← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

ذِكْرُ وِلَايَةِ خَالِدٍ الْقَسْرِيِّ الْعِرَاقَ فِيهَا عَزَلَ هِشَامٌ عُمَرَ بْنَ هُبَيْرَةَ عَنِ الْعِرَاقِ، وَاسْتَعْمَلَ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيَّ فِي شَوَّالٍ. قَالَ عُمَرُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ عُمَيْرٍ الْأُسَيِّدِيُّ: دَخَلْتُ عَلَى هِشَامٍ وَخَالِدٌ عِنْدَهُ، وَهُوَ يَذْكُرُ طَاعَةَ أَهْلِ الْيَمَنِ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ هَكَذَا خَطَأً وَخَطَلًا، وَاللَّهِ مَا فُتِحَتْ فِتْنَةٌ فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا بِأَهْلِ الْيَمَنِ، هُمْ قَتَلُوا عُثْمَانَ، وَهُمْ خَلَعُوا عَبْدَ الْمَلِكِ، وَإِنَّ سُيُوفَنَا لَتَقْطُرُ مِنْ دِمَاءِ أَهْلِ الْمُهَلَّبِ. قَالَ: فَلَمَّا قُمْتُ تَبِعَنِي رَجُلٌ مِنْ آلِ مَرْوَانَ، فَقَالَ: يَا أَخَا بَنِي تَمِيمٍ وَرَتْ بِكَ زِنَادِي، قَدْ سَمِعْتُ مَقَالَتَكَ، وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ وَلَّى خَالِدًا الْعِرَاقَ، وَلَيْسَتْ لَكَ بِدَارٍ! فَسَارَ خَالِدٌ إِلَى الْعِرَاقِ مِنْ يَوْمِهِ. (الْأُسَيِّدِيُّ: بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ، هَكَذَا يَقُولُهُ الْمُحَدِّثُونَ، وَأَمَّا النُّحَاةُ فَإِنَّهُمْ يُخَفِّفُونَ الْيَاءَ، وَهِيَ عِنْدُ الْجَمِيعِ نِسْبَةٌ إِلَى أُسَيِّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ، بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ) . ذِكْرُ دُعَاةِ بَنِي عَبَّاسٍ قِيلَ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قَدِمَ بُكَيْرُ بْنُ مَاهَانَ مِنَ السِّنْدِ، وَكَانَ بِهَا مَعَ الْجُنَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. فَلَمَّا عُزِلَ الْجُنَيْدُ قَدِمَ بُكَيْرٌ الْكُوفَةَ، وَمَعَهُ أَرْبَعُ لَبِنَاتٍ مِنْ فِضَّةٍ، وَلَبِنَةٌ مِنْ ذَهَبَ، فَلَقِيَ أَبَا عِكْرِمَةَ الصَّادِقَ وَمَيْسَرَةَ وَمُحَمَّدَ بْنَ خُنَيْسٍ، وَسَالِمًا الْأَعْيَنَ، وَأَبَا يَحْيَى مَوْلَى بَنِي سَلِمَةَ، فَذَكَرُوا لَهُ أَمْرَ دَعْوَةِ بَنِي هَاشِمٍ، فَقَبِل ذَلِكَ وَرَضِيَهُ وَأَنْفَقَ مَا مَعَهُ عَلَيْهِمْ، وَدَخَلَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَمَاتَ مَيْسَرَةُ فَأَقَامَهُ مَقَامَهُ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا الْجَرَّاحُ الْحَكَمِيُّ اللَّانَ حَتَّى جَازَ ذَلِكَ إِلَى مَدَائِنَ وَحُصُونٍ وَرَاءَ بَلَنْجَرَ، فَفَتَحَ بَعْضَ ذَلِكَ، وَأَصَابَ غَنَائِمَ كَثِيرَةً.

стр. 2137

وَفِيهَا كَانَتْ غَزْوَةُ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَرْضَ الرُّومِ، فَبَعَثَ سَرِيَّةً فِي نَحْوِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ فَأُصِيبُوا جَمِيعًا. وَفِيهَا غَزَا مُسْلِمُ بْنُ سَعِيدٍ الْكِلَابِيُّ أَمِيرُ خُرَاسَانَ التُّرْكَ بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ، فَلَمْ يَفْتَحْ شَيْئًا وَقَفَلَ، فَتَبِعَهُ التُّرْكُ، فَلَحِقُوهُ وَالنَّاسُ يَعْبُرُونَ جَيْحُونَ، وَعَلَى السَّاقَةِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ حَيَّانَ عَلَى خَيْلِ تَمِيمٍ، فَحَامُوا حَتَّى عَبَرَ النَّاسُ. وَغَزَا مَسْلَمَةُ أَفْشِينَ، فَصَالَحَ أَهْلَهَا عَلَى سِتَّةِ آلَافِ رَأْسٍ، وَدُفِعَ إِلَيْهِ الْقَلْعَةُ، وَذَلِكَ لِتَمَامِ خَمْسٍ وَمِائَةٍ بَعْدَ مَوْتِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَفِيهَا غَزَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّائِفَةَ الْيُمْنَى، فَافْتَتَحَ قُونِيَةَ مِنْ أَرْضِ الرُّومِ وَكُمْخَ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِشَامٍ خَالُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَطَاءٍ: مَتَى أَخْطُبُ؟ قَالَ: بَعْدَ الظُّهْرِ قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بِيَوْمٍ، فَخَطَبَ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَقَالَ: أَخْبَرَنِي رَسُولِي عَنْ عَطَاءٍ، فَقَالَ عَطَاءٌ: مَا أَمَرْتُهُ إِلَّا بَعْدَ الظُّهْرِ، فَاسْتَحْيَا. وَكَانَ هَذِهِ السَّنَةَ عَلَى الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَالطَّائِفِ عَبْدُ الْوَاحِدِ النَّضْرِيُّ. وَكَانَ عَلَى الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ: عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ. وَكَانَ عَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ: حُسَيْنُ بْنُ حَسَنٍ الْكِنْدِيُّ. وَعَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ: مُوسَى بْنُ أَنَسٍ.

стр. 2138

[الوَفَيَاتُ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ كُثَيِّرُ عَزَّةَ. وَعِكْرِمَةُ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَانَ عِكْرِمَةُ زَوْجَ أُمِّ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وَفِيهَا مَاتَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ، وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً. (وَفِيهَا تُوُفِّيَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ عُبَيْدُ بْنُ حُنَيْنٍ، وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً) ، وَأَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وَلَهُ تِسْعُونَ سَنَةً، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَبِيبِ بْنِ رَبِيعَةَ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أُمُّهُ صَفِيَّةُ أُخْتُ الْمُخْتَارِ، وَأَوْصَى إِلَيْهِ أَبُوهُ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَخُوهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَهُوَ أَخُو سَالِمٍ لِأُمِّهِ، أُمُّهُمَا أُمُّ وَلَدٍ. فِي أَيَّامِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ تُوُفِّيَ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَكَانَ قَدْ فُلِجَ.

стр. 2139

وَفِيهَا تُوُفِّيَ عُمَارَةُ بْنُ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَلَهُ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً. وَفِي أَيَّامِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ مَاتَ الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ. وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ الْجُنْدَعِيُّ اللَّيْثِيُّ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، سَكَنَ الشَّامَ، (الْجُنْدَعِيُّ بِضَمِّ الْجِيمِ، وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَةِ، وَالنُّونِ) . وَعِرَاكُ بْنُ مَالِكٍ الْغِفَارِيُّ وَالِدُ خَيْثَمَ بْنِ عِرَاكَ. وَمُوَرِّقٌ الْعِجْلِيُّ.

стр. 2140

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَمِائَةٍ] ١٠٦ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَمِائَةٍ ذَكَّرَ الْوَقْعَةِ بَيْنَ مُضَرَ وَالْيَمَنِ بِخُرَاسَانَ قِيلَ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتِ الْوَقْعَةُ بَيْنَ الْمُضَرِيَّةِ وَالْيَمَانِيَّةِ بِالْبَرُوقَانِ مِنْ أَرْضِ بَلْخٍ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ مُسْلِمَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ أَسْلَمَ بْنِ زُرْعَةَ غَزَا، فَتَبَطَّأَ النَّاسُ عَنْهُ، وَكَانَ مِمَّنْ تَبَطَّأَ عَنْهُ الْبَخْتَرِيُّ بْنُ دِرْهَمٍ، فَرَدَّ مُسْلِمٌ نَصْرَ بْنَ سَيَّارٍ، وَبَلْعَاءَ بْنَ مُجَاهِدٍ، وَغَيْرَهُمَا إِلَى بَلْخٍ، فَأَمَرَهُمَا أَنْ يُخْرِجُوا النَّاسَ، فَأَحْرَقَ نَصْرُ بَابَ الْبَخْتَرِيِّ، وَزِيَادِ بْنِ طَرِيفٍ الْبَاهِلِيِّ، فَمَنَعَهُمْ عَمْرُو بْنُ مُسْلِمٍ أَخُو قُتَيْبَةَ دُخُولَ بَلْخٍ وَكَانَ عَلَيْهَا، وَقَطَعَ مُسْلِمُ بْنُ سَعِيدٍ النَّهْرَ، وَنَزَلَ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ الْبَرُوقَانِ، وَأَتَاهُ أَهْلُ الصَّغَانَيَانِ، وَمَسْلَمَةُ التَّمِيمِيُّ، وَحَسَّانُ بْنُ خَالِدٍ الْأَسَدِيُّ، وَغَيْرُهُمَا، وَتَجَمَّعَتْ رَبِيعَةُ وَالْأَزْدُ بِالْبَرُوقَانِ، عَلَى نِصْفِ فَرْسَخٍ مِنْ نَصْرٍ، وَخَرَجَتْ مُضَرُ إِلَى نَصْرٍ، وَخَرَجَتْ رَبِيعَةُ وَالْأَزْدُ إِلَى عَمْرِو بْنِ مُسْلِمِ بْنِ عَمْرٍو، وَأَرْسَلَتْ تَغْلِبُ إِلَى عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ: إِنَّكَ مِنَّا، وَأَنْشَدُوهُ شِعْرًا قَالَهُ رَجُلٌ عَزَا بَاهِلَةَ إِلَى تَغْلِبَ، وَكَانَ بَنُو قُتَيْبَةَ مِنْ بَاهِلَةَ، فَلَمْ يَقْبَلْ عَمْرُو ذَلِكَ. وَسَفَرَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ، وَيَزِيدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ الْحُدَّانِيُّ فِي الصُّلْحِ، وَكَلَّمَا نَصْرًا، فَانْصَرَفَ، فَحَمَلَ أَصْحَابُ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ وَالْبَخْتَرِيِّ عَلَى نَصْرٍ، وَكَرَّ نَصْرُ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ رَجُلٌ مِنْ بَاهِلَةَ مِنْ أَصْحَابِ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ فِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَانْهَزَمَ عَمْرٌو، وَأَرْسَلَ يَطْلُبُ الْأَمَانَ مِنْ نَصْرٍ، فَآمَنُهُ، وَقِيلَ: أَصَابُوا عَمْرًا فِي طَاحُونَةٍ، فَأَتَوْا بِهِ نَصْرًا وَفِي عُنُقِهِ حَبْلٌ، فَآمَنَهُ وَضَرَبَهُ مِائَةً، وَضَرَبَ الْبَخْتَرِيَّ وَزِيَادَ بْنَ طَرِيفٍ مِائَةً مِائَةً، وَحَلَقَ رُءُوسَهُمْ وَلِحَاهُمْ، وَأَلْبَسَهُمُ الْمُسُوحَ. وَقِيلَ إِنَّ الْهَزِيمَةَ كَانَتْ أَوَّلًا عَلَى نَصْرٍ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ مُضَرَ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ مُسْلِمٍ لِرَجُلٍ مَعَهُ مِنْ تَمِيمٍ: كَيْفَ تَرَى أَسْتَاهُ قَوْمِكَ يَا أَخَا تَمِيمٍ؟ يُعَيِّرُهُ بِذَلِكَ. ثُمَّ كَرَّتْ

стр. 2141

تَمِيمٌ فَهَزَمَتْ أَصْحَابَ عَمْرٍو، فَقَالَ التَّمِيمِيُّ لِعَمْرٍو: هَذِهِ أَسْتَاهُ قَوْمِي. وَقِيلَ: كَانَ سَبَبُ انْهِزَامِ عَمْرٍو أَنَّ رَبِيعَةَ كَانَتْ مَعَ عَمْرٍو، فَقُتِلَ مِنْهُمْ وَمِنَ الْأَزْدِ جَمَاعَةٌ، فَقَالَتْ رَبِيعَةُ: عَلَامَ نُقَاتِلُ إِخْوَانَنَا وَأَمِيرَنَا، وَقَدْ تَقَرَّبْنَا إِلَى عَمْرٍو فَأَنْكَرَ قَرَابَتَنَا؟ فَاعْتَزَلُوا، فَانْهَزَمَتِ الْأَزْدُ وَعَمْرٌو، ثُمَّ آمَنَهُمْ نَصْرٌ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَلْحَقُوا مُسْلِمَ بْنَ سَعِيدٍ. ذِكْرُ غَزْوِ مُسْلِمٍ التُّرْكَ ثُمَّ قَطَعَ مُسْلِمٌ النَّهْرَ، وَلَحِقَ بِهِ مَنْ لَحِقَ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا بَلَغَ بُخَارَى أَتَاهُ كِتَابُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بِوِلَايَتِهِ الْعِرَاقَ، وَيَأْمُرُهُ بِإِتْمَامِ غَزَاتِهِ. فَسَارَ إِلَى فَرْغَانَةَ، فَلَمَّا وَصَلَهَا بَلَغَهُ أَنَّ خَاقَانَ قَدْ أَقْبَلَ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ فِي مَوْضِعٍ ذَكَرُوهُ، فَارْتَحَلَ، فَسَارَ ثَلَاثَ مَرَاحِلَ فِي يَوْمٍ، وَأَقْبَلَ إِلَيْهِمْ خَاقَانُ، فَلَقِيَ طَائِفَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَصَابَ دَوَابَّ لِمُسْلِمٍ، وَقَتَلَ جَمَاعَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقُتِلَ الْمُسَيَّبُ بْنُ بِشْرٍ الرِّيَاحَيُّ، وَالْبَرَاءُ، وَكَانَ مِنْ فُرْسَانِ الْمُهَلَّبِ، وَقُتِلَ أَخُو غَوْزَكَ، وَثَارَ النَّاسُ فِي وُجُوهِهِمْ فَأَخْرَجُوهُمْ مِنَ الْعَسْكَرِ، وَرَحَلَ مُسْلِمٌ بِالنَّاسِ، فَسَارَ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ وَهُمْ مُطِيفُونَ بِهِمْ، فَلَمَّا كَانَتِ التَّاسِعَةُ أَرَادُوا النُّزُولَ، فَشَاوَرُوا النَّاسَ، فَأَشَارَ بِهِ وَقَالُوا: إِذَا أَصْبَحْنَا وَرْدَنَا الْمَاءَ [وَالْمَاءُ] مِنَّا غَيْرُ بَعِيدٍ. فَنَزَلُوا وَلَمْ يَرْفَعُوا بِنَاءً فِي الْعَسْكَرِ، وَأَحْرَقَ النَّاسُ مَا ثَقُلَ مِنَ الْآنِيَةِ وَالْأَمْتِعَةِ، فَحَرَقُوا مَا قِيمَتُهُ أَلْفُ أَلْفٍ، وَأَصْبَحَ النَّاسُ، فَسَارُوا، فَوَرَدُوا النَّهْرَ، وَأَهْلُ فَرْغَانَةَ وَالشَّاشِ دُونَهُ، فَقَالَ مُسْلِمُ بْنُ سَعِيدٍ: أَعْزِمُ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ إِلَّا اخْتَرَطَ سَيْفَهُ، فَفَعَلُوا وَصَارَتِ الدُّنْيَا كُلُّهَا سُيُوفًا، فَتَرَكُوا الْمَاءَ وَعَبَرُوا. فَأَقَامَ يَوْمًا، ثُمَّ قَطَعَ مِنْ غَدٍ، وَاتَّبَعَهُمُ ابْنٌ لِخَاقَانَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ عَلَى السَّاقَةِ: قِفْ لِي فَإِنَّ خَلْفِي مِائَتَيْ رَجُلٍ مِنَ التُّرْكِ حَتَّى أُقَاتِلَهُمْ، وَهُوَ مُثْقَلٌ جِرَاحَةً، فَوَقَفَ النَّاسُ، وَعَطَفَ عَلَى التُّرْكِ، فَقَاتَلَهُمْ، وَأُسِرَ أَهْلُ الصُّغْدِ وَقَائِدُهُمْ وَقَائِدُ التُّرْكِ فِي سَبْعَةٍ، وَمَضَى الْبَقِيَّةُ، وَرَجَعَ حُمَيْدٌ، فَرُمِيَ بِنُشَّابَةٍ فِي رُكْبَتِهِ، فَمَاتَ. وَعَطِشَ النَّاسُ، وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْعَامِرِيُّ حَمَلَ عِشْرِينَ قِرْبَةً عَلَى إِبِلِهِ، فَسَقَاهَا النَّاسَ جُرَعًا جُرَعًا، وَاسْتَسْقَى مُسْلِمُ بْنُ سَعِيدٍ، فَأَتَوْهُ بِإِنَاءٍ، فَأَخَذَهُ جَابِرٌ أَوْ حَارِثَةُ بْنُ

