Полный текст (6 163 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.
стр. 2171
فَلْيَأْتِكَ وَأَمْهِلْ وَلَا تَعْجَلْ.
قَالَ: فَكَيْفَ بِسَوْرَةَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؟ لَوْ لَمْ أَكُنْ إِلَّا فِي بَنِي مُرَّةَ أَوْ مَنْ طَلَعَ مَعِي مِنَ الشَّامِ لَعَبَرْتُ، وَقَالَ شِعْرًا:
أَلَيْسَ أَحَقُّ النَّاسِ أَنْ يَشْهَدَ الْوَغَى ... وَأَنْ يَقْتُلَ الْأَبْطَالَ ضَخْمًا عَلَى ضَخْمِ
وَقَالَ:
مَا عِلَّتِي مَا عِلَّتِي مَا عِلَّتِي ... إِنْ لَمْ أُقَتِّلْهُمْ فَجُزُّوا لُمَّتِي
وَعَبَرَ الْجُنَيْدُ فَنَزَلَ كَشَّ وَتَأَهَّبَ لِلْمَسِيرِ، وَبَلَغَ التُّرْكَ فَعَوَّرُوا الْآبَارَ الَّتِي فِي طَرِيقِ كَشٍّ، فَقَالَ الْجُنَيْدُ: أَيُّ طَرِيقٍ إِلَى سَمَرْقَنْدَ أَصْلَحُ؟ فَقَالُوا: طَرِيقُ الْمُحْتَرِقَةِ. فَقَالَ الْمُجَشِّرُ: الْقَتْلُ بِالسَّيْفِ أَصْلَحُ مِنَ الْقَتْلِ بِالنَّارِ، طَرِيقُ الْمُحْتَرِقَةِ كَثِيرُ الشَّجَرِ وَالْحَشِيشِ وَلَمْ يُزْرَعْ مُنْذُ سِنِينَ، فَإِنْ لَقِينَا خَاقَانَ أَحْرَقَ ذَلِكَ كُلَّهُ فَقَتَلَنَا بِالنَّارِ وَالدُّخَانِ، وَلَكِنْ خُذْ طَرِيقَ الْعَقَبَةِ فَهُوَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَوَاءٌ. فَأَخَذَ الْجُنَيْدُ طَرِيقَ الْعَقَبَةِ فَارْتَقَى فِي الْجَبَلِ، فَأَخَذَ الْمُجَشِّرُ بِعِنَانِ دَابَّتِهِ وَقَالَ: إِنَّهُ كَانَ يُقَالُ إِنَّ رَجُلًا مُتْرَفًا مِنْ قَيْسٍ يَهْلِكُ عَلَى يَدَيْهِ جُنْدٌ مِنْ جُنُودِ خُرَاسَانَ وَقَدْ خِفْنَا أَنْ تَكُونَهُ. قَالَ: لِيُفْرِخْ رَوْعُكَ. قَالَ: أَمَّا مَا كَانَ بَيْنَنَا مِثْلُكَ فَلَا. فَبَاتَ فِي أَصْلِ الْعَقَبَةِ، ثُمَّ سَارَ بِالنَّاسِ حَتَّى صَارَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَمَرْقَنْدَ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ وَدَخَلَ الشِّعْبَ، فَصَبَّحَهُ خَاقَانُ فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ، وَزَحَفَ إِلَيْهِ أَهْلُ الصُّغْدِ وَفَرْغَانَةَ وَالشَّاشِ وَطَائِفَةٌ مِنَ التُّرْكِ، فَحَمَلَ خَاقَانُ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ، وَعَلَيْهَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، فَرَجَعُوا إِلَى الْعَسْكَرِ وَالتُّرْكُ تَتْبَعُهُمْ وَجَاءُوهُمْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَجَعَلَ الْجُنَيْدُ تَمِيمًا وَالْأَزْدَ فِي الْمَيْمَنَةِ، وَرَبِيعَةَ فِي الْمَيْسَرَةِ مِمَّا يَلِي الْجَبَلَ، وَعَلَى مُجَفَّفَةِ خَيْلِ بَنِي تَمِيمٍ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زُهَيْرِ بْنِ حَيَّانَ، وَعَلَى الْمُجَرَّدَةِ عَمْرَو بْنَ جِرْقَاشٍ الْمِنْقَرِيَّ، وَعَلَى جَمَاعَةِ بَنِي تَمِيمٍ عَامِرَ بْنَ مَالِكٍ الْحِمَّانِيَّ، وَعَلَى الْأَزْدِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بِسْطَامِ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ عَمْرٍو، وَعَلَى الْمُجَفَّفَةِ وَالْمُجَرَّدَةِ فُضَيْلَ بْنَ هَنَّادٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَوْذَانَ.
فَالْتَقَوْا، وَقَصَدَ الْعَدُوُّ الْمَيْمَنَةَ لِضِيقِ الْمَيْسَرَةِ، فَتَرَجَّلَ حَسَّانُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زُهَيْرٍ بَيْنَ يَدَيْ أَبِيهِ، فَأَمَرَهُ أَبُوهُ بِالرُّكُوبِ، فَرَكِبَ، وَأَحَاطَ الْعَدُوَّ بِالْمَيْمَنَةِ، فَأَمَدَّهُمُ الْجُنَيْدُ بِنَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ، فَشَدَّ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ عَلَى الْعَدُوِّ فَكَشَفُوهُمْ، ثُمَّ كَرُّوا عَلَيْهِمْ وَقَتَلُوا عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زُهَيْرٍ وَابْنَ جِرْقَاشَ وَالْفُضَيْلَ بْنَ هَنَّادٍ، وَجَالَتِ الْمَيْمَنَةُ وَالْجُنَيْدُ وَاقِفٌ فِي الْقَلْبِ، فَأَقْبَلَ إِلَى الْمَيْمَنَةِ وَوَقَفَ تَحْتَ رَايَةِ الْأَزْدِ، وَكَانَ قَدْ جَفَاهُمْ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُ
стр. 2172
الرَّايَةِ: مَا هَلَكْنَا لِتُكْرِمَنَا، وَلَكِنَّكَ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يُوصَلُ إِلَيْكَ وَمِنَّا رَجُلٌ حَيٌّ، فَإِنْ ظَفِرْنَا كَانَ لَكَ، وَإِنْ هَلَكْنَا لَمْ تَبْكِ عَلَيْنَا. وَتَقَدَّمَ فَقُتِلَ، وَأَخَذَ الرَّايَةَ ابْنُ مُجَّاعَةَ فَقُتِلَ، وَتَدَاوَلَهَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَقُتِلُوا، وَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْأَزْدِ ثَمَانُونَ رَجُلًا.
وَصَبَرَ النَّاسُ يُقَاتِلُونَ حَتَّى أُعْيُوا، فَكَانَتِ السُّيُوفُ لَا تَقْطَعُ شَيْئًا، فَقَطَعَ عَبِيدُهُمُ الْخَشَبَ يُقَاتِلُونَ بِهِ حَتَّى مَلَّ الْفَرِيقَانِ، فَكَانَتِ الْمُعَانَقَةُ ثُمَّ تَحَاجَزُوا.
وَقُتِلَ مِنَ الْأَزْدِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بِسْطَامٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْذَانَ، وَالْحَسَنُ بْنُ شَيْخٍ، وَالْفُضَيْلُ صَاحِبُ الْخَيْلِ، وَيَزِيدُ بْنُ الْفَضْلِ الْحِدَّانِيُّ، وَكَانَ قَدْ حَجَّ فَأَنْفَقَ فِي حَجَّتِهِ ثَمَانِينَ وَمِائَةَ أَلْفٍ، وَقَالَ لِأُمِّهِ: ادْعِي اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنِي الشَّهَادَةَ، فَدَعَتْ لَهُ وَغُشِيَ عَلَيْهَا، فَاسْتُشْهِدَ بَعْدَ مَقْدِمِهِ مِنَ الْحَجِّ بِثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَقُتِلَ النَّضْرُ بْنُ رَاشِدٍ الْعَبْدِيُّ، وَكَانَ قَدْ دَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ وَالنَّاسُ يَقْتَتِلُونَ فَقَالَ لَهَا: كَيْفَ أَنْتِ إِذَا أُتِيتِ بِأَبِي ضَمْرَةَ فِي لِبْدٍ مُضَرَّجًا بِالدَّمِ؟ فَشَقَّتْ جَيْبَهَا وَدَعَتْ بِالْوَيْلِ، فَقَالَ لَهَا: حَسْبُكِ، لَوْ أَعْوَلَتْ عَلَيَّ كُلُّ أُنْثَى لَعَصَيْتُهَا شَوْقًا إِلَى (الْحُورِ الْعِينِ! فَرَجَعَ وَقَاتَلَ حَتَّى اسْتُشْهِدَ، ﵀.
فَبَيْنَا النَّاسُ كَذَلِكَ إِذْ أَقْبَلَ) رَهَجٌ وَطَلَعَتْ فُرْسَانٌ، فَنَادَى مُنَادِي الْجُنَيْدِ: الْأَرْضَ الْأَرْضَ! فَتَرَجَّلَ وَتَرَجَّلَ النَّاسُ، ثُمَّ نَادَى: لِيُخَنْدِقْ كُلُّ قَائِدٍ عَلَى حِيَالِهِ، فَخَنْدَقُوا وَتَحَاجَزُوا، وَقَدْ أُصِيبَ مِنَ الْأَزْدِ مِائَةٌ وَتِسْعُونَ رَجُلًا.
وَكَانَ قِتَالُهُمْ يَوْمَ الْجُمْعَةِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ السَّبْتِ قَصَدَهُمْ خَاقَانُ وَقْتَ الظُّهْرِ فَلَمْ يَرَ مَوْضِعًا لِلْقِتَالِ أَسْهَلَ مِنْ مَوْضِعِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، وَعَلَيْهِمْ زِيَادُ بْنُ الْحَارِثِ، فَقَصَدَهُمْ، فَلَمَّا قَرُبُوا حَمَلَتْ بَكْرٌ عَلَيْهِمْ فَأَفْرَجُوا لَهُمْ، فَسَجَدَ الْجُنَيْدُ وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ.
ذِكْرُ مَقْتَلِ سَوْرَةَ بْنِ الْحُرِّ
فَلَمَّا اشْتَدَّ الْقِتَالُ وَرَأَى الْجُنَيْدُ شِدَّةَ الْأَمْرِ اسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ، فَقَالَ لَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ حَبِيبٍ: اخْتَرْ إِمَّا أَنْ تَهْلِكَ أَنْتَ أَوْ سَوْرَةُ بْنُ الْحُرِّ. قَالَ: هَلَاكُ سَوْرَةَ أَهْوَنُ عَلَيَّ. قَالَ: فَاكْتُبْ (إِلَيْهِ فَلْيَأْتِكَ فِي أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ، فَإِنَّهُ إِذَا بَلَغَ التُّرْكَ إِقْبَالُهُ تَوَجَّهُوا إِلَيْهِ فَقَاتَلُوهُ) . فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْجُنَيْدُ يَأْمُرُهُ بِالْقُدُومِ. وَقَالَ حُلَيْسُ بْنُ غَالِبٍ الشَّيْبَانِيُّ: إِنَّ التُّرْكَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ
стр. 2173
الْجُنَيْدِ، فَإِنْ خَرَجْتَ كَرُّوا عَلَيْكَ فَاخْتَطَفُوكَ. فَكَتَبَ إِلَى الْجُنَيْدِ: إِنِّي لَا أَقْدِرُ عَلَى الْخُرُوجِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْجُنَيْدُ: يَابْنَ اللَّخْنَاءِ تَخْرُجُ، وَإِلَّا وَجَّهْتُ إِلَيْكَ شَدَّادَ بْنَ خُلَيْدٍ الْبَاهِلِيَّ، وَكَانَ عَدُوَّهُ، فَاخْرُجِ الْزَمِ الْمَاءَ وَلَا تُفَارِقْهُ، فَأَجْمَعَ عَلَى الْمَسِيرِ وَقَالَ: إِذَا سِرْتُ عَلَى النَّهْرِ لَا أَصِلُ فِي يَوْمَيْنِ وَبَيْنِي وَبَيْنَهُ فِي هَذَا الْوَجْهِ لَيْلَةٌ، فَإِذَا سَكَتَ الرَّجُلُ سِرْتُ.
فَجَاءَتْ عُيُونُ الْأَتْرَاكِ فَأَخْبَرُوهُمْ بِمَقَالَةِ سَوْرَةَ، وَرَحَلَ سَوْرَةُ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى سَمَرْقَنْدَ مُوسَى بْنَ أَسْوَدَ الْحَنْظَلِيَّ، وَسَارَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، فَأَصْبَحَ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ، فَتَلَقَّاهُ خَاقَانُ حِينَ أَصْبَحَ، وَقَدْ سَارَ ثَلَاثَةَ فَرَاسِخَ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُنَيْدِ فَرْسَخٌ فَقَاتَلَهُمْ، فَاشْتَدَّ الْقِتَالُ وَصَبَرُوا. فَقَالَ غُوزَكُ لِخَاقَانَ: الْيَوْمَ حَارٌّ فَلَا نُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَحْمَى عَلَيْهِمُ السِّلَاحُ، فَوَافَقَهُمْ وَأَشْعَلَ النَّارَ فِي الْحَشِيشِ وَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمَاءِ، فَقَالَ سَوْرَةُ لِعُبَادَةَ: مَا تَرَى يَا أَبَا سُلَيْمٍ؟ فَقَالَ: أَرَى أَنَّ التُّرْكَ يُرِيدُونَ الْغَنِيمَةَ، فَاعْقِرِ الدَّوَابَّ وَأَحْرِقِ الْمَتَاعَ وَجَرِّدِ السَّيْفَ، فَإِنَّهُمْ يُخَلُّونَ لَنَا الطَّرِيقَ، وَإِنْ مَنَعُونَا شَرَعْنَا الرِّمَاحَ وَنَزْحَفُ زَحْفًا، وَإِنَّمَا هُوَ فَرْسَخٌ حَتَّى نَصِلَ إِلَى الْعَسْكَرِ. فَقَالَ: لَا أَقْوَى عَلَى هَذَا وَلَا فُلَانٌ وَفُلَانٌ، وَعَدَّ رِجَالًا، وَلَكِنْ أَجْمَعُ الْخَيْلَ فَأَصُكُّهُمْ بِهَا سَلِمْتُ أَمْ عَطِبْتُ. .
وَجَمَعَ النَّاسَ وَحَمَلُوا، فَانْكَشَفَ التُّرْكُ وَثَارَ الْغُبَارُ فَلَمْ يُبْصِرُوا، وَمِنْ وَرَاءِ التُّرْكِ لَهِيبٌ فَسَقَطُوا فِيهِ، وَسَقَطَ الْعَدُوُّ وَالْمُسْلِمُونَ وَسَقَطَ سَوْرَةُ فَانْدَقَّتْ فَخِذُهُ، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ، فَقَتَلَهُمُ التُّرْكُ وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ غَيْرَ أَلْفَيْنِ، وَيُقَالُ أَلْفٌ، وَكَانَ مِمَّنْ نَجَا مِنْهُمْ عَاصِمُ بْنُ عُمَيْرٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ، وَاسْتُشْهِدَ حُلَيْسُ بْنُ غَالِبٍ الشَّيْبَانِيُّ، وَانْحَازَ الْمُهَلَّبُ بْنُ زِيَادٍ الْعِجْلِيُّ فِي سَبْعِمِائَةٍ إِلَى رُسْتَاقَ يُسَمَّى الْمَرْغَابُ فَنَزَلُوا قَصْرًا هُنَاكَ، فَأَتَاهُمُ الْأَشْكَنْدُ صَاحِبُ نَسَفَ فِي خَيْلٍ وَمَعَهُ غَوْزَكُ، فَأَعْطَاهُمْ غَوْزَكُ الْأَمَانَ. فَقَالَ قُرَيْشُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَبْدِيُّ: لَا تَثِقُوا بِهِمْ، وَلَكِنْ إِذَا جَنَّنَا اللَّيْلُ خَرَجْنَا عَلَيْهِمْ حَتَّى نَأْتِيَ سَمَرْقَنْدَ. فَعَصَوْهُ فَنَزَلُوا بِالْأَمَانِ، فَسَاقَهُمْ إِلَى خَاقَانَ فَقَالَ: لَا أُجِيزُ أَمَانَ غَوْزَكَ، فَقَاتَلَهُمُ الْوَجْفُ بْنُ خَالِدٍ وَالْمُسْلِمُونَ فَأُصِيبُوا غَيْرَ سَبْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَقُتِلُوا غَيْرَ ثَلَاثَةٍ.
وَقُتِلَ سَوْرَةُ فِي اللَّهَبِ، فَلَمَّا قُتِلَ خَرَجَ الْجُنَيْدُ مِنَ الشِّعْبِ يُرِيدُ سَمَرْقَنْدَ مُبَادِرًا، فَقَالَ لَهُ خَالِدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ: سِرْ وَأَسْرِعْ. فَقَالَ لَهُ الْمُجَشِّرُ: انْزِلْ وَخُذْ بِلِجَامِ دَابَّتِهِ، فَنَزَلَ وَنَزَلَ النَّاسُ مَعَهُ، فَلَمْ يَسْتَتِمَّ نُزُولُهُمْ حَتَّى طَلَعَ التُّرْكُ، فَقَالَ الْمُجَشِّرُ لَهُ: لَوْ لَاقَوْنَا وَنَحْنُ نَسِيرُ أَلَمْ يُهْلِكُونَا؟ فَلَمَّا أَصْبَحُوا تَنَاهَضُوا فَجَالَ النَّاسُ، فَقَالَ الْجُنَيْدُ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهَا النَّارُ، فَرَجَعُوا، وَنَادَى الْجُنَيْدُ: أَيُّ عَبْدٍ قَاتَلَ فَهُوَ حُرٌّ. فَقَاتَلَ الْعَبِيدُ قِتَالًا عَجِبَ مِنْهُ
стр. 2174
النَّاسُ، فَسُرُّوا بِمَا رَأَوْا مِنْ صَبْرِهِمْ، وَصَبَرَ النَّاسُ حَتَّى انْهَزَمَ الْعَدُوُّ وَمَضَوْا، فَقَالَ مُوسَى ابْنُ التَّعْرَاءِ [لِلنَّاسِ] : تَفْرَحُونَ بِمَا رَأَيْتُمْ مِنَ الْعَبِيدِ! إِنَّ لَكُمْ مِنْهُمْ لَيَوْمًا أَرُوزْبَانَ.
