← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

الْمُؤْمِنِينَ قَدْ وَلَّانِي الْكُوفَةَ وَأَنَا غَادٍ إِلَيْهَا بِالْغَدَاةِ وَقَدِ اسْتَخْلَفَ عَلَيْكُمْ أَخِي عُثْمَانَ بْنَ زِيَادٍ، فَإِيَّاكُمْ وَالْخِلَافَ وَالْإِرْجَافَ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ بَلَغَنِي عَنْ رَجُلٍ مِنْكُمْ خِلَافٌ لَأَقْتُلَنَّهُ وَعَرِيفَهُ وَوَلِيَّهُ، وَلَآخُذَنَّ الْأَدْنَى بِالْأَقْصَى، حَتَّى تَسْتَقِيمُوا وَلَا يَكُونَ فِيكُمْ مُخَالِفٌ وَلَا مُشَاقٌّ، وَإِنِّي أَنَا ابْنُ زِيَادٍ أَشْبَهْتُهُ مِنْ بَيْنِ مَنْ وَطِئَ الْحَصَى فَلَمْ يَنْتَزِعْنِي شَبَهُ خَالٍ وَلَا ابْنُ عَمٍّ. ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَصْرَةِ وَمَعَهُ مُسْلِمُ بْنُ عَمْرٍو الْبَاهِلِيُّ وَشَرِيكُ بْنُ الْأَعْوَرِ الْحَارِثِيُّ وَحَشَمُهُ وَأَهْلُ بَيْتِهِ، وَكَانَ شَرِيكٌ شِيعِيًّا، وَقِيلَ: كَانَ مَعَهُ خَمْسُمِائَةٍ فَتَسَاقَطُوا عَنْهُ، فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ سَقَطَ شَرِيكٌ، وَرَجَوْا أَنْ يَقِفَ عَلَيْهِمْ وَيَسْبِقَهُ الْحُسَيْنُ إِلَى الْكُوفَةِ فَلَمْ يَقِفْ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ حَتَّى دَخَلَ الْكُوفَةَ وَحْدَهُ، فَجَعَلَ يَمُرُّ بِالْمَجَالِسِ فَلَا يَشُكُّونَ أَنَّهُ الْحُسَيْنُ فَيَقُولُونَ: مَرْحَبًا بِكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ! وَهُوَ لَا يُكَلِّمُهُمْ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّاسُ مِنْ دُورِهِمْ، فَسَاءَهُ مَا رَأَى مِنْهُمْ، وَسَمِعَ النُّعْمَانُ فَأَغْلَقَ عَلَيْهِ الْبَابَ وَهُوَ لَا يَشُكُّ أَنَّهُ الْحُسَيْنُ، وَانْتَهَى إِلَيْهِ عُبَيْدُ اللَّهِ وَمَعَهُ الْخَلْقُ يَصِيحُونَ، فَقَالَ لَهُ النُّعْمَانُ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَلَّا تَنَحَّيْتَ عَنِّي! فَوَاللَّهِ مَا أَنَا بِمُسْلِمٍ إِلَيْكَ أَمَانَتِي وَمَا لِي فِي قِتَالِكَ مِنْ حَاجَةٍ! فَدَنَا مِنْهُ عُبَيْدُ اللَّهِ وَقَالَ لَهُ: افْتَحْ لَا فَتَحْتَ! فَسَمِعَهَا إِنْسَانٌ خَلْفَهُ فَرَجَعَ إِلَى النَّاسِ وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّهُ ابْنُ مَرْجَانَةَ. فَفَتَحَ لَهُ النُّعْمَانُ فَدَخَلَ، وَأَغْلَقُوا الْبَابَ وَتَفَرَّقَ النَّاسُ، وَأَصْبَحَ فَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَقِيلَ: بَلْ خَطَبَهُمْ مِنْ يَوْمِهِ فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَلَّانِي مِصْرَكُمْ وَثَغْرَكُمْ وَفَيْئَكُمْ، وَأَمَرَنِي بِإِنْصَافِ مَظْلُومِكُمْ، وَإِعْطَاءِ مَحْرُومِكُمْ، وَبِالْإِحْسَانِ إِلَى سَامِعِكُمْ وَمُطِيعِكُمْ، وَبِالشِّدَّةِ عَلَى مُرِيبِكُمْ وَعَاصِيكُمْ، وَأَنَا مُتَّبِعٌ فِيكُمْ أَمْرَهُ، وَمُنَفِّذٌ فِيكُمْ عَهْدَهُ، فَأَنَا لِمُحْسِنِكُمْ كَالْوَالِدِ الْبَرِّ، وَلِمُطِيعِكُمْ كَالْأَخِ الشَّقِيقِ، وَسَيْفِي وَسَوْطِي عَلَى مَنْ تَرَكَ أَمْرِي وَخَالَفَ عَهْدِي، فَلْيُبْقِ امْرُؤٌ عَلَى نَفْسِهِ. ثُمَّ نَزَلَ فَأَخَذَ الْعُرَفَاءَ وَالنَّاسَ أَخْذًا شَدِيدًا وَقَالَ: اكْتُبُوا إِلَيَّ الْغُرَبَاءَ وَمَنْ فِيكُمْ

стр. 1577

مِنْ طَلِبَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَمِنْ فِيكُمْ مِنَ الْحَرُورِيَّةِ وَأَهْلِ الرِّيَبِ الَّذِينَ رَأْيُهُمُ الْخِلَافُ وَالشِّقَاقُ، فَمَنْ كَتَبَهُمْ إِلَيَّ فَبَرِيءٌ، وَمَنْ لَمْ يَكْتُبْ لَنَا أَحَدًا فَلْيَضْمَنْ لَنَا مَا فِي عَرَافَتِهِ أَنْ لَا يُخَالِفَنَا فِيهِمْ مُخَالِفٌ وَلَا يَبْغِي عَلَيْنَا مِنْهُمْ بَاغٍ، فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَبَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ وَحَلَّالُ لَنَا دَمُهُ وَمَالُهُ، وَأَيُّمَا عَرِيفٍ وُجِدَ فِي عَرَافَتِهِ مِنْ بُغْيَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَحَدٌ لَمْ يَرْفَعْهُ إِلَيْنَا صُلِبَ عَلَى بَابِ دَارِهِ وَأُلْقِيَتْ تِلْكَ الْعَرَافَةُ مِنَ الْعَطَاءِ وَسُيِّرَ إِلَى مَوْضِعٍ بِعُمَانَ الزَّارَةِ. ثُمَّ نَزَلَ. وَسَمِعَ مُسْلِمٌ بِمَقَالَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ فَخَرَجَ مِنْ دَارِ الْمُخْتَارِ وَأَتَى دَارَ هَانِئِ بْنِ عُرْوَةَ الْمُرَادِيِّ فَدَخَلَ بَابَهُ وَاسْتَدْعَى هَانِئًا، فَخَرَجَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا رَآهُ كَرِهَ مَكَانَهُ فَقَالَ لَهُ مُسْلِمٌ: أَتَيْتُكَ لِتُجِيرَنِي وَتُضَيَّفَنِي. فَقَالَ لَهُ هَانِئٌ: لَقَدْ كَلَّفْتَنِي شَطَطًا، وَلَوْلَا دُخُولُكَ دَارِي لَأَحْبَبْتُ أَنْ تَنْصَرِفَ عَنِّي، غَيْرَ أَنَّهُ يَأْخُذُنِي مِنْ ذَلِكَ ذِمَامٌ، ادْخُلْ. فَآوَاهُ، فَاخْتَلَفَتِ الشِّيعَةُ إِلَيْهِ فِي دَارِ هَانِئٍ. وَدَعَا ابْنُ زِيَادٍ مَوْلًى لَهُ، وَأَعْطَاهُ ثَلَاثَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ وَقَالَ لَهُ: اطْلُبْ مُسْلِمَ بْنَ عَقِيلٍ وَأَصْحَابَهُ وَالْقَهَمَ وَأَعْطِهِمْ هَذَا الْمَالَ وَأَعْلِمْهُمْ أَنَّكَ مِنْهُمْ وَاعْلَمْ أَخْبَارَهُمْ. فَفَعَلَ ذَلِكَ وَأَتَى مُسْلِمَ بْنَ عَوْسَجَةَ الْأَسَدِيَّ بِالْمَسْجِدِ فَسَمِعَ النَّاسَ يَقُولُونَ: هَذَا يُبَايِعُ لِلْحُسَيْنِ، وَهُوَ يُصَلِّي، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنِّي امْرُؤٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلِيَّ بِحُبِّ أَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ، وَهَذِهِ ثَلَاثُ آلَافِ دِرْهَمٍ أَرَدْتُ بِهَا لِقَاءَ رَجُلٍ مِنْهُمْ بَلَغَنِي أَنَّهُ قَدِمَ الْكُوفَةَ يُبَايِعُ لِابْنِ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ سَمِعْتُ نَفَرًا يَقُولُونَ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَمْرَ هَذَا الْبَيْتِ وَإِنِّي أَتَيْتُكَ لِتَقْبِضَ الْمَالَ وَتُدْخِلَنِي عَلَى صَاحِبِكَ أُبَايِعُهُ، وَإِنْ شِئْتَ أَخَذْتُ بَيْعَتِي لَهُ قَبْلَ لِقَائِي إِيَّاهُ. فَقَالَ: لَقَدْ سَرَّنِي لِقَاؤُكَ إِيَّايَ لِتَنَالَ الَّذِي تُحِبُّ وَيَنْصُرُ اللَّهُ بِكَ أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّهِ، وَقَدْ سَاءَنِي مَعْرِفَةُ النَّاسِ هَذَا الْأَمْرَ مِنِّي قَبْلَ أَنْ يَتِمَّ مَخَافَةَ هَذَا الطَّاغِيَةِ وَسَطْوَتِهِ. فَأَخَذَ بَيْعَتَهُ وَالْمَوَاثِيقَ الْمُعَظَّمَةَ لَيُنَاصِحَنَّ وَلَيَكْتُمَنَّ، وَاخْتَلَفَ إِلَيْهِ أَيَّامًا لِيُدْخِلَهُ عَلَى مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ.

стр. 1578

وَمَرِضَ هَانِئُ بْنُ عُرْوَةَ، فَأَتَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ يَعُودُهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَارَةُ بْنُ عَبْدٍ السَّلُولِيُّ: إِنَّمَا جَمَاعَتُنَا وَكَيْدُنَا قَتْلُ هَذَا الطَّاغِيَةِ وَقَدْ أَمْكَنَكَ اللَّهُ فَاقْتُلْهُ. فَقَالَ هَانِئٌ: مَا أُحِبُّ أَنْ يُقْتَلَ فِي دَارِي. وَجَاءَ ابْنُ زِيَادٍ فَجَلَسَ عِنْدَهُ ثُمَّ خَرَجَ، فَمَا مَكَثَ إِلَّا جُمُعَةً حَتَّى مَرِضَ شَرِيكُ بْنُ الْأَعْوَرِ، وَكَانَ قَدْ نَزَلَ عَلَى هَانِئٍ وَكَانَ كَرِيمًا عَلَى ابْنِ زِيَادٍ وَعَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَكَانَ شَدِيدَ التَّشَيُّعِ، قَدْ شَهِدَ صِفِّينَ مَعَ عَمَّارٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُبَيْدُ اللَّهِ: إِنِّي رَائِحٌ إِلَيْكَ الْعَشِيَّةَ. فَقَالَ لِمُسْلِمٍ: إِنَّ هَذَا الْفَاجِرَ عَائِدِي الْعَشِيَّةَ فَإِذَا جَلَسَ اخْرُجْ إِلَيْهِ فَاقْتُلْهُ ثُمَّ اقْعُدْ فِي الْقَصْرِ لَيْسَ أَحَدٌ يَحُولُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ، فَإِنْ بَرَأْتُ مِنْ وَجَعِي سِرْتُ إِلَى الْبَصْرَةِ حَتَّى أَكْفِيَكَ أَمْرَهَا. فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْعَشِيِّ أَتَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ، فَقَامَ مُسْلِمُ بْنُ عَقِيلٍ لِيَدْخُلَ، فَقَالَ لَهُ شَرِيكٌ: لَا يَفُوتَنَّكَ إِذَا جَلَسَ. فَقَالَ هَانِئُ بْنُ عُرْوَةَ: لَا أُحِبُّ أَنْ يُقْتَلَ فِي دَارِي. فَجَاءَ عُبَيْدُ اللَّهِ فَجَلَسَ وَسَأَلَ شَرِيكًا عَنْ مَرَضِهِ، فَأَطَالَ، فَلَمَّا رَأَى شَرِيكٌ أَنَّ مُسْلِمًا لَا يَخْرُجُ خَشِيَ أَنْ يَفُوتَهُ فَأَخَذَ يَقُولُ: مَا تَنْظُرُونَ بِسَلْمَى لَا تُحَيُوهَا ... اسْقُونِيهَا وَإِنْ كَانَتْ بِهَا نَفْسِي فَقَالَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: مَا شَأْنُهُ؟ أَتَرَوْنَهُ يَخْلِطُ؟ فَقَالَ لَهُ هَانِئٌ: نَعَمْ، مَا زَالَ هَذَا دَأْبُهُ قُبَيْلَ الصُّبْحِ حَتَّى سَاعَتِهِ هَذِهِ، فَانْصَرَفَ. وَقِيلَ: إِنَّ شَرِيكًا لَمَّا قَالَ اسْقُونِيهَا وَخَلَطَ كَلَامَهُ فَطِنَ بِهِ مِهْرَانُ فَغَمَزَ عُبَيْدَ اللَّهِ فَوَثَبَ، فَقَالَ لَهُ شَرِيكٌ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُوصِيَ إِلَيْكَ. فَقَالَ: أَعُودُ إِلَيْكَ. فَقَالَ لَهُ مِهْرَانُ: إِنَّهُ أَرَادَ قَتْلَكَ. فَقَالَ: وَكَيْفَ مَعَ إِكْرَامِي لَهُ وَفِي بَيْتِ هَانِئٍ وَيَدُ أَبِي عِنْدَهُ؟ فَقَالَ لَهُ مِهْرَانُ: هُوَ مَا قُلْتُ لَكَ. فَلَمَّا قَامَ ابْنُ زِيَادٍ خَرَجَ مُسْلِمُ بْنُ عَقِيلٍ، فَقَالَ لَهُ شَرِيكٌ: مَا مَنَعَكَ مِنْ قَتْلِهِ؟ قَالَ: خَصْلَتَانِ، أَمَّا إِحْدَاهُمَا فَكَرَاهِيَةُ هَانِئٍ أَنْ يُقْتَلَ فِي مَنْزِلِهِ، وَأَمَّا الْأُخْرَى فَحَدِيثٌ حَدَّثَهُ عَلِيٌّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «إِنَّ الْإِيمَانَ قَيَّدَ الْفَتْكَ، فَلَا يَفْتِكُ مُؤْمِنٌ بِمُؤْمِنٍ» . فَقَالَ لَهُ هَانِئٌ: لَوْ

стр. 1579

قَتَلْتَهُ لَقَتَلْتَ فَاسِقًا فَاجِرًا كَافِرًا غَادِرًا! وَلِبَثَ شَرِيكٌ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاثًا ثُمَّ مَاتَ، فَصَلَّى عَلَيْهِ عُبَيْدُ اللَّهِ. فَلَمَّا عَلِمَ عُبَيْدُ اللَّهِ أَنْ شَرِيكًا كَانَ حَرَّضَ مُسْلِمًا عَلَى قَتْلِهِ قَالَ: وَاللَّهِ لَا أُصَلِّي عَلَى جِنَازَةِ عِرَاقِيٍّ أَبَدًا، وَلَوْلَا أَنَّ قَبْرَ زِيَادٍ فِيهِمْ لَنَبَشْتُ شَرِيكًا. ثُمَّ إِنَّ مَوْلَى ابْنِ زِيَادٍ الَّذِي دَسَّهُ بِالْمَالِ اخْتَلَفَ إِلَى مُسْلِمِ بْنِ عَوْسَجَةَ بَعْدَ مَوْتِ شَرِيكٍ، فَأَدْخَلَهُ عَلَى مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ فَأَخَذَ بَيْعَتَهُ وَقَبَضَ مَالَهُ وَجَعَلَ يَخْتَلِفُ إِلَيْهِمْ وَيَعْلَمُ أَسْرَارَهَمْ، وَيَنْقِلُهَا إِلَى ابْنِ زِيَادٍ. وَكَانَ هَانِئٌ قَدِ انْقَطَعَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بِعُذْرِ الْمَرَضِ، فَدَعَا عُبَيْدُ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ الْأَشْعَثِ وَأَسْمَاءَ بْنَ خَارِجَةَ، وَقِيلَ: دَعَا مَعَهُمَا بِعَمْرِو بْنِ الْحَجَّاجِ الزُّبَيْدِيِّ فَسَأَلَهُمْ عَنْ هَانِئٍ وَانْقِطَاعِهِ، فَقَالُوا: إِنَّهُ مَرِيضٌ. فَقَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُ يَجْلِسَ عَلَى بَابِ دَارِهِ وَقَدْ بَرَأَ، فَالْقَوْهُ فَمُرُوهُ أَنْ لَا يَدَعَ مَا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ. فَأَتَوْهُ فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ الْأَمِيرَ قَدْ سَأَلَ عَنْكَ وَقَالَ: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّهُ شَاكٍ لَعُدْتُهُ، وَقَدْ بَلَغَهُ أَنَّكَ تَجْلِسُ عَلَى بَابِ دَارِكَ، وَقَدِ اسْتَبْطَأَكَ، وَالْجَفَاءُ لَا يَحْتَمِلُهُ السُّلْطَانُ، أَقْسَمْنَا عَلَيْكَ لَوْ رَكِبْتَ مَعَنَا. فَلَبِسَ ثِيَابَهُ وَرَكِبَ مَعَهُمْ. فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْقَصْرِ أَحَسَّتْ نَفْسُهُ بِالشَّرِّ فَقَالَ لِحَسَّانَ بْنِ أَسْمَاءَ بْنِ خَارِجَةَ: يَا ابْنَ أَخِي إِنِّي لِهَذَا الرَّجُلِ لَخَائِفٌ، فَمَا تَرَى؟ فَقَالَ: مَا أَتَخَوَّفُ عَلَيْكَ شَيْئًا فَلَا تَجْعَلْ عَلَى نَفْسِكَ سَبِيلًا، وَلَمْ يَعْلَمْ أَسْمَاءُ مِمَّا كَانَ شَيْئًا. وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ فَإِنَّهُ عَلِمَ بِهِ، قَالَ: فَدَخَلَ الْقَوْمُ عَلَى ابْنِ زِيَادٍ وَهَانِئٌ مَعَهُمْ، فَلَمَّا رَآهُ ابْنُ زِيَادٍ قَالَ لِشُرَيْحٍ الْقَاضِي: أَتَتْكَ بِحَائِنٍ رِجْلَاهُ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: أُرِيدُ حَيَاتَهُ وَيُرِيدُ قَتْلِي عَذِيرَكَ مِنْ خَلِيلِكَ مِنْ مُرَادِ وَكَانَ ابْنُ زِيَادٍ مُكْرِمًا لَهُ، فَقَالَ هَانِئٌ: وَمَا ذَاكَ؟ فَقَالَ: يَا هَانِئُ مَا هَذِهِ الْأُمُورُ الَّتِي تَرَبَّصُ فِي دَارِكَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ! جِئْتَ بِمُسْلِمٍ فَأَدْخَلْتَهُ دَارَكَ وَجَمَعْتَ لَهُ السِّلَاحَ وَالرِّجَالَ وَظَنَنْتَ أَنَّ ذَلِكَ يَخْفَى عَلَيَّ! قَالَ: مَا فَعَلْتُ. قَالَ: بَلَى. وَطَالَ

стр. 1580

بَيْنَهُمَا النِّزَاعُ، فَدَعَا ابْنُ زِيَادٍ مَوْلَاهُ ذَاكَ الْعَيْنَ، فَجَاءَ حَتَّى وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: أَتَعْرِفُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَعَلِمَ هَانِئٌ أَنَّهُ كَانَ عَيْنًا عَلَيْهِمْ، فَسَقَطَ فِي يَدِهِ سَاعَةً ثُمَّ رَاجَعَتْهُ نَفْسُهُ، قَالَ: اسْمَعْ مِنِّي وَصَدِّقْنِي، فَوَاللَّهِ لَا أَكْذِبُكَ، وَاللَّهِ مَا دَعَوْتُهُ وَلَا عَلِمْتُ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ حَتَّى رَأَيْتُهُ جَالِسًا عَلَى بَابِي يَسْأَلُنِي النُّزُولَ عَلَيَّ، فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَدِّهِ وَلَزِمَنِي مِنْ ذَلِكَ ذِمَامٌ فَأَدْخَلْتُهُ دَارِي وَضِفْتُهُ، وَقَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ الَّذِي بَلَغَكَ، فَإِنْ شِئْتَ أَعْطَيْتُكَ الْآنَ مَوْثِقًا تَطْمَئِنُّ بِهِ وَرَهِينَةً تَكُونُ فِي يَدِكَ حَتَّى أَنْطَلِقَ وَأُخْرِجَهُ مِنْ دَارِي وَأَعُودَ إِلَيْكَ. فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ. لَا تُفَارِقُنِي أَبَدًا حَتَّى تَأْتِيَنِي بِهِ قَالَ: لَا آتِيكَ بِضَيْفِي تَقْتُلُهُ أَبَدًا. فَلَمَّا كَثُرَ الْكَلَامُ قَامَ مُسْلِمُ بْنُ عَمْرٍو الْبَاهِلِيُّ، وَلَيْسَ بِالْكُوفَةِ شَامِيٌّ وَلَا بَصْرِيٌّ غَيْرُهُ، فَقَالَ: خَلِّنِي وَإِيَّاهُ حَتَّى أُكَلِّمَهُ، لِمَا رَأَى مِنْ لَجَاجِهِ، وَأَخَذَ هَانِئًا وَخَلَا بِهِ نَاحِيَةً مِنِ ابْنِ زِيَادٍ بِحَيْثُ يَرَاهُمَا، فَقَالَ لَهُ: يَا هَانِئُ أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَنْ تَقْتُلَ نَفْسَكَ وَتُدْخِلَ الْبَلَاءَ عَلَى قَوْمِكَ! إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ ابْنُ عَمِّ الْقَوْمِ وَلَيْسُوا بِقَاتِلِيهِ وَلَا ضَائِرِيهِ، فَادْفَعْهُ إِلَيْهِ فَلَيْسَ عَلَيْكَ بِذَلِكَ مَخْزَاةٌ وَلَا مَنْقَصَةٌ إِنَّمَا تَدْفَعُهُ إِلَى السُّلْطَانِ! قَالَ: بَلَى وَاللَّهِ إِنَّ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ خِزْيًا وَعَارًا، لَا أَدْفَعُ ضَيْفِي وَأَنَا صَحِيحٌ شَدِيدُ السَّاعِدِ كَثِيرُ الْأَعْوَانِ، وَاللَّهِ لَوْ كُنْتُ وَاحِدًا لَيْسَ لِي نَاصِرٌ لَمْ أَدْفَعْهُ حَتَّى أَمُوتَ دُونَهُ. فَسَمِعَ ابْنُ زِيَادٍ ذَلِكَ فَقَالَ: أَدْنُوهُ مِنِّي. فَأَدْنَوْهُ مِنْهُ. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَتَأْتِيَّنِي بِهِ أَوْ لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ! قَالَ: إِذَنْ وَاللَّهِ تَكْثُرُ الْبَارِقَةُ حَوْلَ دَارِكَ! وَهُوَ يَرَى أَنَّ عَشِيرَتَهُ سَتَمْنَعُهُ. فَقَالَ: أَبِالْبَارِقَةِ تُخَوِّفُنِي؟ وَقِيلَ إِنَّ هَانِئًا لَمَّا رَأَى ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ عَيْنًا لِعُبَيْدِ اللَّهِ عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ أَخْبَرَهُ الْخَبَرَ فَقَالَ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ قَدْ كَانَ الَّذِي بَلَغَكَ، وَلَنْ أُضَيِّعَ يَدَكَ عِنْدِي وَأَنْتَ آمِنٌ وَأَهْلُكَ فَسِرْ حَيْثُ شِئْتَ. فَأَطْرَقَ عُبَيْدُ اللَّهِ عِنْدَ ذَلِكَ وَمِهْرَانُ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ وَفِي يَدِهِ مِعْكَزَةٌ، فَقَالَ: وَاذُلَّاهُ! هَذَا الْحَائِكُ يُؤَمِّنُكَ فِي سُلْطَانِكَ! فَقَالَ: خُذْهُ، فَأَخَذَ مِهْرَانُ ضَفِيرَتَيْ هَانِئٍ وَأَخَذَ عُبَيْدُ اللَّهِ الْقَضِيبَ وَلَمْ يَزَلْ يَضْرِبُ أَنْفَهُ وَجَبِينَهُ وَخَدَّهُ حَتَّى كَسَرَ أَنْفَهُ وَسَيَّلَ الدِّمَاءَ عَلَى ثِيَابِهِ وَنَثَرَ لَحْمَ خَدَّيْهِ وَجَبِينِهِ عَلَى لِحْيَتِهِ حَتَّى كَسَرَ الْقَضِيبَ، وَضَرَبَ هَانِئٌ يَدَهُ إِلَى قَائِمِ سَيْفِ شُرْطِيٍّ وَجَبَذَهُ فَمُنِعَ مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ: أَحَرُورِيٌّ