стр. 2142

كَثِيرٍ أَخُو سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ مِنْ فِيهِ، فَقَالَ مُسْلِمٌ: دَعُوهُ فَمَا نَازَعَنِي شَرْبَتِي إِلَّا مِنْ حَرٍّ دَخَلَهُ. وَأَتَوْا خُجَنْدَةَ، وَقَدْ أَصَابَهُمْ مَجَاعَةٌ وَجَهْدٌ، فَانْتَشَرَ النَّاسُ، فَإِذَا فَارِسَانِ يَسْأَلَانِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نُعَيْمٍ، فَأَتَيَاهُ بِعَهْدِهِ عَلَى خُرَاسَانَ مِنْ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَخِي خَالِدٍ، فَأَقْرَأَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مُسْلِمًا، فَقَالَ: سَمْعًا وَطَاعَةً. وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَوَّلَ مَنِ اتَّخَذَ الْخِيَامَ فِي مَفَازَةِ آمُلَ. قَالَ الْخَزْرَجُ التَّغْلَبِيُّ: قَاتَلْنَا التُّرْكَ، فَأَحَاطُوا بِنَا حَتَّى أَيْقَنَّا بِالْهَلَاكِ، فَحَمَلَ حَوْثَرَةُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ الْحُرِّ بْنِ الْخُنَيْفِ عَلَى التُّرْكِ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ، فَقَاتَلَهُمْ سَاعَةً ثُمَّ رَجَعَ، وَأَقْبَلَ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ فِي ثَلَاثِينَ فَارِسًا، فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى أَزَالَهُمْ عَنْ مَوَاضِعِهِمْ، فَحَمَلَ عَلَيْهِمُ النَّاسُ، فَانْهَزَمَ التُّرْكُ، وَحَوْثَرَةُ وَهُوَ ابْنُ أَخِي رَقَبَةَ بْنِ الْحُرِّ. قِيلَ: وَكَانَ عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ قَالَ لِمُسْلِمِ بْنِ سَعِيدٍ حِينَ وَلَّاهُ: لِيَكُنْ حَاجِبُكَ مِنْ صَالِحِ مُوَالِيكَ، فَإِنَّهُ لِسَانُكَ وَالْمُعَبِّرُ عَنْكَ، وَعَلَيْكَ بِعُمَّالِ الْعُذْرِ. قَالَ: وَمَا عُمَّالُ الْعُذْرِ؟ قَالَ: تَأْمُرُ أَهْلَ كُلِّ بَلَدٍ أَنْ يَخْتَارُوا لِأَنْفُسِهِمْ، فَإِنْ كَانَ خَيْرًا كَانَ لَكَ، وَإِنْ كَانَ شَرًّا كَانَ لَهُمْ دُونَكَ، وَكُنْتَ مَعْذُورًا. وَكَانَ عَلَى خَاتَمِ مُسْلِمِ بْنِ سَعِيدٍ تَوْبَةُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، فَلَمَّا وَلِيَ أَسَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ خُرَاسَانَ جَعَلَهُ عَلَى خَاتَمِهِ أَيْضًا. ذِكْرُ حَجِّ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَكَتَبَ لَهُ أَبُو الزِّنَادِ سُنَنَ الْحَجِّ. قَالَ أَبُو الزِّنَادِ: لَقِيتُ هِشَامًا، فَإِنِّي لَفِي الْمَوْكِبِ إِذْ لَقِيَهُ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَسَارَ إِلَى جَنْبِهِ، فَسَمِعَهُ يَقُولُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ يُنْعِمُ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَيَنْصُرُ خَلِيفَتَهُ الْمَظْلُومَ، وَلَمْ يَزَالُوا يَلْعَنُونَ فِي هَذِهِ الْمُوَاطِنِ أَبَا تُرَابٍ! فَإِنَّهَا مَوَاطِنُ صَالِحَةٌ، وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَلْعَنَهُ فِيهَا.

стр. 2143

فَشَقَّ عَلَى هِشَامٍ قَوْلُهُ وَقَالَ: مَا قَدِمْنَا لِشَتْمِ أَحَدٍ وَلَا لِلَعْنِهِ، قَدِمْنَا حُجَّاجًا، ثُمَّ قَطَعَ كَلَامَهُ وَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَسَأَلَنِي عَنِ الْحَجِّ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا كَتَبْتُ لَهُ، قَالَ: وَشَقَّ عَلَى سَعِيدٍ أَنِّي سَمِعْتُهُ تَكَلَّمَ بِذَلِكَ، وَكَانَ مُنْكَسِرًا كُلَّمَا رَآنِي. ذِكْرُ وِلَايَةِ أَسَدٍ خُرَاسَانَ قِيلَ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَعْمَلَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَخَاهُ أَسَدًا عَلَى خُرَاسَانَ، فَقَدِمَهَا وَمُسْلِمُ بْنُ سَعِيدٍ [غَازٍ] بِفَرْغَانَةَ، فَلَمَّا أَتَى أَسَدٌ النَّهْرَ لِيَقْطَعَهُ مَنْعَهُ الْأَشْهَبُ بْنُ عُبَيْدٍ التَّمِيمِيُّ، وَكَانَ عَلَى السُّفُنِ بِآمُلَ، وَقَالَ: قَدْ نُهِيتُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَعْطَاهُ وَلَاطَفَهُ، فَأَبَى، قَالَ: فَإِنِّي أَمِيرٌ، فَأَذِنَ لَهُ، فَقَالَ أَسَدٌ: اعْرِفُوا هَذَا حَتَّى نَشْكُرَهُ فِي أَمَانَتِنَا. وَأَتَى الصُّغْدَ فَنَزَلَ بِالْمَرَجِ، وَعَلَى سَمَرْقَنْدَ هَانِئُ بْنُ هَانِئٍ، فَخَرَجَ فِي النَّاسِ يَلْقَى أَسَدًا، فَرَآهُ عَلَى حَجَرٍ، فَتَفَاءَلَ النَّاسُ، وَقَالُوا: مَا عِنْدَ هَذَا خَيْرٌ، أَسَدٌ عَلَى حَجَرٍ. وَدَخَلَ سَمَرْقَنْدَ وَبَعَثَ رَجُلَيْنِ مَعَهُمَا عَهْدُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نُعَيْمٍ عَلَى الْجُنْدِ، فَقَدِمَا وَسَأَلَا عَنْهُ وَسَلَّمَا إِلَيْهِ الْعَهْدَ، فَأَتَى بِهِ مُسْلِمًا فَقَالَ: سَمْعًا وَطَاعَةً. وَقَفَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِالنَّاسِ وَمَعَهُ مُسْلِمٌ، فَقَدِمُوا عَلَى أَسَدٍ بِسَمَرْقَنْدَ، فَعَزَلَ هَانِئًا عَنْهَا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا الْحَسَنَ بْنَ أَبِي الْعَمَرَّطَةِ الْكِنْدِيَّ. وَقِيلَ لِلْحَسَنِ: إِنَّ الْأَتْرَاكَ قَدْ أَتَوْكَ فِي سَبْعَةِ آلَافٍ. فَقَالَ: مَا أَتَوْنَا، نَحْنُ أَتَيْنَاهُمْ وَغَلَبْنَاهُمْ عَلَى بِلَادِهِمْ وَاسْتَعْبَدْنَاهُمْ، وَمَعَ هَذَا فَلَأُدْنِيَنَّ بَعْضَكُمْ مِنْ بَعْضٍ وَلَأُقْرِنَنَّ نَوَاصِيَ خَيْلِكُمْ بِخَيْلِهِمْ، ثُمَّ سَبَّهُمْ وَدَعَا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِمْ مُتَبَاطِئًا، فَأَغَارُوا وَرَجَعُوا سَالِمِينَ. وَاسْتَخْلَفَ عَلَى سَمَرْقَنْدَ ثَابِتَ قُطْنَةَ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَأُرْتِجَ عَلَيْهِ وَقَالَ: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ، فَسَكَتَ وَلَمْ يَنْطِقْ بِكَلِمَةٍ، وَقَالَ: إِنْ لَمْ أَكُنْ فِيكُمْ خَطِيبًا فَإِنَّنِي بِسَيْفِي إِذَا جَدَّ الْوَغَى لَخَطِيبُ فَقِيلَ لَهُ: لَوْ قُلْتَ هَذَا عَلَى الْمِنْبَرِ لَكُنْتَ أَخْطَبَ النَّاسِ، فَقَالَ حَاجِبُ الْفِيلِ الْيَشْكُرِيُّ يُعَيِّرُهُ حَصْرَهُ:

стр. 2144

أَبَا الْعَلَاءِ لَقَدْ لَاقَيْتَ مُعْضِلَةً ... يَوْمَ الْعُرُوبَةِ مِنْ كَرْبٍ وَتَخْنِيقِ تَلْوِي اللِّسَانَ إِذَا رُمْتَ الْكَلَامَ بِهِ ... كَمَا هَوَى زَلَقٌ مِنْ شَاهِقِ النِّيقِ لَمَّا رَمَتْكَ عُيُونُ النَّاسِ صَاحِيَةً ... أَنْشَأَتْ تَجْرَضُ لَمَّا قُمْتَ بِالرِّيقِ أَمَّا الْقُرَانُ فَلَا تُهْدَى لِمُحْكَمَةٍ ... مِنَ الْقُرَانِ وَلَا تُهْدَى لِتَوْفِيقِ ذِكْرُ اسْتِعْمَالِ الْحُرِّ عَلَى الْمَوْصِلِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَعْمَلَ هِشَامٌ الْحُرَّ بْنَ يُوسُفَ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ عَلَى الْمَوْصِلِ، وَهُوَ الَّذِي بَنَى الْمَنْقُوشَةَ دَارًا يَسْكُنُهَا، وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ الْمَنْقُوشَةَ لِأَنَّهَا كَانَتْ مَنْقُوشَةً بِالسَّاجِ وَالرُّخَامِ وَالْفُصُوصِ الْمُلَوَّنَةِ وَمَا شَاكَلَهَا، وَكَانَتْ عِنْدَ سُوقِ الْقَتَّابِينَ وَالشَّعَّارِينَ وَسُوقِ الْأَرْبِعَاءَ، وَأَمَّا الْآنُ فَهِيَ خَرِبَةٌ تُجَاوِرُ سُوقَ الْأَرْبِعَاءَ. وَهَذَا الْحُرُّ الَّذِي عَمِلَ النَّهْرَ الَّذِي كَانَ بِالْمَوْصِلِ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ رَأَى امْرَأَةً تَحْمِلُ جَرَّةَ مَاءٍ، وَهِيَ تَحْمِلُهَا قَلِيلًا، ثُمَّ تَسْتَرِيحُ قَلِيلًا; لِبُعْدِ الْمَاءِ، فَكَتَبَ إِلَى هِشَامٍ بِذَلِكَ، فَأَمَرَ بِحَفْرِ نَهْرٍ إِلَى الْبَلَدِ، فَحَفَرَهُ، فَكَانَ أَكْثَرُ شُرْبِ أَهْلِ الْبَلَدِ مِنْهُ، وَعَلَيْهِ كَانَ الشَّارِعُ الْمَعْرُوفُ بِشَارِعِ النَّهْرِ، وَبَقِيَ الْعَمَلُ فِيهِ عِدَّةَ سِنِينَ، وَمَاتَ الْحُرُّ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَلَّمَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ وَهُوَ فِي الْحِجْرِ، فَقَالَ لَهُ: أَسْأَلُكَ بِاللَّهِ وَبِحُرْمَةِ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي خَرَجْتَ مُعَظِّمًا لَهُ إِلَّا رَدَدْتَ عَلَيَّ ظُلَامَتِي. قَالَ: أَيُّ ظُلَامَةٍ؟ قَالَ: دَارِي. قَالَ: فَأَيْنَ كُنْتَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدِ الْمَلِكِ؟ قَالَ: ظَلَمَنِي. قَالَ: فَالْوَلِيدُ وَسُلَيْمَانُ؟ قَالَ: ظَلَمَانِي. قَالَ: فَعُمَرُ؟ قَالَ: يَرْحَمُهُ اللَّهُ، رَدَّهَا عَلَيَّ. قَالَ: فَيَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ؟ قَالَ: ظَلَمَنِي وَقَبَضَهَا مِنِّي بَعْدَ قَبْضِي لَهَا، وَهِيَ فِي يَدِكَ. فَقَالَ هِشَامٌ: لَوْ كَانَ فِيكَ ضَرْبٌ لَضَرَبْتُكَ. فَقَالَ: فِي وَاللَّهِ ضَرْبٌ بِالسَّيْفِ وَالسَّوْطِ. فَانْصَرَفَ هِشَامٌ [وَالْأَبْرَشُ خَلْفَهُ] فَقَالَ: [أَبَا مُجَاشِعٍ] كَيْفَ سَمِعْتَ هَذَا الْإِنْسَانَ؟ قَالَ: مَا أَجْوَدَهُ! قَالَ: هِيَ قُرَيْشٌ وَأَلْسِنَتُهَا، وَلَا يَزَالُ فِي النَّاسِ بَقَايَا مَا رَأَيْتَ مِثْلَ هَذَا. وَفِيهَا عَزَلَ هِشَامٌ عَبْدَ الْوَاحِدِ النَّضْرِيَّ عَنْ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالطَّائِفِ، وَوَلَّى ذَلِكَ خَالَهُ

стр. 2145

إِبْرَاهِيمَ بْنَ هِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، فَكَانَتْ وِلَايَةُ النَّضْرِيِّ سَنَةً وَثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ. وَفِيهَا غَزَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الصَّائِفَةَ. وَفِيهَا غَزَا الْجَرَّاحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ اللَّانَ، فَصَالَحَ أَهْلَهَا فَأَدَّوُا الْجِزْيَةَ. وَفِيهَا وُلِدَ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فِي رَجَبٍ. وَفِيهَا اسْتَقْضَى إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِشَامٍ عَلَى الْمَدِينَةِ مُحَمَّدَ بْنَ صَفْوَانَ الْجُمَحِيَّ، ثُمَّ عَزَلَهُ وَاسْتَقْضَى الصَّلْتَ الْكِنْدِيَّ. وَكَانَ الْعَامِلُ عَلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالطَّائِفِ، إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ، وَكَانَ عَلَى الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ: خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ الْبَجَلِيُّ، وَكَانَ عَامِلُ (خَالِدٍ عَلَى صَلَاةِ الْبَصْرَةِ: عُقْبَةَ) بْنَ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَعَلَى شُرْطَتِهَا: مَالِكَ بْنَ الْمُنْذِرِ بْنِ الْجَارُودِ، وَعَلَى قَضَائِهَا: ثُمَامَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ. [الوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ يُوسُفُ بْنُ مَالِكٍ مَوْلَى الْحَضْرَمِيِّينَ، وَبَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ.

стр. 2146

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَمِائَةٍ] ١٠٧ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَمِائَةٍ ذِكْرُ مُلْكِ الْجُنَيْدِ بَعْضَ بِلَادِ السِّنْدِ وَقَتْلِ صَاحِبِهِ جَيْشَبَهْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَعْمَلَ خَالِدٌ الْقَسْرِيُّ الْجُنَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلَى السِّنْدِ فَنَزَلَ شَطَّ مِهْرَانَ، فَمَنَعَهُ جَيْشَبَهْ بْنُ ذَاهِرَ الْعُبُورَ، وَقَالَ: إِنَّنَا مُسْلِمُونَ، فَقَدِ اسْتَعْمَلَنِي الرَّجُلُ الصَّالِحُ، يَعْنِي عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَلَى بِلَادِي وَلَسْتُ آمَنُكَ، فَأَعْطَاهُ رَهْنًا وَأَخَذَ مِنْهُ رَهْنًا بِمَا عَلَى بِلَادِهِ مِنَ الْخَرَاجِ، ثُمَّ إِنَّهُمَا تَرَادَّا الرَّهْنَ وَكَفَرَ جَيْشَبَهْ وَحَارَبَهُ، وَقِيلَ: لَمْ يُحَارِبْهُ، وَلَكِنَّ الْجُنَيْدَ تَجَنَّى عَلَيْهِ، فَأَتَى الْهِنْدَ، فَجَمَعَ وَأَخَذَ السُّفُنَ، (وَاسْتَعَدَّ لِلْحَرْبِ، فَسَارَ الْجُنَيْدُ إِلَيْهِ فِي السُّفُنِ) أَيْضًا، فَالْتَقَوْا، فَأُخِذَ جَيْشَبَهْ أَسِيرًا، وَقَدْ جَنَحَتْ سَفِينَتُهُ، فَقَتَلَهُ، وَهَرَبَ أَخُوهُ صَصَّةَ إِلَى الْعِرَاقِ لِيَشْكُوَ غَدْرَ الْجُنَيْدِ، فَخَدَعَهُ الْجُنَيْدُ حَتَّى جَاءَ إِلَيْهِ فَقَتَلَهُ. وَغَزَا الْجُنَيْدُ الْكَيْرَجَ، وَكَانُوا قَدْ نَقَضُوا، فَفَتَحَهَا عَنْوَةً، وَفَتَحَ أَرَزِينَ، وَالْمَالِيَّةَ، وَغَيْرَهُمَا مِنْ ذَلِكَ الثَّغْرِ. ذِكْرُ غَزْوَةِ عَنْبَسَةَ الْفِرِنْجَ بِالْأَنْدَلُسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا عَنْبَسَةُ بْنُ سُحَيْمٍ الْكَلْبِيُّ عَامِلُ الْأَنْدَلُسِ بَلَدَ الْفِرِنْجِ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، وَنَازَلَ مَدِينَةَ قَرْقَسُونَةَ وَحَصَرَ أَهْلَهَا، فَصَالَحُوهُ عَلَى نِصْفِ أَعْمَالِهَا، وَعَلَى جَمِيعِ مَا فِي الْمَدِينَةِ مِنْ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ وَأَسْلَابِهِمْ، وَأَنْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ، وَيَلْتَزِمُوا بِأَحْكَامِ الذِّمَّةِ مِنْ مُحَارَبَةِ مَنْ حَارَبَهُ الْمُسْلِمُونَ، وَمُسَالِمَةِ مَنْ سَالَمُوهُ، فَعَادَ عَنْهُمْ عَنْبَسَةُ، وَتُوُفِّيَ فِي

стр. 2147

شَعْبَانَ سَنَةَ سَبْعٍ وَمِائَةٍ أَيْضًا، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ أَرْبَعَ سِنِينَ وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَلَمَّا مَاتَ اسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ بِشْرُ بْنُ صَفْوَانَ يَحْيَى بْنَ سَلَمَةَ الْكَلْبِيَّ فِي ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ سَبْعٍ أَيْضًا. ذِكْرُ حَالِ الدُّعَاةِ لِبَنِي الْعَبَّاسِ قِيلَ: وَفِيهَا وَجَّهَ بُكَيْرُ بْنُ مَاهَانَ: أَبَا عِكْرِمَةَ، وَأَبَا مُحَمَّدٍ الصَّادِقَ، وَمُحَمَّدَ بْنَ خُنَيْسٍ، وَعَمَّارًا الْعَبَّادِيَّ، وَزِيَادًا خَالَ الْوَلِيدِ الْأَزْرَقِ، فِي عِدَّةٍ مِنْ شِيعَتِهِمْ دُعَاةً إِلَى خُرَاسَانَ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ إِلَى أَسَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَوَشَى بِهِمْ إِلَيْهِ، فَأُتِيَ بِأَبِي عِكْرِمَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ خُنَيْسٍ، وَعَامَّةِ أَصْحَابِهِ، وَنَجَا عَمَّارٌ، فَقَطَعَ أَسَدٌ أَيْدِي مَنْ ظَفِرَ بِهِ مِنْهُمْ وَصَلَبَهُمْ، وَأَقْبَلَ عَمَّارٌ إِلَى بُكَيْرِ بْنِ مَاهَانَ، فَأَخْبَرَهُ [الْخَبَرَ] ، فَكَتَبَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ بِذَلِكَ، فَأَجَابَهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَّقَ دَعْوَتَكُمْ وَمَقَالَتَكُمْ، وَقَدْ بَقِيَتْ مِنْكُمْ قَتْلَى، سَتُقْتَلُ. وَفِيهَا قَدِمَ مُسْلِمُ بْنُ سَعِيدٍ إِلَى خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَكَانَ أَسَدٌ يُكْرِمُهُ بِخُرَاسَانَ وَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ، فَقَدِمَ مُسْلِمٌ وَابْنُ هُبَيْرَةَ يُرِيدُ الْهَرَبَ، فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: إِنِ الْقَوْمَ فِينَا أَحْسَنُ رَأْيًا مِنْكُمْ فِيهِمْ. وَفِيهَا غَزَا أَسَدٌ جِبَالَ نَمِرُونَ مَلِكِ غَرْشِسْتَانَ مِمَّا يَلِي جِبَالَ الطَّالْقَانِ، فَصَالَحَهُ نَمِرُونَ وَأَسْلَمَ عَلَى يَدِهِ، وَهُمُ [الْيَوْمَ] يَتَوَلَّوْنَ الْيَمَنَ.

