← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

مَسْلَمَةُ عَلَى عَشَرَةِ آلَافِ فَارِسٍ، فَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرُّومِ، وَكَانَ الْعَلَّافَةُ وَالسَّابِلَةُ يَسِيرُونَ آمِنِينَ. وَسَارَ مَرَّةً مَعَ عَسْكَرٍ لِلْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا صَارَ بِأَطْرَافِ الرُّومِ سَارَ وَحْدَهُ فَدَخَلَ بِلَادَهُمْ، فَرَأَى مُبْقِلَةً فَنَزَلَ فَأَكَلَ مِنْ ذَلِكَ الْبَقْلِ، فَجَاءَتْ جَوْفُهُ وَكَثُرَ إِسْهَالُهُ، فَخَافَ أَنْ يَضْعُفَ عَنِ الرُّكُوبِ فَرَكِبَ، وَصَارَ تَجِيءُ جَوْفُهُ فِي سَرْجِهِ وَلَا يَجْسُرُ يَنْزِلُ لِئَلَّا يَضْعُفَ عَنِ الرُّكُوبِ، فَاسْتَوْلَى عَلَيْهِ الضَّعْفُ، فَاعْتَنَقَ رَقَبَةَ فَرَسِهِ وَسَارَ عَلَيْهِ وَلَا يَعْلَمُ أَيْنَ هُوَ، فَفَتَحَ عَيْنَهُ فَإِذَا هُوَ فِي دَيْرٍ فِيهِ نِسَاءٌ، فَاجْتَمَعْنَ عَلَيْهِ وَأَنْزَلَتْهُ إِحْدَاهُنَّ عَنْ فَرَسِهِ وَغَسَّلَتْهُ وَسَقَتْهُ دَوَاءً فَانْقَطَعَ عَنْهُ مَا بِهِ، وَأَقَامَ فِي الدَّيْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ إِنَّ بِطْرِيقًا حَضَرَ الدَّيْرَ فَخَطَبَ تِلْكَ الْمَرْأَةَ وَبَلَغَهُ خَبَرُ الْبَطَّالِ، وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ قَدْ جَعَلَتْهُ فِي بَيْتٍ مُخْتَفِيًا فَمَنَعَتْهُ مِنْهُ، ثُمَّ سَارَ الْبِطْرِيقُ عَنِ الدَّيْرِ، فَرَكِبَ الْبَطَّالُ وَتَبِعَهُ فَقَتَلَهُ، وَانْهَزَمَ أَصْحَابُ الْبِطْرِيقِ، وَعَادَ إِلَى الدَّيْرِ وَأَلْقَى الرَّأْسَ إِلَى النِّسَاءِ وَأَخَذَهُنَّ وَسَاقَهُنَّ إِلَى الْعَسْكَرِ، فَنَقَلَ أَمِيرُ الْعَسْكَرِ تِلْكَ الْمَرْأَةَ، فَهِيَ أُمُّ أَوْلَادِ الْبَطَّالِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ قِيلَ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ كُلْثُومُ بْنُ عِيَاضٍ الْقُشَيْرِيُّ الَّذِي كَانَ هِشَامٌ بَعَثَهُ فِي أَهْلِ الشَّامِ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ حَيْثُ وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ بِالْبَرْبَرِ. وَفِيهَا وُلِدَ الْفَضْلُ بْنُ صَالِحٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ. وَفِيهَا وَجَّهَ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ ابْنَ شُبْرُمَةَ عَلَى سِجِسْتَانَ فَاسْتَقْضَى مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ، وَكَانَ عُمَّالُ الْأَمْصَارِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ، قِيلَ: وَكَانَ عَلَى الْمَوْصِلِ: أَبُو قُحَافَةَ ابْنُ أَخِي الْوَلِيدِ بْنِ تَلِيدٍ الْعَبْسِيِّ.

стр. 2242

[الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ قَاضِي الْبَصْرَةِ، وَهُوَ الْمَوْصُوفُ بِالذَّكَاءِ، وَزَيْدُ بْنُ الْحَارِثِ الْيَامِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو بَكْرٍ التَّيْمِيُّ، تَيْمُ قُرَيْشٍ، وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثِينَ، وَقِيلَ: إِحْدَى وَثَلَاثِينَ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو بَكْرٍ، وَيَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قِسْطٍ، وَيَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ.

стр. 2243

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ] ١٢٣ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ صُلْحِ نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ مَعَ الصُّغْدِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ صَالَحَ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ الصُّغْدَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ خَاقَانَ لَمَّا قُتِلَ فِي وِلَايَةِ أَسَدٍ تَفَرَّقَتِ التُّرْكُ فِي غَارَةِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ، فَطَمِعَ أَهْلُ الصُّغْدِ فِي الرَّجْعَةِ إِلَيْهَا، وَانْحَازَ قَوْمٌ مِنْهُمْ إِلَى الشَّاشِ، فَلَمَّا وَلِيَ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ يَدْعُوهُمْ إِلَى الرُّجُوعِ إِلَى بِلَادِهِمْ وَأَعْطَاهُمْ مَا أَرَادُوا، وَكَانُوا يَنَالُونَ شُرُوطًا أَنْكَرَهَا أُمَرَاءُ خُرَاسَانَ، مِنْهَا: أَنْ لَا يُعَاقَبَ مَنْ كَانَ مُسْلِمًا فَارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَلَا يُعَدَّى عَلَيْهِمْ فِي دَيْنٍ لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، وَلَا يُؤْخَذُ أُسَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَيْدِيهِمْ إِلَّا بِقَضِيَّةِ قَاضٍ وَشَهَادَةِ عُدُولٍ. فَعَابَ النَّاسُ ذَلِكَ عَلَى نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ وَقَالُوا لَهُ فِيهِ، فَقَالَ: لَوْ عَايَنْتُمْ شَوْكَتَهُمْ فِي الْمُسْلِمِينَ مِثْلَ مَا عَايَنْتُ مَا أَنْكَرْتُمْ ذَلِكَ. وَأَرْسَلَ رَسُولًا إِلَى هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي ذَلِكَ فَأَجَابَهُ إِلَيْهِ. ذِكْرُ وَفَاةِ عُقْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ وَدُخُولِ بَلْجٍ الْأَنْدَلُسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ عُقْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ السَّلُولِيُّ أَمِيرُ الْأَنْدَلُسِ، فَقِيلَ: بَلْ ثَارَ بِهِ أَهْلُ الْأَنْدَلُسِ فَخَلَعُوهُ وَوَلَّوْا بَعْدَهُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ قَطَنٍ، وَهِيَ وِلَايَتُهُ الثَّانِيَةُ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ فِي صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَتِ الْبَرْبَرُ قَدْ فَعَلَتْ بِإِفْرِيقِيَّةَ مَا ذَكَرْنَاهُ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ، وَقَدْ حَصَرُوا بَلْجَ بْنَ بِشْرٍ الْعَبْسِيَّ حَتَّى ضَاقَ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ مَعَهُ الْأَمْرُ وَاشْتَدَّ الْحَصْرُ، وَهُمْ صَابِرُونَ إِلَى هَذِهِ السَّنَةِ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ قَطَنٍ يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِ مَرَاكِبَ يَجُوزُ فِيهَا هُوَ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى الْأَنْدَلُسِ، وَذَكَرَ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ الشِّدَّةِ وَأَنَّهُمْ أَكَلُوا دَوَابَّهُمْ. فَامْتَنَعَ عَبْدُ الْمَلِكِ مِنْ إِدْخَالِهِمُ الْأَنْدَلُسِ وَوَعَدَهُمْ بِإِرْسَالِ الْمَدَدِ إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يَفْعَلْ.

стр. 2244

فَاتَّفَقَ أَنَّ الْبَرْبَرَ قَوِيَتْ بِالْأَنْدَلُسِ، فَاضْطُرَّ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى إِدْخَالِ بَلْجٍ وَمَنْ مَعَهُ، وَقِيلَ: إِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ اسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ فِي جَوَازِ بَلْجٍ فَخَوَّفُوهُ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَخَافُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَقُولَ: أَهْلَكْتَ جُنْدِي، فَأَجَازَهُمْ وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُقِيمُوا سَنَةً وَيَرْجِعُوا إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، وَأَخَذَ رَهَائِنَهُمْ وَأَجَازَهُمْ. فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَيْهِ رَأَى هُوَ وَالْمُسْلِمُونَ مَا بِهِمْ مِنْ سُوءِ الْحَالِ وَالْفَقْرِ وَالْعُرْيِ لِشِدَّةِ الْحِصَارِ عَلَيْهِمْ، فَكَسَوْهُمْ وَأَحْسَنُوا إِلَيْهِمْ، وَقَصَدُوا جَمْعًا مِنَ الْبَرْبَرِ بِشَدُونَةَ فَقَاتَلُوهُمْ فَظَفِرُوا بِالْبَرْبَرِ فَأَهْلَكُوهُمْ وَغَنِمُوا مَالَهُمْ وَدَوَابَّهُمْ وَسِلَاحَهُمْ، فَصَلُحَتْ أَحْوَالُ أَصْحَابِ بَلْجٍ وَصَارَ لَهُمْ دَوَابٌّ يَرْكَبُونَهَا. وَرَجَعَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ قَطَنٍ إِلَى قُرْطُبَةَ وَقَالَ لِبَلْجٍ وَمَنْ مَعَهُ لِيَخْرُجُوا مِنَ الْأَنْدَلُسِ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، فَطَلَبُوا مِنْهُ مَرَاكِبَ يَسِيرُونَ فِيهَا مِنْ غَيْرِ الْجَزِيرَةِ الْخَضْرَاءِ لِئَلَّا يَلْقَوُا الْبَرَابِرَ الَّذِينَ حَصَرُوهُمْ. فَامْتَنَعَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَقَالَ: لَيْسَ لِي مَرَاكِبُ إِلَّا فِي الْجَزِيرَةِ. فَقَالُوا: إِنَّا لَا نَرْجِعُ نَتَعَرَّضُ إِلَى الْبَرْبَرِ وَلَا نَقْصِدُ الْجِهَةَ الَّتِي هُمْ فِيهَا لِأَنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونَا فِي بِلَادِهِمْ. فَأَلَحَّ عَلَيْهِمْ فِي الْعَوْدِ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ ثَارُوا بِهِ وَقَاتَلُوهُ، فَظَفِرُوا بِهِ وَأَخْرَجُوهُ مِنَ الْقَصْرِ، وَذَلِكَ أَوَائِلَ ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. فَلَمَّا ظَفِرَ بَلْجٌ بِعَبْدِ الْمَلِكِ أَشَارَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ بِقَتْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَأَخْرَجَهُ مِنْ دَارِهِ وَكَأَنَّهُ فَرْخٌ لِكِبَرِ سِنِّهِ فَقَتَلَهُ وَصَلَبَهُ، وَوَلِيَ الْأَنْدَلُسَ، وَكَانَ عُمْرُ عَبْدِ الْمَلِكِ تِسْعِينَ سَنَةً، وَهَرَبَ ابْنَاهُ قَطَنٌ وَأُمَيَّةُ، فَلَحِقَ أَحَدُهُمَا بِمَارِدَةَ وَالْآخَرُ بِسَرَقُسْطَةَ، وَكَانَ هَرَبُهُمَا قَبْلَ قَتْلِ أَبِيهِمَا، فَلَمَّا قُتِلَ فَعَلَا مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذَهِ السَّنَةِ أَوْفَدَ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ الْحَكَمَ بْنَ الصَّلْتِ إِلَى هِشَامٍ يَطْلُبُ إِلَيْهِ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ عَلَى خُرَاسَانَ، وَيَذْكُرُ أَنَّهُ خَبِيرٌ بِهَا، وَأَنَّهُ عَمِلَ بِهَا الْأَعْمَالَ الْكَثِيرَةَ، وَيَقَعُ فِي نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ، فَوَجَّهَ هِشَامٌ إِلَى دَارِ الضِّيَافَةِ فَأَحْضَرَ مُقَاتِلَ بْنَ عَلِيٍّ السَّعْدِيَّ وَقَدْ قَدِمَ مِنْ خُرَاسَانَ وَمَعَهُ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ مِنَ التُّرْكِ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْحَكَمِ وَمَا وَلِيَ بِخُرَاسَانَ، فَقَالَ: وَلِيَ قَرْيَةً يُقَالُ لَهَا الْفَارِيَابَ سَبْعُونَ أَلْفًا خَرَاجُهَا، فَأَسَرَهُ الْحَارِثُ بْنُ سُرَيْجٍ فَعَرَكَ أُذُنَهُ وَأَطْلَقَهُ وَقَالَ: أَنْتَ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ أَقْتُلَكَ. فَلَمْ يَعْزِلْ هِشَامٌ نَصْرَ بْنَ سَيَّارٍ عَنْ خُرَاسَانَ.

стр. 2245

وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ فَرْغَانَةَ غَزْوَتَهُ الثَّانِيَةَ، فَأَوْفَدَ وَفْدًا إِلَى الْعِرَاقِ عَلَيْهِمْ مَعْنُ بْنُ أَحْمَرَ النُّمَيْرِيُّ، ثُمَّ إِلَى هِشَامٍ، فَاجْتَازَ بِيُوسُفَ بْنِ عُمَرَ وَقَالَ لَهُ: يَابْنَ أَحْمَرَ أَيَغْلِبُكُمُ الْأَقْطَعُ عَلَى سُلْطَانِكُمْ يَا مَعْشَرَ قَيْسٍ! قَالَ: قَدْ كَانَ ذَاكَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَعِيبَهُ عِنْدَ هِشَامٍ، فَقَالَ: كَيْفَ أَعِيبُهُ مَعَ بَلَائِهِ وَآثَارِهِ الْجَمِيلَةِ عِنْدِي وَعِنْدَ قَوْمِي؟ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ، قَالَ: فَبِمَ أَعِيبُهُ؟ أَعِيبُ تَجْرِبَتَهُ أَمْ طَاعَتَهُ أَمْ يُمْنَ نَقِيبَتِهِ أَوْ سِيَاسَتِهِ؟ قَالَ: عِبْهُ بِالْكِبَرِ. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى هِشَامٍ ذَكَرَ جُنْدَ خُرَاسَانَ وَنَجْدَتَهُمْ وَطَاعَتَهُمْ، فَقَالَ: إِلَّا أَنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ قَائِدٌ. قَالَ: وَيْحَكَ! فَمَا فَعَلَ الْكِنَانِيُّ؟ يَعْنِي نَصْرًا. قَالَ: لَهُ بَأْسٌ وَرَأْيٌ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ الرَّجُلَ وَلَا يَسْمَعُ صَوْتَهُ حَتَّى يُدْنَى مِنْهُ، وَمَا يَكَادُ يُفْهَمُ مِنْهُ مِنَ الضَّعْفِ لِأَجْلِ كِبَرِهِ، فَقَالَ شُبَيْلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَازِنِيُّ: كَذِبٌ وَاللَّهِ، إِنَّهُ لَيْسَ بِالشَّيْخِ يُخْشَى خَرَفُهُ، وَلَا الشَّابِّ يُخْشَى سَفَهُهُ، [بَلْ هُوَ] الْمُجَرِّبُ وَقَدْ وَلِيَ عَامَّةَ ثُغُورِ خُرَاسَانَ وَحُرُوبِهَا قَبْلَ وِلَايَتِهِ. فَعَلِمَ هِشَامٌ أَنَّ قَوْلَ مَعْنٍ بِوَضْعِ يُوسُفَ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى قَوْلِهِ. فَرَجَعَ مَعْنٌ إِلَى يُوسُفَ، فَسَأَلَهُ أَنْ يُحَوِّلَ ابْنَهُ عَنْ خُرَاسَانَ، فَفَعَلَ، فَأَرْسَلَ فَأَحْضَرَ أَهْلَهُ، وَكَانَ نَصْرٌ لَمَّا قَدِمَ خُرَاسَانَ قَدْ آثَرَ مَعْنًا وَأَعْلَى مَنْزِلَتَهُ، وَشَفَّعَهُ فِي حَوَائِجِهِ، فَلَمَّا فَعَلَ هَذَا أَجْفَى الْقَيْسِيَّةَ فَحَضَرُوا عِنْدَهُ وَاعْتَذَرُوا إِلَيْهِ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ يَزِيدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَكَانَ الْعُمَّالُ فِي الْأَمْصَارِ هُمُ الْعُمَّالُ فِي السَّنَةِ الَّتِي قَبْلَهَا. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ الْأَزْدِيُّ الْبَصْرِيُّ، وَقِيلَ: سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ.

стр. 2246

وَفِيهَا تُوُفِّيَ جَعْفَرُ بْنُ إِيَاسٍ، وَفِيهَا مَاتَ ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، وَقِيلَ: سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَلَهُ سِتٌّ وَثَمَانُونَ سَنَةً. وَفِيهَا تُوُفِّيَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ، وَاسْمُ أَبِي سَعِيدٍ كَيْسَانُ، وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، وَقِيلَ: سِتٍّ وَعِشْرِينَ. وَمَالِكُ بْنُ دِينَارٍ الزَّاهِدُ.

стр. 2247

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَة] ١٢٤ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ ابْتِدَاءِ أَمْرِ أَبِي مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيِّ قَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي أَبِي مُسْلِمٍ، فَقِيلَ: كَانَ حُرًّا، وَاسْمُهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ بَشَّارِ بْنِ سَدُوسِ بْنِ جَوْدَزْدَهْ مِنْ وَلَدِ بُزُرْجُمِهْرَ، وَيُكَنَّى أَبَا إِسْحَاقَ، وُلِدَ بِأَصْبَهَانَ، وَنَشَأَ بِالْكُوفَةِ، وَكَانَ أَبُوهُ أَوْصَى إِلَى عِيسَى بْنِ مُوسَى السَّرَّاجِ فَحَمَلَهُ إِلَى الْكُوفَةِ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ، فَلَمَّا اتَّصَلَ بِإِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ الْإِمَامِ قَالَ لَهُ: غَيِّرِ اسْمَكَ فَإِنَّهُ لَا يَتِمُّ لَنَا الْأَمْرُ إِلَّا بِتَغَيِيرِ اسْمِكَ عَلَى مَا وَجَدْتُهُ فِي الْكُتُبِ، فَسَمَّى نَفْسَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُسْلِمٍ، وَيُكَنَّى أَبَا مُسْلِمٍ، فَمَضَى لِشَأْنِهِ وَلَهُ ذُؤَابَةٌ وَهُوَ عَلَى حِمَارٍ بِإِكَافٍ وَلَهُ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَزَوَّجَهُ إِبْرَاهِيمُ الْإِمَامُ ابْنَةَ عِمْرَانَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الطَّائِيِّ الْمَعْرُوفِ بِأَبِي النَّجْمِ، وَهِيَ بِخُرَاسَانَ مَعَ أَبِيهَا، فَبَنَى بِهَا أَبُو مُسْلِمٍ بِخُرَاسَانَ، وَزَوَّجَ أَبُو مُسْلِمٍ ابْنَتَهُ فَاطِمَةَ مِنْ مُحْرِزِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنَتَهُ الْأُخْرَى أَسْمَاءَ مِنْ فَهْمِ بْنِ مُحْرِزٍ، فَأَعْقَبَتْ أَسْمَاءُ وَلَمْ تُعْقِبْ فَاطِمَةُ، وَفَاطِمَةُ هِيَ الَّتِي تَذْكُرُهَا الْخُرَّمِيَّةُ. ثُمَّ إِنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ كَثِيرٍ وَمَالِكَ بْنَ الْهَيْثَمِ وَلَاهِزَ بْنَ قُرَيْظٍ وَقَحْطَبَةَ بْنَ شَبِيبٍ تَوَجَّهُوا مِنْ خُرَاسَانَ يُرِيدُونَ مَكَّةَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَلَمَّا دَخَلُوا الْكُوفَةَ أَتَوْا عَاصِمَ بْنَ يُونُسَ الْعِجْلِيَّ وَهُوَ فِي الْحَبْسِ، قَدِ اتُّهِمَ بِالدُّعَاءِ إِلَى وَلَدِ الْعَبَّاسِ وَمَعَهُ عِيسَى وَإِدْرِيسُ ابْنَا مَعْقِلٍ الْعِجْلِيَّانِ، وَهَذَا إِدْرِيسُ هُوَ جَدُّ أَبِي دُلَفٍ الْعِجْلِيِّ، وَكَانَ حَبَسَهُمَا يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ مَعَ مَنْ حُبِسَ مِنْ عُمَّالِ خَالِدٍ الْقَسْرِيِّ وَمَعَهُمَا أَبُو مُسْلِمٍ يَخْدِمُهُمَا قَدِ اتَّصَلَ بِهِمَا، فَرَأَوْا فِيهِ الْعَلَامَاتِ فَقَالُوا: لِمَنْ هَذَا الْفَتَى؟ فَقَالَا: غُلَامٌ مَعَنَا مِنَ السَّرَّاجِينَ يَخْدِمُنَا، وَكَانَ أَبُو مُسْلِمٍ يَسْمَعُ عِيسَى وَإِدْرِيسَ يَتَكَلَّمَانِ فِي هَذَا الرَّأْيِ، فَإِذَا سَمِعَهُمَا بَكَى، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ مِنْهُ دَعَوْهُ إِلَى رَأْيِهِمْ فَأَجَابَ.