وَمَضَى الْجُنَيْدُ إِلَى سَمَرْقَنْدَ فَحَمَلَ عِيَالَ مَنْ كَانَ مَعَ سَوْرَةَ إِلَى مَرْوَ، وَأَقَامَ بِالصُّغْدِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ. وَكَانَ صَاحِبُ رَأْيِ خُرَاسَانَ فِي الْحَرْبِ الْمُجَشِّرُ بْنُ مُزَاحِمٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صُبْحٍ الْخَرَقِيُّ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ حَبِيبٍ الْهَجَرِيُّ، وَكَانَ الْمُجَشِّرُ يُنْزِلُ النَّاسَ عَلَى رَايَاتِهِمْ وَيَضَعُ الْمَسَالِحَ، لَيْسَ لِأَحَدٍ مِثْلُ رَأْيِهِ فِي ذَلِكَ، وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إِذَا نَزَلَ الْأَمْرُ الْعَظِيمُ فِي الْحَرْبِ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِثْلُ رَأْيِهِ، وَكَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ عَلَى تَعْبِيَةِ الْقِتَالِ. وَكَانَ رِجَالٌ مِنَ الْمَوَالِي مِثْلَ هَؤُلَاءِ فِي الرَّأْيِ وَالْمَشُورَةِ وَالْعِلْمِ بِالْحَرْبِ، فَمِنْهُمْ: الْفَضْلُ بْنُ بَسَّامٍ، مَوْلَى لَيْثٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، مَوْلَى سُلَيْمٍ، وَالْبَخْتَرِيُّ بْنُ مُجَاهِدٍ، مَوْلَى شَيْبَانَ.
فَلَمَّا انْصَرَفَ التُّرْكُ بَعَثَ الْجُنَيْدُ نَهَارَ بْنَ تَوْسِعَةَ، أَحَدَ بَنِي تَيْمِ اللَّاتِ، وَزِبْلَ بْنَ سُوَيْدٍ الْمُرِّيَّ إِلَى هِشَامٍ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّ سَوْرَةَ عَصَانِي، أَمَرْتُهُ بِلُزُومِ الْمَاءِ فَلَمْ يَفْعَلْ، فَتَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، فَأَتَتْنِي طَائِفَةٌ [إِلَى كَشٍّ] ، وَطَائِفَةٌ إِلَى نَسَفَ، وَطَائِفَةٌ إِلَى سَمَرْقَنْدَ، وَأُصِيبَ سَوْرَةُ فِي بَقِيَّةِ أَصْحَابِهِ.
فَسَأَلَ هِشَامٌ نَهَارَ بْنَ تَوْسِعَةَ عَنِ الْخَبَرِ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا شَهِدَ، فَكَتَبَ هِشَامٌ إِلَى الْجُنَيْدِ: قَدْ وَجَّهْتُ إِلَيْكَ عَشَرَةَ آلَافٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَعَشَرَةَ آلَافٍ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَمِنَ السِّلَاحِ ثَلَاثِينَ أَلْفَ رُمْحٍ، وَمِثْلُهَا تِرَسَةٌ، فَافْرِضْ فَلَا غَايَةَ لَكَ فِي الْفَرِيضَةِ لِخَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا. فَلَمَّا سَمِعَ هِشَامٌ مُصَابَ سَوْرَةَ (قَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، مُصَابُ سَوْرَةَ) بِخُرَاسَانَ وَمُصَابُ الْجَرَّاحِ بِالْبَابِ.
وَأَبْلَى نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ يَوْمَئِذٍ بَلَاءً حَسَنًا. وَأَرْسَلَ الْجُنَيْدُ لَيْلَةً بِالشِّعْبِ رَجُلًا وَقَالَ [لَهُ] : تَسْمَعُ مَا يَقُولُ النَّاسُ وَكَيْفَ حَالُهُمْ. فَفَعَلَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ: رَأَيْتُهُمْ طَيِّبَةً أَنْفُسُهُمْ، يَتَنَاشَدُونَ الْأَشْعَارَ وَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ. فَسَرَّهُ ذَلِكَ.
قَالَ عُبَيْدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ النُّعْمَانِ: رَأَيْتُ فَسَاطِيطَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِسْطَامٍ وَأَصْحَابِهِ، فَقُتِلُوا فِي غَدٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: مَرَرْتُ فِي ذَلِكَ
стр. 2175
الْمَوْضِعِ بَعْدَ ذَلِكَ بِحِينٍ، فَشَمَمْتُ رَائِحَةَ الْمِسْكِ.
وَأَقَامَ الْجُنَيْدُ بِسَمَرْقَنْدَ، وَتَوَجَّهُ الْخَاقَانُ إِلَى بُخَارَى وَعَلَيْهَا قَطَنُ بْنُ قُتَيْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ، فَخَافَ الْجُنَيْدُ التُّرْكَ عَلَى قَطَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ، فَشَاوَرَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ قَوْمٌ: نَلْزَمُ سَمَرْقَنْدَ. وَقَالَ قَوْمٌ: نَسِيرُ مِنْهَا فَنَأْتِي رَبِنْجَنَ، ثُمَّ كَشَّ، ثُمَّ إِلَى نَسَفَ، فَنَتَّصِلُ مِنْهَا إِلَى أَرْضِ زُمَّ، وَنَقْطَعُ النَّهْرَ وَنَنْزِلُ آمُلَ فَنَأْخُذُ عَلَيْهِ بِالطَّرِيقِ.
فَاسْتَشَارَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى بَنِي سُلَيْمٍ، وَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالُوا، فَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُخَالِفَهُ فِيمَا يُشِيرُ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ ارْتِحَالٍ وَنُزُولٍ وَقِتَالٍ، قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنِّي أَطْلُبُ إِلَيْكَ خِصَالًا. قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: تَخَنْدَقْ حَيْثُمَا نَزَلْتَ، فَلَا يَفُوتَنَّكَ حَمْلُ الْمَاءِ، وَلَوْ كُنْتَ عَلَى شَاطِئِ نَهْرٍ، وَأَنْ تُطِيعَنِي فِي نُزُولِكَ وَارْتِحَالِكَ. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَمَّا مَا أَشَارُوا عَلَيْكَ فِي مُقَامِكَ بِسَمَرْقَنْدَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْغِيَاثُ، فَالْغِيَاثُ يُبْطِئُ عَنْكَ، وَأَمَّا مَا أَشَارُوا مِنْ طَرِيقِ كَشٍّ وَنَسَفَ، فَإِنَّكَ إِنْ سِرْتَ بِالنَّاسِ فِي غَيْرِ الطَّرِيقِ، فَتَتَّ فِي أَعْضَادِهِمْ، وَانْكَسَرُوا عَنْ عَدُوِّهِمْ، وَاجْتَرَأَ عَلَيْكَ خَاقَانُ، وَهُوَ الْيَوْمَ قَدِ اسْتَفْتَحَ بُخَارَى فَلَمْ يَفْتَحُوا لَهُ، فَإِنْ أَخَذْتَ غَيْرَ الطَّرِيقِ بَلَغَ أَهْلُ بُخَارَى مَا فَعَلْتَ فَيَسْتَسْلِمُوا لِعَدُوِّهِمْ، وَإِنْ أَخَذْتَ الطَّرِيقَ الْأَعْظَمَ هَابَكَ الْعَدُوُّ، وَالرَّأْيُ عِنْدِي أَنْ تَأْخُذَ عِيَالَ مَنْ قُتِلَ مَعَ سَوْرَةَ فَتُقَسِّمَهُمْ عَلَى عَشَائِرِهِمْ وَتَحْمِلَهُمْ مَعَكَ، فَإِنِّي أَرْجُو بِذَلِكَ أَنْ يَنْصُرَكَ اللَّهُ عَلَى عَدُوِّكَ، وَتُعْطِيَ كُلَّ رَجُلٍ تَخَلَّفَ بِسَمَرْقَنْدَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَفَرَسًا.
فَأَخَذَ بِرَأْيِهِ وَخَلَّفَ بِسَمَرْقَنْدَ عُثْمَانَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ فِي أَرْبَعِمِائَةِ فَارِسٍ وَأَرْبَعِمِائَةِ رَاجِلٍ. فَشَتَمَ النَّاسُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ وَقَالُوا: مَا أَرَادَ إِلَّا هَلَاكَنَا. فَخَرَجَ الْجُنَيْدُ وَحَمَلَ الْعِيَالَ مَعَهُ، وَسَرَّحَ الْأَشْحَبَ بْنَ عُبَيْدٍ الْحَنْظَلِيَّ وَمَعَهُ عَشَرَةٌ مِنَ الطَّلَائِعِ وَقَالَ: كُلَّمَا مَضَتْ مَرْحَلَةٌ تُسَرِّحُ إِلَيَّ رَجُلًا يُعْلِمُنِي الْخَبَرَ. وَسَارَ الْجُنَيْدُ فَأَسْرَعَ السَّيْرَ، فَقَالَ لَهُ عَطَاءٌ الدَّبُّوسِيُّ: انْظُرْ أَضْعَفَ شَيْخٍ فِي الْعَسْكَرِ فَسَلِّحْهُ سِلَاحًا تَامًّا بِسَيْفِهِ وَرُمْحِهِ وَتُرْسِهِ وَجَعْبَتِهِ، ثُمَّ سِرْ عَلَى قَدْرِ مَشْيِهِ، فَإِنَّا لَا نَقْدِرُ عَلَى سُرْعَةِ الْمَسِيرِ وَالْقِتَالِ وَنَحْنُ رَجَّالَةٌ. فَفَعَلَ الْجُنَيْدُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَعْرِضْ لِلنَّاسِ عَارِضٌ حَتَّى خَرَجُوا مِنَ الْأَمَاكِنِ الْمُخَوِّفَةِ، وَدَنَا مِنَ الطَّوَاوِيسِ، وَأَقْبَلَ إِلَيْهِ خَاقَانُ بِكَرْمِينِيَةَ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ وَاقْتَتَلُوا، فَأَتَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَ الْجُنَيْدُ: لَيْسَ هَذَا يَوْمَ ضَحِكٍ. قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَلْقَكَ هَؤُلَاءِ فِي جِبَالٍ مُعَطَّشَةٍ وَعَلَى ظُهْرٍ، إِنَّمَا أَتَوْكَ وَأَنْتَ مُخَنْدِقٌ آخِرَ النَّهَارِ كَالِّينِ وَأَنْتَ مَعَكَ الزَّادُ، فَقَاتَلُوا قَلِيلًا ثُمَّ رَجَعُوا. ثُمَّ قَالَ لِلْجُنَيْدِ: ارْتَحِلْ فَإِنَّ خَاقَانَ وَدَّ أَنَّكَ تُقِيمُ فَيَنْطَوِي عَلَيْكَ إِذَا شَاءَ.
стр. 2176
فَسَارَ وَعَبْدَ اللَّهِ عَلَى السَّاقَةِ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِالنُّزُولِ فَنَزَلَ، وَاسْتَقَى النَّاسُ وَبَاتُوا، فَلَمَّا أَصْبَحُوا ارْتَحَلُوا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِنِّي أَتَوَقَّعُ أَنَّ خَاقَانَ يَصْدِمُ السَّاقَةَ الْيَوْمَ فَشَدُّوهَا بِالرِّجَالِ، فَقَوَّاهُمُ الْجُنَيْدُ، وَجَاءَتِ التُّرْكُ فَمَالَتْ عَلَى السَّاقَةِ فَاقْتَتَلُوا، فَاشْتَدَّ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ وَقَتَلَ مُسْلِمُ بْنُ أَحْوَزَ عَظِيمًا مِنْ عُظَمَاءَ التُّرْكِ، فَتَطَيَّرُوا مِنْ ذَلِكَ وَانْصَرَفُوا مِنَ الطَّوَاوِيسِ. وَسَارَ الْمُسْلِمُونَ فَدَخَلُوا بُخَارَى يَوْمَ الْمِهْرَجَانِ، فَتَلَقَّوْهُمْ بِالدَّرَاهِمِ الْبُخَارِيَّةِ، فَأَعْطَاهُمْ عَشَرَةً عَشَرَةً.
قَالَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ خَالِدٍ: رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِي الْمَنَامِ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَقَالَ: حَدَّثَ النَّاسُ عَنِّي بِرَأْيِي يَوْمَ الشِّعْبِ.
وَكَانَ الْجُنَيْدُ يَذْكُرُ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَيَقُولُ: زُبْدَةٌ مِنَ الزُّبْدِ، صُنْبُورٌ مِنْ صُنْبُورٍ، قُلٌّ مَنْ قُلٍّ، هَيْفَةٌ مِنَ الْهِيفِ. وَالْهَيْفَةُ: الضَّبُعُ، وَالْقُلُّ: الْفَرْدُ، وَالصُّنْبُورُ: الَّذِي لَا أَخَ لَهُ، (وَقِيلَ الْمُلْصَقُ) .
وَقَدِمَتِ الْجُنُودُ مِنَ الْكُوفَةِ عَلَى الْجُنَيْدِ، فَسَرَّحَ مَعَهُمْ حَوْثَرَةَ بْنَ زَيْدٍ الْعَنْبَرِيَّ فِيمَنِ انْتَدَبَ مَعَهُ. وَقِيلَ: إِنَّ وَقْعَةَ الشِّعْبِ كَانَتْ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَقَالَ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ يَذْكُرُ يَوْمَ الشِّعْبِ:
إِنِّي نَشَأْتُ وَحُسَّادِي ذَوُو عَدَدٍ ... يَا ذَا الْمَعَارِجِ لَا تُنْقِصْ لَهُمْ عَدَدًا
إِنْ تَحْسُدُونِي عَلَى مِثْلِ الْبَلَاءِ لَكُمْ ... يَوْمًا فَمِثْلُ بَلَائِي جَرَّ لِي الْحَسَدَا
يَأْبَى الْإِلَهُ الَّذِي أَعْلَى بِقُدْرَتِهِ كَعْبِي ... عَلَيْكُمْ وَأَعْطَى فَوْقَكُمْ عَدَدًا
أَرْمِي الْعُدَاةَ بِأَفْرَاسٍ مُكَلَّمَةٍ ... حَتَّى اتَّخَذْنَ عَلَى حُسَّادِهِنَّ يَدَا
مَنْ ذَا الَّذِي مِنْكُمْ فِي الشِّعْبِ إِذْ وَرَدُوا ... لَمْ يَتَّخِذْ حَوْمَةَ الْأَثْقَالِ مُعْتَمَدًا
هَلَّا شَهِدْتُمْ دِفَاعِي عَنْ جُنَيْدِكُمُ ... وَقْعَ الْقَنَا وَشِهَابُ الْحَرْبِ قَدْ وُقِدَا
وَقَالَ ابْنُ عُرْسٍ يَمْدَحُ نَصْرًا:
стр. 2177
يَا نَصْرُ أَنْتَ فَتَى نِزَارٍ كُلِّهَا ... فَلَكَ الْمَآثِرُ وَالْفَعَالُ الْأَرْفَعُ
فَرَّجْتَ عَنْ كُلِّ الْقَبَائِلِ كُرْبَةً ... بِالشِّعْبِ حِينَ تَخَاضَعُوا وَتَضَعْضَعُوا
يَوْمَ الْجُنَيْدِ إِذِ الْقَنَا مُتَشَاجِرٌ ... وَالنَّحْرُ دَامٍ وَالْخَوَافِقُ تَلْمَعُ
مَا زِلْتَ تَرْمِيهِمْ بِنَفْسٍ حُرَّةٍ ... حَتَّى تَفَرَّجَ جَمْعُهُمْ وَتَصَدَّعُوا
فَالنَّاسُ كُلٌّ بَعْدَهَا عُتَقَاؤُكُمْ ... وَلَكَ الْمَكَارِمُ وَالْمَعَالِي أَجْمَعُ
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ الصَّائِفَةَ، فَافْتَتَحَ خَرْشَنَةَ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ، وَقِيلَ: سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ.
(وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ أَهْلُ الْأَنْدَلُسِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بَعْدَ مَوْتِ الْهَيْثَمِ أَمِيرَهُمْ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأَشْجَعِيَّ، فَبَقِيَ شَهْرَيْنِ، وَوَلِيَ بَعْدَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْغَافِقِيُّ) .
وَكَانَ عُمَّالُ الْأَمْصَارِ هَذِهِ السَّنَةَ مَنْ ذَكَرْنَاهُمْ فِي السَّنَةِ قَبْلَهَا.
стр. 2178
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا مَاتَ رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ بِقُسِّينَ، (حَيْوَةُ: بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَةِ، وَسُكُونِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ) .
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مَكْحُولٌ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّامِيُّ الْفَقِيهُ.
وَعَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ وَائِلِ بْنِ حَجَرٍ الْحَضْرَمِيُّ، وَمَاتَ أَبُوهُ وَأُمُّهُ حَامِلٌ بِهِ، فَكُلُّ مَا يَرْوُونَهُ عَنْ أَبِيهِ فَهُوَ مُنْقَطِعٌ.
стр. 2179
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَمِائَة]
١١٣ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ
ذِكْرُ قَتْلِ عَبْدِ الْوَهَّابِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ بُخْتٍ، وَكَانَ قَدْ غَزَا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ الْبَطَّالِ أَرْضَ الرُّومِ، فَانْهَزَمَ النَّاسُ عَنِ الْبَطَّالِ، فَحَمَلَ عَبْدُ الْوَهَّابِ وَهُوَ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ فَرَسًا أَجْبَنَ مِنْكَ، سَفَكَ اللَّهُ دَمِي إِنْ لَمْ أَسْفِكْ دَمَكَ! (ثُمَّ أَلْقَى بَيْضَتَهُ عَنْ رَأْسِهِ وَصَاحَ: أَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ بُخْتٍ! أَمِنَ الْجَنَّةِ تَفِرُّونَ؟) ثُمَّ تَقَدَّمَ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ، فَمَرَّ بِرَجُلٍ يَقُولُ: وَاعَطَشَاهُ! فَقَالَ: تَقَدَّمْ، الرِّيُّ أَمَامَكَ. فَخَالَطَ الْقَوْمَ فَقُتِلَ وَقُتِلَ فَرَسُهُ.
ذِكْرُ غَزْوَةِ مَسْلَمَةَ وَعَوْدِهِ
وَفِيهَا فَرَّقَ مَسْلَمَةُ الْجُيُوشَ بِبِلَادِ خَاقَانَ، فَفُتِحَتْ مَدَائِنُ وَحُصُونٌ عَلَى يَدَيْهِ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ وَأَسَرَ وَسَبَى وَأَحْرَقَ، وَدَانَ لَهُ مَنْ وَرَاءَ جِبَالِ بَلَنْجَرَ، وَقُتِلَ ابْنُ خَاقَانَ، فَاجْتَمَعَتْ تِلْكَ الْأُمَمُ جَمِيعُهَا، الْخَزَرُ وَغَيْرُهُمْ عَلَيْهِ فِي جَمْعٍ لَا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ جَازَ مَسْلَمَةُ بَلَنْجَرَ فَلَمَّا بَلَغَهُ خَبَرُهُمْ أَمَرَ أَصْحَابَهُ، فَأَوْقَدُوا النِّيرَانَ ثُمَّ تَرَكَ خِيَامَهُمْ وَأَثْقَالَهُمْ وَعَادَ هُوَ وَعَسْكَرُهُ جَرِيدَةَ، وَقَدَّمَ الضُّعَفَاءَ وَأَخَّرَ الشُّجْعَانَ، وَطَوَوُا الْمَرَاحِلَ كُلَّ مَرْحَلَتَيْنِ فِي مَرْحَلَةٍ حَتَّى وَصَلَ إِلَى الْبَابِ وَالْأَبْوَابِ فِي آخِرِ رَمَقٍ.
