ اللَّهِ، فَشَفَعَ فِيهِ وَقَصَّ عَلَيْهِ قِصَّتَهُ، فَوَهَبَهُ لَهُ وَخَلَّى سَبِيلَهُ. ثُمَّ إِنَّهُ خَافَ ابْنَ زِيَادٍ فَخَرَجَ فِي أَرْبَعِينَ رَجُلًا إِلَى الْأَهْوَازِ، فَكَانَ إِذَا اجْتَازَ بِهِ مَالٌ أَخَذَ مِنْهُ عَطَاءَهُ وَعَطَاءَ أَصْحَابِهِ ثُمَّ يَرُدُّ الْبَاقِي، فَلَمَّا سَمِعَ ابْنُ زِيَادٍ خَبَرَهُمْ بَعَثَ إِلَيْهِمْ جَيْشًا عَلَيْهِمْ أَسْلَمُ بْنُ زُرْعَةَ الْكِلَابِيُّ سَنَةَ سِتِّينَ، وَقِيلَ: أَبُو حُصَيْنٍ التَّمِيمِيُّ، وَكَانَ الْجَيْشُ أَلْفَيْ رَجُلٍ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى أَبِي بِلَالٍ نَاشَدَهُمُ اللَّهَ أَنْ يُقَاتِلُوهُ فَلَمْ يَفْعَلُوا، وَدَعَاهُمْ أَسْلَمُ إِلَى مُعَاوَدَةِ الْجَمَاعَةِ، فَقَالُو: أَتَرُدُّونَنَا إِلَى ابْنِ زِيَادٍ الْفَاسِقِ؟ فَرَمَى أَصْحَابُ أَسْلَمَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ أَبِي بِلَالٍ فَقَتَلُوهُ، فَقَالَ أَبُو بِلَالٍ: قَدْ بَدَءُوكُمْ بِالْقِتَالِ. فَشَدَّ الْخَوَارِجُ عَلَى أَسْلَمَ وَأَصْحَابِهِ شَدَّةً رَجُلٍ وَاحِدٍ فَهَزَمُوهُمْ فَقَدِمُوا الْبَصْرَةَ، فَلَامَ ابْنُ

стр. 1552

زِيَادٍ أَسْلَمَ وَقَالَ: هَزَمَكَ أَرْبَعُونَ وَأَنْتَ فِي أَلْفَيْنِ، لَا خَيْرَ فِيكَ! فَقَالَ: لَأَنْ تَلُومَنِي وَأَنَا حَيٌّ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تُثْنِيَ عَلَيَّ وَأَنَا مَيِّتٌ. فَكَانَ الصِّبْيَانُ إِذَا رَأَوْا أَسْلَمَ صَاحُوا بِهِ: أَمَا أَبُو بِلَالٍ وَرَاءَكَ! فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى ابْنِ زِيَادٍ، فَنَهَاهُمْ فَانْتَهَوْا. (وَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ: أَأَلْفَا مُؤْمِنٍ مِنْكُمْ زَعَمْتُمْ ... وَيَقْتُلُهُمْ بِآسِكَ أَرْبَعُونَا كَذَبْتُمْ لَيْسَ ذَاكَ كَمَا زَعَمْتُمْ ... وَلَكِنَّ الْخَوَارِجَ مُؤْمِنُونَا [هِيَ الْفِئَةُ الْقَلِيلَةُ قَدْ عَلِمْتُمْ ... عَلَى الْفِئَةِ الْكَثِيرَةِ يُنْصَرُونَا ] ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَحَجَّ بِالنَّاسِ الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ. [الْوَفَيَاتُ] : (فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ) الْجُهَنِيُّ، وَلَهُ صُحْبَةٌ، وَشَهِدَ صِفِّينَ مَعَ مُعَاوِيَةَ. وَفِيهَا تُوُفِّيَتْ عَائِشَةُ، ﵍. وَسَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ، لَهُ صُحْبَةٌ. وَمَالِكُ بْنُ عُبَادَةَ الْغَافِقِيُّ، وَلَهُ صُحْبَةٌ. وَعَمِيرَةُ بْنُ يَثْرِبِيٍّ قَاضِي الْبَصْرَةِ، وَاسْتُقْضِيَ مَكَانَهُ هِشَامُ بْنُ هُبَيْرَةَ.

стр. 1553

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ] ٥٩ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ مَشْتَى عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ الْجُهَنِيِّ بِأَرْضِ الرُّومِ فِي الْبَرِّ، وَغَزَا فِي الْبَحْرِ جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، وَقِيلَ: لَمْ يَكُنْ فِي الْبَحْرِ غَزْوَةٌ هَذِهِ السَّنَةَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عُزِلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أُمِّ الْحَكَمِ عَنِ الْكُوفَةِ وَاسْتُعْمِلَ عَلَيْهَا النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ سَبَبُ عَزْلِهِ (وَقِيلَ: كَانَ عَزْلُهُ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ) . ذِكْرُ وِلَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادٍ خُرَاسَانَ وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ مُعَاوِيَةُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زِيَادٍ عَلَى خُرَاسَانَ، وَقَدِمَ بَيْنَ يَدَيْهِ قَيْسُ بْنُ الْهَيْثَمِ السُّلَمِيُّ، وَأَخَذَ أَسْلَمَ بْنَ زُرْعَةَ فَحَبَسَهُ وَأَخَذَ مِنْهُ ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَكَانَ كَرِيمًا حَرِيصًا ضَعِيفًا لَمْ يَغْزُ غَزْوَةً وَاحِدَةً، وَبَقِيَ بِخُرَاسَانَ إِلَى أَنْ قُتِلَ الْحُسَيْنُ، فَقَدِمَ عَلَى يَزِيدَ وَمَعَهُ عِشْرُونَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ حَاسَبْنَاكَ وَأَخَذْنَا مَا مَعَكَ وَرَدَدْنَاكَ إِلَى عَمَلِكَ، وَإِنْ شِئْتَ أَعْطَيْنَاكَ مَا مَعَكَ وَعَزَلْنَاكَ وَتُعْطِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ. قَالَ: بَلْ تُعْطِينِي مَا مَعِي وَتَعْزِلُنِي. فَفَعَلَ فَأَرْسَلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِلَى ابْنِ جَعْفَرٍ بِأَلْفِ أَلْفٍ وَقَالَ: هَذِهِ خَمْسُمِائَةُ أَلْفٍ مِنْ يَزِيدَ وَخَمْسُمِائَةُ أَلْفٍ مِنِّي.

стр. 1554

ذِكْرُ عَزْلِ ابْنِ زِيَادٍ عَنِ الْبَصْرَةِ وَعَوْدِهِ إِلَيْهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ مُعَاوِيَةُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ عَنِ الْبَصْرَةِ وَأَعَادَهُ إِلَيْهَا. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ ابْنَ زِيَادٍ وَفَدَ عَلَى مُعَاوِيَةَ فِي وُجُوهِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَفِيهِمُ الْأَحْنَفُ، وَكَانَ سَيِّئَ الْمَنْزِلَةِ مِنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَلَمَّا دَخَلُوا رَحَّبَ مُعَاوِيَةُ بِالْأَحْنَفِ وَأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَى سَرِيرِهِ، فَأَحْسَنَ الْقَوْمُ الثَّنَاءَ عَلَى ابْنِ زِيَادٍ وَالْأَحْنَفُ سَاكِتٌ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: مَا لَكَ يَا أَبَا بَحْرٍ لَا تَتَكَلَّمُ؟ فَقَالَ: إِنْ تَكَلَّمْتُ خَالَفْتُ الْقَوْمَ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: انْهَضُوا فَقَدْ عَزَلْتُهُ عَنْكُمْ وَاطْلُبُوا وَالِيًا تَرْضَوْنَهُ، فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ إِلَّا أَتَى رَجُلًا مَنْ بَنِي أُمَيَّةَ أَوْ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَالْأَحْنَفُ لَمْ يَبْرَحْ مِنْ مَنْزِلِهِ فَلَمْ يَأْتِ أَحَدًا، فَلَبِثُوا أَيَّامًا، ثُمَّ جَمَعَهُمْ مُعَاوِيَةُ وَقَالَ لَهُمْ: مَنِ اخْتَرْتُمْ؟ فَاخْتَلَفَتْ كَلِمَتُهُمْ وَالْأَحْنَفُ سَاكِتٌ، فَقَالَ: مَا لَكَ لَا تَتَكَلَّمُ؟ فَقَالَ: إِنْ وَلَّيْتَ عَلَيْنَا أَحَدًا مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ لَمْ نَعْدِلْ بِعُبَيْدِ اللَّهِ أَحَدًا، وَإِنْ وَلَّيْتَ مِنْ غَيْرِهِمْ فَانْظُرْ فِي ذَلِكَ. فَرَدَّهُ مُعَاوِيَةُ عَلَيْهِمْ وَأَوْصَاهُ بِالْأَحْنَفِ وَقَبَّحَ رَأْيَهُ فِي مُبَاعَدَتِهِ، فَلَمَّا هَاجَتِ الْفِتْنَةُ لَمْ يَفِ لَهُ غَيْرُ الْأَحْنَفِ. ذِكْرُ هِجَاءِ يَزِيدَ بْنِ مُفَرِّغٍ الْحِمْيَرِيِّ بَنِي زِيَادٍ وَمَا كَانَ مِنْهُ كَانَ يَزِيدُ بْنُ مُفَرِّغٍ الْحِمْيَرِيُّ مَعَ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ بِسِجِسْتَانَ، فَاشْتَغَلَ عَنْهُ بِحَرْبِ التُّرْكِ، فَاسْتَبْطَأَهُ ابْنُ مُفَرِّغٍ، وَأَصَابَ الْجُنْدَ الَّذِينَ مَعَ عَبَّادٍ ضِيقٌ فِي عُلُوفَاتِ دَوَابِّهِمْ، فَقَالَ ابْنُ مُفَرِّغٍ: أَلَا لَيْتَ اللِّحَى كَانَتْ حَشِيشًا ... فَنَعْلِفَهَا خُيُولَ الْمُسْلَمِينَا وَكَانَ عَبَّادُ بْنُ زِيَادٍ عَظِيمَ اللِّحْيَةِ، فَقِيلَ: مَا أَرَادَ غَيْرَكَ. فَطُلِبَ فَهَرَبَ مِنْهُ وَهَجَاهُ بِقَصَائِدَ، وَكَانَ مِمَّا هَجَاهُ بِهِ قَوْلُهُ: إِذَا أَوْدَى مُعَاوِيَةُ بْنُ حَرْبٍ ... فَبَشِّرْ شَعْبَ رَحْلِكَ بِانْصِدَاعِ فَأَشْهِدْ أَنَّ أُمَّكَ لَمْ تُبَاشِرْ ... أَبَا سُفْيَانَ وَاضِعَةَ الْقِنَاعِ

стр. 1555

وَلَكِنْ كَانَ أَمْرًا فِيهِ لَبْسٌ ... عَلَى وَجَلٍ شَدِيدٍ وَارْتِيَاعِ وَقَالَ أَيْضًا: أَلَا أَبْلِغْ مُعَاوِيَةَ بْنَ حَرْبٍ ... مُغَلْغَلَةً مِنَ الرَّجُلِ الْيَمَانِي أَتَغْضَبُ أَنْ يُقَالَ أَبُوكَ عَفٌّ ... وَتَرْضَى أَنْ يُقَالَ أَبُوكَ زَانِ فَأَشْهَدُ أَنَّ رِحْمَكَ مِنْ زِيَادٍ ... كَرِحْمِ الْفِيلِ مِنْ وَلَدِ الْأَتَانِ وَقَدِمَ يَزِيدُ بْنُ مُفَرِّغٍ الْبَصْرَةَ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ بِالشَّامِ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَخُوهُ عَبَّادٌ بِمَا كَانَ مِنْهُ، فَأَعْلَمَ عُبَيْدُ اللَّهِ مُعَاوِيَةَ بِهِ وَأَنْشَدَهُ الشِّعْرَ وَاسْتَأْذَنَهُ فِي قَتْلِ ابْنِ مُفَرِّغٍ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ وَأَمَرَهُ بِتَأْدِيبِهِ. وَلَمَّا قَدِمَ ابْنُ مُفَرِّغٍ الْبَصْرَةَ اسْتَجَارَ بِالْأَحْنَفِ وَغَيْرِهِ مِنَ الرُّؤَسَاءِ فَلَمْ يُجِرْهُ أَحَدٌ، فَاسْتَجَارَ بِالْمُنْذِرِ بْنِ الْجَارُودِ فَأَجَارَهُ وَأَدْخَلَهُ دَارَهُ، وَكَانَتِ ابْنَتُهُ عِنْدَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، فَلَمَّا قَدِمَ عُبَيْدُ اللَّهِ الْبَصْرَةَ أُخْبِرَ بِمَكَانِ ابْنِ مُفَرِّغٍ، وَأَتَى الْمُنْذِرَ عُبَيْدُ اللَّهِ مُسَلِّمًا، فَأَرْسَلَ عُبَيْدُ اللَّهِ الشُّرَطَ إِلَى دَارِ الْمُنْذِرِ فَأَخَذُوا ابْنَ مُفَرِّغٍ وَأَتَوْهُ بِهِ وَالْمُنْذِرُ عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ الْمُنْذِرُ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ إِنِّي قَدْ أَجَرْتُهُ! فَقَالَ: يَا مُنْذِرُ يَمْدَحُكَ وَأَبَاكَ وَيَهْجُونِي وَأَبِي وَتُجِيرُهُ عَلَيَّ! ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَسُقِيَ دَوَاءً ثُمَّ حُمِلَ عَلَى حِمَارٍ وَطِيفَ بِهِ وَهُوَ يَسْلَحُ فِي ثِيَابِهِ، فَقَالَ يَهْجُو الْمُنْذِرَ: تَرَكْتُ قُرَيْشًا أَنْ أُجَاوِرَ فِيهِمُ ... وَجَاوَرَتْ عَبْدَ الْقَيْسِ أَهْلَ الْمُشَقَّرِ أُنَاسٌ أَجَارُونَا فَكَانَ جِوَارُهُمْ ... أَعَاصِيرَ مِنْ فَسْوِ الْعِرَاقِ الْمُبَذِّرَ