стр. 2248

وَقِيلَ: إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ ضِيَاعِ بَنِي مَعْقِلٍ الْعِجْلِيَّةِ بِأَصْبَهَانَ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الْجَبَلِ، وَكَانَ اسْمُهُ إِبْرَاهِيمُ، وَيُلَقَّبُ حَيْكَانَ، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ وَكَنَّاهُ أَبَا مُسْلِمٍ إِبْرَاهِيمُ الْإِمَامُ، وَكَانَ مَعَ أَبِي مُوسَى السَّرَّاجِ صَاحِبِهِ يُخَرِّزُ الْأَعِنَّةَ وَيَعْمَلُ السُّرُوجَ، وَلَهُ مَعْرِفَةٌ بِصِنَاعَةِ الْأُدُمِ وَالسُّرُوجِ، فَكَانَ يَحْمِلُهَا إِلَى أَصْبَهَانَ وَالْجِبَالِ وَالْجَزِيرَةِ وَالْمَوْصِلِ وَنَصِيبِينَ وَآمِدَ وَغَيْرِهَا يَتَّجِرُ فِيهَا. وَكَانَ عَاصِمُ بْنُ يُونُسَ الْعِجْلِيُّ وَإِدْرِيسُ وَعِيسَى ابْنَا مَعْقِلٍ مَحْبُوسِينَ، فَكَانَ أَبُو مُسْلِمٍ يَخْدِمُهُمْ فِي الْحَبْسِ بِتِلْكَ الْعَلَامَةِ، فَقَدِمَ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ وَلَاهِزُ وَقَحْطَبَةُ الْكُوفَةَ فَدَخَلُوا عَلَى عَاصِمٍ، فَرَأَوْا أَبَا مُسْلِمٍ عِنْدَهُ، فَأَعْجَبَهُمْ، فَأَخَذُوهُ، وَكَتَبَ أَبُو مُوسَى السَّرَّاجُ مَعَهُ كِتَابًا إِلَى إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامِ، فَلَقُوهُ بِمَكَّةَ، فَأَخَذَ أَبَا مُسْلِمٍ فَكَانَ يَخْدِمُهُ. ثُمَّ إِنَّ هَؤُلَاءِ النُّقَبَاءَ قَدِمُوا عَلَى إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامِ مَرَّةً أُخْرَى يَطْلُبُونَ رَجُلًا يَتَوَجَّهُ مَعَهُمْ إِلَى خُرَاسَانَ. فَكَانَ هَذَا نَسَبُ أَبِي مُسْلِمٍ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ حُرٌّ. فَلَمَّا تَمَكَّنَ وَقَوِيَ أَمْرُهُ ادَّعَى أَنَّهُ مِنْ وَلَدِ سَلِيطِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ. وَكَانَ مِنْ حَدِيثِ سَلِيطِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ مُوَلَّدَةٌ صَفْرَاءُ تَخْدِمُهُ، فَوَاقَعَهَا مَرَّةً وَلَمْ يَطْلُبْ وَلَدَهَا ثُمَّ تَرَكَهَا دَهْرًا، فَاغْتَنَمَتْ ذَلِكَ فَاسْتَنْكَحَتْ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِ الْمَدِينَةِ فَوَقَعَ عَلَيْهَا، فَحَبِلَتْ وَوَلَدَتْ غُلَامًا، فَحَدَّهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَاسْتَعْبَدَ وَلَدَهَا وَسَمَّاهُ سَلِيطًا، فَنَشَأَ جَلْدًا ظَرِيفًا يَخْدِمُ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَكَانَ لَهُ مِنَ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ مَنْزِلَةٌ، فَادَّعَى أَنَّهُ وَلَدُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَوَضَعَهُ عَلَى أَمْرِ الْوَلِيدِ لِمَا كَانَ فِي نَفْسِهِ مِنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَأَمَرَهُ بِمُخَاصَمَةِ عَلِيٍّ، فَخَاصَمَهُ وَاحْتَالَ فِي شُهُودٍ عَلَى إِقْرَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ بِأَنَّهُ ابْنُهُ، فَشَهِدُوا بِذَلِكَ عِنْدَ قَاضِي دِمَشْقَ، فَتَحَامَلَ الْقَاضِي اتِّبَاعًا لِرَأْيِ الْوَلِيدِ فَأَثْبَتَ نَسَبَهُ. ثُمَّ إِنَّ سَلِيطًا خَاصَمَ عَلِيَّ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فِي الْمِيرَاثِ حَتَّى لَقِيَ مِنْهُ عَلِيٌّ أَذًى شَدِيدًا، وَكَانَ مَعَ عَلِيٍّ رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُنْقَطِعًا إِلَيْهِ يُقَالُ لَهُ عُمَرُ الدَّنُّ، فَقَالَ لِعَلِيٍّ يَوْمًا: لَأَقْتُلَنَّ هَذَا الْكَلْبَ وَأُرِيحَكَ مِنْهُ، فَنَهَاهُ عَلِيٌّ عَنْ ذَلِكَ وَتَهَدَّدَهُ بِالْقَطِيعَةِ وَرَفُقَ عَلَى سَلِيطٍ حَتَّى كَفَّ عَنْهُ. ثُمَّ إِنَّ سَلِيطًا دَخَلَ مَعَ عَلِيٍّ بُسْتَانًا لَهُ بِظَاهِرِ دِمَشْقَ، فَنَامَ عَلِيٌّ فَجَرَى بَيْنَ عُمَرَ الدَّنِّ

стр. 2249

وَسُلَيْطٍ كَلَامٌ، فَقَتَلَهُ عُمَرُ وَدَفَنَهُ فِي الْبُسْتَانِ، وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ مَوْلًى لِعَلِيٍّ وَهَرَبَا، وَكَانَ لِسَلِيطٍ صَاحِبٌ قَدْ عَرَفَ دُخُولَهُ الْبُسْتَانَ فَفَقَدَهُ فَأَتَى أُمَّ سَلِيطٍ فَأَخْبَرَهَا، وَفَقَدَ عَلِيٌّ أَيْضًا عُمَرَ الدَّنَّ وَمَوْلَاهُ، فَسَأَلَ عَنْهُمَا وَعَنْ سَلِيطٍ فَلَمْ يُخْبِرْهُ أَحَدٌ، وَغَدَتْ أُمُّ سَلِيطٍ إِلَى بَابِ الْوَلِيدِ فَاسْتَغَاثَتْ عَلَى عَلِيٍّ، فَأَتَى الْوَلِيدُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ، فَأَحْضَرَ عَلِيًّا وَسَأَلَهُ عَنْ سَلِيطٍ، فَحَلَفَ أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ خَبَرَهُ وَأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ فِيهِ بِأَمْرٍ، فَأَمَرَهُ بِإِحْضَارِ عُمَرَ الدَّنِّ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ مَوْضِعَهُ، فَأَمَرَ الْوَلِيدُ بِإِرْسَالِ الْمَاءِ فِي أَرْضِ الْبُسْتَانِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى مَوْضِعِ الْحُفْرَةِ الَّتِي فِيهَا سَلِيطٌ انْخَسَفَتْ وَأُخْرِجَ مِنْهَا سَلِيطٌ، فَأَمَرَ الْوَلِيدُ بِعَلِيٍّ فَضُرِبَ وَأُقِيمَ فِي الشَّمْسِ، وَأُلْبِسَ جُبَّةَ صُوفٍ لِيُخْبِرَهُ خَبَرَ سَلِيطٍ وَيَدُلَّهُ عَلَى عُمَرَ الدَّنِّ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ، ثُمَّ شَفَعَ فِيهِ عَبَّاسُ بْنُ زِيَادٍ فَأُخْرِجَ إِلَى الْحُمَيْمَةِ، وَقِيلَ إِلَى الْحِجْرِ، فَأَقَامَ بِهِ حَتَّى هَلَكَ الْوَلِيدُ وَوَلِيَ سُلَيْمَانُ، فَرَدَّهُ إِلَى دِمَشْقَ. وَكَانَ هَذَا مِمَّا عَدَّهُ الْمَنْصُورُ عَلَى أَبِي مُسْلِمٍ حِينَ قَتَلَهُ، وَقَالَ لَهُ: زَعَمْتَ أَنَّكَ ابْنُ سَلِيطٍ وَلَمْ تَرْضَ حَتَّى نَسَبْتَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ غَيْرَ وَلَدِهِ، لَقَدِ ارْتَقَيْتَ مُرْتَقًى صَعْبًا. وَكَانَ سَبَبُ مَوْجِدَةِ الْوَلِيدِ عَلَى عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ أَبَاهُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أُمَّ ابْنِهَا ابْنَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، فَتَزَوَّجَهَا عَلِيٌّ، فَتَغَيَّرَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ وَأَطْلَقَ لِسَانَهُ فِيهِ وَقَالَ: إِنَّمَا صِلَاتُهُ رِيَاءٌ، وَسَمِعَ الْوَلِيدُ ذَلِكَ مِنْ أَبِيهِ فَبَقِيَ فِي نَفْسِهِ. وَقِيلَ: إِنَّ أَبَا مُسْلِمٍ كَانَ عَبْدًا، وَكَانَ سَبَبُ انْتِقَالِهِ إِلَى بَنِي الْعَبَّاسِ أَنَّ بُكَيْرَ بْنَ مَاهَانَ كَانَ كَاتِبًا لِبَعْضِ عُمَّالِ السِّنْدِ فَقَدِمَ الْكُوفَةَ، فَاجْتَمَعَ هُوَ وَشِيعَةُ بَنِي الْعَبَّاسِ، فَغَمَزَ بِهِمْ، فَأُخِذُوا، فَحُبِسَ بُكَيْرٌ وَخُلِّيَ عَنِ الْبَاقِينَ، وَكَانَ فِي الْحَبْسِ يُونُسُ أَبُو عَاصِمٍ وَعِيسَى بْنُ مَعْقِلٍ الْعِجْلِيُّ وَمَعَهُ أَبُو مُسْلِمٍ يَخْدِمُهُ، فَدَعَاهُمْ بُكَيْرٌ إِلَى رَأْيِهِ، فَأَجَابُوهُ، فَقَالَ لِعِيسَى بْنِ مَعْقِلٍ: مَا هَذَا الْغُلَامُ مِنْكَ؟ قَالَ: مَمْلُوكٌ. قَالَ: أَتَبِيعُهُ؟ قَالَ: هُوَ لَكَ. قَالَ: أُحِبُّ أَنْ تَأْخُذَ ثَمَنَهُ. قَالَ: هُوَ لَكَ بِمَا شِئْتَ، فَأَعْطَاهُ أَرْبَعَمِائَةِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ خَرَجُوا مِنَ السِّجْنِ، فَبَعَثَ بِهِ بُكَيْرٌ إِلَى إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامِ، فَدَفَعَهُ إِبْرَاهِيمُ إِلَى أَبِي مُوسَى السَّرَّاجِ، فَسَمِعَ مِنْهُ وَحَفِظَ ثُمَّ سَارَ مُتَرَدِّدًا إِلَى خُرَاسَانَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ لِبَعْضِ أَهْلِ هَرَاةَ أَوْ بُوشَنْجَ، فَقَدِمَ مَوْلَاهُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامُ وَأَبُو مُسْلِمٍ مَعَهُ، فَأَعْجَبَهُ عَقْلُهُ فَابْتَاعَهُ مِنْهُ وَأَعْتَقَهُ وَمَكَثَ عِنْدَهُ عِدَّةَ سِنِينَ، وَكَانَ يَتَرَدَّدُ بِكُتُبٍ إِلَى خُرَاسَانَ عَلَى حِمَارٍ لَهُ، ثُمَّ وَجَّهَهُ أَمِيرًا عَلَى شِيعَتِهِمْ بِخُرَاسَانَ وَكَتَبَ إِلَى مَنْ بِهَا

стр. 2250

مِنْهُمْ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَكَتَبَ إِلَى أَبِي سَلَمَةَ الْخَلَّالِ دَاعِيَتِهِمْ وَوَزِيرِهِمْ بِالْكُوفَةِ يُعْلِمُهُ أَنَّهُ قَدْ أَرْسَلَ أَبَا مُسْلِمٍ وَيَأْمُرُهُ بِإِنْفَاذِهِ إِلَى خُرَاسَانَ. فَسَارَ إِلَيْهَا فَنَزَلَ عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا نَذْكُرُهُ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ كَانَ أَبُو مُسْلِمٍ رَأَى رُؤْيَا قَبْلَ ذَلِكَ اسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى مُلْكِ خُرَاسَانَ فَظَهَرَ أَمْرُهَا، فَلَمَّا وَرَدَ نَيْسَابُورَ نَزَلَ بُونَابَاذَ، وَكَانَتْ عَامِرَةً، فَتَحَدَّثَ صَاحِبُ الْخَانِ الَّذِي نَزَلَهُ أَبُو مُسْلِمٍ بِذَلِكَ وَقَالَ: إِنَّ هَذَا يَزْعُمُ أَنَّهُ يَلِي خُرَاسَانَ. فَخَرَجَ أَبُو مُسْلِمٍ لِبَعْضِ حَاجَتِهِ، فَعَمَدَ بَعْضُ الْمُجَّانِ فَقَطَعَ ذَنَبَ حِمَارِهِ، فَلَمَّا عَادَ قَالَ لِصَاحِبِ الْخَانِ: مَنْ فَعَلَ هَذَا بِحِمَارِي؟ قَالَ: لَا أَدْرِي! قَالَ: مَا اسْمُ هَذِهِ الْمَحِلَّةِ؟ قَالَ: بُونَابَاذَ. قَالَ: إِنْ لَمْ أُصَيِّرْهَا كَنَدَابَاذَ فَلَسْتُ بِأَبِي مُسْلِمٍ. فَلَمَّا وَلِيَ خُرَاسَانَ أَخْرَبَهَا. ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ بَلْجٍ وَابْنَيْ عَبْدِ الْمَلِكِ وَوَفَاةِ بَلْجٍ وَوِلَايَةِ ثَعْلَبَةَ بْنِ سَلَامَةَ الْأَنْدَلُسَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ بِالْأَنْدَلُسِ حَرْبٌ شَدِيدَةٌ بَيْنَ بَلْجٍ وَأُمَيَّةَ وَقَطَنِ ابْنَيْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ قَطَنٍ، وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّهُمَا لَمَّا هَرَبَا مِنْ قُرْطُبَةَ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، فَلَمَّا قُتِلَ أَبُوهُمَا اسْتَنْجَدَا بِأَهْلِ الْبِلَادِ وَالْبَرْبَرِ، فَاجْتَمَعَ مَعَهُمَا جَمْعٌ كَثِيرٌ قِيلَ كَانُوا مِائَةَ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، فَسَمِعَ بِهِمْ بَلْجٌ وَالَّذِينَ مَعَهُ فَسَارَ إِلَيْهِمْ، وَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَجُرِحَ بَلْجٌ جِرَاحَاتٍ، ثُمَّ ظَفِرَ بِابْنَيْ عَبْدِ الْمَلِكِ وَالْبَرْبَرِ وَمَنْ مَعَهُمْ وَقَتَلَ مِنْهُمْ فَأَكْثَرَ، وَعَادَ إِلَى قُرْطُبَةَ مُظَفَّرًا مَنْصُورًا، فَبَقِيَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، وَمَاتَ مِنَ الْجِرَاحَاتِ الَّتِي فِيهِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ أَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا. فَلَمَّا مَاتَ قَدِمَ أَصْحَابُهُ عَلَيْهِمْ ثَعْلَبَةُ بْنُ سَلَامَةَ الْعِجْلِيُّ، لِأَنَّ هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ عَهِدَ إِلَيْهِمْ: إِنْ حَدَثَ بِبَلْجٍ وَكُلْثُومٍ حَدَثٌ فَالْأَمِيرُ ثَعْلَبَةُ، فَقَامَ بِالْأَمْرِ، وَثَارَتْ فِي أَيَّامِهِ الْبَرْبَرُ بِنَاحِيَةِ مَارِدَةَ، فَغَزَاهُمْ فَقَتَلَ فِيهِمْ فَأَكْثَرَ وَأَسَرَ مِنْهُمْ رَجُلٌ وَأَتَى بِهِمْ إِلَى قُرْطُبَةَ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِيهَا غَزَا سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامٍ الصَّائِفَةَ، فَلَقِيَ أَلْيُونَ مَلِكَ الرُّومِ فَغَنِمَ.

стр. 2251

[الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَوَصَّى إِلَى ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ بِالْقِيَامِ بِأَمْرِ الدَّعْوَةِ إِلَيْهِمْ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ. وَفِيهَا مَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ، وَقِيلَ سَنَةَ خَمْسِينَ.