ذِكْرُ قَتْلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَمِيرِ الْأَنْدَلُسِ وَوِلَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ قَطَنٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَهِيَ سَنَةُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ، غَزَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْغَافِقِيُّ أَمِيرَ الْأَنْدَلُسِ مِنْ قِبَلِ عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، وَكَانَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَدْ
стр. 2180
اسْتَعْمَلَ عُبَيْدَةَ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ (وَالْأَنْدَلُسِ سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَةٍ، فَلَمَّا قَدِمَ إِفْرِيقِيَّةَ رَأَى) الْمُسْتَنِيرَ بْنَ الْحَارِثِ الْحُرَيْثِيَّ غَازِيًا بِصِقِلِّيَّةَ، وَأَقَامَ هُنَاكَ حَتَّى هَجَمَ عَلَيْهِ الشِّتَاءُ ثُمَّ قَفَلَ رَاجِعًا، فَغَرِقَ مَنْ مَعَهُ وَسَلِمَ الْمُسْتَنِيرُ فِي مَرْكَبِهِ، فَحَبَسَهُ عُبَيْدَةُ عُقُوبَةً لَهُ وَجَلَدَهُ وَشَهَّرَهُ بِالْقَيْرَوَانِ.
ثُمَّ إِنَّ عُبَيْدَةَ اسْتَعْمَلَ عَلَى الْأَنْدَلُسِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، فَغَزَا إِفْرِنْجَةَ وَأَوْغَلَ فِي أَرْضِهِمْ وَغَنِمَ غَنَائِمَ كَثِيرَةً، وَكَانَ فِيمَا أَصَابَ رِجْلٌ مِنْ ذَهَبٍ مُفَصَّصَةٌ بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ وَالزُّمُرُّدِ، فَكَسَرَهَا وَقَسَّمَهَا فِي النَّاسِ. فَبَلَغَ ذَلِكَ عُبَيْدَةُ، فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا، فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَتَهَدَّدُهُ، فَأَجَابَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَوْ كَانَتْ رَتْقًا لَجَعَلَ اللَّهُ لِلْمُتَّقِينَ مِنْهَا مَخْرَجًا. ثُمَّ خَرَجَ غَازِيًا (بِبِلَادِ الْفِرِنْجِ هَذِهِ السَّنَةَ، وَقِيلَ: سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ) ، فَقُتِلَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ شُهَدَاءَ.
ثُمَّ إِنَّ عُبَيْدَةَ سَارَ مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ إِلَى الشَّامِ وَمَعَهُ مِنَ الْهَدَايَا وَالْإِمَاءِ وَالْعَبِيدِ وَالدَّوَابِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ شَيْءٌ كَثِيرٌ، وَاسْتَعْفَى هِشَامًا، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ وَعَزَلَهُ، وَكَانَ قَدِ اسْتَعْمَلَ عَلَى الْأَنْدَلُسِ بَعْدَ قَتْلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ قَطَنٍ.
ثُمَّ إِنَّ هِشَامًا اسْتَعْمَلَ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ بَعْدَ عُبَيْدَةَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَبْحَابِ، وَكَانَ عَلَى مِصْرَ، فَسَارَ عُبَيْدُ اللَّهِ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ فَأَخْرَجَ الْمُسْتَنِيرَ مِنَ الْحَبْسِ وَوَلَّاهُ تُونُسَ.
ثُمَّ إِنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ جَهَّزَ جَيْشًا مَعَ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عُبَيْدَةَ وَسَيَّرَهُمْ إِلَى أَرْضِ السُّودَانِ، فَظَفِرَ بِهِمْ ظَفَرًا لَمْ يَظْفَرْ أَحَدٌ مِثْلَهُ وَأَصَابَ مَا شَاءَ، ثُمَّ غَزَا الْبَحْرَ ثُمَّ انْصَرَفَ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
[الْوَفَيَاتُ]
فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ. وَمُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ بْنِ إِيَاسٍ الْمُزَنِيُّ، وَالِدُ إِيَاسٍ قَاضِي الْبَصْرَةِ الَّذِي يُضْرَبُ بِذَكَائِهِ الْمَثَلُ.
стр. 2181
وَفِيهَا تُوُفِّيَ حَرَامُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مُحَيِّصَةَ أَبُو سَعِيدٍ، وَعُمْرُهُ سَبْعُونَ سَنَةً، (حَرَامٌ: بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَبِالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ. وَمُحَيِّصَةَ: بِضَمِّ الْمِيمِ، وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ، وَبِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ) .
وَفِيهَا تُوُفِّيَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ الْإِيَامِيُّ. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيُّ. وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، وَيُكَنَّى أَبَا جَعْفَرٍ، وَعُمْرُهُ سَبْعٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً.
وَوَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ الصَّنْعَانِيُّ، وَكَانَ أَصْغَرَ مِنْ أَخِيهِ هَمَّامٍ، وَكَانُوا خَمْسَةَ إِخْوَةٍ: هَمَّامٌ وَوَهْبٌ وَغَيْلَانُ وَعَقِيلٌ وَمَعْقِلٌ، وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَةٍ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْحُرُّ بْنُ يُوسُفَ أَمِيرُ الْمَوْصِلِ وَدُفِنَ بِمَقَابِرِ قُرَيْشٍ بِالْمَوْصِلِ، وَكَانَتْ بِإِزَاءِ دَارِهِ الْمَعْرُوفَةِ بِالْمَنْقُوشَةِ، فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَاسْتَعْمَلَ هِشَامٌ مَكَانَهُ الْوَلِيدَ بْنَ تَلِيدٍ الْعَبْسِيَّ، وَأَمَرَهُ بِالْجِدِّ فِي إِتْمَامِ حَفْرِ النَّهْرِ فِي الْبَلَدِ، فَشَرَعَ فِيهِ وَاهْتَمَّ بِعَمَلِهِ.
وَفِيهَا غَزَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ أَرْضَ الرُّومِ، فَرَابَطَ مِنْ نَاحِيَةِ مَرْعَشٍ ثُمَّ رَجَعَ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ جَمَاعَةٌ مِنْ دُعَاةِ بَنِي الْعَبَّاسِ إِلَى خُرَاسَانَ، فَأَخَذَ الْجُنَيْدُ رَجُلًا
стр. 2182
مِنْهُمْ فَقَتَلَهُ وَقَالَ: مَنْ أَصَبْتُ مِنْهُمْ فَدَمُهُ هَدَرٌ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَقِيلَ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَخْزُومِيُّ، وَكَانَ الْعُمَّالُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ.
стр. 2183
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَمِائَة]
١١٤ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ
ذِكْرُ وِلَايَةِ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ إِرْمِينِيَّةَ وَأَذْرَبِيجَانَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَعْمَلَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ مَرْوَانَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ وَهُوَ ابْنُ عَمِّهِ، عَلَى الْجَزِيرَةِ وَأَذْرَبِيجَانَ وَإِرْمِينِيَّةَ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ فِي عَسْكَرِ مَسْلَمَةَ بِإِرْمِينِيَّةَ حِينَ غَزَا الْخَزَرُ، فَلَمَّا عَادَ مَسْلَمَةُ سَارَ مَرْوَانُ إِلَى هِشَامٍ، فَلَمْ يَشْعُرْ بِهِ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ، فَسَأَلَهُ عَنْ سَبَبِ قُدُومِهِ فَقَالَ: ضِقْتُ ذَرْعًا بِمَا أَذْكُرُهُ، وَلَمْ أَرَ مَنْ يَحْمِلُهُ غَيْرِي! قَالَ: وَمَا هُوَ: قَالَ مَرْوَانُ: قَدْ كَانَ مِنْ دُخُولِ الْخَزَرِ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَقَتْلِ الْجَرَّاحِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَا دَخَلَ بِهِ الْوَهْنُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ رَأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُوَجِّهَ أَخَاهُ مَسْلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَيْهِمْ، فَوَاللَّهِ مَا وَطِئَ مِنْ بِلَادِهِمْ إِلَّا أَدْنَاهَا، ثُمَّ إِنَّهُ لَمَّا رَأَى كَثْرَةَ جَمْعِهِ أَعْجَبَهُ ذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَى الْخَزَرِ يُؤْذِنُهُمْ بِالْحَرْبِ، وَأَقَامَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، فَاسْتَعَدَّ الْقَوْمُ وَحَشَدُوا، فَلَمَّا دَخَلَ بِلَادَهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِمْ نِكَايَةٌ، وَكَانَ قُصَارَاهُ السَّلَامَةُ، وَقَدْ أَرَدْتُ أَنْ تَأْذَنَ لِي فِي غَزْوَةٍ أُذْهِبُ بِهَا عَنَّا الْعَارَ، وَأَنْتَقِمُ مِنَ الْعَدُوِّ. قَالَ: قَدْ أَذِنْتُ لَكَ. قَالَ: وَتُمِدُّنِي بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ؟ قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ. قَالَ: وَتَكْتُمُ هَذَا الْأَمْرَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ؟ قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، وَقَدِ اسْتَعْمَلْتُكَ عَلَى إِرْمِينِيَّةَ. فَوَدَّعَهُ وَسَارَ إِلَى إِرْمِينِيَّةَ وَالِيًا عَلَيْهَا، وَسَيَّرَ هِشَامٌ الْجُنُودَ مِنَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَالْجَزِيرَةِ، فَاجْتَمَعَ عِنْدَهُ مِنَ الْجُنُودِ وَالْمُتَطَوِّعَةِ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا، فَأَظْهَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ غَزْوَ اللَّانِ وَقَصَدَ بِلَادَهُمْ، وَأَرْسَلَ إِلَى مَلِكِ الْخَزَرِ يَطْلُبُ مِنْهُ الْمُهَادَنَةَ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَنْ يُقَرِّرُ الصُّلْحَ، فَأَمْسَكَ الرَّسُولَ عِنْدَهُ إِلَى أَنْ فَرَغَ مِنْ جَهَازِهِ وَمَا يُرِيدُ، ثُمَّ أَغْلَظَ لَهُمُ الْقَوْلَ وَآذَنَهُمْ بِالْحَرْبِ، وَسَيَّرَ الرَّسُولَ إِلَى صَاحِبِهِ بِذَلِكَ، وَوَكَّلَ بِهِ مَنْ يُسَيِّرُهُ عَلَى طَرِيقٍ فِيهِ بُعْدٌ، وَسَارَ هُوَ فِي أَقْرَبِ الطُّرُقِ، فَمَا وَصَلَ الرَّسُولُ إِلَى صَاحِبِهِ إِلَّا وَمَرْوَانُ قَدْ وَافَاهُمْ، فَأَعْلَمَ صَاحِبَهُ الْخَبَرَ وَأَخْبَرَهُ بِمَا جَمَعَ لَهُ مَرْوَانُ وَحَشَدَ وَاسْتَعَدَّ. فَاسْتَشَارَ
стр. 2184
مَلِكُ الْخَزَرِ أَصْحَابَهُ، فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا قَدِ اغْتَرَّكَ وَدَخَلَ بِلَادَكَ، فَإِنْ أَقَمْتَ إِلَى أَنْ تَجْمَعَ لَمْ يَجْتَمِعْ عِنْدَكَ إِلَى مُدَّةٍ فَيَبْلُغُ مِنْكَ مَا يُرِيدُ، وَإِنْ أَنْتَ لَقِيتَهُ عَلَى حَالِكَ هَذِهِ هَزَمَكَ وَظَفِرَ بِكَ، وَالرَّأْيُ أَنْ تَتَأَخَّرَ إِلَى أَقْصَى بِلَادِكَ وَتَدَعَهُ وَمَا يُرِيدُ. فَقَبِلَ رَأْيَهُمْ وَسَارَ حَيْثُ أَمَرُوهُ.
وَدَخَلَ مَرْوَانُ الْبِلَادَ وَأَوْغَلَ فِيهَا وَأَخْرَبَهَا وَغَنِمَ وَسَبَى وَانْتَهَى إِلَى آخِرِهَا، وَأَقَامَ فِيهَا عِدَّةَ أَيَّامٍ حَتَّى أَذَلَّهُمْ وَانْتَقَمَ مِنْهُمْ، وَدَخَلَ بِلَادَ مَلِكِ السَّرِيرِ فَأَوْقَعَ بِأَهْلِهِ، وَفَتَحَ قِلَاعًا، وَدَانَ لَهُ الْمَلِكُ وَصَالَحَهُ عَلَى أَلْفِ رَأْسٍ وَخَمْسِمِائَةِ غُلَامٍ وَخَمْسِمِائَةِ جَارِيَةٍ سُودِ الشُّعُورِ وَمِائَةِ أَلْفِ مُدْيٍ تُحْمَلُ إِلَى الْبَابِ، وَصَالَحَ مَرْوَانُ أَهْلَ تُومَانَ عَلَى مِائَةِ رَأْسٍ نِصْفَيْنِ، وَعِشْرِينَ أَلْفَ مُدْيٍ، ثُمَّ دَخَلَ أَرْضَ زِرِيكِرَانَ، فَصَالَحَهُ مَلِكُهَا، ثُمَّ أَتَى إِلَى أَرْضِ حَمْزِينَ، فَأَبَى حَمْزِينُ أَنْ يُصَالِحَهُ، فَحَصَرَهُمْ فَافْتَتَحَ حِصْنَهُمْ، ثُمَّ أَتَى سُغْدَانَ فَافْتَتَحَهَا صُلْحًا، وَوَظَّفَ عَلَى طَيْرِ شَانْشَاهَ عَشَرَةَ آلَافِ مُدْيٍ كُلَّ سَنَةٍ تُحْمَلُ إِلَى الْبَابِ، ثُمَّ نَزَلَ عَلَى قَلْعَةِ صَاحِبِ اللَّكْزِ، وَقَدِ امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ الْوَظِيفَةِ، فَخَرَجَ مَلِكُ اللَّكْزِ يُرِيدُ مَلِكُ الْخَزَرِ، فَقَتَلَهُ رَاعٍ بِسَهْمٍ وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ، فَصَالَحَ أَهْلُ اللَّكْزِ مَرْوَانَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَامِلًا، وَسَارَ إِلَى قَلْعَةِ شَرْوَانَ، وَهِيَ عَلَى الْبَحْرِ، فَأَذْعَنَ بِالطَّاعَةِ، وَسَارَ إِلَى الدُّودَانِيَّةِ فَأَوْقَعَ بِهِمْ ثُمَّ عَادَ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
(فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ الصَّائِفَةَ الْيُسْرَى، فَأَصَابَ رَبَضَ أَقْرَنَ، وَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ الْبَطَّالَ الْتَقَى هُوَ وَقُسْطَنْطِينُ فِي جَمْعٍ، فَهَزَمَهُمُ الْبَطَّالُ وَأَسَرَ قُسْطَنْطِينَ.
وَفِيهَا غَزَا سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامٍ الصَّائِفَةَ الْيُمْنَى، فَبَلَغَ قَيْسَارِيَّةَ) .
стр. 2185
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ إِبْرَاهِيمَ بْنَ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيَّ عَنِ الْمَدِينَةِ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا خَالِدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْحَكَمِ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَكَانَتْ إِمْرَةُ إِبْرَاهِيمَ عَلَى الْمَدِينَةِ ثَمَانِيَ سِنِينَ، وَعَزَلَ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمَا مُحَمَّدَ بْنَ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيَّ، وَقِيلَ: بَلْ وَلَّى مُحَمَّدًا سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، فَلَمَّا عَزَلَ إِبْرَاهِيمَ أَقَرَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهَا.
وَفِيهَا وَقَعَ الطَّاعُونُ بِوَاسِطٍ.
وَفِيهَا أَقْبَلَ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بَعْدَمَا هَزَمَ خَاقَانَ، وَأَحْكَمَ مَا هُنَاكَ وَبَنَى الْبَابَ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْحَارِثِ، وَقِيلَ مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامٍ. وَكَانَ الْعُمَّالُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ فِي السَّنَةِ قَبْلَهَا، غَيْرَ أَنَّ الْمَدِينَةَ كَانَ عَامِلُهَا خَالِدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَعَامِلُ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ مُحَمَّدَ بْنَ هِشَامٍ، وَعَامِلُ إِرْمِينِيَّةَ وَأَذْرَبِيجَانَ مَرْوَانَ بْنَ مُحَمَّدٍ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا مَاتَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَقِيلَ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَعُمْرُهُ ثَمَانٍ وَثَمَانُونَ سَنَةً وَقِيلَ مِائَةُ سَنَةٍ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الْبَاقِرُ، وَقِيلَ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَكَانَ عُمْرُهُ ثَلَاثًا وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَقِيلَ ثَمَانِيًا وَخَمْسِينَ سَنَةً.
стр. 2186
وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ بْنِ النَّهَّاسِ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَهُوَ مَوْلَى امْرَأَةٍ مِنْ كِنْدَةَ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ خَمْسِينَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ الْأَسْلَمِيُّ قَاضِي مَرْوَ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ لِثَلَاثِ سِنِينَ مَضَتْ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.
(عُتَيْبَةُ: بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ التَّاءِ فَوْقَهَا نُقْطَتَانِ، وَبَعْدَهَا يَاءٌ مُثَنَّاةٌ مِنْ تَحْتِهَا، وَآخِرُهُ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ. وَبُرَيْدَةُ: بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَفَتْحِ الرَّاءِ. وَالْحُصَيْبُ: بِضَمِّ الْحَاءِ وَفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَآخِرُهُ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ) .
стр. 2187
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ وَمِائَة]
١١٥ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ أَرْضَ الرُّومِ. وَفِيهَا وَقَعَ الطَّاعُونُ بِالشَّامِ. وَفِيهَا وَقَعَ بِخُرَاسَانَ قَحْطٌ شَدِيدٌ، فَكَتَبَ الْجُنَيْدُ إِلَى الْكُوَرِ بِحَمْلِ الطَّعَامِ إِلَى مَرْوَ، فَأَعْطَى الْجُنَيْدُ رَجُلًا دِرْهَمًا فَاشْتَرَى بِهِ رَغِيفًا، فَقَالَ لَهُمْ أَتَشْكُونَ الْجُوعَ وَرَغِيفٌ بِدِرْهَمٍ؟ لَقَدْ رَأَيْتُنِي بِالْهِنْدِ وَإِنَّ الْحَبَّةَ مِنَ الْحُبُوبِ لَتُبَاعُ عَدَدًا بِدِرْهَمٍ.
قَالَ: وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ.
وَكَانَ الْأَمِيرُ بِخُرَاسَانَ الْجُنَيْدُ، وَقِيلَ: بَلْ كَانَ قَدْ مَاتَ الْجُنَيْدُ وَاسْتَخْلَفَ عُمَارَةَ بْنَ حُرَيْمٍ الْمُرِّيَّ، وَقِيلَ: بَلْ كَانَ مَوْتُ الْجُنَيْدِ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ.
(وَفِيهَا غَزَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ قَطَنٍ عَامِلُ الْأَنْدَلُسِ أَرْضَ الْبَشْكَنْسِ وَعَادَ سَالِمًا) .
стр. 2188
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتَّةَ عَشْرَةَ وَمِائَة]
١١٦ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتَّةَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَرْضَ الرُّومِ الصَّائِفَةَ. وَفِيهَا كَانَ طَاعُونٌ شَدِيدٌ بِالْعِرَاقِ وَالشَّامِ، وَكَانَ أَشَدَّ بِوَاسِطٍ.