стр. 1556

فَأَصْبَحَ جَارِي مِنْ جُذَيْمَةَ نَائِمًا ... وَلَا يَمْنَعُ الْجِيرَانَ غَيْرُ الْمُشَمِّرِ فَقَالَ لِعُبَيْدِ اللَّهِ: يَغْسِلُ الْمَاءُ مَا صَنَعْتَ وَقَوْلِي ... رَاسِخٌ مِنْكَ فِي الْعِظَامِ الْبَوَالِي ثُمَّ سَيَّرَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ إِلَى أَخِيهِ عَبَّادٍ بِسِجِسْتَانَ، فَكَلَّمَتِ الْيَمَانِيَةُ بِالشَّامِ مُعَاوِيَةَ فِيهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَبَّادٍ فَأَخَذَهُ مِنْ عِنْدِهِ، فَقَدِمَ عَلَى مُعَاوِيَةَ وَقَالَ فِي طَرِيقِهِ: عَدَسْ مَا لِعَبَّادٍ عَلَيْكِ إِمَارَةٌ ... أَمِنْتِ وَهَذَا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ لَعَمْرِي لَقَدْ نَجَّاكِ مِنْ هُوَّةِ الرَّدَى ... إِمَامٌ وَحَبْلٌ لِلْأَنَامِ وَثِيقُ سَأَشْكُرُ مَا أَوْلَيْتَ مِنْ حُسْنِ نِعْمَةٍ ... وَمِثْلِي بِشُكْرِ الْمُنْعِمِينَ حَقِيقُ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى مُعَاوِيَةَ بَكَى وَقَالَ: رُكِبَ مِنِّي مَا لَمْ يُرْكَبْ مِنْ مُسْلِمٍ مِثْلُهُ عَلَى غَيْرِ حَدَثٍ، قَالَ: أَوَلَسْتَ الْقَائِلَ: أَلَا أَبْلِغْ مُعَاوِيَةَ بْنَ حَرْبٍ الْقَصِيدَةَ؟ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ الَّذِي عَظَّمَ حَقَّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مَا قُلْتُ هَذَا، وَإِنَّمَا قَالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَكَمِ أَخُو مَرْوَانَ وَاتَّخَذَنِي ذَرِيعَةً إِلَى هِجَاءِ زِيَادٍ. قَالَ: أَلَسْتَ الْقَائِلَ: فَأَشْهِدْ أَنَّ أُمَّكَ لَمْ تُبَاشِرْ ... أَبَا سُفْيَانَ وَاضِعَةَ الْقِنَاعِ فِي أَشْعَارٍ كَثِيرَةٍ هَجَوْتَ بِهَا ابْنَ زِيَادٍ؟ اذْهَبْ فَقَدْ عَفَوْنَا عَنْكَ فَانْزِلْ أَيَّ أَرْضِ اللَّهِ شِئْتَ. فَنَزَلَ الْمَوْصِلَ وَتَزَوَّجَ بِهَا. فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةَ بِنَائِهِ بِامْرَأَتِهِ خَرَجَ حِينَ أَصْبَحَ إِلَى

стр. 1557

الصَّيْدِ فَلَقِيَ إِنْسَانًا عَلَى حِمَارٍ. فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟ فَقَالَ: مِنَ الْأَهْوَازِ. قَالَ: فَمَا فَعَلَ (مَاءُ مَسْرُقَانَ) ؟ قَالَ: عَلَى حَالِهِ. فَارْتَاحَ إِلَى الْبَصْرَةِ فَقَدِمَهَا وَدَخَلَ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ فَآمَنَهُ. وَغَضِبَ مُعَاوِيَةُ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ فَكُلِّمَ فِيهِ فَقَالَ: لَا أَرْضَى عَنْهُ حَتَّى يَرْضَى عَنْهُ ابْنُ زِيَادٍ. فَقَدِمَ الْبَصْرَةَ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ وَقَالَ لَهُ: لَأَنْتَ زِيَادَةٌ فِي آلِ حَرْبٍ ... أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِحْدَى بَنَاتِي أَرَاكَ أَخًا وَعَمًّا وَابْنَ عَمٍّ ... فَلَا أَدْرِي بِغَيْبٍ مَا تَرَانِي [فَقَالَ] : أَرَاكَ شَاعِرَ سُوءٍ! وَرَضِيَ عَنْهُ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ حَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ. وَكَانَ الْوَالِي عَلَى الْكُوفَةِ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ، (وَعَلَى الْمَدِينَةِ الْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ، وَعَلَى خُرَاسَانَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زِيَادٍ، وَعَلَى سِجِسْتَانَ عَبَّادَ بْنَ زِيَادٍ) ، وَعَلَى كَرْمَانَ شَرِيكَ بْنَ الْأَعْوَرِ. [الْوَفَيَاتُ] : وَفِيهَا مَاتَ قَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ بِالْمَدِينَةِ، وَقِيلَ: سَنَةَ سِتِّينَ، وَكَانَ قَدْ شَهِدَ مَعَ عَلِيٍّ مَشَاهِدَهُ كُلَّهَا. وَفِيهَا مَاتَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ، وَوُلِدَ عَامَ الْهِجْرَةِ، وَقُتِلَ

стр. 1558

أَبُوهُ يَوْمَ بَدْرٍ كَافِرًا. وَفِيهَا مَاتَ مُرَّةُ بْنُ كَعْبٍ الْبَهْزِيُّ السُّلَمِيُّ، وَلَهُ صُحْبَةٌ. وَفِيهَا مَاتَ أَبُو مَحْذُورَةَ الْجُمَحِيُّ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، وَلَمْ يَزَلْ يُؤْذِنُ بِهَا حَتَّى مَاتَ وَوَلَدُهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّينَ. وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ بِمَكَّةَ فَدُفِنَ بِعَرَفَاتٍ. وَفِيهَا مَاتَ أَبُو هُرَيْرَةَ، فَحَمَلَ جِنَازَتَهُ وَلَدُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ لِهَوَاهُ كَانَ فِي عُثْمَانَ. [غَزْوَةُ حِصْنِ كَمْخٍ] : وَفِيهَا غَزَا الْمُسْلِمُونَ حِصْنَ كَمْخٍ وَمَعَهُمْ عُمَيْرُ بْنُ الْحُبَابِ السُّلَمِيُّ، فَصَعِدَ عَمِيرٌ السُّورَ وَلَمْ يَزَلْ يُقَاتِلُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ حَتَّى كَشَفَ الرُّومَ فَصَعِدَ الْمُسْلِمُونَ، فَفَتَحَهُ بِعُمَيْرٍ، وَبِذَلِكَ كَانَ يَفْتَخِرُ وَيُفْخَرُ لَهُ بِذَلِكَ.

стр. 1559

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتِّينَ] ٦٠ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتِّينَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ غَزْوَةُ مَالِكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ سُورِيَّةَ وَدُخُولُ جُنَادَةَ رُودِسَ وَهَدْمُهُ مَدِينَتَهَا فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ. (وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَكَانَ قَدْ أَخَذَ عَلَى وَفْدِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ الْبَيْعَةَ لِيَزِيدَ) . ذِكْرُ وَفَاةِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ خَطَبَ مُعَاوِيَةُ قَبْلَ مَرَضِهِ وَقَالَ: إِنِّي كَزَرْعٍ مُسْتَحْصَدٍ وَقَدْ طَالَتْ إِمْرَتِي عَلَيْكُمْ حَتَّى مَلِلْتُكُمْ وَمَلِلْتُمُونِي وَتَمَنَّيْتُ فِرَاقَكُمْ وَتَمَنَّيْتُمْ فِرَاقِي، وَلَنْ يَأْتِيَكُمْ بَعْدِي إِلَّا مَنْ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ، كَمَا أَنَّ مَنْ قَبْلِي كَانَ خَيْرًا مِنِّي، وَقَدْ قِيلَ: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ» ، اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ أَحْبَبْتُ لِقَاءَكَ فَأَحْبِبْ لِقَائِي وَبَارِكْ لِي فِيهِ! فَلَمْ يَمْضِ غَيْرُ قَلِيلٍ حَتَّى ابْتَدَأَ بِهِ مَرَضُهُ، فَلَمَّا مَرِضَ الْمَرَضَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ دَعَا ابْنَهُ يَزِيدَ فَقَالَ: يَا بُنِيَّ إِنِّي قَدْ كَفَيْتُكَ الشَّدَّ وَالتَّرْحَالَ، وَوَطَّأْتُ لَكَ الْأُمُورَ، وَذَلَّلْتُ لَكَ الْأَعْدَاءَ، وَأَخْضَعْتُ لَكَ رِقَابَ الْعَرَبِ، وَجَمَعْتُ لَكَ مَا لَمْ يَجْمَعْهُ أَحَدٌ، فَانْظُرْ أَهْلَ الْحِجَازِ فَإِنَّهُمْ أَصْلُكَ، وَأَكْرِمْ مَنْ قَدِمَ عَلَيْكَ مِنْهُمْ، وَتَعَاهَدَ مَنْ غَابَ، وَانْظُرْ أَهْلَ الْعِرَاقِ:

стр. 1560

فَإِنْ سَأَلُوكَ أَنْ تَعْزِلَ عَنْهُمْ كُلَّ يَوْمٍ عَامِلًا فَافْعَلْ، فَإِنَّ عَزْلَ عَامِلٍ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يُشْهَرَ عَلَيْكَ مِائَةُ أَلْفِ سَيْفٍ، وَانْظُرْ أَهْلَ الشَّامِ فَلْيَكُونُوا بِطَانَتَكَ وَعَيْبَتَكَ، فَإِنْ رَابَكَ مَنْ عَدُّوِكَ شَيْءٌ فَانْتَصِرْ بِهِمْ، فَإِذَا أَصَبْتَهُمْ فَارْدُدْ أَهْلَ الشَّامِ إِلَى بِلَادِهِمْ، فَإِنَّهُمْ إِنْ أَقَامُوا بِغَيْرِ بِلَادِهِمْ تَغَيَّرَتْ أَخْلَاقُهُمْ، وَإِنِّي لَسْتُ أَخَافُ عَلَيْكَ أَنْ يُنَازِعَكَ فِي هَذَا الْأَمْرِ إِلَّا أَرْبَعَةُ نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ: الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، فَأَمَّا ابْنُ عُمَرَ فَإِنَّهُ رَجُلٌ قَدْ وَقَذَتْهُ الْعِبَادَةُ، فَإِذَا لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ غَيْرُهُ بَايَعَكَ، وَأَمَّا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ فَهُوَ رَجُلٌ خَفِيفٌ وَلَنْ يَتْرُكَهُ أَهْلُ الْعِرَاقِ حَتَّى يُخْرِجُوهُ، فَإِنْ خَرَجَ وَظَفِرْتَ بِهِ فَاصْفَحْ عَنْهُ، فَإِنَّ لَهُ رَحِمًا مَاسَّةً وَحَقًّا عَظِيمًا وَقَرَابَةً مِنْ مُحَمَّدٍ ﷺ وَأَمَّا ابْنُ أَبِي بَكْرٍ فَإِنْ رَأَى أَصْحَابَهُ صَنَعُوا شَيْئًا صَنَعَ مِثْلَهُ، لَيْسَ لَهُ هِمَّةٌ إِلَّا فِي النِّسَاءِ وَاللَّهْوِ، وَأَمَّا الَّذِي يَجْثِمُ لَكَ جُثُومَ الْأَسَدِ وَيُرَاوِغُكَ مُرَاوَغَةَ الثَّعْلَبِ فَإِنْ أَمْكَنَتْهُ فُرْصَةٌ وَثَبَ فَذَاكَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، فَإِنْ هُوَ فَعَلَهَا بِكَ فَظَفِرْتَ بِهِ فَقَطِّعْهُ إِرَبًا إِرَبًا، وَاحْقِنْ دِمَاءَ قَوْمِكَ مَا اسْتَطَعْتَ. هَكَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ذُكِرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَإِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ كَانَ قَدْ مَاتَ قَبْلَ مُعَاوِيَةَ. وَقِيلَ: إِنَّ يَزِيدَ كَانَ غَائِبًا فِي مَرَضِ أَبِيهِ وَمَوْتِهِ، وَإِنَّ مُعَاوِيَةَ أَحْضَرَ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ وَمُسْلِمَ بْنَ عُقْبَةَ الْمُرِّيَّ فَأَمَرَهُمَا أَنْ يُؤَدِّيَا عَنْهُ هَذِهِ الرِّسَالَةَ إِلَى يَزِيدَ ابْنِهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ. ثُمَّ مَاتَ بِدِمَشْقَ لِهِلَالِ رَجَبٍ، وَقِيلَ لِلنِّصْفِ مِنْهُ، وَقِيلَ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْهُ، وَكَانَ مُلْكُهُ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وَسَبْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا مُذِ اجْتَمَعَ لَهُ الْأَمْرُ وَبَايَعَ لَهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَقِيلَ كَانَ مُلْكُهُ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ إِلَّا أَيَّامًا، وَكَانَ عُمُرُهُ خَمْسًا وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَقِيلَ ثَلَاثًا وَسَبْعِينَ سَنَةً. وَقِيلَ تُوُفِّيَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَقِيلَ خَمْسٌ وَثَمَانِينَ. وَقِيلَ: وَلَمَّا اشْتَدَّتْ عِلَّتُهُ وَأُرْجِفَ بِهِ قَالَ لِأَهْلِهِ: احْشُوا عَيْنِي إِثْمِدًا وَادْهُنُوا رَأْسِي. فَفَعَلُوا وَبَرَّقُوا وَجْهَهُ بِالدُّهْنِ ثُمَّ مُهِّدَ لَهُ فَجَلَسَ وَأَذِنَ لِلنَّاسِ، فَسَلَّمُوا قِيَامًا وَلَمْ يَجْلِسْ