стр. 2252

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ] ١٢٥ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ وَفَاةِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَفِيهَا مَاتَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بِالرُّصَافَةِ لِسِتٍّ خَلَوْنَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ، كَانَتْ خِلَافَتُهُ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَتِسْعَةَ أَشْهُرٍ وَوَاحِدًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَقِيلَ: وَثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ وَنِصْفًا، وَكَانَ مَرَضُهُ الذِّبْحَةَ، وَعُمْرُهُ خَمْسٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً، وَقِيلَ سِتٌّ وَخَمْسُونَ سَنَةً، فَلَمَّا مَاتَ طَلَبُوا قُمْقُمًا مِنْ بَعْضِ الْخُزَّانِ يُسَخِّنُ فِيهِ الْمَاءَ لِغُسْلِهِ، فَمَا أَعْطَاهُمْ عِيَاضٌ كَاتِبُ الْوَلِيدِ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، فَاسْتَعَارُوا قُمْقُمًا، وَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُهُ مَسْلَمَةُ وَدُفِنَ بِالرُّصَافَةِ. ذِكْرُ بَعْضِ سِيرَتِهِ قَالَ عَقَّالُ بْنُ شَبَّةَ: دَخَلْتُ عَلَى هِشَامٍ وَعَلَيْهِ قَبَاءُ فَنَكٍ أَخْضَرُ، فَوَجَّهَنِي إِلَى خُرَاسَانَ وَجَعَلَ يُوصِينِي وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْقَبَاءِ، فَفَطِنَ فَقَالَ: مَا لَكَ؟ فَقُلْتُ: رَأَيْتُ عَلَيْكَ قَبْلَ أَنْ تَلِيَ الْخِلَافَةَ قَبَاءً مِثْلَ هَذَا فَجَعَلْتُ أَتَأَمَّلُ أَهُوَ هَذَا أَمْ غَيْرُهُ. فَقَالَ: هُوَ وَاللَّهِ ذَاكَ، وَأَمَّا مَا تَرَوْنَ مِنْ جَمْعِيَ الْمَالَ وَصَوْنِهِ فَهُوَ لَكُمْ. قَالَ: وَكَانَ مَحْشُوًّا عَقْلًا. وَقِيلَ: وَضَرَبَ رَجُلٌ نَصْرَانِيٌّ غُلَامًا لِمُحَمَّدِ بْنِ هِشَامٍ فَشَجَّهُ، فَذَهَبَ خَصِيٌّ لِمُحَمَّدٍ فَضَرَبَ النَّصْرَانِيَّ، وَبَلَغَ هِشَامًا الْخَبَرُ وَطَلَبَ الْخَصِيَّ فَعَاذَ بِمُحَمَّدٍ، فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدٌ: أَلَمْ آمُرْكَ؟ فَقَالَ الْخَصِيُّ: بَلَى وَاللَّهِ قَدْ أَمَرْتَنِي. فَضَرَبَ هِشَامٌ الْخَصِيَّ وَشَتَمَ ابْنَهُ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: جَمَعْتُ دَوَاوِينَ بَنِي أُمَيَّةَ، فَلَمْ أَرَ دِيوَانًا أَصَحَّ

стр. 2253

وَلَا أَصْلَحَ لِلْعَامَّةِ وَالسُّلْطَانِ مِنْ دِيوَانِ هِشَامٍ. وَقِيلَ: وَأُتِيَ هِشَامٌ بِرَجُلٍ عِنْدَهُ قِيَانٌ وَخَمْرٌ وَبَرْبَطٌ، فَقَالَ: اكْسِرُوا الطُّنْبُورَ عَلَى رَأْسِهِ. فَبَكَى الشَّيْخُ لَمَّا ضَرَبَهُ. فَقَالَ: عَلَيْكَ بِالصَّبْرِ. فَقَالَ: أَتَرَانِي أَبْكِي لِلضَّرْبِ؟ إِنَّمَا أَبْكِي لِاحْتِقَارِهِ الْبَرْبَطَ إِذْ سَمَّاهُ طُنْبُورًا! قَالَ: وَأَغْلَظَ رَجُلٌ لِهِشَامٍ، فَقَالَ لَهُ: لَيْسَ لَكَ أَنْ تُغْلِظَ لِإِمَامِكَ. قِيلَ: وَتَفَقَّدَ هِشَامٌ بَعْضَ وَلَدِهِ فَلَمْ يَحْضُرِ الْجُمْعَةَ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ مِنَ الصَّلَاةِ؟ قَالَ: نَفَقَتْ دَابَّتِي. قَالَ: أَفَعَجَزْتَ عَنِ الْمَشْيِ؟ فَمَنَعَهُ الدَّابَّةَ سَنَةً. قِيلَ: وَكَتَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ عُمَّالِهِ: قَدْ بَعَثْتُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِسَلَّةِ دُرَّاقِنَ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ: قَدْ وَصَلَ الدُّرَّاقِنُ فَأَعْجَبَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَزِدْ مِنْهُ وَاسْتَوْثِقْ مِنَ الدُّعَاءِ. وَكَتَبَ إِلَى عَامِلٍ لَهُ قَدْ بَعَثَ بِكَمْأَةٍ: قَدْ وَصَلَتِ الْكَمْأَةُ وَهِيَ أَرْبَعُونَ، وَقَدْ تَغَيَّرَ بَعْضُهَا مِنْ حَشْوِهَا، فَإِذَا بَعَثْتَ شَيْئًا فَأَجِدْ حَشْوَهَا فِي الظَّرْفِ الَّذِي تَجْعَلُهَا فِيهِ بِالرَّمْلِ حَتَّى لَا تَضْطَرِبَ وَلَا يُصِيبَ بَعْضُهَا بَعْضًا. وَقِيلَ لَهُ: أَتَطْمَعُ فِي الْخِلَافَةِ؟ فَأَنْتَ بَخِيلٌ جَبَانٌ! قَالَ: وَلِمَ لَا أَطْمَعُ فِيهَا وَأَنَا حَلِيمٌ عَفِيفٌ؟ قِيلَ: وَكَانَ هِشَامٌ يَنْزِلُ الرُّصَافَةَ وَهِيَ مِنْ أَعْمَالِ قِنَّسْرِينَ، وَكَانَ الْخُلَفَاءُ قَبْلَهُ وَأَبْنَاءُ الْخُلَفَاءِ يَنْتَبِذُونَ هَرَبًا مِنَ الطَّاعُونِ فَيَنْزِلُونَ الْبَرِّيَّةَ، فَلَمَّا أَرَادَ هِشَامٌ أَنْ يَنْزِلَ الرُّصَافَةَ قِيلَ لَهُ: لَا تَخْرُجْ فَإِنَّ الْخُلَفَاءَ لَا يُطْعَنُونَ وَلَمْ يُرَ خَلِيفَةٌ طُعِنَ. قَالَ: أَتُرِيدُونَ أَنْ تُجَرِّبُوا فِيَّ؟ فَنَزَلَهَا، وَهِيَ مَدِينَةٌ رُومِيَّةٌ. قِيلَ: إِنَّ الْجَعْدَ بْنَ دِرْهَمٍ أَظْهَرَ مَقَالَتَهُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ أَيَّامَ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَأَخَذَهُ هِشَامٌ وَأَرْسَلَهُ إِلَى خَالِدٍ الْقَسْرِيِّ، وَهُوَ أَمِيرُ الْعِرَاقِ، وَأَمَرَ بِقَتْلِهِ، فَحَبَسَهُ خَالِدٌ وَلَمْ

стр. 2254

يَقْتُلْهُ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ هِشَامًا، فَكَتَبَ إِلَى خَالِدٍ يَلُومُهُ وَيَعْزِمُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْتُلَهُ، فَأَخْرَجَهُ خَالِدٌ مِنَ الْحَبْسِ فِي وَثَاقِهِ، فَلَمَّا صَلَّى الْعِيدَ يَوْمَ الْأَضْحَى قَالَ فِي آخِرِ خُطْبَتِهِ: انْصَرِفُوا وَضَحُّوا يَقْبَلِ اللَّهُ مِنْكُمْ، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُضَحِّيَ الْيَوْمَ بِالْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: مَا كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى، وَلَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، تَعَالَى اللَّهِ عَمَّا يَقُولُ الْجَعْدُ عُلُوًّا كَبِيرًا. ثُمَّ نَزَلَ وَذَبَحَهُ. قِيلَ: إِنَّ غَيْلَانَ بْنَ يُونُسَ، وَقِيلَ ابْنَ مُسْلِمٍ، أَبَا مَرْوَانَ أَظْهَرَ الْقَوْلَ بِالْقَدَرِ فِي أَيَّامِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَأَحْضَرَهُ عُمَرُ وَاسْتَتَابَهُ، فَتَابَ ثُمَّ عَادَ إِلَى الْكَلَامِ فِيهِ أَيَّامَ هِشَامٍ، فَأَحْضَرَهُ مِنْ نَاصِرَةَ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَقُطِعَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَصُلِبَ. قِيلَ: وَجَاءَ مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِلَى هِشَامٍ، فَقَالَ: لَيْسَ لَكَ عِنْدِي صِلَةٌ، ثُمَّ قَالَ: إِيَّاكَ أَنْ يَغُرَّكَ أَحَدٌ فَيَقُولُ لَمْ يَعْرِفْكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي عَرَفْتُكَ، أَنْتَ مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ فَلَا تُقِيمَنَّ وَتُنْفِقُ مَا مَعَكَ، فَلَيْسَ لَكَ عِنْدِي صِلَةٌ، الْحَقْ بِأَهْلِكَ. قَالَ مُجَمَّعُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَنْصَارِيُّ: شَتَمَ هِشَامٌ رَجُلًا مِنَ الْأَشْرَافِ، فَوَبَّخَهُ الرَّجُلُ وَقَالَ: أَمَا تَسْتَحِي أَنْ تَشْتُمَنِي وَأَنْتَ خَلِيفَةُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ؟ فَاسْتَحْيَا مِنْهُ وَقَالَ: اقْتَصَّ مِنِّي. قَالَ: إِذًا أَنَا سَفِيهٌ مِثْلُكَ. قَالَ: فَخُذْ مِنِّي عِوَضًا مِنَ الْمَالِ. قَالَ: مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ. قَالَ: فَهَبْهَا لِلَّهِ. قَالَ: هِيَ لِلَّهِ ثُمَّ لَكَ. فَنَكَسَ هِشَامٌ رَأَسَهُ وَاسْتَحْيَا وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَعُودُ إِلَى مِثْلِهَا أَبَدًا. ذِكْرُ بَيْعَةِ الْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ قِيلَ: وَكَانَتْ بَيْعَتُهُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ مِنَ السَّنَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَقْدُ أَبِيهِ وِلَايَةَ الْعَهْدِ لَهُ بَعْدَ أَخِيهِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَكَانَ الْوَلِيدُ حِينَ جُعِلَ وَلِيَّ عَهْدٍ بَعْدَ هِشَامٍ (ابْنَ) إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ عَاشَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَبَلَغَ الْوَلِيدُ خَمْسَ عَشْرَةَ (سَنَةً) ، فَكَانَ يَزِيدُ يَقُولُ: اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَ مَنْ جَعَلَ هِشَامًا بَيْنِي وَبَيْنَكَ، فَلَمَّا وَلِيَ هِشَامٌ أَكْرَمَ الْوَلِيدَ بْنَ يَزِيدَ حَتَّى ظَهَرَ مِنَ الْوَلِيدِ مُجُونٌ وَشُرْبُ الشَّرَابِ، وَكَانَ يَحْمِلُهُ عَلَى ذَلِكَ

стр. 2255

عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى مُؤَدِّبُهُ، وَاتَّخَذَ لَهُ نُدَمَاءَ، فَأَرَادَ هِشَامٌ أَنْ يَقْطَعَهُمْ عَنْهُ فَوَلَّاهُ الْحَجَّ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ، فَحَمَلَ مَعَهُ كِلَابًا فِي صَنَادِيقَ وَعَمِلَ قُبَّةً عَلَى قَدْرِ الْكَعْبَةِ لِيَضَعَهَا عَلَى الْكَعْبَةِ، وَحَمَلَ مَعَهُ الْخَمْرَ، وَأَرَادَ أَنْ يَنْصِبَ الْقُبَّةَ عَلَى الْكَعْبَةِ وَيَشْرَبَ فِيهَا الْخَمْرَ، فَخَوَّفَهُ أَصْحَابُهُ وَقَالُوا: لَا نَأْمَنُ النَّاسَ عَلَيْكَ وَعَلَيْنَا مَعَكَ. فَلَمْ يَفْعَلْ. وَظَهَرَ لِلنَّاسِ مِنْهُ تَهَاوُنٌ بِالدِّينِ وَاسْتِخْفَافٌ، فَطَمِعَ هِشَامٌ فِي الْبَيْعَةِ لِابْنِهِ مَسْلَمَةَ وَخَلْعِ الْوَلِيدِ، وَأَرَادَ الْوَلِيدَ عَلَى ذَلِكَ، فَأَبَى، فَقَالَ لَهُ: اجْعَلْهُ بَعْدَكَ، فَأَبَى، فَتَنَكَّرَ لَهُ هِشَامٌ وَأَضَرَّ بِهِ وَعَمِلَ سِرًّا فِي الْبَيْعَةِ لِابْنِهِ مَسْلَمَةَ، فَأَجَابَهُ قَوْمٌ، وَكَانَ مِمَّنْ أَجَابَهُ خَالَاهُ مُحَمَّدٌ وَإِبْرَاهِيمُ ابْنَا هِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَبَنُو الْقَعْقَاعِ بْنِ خُلَيْدٍ الْعَبْسِيِّ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ خَاصَّتِهِ، فَأَفْرَطَ الْوَلِيدُ فِي الشَّرَابِ وَطَلَبِ اللَّذَّاتِ، فَقَالَ لَهُ هِشَامٌ: وَيْحَكَ يَا وَلِيدُ، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي أَعَلَى الْإِسْلَامِ أَنْتَ أَمْ لَا! مَا تَدَعُ شَيْئًا مِنَ الْمُنْكَرِ إِلَّا أَتَيْتَهُ غَيْرَ مُتَحَاشٍ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْوَلِيدُ: يَا أَيُّهَا السَّائِلُ عَنْ دِينِنَا ... نَحْنُ عَلَى دِينِ أَبِي شَاكِرِ نَشْرَبُهَا صِرْفًا وَمَمْزُوجَةً ... بِالسُّخْنِ أَحْيَانًا وَبِالْفَاتِرِ فَغَضِبَ هِشَامٌ عَلَى ابْنِهِ مَسْلَمَةَ، وَكَانَ يُكَنَّى أَبَا شَاكِرٍ، وَقَالَ لَهُ: يُعَيِّرُنِي الْوَلِيدُ بِكَ وَأَنَا أُرَشِّحُكَ لِلْخِلَافَةِ! فَأَلْزَمَهُ الْأَدَبَ وَأَحْضَرَهُ الْجَمَاعَةَ وَوَلَّاهُ الْمَوْسِمَ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ، فَأَظْهَرَ النُّسُكَ وَاللِّينَ، ثُمَّ إِنَّهُ قَسَّمَ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ أَمْوَالًا، فَقَالَ مَوْلًى لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ: يَا أَيُّهَا السَّائِلُ عَنْ دِينِنَا ... نَحْنُ عَلَى دِينِ أَبِي شَاكِرِ الْوَاهِبِ الْجُرْدَ بِأَرْسَانِهَا ... لَيْسَ بِزِنْدِيقٍ وَلَا كَافِرِ يُعَرِّضُ بِالْوَلِيدِ. وَكَانَ هِشَامٌ يَعِيبُ الْوَلِيدَ وَيَنْتَقِصُهُ وَيُقَصِّرُ بِهِ، فَخَرَجَ الْوَلِيدُ وَمَعَهُ نَاسٌ مِنْ خَاصَّتِهِ وَمَوَالِيهِ فَنَزَلَ بِالْأَزْرَقِ عَلَى مَاءٍ لَهُ بِالْأُرْدُنِّ، وَخَلَّفَ كَاتِبَهُ عِيَاضَ بْنَ مُسْلِمٍ عِنْدَ هِشَامٍ لِيُكَاتِبَهُ بِمَا عِنْدَهُمْ، وَقَطَعَ هِشَامٌ عَنِ الْوَلِيدِ مَا كَانَ يُجْرَى عَلَيْهِ، وَكَاتَبَهُ الْوَلِيدُ فَلَمْ يُجِبْهُ

стр. 2256

إِلَى رَدِّهِ، وَأَمَرَهُ بِإِخْرَاجِ عَبْدِ الصَّمَدِ مِنْ عِنْدِهِ، وَأَخْرَجَهُ، وَسَأَلَهُ أَنْ يَأْذَنَ لِابْنِ سُهَيْلٍ بِالْخُرُوجِ إِلَيْهِ، فَضَرَبَ هِشَامٌ ابْنَ سُهَيْلٍ وَسَيَّرَهُ، وَأَخَذَ عِيَاضَ بْنَ مُسْلِمٍ كَاتِبَ الْوَلِيدِ فَضَرَبَهُ وَحَبَسَهُ، فَقَالَ الْوَلِيدُ: مَنْ يَثِقُ بِالنَّاسِ وَمَنْ يَصْنَعُ الْمَعْرُوفَ! هَذَا الْأَحْوَلُ الْمَشْئُومُ قَدَّمَهُ أَبِي عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَصَيَّرَهُ وَلِيَّ عَهْدِهِ ثُمَّ يَصْنَعُ بِي مَا تَرَوْنَ؟ لَا يَعْلَمُ أَنَّ لِي فِي أَحَدٍ هَوًى إِلَّا عَبِثَ بِهِ! وَكَتَبَ إِلَى هِشَامٍ فِي ذَلِكَ يُعَاتِبُهُ وَيَسْأَلُهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ كَاتِبَهُ، فَلَمْ يَرُدَّهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْوَلِيدُ: رَأَيْتُكَ تَبْنِي دَائِمًا فِي قَطِيعَتِي ... وَلَوْ كُنْتَ ذَا حَزْمٍ لَهَدَّمْتَ مَا تَبْنِي تُثِيرُ عَلَى الْبَاقِينَ مَجْنَى ضَغِينَةٍ ... فَوَيْلٌ لَهُمْ إِنْ مُتُّ مِنْ شَرِّ مَا تَجْنِي كَأَنِّي بِهِمْ وَاللَّيْتَ أَفْضَلُ قَوْلِهِمْ ... أَلَا لَيْتَنَا وَاللَّيْتَ إِذْ ذَاكَ لَا يُغْنِي كَفَرْتَ يَدًا مِنْ مُنْعِمٍ لَوْ شَكَرْتَهَا ... جَزَاكَ بِهَا الرَّحْمَنُ ذُو الْفَضْلِ وَالْمَنِّ فَلَمْ يَزَلِ الْوَلِيدُ مُقِيمًا فِي تِلْكَ الْبَرِّيَّةِ حَتَّى مَاتَ هِشَامٌ، فَلَمَّا كَانَ صَبِيحَةُ الْيَوْمِ الَّذِي جَاءَتْهُ فِيهِ الْخِلَافَةُ قَالَ لِأَبِي الزُّبَيْرِ الْمُنْذِرِ بْنِ أَبِي عَمْرٍو: مَا أَتَتْ عَلَيَّ لَيْلَةٌ مُنْذُ عَقَلْتُ عَقْلِي أَطْوَلُ مِنْ هَذِهِ اللَّيْلَةِ! عَرَضَتْ لِي هُمُومٌ وَحَدَّثْتُ نَفْسِي فِيهَا بِأُمُورٍ مِنْ أَمْرِ هَذَا الرَّجُلِ، يَعْنِي هِشَامًا، قَدْ أُولِعَ بِي، فَارْكَبْ بِنَا نَتَنَفَّسْ. فَرَكِبَا وَسَارَا مِيلَيْنِ، وَوَقَفَ عَلَى كَثِيبٍ فَنَظَرَ إِلَى رَهْجٍ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ رُسُلُ هِشَامٍ، نَسْأَلُ اللَّهَ مِنْ خَيْرِهِمْ، إِذْ بَدَا رَجُلَانِ عَلَى الْبَرِيدِ أَحَدُهُمَا مَوْلًى لِأَبِي مُحَمَّدٍ السُّفْيَانِيِّ وَالْآخَرُ جَرْدَبَةُ، فَلَمَّا قَرُبَا نَزَلَا يَعْدُوَانِ حَتَّى دَنَوَا مِنْهُ فَسَلَّمَا عَلَيْهِ بِالْخِلَافَةِ، فَوَجَمَ ثُمَّ قَالَ: أَمَاتَ هِشَامٌ؟ قَالَا: نَعَمْ، وَالْكِتَابُ مَعَنَا