ذِكْرُ عَزْلِ الْجُنَيْدِ وَوَفَاتِهِ وَوِلَايَةِ عَاصِمٍ خُرَاسَانَ
وَفِيهَا عَزَلَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْجُنَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُرِّيَّ عَنْ خُرَاسَانَ، (وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عَاصِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْهِلَالِيَّ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْجُنَيْدَ تَزَوَّجَ الْفَاضِلَةَ بِنْتَ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ، فَغَضِبَ هِشَامٌ فَوَلَّى عَاصِمًا خُرَاسَانَ) ، وَكَانَ الْجُنَيْدُ قَدْ سُقِيَ بَطْنُهُ، فَقَالَ هِشَامٌ لِعَاصِمٍ: إِنْ أَدْرَكْتَهُ وَبِهِ رَمَقٌ فَأَزْهِقْ نَفْسَهُ. فَقَدِمَ عَاصِمٌ وَقَدْ مَاتَ الْجُنَيْدُ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ، فَأَخَذَ عُمَارَةَ بْنَ حُرَيْمٍ، وَكَانَ الْجُنَيْدُ قَدِ اسْتَخْلَفَهُ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّهِ، فَعَذَّبَهُ عَاصِمٌ وَعَذَّبَ عُمَّالَ الْجُنَيْدِ.
وَعُمَارَةُ هَذَا جَدُّ أَبِي الْهَيْذَامِ صَاحِبِ الْعَصَبِيَّةِ بِالشَّامِ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَكَانَ مَوْتُ الْجُنَيْدِ بِمَرْوَ، وَكَانَ مِنَ الْأَجْوَادِ الْمَمْدُوحِينَ غَيْرَ مَحْمُودٍ فِي حُرُوبِهِ.
ذِكْرُ خَلْعِ الْحَارِثِ بْنِ سُرَيْجٍ بِخُرَاسَانَ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خُلِعَ الْحَارِثُ بْنُ سُرَيْجٍ، وَأَقْبَلَ إِلَى الْفَارِيَابِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عَاصِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رُسُلًا فِيهِمْ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ النَّبَطِيُّ وَحَطَّابُ بْنُ مُحْرِزٍ السُّلَمِيُّ فَقَالَا لِمَنْ مَعَهُمَا: لَا نَلْقَى الْحَارِثَ إِلَّا بِأَمَانٍ. فَأَبَى الْقَوْمُ عَلَيْهِمَا، فَأَخَذَهُمُ الْحَارِثُ وَحَبَسَهُمْ
стр. 2189
وَوَكَّلَ بِهِمْ رَجُلًا، فَأَوْثَقُوهُ وَخَرَجُوا مِنَ السِّجْنِ فَرَكِبُوا وَعَادُوا إِلَى عَاصِمٍ، فَأَمَرَهُمْ، فَخَطَبُوا وَذَمُّوا الْحَارِثَ وَذَكَرُوا خُبْثَ سِيرَتِهِ (وَغَدْرَهُ. وَكَانَ الْحَارِثُ قَدْ لَبِسَ السَّوَادَ وَدَعَا إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ وَالْبَيْعَةِ لِلرِّضَا، فَسَارَ مِنَ الْفَارِيَابِ) فَأَتَى بَلْخًا وَعَلَيْهَا نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ [وَ] التُّجِيبِيُّ [ابْنُ ضُبَيْعَةَ الْمُرِّيُّ] ، فَلَقِيَا الْحَارِثَ (فِي عَشَرَةِ آلَافٍ وَالْحَارِثُ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ فَقَاتَلَهُمَا وَمَنْ مَعَهُمَا، فَانْهَزَمَ أَهْلُ بَلْخٍ وَتَبِعَهُمُ الْحَارِثُ) ، فَدَخَلَ مَدِينَةَ بَلْخٍ، وَخَرَجَ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ مِنْهَا، وَأَمَرَ الْحَارِثَ بِالْكَفِّ عَنْهُمْ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا رَجُلًا مِنْ وَلَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ، وَسَارَ إِلَى الْجُوزَجَانِ فَغُلِبَ عَلَيْهَا وَعَلَى الطَّالَقَانِ وَمَرْوِ الرُّوذِ.
فَلَمَّا كَانَ بِالْجُوزَجَانِ اسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ فِي أَيِّ بَلَدٍ يَقْصِدُ، فَقِيلَ لَهُ: مَرْوُ بَيْضَةُ خُرَاسَانَ وَفُرْسَانُهُمْ كَثِيرٌ، وَلَوْ لَمْ يَلْقَوْكَ إِلَّا بِعَبِيدِهِمْ لَانْتَصَفُوا مِنْكَ، فَأَقِمْ فَإِنْ أَتَوْكَ قَاتَلْتَهُمْ، وَإِنْ أَقَامُوا قَطَعْتَ الْمَادَّةَ عَنْهُمْ. قَالَ: لَا أَرَى ذَلِكَ، وَسَارَ إِلَى مَرْوَ (فَقَالَ لِأَهْلِ الرَّأْيِ مِنْ مَرْوَ: إِنْ أَتَى نَيْسَابُورَ فَرَّقَ جَمَاعَتَنَا، وَإِنْ أَتَانَا نُكِبَ.
وَبَلَغَ عَاصِمًا أَنَّ أَهْلَ مَرْوَ يُكَاتِبُونَ الْحَارِثَ فَقَالَ: يَا أَهْلَ مَرْوَ قَدْ كَاتَبْتُمُ الْحَارِثَ، لَا يَقْصِدُ الْمَدِينَةَ إِلَّا تَرَكْتُمُوهَا لَهُ، وَإِنِّي لَاحِقٌ بِنَيْسَابُورَ، وَأُكَاتِبُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى يُمِدَّنِي بِعَشَرَةِ آلَافٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ. فَقَالَ لَهُ الْمُجَشِّرُ بْنُ مُزَاحِمٍ: إِنْ أَعْطَوْكَ بَيْعَتَهُمْ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ عَلَى الْقِتَالِ مَعَكَ وَالْمُنَاصَحَةِ لَكَ (فَلَا تُفَارِقْهُمْ) .
وَأَقْبَلَ الْحَارِثُ إِلَى مَرْوَ يُقَالُ: فِي سِتِّينَ أَلْفًا وَمَعَهُ فُرْسَانُ الْأَزْدِ وَتَمِيمٍ، وَمِنْهُمْ: مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَحَمَّادُ بْنُ عَامِرٍ الْحِمَّانِيُّ، وَدَاوُدُ الْأَعْسَرُ، وَبِشْرُ بْنُ أُنَيْفٍ الرِّيَاحِيُّ، وَعَطَاءٌ الدَّبُّوسِيُّ، وَمِنَ الدَّهَاقِينِ: دِهْقَانُ الْجُوزَجَانِ وَدِهْقَانُ الْفَارِيَابِ وَمَلِكُ الطَّالَقَانِ وَدِهْقَانُ مَرْوِ الرُّوذِ فِي أَشْبَاهِهِمْ، وَخَرَجَ عَاصِمٌ فِي أَهْلِ مَرْوَ وَغَيْرِهِمْ فَعَسْكَرَ، وَقَطَعَ عَاصِمٌ الْقَنَاطِرَ، وَأَقْبَلَ أَصْحَابُ الْحَارِثِ فَأَصْلَحُوا الْقَنَاطِرَ، فَمَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْفَرَاهِيذِيُّ الْأَزْدِيُّ إِلَى عَاصِمٍ فِي أَلْفَيْنِ فَأَتَى الْأَزْدَ، وَمَالَ حَمَّادُ بْنُ عَامِرٍ الْحِمَّانِيُّ إِلَى عَاصِمٍ فَأَتَى بَنِي تَمِيمٍ، وَالْتَقَى الْحَارِثُ وَعَاصِمٌ، وَعَلَى مَيْمَنَةِ الْحَارِثِ وَابِضُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زُرَارَةَ التَّغْلِبِيُّ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ الْحَارِثِ فَغَرِقَ مِنْهُمْ
стр. 2190
بَشَرٌ كَثِيرٌ فِي أَنْهَارِ مَرْوَ وَفِي النَّهْرِ الْأَعْظَمِ، وَمَضَتِ الدَّهَاقِينُ إِلَى بِلَادِهِمْ، وَغَرِقَ خَازِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ، وَكَانَ مَعَ الْحَارِثِ، وَقُتِلَ أَصْحَابُ الْحَارِثِ قَتْلًا ذَرِيعًا، وَقَطَعَ الْحَارِثُ وَادِي مَرْوَ، فَضَرَبَ رِوَاقًا عِنْدَ مَنَازِلِ الرُّهْبَانِ، وَكَفَّ عَنْهُ عَاصِمٌ، وَاجْتَمَعَ إِلَى الْحَارِثِ زُهَاءَ ثَلَاثَةِ آلَافٍ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
وَفِيهَا عَزَلَ هِشَامٌ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَبْحَابِ الْمَوْصِلِيَّ عَنْ وِلَايَةِ مِصْرَ، وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ، فَسَارَ إِلَيْهَا.
وَفِيهَا سَيَّرَ ابْنُ الْحَبْحَابِ جَيْشًا إِلَى صِقِلِّيَّةَ، فَلَقِيَهُمْ مَرَاكِبُ الرُّومِ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَتِ الرُّومُ، وَكَانُوا قَدْ أَسَرُوا جَمَاعَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ، مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ، فَبَقِيَ أَسِيرًا إِلَى سَنَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ.
وَفِيهَا سَيَّرَ ابْنُ الْحَبْحَابِ أَيْضًا جَيْشًا إِلَى السُّوسِ وَأَرْضِ السُّودَانِ، فَغَنِمُوا وَظَفِرُوا وَعَادُوا. وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَبْحَابِ عَطِيَّةَ بْنَ الْحَجَّاجِ الْقَيْسِيَّ عَلَى الْأَنْدَلُسِ، فَسَارَ إِلَيْهَا وَوَلِيَهَا فِي شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَعَزَلَ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ قَطَنٍ، وَكَانَ لَهُ كُلَّ سَنَةٍ غَزَاةٌ، وَهُوَ [الَّذِي] افْتَتَحَ جِلِّيقِيَّةَ وَالْبَتَّةَ وَغَيْرَهُمَا. وَقِيلَ: بَلْ وَلِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَبْحَابِ إِفْرِيقِيَّةَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ، وَسَتَرِدُ أَخْبَارُهُ هُنَاكَ، وَهَذَا أَصَحُّ) .
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَكَانَ وَلِيَّ عَهْدٍ.
وَكَانَ الْعُمَّالُ عَلَى الْأَمْصَارِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ إِلَّا خُرَاسَانَ، فَكَانَ عَامِلَهَا عَاصِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
стр. 2191
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ وَمِائَة]
١١٧ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ الصَّائِفَةَ الْيُسْرَى، وَغَزَا سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامٍ الصَّائِفَةَ الْيُمْنَى مِنْ نَحْوِ الْجَزِيرَةِ، وَفَرَّقَ سَرَايَاهُ فِي أَرْضِ الرُّومِ. وَفِيهَا بَعَثَ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ عَلَى إِرْمِينِيَّةَ، بَعْثَيْنِ، وَافْتَتَحَ أَحَدُهُمَا حُصُونًا ثَلَاثَةً مِنَ اللَّانِ، وَنَزَلَ الْآخَرُ عَلَى تُومَانْشَاهْ، فَنَزَلَ أَهْلُهَا عَلَى الصُّلْحِ.
ذِكْرُ عَزْلِ عَاصِمٍ عَنْ خُرَاسَانَ وَوِلَايَةِ أَسَدٍ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ عَاصِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ خُرَاسَانَ، وَوَلَّاهَا خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيَّ، فَاسْتَخْلَفَ خَالِدٌ عَلَيْهَا أَخَاهُ أَسَدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ عَاصِمًا كَتَبَ إِلَى هِشَامٍ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الرَّائِدَ لَا يَكْذِبُ أَهْلَهُ، وَإِنَّ خُرَاسَانَ لَا تَصِحُّ إِلَّا [أَنْ] تُضَمَّ إِلَى [صَاحِبِ] الْعِرَاقِ، فَتَكُونَ مَوَادُّهَا وَمَعُونَتُهَا مِنْ قَرِيبٍ لِتَبَاعُدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ [عَنْهَا] وَتَبَاطُؤِ غِيَاثِهِ. فَضَمَّ هِشَامٌ خُرَاسَانَ إِلَى خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيِّ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ: ابْعَثْ أَخَاكَ يُصْلِحْ مَا أَفْسَدَ، فَإِنْ كَانَ رَجِيَّةً كَانَتْ بِهِ. فَسَيَّرَ خَالِدٌ إِلَيْهَا أَخَاهُ أَسَدًا.
فَلَمَّا بَلَغَ عَاصِمًا إِقْبَالُ أَسَدٍ، وَأَنَّهُ قَدْ سَيَّرَ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ مُحَمَّدَ بْنَ مَالِكٍ الْهَمْدَانِيَّ صَالَحَ الْحَارِثَ بْنَ سُرَيْجٍ، وَكَتَبَا بَيْنَهُمَا كِتَابًا عَلَى أَنْ يَنْزِلَ الْحَارِثُ أَيَّ كُوَرِ خُرَاسَانَ شَاءَ، وَأَنْ يَكْتُبَا جَمِيعًا إِلَى هِشَامٍ يَسْأَلَانِهِ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ فَإِنْ أَبَى اجْتَمَعَا عَلَيْهِ، فَخَتَمَ الْكِتَابَ بَعْضُ الرُّؤَسَاءِ، وَأَبَى يَحْيَى بْنُ حُضَيْنِ بْنِ
стр. 2192
الْمُنْذِرِ أَنْ يَخْتِمَ وَقَالَ: هَذَا خَلْعٌ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَانْفَسَخَ ذَلِكَ.
وَكَانَ عَاصِمٌ بِقَرْيَةٍ بِأَعْلَى مَرْوَ، وَأَتَاهُ الْحَارِثُ بْنُ سُرَيْجٍ، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ الْحَارِثُ وَأُسِرَ مِنْ أَصْحَابِهِ أَسْرَى كَثِيرَةٌ، مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الْمَازِنِيُّ رَأْسُ أَهْلِ مَرْوِ الرُّوذِ، فَقَتَلَ عَاصِمٌ الْأَسْرَى، وَكَانَ فَرَسُ الْحَارِثِ قَدْ رُمِيَ بِسَهْمٍ فَنَزَعَهُ الْحَارِثُ، وَأَلَحَّ عَلَى الْفَرَسِ بِالضَّرْبِ وَالْحُضْرِ لِيَشْغَلَهُ عَنْ أَثَرِ الْجِرَاحَةِ، وَحَمَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهُ مَالَ الْحَارِثُ عَنْ فَرَسِهِ ثُمَّ اتَّبَعَ الشَّامِيَّ فَقَالَ لَهُ: أَسْأَلُكَ بِحُرْمَةِ الْإِسْلَامِ فِي دَمِي! فَقَالَ: انْزِلْ عَنْ فَرَسِكَ. فَنَزَلَ عَنْ فَرَسِهِ، فَرَكِبَهُ الْحَارِثُ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ فِي ذَلِكَ:
تَوَلَّتْ قُرَيْشٌ لَذَّةَ الْعَيْشِ وَاتَّقَتْ ... بِنَا كُلَّ فَجٍّ مِنْ خُرَاسَانَ أَغْبَرَا
فَلَيْتَ قُرَيْشًا أَصْبَحُوا ذَاتَ لَيْلَةٍ ... يَعُومُونَ فِي لُجٍّ مِنَ الْبَحْرِ أَخْضَرَا
وَعَظَّمَ أَهْلُ الشَّامِ يَحْيَى بْنَ (حُضَيْنٍ لِمَا صَنَعَ فِي نَقْضِ الْكِتَابِ، وَكَتَبُوا كِتَابًا بِمَا كَانَ وَبِهَزِيمَةِ الْحَارِثِ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الْعَنْبَرِيِّ. فَلَقِيَ أَسَدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بِالرَّيِّ، وَقِيلَ بِبَيْهَقَ، فَكَتَبَ إِلَى أَخِيهِ) يَنْتَحِلُ أَنَّهُ هَزَمَ الْحَارِثَ وَيُخْبِرُهُ بِأَمْرِ يَحْيَى، فَأَجَازَ خَالِدٌ يَحْيَى بِعَشَرَةِ آلَافِ (دِينَارٍ وَ [كَسَاهُ] مِائَةَ حُلَّةٍ.
وَكَانَتْ وِلَايَةُ عَاصِمٍ أَقَلَّ مِنْ سَنَةٍ، فَحَبَسَهُ أَسَدٌ وَحَاسَبَهُ، وَطَلَبَ مِنْهُ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ) وَقَالَ: إِنَّكَ لَمْ تَفُزْ، وَأَطْلَقَ عُمَارَةَ بْنَ حُرَيْمٍ وَعُمَّالَ الْجُنَيْدِ.
فَلَمَّا قَدِمَ أَسَدٌ لَمْ يَكُنْ لِعَاصِمٍ إِلَّا مَرْوُ وَنَيْسَابُورُ، وَالْحَارِثُ بِمَرْوِ الرُّوذِ، وَخَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَجَرِيُّ بِآمُلَ مُوَافِقٌ لِلْحَارِثِ، فَخَافَ أَسَدٌ إِنْ قَصَدَ الْحَارِثَ بِمَرْوِ الرُّوذِ أَنْ يَأْتِيَ الْهَجَرِيُّ مِنْ قِبَلِ آمُلَ، وَإِنْ قَصَدَ الْهَجَرِيَّ قَصَدَ الْحَارِثُ مَرْوَ مِنْ قِبَلِ مَرْوِ الرُّوذِ. فَأَجْمَعَ عَلَى تَوْجِيهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نُعَيْمٍ فِي أَهْلِ الْكُوفَةِ وَالشَّامِ إِلَى الْحَارِثِ بِمَرْوِ الرُّوذِ، وَسَارَ أَسَدٌ بِالنَّاسِ إِلَى آمُلَ، فَلَقِيَهُ خَيْلُ آمُلَ عَلَيْهِمْ زِيَادٌ الْقُرَشِيُّ مَوْلَى حَيَّانَ النَّبَطِيِّ وَغَيْرُهُ، فَهُزِمُوا حَتَّى رَجَعُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَحَصَرَهُمْ أَسَدٌ وَنَصَبَ عَلَيْهِمُ الْمَجَانِيقَ وَعَلَيْهِمُ
стр. 2193
الْهَجَرِيُّ مِنْ أَصْحَابِ الْحَارِثِ، فَطَلَبُوا الْأَمَانَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ أَسَدٌ: مَا تَطْلُبُونَ؟ قَالُوا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ، ﷺ ، وَأَنْ لَا تَأْخُذَ أَهْلَ الْمُدُنِ بِجِنَايَتِنَا. فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، فَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ يَحْيَى بْنَ نُعَيْمِ بْنِ هُبَيْرَةَ الشَّيْبَانِيَّ وَسَارَ يُرِيدُ بَلْخًا، فَأُخْبِرَ أَنَّ أَهْلَهَا قَدْ بَايَعُوا سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ، فَسَارَ حَتَّى قَدِمَهَا وَاتَّخَذَ سُفُنًا وَسَارَ مِنْهَا إِلَى تِرْمِذَ، فَوَجَدَ الْحَارِثَ مُحَاصِرًا لَهَا، وَبِهَا سِنَانٌ الْأَعْرَابِيُّ، فَنَزَلَ أَسَدٌ دُونَ النَّهْرِ وَلَمْ يُطِقِ الْعُبُورَ إِلَيْهِمْ وَلَا يُمِدُّهُمْ، وَخَرَجَ أَهْلُ تِرْمِذَ مِنَ الْمَدِينَةِ فَقَاتَلُوا الْحَارِثَ قِتَالًا شَدِيدًا، وَاسْتَطْرَدَ الْحَارِثُ لَهُمْ، وَكَانَ قَدْ وَضَعَ كَمِينًا، فَتَبِعُوهُ، وَنَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ مَعَ أَسَدٍ جَالِسٌ يَنْظُرُ، فَأَظْهَرَ الْكَرَاهِيَةَ، وَعَرَفَ أَنَّ الْحَارِثَ قَدْ كَادَهُمْ، وَظَنَّ أَسَدٌ أَنَّمَا ذَلِكَ شَفَقَةٌ عَلَى الْحَارِثِ حِينَ وَلِيَ، وَأَرَادَ مُعَاتَبَةَ نَصْرٍ، وَإِذَا الْكَمِينُ قَدْ خَرَجَ عَلَيْهِمْ فَانْهَزَمُوا.