стр. 2148

ذِكْرُ الْخَبَرِ عَنْ غَزْوَةِ الْغُورِ قِيلَ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا أَسَدٌ الْغُورَ، وَهِيَ جِبَالُ هَرَاةَ، فَعَمَدَ أَهْلُهَا إِلَى أَثْقَالِهِمْ فَصَيَّرُوهَا فِي كَهْفٍ لَيْسَ إِلَيْهِ طَرِيقٌ، فَأَمَرَ أَسَدٌ بِاتِّخَاذِ تَوَابِيتَ، وَوَضَعَ فِيهَا الرِّجَالَ، وَدَلَّاهَا بِسَلَاسِلَ، فَاسْتَخْرَجُوا مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ هِشَامٌ: الْجَرَّاحَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْحَكَمِيَّ عَنْ أَرْمِينِيَّةَ وَأَذْرَبِيجَانَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا أَخَاهُ مَسْلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا مَسْلَمَةُ الْحَارِثَ بْنَ عَمْرٍو الطَّائِيَّ، فَافْتَتَحَ مِنْ بَلَدِ التُّرْكِ رُسْتَاقًا وَقُرًى كَثِيرَةً، وَأَثَّرَ فِيهَا أَثَرًا حَسَنًا. وَفِيهَا نَقَلَ أَسَدٌ مَنْ كَانَ بِالْبَرُوقَانِ إِلَى بَلْخٍ مِنَ الْجُنْدِ، وَأَقْطَعَ كُلَّ مَنْ كَانَ لَهُ بِالْبَرُوقَانِ بِقَدْرِ مَسْكَنِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَسْكَنٌ أَقْطَعَهُ مَسْكَنًا، وَأَرَادَ أَنْ يُنْزِلَهُمْ عَلَى الْأَخْمَاسِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ يَتَعَصَّبُونَ، فَخَلَطَ بَيْنَهُمْ. وَتَوَلَّى بِنَاءَ مَدِينَةِ بَلْخٍ بَرْمَكُ أَبُو خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْبَرُوقَانِ فَرْسَخَانِ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِشَامٍ، وَكَانَ عُمَّالُ الْأَمْصَارِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ فِي السَّنَةِ قَبْلَهَا. [الوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَعُمُرُهُ ثَلَاثٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً،

стр. 2149

وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ، وَلَهُ ثَمَانٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً، (وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ وَفَاتِهِ سَنَةَ خَمْسٍ وَمِائَةٍ) . (يَسَارٌ: بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتَ، وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ) .

стр. 2150

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَمِائَةٍ] ١٠٨ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَمِائَةٍ ذِكْرُ غَزْوَةِ الْخُتَّلِ وَالْغُورِ قِيلَ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قَطَعَ أَسَدٌ النَّهْرَ، وَأَتَاهُ خَاقَانُ، فَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا قِتَالٌ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ، وَقِيلَ: عَادَ مَهْزُومًا مِنَ الْخُتَّلِ، وَكَانَ أَسَدٌ قَدْ أَظْهَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَشْتُوَ بِسُرْخَ دَرَهْ، فَأَمْرَ النَّاسَ فَارْتَحَلُوا، وَوَجَّهَ رَايَاتِهِ، وَسَارَ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ إِلَى سُرْخَ دَرَهْ، فَكَبَّرَ النَّاسُ، فَقَالَ: مَا لَهُمْ؟ فَقَالُوا: هَذِهِ عَلَامَتُهُمْ إِذَا قَفَلُوا. فَقَالَ لِلْمُنَادِي: نَادِ إِنَّ الْأَمِيرَ يُرِيدُ غُورِيِّينَ، فَمَضَى إِلَيْهِمْ، فَقَاتَلُوهُمْ يَوْمًا وَصَبَرُوا لَهُمْ. وَبَرَزَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، فَقَالَ سَالِمُ بْنُ أَحْوَزَ لِنَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ: أَنَا حَامِلٌ عَلَى هَذَا الْعِلْجِ، فَلَعَلِّي أَقْتُلُهُ فَيَرْضَى أَسَدٌ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ فَطَعَنَهُ فَقَتَلَهُ، وَرَجَعَ سَالِمٌ، فَوَقَفَ ثُمَّ قَالَ لِنَصْرٍ: أَنَا حَامِلٌ حَمْلَةً أُخْرَى، فَحَمَلَ فَقَتَلَ رَجُلًا آخَرَ، وَجُرِحَ سَالِمٌ، فَقَالَ نَصْرٌ لِسَالِمٍ: قِفْ حَتَّى أَحْمِلَ عَلَيْهِمْ، فَحَمَلَ حَتَّى خَالَطَ الْعَدُوَّ، فَصَرَعَ رَجُلَيْنِ، وَرَجَعَ جَرِيحًا، وَقَالَ: أَتَرَى مَا صَنَعْنَا يُرْضِيهِ؟ لَا أَرْضَاهُ اللَّهُ! قَالَ: لَا وَاللَّهِ. قَالَ: وَأَتَاهُمَا رَسُولُ أَسَدٍ فَقَالَ: يَقُولُ لَكُمَا الْأَمِيرُ قَدْ رَأَيْتُ مَوْقِفَكُمَا وَقِلَّةَ غَنَائِكُمَا عَنِ الْمُسْلِمِينَ، لَعَنَكُمَا اللَّهُ. فَقَالَ: آمِينَ إِنْ عُدْنَا لِمِثْلِ هَذَا! وَتَحَاجَزُوا. ثُمَّ عَادُوا مِنَ الْغَدِ، فَاقْتَتَلُوا، وَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ، وَحَوَى الْمُسْلِمُونَ عَسْكَرَهُمْ، وَظَهَرُوا عَلَى الْبِلَادِ، وَأَسَرُوا وَسَبَوْا وَغَنِمُوا. وَقَدْ كَانَ أَصَابَ النَّاسَ جُوعٌ شَدِيدٌ بِالْخُتَّلِ، فَبَعَثَ أَسَدٌ بِكَبْشَيْنِ مَعَ غُلَامٍ لَهُ وَقَالَ: بِعْهُمَا بِخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ. فَلَمَّا مَضَى الْغُلَامُ، قَالَ أَسَدٌ: لَا يَشْتَرِيهُمَا إِلَّا ابْنُ الشِّخِّيرِ، وَكَانَ فِي الْمَسَلَحَةِ، فَدَخَلَ حِينَ أَمْسَى فَرَأَى الشَّاتَيْنِ فِي السُّوقِ، فَاشْتَرَاهُمَا بِخَمْسِمِائَةٍ، فَذَبَحَ إِحْدَاهُمَا، وَبَعَثَ بِالْأُخْرَى إِلَى بَعْضِ إِخْوَانِهِ، فَلَمَّا أَخْبَرَ الْغُلَامُ أَسَدًا بِالْقِصَّةِ بَعَثَ إِلَى ابْنِ الشِّخِّيرِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَهُوَ عُثْمَانُ بْنُ

стр. 2151

عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ أَبُو مُطَرِّفٍ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الرُّومَ مِمَّا يَلِي الْجَزِيرَةَ فَفَتَحَ قَيْسَارِيَّةَ، وَهِيَ مَدِينَةٌ مَشْهُورَةٌ. وَفِيهَا أَيْضًا غَزَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِشَامٍ فَفَتَحَ حِصْنًا مِنْ حُصُونِ الرُّومِ. وَفِيهَا وَجَّهَ بُكَيْرُ بْنُ مَاهَانَ إِلَى خُرَاسَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ شِيعَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ، مِنْهُمْ عَمَّارٌ الْعَبَّادِيُّ، فَسَعَى بِهِمْ رَجُلٌ إِلَى أَسَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَمِيرِ خُرَاسَانَ، فَأَخَذَ عَمَّارًا فَقَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَنَجَا أَصْحَابُهُ فَوَصَلُوا إِلَى بُكَيْرٍ، فَأَخْبَرُوهُ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، فَأَجَابَهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَّقَ دَعْوَتَكُمْ وَنَجَّى شِيعَتَكُمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ سَنَةَ سَبْعٍ وَمِائَةٍ ذِكْرُ هَذِهِ الْقِصَّةِ. وَفِيهَا: أَنَّ عَمَّارًا نَجَا، وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: أَنَّ عَمَّارًا قُطِعَ، فَلِهَذَا أَعَدْنَا ذِكْرَهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِيهَا وَقَعَ الْحَرِيقُ بِدَابِقٍ فَاحْتَرَقَ الْمَرْعَى وَالدَّوَابُّ وَالرِّحَالُ. وَفِيهَا سَارَ ابْنُ خَاقَانَ مَلِكُ التُّرْكِ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، فَحَصَرَ بَعْضَ مُدُنِهَا، فَسَارَ إِلَيْهِ الْحَارِثُ بْنُ عَمْرٍو الطَّائِيُّ، فَالْتَقَوْا، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ التُّرْكُ، وَتَبِعَهُمُ الْحَارِثُ حَتَّى عَبَرَ نَهْرَ أُرْسٍ، فَعَادَ إِلَيْهِ ابْنُ خَاقَانَ، فَعَاوَدَ الْحَرْبَ أَيْضًا، فَانْهَزَمَ ابْنُ خَاقَانَ، وَقُتِلَ مِنَ التُّرْكِ خَلْقٌ كَثِيرٌ. وَفِيهَا خَرَجَ عِبَادٌ الرُّعَيْنِيُّ بِالْيَمَنِ مُحَكِّمًا، فَقَتَلَهُ أَمِيرُهَا يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ، وَقَتَلَ أَصْحَابَهُ. وَكَانُوا ثَلَاثَمِائَةٍ.

стр. 2152

وَفِيهَا غَزَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَمَعَهُ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ، فَقَطَعُوا الْبَحْرَ إِلَى قُبْرُسَ، وَغَزَا فِي الْبَرِّ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ. وَفِيهَا كَانَ بِالشَّامِ طَاعُونٌ شَدِيدٌ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِشَامٍ وَهُوَ عَلَى الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَالطَّائِفِ. وَكَانَ الْعُمَّالُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ فِي السَّنَةِ قَبْلَهَا. [الوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرْطِيُّ، وَقِيلَ: سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ وُلِدَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ . وَفِيهَا مَاتَ مُوسَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَالِدُ عِيسَى بِبِلَادِ الرُّومِ غَازِيًا، وَكَانَ عُمُرُهُ سَبْعًا وَسَبْعِينَ سَنَةً. وَفِيهَا مَاتَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَكَانَ عُمُرُهُ سَبْعِينَ سَنَةٍ، وَقِيلَ: اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَكَانَ قَدْ عَمِيَ، وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ إِحْدَى وَمِائَةٍ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْمُتَوَكِّلِ عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ النَّاجِيُّ.

стр. 2153

وَأَبُو الصِّدِّيقِ النَّاجِيُّ أَيْضًا، وَاسْمُهُ بَكْرُ بْنُ قَيْسٍ النَّاجِيُّ، (النَّاجِيُّ: بِالنُّونِ وَالْجِيمِ) . وَأَبُو نَضْرَةَ الْمُنْذِرُ بْنُ مَالِكِ بْنِ قُطْعَةَ النَّضْرِيُّ، (نَضْرَةُ: بِالنُّونِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ) . وَمُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ الْكُوفِيُّ قَاضِيهَا، (دِثَارٌ بِكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، وَالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ) .

стр. 2154

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَمِائَةٍ] ١٠٩ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَمِائَةٍ ذِكْرُ عَزْلِ خَالِدٍ وَأَخِيهِ أَسَدٍ عَنْ خُرَاسَانَ وَوِلَايَةِ أَشْرَسَ قِيلَ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ: خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَخَاهُ عَنْ خُرَاسَانَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَسَدًا تَعَصَّبَ حَتَّى أَفْسَدَ النَّاسَ، وَضَرَبَ نَصْرَ بْنَ سَيَّارٍ وَنَفَرًا مَعَهُ بِالسِّيَاطِ، مِنْهُمْ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نُعَيْمٍ، وَسَوْرَةُ بْنُ الْحُرِّ، وَالْبَخْتَرِيُّ بْنُ أَبِي دِرْهَمٍ، وَعَامِرُ بْنُ مَالِكٍ الْحِمَّانِيُّ، وَحَلَقَهُمْ وَسَيَّرَهُمْ إِلَى أَخِيهِ خَالِدٍ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّهُمْ أَرَادُوا الْوُثُوبَ بِي. فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى خَالِدٍ لَامَ أَسَدًا، وَعَنَّفَهُ، وَقَالَ: أَلَا بَعَثَ إِلَيَّ بِرُءُوسِهِمْ؟ فَقَالَ نَصْرٌ: بَعَثْتَ بِالْعِتَابِ فِي غَيْرِ ذَنْبٍ ... فِي كِتَابٍ تَلُومُ أُمُّ تَمِيمِ إِنْ أَكُنْ مُوَثَّقًا أَسِيرًا لَدَيْهِمْ ... فِي هُمُومٍ وَكُرْبَةٍ وَسُهُومِ رَهْنَ قَسْرٍ فَمَا وَجَدْتُ بَلَاءً ... كَإِسَارِ الْكِرَامِ عِنْدَ اللَّئِيمِ أَبْلِغِ الْمُدَّعِينَ قَسْرًا وَقَسْرٌ ... أَهْلُ عُودِ الْقَنَاةِ ذَاتِ الْوُصُومِ هَلْ فُطِمْتُمْ عَنِ الْخِيَانَةِ وَالْغَدْ رِ ... أَمْ أَنْتُمْ كَالْحَاكِرِ الْمُسْتَدِيمِ وَقَالَ الْفَرَزْدَقُ: أَخَالِدُ لَوْلَا اللَّهُ لَمْ تُعْطَ طَاعَةً ... وَلَوْلَا بَنُو مَرْوَانَ لَمْ يُوثِقُوا نَصْرَا إِذًا لَلَقِيتُمْ عِنْدَ شَدِّ وَثَاقِهِ ... بَنِي الْحَرْبِ لَا كُشْفَ اللِّقَاءِ وَلَا ضَجْرَا

стр. 2155

وَخَطَبَ يَوْمًا أَسَدٌ، فَقَالَ: قَبَّحَ اللَّهُ هَذِهِ الْوُجُوهَ، وُجُوهَ أَهْلِ الشِّقَاقِ وَالنِّفَاقِ وَالشَّغْبِ وَالْفَسَادِ! اللَّهُمَّ فَرِّقْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، وَأَخْرِجْنِي إِلَى مُهَاجَرِي وَوَطَنِي. فَبَلَغَ فِعْلُهُ هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَكَتَبَ إِلَى خَالِدٍ: اعْزِلْ أَخَاكَ، فَعَزَلَهُ، فَرَجَعَ إِلَى الْعِرَاقِ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ تِسْعٍ وَمِائَةٍ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى خُرَاسَانَ الْحَكَمَ بْنَ عَوَانَةَ الْكَلْبِيَّ، فَأَقَامَ الْحَكَمُ صَيْفِيَّةً فَلَمْ يَغْزُ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَ هِشَامٌ أَشْرَسَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ السُّلَمِيَّ عَلَى خُرَاسَانَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُكَاتِبَ خَالِدًا. وَكَانَ أَشْرَسُ فَاضِلًا خَيِّرًا، وَكَانُوا يُسَمُّونَهُ الْكَامِلَ لِفَضْلِهِ، فَلَمَّا قَدِمَ خُرَاسَانَ فَرِحُوا بِهِ، وَاسْتَقْضَى أَبَا الْمُنَازِلِ الْكِنْدِيَّ، ثُمَّ عَزَلَهُ وَاسْتَقْضَى مُحَمَّدَ بْنَ زَيْدٍ. ذِكْرُ دُعَاةِ بَنِي الْعَبَّاسِ قِيلَ: أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ خُرَاسَانَ مِنْ دُعَاةِ بَنِي الْعَبَّاسِ زِيَادٌ أَبُو مُحَمَّدٍ مَوْلَى هَمْدَانَ فِي وِلَايَةِ أَسَدٍ، بَعَثَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ لَهُ: انْزِلْ فِي الْيَمَنِ وَأَلْطُفْ مُضَرَ، وَنَهَاهُ عَنْ رَجُلٍ مِنْ نَيْسَابُورَ، يُقَالُ لَهُ: غَالِبٌ لِأَنَّهُ كَانَ مُفْرِطًا فِي حُبِّ بَنِي فَاطِمَةَ، وَيُقَالُ: أَوَّلُ مَنْ أَتَى خُرَاسَانَ بِكِتَابِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ حَرْبُ بْنُ عُثْمَانَ مَوْلَى بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ مِنْ أَهْلِ بَلْخٍ، فَلَمَّا قَدِمَ زِيَادٌ دَعَا إِلَى بَنِي الْعَبَّاسِ، وَذَكَرَ سِيرَةَ بَنِي أُمَيَّةَ وَظُلْمَهُمْ، وَأَطْعَمَ النَّاسَ الطَّعَامَ، وَقَدِمَ عَلَيْهِ غَالِبٌ، وَتَنَاظَرَا فِي تَفْضِيلِ آلِ عَلِيٍّ وَآلِ الْعَبَّاسِ، وَافْتَرَقَا، وَأَقَامَ زِيَادٌ بِمُرْوٍ شَتْوَةً وَ [كَانَ] يَخْتَلِفُ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهَا يَحْيَى بْنُ عُقَيْلٍ الْخُزَاعِيُّ، وَغَيْرُهُ. فَأُخْبِرَ بِهِ أَسَدٌ، فَدَعَاهُ، وَقَالَ لَهُ: مَا هَذَا الَّذِي بَلَغَنِي عَنْكَ؟ قَالَ: الْبَاطِلُ، إِنَّمَا قَدِمْتُ إِلَى تِجَارَةٍ وَقَدْ فَرَّقْتُ مَالِي عَلَى النَّاسِ، فَإِذَا اجْتَمَعَ خَرَجْتُ. فَقَالَ لَهُ أَسَدٌ: اخْرُجْ عَنْ بِلَادِي. فَانْصَرَفَ، فَعَادَ إِلَى أَمْرِهِ، فَرُفِعَ أَمَرُهُ إِلَى أَسَدٍ، وَخُوِّفَ مِنْ جَانِبِهِ، فَأَحْضَرَهُ، وَقَتَلَهُ، وَقَتَلَ مَعَهُ عَشَرَةً مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ إِلَّا غُلَامَانِ اسْتَصْغَرَهُمَا، وَقِيلَ: بَلْ أَمَرَ بِزِيَادٍ أَنْ يُوَسَّطَ بِالسَّيْفِ، فَضَرَبُوهُ بِالسَّيْفِ فَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ، فَكَبَّرَ النَّاسُ، فَقَالَ أَسَدٌ: مَا هَذَا؟ قِيلَ: نَبَا السَّيْفُ عَنْهُ، ثُمَّ ضُرِبَ أُخْرَى فَنَبَا السَّيْفُ عَنْهُ، ثُمَّ ضَرَبَهُ الثَّالِثَةَ فَقَطَعَهُ