стр. 1581

أَحْلَلْتَ بِنَفْسِكَ وَحَلَّ لَنَا قَتْلُكَ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَأُلْقِي فِي بَيْتٍ وَأُغْلِقُ عَلَيْهِ. فَقَامَ إِلَيْهِ أَسْمَاءُ بْنُ خَارِجَةَ فَقَالَ: أَرْسِلْهُ يَا غَادِرُ! أَمَرَتْنَا أَنْ نَجِيئَكَ بِالرَّجُلِ فَلَمَّا أَتَيْنَاكَ بِهِ هَشَّمْتَ وَجْهَهُ وَسَيَّلَتْ دِمَاءَهُ وَزَعَمْتَ أَنَّكَ تَقْتُلُهُ. فَأَمَرَ بِهِ عُبَيْدُ اللَّهِ فَلُهِزَ وَتُعْتِعَ ثُمَّ تُرِكَ فَجَلَسَ. فَأَمَّا ابْنُ الْأَشْعَثِ فَقَالَ: رَضِينَا بِمَا رَأَى الْأَمِيرُ، لَنَا كَانَ أَوْ عَلَيْنَا. وَبَلَغَ عَمْرَو بْنَ الْحَجَّاجِ أَنَّ هَانِئًا قَدْ قُتِلَ فَأَقْبَلَ فِي مَذْحِجٍ حَتَّى أَحَاطُوا بِالْقَصْرِ، وَنَادَى: أَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَجَّاجِ، هَذِهِ فُرْسَانُ مَذْحِجٍ وَوُجُوهُهَا، لَمْ نَخْلَعْ طَاعَةً وَلَمْ نُفَارِقْ جَمَاعَةً. فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ لِشُرَيْحٍ الْقَاضِي، وَكَانَ حَاضِرًا: ادْخُلْ عَلَى صَاحِبِهِمْ فَانْظُرْ إِلَيْهِ ثُمَّ اخْرُجْ إِلَيْهِمْ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّهُ حَيٌّ. فَفَعَلَ شُرَيْحٌ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ هَانِئٌ: يَا لِلْمُسْلِمِينَ! أَهَلَكَتْ عَشِيرَتِي؟ أَيْنَ أَهْلُ الدِّينِ؟ أَيْنَ أَهْلُ النَّصْرِ؟ أَيُخَلُّونَنِي وَعَدُوَّهُمْ وَابْنَ عَدُوِّهِمْ! وَسَمِعَ الضَّجَّةَ فَقَالَ: يَا شُرَيْحُ إِنِّي لَأَظُنُّهَا أَصْوَاتَ مَذْحِجٍ وَشِيعَتِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ، إِنَّهُ إِنْ دَخَلَ عَلَيَّ عَشَرَةُ نَفَرٍ أَنْقَذُونِي. فَخَرَجَ شُرَيْحٌ وَمَعَهُ عَيْنٌ أَرْسَلَهُ ابْنُ زِيَادٍ، قَالَ شُرَيْحٌ: لَوْلَا مَكَانُ الْعَيْنِ لَأَبْلَغْتُهُمْ قَوْلَ هَانِئٍ. فَلَمَّا خَرَجَ شُرَيْحٌ إِلَيْهِمْ قَالَ: قَدْ نَظَرْتُ إِلَى صَاحِبِكُمْ وَإِنَّهُ حَيٌّ لَمْ يُقْتَلْ. فَقَالَ عَمْرٌو وَأَصْحَابُهُ: فَأَمَّا إِذْ لَمْ يُقْتَلُ فَالْحَمْدُ لِلَّهِ! ثُمَّ انْصَرَفُوا. وَأَتَى الْخَبَرُ مُسْلِمَ بْنَ عَقِيلٍ فَنَادَى فِي أَصْحَابِهِ: يَا مَنْصُورُ أَمِتْ! وَكَانَ شِعَارُهُمْ، وَكَانَ قَدْ بَايَعَهُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفًا وَحَوْلَهُ فِي الدُّورِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ نَاسٌ كَثِيرٌ، فَعَقَدَ مُسْلِمٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُزَيْزٍ الْكِنْدِيِّ عَلَى رُبْعِ كِنْدَةَ وَقَالَ: سِرْ أَمَامِي، وَعَقَدَ لِمُسْلِمِ بْنِ عَوْسَجَةَ الْأَسَدِيِّ عَلَى رُبْعِ مَذْحِجٍ وَأَسَدٍ، وَعَقَدَ لِأَبِي ثُمَامَةَ الصَّائِدِيِّ عَلَى

стр. 1582

رُبْعِ تَمِيمٍ وَهَمْدَانَ، وَعَقَدَ لِعَبَّاسِ بْنِ جَعْدَةَ الْجَدَلِيِّ عَلَى رُبْعِ الْمَدِينَةِ، وَأَقْبَلَ نَحْوَ الْقَصْرِ. فَلَمَّا بَلَغَ ابْنَ زِيَادٍ إِقْبَالُهُ تَحَرَّزَ فِي الْقَصْرِ. وَأَغْلَقَ الْبَابَ، وَأَحَاطَ مُسْلِمٌ بِالْقَصْرِ وَامْتَلَأَ الْمَسْجِدُ وَالسُّوقُ مِنَ النَّاسِ وَمَا زَالُوا يَجْتَمِعُونَ حَتَّى الْمَسَاءَ، وَضَاقَ بِعُبَيْدِ اللَّهِ أَمْرُهُ وَلَيْسَ مَعَهُ فِي الْقَصْرِ إِلَّا ثَلَاثُونَ رَجُلًا مِنَ الشُّرَطِ وَعِشْرُونَ رَجُلًا مِنَ الْأَشْرَافِ وَأَهْلُ بَيْتِهِ وَمَوَالِيهِ، وَأَقْبَلَ أَشْرَافُ النَّاسِ يَأْتُونَ ابْنَ زِيَادٍ مِنْ قِبَلِ الْبَابِ الَّذِي يَلِي دَارَ الرُّومِيِّينَ وَالنَّاسُ يَسُبُّونَ ابْنَ زِيَادٍ وَأَبَاهُ. فَدَعَا ابْنُ زِيَادٍ كَثِيرَ بْنَ شِهَابٍ الْحَارِثِيَّ وَأَمَرَهُ أَنْ يَخْرُجَ فِيمَنْ أَطَاعَهُ مِنْ مَذْحِجٍ فَيَسِيرَ وَيُخَذِّلَ النَّاسَ عَنِ ابْنِ عَقِيلٍ وَيُخَوِّفُهُمْ، وَأَمَرَ مُحَمَّدَ بْنَ الْأَشْعَثِ أَنْ يَخْرُجَ فِيمَنْ أَطَاعَهُ مِنْ كِنْدَةَ وَحَضْرَمَوْتَ فَيَرْفَعَ رَايَةَ أَمَانٍ لِمَنْ جَاءَهُ مِنَ النَّاسِ، وَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ لِلْقَعْقَاعِ بْنِ شَوْرٍ الذُّهْلِيِّ وَشَبَثِ بْنِ رِبْعِيٍّ التَّمِيمِيِّ وَحَجَّارِ بْنِ أَبْجَرَ الْعِجْلِيِّ وَشَمِرِ بْنِ ذِي الْجَوْشَنِ الضَّبَابِيِّ وَتَرَكَ وُجُوهَ النَّاسِ عِنْدَهُ اسْتِئْنَاسًا بِهِمْ لِقِلَّةِ مَنْ مَعَهُ. وَخَرَجَ أُولَئِكَ النَّفَرُ يُخَذِّلُونَ النَّاسَ، وَأَمَرَ عُبَيْدُ اللَّهِ مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْأَشْرَافِ أَنْ يُشْرِفُوا عَلَى النَّاسِ مِنَ الْقَصْرِ فَيُمَنُّوا أَهْلَ الطَّاعَةِ وَيُخَوِّفُوا أَهْلَ الْمَعْصِيَةِ، فَفَعَلُوا، فَلَمَّا سَمِعَ النَّاسُ مَقَالَةَ أَشْرَافِهِمْ أَخَذُوا يَتَفَرَّقُونَ حَتَّى إِنَّ الْمَرْأَةَ تَأْتِي ابْنَهَا وَأَخَاهَا وَتَقُولُ: انْصَرِفِ، النَّاسُ يَكْفُونَكَ، وَيَفْعَلُ الرَّجُلُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَمَا زَالُوا يَتَفَرَّقُونَ حَتَّى بَقِيَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْمَسْجِدِ فِي ثَلَاثِينَ رَجُلًا. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ خَرَجَ مُتَوَجِّهًا نَحْوَ أَبْوَابِ كِنْدَةَ، فَلَمَّا خَرَجَ إِلَى الْبَابِ لَمْ يَبْقَ مَعَهُ أَحَدٌ، فَمَضَى فِي أَزِقَّةِ الْكُوفَةِ لَا يَدْرِي أَيْنَ يَذْهَبُ، فَانْتَهَى إِلَى بَابِ امْرَأَةٍ مِنْ كِنْدَةَ يُقَالُ لَهَا طَوْعَةُ أُمُّ وَلَدٍ كَانَتْ لِلْأَشْعَثِ وَأَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا أُسَيْدٌ الْحَضْرَمِيُّ فَوَلَدَتْ لَهُ بِلَالًا، وَكَانَ بِلَالٌ قَدْ خَرَجَ مَعَ النَّاسِ وَهِيَ تَنْتَظِرُهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهَا ابْنُ عَقِيلٍ وَطَلَبَ الْمَاءَ فَسَقَتْهُ، فَجَلَسَ، فَقَالَتْ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَلَمْ تَشْرَبْ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَتْ: فَاذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ، فَسَكَتَ، فَقَالَتْ لَهُ ثَلَاثًا فَلَمْ يَبْرَحْ، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ! إِنِّي لَا أُحِلُّ لَكَ الْجُلُوسَ عَلَى بَابِي. فَقَالَ لَهَا: لَيْسَ لِي فِي هَذَا الْمِصْرِ مَنْزِلٌ وَلَا عَشِيرَةٌ، فَهَلْ لَكِ إِلَى أَجْرٍ وَمَعْرُوفٍ وَلَعَلِّي أُكَافِئُكِ بِهِ بَعْدَ الْيَوْمِ؟ قَالَتْ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: أَنَا مُسْلِمُ بْنُ عَقِيلٍ، كَذَبَنِي هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ وَغَرُّونِي. قَالَتِ: ادْخُلْ. فَأَدْخَلَتْهُ بَيْتًا فِي دَارِهَا وَعَرَضَتْ عَلَيْهِ الْعَشَاءَ فَلَمْ يَتَعَشَّ. وَجَاءَ ابْنُهَا فَرَآهَا تُكْثِرُ الدُّخُولَ فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ، فَقَالَ لَهَا: إِنَّ لَكِ لَشَأْنًا فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ

стр. 1583

وَسَأَلَهَا فَلَمْ تُخْبِرْهُ، فَأَلَحَّ عَلَيْهَا فَأَخْبَرَتْهُ وَاسْتَكْتَمَتْهُ وَأَخَذَتْ عَلَيْهِ الْأَيْمَانَ بِذَلِكَ، فَسَكَتَ. وَأَمَّا ابْنُ زِيَادٍ فَلَمَّا لَمْ يَسْمَعِ الْأَصْوَاتَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: انْظُرُوا هَلْ تَرَوْنَ مِنْهُمْ أَحَدًا؟ فَنَظَرُوا فَلَمْ يَرَوْا أَحَدًا، فَنَزَلَ إِلَى الْمَسْجِدِ قُبَيْلَ الْعَتَمَةِ وَأَجْلَسَ أَصْحَابَهُ حَوْلَ الْمِنْبَرِ وَأَمَرَ فَنُودِيَ: [أَلَا] بَرِئَتِ الذِّمَّةُ مِنْ رَجُلٍ مِنَ الشُّرَطِ وَالْعُرَفَاءِ وَالْمَنَاكِبِ وَالْمُقَاتِلَةِ صَلَّى الْعَتَمَةَ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ. فَامْتَلَأَ الْمَسْجِدُ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ ثُمَّ قَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ ابْنَ عَقِيلٍ السَّفِيهَ الْجَاهِلَ قَدْ أَتَى مَا رَأَيْتُمْ مِنَ الْخِلَافِ وَالشِّقَاقِ فَبَرِئَتِ الذِّمَّةُ مِنْ رَجُلٍ وَجَدْنَاهُ فِي دَارِهِ، وَمَنْ أَتَانَا بِهِ فَلَهُ دِيَتُهُ. وَأَمَرَهُمْ بِالطَّاعَةِ وَلُزُومِهَا، وَأَمَرَ الْحُصَيْنَ بْنَ تَمِيمٍ أَنْ يُمْسِكَ أَبْوَابَ السِّكَكِ ثُمَّ يُفَتِّشَ الدُّورَ، وَكَانَ عَلَى الشُّرَطِ، وَهُوَ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ. وَدَخَلَ ابْنُ زِيَادٍ وَعَقَدَ لِعَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ وَجَعَلَهُ عَلَى النَّاسِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَلَسَ لِلنَّاسِ. وَلَمَّا أَصْبَحَ بِلَالٌ ابْنُ تِلْكَ الْعَجُوزِ الَّتِي آوَتْ مُسْلِمَ بْنَ عَقِيلٍ أَتَى عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ فَأَخْبَرَهُ بِمَكَانِ ابْنِ عَقِيلٍ، فَأَتَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَبَاهُ، وَهُوَ عِنْدَ ابْنِ زِيَادٍ، فَأَسَرَّ إِلَيْهِ بِذَلِكَ، فَأَخْبَرَ بِهِ مُحَمَّدٌ ابْنَ زِيَادٍ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ زِيَادٍ: قُمْ فَأْتِنِي بِهِ السَّاعَةَ، وَبَعَثَ مَعَهُ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ السُّلَمِيَّ فِي سَبْعِينَ مِنْ قَيْسٍ حَتَّى أَتَوُا الدَّارَ الَّتِي فِيهَا ابْنُ عَقِيلٍ. فَلَمَّا سَمِعَ الْأَصْوَاتَ عَرَفَ أَنَّهُ قَدْ أُتِيَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ بِسَيْفِهِ حَتَّى أَخْرَجَهُمْ مِنَ الدَّارِ، ثُمَّ عَادُوا إِلَيْهِ فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ فَأَخْرَجَهُمْ مِرَارًا، وَضَرَبَ بُكَيْرُ بْنُ حُمْرَانَ الْأَحْمَرِيُّ فَمَ مُسْلِمٍ فَقَطَعَ شَفَتَهُ الْعُلْيَا وَسَقَطَتْ ثَنِيَّتَاهُ، وَضَرَبَهُ مُسْلِمٌ عَلَى رَأْسِهِ وَثَنَّى بِأُخْرَى عَلَى حَبْلِ الْعَاتِقِ كَادَتْ تَطَّلِعُ عَلَى جَوْفِهِ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ أَشْرَفُوا عَلَى سَطْحِ الْبَيْتِ وَجَعَلُوا يَرْمُونَهُ بِالْحِجَارَةِ وَيُلْهِبُونَ النَّارَ فِي الْقَصَبِ وَيُلْقُونَهَا عَلَيْهِ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ خَرَجَ عَلَيْهِمْ بِسَيْفِهِ فَقَاتَلَهُمْ فِي السِّكَّةِ، فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ: لَكَ الْأَمَانُ فَلَا تَقْتُلْ نَفْسَكَ! فَأَقْبَلَ يُقَاتِلُهُمْ وَهُوَ يَقُولُ: أَقْسَمْتُ لَا أُقْتَلُ إِلَّا حُرًّا ... وَإِنْ رَأَيْتُ الْمَوْتَ شَيْئًا نُكْرًا أَوْ يَخْلِطُ الْبَارِدُ سُخْنًا مُرًّا ... رَدَّ شُعَاعَ الشَّمْسِ فَاسْتَقَرَّا كُلُّ امْرِئٍ يَوْمًا يُلَاقِي شَرًّا ... أَخَافُ أَنْ أُكْذَبَ أَوْ أُغَرًّا

стр. 1584

فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدٌ: إِنَّكَ لَا تُكْذَبُ وَلَا تُخْدَعُ، الْقَوْمُ بَنُو عَمِّكَ وَلَيْسُوا بِقَاتِلِيكَ وَلَا ضَارِبِيكَ. وَكَانَ قَدْ أُثْخِنَ بِالْحِجَارَةِ وَعَجَزَ عَنِ الْقِتَالِ، فَأَسْنَدَ ظَهْرَهُ إِلَى حَائِطِ تِلْكَ الدَّارِ، فَآمَنَهُ ابْنُ الْأَشْعَثِ وَالنَّاسُ غَيْرَ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ السُّلَمِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ: لَا نَاقَةَ لِي فِي هَذَا وَلَا جَمَلَ، وَأُتِيَ بِبَغْلَةٍ فَحُمِلَ عَلَيْهَا وَانْتَزَعُوا سَيْفَهُ، فَكَأَنَّهُ أَيِسَ مِنْ نَفْسِهِ، فَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ ثُمَّ قَالَ: هَذَا أَوَّلُ الْغَدْرِ. قَالَ مُحَمَّدٌ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْكَ بَأْسٌ. قَالَ: وَمَا هُوَ إِلَّا الرَّجَاءُ، أَيْنَ أَمَانُكُمْ؟ ثُمَّ بَكَى فَقَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ السُّلَمِيُّ: مَنْ يَطْلُبُ مِثْلَ الَّذِي تَطْلُبُ إِذَا نَزَلَ بِهِ مِثْلُ الَّذِي نَزَلَ بِكَ لَمْ يَبْكِ؟ ! فَقَالَ: مَا أَبْكِي لِنَفْسِي وَلَكِنِّي أَبْكَى لِأَهْلِي الْمُنْقَلِبِينَ إِلَيْكُمْ، أَبْكِي لِلْحُسَيْنِ وَآلِ الْحُسَيْنِ. ثُمَّ قَالَ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ: إِنِّي أَرَاكَ سَتَعْجِزُ عَنْ أَمَانِي فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَبْعَثَ مِنْ عِنْدِكَ رَجُلًا يُخْبِرُ الْحُسَيْنَ بِحَالِي وَيَقُولُ لَهُ عَنِّي لِيَرْجِعْ بِأَهْلِ بَيْتِهِ وَلَا يَغُرُّهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ أَبِيكَ الَّذِينَ كَانَ يَتَمَنَّى فِرَاقَهُمْ بِالْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ الْأَشْعَثِ: وَاللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ! ثُمَّ كَتَبَ بِمَا قَالَ مُسْلِمٌ إِلَى الْحُسَيْنِ، فَلَقِيَهُ الرَّسُولُ بِزُبَالَةَ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: كُلَّمَا قُدِّرَ نَازِلٌ عِنْدَ اللَّهِ ... نَحْتَسِبُ أَنْفُسَنَا وَفَسَادَ أُمَّتِنَا. وَكَانَ سَبَبُ مَسِيرِهِ مِنْ مَكَّةَ كِتَابُ مُسْلِمٍ إِلَيْهِ يُخْبِرُهُ أَنَّهُ بَايَعَهُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفًا وَيَسْتَحِثُّهُ لِلْقُدُومِ. وَأَمَّا مُسْلِمٌ فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدِمَ بِهِ الْقَصْرَ، وَدَخَلَ مُحَمَّدٌ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ فَأَخْبَرَهُ وَأَمَانَهُ لَهُ، فَقَالَ لَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ: مَا أَنْتَ وَالْأَمَانُ! مَا أَرْسَلْنَاكَ لِتُؤَمِّنَهُ إِنَّمَا أَرْسَلْنَاكَ لِتَأْتِيَنَا بِهِ! فَسَكَتَ مُحَمَّدٌ، وَلَمَّا جَلَسَ مُسْلِمٌ عَلَى بَابِ الْقَصْرِ رَأَى جَرَّةً فِيهَا مَاءٌ بَارِدٌ، فَقَالَ: اسْقُونِي مِنْ هَذَا الْمَاءِ. فَقَالَ لَهُ مُسْلِمُ بْنُ عَمْرٍو الْبَاهِلِيِّ: أَتُرَاهَا مَا أَبْرَدَهَا! وَاللَّهِ لَا تَذُوقُ مِنْهَا قَطْرَةً حَتَّى تَذُوقَ الْحَمِيمَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ! فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَقِيلٍ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا مَنْ عَرَفَ الْحَقَّ إِذْ