стр. 2257

مِنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ صَاحِبِ دِيوَانِ الرَّسَائِلِ. فَقَرَأَهُ وَسَأَلَ مَوْلَى أَبِي مُحَمَّدٍ السُّفْيَانِيِّ عَنْ كَاتِبِهِ عِيَاضٍ، فَقَالَ: لَمْ يَزَلْ مَحْبُوسًا حَتَّى نَزَلَ بِهِشَامٍ الْمَوْتُ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْخُزَّانِ وَقَالَ: احْتَفِظُوا بِمَا فِي أَيْدِيكُمْ، فَأَفَاقَ هِشَامٌ فَطَلَبَ شَيْئًا فَمَنَعُوهُ، فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ، كُنَّا خُزَّانًا لِلْوَلِيدِ! وَمَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ، وَخَرَجَ عِيَاضٌ مِنَ السِّجْنِ، فَخَتَمَ أَبْوَابَ الْخَزَائِنِ وَأَنْزَلَ هِشَامًا عَنْ فَرْشِهِ، وَمَا وَجَدُوا لَهُ قُمْقُمًا يُسَخَّنُ لَهُ فِيهِ الْمَاءُ حَتَّى اسْتَعَارُوهُ، وَلَا وَجَدُوا كَفَنًا مِنَ الْخَزَائِنِ فَكَفَّنَهُ غَالِبٌ مَوْلَاهُ، فَقَالَ: هَلَكَ الْأَحْوَلُ الْمَشُو ... مُ فَقَدْ أُرْسِلَ الْمَطَرْ وَمَلَكْنَا مِنْ بَعْدِ ذَا ... كَ فَقَدْ أَوْرَقَ الشَّجَرْ فَاشْكُرُوا اللَّهَ إِنَّهُ ... زَائِدٌ كُلَّ مَنْ شَكَرْ وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا الشِّعْرَ لِغَيْرِ الْوَلِيدِ. فَلَمَّا سَمِعَ الْوَلِيدُ مَوْتَهُ كَتَبَ إِلَى الْعَبَّاسِ (بْنِ الْوَلِيدِ) بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ أَنْ يَأْتِيَ الرُّصَافَةَ، فَيُحْصِيَ مَا فِيهَا مِنْ أَمْوَالِ هِشَامٍ وَوَلَدِهِ، وَيَأْخُذَ عُمَّالَهُ وَحَشَمَهُ إِلَّا مَسْلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ فَإِنَّهُ كَلَّمَ أَبَاهُ فِي الرِّفْقِ بِالْوَلِيدِ. فَقَدِمَ الْعَبَّاسُ الرُّصَافَةَ فَفَعَلَ مَا كَتَبَ بِهِ الْوَلِيدُ إِلَيْهِ، وَكَتَبَ بِهِ إِلَى الْوَلِيدِ، فَقَالَ الْوَلِيدُ: لَيْتَ هِشَامًا كَانَ حَيًّا يَرَى ... مِحْلَبَهُ الْأَوْفَرَ قَدْ أُتْرِعَا وَيُرْوَى: لَيْتَ هِشَامًا عَاشَ حَتَّى يَرَى ... مِكْيَالَهُ الْأَوْفَرَ قَدْ طُبِّعَا كِلْنَاهُ بِالصَّاعِ الَّذِي كَالَهُ ... وَمَا ظَلَمْنَاهُ بِهِ إِصْبَعَا

стр. 2258

وَمَا أَتَيْنَا ذَاكَ عَنْ بِدْعَةٍ أَحَلَّهُ الْفُرْقَانُ لِي أَجْمَعَا وَضَيَّقَ عَلَى أَهْلِ هِشَامٍ وَأَصْحَابِهِ، فَجَاءَ خَادِمٌ لِهِشَامٍ فَوَقَفَ عِنْدَ قَبْرِهِ وَبَكَى وَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ رَأَيْتَ مَا يَصْنَعُ بِنَا الْوَلِيدُ. فَقَالَ بَعْضُ مَنْ هُنَاكَ: لَوْ رَأَيْتَ مَا صَنَعَ بِهِشَامٍ لَعَلِمْتَ أَنَّكَ فِي نِعْمَةٍ لَا تَقُومُ بِشُكْرِهَا! إِنَّ هِشَامًا فِي شُغُلٍ مِمَّا هُوَ فِيهِ عَنْكُمْ. وَاسْتَعْمَلَ الْوَلِيدُ الْعُمَّالَ، وَكَتَبَ إِلَى الْآفَاقِ بِأَخْذِ الْبَيْعَةِ، فَجَاءَتْهُ بَيْعَتُهُمْ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ بِبَيْعَتِهِ وَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْقُدُومِ عَلَيْهِ. فَلَمَّا وَلِيَ الْوَلِيدُ أَجْرَى عَلَى زَمْنَى أَهْلِ الشَّامِ وَعُمْيِهِمْ وَكَسَاهُمْ، وَأَمَرَ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ بِخَادِمٍ، وَأَخْرَجَ لِعِيَالَاتِ النَّاسِ الطِّيبَ وَالْكُسْوَةَ وَزَادَهُمْ، وَزَادَ النَّاسَ فِي الْعَطَاءِ عَشَرَاتٍ، ثُمَّ زَادَ أَهْلَ الشَّامِ بَعْدَ الْعَشَرَاتِ عَشَرَةً عَشَرَةً، وَزَادَ الْوُفُودَ، وَلَمْ يَقُلْ فِي شَيْءٍ يُسْأَلُهُ لَا وَقَالَ: ضَمِنْتُ لَكُمْ إِنْ لَمْ تَعُقْنِي عَوَائِقٌ ... بِأَنَّ سَمَاءَ الضُّرِّ عَنْكُمْ سَتُقْلِعُ سَيُوشِكُ إِلْحَاقٌ مَعًا وَزِيَادَةٌ ... وَأَعْطِيَةٌ مِنِّي عَلَيْكُمْ تَبَرَّعُ مُحَرَّمُكُمْ دِيوَانُكُمْ وَعَطَاؤُكُمْ ... بِهِ تَكْتُبُ الْكُتَّابُ شَهْرًا وَتَطْبَعُ قَالَ حُلْمُ الْوَادِي الْمُغَنِّي: كُنَّا مَعَ الْوَلِيدِ وَأَتَاهُ خَبَرُ مَوْتِ هِشَامٍ وَهُنِّئَ بِوِلَايَةِ الْخِلَافَةِ، وَأَتَاهُ الْقَضِيبُ وَالْخَاتَمُ، ثُمَّ قَالَ: فَأَمْسَكْنَا سَاعَةً وَنَظَرْنَا إِلَيْهِ بِعَيْنِ الْخِلَافَةِ، فَقَالَ: غَنُّونِي:

стр. 2259

طَابَ يَوْمِي وَلَذَّ شُرْبُ السُّلَافَهْ ... وَأَتَانَا نَعِيُّ مَنْ بِالرُّصَافَهْ وَأَتَانَا الْبَرِيدُ يَنْعِي هِشَامًا ... وَأَتَانَا بِخَاتَمٍ لِلْخِلَافَهْ فَاصْطَبَحْنَا مِنْ خَمْرِ عَانَةَ صِرْفًا ... وَلَهَوْنَا بِقَيْنَةٍ عَرَّافَهْ وَحَلَفَ أَنْ لَا يَبْرَحَ مِنْ مَوْضِعِهِ حَتَّى يُغَنَّى فِي هَذَا الشِّعْرُ وَيَشْرَبَ عَلَيْهِ فَفَعَلْنَا ذَلِكَ، وَلَمْ نَزَلْ نُغَنِّي إِلَى اللَّيْلِ. ثُمَّ إِنَّ الْوَلِيدَ هَذِهِ السَّنَةَ عَقَدَ لِابْنَيْهِ الْحَكَمِ وَعُثْمَانَ الْبَيْعَةَ مِنْ بَعْدِهِ وَجَعَلَهُمَا وَلِيَّيْ عَهْدِهِ، أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ، وَجَعَلَ الْحَكَمَ مُقَدَّمًا، وَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى الْأَمْصَارِ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ. ذِكْرُ وِلَايَةِ نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ خُرَاسَانَ لِلْوَلِيدِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَلَّى الوليدُ نَصْرَ بْنَ سَيَّارٍ خُرَاسَانَ كُلَّهَا وَأَفْرَدَهُ بِهَا، ثُمَّ وَفَدَ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ عَلَى الْوَلِيدِ فَاشْتَرَى مِنْهُ نَصْرًا وَعُمَّالَهُ، فَرَدَّ إِلَيْهِ الْوَلِيدُ وِلَايَةَ خُرَاسَانَ، وَكَتَبَ يُوسُفُ إِلَى نَصْرٍ يَأْمُرُهُ بِالْقُدُومِ، وَيَحْمِلُ مَعَهُ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنَ الْهَدَايَا وَالْأَمْوَالِ، وَأَنْ يَقْدَمَ مَعَهُ بِعِيَالِهِ أَجْمَعِينَ، وَكَتَبَ الْوَلِيدُ إِلَى نَصْرٍ يَأْمُرُهُ أَنْ يَتَّخِذَ لَهُ بَرَابِطَ وَطَنَابِيرَ وَأَبَارِيقَ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، وَأَنْ يَجْمَعَ لَهُ كُلَّ صَنَّاجَةٍ بِخُرَاسَانَ، وَكُلَّ بَازِيٍّ وَبِرْذَوْنٍ فَارِهٍ، ثُمَّ يَسِيرُ بِكُلِّ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ فِي وُجُوهِ أَهْلِ خُرَاسَانَ. وَكَانَ الْمُنَجِّمُونَ قَدْ أَخْبَرُوا نَصْرًا بِفِتْنَةٍ تَكُونُ، وَأَلَحَّ يُوسُفُ عَلَى نَصْرٍ بِالْقُدُومِ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولًا فِي ذَلِكَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْتَحِثَّهُ أَوْ يُنَادِيَ فِي النَّاسِ أَنَّهُ قَدْ خُلِعَ. فَأَرْضَى

стр. 2260

نَصْرٌ الرَّسُولَ وَأَجَازَهُ، فَلَمْ يَمْضِ لِذَلِكَ إِلَّا يَسِيرٌ حَتَّى وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ. فَتَحَوَّلَ إِلَى قَصْرِهِ بِمَاجَانَ وَاسْتَخْلَفَ عِصْمَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَسَدِيَّ عَلَى خُرَاسَانَ، وَمُوسَى بْنَ وَرْقَاءَ بِالشَّاشِ، وَحَسَّانَ مِنْ أَهْلِ الصَّغَانِيَانِ بِسَمَرْقَنْدَ، وَمُقَاتِلَ بْنَ عَلِيٍّ السُّغْدِيَّ بِآمُلَ، وَأَمَرَهُمْ إِذَا بَلَغَهُمْ خُرُوجُهُ مِنْ مَرْوَ أَنْ يَسْتَجْلِبُوا التُّرْكَ لِيَعْبُرُوا عَلَى مَا وَرَاءَ النَّهْرِ لِيَرْجِعَ إِلَيْهِمْ. وَسَارَ إِلَى الْعِرَاقِ. فَبَيْنَا هُوَ يَسِيرُ إِلَى الْعِرَاقِ طَرَقَهُ مَوْلًى لِبَنِي لَيْثٍ وَأَعْلَمَهُ بِقَتْلِ الْوَلِيدِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَذِنَ لِلنَّاسِ، وَأَحْضَرَ رُسُلَ الْوَلِيدِ وَقَالَ لَهُمْ: قَدْ كَانَ مِنْ مَسِيرِي مَا عَلِمْتُمْ، وَبَعْثِي بِالْهَدَايَا مَا رَأَيْتُمْ، وَكَانَ قَدْ قَدَّمَ الْهَدَايَا فَبَلَغَتْ بَيْهَقَ، وَطَرَقَنِي فُلَانٌ لَيْلًا فَأَخْبَرَنِي أَنَّ الْوَلِيدَ قَدْ قُتِلَ، وَوَقَعَتِ الْفِتْنَةُ بِالشَّامِ، وَقَدِمَ مَنْصُورُ بْنُ جُمْهُورٍ الْعِرَاقَ، وَهَرَبَ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ، وَنَحْنُ بِالْبِلَادِ الَّتِي قَدْ عَلِمْتُمْ حَالَهَا وَكَثْرَةَ عَدُوِّنَا. فَقَالَ سَالِمُ بْنُ أَحْوَزَ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ إِنَّهُ بَعْضُ مَكَايِدِ قُرَيْشٍ، أَرَادُوا تَهْجِينَ طَاعَتِكَ، فَسِرْ وَلَا تَمْتَحِنَّا. فَقَالَ: يَا سَالِمٌ أَنْتَ رَجُلٌ لَكَ عِلْمٌ بِالْحَرْبِ وَحُسْنُ طَاعَةٍ لِبَنِي أُمَيَّةَ، فَأَمَّا مِثْلُ هَذِهِ الْأُمُورِ فَرَأْيُكَ فِيهَا رَأْيُ أَمَةٍ هَتْمَاءَ. وَرَجَعَ بِالنَّاسِ. ذِكْرُ قَتْلِ يَحْيَى بْنِ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ يَحْيَى بْنُ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِخُرَاسَانَ. وَسَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّهُ سَارَ بَعْدَ قَتْلِ أَبِيهِ إِلَى خُرَاسَانَ، كَمَا سَبَقَ ذِكْرُهُ، فَأَتَى بَلْخًا فَأَقَامَ بِهَا عِنْدَ الْحَرِيشِ بْنِ عَمْرِو بْنِ دَاوُدَ حَتَّى هَلَكَ هِشَامٌ وَوَلِيَ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ. فَكَتَبَ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ إِلَى نَصْرٍ بِمَسِيرِ يَحْيَى بْنِ زَيْدٍ وَبِمَنْزِلِهِ عِنْدَ الْحَرِيشِ، وَقَالَ لَهُ: خُذْهُ أَشَدَّ الْأَخْذِ، فَأَخَذَ نَصْرٌ الْحَرِيشَ، فَطَالَبَهُ بِيَحْيَى، فَقَالَ: لَا عِلْمَ لِي بِهِ. فَأَمَرَ فَجُلِدَ سِتُّمِائَةِ سَوْطٍ. فَقَالَ الْحَرِيشُ: وَاللَّهِ لَوْ أَنَّهُ تَحْتَ قَدَمِي مَا رَفَعْتُهَا عَنْهُ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قُرَيْشُ بْنُ الْحَرِيشِ قَالَ مُحَمَّدٌ لَا تَقْتُلْ أَبِي وَأَنَا أَدُلُّكَ عَلَى يَحْيَى، فَدَلَّهُ عَلَيْهِ، فَأَخَذَهُ نَصْرٌ وَكَتَبَ إِلَى الْوَلِيدِ يُخْبِرُهُ، فَكَتَبَ الْوَلِيدُ يَأْمُرُهُ أَنْ يُؤَمِّنَهُ وَيُخَلِّيَ سَبِيلَهُ وَسَبِيلَ أَصْحَابِهِ. فَأَطْلَقَهُ نَصْرٌ وَأَمَرَهُ أَنْ يَلْحَقَ بِالْوَلِيدِ وَأَمَرَ لَهُ بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ، فَسَارَ إِلَى سَرْخَسَ فَأَقَامَ بِهَا، فَكَتَبَ نَصْرٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ يَأْمُرُهُ أَنْ يُسَيِّرَهُ عَنْهَا، فَسَيَّرَهُ عَنْهَا، فَسَارَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى

стр. 2261

بَيْهَقَ، وَخَافَ أَنْ يَغْتَالَهُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ فَعَادَ إِلَى نَيْسَابُورَ، وَبِهَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، وَكَانَ مَعَ يَحْيَى سَبْعُونَ رَجُلًا، فَرَأَى يَحْيَى تُجَّارًا، فَأَخَذَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ دَوَابَّهُمْ وَقَالُوا: عَلَيْنَا أَثْمَانُهَا، فَكَتَبَ عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ إِلَى نَصْرٍ يُخْبِرُهُ، فَكَتَبَ نَصْرٌ يَأْمُرُهُ بِمُحَارَبَتِهِ، فَقَاتَلَهُ عَمْرٌو، وَهُوَ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ وَيَحْيَى فِي سَبْعِينَ رَجُلًا، فَهَزَمَهُمْ يَحْيَى وَقَتَلَ عَمْرًا وَأَصَابَ دَوَابَّ كَثِيرَةً وَسَارَ حَتَّى مَرَّ بِهَرَاةَ، فَلَمْ يَعْرِضْ لِمَنْ بِهَا وَسَارَ عَنْهَا. وَسَرَّحَ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ سَالِمَ بْنَ أَحْوَزَ فِي طَلَبِ يَحْيَى، فَلَحِقَهُ بِالْجُوزَجَانِ فَقَاتَلَهُ قِتَالًا شَدِيدًا، فَرُمِيَ يَحْيَى بِسَهْمٍ فَأَصَابَ جَبْهَتَهُ، رَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ عَنَزَةَ يُقَالُ لَهُ عِيسَى، فَقُتِلَ أَصْحَابُ يَحْيَى مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ، وَأَخَذُوا رَأْسَ يَحْيَى وَسَلَبُوهُ قَمِيصَهُ. فَلَمَّا بَلَغَ الْوَلِيدَ قَتْلُ يَحْيَى كَتَبَ إِلَى يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ: خُذْ عُجَيْلَ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَأَنْزِلْهُ مِنْ جِذْعِهِ، يَعْنِي زَيْدًا، وَأَحْرِقْهُ بِالنَّارِ ثُمَّ انْسِفْهُ بِالْيَمِّ نَسْفًا، فَأَمَرَ يُوسُفُ بِهِ فَأُحْرِقَ، ثُمَّ رَضَّهُ وَحَمَلَهُ فِي سَفِينَةٍ ثُمَّ ذَرَّاهُ فِي الْفُرَاتِ. وَأَمَّا يَحْيَى فَإِنَّهُ لَمَّا قُتِلَ صُلِبَ بِالْجُوزَجَانِ، فَلَمْ يَزَلْ مَصْلُوبًا حَتَّى ظَهَرَ أَبُو مُسْلِمٍ الْخُرَسَانِيُّ وَاسْتَوْلَى عَلَى خُرَاسَانَ فَأَنْزَلَهُ وَصَلَّى عَلَيْهِ وَدَفَنَهُ، وَأَمَرَ بِالنِّيَاحَةِ عَلَيْهِ فِي خُرَاسَانَ، وَأَخَذَ أَبُو مُسْلِمٍ دِيوَانَ بَنِي أُمَيَّةَ وَعَرَفَ مِنْهُ أَسْمَاءَ مَنْ حَضَرَ قَتْلَ يَحْيَى، فَمَنْ كَانَ حَيًّا قَتَلَهُ وَمَنْ كَانَ مَيِّتًا خَلَّفَهُ فِي أَهْلِهِ بِسُوءٍ، وَكَانَتْ أُمُّ يَحْيَى رَيْطَةَ بِنْتَ أَبِي هَاشِمٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ. (عُبَادُ بِضَمِّ الْعَيْنِ، وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْمُخَفَّفَةِ) . ذِكْرُ وِلَايَةِ حَنْظَلَةَ إِفْرِيقِيَّةَ وَأَبِي الْخَطَّارِ الْأَنْدَلُسَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَدِمَ أَبُو الْخَطَّارِ حُسَامُ بْنُ ضِرَارٍ الْكَلْبِيُّ الْأَنْدَلُسَ أَمِيرًا فِي رَجَبٍ، وَكَانَ أَبُو الْخَطَّارِ لَمَّا تَبَايَعَ وُلَاةُ الْأَنْدَلُسِ مِنْ قَيْسٍ قَدْ قَالَ شِعْرًا وَعَرَّضَ فِيهِ بِيَوْمِ مَرْجِ رَاهِطٍ، وَمَا كَانَ مِنْ بَلَاءِ كَلْبٍ فِيهِ مَعَ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، وَقِيَامِ الْقَيْسِيِّينَ مَعَ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ الْفِهْرِيِّ عَلَى مَرْوَانَ، وَمِنَ الشِّعْرِ: أَفَادَتْ بَنُو مَرْوَانَ قَيْسًا دِمَاءَنَا ... وَفِي اللَّهِ إِنْ لَمْ يَعْدِلُوا حَكَمٌ عَدْلُ