стр. 2156

بِاثْنَتَيْنِ، وَعَرَضَ الْبَرَاءَةَ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَمَنْ تَبَرَّأَ خَلَّى سَبِيلَهُ، فَتَبَرَّأَ اثْنَانِ، فَتُرِكَا، وَأَبَى الْبَرَاءَةُ ثَمَانِيَةٌ، فَقُتِلُوا. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ أَقْبَلَ أَحَدُهُمَا إِلَى أَسَدٍ، فَقَالَ: أَسْأَلُكَ أَنْ تُلْحِقَنِي بِأَصْحَابِي، فَقَتَلَهُ، وَذَلِكَ قَبْلَ الْأَضْحَى بِأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ قَدِمَ بَعْدَهُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ يُسَمَّى كَثِيرًا، فَنَزَلَ عَلَى أَبِي النَّجْمِ، وَكَانَ يَأْتِيهِ الَّذِينَ لَقُوا زِيَادًا، فَكَانَ عَلَى ذَلِكَ سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ، وَكَانَ أُمِّيًّا، فَقَدِمَ عَلَيْهِ خِدَاشٌ، وَاسْمُهُ عُمَارَةُ غَلَبَ عَلَيْهِ خِدَاشٌ، فَغَلَّبَ كَثِيرًا عَلَى أَمْرِهِ. وَقِيلَ فِي أَمْرِ الدُّعَاةِ مَا تَقَدَّمَ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُقْبَةَ الْفِهْرِيُّ فِي الْبَحْرِ، وَغَزَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ أَرْضَ الرُّومِ، فَفَتَحَ حِصْنًا يُقَالُ لَهُ طِيبَةُ، فَأُصِيبَ مَعَهُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ أَنْطَاكِيَّةَ. وَفِيهَا قُتِلَ عُمَرُ بْنُ يَزِيدَ الْأُسَيَّدِيُّ، قَتَلَهُ مَالِكُ بْنُ الْمُنْذِرِ بْنِ الْجَارُودِ، وَسَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّهُ أَبْلَى فِي قِتَالِ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ، فَقَالَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ: هَذَا رَجُلُ الْعِرَاقِ. فَغَاظَ ذَلِكَ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَمَرَ مَالِكَ بْنَ الْمُنْذِرَ، وَهُوَ عَلَى شُرَطِ الْبَصْرَةِ، أَنْ يُعَظِّمَهُ وَلَا يَعْصِيَ لَهُ أَمْرًا، وَأَقْبَلَ يَطْلُبُ لَهُ عَثْرَةً يَقْتُلُهُ بِهَا، فَذَكَرَ مَالِكُ بْنُ الْمُنْذِرِ عَبْدَ الْأَعْلَى بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ، فَافْتَرَى عَلَيْهِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ يَزِيدَ: لَا تَفْتَرِ عَلَى مِثْلِ عَبْدِ الْأَعْلَى. فَأَغْلَظَ لَهُ مَالِكٌ، وَضَرَبَهُ بِالسِّيَاطِ حَتَّى قَتَلَهُ. (الْأُسَيَّدِيُّ: بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ) . وَفِيهَا غَزَا مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ التُّرْكَ مِنْ نَاحِيَةِ أَذْرَبِيجَانَ، فَغَنِمَ وَسَبَى وَعَادَ سَالِمًا.

стр. 2157

وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِشَامٍ، فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: اسْأَلُونِي فَإِنَّكُمْ لَا تَسْأَلُونَ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنِّي. فَسَأَلَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ عَنِ الْأُضْحِيَّةِ: أَوَاجِبَةٌ هِيَ؟ فَمَا دَرَى مَا يَقُولُ، فَنَزَلَ، وَكَانَ هُوَ الْعَامِلُ عَلَى الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَالطَّائِفِ، وَكَانَ عَلَى الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ، وَكَانَ قَدِ اسْتَخْلَفَ عَلَى الصَّلَاةِ بِالْبَصْرَةِ أَبَانَ بْنَ ضُبَارَةَ الْيَزَبِيَّ، وَعَلَى الشُّرْطَةِ بِهَا بِلَالُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ، وَعَلَى قَضَائِهَا ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ، وَعَلَى خُرَاسَانَ أَشْرَسُ. [الوَفَيَاتُ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ أَبُو مِجْلَزٍ لَاحِقُ بْنُ حُمَيْدٍ الْبَصْرِيُّ، وَفِيهَا غَزَا بِشْرُ بْنُ صَفْوَانَ عَامِلُ إِفْرِيقِيَّةَ جَزِيرَةَ صِقِلِّيَةَ، فَغَنِمَ شَيْئًا كَثِيرًا ثُمَّ رَجَعَ مِنْ غَزَاتِهِ إِلَى الْقَيْرَوَانِ وَتُوُفِّيَ بِهَا مِنْ سَنَتِهَا، (فَاسْتَعْمَلَ هِشَامٌ بَعْدَهُ عُبَيْدَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الْأَغَرِّ السُّلَمِيَّ، فَعَزَلَ عُبَيْدَةُ يَحْيَى بْنَ سَلَمَةَ الْكَلْبِيَّ عَنِ الْأَنْدَلُسِ، وَاسْتَعْمَلَ حُذَيْفَةَ بْنَ الْأَحْوَصِ الْأَشْجَعِيَّ، فَقَدِمَ الْأَنْدَلُسَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَةٍ، فَبَقِيَ وَالِيًا عَلَيْهَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ عُزِلَ، وَوَلِيَهَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي نِسْعَةَ الْخَثْعَمِيُّ.

стр. 2158

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ عَشْرٍ وَمِائَةٍ] ١١٠ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ عَشْرٍ وَمِائَةٍ ذِكْرُ مَا جَرَى لِأَشْرَسَ مَعَ أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ وَغَيْرِهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَرْسَلَ أَشْرَسُ إِلَى أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، عَلَى أَنْ تُوضَعَ عَنْهُمُ الْجِزْيَةُ، وَأَرْسَلَ فِي ذَلِكَ أَبَا الصَّيْدَاءِ (صَالِحَ بْنَ طَرِيفٍ مَوْلَى بَنِي ضَبَّةَ، وَالرَّبِيعَ بْنَ عِمْرَانَ التَّمِيمِيَّ. فَقَالَ أَبُو الصَّيْدَاءِ) : إِنَّمَا أَخْرُجُ عَلَى شَرِيطَةِ أَنَّ مَنْ أَسْلَمَ لَا تُؤْخَذُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ، وَإِنَّمَا خَرَاجُ خُرَاسَانَ عَلَى رُءُوسِ الرِّجَالِ. فَقَالَ أَشْرَسُ: نَعَمْ. فَقَالَ أَبُو الصَّيْدَاءِ لِأَصْحَابِهِ: فَإِنِّي أَخْرُجُ، فَإِنْ لَمْ يَفِ الْعُمَّالُ أَعَنْتُمُونِي عَلَيْهِمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ. فَشَخَصَ إِلَى سَمَرْقَنْدَ وَعَلَيْهَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْعَمَرَّطَةِ الْكِنْدِيُّ عَلَى حَرْبِهَا وَخَرَاجِهَا، فَدَعَا أَبُو الصَّيْدَاءِ أَهْلَ سَمَرْقَنْدَ وَمَنْ حَوْلَهَا إِلَى الْإِسْلَامِ، عَلَى أَنْ تُوضَعَ عَنْهُمُ الْجِزْيَةُ، فَسَارَعَ النَّاسُ، فَكَتَبَ غَوْزَكُ إِلَى أَشْرَسَ أَنَّ الْخَرَاجَ قَدِ انْكَسَرَ. فَكَتَبَ أَشْرَسُ إِلَى ابْنِ [أَبِي] الْعَمَرَّطَةَ: إِنَّ فِي الْخَرَاجِ قُوَّةً لِلْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ أَهْلَ الصُّغْدِ وَأَشْبَاهِهِمْ لَمْ يُسْلِمُوا رَغْبَةً، إِنَّمَا أَسْلَمُوا تَعَوُّذًا مِنَ الْجِزْيَةِ، فَانْظُرْ مَنِ اخْتَتَنَ، وَأَقَامَ الْفَرَائِضَ، وَقَرَأَ سُورَةً مِنَ الْقُرْآنِ، فَارْفَعْ خَرَاجَهُ. ثُمَّ عَزَلَ أَشْرَسُ ابْنَ [أَبِي] الْعَمَرَّطَةِ عَنِ الْخَرَاجِ، وَصَيَّرَهُ إِلَى هَانِئِ بْنِ هَانِئٍ، فَمَنَعَهُمْ أَبُو الصَّيْدَاءِ مِنْ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِمَّنْ أَسْلَمَ، فَكَتَبَ هَانِئٌ إِلَى أَشْرَسَ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ أَسْلَمُوا وَبَنَوُا الْمَسَاجِدَ. فَكَتَبَ أَشْرَسُ إِلَيْهِ وَإِلَى الْعُمَّالِ: خُذُوا الْخَرَاجَ مِمَّنْ كُنْتُمْ تَأْخُذُونَهُ مِنْهُ. فَأَعَادُوا الْجِزْيَةَ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ. فَامْتَنَعُوا وَاعْتَزَلُوا فِي سَبْعَةِ آلَافٍ، عَلَى عِدَّةِ فَرَاسِخَ مِنْ سَمَرْقَنْدَ، وَخَرَجَ إِلَيْهِمْ أَبُو الصَّيْدَاءِ، وَرَبِيعُ بْنُ عِمْرَانَ التَّمِيمِيُّ، وَالْهَيْثَمُ الشَّيْبَانِيُّ، وَأَبُو فَاطِمَةَ الْأَزْدِيُّ، وَعَامِرُ بْنُ قُشَيْرٍ، وَبَحِيرُ الْخُجَنْدِيُّ، وَبَنَانُ الْعَنْبَرِيُّ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ

стр. 2159

عُقْبَةَ لِيَنْصُرُوهُمْ، فَعَزَلَ أَشْرَسُ بْنُ [أَبِي] الْعَمَرَّطَةِ عَنِ الْحَرْبِ، وَاسْتَعْمَلَ مَكَانَهُ الْمُجَشِّرَ بْنَ مُزَاحِمٍ السُّلَمِيَّ عَلَى الْحَرْبِ، وَضَمَّ إِلَيْهِ عُمَيْرَةُ بْنُ سَعْدٍ الشَّيْبَانِيُّ. فَلَمَّا قَدِمَ الْمُجَشِّرُ كَتَبَ إِلَى أَبِي الصَّيْدَاءِ يَسْأَلُهُ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَقَدِمَ أَبُو الصَّيْدَاءِ وَثَابَتُ قُطْنَةَ، فَحَبَسَهُمَا، فَقَالَ أَبُو الصَّيْدَاءِ: غَدَرْتُمْ وَرَجَعْتُمْ عَمَّا قُلْتُمْ. فَقَالَ هَانِئٌ: لَيْسَ بِغَدْرٍ مَا كَانَ فِيهِ حَقْنُ الدِّمَاءِ، ثُمَّ سَيَّرُوهُ إِلَى أَشْرَسَ، وَاجْتَمَعَ أَصْحَابُهُ وَوَلَّوْا أَمْرَهُمْ أَبَا فَاطِمَةَ لِيُقَاتِلُوا هَانِئًا، فَقَالَ لَهُمْ: كُفُّوا حَتَّى نَكْتُبَ إِلَى أَشْرَسَ، فَكَتَبُوا إِلَيْهِ، فَكَتَبَ أَشْرَسُ: ضَعُوا عَلَيْهِمُ الْخَرَاجَ، فَرَجَعَ أَصْحَابُ أَبِي الصَّيْدَاءِ وَضَعُفَ أَمْرُهُمْ، فَتَتَبَّعَ الرُّؤَسَاءَ، فَأُخِذُوا وَحُمِلُوا إِلَى مَرْوَ، وَبَقِيَ ثَابِتٌ مَحْبُوسًا، فَأَلَحَّ هَانِئٌ فِي الْخَرَاجِ، وَاسْتَخَفُّوا بِعُظَمَاءِ الْعَجَمِ وَالدَّهَاقِينِ، وَأُقِيمُوا وَخُرِّقَتْ ثِيَابُهُمْ، وَأَلْقِيَتْ مَنَاطِقُهُمْ فِي أَعْنَاقِهِمْ، وَأَخَذُوا الْجِزْيَةَ مِمَّنْ أَسَلَمَ [مِنَ الضُّعَفَاءِ] ، فَكَفَرَتِ الصُّغْدُ وَبُخَارَى، وَاسْتَجَاشُوا التُّرْكَ. وَلَمْ يَزَلْ ثَابِتُ قُطْنَةَ فِي حَبْسِ الْمُجَشِّرِ حَتَّى قَدِمَ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ إِلَى الْمُجَشِّرِ وَالِيًا، فَحَمَلَهُ إِلَى أَشْرَسَ فَحَبَسَهُ، وَكَانَ نَصْرٌ قَدْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ، فَقَالَ ثَابِتٌ يَمْدَحْهُ [بِأَبْيَاتٍ] يَقُولُ فِيهَا: مَا هَاجَ شَوْقُكَ مِنْ نُؤْيٍ وَأَحْجَارِ ... وَمِنْ رُسُومٍ عَفَاهَا صَوْبُ أَمْطَارِ إِنْ كَانَ ظَنِّي بِنَصْرٍ صَادِقًا أَبَدًا ... فِيمَا أُدَبِّرُ مِنْ نَقْضِي وَإِمْرَارِي لَا يَصْرِفُ الْجُنْدَ حَتَّى يَسْتَفِيءَ بِهِمْ ... نَهْبًا عَظِيمًا وَيَحْوِيَ مُلْكَ جَبَّارِ إِنِّي وَإِنْ كُنْتُ مِنْ جَذْمِ الَّذِي نَضُرَتْ ... مِنْهُ الْفُرُوعُ وَزَنْدِي الثَّاقِبُ الْوَارِي لَذَاكِرٌ مِنْكَ أَمْرًا قَدْ سَبَقْتَ بِهِ ... مَنْ كَانَ قَبْلَكَ يَا نَصْرُ بْنُ سَيَّارِ نَاضَلْتَ عَنِّي نِضَالَ الْحُرِّ إِذْ قَصُرَتْ ... دُونِي الْعَشِيرَةُ وَاسْتَبْطَأْتُ أَنْصَارِي وَصَارَ كُلُّ صِدِّيقٍ كُنْتُ آمُلُهُ ... أَلْبًا عَلَي وَرَثَّ الْحَبْلُ مِنْ جَارِي وَمَا تَلَبَّسْتُ بِالْأَمْرِ الَّذِي وَقَعُوا ... بِهِ عَلَيَّ وَلَا دَنَّسْتُ أَطَمَارِي