стр. 1585

تَرَكْتَهُ، وَنَصَحَ الْأُمَّةَ وَالْإِمَامَ إِذْ غَشَشْتَهُ، وَسَمِعَ وَأَطَاعَ إِذْ عَصَيْتَهُ، أَنَا مُسْلِمُ بْنُ عَمْرٍو. فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَقِيلٍ: لِأُمِّكَ الثَّكْلُ مَا أَجَفَاكَ وَأَفَظَّكَ وَأَقْسَى قَلْبَكَ وَأَغْلَظَكَ! أَنْتَ يَا ابْنَ بَاهِلَةَ أَوْلَى بِالْحَمِيمِ وَالْخُلُودِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ مِنِّي! قَالَ: فَدَعَا عُمَارَةُ بْنُ عُقْبَةَ بِمَاءٍ بَارِدٍ فَصُبَّ لَهُ فِي قَدَحٍ فَأَخَذَ لِيَشْرَبَ فَامْتَلَأَ الْقَدَحُ دَمًا، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا، فَقَالَ: لَوْ كَانَ مِنَ الرِّزْقِ الْمَقْسُومِ شَرِبْتُهُ. وَأُدْخِلَ عَلَى ابْنِ زِيَادٍ فَلَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِ بِالْإِمَارَةِ، فَقَالَ لَهُ الْحَرَسِيُّ: أَلَا تُسَلِّمُ عَلَى الْأَمِيرِ؟ فَقَالَ: إِنْ كَانَ يُرِيدُ قَتْلِي فَمَا سَلَامِي عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُرِيدُ قَتْلِي فَلْيَكْثُرَنَّ تَسْلِيمِي عَلَيْهِ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ زِيَادٍ: لَعَمْرِي لَتُقْتَلَنَّ! فَقَالَ: كَذَلِكَ؟ قَالَ نَعَمْ. قَالَ: فَدَعْنِي أُوصِي إِلَى بَعْضِ قَوْمِي. قَالَ: افْعَلْ. فَقَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعْدٍ: إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَكَ قَرَابَةً وَلِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ وَهِيَ سِرٌّ، فَلَمْ يُمْكِنْهُ مِنْ ذِكْرِهَا، فَقَالَ لَهُ ابْنُ زِيَادٍ: لَا تَمْتَنِعْ مِنْ حَاجَةِ ابْنِ عَمِّكَ. فَقَامَ مَعَهُ فَقَالَ: إِنَّ عَلَيَّ بِالْكُوفَةِ دَيْنًا اسْتَدَنْتُهُ مُنْذُ قَدِمْتُ الْكُوفَةَ سَبْعَمِائَةِ دِرْهَمٍ فَاقْضِهَا عَنِّي وَانْظُرْ جُثَّتِي فَاسْتَوْهِبْهَا فَوَارِهَا وَابْعَثْ إِلَى الْحُسَيْنِ مَنْ يَرُدُّهُ. فَقَالَ عُمَرُ لِابْنِ زِيَادٍ: إِنَّهُ قَالَ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ ابْنُ زِيَادٍ: لَا يَخُونُكَ الْأَمِينُ وَلَكِنْ قَدْ يُؤْتَمَنُ الْخَائِنُ، أَمَّا مَالُكَ فَهُوَ لَكَ تَصْنَعُ بِهِ مَا شِئْتَ، وَأَمَّا الْحُسَيْنُ فَإِنْ لَمْ يُرِدْنَا لَمْ نُرِدْهُ، وَإِنْ أَرَادَنَا لَمْ نَكُفَّ عَنْهُ، وَأَمَّا جُثَّتُهُ فَإِنَّا لَنْ نُشَفِّعَكَ فِيهَا، وَقِيلَ إِنَّهُ قَالَ: أَمَّا جُثَّتُهُ فَإِنَّا إِذَا قَتَلْنَاهُ لَا نُبَالِي مَا صُنِعَ بِهَا. ثُمَّ قَالَ لِمُسْلِمٍ: يَا ابْنَ عَقِيلٍ أَتَيْتَ النَّاسَ وَأَمْرُهُمْ جَمِيعٌ وَكَلِمَتُهُمْ وَاحِدَةٌ لِتُشَتِّتَ بَيْنِهِمْ وَتُفَرِّقَ كَلِمَتَهُمْ! فَقَالَ: كَلَّا وَلَكِنَّ أَهْلَ هَذَا الْمِصْرِ زَعَمُوا أَنَّ أَبَاكَ قَتَلَ خِيَارَهُمْ وَسَفَكَ دِمَاءَهُمْ وَعَمِلَ فِيهِمْ أَعْمَالَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فَأَتَيْنَاهُمْ لِنَأْمُرَ بِالْعَدْلِ وَنَدْعُوَ إِلَى حُكْمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. فَقَالَ: وَمَا أَنْتَ وَذَاكَ يَا فَاسِقُ؟ أَلَمْ يَكُنْ يُعْمَلُ بِذَلِكَ فِيهِمْ إِذْ أَنْتَ تَشْرَبُ الْخَمْرَ بِالْمَدِينَةِ؟ قَالَ: أَنَا أَشْرَبُ الْخَمْرَ! وَاللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّكَ غَيْرُ صَادِقٍ، وَأَنِّي لَسْتُ كَمَا ذَكَرْتَ، وَإِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِشُرْبِ الْخَمْرِ مِنِّي مَنْ يَلَغُ فِي دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَقْتُلُ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ قَتْلَهَا عَلَى الْغَضَبِ وَالْعَدَاوَةِ، وَهُوَ يَلْهُو وَيَلْعَبُ كَأَنَّهُ لَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا. فَقَالَ لَهُ ابْنُ زِيَادٍ: قَتَلَنِي اللَّهُ إِنْ لَمْ أَقْتُلْكَ قِتْلَةً لَمْ يُقْتَلْهَا أَحَدٌ فِي الْإِسْلَامِ! قَالَ: أَمَا إِنَّكَ أَحَقُّ مَنْ أَحْدَثَ فِي الْإِسْلَامِ مَا لَيْسَ فِيهِ، أَمَا إِنَّكَ لَا تَدَعُ سُوءَ الْقِتْلَةِ وَقُبْحَ الْمُثْلَةِ وَخُبْثَ السِّيرَةِ وَلُؤْمَ الْغَلَبَةِ وَلَا أَحَدَ مِنَ النَّاسِ أَحَقُّ بِهَا مِنْكَ. فَشَتَمَهُ ابْنُ زِيَادٍ وَشَتَمَ

стр. 1586

الْحُسَيْنَ وَعَلِيًّا وَعَقِيلًا، فَلَمْ يُكَلِّمْهُ مُسْلِمٌ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَأُصْعِدَ فَوْقَ الْقَصْرِ لِتُضْرَبَ رَقَبَتُهُ وَيُتْبِعُوا رَأْسَهُ جَسَدَهُ، فَقَالَ مُسْلِمٌ لِابْنِ الْأَشْعَثِ: وَاللَّهِ لَوْلَا أَمَانُكَ مَا اسْتَسْلَمْتُ، قُمْ بِسَيْفِكَ دُونِي، قَدْ أَخَفَرْتُ ذِمَّتَكَ. فَأُصْعِدَ مُسْلِمٌ فَوْقَ الْقَصْرِ وَهُوَ يَسْتَغْفِرُ وَيُسَبِّحُ، وَأُشْرِفَ بِهِ عَلَى مَوْضِعِ الْحَدَّائِينَ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ، وَكَانَ الَّذِي قَتَلَهُ بُكَيْرُ بْنُ حُمْرَانَ الَّذِي ضَرَبَهُ مُسْلِمٌ، ثُمَّ أَتْبَعَ رَأْسَهُ جَسَدَهُ. فَلَمَّا نَزَلَ بُكَيْرٌ قَالَ لَهُ ابْنُ زِيَادٍ: مَا كَانَ يَقُولُ وَأَنْتُمْ تَصْعَدُونَ بِهِ؟ قَالَ: كَانَ يُسَبِّحُ وَيَسْتَغْفِرُ، (فَلَمَّا أَدْنَيْتُهُ لِأَقْتُلَهُ) قُلْتُ لَهُ: ادْنُ مِنِّي، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي (أَمْكَنَ مِنْكَ) وَأَقَادَنِي مِنْكَ! فَضَرَبْتُهُ ضَرْبَةً لَمْ تُغْنِ شَيْئًا، فَقَالَ: أَمَا تَرَى فِي خَدْشٍ تَخْدِشُنِيهِ وَفَاءً مِنْ دَمِكَ أَيُّهَا الْعَبْدُ؟ فَقَالَ ابْنُ زِيَادٍ: وَفَخْرًا عِنْدَ الْمَوْتِ! قَالَ: ثُمَّ ضَرَبْتُهُ الثَّانِيَةَ فَقَتَلْتُهُ. وَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ فَكَلَّمُ ابْنَ زِيَادٍ فِي هَانِئٍ وَقَالَ لَهُ: قَدْ عَرَفْتَ مَنْزِلَتَهُ فِي الْمِصْرِ وَبَيْتَهُ، وَقَدْ عَلِمَ قَوْمُهُ أَنِّي أَنَا وَصَاحِبِي سُقْنَاهُ إِلَيْكَ، فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ لَمَا وَهَبْتَهُ لِي فَإِنِّي أَكْرَهُ عَدَاوَةَ قَوْمِهِ: فَوَعَدَهُ أَنْ يَفْعَلَ. فَلَمَّا كَانَ مِنْ مُسْلِمٍ مَا كَانَ، بَدَا لَهُ فَأَمَرَ بِهَانِئٍ حِينَ قُتِلَ مُسْلِمٌ فَأُخْرِجَ إِلَى السُّوقِ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ، قَتَلَهُ مَوْلًى تُرْكِيٌّ لَابْنِ زِيَادٍ، قَالَ: فَبَصُرَ بِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحُصَيْنِ الْمُرَادِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ بِخَازِرٍ مَعَ ابْنِ زِيَادٍ فَقَتَلَهُ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزَّبِيرِ الْأَسَدِيُّ فِي قَتْلِ هَانِئٍ وَمُسْلِمٍ، وَقِيلَ قَالَهُ الْفَرَزْدَقُ، (الزَّبِيرُ بِفَتْحِ الزَّايِ وَكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ) : فَإِنْ كُنْتِ لَا تَدْرِينَ مَا الْمَوْتُ فَانْظُرِي ... إِلَى هَانِئٍ فِي السُّوقِ وَابْنِ عَقِيلِ إِلَى بَطَلٍ قَدْ هَشَّمَ السَّيْفُ وَجْهَهُ ... وَآخَرَ يَهْوِي مِنْ طَمَارِ قَتِيلِ وَهِيَ أَبْيَاتٌ. وَبَعَثَ ابْنُ زِيَادٍ بِرَأْسَيْهِمَا إِلَى يَزِيدَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَزِيدُ يَشْكُرُهُ وَيَقُولُ لَهُ: وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الْحُسَيْنَ قَدْ تَوَجَّهَ نَحْوَ الْعِرَاقِ، فَضَعِ الْمَرَاصِدَ وَالْمَسَالِحَ وَاحْتَرِسْ وَاحْبِسْ

стр. 1587

عَلَى التُّهْمَةِ وَخُذْ عَلَى الظِّنَّةِ، غَيْرَ أَنْ لَا تَقْتُلَ إِلَّا مَنْ قَاتَلَكَ. وَقِيلَ: وَكَانَ مَخْرَجُ ابْنِ عَقِيلٍ بِالْكُوفَةِ لِثَمَانِي لَيَالٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ سِتِّينَ، وَقِيلَ: لِتَسَعٍ مَضَيْنَ مِنْهُ، قِيلَ وَكَانَ فِيمَنْ خَرَجَ مَعَهُ الْمُخْتَارُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، فَطَلَبَهُمَا ابْنُ زِيَادٍ وَحَبَسَهُمَا، وَكَانَ فِيمَنْ قَاتَلَ مُسْلِمًا مُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ وَشَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ التَّمِيمِيُّ وَالْقَعْقَاعُ بْنُ شَوْرٍ، وَجَعَلَ شَبَثٌ يَقُولُ: انْتَظِرُوا بِهِمُ اللَّيْلَ يَتَفَرَّقُوا، فَقَالَ لَهُ الْقَعْقَاعُ: إِنَّكَ قَدْ سَدَدْتَ عَلَيْهِمْ وَجْهَ مَهْرَبِهِمْ فَافْرُجْ لَهُمْ يَتَفَرَّقُوا. ذِكْرُ مَسِيرِ الْحُسَيْنِ إِلَى الْكُوفَةِ قِيلَ لَمَّا أَرَادَ الْحُسَيْنُ الْمَسِيرَ إِلَى الْكُوفَةِ بِكُتُبِ أَهْلِ الْعِرَاقِ إِلَيْهِ أَتَاهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ وَهُوَ بِمَكَّةَ فَقَالَ لَهُ: إِنِّي أَتَيْتُكَ لِحَاجَةٍ أُرِيدُ ذِكْرَهَا نَصِيحَةً لَكَ، فَإِنْ كُنْتَ تَرَى أَنَّكَ مُسْتَنْصِحِي قُلْتُهَا وَأَدَّيْتُ مَا عَلَيَّ مِنَ الْحَقِّ فِيهَا، وَإِنْ ظَنَنْتَ أَنَّكَ لَا مُسْتَنْصِحِي كَفَفْتُ عَمَّا أُرِيدُ. فَقَالَ لَهُ: قُلْ، فَوَاللَّهِ مَا أَسَتَغِشُّكَ وَمَا أَظُنُّكَ بِشَيْءٍ مِنَ الْهَوَى. قَالَ لَهُ: قَدْ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُرِيدُ الْعِرَاقَ، وَإِنِّي مُشْفِقٌ عَلَيْكَ، إِنَّكَ تَأْتِي بَلَدًا فِيهِ عُمَّالُهُ وَأُمَرَاؤُهُ وَمَعَهُمْ بُيُوتُ الْأَمْوَالِ، وَإِنَّمَا النَّاسُ عَبِيدُ الدُّنْيَا وَالدِّرْهَمِ، فَلَا آمَنُ عَلَيْكَ أَنْ يُقَاتِلَكَ مَنْ وَعَدَكَ نَصْرَهُ وَمَنْ أَنْتَ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِمَّنْ يُقَاتِلُكَ مَعَهُ. فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا يَا ابْنَ عَمِّ، فَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ مَشَيْتَ بِنُصْحٍ وَتَكَلَّمْتَ بِعَقْلٍ، وَمَهْمَا يُقْضَ مِنْ أَمْرٍ يَكُنْ، أَخَذْتُ بِرَأْيِكَ أَوْ تَرَكْتُهُ، فَأَنْتَ عِنْدِي أَحْمَدُ مُشِيرٍ، وَأَنْصَحُ نَاصِحٍ. قَالَ: وَأَتَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَهُ: قَدْ أَرْجَفَ النَّاسُ أَنَّكَ سَائِرٌ إِلَى الْعِرَاقِ، فَبَيِّنْ لِي مَا أَنْتَ صَانِعٌ؟ فَقَالَ لَهُ: قَدْ أَجْمَعْتُ السَّيْرَ فِي أَحَدِ يَوْمَيَّ هَذَيْنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَإِنِّي أُعِيذُكَ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، خَبِّرْنِي، رَحِمَكَ اللَّهُ، أَتَسِيرُ إِلَى قَوْمٍ قَتَلُوا أَمِيرَهُمْ وَضَبَطُوا بِلَادَهُمْ وَنَفَوْا عَدُوَّهُمْ؟ فَإِنْ كَانُوا فَعَلُوا ذَلِكَ فَسِرْ إِلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانُوا إِنَّمَا دَعَوْكَ إِلَيْهِمْ وَأَمِيرُهُمْ عَلَيْهِمْ قَاهِرٌ لَهُمْ وَعُمَّالُهُ تَجْبِي بِلَادَهُمْ فَإِنَّمَا دَعَوْكَ إِلَى

стр. 1588

الْحَرْبِ، وَلَا آمَنُ عَلَيْكَ أَنْ يَغُرُّوكَ وَيُكَذِّبُوكَ وَيُخَالِفُوكَ وَيَخْذُلُوكَ وَيَسْتَنْفِرُوا إِلَيْكَ فَيَكُونُوا أَشَدَّ النَّاسِ عَلَيْكَ. فَقَالَ الْحُسَيْنُ: فَإِنِّي أَسْتَخِيرُ اللَّهَ وَأَنْظُرُ مَا يَكُونُ. فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَتَاهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَحَدَّثَهُ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: مَا أَدْرِي مَا تَرْكُنَا هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ وَكَفُّنَا عَنْهُمْ وَنَحْنُ أَبْنَاءُ الْمُهَاجِرِينَ وَوُلَاةُ هَذَا الْأَمْرِ دُونَهُمْ، خَبِّرْنِي مَا تُرِيدُ أَنْ تَصْنَعَ؟ فَقَالَ الْحُسَيْنُ: لَقَدْ حَدَّثْتُ نَفْسِي بِإِتْيَانِ الْكُوفَةِ، وَلَقَدْ كَتَبَتْ إِلَيَّ شِيعَتِي بِهَا وَأَشْرَافُ النَّاسِ وَأَسْتَخِيرُ اللَّهَ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ: أَمَا لَوْ كَانَ لِي بِهَا مِثْلُ شِيعَتِكَ لَمَا عَدَلْتُ عَنْهَا. ثُمَّ خَشِيَ أَنْ يَتَّهِمَهُ فَقَالَ لَهُ: أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَقَمْتَ بِالْحِجَازِ ثُمَّ أَرَدْتَ هَذَا الْأَمْرَ هَا هُنَا لَمَا خَالَفْنَا عَلَيْكَ وَسَاعَدْنَاكَ وَبَايَعْنَاكَ وَنَصَحْنَا لَكَ. فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: إِنَّ أَبِي حَدَّثَنِي أَنَّ لَهَا كَبْشًا بِهِ تُسْتَحَلُّ حُرْمَتُهَا، فَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ أَنَا ذَلِكَ الْكَبْشَ. قَالَ: فَأَقِمْ إِنْ شِئْتَ وَتُوَلِّينِي أَنَا الْأَمْرَ فَتُطَاعُ وَلَا تُعْصَى. قَالَ: وَلَا أُرِيدُ هَذَا أَيْضًا ثُمَّ إِنَّهُمَا أَخْفَيَا كَلَامَهُمَا دُونَنَا، فَالْتَفَتَ الْحُسَيْنُ إِلَى مَنْ هُنَاكَ وَقَالَ: أَتَدْرُونَ مَا يَقُولُ؟ قَالُوا: لَا نَدْرِي، جَعَلَنَا اللَّهُ فِدَاكَ! قَالَ: إِنَّهُ يَقُولُ: أَقِمْ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ أَجْمَعُ لَكَ النَّاسَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: وَاللَّهِ لَئِنْ أُقْتَلْ خَارِجًا مِنْهَا بِشِبْرٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْتُلَ فِيهَا، وَلَأَنْ أُقْتَلَ خَارِجًا مِنْهَا بِشِبْرَيْنِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُقْتَلَ خَارِجًا مِنْهَا بِشِبْرٍ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْ كُنْتُ فِي جُحْرِ هَامَّةٍ مِنْ هَذِهِ الْهَوَامِّ لَاسْتَخْرَجُونِي حَتَّى يَقْضُوا بِي حَاجَتَهُمْ! وَاللَّهِ لَيَعْتَدُنَّ عَلَيَّ كَمَا اعْتَدَتِ الْيَهُودُ فِي السَّبْتِ: فَقَامَ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ. فَقَالَ الْحُسَيْنُ: إِنَّ هَذَا لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ أَخْرُجَ مِنَ الْحِجَازِ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ النَّاسَ لَا يَعْدِلُونَهُ بِي فَوَدَّ أَنِّي خَرَجْتُ حَتَّى يَخْلُوَ لَهُ. قَالَ: فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْعَشِيِّ أَوْ مِنَ الْغَدِ أَتَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: يَا ابْنَ عَمِّ، إِنِّي أَتَصَبَّرُ وَلَا أَصْبِرُ، إِنِّي أَتَخَوَّفُ عَلَيْكَ فِي هَذَا الْوَجْهِ الْهَلَاكَ وَالِاسْتِئْصَالَ، إِنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ قَوْمٌ غُدُرٌ فَلَا تَقْرَبَنَّهُمْ، أَقِمْ فِي هَذَا الْبَلَدِ فَإِنَّكَ سَيِّدُ أَهْلِ الْحِجَازِ، فَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْعِرَاقِ يُرِيدُونَكَ كَمَا زَعَمُوا فَاكْتُبْ إِلَيْهِمْ فَلْيَنْفُوا عَامِلَهُمْ وَعَدُّوَهُمْ ثُمَّ أَقْدِمْ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ أَبَيْتَ

стр. 1589

إِلَّا أَنْ تَخْرُجَ فَسِرْ إِلَى الْيَمَنِ فَإِنَّ بِهَا حُصُونًا وَشِعَابًا، وَهِيَ أَرْضٌ عَرِيضَةٌ طَوِيلَةٌ، وَلِأَبِيكَ بِهَا شِيعَةٌ، وَأَنْتَ عَنِ النَّاسِ فِي عُزْلَةٍ، فَتَكْتُبُ إِلَى النَّاسِ وَتُرْسِلُ وَتَبُثُّ دُعَاءَكَ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يَأْتِيَكَ عِنْدَ ذَلِكَ الَّذِي تُحِبُّ فِي عَافِيَةٍ. فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: يَا ابْنَ عَمِّ إِنِّي وَاللَّهِ لَأَعْلَمُ أَنَّكَ نَاصِحٌ مُشْفِقٌ، وَقَدْ أَزْمَعْتُ وَأَجْمَعْتُ الْمَسِيرَ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَإِنْ كُنْتَ سَائِرًا فَلَا تَسِرْ بِنِسَائِكَ وَصِبْيَتِكَ فَإِنِّي لَخَائِفٌ أَنْ تُقْتَلَ كَمَا قُتِلَ عُثْمَانُ وَنِسَاؤُهُ وَوَلَدُهُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَقَدْ أَقْرَرْتَ عَيْنَ ابْنَ الزُّبَيْرِ بِخُرُوجِكَ مِنَ الْحِجَازِ وَهُوَ الْيَوْمَ لَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ أَحَدٌ مَعَكَ، وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ إِذَا أَخَذْتُ بِشَعْرِكَ وَنَاصِيَتِكَ حَتَّى يَجْتَمِعَ عَلَيْنَا النَّاسُ أَطَعْتَنِي فَأَقَمْتَ، لَفَعَلْتُ ذَلِكَ. ثُمَّ خَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ عِنْدِهِ فَمَرَّ بِابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالَ: قَرَّتْ عَيْنُكَ يَا ابْنَ الزُّبَيْرِ! ثُمَّ أَنْشَدَ قَائِلًا: يَا لَكَ مِنْ قُبَّرَةٍ بِمَعْمَرِ ... خَلَا لَكِ الْجَوُّ فَبِيضِي وَاصْفِرِي وَنَقِّرِي مَا شِئْتِ أَنْ تُنَقِّرِي هَذَا الْحُسَيْنُ يَخْرُجُ إِلَى الْعِرَاقِ وَيُخَلِّيكَ وَالْحِجَازَ. قِيلَ: وَكَانَ الْحُسَيْنُ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا يَدَعُونَنِي حَتَّى يَسْتَخْرِجُوا هَذِهِ الْعَلَقَةَ مِنْ جَوْفِي، فَإِذَا فَعَلُوا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَنْ يُذِلُّهُمْ حَتَّى يَكُونُوا أَذَلَّ مَنْ فَرْمِ الْمَرْأَةِ. قَالَ: وَالْفَرْمُ خِرْقَةٌ تَجْعَلُهَا الْمَرْأَةُ فِي قُبُلِهَا إِذَا حَاضَتْ. ثُمَّ خَرَجَ الْحُسَيْنُ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، فَاعْتَرَضَهُ رُسُلُ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الْحِجَازِ لِيَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ مَعَ أَخِيهِ يَحْيَى، يَمْنَعُونَهُ، فَأَبَى عَلَيْهِمْ وَمَضَى، وَتَضَارَبُوا بِالسِّيَاطِ، وَامْتَنَعَ الْحُسَيْنُ وَأَصْحَابُهُ وَسَارُوا فَمَرُّوا بِالتَّنْعِيمِ، فَرَأَى بِهَا عِيرًا قَدْ أَقْبَلَتْ مِنَ الْيَمَنِ بَعَثَ بِهَا بَحِيرُ بْنُ رَيْسَانَ مِنَ الْيَمَنِ إِلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ عَامِلَهُ عَلَى الْيَمَنِ، وَعَلَى الْعِيرِ الْوَرْسُ وَالْحُلَلُ، فَأَخَذَهَا الْحُسَيْنُ وَقَالَ لِأَصْحَابِ الْإِبِلِ: مَنْ أَحَبَّ