стр. 1561

أَحَدٌ، فَلَمَّا خَرَجُوا عَنْهُ قَالُوا: هُوَ أَصَحُّ النَّاسِ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِنْ عِنْدِهِ: وَتَجَلُّدِي لِلشَّامِتِينَ أُرِيهِمْ ... أَنِّي لِرَيْبِ الدَّهْرِ لَا أَتَضَعْضَعُ وَإِذَا الْمَنِيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفَارَهَا ... أَلْفَيْتَ كُلَّ تَمِيمَةٍ لَا تَنْفَعُ وَكَانَ بِهِ نُفَاثَاتٌ، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَسَانِي قَمِيصًا فَحَفِظْتُهُ، وَقَلَّمَ أَظْفَارَهُ يَوْمًا فَأَخَذْتُ قُلَامَتَهُ فَجَعَلْتُهَا فِي قَارُورَةٍ، فَإِذَا مُتُّ فَأَلْبِسُونِي ذَلِكَ الْقَمِيصَ وَاسْحَقُوا تِلْكَ الْقُلَامَةَ وَذَرُوهَا فِي عَيْنِي وَفَمِي فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْحَمَنِي بِبَرَكَتِهَا، ثُمَّ تَمَثَّلَ بِشِعْرِ الْأَشْهَبِ بْنِ رُمَيْلَةَ النَّهْشَلِيِّ: إِذَا مُتُّ مَاتَ الْجُودُ وَانْقَطَعَ النَّدَى ... مِنَ النَّاسِ إِلَّا مِنْ قَلِيلٍ مُصَرَّدِ وَرُدَّتْ أَكُفُّ السَّائِلِينَ وَأَمْسَكُوا ... مِنَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا بِخُلْفٍ مُجَدَّدِ فَقَالَتْ إِحْدَى بَنَاتِهِ: كَلَّا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ يَدْفَعُ اللَّهُ عَنْكَ. فَقَالَ مُتَمَثِّلًا بِشِعْرِ الْهُذَلِيِّ: وَإِذَا الْمَنِيَّةُ، الْبَيْتَ. وَقَالَ لِأَهْلِهِ: اتَّقُوا اللَّهَ فَإِنَّهُ لَا وَاقِيَ لِمَنْ لَا يَتَّقِي اللَّهَ. ثُمَّ قَضَى وَأَوْصَى أَنْ يُرَدَّ نِصْفُ مَالِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ، كَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَطِيبَ لَهُ الْبَاقِي لِأَنَّ عُمَرَ قَاسَمَ عُمَّالَهُ، وَأَنْشَدَ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ: إِنْ تُنَاقِشْ يَكُنْ نِقَاشُكَ يَا رَ ... بِّ عَذَابًا لَا طَوْقَ لِي بِالْعَذَابِ أَوْ تُجَاوِزْ فَأَنْتَ رَبٌّ صَفُوحٌ ... عَنْ مُسِيءٍ ذُنُوبُهُ كَالتُّرَابِ

стр. 1562

وَلَمَّا اشْتَدَّ مَرَضُهُ أَخَذَتِ ابْنَتُهُ رَمْلَةُ رَأْسَهُ فِي حِجْرِهَا وَجَعَلَتْ تُفَلِّيهِ، فَقَالَ: إِنَّكِ لَتُفَلِّينَهُ حُوَّلًا قُلَّبًا، جَمَعَ الْمَالَ مِنْ شُبٍّ إِلَى دُبٍّ، فَلَيْتَهُ لَا يَدْخُلُ النَّارَ! ثُمَّ تَمَثَّلَ: لَقَدْ سَعَيْتُ لَكُمْ مِنْ سَعْيِ ذِي نَصَبٍ ... وَقَدْ كَفَيْتُكُمُ التَّطْوَافَ وَالرَّحَلَا وَبَلَغَهُ أَنَّ قَوْمًا يَفْرَحُونَ بِمَوْتِهِ، فَأَنْشَدَ: فَهَلْ مِنْ خَالِدٍ إِنْ مَا هَلَكْنَا ... وَهَلْ بِالْمَوْتِ يَا لِلنَّاسِ عَارُ؟ وَكَانَ فِي مَرَضِهِ رُبَّمَا اخْتَلَطَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، فَقَالَ مَرَّةً: كَمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْغُوطَةِ؟ فَصَاحَتْ بِنْتُهُ: وَاحُزْنَاهُ! فَأَفَاقَ فَقَالَ: إِنْ تَنْفِرِي فَقَدْ رَأَيْتِ مَنْفَرَا. فَلَمَّا مَاتَ خَرَجَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ حَتَّى صَعِدَ الْمِنْبَرَ وَأَكْفَانُ مُعَاوِيَةَ عَلَى يَدَيْهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ عُودَ الْعَرَبِ وَحَدَّ الْعَرَبِ وَجَدَّ الْعَرَبِ، قَطَعَ اللَّهُ بِهِ الْفِتْنَةَ وَمَلَّكَهُ عَلَى الْعِبَادِ وَفَتَحَ بِهِ الْبِلَادَ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ مَاتَ وَهَذِهِ أَكْفَانُهُ وَنَحْنُ مُدْرِجُوهُ فِيهَا وَمُدْخِلُوهُ قَبْرَهُ وَمُخَلُّونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَمَلِهِ ثُمَّ هُوَ الْهَرْجُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَمَنْ كَانَ يُرِيدُ [أَنْ] يَشْهَدَهُ فَعِنْدَ الْأُولَى. وَصَلَّى عَلَيْهِ الضَّحَّاكُ.

стр. 1563

وَقِيلَ: لَمَّا اشْتَدَّ مَرَضُهُ، أَيْ مَرَضُ مُعَاوِيَةَ، كَانَ وَلَدُهُ يَزِيدُ بِحُوَّارِينَ، فَكَتَبُوا إِلَيْهِ يَحُثُّونَهُ عَلَى الْمَجِيءِ لِيُدْرِكَهُ، فَقَالَ يَزِيدُ شِعْرًا: جَاءَ الْبَرِيدُ بِقِرْطَاسٍ يَخُبُّ بِهِ ... فَأَوْجَسَ الْقَلْبُ مِنْ قِرْطَاسِهِ فَزَعَا قُلْنَا: لَكَ الْوَيْلُ مَاذَا فِي كِتَابِكُمُ؟ ... قَالَ: الْخَلِيفَةُ أَمْسَى مُثْبَتًا وَجِعَا ثُمَّ انْبَعَثْنَا إِلَى خَوْضٍ مُزَمَّمَةٍ ... نَرْمِي الْفِجَاجَ بِهَا لَا نَأْتَلِي سِرَعَا فَمَادَتِ الْأَرْضُ أَوْ كَادَتْ تَمِيدُ بِنَا ... كَأَنَّ أَغْبَرَ مِنْ أَرْكَانِهَا انْقَطَعَا مَنْ لَمْ تَزَلْ نَفْسُهُ تُوفِي عَلَى شَرَفٍ ... تُوشِكْ مَقَالِيدُ تِلْكَ النَّفْسِ أَنْ تَقَعَا لَمَّا انْتَهَيْنَا وَبَابُ الدَّارِ مُنْصَفِقٌ ... وَصَوْتُ رَمْلَةَ رِيعَ الْقَلْبُ فَانْصَدَعَا ثُمَّ ارْعَوَى الْقَلْبُ شَيْئًا بَعْدَ طَيْرَتِهِ ... وَالنَّفْسُ تَعْلَمُ أَنْ قَدْ أُثْبِتَتْ جَزَعَا أَوْدَى ابْنُ هِنْدٍ وَأَوْدَى الْمَجْدُ يَتْبَعُهُ ... كَانَا جَمِيعًا فَمَاتَا قَاطِنَيْنِ مَعَا أَغَرُّ أَبْلَجُ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِهِ ... لَوْ قَارَعَ النَّاسَ عَنْ أَحِسَابِهِمْ قَرَعَا

стр. 1564

فَأَقْبَلَ يَزِيدُ وَقَدْ دُفِنَ فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ. ذِكْرُ نَسَبِهِ وَكُنْيَتِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَأَوْلَادِهِ أَمَّا نَسَبُهُ فَهُوَ: مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَاسْمُ أَبِي سُفْيَانَ صَخْرُ بْنُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ. وَأَمَّا نِسَاؤُهُ وَوَلَدُهُ، فَمِنْهُنَّ: مَيْسُونُ بِنْتُ بَحْدَلِ بْنِ أُنَيْفٍ الْكَلْبِيَّةِ أُمُّ يَزِيدَ ابْنِهِ، وَقِيلَ وَلَدَتْ بِنْتًا اسْمُهَا أَمَةُ رَبِّ الْمَشَارِقِ فَمَاتَتْ صَغِيرَةً: وَمِنْهُنَّ فَاخِتَةُ ابْنَةُ قَرَظَةَ بْنِ عَبْدِ عَمْرِو بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مُنَافٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ وَعَبْدَ اللَّهِ ابْنَيْ مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ أَحْمَقَ، اجْتَازَ يَوْمًا بِطَحَّانٍ وَبَغْلُهُ يَطْحَنُ، وَفِي عُنُقِهِ جَلَاجِلُ فَسَأَلَ عَنِ الْجَلَاجِلِ فَقَالَ: جَعَلْتُهَا فِي عُنُقِهِ لِأَعْلَمَ أَنْ قَدْ قَامَ فَلَمْ تَدُرِ الرَّحَا. فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَ وَحَرَّكَ رَأْسَهُ كَيْفَ تَعْلَمُ؟ فَقَالَ الطَّحَّانُ: إِنَّ بَغْلِي لَيْسَ لَهُ عَقْلٌ مِثْلُ عَقْلِ الْأَمِيرِ. وَأَمَّا عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَمَاتَ صَغِيرًا. وَمِنْهُنَّ نَائِلَةُ ابْنَةُ عُمَارَةَ الْكِلَابِيَّةُ، تَزَوَّجَهَا وَقَالَ لِمَيْسُونَ: انْظُرِي إِلَيْهَا، فَنَظَرَتْ إِلَيْهَا وَقَالَتْ: رَأَيْتُهَا جَمِيلَةً، وَلَكِنِّي رَأَيْتُ تَحْتَ سُرَّتِهَا خَالًا، لَيُوضَعَنَّ رَأْسُ زَوْجِهَا فِي حِجْرِهَا! فَطَلَّقَهَا مُعَاوِيَةُ وَتَزَوَّجَهَا حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِيُّ، ثُمَّ خَلَفَ عَلَيْهَا بَعْدَهُ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ، وَقُتِلَ فَوُضِعَ رَأْسُهُ فِي حِجْرِهَا. وَمِنْهُنَّ كَتْوَةُ بِنْتُ قَرَظَةَ أُخْتُ فَاخِتَةَ، وَغَزَا قُبْرُسَ وَهِيَ مَعَهُ فَمَاتَتْ هُنَاكَ. ذِكْرُ بَعْضِ سِيرَتِهِ وَأَخْبَارِهِ وَقُضَاتِهِ وَكُتَّابِهِ لَمَّا بُويِعَ مُعَاوِيَةُ بِالْخِلَافَةِ اسْتَعْمَلَ عَلَى شُرْطَتِهِ قَيْسَ بْنَ حَمْزَةَ الْهَمْدَانِيَّ، ثُمَّ عَزَلَهُ وَاسْتَعْمَلَ زِمْلَ بْنَ عَمْرٍو الْعُذْرِيَّ، وَقِيلَ السَّكْسَكِيَّ. وَكَانَ كَاتِبُهُ وَصَاحِبُ أَمْرِهِ سَرْجُونَ الرُّومِيَّ، وَعَلَى حَرَسِهِ رَجُلٌ مِنَ الْمَوَالِي يُقَالُ لَهُ الْمُخْتَارُ، وَقِيلَ أَبُو الْمُخَارِقِ مَالِكٌ مَوْلَى حِمْيَرَ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اتَّخَذَ الْحَرَسَ، وَكَانَ عَلَى حُجَّابِهِ سَعْدٌ مَوْلَاهُ، وَعَلَى الْقَضَاءِ

стр. 1565

فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ، فَمَاتَ، فَاسْتَقْضَى أَبَا إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيَّ. وَكَانَ عَلَى دِيوَانِ الْخَاتَمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مِحْصَنٍ الْحِمْيَرِيُّ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اتَّخَذَ دِيوَانَ الْخَاتَمِ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ أَمَرَ لِعَمْرِو بْنِ الزُّبَيْرِ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَكَتَبَ لَهُ بِذَلِكَ إِلَى زِيَادٍ، فَفَتَحَ عَمْرٌو الْكِتَابَ وَصَيَّرَ الْمِائَةَ مِائَتَيْنِ، فَلَمَّا رَفَعَ زِيَادٌ حِسَابَهُ أَنْكَرَهَا مُعَاوِيَةُ وَطَلَبَهَا مِنْ عَمْرٍو وَحَبَسَهُ، فَقَضَاهَا عَنْهُ أَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، فَأَحْدَثَ عَنْهُ ذَلِكَ مُعَاوِيَةُ دِيوَانَ الْخَاتَمِ وَحَزَمَ الْكُتُبَ، وَلَمْ تَكُنْ تُحْزَمُ. قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: يَذْكُرُونَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَدَهَاءَهُمَا وَعِنْدَكُمْ مُعَاوِيَةُ! قِيلَ: وَقَدِمَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ مِنْ مِصْرَ عَلَى مُعَاوِيَةَ وَمَعَهُ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ، فَقَالَ لَهُمْ عَمْرٌو: لَا تُسَلِّمُوا عَلَى مُعَاوِيَةَ بِالْخِلَافَةِ فَإِنَّهُ أَهْيَبُ لَكُمْ فِي قَلْبِهِ وَصَغِّرُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ. فَلَمَّا قَدِمُوا قَالَ مُعَاوِيَةُ لِحُجَّابِهِ: كَأَنِّي بِابْنِ النَّابِغَةِ وَقَدْ صَغَّرَ أَمْرِي عِنْدَ الْقَوْمِ، فَانْظُرُوا إِذَا دَخَلَ الْقَوْمُ فَتَعْتِعُوهُمْ أَشَدَّ مَا يَحْضُرُكُمْ. فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ ابْنُ الْخَيَّاطِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَتَتَابَعَ الْقَوْمُ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا خَرَجُوا قَالَ لَهُمْ عَمْرٌو: لَعَنَكُمُ اللَّهُ! نَهَيْتُكُمْ أَنْ تُسَلِّمُوا عَلَيْهِ بِالْإِمَارَةِ فَسَلَّمْتُمْ عَلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ! قِيلَ: وَدَخَلَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ عَلَى مُعَاوِيَةَ وَمَعَهُ وَلَدٌ لَهُ فَأَكْثَرَ مِنَ الْأَكْلِ، فَلَحَظَهُ مُعَاوِيَةُ، وَفَطِنَ عُبَيْدُ اللَّهِ وَأَرَادَ أَنْ يَغْمِزَ ابْنَهُ فَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ حَتَّى فَرَغَ مِنَ الْأَكْلِ، ثُمَّ عَادَ عُبَيْدُ اللَّهِ وَلَيْسَ مَعَهُ ابْنُهُ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: مَا فَعَلَ ابْنُكَ التِّلْقَامَةُ؟ قَالَ: اشْتَكَى. قَالَ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ أَكْلَهُ سَيُوَرِّثُهُ دَاءً. قَالَ جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءٍ: قَدِمَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ عَلَى مُعَاوِيَةَ فِي بُرْنُسٍ أَسْوَدَ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَمِينَ اللَّهِ! قَالَ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ. فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ مُعَاوِيَةُ: قَدِمَ الشَّيْخُ لِأُوَلِّيَهُ، وَاللَّهِ لَا أُوَلِّيهِ!