ثُمَّ ارْتَحَلَ أَسَدٌ إِلَى بَلْخٍ، وَخَرَجَ أَهْلُ تِرْمِذَ إِلَى الْحَارِثِ فَهَزَمُوهُ وَقَتَلُوا جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الْبَصَائِرِ، مِنْهُمْ: عِكْرِمَةُ وَأَبُو فَاطِمَةَ. ثُمَّ سَارَ أَسَدٌ إِلَى سَمَرْقَنْدَ فِي طَرِيقِ زُمَّ، فَلَمَّا قَدِمَ زُمَّ بَعَثَ إِلَى الْهَيْثَمِ الشَّيْبَانِيِّ، وَهُوَ فِي حِصْنٍ مِنْ حُصُونِهَا، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ الْحَارِثِ، فَقَالَ لَهُ أَسَدٌ: إِنَّمَا أَنْكَرْتُمْ [عَلَى قَوْمِكُمْ] مَا كَانَ مِنْ سُوءِ السِّيرَةِ، وَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ السَّبْيَ وَاسْتِحْلَالَ الْفُرُوجِ وَلَا غَلَبَةَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى مِثْلِ سَمَرْقَنْدَ، وَأَنَا أُرِيدُ سَمَرْقَنْدَ، وَلَكَ عَهْدُ اللَّهِ وَذِمَّتُهُ أَنْ لَا يَنَالَكَ مِنِّي شَرٌّ، وَلَكَ الْمُوَاسَاةُ وَالْكَرَامَةُ وَالْأَمَانُ (وَلِمَنْ مَعَكَ، وَإِنْ أَبَيْتَ مَا دَعَوْتُكَ إِلَيْهِ فَعَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ إِنْ أَنْتَ رُمِيتَ بِسَهْمٍ أَنْ لَا أُؤَمِّنَكَ بَعْدَهُ، وَإِنْ جَعَلْتُ لَكَ أَلْفَ أَمَانٍ لَا أَفِي لَكَ بِهِ. فَخَرَجَ إِلَيْهِ عَلَى الْأَمَانِ) ، وَسَارَ مَعَهُ إِلَى سَمَرْقَنْدَ، ثُمَّ ارْتَفَعَ إِلَى وَرَغْسَرَ، وَمَاءِ سَمَرْقَنْدَ مِنْهَا، فَسَكَّرَ الْوَادِيَ وَصَرَفَهُ عَنْ سَمَرْقَنْدَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَلْخٍ.
وَقِيلَ: إِنَّ أَمْرَ أَسَدٍ وَأَصْحَابِ الْحَارِثِ كَانَ سَنَةَ ثَمَانِي عَشْرَةَ.
ذِكْرُ حَالِ دُعَاةِ بَنِي الْعَبَّاسِ
قِيلَ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَخَذَ أَسَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ جَمَاعَةً مِنْ دُعَاةِ بَنِي الْعَبَّاسِ بِخُرَاسَانَ، فَقَتَلَ بَعْضَهُمْ وَمَثَّلَ بِبَعْضِهِمْ وَحَبَسَ بَعْضَهُمْ، وَكَانَ فِيمَنْ أَخَذَ: سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ، وَمَالِكُ بْنُ الْهَيْثَمِ، وَمُوسَى بْنُ كَعْبٍ، وَلَاهِزُ بْنُ قُرَيْظٍ، وَخَالِدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَطَلْحَةُ بْنُ زُرَيْقٍ، فَأُتِيَ بِهِمْ، فَقَالَ [لَهُمْ] : يَا فَسَقَةُ، أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥] ؟
стр. 2194
فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: نَحْنُ وَاللَّهِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
لَوْ بِغَيْرِ الْمَاءِ حَلْقِي شَرِقٌ ... كُنْتُ كَالْغَصَّانِ بِالْمَاءِ اعْتِصَارِي
صِيدَتْ وَاللَّهِ الْعَقَارِبُ بِيَدَيْكَ! إِنَّا نَاسٌ مِنْ قَوْمِكَ! وَإِنَّ الْمُضَرِيَّةَ رَفَعُوا إِلَيْكَ هَذَا لِأَنَّا كُنَّا أَشَدَّ النَّاسِ عَلَى قُتَيْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ فَطَلَبُوا بِثَأْرِهِمْ. فَبَعَثَ بِهِمْ إِلَى الْحَبْسِ، ثُمَّ قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نُعَيْمٍ: مَا تَرَى؟ قَالَ: أَرَى أَنْ تَمُنَّ بِهِمْ عَلَى عَشَائِرِهِمْ. قَالَ: لَا أَفْعَلُ، فَأَطْلَقَ مَنْ كَانَ فِيهِمْ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ لِأَنَّهُ مِنْهُمْ، وَمَنْ كَانَ مِنْ رَبِيعَةَ أَطْلَقَهُ أَيْضًا لِحِلْفِهِمْ مَعَ الْيَمَنِ، وَأَرَادَ قَتْلَ مَنْ كَانَ مِنْ مُضَرَ، فَدَعَا مُوسَى بْنَ كَعْبٍ، وَأَلْجَمَهُ بِلِجَامِ حِمَارٍ، جَذَبَ اللِّجَامَ فَتَحَطَّمَتْ أَسْنَانُهُ وَدَقَّ وَجْهَهُ وَأَنْفَهُ، وَدَعَا لَاهِزَ بْنَ قُرَيْظٍ فَقَالَ لَهُ: مَا هَذَا بِحَقٍّ، تَصْنَعُ بِنَا هَذَا وَتَتْرُكُ الْيَمَانِيِّينَ وَالرَّبِيعِيِّينَ؟ فَضَرَبَهُ ثَلَاثَمِائَةِ سَوْطٍ، فَشَهِدَ لَهُ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ الْأَزْدِيُّ بِالْبَرَاءَةِ وَلِأَصْحَابِهِ فَتَرَكَهُمْ.
ذِكْرُ وِلَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَبْحَابِ إِفْرِيقِيَّةَ وَالْأَنْدَلُسَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَعْمَلَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ وَالْأَنْدَلُسِ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَبْحَابِ وَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهَا، وَكَانَ وَالِيًا عَلَى مِصْرَ، فَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا وَلَدَهُ وَسَارَ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْأَنْدَلُسِ عُقْبَةَ بْنَ (الْحَجَّاجِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى طَنْجَةَ ابْنَهُ إِسْمَاعِيلَ، وَبَعَثَ حَبِيبَ بْنَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ) نَافِعٍ غَازِيًا إِلَى الْمَغْرِبِ، فَبَلَغَ السُّوسَ الْأَقْصَى وَأَرْضَ السُّودَانِ، فَلَمْ يُقَاتِلْهُ أَحَدٌ إِلَّا ظَهَرَ عَلَيْهِ، وَأَصَابَ مِنَ الْغَنَائِمِ وَالسَّبْيِ أَمْرًا عَظِيمًا، فَمُلِئَ أَهْلُ الْمَغْرِبِ مِنْهُ رُعْبًا، وَأَصَابَ بِالسَّبْيِ جَارِيَتَيْنِ مِنَ الْبَرْبَرِ لَيْسَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غَيْرُ ثَدْيٍ وَاحِدٍ، وَرَجَعَ سَالِمًا. وَسَيَّرَ جَيْشًا فِي الْبَحْرِ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ إِلَى جَزِيرَةِ السَّرْدَانِيَّةِ، فَفَتَحُوا مِنْهَا وَنَهَبُوا وَعَادُوا. ثُمَّ سَيَّرَهُ غَازِيًا إِلَى جَزِيرَةِ صِقِلِّيَةَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَمِائَةٍ وَمَعَهُ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَبِيبٍ، فَلَمَّا نَزَلَ بِأَرْضِهَا وَجَّهَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ عَلَى الْخَيْلِ، فَلَمْ يَلْقَهُ أَحَدٌ إِلَّا هَزَمَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَظَفِرَ ظَفَرًا لَمْ يُرَ مِثْلُهُ، حَتَّى نَزَلَ عَلَى مَدِينَةِ سَرَقُوسَةَ، وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ مُدُنِ صِقِلِّيَّةَ، فَقَاتَلُوهُ فَهَزَمَهُمْ وَحَصَرَهُمْ، فَصَالَحُوهُ عَلَى الْجِزْيَةِ، وَعَادَ إِلَى أَبِيهِ، وَعَزَمَ حَبِيبٌ عَلَى الْمُقَامِ بِصِقِلِّيَةَ إِلَى أَنْ يَمْلِكَهَا جَمِيعًا، فَأَتَاهُ كِتَابُ ابْنِ الْحَبْحَابِ يَسْتَدْعِيهِ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ.
стр. 2195
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ عَلَى طَنْجَةَ ابْنَهُ إِسْمَاعِيلَ، وَجَعَلَ مَعَهُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْمُرَادِيَّ، فَأَسَاءَ السِّيرَةَ وَتَعَدَّى، وَأَرَادَ أَنْ يُخَمِّسَ مُسْلِمِي الْبَرْبَرِ، وَزَعَمَ أَنَّهُمْ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ شَيْءٌ لَمْ يَرْتَكِبْهُ أَحَدٌ قَبْلَهُ، فَلَمَّا سَمِعَ الْبَرْبَرُ بِمَسِيرِ حَبِيبِ بْنِ عُبَيْدَةَ إِلَى صِقِلِّيَّةَ بِالْعَسَاكِرِ طَمِعُوا وَنَقَضُوا الصُّلْحَ عَلَى ابْنِ الْحَبْحَابِ، وَتَدَاعَتْ عَلَيْهِ بِأَسْرِهَا مُسْلِمُهَا وَكَافِرُهَا، وَعَظُمَ الْبَلَاءُ، وَقَدَّمَ مَنْ بِطَنْجَةَ مِنَ الْبَرْبَرِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مَيْسَرَةَ السَّقَّاءَ ثُمَّ الْمَدْغُورِيَّ، وَكَانَ خَارِجِيًّا صُفَرِيًّا وَسَقَّاءً، وَقَصَدُوا طَنْجَةَ، فَقَاتَلَهُمْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَقَتَلُوهُ، وَاسْتَوْلَوْا عَلَى طَنْجَةَ، وَبَايَعُوا مَيْسَرَةَ بِالْخِلَافَةِ وَخُوطِبَ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَثُرَ جَمْعُهُ مِنَ الْبَرْبَرِ، وَقَوِيَ أَمْرُهُ بِنَوَاحِي طَنْجَةَ.
وَظَهَرَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ جَمَاعَةٌ بِإِفْرِيقِيَّةَ، فَأَظْهَرُوا مَقَالَةَ الْخَوَارِجِ، فَأَرْسَلَ ابْنُ الْحَبْحَابِ إِلَى حَبِيبٍ وَهُوَ بِصِقِلِّيَّةَ يَسْتَدْعِيهِ إِلَيْهِ لِقِتَالِ مَيْسَرَةَ السَّقَّاءِ، لِأَنَّ أَمْرَهُ كَانَ قَدْ عَظُمَ، فَعَادَ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ.
وَكَانَ ابْنُ الْحَبْحَابِ قَدْ سَيَّرَ خَالِدَ بْنَ حَبِيبٍ فِي جَيْشٍ إِلَى مَيْسَرَةَ، فَلَمَّا وَصَلَ حَبِيبُ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ سَيَّرَهُ فِي أَثَرِهِ، وَالْتَقَى خَالِدٌ وَمَيْسَرَةُ بِنَوَاحِي طَنْجَةَ، وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ، وَعَادَ مَيْسَرَةُ إِلَى طَنْجَةَ، فَأَنْكَرَتِ الْبَرْبَرُ سِيرَتَهُ، وَكَانُوا بَايَعُوهُ بِالْخِلَافَةِ، فَقَتَلُوهُ وَوَلَّوْا أَمْرَهُمْ خَالِدَ بْنَ حُمَيْدٍ الزَّنَاتِيَّ، ثُمَّ الْتَقَى خَالِدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَمَعَهُ الْبَرْبَرُ بِخَالِدِ بْنِ حَبِيبٍ وَمَعَهُ الْعَرَبُ وَعَسْكَرُ هِشَامٍ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ شَدِيدٌ صَبَرَتْ فِيهِ الْعَرَبُ، وَظَهَرَ عَلَيْهِمْ كَمِينٌ مِنَ الْبَرْبَرِ فَانْهَزَمُوا، وَكَرِهَ خَالِدُ بْنُ حَبِيبٍ أَنْ يَنْهَزِمَ مِنَ الْبَرْبَرِ فَصَبَرُوا مَعَهُ فَقُتِلُوا جَمِيعُهُمْ.
وَقُتِلَ فِي هَذِهِ الْوَقْعَةِ حُمَاةُ الْعَرَبِ وَفُرْسَانُهَا، فَسُمِّيَتْ غَزْوَةَ الْأَشْرَافِ، وَانْتَقَضَتِ الْبِلَادُ، وَخَرَجَ أَمْرُ النَّاسِ، وَبَلَغَ أَهْلَ الْأَنْدَلُسِ الْخَبَرُ فَثَارُوا بِأَمِيرِهِمْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ فَعَزَلُوهُ وَوَلَّوْا عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ قَطَنٍ، فَاخْتَلَطَتِ الْأُمُورُ عَلَى ابْنِ الْحَبْحَابِ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَقَالَ: لَأَغْضَبَنَّ لِلْعَرَبِ غَضْبَةً، وَأُسَيِّرُ جَيْشًا يَكُونُ أَوَّلُهُمْ عِنْدَهُمْ وَآخِرُهُمْ عِنْدِي، ثُمَّ كَتَبَ إِلَى ابْنِ الْحَبْحَابِ يَأْمُرُهُ بِالْحُضُورِ، فَسَارَ إِلَيْهِ فِي جُمَادَى سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَاسْتَعْمَلَ هِشَامٌ عِوَضَهُ كُلْثُومَ بْنَ عِيَاضٍ الْقُشَيْرِيَّ وَسَيَّرَ مَعَهُ جَيْشًا كَثِيفًا، وَكَتَبَ إِلَى سَائِرِ الْبِلَادِ الَّتِي عَلَى طَرِيقِهِ بِالْمَسِيرِ مَعَهُ، فَوَصَلَ إِفْرِيقِيَّةَ وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ بَلْجُ بْنُ بِشْرٍ، فَوَصَلَ إِلَى الْقَيْرَوَانِ وَلَقِيَ أَهْلَهَا بِالْجَفَاءِ وَالتَّكَبُّرِ عَلَيْهِمْ، وَأَرَادَ أَنْ يُنْزِلَ الْعَسْكَرَ الَّذِي مَعَهُ فِي مَنَازِلِهِمْ، فَكَتَبَ أَهْلُهَا إِلَى حَبِيبِ بْنِ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَهُوَ بِتِلْمِسَانَ
стр. 2196
مَوَاقِفِ الْبَرْبَرِ، يَشْكُونَ إِلَيْهِ بَلْجًا وَكُلْثُومًا، فَكَتَبَ حَبِيبٌ إِلَى كُلْثُومٍ يَقُولُ لَهُ: إِنَّ بَلْجًا فَعَلَ كَيْتَ وَكَيْتَ، فَارْحَلْ عَنِ الْبَلَدِ وَإِلَّا رَدَدْنَا أَعِنَّةَ الْخَيْلِ إِلَيْكَ.
فَاعْتَذَرَ كُلْثُومٌ وَسَارَ إِلَى حَبِيبٍ وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ بَلْجُ بْنُ بِشْرٍ، فَاسْتَخَفَّ بِحَبِيبٍ وَسَبَّهُ، وَجَرَى بَيْنَهُمَا مُنَازَعَةٌ، ثُمَّ اصْطَلَحُوا وَاجْتَمَعُوا عَلَى قِتَالِ الْبَرْبَرِ، وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمُ الْبَرْبَرُ مِنْ طَنْجَةَ، فَقَالَ لَهُمْ حَبِيبٌ: اجْعَلُوا الرَّجَّالَةَ لِلرَّجَّالَةِ وَالْخَيَّالَةَ لِلْخَيَّالَةِ، فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ، وَتَقَدَّمَ كُلْثُومٌ بِالْخَيْلِ، فَقَاتَلَهُ رَجَّالَةُ الْبَرْبَرِ فَهَزَمُوهُ، فَعَادَ إِلَى كُلْثُومٍ مُنْهَزِمًا، وَوَهَّنَ النَّاسَ ذَلِكَ وَنَشِبَ الْقِتَالُ، وَانْكَشَفَتْ خَيَّالَةُ الْبَرْبَرِ وَثَبَتَتْ رَجَّالَتُهَا وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ وَكَثُرَ الْبَرْبَرُ عَلَيْهِمْ، فَقُتِلَ كُلْثُومُ بْنُ عِيَاضٍ وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَوُجُوهُ الْعَرَبِ، وَانْهَزَمَتِ الْعَرَبُ وَتَفَرَّقُوا.
فَمَضَى أَهْلُ الشَّامِ إِلَى الْأَنْدَلُسِ وَمَعَهُمْ بَلْجُ بْنُ بِشْرٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَعَادَ بَعْضُهُمْ إِلَى الْقَيْرَوَانِ.
فَلَمَّا ضَعُفَتِ الْعَرَبُ بِهَذِهِ الْوَقْعَةِ ظَهَرَ إِنْسَانٌ يُقَالُ لَهُ عُكَّاشَةُ (بْنُ أَيُّوبَ الْفَزَارِيُّ بِمَدِينَةِ قَابِسَ، وَهُوَ عَلَى رَأْيِ الْخَوَارِجِ الصُّفْرِيَّةِ، فَسَارَ إِلَيْهِ جَيْشٌ مِنَ الْقَيْرَوَانِ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُ الْقَيْرَوَانِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ عَسْكَرٌ آخَرُ فَانْهَزَمَ عُكَّاشَةُ بَعْدَ قِتَالٍ شَدِيدٍ وَقُتِلَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَلَحِقَ عُكَّاشَةُ) بِبِلَادِ الرَّمْلِ.