стр. 1590

مِنْكُمْ أَنْ يَمْضِيَ مَعَنَا إِلَى الْعِرَاقِ أَوْفَيْنَا كِرَاءَهُ وَأَحْسَنَّا صُحْبَتَهُ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُفَارِقَنَا مِنْ مَكَانِنَا أَعْطَيْنَاهُ نَصِيبَهُ مِنَ الْكِرَاءِ، فَمَنْ فَارَقَ مِنْهُمْ أَعْطَاهُ حَقَّهُ، وَمَنْ سَارَ مَعَهُ أَعْطَاهُ كِرَاءَهُ وَكَسَاهُ. ثُمَّ سَارَ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الصِّفَاحِ لَقِيَهُ الْفَرَزْدَقُ الشَّاعِرُ فَقَالَ لَهُ: أَعْطَاكَ اللَّهُ سُؤْلَكَ وَأَمَلَكَ فِيمَا تُحِبُّ. فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنِ: بَيِّنْ لِي خَبَرَ النَّاسِ خَلْفَكَ. قَالَ: الْخَبِيرَ سَأَلْتَ، قُلُوبُ النَّاسِ مَعَكَ، وَسُيُوفُهُمْ مَعَ بَنِي أُمَيَّةَ، وَالْقَضَاءُ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ، وَاللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ. فَقَالَ الْحُسَيْنُ: صَدَقْتَ، لِلَّهِ الْأَمْرُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَكُلَّ يَوْمٍ رَبُّنَا فِي شَأْنٍ، إِنْ نَزَلَ الْقَضَاءُ بِمَا نُحِبُّ فَنَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى نَعْمَائِهِ وَهُوَ الْمُسْتَعَانُ عَلَى أَدَاءِ الشُّكْرِ، وَإِنْ حَالَ الْقَضَاءُ دُونَ الرَّجَاءِ فَلَمْ يَعْتَدِ مَنْ كَانَ الْحَقُّ نِيَّتَهُ، وَالتَّقْوَى سَرِيرَتَهُ. قَالَ: وَأَدْرَكَ الْحُسَيْنَ كِتَابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ مَعَ ابْنَيْهِ عَوْنٍ وَمُحَمَّدٍ، وَفِيهِ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَسْأَلُكَ بِاللَّهِ لَمَا انْصَرَفْتَ حِينَ تَقْرَأُ كِتَابِي هَذَا، فَإِنِّي مُشْفِقٌ عَلَيْكَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ هَلَاكُكَ وَاسْتِئْصَالُ أَهْلِ بَيْتِكَ، إِنْ هَلَكْتَ الْيَوْمَ طُفِئَ نُورُ الْأَرْضِ، فَإِنَّكَ عَلَمُ الْمُهْتَدِينَ وَرَجَاءُ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَا تَعْجَلْ بِالسَّيْرِ فَإِنِّي فِي إِثْرِ كِتَابِي، وَالسَّلَامُ. وَقِيلَ: وَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ إِلَى عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ لِلْحُسَيْنِ كِتَابًا تَجْعَلُ لَهُ الْأَمَانَ فِيهِ وَتُمَنِّيهِ فِيهِ الْبِرَّ وَالصِّلَةَ وَاسْأَلْهُ الرُّجُوعَ. وَكَانَ عَمْرٌو عَامِلَ يَزِيدَ عَلَى مَكَّةَ، فَفَعَلَ عَمْرٌو ذَلِكَ وَأَرْسَلَ الْكِتَابَ مَعَ أَخِيهِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَمَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، فَلَحِقَاهُ وَقَرَآ عَلَيْهِ الْكِتَابَ وَجَهِدَا أَنْ يَرْجِعَ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَكَانَ مِمَّا اعْتَذَرَ بِهِ إِلَيْهِمَا أَنْ قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ رُؤْيَا رَأَيْتُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأُمِرْتُ فِيهَا بِأَمْرٍ أَنَا مَاضٍ لَهُ، عَلَيَّ كَانَ أَوْ لِي. فَقَالَا: مَا تِلْكَ الرُّؤْيَا؟ قَالَ: مَا حَدَّثْتُ بِهَا أَحَدًا وَمَا أَنَا مُحَدِّثٌ بِهَا أَحَدًا حَتَّى أَلْقَى رَبِّي. وَلَمَّا بَلَغَ ابْنَ زِيَادٍ مَسِيرُ الْحُسَيْنِ مِنْ مَكَّةَ بَعَثَ الْحُصَيْنَ بْنَ نُمَيْرٍ التَّمِيمِيَّ

стр. 1591

صَاحِبَ شُرْطَتِهِ فَنَزَلَ الْقَادِسِيَّةَ وَنَظَّمَ الْخَيْلَ مَا بَيْنَ الْقَادِسِيَّةِ إِلَى خَفَّانِ، وَمَا بَيْنَ الْقَادِسِيَّةِ إِلَى الْقُطْقُطَانَةِ وَإِلَى جَبَلِ لَعْلَعَ. فَلَمَّا بَلَغَ الْحُسَيْنُ الْحَاجِزَ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ مَعَ قَيْسِ بْنِ مُسْهِرٍ الصَّيْدَاوِيِّ يُعَرِّفُهُمْ قُدُومَهُ وَيَأْمُرُهُمْ بِالْجِدِّ فِي أَمْرِهِمْ، فَلَمَّا انْتَهَى قَيْسٌ إِلَى الْقَادِسِيَّةِ أَخَذَهُ الْحُصَيْنُ فَبَعَثَ بِهِ إِلَى ابْنِ زِيَادٍ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ زِيَادٍ: اصْعَدِ الْقَصْرَ فَسُبَّ الْكَذَّابَ ابْنَ الْكَذَّابِ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ. فَصَعِدَ قَيْسٌ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذَا الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ خَيْرُ خَلْقِ اللَّهِ، ابْنُ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَا رَسُولُهُ إِلَيْكُمْ وَقَدْ فَارَقْتُهُ بِالْحَاجِرِ فَأَجِيبُوهُ، ثُمَّ لَعَنَ ابْنَ زِيَادٍ وَأَبَاهُ وَاسْتَغْفَرَ لَعَلِيٍّ. فَأَمَرَ بِهِ ابْنُ زِيَادٍ فَرُمِيَ مِنْ أَعْلَى الْقَصْرِ فَتَقَطَّعَ فَمَاتَ. ثُمَّ أَقْبَلَ الْحُسَيْنُ يَسِيرُ نَحْوَ الْكُوفَةِ فَانْتَهَى إِلَى مَاءٍ مِنْ مِيَاهِ الْعَرَبِ، فَإِذَا عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُطِيعٍ، فَلَمَّا رَآهُ قَامَ إِلَيْهِ فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ! مَا أَقْدَمَكَ؟ فَاحْتَمَلَهُ فَأَنْزَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ الْحُسَيْنُ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: أُذَكِّرُكَ اللَّهَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ وَحُرْمَةَ الْإِسْلَامِ أَنْ تُنْتَهَكَ، أَنْشُدُكَ اللَّهَ فِي حُرْمَةِ قُرَيْشٍ، أَنْشُدُكَ اللَّهَ فِي حُرْمَةِ الْعَرَبِ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ طَلَبْتَ مَا فِي أَيْدِي بَنِي أُمَيَّةَ لَيَقْتُلُنَّكَ، وَلَئِنْ قَتَلُوكَ لَا يَهَابُونَ بَعْدَكَ أَحَدًا أَبَدًا، وَاللَّهِ إِنَّهَا لَحُرْمَةُ الْإِسْلَامِ [تُنْتَهَكُ] وَحُرْمَةُ قُرَيْشٍ وَحُرْمَةُ الْعَرَبِ، فَلَا تَفْعَلْ وَلَا تَأْتِ الْكُوفَةَ وَلَا تُعَرِّضْ نَفْسَكَ لِبَنِي أُمَيَّةَ! فَأَبَى إِلَّا أَنْ يَمْضِيَ. وَكَانَ زُهَيْرُ بْنُ الْقَيْنِ الْبَجَلِيُّ قَدْ حَجَّ، وَكَانَ عُثْمَانِيًّا، فَلَمَّا عَادَ جَمَعَهُمَا الطَّرِيقُ، وَكَانَ يُسَايِرُ الْحُسَيْنَ مِنْ مَكَّةَ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَنْزِلُ مَعَهُ، فَاسْتَدْعَاهُ يَوْمًا الْحُسَيْنُ فَشُقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ ثُمَّ أَجَابَهُ عَلَى كُرْهٍ، فَلَمَّا عَادَ مِنْ عِنْدِهِ نَقَلَ ثَقَلَهُ إِلَى ثَقَلِ الْحُسَيْنِ ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَتْبَعَنِي وَإِلَّا فَإِنَّهُ آخِرُ الْعَهْدِ، وَسَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا، غَزَوْنَا بَلَنْجَرَ فَفُتِحَ عَلَيْنَا وَأَصَبْنَا غَنَائِمَ فَفَرِحْنَا وَكَانَ مَعَنَا سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ فَقَالَ لَنَا: إِذَا أَدْرَكْتُمْ سَيِّدَ شَبَابِ أَهْلِ مُحَمَّدٍ فَكُونُوا أَشَدَّ فَرَحًا بِقِتَالِكُمْ مَعَهُ بِمَا أَصَبْتُمُ الْيَوْمَ مِنَ

стр. 1592

الْغَنَائِمِ، فَأَمَّا أَنَا فَأَسْتَوْدِعُكُمُ اللَّهَ! ثُمَّ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ وَقَالَ لَهَا: الْحَقِي بِأَهْلِكِ فَإِنِّي لَا أُحِبُّ أَنْ يُصِيبَكِ فِي سَبَبِي إِلَّا خَيْرٌ. وَلَزِمَ الْحُسَيْنَ حَتَّى قُتِلَ مَعَهُ. وَأَتَاهُ خَبَرُ قَتْلِ مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ بِالثَّعْلَبِيَّةِ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: نَنْشُدُكَ إِلَّا رَجَعْتَ مِنْ مَكَانِكَ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكَ بِالْكُوفَةِ نَاصِرٌ وَلَا شِيعَةٌ بَلْ نَتَخَوَّفُ عَلَيْكَ أَنْ يَكُونُوا عَلَيْكَ! فَوَثَبَ بَنُو عَقِيلٍ وَقَالُوا: وَاللَّهِ لَا نَبْرَحُ حَتَّى نُدْرِكَ ثَأْرَنَا أَوْ نَذُوقَ كَمَا ذَاقَ مُسْلِمٌ! فَقَالَ الْحُسَيْنُ: لَا خَيْرَ فِي الْعَيْشِ بَعْدَ هَؤُلَاءِ: فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: إِنَّكَ وَاللَّهِ مَا أَنْتَ مِثْلَ مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ، وَلَوْ قَدِمْتَ الْكُوفَةَ لَكَانَ النَّاسُ إِلَيْكَ أَسْرَعَ. ثُمَّ ارْتَحَلُوا فَانْتَهَوْا إِلَى زُبَالَةَ، وَكَانَ لَا يَمُرُّ بِمَاءٍ إِلَّا اتَّبَعَهُ مَنْ عَلَيْهِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى زُبَالَةَ، فَأَتَاهُ خَبَرُ مَقْتَلِ أَخِيهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُقْطُرَ، وَكَانَ سَرَّحَهُ إِلَى مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ مِنَ الطَّرِيقِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِقَتْلِهِ، فَأَخَذَتْهُ خَيْلُ الْحُصَيْنِ، فَسَيَّرَهُ مِنَ الْقَادِسِيَّةِ إِلَى ابْنِ زِيَادٍ، فَقَالَ لَهُ: اصْعَدْ فَوْقَ الْقَصْرِ وَالْعَنِ الْكَذَّابَ ابْنَ الْكَذَّابِ ثُمَّ انْزِلْ حَتَّى أَرَى فِيكَ رَأْيِي. فَصَعِدَ فَأَعْلَمَ النَّاسَ بِقُدُومِ الْحُسَيْنِ وَلَعَنَ ابْنَ زِيَادٍ وَأَبَاهُ، فَأَلْقَاهُ مِنَ الْقَصْرِ فَتَكَسَّرَتْ عِظَامُهُ وَبَقِيَ بِهِ رَمَقٌ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ اللَّخْمِيُّ فَذَبَحَهُ فَلَمَّا عِيبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ قَالَ: إِنَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أُرِيحَهُ. قَالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ يَكُنِ الَّذِي ذَبَحَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ وَلَكِنَّهُ رَجُلٌ يُشْبِهُ عَبْدَ الْمَلِكِ. فَلَمَّا أَتَى الْحُسَيْنَ خَبَرُ قَتْلِ أَخِيهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَمُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ أَعْلَمَ النَّاسَ ذَلِكَ وَقَالَ: قَدْ خَذَلَنَا شِيعَتُنَا، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْصَرِفَ فَلْيَنْصَرِفْ لَيْسَ عَلَيْهِ مِنَّا ذِمَامٌ. فَتَفَرَّقُوا يَمِينًا وَشِمَالًا حَتَّى بَقِيَ فِي أَصْحَابِهِ الَّذِينَ جَاءُوا مَعَهُ مِنْ مَكَّةَ، وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ الْأَعْرَابَ ظَنُّوا أَنَّهُ يَأْتِي بَلَدًا قَدِ اسْتَقَامَتْ لَهُ طَاعَةُ أَهْلِهِ فَأَرَادَ أَنْ يَعْلَمُوا عَلَامَ يَقَدَمُونَ. ثُمَّ سَارَ حَتَّى نَزَلَ بَطْنَ الْعَقَبَةِ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ فَقَالَ لَهُ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ لَمَا انْصَرَفْتَ فَوَاللَّهِ مَا تَقَدَمُ إِلَّا عَلَى الْأَسِنَّةِ وَحَدِّ السُّيُوفِ، إِنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ بَعَثُوا إِلَيْكَ لَوْ كَانُوا كَفَوْكَ مَئُونَةَ الْقِتَالِ وَوَطَّئُوا لَكَ الْأَشْيَاءَ فَقَدِمْتَ عَلَيْهِمْ لَكَانَ ذَلِكَ رَأَيًا، فَأَمَّا عَلَى

стр. 1593

هَذِهِ الْحَالِ الَّتِي تُذْكَرُ فَلَا أَرَى أَنْ تَفْعَلَ. فَقَالَ: إِنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيَّ مَا ذَكَرْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ، ، لَا يُغْلَبُ عَلَى أَمْرِهِ. ثُمَّ ارْتَحَلَ مِنْهَا. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ حَجَّ بِالنَّاسِ عَمْرُو بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ الْأَشْدَقُ، وَكَانَ الْعَامِلَ عَلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ. [الْوَفَيَاتُ] (وَفِيهَا مَاتَ جُرْهُدٌ الْأَسْلَمِيُّ لَهُ صُحْبَةٌ) . وَفِي أَيَّامِ مُعَاوِيَةَ مَاتَ حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ الْأَنْصَارِيِّ، وَهُوَ بَدْرِيٌّ. وَفِي أَيَّامِهِ أَيْضًا مَاتَ دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيُّ

стр. 1594

الَّذِي يُشَبِّهُ جِبْرَائِيلَ إِذَا أُنْزِلَ بِالْوَحْيِ. وَفِي أَوَّلِ خِلَافَتِهِ مَاتَ رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ الْأَنْصَارِيُّ، وَكَانَ بَدْرِيًّا، وَشَهِدَ مَعَ عَلِيٍّ الْجَمَلَ وَصِفِّينَ. وَفِي أَيَّامِهِ مَاتَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ بِالْمَدِينَةِ. وَفِي أَيَّامِهِ مَاتَ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ الْأَنْصَارِيُّ، (وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيُّ. وَفِي أَيَّامِهِ مَاتَ) عُتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ، (شَهِدَا بَدْرًا. وَفِي أَيَّامِ مُعَاوِيَةَ مَاتَ سَهْلُ بْنُ الْحَنْظَلِيَّةِ، وَهُوَ ابْنُ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ) ، بِدِمَشْقَ، وَفِي أَيَّامِهِ بَعْدَ سَنَةِ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ مَاتَ السَّائِبُ بْنُ أَبِي وَدَاعَةَ السَّهْمِيُّ. وَمَاتَ فِي أَيَّامِهِ سُرَاقَةُ بْنُ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ بَدْرِيٌّ. وَفِي أَيَّامِهِ مَاتَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ فِي أَوَّلِهَا، وَهُوَ بَدْرِيٌّ. وَفِي أَيَّامِهِ مَاتَ مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ الْمُزَنِيُّ، وَإِلَيْهِ يُنْسَبُ نَهْرُ مَعْقِلٍ بِالْبَصْرَةِ، (وَقِيلَ: مَاتَ فِي أَيَّامِ يَزِيدَ. (مَعْقِلٌ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالْقَافِ. وَيَسَارٌ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ) .

стр. 1595

وَفِي أَيَّامِهِ) مَاتَ نَاجِيَةُ بْنُ جُنْدَبِ بْنِ عُمَيْرٍ صَاحِبُ بُدْنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَفِيهَا مَاتَ نُعَيْمَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ رِفَاعَةَ الْأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ فِيهِ مُزَاحٌ وَدُعَابَةٌ، وَشَهِدَ بَدْرًا، وَقِيلَ: بَلِ الَّذِي مَاتَ ابْنُهُ. وَفِي آخِرِ أَيَّامِهِ مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكٍ ابْنُ بُحَيْنَةَ، لَهُ صُحْبَةٌ. وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلِ بْنِ عَبْدِ غُنْمٍ الْمُزَنِيُّ بِالْبَصْرَةِ. (وَمُغَفَّلٌ بِضَمِّ الْمِيمِ، وَفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، وَفَتْحِ الْفَاءِ الْمُشَدَّدَةِ) . وَفِي أَيَّامِهِ مَاتَ هِنْدُ بْنُ جَارِيَةَ بْنِ هِنْدٍ الْأَسْلَمِيُّ. وَفِي سَنَةِ سِتِّينَ تُوُفِّيَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ وَلَهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، سِتُّونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَسِتُّونَ فِي الْإِسْلَامِ. وَفِيهَا مَاتَ أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ، وَاسْمُهُ مَالِكُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَهُوَ بَدْرِيٌّ، وَقِيلَ: (مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ) ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنَ الْبَدْرِيِّينَ، وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثِينَ، وَلَا يَصِحُّ. وَفِي أَوَّلِ أَيَّامِ مُعَاوِيَةَ مَاتَ أَبُو بُرْدَةَ هَانِئُ بْنُ نِيَارٍ الْبَلَوِيُّ حَلِيفُ الْأَنْصَارِ، وَهُوَ عَقَبِيُّ بَدْرِيٌّ، وَشَهِدَ مَعَ عَلِيٍّ حُرُوبَهُ كُلَّهَا. وَفِي أَيَّامِهِ مَاتَ أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ، لَهُ صُحْبَةٌ، وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ. وَفِي أَيَّامِهِ مَاتَ أَبُو جَهْمِ بْنُ حُذَيْفَةَ الْعَدَوِيُّ الْقُرَشِيُّ فِي آخِرِهَا، وَقِيلَ: شَهِدَ بُنْيَانَ

стр. 1596

الْكَعْبَةِ أَيَّامَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَكَانَ قَدْ شَهِدَ قُرَيْشًا حِينَ بَنَتْهَا. وَفِي أَوَّلِ أَيَّامِهِ مَاتَ (أَبُو حَثْمَةَ الْأَنْصَارِيُّ وَالِدُ سَهْلٍ) . (وَفِي آخِرِ أَيَّامِهِ مَاتَ) أَبُو قَيْسٍ الْجُهَنِيُّ، شَهِدَ الْفَتْحَ (وَفِي سَنَةِ سِتِّينَ تُوُفِّيَ) صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ بِسُمَيْسَاطَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ قُتِلَ شَهِيدًا (قَبْلَ هَذَا) . وَفِيهَا تُوُفِّيَتِ الْكِلَابِيَّةُ الَّتِي اسْتَعَاذَتْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ تَزَوَّجَهَا فَفَارَقَهَا، وَكَانَتْ قَدْ أَصَابَهَا جُنُونٌ، وَتُوُفِّيَ بِلَالُ بْنُ الْحَارِثِ الْمُزَنِيُّ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ. وَفِي آخِرِ أَيَّامِهِ مَاتَ وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ الْحَضْرَمِيُّ، وَأَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ (هِنْدُ بْنُ جَارِيَةَ بِالْجِيمِ، وَالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتِهَا. وَحَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ. أَبُو أُسَيْدٍ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ السِّينِ) .

стр. 1597

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَسِتِّينَ] ٦١ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَسِتِّينَ ذِكْرُ مَقْتَلِ الْحُسَيْنِ، ﵁ وَسَارَ الْحُسَيْنُ بْنُ شَرَّافٍ، فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ كَبَّرَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ لَهُ: مِمَّ كَبَّرْتَ؟ قَالَ: رَأَيْتُ النَّخْلَ. فَقَالَ رَجُلَانِ مِنْ بَنِي أَسَدٍ: مَا بِهَذِهِ الْأَرْضِ نَخْلَةٌ قَطُّ! فَقَالَ الْحُسَيْنُ: فَمَا هُوَ؟ فَقَالَا: لَا نَرَاهُ إِلَّا هَوَادِي الْخَيْلِ. فَقَالَ: وَأَنَا أَيْضًا أَرَاهُ ذَلِكَ. وَقَالَ لَهُمَا: أَمَا لَنَا مَلْجَأٌ نَلْجَأُ إِلَيْهِ نَجْعَلُهُ فِي ظُهُورِنَا وَنَسْتَقْبِلُ الْقَوْمَ مَنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ؟ فَقَالَا: بَلَى، هَذَا ذُو حُسُمٍ إِلَى جَنْبِكَ تَمِيلُ إِلَيْهِ عَنْ يَسَارِكَ فَإِنْ سَبَقْتَ الْقَوْمَ إِلَيْهِ فَهُوَ كَمَا تُرِيدُ. فَمَالَ إِلَيْهِ، فَمَا كَانَ بِأَسْرَعَ مِنْ أَنْ طَلَعَتِ الْخَيْلُ وَعَدَلُوا إِلَيْهِمْ، فَسَبَقَهُمُ الْحُسَيْنُ إِلَى الْجَبَلِ فَنَزَلَ، وَجَاءَ الْقَوْمُ وَهُمْ أَلْفُ فَارِسٍ مَعَ الْحُرُّ بْنُ يَزِيدَ التَّمِيمِيُّ ثُمَّ الْيَرْبُوعِيُّ، فَوَقَفُوا مُقَابِلَ الْحُسَيْنِ وَأَصْحَابِهِ فِي حَرِّ الظَّهِيرَةِ، فَقَالَ الْحُسَيْنُ لِأَصْحَابِهِ وَفِتْيَانِهِ: اسْقُوا