стр. 2262

كَأَنَّكُمُ لَمْ تَشْهَدُوا مَرْجَ رَاهِطٍ وَلَمْ تَعْلَمُوا مَنْ كَانَ ثَمَّ لَهُ الْفَضْلُ ... وَقَيْنَاكُمْ حَرَّ الْقَنَا بِنُحُورِنَا وَلَيْسَ لَكُمْ خَيْلٌ تُعَدُّ وَلَا رَجْلُ فَلَمَّا بَلَغَ شِعْرُهُ هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ سَأَلَ عَنْهُ، فَأُعْلِمَ أَنَّهُ رَجُلٌ مِنْ كَلْبٍ، وَكَانَ هِشَامٌ قَدِ اسْتَعْمَلَ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ حَنْظَلَةَ بْنَ صَفْوَانَ الْكَلْبِيَّ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ هِشَامٌ أَنْ يُوَلِّيَ أَبَا الْخَطَّارِ الْأَنْدَلُسَ، فَوَلَّاهُ وَسَيَّرَهُ إِلَيْهَا، فَدَخَلَ قُرْطُبَةَ يَوْمَ جُمْعَةٍ فَرَأَى ثَعْلَبَةَ بْنَ سَلَامَةَ أَمِيرَهَا قَدْ أَحْضَرَ الْأُسَارَى الْأَلْفَ مِنَ الْبَرْبَرِ، الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُ أَسْرِهِمْ، لِيَقْتُلَهُمْ، فَلَمَّا دَخَلَ أَبُو الْخَطَّارِ دَفَعَ الْأَسْرَى إِلَيْهِ، فَكَانَتْ وِلَايَتُهُ سَبَبًا لِحَيَاتِهِمْ، وَكَانَ أَهْلُ الشَّامِ الَّذِينَ بِالْأَنْدَلُسِ قَدْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ مَعَ ثَعْلَبَةَ بْنِ سَلَامَةَ إِلَى الشَّامِ، فَلَمْ يَزَلْ أَبُو الْخَطَّارِ يُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيَسْتَمِيلُهُمْ حَتَّى أَقَامُوا، فَأَنْزَلَ كُلَّ قَوْمٍ عَلَى شِبْهِ مَنَازِلِهِمْ بِالشَّامِ، فَلَمَّا رَأَوْا بَلَدًا يُشْبِهُ بُلْدَانَهُمْ أَقَامُوا. وَقِيلَ: إِنَّ أَهْلَ الشَّامِ إِنَّمَا فَرَّقَهُمْ فِي الْبِلَادِ لِأَنَّ قُرْطُبَةَ ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ فَفَرَّقَهُمْ، وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَ أَخْبَارِهِ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ قِيلَ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَجَّهَ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ خَالَهُ يُوسُفَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الثَّقَفِيَّ وَالِيًا عَلَى الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَالطَّائِفِ، وَدَفَعَ إِلَيْهِ مُحَمَّدًا وَإِبْرَاهِيمَ ابْنَيْ هِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَخْزُومِيِّ مُوثَقَيْنِ فِي عَبَاءَتَيْنِ، فَقَدِمَ بِهِمَا الْمَدِينَةَ فِي شَعْبَانَ فَأَقَامَهُمَا لِلنَّاسِ، ثُمَّ حُمِلَا إِلَى الشَّامِ فَأُحْضِرُوا عِنْدَ الْوَلِيدِ، فَأَمَرَ بِجَلْدِهِمْ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ: أَسْأَلُكَ بِالْقَرَابَةِ! قَالَ: وَأَيُّ قُرَابَةٍ بَيْنَنَا؟ قَالَ: فَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِضَرْبٍ بِسَوْطٍ إِلَّا فِي حَدٍّ. قَالَ: فَفِي حَدٍّ أَضْرِبُكَ وَقَوَدٍ، أَنْتَ أَوَّلُ مَنْ فَعَلَ بِالْعَرْجِيِّ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّي وَابْنُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ، وَكَانَ مُحَمَّدٌ قَدْ أَخَذَهُ وَقَيَّدَهُ، وَأَقَامَهُ لِلنَّاسِ وَجَلَدَهُ وَسَجَنَهُ إِلَى أَنْ مَاتَ بَعْدَ تِسْعِ سِنِينَ لِهِجَاءِ الْعَرْجِيِّ إِيَّاهُ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ الْوَلِيدُ فَجُلِدَ هُوَ وَأَخُوهُ إِبْرَاهِيمُ، ثُمَّ أَوْثَقَهُمَا حَدِيدًا وَأَمَرَ أَنْ يُبْعَثَ بِهِمَا إِلَى يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ وَهُوَ عَلَى الْعِرَاقِ، فَلَمَّا قَدِمَ بِهِمَا عَذَّبَهُمَا حَتَّى مَاتَا. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ الْوَلِيدُ سَعْدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ عَنْ قَضَاءِ الْمَدِينَةِ وَوَلَّاهُ يَحْيَى بْنَ

стр. 2263

سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيَّ. وَفِيهَا خَرَجَتِ الرُّومُ إِلَى زِبَطْرَةَ، وَهُوَ حِصْنٌ قَدِيمٌ كَانَ افْتَتَحَهُ حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِيُّ، فَأَخْرَبَتْهُ الرُّومُ الْآنَ، فَبَنَى بِنَاءً غَيْرَ مُحْكَمٍ، فَعَادَ الرُّومُ وَأَخْرَبُوهُ أَيَّامَ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحِمَارِ، ثُمَّ بَنَاهُ الرَّشِيدُ وَشَحَنَهُ بِالرِّجَالِ، فَلَمَّا كَانَتْ خِلَافَةُ الْمَأْمُونِ طَرَقَهُ الرُّومُ فَشَعَّثُوهُ، فَأَمَرَ الْمَأْمُونُ بِمَرَمَّتِهِ وَتَحْصِينِهِ، ثُمَّ قَصَدَهُ الرُّومُ أَيَّامَ الْمُعْتَصِمِ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَإِنَّمَا سُقْتُ خَبَرَهُ هَاهُنَا لِأَنِّي لَمْ أَعْلَمْ تَوَارِيخَ حَوَادِثِهِ. وَفِيهَا أَغْزَى الْوَلِيدُ أَخَاهُ الْغَمْرَ بْنَ يَزِيدَ، وَأَمَّرَ عَلَى جُيُوشِ الْبَحْرِ الْأَسْوَدَ بْنَ بِلَالٍ الْمُحَارِبِيَّ وَسَيَّرَهُ إِلَى قُبْرُصَ لِيُخَيِّرَ أَهْلَهَا بَيْنَ الْمَسِيرِ إِلَى الشَّامِ أَوْ إِلَى الرُّومِ، فَاخْتَارَتْ طَائِفَةٌ جِوَارَ الْمُسْلِمِينَ، فَسَيَّرَهُمْ إِلَى الشَّامِ، وَاخْتَارَ آخَرُونَ الرُّومَ، فَسَيَّرَهُمْ إِلَيْهِمْ. وَفِيهَا قَدِمَ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ وَمَالِكُ بْنُ الْهَيْثَمِ وَلَاهِزُ بْنُ قُرَيْظٍ وَقَحْطَبَةُ بْنُ شَبِيبٍ مَكَّةَ، فَلَقَوْا، فِي قَوْلِ بَعْضِ أَهْلِ السِّيَرِ، مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْبَرُوهُ بِقِصَّةِ أَبِي مُسْلِمٍ وَمَا رَأَوْا مِنْهُ، فَقَالَ: أَحُرٌّ هُوَ أَمْ عَبْدٌ؟ قَالُوا: أَمَّا عِيسَى فَيَزْعُمُ أَنَّهُ عَبْدٌ، وَأَمَّا هُوَ فَيَزْعُمُ أَنَّهُ حُرٌّ. قَالَ: فَاشْتَرَوْهُ وَأَعْتَقُوهُ وَأَعْطَوْا مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ مِائَتَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَكُسْوَةً بِثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ. فَقَالَ لَهُمْ: مَا أَظُنُّكُمْ تَلْقَوْنِي بَعْدَ عَامِي هَذَا، فَإِنْ حَدَثَ بِي

стр. 2264

حَدَثٌ فَصَاحِبُكُمُ ابْنِي إِبْرَاهِيمُ فَإِنِّي أَثِقُ بِهِ، وَأُوصِيكُمْ بِهِ خَيْرًا. فَرَجَعُوا مِنْ عِنْدِهِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فِي شَهْرِ ذِي الْقَعْدَةِ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَكَانَ بَيْنَ مَوْتِهِ وَمَوْتِ أَبِيهِ سَبْعُ سِنِينَ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ يُوسُفُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ. وَفِيهَا غَزَا النُّعْمَانُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الصَّائِفَةَ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ أَبُو حَازِمٍ الْأَعْرَجُ، وَقِيلَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ، وَقِيلَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ، وَفِي آخِرِ أَيَّامِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ تُوُفِّيَ سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزَّةَ (وَاسْمُ أَبِي بَزَّةَ يَسَارٌ، وَهُوَ مِنَ الْمَشْهُورِينَ بِالْقِرَاءَةِ) وَأَشْعَثُ بْنُ أَبِي الشَّعْثَاءِ سُلَيْمٌ بْنُ أَسْوَدَ الْمُحَارِبِيُّ. وَزَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ الْجَزَرِيُّ، مَوْلَى بَنِي كِلَابٍ، وَقِيلَ مَوْلَى يَزِيدَ بْنِ الْخَطَّابِ،

стр. 2265

وَقِيلَ مَوْلَى غَنِيٍّ، وَكَانَ عُمْرُهُ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَكَانَ فَقِيهًا عَابِدًا، وَكَانَ لَهُ أَخٌ اسْمُهُ يَحْيَى، كَانَ ضَعِيفًا فِي الْحَدِيثِ. وَفِي أَيَّامِ هِشَامٍ مَاتَ الْعَرْجِيُّ الشَّاعِرُ فِي حَبْسِ مُحَمَّدِ بْنِ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيِّ، عَامِلِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَلَى الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ، وَكَانَ سَبَبُ حَبْسِهِ أَنَّهُ هَجَاهُ فَتَتَبَّعَهُ حَتَّى بَلَغَهُ أَنَّهُ أَخَذَ مَوْلًى لَهُ فَضَرَبَهُ وَقَتَلَهُ، وَأَمَرَ عَبِيدَهُ أَنْ يَطَئُوا امْرَأَةَ الْمَوْلَى الْمَقْتُولِ، فَأَخَذَهُ مُحَمَّدٌ فَضَرَبَهُ وَأَقَامَهُ لِلنَّاسِ وَحَبَسَهُ تِسْعَ سِنِينَ فَمَاتَ فِي السِّجْنِ. (الْعَرْجِيُّ: بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَآخِرُهُ جِيمٌ) . وَكَانَ عُمَّالُ الْأَمْصَارِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ.

стр. 2266

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ] ١٢٦ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ قَتْلِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ عَزْلِهِ عَنِ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ، وَكَانَ عَمَلُهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فِيمَا قِيلَ، وَلَمَّا عَزَلَهُ هِشَامٌ قَدِمَ عَلَيْهِ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ وَاسِطًا فَحَبَسَهُ بِهَا، ثُمَّ سَارَ يُوسُفُ إِلَى الْحِيرَةِ وَأَخَذَ خَالِدًا فَحَبَسَهُ بِهَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا مَعَ أَخِيهِ إِسْمَاعِيلَ وَابْنِهِ يَزِيدَ بْنِ خَالِدٍ وَابْنِ أَخِيهِ الْمُنْذِرِ بْنِ أَسَدٍ. اسْتَأْذَنَ يُوسُفُ هِشَامًا فِي تَعْذِيبِهِ فَأَذِنَ لَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَأَقْسَمَ لَئِنْ هَلَكَ لَيَقْتُلَنَّهُ، فَعَذَّبَهُ يُوسُفُ ثُمَّ رَدَّهُ إِلَى حَبْسِهِ. وَقِيلَ: بَلْ عَذَّبَهُ عَذَابًا كَثِيرًا، وَكَتَبَ هِشَامٌ إِلَى يُوسُفَ يَأْمُرُهُ بِإِطْلَاقِهِ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، فَأَطْلَقَهُ، فَسَارَ فَأَتَى الْقَرْيَةَ الَّتِي بِإِزَاءِ الرُّصَافَةِ فَأَقَامَ بِهَا إِلَى صَفَرٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ، وَخَرَجَ زَيْدٌ فَقُتِلَ، فَكَتَبَ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ: إِنَّ بَنِي هَاشِمٍ قَدْ كَانُوا هَلَكُوا جُوعًا فَكَانَتْ هِمَّةُ أَحَدِهِمْ قُوتَ عِيَالِهِ، فَلَمَّا وَلِيَ خَالِدٌ الْعِرَاقَ أَعْطَاهُمُ الْأَمْوَالَ، فَتَاقَتْ أَنْفُسُهُمْ إِلَى الْخِلَافَةِ، وَمَا خَرَجَ زَيْدٌ إِلَّا عَنْ رَأْيِ خَالِدٍ. فَقَالَ هِشَامٌ: كَذَبَ يُوسُفُ! وَضَرَبَ رَسُولَهُ وَقَالَ: لَسْنَا نَتَّهِمُ خَالِدًا فِي طَاعَةٍ. وَسَمِعَ خَالِدٌ فَسَارَ حَتَّى نَزَلَ دِمَشْقَ وَسَارَ إِلَى الصَّائِفَةِ. وَكَانَ عَلَى دِمَشْقَ يَوْمَئِذٍ كُلْثُومُ بْنُ عِيَاضٍ الْقُشَيْرِيُّ، وَكَانَ يُبْغِضُ خَالِدًا، فَظَهَرَ فِي دُورِ دِمَشْقَ حَرِيقٌ كُلَّ لَيْلَةٍ يَفْعَلُهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ الْعَمَرَّسِ، فَإِذَا وَقَعَ الْحَرِيقُ يَسْرِقُونَ، وَكَانَ أَوْلَادُ خَالِدٍ وَإِخْوَتُهُ بِالسَّاحِلِ لَحَدَثٍ كَانَ مِنَ الرُّومِ، فَكَتَبَ كُلْثُومٌ إِلَى هِشَامٍ يُخْبِرُهُ أَنَّ مَوَالِيَ خَالِدٍ يُرِيدُونَ الْوُثُوبَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ وَأَنَّهُمْ يُحْرِقُونَ الْبَلَدَ كُلَّ لَيْلَةٍ لِهَذَا الْفِعْلِ. فَكَتَبَ إِلَى هِشَامٍ يَأْمُرُهُ أَنْ يَحْبِسَ آلَ خَالِدٍ الصَّغِيرَ مِنْهُمْ وَالْكَبِيرَ وَمَوَالِيَهُمْ، فَأَنْفَذَ وَأَحْضَرَ أَوْلَادَ خَالِدٍ وَإِخْوَتَهُ مِنَ السَّاحِلِ فِي الْجَوَامِعِ وَمَعَهُمْ مَوَالِيهِمْ، وَحَبَسَ بَنَاتِ خَالِدٍ وَالنِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلِيُّ بْنُ الْعَمَرَّسِ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ، فَكَتَبَ الْوَلِيدُ بْنُ

стр. 2267

عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَامِلُ الْخَرَاجِ إِلَى هِشَامٍ يُخْبِرُهُ بِأَخْذِ ابْنِ الْعَمَرَّسِ وَأَصْحَابِهِ بِأَسْمَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِمْ أَحَدًا مِنْ مَوَالِي خَالِدٍ. فَكَتَبَ هِشَامٌ إِلَى كُلْثُومٍ يَشْتُمُهُ وَيَأْمُرُهُ بِإِطْلَاقِ آلِ خَالِدٍ، فَأَطْلَقَهُمْ وَتَرَكَ الْمَوَالِيَ رَجَاءَ أَنْ يَشْفَعَ فِيهِمْ خَالِدٌ إِذَا قَدِمَ مِنَ الصَّائِفَةِ. ثُمَّ قَدِمَ خَالِدٌ فَنَزَلَ مَنْزِلَهُ فِي دِمَشْقَ فَأَذِنَ لِلنَّاسِ، فَقَامَ بَنَاتُهُ يَحْتَجِبْنَ، فَقَالَ: لَا تَحْتَجِبْنَ فَإِنَّ هِشَامًا كُلَّ يَوْمٍ يَسُوقُكُنَّ إِلَى الْحَبْسِ، فَدَخَلَ النَّاسُ، فَقَامَ أَوْلَادُهُ يَسْتُرُونَ النِّسَاءَ، فَقَالَ خَالِدٌ: خَرَجْتُ غَازِيًا سَامِعًا مُطِيعًا فَخُلِفْتُ فِي عَقِبِي وَأُخِذَ حُرَمِي وَأَهْلُ بَيْتِي فَحُبِسُوا مَعَ أَهْلِ الْجَرَائِمِ كَمَا يُفْعَلُ بِالْمُشْرِكِينَ، فَمَا مَنَعَ عِصَابَةً مِنْكُمْ أَنْ تَقُولُوا عَلَامَ حُبِسَ حُرَمُ هَذَا السَّامِعِ الْمُطِيعِ؟ أَخِفْتُمْ أَنْ تُقْتَلُوا جَمِيعًا؟ أَخَافَكُمُ اللَّهُ! ثُمَّ قَالَ: مَا لِي وَلِهِشَامٍ؟ لَيَكُفُّنَّ عَنِّي أَوْ لَأَدْعُوَنَّ إِلَى عِرَاقِيِّ الْهَوَى، شَامِيِّ الدَّارِ، حِجَازِيِّ الْأَصْلِ، يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ أَذِنْتُ لَكُمْ أَنْ تُبْلِغُوا هِشَامًا، فَلَمَّا بَلَغَهُ قَالَ: قَدْ خَرِفَ أَبُو الْهَيْثَمِ. وَتَتَابَعَتْ كُتُبُ يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ إِلَى هِشَامٍ يَطْلُبُ مِنْهُ يَزِيدَبْنَ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَأَرْسَلَ هِشَامٌ إِلَى كُلْثُومٍ يَأْمُرُهُ بِإِنْفَاذِ يَزِيدَبْنِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ، فَطَلَبَهُ، فَهَرَبَ، فَاسْتَدْعَى خَالِدًا فَحَضَرَ عِنْدَهُ، فَحَبَسَهُ، فَسَمِعَ هِشَامٌ فَكَتَبَ إِلَى كُلْثُومٍ يَلُومُهُ وَيَأْمُرُهُ بِتَخْلِيَتِهِ، فَأَطْلَقَهُ. وَكَانَ هِشَامٌ إِذَا أَرَادَ أَمْرًا أَمَرَ الْأَبْرَشَ الْكَلْبِيَّ فَكَتَبَ بِهِ إِلَى خَالِدٍ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْأَبْرَشُ: إِنَّهُ بَلَغَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَكَ يَا خَالِدُ إِنِّي لَأُحِبُّكَ لِعَشْرِ خِصَالٍ: إِنَّ اللَّهَ كَرِيمٌ وَأَنْتَ كَرِيمٌ، وَاللَّهُ جَوَادٌ وَأَنْتَ جَوَادٌ، وَاللَّهُ رَحِيمٌ وَأَنْتَ رَحِيمٌ، حَتَّى عَدَّ عَشْرًا، وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يُقْسِمُ بِاللَّهِ لَئِنْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ عِنْدَهُ لَيَقْتُلَنَّكَ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ خَالِدٌ: إِنَّ ذَلِكَ الْمَجْلِسَ كَانَ أَكْثَرَ أَهْلًا مِنْ أَنْ يَجُوزَ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ وَالْفُجُورِ أَنْ يُحَرِّفَ مَا كَانَ فِيهِ، إِنَّمَا قَالَ لِي: يَا خَالِدُ إِنِّي لَأُحِبُّكَ لِعَشْرِ خِصَالٍ: إِنَّ اللَّهَ كَرِيمٌ يُحِبُّ كُلَّ كَرِيمٍ، وَاللَّهُ يُحِبُّكَ فَأَنَا أُحِبُّكَ، حَتَّى عَدَّ عَشْرَ خِصَالٍ. وَلَكِنْ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ قِيَامُ ابْنِ شَقِيٍّ الْحِمْيَرِيِّ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَقَوْلُهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ خَلِيفَتُكَ فِي أَهْلِكَ أَكْرَمُ عَلَيْكَ أَمْ رَسُولُكَ فِي حَاجَتِكَ؟ فَقَالَ: بَلْ خَلِيفَتِي فِي أَهْلِي. فَقَالَ ابْنُ شَقِيٍّ: فَأَنْتَ خَلِيفَةُ اللَّهِ وَمُحَمَّدٌ رَسُولُهُ، وَضَلَالُ رَجُلٍ مِنْ بَجِيلَةَ، يَعْنِي نَفْسَهُ، أَهْوَنُ عَلَى الْعَامَّةِ مِنْ ضَلَالِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَلَمَّا قَرَأَ هِشَامٌ كِتَابَهُ قَالَ: خَرِفَ أَبُو الْهَيْثَمِ!