فَلَمَّا بَلَغَ هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ قَتْلُ كُلْثُومٍ بَعَثَ أَمِيرًا عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ حَنْظَلَةَ بْنَ صَفْوَانَ الْكَلْبِيَّ، فَوَصَلَهَا فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَلَمْ يَمْكُثْ بِالْقَيْرَوَانِ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى زَحَفَ إِلَيْهِ عُكَّاشَةُ الْخَارِجِيُّ فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ مِنَ الْبَرْبَرِ، وَكَانَ حِينَ انْهَزَمَ حَشَدَهُمْ لِيَأْخُذَ بِثَأْرِهِ وَأَعَانَهُ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ يَزِيدَ الْهَوَّارِيُّ ثُمَّ الْمُدْغَمِيُّ، وَكَانَ صُفْرِيًّا، فِي عَدَدٍ كَثِيرٍ وَافْتَرَقَا لِيَقْصِدَا الْقَيْرَوَانَ مِنْ جِهَتَيْنِ، فَلَمَّا قَرُبَ عُكَّاشَةُ خَرَجَ إِلَيْهِ حَنْظَلَةُ وَلَقِيَهُ مُنْفَرِدًا وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَانْهَزَمَ عُكَّاشَةُ وَقُتِلَ مِنَ الْبَرْبَرِ مَا لَا يُحْصَى، وَعَادَ حَنْظَلَةُ إِلَى الْقَيْرَوَانِ خَوْفًا عَلَيْهَا مِنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ، وَسَيَّرَ إِلَيْهِ جَيْشًا كَثِيفًا عُدَّتُهُمْ أَرْبَعُونَ أَلْفًا، فَسَارُوا إِلَيْهِ، فَلَمَّا قَارَبُوهُ لَمْ يَجِدُوا شَعِيرًا يُطْعِمُونَهُ دَوَابَّهُمْ فَأَطْعَمُوهَا حِنْطَةً، ثُمَّ لَقُوهُ مِنَ الْغَدِ فَانْهَزَمُوا مِنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ وَعَادُوا إِلَى الْقَيْرَوَانِ، وَهَلَكَتْ دَوَابُّهُمْ بِسَبَبِ الْحِنْطَةِ.
فَلَمَّا وَصَلُوهَا نَظَرُوا وَإِذَا قَدْ هَلَكَ مِنْهُمْ عِشْرُونَ أَلْفَ فَرَسٍ، وَسَارَ عَبْدُ الْوَاحِدِ فَنَزَلَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْقَيْرَوَانِ بِمَوْضِعٍ يُعْرَفُ بِالْأَصْنَامِ، وَقَدِ اجْتَمَعَ مَعَهُ ثَلَاثُمِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، فَحَشَدَ حَنْظَلَةُ كُلَّ مَنْ بِالْقَيْرَوَانِ وَفَرَّقَ فِيهِمُ السِّلَاحَ وَالْمَالَ، فَكَثُرَ جَمْعُهُ، فَلَمَّا دَنَا الْخَوَارِجُ مَعَ عَبْدِ الْوَاحِدِ خَرَجَ إِلَيْهِمْ حَنْظَلَةُ مِنَ الْقَيْرَوَانِ وَاصْطَفُّوا لِلْقِتَالِ، وَقَامَ الْعُلَمَاءُ فِي أَهْلِ الْقَيْرَوَانِ يَحُثُّونَهُمْ عَلَى الْجِهَادِ وَقِتَالِ الْخَوَارِجِ وَيُذَكِّرُونَهُمْ مَا يَفْعَلُونَهُ
стр. 2197
بِالنِّسَاءِ مِنَ السَّبْيِ وَبِالْأَبْنَاءِ مِنَ الِاسْتِرْقَاقِ وَبِالرِّجَالِ مِنَ الْقَتْلِ، فَكَسَرَ النَّاسُ أَجْفَانَ سُيُوفِهِمْ، وَخَرَجَ إِلَيْهِمْ نِسَاؤُهُمْ يُحَرِّضْنَهُمْ، فَحَمِيَ النَّاسُ وَحَمَلُوا عَلَى الْخَوَارِجِ حَمْلَةً وَاحِدَةً وَثَبَتَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، فَاشْتَدَّ اللِّزَامُ وَكَثُرَ الزِّحَامُ وَصَبَرَ الْفَرِيقَانِ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى هَزَمَ الْخَوَارِجَ وَالْبَرْبَرَ وَنَصَرَ الْعَرَبَ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِي الْبَرْبَرِ وَتَبِعُوهُمْ إِلَى جَلُولَاءَ يَقْتُلُونَ، وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ عَبْدَ الْوَاحِدِ قَدْ قُتِلَ حَتَّى حُمِلَ رَأْسُهُ إِلَى حَنْظَلَةَ، فَخَرَّ النَّاسُ لِلَّهِ سُجَّدًا.
فَقِيلَ: لَمْ يُقْتَلْ بِالْمَغْرِبِ أَكْثَرُ مِنْ هَذِهِ الْقَتْلَةِ، فَإِنَّ حَنْظَلَةَ أَمَرَ بِإِحْصَاءِ الْقَتْلَى، فَعَجَزَ النَّاسُ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى عَدُّوهُمْ بِالْقَصَبِ، فَكَانَتْ عِدَّةُ الْقَتْلَى مِائَةَ أَلْفٍ وَثَمَانِينَ أَلْفًا، ثُمَّ أُسِرَ عُكَّاشَةُ مَعَ طَائِفَةٍ أُخْرَى بِمَكَانٍ آخَرَ وَحُمِلَ إِلَى حَنْظَلَةَ فَقَتَلَهُ، وَكَتَبَ حَنْظَلَةُ إِلَى هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بِالْفَتْحِ، وَكَانَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ يَقُولُ: مَا غَزْوَةٌ إِلَى الْآنَ أَشَدُّ بَعْدَ غَزْوَةِ بَدْرٍ مِنْ غَزْوَةِ الْعَرَبِ بِالْأَصْنَامِ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ الصَّائِفَةَ الْيُسْرَى، وَغَزَا سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامٍ الصَّائِفَةَ الْيُمْنَى مِنْ نَحْوِ الْجَزِيرَةِ، وَفَرَّقَ سَرَايَاهُ فِي أَرْضِ الرُّومِ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ.
وَكَانَ الْعَامِلُ عَلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالطَّائِفِ مُحَمَّدَ بْنَ هِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَخْزُومِيَّ، وَعَلَى إِرْمِينِيَّةَ وَأَذْرَبِيجَانَ مَرْوَانَ بْنَ مُحَمَّدٍ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.
стр. 2198
وَسُكَيْنَةُ بِنْتُ الْحُسَيْنِ. وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ الْأَعْرَجُ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ. وَأَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ. وَأَبُو شَاكِرٍ مَسْلَمَةُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ الْفَقِيهُ، وَقِيلَ سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ نَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، وَقِيلَ سَنَةَ عِشْرِينَ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَقِيلَ سَنَةَ عِشْرِينَ، وَقِيلَ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ، وَقِيلَ سَنَةَ ثَلَاثِينَ. وَفِيهَا مَاتَتْ عَائِشَةُ ابْنَةُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ. وَسَعِيدُ بْنُ يَسَارٍ. وَقَتَادَةُ بْنُ دِعَامَةَ الْبَصْرِيُّ، وَكَانَ ضَرِيرًا، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ سِتِّينَ.
стр. 2199
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَمِائَة]
١١٨ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا مُعَاوِيَةُ وَسُلَيْمَانُ ابْنَا هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَرْضَ الرُّومِ.
ذِكْرُ دُعَاةِ بَنِي الْعَبَّاسِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَجَّهَ بُكَيْرُ بْنُ مَاهَانَ عَمَّارَ بْنَ يَزِيدَ إِلَى خُرَاسَانَ وَالِيًا عَلَى شِيعَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ، فَنَزَلَ مَرْوَ وَغَيَّرَ اسْمَهُ وَتَسَمَّى بِخِدَاشٍ، وَدَعَا إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، فَسَارَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ وَأَطَاعُوهُ، ثُمَّ غَيَّرَ مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ وَتَكَذَّبَ وَأَظْهَرَ دِينَ الْخُرَّمِيَّةِ [وَدَعَا إِلَيْهِ] ، وَرَخَّصَ لِبَعْضِهِمْ فِي نِسَاءِ بَعْضٍ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّهُ لَا صَوْمَ وَلَا صَلَاةَ وَلَا حَجَّ، وَإِنَّ تَأْوِيلَ الصَّوْمِ أَنْ يُصَامَ عَنْ ذِكْرِ الْإِمَامِ فَلَا يُبَاحُ بِاسْمِهِ، وَالصَّلَاةُ الدُّعَاءُ لَهُ، وَالْحَجُّ الْقَصْدُ إِلَيْهِ، وَكَانَ يَتَأَوَّلُ مِنَ الْقُرْآنِ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [المائدة: ٩٣] . وَكَانَ خِدَاشٌ نَصْرَانِيًّا بِالْكُوفَةِ فَأَسْلَمَ وَلَحِقَ بِخُرَاسَانَ.
وَكَانَ مِمَّنِ اتَّبَعَهُ عَلَى مَقَالَتِهِ مَالِكُ بْنُ الْهَيْثَمِ، وَالْحَرِيشُ بْنُ سُلَيْمٍ الْأَعْجَمِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ أَمَرَ بِذَلِكَ.
فَبَلَغَ خَبَرُهُ أَسَدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، فَظَفِرَ بِهِ، فَأَغْلَظَ الْقَوْلَ لِأَسَدٍ، فَقَطَعَ لِسَانَهُ وَسَمَلَ عَيْنَيْهِ وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي انْتَقَمَ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنْكَ! وَأَمَرَ يَحْيَى بْنَ نُعَيْمٍ الشَّيْبَانِيَّ فَقَتَلَهُ وَصَلَبَهُ بِآمُلَ، وَأُتِيَ أَسَدٌ بِجَزُورٍ مَوْلَى الْمُهَاجِرِ بْنِ دَارَةَ الضَّبِّيِّ فَضَرَبَ عُنُقَهُ بِشَاطِئِ النَّهْرِ.
ذِكْرُ مَا كَانَ مِنَ الْحَارِثِ وَأَصْحَابِهِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ نَزَلَ أَسَدٌ بَلْخًا، وَسَرَّحَ جُدَيْعًا الْكَرْمَانِيَّ إِلَى الْقَلْعَةِ الَّتِي فِيهَا أَهْلُ
стр. 2200
الْحَارِثِ وَأَصْحَابُهُ، وَاسْمُهَا التُّبُوشْكَانُ مِنْ طَخَارِسْتَانَ الْعُلْيَا، وَفِيهَا بَنُو بَرْزَى التَّغْلِبِيُّونَ أَصْهَارُ الْحَارِثِ، فَحَصَرَهُمُ الْكَرْمَانِيُّ حَتَّى فَتَحَهَا، فَقَتَلَ بَنِي بَرْزَى، وَسَبَى عَامَّةَ أَهْلِهَا مِنَ الْعَرَبِ وَالْمُوَالِي وَالذَّرَارِي، وَبَاعَهُمْ فِيمَنْ يَزِيدُ فِي سُوقِ بَلْخٍ، وَنَقَمَ عَلَى الْحَارِثِ أَرْبَعُمِائَةٍ وَخَمْسُونَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ، وَكَانَ رَئِيسُهُمْ جَرِيرَ بْنَ مَيْمُونٍ الْقَاضِي، فَقَالَ لَهُمُ الْحَارِثُ إِنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ مُفَارِقِيَّ فَاطْلُبُوا الْأَمَانَ وَأَنَا شَاهِدٌ فَإِنَّهُمْ يُجِيبُونَكُمْ، وَإِنِ ارْتَحَلْتُ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يُعْطُوا الْأَمَانَ. فَقَالُوا: ارْتَحِلْ أَنْتَ وَخَلِّنَا. وَأَرْسَلُوا يَطْلُبُونَ الْأَمَانَ، فَأُخْبِرَ أَسَدٌ أَنَّ الْقَوْمَ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ وَلَا مَاءٌ، فَسَرَّحَ إِلَيْهِمْ أَسَدٌ جُدَيْعًا الْكَرْمَانِيَّ فِي سِتَّةِ آلَافٍ، فَحَصَرَهُمْ فِي الْقَلْعَةِ وَقَدْ عَطِشَ أَهْلُهَا وَجَاعُوا، فَسَأَلُوا أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى الْحُكْمِ وَيَتْرُكَ لَهُمْ نِسَاءَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ، فَأَجَابَهُمْ، فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِ أَسَدٍ فَأَرْسَلَ إِلَى الْكَرْمَانِيِّ يَأْمُرُهُ أَنْ يَحْمِلَ إِلَيْهِ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ وُجُوهِهِمْ فِيهِمُ الْمُهَاجِرُ بْنُ مَيْمُونٍ، فَحُمِلُوا إِلَيْهِ، فَقَتَلَهُمْ وَكَتَبَ إِلَى الْكَرْمَانِيِّ أَنْ يَجْعَلَ الَّذِينَ بَقُوا عِنْدَهُ أَثْلَاثًا، فَثُلُثٌ يَقْتُلُهُمْ، وَثُلُثٌ يَقْطَعُ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَثُلُثٌ يَقْطَعُ أَيْدِيَهُمْ، فَفَعَلَ ذَلِكَ الْكَرْمَانِيُّ وَأَخْرَجَ أَثْقَالَهُمْ فَبَاعَهَا. وَاتَّخَذَ أَسَدٌ مَدِينَةَ بَلْخٍ دَارًا، وَنَقَلَ إِلَيْهَا الدَّوَاوِينَ، ثُمَّ غَزَا طَخَارِسْتَانَ ثُمَّ أَرْضَ جَبْغَوَيْهِ فَغَنِمَ وَسَبَى.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ هِشَامٌ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْحَكَمِ عَنِ الْمَدِينَةِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا خَالَهُ مُحَمَّدَ بْنَ هِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ.
وَفِيهَا غَزَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ مِنْ إِرْمِينِيَّةَ، وَدَخَلَ أَرْضَ وَرْتَنِيسَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ، فَهَرَبَ مِنْهُ وَرْتَنِيسُ إِلَى الْخَزَرِ وَنَزَلَ حِصْنَهُ، فَحَصَرَهُ مَرْوَانُ وَنَصَبَ عَلَيْهِ الْمَجَانِيقَ، فَقُتِلَ وَرْتَنِيسُ، قَتَلَهُ بَعْضُ مَنِ اجْتَازَ بِهِ وَأَرْسَلَ رَأْسَهُ إِلَى مَرْوَانَ، فَنَصَبَهُ لِأَهْلِ حِصْنِهِ، فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ، فَقَتَلَ الْقَاتِلَةَ وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ.
стр. 2201
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَكَانَ مَوْتُهُ بِالْحُمَيْمَةِ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ وَهُوَ ابْنُ سَبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: إِنَّهُ وُلِدَ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي قُتِلَ فِيهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَسَمَّاهُ أَبُوهُ عَلِيًّا، وَقَالَ: سَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَكَنَّاهُ أَبَا الْحَسَنِ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ أَكْرَمَهُ وَأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَى سَرِيرِهِ وَسَأَلَهُ عَنْ كُنْيَتِهِ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: لَا يَجْتَمِعُ فِي عَسْكَرِي هَذَا الِاسْمُ وَالْكُنْيَةُ لِأَحَدٍ، وَسَأَلَهُ: هَلْ وُلِدَ لَكَ وَلَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَقَدْ سَمَّيْتُهُ مُحَمَّدًا. قَالَ: فَأَنْتَ أَبُو مُحَمَّدٍ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَكَانَ أَمِيرَ الْمَدِينَةِ، وَقِيلَ: كَانَ هَذِهِ السَّنَةَ عَلَى الْمَدِينَةِ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَكَانَ عَلَى الْعِرَاقِ وَالْمَشْرِقِ كُلِّهِ خَالِدٌ الْقَسْرِيُّ، وَعَامِلُهُ عَلَى خُرَاسَانَ أَخُوهُ أَسَدٌ، وَعَامِلُهُ عَلَى الْبَصْرَةِ بِلَالُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ، وَكَانَ عَلَى إِرْمِينِيَّةَ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ عُبَادَةُ بْنُ نُسَيٍّ قَاضِي الْأُرْدُنِّ. وَعَمْرُو بْنُ شُعَيْبِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَبَّاسِ، وَمَاتَ بِالطَّائِفِ. وَأَبُو صَخْرَةَ جَامِعُ بْنُ شَدَّادٍ.
стр. 2202
وَأَبُو عُشَّانَةَ الْمَعَافِرَيُّ. وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَابِطٍ.
стр. 2203
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعَ عَشْرَةَ وَمِائَة]
١١٩ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ
ذِكْرُ قَتْلِ خَاقَانَ
لَمَّا دَخَلَ أَسَدٌ الْخُتُّلِ كَتَبَ ابْنُ السَايِجِيِّ إِلَى خَاقَانَ، وَهُوَ بِنَوَاكِثَ، يُعْلِمُهُ دُخُولَ أَسَدٍ الْخُتُّلَ، وَتَفَرُّقَ جُنُودِهِ فِيهَا، وَأَنَّهُ بِحَالٍ مُضَيَّعَةٍ، فَلَمَّا أَتَاهُ كِتَابُهُ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالْجِهَازِ وَسَارَ، فَلَمَّا أَحَسَّ ابْنُ السَايِجِيِّ بِمَجِيءِ خَاقَانَ بَعَثَ إِلَى أَسَدٍ: اخْرُجْ عَنِ الْخُتُّلِ فَإِنَّ خَاقَانَ قَدْ أَظَلَّكَ. فَشَتَمَ الرَّسُولَ وَلَمْ يُصَدِّقْهُ.
فَبَعَثَ ابْنُ السَّايِجِيِّ: إِنِّي لَمْ أُكَذِّبْكَ، وَأَنَا الَّذِي أَعْلَمْتُهُ دُخُولَكَ وَتَفَرُّقَ عَسْكَرِكَ، وَأَنَّهَا فُرْصَةٌ لَهُ، وَسَأَلْتُهُ الْمَدَدَ، فَإِنْ لَقِيَكَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ ظَفِرَ بِكَ، وَعَادَتْنِي الْعَرَبُ أَبَدًا مَا بَقِيتُ، وَاسْتَطَالَ عَلَيَّ خَاقَانُ وَاشْتَدَّتْ مَئُونَتُهُ، وَقَالَ: أَخْرَجْتُ الْعَرَبَ مِنْ بِلَادِكَ، وَرَدَدْتُ عَلَيْكَ مُلْكَكَ.
فَعَرَفَ أَسَدٌ أَنَّهُ قَدْ صَدَقَهُ، فَأَمَرَ بِالْأَثْقَالِ أَنْ تُقَدَّمَ، وَجَعَلَ عَلَيْهَا إِبْرَاهِيمَ بْنَ عَاصِمٍ الْعُقَيْلِيَّ وَأَخْرَجَ مَعَهُ الْمَشْيَخَةَ، فَسَارَتِ الْأَثْقَالُ وَمَعَهَا أَهْلُ الصَّغَانِيَانِ وَصَغَانُ خُذَاهْ، وَأَقْبَلَ أَسَدٌ مِنَ الْخُتُّلِ نَحْوَ جَبَلِ الْمِلْحِ يُرِيدُ [أَنْ] يَخُوضَ نَهْرَ بَلْخٍ، وَقَدْ قَطَعَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَاصِمٍ بِالسَّبْيِ وَمَا أَصَابُوا، وَأَشْرَفَ أَسَدٌ عَلَى النَّهْرِ فَأَقَامَ يَوْمَهُ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ عَبَرَ النَّهْرَ فِي مَخَاضَةٍ، وَجَعَلَ النَّاسُ يَعْبُرُونَ، فَأَدْرَكَهُمْ خَاقَانُ فَقَتَلَ مَنْ لَمْ يَقْطَعِ النَّهْرَ، وَكَانَتِ الْمَسْلَحَةُ عَلَى الْأَزْدِ وَتَمِيمٍ، فَقَاتَلُوا خَاقَانَ وَانْكَشَفُوا.