стр. 1566

وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ لِمُعَاوِيَةَ: أَلَسْتُ أَنْصَحَ النَّاسِ لَكَ؟ قَالَ: بِذَلِكَ نِلْتَ مَا نِلْتَ. قَالَ جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءٍ أَيْضًا: كَانَ بُسْرُ بْنُ أَبِي أَرْطَاةَ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ فَنَالَ مِنْ عَلِيٍّ وَزَيْدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ حَاضِرٌ، وَأُمُّهُ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عَلِيٍّ، فَعَلَاهُ بِالْعَصَا وَشَجَّهُ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِزَيْدٍ: عَمَدْتَ إِلَى شَيْخِ قُرَيْشٍ وَسَيِّدِ أَهْلِ الشَّامِ فَضَرَبْتَهُ! وَأَقْبَلَ عَلَى بُسْرٍ فَقَالَ: تَشْتُمُ عَلِيًّا وَهُوَ جَدُّهُ وَابْنُ الْفَارُوقِ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ! أَتَرَى أَنْ يَصْبِرَ عَلَى ذَلِكَ؟ فَأَرْضَاهُمَا جَمِيعًا. وَقَالَ مُعَاوِيَةُ: إِنِّي لَأَرْفَعُ نَفْسِي مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَنْبٌ أَعْظَمَ مِنْ عَفْوِي، وَجَهْلٌ أَكْبَرَ مِنْ حِلْمِي، وَعَوْرَةٌ لَا أُوَارِيهَا بِسَتْرِي، وَإِسَاءَةٌ أَكْثَرَ مِنْ إِحْسَانِي. وَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ: يَا ابْنَ أَخِي إِنَّكَ قَدْ لَهِجْتَ بِالشِّعْرِ، فَإِيَّاكَ وَالتَّشْبِيبَ بِالنِّسَاءِ فَتَعُرَّ الشَّرِيفَةَ، وَالْهِجَاءَ فَتَعُرَّ كَرِيمًا وَتَسْتَثِيرُ لَئِيمًا، وَالْمَدْحَ فَإِنَّهُ طُعْمَةُ الْوَقَاحِ، وَلَكِنِ افْخَرْ بِمَفَاخِرِ قَوْمِكَ وَقُلْ مِنَ الْأَمْثَالِ مَا تُزَيِّنُ بِهِ نَفْسَكَ وَتُؤَدِّبُ بِهِ غَيْرَكَ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ: قِيلَ لِمُعَاوِيَةَ: أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: أَشَدُّهُمْ لِي تَحْبِيبًا إِلَى النَّاسِ. وَقَالَ مُعَاوِيَةُ: الْعَقْلُ وَالْحِلْمُ وَالْعِلْمُ أَفْضَلُ مَا أُعْطِيَ الْعِبَادُ، فَإِذَا ذُكِّرَ ذَكَرَ، وَإِذَا أُعْطِيَ شَكَرَ، وَإِذَا ابْتُلِيَ صَبَرَ، وَإِذَا غَضِبَ كَظَمَ، وَإِذَا قَدَرَ غَفَرَ، وَإِذَا أَسَاءَ اسْتَغْفَرَ، وَإِذَا وَعَدَ أَنْجَزَ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَيْرٍ: أَغْلَظَ لِمُعَاوِيَةَ رَجُلٌ فَأَكْثَرَ، فَقِيلَ لَهُ: أَتَحْلُمُ عَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: إِنِّي لَا أَحُولُ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ أَلْسِنَتِهِمْ مَا لَمْ يَحُولُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ مُلْكِنَا. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَامِرٍ: لَامَ مُعَاوِيَةُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ عَلَى الْغِنَاءِ، فَدَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ عَلَى مُعَاوِيَةَ وَمَعَهُ بُدَيْحٌ وَمُعَاوِيَةُ وَاضِعٌ رِجْلًا عَلَى رِجْلٍ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لِبُدَيْحٍ: إِيهًا يَا

стр. 1567

بُدَيْحُ! فَتَغَنَّى، فَحَرَّكَ مُعَاوِيَةُ رِجْلَهُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: مَهْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: إِنَّ الْكَرِيمَ طَرُوبٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا رَأَيْتُ أَخْلَقَ لِلْمُلْكِ مِنْ مُعَاوِيَةَ، إِنْ كَانَ لَيَرِدُ النَّاسُ مِنْهُ عَلَى أَرْجَاءِ وَادٍ رَحْبٍ، وَلَمْ يَكُنْ كَالضَّيِّقِ الْحُصْحُصِ الْحَصِرِ، يَعْنِي ابْنَ الزُّبَيْرِ، وَكَانَ مُغْضَبًا. وَقَالَ صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو: وَقَفَ عَبْدُ الْمَلِكِ بِقَبْرِ مُعَاوِيَةَ فَوَقَفَ عَلَيْهِ فَتَرَحَّمَ، فَقَالَ رَجُلٌ: قَبْرُ مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: قَبْرُ رَجُلٍ كَانَ وَاللَّهِ فِيمَا عَلِمْتُهُ يَنْطِقُ عَنْ عِلْمٍ، وَيَسْكُتُ عَنْ حِلْمٍ، إِذَا أَعْطَى أَغْنَى، وَإِذَا حَارَبَ أَفْنَى، ثُمَّ عَجَّلَ لَهُ الدَّهْرُ مَا أَخَّرَهُ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ بَعْدَهُ، هَذَا قَبْرُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُعَاوِيَةَ. وَمُعَاوِيَةُ أَوَّلُ خَلِيفَةٍ بَايَعَ لِوَلَدِهِ فِي الْإِسْلَامِ، وَأَوَّلُ مَنْ وَضَعَ الْبَرِيدَ، وَأَوَّلُ مَنْ سَمَّى الْغَالِيَةَ الَّتِي تُطَيِّبُ مِنَ الطِّيبِ غَالِيَةً، وَأَوَّلُ مَنْ عَمِلَ الْمَقْصُورَةَ فِي الْمَسَاجِدِ، وَأَوَّلُ مَنْ خَطَبَ جَالِسًا، فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ. ذِكْرُ بَيْعَةِ يَزِيدَ قِيلَ: وَفِي رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ بُويِعَ يَزِيدُ بِالْخِلَافَةِ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ، عَلَى مَا سَبَقَ مِنَ الْخِلَافِ فِيهِ، فَلَمَّا تَوَلَّى كَانَ عَلَى الْمَدِينَةِ الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَعَلَى مَكَّةَ عَمْرُو بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ، وَعَلَى الْكُوفَةِ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ، وَلَمْ يَكُنْ لِيَزِيدَ هِمَّةٌ إِلَّا بَيْعَةُ النَّفَرِ الَّذِينَ أَبَوْا عَلَى مُعَاوِيَةَ بَيْعَتَهُ، فَكَتَبَ إِلَى الْوَلِيدِ يُخْبِرُهُ بِمَوْتِ مُعَاوِيَةَ، وَكِتَابًا آخَرَ صَغِيرًا فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ فَخُذْ حُسَيْنًا وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَابْنَ الزُّبَيْرِ بِالْبَيْعَةِ أَخْذًا لَيْسَ فِيهِ رُخْصَةٌ حَتَّى يُبَايِعُوا، وَالسَّلَامُ. فَلَمَّا أَتَاهُ نَعْيُ مُعَاوِيَةَ فُظِعَ بِهِ وَكَبُرَ عَلَيْهِ وَبَعَثَ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فَدَعَاهُ. وَكَانَ مَرْوَانُ عَامِلًا عَلَى الْمَدِينَةِ مِنْ قَبْلِ

стр. 1568

الْوَلِيدِ، فَلَمَّا قَدِمَهَا الْوَلِيدُ كَانَ مَرْوَانُ يَخْتَلِفُ إِلَيْهِ مُتَكَارِهًا، فَلَمَّا رَأَى الْوَلِيدُ ذَلِكَ مِنْهُ شَتَمَهُ عِنْدَ جُلَسَائِهِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ مَرْوَانَ فَانْقَطَعَ عَنْهُ وَلَمْ يَزَلْ مُصَارِمًا لَهُ حَتَّى جَاءَ نَعْيُ مُعَاوِيَةَ، فَلَمَّا عَظُمَ عَلَى الْوَلِيدِ هَلَاكُهُ وَمَا أَمَرَ بِهِ مِنْ بَيْعَةِ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ، اسْتَدْعَى مَرْوَانَ فَلَمَّا قَرَأَ الْكِتَابَ بِمَوْتِ مُعَاوِيَةَ اسْتَرْجَعَ وَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ، وَاسْتَشَارَهُ الْوَلِيدُ كَيْفَ يَصْنَعُ. قَالَ: أَرَى أَنْ تَدْعُوَهُمُ السَّاعَةَ وَتَأْمُرَهُمْ بِالْبَيْعَةِ، فَإِنْ فَعَلُوا قَبِلْتَ مِنْهُمْ وَكَفَفْتَ عَنْهُمْ، وَإِنْ أَبَوْا ضَرَبْتَ أَعْنَاقَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا بِمَوْتِ مُعَاوِيَةَ، فَإِنَّهُمْ إِنْ عَلِمُوا بِمَوْتِهِ وَثَبَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ بِنَاحِيَةٍ وَأَظْهَرَ الْخِلَافَ وَدَعَا إِلَى نَفْسِهِ، أَمَّا ابْنُ عُمَرَ فَلَا يَرَى الْقِتَالَ وَلَا يُحِبُّ أَنْ يَلِيَ عَلَى النَّاسِ إِلَّا أَنْ يُدْفَعَ إِلَيْهِ هَذَا الْأَمْرُ عَفْوًا. فَأَرْسَلَ الْوَلِيدُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، وَهُوَ غُلَامٌ حَدَثٌ، إِلَى الْحُسَيْنِ وَابْنِ الزُّبَيْرِ يَدْعُوهُمَا، فَوَجَدَهُمَا فِي الْمَسْجِدِ وَهُمَا جَالِسَانِ، فَأَتَاهُمَا فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنِ الْوَلِيدُ يَجْلِسُ فِيهَا لِلنَّاسِ فَقَالَ: أَجِيبَا الْأَمِيرَ. فَقَالَا: انْصَرِفِ، الْآنَ نَأْتِيهِ. وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ لِلْحُسَيْنِ: مَا تَرَاهُ بَعَثَ إِلَيْنَا فِي هَذِهِ السَّاعَةِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ يَجْلِسُ فِيهَا؟ فَقَالَ الْحُسَيْنُ: أَظُنُّ أَنَّ طَاغِيَتَهُمْ قَدْ هَلَكَ فَبَعَثَ إِلَيْنَا لِيَأْخُذَنَا بِالْبَيْعَةِ قَبْلَ أَنْ يَفْشُوَ فِي النَّاسِ الْخَبَرُ. فَقَالَ: وَأَنَا مَا أَظُنُّ غَيْرَهُ، فَمَا تُرِيدُ أَنْ تَصْنَعَ؟ قَالَ الْحُسَيْنُ: أَجْمَعُ فِتْيَانِي السَّاعَةَ ثُمَّ أَمْشِي إِلَيْهِ وَأُجْلِسُهُمْ عَلَى الْبَابِ وَأَدْخُلُ عَلَيْهِ. قَالَ: فَإِنِّي أَخَافُهُ عَلَيْكَ إِذَا دَخَلْتَ. قَالَ: لَا آتِيهِ إِلَّا وَأَنَا قَادِرٌ عَلَى الِامْتِنَاعِ. فَقَامَ فَجَمَعَ إِلَيْهِ أَصْحَابَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى بَابِ الْوَلِيدِ وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: إِنِّي دَاخِلٌ فَإِذَا دَعَوْتُكُمْ أَوْ سَمِعْتُمْ صَوْتِي قَدْ عَلَا فَادْخُلُوا عَلَيَّ بِأَجْمَعِكُمْ وَإِلَّا فَلَا تَبْرَحُوا حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ. ثُمَّ دَخَلَ فَسَلَّمَ، وَمَرْوَانُ عِنْدَهُ، فَقَالَ الْحُسَيْنُ: الصِّلَةُ خَيْرٌ مِنَ الْقَطِيعَةِ، وَالصُّلْحُ خَيْرٌ مِنَ الْفَسَادِ، وَقَدْ آنَ لَكُمَا أَنْ تَجْتَمِعَا، أَصْلَحَ اللَّهُ ذَاتَ بَيْنِكُمَا، وَجَلَسَ، فَأَقْرَأَهُ الْوَلِيدُ الْكِتَابَ، وَنَعَى لَهُ مُعَاوِيَةَ وَدَعَاهُ إِلَى الْبَيْعَةِ، فَاسْتَرْجَعَ الْحُسَيْنُ وَتَرَحَّمَ عَلَى مُعَاوِيَةَ وَقَالَ: أَمَّا الْبَيْعَةُ فَإِنَّ مِثْلِي لَا يُبَايِعُ سِرًّا وَلَا يُجْتَزَأُ بِهَا مِنِّي سِرًّا، فَإِذَا خَرَجْتَ إِلَى النَّاسِ وَدَعَوْتَهُمْ لِلْبَيْعَةِ وَدَعَوْتَنَا مَعَهُمْ كَانَ الْأَمْرُ وَاحِدًا. فَقَالَ الْوَلِيدُ، وَكَانَ يُحِبُّ الْعَافِيَةَ: انْصَرِفْ. فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: لَئِنْ فَارَقَكَ السَّاعَةَ وَلَمْ يُبَايِعْ لَا قَدَرْتَ مِنْهُ عَلَى مِثْلِهَا أَبَدًا حَتَّى تَكْثُرَ الْقَتْلَى بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ، احْبِسْهُ فَإِنْ بَايَعَ وَإِلَّا ضَرَبْتَ عُنُقَهُ. فَوَثَبَ