стр. 2160

وَلَا عَصَيْتُ إِمَامًا كَانَ طَاعَتُهُ حَقًا عَلِيَّ وَلَا قَارَفْتُ مِنْ عَارِ وَخَرَجَ أَشْرَسُ غَازِيًا، فَنَزَلَ آمُلَ، فَأَقَامَ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ. وَقَدَّمَ قَطَنَ بْنَ قُتَيْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ، فَعَبَرَ النَّهْرَ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ، فَأَقْبَلَ أَهْلُ الصُّغْدِ وَبُخَارَى مَعَهُمْ خَاقَانُ وَالتُّرْكُ، فَحَصَرُوا قَطَنًا فِي خَنْدَقِهِ، فَأَرْسَلَ خَاقَانُ مَنْ أَغَارَ عَلَى مَسْرَحِ النَّاسِ، فَأَخْرَجَ أَشْرَسُ ثَابِتَ قُطْنَةَ بِكَفَالَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِسْطَامِ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ عَمْرٍو، فَوَجَّهَهُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِسْطَامٍ فِي خَيْلٍ، فَقَاتَلُوا التُّرْكَ بِآمُلَ حَتَّى اسْتَنْقَذُوا مَا بِأَيْدِيهِمْ، وَرَجَعَ التُّرْكُ. ثُمَّ عَبَرَ أَشْرَسُ بِالنَّاسِ إِلَى قَطَنٍ، وَبَعْثَ أَشْرَسُ سَرِيَّةً مَعَ مَسْعُودٍ أَحَدِ بَنِي حَيَّانَ، فَلَقِيَهُمُ الْعَدُوُّ (فَقَاتَلُوهُمْ، فَقُتِلَ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَهُزِمَ مَسْعُودٌ، فَرَجَعَ أَشْرَسُ) ، وَأَقْبَلَ الْعَدُوُّ، فَلَقِيَهُمُ الْمُسْلِمُونَ فَجَالُوا جَوْلَةً، فَقُتِلَ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ رَجَعَ الْمُسْلِمُونَ وَصَبَرُوا فَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ، وَسَارَ أَشْرَسُ بِالنَّاسِ حَتَّى نَزَلَ بِيكَنْدَ، فَقَطَعَ الْعَدُوُّ عَنْهُمُ الْمَاءَ، وَأَقَامَ الْمُسْلِمُونَ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَعَطِشُوا، فَرَحَلُوا إِلَى الْمَدِينَةِ الَّتِي قَطَعَ الْعَدُوُّ [الْمِيَاهَ] مِنْهَا، وَعَلَى الْمُقَدِّمَةِ قَطَنُ بْنُ قُتَيْبَةَ، فَلَقِيَهُمُ الْعَدُوُّ، فَقَاتَلُوهُمْ، فَجَهِدُوا مِنَ الْعَطَشِ، فَمَاتَ مِنْهُمْ سَبْعُمِائَةٍ، (فَعَجَزَ النَّاسُ عَنِ الْقِتَالِ) ، فَحَرَّضَ الْحَارِثُ بْنُ سُرَيْجٍ النَّاسَ، فَقَالَ: الْقَتْلُ بِالسَّيْفِ أَكْرَمُ فِي الدُّنْيَا وَأَعْظَمُ أَجْرًا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْمَوْتِ عَطَشًا. وَتَقَدَّمَ الْحَارِثُ وَقَطَنٌ فِي فَوَارِسَ مِنْ تَمِيمٍ، فَقَاتَلُوا حَتَّى أَزَالُوا التُّرْكَ عَنِ الْمَاءِ، فَابْتَدَرَهُ النَّاسُ فَشَرِبُوا وَاسْتَقَوْا. ثُمَّ مَرَّ ثَابِتُ قُطْنَةَ بِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ دِثَارٍ الْبَاهِلِيِّ، فَقَالَ: هَلْ لَكَ فِي الْجِهَادِ؟ فَقَالَ: أَمْهِلْنِي حَتَّى أَغْتَسِلَ وَأَتَحَنَّطَ. فَوَقَفَ لَهُ حَتَّى اغْتَسَلَ ثُمَّ مَضَيَا، وَقَالَ ثَابِتٌ لِأَصْحَابِهِ: أَنَا أَعْلَمُ بِقِتَالِ هَؤُلَاءِ مِنْكُمْ، وَحَرَّضَهُمْ، فَحَمَلُوا، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، فَقَالَ ثَابِتُ قُطْنَةَ: اللَّهُمَّ إِنِّي كَنْتُ ضَيْفَ ابْنِ بِسْطَامٍ الْبَارِحَةَ، فَاجْعَلْنِي ضَيْفَكَ اللَّيْلَةَ، وَاللَّهِ لَا يَنْظُرُ إِلَيَّ بَنُو أُمَيَّةَ مَشْدُودًا فِي الْحَدِيدِ. فَحَمَلَ وَحَمَلَ أَصْحَابُهُ، فَرَجَعَ أَصْحَابُهُ وَثَبَتَ هُوَ، فَرُمِيَ بِرْذَوْنُهُ فَشَبَّ، وَضَرَبَهُ فَأَقْدَمَ، وَضُرِبَ ثَابِتٌ، فَارْتُثَّ، فَقَالَ وَهُوَ صَرِيعٌ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَصْبَحْتُ ضَيْفًا لِابْنِ بِسْطَامٍ وَأَمْسَيْتُ ضَيْفَكَ! فَاجْعَلْ قِرَايَ مِنْكَ الْجَنَّةَ! فَقَتَلُوهُ وَقَتَلُوا مَعَهُ عِدَّةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ، مِنْهُمْ: صَخْرُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ النُّعْمَانِ الْعَبْدِيُّ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ دِثَارٍ الْبَاهِلِيُّ، وَغَيْرُهُمَا، وَجَمَعَ قَطَنٌ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حِبَّانَ خَيْلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ تَبَايَعُوا

стр. 2161

عَلَى الْمَوْتِ، فَحَمَلُوا عَلَى الْعَدُوِّ، فَقَاتَلُوهُمْ، فَكَشَفُوهُمْ، وَرَكِبَهُمُ الْمُسْلِمُونَ يَقْتُلُونَهُمْ حَتَّى حَجَزَهُمُ اللَّيْلُ، وَتَفَرَّقَ الْعَدُوُّ، وَأَتَى أَشْرَسُ بُخَارَى فَحَصَرَ أَهْلَهَا. (الْحَارِثُ بْنُ سُرَيْجٍ: بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالْجِيمِ) . ذِكْرُ وَقْعَةِ كَمَرْجَهْ ثُمَّ إِنَّ خَاقَانَ حَصَرَ كَمَرْجَهْ، وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ بُلْدَانِ خُرَاسَانَ، وَبِهَا جَمْعٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَمَعَ خَاقَانَ أَهْلُ فَرْغَانَةَ وَأَفْشِينَةَ وَنَسَفَ وَطَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ بُخَارَى، فَأَغْلَقَ الْمُسْلِمُونَ الْبَابَ، وَقَطَعُوا الْقَنْطَرَةَ الَّتِي عَلَى الْخَنْدَقِ. فَأَتَاهُمُ ابْنُ خِسْرُو بْنِ يَزْدِجَرْدَ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ لِمَ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ؟ أَنَا الَّذِي جِئْتُ بِخَاقَانَ لِيَرُدَّ عَلَيَّ مَمْلَكَتِي، وَأَنَا آخِذٌ لَكُمُ الْأَمَانَ. فَشَتَمُوهُ. وَأَتَاهُمْ بَازَغْرَى فِي مِائَتَيْنِ، وَكَانَ دَاهِيَةً، وَكَانَ خَاقَانُ لَا يُخَالِفُهُ، فَدَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِأَمَانٍ، وَقَالَ: لِيَنْزِلَ إِلَيَّ رَجُلٌ مِنْكُمْ أُكَلِّمُهُ بِمَا أَرْسَلَنِي بِهِ خَاقَانُ. فَأَحْدَرُوا يَزِيدَ بْنَ سَعِيدٍ الْبَاهِلِيَّ، وَكَانَ يَفْهَمُ بِالتُّرْكِيَّةِ يَسِيرًا، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ خَاقَانَ أَرْسَلَنِي، وَهُوَ يَقُولُ إِنِّي أَجْعَلُ مَنْ عَطَاؤُهُ مِنْكُمْ سِتُّمِائَةٍ أَلْفًا، وَمِنْ عَطَاؤُهُ ثَلَاثُمِائَةٍ سِتَّمِائَةٍ، وَهُوَ يُحْسِنُ إِلَيْكُمْ. فَقَالَ [لَهُ] يَزِيدُ: كَيْفَ تَكُونُ الْعَرَبُ وَهُمْ ذِئَابٌ مَعَ التُّرْكِ وَهُمْ شَاءٌ! لَا يَكُونُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ صُلْحٌ. فَغَضِبَ بَازَغْرَى، وَكَانَ مَعَهُ تُرْكِيَّانِ، فَقَالَا: أَلَا تَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ نَزَلَ بِأَمَانٍ. وَفَهِمَ يَزِيدُ مَا قَالَا، فَخَافَ، فَقَالَ: بَلَى إِنَّمَا تَجْعَلُونَنَا نِصْفَيْنِ، فَيَكُونُ نَصْفُنَا مَعَ أَثْقَالِنَا، وَيَسِيرُ النِّصْفُ مَعَكُمْ، فَإِنْ ظَفِرْتُمْ فَنَحْنُ مَعَكُمْ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُ ذَلِكَ كُنَّا كَسَائِرِ مَدَائِنِ الصُّغْدِ. فَرَضُوا بِذَلِكَ، وَقَالَ: أَعْرِضُ عَلَى أَصْحَابِي هَذَا. وَصَعِدَ فِي الْحَبْلِ، فَلَمَّا صَارَ عَلَى السُّورِ نَادَى: يَا أَهْلَ كَمْرَجَهْ، اجْتَمِعُوا، فَقَدْ جَاءَكُمْ قَوْمٌ يَدْعُونَكُمْ إِلَى الْكُفْرِ بَعْدَ الْإِيمَانِ، فَمَا تَرَوْنَ؟ قَالُوا: لَا نُجِيبُ وَلَا نَرْضَى. قَالَ: يَدْعُونَكُمْ إِلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ. قَالُوا: نَمُوتُ قَبْلَ ذَلِكَ. فَرُدَّ بَازَغْرَى. ثُمَّ أَمَرَ خَاقَانُ بِقَطْعِ الْخَنْدَقِ، فَجَعَلُوا يُلْقُونَ الْحَطَبَ الرَّطْبَ، وَيُلْقِي الْمُسْلِمُونَ الْحَطَبَ الْيَابِسَ، حَتَّى سُوِّيَ الْخَنْدَقُ، فَأَشْعَلُوا فِيهِ النِّيرَانَ، وَهَاجَتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ صُنْعًا مِنَ اللَّهِ، فَاحْتَرَقَ الْحَطَبُ، وَكَانُوا جَمَعُوهُ فِي سَبْعَةِ أَيَّامٍ، فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ. ثُمَّ فَرَّقَ خَاقَانُ عَلَى التُّرْكِ أَغْنَامًا، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا لَحْمَهَا، وَيَحْشُوا جُلُودَهَا تُرَابًا، وَيَكْبِسُوا خَنْدَقَهَا، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ سَحَابَةً فَمَطَرَتْ مَطَرًا شَدِيدًا، فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ مَا فِي الْخَنْدَقِ، وَأَلْقَاهُ فِي النَّهْرِ الْأَعْظَمِ. وَرَمَاهُمُ الْمُسْلِمُونَ بِالسِّهَامِ، فَأَصَابَتْ بَازَغْرَى

стр. 2162

نُشَّابَةٌ فِي سُرَّتِهِ فَمَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ بِمَوْتِهِ أَمْرٌ عَظِيمٌ. فَلَمَّا امْتَدَّ النَّهَارُ جَاءُوا بِالْأَسْرَى الَّتِي عِنْدَهُمْ، وَهُمْ مِائَةٌ، فِيهِمْ أَبُو الْعَوْجَاءِ الْعَتَكِيُّ، وَالْحَجَّاجُ بْنُ حُمَيْدٍ النَّضْرِيُّ، فَقَتَلُوهُمْ وَرَمَوْا بِرَأْسِ الْحَجَّاجِ، وَكَانَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ مِائَتَانِ مِنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ رَهَائِنَ، فَقَتَلُوهُمْ وَاسْتَمَاتُوا، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ. وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ كَمَرْجَهْ كَذَلِكَ حَتَّى أَقْبَلَتْ جُنُودُ الْعَرَبِ فَنَزَلَتْ فَرْغَانَةَ، فَعَيَّرَ خَاقَانُ أَهْلَ الصُّغْدِ، وَفَرْغَانَةَ، وَالشَّاشِ، وَالدَّهَاقِينَ، وَقَالَ: زَعَمْتُمْ أَنَّ فِي هَذِهِ خَمْسِينَ حِمَارًا، وَأَنَّا نَفْتَحُهَا فِي خَمْسَةِ أَيَّامٍ، فَصَارَتِ الْخَمْسَةُ شَهْرَيْنِ. وَأَمَرَهُمْ بِالرَّحِيلِ وَشَتَمَهُمْ، فَقَالُوا: مَا نَدَعُ جُهْدًا، فَأَحْضِرْنَا غَدًا، وَانْظُرْ مَا نَصْنَعُ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ وَقَفَ خَاقَانُ، وَتَقَدَّمَ الطَّارْبَنْدُ، فَقَاتَلَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ ثَمَانِيَةً، وَجَاءَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى ثُلْمَةٍ إِلَى جَنْبِ بَيْتٍ فِيهِ مَرِيضٌ مِنْ تَمِيمٍ، فَرَمَاهُ التَّمِيمِيُّ بِكَلُّوبٍ، فَتَعَلَّقَ بِدِرْعِهِ، ثُمَّ نَادَى النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ، فَجَذَبُوهُ فَسَقَطَ لِوَجْهِهِ، وَرَمَاهُ رَجُلٌ بِحَجَرٍ، فَأَصَابَ أَصْلَ أُذُنِهِ، فَصُرِعَ، وَطَعَنَهُ آخَرُ، فَقَتَلَهُ، فَاشْتَدَّ قَتْلُهُ عَلَى التُّرْكِ. وَأَرْسَلَ خَاقَانُ إِلَى الْمُسْلِمِينَ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ رَأْيِنَا أَنْ نَرْتَحِلَ عَنْ مَدِينَةٍ نُحَاصِرُهَا دُونَ افْتِتَاحِهَا، أَوْ تَرَحُّلِهِمْ عَنْهَا. فَقَالُوا لَهُ: لَيْسَ مِنْ دِينِنَا أَنْ نُعْطِيَ بِأَيْدِينَا حَتَّى نُقْتَلَ، فَاصْنَعُوا مَا بَدَا لَكُمْ. فَأَعْطَاهُمُ التُّرْكُ الْأَمَانَ أَنْ يَرْحَلَ خَاقَانُ عَنْهُمْ وَيَرْحَلُوا هُمْ (عَنْهَا إِلَى سَمَرْقَنْدَ أَوِ الدَّبُّوسِيَّةَ، فَرَأَى أَهْلُ كَمَرْجَهْ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْحِصَارِ، فَأَجَابُوا إِلَى ذَلِكَ، فَأَخَذُوا مِنَ التُّرْكِ رَهَائِنَ أَنْ لَا يَعْرِضُوا لَهُمْ، وَطَلَبُوا أَنَّ كُورُصُولَ التُّرْكِيَّ يَكُونُ مَعَهُمْ فِي جَمَاعَةٍ) لِيَمْنَعَهُمْ إِلَى الدَّبُّوسِيَّةِ، فَسَلَّمُوا إِلَيْهِمُ الرَّهَائِنَ وَأَخَذُوا أَيْضًا هُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَهَائِنَ، وَارْتَحَلَ خَاقَانُ عَنْهُمْ، ثُمَّ رَحَلُوا هُمْ بَعْدَهُ، فَقَالَ الْأَتْرَاكُ الَّذِينَ مَعَ كُورُصُولَ: إِنَّ بِالدَّبُّوسِيَّةِ عَشْرَةَ آلَافِ مُقَاتِلٍ، وَلَا نَأْمَنُ أَنْ يَخْرُجُوا عَلَيْنَا. فَقَالَ لَهُمُ الْمُسْلِمُونَ: إِنْ قَاتَلُوكُمْ قَاتَلْنَاهُمْ مَعَكُمْ. فَسَارُوا، فَلَمَّا صَارَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الدَّبُّوسِيَّةِ فَرْسَخٌ نَظَرَ أَهْلُهَا إِلَى الْفُرْسَانِ فَظَنُّوا أَنَّ كَمَرْجَهْ فُتِحَتْ، وَأَنَّ خَاقَانَ قَدْ قَصَدَهُمْ، فَتَأَهَّبُوا لِلْحَرْبِ، فَأَرْسَلَ الْمُسْلِمُونَ إِلَيْهِمْ يُخْبِرُونَهُمْ خَبَرَهُمْ، فَالْتَقَوْهُمْ وَحَمَلُوا مَنْ كَانَ يَضْعُفُ عَنِ الْمَشْيِ وَمَنْ كَانَ مَجْرُوحًا. فَلَمَّا بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ الدَّبُّوسِيَّةَ أَرْسَلُوا إِلَى مَنْ عِنْدَهُ الرَّهَائِنُ يُعْلِمُونَهُ بِوُصُولِهِمْ، وَيَأْمُرُونَهُ بِإِطْلَاقِهِمْ، فَجَعَلَتِ الْعَرَبُ تُطْلِقُ رَجُلًا مِنَ الرَّهْنِ وَالتُّرْكُ رَجُلًا، حَتَّى بَقِيَ سِبَاعُ بْنُ

стр. 2163

النُّعْمَانِ مَعَ التُّرْكِ، وَرَجُلٌ مِنَ التُّرْكِ عِنْدَ الْعَرَبِ، وَجَعَلَ كُلُّ فَرِيقٍ يَخَافُ مِنْ صَاحِبِهِ الْغَدْرَ، فَقَالَ سِبَاعٌ: خَلُّوا رَهِينَةَ التُّرْكِ، فَخَلَّوْهُ، وَبَقِيَ سِبَاعٌ مَعَ التُّرْكِ، فَقَالَ لَهُ كُورْصُولُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: وَثِقْتُ بِكَ وَقُلْتُ: تَرْفَعُ نَفْسَكَ عَنِ الْغَدْرِ، فَوَصَلَهُ كُورْصُولُ وَأَعْطَاهُ سِلَاحَهُ وَبِرْذَوْنًا وَأَطْلَقَهُ. وَكَانَتْ مُدَّةُ حِصَارِ كَمَرْجَهْ ثَمَانِيَةً وَخَمْسِينَ يَوْمًا، فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ لَمْ يَسْقُوا إِبِلَهُمْ خَمْسَةً وَثَلَاثِينَ يَوْمًا. ذِكْرُ رِدَّةِ أَهْلِ كَرْدَرَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ ارْتَدَّ أَهْلُ كَرْدَرَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ أَشْرَسُ جُنْدًا فَظَفِرُوا بِهِمْ، فَقَالَ عَرْفَجَةُ: وَنَحْنُ كَفَيْنَا أَهْلَ مَرْوٍ وَغَيْرَهُمْ وَنَحْنُ نَفَيْنَا التُّرْكَ عَنْ أَهْلِ كَرْدَرِ فَإِنْ تَجْعَلُوا مَا قَدْ غَنِمْنَا لِغَيْرِنَا فَقَدْ يُظْلَمُ الْمَرْءُ الْكَرِيمُ فَيَصْبِرُ ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ جَمَعَ خَالِدٌ الْقَسْرِيُّ الصَّلَاةَ وَالْأَحْدَاثَ وَالشُّرَطَ وَالْقَضَاءَ بِالْبَصْرَةِ لِبِلَالِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، وَعَزَلَ ثُمَامَةَ عَنِ الْقَضَاءِ. وَفِيهَا غَزَا مَسْلَمَةُ التُّرْكَ مِنْ بَابِ اللَّانِ، فَلَقِيَ خَاقَانَ فِي جُمُوعِهِ، فَاقْتَتَلُوا قَرِيبًا مَنْ شَهْرٍ وَأَصَابَهُمْ مَطَرٌ شَدِيدٌ، فَانْهَزَمَ خَاقَانُ وَانْصَرَفَ، وَرَجَعَ مَسْلَمَةُ فَسَلَكَ عَلَى مَسْلَكِ ذِي الْقَرْنَيْنِ. وَفِيهَا غَزَا مُعَاوِيَةُ الرُّومَ فَفَتَحَ صِمْلَةَ.