стр. 2268

فَأَقَامَ خَالِدٌ بِدِمَشْقَ حَتَّى هَلَكَ هِشَامٌ وَقَامَ الْوَلِيدُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْوَلِيدُ: مَا حَالُ الْخَمْسِينَ أَلْفَ أَلْفٍ الَّتِي تَعْلَمُ؟ فَاقْدَمْ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْوَلِيدُ وَهُوَ وَاقِفٌ بِبَابِ السُّرَادِقِ فَقَالَ: يَقُولُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَيْنَ ابْنُكَ يَزِيدُ؟ فَقَالَ: كَانَ هَرَبَ مِنْ هِشَامٍ وَكُنَّا نَرَاهُ عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى اسْتَخْلَفَهُ اللَّهُ، فَلَمَّا لَمْ نَرَهُ ظَنَنَّاهُ بِبِلَادِ قَوْمِهِ مِنَ السَّرَاةِ. وَرَجَعَ الرَّسُولُ وَقَالَ: لَا وَلَكِنَّكَ خَلَّفْتَهُ طَالِبًا لِلْفِتْنَةِ. فَقَالَ: قَدْ عَلِمَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّا أَهْلُ بَيْتِ طَاعَةٍ. فَرَجَعَ الرَّسُولُ فَقَالَ: يَقُولُ لَكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَتَأْتِيَنَّ بِهِ أَوْ لَأُرْهِقَنَّ نَفْسَكَ. فَرَفَعَ خَالِدٌ صَوْتَهُ وَقَالَ: قُلْ لَهُ: هَذَا أَرَدْتُ، وَاللَّهِ لَوْ كَانَ تَحْتَ قَدَمِي مَا رَفَعْتُهَا عَنْهُ. فَأَمَرَ الْوَلِيدُ بِضَرْبِهِ، فَضُرِبَ، فَلَمْ يَتَكَلَّمْ، فَحَبَسَهُ حَتَّى قَدِمَ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ مِنَ الْعِرَاقِ بِالْأَمْوَالِ فَاشْتَرَاهُ مِنَ الْوَلِيدِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ أَلْفٍ، فَأَرْسَلَ الْوَلِيدُ إِلَى خَالِدٍ: إِنَّ يُوسُفَ يَشْتَرِيكَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ أَلْفٍ، فَإِنْ كُنْتَ تَضْمَنُهَا وَإِلَّا دَفَعْتُكَ إِلَيْهِ. فَقَالَ خَالِدٌ: مَا عَهِدْتُ الْعَرَبَ تُبَاعُ، وَاللَّهِ لَوْ سَأَلْتَنِي أَنْ أَضْمَنَ عُودًا مَا ضَمِنْتُهُ. فَدَفَعَهُ إِلَى يُوسُفَ، فَنَزَعَ ثِيَابَهُ وَأَلْبَسَهُ عَبَاءَةً وَحَمَلَهُ فِي مَحْمَلٍ بِغَيْرٍ وَطَاءٍ وَعَذَّبَهُ عَذَابًا شَدِيدًا، وَهُوَ لَا يُكَلِّمُهُ كَلِمَةً، ثُمَّ حَمَلَهُ إِلَى الْكُوفَةِ فَعَذَّبَهُ، ثُمَّ وَضَعَ الْمُضَرَّسَةَ عَلَى صَدْرِهِ فَقَتَلَهُ مِنَ اللَّيْلِ وَدَفَنَهُ مِنْ وَقْتِهِ بِالْحِيرَةِ فِي عَبَاءَتِهِ الَّتِي كَانَ فِيهَا، وَذَلِكَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ. وَقِيلَ: بَلْ أَمَرَ يُوسُفُ فَوُضِعَ عَلَى رِجْلَيْهِ عُودٌ وَقَامَ عَلَيْهِ الرِّجَالُ حَتَّى تَكَسَّرَتْ قَدَمَاهُ وَمَا تَكَلَّمَ وَلَا عَبَسَ. وَكَانَتْ أُمُّ خَالِدٍ نَصْرَانِيَّةً رُومِيَّةً، ابْتَنَى بِهَا أَبُوهُ فِي بَعْضِ أَعْيَادِهِمْ فَأَوْلَدَهَا خَالِدًا وَأَسَدًا وَلَمْ تُسْلِمْ، وَبَنَى لَهَا خَالِدٌ بِيعَةً، فَذَمَّهُ النَّاسُ وَالشُّعَرَاءُ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الْفَرَزْدَقِ: أَلَا قَطَعَ الرَّحْمَنُ ظَهْرَ مَطِيَّةٍ ... أَتَتْنَا تَهَادَى مِنْ دِمَشْقَ بِخَالِدِ فَكَيْفَ يَؤُمُّ النَّاسَ مَنْ كَانَتِ امُّهُ ... تَدِينُ بِأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِوَاحِدِ بَنَى بِيعَةً فِيهَا النَّصَارَى لِأُمِّهِ ... وَيَهْدِمُ مِنْ كُفْرٍ مَنَارَ الْمَسَاجِدِ وَكَانَ خَالِدٌ قَدْ أَمَرَ بِهَدْمِ مَنَارِ الْمَسَاجِدِ لِأَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ شَاعِرًا قَالَ: لَيْتَنِي فِي الْمُؤَذِّنِينَ حَيَاتِي ... أَنَّهُمْ يُبْصِرُونَ مَنْ فِي السُّطُوحِ فَيُشِيرُونَ أَوْ تُشِيرُ إِلَيْهِمْ ... بِالْهَوَى كُلُّ ذَاتِ دَلٍّ مَلِيحِ

стр. 2269

فَلَمَّا سَمِعَ هَذَا الشِّعْرَ أَمَرَ بِهَدْمِهَا، وَلَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ النَّاسَ يَذُمُّونَهُ لِبِنَائِهِ الْبِيعَةَ لِأُمِّهِ قَامَ يَعْتَذِرُ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: لَعَنَ اللَّهُ دِينَهُمْ إِنْ كَانَ شَرًّا مِنْ دِينِكُمْ. وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ خَلِيفَةَ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ أَفْضَلُ مِنْ رَسُولِهِ فِي حَاجَتِهِ، يَعْنِي أَنَّ الْخَلِيفَةَ هِشَامًا أَفْضَلُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ. ذِكْرُ قَتْلِ الْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ النَّاقِصُ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ. وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ خَلَاعَتِهِ وَمَجَانَتِهِ، فَلَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ لَمْ يَزِدْ مِنَ الَّذِي كَانَ فِيهِ مِنَ اللَّهْوِ وَاللَّذَّةِ وَالرُّكُوبِ لِلصَّيْدِ وَشُرْبِ النَّبِيذِ وَمُنَادَمَةِ الْفُسَّاقِ إِلَّا تَمَادِيًا، فَثَقُلَ ذَلِكَ عَلَى رَعِيَّتِهِ وَجُنْدِهِ وَكَرِهُوا أَمْرَهُ، وَكَانَ أَعْظَمُهُ مَا جَنَى عَلَى نَفْسِهِ إِفْسَادَهُ بَنِي عَمَّيْهِ هِشَامٍ وَالْوَلِيدِ، فَإِنَّهُ أَخَذَ سُلَيْمَانَ بْنَ هِشَامٍ، فَضَرَبَهُ مِائَةَ سَوْطٍ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ، وَغَرَّبَهُ إِلَى عَمَّانَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ فَحَبَسَهُ بِهَا، فَلَمْ يَزَلْ مَحْبُوسًا حَتَّى قُتِلَ الْوَلِيدُ، فَأَخَذَ جَارِيَةً كَانَتْ لِآلِ الْوَلِيدِ، فَكَلَّمَهُ عُثْمَانُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي رَدِّهَا، فَقَالَ: لَا أَرُدُّهَا. فَقَالَ: إِذَنْ تَكْثُرُ الصَّوَاهِلُ حَوْلَ عَسْكَرِكَ! وَحَبَسَ الْأَفْقَمُ يَزِيدَ بْنَ هِشَامٍ، وَفَرَّقَ بَيْنَ رَوْحِ بْنِ الْوَلِيدِ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ وَحَبَسَ عِدَّةً مِنْ وَلَدِ الْوَلِيدِ، فَرَمَاهُ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْوَلِيدِ بِالْكُفْرِ وَغِشْيَانِ أُمَّهَاتِ أَوْلَادِ أَبِيهِ وَقَالُوا: قَدِ اتَّخَذَ مِائَةً جَامِعَةً لِبَنِي أُمَيَّةَ. وَكَانَ أَشَدُّهُمْ فِيهِ يَزِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَكَانَ النَّاسُ إِلَى قَوْلِهِ أَمْيَلَ لِأَنَّهُ كَانَ يُظْهِرُ النُّسُكَ وَيَتَوَاضَعُ، وَكَانَ قَدْ نَهَاهُ سَعِيدُ بْنُ بَيْهَسِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنِ الْبَيْعَةِ لِابْنَيْهِ الْحَكَمِ وَعُثْمَانَ لِصِغَرِهِمَا، فَحَبَسَهُ حَتَّى مَاتَ فِي الْحَبْسِ. وَأَرَادَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ عَلَى الْبَيْعَةِ لِابْنَيْهِ فَأَبَى، فَغَضِبَ عَلَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: لَا تَخَافُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: كَيْفَ أُبَايِعُ مَنْ لَا أُصَلِّي خَلْفَهُ وَلَا أَقْبَلُ شَهَادَتَهُ؟ قَالُوا: فَتَقْبَلُ شَهَادَةَ الْوَلِيدِ مَعَ فِسْقِهِ! قَالَ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ غَائِبٌ عَنِّي وَإِنَّمَا هِيَ أَخْبَارُ النَّاسِ. فَفَسَدَتِ الْيَمَانِيَّةُ عَلَيْهِ وَفَسَدَتْ عَلَيْهِ قُضَاعَةُ، وَهُمْ وَالْيَمَنُ أَكْثَرُ جُنْدِ أَهْلِ الشَّامِ، فَأَتَى حُرَيْثٌ وَشَبِيبُ بْنُ أَبِي مَالِكٍ الْغَسَّانِيُّ وَمَنْصُورُ بْنُ جُمْهُورٍ الْكَلْبِيُّ وَابْنُ عَمِّهِ حِبَالُ بْنُ عَمْرٍو وَيَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَحُمَيْدُ بْنُ مَنْصُورٍ اللَّخْمِيُّ وَالْأَصْبَغُ بْنُ ذُؤَالَةَ

стр. 2270

وَالطُّفَيْلُ بْنُ حَارِثَةَ وَالسَّرِيُّ زِيَادٌ إِلَى خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيِّ فَدَفَعُوهُ إِلَى أَمْرِهِمْ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ. وَأَرَادَ الْوَلِيدُ الْحَجَّ فَخَافَ خَالِدٌ أَنْ يَقْتُلُوهُ فِي الطَّرِيقِ فَنَهَاهُ عَنِ الْحَجِّ، فَقَالَ: وَلِمَ؟ فَأَخْبَرَهُ فَحَبَسَهُ وَأَمَرَ أَنْ يُطَالِبَ بِأَمْوَالِ الْعِرَاقِ، ثُمَّ اسْتَقْدَمَ يُوسُفَ بْنَ عُمَرَ مِنِ الْعِرَاقِ وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُحْضِرَ مَعَهُ الْأَمْوَالَ، وَأَرَادَ عَزْلَهُ وَتَوْلِيَةَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ. فَقَدِمَ يُوسُفُ بِأَمْوَالٍ لَمْ يُحْمَلْ مِنَ الْعِرَاقِ مِثْلُهَا، فَلَقِيَهُ حَسَّانُ النَّبَطِيُّ فَأَخْبَرَهُ أَنَّ الْوَلِيدَ يُرِيدُ أَنْ يُوَلِّيَ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مُحَمَّدٍ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْمِلَ الرُّشَى إِلَى وُزَرَائِهِ، فَفَرَّقَ فِيهِمْ خَمْسَمِائَةِ أَلْفٍ، وَقَالَ لَهُ حَسَّانُ: اكْتُبْ عَلَى لِسَانِ خَلِيفَتِكَ بِالْعِرَاقِ كِتَابًا: إِنِّي كَتَبْتُ إِلَيْكَ وَلَا أَمْلِكُ إِلَّا الْقَصْرَ، وَادْخُلْ عَلَى الْوَلِيدِ وَالْكِتَابُ مَعَكَ مَخْتُومٌ وَاشْتَرِ مِنْهُ خَالِدًا، فَفَعَلَ، فَأَمَرَهُ الْوَلِيدُ بِالْعَوْدِ إِلَى الْعِرَاقِ، وَاشْتَرَى مِنْهُ خَالِدًا الْقَسْرِيَّ بِخَمْسِينَ أَلْفَ أَلْفٍ فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ، فَأَخَذَهُ مَعَهُ فِي مَحْمَلٍ بِغَيْرِ وَطَاءٍ إِلَى الْعِرَاقِ. فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْيَمَنِ شِعْرًا عَلَى لِسَانِ الْوَلِيدِ يُحَرِّضُ عَلَيْهِ الْيَمَانِيَّةَ وَقِيلَ: إِنَّهَا لِلْوَلِيدِ يُوَبِّخُ الْيَمَنَ عَلَى تَرْكِ نَصْرِ خَالِدٍ: أَلَمْ تَهْتَجْ فَتَذَّكِرِ الْوِصَالَا ... وَحَبْلًا كَانَ مُتَّصِلًا فَزَالَا بَلَى فَالدَّمْعُ مِنْكَ إِلَى انْسِجَامٍ ... كَمَاءِ الْمُزْنِ يَنْسَجِلُ انْسِجَالًا فَدَعْ عَنْكَ ادِّكَارَكَ آلَ سُعْدَى ... فَنَحْنُ الْأَكْثَرُونَ حَصًى وَمَالَا وَنَحْنُ الْمَالِكُونَ النَّاسَ قَسْرًا ... نَسُومُهُمُ الْمَذَلَّةَ وَالنَّكَالَا وَطْئِنَا الْأَشْعَرَيْنِ بِعِزِّ قَيْسٍ ... فَيَا لَكِ وَطْأَةً لَنْ تُسْتَقَالَا وَهَذَا خَالِدٌ فِينَا أَسِيرٌ ... أَلَا مَنَعُوهُ إِنْ كَانُوا رِجَالًا عَظِيمُهُمُ وَسَيِّدُهُمْ قَدِيمًا ... جَعَلْنَا الْمُخْزِيَاتِ لَهُ ظِلَالَا فَلَوْ كَانَتْ قَبَائِلَ ذَاتَ عِزٍّ ... لَمَا ذَهَبَتْ صَنَائِعُهُ ضَلَالًا

стр. 2271

وَلَا تَرَكُوهُ مَسْلُوبًا أَسِيرًا يُعَالِجُ مِنْ سَلَاسِلِنَا الثِّقَالَا ... وَكِنْدَةُ وَالسَّكُونُ فَمَا اسْتَقَالُوا وَلَا بَرِحَتْ خُيُولُهُمُ الرِّحَالَا ... بِهَا سُمْنَا الْبَرِيَّةَ كُلَّ خَسْفٍ وَهَدَّمْنَا السُّهُولَةَ وَالْجِبَالَا ... وَلَكِنَّ الْوَقَائِعَ ضَعْضَعَتْهُمْ وَجَذَّتْهُمْ وَرَدَّتْهُمْ شِلَالَا ... فَمَا زَالُوا لَنَا أَبَدًا عَبِيدًا نَسُومُهُمُ الْمَذَلَّةَ وَالسَّفَالَا ... فَأَصْبَحْتُ الْغَدَاةَ عَلَيَّ تَاجٌ لِمُلْكِ النَّاسِ مَا يَبْغِي انْتِقَالَا فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَسَعَوْا فِي قَتْلِهِ وَازْدَادُوا حَنَقًا، وَقَالَ حَمْزَةُ بْنُ بِيضٍ فِي الْوَلِيدِ: وَصَلْتَ سَمَاءَ الضُّرِّ بِالضُّرِّ بَعْدَمَا ... زَعَمْتَ سَمَاءَ الضُّرِّ عَنَّا سَتُقْلِعُ فَلَيْتَ هِشَامًا كَانَ حَيًّا يَسُومُنَا ... وَكُنَّا كَمَا كُنَّا نُرَجِّي وَنَطْمَعُ وَقَالَ أَيْضًا: يَا وَلِيدَ الْخَنَا تَرَكْتَ الطَّرِيقَا ... وَاضِحًا وَارْتَكَبْتَ فَجًّا عَمِيقَا وَتَمَادَيْتَ وَاعْتَدَيْتَ وَأَسْرَفْ ... تَ وَأَغْرَيْتَ وَانْبَعَثْتَ فُسُوقَا أَبَدًا هَاتِ ثُمَّ هَاتِ وَهَاتِي ... ثُمَّ هَاتِي حَتَّى تَخِرَّ صَعِيقَا أَنْتَ سَكْرَانُ مَا تُفِيقُ فَمَا تَرْ ... تِقُ فَتْقًا وَقَدْ فَتَقْتَ فُتُوقَا فَأَتَتِ الْيَمَانِيَّةُ يَزِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَأَرَادُوهُ عَلَى الْبَيْعَةِ، فَشَاوَرَ عَمْرَو بْنَ يَزِيدَ الْحَكَمِيَّ، فَقَالَ لَهُ: لَا يُبَايِعُكَ النَّاسُ عَلَى هَذَا، وَشَاوِرْ أَخَاكَ الْعَبَّاسَ فَإِنْ بَايَعَكَ