стр. 1569

عِنْدَ ذَلِكَ الْحُسَيْنُ وَقَالَ: ابْنَ الزَّرْقَاءِ أَأَنْتَ تَقْتُلُنِي أَمْ هُوَ؟ كَذَبْتَ وَاللَّهِ وَلَؤُمْتَ! ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى أَتَى مَنْزِلَهُ. فَقَالَ مَرْوَانُ لِلْوَلِيدِ: عَصَيْتَنِي، لَا وَاللَّهِ لَا يُمَكِّنُكَ مِنْ نَفْسِهِ بِمِثْلِهَا أَبَدًا، فَقَالَ الْوَلِيدُ: وَبِّخْ غَيْرَكَ يَا مَرْوَانُ، وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي مَا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَغَرَبَتْ عَنْهُ مِنْ مَالِ الدُّنْيَا وَمُلْكِهَا وَأَنِّي قَتَلْتُ حُسَيْنًا إِنْ قَالَ لَا أُبَايِعُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَظُنَّ أَنَّ امْرَأً يُحَاسَبُ بِدَمِ الْحُسَيْنِ لَخَفِيفُ الْمِيزَانِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ مَرْوَانُ: قَدْ أَصَبْتَ. يَقُولُ لَهُ هَذَا وَهُوَ غَيْرُ حَامِدٍ لَهُ عَلَى رَأْيِهِ. وَأَمَّا ابْنُ الزُّبَيْرِ فَقَالَ: الْآنَ آتِيكُمْ. ثُمَّ أَتَى دَارَهُ فَكَمَنَ فِيهَا، ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْهِ الْوَلِيدُ فَوَجَدَهُ قَدْ جَمَعَ أَصْحَابَهُ وَاحْتَرَزَ، فَأَلَحَّ عَلَيْهِ الْوَلِيدُ وَهُوَ يَقُولُ: أَمْهِلُونِي. فَبَعَثَ إِلَيْهِ الْوَلِيدُ مَوَالِيهِ، فَشَتَمُوهُ وَقَالُوا لَهُ: يَا ابْنَ الْكَاهِلِيَّةِ لَتَأْتِيَنَّ الْأَمِيرَ أَوْ لَيَقْتُلَنَّكَ! فَقَالَ لَهُمْ: وَاللَّهِ لَقَدِ اسْتَرَبْتُ لِكَثْرَةِ الْإِرْسَالِ، فَلَا تُعَجِّلُونِي حَتَّى أَبْعَثَ إِلَى الْأَمِيرِ مَنْ يَأْتِينِي بِرَأْيِهِ. فَبَعَثَ إِلَيْهِ أَخَاهُ جَعْفَرَ بْنَ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ، كُفَّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فَإِنَّكَ قَدْ أَفْزَعْتَهُ وَذَعَرْتَهُ وَهُوَ يَأْتِيكَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَمُرْ رُسُلَكَ فَلْيَنْصَرِفُوا عَنْهُ. فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ فَانْصَرَفُوا. وَخَرَجَ ابْنُ الزُّبَيْرِ مِنْ لَيْلَتِهِ فَأَخَذَ طَرِيقَ الْفُرْعِ هُوَ وَأَخُوهُ جَعْفَرٌ لَيْسَ مَعَهُمَا ثَالِثٌ وَسَارَا نَحْوَ مَكَّةَ، فَسَرَّحَ الرِّجَالَ فِي طَلَبِهِ فَلَمْ يُدْرِكُوهُ، فَرَجَعُوا وَتَشَاغَلُوا بِهِ عَنِ الْحُسَيْنِ لَيْلَتَهُمْ، ثُمَّ أَرْسَلَ الرِّجَالَ إِلَى الْحُسَيْنِ فَقَالَ لَهُمْ: أَصْبِحُوا ثُمَّ تَرَوْنَ وَنَرَى، وَكَانُوا يُبْقُونَ عَلَيْهِ، فَكَفُّوا عَنْهُ، فَسَارَ مِنْ لَيْلَتِهِ: وَكَانَ مَخْرَجُ ابْنِ الزُّبَيْرِ قَبْلَهُ بِلَيْلَةٍ، وَأَخَذَ مَعَهُ بَنِيهِ وَإِخْوَتَهُ وَبَنِي أَخِيهِ وَجُلَّ أَهْلِ بَيْتِهِ إِلَّا مُحَمَّدَ ابْنَ الْحَنَفِيَّةِ فَإِنَّهُ قَالَ لَهُ: يَا أَخِي أَنْتَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ وَأَعَزُّهُمْ عَلَيَّ وَلَسْتُ أَذَّخِرُ النَّصِيحَةَ لِأَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ أَحَقَّ بِهَا مِنْكَ، تَنَحَّ بِبَيْعَتِكَ عَنْ يَزِيدَ وَعَنِ الْأَمْصَارِ مَا اسْتَطَعْتَ وَابْعَثْ رُسُلَكَ إِلَى النَّاسِ وَادْعُهُمْ إِلَى نَفْسِكَ فَإِنْ بَايَعُوا لَكَ حَمِدْتَ اللَّهَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى غَيْرِكَ لَمْ يَنْقُصِ اللَّهُ بِذَلِكَ دِينَكَ وَلَا عَقْلَكَ وَلَا تَذْهَبُ بِهِ مُرُوءَتُكَ وَلَا فَضْلُكَ، إِنِّي أَخَافُ أَنْ تَأْتِيَ مِصْرًا وَجَمَاعَةً مِنَ النَّاسِ فَيَخْتَلِفُوا

стр. 1570

عَلَيْكَ، فَمِنْهُمْ طَائِفَةٌ مَعَكَ وَأُخْرَى عَلَيْكَ، فَيَقْتَتِلُونَ فَتَكُونُ لِأَوَّلِ الْأَسِنَّةِ، فَإِذَا خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ كُلِّهَا نَفْسًا وَأَبًا وَأُمًّا أَضْيَعُهَا دَمًا وَأَذَلُّهَا أَهْلًا. قَالَ الْحُسَيْنُ: فَأَيْنَ أَذْهَبُ يَا أَخِي؟ قَالَ: انْزِلْ مَكَّةَ فَإِنِ اطْمَأَنَّتْ بِكَ الدَّارُ فَبِسَبِيلِ ذَلِكَ، وَإِنْ نَأْتِ بِكَ لَحِقْتَ بِالرِّمَالِ وَشَعَفِ الْجِبَالِ وَخَرَجْتَ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ حَتَّى تَنْظُرَ إِلَى مَا يَصِيرُ أَمْرُ النَّاسِ، وَيَفْرُقَ لَكَ الرَّأْيُ، فَإِنَّكَ أَصْوَبُ مَا يَكُونُ رَأْيًا وَأَحْزَمُهُ عَمَلًا حِينَ تَسْتَقْبِلُ الْأُمُورَ اسْتِقْبَالًا، وَلَا تَكُونُ الْأُمُورُ عَلَيْكَ أَبَدًا أَشْكَلَ مِنْهَا حِينَ تَسْتَدْبِرُهَا. قَالَ: يَا أَخِي قَدْ نَصَحْتَ وَأَشْفَقْتَ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ رَأْيُكَ سَدِيدًا وَمُوَفَّقًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ. ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَهُوَ يَتَمَثَّلُ بُقُولِ يَزِيدَ بْنِ مُفَرِّغٍ: لَا ذَعَرْتُ السَّوَامَ فِي شَفَقِ الصُّبْ ... حِ مُغِيرًا وَلَا دُعِيتُ يَزِيدَا يَوْمَ أُعْطَى مِنَ الْمَهَانَةِ ضَيْمًا ... وَالْمَنَايَا يَرْصُدْنَنِي أَنْ أَحِيدَا وَلَمَّا سَارَ الْحُسَيْنُ نَحْوَ مَكَّةَ قَرَأَ: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ٢١] الْآيَةَ. فَلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ قَرَأَ: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٢٢] الْآيَةَ. ثُمَّ إِنَّ الْوَلِيدَ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ عُمَرَ لِيُبَايِعَ فَقَالَ: إِذَا بَايَعَ النَّاسُ بَايَعْتُ، فَتَرَكُوهُ وَكَانُوا لَا يَتَخَوَّفُونَهُ. وَقِيلَ: إِنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ هُوَ وَابْنُ عَبَّاسٍ بِمَكَّةَ فَعَادَا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَقِيَهُمَا الْحُسَيْنُ وَابْنُ الزُّبَيْرِ فَسَأَلَاهُمَا: مَا وَرَاءَكُمَا؟ فَقَالَا: مَوْتُ مُعَاوِيَةَ وَبَيْعَةُ يَزِيدَ. فَقَالَ ابْنُ

стр. 1571

عُمَرَ: لَا تُفَرِّقَا جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ. وَقَدِمَ هُوَ وَابْنُ عَبَّاسٍ الْمَدِينَةَ. فَلَمَّا بَايَعَ النَّاسُ بَايَعَا. قَالَ: وَدَخَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ مَكَّةَ وَعَلَيْهَا عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ، فَلَمَّا دَخَلَهَا قَالَ: أَنَا عَائِذٌ بِالْبَيْتِ. وَلَمْ يَكُنْ يُصَلِّي بِصَلَاتِهِمْ وَلَا يَفِيضُ بِإِفَاضَتِهِمْ، وَكَانَ يَقِفُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ نَاحِيَةً. ذِكْرُ عَزْلِ الْوَلِيدِ عَنِ الْمَدِينَةِ وَوِلَايَةِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُزِلَ الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ عَنِ الْمَدِينَةِ، عَزَلَهُ يَزِيدُ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عَمْرَو بْنَ سَعِيدٍ الْأَشْدَقَ، فَقَدِمَهَا فِي رَمَضَانَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَكَانَ عَظِيمَ الْكِبَرِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى شُرْطَتِهِ عَمْرَو بْنَ الزُّبَيْرِ لِمَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ مِنَ الْبَغْضَاءِ، فَأَرْسَلَ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَضَرَبَهُمْ ضَرْبًا شَدِيدًا لِهَوَاهُمْ فِي أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ، مِنْهُمْ: أَخُوهُ الْمُنْذِرُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَابْنُهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْذِرِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، وَغَيْرُهُمْ، فَضَرَبَهُمُ الْأَرْبَعِينَ إِلَى الْخَمْسِينَ إِلَى السِّتِينَ. فَاسْتَشَارَ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ عَمْرَو بْنَ الزُّبَيْرِ فِيمَنْ يُرْسِلُهُ إِلَى أَخِيهِ. فَقَالَ: لَا تُوَجِّهْ إِلَيْهِ رَجُلًا أَنَكَأَ لَهُ مِنِّي. فَجَهَّزَ مَعَهُ النَّاسَ وَفِيهِمْ أُنَيْسُ بْنُ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيُّ فِي سَبْعِمِائَةٍ، فَجَاءَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ إِلَى عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ فَقَالَ لَهُ: لَا تَغْزُ مَكَّةَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُحِلَّ حُرْمَةَ الْبَيْتِ وَخَلُّوا ابْنَ الزُّبَيْرِ فَقَدْ كَبِرَ وَلَهُ سِتُّونَ سَنَةً وَهُوَ لَجُوجٌ. فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الزُّبَيْرِ: وَاللَّهِ لَنَغْزُوَنَّهُ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ عَلَى رَغْمِ أَنْفِ مِنْ رَغِمَ. وَأَتَى أَبُو شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيُّ إِلَى عَمْرٍو فَقَالَ لَهُ: لَا تَغْزُ مَكَّةَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّمَا أُذِنَ لِي بِالْقِتَالِ فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ثُمَّ عَادَتْ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ» . فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: نَحْنُ أَعْلَمُ بِحُرْمَتِهَا مِنْكَ أَيُّهَا الشَّيْخُ. فَسَارَ أُنَيْسٌ فِي مُقَدِّمَتِهِ. وَقِيلَ: إِنَّ يَزِيدَ كَتَبَ إِلَى عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ لِيُرْسِلَ عَمْرَو بْنَ الزُّبَيْرِ إِلَى أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ، فَفَعَلَ، فَأَرْسَلَهُ وَمَعَهُ جَيْشٌ نَحْوُ أَلْفَيْ رَجُلٍ، فَنَزَلَ أُنَيْسٌ بِذِي طُوًى وَنَزَلَ عَمْرٌو بِالْأَبْطَحِ، فَأَرْسَلَ عَمْرٌو إِلَى أَخِيهِ: بِرَّ يَمِينَ يَزِيدَ، وَكَانَ حَلَفَ أَنْ لَا يَقْبَلَ بَيْعَتَهُ إِلَّا أَنْ يُؤْتِيَ بِهِ فِي