стр. 2164

وَفِيهَا غَزَا الصَّائِفَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُقْبَةَ الْفِهْرِيُّ، وَكَانَ عَلَى جَيْشِ الْبَحْرِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ حُدَيْجٍ، (بِضَمِّ الْحَاءِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ) . وَحَجَّ بِالنَّاسِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ. فَكَانَ الْعُمَّالُ عَلَى الْبِلَادِ هَذِهِ السَّنَةَ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ فِي السَّنَةِ الَّتِي قَبْلَهَا. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَلَهُ سَبْعٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً. وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَهُوَ ابْنُ إِحْدَى وَثَمَانِينَ سَنَةً. وَفِيهَا، أَعْنِي سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَةٍ، مَاتَ الْفَرَزْدَقُ الشَّاعِرُ وَلَهُ إِحْدَى وَتِسْعُونَ سَنَةً. وَجَرِيرُ بْنُ الْخَطَفَى الشَّاعِرُ.

стр. 2165

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى عَشْرَةَ وَمِائَةٍ] ١١١ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى عَشْرَةَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ عَزْلِ أَشْرَسَ عَنْ خُرَاسَانَ وَاسْتِعْمَالِ الْجُنَيْدِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ هِشَامٌ أَشْرَسَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ خُرَاسَانَ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ شَدَّادَ بْنَ خُلَيْدٍ الْبَاهِلِيَّ شَكَاهُ إِلَى هِشَامٍ، فَعَزَلَهُ وَاسْتَعْمَلَ الْجُنَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلَى خُرَاسَانَ، وَهُوَ الْجُنَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ خَارِجَةَ بْنِ سِنَانِ بْنِ أَبِي حَارِثَةَ الْمُرِّيُّ. وَكَانَ سَبَبُ اسْتِعْمَالِهِ أَنَّهُ أَهْدَى لِأُمِّ حَكِيمٍ بِنْتِ يَحْيَى بْنِ الْحَكَمِ امْرَأَةِ هِشَامٍ قِلَادَةً فِي جَوْهَرٍ، فَأَعْجَبَتْ هِشَامًا، فَأَهْدَى لِهِشَامٍ قِلَادَةً أُخْرَى، فَاسْتَعْمَلَهُ وَحَمَلَهُ عَلَى ثَمَانِيَةٍ مِنَ الْبَرِيدِ، فَقَدِمَ خُرَاسَانَ فِي خَمْسِمِائَةٍ وَسَارَ إِلَى مَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَسَارَ مَعَهُ حَطَّابُ بْنُ مُحْرِزٍ السُّلَمِيُّ خَلِيفَةُ أَشْرَسَ بِخُرَاسَانَ وَقَطَعَا النَّهْرَ. وَأَرْسَلَ الْجُنَيْدُ إِلَى أَشْرَسَ وَهُوَ يُقَاتِلُ أَهْلَ بُخَارَى وَالصُّغْدِ: أَنْ أَمِدَّنِي بَخَيْلٍ، وَخَافَ أَنْ يَقْتَطِعَ دُونَهُ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ أَشْرَسُ عَامِرَ بْنَ مَالِكٍ الْحِمَّانِيَّ، فَلَمَّا كَانَ عَامِرٌ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ عَرَضَ لَهُ التُّرْكُ وَالصُّغْدُ، فَدَخَلَ حَائِطًا حَصِينًا وَقَاتَلَهُمْ عَلَى الثُّلْمَةِ، وَمَعَهُ وَرْدُ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَدْهَمَ بْنِ كُلْثُومٍ ابْنِ أَخِي الْأَسْوَدِ بْنِ كُلْثُومٍ وَوَاصِلُ بْنُ عَمْرٍو الْقَيْسِيُّ. فَخَرَجَ وَاصِلٌ وَعَاصِمُ بْنُ عُمَيْرٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ وَمَعَهُمَا غَيْرُهُمَا، فَاسْتَدَارُوا حَتَّى صَارُوا مِنْ وَرَاءِ الْمَاءِ الَّذِي هُنَاكَ. ثُمَّ جَمَعُوا قَصَبًا وَخَشَبًا وَعَبَرُوا عَلَيْهِ، فَلَمْ يَشْعُرْ خَاقَانُ إِلَّا وَالتَّكْبِيرُ مِنْ خَلْفِهِ، وَحَمَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى التُّرْكِ، (فَقَاتَلُوهُمْ فَقَتَلُوا عَظِيمًا مِنْ عُظَمَائِهِمْ) وَانْهَزَمَ التُّرْكُ، وَسَارَ عَامِرٌ إِلَى الْجُنَيْدِ، فَلَقِيَهُ وَأَقْبَلَ مَعَهُ، وَعَلَى مُقَدِّمَةِ الْجُنَيْدِ عُمَارَةُ بْنُ حُرَيْمٍ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى فَرْسَخَيْنِ مِنْ بِيكَنْدَ تَلَقَّتْهُ خَيْلُ التُّرْكِ فَقَاتَلَهُمْ، فَكَادَ الْجُنَيْدُ يَهْلِكُ وَمَنْ مَعَهُ، ثُمَّ أَظْهَرَهُ اللَّهُ وَسَارَ حَتَّى قَدِمَ الْعَسْكَرَ، فَظَفِرَ الْجُنَيْدُ وَقَتَلَ التُّرْكَ، وَزَحَفَ إِلَيْهِ

стр. 2166

خَاقَانُ، فَالْتَقَوْا دُونَ رُزْمَانَ مِنْ بِلَادِ سَمَرْقَنْدَ، وَقَطَنُ بْنُ قُتَيْبَةَ عَلَى سَاقَةِ الْجُنَيْدِ. فَأَسَرَ الْجُنَيْدُ مِنَ التُّرْكِ ابْنَ أَخِي خَاقَانَ فِي هَذِهِ الْغَزَاةِ فَبَعَثَ بِهِ إِلَى هِشَامٍ. وَكَانَ الْجُنَيْدُ قَدِ اسْتَخْلَفَ فِي غَزْوَتِهِ هَذِهِ مُجَشِّرَ بْنَ مُزَاحِمٍ السُّلَمِيَّ عَلَى مَرْوَ، وَوَلَّى سَوْرَةَ بْنَ الْحُرِّ التَّمِيمِيَّ بَلْخًا، وَأَوْفَدَ لَمَّا أَصَابَ فِي وَجْهِهِ هَذَا وَفْدًا إِلَى هِشَامٍ، وَرَجَعَ الْجُنَيْدُ إِلَى مَرْوَ وَقَدْ ظَفِرَ، فَقَالَ خَاقَانُ: هَذَا غُلَامٌ مُتْرَفٌ هَزَمَنِيَ الْعَامَ وَأَنَا مُهْلِكُهُ فِي قَابِلٍ. وَاسْتَعْمَلَ الْجُنَيْدُ عُمَّالَهُ وَلَمْ يَسْتَعْمِلْ إِلَّا مُضَرِيًّا، اسْتَعْمَلَ قَطَنَ بْنَ قُتَيْبَةَ عَلَى بُخَارَى، وَالْوَلِيدَ بْنَ الْقَعْقَاعِ الْعَبْسِيَّ عَلَى هَرَاةَ، وَحَبِيبَ بْنَ مُرَّةَ الْعَبْسِيَّ عَلَى شُرَطِهِ، وَعَلَى بَلْخٍ مُسْلِمَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَاهِلِيَّ، وَكَانَ عَلَيْهَا نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ، وَكَانَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَاهِلِيِّينَ مُتَبَاعِدًا لِمَا كَانَ بَيْنَهُمْ بِالْبَرُوقَانِ، وَأَرْسَلَ مُسْلِمٌ إِلَى نَصْرٍ فَصَادَفُوهُ نَائِمًا، فَجَاءُوا بِهِ فِي قَمِيصٍ لَيْسَ عَلَيْهِ سَرَاوِيلُ مُلَبَّبًا، فَقَالَ شَيْخٌ مِنْ مُضَرَ: جِئْتُمْ بِهِ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ! فَعَزَلَ الْجُنَيْدُ مُسْلِمًا عَنْ بَلْخٍ وَاسْتَعْمَلَ يَحْيَى بْنَ ضُبَيْعَةَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى خَرَاجِ سَمَرْقَنْدَ شَدَّادَ بْنَ خُلَيْدٍ الْبَاهِلِيَّ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ الصَّائِفَةَ الْيُسْرَى، وَغَزَا سَعِيدُ بْنُ هِشَامٍ الصَّائِفَةَ الْيُمْنَى حَتَّى أَتَى قَيْسَارِيَّةَ، وَغَزَا فِي الْبَحْرِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ. وَاسْتَعْمَلَ هِشَامٌ عَلَى عَامَّةِ النَّاسِ مِنَ الشَّامِ وَمِصْرَ الْحَكَمَ بْنَ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ. وَفِيهَا سَارَتِ التُّرْكُ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ فَلَقِيَهُمُ الْحَارِثُ بْنُ عَمْرٍو فَهَزَمَهُمْ.

стр. 2167

وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ هِشَامٌ الْجَرَّاحَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْحَكَمِيَّ عَلَى إِرْمِينِيَّةَ، وَعَزَلَ أَخَاهُ مَسْلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَدَخَلَ بِلَادَ الْخَزَرِ مِنْ نَاحِيَةِ تَفْلِيسَ، فَفَتَحَ مَدِينَتَهُمُ الْبَيْضَاءَ وَانْصَرَفَ سَالِمًا، فَجُمِعَتِ الْخَزَرُ وَحُشِدَتْ، وَسَارَتْ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِ الْجَرَّاحِ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِيهَا عَزَلَ عُبَيْدَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَامِلُ إِفْرِيقِيَّةَ، عُثْمَانَ بْنَ نِسْعَةَ عَنِ الْأَنْدَلُسِ، وَاسْتَعْمَلَ بَعْدَهُ الْهَيْثَمَ بْنَ عُبَيْدٍ الْكِنَانِيَّ، وَقَدِمَهَا فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ وَمِائَةٍ، وَتُوُفِّيَ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنَ السَّنَةِ، فَكَانَتْ وِلَايَتُهُ عَشَرَةَ أَشْهُرٍ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ، فَكَانَ الْعُمَّالُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ إِلَّا خُرَاسَانَ كَانَ بِهَا الْجُنَيْدُ، وَكَانَ بِإِرْمِينِيَّةَ الْجَرَّاحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.

стр. 2168

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَمِائَة] ١١٢ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ قَتْلِ الْجَرَّاحِ الْحَكَمِيِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ الْجَرَّاحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَكَمِيُّ. وَسَبَبُ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ مِنْ دُخُولِهِ بِلَادَ الْخَزَرِ وَانْهِزَامِهِمْ، فَلَمَّا هَزَمَهُمُ اجْتَمَعَ الْخَزَرُ وَالتُّرْكُ مِنْ نَاحِيَةِ اللَّانِ، فَلَقِيَهُمُ الْجَرَّاحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِيمَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، فَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ رَآهُ النَّاسُ، فَصَبَرَ الْفَرِيقَانِ، وَتَكَاثَرَتِ الْخَزَرُ وَالتُّرْكُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتُشْهِدَ الْجَرَّاحُ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ بِمَرْجِ أَرْدَبِيلَ، وَكَانَ قَدِ اسْتَخْلَفَ أَخَاهُ الْحَجَّاجَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى إِرْمِينِيَّةَ. وَلَمَّا قُتِلَ الْجَرَّاحُ طَمِعَ الْخَزَرُ وَأَوْغَلُوا فِي الْبِلَادِ حَتَّى قَارَبُوا الْمَوْصِلَ، وَعَظُمَ الْخَطْبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَكَانَ الْجَرَّاحُ خَيِّرًا فَاضِلًا مِنْ عُمَّالِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَرَثَاهُ كَثِيرٌ مِنَ الشُّعَرَاءِ. وَقِيلَ: كَانَ قَتْلُهُ بِبَلَنْجَرَ. وَلَمَّا بَلَغَ هِشَامًا خَبَرُهُ دَعَا سَعِيدًا الْحَرَشِيَّ فَقَالَ لَهُ: بَلَغَنِي أَنَّ الْجَرَّاحَ قَدِ انْحَازَ عَنِ الْمُشْرِكِينَ. قَالَ: كَلَّا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، الْجَرَّاحُ أَعْرَفُ بِاللَّهِ مِنْ أَنْ يَنْهَزِمَ، وَلَكِنَّهُ قُتِلَ. قَالَ: فَمَا رَأْيُكَ؟ قَالَ: تَبْعَثُنِي عَلَى أَرْبَعِينَ دَابَّةً مِنْ دَوَابِّ الْبَرِيدِ، ثُمَّ تَبْعَثُ إِلَيَّ كُلَّ يَوْمٍ أَرْبَعِينَ رَجُلًا، ثُمَّ اكْتُبْ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ يُوَافُونِي. فَفَعَلَ ذَلِكَ هِشَامٌ، وَسَارَ الْحَرَشِيُّ، فَكَّانِ لَا يَمُرُّ بِمَدِينَةٍ إِلَّا وَيَسْتَنْهِضُ أَهْلَهَا فَيُجِيبُهُ مَنْ يُرِيدُ الْجِهَادَ، وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى وَصَلَ إِلَى مَدِينَةِ أَرْزَنَ، فَلَقِيَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْجَرَّاحِ، وَبَكَوْا وَبَكَى لِبُكَائِهِمْ وَفَرَّقَ فِيهِمْ نَفَقَةً وَرَدَّهُمْ مَعَهُ، وَجَعَلَ لَا يَلْقَاهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْجَرَّاحِ إِلَّا رَدَّهُ مَعَهُ، وَوَصَلَ إِلَى خِلَاطٍ، وَهِيَ مُمْتَنِعَةٌ عَلَيْهِ، فَحَصَرَهَا أَيْضًا وَفَتَحَهَا وَقَسَّمَ غَنَائِمَهَا فِي أَصْحَابِهِ. ثُمَّ سَارَ عَنْ خِلَاطٍ وَفَتَحَ الْحُصُونَ وَالْقِلَاعَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ إِلَى أَنْ وَصَلَ إِلَى بَرْذَعَةَ فَنَزَلَهَا.

стр. 2169

وَكَانَ ابْنُ خَاقَانَ يَوْمَئِذٍ بِأَذْرَبِيجَانَ يُغِيرُ وَيَنْهَبُ وَيَسْبِي وَيَقْتُلُ، وَهُوَ مُحَاصِرٌ مَدِينَةَ وَرْثَانَ، فَخَافَ الْحَرَشِيُّ أَنْ يَمْلِكَهَا، فَأَرْسَلَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ إِلَى أَهْلِ وَرْثَانَ سِرًّا يُعَرِّفُهُمْ وُصُولَهُمْ وَيَأْمُرُهُمْ بِالصَّبْرِ، فَسَارَ الْقَاصِدُ، وَلَقِيَهُ بَعْضُ الْخَزَرِ فَأَخَذُوهُ وَسَأَلُوهُ عَنْ حَالِهِ، فَأَخْبَرَهُمْ وَصَدَقَهُمْ، فَقَالُوا لَهُ: إِنْ فَعَلْتَ مَا نَأْمُرُكَ بِهِ أَحْسَنَّا إِلَيْكَ وَأَطْلَقْنَاكَ وَإِلَّا قَتَلْنَاكَ. قَالَ: فَمَا الَّذِي تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: تَقُولُ لَأَهْلِ وَرْثَانَ إِنَّكُمْ لَيْسَ لَكُمْ مَدَدٌ وَلَا مَنْ يَكْشِفُ مَا بِكُمْ، وَتَأْمُرُهُمْ بِتَسْلِيمِ الْبَلَدِ إِلَيْنَا. فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ. فَلَمَّا قَارَبَ الْمَدِينَةَ وَقَفَ بِحَيْثُ يَسْمَعُ أَهْلُهَا كَلَامَهُ فَقَالَ لَهُمْ: أَتَعْرِفُونِي؟ قَالُوا: نَعَمْ أَنْتَ فُلَانٌ. قَالَ: فَإِنَّ الْحَرَشِيُّ قَدْ وَصَلَ إِلَى مَكَانِ كَذَا فِي عَسَاكِرَ كَثِيرَةٍ، وَهُوَ يَأْمُرُكُمْ بِحِفْظِ الْبَلَدِ وَالصَّبْرِ، فَفِي هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ يَصِلُ إِلَيْكُمْ. فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ. وَقَتَلَتِ الْخَزَرُ ذَلِكَ الرَّجُلَ وَرَحَلُوا عَنْ مَدِينَةِ وَرْثَانَ، فَوَصَلَهَا الْحَرَشِيُّ فِي الْعَسَاكِرِ وَلَيْسَ عِنْدَهَا أَحَدٌ. فَارْتَحَلَ يَطْلُبُ الْخَزَرَ إِلَى أَرْدَبِيلَ، فَسَارَ الْخَزَرُ عَنْهَا وَنَزَلَ الْحَرَشِيُّ بَاجَرْوَانَ، فَأَتَاهُ فَارِسٌ عَلَى فَرَسٍ أَبْيَضَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: هَلْ لَكَ أَيُّهَا الْأَمِيرُ فِي الْجِهَادِ وَالْغَنِيمَةِ؟ قَالَ: كَيْفَ لِي بِذَلِكَ؟ قَالَ: هَذَا عَسْكَرُ الْخَزَرِ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ، وَمَعَهُمْ خَمْسَةُ آلَافٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أُسَارَى أَوْ سَبَايَا، وَقَدْ نَزَلُوا عَلَى أَرْبَعَةِ فَرَاسِخَ. فَسَارَ الْحَرَشِيُّ لَيْلًا فَوَافَاهُمْ آخِرَ اللَّيْلِ وَهُمْ نِيَامٌ، فَفَرَّقَ أَصْحَابَهُ فِي أَرْبَعِ جِهَاتٍ فَكَبَسَهُمْ مَعَ الْفَجْرِ، وَوَضَعَ الْمُسْلِمُونَ فِيهِمُ السَّيْفَ، فَمَا بَزَغَتِ الشَّمْسُ حَتَّى قُتِلُوا أَجْمَعِينَ غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَأَطْلَقَ الْحَرَشِيُّ مَنْ مَعَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَخَذَهُمْ إِلَى بَاجَرْوَانَ، فَلَمَّا دَخَلَهَا أَتَاهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ صَاحِبُ الْفَرَسِ الْأَبْيَضِ فَسَلَّمَ وَقَالَ: هَذَا جَيْشٌ لِلْخَزَرِ وَمَعَهُمْ أَمْوَالٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَحُرَمُ الْجَرَّاحِ وَأَوْلَادُهُ بِمَكَانِ كَذَا. فَسَارَ الْحَرَشِيُّ إِلَيْهِمْ، فَمَا شَعَرُوا إِلَّا وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُمْ، فَوَضَعُوا فِيهِمُ السَّيْفَ فَقَتَلُوهُمْ كَيْفَ شَاءُوا، وَلَمْ يُفْلِتْ مِنَ الْخَزَرِ إِلَّا الشَّرِيدُ، وَاسْتَنْقَذُوا مَنْ مَعَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَغَنِمُوا أَمْوَالَهُمْ، وَأَخَذَ أَوْلَادَ الْجَرَّاحِ فَأَكْرَمَهُمْ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، وَحَمَلَ الْجَمِيعَ إِلَى بَاجَرْوَانَ. وَبَلَغَ خَبَرُ مَا فَعَلَهُ الْحَرَشِيُّ بِعَسَاكِرِ الْخَزَرِ ابْنَ مَلِكِهِمْ، فَوَبَّخَ عَسَاكِرَهُ وَذَمَّهُمْ وَنَسَبَهُمْ إِلَى الْعَجْزِ وَالْوَهَنِ، فَحَرَّضَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِجَمْعِ أَصْحَابِهِ وَالْعَوْدِ إِلَى قِتَالِ الْحَرَشِيِّ. فَجَمَعَ أَصْحَابَهُ مِنْ نَوَاحِي أَذْرَبِيجَانَ، فَاجْتَمَعَ مَعَهُ عَسَاكِرُ كَثِيرَةٌ،