стр. 2272

لَمْ يُخَالِفْكَ أَحَدٌ، وَإِنْ أَبَى كَانَ النَّاسُ لَهُ أَطْوَعَ، فَإِنْ أَبَيْتَ إِلَّا الْمُضِيَّ عَلَى رَأْيِكَ فَأَظْهِرْ أَنَّ أَخَاكَ الْعَبَّاسَ قَدْ بَايَعَكَ. وَكَانَ الشَّامُ وَبِيًّا، فَخَرَجُوا إِلَى الْبَوَادِي، وَكَانَ الْعَبَّاسُ بِالْقَسْطَلِ وَيَزِيدُ بِالْبَادِيَةِ أَيْضًا بَيْنَهُمَا أَمْيَالٌ يَسِيرَةٌ، فَأَتَى يَزِيدُ أَخَاهُ الْعَبَّاسَ فَاسْتَشَارَهُ، فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ، فَرَجَعَ وَبَايَعَ النَّاسَ سِرًّا وَبَثَّ دُعَاتَهُ، فَدَعَوُا النَّاسَ، ثُمَّ عَاوَدَ أَخَاهُ الْعَبَّاسَ فَاسْتَشَارَهُ وَدَعَاهُ إِلَى نَفْسِهِ، فَزَبَرَهُ وَقَالَ: إِنْ عُدْتَ لِمِثْلِ هَذَا لَأَشُدَّنَّكَ وَثَاقًا وَأَحْمِلَنَّكَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ. فَقَالَ الْعَبَّاسُ: إِنِّي لَأَظُنُّهُ أَشْأَمَ مَوْلُودٍ فِي بَنِي مَرْوَانَ. وَبَلَغَ الْخَبَرُ مَرْوَانَ بْنَ مُحَمَّدٍ بِإِرْمِينِيَّةَ، فَكَتَبَ إِلَى سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ يَأْمُرُهُ أَنْ يَنْهَى النَّاسَ، وَيَكُفَّهُمْ وَيُحَذِّرَهُمُ الْفِتْنَةَ، وَيُخَوِّفَهُمْ خُرُوجَ الْأَمْرِ عَنْهُمْ، فَأَعْظَمَ سَعِيدٌ ذَلِكَ وَبَعَثَ بِالْكِتَابِ إِلَى الْعَبَّاسِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَاسْتَدْعَى الْعَبَّاسُ يَزِيدَ وَتَهَدَّدَهُ، فَكَتَمَهُ يَزِيدُ أَمْرَهُ، فَصَدَّقَهُ، وَقَالَ الْعَبَّاسُ لِأَخِيهِ بِشْرِ بْنِ الْوَلِيدِ: إِنِّي أَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ فِي هَلَاكِكُمْ يَا بَنِي مَرْوَانَ، ثُمَّ تَمَثَّلَ: إِنِّي أُعِيذُكُمْ بِاللَّهِ مِنْ فِتَنٍ ... مِثْلِ الْجِبَالِ تَسَامَى ثُمَّ تَنْدَفِعُ إِنَّ الْبَرِيَّةَ قَدْ مَلَّتْ سِيَاسَتَكُمْ ... فَاسْتَمْسِكُوا بِعَمُودِ الدِّينِ وَارْتَدِعُوا لَا تُلْحِمُنَّ ذِئَابَ النَّاسِ أَنْفُسَكُمْ ... إِنَّ الذِّئَابَ إِذَا مَا أُلْحِمَتْ رَتَعُوا لَا تَبْقَرُنَّ بِأَيْدِيكُمْ بُطُونَكُمُ ... فَثَمَّ لَا حَسْرَةٌ تُغْنِي وَلَا جَزَعُ فَلَمَّا اجْتَمَعَ لِيَزِيدَ أَمْرُهُ وَهُوَ مُتَبَدٍّ أَقْبَلَ إِلَى دِمَشْقَ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ دِمَشْقَ أَرْبَعُ لَيَالٍ، مُتَنَكِّرًا فِي سَبْعَةِ نَفَرٍ عَلَى حَمِيرٍ، فَنَزَلُوا بِجَرُودَ عَلَى مَرْحَلَةٍ مِنْ دِمَشْقَ، ثُمَّ سَارَ فَدَخَلَ دِمَشْقَ وَقَدْ بَايَعَ لَهُ أَكْثَرُ أَهْلِهَا سِرًّا، وَبَايَعَ أَهْلُ الْمِزَّةِ، وَكَانَ عَلَى دِمَشْقَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ، فَخَافَ الْوَبَاءَ فَخَرَجَ مِنْهَا فَنَزَلَ قَطَنَا وَاسْتَخْلَفَ ابْنَهُ عَلَى دِمَشْقَ، وَعَلَى شُرْطَتِهِ أَبُو الْعَاجِ كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السُّلَمِيُّ، فَأَجْمَعَ يَزِيدُ عَلَى الظُّهُورِ، فَقِيلَ لِلْعَامِلِ: إِنَّ يَزِيدَ خَارِجٌ، فَلَمْ يُصَدِّقْ. وَرَاسَلَ يَزِيدُ أَصْحَابَهُ بَعْدَ الْمَغْرِبِ لَيْلَةَ الْجُمْعَةِ، فَكَمَنُوا عِنْدَ بَابِ الْفَرَادِيسِ حَتَّى أُذِّنَ الْعِشَاءُ فَدَخَلُوا فَصَلُّوا، وَلِلْمَسْجِدِ حَرَسٌ قَدْ وُكِّلُوا بِإِخْرَاجِ النَّاسِ مِنْهُ بِاللَّيْلِ، فَلَمَّا صَلَّى النَّاسُ أَخْرَجَهُمُ الْحَرَسُ، وَتَبَاطَأَ أَصْحَابُ يَزِيدَ حَتَّى لَمْ يَبْقَ فِي الْمَسْجِدِ غَيْرُ

стр. 2273

الْحَرَسِ وَأَصْحَابِ يَزِيدَ، فَأَخَذُوا الْحَرَسَ، وَمَضَى يَزِيدُ بْنُ عَنْبَسَةَ إِلَى يَزِيدَ بْنِ الْوَلِيدِ فَأَعْلَمَهُ وَأَخَذَ بِيَدِهِ فَقَالَ: قُمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَبْشِرْ بِنَصْرِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ. فَقَامَ وَأَقْبَلَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ سُوقِ الْحُمُرِ لَقَوْا أَرْبَعِينَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِمْ، وَلَقِيَهُمْ زُهَاءُ مِائَتَيْ رَجُلٍ، فَمَضَوْا إِلَى الْمَسْجِدِ فَدَخَلُوا وَأَخَذُوا بَابَ الْمَقْصُورَةِ فَضَرَبُوهُ فَقَالُوا: رُسُلُ الْوَلِيدِ، فَفَتَحَ لَهُمُ الْبَابَ خَادِمٌ، فَأَخَذُوهُ وَدَخَلُوا فَأَخَذُوا أَبَا الْعَاجِ وَهُوَ سَكْرَانُ، وَأَخَذُوا خُزَّانَ بَيْتِ الْمَالِ، وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ مَنْ كَانَ يَحْذَرُهُ فَأُخِذَ، وَقُبِضَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، وَهُوَ عَلَى بَعْلَبَكَّ، وَأَرْسَلَ بَنِي عُذْرَةَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ فَأَخَذُوهُ. وَكَانَ بِالْمَسْجِدِ سِلَاحٌ كَثِيرٌ فَأَخَذُوهُ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا جَاءَ أَهْلُ الْمِزَّةِ، وَتَتَابَعَ النَّاسُ وَجَاءَتِ السَّكَاسِكُ، وَأَقْبَلَ أَهْلُ دَارَيَّا وَيَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَانِئٍ الْعَبْسِيُّ، وَأَقْبَلَ عِيسَى بْنُ شَبِيبٍ التَّغْلِبِيُّ فِي أَهْلِ دُومَةَ وَحَرَسْتَا، وَأَقْبَلَ حُمَيْدُ بْنُ حَبِيبٍ النَّخَعِيُّ فِي أَهْلِ دَيْرِ مُرَّانَ وَالْأَرْزَةِ وَسَطْرَا، وَأَقْبَلَ أَهْلُ جَرَشٍ وَأَهْلُ الْحَدِيثَةِ وَدَيْرُ زَكَّا، وَأَقْبَلَ رِبْعِيُّ بْنُ هَاشِمٍ الْحَارِثِيُّ فِي الْجَمَاعَةِ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ وَسَلَامَانَ، وَأَقْبَلَتْ جُهَيْنَةُ وَمَنْ وَالَاهُمْ. ثُمَّ وَجَّهَ يَزِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَصَادٍ فِي مِائَتَيْ فَارِسٍ لِيَأْخُذُوا عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ مِنْ قَصْرِهِ، فَأَخَذُوهُ بِأَمَانٍ، وَأَصَابَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ خُرْجَيْنِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَلَاثُونَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقِيلَ لَهُ: خُذْ أَحَدَ هَذَيْنِ الْخُرْجَيْنِ. فَقَالَ: لَا تَتَحَدَّثُ الْعَرَبُ عَنِّي أَنِّي أَوَّلُ مَنْ خَانَ فِي هَذَا الْأَمْرِ. ثُمَّ جَهَّزَ يَزِيدُ جَيْشًا وَسَيَّرَهُمْ إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَجَعَلَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ الْحَجَّاجِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَكَانَ يَزِيدُ لَمَّا ظَهَرَ بِدِمَشْقَ سَارَ مَوْلًى لِلْوَلِيدِ إِلَيْهِ فَأَعْلَمَهُ الْخَبَرَ وَهُوَ بِالْأَغْدَفِ مِنْ عَمَّانَ، فَضَرَبَهُ الْوَلِيدُ وَحَبَسَهُ وَسَيَّرَ أَبَا مُحَمَّدٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ إِلَى دِمَشْقَ، فَسَارَ بَعْضَ الطَّرِيقِ فَأَقَامَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَزِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَصَادٍ، فَسَأَلَهُ أَبُو

стр. 2274

مُحَمَّدٍ ثُمَّ بَايَعَ لِيَزِيدَ بْنِ الْوَلِيدِ. وَلَمَّا أَتَى الْخَبَرُ إِلَى الْوَلِيدِ قَالَ لَهُ يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ: سِرْ حَتَّى تَنْزِلَ حِمْصَ فَإِنَّهَا حَصِينَةٌ، وَوَجِّهِ الْخُيُولَ إِلَى يَزِيدَ فَيُقْتَلُ أَوْ يُؤْسَرُ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَنْبَسَةَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ: مَا يَنْبَغِي لِلْخَلِيفَةِ أَنْ يَدَعَ عَسْكَرَهُ وَنِسَاءَهُ قَبْلَ أَنْ يُقَاتِلَ، وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَيَنْصُرُهُ. فَقَالَ يَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ: وَمَا نَخَافُ عَلَى حُرَمِهِ، وَإِنَّمَا أَتَاهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ وَهُوَ ابْنُ عَمِّهِنَّ. فَأَخَذَ بِقَوْلِ ابْنِ عَنْبَسَةَ وَسَارَ حَتَّى أَتَى الْبَخْرَاءَ قَصْرَ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَسَارَ مَعَهُ مِنْ وَلَدِ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ أَرْبَعُونَ رَجُلًا فَقَالُوا لَهُ: لَيْسَ لَنَا سِلَاحٌ، فَلَوْ أَمَرْتَ لَنَا بِسِلَاحٍ. فَمَا أَعْطَاهُمْ شَيْئًا. وَنَازَلَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَكَتَبَ الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَى الْوَلِيدِ: إِنِّي آتِيكَ. فَقَالَ الْوَلِيدُ: أَخْرِجُوا سَرِيرًا، فَأَخْرَجُوهُ، فَجَلَسَ عَلَيْهِ وَانْتَظَرَ الْعَبَّاسَ. فَقَاتَلَهُمْ عَبْدُ الْعَزِيزِ وَمَعَهُ مَنْصُورُ بْنُ جُمْهُورٍ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ عَبْدُ الْعَزِيزِ زِيَادَ بْنَ حُصَيْنٍ الْكَلْبِيَّ يَدْعُوهُمْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ، فَقَتَلَهُ أَصْحَابُ الْوَلِيدِ، وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَكَانَ الْوَلِيدُ قَدْ أَخْرَجَ لِوَاءَ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ الَّذِي كَانَ عَقَدَهُ بِالْجَابِيَةِ. وَبَلَغَ عَبْدَ الْعَزِيزِ مَسِيرُ الْعَبَّاسِ إِلَى الْوَلِيدِ، فَأَرْسَلَ مَنْصُورَ بْنَ جُمْهُورٍ إِلَى طَرِيقِهِ فَأَخَذَهُ قَهْرًا وَأُتِيَ بِهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ فَقَالَ لَهُ: بَايِعْ لِأَخِيكَ يَزِيدَ. فَبَايَعَ وَوَقَفَ، وَنَصَبُوا رَايَةً وَقَالُوا: هَذِهِ رَايَةُ الْعَبَّاسِ قَدْ بَايَعَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ يَزِيدَ. فَقَالَ الْعَبَّاسُ: إِنَّا لِلَّهِ، خُدْعَةٌ مِنْ خُدَعِ الشَّيْطَانِ، هَلَكَ بَنُو مَرْوَانَ. فَتَفَرَّقَ النَّاسُ عَنِ الْوَلِيدِ وَأَتَوُا الْعَبَّاسَ وَعَبْدَ الْعَزِيزِ. وَأَرْسَلَ الْوَلِيدُ إِلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ يَبْذُلُ لَهُ خَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ وَوِلَايَةَ حِمْصَ مَا بَقِيَ وَيُؤَمِّنُهُ مِنْ كُلِّ حَدَثٍ عَلَى أَنْ يَنْصَرِفَ عَنْ قِتَالِهِ. فَأَبَى وَلَمْ يُجِبْهُ. فَظَاهَرَ الْوَلِيدُ بَيْنَ دِرْعَيْنِ، وَأَتَوْهُ بِفَرَسَيْهِ السِّنْدِيِّ الزَّائِدِ فَقَاتَلَهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا، فَنَادَاهُمْ رَجُلٌ: اقْتُلُوا عَدُوَّ اللَّهِ قِتْلَةَ قَوْمِ لُوطٍ! ارْجُمُوهُ بِالْحِجَارَةِ! فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ دَخَلَ الْقَصْرَ وَأَغْلَقَ عَلَيْهِ الْبَابَ وَقَالَ: دَعُوا لِيَ سُلَيْمَى وَالطِّلَاءَ وَقَيْنَةً ... وَكَأْسًا أَلَا حَسْبِي بِذَلِكَ مَالَا إِذَا مَا صَفَا عَيْشِي بِرَمْلَةِ عَالِجٍ ... وَعَانَقْتُ سَلْمَى مَا أُرِيدُ بِدَالَا

стр. 2275

خُذُوا مُلْكَكُمْ لَا ثَبَّتَ اللَّهُ مُلْكَكُمْ ثَبَاتًا يُسَاوِي مَا حَيِيتُ عِقَالَا ... وَخَلُّوا عِنَانِي قَبْلَ عَيْرٍ وَمَا جَرَى وَلَا تَحْسُدُونِي أَنْ أَمُوتَ هُزَالَا فَلَمَّا دَخَلَ الْقَصْرَ وَأَغْلَقَ الْبَابَ أَحَاطَ بِهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ، فَدَنَا الْوَلِيدُ مِنَ الْبَابِ وَقَالَ: أَمَا فِيكُمْ رَجُلٌ شَرِيفٌ لَهُ حَسَبٌ وَحَيَاءٌ أُكَلِّمُهُ؟ قَالَ يَزِيدُ بْنُ عَنْبَسَةَ السَّكْسَكِيُّ: كَلِّمْنِي. قَالَ: يَا أَخَا السَّكَاسِكِ، أَلَمْ أَزِدْ فِي أَعْطِيَاتِكُمْ؟ أَلَمْ أَرْفَعِ الْمُؤَنَ عَنْكُمْ؟ أَلَمْ أُعْطِ فُقَرَاءَكُمْ؟ أَلَمْ أَخْدِمْ زَمْنَاكُمْ؟ فَقَالَ: إِنَّا مَا نَنْقِمُ عَلَيْكَ فِي أَنْفُسِنَا، إِنَّمَا نَنْقِمُ عَلَيْكَ فِي انْتِهَاكِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَنِكَاحِ أُمَّهَاتِ أَوْلَادِ أَبِيكَ وَاسْتِخْفَافِكَ بِأَمْرِ اللَّهِ! قَالَ: حَسْبُكَ يَا أَخَا السَّكَاسِكِ، فَلَعَمْرِي لَقَدْ أَكْثَرْتُ وَأَغْرَقْتُ، وَإِنَّ فِيمَا أَحَلَّ اللَّهُ سَعَةً عَمَّا ذَكَرْتَ. وَرَجَعَ إِلَى الدَّارِ وَجَلَسَ وَأَخَذَ مُصْحَفًا فَنَشَرَهُ يَقْرَأُ فِيهِ وَقَالَ: يَوْمٌ كَيَوْمِ عُثْمَانَ. فَصَعِدُوا عَلَى الْحَائِطِ، وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ عَلَاهُ يَزِيدُ بْنُ عَنْبَسَةَ، فَنَزَلَ إِلَيْهِ فَأَخْذَ بِيَدِهِ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَحْبِسَهُ وَيُؤَامِرَ فِيهِ، فَنَزَلَ مِنَ الْحَائِطِ عَشَرَةٌ، مِنْهُمْ: مَنْصُورُ بْنُ جُمْهُورٍ، وَعَبْدُ السَّلَامِ اللَّخْمِيُّ، فَضَرَبَهُ عَبْدُ السَّلَامِ عَلَى رَأْسِهِ وَضَرَبَهُ السَّرِيُّ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَبِي كَبْشَةَ فِي وَجْهِهِ وَاحْتَزُّوا رَأْسَهُ وَسَيَّرُوهُ إِلَى يَزِيدَ. فَأَتَاهُ الرَّأْسُ وَهُوَ يَتَغَدَّى، فَسَجَدَ، وَحَكَى لَهُ يَزِيدُ بْنُ عَنْبَسَةَ مَا قَالَهُ لِلْوَلِيدِ، قَالَ آخِرَ كَلَامِهِ: اللَّهُ لَا يَرْتِقُ فَتْقَكُمْ وَلَا يَلُمُّ شَعَثَكُمْ وَلَا تَجْتَمِعُ كَلِمَتُكُمْ، فَأَمَرَ يَزِيدُ بِنَصْبِ رَأْسِهِ. فَقَالَ لَهُ يَزِيدُ بْنُ فَرْوَةَ مَوْلَى بَنِي مُرَّةَ: إِنَّمَا تُنْصَبُ رُءُوسُ الْخَوَارِجِ، وَهَذَا ابْنُ عَمِّكَ وَخَلِيفَةٌ، وَلَا آمَنُ إِنْ نَصَبْتُهُ أَنْ تَرِقَّ لَهُ قُلُوبُ النَّاسِ، وَيَغْضَبَ لَهُ أَهْلُ بَيْتِهِ. فَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ وَنَصَبَهُ عَلَى رُمْحٍ فَطَافَ بِهِ بِدِمَشْقَ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ أَنْ يُدْفَعَ إِلَى أَخِيهِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَزِيدَ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ سُلَيْمَانُ قَالَ: بُعْدًا لَهُ! أَشْهَدُ أَنَّهُ كَانَ شَرُوبًا لِلْخَمْرِ مَاجِنًا فَاسِقًا، وَلَقَدْ أَرَادَنِي فِي نَفَسِي الْفَاسِقُ. وَكَانَ