стр. 1572

جَامِعَةٍ، وَيُقَالُ: حَتَّى أَجْعَلَ فِي عُنُقِكَ جَامِعَةً مِنْ فِضَّةٍ لَا تُرَى، وَلَا يَضْرِبُ النَّاسُ بَعْضَهُمْ بَعْضًا فَإِنَّكَ فِي بَلَدٍ حَرَامٍ. فَأَرْسَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ صَفْوَانَ نَحْوَ أُنَيْسٍ فِيمَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ مِمَّنِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ، فَهَزَمَهُ ابْنُ صَفْوَانَ بِذِي طُوًى وَأَجْهَزَ عَلَى جَرِيحِهِمْ وَقَتَلَ أُنَيْسَ بْنَ عَمْرٍو وَسَارَ مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى عَمْرِو بْنِ الزُّبَيْرِ، فَتَفَرَّقَ عَنْ عَمْرٍو أَصْحَابُهُ، فَدَخَلَ دَارَ (ابْنِ) عَلْقَمَةَ، فَأَتَاهُ أَخُوهُ عُبَيْدَةُ فَأَجَارَهُ، ثُمَّ أَتَى عَبْدَ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ: إِنِّي قَدْ أَجَرْتُ عَمْرًا، فَقَالَ: أَتُجِيرُ مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ! هَذَا مَا لَا يَصْلُحُ وَمَا أَمَرْتُكَ أَنْ تُجِيرَ هَذَا الْفَاسِقَ الْمُسْتَحِلَّ لِحُرُمَاتِ اللَّهِ. ثُمَّ أَقَادَ عَمْرًا مِنْ كُلِّ مَنْ ضَرَبَهُ إِلَّا الْمُنْذِرَ وَابْنَهُ فَإِنَّهُمَا أَبَيَا أَنْ يَسْتَقِيدَا، وَمَاتَ تَحْتَ السِّيَاطِ. ذِكْرُ الْخَبَرِ عَنْ مُرَاسَلَةِ الْكُوفِيِّينَ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ لِيَسِيرَ إِلَيْهِمْ وَقَتْلِ مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ لَمَّا خَرَجَ الْحُسَيْنُ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ لَقِيَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُطِيعٍ فَقَالَ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ! أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أَمَّا الْآنَ فَمَكَّةَ، وَأَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَسْتَخِيرُ اللَّهَ. قَالَ خَارَ اللَّهُ لَكَ وَجَعَلَنَا فِدَاكَ! فَإِذَا أَتَيْتَ مَكَّةَ فَإِيَّاكَ أَنْ تَقْرَبَ الْكُوفَةَ فَإِنَّهَا بَلْدَةٌ مَشْئُومَةٌ، بِهَا قُتِلَ أَبُوكَ وَخُذِلَ أَخُوكَ وَاغْتِيلَ بِطَعْنَةٍ كَادَتْ تَأْتِي عَلَى نَفْسِهِ، الْزَمِ الْحَرَمَ فَإِنَّكَ سَيِّدُ الْعَرَبِ لَا يَعْدِلُ بِكَ أَهْلُ الْحِجَازِ أَحَدًا وَيَتَدَاعَى إِلَيْكَ النَّاسُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، لَا تُفَارِقِ الْحَرَمَ، فِدَاكَ عَمِّي وَخَالِي! فَوَاللَّهِ لَئِنْ هَلَكْتَ لَنُسْتَرَقَنَّ بَعْدَكَ. فَأَقْبَلَ حَتَّى نَزَلَ مَكَّةَ وَأَهْلُهَا مُخْتَلِفُونَ إِلَيْهِ وَيَأْتُونَهُ وَمَنْ بِهَا مِنَ الْمُعْتَمِرِينَ وَأَهْلِ الْآفَاقِ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ بِهَا قَدْ لَزِمَ جَانِبَ الْكَعْبَةِ فَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي عِنْدَهَا عَامَّةَ النَّهَارِ وَيَطُوفُ وَيَأْتِي الْحُسَيْنَ فِيمَنْ يَأْتِيهِ وَلَا يَزَالُ يُشِيرُ عَلَيْهِ بِالرَّأْيِ، وَهُوَ أَثْقَلُ خَلْقِ اللَّهِ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ، لِأَنَّ أَهْلَ الْحِجَازِ لَا يُبَايِعُونَهُ (مَا دَامَ الْحُسَيْنُ بَاقِيًا) بِالْبَلَدِ. وَلَمَّا بَلَغَ أَهْلَ الْكُوفَةِ مَوْتُ مُعَاوِيَةَ وَامْتِنَاعُ الْحُسَيْنِ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ الزُّبَيْرِ عَنِ الْبَيْعَةِ

стр. 1573

أَرَجَفُوا بِيَزِيدَ، وَاجْتَمَعَتِ الشِّيعَةُ فِي مَنْزِلِ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ (الْخُزَاعِيِّ، فَذَكَرُوا مَسِيرَ الْحُسَيْنِ إِلَى مَكَّةَ وَكَتَبُوا إِلَيْهِ عَنْ نَفَرٍ، مِنْهُمْ: سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ الْخُزَاعِيُّ) ، وَالْمُسَيَّبُ بْنُ نَجَبَةَ، وَرِفَاعَةُ بْنُ شَدَّادٍ وَحَبِيبُ بْنُ مُطَهَّرٍ وَغَيْرُهُمْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، سَلَامٌ عَلَيْكَ، فَإِنَّنَا نَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، أَمَّا بَعْدُ فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قَصَمَ عَدُوَّكَ الْجَبَّارَ الْعَنِيدَ الَّذِي انْتَزَى عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ فَابْتَزَّهَا أَمْرَهَا، وَغَصَبَهَا فَيْئَهَا، وَتَأَمَّرَ عَلَيْهَا بِغَيْرِ رِضًى مِنْهَا ثُمَّ قَتَلَ خِيَارَهَا، وَاسْتَبْقَى شِرَارَهَا، وَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْنَا إِمَامٌ فَأَقْبِلْ؛ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَجْمَعَنَا بِكَ عَلَى الْحَقِّ، وَالنُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ فِي قَصْرِ الْإِمَارَةِ لَسْنَا نَجْتَمِعُ مَعَهُ فِي جُمُعَةٍ وَلَا عِيدٍ، وَلَوْ بَلَغَنَا إِقْبَالُكَ إِلَيْنَا أَخْرَجْنَاهُ حَتَّى نُلْحِقَهُ بِالشَّامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. وَسَيَّرُوا الْكِتَابَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَبُعٍ الْهَمْدَانِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَالٍ، ثُمَّ كَتَبُوا إِلَيْهِ كِتَابًا آخَرَ وَسَيَّرُوهُ بَعْدَ لَيْلَتَيْنِ، فَكَتَبَ النَّاسُ مَعَهُ نَحْوًا مِنْ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ صَحِيفَةً ثُمَّ أَرْسَلُوا إِلَيْهِ رَسُولًا ثَالِثًا يَحُثُّونَهُ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَيْهِمْ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِ شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ وَحَجَّارُ بْنُ أَبْجَرَ وَيَزِيدُ بْنُ الْحَارِثِ وَيَزِيدُ بْنُ رُوَيْمٍ وَعُرْوَةُ بْنُ قَيْسٍ وَعَمْرُو بْنُ الْحَجَّاجِ الزُّبَيْدِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عُمَيْرٍ التَّمِيمِيُّ بِذَلِكَ. فَكَتَبَ إِلَيْهِمُ الْحُسَيْنُ عِنْدَ اجْتِمَاعِ الْكُتُبِ عِنْدَهُ: أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ فَهِمْتُ كُلَّ الَّذِي اقْتَصَصْتُمْ وَقَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ أَخِي وَابْنَ عَمِّي وَثِقَتِي مِنْ أَهْلِ بَيْتِي مُسْلِمَ بْنَ عَقِيلٍ وَأَمَرْتُهُ أَنْ يَكْتُبَ إِلَيَّ بِحَالِكُمْ وَأَمْرِكُمْ وَرَأْيِكُمْ، فَإِنْ كَتَبَ إِلَيَّ أَنَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ رَأْيُ مَلَئِكُمْ وَذَوِي الْحِجَى مِنْكُمْ عَلَى مِثْلِ مَا قَدِمَتْ بِهِ رُسُلُكُمْ أَقْدَمُ إِلَيْكُمْ وَشِيكًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَعَمْرِي مَا الْإِمَامُ إِلَّا الْعَامِلُ بِالْكِتَابِ وَالْقَائِمُ بِالْقِسْطِ وَالدَّائِنُ بِدِينِ الْحَقِّ، وَالسَّلَامُ. وَاجْتَمَعَ نَاسٌ مِنَ الشِّيعَةِ بِالْبَصْرَةِ فِي مَنْزِلِ امْرَأَةٍ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ يُقَالُ لَهَا مَارِيَةُ بِنْتُ سَعْدٍ، وَكَانَتْ تَتَشَيَّعُ، وَكَانَ مَنْزِلُهَا لَهُمْ مَأْلَفًا يَتَحَدَّثُونَ فِيهِ. فَعَزَمَ يَزِيدُ بْنُ نُبَيْطٍ عَلَى

стр. 1574

الْخُرُوجِ إِلَى الْحُسَيْنِ، وَهُوَ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ، وَكَانَ لَهُ بَنُونَ عَشْرَةٌ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ يَخْرُجُ مَعِي؟ فَخَرَجَ مَعَهُ ابْنَانِ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ وَعُبَيْدُ اللَّهِ، فَسَارُوا فَقَدِمُوا عَلَيْهِ بِمَكَّةَ ثُمَّ سَارُوا مَعَهُ فَقُتِلُوا مَعَهُ. ثُمَّ دَعَا الْحُسَيْنُ مُسْلِمَ بْنَ عَقِيلٍ فَسَيَّرَهُ نَحْوَ الْكُوفَةِ وَأَمَرَهُ بِتَقْوَى اللَّهِ وَكِتْمَانِ أَمْرِهِ وَاللُّطْفِ، فَإِنْ رَأَى النَّاسَ مُجْتَمِعِينَ لَهُ عَجَّلَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ. فَأَقْبَلَ مُسْلِمٌ إِلَى الْمَدِينَةِ فَصَلَّى فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَوَدَّعَ أَهْلَهُ وَاسْتَأْجَرَ دَلِيلَيْنِ مِنْ قَيْسٍ، فَأَقْبَلَا بِهِ، فَضَلَّا الطَّرِيقَ وَعَطِشُوا، فَمَاتَ الدَّلِيلَانِ مِنَ الْعَطَشِ وَقَالَا لِمُسْلِمٍ: هَذَا الطَّرِيقُ إِلَى الْمَاءِ. فَكَتَبَ مُسْلِمٌ إِلَى الْحُسَيْنِ: إِنِّي أَقْبَلْتُ إِلَى الْمَدِينَةِ وَاسْتَأْجَرْتُ دَلِيلَيْنِ فَضَلَّا الطَّرِيقَ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِمَا الْعَطَشُ فَمَاتَا، وَأَقْبَلْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى الْمَاءِ فَلَمْ نَنْجُ إِلَّا بِحُشَاشَةِ أَنْفُسِنَا، وَذَلِكَ الْمَاءُ بِمَكَانٍ يُدْعَى الْمَضِيقُ مِنْ بَطْنِ الْخُبَيْتِ، وَقَدْ تَطَيَّرْتُ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَعْفَيْتَنِي وَبَعَثْتَ غَيْرِي. فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْحُسَيْنُ: أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَكُونَ حَمَلَكَ عَلَى الْكِتَابِ إِلَيَّ إِلَّا الْجُبْنُ، فَامْضِ لِوَجْهِكَ، وَالسَّلَامُ. فَسَارَ مُسْلِمٌ حَتَّى أَتَى الْكُوفَةَ وَنَزَلَ فِي دَارِ الْمُخْتَارِ، وَقِيلَ غَيْرُهَا، وَأَقْبَلَتِ الشِّيعَةُ تَخْتَلِفُ إِلَيْهِ، فَكُلَّمَا اجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ قَرَأَ عَلَيْهِمْ كِتَابَ الْحُسَيْنِ فَيَبْكُونَ وَيَعِدُونَهُ مِنْ أَنْفُسِهِمُ الْقِتَالَ وَالنُّصْرَةَ، وَاخْتَلَفَتْ [إِلَيْهِ] الشِّيعَةُ حَتَّى عُلِمَ بِمَكَانِهِ وَبَلَغَ ذَلِكَ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، وَهُوَ أَمِيرُ الْكُوفَةِ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَلَا تُسَارِعُو اإِلَى الْفِتْنَةِ وَالْفُرْقَةِ، فَإِنَّ فِيهِمَا تَهْلِكُ الرِّجَالُ وَتُسْفَكُ الدِّمَاءُ وَتُغْصَبُ الْأَمْوَالُ. وَكَانَ حَلِيمًا نَاسِكًا يُحِبُّ الْعَافِيَةَ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي لَا أُقَاتِلُ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْنِي، وَلَا أَثِبُ عَلَى مَنْ لَا يَثِبُ عَلَيَّ، وَلَا أُنَبِّهُ نَائِمَكُمْ، وَلَا أَتَحَرَّشُ بِكُمْ، وَلَا آخُذُ بِالْقَرْفِ وَلَا الظِّنَّةِ وَلَا التُّهْمَةِ، وَلَكِنَّكُمْ إِنْ أَبْدَيْتُمْ صَفْحَتَكُمْ، وَنَكَثْتُمْ بَيْعَتَكُمْ، وَخَالَفْتُمْ إِمَامَكُمْ فَوَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ لَأَضْرِبَنَّكُمْ بِسَيْفِي مَا ثَبَتَ قَائِمُهُ بِيَدِي، وَ [لَوْ] لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ نَاصِرٌ وَلَا مُعِينٌ، أَمَا إِنِّي أَرْجُو أَنْ يَكُونَ مَنْ يَعْرِفُ الْحَقَّ مِنْكُمْ أَكْثَرَ مِمَّنْ يُرْدِيهِ الْبَاطِلُ. فَقَامَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ سَعِيدٍ الْحَضْرَمِيُّ حَلِيفُ بَنِي أُمَيَّةَ فَقَالَ: إِنَّهُ لَا يُصْلِحُ مَا تَرَى إِلَّا الْغَشْمُ، إِنَّ هَذَا الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ رَأْيُ الْمُسْتَضْعَفِينَ. فَقَالَ: أَكُونُ مِنْ