стр. 1598

الْقَوْمَ وَرَشِّفُوا الْخَيْلَ تَرْشِيفًا. فَفَعَلُوا، وَكَانَ مَجِيءُ الْقَوْمِ مِنَ الْقَادِسِيَّةِ، أَرْسَلَهُمُ الْحُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ التَّمِيمِيُّ فِي هَذِهِ الْأَلِفِ يَسْتَقْبِلُ الْحُسَيْنَ، فَلَمْ يَزَلْ مُوَاقِفًا الْحُسَيْنَ حَتَّى حَضَرَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ، فَأَمْرَ الْحُسَيْنُ مُؤَذِّنَهُ بِالْأَذَانِ فَأَذَّنَ، وَخَرَجَ الْحُسَيْنُ إِلَيْهِمْ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهَا مَعْذِرَةٌ إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكُمْ، إِنِّي لَمْ آتِكُمْ حَتَّى أَتَتْنِي كُتُبُكُمْ وَرُسُلُكُمْ أَنْ أَقْدِمْ إِلَيْنَا فَلَيْسَ لَنَا إِمَامٌ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنَا بِكَ عَلَى الْهُدَى، فَقَدْ جِئْتُكُمْ، فَإِنْ تُعْطُونِي مَا أَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ مِنْ عُهُودِكُمْ أَقْدَمُ مِصْرَكُمْ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا أَوْ كُنْتُمْ لِمَقَدَمِي كَارِهِينَ انْصَرَفْتُ عَنْكُمْ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أَقْبَلْتُ مِنْهُ. فَسَكَتُوا وَقَالُوا لِلْمُؤَذِّنِ: أَقِمْ، فَأَقَامَ، وَقَالَ الْحُسَيْنُ لِلْحُرِّ: أَتُرِيدُ أَنْ تُصَلِّيَ أَنْتَ بِأَصْحَابِكَ؟ فَقَالَ: بَلْ صَلِّي أَنْتَ وَنُصَلِّي بِصَلَاتِكَ. فَصَلَّى بِهِمُ الْحُسَيْنُ، ثُمَّ دَخَلَ وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ وَانْصَرَفَ الْحُرُّ إِلَى مَكَانِهِ، ثُمَّ صَلَّى بِهِمُ الْحُسَيْنُ الْعَصْرَ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَهُمْ بِوَجْهِهِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّكُمْ إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ وَتَعْرِفُوا الْحَقَّ لِأَهْلِهِ يَكُنْ أَرْضَى لِلَّهِ، وَنَحْنُ أَهْلُ الْبَيْتِ أَوْلَى بِوِلَايَةِ هَذَا الْأَمْرِ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُدَّعِينَ مَا لَيْسَ لَهُمْ وَالسَّائِرِينَ فِيكُمْ بِالْجَوْرِ وَالْعُدْوَانِ، فَإِنْ أَنْتُمْ كَرِهْتُمُونَا وَجَهِلْتُمْ حَقَّنَا وَكَانَ رَأْيُكُمْ غَيْرَ مَا أَتَتْنِي بِهِ كُتُبُكُمْ وَرُسُلُكُمُ انْصَرَفْتُ عَنْكُمْ. فَقَالَ الْحُرُّ: إِنَّا وَاللَّهِ مَا نَدْرِي مَا هَذِهِ الْكُتُبُ وَالرُّسُلُ الَّتِي تَذْكُرُ. فَأَخْرَجَ خُرْجَيْنِ مَمْلُوءَيْنِ صُحُفًا فَنَثَرَهَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ. فَقَالَ الْحُرُّ: فَإِنَّا لَسْنَا مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَتَبُوا إِلَيْكَ، وَقَدْ أُمِرْنَا أَنَّا إِذَا نَحْنُ لَقِينَاكَ أَنْ لَا نُفَارِقَكَ حَتَّى نُقْدِمَكَ الْكُوفَةَ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ. فَقَالَ الْحُسَيْنُ: الْمَوْتُ أَدْنَى إِلَيْكَ مِنْ ذَلِكَ! ثُمَّ أَمَرَ أَصْحَابَهُ فَرَكِبُوا لِيَنْصَرِفُوا فَمَنْعَهُمُ الْحُرُّ مِنْ ذَلِكَ. فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ! مَا تُرِيدُ؟ قَالَ لَهُ: أَمَا وَاللَّهِ لَوْ غَيْرُكَ مِنَ الْعَرَبِ يَقُولُهَا لِي مَا تَرَكْتُ ذِكْرَ أُمِّهِ بِالثَّكْلِ كَائِنًا مَنْ كَانَ، وَلَكِنِّي وَاللَّهِ مَا لِي إِلَى ذِكْرِ أُمِّكَ مِنْ سَبِيلٍ إِلَّا بِأَحْسَنِ مَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ. فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: مَا تُرِيدُ؟ قَالَ الْحُرُّ: أُرِيدُ أَنْ أَنْطَلِقَ بِكَ إِلَى ابْنِ زِيَادٍ. قَالَ الْحُسَيْنُ: إِذَنْ وَاللَّهِ لَا أَتْبَعُكَ. قَالَ الْحُرُّ: إِذَنْ وَاللَّهِ لَا أَدَعُكَ. فَتَرَادَّا الْكَلَامَ، فَقَالَ لَهُ الْحُرُّ: إِنِّي لَمْ أُؤْمَرْ بِقِتَالِكَ وَإِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ لَا أُفَارِقَكَ حَتَّى أُقْدِمَكَ الْكُوفَةَ، [فَإِذَا أَبَيْتَ] فَخُذْ طَرِيقًا لَا تُدْخِلُكَ الْكُوفَةَ وَلَا تَرُدُّكَ إِلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى

стр. 1599

أَكْتُبَ إِلَى ابْنِ زِيَادٍ وَتَكْتُبُ أَنْتَ إِلَى يَزِيدَ أَوْ إِلَى ابْنِ زِيَادٍ فَلَعَلَّ اللَّهَ يَأْتِي بِأَمْرٍ يَرْزُقُنِي فِيهِ الْعَافِيَةَ مِنْ أَنْ أُبْتَلَى بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِكَ. فَتَيَاسَرَ عَنْ طَرِيقِ الْعُذَيْبِ وَالْقَادِسِيَّةِ وَالْحُرُّ يُسَايِرُهُ. ثُمَّ إِنَّ الْحُسَيْنَ خَطَبَهُمْ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ رَأَى سُلْطَانًا جَائِرًا مُسْتَحِلًّا لِحُرَمِ اللَّهِ نَاكِثًا لِعَهْدِ اللَّهِ مُخَالِفًا لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَعْمَلُ فِي عِبَادِ اللَّهِ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ فَلَمْ يُغَيِّرْ مَا عَلَيْهِ بِفِعْلٍ وَلَا قَوْلٍ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ مُدْخَلُهُ» . أَلَا وَإِنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ لَزِمُوا طَاعَةَ الشَّيْطَانِ وَتَرَكُوا طَاعَةَ الرَّحْمَنِ وَأَظْهَرُوا الْفَسَادَ وَعَطَّلُوا الْحُدُودَ وَاسْتَأْثَرُوا بِالْفَيْءِ وَأَحَلُّوا حَرَامَ اللَّهِ وَحَرَّمُوا حَلَالَهُ، وَأَنَا أَحَقُّ مَنْ غَيَّرَ، وَقَدْ أَتَتْنِي كُتُبُكُمْ وَرُسُلُكُمْ بِبَيْعَتِكُمْ، وَأَنَّكُمْ لَا تُسَلِّمُونِي وَلَا تَخْذُلُونِي فَإِنْ تَمَّمْتُمْ عَلَى بَيْعَتِكُمْ تُصِيبُوا رُشْدَكُمْ، وَأَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ابْنُ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَفْسِي مَعَ أَنْفُسِكُمْ، وَأَهْلِي مَعَ أَهْلِكُمْ، فَلَكُمْ فِيَّ أُسْوَةٌ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَنَقَضْتُمْ عَهْدِي وَخَلَعْتُمْ بَيْعَتِي فَلَعَمْرِي مَا هِيَ لَكُمْ بِنَكِيرٍ، لَقَدْ فَعَلْتُمُوهَا بِأَبِي وَأَخِي وَابْنِ عَمِّي مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ، وَالْمَغْرُورُ مَنِ اغْتَرَّ بِكُمْ، فَحَظَّكُمْ أَخْطَأْتُمْ، وَنَصِيبَكُمْ ضَيَّعْتُمْ، ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [الفتح: ١٠] وَسَيُغْنِي اللَّهُ عَنْكُمْ، وَالسَّلَامُ. فَقَالَ لَهُ الْحُرُّ: إِنِّي أَذَكِّرُكَ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ، فَإِنِّي أَشْهَدُ لَئِنْ قَاتَلَتْ لَتُقْتَلَنَّ. فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: أَبِالْمَوْتِ تُخَوِّفُنِي؟ وَهَلْ يَعْدُو بِكُمُ الْخَطْبُ أَنْ تَقْتُلُونِي؟ وَمَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكَ! وَلَكِنِّي أَقُولُ كَمَا قَالَ أَخُو الْأَوْسِيِّ لِابْنِ عَمِّهِ وَهُوَ يُرِيدُ نُصْرَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ: أَيْنَ تَذْهَبُ؟ فَإِنَّكَ مَقْتُولٌ فَقَالَ: سَأَمْضِي وَمَا بِالْمَوْتِ عَارٌ عَلَى الْفَتَى ... إِذَا مَا نَوَى خَيْرًا وَجَاهَدَ مُسْلِمَا وَوَاسَى رِجَالًا صَالِحِينَ بِنَفْسِهِ ... وَخَالَفَ مَثْبُورًا وَفَارَقَ مُجْرِمَا فَإِنْ عِشْتُ لَمْ أَنْدَمْ وَإِنْ مُتُّ لَمْ أُلَمْ ... كَفَى بِكَ ذُلًّا أَنْ تَعِيشَ وَتُرْغَمَا

стр. 1600

فَلَمَّا سَمَّعَ ذَلِكَ الْحُرُّ تَنَحَّى عَنْهُ فَكَانَ يَسِيرُ نَاحِيَةً عَنْهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى عُذَيْبِ الْهِجَانَاتِ، كَانَ بِهِ هَجَائِنُ النُّعْمَانِ تُرْعَى هُنَاكَ فَنُسِبَ إِلَيْهَا، فَإِذَا هُوَ بِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ قَدْ أَقْبَلُوا مِنَ الْكُوفَةِ عَلَى رَوَاحِلِهِمْ يُجَنِّبُونَ فَرَسًا لِنَافِعِ بْنِ هِلَالٍ يُقَالُ لَهُ الْكَامِلُ وَمَعَهُمْ دَلِيلُهُمُ الطِّرِمَّاحُ بْنُ عَدِيٍّ وَانْتَهَوْا إِلَى الْحُسَيْنِ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِمُ الْحُرُّ وَقَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ النَّفَرَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَأَنَا حَابِسُهُمْ أَوْ رَادُّهُمْ. فَقَالَ الْحُسَيْنُ: لَأَمْنَعَنَّهُمْ مِمَّا أَمْنَعُ مِنْهُ نَفْسِي، إِنَّمَا هَؤُلَاءِ أَنْصَارِي وَهُمْ بِمَنْزِلَةِ مَنْ جَاءَ مَعِي، فَإِنْ تَمَّمْتَ عَلَى مَا كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ وَإِلَّا نَاجَزْتُكَ. فَكَفَّ الْحُرُّ عَنْهُمْ، فَقَالَ لَهُمُ الْحُسَيْنُ: أَخْبَرُونِي فِي خَبَرِ النَّاسِ خَلْفَكُمْ. فَقَالَ لَهُ مَجْمَعُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعَائِذِيُّ، وَهُوَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَشْرَافُ النَّاسِ فَقَدْ أُعْظِمَتْ رِشْوَتُهُمْ، وَمُلِئَتْ غَرَائِرُهُمْ، فَهُمْ أَلْبٌ وَاحِدٌ عَلَيْكَ، وَأَمَّا سَائِرُ النَّاسِ بَعْدَهُمْ فَإِنَّ قُلُوبَهُمْ تَهْوَى إِلَيْكَ وَسُيُوفَهُمْ غَدًا مَشْهُورَةٌ عَلَيْكَ. وَسَأَلَهُمْ عَنْ رَسُولِهِ قَيْسِ بْنِ مُسْهِرٍ، فَأَخْبَرُوهُ بِقَتْلِهِ وَمَا كَانَ مِنْهُ، فَتَرَقْرَقَتْ عَيْنَاهُ بِالدُّمُوعِ وَلَمْ يَمْلِكْ دَمْعَتَهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣] ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ لَنَا وَلَهُمُ الْجَنَّةَ وَاجْمَعْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فِي مُسْتَقَرِّ رَحْمَتِكَ وَرَغَائِبِ مَذْخُورِ ثَوَابِكَ. وَقَالَ لَهُ الطِّرِمَّاحُ بْنُ عَدِيٍّ: وَاللَّهِ مَا أَرَى مَعَكَ كَثِيرَ أَحَدٍ، وَلَوْ لَمْ يُقَاتِلْكَ إِلَّا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَرَاهُمْ مُلَازِمِيكَ لَكَانَ كَفَى بِهِمْ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ قَبْلَ خُرُوجِي مِنَ الْكُوفَةِ بِيَوْمٍ ظَهْرَ الْكُوفَةِ وَفِيهِ مِنَ النَّاسِ مَا لَمْ تَرَ عَيْنَايَ جَمْعًا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ قَطُّ لِيَسِيرُوا إِلَيْكَ، فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ إِنْ قَدَرْتَ عَلَى أَنْ لَا تَقَدَمَ إِلَيْهِمْ شِبْرًا فَافْعَلْ، فَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَنْزِلَ بَلَدًا يَمْنَعُكَ اللَّهُ بِهِ حَتَّى تَرَى رَأْيَكَ وَيَسْتَبِينَ لَكَ مَا أَنْتَ صَانِعٌ فَسِرْ حَتَّى أُنْزِلَكَ جَبَلَنَا أَجَأَ، فَهُوَ وَاللَّهِ جَبَلٌ امْتَنَعْنَا بِهِ مِنْ مُلُوكِ غَسَّانَ وَحِمْيَرَ وَالنُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ وَمِنَ الْأَحْمَرِ وَالْأَبْيَضِ، وَاللَّهِ مَا إِنْ دَخَلَ عَلَيْنَا ذُلٌّ قَطُّ، فَأَسِيرُ مَعَكَ حَتَّى أُنْزِلَكَ الْقُرَيَّةَ، ثُمَّ تَبْعَثُ إِلَى الرِّجَالِ مِمَّنْ بِأَجَأَ وَسَلْمَى مِنْ طَيِّئٍ، فَوَاللَّهِ لَا يَأْتِي عَلَيْكَ عَشَرَةُ أَيَّامٍ حَتَّى يَأْتِيَكَ طَيِّئٌ رِجَالًا وَرُكْبَانًا، ثُمَّ

стр. 1601

أَقِمْ فِينَا مَا بَدَا لَكَ، فَإِنَّ هَاجَكَ هَيْجٌ فَأَنَا زَعِيمٌ لَكَ بِعِشْرِينَ أَلْفِ طَائِيٍّ يَضْرِبُونَ بَيْنَ يَدَيْكَ بِأَسْيَافِهِمْ، فَوَاللَّهِ لَا يُوصَلُ إِلَيْكَ أَبَدًا وَفِيهِمْ عَيْنٌ تَطَرُفُ. فَقَالَ لَهُ: جَزَاكَ اللَّهُ وَقَوْمَكَ خَيْرًا! إِنَّهُ قَدْ كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ قَوْلٌ لَسْنَا نَقْدِرُ مَعَهُ عَلَى الِانْصِرَافِ وَلَا نَدْرِي عَلَامَ (تَتَصَرَّفُ بِنَا وَبِهِمُ) الْأُمُورُ. فَوَدَّعَهُ وَسَارَ إِلَى أَهْلِهِ وَوَعَدَهُ أَنْ يُوصِلَ الْمِيرَةَ إِلَى أَهْلِهِ وَيَعُودَ إِلَى نَصْرِهِ، فَفَعَلَ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْحُسَيْنِ، فَلَمَّا بَلَغَ عُذَيْبَ الْهِجَانَاتِ لَقِيَهُ خَبَرُ قَتْلِهِ فَرَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ. ثُمَّ سَارَ الْحُسَيْنُ حَتَّى بَلَغَ قَصْرَ مُقَاتِلٍ فَرَأَى فُسْطَاطًا مَضْرُوبًا فَقَالَ: لِمَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ: لِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُرِّ الْجُعْفِيِّ. فَقَالَ: ادْعُوهُ لِي. فَلَمَّا أَتَاهُ الرَّسُولُ يَدْعُوهُ قَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَاللَّهِ مَا خَرَجْتُ مِنَ الْكُوفَةِ إِلَّا كَرَاهِيَةَ أَنْ يَدْخُلَهَا الْحُسَيْنُ وَأَنَا بِهَا، وَاللَّهِ مَا أُرِيدُ أَنْ أَرَاهُ وَلَا يَرَانِي. فَعَادَ الرَّسُولُ إِلَى الْحُسَيْنِ فَأَخْبَرَهُ، فَلَبِسَ الْحُسَيْنُ نَعْلَيْهِ ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَدَعَاهُ إِلَى نَصْرِهِ، فَأَعَادَ عَلَيْهِ ابْنُ الْحُرِّ تِلْكَ الْمَقَالَةَ، قَالَ: فَإِنْ لَا تَنْصُرْنِي فَاتَّقِ اللَّهَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يُقَاتِلُنَا، فَوَاللَّهِ لَا يَسْمَعُ وَاعِيَتَنَا أَحَدٌ ثُمَّ لَا يَنْصُرُنَا إِلَّا هَلَكَ. فَقَالَ لَهُ: أَمَّا هَذَا فَلَا يَكُونُ أَبَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ثُمَّ قَامَ الْحُسَيْنُ فَخَرَجَ إِلَى رَحْلِهِ ثُمَّ سَارَ لَيْلًا سَاعَةً فَخَفَقَ بِرَأْسِهِ خَفْقَةً ثُمَّ انْتَبَهَ وَهُوَ يَقُولُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ ابْنُهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ فَقَالَ: يَا أَبَتِ جُعِلْتُ فِدَاكَ! مِمَّ حَمِدْتَ وَاسْتَرْجَعْتَ؟ قَالَ: يَا بُنَيَّ إِنِّي خَفَقْتُ بِرَأْسِي خَفْقَةً فَعَنَّ لِي فَارِسٌ عَلَى فَرَسٍ، فَقَالَ: الْقَوْمُ يَسِيرُونَ وَالْمَنَايَا تَسِيرُ إِلَيْهِمْ، فَعَلِمْتُ أَنَّ أَنْفُسَنَا نُعِيَتَ إِلَيْنَا. فَقَالَ: يَا أَبَتِ لَا أَرَاكَ اللَّهُ سُوءًا. أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ؟ قَالَ: بَلَى وَالَّذِي يُرْجَعُ إِلَيْهِ الْعِبَادُ. قَالَ: إِذَنْ لَا نُبَالِي أَنْ نَمُوتَ مُحِقِّينَ. فَقَالَ لَهُ: جَزَاكَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ خَيْرًا مَا جَزَى وَلَدًا عَنْ وَالِدِهِ. فَلَمَّا أَصْبَحَ نَزَلَ فَصَلَّى ثُمَّ عَجَّلَ الرُّكُوبَ فَأَخَذَ يَتَيَاسَرُ بِأَصْحَابِهِ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَهُمْ، فَأَتَى الْحُرُّ فَرَدَّهُ وَأَصْحَابَهُ، فَجَعَلَ إِذَا رَدَّهُمْ نَحْوَ الْكُوفَةِ رَدًّا شَدِيدًا امْتَنَعُوا عَلَيْهِ وَارْتَفَعُوا، فَلَمْ يَزَالُوا يَتَيَاسَرُونَ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى نِينَوَى، الْمَكَانِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ الْحُسَيْنُ، فَلَمَّا نَزَلُوا إِذَا رَاكِبٌ مُقْبِلٌ مِنَ الْكُوفَةِ، فَوَقَفُوا يَنْتَظِرُونَهُ، فَسَلَّمَ عَلَى الْحُرِّ وَلَمْ يُسَلِّمْ عَلَى الْحُسَيْنِ وَأَصْحَابِهِ، وَدَفَعَ إِلَى الْحُرِّ كِتَابًا مِنِ ابْنِ زِيَادٍ، فَإِذَا فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ فَجَعْجِعْ بِالْحُسَيْنِ حِينَ

стр. 1602

يَبْلُغُكَ كِتَابِي وَيَقْدَمُ عَلَيْكَ رَسُولِي فَلَا تُنْزِلْهُ إِلَّا بِالْعَرَاءِ فِي غَيْرِ حِصْنٍ وَعَلَى غَيْرِ مَاءٍ، وَقَدْ أَمَرْتُ رَسُولِي أَنْ يَلْزَمَكَ فَلَا يُفَارِقَكَ حَتَّى يَأْتِيَنِي بِإِنْفَاذِكَ أَمْرِي، وَالسَّلَامُ. فَلَمَّا قَرَأَ الْكِتَابَ قَالَ لَهُمُ الْحُرُّ: هَذَا كِتَابُ الْأَمِيرِ يَأْمُرُنِي أَنْ أُجَعْجِعَ بِكُمْ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يَأْتِينِي فِيهِ كِتَابُهُ، وَقَدْ أَمَرَ رَسُولَهُ أَنْ لَا يُفَارِقَنِي حَتَّى أُنْفِذَ رَأْيَهُ وَأَمْرَهُ. وَأَخَذَهُمُ الْحُرُّ بِالنُّزُولِ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ وَلَا فِي قَرْيَةٍ، فَقَالُوا: دَعْنَا نَنْزِلْ فِي نِينَوَى أَوِ الْغَاضِرِيَّةَ أَوْ شُفَيَّةَ. فَقَالَ لَا أَسْتَطِيعُ، هَذَا الرَّجُلُ قَدْ بَعَثَ عَيْنًا عَلَيَّ. فَقَالَ زُهَيْرُ بْنُ الْقَيْنِ لِلْحُسَيْنِ: إِنَّهُ لَا يَكُونُ وَاللَّهِ بَعْدَ مَا تَرَوْنَ إِلَّا مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ، وَإِنَّ قِتَالَ هَؤُلَاءِ السَّاعَةَ أَهْوَنُ عَلَيْنَا مِنْ قِتَالِ مَنْ يَأْتِينَا مِنْ بَعْدِهِمْ، فَلَعَمْرِي لَيَأْتِيَنَّا مِنْ بَعْدِهِمْ مَا لَا قِبَلَ لَنَا بِهِ! فَقَالَ الْحُسَيْنُ: مَا كُنْتُ لِأَبْدَأَهُمْ بِالْقِتَالِ. فَقَالَا لَهُ زُهَيْرٌ: سِرْ بِنَا إِلَى هَذِهِ الْقَرْيَةِ حَتَّى نَنْزِلَهَا فَإِنَّهَا حَصِينَةٌ وَهِيَ عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ، فَإِنْ مَنَعُونَا قَاتَلْنَاهُمْ فَقِتَالُهُمْ أَهْوَنُ عَلَيْنَا مِنْ قِتَالِ مَنْ يَجِيءُ بَعْدَهُمْ. فَقَالَ الْحُسَيْنُ: مَا هِيَ؟ قَالَ: الْعَقْرُ. قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَقْرِ! ثُمَّ نَزَلَ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْخَمِيسِ الثَّانِي مِنْ مُحَرَّمٍ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قِدَمَ عَلَيْهِمْ عُمَرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ مِنَ الْكُوفَةِ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ، وَكَانَ سَبَبُ مَسِيرِهِ إِلَيْهِ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ كَانَ قَدْ بَعَثَهُ عَلَى أَرْبَعَةِ آلَافٍ إِلَى دَسْتَبَى، وَكَانَتِ الدَّيْلَمُ قَدْ خَرَجُوا إِلَيْهَا وَغَلَبُوا عَلَيْهَا وَكَتَبَ لَهُ عَهْدَهُ عَلَى الرَّيِّ، فَعَسْكَرَ بِالنَّاسِ فِي حَمَّامِ أَعْيَنَ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ الْحُسَيْنِ مَا كَانَ دَعَا ابْنُ زِيَادٍ عُمَرَ بْنَ سَعْدٍ وَقَالَ لَهُ: سِرْ إِلَى الْحُسَيْنِ فَإِذَا فَرَغْنَا مِمَّا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِرْتَ إِلَى عَمَلِكَ. فَاسْتَعْفَاهُ. فَقَالَ: نَعَمْ، عَلَى أَنْ تَرُدَّ عَهْدَنَا. فَلَمَّا قَالَ لَهُ ذَلِكَ قَالَ: أَمْهِلْنِي الْيَوْمَ حَتَّى أَنْظُرَ. فَاسْتَشَارَ نُصَحَاءَهُ فَكُلُّهُمْ نَهَاهُ، وَأَتَاهُ حَمْزَةُ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَهُوَ ابْنُ أُخْتِهِ، فَقَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا خَالِيَ أَنْ تَسِيرَ إِلَى الْحُسَيْنِ فَتَأْثَمَ وَتَقْطَعَ رَحِمَكَ، فَوَاللَّهِ لَأَنْ تَخْرُجَ مِنْ دُنْيَاكَ وَمَالِكَ وَسُلْطَانِ الْأَرْضِ لَوْ كَانَ لَكَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَلْقَى اللَّهَ بِدَمِ الْحُسَيْنِ! فَقَالَ: أَفْعَلُ. وَبَاتَ لَيْلَتَهُ مُفَكِّرًا فِي أَمْرِهِ، فَسُمِعَ وَهُوَ يَقُولُ:

стр. 1603

أَأُتْرَكُ مُلْكَ الرَّيِّ وَالرَّيُّ رَغْبَةٌ ... أَمْ أَرْجِعُ مَذْمُومًا بِقَتْلِ حُسَيْنِ وَفِي قَتْلِهِ النَّارُ الَّتِي لَيْسَ دُونَهَا ... حِجَابٌ وَمُلْكُ الرَّيِّ قُرَّةُ عَيْنِ ثُمَّ أَتَى ابْنَ زِيَادٍ فَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ قَدْ وَلَّيْتَنِي هَذَا الْعَمَلَ وَسَمِعَ النَّاسُ بِهِ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَنْفُذَ لِي ذَلِكَ فَافْعَلْ وَابْعَثْ إِلَى الْحُسَيْنِ مِنْ أَشْرَافِ الْكُوفَةِ مَنْ لَسْتُ أَغْنَى فِي الْحَرْبِ مِنْهُ، وَسَمَّى أُنَاسًا. فَقَالَ لَهُ ابْنُ زِيَادٍ: لَسْتُ أَسْتَأْمِرُكَ فِيمَنْ أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَ، فَإِنْ سَرْتَ بِجُنْدِنَا وَإِلَّا فَابْعَثْ إِلَيْنَا بِعَهْدِنَا. قَالَ: فَإِنِّي سَائِرٌ. فَأَقْبَلَ فِي ذَلِكَ الْجَيْشِ حَتَّى نَزَلَ بِالْحُسَيْنِ، فَلَمَّا نَزَلَ بِهِ بَعَثَ إِلَيْهِ رَسُولًا يَسْأَلُهُ مَا الَّذِي جَاءَ بِهِ، فَقَالَ الْحُسَيْنُ: كَتَبَ إِلَيَّ أَهْلُ مِصْرِكُمْ هَذَا أَنْ أَقْدَمَ عَلَيْهِمْ، فَأَمَّا إِذْ كَرِهُونِي فَإِنِّي أَنْصَرِفُ عَنْهُمْ. فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى ابْنِ زِيَادٍ يُعَرِّفُهُ ذَلِكَ، فَلَمَّا قَرَأَ ابْنُ زِيَادٍ الْكِتَابَ قَالَ: الْآنَ إِذْ عَلَقَتْ مَخَالِبُنَا بِهِ ... يَرْجُو النَّجَاةَ ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ ﴾ [ص: ٣] ثُمَّ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ يَأْمُرُهُ أَنْ يَعْرِضَ عَلَى الْحُسَيْنِ بَيْعَةَ يَزِيدَ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ رَأَيْنَا رَأْيَنَا، وَأَنْ يَمْنَعَهُ وَمَنْ مَعَهُ الْمَاءَ. فَأَرْسَلَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ عَمْرَو بْنَ الْحَجَّاجِ عَلَى خَمْسِمِائَةِ فَارِسٍ، فَنَزَلُوا عَلَى الشَّرِيعَةِ وَحَالُوا بَيْنَ الْحُسَيْنِ وَبَيْنَ الْمَاءِ، وَذَلِكَ قَبْلَ قَتْلِ الْحُسَيْنِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَنَادَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْحُصَيْنِ الْأَزْدِيُّ وَعِدَادُهُ فِي بُجَيْلَةَ: يَا حُسَيْنُ أَمَا تَنْظُرُ إِلَى الْمَاءِ؟ لَا تَذُوقُ مِنْهُ قَطْرَةً حَتَّى تَمُوتَ عَطَشًا! فَقَالَ الْحُسَيْنُ: اللَّهُمَّ اقْتُلْهُ عَطَشًا وَلَا تَغْفِرْ لَهُ أَبَدًا. قَالَ: فَمَرِضَ فِيمَا بَعْدُ فَكَانَ يَشْرَبُ (الْمَاءَ) الْقُلَّةَ ثُمَّ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَبْغَرَ ثُمَّ يَقِيءُ ثُمَّ يَشْرَبُ فِيمَا يُرْوَى، فَمَا زَالَ كَذَلِكَ حَتَّى مَاتَ. فَلَمَّا اشْتَدَّ الْعَطَشُ عَلَى الْحُسَيْنِ وَأَصْحَابِهِ أَمَرَ أَخَاهُ الْعَبَّاسَ بْنَ عَلِيٍّ فَسَارَ فِي عِشْرِينَ رَاجِلًا يَحْمِلُونَ الْقِرَبَ وَثَلَاثِينَ فَارِسًا فَدَنَوْا مِنَ الْمَاءِ فَقَاتَلُوا عَلَيْهِ وَمَلَئُوا الْقِرَبَ وَعَادُوا، ثُمَّ بَعَثَ الْحُسَيْنُ إِلَى عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ عَمْرَو بْنَ قَرَظَةَ بْنِ كَعْبٍ الْأَنْصَارِيَّ

стр. 1604

أَنِ الْقَنِي اللَّيْلَةَ بَيْنَ عَسْكَرِي وَعَسْكَرِكَ. فَخَرَجَ إِلَيْهِ عُمَرُ، فَاجْتَمَعَا وَتَحَادَثَا طَوِيلًا ثُمَّ انْصَرَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى عَسْكَرِهِ، وَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنَّ الْحُسَيْنَ قَالَ لِعُمَرَ بْنِ سَعْدٍ: اخْرُجْ مَعِي إِلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَنَدَعُ الْعَسْكَرَيْنِ. فَقَالَ عُمَرُ: أَخْشَى أَنْ تُهْدَمَ دَارِي. قَالَ: أَبْنِيهَا لَكَ خَيْرًا مِنْهَا. قَالَ: تُؤْخَذُ ضِيَاعِي. قَالَ: أُعْطِيكَ خَيْرًا مِنْهَا مِنْ مَالِي بِالْحِجَازِ. فَكَرَهُ ذَلِكَ عُمَرُ. وَتَحَدَّثَ النَّاسُ بِذَلِكَ وَلَمْ يَسْمَعُوهُ، وَقِيلَ: بَلْ قَالَ لَهُ: اخْتَارُوا مِنِّي وَاحِدَةً مِنْ ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ أَرْجِعَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أَقْبَلْتُ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ أَضَعَ يَدِي فِي يَدِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَيَرَى فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ رَأْيَهُ، وَإِمَّا أَنْ تَسِيرُوا بِي إِلَى أَيِّ ثَغْرٍ مِنْ ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ شِئْتُمْ فَأَكُونَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِهِ لِي مَا لَهُمْ وَعَلَيَّ مَا عَلَيْهِمْ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ سَمْعَانَ أَنَّهُ قَالَ: صَحِبْتُ الْحُسَيْنَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ وَمِنْ مَكَّةَ إِلَى الْعِرَاقِ وَلَمْ أُفَارِقْهُ حَتَّى قُتِلَ، وَسَمِعْتُ جَمِيعَ مُخَاطِبَاتِهِ لِلنَّاسِ إِلَى يَوْمِ مَقْتَلِهِ، فَوَاللَّهِ مَا أَعْطَاهُمْ مَا يَتَذَاكَرُ النَّاسُ أَنَّهُ يَضَعُ يَدَهُ فِي يَدِ يَزِيدَ، وَلَا أَنْ يُسَيِّرُوهُ إِلَى ثَغْرٍ مِنْ ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: دَعُونِي أَرْجِعُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أَقْبَلْتُ مِنْهُ وَدَعُونِي أَذْهَبْ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ الْعَرِيضَةِ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى مَا يَصِيرُ إِلَيْهِ أَمْرُ النَّاسِ فَلَمْ يَفْعَلُوا. ثُمَّ الْتَقَى الْحُسَيْنُ وَعُمَرُ بْنُ سَعْدٍ مِرَارًا ثَلَاثًا وَأَرْبَعًا فَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ أَطْفَأَ النَّائِرَةَ، وَجَمَعَ الْكَلِمَةَ، وَقَدْ أَعْطَانِي الْحُسَيْنَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أَقْبَلَ مِنْهُ أَوْ أَنْ نُسَيِّرَهُ إِلَى أَيِّ ثَغْرٍ مِنَ الثُّغُورِ شِئْنَا، أَوْ أَنْ يَأْتِيَ يَزِيدَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَيَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِهِ، وَفِي هَذَا لَكُمْ رِضًى، وَلِلْأُمَّةِ صَلَاحٌ، فَلَمَّا قَرَأَ ابْنُ زِيَادٍ الْكِتَابَ قَالَ: هَذَا كِتَابُ رَجُلٍ نَاصِحٍ لِأَمِيرِهِ، مُشْفِقٍ عَلَى قَوْمِهِ، نَعَمْ قَدْ قَبِلْتُ. فَقَامَ إِلَيْهِ شَمِرُ بْنُ ذِي الْجَوْشَنِ فَقَالَ: أَتَقْبَلُ هَذَا مِنْهُ وَقَدْ نَزَلَ بِأَرْضِكَ وَإِلَى جَنْبِكَ؟ وَاللَّهِ لَئِنْ رَحَلَ مِنْ بِلَادِكَ وَلَمْ يَضَعْ يَدَهُ فِي يَدِكَ لَيَكُونَنَّ أَوْلَى بِالْقُوَّةِ وَالْعِزَّةِ وَلَتَكُونَنَّ أَوْلَى بِالضَّعْفِ وَالْعَجْزِ، فَلَا تُعْطِهِ هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ فَإِنَّهَا مِنَ الْوَهَنِ، وَلَكِنْ لِيَنْزِلْ عَلَى حُكْمِكَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَإِنْ عَاقَبْتَ كُنْتَ وَلِيَّ الْعُقُوبَةِ، وَإِنْ عَفَوْتَ كَانَ ذَلِكَ لَكَ،

стр. 1605

وَاللَّهِ لَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الْحُسَيْنَ وَعُمَرَ يَتَحَدَّثَانِ عَامَّةَ اللَّيْلِ بَيْنَ الْعَسْكَرَيْنِ. فَقَالَ ابْنُ زِيَادٍ: نِعْمَ مَا رَأَيْتَ! اخْرُجْ بِهَذَا الْكِتَابِ إِلَى عُمَرَ فَلْيَعْرِضْ عَلَى الْحُسَيْنِ وَأَصْحَابِهِ النُّزُولَ عَلَى حُكْمِي، فَإِنْ فَعَلُوا فَلْيَبْعَثْ بِهِمْ إِلَيَّ سِلْمًا، وَإِنْ أَبَوْا فَلْيُقَاتِلْهُمْ، وَإِنْ فَعَلَ فَاسْمَعْ لَهُ وَأَطِعْ، وَإِنْ أَبَى فَأَنْتَ الْأَمِيرُ عَلَيْهِ وَعَلَى النَّاسِ وَاضْرِبْ عُنُقَهُ وَابْعَثْ إِلَيَّ بِرَأْسِهِ. وَكَتَبَ مَعَهُ إِلَى عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي لَمْ أَبْعَثْكَ إِلَى الْحُسَيْنِ لِتَكُفَّ عَنْهُ وَلَا لِتُمَنِّيَهُ وَلَا لِتَطَاوِلَهُ وَلَا لِتَقْعُدَ لَهُ عِنْدِي شَافِعًا، انْظُرْ فَإِنْ نَزَلَ الْحُسَيْنُ وَأَصْحَابُهُ عَلَى الْحَكَمِ وَاسْتَسْلَمُوا فَابْعَثْ بِهِمْ إِلَيَّ سِلْمًا، وَإِنْ أَبَوْا فَازْحَفْ إِلَيْهِمْ حَتَّى تَقْتُلَهُمْ وَتُمَثِّلَ بِهِمْ فَإِنَّهُمْ لِذَلِكَ مُسْتَحِقُّونَ، فَإِنْ قُتِلَ الْحُسَيْنُ فَأَوْطِئِ الْخَيْلَ صَدْرَهُ وَظَهْرَهُ فَإِنَّهُ عَاقٌّ شَاقٌّ قَاطِعٌ ظَلُومٌ، فَإِنْ أَنْتَ مَضَيْتَ لِأَمْرِنَا جَزَيْنَاكَ جَزَاءَ السَّامِعِ الْمُطِيعِ، وَإِنْ أَنْتَ أَبَيْتَ فَاعْتَزِلْ جُنْدَنَا وَخَلِّ بَيْنَ شَمِرٍ وَبَيْنَ الْعَسْكَرِ، وَالسَّلَامُ. فَلَمَّا أَخَذَ شَمِرُ الْكِتَابَ كَانَ مَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْمَحَلِّ بْنِ حِزَامٍ عِنْدَ ابْنِ زِيَادٍ، وَكَانَتْ عَمَّتُهُ أُمُّ الْبَنِينَ بِنْتُ حِزَامٍ عِنْدَ عَلِيٍّ، فَوَلَدَتْ لَهُ الْعَبَّاسَ وَعَبْدَ اللَّهِ وَجَعْفَرًا وَعُثْمَانَ، فَقَالَ لِابْنِ زِيَادٍ: إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَكْتُبَ لِبَنِي أُخْتِنَا أَمَانًا فَافْعَلْ، فَكَتَبَ لَهُمْ أَمَانًا فَبَعَثَ بِهِ مَعَ مَوْلًى لَهُ إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا رَأَوُا الْكِتَابَ قَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا فِي أَمَانِكُمْ، أَمَانُ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ أَمَانِ ابْنِ سُمَيَّةَ. فَلَمَّا أَتَى شَمِرٌ بِكِتَابِ ابْنِ زِيَادٍ إِلَى عُمَرَ قَالَ لَهُ: مَا لَكَ وَيْلَكَ قَبَّحَ اللَّهُ مَا جِئْتَ بِهِ! وَاللَّهِ إِنِّي لَأَظُنُّكَ أَنْتَ ثَنَيْتَهُ أَنْ يَقْبَلَ مَا كُنْتُ كَتَبْتُ إِلَيْهِ بِهِ، أَفْسَدْتَ عَلَيْنَا أَمْرًا كُنَّا رَجَوْنَا أَنْ يَصْلُحَ، وَاللَّهِ لَا يَسْتَسْلِمُ الْحُسَيْنُ أَبَدًا، وَاللَّهِ إِنَّ نَفْسَ أَبِيهِ لَبَيْنَ جَنْبَيْهِ. فَقَالَ لَهُ شَمِرٌ: مَا أَنْتَ صَانِعٌ؟ قَالَ: أَتَوَلَّى ذَلِكَ. وَنَهَضَ إِلَيْهِ عَشِيَّةَ الْخَمِيسِ لِتِسْعٍ مَضَيْنَ مِنَ الْمُحَرَّمِ، وَجَاءَ شَمِرٌ فَدَعَا الْعَبَّاسَ بْنَ عَلِيٍّ وَإِخْوَتَهُ فَخَرَجُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَنْتُمْ يَا بَنِي أُخْتِي آمِنُونَ. فَقَالُوا لَهُ: لَعَنَكَ اللَّهُ وَلَعَنَ أَمَانَكَ! لَئِنْ كُنْتَ خَالَنَا أَتُؤَمِّنُنَا وَابْنُ رَسُولِ اللَّهِ لَا أَمَانَ لَهُ؟ ثُمَّ رَكِبَ عُمَرُ وَالنَّاسُ مَعَهُ بَعْدَ الْعَصْرِ وَالْحُسَيْنُ جَالِسٌ أَمَامَ بَيْتِهِ مُحْتَبِيًا بِسَيْفِهِ إِذْ خَفَقَ بِرَأْسِهِ عَلَى رُكْبَتِهِ، وَسَمِعَتْ أُخْتُهُ زَيْنَبُ الضَّجَّةَ فَدَنَتْ مِنْهُ فَأَيْقَظَتْهُ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَنَامِ، فَقَالَ: إِنَّكَ تَرُوحُ إِلَيْنَا. قَالَ: فَلَطَمَتْ أُخْتُهُ وَجْهَهَا وَقَالَتْ: يَا وَيْلَتَاهُ! قَالَ: لَيْسَ لَكِ الْوَيْلُ يَا أُخَيَّةُ، اسْكُتِي رَحِمَكِ اللَّهُ! قَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ أَخُوهُ: يَا أَخِي أَتَاكَ الْقَوْمُ. فَنَهَضَ فَقَالَ: يَا أَخِي أَرْكَبُ بِنَفْسِي. فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: بَلْ أَرُوحُ أَنَا. فَقَالَ: ارْكَبْ أَنْتَ حَتَّى تَلْقَاهُمْ فَتَقُولَ: مَا لَكُمْ؟ وَمَا بَدَا لَكُمْ؟

стр. 1606

وَتَسْأَلَهُمْ عَمَّا جَاءَ بِهِمْ. فَأَتَاهُمْ فِي نَحْوِ عِشْرِينَ فَارِسًا فِيهِمْ زُهَيْرُ بْنُ الْقَيْنِ فَسَأَلَهُمْ، فَقَالُوا جَاءَ [أَمْرُ] الْأَمِيرِ بِكَذَا وَكَذَا. قَالَ: فَلَا تَعْجَلُوا حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فَأَعْرِضَ عَلَيْهِ مَا ذَكَرْتُمْ. فَوَقَفُوا وَرَجَعَ الْعَبَّاسُ إِلَيْهِ بِالْخَبَرِ، وَوَقَفَ أَصْحَابُهُ يُخَاطِبُونَ الْقَوْمَ وَيُذَكِّرُونَهُمُ اللَّهَ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ الْعَبَّاسُ بِقَوْلِهِمْ قَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تُؤَخِّرَهُمْ إِلَى غُدْوَةٍ لَعَلَّنَا نُصَلِّي لِرَبِّنَا (هَذِهِ اللَّيْلَةَ وَنَدْعُوهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ فَهُوَ يَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ أُحِبُّ الصَّلَاةَ لَهُ وَتِلَاوَةَ كِتَابِهِ وَكَثْرَةَ الدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ) . وَأَرَادَ الْحُسَيْنُ أَيْضًا أَنْ يُوصِيَ أَهْلَهُ. فَرَجَعَ إِلَيْهِمُ الْعَبَّاسُ وَقَالَ لَهُمُ: انْصَرِفُوا عَنَّا الْعَشِيَّةَ حَتَّى نَنْظُرَ فِي هَذَا الْأَمْرِ، فَإِذَا أَصْبَحْنَا الْتَقَيْنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَإِمَّا رَضِينَاهُ وَإِمَّا رَدَدْنَاهُ. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ: مَا تَرَى يَا شَمِرُ؟ قَالَ: أَنْتَ الْأَمِيرُ. فَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: مَا تَرَوْنَ؟ فَقَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ الْحَجَّاجِ الزُّبَيْدِيُّ: سُبْحَانَ اللَّهِ! وَاللَّهِ لَوْ كَانُوا مِنَ الدَّيْلَمِ ثُمَّ سَأَلُوكُمْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تُجِيبُوهُمْ. وَقَالَ قَيْسُ بْنُ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ: أَجِبْهُمْ لَعَمْرِي لَيُصْبِحُنَّكَ بِالْقِتَالِ غُدْوَةً. فَقَالَ لَوْ أَعْلَمُ أَنْ يَفْعَلُوا مَا أَخَّرْتُهُمُ الْعَشِيَّةَ. ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُمْ. فَجَمَعَ الْحُسَيْنُ أَصْحَابَهُ بَعْدَ رُجُوعِ عُمَرَ فَقَالَ: أُثْنِي عَلَى اللَّهِ أَحْسَنَ الثَّنَاءِ وَأَحْمَدُهُ عَلَى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَحْمَدُكَ عَلَى أَنْ أَكْرَمَتْنَا بِالنُّبُوَّةِ وَجَعَلْتَ لَنَا أَسْمَاعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً وَعَلَّمْتَنَا الْقُرْآنَ وَفَقَّهْتَنَا فِي الدِّينِ فَاجْعَلْنَا لَكَ مِنَ الشَّاكِرِينَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي لَا أَعْلَمُ أَصْحَابًا أَوْفَى وَلَا خَيْرًا مِنْ أَصْحَابِي، وَلَا أَهْلَ بَيْتٍ أَبَرَّ وَلَا أَوْصَلَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، فَجَزَاكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا عَنِّي خَيْرًا، أَلَا وَإِنِّي لَأَظُنُّ يَوْمَنَا مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَعْدَاءِ غَدًا، وَإِنِّي قَدْ أَذِنْتُ لَكُمْ جَمِيعًا فَانْطَلِقُوا فِي حِلٍّ لَيْسَ عَلَيْكُمْ مِنِّي ذِمَامٌ، هَذَا اللَّيْلُ قَدْ غَشِيَكُمْ فَاتَّخِذُوهُ جَمَلًا وَلْيَأْخُذْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِيَدِ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي فَجَزَاكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا، ثُمَّ تَفَرَّقُوا فِي الْبِلَادِ فِي سَوَادِكُمْ وَمَدَائِنِكُمْ حَتَّى يُفَرِّجَ اللَّهُ، فَإِنَّ الْقَوْمَ يَطْلُبُونِي وَلَوْ أَصَابُونِي لَهَوْا عَنْ طَلَبِ غَيْرِي. فَقَالَ لَهُ إِخْوَتُهُ وَأَبْنَاؤُهُ وَأَبْنَاءُ إِخْوَتِهِ وَأَبْنَاءُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ: لِمَ نَفْعَلُ هَذَا؟ لِنَبْقَى بَعْدَكَ! لَا أَرَانَا اللَّهُ ذَلِكَ أَبَدًا! فَقَالَ الْحُسَيْنُ: يَا بَنِي عَقِيلٍ حَسْبُكُمْ مِنَ الْقَتْلِ بِمُسْلِمٍ، اذْهَبُوا فَقَدْ أَذِنْتُ لَكُمْ. قَالُوا: وَمَا نَقُولُ لِلنَّاسِ؟ نَقُولُ: تَرَكْنَا شَيْخَنَا وَسَيِّدَنَا وَبَنِي عُمُومَتِنَا خَيْرَ الْأَعْمَامِ وَلَمْ نَرْمِ مَعَهُمْ بِسَهْمٍ وَلَمْ نَطْعَنْ مَعَهُمْ بِرُمْحٍ وَلَمْ نَضْرِبْ بِسَيْفٍ وَلَا نَدْرِي مَا صَنَعُوا؟ لَا وَاللَّهِ لَا نَفْعَلُ وَلَكِنَّا نَفْدِيكَ