стр. 2170

وَسَارَ الْحَرَشِيُّ إِلَيْهِ فَالْتَقَيَا بِأَرْضِ بَرْزَنْدَ، وَاقْتَتَلَ النَّاسُ أَشَدَّ قِتَالٍ وَأَعْظَمَهُ، فَانْحَازَ الْمُسْلِمُونَ يَسِيرًا، فَحَرَّضَهُمُ الْحَرَشِيُّ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّبْرِ فَعَادُوا إِلَى الْقِتَالِ وَصَدَقُوهُمُ الْحَمْلَةَ، وَاسْتَغَاثَ مَنْ مَعَ الْخَزَرِ مِنَ الْأُسَارَى وَنَادَوْا بِالتَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ وَالدُّعَاءِ، فَعِنْدَهَا حَرَّضَ الْمُسْلِمُونَ بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ إِلَّا وَبَكَى رَحْمَةً لِلْأَسْرَى، وَاشْتَدَّتْ نِكَايَتُهُمْ فِي الْعَدُوِّ، فَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ مُنْهَزِمِينَ، وَتَبِعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى بَلَغُوا بِهِمْ نَهْرَ أُرْسٍ، وَعَادُوا عَنْهُمْ وَحَوَوْا مَا فِي عَسَاكِرِهِمْ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْغَنَائِمِ، وَأَطْلَقُوا الْأَسْرَى وَالسَّبَايَا وَحَمَلُوا الْجَمِيعَ إِلَى بَاجَرْوَانَ. ثُمَّ إِنَّ ابْنَ مَلِكِ الْخَزَرِ جَمَعَ مَنْ لَحِقَ بِهِ مِنْ عَسَاكِرِهِ وَعَادَ بِهِمْ نَحْوَ الْحَرَشِيِّ، فَنَزَلَ عَلَى نَهْرِ الْبَيْلَقَانِ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى الْحَرَشِيِّ فَسَارَ نَحْوَهُ فِي عَسَاكِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَوَافَاهُمْ وَهُمْ عَلَى نَهْرِ الْبَيْلَقَانِ، فَالْتَقَوْا هُنَاكَ، فَصَاحَ الْحَرَشِيُّ بِالنَّاسِ، فَحَمَلُوا حَمْلَةً صَادِقَةً ضَعْضَعُوا صُفُوفَ الْخَزَرِ، وَتَابَعَ الْحَمَلَاتِ وَصَبَرَ الْخَزَرُ صَبْرًا عَظِيمًا، ثُمَّ كَانَتِ الْهَزِيمَةُ عَلَيْهِمْ، فَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ مُنْهَزِمِينَ، وَكَانَ مَنْ غَرِقَ مِنْهُمْ فِي النَّهْرِ أَكْثَرَ مِمَّنْ قُتِلَ. وَجَمَعَ الْحَرَشِيُّ الْغَنَائِمَ وَعَادَ إِلَى بَاجَرْوَانَ فَقَسَّمَهَا، وَأَرْسَلَ الْخُمْسَ إِلَى هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَعَرَّفَهُ مَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ هِشَامٌ يَشْكُرُهُ. وَأَقَامَ بِبَاجَرْوَانَ، فَأَتَاهُ كِتَابُ هِشَامٍ يَأْمُرُهُ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِ، وَاسْتَعْمَلَ أَخَاهُ مَسْلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ عَلَى إِرْمِينِيَّةَ وَأَذْرَبِيجَانَ، فَوَصَلَ إِلَى الْبِلَادِ وَسَارَ إِلَى التُّرْكِ فِي شِتَاءٍ شَدِيدٍ حَتَّى جَازَ الْبَابَ فِي آثَارِهِمْ. ذِكْرُ وَقْعَةِ الْجُنَيْدِ بِالشِّعْبِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ الْجُنَيْدُ غَازِيًا يُرِيدُ طَخَارِسْتَانَ، فَوَجَّهَ عُمَارَةَ بْنَ حُرَيْمٍ إِلَى طَخَارِسْتَانَ فِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَوَجَّهَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ بَسَّامٍ اللَّيْثِيَّ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ إِلَى وَجْهٍ آخَرَ، وَجَاشَتِ التُّرْكُ فَأَتَوْا سَمَرْقَنْدَ وَعَلَيْهَا سَوْرَةُ بْنُ الْحُرِّ، فَكَتَبَ سَوْرَةُ إِلَى الْجُنَيْدِ: إِنَّ خَاقَانَ جَاشَ التُّرْكَ، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِمْ فَلَمْ أُطِقْ [أَنْ] أَمْنَعَ حَائِطَ سَمَرْقَنْدَ، فَالْغَوْثَ الْغَوْثَ! فَأَمَرَ الْجُنَيْدُ النَّاسَ بِعُبُورِ النَّهْرِ، فَقَامَ إِلَيْهِ الْمُجَشِّرُ بْنُ مُزَاحِمٍ السُّلَمِيُّ وَابْنُ بِسْطَامٍ الْأَزْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَقَالُوا: إِنَّ التُّرْكَ لَيْسُوا كَغَيْرِهِمْ لَا يَلْقَوْنَكَ صَفًّا وَلَا زَحْفًا وَقَدْ فَرَّقْتَ جُنْدَكَ، فَمُسْلِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِالْبَيْرُوذِ، وَالْبَخْتَرِيُّ بِهَرَاةَ، وَعُمَارَةُ بْنُ حُرَيْمٍ غَائِبٌ بِطَخَارِسْتَانَ، وَصَاحِبُ خُرَاسَانَ لَا يَعْبُرُ النَّهْرَ فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسِينَ أَلْفًا، فَاكْتُبْ إِلَى عُمَارَةَ

стр. 2171

فَلْيَأْتِكَ وَأَمْهِلْ وَلَا تَعْجَلْ. قَالَ: فَكَيْفَ بِسَوْرَةَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؟ لَوْ لَمْ أَكُنْ إِلَّا فِي بَنِي مُرَّةَ أَوْ مَنْ طَلَعَ مَعِي مِنَ الشَّامِ لَعَبَرْتُ، وَقَالَ شِعْرًا: أَلَيْسَ أَحَقُّ النَّاسِ أَنْ يَشْهَدَ الْوَغَى ... وَأَنْ يَقْتُلَ الْأَبْطَالَ ضَخْمًا عَلَى ضَخْمِ وَقَالَ: مَا عِلَّتِي مَا عِلَّتِي مَا عِلَّتِي ... إِنْ لَمْ أُقَتِّلْهُمْ فَجُزُّوا لُمَّتِي وَعَبَرَ الْجُنَيْدُ فَنَزَلَ كَشَّ وَتَأَهَّبَ لِلْمَسِيرِ، وَبَلَغَ التُّرْكَ فَعَوَّرُوا الْآبَارَ الَّتِي فِي طَرِيقِ كَشٍّ، فَقَالَ الْجُنَيْدُ: أَيُّ طَرِيقٍ إِلَى سَمَرْقَنْدَ أَصْلَحُ؟ فَقَالُوا: طَرِيقُ الْمُحْتَرِقَةِ. فَقَالَ الْمُجَشِّرُ: الْقَتْلُ بِالسَّيْفِ أَصْلَحُ مِنَ الْقَتْلِ بِالنَّارِ، طَرِيقُ الْمُحْتَرِقَةِ كَثِيرُ الشَّجَرِ وَالْحَشِيشِ وَلَمْ يُزْرَعْ مُنْذُ سِنِينَ، فَإِنْ لَقِينَا خَاقَانَ أَحْرَقَ ذَلِكَ كُلَّهُ فَقَتَلَنَا بِالنَّارِ وَالدُّخَانِ، وَلَكِنْ خُذْ طَرِيقَ الْعَقَبَةِ فَهُوَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَوَاءٌ. فَأَخَذَ الْجُنَيْدُ طَرِيقَ الْعَقَبَةِ فَارْتَقَى فِي الْجَبَلِ، فَأَخَذَ الْمُجَشِّرُ بِعِنَانِ دَابَّتِهِ وَقَالَ: إِنَّهُ كَانَ يُقَالُ إِنَّ رَجُلًا مُتْرَفًا مِنْ قَيْسٍ يَهْلِكُ عَلَى يَدَيْهِ جُنْدٌ مِنْ جُنُودِ خُرَاسَانَ وَقَدْ خِفْنَا أَنْ تَكُونَهُ. قَالَ: لِيُفْرِخْ رَوْعُكَ. قَالَ: أَمَّا مَا كَانَ بَيْنَنَا مِثْلُكَ فَلَا. فَبَاتَ فِي أَصْلِ الْعَقَبَةِ، ثُمَّ سَارَ بِالنَّاسِ حَتَّى صَارَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَمَرْقَنْدَ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ وَدَخَلَ الشِّعْبَ، فَصَبَّحَهُ خَاقَانُ فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ، وَزَحَفَ إِلَيْهِ أَهْلُ الصُّغْدِ وَفَرْغَانَةَ وَالشَّاشِ وَطَائِفَةٌ مِنَ التُّرْكِ، فَحَمَلَ خَاقَانُ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ، وَعَلَيْهَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، فَرَجَعُوا إِلَى الْعَسْكَرِ وَالتُّرْكُ تَتْبَعُهُمْ وَجَاءُوهُمْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَجَعَلَ الْجُنَيْدُ تَمِيمًا وَالْأَزْدَ فِي الْمَيْمَنَةِ، وَرَبِيعَةَ فِي الْمَيْسَرَةِ مِمَّا يَلِي الْجَبَلَ، وَعَلَى مُجَفَّفَةِ خَيْلِ بَنِي تَمِيمٍ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زُهَيْرِ بْنِ حَيَّانَ، وَعَلَى الْمُجَرَّدَةِ عَمْرَو بْنَ جِرْقَاشٍ الْمِنْقَرِيَّ، وَعَلَى جَمَاعَةِ بَنِي تَمِيمٍ عَامِرَ بْنَ مَالِكٍ الْحِمَّانِيَّ، وَعَلَى الْأَزْدِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بِسْطَامِ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ عَمْرٍو، وَعَلَى الْمُجَفَّفَةِ وَالْمُجَرَّدَةِ فُضَيْلَ بْنَ هَنَّادٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَوْذَانَ. فَالْتَقَوْا، وَقَصَدَ الْعَدُوُّ الْمَيْمَنَةَ لِضِيقِ الْمَيْسَرَةِ، فَتَرَجَّلَ حَسَّانُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زُهَيْرٍ بَيْنَ يَدَيْ أَبِيهِ، فَأَمَرَهُ أَبُوهُ بِالرُّكُوبِ، فَرَكِبَ، وَأَحَاطَ الْعَدُوَّ بِالْمَيْمَنَةِ، فَأَمَدَّهُمُ الْجُنَيْدُ بِنَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ، فَشَدَّ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ عَلَى الْعَدُوِّ فَكَشَفُوهُمْ، ثُمَّ كَرُّوا عَلَيْهِمْ وَقَتَلُوا عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زُهَيْرٍ وَابْنَ جِرْقَاشَ وَالْفُضَيْلَ بْنَ هَنَّادٍ، وَجَالَتِ الْمَيْمَنَةُ وَالْجُنَيْدُ وَاقِفٌ فِي الْقَلْبِ، فَأَقْبَلَ إِلَى الْمَيْمَنَةِ وَوَقَفَ تَحْتَ رَايَةِ الْأَزْدِ، وَكَانَ قَدْ جَفَاهُمْ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُ

стр. 2172

الرَّايَةِ: مَا هَلَكْنَا لِتُكْرِمَنَا، وَلَكِنَّكَ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يُوصَلُ إِلَيْكَ وَمِنَّا رَجُلٌ حَيٌّ، فَإِنْ ظَفِرْنَا كَانَ لَكَ، وَإِنْ هَلَكْنَا لَمْ تَبْكِ عَلَيْنَا. وَتَقَدَّمَ فَقُتِلَ، وَأَخَذَ الرَّايَةَ ابْنُ مُجَّاعَةَ فَقُتِلَ، وَتَدَاوَلَهَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَقُتِلُوا، وَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْأَزْدِ ثَمَانُونَ رَجُلًا. وَصَبَرَ النَّاسُ يُقَاتِلُونَ حَتَّى أُعْيُوا، فَكَانَتِ السُّيُوفُ لَا تَقْطَعُ شَيْئًا، فَقَطَعَ عَبِيدُهُمُ الْخَشَبَ يُقَاتِلُونَ بِهِ حَتَّى مَلَّ الْفَرِيقَانِ، فَكَانَتِ الْمُعَانَقَةُ ثُمَّ تَحَاجَزُوا. وَقُتِلَ مِنَ الْأَزْدِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بِسْطَامٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْذَانَ، وَالْحَسَنُ بْنُ شَيْخٍ، وَالْفُضَيْلُ صَاحِبُ الْخَيْلِ، وَيَزِيدُ بْنُ الْفَضْلِ الْحِدَّانِيُّ، وَكَانَ قَدْ حَجَّ فَأَنْفَقَ فِي حَجَّتِهِ ثَمَانِينَ وَمِائَةَ أَلْفٍ، وَقَالَ لِأُمِّهِ: ادْعِي اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنِي الشَّهَادَةَ، فَدَعَتْ لَهُ وَغُشِيَ عَلَيْهَا، فَاسْتُشْهِدَ بَعْدَ مَقْدِمِهِ مِنَ الْحَجِّ بِثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَقُتِلَ النَّضْرُ بْنُ رَاشِدٍ الْعَبْدِيُّ، وَكَانَ قَدْ دَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ وَالنَّاسُ يَقْتَتِلُونَ فَقَالَ لَهَا: كَيْفَ أَنْتِ إِذَا أُتِيتِ بِأَبِي ضَمْرَةَ فِي لِبْدٍ مُضَرَّجًا بِالدَّمِ؟ فَشَقَّتْ جَيْبَهَا وَدَعَتْ بِالْوَيْلِ، فَقَالَ لَهَا: حَسْبُكِ، لَوْ أَعْوَلَتْ عَلَيَّ كُلُّ أُنْثَى لَعَصَيْتُهَا شَوْقًا إِلَى (الْحُورِ الْعِينِ! فَرَجَعَ وَقَاتَلَ حَتَّى اسْتُشْهِدَ، ﵀. فَبَيْنَا النَّاسُ كَذَلِكَ إِذْ أَقْبَلَ) رَهَجٌ وَطَلَعَتْ فُرْسَانٌ، فَنَادَى مُنَادِي الْجُنَيْدِ: الْأَرْضَ الْأَرْضَ! فَتَرَجَّلَ وَتَرَجَّلَ النَّاسُ، ثُمَّ نَادَى: لِيُخَنْدِقْ كُلُّ قَائِدٍ عَلَى حِيَالِهِ، فَخَنْدَقُوا وَتَحَاجَزُوا، وَقَدْ أُصِيبَ مِنَ الْأَزْدِ مِائَةٌ وَتِسْعُونَ رَجُلًا. وَكَانَ قِتَالُهُمْ يَوْمَ الْجُمْعَةِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ السَّبْتِ قَصَدَهُمْ خَاقَانُ وَقْتَ الظُّهْرِ فَلَمْ يَرَ مَوْضِعًا لِلْقِتَالِ أَسْهَلَ مِنْ مَوْضِعِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، وَعَلَيْهِمْ زِيَادُ بْنُ الْحَارِثِ، فَقَصَدَهُمْ، فَلَمَّا قَرُبُوا حَمَلَتْ بَكْرٌ عَلَيْهِمْ فَأَفْرَجُوا لَهُمْ، فَسَجَدَ الْجُنَيْدُ وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ. ذِكْرُ مَقْتَلِ سَوْرَةَ بْنِ الْحُرِّ فَلَمَّا اشْتَدَّ الْقِتَالُ وَرَأَى الْجُنَيْدُ شِدَّةَ الْأَمْرِ اسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ، فَقَالَ لَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ حَبِيبٍ: اخْتَرْ إِمَّا أَنْ تَهْلِكَ أَنْتَ أَوْ سَوْرَةُ بْنُ الْحُرِّ. قَالَ: هَلَاكُ سَوْرَةَ أَهْوَنُ عَلَيَّ. قَالَ: فَاكْتُبْ (إِلَيْهِ فَلْيَأْتِكَ فِي أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ، فَإِنَّهُ إِذَا بَلَغَ التُّرْكَ إِقْبَالُهُ تَوَجَّهُوا إِلَيْهِ فَقَاتَلُوهُ) . فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْجُنَيْدُ يَأْمُرُهُ بِالْقُدُومِ. وَقَالَ حُلَيْسُ بْنُ غَالِبٍ الشَّيْبَانِيُّ: إِنَّ التُّرْكَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ

стр. 2173

الْجُنَيْدِ، فَإِنْ خَرَجْتَ كَرُّوا عَلَيْكَ فَاخْتَطَفُوكَ. فَكَتَبَ إِلَى الْجُنَيْدِ: إِنِّي لَا أَقْدِرُ عَلَى الْخُرُوجِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْجُنَيْدُ: يَابْنَ اللَّخْنَاءِ تَخْرُجُ، وَإِلَّا وَجَّهْتُ إِلَيْكَ شَدَّادَ بْنَ خُلَيْدٍ الْبَاهِلِيَّ، وَكَانَ عَدُوَّهُ، فَاخْرُجِ الْزَمِ الْمَاءَ وَلَا تُفَارِقْهُ، فَأَجْمَعَ عَلَى الْمَسِيرِ وَقَالَ: إِذَا سِرْتُ عَلَى النَّهْرِ لَا أَصِلُ فِي يَوْمَيْنِ وَبَيْنِي وَبَيْنَهُ فِي هَذَا الْوَجْهِ لَيْلَةٌ، فَإِذَا سَكَتَ الرَّجُلُ سِرْتُ. فَجَاءَتْ عُيُونُ الْأَتْرَاكِ فَأَخْبَرُوهُمْ بِمَقَالَةِ سَوْرَةَ، وَرَحَلَ سَوْرَةُ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى سَمَرْقَنْدَ مُوسَى بْنَ أَسْوَدَ الْحَنْظَلِيَّ، وَسَارَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، فَأَصْبَحَ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ، فَتَلَقَّاهُ خَاقَانُ حِينَ أَصْبَحَ، وَقَدْ سَارَ ثَلَاثَةَ فَرَاسِخَ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُنَيْدِ فَرْسَخٌ فَقَاتَلَهُمْ، فَاشْتَدَّ الْقِتَالُ وَصَبَرُوا. فَقَالَ غُوزَكُ لِخَاقَانَ: الْيَوْمَ حَارٌّ فَلَا نُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَحْمَى عَلَيْهِمُ السِّلَاحُ، فَوَافَقَهُمْ وَأَشْعَلَ النَّارَ فِي الْحَشِيشِ وَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمَاءِ، فَقَالَ سَوْرَةُ لِعُبَادَةَ: مَا تَرَى يَا أَبَا سُلَيْمٍ؟ فَقَالَ: أَرَى أَنَّ التُّرْكَ يُرِيدُونَ الْغَنِيمَةَ، فَاعْقِرِ الدَّوَابَّ وَأَحْرِقِ الْمَتَاعَ وَجَرِّدِ السَّيْفَ، فَإِنَّهُمْ يُخَلُّونَ لَنَا الطَّرِيقَ، وَإِنْ مَنَعُونَا شَرَعْنَا الرِّمَاحَ وَنَزْحَفُ زَحْفًا، وَإِنَّمَا هُوَ فَرْسَخٌ حَتَّى نَصِلَ إِلَى الْعَسْكَرِ. فَقَالَ: لَا أَقْوَى عَلَى هَذَا وَلَا فُلَانٌ وَفُلَانٌ، وَعَدَّ رِجَالًا، وَلَكِنْ أَجْمَعُ الْخَيْلَ فَأَصُكُّهُمْ بِهَا سَلِمْتُ أَمْ عَطِبْتُ. . وَجَمَعَ النَّاسَ وَحَمَلُوا، فَانْكَشَفَ التُّرْكُ وَثَارَ الْغُبَارُ فَلَمْ يُبْصِرُوا، وَمِنْ وَرَاءِ التُّرْكِ لَهِيبٌ فَسَقَطُوا فِيهِ، وَسَقَطَ الْعَدُوُّ وَالْمُسْلِمُونَ وَسَقَطَ سَوْرَةُ فَانْدَقَّتْ فَخِذُهُ، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ، فَقَتَلَهُمُ التُّرْكُ وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ غَيْرَ أَلْفَيْنِ، وَيُقَالُ أَلْفٌ، وَكَانَ مِمَّنْ نَجَا مِنْهُمْ عَاصِمُ بْنُ عُمَيْرٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ، وَاسْتُشْهِدَ حُلَيْسُ بْنُ غَالِبٍ الشَّيْبَانِيُّ، وَانْحَازَ الْمُهَلَّبُ بْنُ زِيَادٍ الْعِجْلِيُّ فِي سَبْعِمِائَةٍ إِلَى رُسْتَاقَ يُسَمَّى الْمَرْغَابُ فَنَزَلُوا قَصْرًا هُنَاكَ، فَأَتَاهُمُ الْأَشْكَنْدُ صَاحِبُ نَسَفَ فِي خَيْلٍ وَمَعَهُ غَوْزَكُ، فَأَعْطَاهُمْ غَوْزَكُ الْأَمَانَ. فَقَالَ قُرَيْشُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَبْدِيُّ: لَا تَثِقُوا بِهِمْ، وَلَكِنْ إِذَا جَنَّنَا اللَّيْلُ خَرَجْنَا عَلَيْهِمْ حَتَّى نَأْتِيَ سَمَرْقَنْدَ. فَعَصَوْهُ فَنَزَلُوا بِالْأَمَانِ، فَسَاقَهُمْ إِلَى خَاقَانَ فَقَالَ: لَا أُجِيزُ أَمَانَ غَوْزَكَ، فَقَاتَلَهُمُ الْوَجْفُ بْنُ خَالِدٍ وَالْمُسْلِمُونَ فَأُصِيبُوا غَيْرَ سَبْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَقُتِلُوا غَيْرَ ثَلَاثَةٍ. وَقُتِلَ سَوْرَةُ فِي اللَّهَبِ، فَلَمَّا قُتِلَ خَرَجَ الْجُنَيْدُ مِنَ الشِّعْبِ يُرِيدُ سَمَرْقَنْدَ مُبَادِرًا، فَقَالَ لَهُ خَالِدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ: سِرْ وَأَسْرِعْ. فَقَالَ لَهُ الْمُجَشِّرُ: انْزِلْ وَخُذْ بِلِجَامِ دَابَّتِهِ، فَنَزَلَ وَنَزَلَ النَّاسُ مَعَهُ، فَلَمْ يَسْتَتِمَّ نُزُولُهُمْ حَتَّى طَلَعَ التُّرْكُ، فَقَالَ الْمُجَشِّرُ لَهُ: لَوْ لَاقَوْنَا وَنَحْنُ نَسِيرُ أَلَمْ يُهْلِكُونَا؟ فَلَمَّا أَصْبَحُوا تَنَاهَضُوا فَجَالَ النَّاسُ، فَقَالَ الْجُنَيْدُ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهَا النَّارُ، فَرَجَعُوا، وَنَادَى الْجُنَيْدُ: أَيُّ عَبْدٍ قَاتَلَ فَهُوَ حُرٌّ. فَقَاتَلَ الْعَبِيدُ قِتَالًا عَجِبَ مِنْهُ

стр. 2174

النَّاسُ، فَسُرُّوا بِمَا رَأَوْا مِنْ صَبْرِهِمْ، وَصَبَرَ النَّاسُ حَتَّى انْهَزَمَ الْعَدُوُّ وَمَضَوْا، فَقَالَ مُوسَى ابْنُ التَّعْرَاءِ [لِلنَّاسِ] : تَفْرَحُونَ بِمَا رَأَيْتُمْ مِنَ الْعَبِيدِ! إِنَّ لَكُمْ مِنْهُمْ لَيَوْمًا أَرُوزْبَانَ. وَمَضَى الْجُنَيْدُ إِلَى سَمَرْقَنْدَ فَحَمَلَ عِيَالَ مَنْ كَانَ مَعَ سَوْرَةَ إِلَى مَرْوَ، وَأَقَامَ بِالصُّغْدِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ. وَكَانَ صَاحِبُ رَأْيِ خُرَاسَانَ فِي الْحَرْبِ الْمُجَشِّرُ بْنُ مُزَاحِمٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صُبْحٍ الْخَرَقِيُّ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ حَبِيبٍ الْهَجَرِيُّ، وَكَانَ الْمُجَشِّرُ يُنْزِلُ النَّاسَ عَلَى رَايَاتِهِمْ وَيَضَعُ الْمَسَالِحَ، لَيْسَ لِأَحَدٍ مِثْلُ رَأْيِهِ فِي ذَلِكَ، وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إِذَا نَزَلَ الْأَمْرُ الْعَظِيمُ فِي الْحَرْبِ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِثْلُ رَأْيِهِ، وَكَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ عَلَى تَعْبِيَةِ الْقِتَالِ. وَكَانَ رِجَالٌ مِنَ الْمَوَالِي مِثْلَ هَؤُلَاءِ فِي الرَّأْيِ وَالْمَشُورَةِ وَالْعِلْمِ بِالْحَرْبِ، فَمِنْهُمْ: الْفَضْلُ بْنُ بَسَّامٍ، مَوْلَى لَيْثٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، مَوْلَى سُلَيْمٍ، وَالْبَخْتَرِيُّ بْنُ مُجَاهِدٍ، مَوْلَى شَيْبَانَ. فَلَمَّا انْصَرَفَ التُّرْكُ بَعَثَ الْجُنَيْدُ نَهَارَ بْنَ تَوْسِعَةَ، أَحَدَ بَنِي تَيْمِ اللَّاتِ، وَزِبْلَ بْنَ سُوَيْدٍ الْمُرِّيَّ إِلَى هِشَامٍ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّ سَوْرَةَ عَصَانِي، أَمَرْتُهُ بِلُزُومِ الْمَاءِ فَلَمْ يَفْعَلْ، فَتَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، فَأَتَتْنِي طَائِفَةٌ [إِلَى كَشٍّ] ، وَطَائِفَةٌ إِلَى نَسَفَ، وَطَائِفَةٌ إِلَى سَمَرْقَنْدَ، وَأُصِيبَ سَوْرَةُ فِي بَقِيَّةِ أَصْحَابِهِ. فَسَأَلَ هِشَامٌ نَهَارَ بْنَ تَوْسِعَةَ عَنِ الْخَبَرِ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا شَهِدَ، فَكَتَبَ هِشَامٌ إِلَى الْجُنَيْدِ: قَدْ وَجَّهْتُ إِلَيْكَ عَشَرَةَ آلَافٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَعَشَرَةَ آلَافٍ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَمِنَ السِّلَاحِ ثَلَاثِينَ أَلْفَ رُمْحٍ، وَمِثْلُهَا تِرَسَةٌ، فَافْرِضْ فَلَا غَايَةَ لَكَ فِي الْفَرِيضَةِ لِخَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا. فَلَمَّا سَمِعَ هِشَامٌ مُصَابَ سَوْرَةَ (قَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، مُصَابُ سَوْرَةَ) بِخُرَاسَانَ وَمُصَابُ الْجَرَّاحِ بِالْبَابِ. وَأَبْلَى نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ يَوْمَئِذٍ بَلَاءً حَسَنًا. وَأَرْسَلَ الْجُنَيْدُ لَيْلَةً بِالشِّعْبِ رَجُلًا وَقَالَ [لَهُ] : تَسْمَعُ مَا يَقُولُ النَّاسُ وَكَيْفَ حَالُهُمْ. فَفَعَلَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ: رَأَيْتُهُمْ طَيِّبَةً أَنْفُسُهُمْ، يَتَنَاشَدُونَ الْأَشْعَارَ وَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ. فَسَرَّهُ ذَلِكَ. قَالَ عُبَيْدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ النُّعْمَانِ: رَأَيْتُ فَسَاطِيطَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِسْطَامٍ وَأَصْحَابِهِ، فَقُتِلُوا فِي غَدٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: مَرَرْتُ فِي ذَلِكَ

стр. 2175

الْمَوْضِعِ بَعْدَ ذَلِكَ بِحِينٍ، فَشَمَمْتُ رَائِحَةَ الْمِسْكِ. وَأَقَامَ الْجُنَيْدُ بِسَمَرْقَنْدَ، وَتَوَجَّهُ الْخَاقَانُ إِلَى بُخَارَى وَعَلَيْهَا قَطَنُ بْنُ قُتَيْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ، فَخَافَ الْجُنَيْدُ التُّرْكَ عَلَى قَطَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ، فَشَاوَرَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ قَوْمٌ: نَلْزَمُ سَمَرْقَنْدَ. وَقَالَ قَوْمٌ: نَسِيرُ مِنْهَا فَنَأْتِي رَبِنْجَنَ، ثُمَّ كَشَّ، ثُمَّ إِلَى نَسَفَ، فَنَتَّصِلُ مِنْهَا إِلَى أَرْضِ زُمَّ، وَنَقْطَعُ النَّهْرَ وَنَنْزِلُ آمُلَ فَنَأْخُذُ عَلَيْهِ بِالطَّرِيقِ. فَاسْتَشَارَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى بَنِي سُلَيْمٍ، وَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالُوا، فَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُخَالِفَهُ فِيمَا يُشِيرُ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ ارْتِحَالٍ وَنُزُولٍ وَقِتَالٍ، قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنِّي أَطْلُبُ إِلَيْكَ خِصَالًا. قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: تَخَنْدَقْ حَيْثُمَا نَزَلْتَ، فَلَا يَفُوتَنَّكَ حَمْلُ الْمَاءِ، وَلَوْ كُنْتَ عَلَى شَاطِئِ نَهْرٍ، وَأَنْ تُطِيعَنِي فِي نُزُولِكَ وَارْتِحَالِكَ. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَمَّا مَا أَشَارُوا عَلَيْكَ فِي مُقَامِكَ بِسَمَرْقَنْدَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْغِيَاثُ، فَالْغِيَاثُ يُبْطِئُ عَنْكَ، وَأَمَّا مَا أَشَارُوا مِنْ طَرِيقِ كَشٍّ وَنَسَفَ، فَإِنَّكَ إِنْ سِرْتَ بِالنَّاسِ فِي غَيْرِ الطَّرِيقِ، فَتَتَّ فِي أَعْضَادِهِمْ، وَانْكَسَرُوا عَنْ عَدُوِّهِمْ، وَاجْتَرَأَ عَلَيْكَ خَاقَانُ، وَهُوَ الْيَوْمَ قَدِ اسْتَفْتَحَ بُخَارَى فَلَمْ يَفْتَحُوا لَهُ، فَإِنْ أَخَذْتَ غَيْرَ الطَّرِيقِ بَلَغَ أَهْلُ بُخَارَى مَا فَعَلْتَ فَيَسْتَسْلِمُوا لِعَدُوِّهِمْ، وَإِنْ أَخَذْتَ الطَّرِيقَ الْأَعْظَمَ هَابَكَ الْعَدُوُّ، وَالرَّأْيُ عِنْدِي أَنْ تَأْخُذَ عِيَالَ مَنْ قُتِلَ مَعَ سَوْرَةَ فَتُقَسِّمَهُمْ عَلَى عَشَائِرِهِمْ وَتَحْمِلَهُمْ مَعَكَ، فَإِنِّي أَرْجُو بِذَلِكَ أَنْ يَنْصُرَكَ اللَّهُ عَلَى عَدُوِّكَ، وَتُعْطِيَ كُلَّ رَجُلٍ تَخَلَّفَ بِسَمَرْقَنْدَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَفَرَسًا. فَأَخَذَ بِرَأْيِهِ وَخَلَّفَ بِسَمَرْقَنْدَ عُثْمَانَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ فِي أَرْبَعِمِائَةِ فَارِسٍ وَأَرْبَعِمِائَةِ رَاجِلٍ. فَشَتَمَ النَّاسُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ وَقَالُوا: مَا أَرَادَ إِلَّا هَلَاكَنَا. فَخَرَجَ الْجُنَيْدُ وَحَمَلَ الْعِيَالَ مَعَهُ، وَسَرَّحَ الْأَشْحَبَ بْنَ عُبَيْدٍ الْحَنْظَلِيَّ وَمَعَهُ عَشَرَةٌ مِنَ الطَّلَائِعِ وَقَالَ: كُلَّمَا مَضَتْ مَرْحَلَةٌ تُسَرِّحُ إِلَيَّ رَجُلًا يُعْلِمُنِي الْخَبَرَ. وَسَارَ الْجُنَيْدُ فَأَسْرَعَ السَّيْرَ، فَقَالَ لَهُ عَطَاءٌ الدَّبُّوسِيُّ: انْظُرْ أَضْعَفَ شَيْخٍ فِي الْعَسْكَرِ فَسَلِّحْهُ سِلَاحًا تَامًّا بِسَيْفِهِ وَرُمْحِهِ وَتُرْسِهِ وَجَعْبَتِهِ، ثُمَّ سِرْ عَلَى قَدْرِ مَشْيِهِ، فَإِنَّا لَا نَقْدِرُ عَلَى سُرْعَةِ الْمَسِيرِ وَالْقِتَالِ وَنَحْنُ رَجَّالَةٌ. فَفَعَلَ الْجُنَيْدُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَعْرِضْ لِلنَّاسِ عَارِضٌ حَتَّى خَرَجُوا مِنَ الْأَمَاكِنِ الْمُخَوِّفَةِ، وَدَنَا مِنَ الطَّوَاوِيسِ، وَأَقْبَلَ إِلَيْهِ خَاقَانُ بِكَرْمِينِيَةَ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ وَاقْتَتَلُوا، فَأَتَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَ الْجُنَيْدُ: لَيْسَ هَذَا يَوْمَ ضَحِكٍ. قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَلْقَكَ هَؤُلَاءِ فِي جِبَالٍ مُعَطَّشَةٍ وَعَلَى ظُهْرٍ، إِنَّمَا أَتَوْكَ وَأَنْتَ مُخَنْدِقٌ آخِرَ النَّهَارِ كَالِّينِ وَأَنْتَ مَعَكَ الزَّادُ، فَقَاتَلُوا قَلِيلًا ثُمَّ رَجَعُوا. ثُمَّ قَالَ لِلْجُنَيْدِ: ارْتَحِلْ فَإِنَّ خَاقَانَ وَدَّ أَنَّكَ تُقِيمُ فَيَنْطَوِي عَلَيْكَ إِذَا شَاءَ.
следующие страницы →