стр. 1575

الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْأَعَزِّينَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ. وَنَزَلَ. فَكَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ إِلَى يَزِيدَ يُخْبِرُهُ بِقُدُومِ مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ الْكُوفَةَ وَمُبَايَعَةِ النَّاسِ لَهُ، وَيَقُولُ لَهُ: إِنْ كَانَ لَكَ فِي الْكُوفَةِ حَاجَةٌ فَابْعَثْ إِلَيْهَا رَجُلًا قَوِيًّا يُنْفِذُ أَمْرَكَ وَيَعْمَلُ مِثْلَ عَمَلِكَ فِي عَدُوِّكَ، فَإِنَّ النُّعْمَانَ رَجُلٌ ضَعِيفٌ أَوْ هُوَ يَتَضَعَّفُ. وَكَانَ هُوَ أَوَّلُ مَنْ كَتَبَ إِلَيْهِ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِ عُمَارَةُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ وَعَمْرُو بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ بِنَحْوِ ذَلِكَ. فَلَمَّا اجْتَمَعَتِ الْكُتُبُ عِنْدَ يَزِيدَ دَعَا سَرْجُونَ مَوْلَى مُعَاوِيَةَ فَأَقْرَأَهُ الْكُتُبَ وَاسْتَشَارَهُ فِيمَنْ يُوَلِّيهِ الْكُوفَةَ، وَكَانَ يَزِيدُ عَاتِبًا عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، فَقَالَ لَهُ سَرْجُونُ: أَرَأَيْتَ لَوْ نُشِرَ لَكَ مُعَاوِيَةُ كَنْتَ تَأْخُذُ بِرَأْيِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَخْرِجْ عَهْدَ عُبَيْدِ اللَّهِ عَلَى الْكُوفَةِ. فَقَالَ: هَذَا رَأْيُ مُعَاوِيَةَ، وَمَاتَ وَقَدْ أَمَرَ بِهَذَا الْكِتَابِ. فَأَخَذَ بِرَأْيِهِ وَجَمَعَ الْكُوفَةَ وَالْبَصْرَةَ لِعُبَيْدِ اللَّهِ وَكَتَبَ إِلَيْهِ بِعَهْدِهِ وَسَيَّرَهُ إِلَيْهِ مَعَ مُسْلِمِ بْنِ عَمْرٍو الْبَاهِلِيِّ وَالِدِ قُتَيْبَةَ، فَأَمَرَهُ بِطَلَبِ مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ وَبِقَتْلِهِ أَوْ نَفْيِهِ. فَلَمَّا وَصَلَ كِتَابُهُ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ أُمِرَ بِالتَّجَهُّزِ لِيَبْرُزَ مِنَ الْغَدِ. وَكَانَ الْحُسَيْنُ قَدْ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ نُسْخَةً وَاحِدَةً إِلَى الْأَشْرَافِ، فَكَتَبَ إِلَى مَالِكِ بْنِ مِسْمَعٍ الْبَكْرِيِّ، وَالْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، وَالْمُنْذِرِ بْنِ الْجَارُودِ، وَمَسْعُودِ بْنِ عَمْرٍو، وَقَيْسِ بْنِ الْهَيْثَمِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ، يَدْعُوهُمْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَأَنَّ السُّنَّةَ قَدْ مَاتَتْ وَالْبِدْعَةَ قَدْ أُحْيِيَتْ، فَكُلُّهُمْ كَتَمُوا كِتَابَهُ إِلَّا الْمُنْذِرَ بْنَ الْجَارُودِ فَإِنَّهُ خَافَ أَنْ يَكُونَ دَسِيسًا مِنِ ابْنِ زِيَادٍ، فَأَتَاهُ بِالرَّسُولِ وَالْكِتَابِ فَضَرَبَ عُنُقَ الرَّسُولِ وَخَطَبَ النَّاسَ وَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَوَاللَّهِ مَا بِي تُقْرَنُ الصَّعْبَةُ، وَمَا يُقَعْقَعُ لِي بِالشِّنَانِ، وَإِنِّي لَنَكِلٌ لِمَنْ عَادَانِي وَسَهْمٌ لِمَنْ حَارَبَنِي، وَأَنْصَفَ الْقَارَةَ مَنْ رَامَاهَا، يَا أَهْلَ الْبَصْرَةِ إِنَّ أَمِيرَ

стр. 1576

الْمُؤْمِنِينَ قَدْ وَلَّانِي الْكُوفَةَ وَأَنَا غَادٍ إِلَيْهَا بِالْغَدَاةِ وَقَدِ اسْتَخْلَفَ عَلَيْكُمْ أَخِي عُثْمَانَ بْنَ زِيَادٍ، فَإِيَّاكُمْ وَالْخِلَافَ وَالْإِرْجَافَ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ بَلَغَنِي عَنْ رَجُلٍ مِنْكُمْ خِلَافٌ لَأَقْتُلَنَّهُ وَعَرِيفَهُ وَوَلِيَّهُ، وَلَآخُذَنَّ الْأَدْنَى بِالْأَقْصَى، حَتَّى تَسْتَقِيمُوا وَلَا يَكُونَ فِيكُمْ مُخَالِفٌ وَلَا مُشَاقٌّ، وَإِنِّي أَنَا ابْنُ زِيَادٍ أَشْبَهْتُهُ مِنْ بَيْنِ مَنْ وَطِئَ الْحَصَى فَلَمْ يَنْتَزِعْنِي شَبَهُ خَالٍ وَلَا ابْنُ عَمٍّ. ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَصْرَةِ وَمَعَهُ مُسْلِمُ بْنُ عَمْرٍو الْبَاهِلِيُّ وَشَرِيكُ بْنُ الْأَعْوَرِ الْحَارِثِيُّ وَحَشَمُهُ وَأَهْلُ بَيْتِهِ، وَكَانَ شَرِيكٌ شِيعِيًّا، وَقِيلَ: كَانَ مَعَهُ خَمْسُمِائَةٍ فَتَسَاقَطُوا عَنْهُ، فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ سَقَطَ شَرِيكٌ، وَرَجَوْا أَنْ يَقِفَ عَلَيْهِمْ وَيَسْبِقَهُ الْحُسَيْنُ إِلَى الْكُوفَةِ فَلَمْ يَقِفْ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ حَتَّى دَخَلَ الْكُوفَةَ وَحْدَهُ، فَجَعَلَ يَمُرُّ بِالْمَجَالِسِ فَلَا يَشُكُّونَ أَنَّهُ الْحُسَيْنُ فَيَقُولُونَ: مَرْحَبًا بِكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ! وَهُوَ لَا يُكَلِّمُهُمْ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّاسُ مِنْ دُورِهِمْ، فَسَاءَهُ مَا رَأَى مِنْهُمْ، وَسَمِعَ النُّعْمَانُ فَأَغْلَقَ عَلَيْهِ الْبَابَ وَهُوَ لَا يَشُكُّ أَنَّهُ الْحُسَيْنُ، وَانْتَهَى إِلَيْهِ عُبَيْدُ اللَّهِ وَمَعَهُ الْخَلْقُ يَصِيحُونَ، فَقَالَ لَهُ النُّعْمَانُ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَلَّا تَنَحَّيْتَ عَنِّي! فَوَاللَّهِ مَا أَنَا بِمُسْلِمٍ إِلَيْكَ أَمَانَتِي وَمَا لِي فِي قِتَالِكَ مِنْ حَاجَةٍ! فَدَنَا مِنْهُ عُبَيْدُ اللَّهِ وَقَالَ لَهُ: افْتَحْ لَا فَتَحْتَ! فَسَمِعَهَا إِنْسَانٌ خَلْفَهُ فَرَجَعَ إِلَى النَّاسِ وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّهُ ابْنُ مَرْجَانَةَ. فَفَتَحَ لَهُ النُّعْمَانُ فَدَخَلَ، وَأَغْلَقُوا الْبَابَ وَتَفَرَّقَ النَّاسُ، وَأَصْبَحَ فَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَقِيلَ: بَلْ خَطَبَهُمْ مِنْ يَوْمِهِ فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَلَّانِي مِصْرَكُمْ وَثَغْرَكُمْ وَفَيْئَكُمْ، وَأَمَرَنِي بِإِنْصَافِ مَظْلُومِكُمْ، وَإِعْطَاءِ مَحْرُومِكُمْ، وَبِالْإِحْسَانِ إِلَى سَامِعِكُمْ وَمُطِيعِكُمْ، وَبِالشِّدَّةِ عَلَى مُرِيبِكُمْ وَعَاصِيكُمْ، وَأَنَا مُتَّبِعٌ فِيكُمْ أَمْرَهُ، وَمُنَفِّذٌ فِيكُمْ عَهْدَهُ، فَأَنَا لِمُحْسِنِكُمْ كَالْوَالِدِ الْبَرِّ، وَلِمُطِيعِكُمْ كَالْأَخِ الشَّقِيقِ، وَسَيْفِي وَسَوْطِي عَلَى مَنْ تَرَكَ أَمْرِي وَخَالَفَ عَهْدِي، فَلْيُبْقِ امْرُؤٌ عَلَى نَفْسِهِ. ثُمَّ نَزَلَ فَأَخَذَ الْعُرَفَاءَ وَالنَّاسَ أَخْذًا شَدِيدًا وَقَالَ: اكْتُبُوا إِلَيَّ الْغُرَبَاءَ وَمَنْ فِيكُمْ

стр. 1577

مِنْ طَلِبَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَمِنْ فِيكُمْ مِنَ الْحَرُورِيَّةِ وَأَهْلِ الرِّيَبِ الَّذِينَ رَأْيُهُمُ الْخِلَافُ وَالشِّقَاقُ، فَمَنْ كَتَبَهُمْ إِلَيَّ فَبَرِيءٌ، وَمَنْ لَمْ يَكْتُبْ لَنَا أَحَدًا فَلْيَضْمَنْ لَنَا مَا فِي عَرَافَتِهِ أَنْ لَا يُخَالِفَنَا فِيهِمْ مُخَالِفٌ وَلَا يَبْغِي عَلَيْنَا مِنْهُمْ بَاغٍ، فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَبَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ وَحَلَّالُ لَنَا دَمُهُ وَمَالُهُ، وَأَيُّمَا عَرِيفٍ وُجِدَ فِي عَرَافَتِهِ مِنْ بُغْيَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَحَدٌ لَمْ يَرْفَعْهُ إِلَيْنَا صُلِبَ عَلَى بَابِ دَارِهِ وَأُلْقِيَتْ تِلْكَ الْعَرَافَةُ مِنَ الْعَطَاءِ وَسُيِّرَ إِلَى مَوْضِعٍ بِعُمَانَ الزَّارَةِ. ثُمَّ نَزَلَ. وَسَمِعَ مُسْلِمٌ بِمَقَالَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ فَخَرَجَ مِنْ دَارِ الْمُخْتَارِ وَأَتَى دَارَ هَانِئِ بْنِ عُرْوَةَ الْمُرَادِيِّ فَدَخَلَ بَابَهُ وَاسْتَدْعَى هَانِئًا، فَخَرَجَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا رَآهُ كَرِهَ مَكَانَهُ فَقَالَ لَهُ مُسْلِمٌ: أَتَيْتُكَ لِتُجِيرَنِي وَتُضَيَّفَنِي. فَقَالَ لَهُ هَانِئٌ: لَقَدْ كَلَّفْتَنِي شَطَطًا، وَلَوْلَا دُخُولُكَ دَارِي لَأَحْبَبْتُ أَنْ تَنْصَرِفَ عَنِّي، غَيْرَ أَنَّهُ يَأْخُذُنِي مِنْ ذَلِكَ ذِمَامٌ، ادْخُلْ. فَآوَاهُ، فَاخْتَلَفَتِ الشِّيعَةُ إِلَيْهِ فِي دَارِ هَانِئٍ. وَدَعَا ابْنُ زِيَادٍ مَوْلًى لَهُ، وَأَعْطَاهُ ثَلَاثَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ وَقَالَ لَهُ: اطْلُبْ مُسْلِمَ بْنَ عَقِيلٍ وَأَصْحَابَهُ وَالْقَهَمَ وَأَعْطِهِمْ هَذَا الْمَالَ وَأَعْلِمْهُمْ أَنَّكَ مِنْهُمْ وَاعْلَمْ أَخْبَارَهُمْ. فَفَعَلَ ذَلِكَ وَأَتَى مُسْلِمَ بْنَ عَوْسَجَةَ الْأَسَدِيَّ بِالْمَسْجِدِ فَسَمِعَ النَّاسَ يَقُولُونَ: هَذَا يُبَايِعُ لِلْحُسَيْنِ، وَهُوَ يُصَلِّي، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنِّي امْرُؤٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلِيَّ بِحُبِّ أَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ، وَهَذِهِ ثَلَاثُ آلَافِ دِرْهَمٍ أَرَدْتُ بِهَا لِقَاءَ رَجُلٍ مِنْهُمْ بَلَغَنِي أَنَّهُ قَدِمَ الْكُوفَةَ يُبَايِعُ لِابْنِ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ سَمِعْتُ نَفَرًا يَقُولُونَ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَمْرَ هَذَا الْبَيْتِ وَإِنِّي أَتَيْتُكَ لِتَقْبِضَ الْمَالَ وَتُدْخِلَنِي عَلَى صَاحِبِكَ أُبَايِعُهُ، وَإِنْ شِئْتَ أَخَذْتُ بَيْعَتِي لَهُ قَبْلَ لِقَائِي إِيَّاهُ. فَقَالَ: لَقَدْ سَرَّنِي لِقَاؤُكَ إِيَّايَ لِتَنَالَ الَّذِي تُحِبُّ وَيَنْصُرُ اللَّهُ بِكَ أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّهِ، وَقَدْ سَاءَنِي مَعْرِفَةُ النَّاسِ هَذَا الْأَمْرَ مِنِّي قَبْلَ أَنْ يَتِمَّ مَخَافَةَ هَذَا الطَّاغِيَةِ وَسَطْوَتِهِ. فَأَخَذَ بَيْعَتَهُ وَالْمَوَاثِيقَ الْمُعَظَّمَةَ لَيُنَاصِحَنَّ وَلَيَكْتُمَنَّ، وَاخْتَلَفَ إِلَيْهِ أَيَّامًا لِيُدْخِلَهُ عَلَى مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ.