وَأَقْبَلَ خَاقَانُ وَظَنَّ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ لَا يَعْبُرُ إِلَيْهِمُ النَّهْرَ، فَلَمَّا نَظَرَ خَاقَانُ إِلَى النَّهْرِ أَمَرَ التُّرْكَ بِعُبُورِهِ، فَعَبَرُوهُ، وَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ عَسْكَرَهُمْ وَأَخَذَ التُّرْكُ مَا رَأَوْهُ خَارِجًا، وَخَرَجَ الْغِلْمَانُ فَضَارَبُوهُمْ بِالْعُمُدِ فَعَادُوا، وَبَاتَ أَسَدٌ وَالْمُسْلِمُونَ وَعَبَّأَ أَصْحَابَهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا
стр. 2204
أَصْبَحَ لَمْ يَرَ خَاقَانَ، فَاسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ، فَقَالُوا لَهُ: اقْبَلِ الْعَافِيَةَ. قَالَ: مَا هَذِهِ عَافِيَةٌ! هَذِهِ بَلِيَّةٌ! إِنَّ خَاقَانَ أَصَابَ أَمْسِ مِنَ الْجُنْدِ وَالسِّلَاحِ وَمَا مَنَعَهُ الْيَوْمَ مِنَّا إِلَّا أَنَّهُ قَدْ أَخْبَرَهُ بَعْضُ مَنْ أَخْذَهُ مِنَ الْأَسْرَى بِمَوْضِعِ الْأَثْقَالِ أَمَامَنَا فَسَارَ طَمَعًا فِيهَا.
فَارْتَحَلَ وَبَعَثَ الطَّلَائِعَ، فَلَمَّا أَمْسَى اسْتَشَارَ النَّاسَ فِي النُّزُولِ أَوِ الْمَسِيرِ، فَقَالَ النَّاسُ: اقْبَلِ الْعَافِيَةَ، وَمَا عَسَى أَنْ يَكُونَ ذَهَابُ الْأَمْوَالِ بِعَافِيَتِنَا وَعَافِيَةِ أَهْلِ خُرَاسَانَ! وَنَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ مُطْرِقٌ. فَقَالَ لَهُ أَسَدٌ: مَا لَكَ لَا تَتَكَلَّمُ؟ قَالَ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ خُلَّتَانِ كِلْتَاهُمَا لَكَ، إِنْ تَسِرْ تُغِثْ مَنْ مَعَ الْأَثْقَالِ وَتُخَلِّصْهُمْ، فَإِنِ انْتَهَيْتَ إِلَيْهِمْ وَقَدْ هَلَكُوا فَقَدْ قَطَعْتَ مَشَقَّةً لَا بُدَّ مِنْ قَطْعِهَا. فَقَبِلَ رَأْيَهُ وَسَارَ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَدَعَا أَسَدٌ سَعِيدًا الصَّغِيرَ مَوْلَى بَاهِلَةَ، وَكَانَ فَارِسًا بِأَرْضِ الْخُتُّلِ، وَكَتَبَ مَعَهُ كِتَابًا إِلَى إِبْرَاهِيمَ يَأْمُرُهُ بِالِاسْتِعْدَادِ وَيُخْبِرُهُ بِمَسِيرِ خَاقَانَ إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: لِتُجِدَّ السَّيْرَ. فَطَلَبَ مِنْهُ فَرَسَهُ الذَّبُوبَ، فَقَالَ أَسَدٌ: لَعَمْرِي لَئِنْ جُدْتَ بِنَفْسِكَ وَبَخِلْتُ عَلَيْكَ بِالْفَرَسِ إِنِّي إِذًا لَلَئِيمٌ. فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ، فَأَخَذَ مَعَهُ جَنِيبًا وَسَارَ.
فَلَمَّا حَاذَى التُّرْكَ وَقَدْ سَارُوا نَحْوَ الْأَثْقَالِ طَلَبَتْهُ طَلَائِعُهُمْ فَرَكِبَ الذَّبُوبَ فَلَمْ يَلْحَقُوهُ، فَأَتَى إِبْرَاهِيمَ بِالْكِتَابِ. وَسَارَ خَاقَانُ إِلَى الْأَثْقَالِ، وَقَدْ خَنْدَقَ إِبْرَاهِيمُ خَنْدَقًا، فَأَتَاهُمْ وَهُمْ قِيَامٌ عَلَيْهِ، فَأَمَرَ الصُّغْدَ بِقِتَالِهِمْ فَهَزَمَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، وَصَعِدَ خَاقَانُ تَلًّا فَجَعَلَ يَنْظُرُ لِيَرَى عَوْرَةً يَأْتِي مِنْهَا، وَهَكَذَا كَانَ يَفْعَلُ، فَلَمَّا صَعِدَ التَّلَّ رَأَى خَلْفَ الْعَسْكَرِ جَزِيرَةً دُونَهَا مَخَاضَةٌ فَدَعَا بَعْضَ قُوَّادِ التُّرْكِ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَقْطَعُوا فَوْقَ الْعَسْكَرِ حَتَّى يَصِيرُوا إِلَى الْجَزِيرَةِ، ثُمَّ يَنْحَدِرُوا حَتَّى يَأْتُوا عَسْكَرَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ خَلْفِهِمْ، وَأَنْ يَبْدَءُوا بِالْأَعَاجِمِ وَأَهْلِ الصَّغَانِيَانِ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنْ رَجَعُوا إِلَيْكُمْ دَخَلْنَا نَحْنُ. فَفَعَلُوا وَدَخَلُوا مِنْ نَاحِيَةِ الْأَعَاجِمِ فَقَتَلُوا صَغَانَ خُذَاهْ وَعَامَّةَ أَصْحَابِهِ وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ، وَدَخَلُوا عَسْكَرَ إِبْرَاهِيمَ فَأَخَذُوا جَمِيعَ مَا فِيهِ، وَتَرَكَ الْمُسْلِمُونَ التَّعْبِيَةَ وَاجْتَمَعُوا فِي مَوْضِعٍ وَأَحَسُّوا بِالْهَلَاكِ، وَإِذَا رَهَجٌ قَدِ ارْتَفَعَ، وَإِذَا أَسَدٌ فِي جُنْدِهِ قَدْ أَتَاهُمْ، فَارْتَفَعَتِ التُّرْكُ عَنْهُمْ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ فِيهِ خَاقَانُ، وَإِبْرَاهِيمُ يَعْجَبُ مِنْ كَفِّهِمْ وَقَدْ ظَفِرُوا وَقَتَلُوا مَنْ قَتَلُوا وَهُوَ لَا يَطْمَعُ فِي أَسَدٍ، وَكَانَ أَسَدٌ قَدْ أَغَذَّ الْمَسِيرَ وَأَقْبَلَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى التَّلِّ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ خَاقَانُ، وَتَنَحَّى خَاقَانُ إِلَى نَاحِيَةِ الْجَبَلِ، فَخَرَجَ إِلَى أَسَدٍ مَنْ كَانَ بَقِيَ مَعَ الْأَثْقَالِ وَقَدْ قَتَلَ مِنْهُمْ بَشَرًا كَثِيرًا.
وَمَضَى خَاقَانُ بِالْأَسْرَى وَالْجِمَالِ الْمُوَقَرَةِ وَالْجَوَارِي، وَأَمَرَ خَاقَانُ رَجُلًا كَانَ مَعَهُ مِنْ
стр. 2205
أَصْحَابِ الْحَارِثِ بْنِ سُرَيْجٍ فَنَادَى أَسَدًا: قَدْ كَانَ لَكَ فِيمَا وَرَاءَ النَّهْرِ مَغْزًى، إِنَّكَ لَشَدِيدُ الْحِرْصِ، وَقَدْ كَانَ عَنِ الْخُتُّلِ مَنْدُوحَةٌ وَهِيَ أَرْضُ آبَائِي وَأَجْدَادِي. فَقَالَ أَسَدٌ: لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَنْتَقِمَ مِنْكَ.
وَسَارَ أَسَدٌ إِلَى بَلْخٍ فَعَسْكَرَ فِي مَرْجِهَا حَتَّى أَتَى الشِّتَاءُ، ثُمَّ فَرَّقَ النَّاسَ فِي الدُّورِ وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ، وَكَانَ الْحَارِثُ بْنُ سُرَيْجٍ بِنَاحِيَةِ طَخَارِسْتَانَ فَانْضَمَّ إِلَى خَاقَانَ. فَلَمَّا كَانَ وَسَطُ الشِّتَاءِ أَقْبَلَ خَاقَانُ، وَكَانَ لَمَّا فَارَقَ أَسَدٌ أَتَى طَخَارِسْتَانَ فَأَقَامَ عِنْدَ جَبْغَوَيْهِ، فَأَقْبَلَ فَأَتَى الْجُوزَجَانَ وَبَثَّ الْغَارَاتِ.
وَسَبَبُ مَجِيئِهِ أَنَّ الْحَارِثَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَا نُهُوضَ بِأَسَدٍ فَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ كَثِيرُ جُنْدٍ وَنَزَلَ جَزَّةَ، فَأَتَى الْخَبَرُ إِلَى أَسَدٍ بِنُزُولِ خَاقَانَ بِجَزَّةَ، فَأَمَرَ بِالنِّيرَانِ فَرُفِعَتْ بِالْمَدِينَةِ، فَجَاءَ النَّاسُ مِنَ الرَّسَاتِيقِ إِلَيْهَا، فَأَصْبَحَ أَسَدٌ وَصَلَّى صَلَاةَ الْعِيدِ، عِيدِ الْأَضْحَى، وَخَطَبَ النَّاسَ، وَقَالَ: إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ الْحَارِثَ اسْتَجْلَبَ الطَّاغِيَةَ لِيُطْفِئَ نُورَ اللَّهِ وَيُبَدِّلَ دِينَهُ، وَاللَّهُ مُذِلُّهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَإِنَّ عَدُوَّكُمْ قَدْ أَصَابَ مِنْ إِخْوَانِكُمْ مَنْ أَصَابَ، وَإِنْ يُرِدِ اللَّهُ نَصْرَكُمْ لَمْ يَضُرَّكُمْ قِلَّتُكُمْ وَكَثْرَتُهُمْ، فَاسْتَنْصِرُوا اللَّهَ، وَإِنَّ أَقْرَبَ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ إِذَا وَضَعَ جَبْهَتَهُ لَهُ، وَإِنِّي نَازِلٌ وَوَاضِعٌ جَبْهَتِي، فَاسْجُدُوا لَهُ وَادْعُوا مُخْلِصِينَ.
فَفَعَلُوا وَرَفَعُوا رُءُوسَهُمْ وَلَا يَشُكُّونَ فِي الْفَتْحِ، ثُمَّ نَزَلَ وَضَحَّى وَشَاوَرَ النَّاسَ فِي الْمَسِيرِ إِلَى خَاقَانَ، قَالَ قَوْمٌ: تَحْفَظُ مَدِينَةَ بَلْخٍ وَتَكْتُبُ إِلَى خَالِدٍ وَالْخَلِيفَةِ تَسْتَمِدُّهُ. وَقَالَ قَوْمٌ: تَأْخُذُ فِي طَرِيقِ زُمَّ فَتَسْبِقُ خَاقَانَ إِلَى مَرْوَ. وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ تَخْرُجُ إِلَيْهِمْ. فَوَافَقَ هَذَا رَأْيَ أَسَدٍ، وَكَانَ عَزَمَ عَلَى لِقَائِهِمْ، فَخَرَجَ بِالنَّاسِ وَهُوَ فِي سَبْعَةِ آلَافٍ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ وَالشَّامِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى بَلْخٍ الْكَرْمَانِيَّ بْنَ عَلِيٍّ، وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يَدَعَ أَحَدًا يَخْرُجُ مِنْ مَدِينَتِهَا وَإِنْ ضَرَبَ التُّرْكُ بَابَهَا. وَنَزَلَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ بَلْخٍ، وَصَلَّى بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ طَوَّلَهُمَا، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَنَادَى فِي النَّاسِ: ادْعُوا اللَّهَ تَعَالَى، وَأَطَالَ الدُّعَاءَ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: نُصِرْتُمْ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى! ثُمَّ سَارَ، فَلَمَّا جَازَ قَنْطَرَةَ عَطَاءٍ نَزَلَ، وَأَرَادَ الْمُقَامَ حَتَّى يَتَلَاحَقَ بِهِ النَّاسُ، ثُمَّ أَمَرَ بِالرَّحِيلِ وَقَالَ: لَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى الْمُتَخَلِّفِينَ.
ثُمَّ ارْتَحَلَ وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ سَالِمُ بْنُ مَنْصُورٍ الْبَجَلِيُّ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ، فَلَقِيَ ثَلَاثَمِائَةٍ مِنَ التُّرْكِ طَلِيعَةً لِخَاقَانَ، فَأَسَرَ قَائِدَهُمْ وَسَبْعَةً مَعَهُ، وَهَرَبَ بَقِيَّتُهُمْ، فَأُتِيَ بِهِ أَسَدٌ فَبَكَى
стр. 2206
التُّرْكِيُّ، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: لَسْتُ أَبْكِي لِنَفْسِي وَلَكِنِّي أَبْكِي لِهَلَاكِ خَاقَانَ، إِنَّهُ قَدْ فَرَّقَ جُنُودَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَرْوَ.
فَسَارَ أَسَدٌ حَتَّى شَارَفَ مَدِينَةَ الْجُوزَجَانِ فَنَزَلَ عَلَيْهَا عَلَى فَرْسَخَيْنِ مِنْ خَاقَانَ، وَكَانَ قَدِ اسْتَبَاحَهَا خَاقَانُ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا تَرَاءَى الْعَسْكَرَانِ، فَقَالَ خَاقَانُ لِلْحَارِثِ بْنِ سُرَيْجٍ: أَلَمْ تَكُنْ أَخْبَرْتَنِي أَنَّ أَسَدًا لَا حَرَاكَ بِهِ وَهَذِهِ الْعَسَاكِرُ قَدْ أَقْبَلَتْ، مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَرَايَتُهُ.
فَبَعَثَ خَاقَانُ طَلِيعَةً وَقَالَ: انْظُرُوا هَلْ تَرَوْنَ عَلَى الْإِبِلِ سَرِيرًا وَكَرَاسِيَّ؟ فَعَادُوا إِلَيْهِ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا، فَقَالَ خَاقَانُ: هَذَا أَسَدٌ.
وَسَارَ أَسَدٌ قَدْرَ غَلْوَةٍ، فَلَقِيَهُ سَالِمُ بْنُ جَنَاحٍ فَقَالَ: أَبْشِرْ أَيُّهَا الْأَمِيرُ قَدْ حَزَرْتُمْ وَلَا يَبْلُغُونَ أَرْبَعَةَ آلَافٍ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَاقَانُ عَقِيرَةَ اللَّهِ. فَصَفَّ أَسَدٌ أَصْحَابَهُ، وَعَبَّى خَاقَانُ أَصْحَابَهُ، فَلَمَّا الْتَقَوْا حَمَلَ الْحَارِثُ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الصُّغْدِ وَغَيْرِهِمْ، وَكَانُوا مَيْمَنَةَ خَاقَانَ عَلَى مَيْسَرَةِ أَسَدٍ، فَهَزَمَهُمْ فَلَمْ يَرُدَّهُمْ شَيْءٌ دُونَ رِوَاقِ أَسَدٍ، وَحَمَلَتْ مَيْمَنَةُ أَسَدٍ وَهُمُ الْجُوزَجَانُ وَالْأَزْدُ وَتَمِيمٌ عَلَيْهِمْ، فَانْهَزَمَ الْحَارِثُ وَمَنْ مَعَهُ وَانْهَزَمَتِ التُّرْكُ جَمِيعُهَا، وَحَمَلَ النَّاسُ جَمِيعًا فَتَفَرَّقَ التُّرْكُ فِي الْأَرْضِ لَا يَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ، فَتَبِعَهُمُ النَّاسُ مِقْدَارَ ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ يَقْتُلُونَ [مَنْ يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ] حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى أَغْنَامِهِمْ وَأَخَذُوا مِنْهَا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ وَخَمْسِينَ أَلْفَ رَأْسٍ وَدَوَابَّ كَثِيرَةً.
وَأَخَذَ خَاقَانُ طَرِيقًا فِي الْجَبَلِ وَالْحَارِثُ يَحْمِيهِ، وَسَارَ مُنْهَزِمًا، فَقَالَ الْجُوزَجَانِيُّ لِعُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ: إِنِّي لَأَعْلَمُ بِبِلَادِي وَبِطُرُقِهَا، فَهَلْ تَتْبَعُنِي لَعَلَّنَا نُهْلِكُ خَاقَانَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَخَذَا طَرِيقًا وَسَارَا وَمَنْ مَعَهُمَا حَتَّى أَشْرَفُوا عَلَى خَاقَانَ فَأَوْقَعُوا بِهِ، فَوَلَّى مُنْهَزِمًا، فَحَوَى الْمُسْلِمُونَ عَسْكَرَ التُّرْكِ وَمَا فِيهِ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَوَجَدُوا فِيهِ مِنْ نِسَاءِ الْعَرَبِ وَالْمُوَلِّيَاتِ مِنْ نِسَاءِ التُّرْكِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. (وَوَحِلَ بِخَاقَانَ بِرْذَوْنُهُ فَحَمَاهُ الْحَارِثُ بْنُ سُرَيْجٍ، وَلَمْ يُعْلِمِ النَّاسَ أَنَّهُ خَاقَانُ) ، (وَأَرَادَ الْخَصِيُّ الَّذِي لِخَاقَانَ أَنْ يَحْمِلَ امْرَأَةَ خَاقَانَ) فَأَعْجَلُوهُ فَقَتَلَهَا، وَاسْتَنْقَذُوا مَنْ كَانَ مَعَ خَاقَانَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
وَتَتَبَّعَ أَسَدٌ خَيْلَ التُّرْكِ الَّتِي فَرَّقَهَا فِي الْغَارَةِ إِلَى مَرْوِ الرُّوذِ وَغَيْرِهَا فَقَتَلَ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ غَيْرُ الْقَلِيلِ، وَرَجَعَ إِلَى بَلْخٍ. وَكَانَ بِشْرٌ الْكَرْمَانِيُّ فِي السَّرَايَا
стр. 2207
فَيُصِيبُونَ مِنَ التُّرْكِ الرَّجُلَ وَالرَّجُلَيْنِ وَأَكْثَرَ.