стр. 1607

بِأَنْفُسِنَا وَأَمْوَالِنَا وَأَهْلِينَا وَنُقَاتِلُ مَعَكَ حَتَّى نَرِدَ مَوْرِدَكَ، فَقَبَّحَ اللَّهُ الْعَيْشَ بَعْدَكَ! وَقَامَ إِلَيْهِ مُسْلِمُ بْنُ عَوْسَجَةَ الْأَسَدِيُّ فَقَالَ: أَنْحَنُ نَتَخَلَّى عَنْكَ وَلَمْ نُعْذِرْ إِلَى اللَّهِ فِي أَدَاءِ حَقِّكَ؟ أَمَا وَاللَّهِ لَا أُفَارِقُكَ حَتَّى أَكْسِرَ فِي صُدُورِهِمْ رُمْحِي وَأَضْرِبَهُمْ بِسَيْفِي مَا ثَبَتَ قَائِمُهُ بِيَدِي، وَاللَّهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعِي سِلَاحِي لَقَذْفَتُهُمْ بِالْحِجَارَةِ دُونَكَ حَتَّى أَمُوتَ مَعَكَ. وَتَكَلَّمَ أَصْحَابُهُ بِنَحْوِ هَذَا، فَجَزَاهُمُ اللَّهُ خَيْرًا. وَسَمِعَتْهُ أُخْتُهُ زَيْنَبُ تِلْكَ الْعَشِيَّةَ وَهُوَ فِي خِبَاءٍ لَهُ يَقُولُ، وَعِنْدَهُ حُوَيٌّ مَوْلَى أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ يُعَالِجُ سَيْفَهُ: يَا دَهْرُ أُفٍّ [لَكَ] مِنْ خَلِيلِ ... كَمْ لَكَ بِالْإِشْرَاقِ وَالْأَصِيلِ مِنْ صَاحِبٍ أَوْ طَالِبٍ قَتِيلِ ... وَالدَّهْرُ لَا يَقْنَعُ بِالْبَدِيلِ وَإِنَّمَا الْأَمْرُ إِلَى الْجَلِيلِ ... وَكُلُّ حَيٍّ سَالِكُ السَّبِيلِ فَأَعَادَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَلَمَّا سَمِعَتْهُ لَمْ تَمْلِكْ نَفْسَهَا أَنْ وَثَبَتْ تَجُرُّ ثَوْبَهَا حَتَّى انْتَهَتَ إِلَيْهِ وَنَادَتْ: وَاثَكْلَاهُ! لَيْتَ الْمَوْتَ أَعْدَمَنِي الْحَيَاةَ الْيَوْمَ! مَاتَتْ فَاطِمَةُ أُمِّي وَعَلِيٌّ أَبِي وَالْحَسَنُ أَخِي يَا خَلِيفَةَ الْمَاضِي وَثِمَالَ الْبَاقِي! (فَذَهَبَ) فَنَظَرَ إِلَيْهَا وَقَالَ: يَا أُخَيَّةُ لَا يُذْهِبَنَّ حِلْمَكِ الشَّيْطَانُ. قَالَتْ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي اسْتُقْتِلْتَ! نَفْسِي لِنَفْسِكَ الْفِدَى! فَرَدَّدَ غُصَّتَهُ وَتَرَقْرَقَتْ عَيْنَاهُ ثُمَّ قَالَ: لَوْ تُرِكَ الْقَطَا [لَيْلًا] لَنَامَ. فَلَطَمَتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ: وَاوَيْلَتَاهُ! أَفَتُغْصِبُكَ نَفْسُكَ اغْتِصَابًا، فَذَلِكَ أَقْرَحُ لِقَلْبِي وَأَشَدُّ عَلَى نَفْسِي! ثُمَّ لَطَمَتْ وَجْهَهَا وَشَقَّتْ جَيْبَهَا وَخَرَّتْ مَغْشِيًّا عَلَيْهَا، فَقَامَ إِلَيْهَا الْحُسَيْنُ فَصَبَّ الْمَاءَ عَلَى وَجْهِهَا وَقَالَ: اتَّقِي اللَّهَ وَتَعَزَّيْ بِعَزَاءِ اللَّهِ وَاعْلَمِي أَنَّ أَهْلَ الْأَرْضِ يَمُوتُونَ وَأَهْلَ السَّمَاءِ لَا يَبْقَوْنَ، وَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَ اللَّهِ، أَبِي خَيْرٌ مِنِّي وَأُمِّي خَيْرٌ مِنِّي وَأَخِي خَيْرٌ

стр. 1608

مِنِّي، وَلِي وَلَهُمْ وَلِكُلِّ مُسْلِمٍ بِرَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ. فَعَزَّاهَا بِهَذَا وَنَحْوِهِ وَقَالَ لَهَا: يَا أُخَيَّةُ إِنِّي أُقْسِمُ عَلَيْكِ لَا تَشُقِّي عَلَيَّ جَيْبًا، وَلَا تَخْمِشِي عَلَيَّ وَجْهًا، وَلَا تَدْعِي عَلَيَّ بِالْوَيْلِ وَالثَّبُورِ إِنْ أَنَا هَلَكْتُ. ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُقَرِّبُوا بَعْضَ بُيُوتِهِمْ مِنْ بَعْضٍ وَأَنْ يُدْخِلُوا الْأَطْنَابَ بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ وَيَكُونُوا بَيْنَ يَدَيِ الْبُيُوتِ، فَيَسْتَقْبِلُونَ الْقَوْمَ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَالْبُيُوتُ عَلَى أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَمِنْ وَرَائِهِمْ. فَلَمَّا أَمْسَوْا قَامُوا اللَّيْلَ كُلَّهُ يُصَلُّونَ وَيَسْتَغْفِرُونَ وَيَتَضَرَّعُونَ وَيَدْعُونَ. فَلَمَّا صَلَّى عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ الْغَدَاةَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَقِيلَ الْجُمُعَةِ، يَوْمَ عَاشُورَاءَ، خَرَجَ فِيمَنْ مَعَهُ مِنَ النَّاسِ، وَعَبَّى الْحُسَيْنُ أَصْحَابَهُ وَصَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ الْغَدَاةِ، وَكَانَ مَعَهُ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ فَارِسًا، وَأَرْبَعُونَ رَاجِلًا، فَجَعَلَ زُهَيْرَ بْنَ الْقَيْنِ فِي مَيْمَنَةِ أَصْحَابِهِ، وَحَبِيبَ بْنَ مُطَهِّرٍ فِي مَيْسَرَتِهِمْ، وَأَعْطَى رَايَتَهُ الْعَبَّاسَ أَخَاهُ، وَجَعَلُوا الْبُيُوتَ فِي ظُهُورِهِمْ، وَأَمَرَ بِحَطَبٍ وَقَصَبٍ فَأُلْقِي فِي مَكَانٍ مُنْخَفِضٍ مِنْ وَرَائِهِمْ كَأَنَّهُ سَاقِيَةٌ عَمِلُوهُ فِي سَاعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، لِئَلَّا يُؤْتَوْا مِنْ وَرَائِهِمْ وَأَضْرَمَ نَارًا فَنَفَعَهُمْ ذَلِكَ. وَجَعَلَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ عَلَى رُبُعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زُهَيْرٍ الْأَزْدِيَّ، وَعَلَى رُبُعِ رَبِيعَةَ وَكِنْدَةَ قَيْسَ بْنَ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، وَعَلَى رُبُعِ مَذْحِجٍ وَأَسَدٍ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي سَبْرَةَ الْجُعْفِيَّ، وَعَلَى رُبُعِ تَمِيمٍ وَهَمْدَانَ الْحُرَّ بْنَ يَزِيدَ الرِّيَاحِيَّ، فَشَهِدَ هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ مَقْتَلَ الْحُسَيْنِ إِلَّا الْحُرُّ بْنُ يَزِيدَ فَإِنَّهُ عَدَلَ إِلَى الْحُسَيْنِ وَقُتِلَ مَعَهُ، وَجَعَلَ عُمَرُ عَلَى مَيْمَنَتِهِ عَمْرَو بْنَ الْحَجَّاجِ الزُّبَيْدِيَّ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ شَمِرَ بْنَ ذِي الْجَوْشَنِ، وَعَلَى الْخَيْلِ عُرْوَةَ بْنَ قَيْسٍ الْأَحْمَسِيَّ، وَعَلَى الرِّجَالِ شَبَثَ بْنَ رِبْعِيٍّ الْيَرْبُوعِيَّ التَّمِيمِيَّ، وَأَعْطَى الرَّايَةَ مَوْلَاهُ. فَلَمَّا دَنَوْا مِنَ الْحُسَيْنِ أَمَرَ فَضُرِبَ لَهُ فُسْطَاطٌ، ثُمَّ أَمَرَ بِمِسْكٍ فَمِيثَ فِي جَفْنَةٍ، ثُمَّ دَخَلَ الْحُسَيْنُ فَاسْتَعْمَلَ النُّورَةَ، وَوَقَفَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ وَبُرَيْرُ بْنُ خُضَيْرٍ الْهَمْدَانِيُّ عَلَى بَابِ الْفُسْطَاطِ وَازْدَحَمَا أَيُّهُمَا يَطْلِي بَعْدَهُ، فَجَعَلَ بُرَيْرٌ يُهَازِلُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ لَهُ: وَاللَّهِ مَا هَذِهِ بِسَاعَةِ بَاطِلٍ. فَقَالَ بُرَيْرٌ: وَاللَّهِ إِنَّ قَوْمِي لَقَدْ عَلِمُوا

стр. 1609

أَنِّي مَا أَحْبَبْتُ الْبَاطِلَ شَابًّا وَلَا كَهْلًا، وَلَكِنَّنِي مُسْتَبْشِرٌ بِمَا نَحْنُ لَاقُونَ، وَاللَّهِ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْحُورِ الْعِينِ إِلَّا أَنْ يَمِيلَ هَؤُلَاءِ عَلَيْنَا بِأَسْيَافِهِمْ. فَلَمَّا فَرَغَ الْحُسَيْنُ دَخَلَا، ثُمَّ رَكِبَ الْحُسَيْنُ دَابَّتَهُ وَدَعَا بِمُصْحَفٍ فَوَضَعَهُ أَمَامَهُ، وَاقْتَتَلَ أَصْحَابُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ ثِقَتِي فِي كُلِّ كَرْبٍ وَرَجَائِي فِي كُلِّ شِدَّةٍ، وَأَنْتَ لِي فِي كُلِّ أَمْرٍ نَزَلَ بِي ثِقَةٌ وَعُدَّةٌ، كَمْ مِنْ هَمٍّ يَضْعُفُ فِيهِ الْفُؤَادُ وَتَقِلُّ فِيهِ الْحِيلَةُ وَيَخْذُلُ فِيهِ الصَّدِيقُ وَيَشْمَتُ بِهِ الْعَدُوُّ أَنْزَلْتُهُ بِكَ وَشَكَوْتُهُ إِلَيْكَ رَغْبَةً إِلَيْكَ عَمَّنْ سِوَاكَ فَفَرَّجْتَهُ وَكَشَفْتَهُ وَكَفَيْتَنِيهِ، فَأَنْتَ وَلِيُّ كُلِّ نِعْمَةٍ، وَصَاحِبُ كُلِّ حَسَنَةٍ، وَمُنْتَهَى كُلِّ رَغْبَةٍ. فَلَمَّا رَأَى أَصْحَابُ عُمَرَ النَّارَ تَلْتَهِبُ فِي الْقَصَبِ نَادَى شَمِرُ الْحُسَيْنَ: تَعَجَّلْتَ النَّارَ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْقِيَامَةِ! فَعَرَفَهُ الْحُسَيْنُ فَقَالَ: أَنْتَ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا! ثُمَّ رَكِبَ الْحُسَيْنُ رَاحِلَتَهُ وَتَقَدَّمَ إِلَى النَّاسِ وَنَادَى بِصَوْتٍ عَالٍ يَسْمَعُهُ كُلُّ النَّاسِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي وَلَا تُعَجِّلُونِي حَتَّى أَعِظَهُمْ بِمَا يَجِبُ لَكُمْ عَلَيَّ وَحَتَّى أَعْتَذِرَ إِلَيْكُمْ مِنْ مَقْدَمِي عَلَيْكُمْ، فَإِنْ قَبِلْتُمْ عُذْرِي وَصَدَّقْتُمْ قَوْلِي وَأَنْصَفْتُمُونِي كُنْتُمْ بِذَلِكَ أَسْعَدَ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيَّ سَبِيلٌ، وَإِنْ لَمْ تَقْبَلُوا مِنِّي الْعُذْرَ ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: ٧١] ، ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦] ! قَالَ: فَلَمَّا سَمِعَ أَخَوَاتُهُ قَوْلَهُ بَكَيْنَ وَصِحْنَ وَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُنَّ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِنَّ أَخَاهُ الْعَبَّاسَ وَابْنَهُ عَلِيًّا لِيُسْكِتَاهُنَّ، وَقَالَ لَعَمْرِي لَيَكْثُرَنَّ بُكَاؤُهُنَّ! فَلَمَّا ذَهَبَا قَالَ: لَا يَبْعَدُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَإِنَّمَا قَالَهَا حِينَ سَمِعَ بُكَاءَهُنَّ لِأَنَّهُ كَانَ نَهَاهُ أَنْ يَخْرُجَ بِهِنَّ مَعَهُ. فَلَمَّا سَكَتْنَ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَصَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَقَالَ مَا لَا يُحْصَى كَثْرَةً، فَمَا سُمِعَ أَبْلَغُ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَانْسِبُونِي فَانْظُرُوا مَنْ أَنَا ثُمَّ رَاجِعُوا أَنْفُسَكُمْ فَعَاتِبُوهَا وَانْظُرُوا هَلْ يَصْلُحُ وَيَحِلُّ لَكُمْ قَتْلِي وَانْتِهَاكُ حُرْمَتِي، أَلَسْتُ ابْنَ بِنْتِ نَبِيِّكُمْ وَابْنَ وَصِيِّهِ وَابْنِ عَمِّهِ، وَأَوْلَى الْمُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ وَالْمُصَدِّقِ لِرَسُولِهِ؟ أَوَلَيِسَ حَمْزَةُ سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ عَمُّ أَبِي؟ أَوَلَيِسَ جَعْفَرٌ الشَّهِيدُ الطَّيَّارُ فِي الْجَنَّةِ عَمِّي؟

стр. 1610

أَوْلَمَ يَبْلُغْكُمْ قَوْلُ مُسْتَفِيضٍ [فِيكُمْ] : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِي وَلِأَخِي: «أَنْتُمَا سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ (وَقُرَّةُ عَيْنِ أَهْلِ السُّنَّةِ) » ؟ فَإِنْ صَدَّقْتُمُونِي بِمَا أَقُولُ، وَهُوَ الْحَقُّ، وَاللَّهِ مَا تَعَمَّدْتُ كَذِبًا مُذْ عَلِمْتُ أَنَّ اللَّهَ يَمْقُتُ عَلَيْهِ [أَهْلَهُ] ، وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي فَإِنَّ فِيكُمْ مَنْ إِنْ سَأَلْتُمُوهُ عَنْ ذَلِكَ أَخْبَرَكُمْ، سَلُوا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَوْ أَبَا سَعِيدٍ أَوْ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ أَوْ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ أَوْ أَنَسًا يُخْبِرُوكُمْ أَنَّهُمْ سَمِعُوهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَمَا فِي هَذَا حَاجِزٌ يَحْجِزُكُمْ عَنْ سَفْكِ دَمِي؟ فَقَالَ لَهُ شَمِرٌ: هُوَ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ إِنْ كَانَ يَدْرِي مَا يَقُولُ! فَقَالَ لَهُ حَبِيبُ بْنُ مُطَهِّرٍ: وَاللَّهِ إِنِّي أَرَاكَ تَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى سَبْعِينَ حَرْفًا، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ طَبَعَ عَلَى قَلْبِكَ فَلَا تَدْرِي مَا تَقُولُ. ثُمَّ قَالَ الْحُسَيْنُ: فَإِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا أَقُولُ أَوْ تَشُكُّونَ فِي أَنِّي ابْنُ بِنْتِ نَبِيِّكُمْ؟ فَوَاللَّهِ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ابْنُ بِنْتِ نَبِيٍّ غَيْرِي مِنْكُمْ وَلَا مِنْ غَيْرِكُمْ. أَخْبَرُونِي أَتَطْلُبُونِي بِقَتِيلٍ مِنْكُمْ قَتَلْتُهُ، أَوْ بِمَالٍ لَكُمُ اسْتَهْلَكْتُهُ أَوْ بِقِصَاصٍ مِنْ جِرَاحَةٍ؟ فَلَمْ يُكَلِّمُوهُ، فَنَادَى: يَا شَبَثُ بْنَ رِبْعِيٍّ! وَيَا حَجَّارُ بْنَ أَبْجَرَ! وَيَا قَيْسُ بْنَ الْأَشْعَثِ! وَيَا زَيْدُ بْنَ الْحَارِثِ! أَلَمْ تَكْتُبُوا إِلَيَّ فِي الْقُدُومِ عَلَيْكُمْ؟ قَالُوا: لَمْ نَفْعَلْ. ثُمَّ قَالَ: بَلَى فَعَلْتُمْ. ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِذْ كَرِهْتُمُونِي فَدَعُونِي أَنْصَرِفْ إِلَى مَأْمَنِي مِنَ الْأَرْضِ. قَالَ: فَقَالَ لَهُ قَيْسُ بْنُ الْأَشْعَثِ: أَوَلَا تَنْزِلُ عَلَى حُكْمِ ابْنِ عَمِّكَ، يَعْنِي ابْنَ زِيَادٍ، فَإِنَّكَ لَنْ تَرَى إِلَّا مَا تُحِبُّ. فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: أَنْتَ أَخُو أَخِيكَ، أَتُرِيدُ أَنْ يَطْلُبَكَ بَنُو هَاشِمٍ بِأَكْثَرَ مِنْ دَمِ مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ؟ لَا وَاللَّهِ وَلَا أُعْطِيهِمْ بِيَدِي عَطَاءَ الذَّلِيلِ، وَلَا أُقِرُّ إِقْرَارَ الْعَبْدِ. عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ، أَعُوذُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ثُمَّ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ وَنَزَلَ عَنْهَا. وَخَرَجَ زُهَيْرُ بْنُ الْقَيْنِ عَلَى فَرَسٍ لَهُ فِي السِّلَاحِ فَقَالَ: يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ، نَذَارِ لَكُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ نَذَارِ، إِنَّ حَقًّا عَلَى الْمُسْلِمِ نَصِيحَةُ الْمُسْلِمِ، وَنَحْنُ حَتَّى الْآنَ إِخْوَةٌ عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ مَا لَمْ يَقَعْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ السَّيْفُ، فَإِذَا وَقَعَ السَّيْفُ انْقَطَعَتِ الْعِصْمَةُ وَكُنَّا نَحْنُ

стр. 1611

أُمَّةٌ وَأَنْتُمْ أُمَّةٌ، إِنَّ اللَّهَ قَدِ ابْتَلَانَا وَإِيَّاكُمْ بِذُرِّيَّةِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِيَنْظُرَ مَا نَحْنُ وَأَنْتُمْ عَامِلُونَ، إِنَّا نَدْعُوكُمْ إِلَى نَصْرِهِ وَخِذْلَانِ الطَّاغِيَةِ ابْنِ الطَّاغِيَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ فَإِنَّكُمْ لَا تُدْرِكُونَ مِنْهُمَا إِلَّا سُوءًا، يُسْمِلَانِ أَعْيُنَكُمْ، وَيَقْطَعَانِ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ، وَيُمَثِّلَانِ بِكُمْ، وَيَرْفَعَانِكُمْ عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ، وَيَقْتُلَانِ أَمَاثِلَكُمْ وَقُرَّاءَكُمْ، أَمْثَالَ حُجْرِ بْنِ عَدِيٍّ وَأَصْحَابِهِ، وَهَانِئِ بْنِ عُرْوَةَ وَأَشْبَاهِهِ! قَالَ: فَسَبُّوهُ وَأَثْنَوْا عَلَى ابْنِ زِيَادٍ وَقَالُوا: وَاللَّهِ لَا نَبْرَحُ حَتَّى نَقْتُلَ صَاحِبَكَ وَمَنْ مَعَهُ أَوْ نَبْعَثَ بِهِ وَبِأَصْحَابِهِ إِلَى الْأَمِيرِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ سِلْمًا. فَقَالَ لَهُمْ: يَا عِبَادَ اللَّهِ إِنَّ وَلَدَ فَاطِمَةَ أَحَقُّ بِالْوُدِّ وَالنَّصْرِ مِنِ ابْنِ سُمَيَّةَ، فَإِنْ كُنْتُمْ لَمْ تَنْصُرُوهُمْ فَأُعِيذُكُمْ بِاللَّهِ أَنْ تَقْتُلُوهُمْ، خَلُّوا بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ ابْنِ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَلَعَمْرِي إِنَّ يَزِيدَ لَيَرْضَى مِنْ طَاعَتِكُمْ بِدُونِ قَتْلِ الْحُسَيْنِ. فَرَمَاهُ شَمِرُ بِسَهْمٍ وَقَالَ: اسْكُتْ أَسْكَتَ اللَّهُ نَأْمَتَكَ، أَبْرَمْتَنَا بِكَثْرَةِ كَلَامِكَ! فَقَالَ زُهَيْرٌ: يَا ابْنَ الْبَوَّالِ عَلَى عَقِبَيْهِ! مَا إِيَّاكَ أُخَاطِبُ، إِنَّمَا أَنْتَ بَهِيمَةٌ! وَاللَّهِ مَا أَظُنُّكَ تُحْكِمُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ آيَتَيْنِ فَأَبْشِرْ بِالْخِزْيِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالْعَذَابِ الْأَلِيمِ. فَقَالَ شَمِرٌ: إِنَّ اللَّهَ قَاتِلُكَ وَصَاحِبَكَ عَنْ سَاعَةٍ. قَالَ: أَفَبِالْمَوْتِ تُخَوِّفُنِي؟ وَاللَّهِ لَلْمَوْتُ مَعَهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْخُلْدِ مَعَكُمْ! ثُمَّ رَفَعَ صَوْتَهُ وَقَالَ: عِبَادَ اللَّهِ لَا يَغُرَّنَّكُمْ مِنْ دِينِكُمْ هَذَا الْجِلْفُ الْجَافِي، فَوَاللَّهِ لَا تَنَالُ شَفَاعَةُ مُحَمَّدٍ قَوْمًا أَهْرَقُوا دِمَاءَ ذُرِّيَّتِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ وَقَتَلُوا مَنْ نَصَرَهُمْ وَذَبَّ عَنْ حَرِيمِهِمْ. فَأَمَرَهُ الْحُسَيْنُ فَرَجَعَ. وَلَمَّا زَحَفَ عُمَرُ نَحْوَ الْحُسَيْنِ أَتَاهُ الْحُرُّ بْنُ يَزِيدَ فَقَالَ لَهُ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ! أَمُقَاتِلٌ أَنْتَ هَذَا الرَّجُلُ؟ قَالَ لَهُ: إِي إِي وَاللَّهِ قِتَالًا أَيْسَرُهُ أَنْ تَسْقُطَ الرُّءُوسُ وَتُطِيحَ الْأَيْدِي. قَالَ: أَفَمَا لَكُمْ فِي وَاحِدَةٍ مِنَ الْخِصَالِ الَّتِي عَرَضَ عَلَيْكُمْ رِضًى؟ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ: وَاللَّهِ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ إِلَيَّ لَفَعَلْتُ، وَلَكِنَّ أَمِيرَكَ قَدْ أَبَى ذَلِكَ. فَأَقْبَلَ يَدْنُو نَحْوَ الْحُسَيْنِ قَلِيلًا قَلِيلًا، وَأَخَذَتْهُ رِعْدَةٌ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ يُقَالُ لَهُ الْمُهَاجِرُ بْنُ أَوْسٍ: وَاللَّهِ إِنَّ أَمْرَكَ لَمُرِيبٌ! وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ مِنْكَ فِي مَوْقِفٍ قَطُّ مِثْلَ مَا أَرَاهُ الْآنَ! وَلَوْ قِيلَ مَنْ أَشْجَعُ أَهْلِ الْكُوفَةِ لَمَا عَدَوْتُكَ. فَقَالَ لَهُ: إِنِّي وَاللَّهِ أُخَيِّرُ نَفْسِي بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَلَا أَخْتَارُ عَلَى الْجَنَّةِ شَيْئًا وَلَوْ قُطِّعْتُ وَحُرِّقْتُ. ثُمَّ ضَرَبَ فَرَسَهُ فَلَحِقَ بِالْحُسَيْنِ، فَقَالَ لَهُ: جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ! أَنَا صَاحِبُكَ الَّذِي حَبَسْتُكَ عَنِ الرُّجُوعِ وَسَايَرْتُكَ فِي الطَّرِيقِ وَجَعْجَعْتُ بِكَ فِي هَذَا الْمَكَانِ، وَوَاللَّهِ مَا ظَنَنْتُ أَنَّ الْقَوْمَ يَرُدُّونَ عَلَيْكَ مَا عَرَضْتَ عَلَيْهِمْ أَبَدًا، وَلَا