стр. 1578

وَمَرِضَ هَانِئُ بْنُ عُرْوَةَ، فَأَتَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ يَعُودُهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَارَةُ بْنُ عَبْدٍ السَّلُولِيُّ: إِنَّمَا جَمَاعَتُنَا وَكَيْدُنَا قَتْلُ هَذَا الطَّاغِيَةِ وَقَدْ أَمْكَنَكَ اللَّهُ فَاقْتُلْهُ. فَقَالَ هَانِئٌ: مَا أُحِبُّ أَنْ يُقْتَلَ فِي دَارِي. وَجَاءَ ابْنُ زِيَادٍ فَجَلَسَ عِنْدَهُ ثُمَّ خَرَجَ، فَمَا مَكَثَ إِلَّا جُمُعَةً حَتَّى مَرِضَ شَرِيكُ بْنُ الْأَعْوَرِ، وَكَانَ قَدْ نَزَلَ عَلَى هَانِئٍ وَكَانَ كَرِيمًا عَلَى ابْنِ زِيَادٍ وَعَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَكَانَ شَدِيدَ التَّشَيُّعِ، قَدْ شَهِدَ صِفِّينَ مَعَ عَمَّارٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُبَيْدُ اللَّهِ: إِنِّي رَائِحٌ إِلَيْكَ الْعَشِيَّةَ. فَقَالَ لِمُسْلِمٍ: إِنَّ هَذَا الْفَاجِرَ عَائِدِي الْعَشِيَّةَ فَإِذَا جَلَسَ اخْرُجْ إِلَيْهِ فَاقْتُلْهُ ثُمَّ اقْعُدْ فِي الْقَصْرِ لَيْسَ أَحَدٌ يَحُولُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ، فَإِنْ بَرَأْتُ مِنْ وَجَعِي سِرْتُ إِلَى الْبَصْرَةِ حَتَّى أَكْفِيَكَ أَمْرَهَا. فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْعَشِيِّ أَتَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ، فَقَامَ مُسْلِمُ بْنُ عَقِيلٍ لِيَدْخُلَ، فَقَالَ لَهُ شَرِيكٌ: لَا يَفُوتَنَّكَ إِذَا جَلَسَ. فَقَالَ هَانِئُ بْنُ عُرْوَةَ: لَا أُحِبُّ أَنْ يُقْتَلَ فِي دَارِي. فَجَاءَ عُبَيْدُ اللَّهِ فَجَلَسَ وَسَأَلَ شَرِيكًا عَنْ مَرَضِهِ، فَأَطَالَ، فَلَمَّا رَأَى شَرِيكٌ أَنَّ مُسْلِمًا لَا يَخْرُجُ خَشِيَ أَنْ يَفُوتَهُ فَأَخَذَ يَقُولُ: مَا تَنْظُرُونَ بِسَلْمَى لَا تُحَيُوهَا ... اسْقُونِيهَا وَإِنْ كَانَتْ بِهَا نَفْسِي فَقَالَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: مَا شَأْنُهُ؟ أَتَرَوْنَهُ يَخْلِطُ؟ فَقَالَ لَهُ هَانِئٌ: نَعَمْ، مَا زَالَ هَذَا دَأْبُهُ قُبَيْلَ الصُّبْحِ حَتَّى سَاعَتِهِ هَذِهِ، فَانْصَرَفَ. وَقِيلَ: إِنَّ شَرِيكًا لَمَّا قَالَ اسْقُونِيهَا وَخَلَطَ كَلَامَهُ فَطِنَ بِهِ مِهْرَانُ فَغَمَزَ عُبَيْدَ اللَّهِ فَوَثَبَ، فَقَالَ لَهُ شَرِيكٌ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُوصِيَ إِلَيْكَ. فَقَالَ: أَعُودُ إِلَيْكَ. فَقَالَ لَهُ مِهْرَانُ: إِنَّهُ أَرَادَ قَتْلَكَ. فَقَالَ: وَكَيْفَ مَعَ إِكْرَامِي لَهُ وَفِي بَيْتِ هَانِئٍ وَيَدُ أَبِي عِنْدَهُ؟ فَقَالَ لَهُ مِهْرَانُ: هُوَ مَا قُلْتُ لَكَ. فَلَمَّا قَامَ ابْنُ زِيَادٍ خَرَجَ مُسْلِمُ بْنُ عَقِيلٍ، فَقَالَ لَهُ شَرِيكٌ: مَا مَنَعَكَ مِنْ قَتْلِهِ؟ قَالَ: خَصْلَتَانِ، أَمَّا إِحْدَاهُمَا فَكَرَاهِيَةُ هَانِئٍ أَنْ يُقْتَلَ فِي مَنْزِلِهِ، وَأَمَّا الْأُخْرَى فَحَدِيثٌ حَدَّثَهُ عَلِيٌّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «إِنَّ الْإِيمَانَ قَيَّدَ الْفَتْكَ، فَلَا يَفْتِكُ مُؤْمِنٌ بِمُؤْمِنٍ» . فَقَالَ لَهُ هَانِئٌ: لَوْ

стр. 1579

قَتَلْتَهُ لَقَتَلْتَ فَاسِقًا فَاجِرًا كَافِرًا غَادِرًا! وَلِبَثَ شَرِيكٌ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاثًا ثُمَّ مَاتَ، فَصَلَّى عَلَيْهِ عُبَيْدُ اللَّهِ. فَلَمَّا عَلِمَ عُبَيْدُ اللَّهِ أَنْ شَرِيكًا كَانَ حَرَّضَ مُسْلِمًا عَلَى قَتْلِهِ قَالَ: وَاللَّهِ لَا أُصَلِّي عَلَى جِنَازَةِ عِرَاقِيٍّ أَبَدًا، وَلَوْلَا أَنَّ قَبْرَ زِيَادٍ فِيهِمْ لَنَبَشْتُ شَرِيكًا. ثُمَّ إِنَّ مَوْلَى ابْنِ زِيَادٍ الَّذِي دَسَّهُ بِالْمَالِ اخْتَلَفَ إِلَى مُسْلِمِ بْنِ عَوْسَجَةَ بَعْدَ مَوْتِ شَرِيكٍ، فَأَدْخَلَهُ عَلَى مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ فَأَخَذَ بَيْعَتَهُ وَقَبَضَ مَالَهُ وَجَعَلَ يَخْتَلِفُ إِلَيْهِمْ وَيَعْلَمُ أَسْرَارَهَمْ، وَيَنْقِلُهَا إِلَى ابْنِ زِيَادٍ. وَكَانَ هَانِئٌ قَدِ انْقَطَعَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بِعُذْرِ الْمَرَضِ، فَدَعَا عُبَيْدُ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ الْأَشْعَثِ وَأَسْمَاءَ بْنَ خَارِجَةَ، وَقِيلَ: دَعَا مَعَهُمَا بِعَمْرِو بْنِ الْحَجَّاجِ الزُّبَيْدِيِّ فَسَأَلَهُمْ عَنْ هَانِئٍ وَانْقِطَاعِهِ، فَقَالُوا: إِنَّهُ مَرِيضٌ. فَقَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُ يَجْلِسَ عَلَى بَابِ دَارِهِ وَقَدْ بَرَأَ، فَالْقَوْهُ فَمُرُوهُ أَنْ لَا يَدَعَ مَا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ. فَأَتَوْهُ فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ الْأَمِيرَ قَدْ سَأَلَ عَنْكَ وَقَالَ: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّهُ شَاكٍ لَعُدْتُهُ، وَقَدْ بَلَغَهُ أَنَّكَ تَجْلِسُ عَلَى بَابِ دَارِكَ، وَقَدِ اسْتَبْطَأَكَ، وَالْجَفَاءُ لَا يَحْتَمِلُهُ السُّلْطَانُ، أَقْسَمْنَا عَلَيْكَ لَوْ رَكِبْتَ مَعَنَا. فَلَبِسَ ثِيَابَهُ وَرَكِبَ مَعَهُمْ. فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْقَصْرِ أَحَسَّتْ نَفْسُهُ بِالشَّرِّ فَقَالَ لِحَسَّانَ بْنِ أَسْمَاءَ بْنِ خَارِجَةَ: يَا ابْنَ أَخِي إِنِّي لِهَذَا الرَّجُلِ لَخَائِفٌ، فَمَا تَرَى؟ فَقَالَ: مَا أَتَخَوَّفُ عَلَيْكَ شَيْئًا فَلَا تَجْعَلْ عَلَى نَفْسِكَ سَبِيلًا، وَلَمْ يَعْلَمْ أَسْمَاءُ مِمَّا كَانَ شَيْئًا. وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ فَإِنَّهُ عَلِمَ بِهِ، قَالَ: فَدَخَلَ الْقَوْمُ عَلَى ابْنِ زِيَادٍ وَهَانِئٌ مَعَهُمْ، فَلَمَّا رَآهُ ابْنُ زِيَادٍ قَالَ لِشُرَيْحٍ الْقَاضِي: أَتَتْكَ بِحَائِنٍ رِجْلَاهُ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: أُرِيدُ حَيَاتَهُ وَيُرِيدُ قَتْلِي عَذِيرَكَ مِنْ خَلِيلِكَ مِنْ مُرَادِ وَكَانَ ابْنُ زِيَادٍ مُكْرِمًا لَهُ، فَقَالَ هَانِئٌ: وَمَا ذَاكَ؟ فَقَالَ: يَا هَانِئُ مَا هَذِهِ الْأُمُورُ الَّتِي تَرَبَّصُ فِي دَارِكَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ! جِئْتَ بِمُسْلِمٍ فَأَدْخَلْتَهُ دَارَكَ وَجَمَعْتَ لَهُ السِّلَاحَ وَالرِّجَالَ وَظَنَنْتَ أَنَّ ذَلِكَ يَخْفَى عَلَيَّ! قَالَ: مَا فَعَلْتُ. قَالَ: بَلَى. وَطَالَ

стр. 1580

بَيْنَهُمَا النِّزَاعُ، فَدَعَا ابْنُ زِيَادٍ مَوْلَاهُ ذَاكَ الْعَيْنَ، فَجَاءَ حَتَّى وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: أَتَعْرِفُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَعَلِمَ هَانِئٌ أَنَّهُ كَانَ عَيْنًا عَلَيْهِمْ، فَسَقَطَ فِي يَدِهِ سَاعَةً ثُمَّ رَاجَعَتْهُ نَفْسُهُ، قَالَ: اسْمَعْ مِنِّي وَصَدِّقْنِي، فَوَاللَّهِ لَا أَكْذِبُكَ، وَاللَّهِ مَا دَعَوْتُهُ وَلَا عَلِمْتُ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ حَتَّى رَأَيْتُهُ جَالِسًا عَلَى بَابِي يَسْأَلُنِي النُّزُولَ عَلَيَّ، فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَدِّهِ وَلَزِمَنِي مِنْ ذَلِكَ ذِمَامٌ فَأَدْخَلْتُهُ دَارِي وَضِفْتُهُ، وَقَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ الَّذِي بَلَغَكَ، فَإِنْ شِئْتَ أَعْطَيْتُكَ الْآنَ مَوْثِقًا تَطْمَئِنُّ بِهِ وَرَهِينَةً تَكُونُ فِي يَدِكَ حَتَّى أَنْطَلِقَ وَأُخْرِجَهُ مِنْ دَارِي وَأَعُودَ إِلَيْكَ. فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ. لَا تُفَارِقُنِي أَبَدًا حَتَّى تَأْتِيَنِي بِهِ قَالَ: لَا آتِيكَ بِضَيْفِي تَقْتُلُهُ أَبَدًا. فَلَمَّا كَثُرَ الْكَلَامُ قَامَ مُسْلِمُ بْنُ عَمْرٍو الْبَاهِلِيُّ، وَلَيْسَ بِالْكُوفَةِ شَامِيٌّ وَلَا بَصْرِيٌّ غَيْرُهُ، فَقَالَ: خَلِّنِي وَإِيَّاهُ حَتَّى أُكَلِّمَهُ، لِمَا رَأَى مِنْ لَجَاجِهِ، وَأَخَذَ هَانِئًا وَخَلَا بِهِ نَاحِيَةً مِنِ ابْنِ زِيَادٍ بِحَيْثُ يَرَاهُمَا، فَقَالَ لَهُ: يَا هَانِئُ أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَنْ تَقْتُلَ نَفْسَكَ وَتُدْخِلَ الْبَلَاءَ عَلَى قَوْمِكَ! إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ ابْنُ عَمِّ الْقَوْمِ وَلَيْسُوا بِقَاتِلِيهِ وَلَا ضَائِرِيهِ، فَادْفَعْهُ إِلَيْهِ فَلَيْسَ عَلَيْكَ بِذَلِكَ مَخْزَاةٌ وَلَا مَنْقَصَةٌ إِنَّمَا تَدْفَعُهُ إِلَى السُّلْطَانِ! قَالَ: بَلَى وَاللَّهِ إِنَّ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ خِزْيًا وَعَارًا، لَا أَدْفَعُ ضَيْفِي وَأَنَا صَحِيحٌ شَدِيدُ السَّاعِدِ كَثِيرُ الْأَعْوَانِ، وَاللَّهِ لَوْ كُنْتُ وَاحِدًا لَيْسَ لِي نَاصِرٌ لَمْ أَدْفَعْهُ حَتَّى أَمُوتَ دُونَهُ. فَسَمِعَ ابْنُ زِيَادٍ ذَلِكَ فَقَالَ: أَدْنُوهُ مِنِّي. فَأَدْنَوْهُ مِنْهُ. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَتَأْتِيَّنِي بِهِ أَوْ لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ! قَالَ: إِذَنْ وَاللَّهِ تَكْثُرُ الْبَارِقَةُ حَوْلَ دَارِكَ! وَهُوَ يَرَى أَنَّ عَشِيرَتَهُ سَتَمْنَعُهُ. فَقَالَ: أَبِالْبَارِقَةِ تُخَوِّفُنِي؟ وَقِيلَ إِنَّ هَانِئًا لَمَّا رَأَى ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ عَيْنًا لِعُبَيْدِ اللَّهِ عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ أَخْبَرَهُ الْخَبَرَ فَقَالَ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ قَدْ كَانَ الَّذِي بَلَغَكَ، وَلَنْ أُضَيِّعَ يَدَكَ عِنْدِي وَأَنْتَ آمِنٌ وَأَهْلُكَ فَسِرْ حَيْثُ شِئْتَ. فَأَطْرَقَ عُبَيْدُ اللَّهِ عِنْدَ ذَلِكَ وَمِهْرَانُ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ وَفِي يَدِهِ مِعْكَزَةٌ، فَقَالَ: وَاذُلَّاهُ! هَذَا الْحَائِكُ يُؤَمِّنُكَ فِي سُلْطَانِكَ! فَقَالَ: خُذْهُ، فَأَخَذَ مِهْرَانُ ضَفِيرَتَيْ هَانِئٍ وَأَخَذَ عُبَيْدُ اللَّهِ الْقَضِيبَ وَلَمْ يَزَلْ يَضْرِبُ أَنْفَهُ وَجَبِينَهُ وَخَدَّهُ حَتَّى كَسَرَ أَنْفَهُ وَسَيَّلَ الدِّمَاءَ عَلَى ثِيَابِهِ وَنَثَرَ لَحْمَ خَدَّيْهِ وَجَبِينِهِ عَلَى لِحْيَتِهِ حَتَّى كَسَرَ الْقَضِيبَ، وَضَرَبَ هَانِئٌ يَدَهُ إِلَى قَائِمِ سَيْفِ شُرْطِيٍّ وَجَبَذَهُ فَمُنِعَ مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ: أَحَرُورِيٌّ
следующие страницы →