وَمَضَى خَاقَانُ إِلَى طَخَارِسْتَانَ وَأَقَامَ عِنْدَ جَبْغَوَيْهِ الْخَزْلَجِيِّ، ثُمَّ ارْتَحَلَ إِلَى بِلَادِهِ، فَلَمَّا وَرَدَ أُشْرُوسَنَةَ تَلَقَّاهُ خَرَابُغْرَهْ أَبُو خَانَاجِزَهْ جَدُّ كَاوُوسَ أَبِي أَفْشِينَ بِكُلِّ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ، وَكَانَ مَا بَيْنَهُمَا مُتَبَاعِدًا، إِلَّا أَنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يَتَّخِذَ عِنْدَهُ يَدًا. ثُمَّ أَتَى خَاقَانُ بِلَادَهُ وَاسْتَعَدَّ لِلْحَرْبِ وَمُحَاصَرَةِ سَمَرْقَنْدَ، وَحَمَلَ الْحَارِثَ وَأَصْحَابَهُ عَلَى خَمْسَةِ آلَافِ بِرْذَوْنٍ. فَلَاعَبَ خَاقَانُ يَوْمًا كُورْصُولَ بِالنَّرْدِ عَلَى خَطَرٍ، فَتَنَازَعَا، فَضَرَبَ كُورْصُولُ يَدَ خَاقَانَ وَكَسَرَهَا، وَتَنَحَّى وَجَمَعَ جَمْعًا، وَبَلَغَهُ أَنَّ خَاقَانَ قَدْ حَلَفَ لَيَكْسِرَنَّ يَدَهُ، فَبَيَّتَ خَاقَانَ فَقَتَلَهُ، وَتَفَرَّقَتِ التُّرْكُ وَتَرَكُوهُ مُجَرَّدًا، فَأَتَاهُ نَفَرٌ مِنَ التُّرْكِ فَدَفَنُوهُ. وَاشْتَغَلَتِ التُّرْكُ يُغِيرُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، فَعِنْدَ ذَلِكَ طَمِعَ أَهْلُ الصُّغْدِ فِي الرَّجْعَةِ إِلَيْهَا.
وَأَرْسَلَ أَسَدٌ مُبَشِّرًا إِلَى هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَبِقَتْلِ خَاقَانَ، فَلَمْ يُصَدِّقْهُ وَقَالَ لِلرَّبِيعِ حَاجِبِهِ: لَا أَظُنُّ هَذَا صَادِقًا، اذْهَبْ فَعُدْهُ ثُمَّ سَلْهُ عَمَّا يَقُولُ، فَفَعَلَ مَا أَمَرَهُ بِهِ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ هِشَامًا، ثُمَّ أَرْسَلَ أَسَدٌ مُبَشِّرًا آخَرَ فَوَقَفَ عَلَى بَابِ هِشَامٍ وَكَبَّرَ، فَأَجَابَهُ هِشَامٌ بِالتَّكْبِيرِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ أَخْبَرَهُ بِالْفَتْحِ، فَسَجَدَ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى، فَحَسَدَتِ الْقَيْسِيَّةُ أَسَدًا وَقَالُوا لِهِشَامٍ: اكْتُبْ بِطَلَبِ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ النَّبَطِيِّ، فَسَيَّرَهُ أَسَدٌ إِلَى هِشَامٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ أَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ، فَقَالَ لَهُ هِشَامٌ: حَاجَتُكَ؟ قَالَ: إِنَّ يَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ أَخَذَ مِنْ أَبِي مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ فَاسْتَحْلَفَهُ عَلَى ذَلِكَ. فَكَتَبَ إِلَى أَسَدٍ، فَرَدَّهَا عَلَيْهِ، وَقَسَّمَهَا مُقَاتِلٌ بَيْنَ وَرَثَةِ حَيَّانَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى.
قَالَ أَبُو الْهِنْدِيِّ يَذْكُرُ هَذِهِ الْوَقْعَةَ
: أَبَا مُنْذِرٍ رُمْتَ الْأُمُورَ وَقِسْتَهَا ... وَسَاءَلْتَ عَنْهَا كَالْحَرِيصِ الْمُسَاوِمِ
فَمَا كَانَ ذُو رَأْيٍ مِنَ النَّاسِ قِسْتَهُ ... بِرَأْيِكَ إِلَّا مِثْلَ رَأْيِ الْبَهَائِمِ
أَبَا مُنْذِرٍ لَوْلَا مَسِيرُكَ لَمْ يَكُنْ ... عِرَاقٌ وَلَا انْقَادَتْ مُلُوكُ الْأَعَاجِمِ
وَلَا حَجَّ بَيْتَ اللَّهِ مَنْ حَجَّ رَاكِبًا ... وَلَا عَمَرَ الْبَطْحَاءَ بَعْدَ الْمَوَاسِمِ
وَكَمْ مِنْ قَتِيلٍ بَيْنَ سَانٍ وَجَزَّةٍ ... كَسِيرَ الْأَيَادِي مِنْ مُلُوكٍ قَمَاقِمِ
стр. 2208
تَرَكْتَ بِأَرْضِ الْجُوزَجَانِ تَزُورُهُ
سِبَاعٌ وَعِقْبَانٌ لَحَزِّ الْغَلَاصِمِ ... وَذِي سُوقَةٍ فِيهِ مِنَ السَّيْفِ خَبْطَةٌ
بِهِ رَمَقٌ مُلْقًى لِحَوْمِ الْحَوَائِمِ ... فَمِنْ هَارِبٍ مِنَّا وَمِنْ دَائِنٍ لَنَا
أَسِيرٍ يُقَاسِي مُبْهَمَاتِ الْأَدَاهِمِ ... فَدَتْكَ نُفُوسٌ مِنْ تَمِيمٍ وَعَامِرٍ
وَمِنْ مُضَرَ الْحَمْرَاءِ عِنْدَ الْمَآزِمِ ... هُمْ أَطْمَعُوا خَاقَانَ فِينَا فَأَصْبَحَتْ
حَلَائِبُهُ تَرْجُو خُلُوَّ الْمَغَانِمِ
وَكَانَ ابْنُ السَّايِجِيِّ الَّذِي أَخْبَرَ أَسَدًا بِمَجِيءِ خَاقَانَ قَدِ اسْتَخْلَفَهُ السَّبْلُ عَلَى مَمْلَكَتِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَأَوْصَاهُ بِثَلَاثِ خِصَالٍ، قَالَ: لَا تَسْتَطِلْ عَلَى أَهْلِ الْخُتُّلِ اسْتِطَالَتِي عَلَيْهِمْ، فَإِنِّي مَلِكٌ وَأَنْتَ لَسْتَ بِمَلِكٍ، إِنَّمَا أَنْتَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، وَقَالَ لَهُ: اطْلُبِ الْحُنَيْشَ حَتَّى تَرُدَّهُ إِلَى بِلَادِكُمْ، فَإِنَّهُ الْمَلِكُ بَعْدِي، وَكَانَ الْحُنَيْشُ قَدْ هَرَبَ إِلَى الصِّينِ، وَقَالَ لَهُ: لَا تُحَارِبُوا الْعَرَبَ وَادْفَعُوهَا عَنْكُمْ بِكُلِّ حِيلَةٍ.
فَقَالَ لَهُ ابْنُ السَّايِجِيِّ: أَمَّا تَرْكِي الِاسْتِطَالَةَ عَلَيْهِمْ وَرَدِّي الْحُنَيْشَ فَهُوَ الرَّأْيُ، وَأَمَّا قَوْلُكَ لَا تُحَارِبُوا الْعَرَبَ، فَكَيْفَ وَقَدْ كُنْتَ أَكْثَرَ الْمُلُوكِ مُحَارَبَةً لَهُمْ؟ قَالَ السَّبْلُ: قَدْ جَرَّبْتُ قُوَّتَكُمْ بِقُوَّتِي فَمَا رَأَيْتُكُمْ تَقَعُونَ مِنِّي مَوْقِعًا، وَكُنْتُ إِذَا حَارَبْتُهُمْ لَمْ أُفْلِتْ مِنْهُمْ إِلَّا جَرِيضًا، وَإِنَّكُمْ إِذَا حَارَبْتُمُوهُمْ هَلَكْتُمْ.
فَهَذَا الَّذِي كَرَّهَ إِلَى ابْنِ السَّايِجِيِّ مُحَارِبَةَ الْعَرَبِ.
ذِكْرُ قَتْلِ الْمُغِيرَةِ بْنِ سَعِيدٍ وَبَيَانٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ الْمُغِيرَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَبَيَانٌ فِي سِتَّةِ نَفَرٍ، وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ الْوُصَفَاءَ،
стр. 2209
وَكَانَ الْمُغِيرَةُ سَاحِرًا، وَكَانَ يَقُولُ: لَوْ أَرَدْتُ أَنْ أُحْيِيَ عَادًا وَثَمُودَ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرَةً لَفَعَلْتُ. وَبَلَغَ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيَّ خُرُوجُهُمْ بِظَهْرِ الْكُوفَةِ وَهُوَ يَخْطُبُ فَقَالَ: أَطْعِمُونِي مَاءً، فَقَالَ يَحْيَى بْنُ نَوْفَلَ فِي ذَلِكَ:
أَخَالِدُ لَا جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا ... وَأَيْرٌ فِي حِرِّ أُمِّكَ مِنْ أَمِيرِ
وَكُنْتَ لَدَى الْمُغِيرَةِ عَبْدَ سَوْءٍ ... تَبُولُ مِنَ الْمَخَافَةِ لِلزَّئِيرِ
وَقُلْتَ لِمَا أَصَابَكَ أَطْعِمُونِي ... شَرَابًا ثُمَّ بُلْتَ عَلَى السَّرِيرِ
لِأَعْلَاجٍ ثَمَانِيَةٍ وَشَيْخٍ ... كَبِيرِ السِّنِّ لَيْسَ بِذِي نَصِيرِ
فَأَرْسَلَ خَالِدٌ فَأَخَذَهُمْ، وَأَمَرَ بِسَرِيرِهِ فَأُخْرِجَ إِلَى الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، وَأَمَرَ بِالْقَصَبِ وَالنِّفْطِ فَأُحْضِرَا فَأَحْرَقَهُمْ، وَأَرْسَلَ إِلَى مَالِكِ بْنِ أَعْيَنَ الْجَرْمِيِّ فَسَأَلَهُ، فَصَدَقَهُ، فَتَرَكَهُ.
وَكَانَ رَأْيُ الْمُغِيرَةِ التَّجْسِيمَ، يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ عَلَى صُورَةِ رَجُلٍ عَلَى رَأْسِهِ تَاجٌ، وَإِنَّ أَعْضَاءَهُ عَلَى عَدَدِ حُرُوفِ الْهِجَاءِ وَيَقُولُ مَا لَا يَنْطِقُ بِهِ لِسَانٌ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ تَكَلَّمَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ فَطَارَ فَوَقَعَ عَلَى تَاجِهِ، ثُمَّ كَتَبَ بِإِصْبَعِهِ عَلَى كَفِّهِ أَعْمَالَ عِبَادِهِ مِنَ الْمَعَاصِي وَالطَّاعَاتِ، فَلَمَّا رَأَى الْمَعَاصِيَ ارْفَضَّ عَرَقًا، فَاجْتَمَعَ مِنْ عَرَقِهِ بَحْرَانِ أَحَدُهُمَا مِلْحٌ مُظْلِمٌ وَالْآخَرُ عَذْبٌ نَيِّرٌ، ثُمَّ اطَّلَعَ فِي الْبَحْرِ فَرَأَى ظِلَّهُ فَذَهَبَ لِيَأْخُذَهُ فَطَارَ فَأَدْرَكَهُ، فَقَلَعَ عَيْنَيْ ذَلِكَ الظِّلِّ وَمَحَقَهُ، فَخَلَقَ مِنْ عَيْنَيْهِ الشَّمْسَ وَسَمَاءً أُخْرَى، وَخَلَقَ مِنَ الْبَحْرِ الْمِلْحِ الْكُفَّارَ، وَمِنَ الْبَحْرِ الْعَذْبِ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَانَ يَقُولُ بِإِلَهِيَّةِ عَلِيٍّ وَتَكْفِيرِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَسَائِرِ الصَّحَابَةِ إِلَّا مَنْ ثَبَتَ مَعَ عَلِيٍّ، وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي شَيْءٍ مِنَ الشَّرَائِعِ، وَكَانَ يَقُولُ بِتَحْرِيمِ مَاءِ الْفُرَاتِ وَكُلِّ نَهْرٍ أَوْ عَيْنٍ أَوْ بِئْرٍ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ، وَكَانَ يَخْرُجُ إِلَى الْمَقْبَرَةِ فَيَتَكَلَّمُ فَيُرَى أَمْثَالُ الْجَرَادِ عَلَى الْقُبُورِ.
وَجَاءَ الْمُغِيرَةُ إِلَى مُحَمَّدٍ الْبَاقِرِ فَقَالَ لَهُ: أَقْرِرْ أَنَّكَ تَعْلَمُ الْغَيْبَ حَتَّى أَجْبِيَ لَكَ الْعِرَاقَ. فَنَهَرَهُ وَطَرَدَهُ. وَجَاءَ إِلَى ابْنِهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ! وَكَانَ الشَّعْبِيُّ يَقُولُ لِلْمُغِيرَةِ: مَا فَعَلَ الْإِمَامُ؟ فَيَقُولُ: أَتَتَهَزَّأُ بِهِ؟ فَيَقُولُ: لَا إِنَّمَا أَتَهَزَّأُ بِكَ.
وَأَمَّا بَيَانٌ فَإِنَّهُ يَقُولُ بِإِلَهِيَّةِ عَلِيٍّ، وَإِنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ إِلَهَانِ، وَمُحَمَّدَ ابْنَ الْحَنَفِيَّةِ
стр. 2210
بَعْدَهُمْ، ثُمَّ بَعْدَهُ ابْنُهُ أَبُو هَاشِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ بِنَوْعٍ مِنَ التَّنَاسُخِ، وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَفْنَى جَمِيعُهُ إِلَّا وَجْهَهُ، وَيَحْتَجُّ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] . تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ وَالْجَاحِدُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. وَادَّعَى النُّبُوَّةَ، وَزَعَمَ أَنَّهُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٨] .
ذِكْرُ خَبَرِ الْخَوَارِجِ هَذِهِ السَّنَةَ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ بُهْلُولُ بْنُ بِشْرٍ الْمُلَقَّبُ كُثَارَةُ، وَهُوَ مِنَ الْمَوْصِلِ مِنْ شَيْبَانَ.
فَقِيلَ: وَكَانَ سَبَبُ خُرُوجِهِ أَنَّهُ خَرَجَ يُرِيدُ الْحَجَّ، فَأَمَرَ غُلَامَهُ يَبْتَاعُ لَهُ خَلًّا بِدِرْهَمٍ، فَأَتَاهُ بِخَمْرٍ، فَأَمَرَهُ بَرَدِّهَا وَأَخَذَ الدِّرْهَمَ، فَلَمْ يُجِبْهُ صَاحِبُ الْخَمْرِ إِلَى ذَلِكَ، فَجَاءَ بُهْلُولٌ إِلَى عَامِلِ الْقَرْيَةِ، وَهِيَ مِنَ السَّوَادِ، فَكَلَّمَهُ، فَقَالَ الْعَامِلُ: الْخَمْرُ خَيْرٌ مِنْكَ وَمِنْ قَوْلِكَ. فَمَضَى فِي حَجِّهِ وَقَدْ عَزَمَ عَلَى الْخُرُوجِ، فَلَقِيَ بِمَكَّةَ مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ رَأْيِهِ، فَاتَّعَدُوا قَرْيَةً مِنْ قُرَى الْمَوْصِلِ، فَاجْتَمَعُوا بِهَا، وَهُمْ أَرْبَعُونَ رَجُلًا، وَأَمَّرُوا عَلَيْهِمْ بُهْلُولًا، وَكَتَمُوا أَمْرَهُمْ وَجَعَلُوا لَا يَمُرُّونَ بِعَامِلٍ إِلَّا أَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَدِمُوا مِنْ عِنْدِ هِشَامٍ عَلَى بَعْضِ الْأَعْمَالِ، وَأَخَذُوا دَوَابَّ الْبَرِيدِ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي ابْتَاعَ الْغُلَامُ بِهَا الْخَمْرَ قَالَ بُهْلُولٌ: نَبْدَأُ بِهَذَا الْعَامِلِ فَنَقْتُلُهُ. فَقَالَ أَصْحَابُهُ: نَحْنُ نُرِيدُ قَتْلَ خَالِدٍ، فَإِنْ بَدَأْنَا بِهَذَا شُهِرَ أَمْرُنَا وَحَذِرَنَا خَالِدٌ وَغَيْرُهُ، فَنَشَدْنَاكَ اللَّهَ أَنْ نَقْتُلَ هَذَا فَيُفْلِتُ مِنَّا خَالِدٌ الَّذِي يَهْدِمُ الْمَسَاجِدَ، وَيَبْنِي الْبِيَعَ وَالْكَنَائِسَ، وَيُوَلِّي الْمَجُوسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَيُنْكِحُ أَهْلَ الذِّمَّةِ الْمُسْلِمَاتِ، لَعَلَّنَا نَقْتُلُهُ فَيُرِيحُ اللَّهُ مِنْهُ. قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَدَعُ مَا يَلْزَمُنِي لِمَا بَعْدَهُ، وَأَرْجُو أَنْ أَقْتُلَ هَذَا وَخَالِدًا، فَقَتَلَهُ، فَعَلِمَ بِهِمُ النَّاسُ أَنَّهُمْ خَوَارِجُ، وَهَرَبُوا، وَخَرَجَتِ الْبَرِيدُ إِلَى خَالِدٍ فَأَعْلَمُوهُ بِهِمْ، وَلَا يَدْرُونَ مَنْ رَئِيسُهُمْ.
فَخَرَجَ خَالِدٌ مِنْ وَاسِطٍ وَأَتَى الْحِيرَةَ، وَكَانَ بِهَا جُنْدٌ قَدْ قَدِمُوا مِنَ الشَّامِ مَدَدًا لِعَامِلِ الْهِنْدِ، فَأَمَرَهُمْ خَالِدٌ بِقِتَالِهِ وَقَالَ: مَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ رَجُلًا أَعْطَيْتُهُ عَطَاءً سِوَى مَا أَخَذَ فِي الشَّامِ، وَأَعْفَيْتُهُ مِنَ الْخُرُوجِ إِلَى الْهِنْدِ. فَسَارَعُوا إِلَى ذَلِكَ، فَتَوَجَّهَ مُقَدِّمُهُمْ، وَهُوَ مِنْ بَنِي الْقَيْنِ، وَمَعَهُ سِتُّمِائَةٍ مِنْهُمْ، فَضَمَّ إِلَيْهِ خَالِدٌ مِائَتَيْنِ مِنَ الشُّرَطِ، فَالْتَقَوْا عَلَى الْفُرَاتِ، فَقَالَ الْقَيْنِيُّ لِمَنْ مَعَهُ مِنَ الشُّرَطِ: لَا تَكُونُوا مَعَنَا لِيَكُونَ الظَّفَرُ لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ. وَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَحَمَلَ عَلَى الْقَيْنِيِّ فَأَنْفَذَهُ، وَانْهَزَمَ أَهْلُ الشَّامِ وَالشُّرَطِ، وَتَبِعَهُمْ بُهْلُولٌ وَأَصْحَابُهُ يَقْتُلُونَهُمْ حَتَّى بَلَغُوا الْكُوفَةَ.
следующие страницы →