стр. 2276

سُلَيْمَانُ مِمَّنْ سَعَى فِي أَمْرِهِ. وَكَانَ مَعَ الْوَلِيدِ مَالِكُ بْنُ أَبِي السَّمْحِ الْمُغَنِّي، وَعَمْرٌو الْوَادِيُّ الْمُغَنِّي أَيْضًا، فَلَمَّا تَفَرَّقَ عَنِ الْوَلِيدِ أَصْحَابُهُ وَحُصِرَ قَالَ مَالِكٌ لِعَمْرٍو: اذْهَبْ بِنَا. فَقَالَ عَمْرٌو: لَيْسَ هَذَا مِنَ الْوَفَاءِ، نَحْنُ لَا يُعْرَضُ لَنَا لِأَنَّا لَسْنَا مِمَّنْ يُقَاتِلُ. فَقَالَ مَالِكٌ: وَاللَّهِ لَئِنْ ظَفِرُوا بِكَ وَبِي لَا يُقْتَلُ أَحَدٌ قَبْلِي وَقَبْلَكَ، فَيُوضَعُ رَأْسُهُ بَيْنَ رَأْسَيْنَا وَيُقَالُ لِلنَّاسِ: انْظُرُوا مَنْ كَانَ مَعَهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ، فَلَا يَعِيبُونَهُ بِشَيْءٍ أَشَدَّ مِنْ هَذَا. فَهَرَبَا. وَكَانَ قَتْلُهُ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ، وَكَانَتْ مُدَّةُ خِلَافَتِهِ سَنَةً وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ سَنَةً وَشَهْرَيْنِ وَاثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَكَانَ عُمْرُهُ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: قُتِلَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَقِيلَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَقِيلَ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً. ذِكْرُ نَسَبِ الْوَلِيدِ وَبَعْضِ سِيرَتِهِ هُوَ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ الْأُمَوِيُّ، يُكَنَّى أَبَا الْعَبَّاسِ، وَأُمُّهُ أُمُّ الْحَجَّاجِ بِنْتُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الثَّقَفِيِّ، وَهِيَ بِنْتُ أَخِي الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ، وَأُمُّ أَبِيهِ عَاتِكَةُ بِنْتُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَأُمُّهَا أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ، وَأُمُّ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ أُمُّ حَكِيمٍ الْبَيْضَاءُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلِذَلِكَ يَقُولُ الْوَلِيدُ: نَبِيُّ الْهُدَى خَالِي وَمَنْ يَكُ خَالُهُ ... نَبِيَّ الْهُدَى يُقْهَرْ بِهِ مَنْ يُفَاخِرُهُ وَكَانَ مِنْ فِتْيَانِ بَنِي أُمَيَّةَ وَظُرَفَائِهِمْ وَشُجْعَانِهِمْ وَأَجْوَادِهِمْ وَأَشِدَّائِهِمْ، مُنْهَمِكًا فِي اللَّهْوِ وَالشُّرْبِ وَسَمَاعِ الْغِنَاءِ فَظَهَرَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ فَقُتِلَ. وَمِنْ جَيِّدِ شِعْرِهِ مَا قَالَهُ لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ هِشَامًا يُرِيدُ خَلْعَهُ: كَفَرْتَ يَدًا مِنْ مُنْعِمٍ لَوْ شَكَرْتَهَا ... جَزَاكَ بِهَا الرَّحْمَنُ ذُو الْفَضْلِ وَالْمَنِّ

стр. 2277

وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْأَبْيَاتُ الْأَرْبَعَةُ، وَأَشْعَارُهُ حَسَنَةٌ فِي الْغَزَلِ وَالْعِتَابِ وَوَصْفِ الْخَمْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ أَخَذَ الشُّعَرَاءُ مَعَانِيَهُ فِي وَصْفِ الْخَمْرِ فَسَرَقُوهَا وَأَدْخَلُوهَا فِي أَشْعَارِهِمْ وَخَاصَّةً أَبُو نُوَاسٍ فَإِنَّهُ أَكْثَرُهُمْ أَخْذًا لَهَا. قَالَ الْوَلِيدُ: الْمَحَبَّةُ لِلْغَنَاءِ تَزِيدُ فِي الشَّهْوَةِ، وَتَهْدِمُ الْمُرُوءَةُ، وَتَنُوبُ عَنِ الْخَمْرِ، وَتَفْعَلُ مَا يَفْعَلُ السُّكْرُ، فَإِنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ فَاعِلِينَ فَجَنِّبُوهُ النِّسَاءَ، فَإِنَّ الْغِنَاءَ رُقْيَةُ الزِّنَا، وَإِنِّي لَأَقُولَ ذَلِكَ عَلَيَّ وَإِنَّهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ لَذَّةٍ، وَأَشْهَى إِلَى نَفْسِي مِنَ الْمَاءِ إِلَى ذِي الْغُلَّةِ، وَلَكِنَّ الْحَقَّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ. قِيلَ: إِنَّ يَزِيدَ بْنَ مُنَبِّهٍ مَوْلَى ثَقِيفٍ مَدَحَ الْوَلِيدَ وَهَنَّأَهُ بِالْخِلَافَةِ، فَأَمَرَ أَنْ تُعَدَّ الْأَبْيَاتُ وَيُعْطَى بِكُلِّ بَيْتٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَعُدَّتْ فَكَانَتْ خَمْسِينَ بَيْتًا فَأُعْطِيَ خَمْسِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَهُوَ أَوَّلُ خَلِيفَةٍ عَدَّ الشِّعْرَ وَأَعْطَى بِكُلِّ بَيْتٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ. وَمِمَّا شُهِرَ عَنْهُ أَنَّهُ فَتَحَ الْمُصْحَفَ فَخَرَجَ: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٥] ، فَأَلْقَاهُ وَرَمَاهُ بِالسِّهَامِ وَقَالَ: تُهَدِّدُنِي بِجَبَّارٍ عَنِيدٍ ... فَهَا أَنَا ذَاكَ جَبَّارٌ عَنِيدُ إِذَا مَا جِئْتَ رَبَّكَ يَوْمَ حَشْرٍ ... فَقُلْ يَا رَبِّ مَزَّقَنِي الْوَلِيدُ فَلَمْ يَلْبَثْ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى قُتِلَ. وَمِنْ حَسَنِ الْكَلَامِ مَا قَالَهُ الْوَلِيدُ لَمَّا مَاتَ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَإِنَّ هِشَامًا قَعَدَ

стр. 2278

لِلْعَزَاءِ، فَأَتَاهُ الْوَلِيدُ وَهُوَ نَشْوَانُ يَجُرُّ مُطْرَفَ خَزٍّ عَلَيْهِ، فَوَقَفَ عَلَى هِشَامٍ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ عُقْبَى مَنْ بَقِيَ لُحُوقُ مَنْ مَضَى، وَقَدْ أَقْفَرَ بَعْدَ مَسْلَمَةَ الصَّيْدُ لِمَنْ رَمَى، وَاخْتَلَّ الثَّغْرُ فَهَوَى، وَعَلَى أَثَرِ مَنْ سَلَفَ يَمْضِي مَنْ خَلَفَ، ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] . فَأَعْرَضَ هِشَامٌ وَلَمْ يُحِرْ جَوَابًا، وَسَكَتَ الْقَوْمُ فَلَمْ يَنْطِقُوا. وَقَدْ نَزَّهَ قَوْمٌ الْوَلِيدَ مِمَّا قِيلَ فِيهِ، وَأَنْكَرُوهُ وَنَفَوْهُ عَنْهُ وَقَالُوا: إِنَّهُ قِيلَ عَنْهُ وَأُلْصِقَ بِهِ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ. قَالَ الْمَدَائِنِيُّ: دَخَلَ ابْنٌ لِلْغَمْرِ بْنِ يَزِيدَ أَخِي الْوَلِيدِ عَلَى الرَّشِيدِ، فَقَالَ لَهُ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ قَالَ: مِنْ قُرَيْشٍ. قَالَ: مِنْ أَيِّهَا؟ فَأَمْسَكَ، فَقَالَ: قُلْ وَأَنْتَ آمِنٌ وَلَوْ أَنَّكَ مَرْوَانُ. فَقَالَ: أَنَا ابْنُ الْغَمْرِ بْنِ يَزِيدَ. فَقَالَ: رَحِمَ اللَّهُ عَمَّكَ الْوَلِيدَ وَلَعَنَ يَزِيدَ النَّاقِصَ، فَإِنَّهُ قَتَلَ خَلِيفَةً مُجْمَعًا عَلَيْهِ! ارْفَعْ حَوَائِجَكَ. فَرَفَعَهَا فَقَضَاهَا. وَقَالَ شَبِيبُ بْنُ شَيْبَةَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ الْمَهْدِيِّ فَذَكَرُوا الْوَلِيدَ، فَقَالَ الْمَهْدِيُّ: كَانَ زِنْدِيقًا، فَقَامَ أَبُو عُلَاثَةَ الْفَقِيهُ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ اللَّهَ أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يُوَلِّيَ خِلَافَةَ النُّبُوَّةِ وَأَمْرَ الْأُمَّةِ زِنْدِيقًا، لَقَدْ أَخْبَرَنِي مَنْ كَانَ يَشْهَدُهُ فِي مَلَاعِبِهِ وَشُرْبِهِ عَنْهُ بِمُرُوءَةٍ فِي طَهَارَتِهِ وَصَلَاتِهِ، فَكَانَ إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ يَطْرَحُ الثِّيَابَ الَّتِي عَلَيْهِ الْمَطَايِبُ الْمُصْبَغَةِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ، وَيُؤْتَى بِثِيَابٍ نِظَافٍ بِيضٍ فَيَلْبَسُهَا وَيُصَلِّي فِيهَا، فَإِذَا فَرَغَ عَادَ إِلَى تِلْكَ الثِّيَابِ فَلَبِسَهَا وَاشْتَغَلَ بِشُرْبِهِ وَلَهْوِهِ، فَهَذَا فَعَالُ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ؟ ! فَقَالَ الْمَهْدِيُّ: بَارَكَ اللَّهُ عَلَيْكَ يَا أَبَا عُلَاثَةَ! ذِكْرُ بَيْعَةِ يَزِيدَ بْنِ الْوَلِيدِ النَّاقِصِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بُويِعَ يَزِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ النَّاقِصُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ النَّاقِصُ لِأَنَّهُ نَقَصَ الزِّيَادَةَ الَّتِي كَانَ الْوَلِيدُ زَادَهَا فِي عَطِيَّاتِ النَّاسِ، وَهِيَ عَشَرَةٌ عَشَرَةٌ، وَرَدَّ الْعَطَاءَ إِلَى مَا كَانَ أَيَّامَ هِشَامٍ، وَقِيلَ: أَوَّلُ مَنْ سَمَّاهُ بِهَذَا الِاسْمِ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ. وَلَمَّا قُتِلَ الْوَلِيدُ خَطَبَ يَزِيدُ النَّاسَ فَذَمَّهُ وَذَكَرَ إِلْحَادَهُ، وَأَنَّهُ قَتَلَهُ لِفِعْلِهِ الْخَبِيثِ وَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ لَكُمْ عَلَيَّ أَنْ لَا أَضَعَ حَجَرًا عَلَى حَجَرٍ وَلَا لَبِنَةٍ، وَلَا أَكْتَرِيَ نَهْرًا،

стр. 2279

وَلَا أُكْثِرَ مَالًا، وَلَا أُعْطِيَهِ زَوْجَةً وَوَلَدًا، وَلَا أَنْقُلَ مَالًا عَنْ بَلَدٍ حَتَّى أَسُدَّ ثَغْرَهُ وَخَصَاصَةَ أَهْلِهِ بِمَا يُغْنِيهِمْ، فَمَا فَضَلَ نَقَلْتُهُ إِلَى الْبَلَدِ الَّذِي يَلِيهِ، وَلَا أُجَمِّرَكُمْ فِي ثُغُورِكُمْ فَأَفْتِنَكُمْ، وَلَا أُغْلِقَ بَابِي دُونَكُمْ، وَلَا أَحْمِلَ عَلَى أَهْلِ جِزْيَتِكُمْ، وَلَكُمْ أَعْطِيَاتُكُمْ كُلَّ سَنَةٍ وَأَرْزَاقُكُمْ فِي كُلِّ شَهْرٍ حَتَّى يَكُونَ أَقْصَاكُمْ كَأَدْنَاكُمْ، فَإِنْ وَفَيْتُ لَكُمْ بِمَا قُلْتُ فَعَلَيْكُمُ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ وَحُسْنُ الْوَزَارَةِ، وَإِنْ لَمْ أَفِ فَلَكُمْ أَنْ تَخْلَعُونِي إِلَّا أَنْ أَتُوبَ، وَإِنْ عَلِمْتُمْ أَحَدًا مِمَّنْ يُعْرَفُ بِالصَّلَاحِ يُعْطِيكُمْ مِنْ نَفْسِهِ مِثْلَ مَا أُعْطِيكُمْ وَأَرَدْتُمْ أَنْ تُبَايِعُوهُ فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يُبَايِعُهُ. أَيُّهَا النَّاسُ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ. ذِكْرُ اضْطِرَابِ بَنِي أُمَيَّةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ اضْطَرَبَ أَمْرُ بَنِيَ أُمَيَّةَ وَهَاجَتِ الْفِتْنَةُ، فَكَانَ مِنْ ذَلِكَ وُثُوبُ سُلَيْمَانَ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بَعْدَ قَتْلِ الْوَلِيدِ بِعَمَّانَ، وَكَانَ قَدْ حَبَسَهُ الْوَلِيدُ بِهَا، فَخَرَجَ مِنَ الْحَبْسِ وَأَخَذَ مَا كَانَ بِهَا مِنَ الْأَمْوَالِ وَأَقْبَلَ إِلَى دِمَشْقَ وَجَعَلَ يَلْعَنُ الْوَلِيدَ وَيَعِيبُهُ بِالْكُفْرِ. ذِكْرُ خِلَافِ أَهْلِ حِمْصَ لَمَّا قُتِلَ الْوَلِيدُ أَغْلَقَ أَهْلُ حِمْصَ أَبْوَابَهَا وَأَقَامُوا النَّوَائِحَ وَالْبَوَاكِيَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ لَهُمْ: إِنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَعَانَ عَبْدَ الْعَزِيزِ عَلَى قَتْلِهِ، فَهَدَمُوا دَارَهُ وَأَنْهَبُوهَا وَسَلَبُوا حُرَمَهُ وَطَلَبُوهُ، فَسَارَ إِلَى أَخِيهِ يَزِيدَ، فَكَاتَبُوا الْأَجْنَادَ وَدَعَوْهُمْ إِلَى الطَّلَبِ بِدَمِ الْوَلِيدِ، فَأَجَابُوهُمْ وَاتَّفَقُوا أَنْ لَا يُطِيعُوا يَزِيدَ وَأَمَّرُوا عَلَيْهِمْ مُعَاوِيَةَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ الْحُصَيْنِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَوَافَقَهُمْ مَرْوَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَلَى ذَلِكَ. فَرَاسَلَهُمْ يَزِيدُ فَلَمْ يَسْمَعُوا وَجَرَحُوا رُسُلَهُ. فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ أَخَاهُ مَسْرُورًا فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، فَنَزَلُوا حُوَّارِينَ، ثُمَّ قَدِمَ عَلَى يَزِيدَ سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامٍ، فَرَدَّ عَلَيْهِ يَزِيدُ مَا كَانَ الْوَلِيدُ أَخَذَهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَسَيَّرَهُ إِلَى أَخِيهِ مَسْرُورٍ وَمَنْ مَعَهُ وَأَمَرَهُمْ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لَهُ. وَكَانَ أَهْلُ حِمْصَ يُرِيدُونَ الْمَسِيرَ إِلَى دِمَشْقَ، فَقَالَ لَهُمْ مَرْوَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ: أَرَى أَنْ تَسِيرُوا إِلَى هَذَا الْجَيْشِ فَتُقَاتِلُوهُمْ فَإِنْ ظَفِرْتُمْ بِهِمْ كَانَ مَنْ بَعْدَهُمْ أَهْوَنَ عَلَيْكُمْ، وَلَسْتُ أَرَى الْمَسِيرَ إِلَى دِمَشْقَ وَتَرْكَ هَؤُلَاءِ خَلْفَكُمْ. فَقَالَ السِّمْطُ بْنُ ثَابِتٍ: إِنَّمَا يُرِيدُ

стр. 2280

خِلَافَكُمْ وَهُوَ مُمَايِلٌ لِيَزِيدَ وَالْقَدَرِيَّةِ. فَقَتَلُوهُ وَقَتَلُوا ابْنَهُ وَوَلَّوْا أَبَا مُحَمَّدٍ السُّفْيَانِيَّ وَتَرَكُوا عَسْكَرَ سُلَيْمَانَ ذَاتَ الْيَسَارِ وَسَارُوا إِلَى دِمَشْقَ. فَخَرَجَ سُلَيْمَانُ مُجِدًّا فَلَحِقَهُمْ بِالسُّلَيْمَانِيَّةِ، مَزْرَعَةٌ كَانَتْ لِسُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ خَلْفَ عَذْرَاءَ، وَأَرْسَلَ يَزِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ الْحَجَّاجِ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ إِلَى ثَنِيَّةِ الْعُقَابِ، وَأَرْسَلَ هِشَامَ بْنَ مَصَادٍ فِي أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ إِلَى عُقْبَةِ السُّلَامِيَّةِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُمِدَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَلَحِقَهُمْ سُلَيْمَانُ وَمَنْ مَعَهُ عَلَى تَعَبٍ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَتْ مَيْمَنَةُ سُلَيْمَانَ وَمَيْسَرَتُهُ وَثَبَتَ هُوَ فِي الْقَلْبِ، ثُمَّ حَمَلَ أَصْحَابُهُ عَلَى أَهْلِ حِمْصَ حَتَّى رَدُّوهُمْ إِلَى مَوْضِعِهِمْ وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِرَارًا. فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَقْبَلَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْحَجَّاجِ مِنْ ثَنِيَّةِ الْعُقَابِ فَحَمَلَ عَلَى أَهْلِ حِمْصَ حَتَّى دَخَلَ عَسْكَرَهُمْ وَقَتَلَ فِيهِ مَنْ عَرَضَ لَهُ، فَانْهَزَمُوا، وَنَادَى يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ: اللَّهَ اللَّهَ فِي قَوْمِكَ! فَكَفَّ النَّاسُ، وَدَعَاهُمْ سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامٍ إِلَى بَيْعَةِ يَزِيدَ بْنِ الْوَلِيدِ، وَأُخِذَ أَبُو مُحَمَّدٍ السُّفْيَانِيُّ أَسِيرًا، وَيَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ أَيْضًا، فَأُتِيَ بِهِمَا سُلَيْمَانُ، فَسَيَّرَهُمَا إِلَى يَزِيدَ فَحَبَسَهُمَا، وَاجْتَمَعَ أَمْرُ أَهْلِ دِمَشْقَ لِيَزِيدَ بْنِ الْوَلِيدِ، وَبَايَعَهُ أَهْلُ حِمْصَ، فَأَعْطَاهُمْ يَزِيدُ الْعَطَاءَ وَأَجَازَ الْأَشْرَافَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ يَزِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ مُعَاوِيَةَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ الْحُصَيْنِ. ذِكْرُ خِلَافِ أَهْلِ فِلَسْطِينَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَثَبَ أَهْلُ فِلَسْطِينَ عَلَى عَامِلِهِمْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَطَرَدُوهُ، وَكَانَ قَدِ اسْتَعْمَلَهُ عَلَيْهِمُ الْوَلِيدُ، وَأَحْضَرُوا يَزِيدَ بْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَجَعَلُوهُ عَلَيْهِمْ وَقَالُوا لَهُ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ قُتِلَ فَتَوَلَّ أَمْرَنَا. فَوَلِيَهُمْ وَدَعَا النَّاسَ إِلَى قِتَالِ يَزِيدَ، فَأَجَابُوهُ. وَكَانَ وَلَدُ سُلَيْمَانَ يَنْزِلُونَ فِلَسْطِينَ، وَبَلَغَ أَهْلَ الْأُرْدُنِّ أَمْرُ أَهْلِ فِلَسْطِينَ فَوَلَّوْا عَلَيْهِمْ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ وَاجْتَمَعُوا مَعَهُمْ عَلَى قِتَالِ يَزِيدَ بْنِ الْوَلِيدِ، وَكَانَ أَمْرُ أَهْلِ فِلَسْطِينَ إِلَى سَعِيدِ بْنِ رَوْحٍ وَضِبْعَانَ بْنِ رَوْحٍ. وَبَلَغَ خَبَرُهُمْ يَزِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ سُلَيْمَانَ بْنَ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي أَهْلِ دِمَشْقَ وَأَهْلِ حِمْصَ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ السُّفْيَانِيِّ، وَكَانَتْ عِدَّتُهُمْ أَرْبَعَةً وَثَمَانِينَ أَلْفًا، وَأَرْسَلَ
следующие страницы →