стр. 1612

يَبْلُغُونَ مِنْكَ هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ أَبَدًا فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لَا أُبَالِي أَنْ أُطِيعَ الْقَوْمَ فِي بَعْضِ أَمْرِهِمْ وَلَا يَرَوْنَ أَنِّي خَرَجْتُ مِنْ طَاعَتِهِمْ، وَأَمَّا هُمْ فَيَقْبَلُونَ بَعْضَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ، وَوَاللَّهِ لَوْ ظَنَنْتُ أَنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَهَا مِنْكَ مَا رَكِبْتُهَا مِنْكَ، وَإِنِّي قَدْ جِئْتُكَ تَائِبًا مِمَّا كَانَ مِنِّي إِلَى رَبِّي مُؤَاسِيًا لَكَ بِنَفْسِي حَتَّى أَمُوتَ بَيْنَ يَدَيْكَ، أَفْتَرَى ذَلِكَ تَوْبَةً؟ قَالَ: نَعَمْ، يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْكَ وَيَغْفِرُ لَكَ. وَتَقَدَّمَ الْحُرُّ أَمَامَ أَصْحَابِهِ ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا الْقَوْمُ أَلَا تَقْبَلُونَ مِنَ الْحُسَيْنِ خَصْلَةً مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ الَّتِي عَرَضَ عَلَيْكُمْ فَيُعَافِيَكُمُ اللَّهُ مِنْ حَرْبِهِ وَقِتَالِهِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: لَقَدْ حَرَصْتُ لَوْ وَجَدْتُ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا فَقَالَ: يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ لِأُمِّكُمُ الْهَبَلُ وَالْعُبْرُ! أَدَعَوْتُمُوهُ حَتَّى إِذَا أَتَاكُمْ أَسْلَمْتُمُوهُ وَزَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ قَاتِلُوا أَنْفُسَكُمْ دُونَهُ ثُمَّ عَدَوْتُمْ لِتَقْتُلُوهُ؟ أَمْسَكْتُمْ بِنَفْسِهِ وَأَحَطْتُمْ بِهِ وَمَنَعْتُمُوهُ مِنَ التَّوَجُّهِ فِي بِلَادِ اللَّهِ الْعَرِيضَةِ حَتَّى يَأْمَنَ وَيَأْمَنَ أَهْلُ بَيْتِهِ، فَأَصْبَحَ كَالْأَسِيرِ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعًا وَلَا يَدْفَعُ عَنْهَا ضُرًّا، وَمَنَعْتُمُوهُ وَمَنْ مَعَهُ عَنْ مَاءِ الْفُرَاتِ الْجَارِي يَشْرَبُهُ الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ وَالْمَجُوسِيُّ وَيَتَمَرَّغُ فِيهِ خَنَازِيرُ السَّوَادِ وَكِلَابُهُ وَهَا هُوَ وَأَهْلُهُ قَدْ صَرَعَهُمُ الْعَطَشُ! بِئْسَمَا خَلَفْتُمْ مُحَمَّدًا فِي ذُرِّيَّتِهِ! لَا سَقَاكُمُ اللَّهُ يَوْمَ الظَّمَأِ إِنْ لَمْ تَتُوبُوا وَتَنْزِعُوا عَمَّا أَنْتُمْ عَلَيْهِ! فَرَمَوْهُ بِالنَّبْلِ، فَرَجَعَ حَتَّى وَقَفَ أَمَامَ الْحُسَيْنِ. ثُمَّ قَدِمَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ بِرَايَتِهِ، وَأَخَذَ سَهْمًا فَرَمَى بِهِ وَقَالَ: اشْهَدُوا لِي أَنِّي أَوَّلُ رَامٍ! ثُمَّ رَمَى النَّاسَ، وَبَرَزَ يَسَارٌ، مَوْلَى زِيَادٍ، وَسَالِمٌ، مَوْلَى عُبَيْدِ اللَّهِ، وَطَلَبَا الْبِرَازَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَيْرٍ الْكَلْبِيُّ، وَكَانَ قَدْ أَتَى الْحُسَيْنَ مِنَ الْكُوفَةِ وَسَارَتْ مَعَهُ امْرَأَتُهُ، فَقَالَا لَهُ: مَنْ أَنْتِ؟ فَانْتَسَبَ لَهُمَا. فَقَالَا: لَا نَعْرِفُكَ، لِيَخْرُجْ إِلَيْنَا زُهَيْرُ بْنُ الْقَيْنِ، أَوْ حَبِيبُ بْنُ مُطَهِّرٍ، أَوْ بُرَيْرُ بْنُ خُضَيْرٍ. وَكَانَ يَسَارٌ أَمَامَ سَالِمٍ، فَقَالَ لَهُ الْكَلْبِيُّ: يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ، وَبِكَ رَغْبَةٌ عَنْ مُبَارَزَةِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، وَمَا يَخْرُجُ إِلَيْكَ أَحَدٌ إِلَّا وَهُوَ خَيْرٌ مِنْكَ! ثُمَّ حَمَلَ عَلَيْهِ فَضَرَبَهُ بِسَيْفِهِ حَتَّى بَرَدَ فَاشْتَغَلَ بِهِ يَضْرِبُهُ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ سَالِمٌ، فَلَمْ يَأْبَهْ لَهُ حَتَّى غَشِيَهُ فَضَرَبَهُ، فَاتَّقَاهُ الْكَلْبِيُّ بِيَدِهِ فَأَطَارَ أَصَابِعَ كَفِّهِ الْيُسْرَى، ثُمَّ مَالَ عَلَيْهِ الْكَلْبِيُّ فَضَرَبَهُ حَتَّى قَتَلَهُ، وَأَخَذَتِ امْرَأَتُهُ عَمُودًا، وَكَانَتْ تُسَمَّى أُمَّ وَهْبٍ، وَأَقْبَلَتْ نَحْوَ زَوْجِهَا وَهِيَ تَقُولُ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي! قَاتِلْ دُونَ الطَّيِّبِينَ ذُرِّيَّةِ مُحَمَّدٍ! فَرَدَّهَا نَحْوَ النِّسَاءِ، فَامْتَنَعَتْ

стр. 1613

وَقَالَتْ: لَنْ أَدَعَكَ دُونَ أَنْ أَمُوتَ مَعَكَ. فَنَادَاهَا الْحُسَيْنُ فَقَالَ: جُزِيتُمْ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ خَيْرًا! ارْجِعِي رَحِمَكِ اللَّهُ، لَيْسَ الْجِهَادُ إِلَى النِّسَاءِ. فَرَجَعَتْ. فَزَحَفَ عَمْرُو بْنُ الْحَجَّاجِ فِي مَيْمَنَةِ عُمَرَ، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْحُسَيْنِ جَثَوْا لَهُ عَلَى الرُّكَبِ وَأَشْرَعُوا الرِّمَاحَ نَحْوَهُمْ، فَلَمْ تَقْدَمْ خَيْلُهُمْ عَلَى الرِّمَاحِ، فَذَهَبَتِ الْخَيْلُ لِتَرْجِعَ فَرَشَقُوهُمْ بِالنَّبْلِ فَصَرَعُوا مِنْهُمْ رِجَالًا وَجَرَحُوا آخَرِينَ. وَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ ابْنُ حَوْزَةَ فَقَالَ: أَفِيكُمُ الْحُسَيْنُ؟ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، فَقَالَهَا ثَلَاثًا فَقَالُوا: نَعَمْ، فَمَا حَاجَتُكَ؟ قَالَ: يَا حُسَيْنُ أَبْشِرْ بِالنَّارِ! قَالَ لَهُ: كَذَبْتَ بَلْ أَقْدَمُ عَلَى رَبٍّ رَحِيمٍ وَشَفِيعٍ مُطَاعٍ، فَمَنْ أَنْتَ، قَالَ: ابْنُ حَوْزَةَ. فَرَفَعَ الْحُسَيْنُ يَدَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ حُزَّهُ إِلَى النَّارِ! فَغَضِبَ ابْنُ حَوْزَةَ فَأَقْحَمَ فَرَسَهُ فِي نَهْرٍ بَيْنَهُمَا فَتَعَلَّقَتْ قَدَمُهُ بِالرِّكَابِ وَجَالَتْ بِهِ الْفَرَسُ فَسَقَطَ عَنْهَا فَانْقَطَعَتْ فَخِذُهُ وَسَاقُهُ وَقَدَمُهُ وَبَقِيَ جَنْبُهُ الْآخَرُ مُتَعَلِّقًا بِالرِّكَابِ يُضْرَبُ بِهِ كُلُّ حَجَرٍ وَشَجَرٍ حَتَّى مَاتَ. وَكَانَ مَسْرُوقُ بْنُ وَائِلٍ الْحَضْرَمِيُّ قَدْ خَرَجَ مَعَهُمْ وَقَالَ لَعَلِّي أُصِيبَ رَأْسُ الْحُسَيْنِ، فَأُصِيبَ بِهِ مَنْزِلَةً عِنْدَ ابْنِ زِيَادٍ، فَلَمَّا رَأَى مَا صَنَعَ اللَّهُ بِابْنِ حَوْزَةَ بِدُعَاءِ الْحُسَيْنِ رَجَعَ وَقَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ شَيْئًا، لَا أُقَاتِلُهُمْ أَبَدًا. وَنَشِبَ الْقِتَالُ وَخَرَجَ يَزِيدُ بْنُ مَعْقِلٍ حَلِيفُ عَبْدِ الْقَيْسِ فَقَالَ: يَا بُرَيْرُ بْنُ خُضَيْرٍ كَيْفَ تَرَى اللَّهَ صَنَعَ بِكَ؟ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ صَنَعَ بِي خَيْرًا وَصَنَعَ بِكَ شَرًّا. فَقَالَ: كَذَبْتَ، وَقَبْلَ الْيَوْمِ مَا كُنْتَ كَذَّابًا، وَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّكَ مِنَ الضَّالِّينَ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ خُضَيْرٍ: هَلْ لَكَ أَنْ أُبَاهِلَكَ، أَنْ يَلْعَنَ اللَّهُ الْكَاذِبَ وَيَقْتُلَ الْمُبْطِلَ، ثُمَّ أَخْرُجَ أُبَارِزَكَ! فَخَرَجَا فَتَبَاهَلَا أَنْ يَلْعَنَ اللَّهُ الْكَاذِبَ وَيَقْتُلَ الْمُحِقُّ الْمُبْطِلَ ثُمَّ تَبَارَزُوا فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ فَضَرَبَ يَزِيدُ بْنُ مَعْقِلٍ بُرَيْرَ بْنَ خُضَيْرٍ فَلَمْ يَضُرَّهُ شَيْئًا وَضَرَبَهُ ابْنُ خُضَيْرٍ ضَرْبَةً قَدَّتِ الْمِغْفَرَ وَبَلَغْتِ الدِّمَاغَ فَسَقَطَ وَالسَّيْفُ فِي رَأْسِهِ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ رَضِيُّ بْنُ مُنْقِذٍ الْعَبْدِيُّ، فَاعْتَنَقَ ابْنَ خُضَيْرٍ، فَاعْتَرَكَا سَاعَةً ثُمَّ إِنَّ ابْنَ خُضَيْرٍ قَعَدَ عَلَى صَدْرِهِ، فَحَمَلَ كَعْبُ بْنُ جَابِرٍ الْأَزْدِيُّ عَلَيْهِ بِالرُّمْحِ فَوَضَعَهُ فِي ظَهْرِهِ حَتَّى غَيَّبَ السِّنَانَ فِيهِ، فَلَمَّا وَجَدَ مَسَّ الرُّمْحِ نَزَلَ عَنْ رَضِيٍّ فَعَضَّ أَنْفَهُ وَقَطَعَ طَرَفَهُ، وَأَقْبَلَ إِلَيْهِ كَعْبُ بْنُ جَابِرٍ فَضَرَبَهُ بِسَيْفِهِ حَتَّى قَتَلَهُ، وَقَامَ رَضِيٌّ يَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْ قَبَائِهِ، فَلَمَّا رَجَعَ كَعْبٌ قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: أَعَنْتَ عَلَى ابْنِ

стр. 1614

فَاطِمَةَ وَقَتَلَتْ بُرَيْرًا سَيِّدَ الْقُرَّاءِ، [وَاللَّهِ] لَا أُكَلِّمُكَ أَبَدًا! وَخَرَجَ عَمْرُو بْنُ قَرَظَةَ الْأَنْصَارِيُّ وَقَاتَلَ دُونَ الْحُسَيْنِ فَقُتِلَ، وَكَانَ أَخُوهُ مَعَ عَمْرِوِ بْنِ سَعْدٍ، فَنَادَى: يَا حُسَيْنُ يَا كَذَّابُ ابْنَ الْكَذَّابِ! أَضْلَلْتَ أَخِي وَغَرَرْتَهُ حَتَّى قَتَلْتَهُ! فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُضِلَّ أَخَاكَ بَلْ هَدَّاهُ وَأَضَلَّكَ. قَالَ: قَتَلَنِي اللَّهُ إِنْ لَمْ أَقْتُلْكَ أَوْ أَمُوتَ دُونَكَ. فَحَمَلَ وَاعْتَرَضَهُ نَافِعُ بْنُ هِلَالٍ الْمُرَادِيُّ فَطَعَنَهُ فَصَرَعَهُ، فَحَمَلَ أَصْحَابُهُ فَاسْتَنْقَذُوهُ فَدُووِيَ بَعْدُ فَبَرَأَ. وَقَاتَلَ الْحُرُّ بْنُ يَزِيدَ مَعَ الْحُسَيْنِ قِتَالًا شَدِيدًا، وَبَرَزَ إِلَيْهِ يَزِيدُ بْنُ سُفْيَانَ فَقَتْلَهُ الْحُرُّ، وَقَاتَلَ نَافِعُ بْنُ هِلَالٍ مَعَ الْحُسَيْنِ أَيْضًا فَبَرَزَ إِلَيْهِ مُزَاحِمُ بْنُ حُرَيْثٍ فَقَتَلَهُ نَافِعٌ. فَصَاحَ عَمْرُو بْنُ الْحَجَّاجِ بِالنَّاسِ: أَتَدْرُونَ مَنْ تُقَاتِلُونَ؟ فُرْسَانُ الْمِصْرِ، قَوْمًا مُسْتَمِيتِينَ، لَا يَبْرُزُ إِلَيْهِمْ مِنْكُمْ أَحَدٌ فَإِنَّهُمْ قَلِيلٌ وَقَلَّ مَا يَبْقَوْنَ، وَاللَّهِ لَوْ لَمْ تَرْمُوهُمْ إِلَّا بِالْحِجَارَةِ لَقَتَلْتُمُوهُمْ. يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ الْزَمُوا طَاعَتَكُمْ وَجَمَاعَتَكُمْ، لَا تَرْتَابُوا فِي قَتْلِ مَنْ مَرَقَ مِنَ الدِّينِ وَخَالَفَ الْإِمَامَ. فَقَالَ عُمَرُ: الرَّأْيُ مَا رَأَيْتَ، وَمَنَعَ النَّاسَ مِنَ الْمُبَارَزَةِ. قَالَ: وَسَمِعَهُ الْحُسَيْنُ فَقَالَ: يَا عَمْرُو بْنَ الْحَجَّاجِ أَعَلَيَّ تُحَرِّضُ النَّاسَ؟ أَنْحَنُ مَرَقْنَا مِنَ الدِّينِ أَمْ أَنْتُمْ؟ وَاللَّهِ لَتَعْلَمُنَّ لَوْ قُبِضَتْ أَرْوَاحُكُمْ وَمُتُّمْ عَلَى أَعْمَالِكُمْ أَيُّنَا الْمَارِقُ. ثُمَّ حَمَلَ عَمْرُو بْنُ الْحَجَّاجِ عَلَى الْحُسَيْنِ مِنْ نَحْوِ الْفُرَاتِ فَاضْطَرَبُوا سَاعَةً، فَصُرِعَ مُسْلِمُ بْنُ عَوْسَجَةَ الْأَسَدِيُّ، وَانْصَرَفَ عَمْرٌو وَمُسْلِمٌ صَرِيعٌ، فَمَشَى إِلَيْهِ وَبِهِ رَمَقٌ فَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ يَا مُسْلِمُ بْنَ عَوْسَجَةَ، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ [الأحزاب: ٢٣] . وَدَنَا مِنْهُ حَبِيبُ بْنُ مُطَهِّرٍ وَقَالَ: عَزَّ عَلَيَّ مَصْرَعُكَ، أَبْشِرْ بِالْجَنَّةِ، وَلَوْلَا أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي فِي أَثَرِكَ لَاحِقٌ بِكَ لَأَحْبَبْتُ أَنْ تُوصِيَنِي حَتَّى أَحْفَظَكَ بِمَا أَنْتَ لَهُ أَهْلٌ. فَقَالَ: أُوصِيكَ بِهَذَا، رَحِمَكَ اللَّهُ، وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْحُسَيْنِ، أَنْ تَمُوتَ دُونَهُ. فَقَالَ: أَفْعَلُ. ثُمَّ مَاتَ مُسْلِمٌ وَصَاحَتْ جَارِيَةٌ لَهُ فَقَالَتْ: يَا ابْنَ عَوْسَجَةَ! فَيُنَادِي أَصْحَابُ عَمْرٍو: قَتَلْنَا مُسْلِمًا. فَقَالَ شَبَثٌ لِبَعْضِ مَنْ حَوْلَهُ: ثَكِلَتْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ إِنَّمَا تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ بَأَيْدِيكُمْ وَتُذِلُّونَ أَنْفُسَكُمْ لِغَيْرِكُمْ، أَتَفْرَحُونَ بِقَتْلِ مِثْلِ مُسْلِمٍ؟ أَمَا وَالَّذِي أَسْلَمْتُ لَهُ لَرُبَّ مَوْقِفٍ لَهُ قَدْ رَأَيْتُهُ فِي الْمُسْلِمِينَ، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَوْمَ سَلَقَ أَذْرَبِيجَانَ قَتَلَ سِتَّةً مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَبْلَ أَنْ تَنَامَ خُيُولُ الْمُسْلِمِينَ، أَفَيُقْتَلُ مِثْلُهُ وَتَفْرَحُونَ؟

стр. 1615

وَكَانَ الَّذِي قَتَلَهُ مُسْلِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الضَّبَابِيُّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي خُشْكَارَةَ الْبَجَلِيُّ. وَحَمَلَ شَمِرٌ فِي الْمَيْسَرَةِ فَثَبَتُوا لَهُ وَحَمَلُوا عَلَى الْحُسَيْنِ وَأَصْحَابِهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَقُتِلَ الْكَلْبِيُّ وَقَدْ قَتَلَ رَجُلَيْنِ بَعْدَ الرَّجُلَيْنِ الْأَوَّلِينَ وَقَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا، فَقَتَلَهُ هَانِئُ بْنُ ثُبَيْتٍ الْحَضْرَمِيُّ وَبُكَيْرُ بْنُ حَيٍّ التَّيْمِيُّ مِنْ تَيْمِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، وَقَاتَلَ أَصْحَابُ الْحُسَيْنِ قِتَالًا شَدِيدًا وَهُمُ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ فَارِسًا، فَلَمْ تَحْمِلْ عَلَى جَانِبٍ مِنْ خَيْلِ الْكُوفَةِ إِلَّا كَشَفَتْهُ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَزْرَةُ بْنُ قَيْسٍ، وَهُوَ عَلَى خَيْلِ الْكُوفَةِ، بَعَثَ إِلَى عُمَرَ فَقَالَ: أَلَا تَرَى مَا تَلْقَى خَيْلِي هَذَا الْيَوْمَ مِنْ هَذِهِ الْعِدَّةِ الْيَسِيرَةِ؟ ابْعَثْ إِلَيْهِمُ الرِّجَالَ وَالرُّمَاةَ. فَقَالَ لِشَبَثِ بْنِ رِبْعِيٍّ: أَلَا تَقْدَمُ إِلَيْهِمْ! فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! شَيْخُ مُضَرَ وَأَهْلِ الْمِصْرِ عَامَّةً تَبْعَثُهُ فِي الرُّمَاةِ، لَمْ تَجِدْ لِهَذَا غَيْرِي! وَلَمْ يَزَالُوا يَرَوْنَ مَنْ شَبَثٍ الْكَرَاهَةَ لِلْقِتَالِ حَتَّى إِنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي إِمَارَةِ مُصْعَبٍ: لَا يُعْطِي اللَّهُ أَهْلَ هَذَا الْمِصْرِ خَيْرًا أَبَدًا وَلَا يُسَدِّدُهُمْ لِرُشْدٍ، أَلَا تَعْجَبُونَ أَنَّا قَاتَلْنَا مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَمَعَ ابْنِهِ آلَ أَبِي سُفْيَانَ خَمْسَ سِنِينَ ثُمَّ عَدَوْنَا عَلَى ابْنِهِ وَهُوَ خَيْرُ أَهْلِ الْأَرْضِ نُقَاتِلُهُ مَعَ آلِ مُعَاوِيَةَ وَابْنِ سُمَيَّةَ الزَّانِيَةِ، ضَلَالٌ يَا لَكَ مِنْ ضَلَالٍ! فَلَمَّا قَالَ شَبَثٌ ذَلِكَ دَعَا عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ الْحُصَيْنَ بْنَ نُمَيْرٍ فَبَعَثَ مَعَهُ الْمُجَفَّفَةَ وَخَمْسَمِائَةٍ مِنَ الْمُرَامِيَةِ، فَلَمَّا دَنَوْا مِنَ الْحُسَيْنِ وَأَصْحَابِهِ رَشَقُوهُمْ بِالنَّبْلِ فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ عَقَرُوا خُيُولَهُمْ وَصَارُوا رَجَّالَةً كُلُّهُمْ، وَقَاتَلَ الْحُرُّ بْنُ يَزِيدَ رَاجِلًا قِتَالًا شَدِيدًا، فَقَاتَلُوهُمْ، إِلَى أَنِ انْتَصَفَ النَّهَارُ، أَشَدَّ قِتَالٍ خَلَقَهُ اللَّهُ، لَا يَقْدِرُونَ يَأْتُونَهُمْ إِلَّا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ لِاجْتِمَاعِ مَضَارِبِهِمْ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عُمَرُ أَرْسَلَ رِجَالًا يُقَوِّضُونَهُمْ عَنْ أَيْمَانِهِمْ وَشَمَائِلِهِمْ لِيُحِيطُوا بِهِمْ، فَكَانَ النَّفَرُ مِنْ أَصْحَابِ الْحُسَيْنِ الثَّلَاثَةُ وَالْأَرْبَعَةُ يَتَخَلَّلُونَ الْبُيُوتَ فَيَقْتُلُونَ الرَّجُلَ وَهُوَ يُقَوِّضُ وَيَنْهَبُ، وَيَرْمُونَهُ مِنْ قَرِيبٍ أَوْ يَعْقِرُونَهُ، فَأَمَرَ بِهَا عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ فَأُحْرِقَتْ، فَقَالَ لَهُمُ الْحُسَيْنُ: دَعَوْهُمْ فَلْيَحْرِقُوهَا فَإِنَّهُمْ إِذَا حَرَقُوهَا لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَجُوزُوا إِلَيْكُمْ مِنْهَا. فَكَانَ كَذَلِكَ. وَخَرَجَتِ امْرَأَةُ الْكَلْبِيِّ فَجَلَسَتْ عِنْدَ رَأْسِهِ تَمْسَحُ التُّرَابَ عَنْ وَجْهِهِ وَتَقُولُ: هَنِيئًا لَكَ الْجَنَّةَ! فَأَمَرَ شَمِرٌ غُلَامًا اسْمُهُ رُسْتُمُ فَضَرَبَ رَأْسَهَا بِالْعَمُودِ فَمَاتَتْ مَكَانَهَا. وَحَمَلَ شَمِرٌ حَتَّى بَلَغَ فُسْطَاطَ الْحُسَيْنِ وَنَادَى: عَلَيَّ بِالنَّارِ حَتَّى أَحُرِّقَ هَذَا الْبَيْتَ
следующие страницы →