← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

سُلَيْمَانُ مِمَّنْ سَعَى فِي أَمْرِهِ. وَكَانَ مَعَ الْوَلِيدِ مَالِكُ بْنُ أَبِي السَّمْحِ الْمُغَنِّي، وَعَمْرٌو الْوَادِيُّ الْمُغَنِّي أَيْضًا، فَلَمَّا تَفَرَّقَ عَنِ الْوَلِيدِ أَصْحَابُهُ وَحُصِرَ قَالَ مَالِكٌ لِعَمْرٍو: اذْهَبْ بِنَا. فَقَالَ عَمْرٌو: لَيْسَ هَذَا مِنَ الْوَفَاءِ، نَحْنُ لَا يُعْرَضُ لَنَا لِأَنَّا لَسْنَا مِمَّنْ يُقَاتِلُ. فَقَالَ مَالِكٌ: وَاللَّهِ لَئِنْ ظَفِرُوا بِكَ وَبِي لَا يُقْتَلُ أَحَدٌ قَبْلِي وَقَبْلَكَ، فَيُوضَعُ رَأْسُهُ بَيْنَ رَأْسَيْنَا وَيُقَالُ لِلنَّاسِ: انْظُرُوا مَنْ كَانَ مَعَهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ، فَلَا يَعِيبُونَهُ بِشَيْءٍ أَشَدَّ مِنْ هَذَا. فَهَرَبَا. وَكَانَ قَتْلُهُ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ، وَكَانَتْ مُدَّةُ خِلَافَتِهِ سَنَةً وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ سَنَةً وَشَهْرَيْنِ وَاثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَكَانَ عُمْرُهُ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: قُتِلَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَقِيلَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَقِيلَ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً. ذِكْرُ نَسَبِ الْوَلِيدِ وَبَعْضِ سِيرَتِهِ هُوَ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ الْأُمَوِيُّ، يُكَنَّى أَبَا الْعَبَّاسِ، وَأُمُّهُ أُمُّ الْحَجَّاجِ بِنْتُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الثَّقَفِيِّ، وَهِيَ بِنْتُ أَخِي الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ، وَأُمُّ أَبِيهِ عَاتِكَةُ بِنْتُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَأُمُّهَا أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ، وَأُمُّ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ أُمُّ حَكِيمٍ الْبَيْضَاءُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلِذَلِكَ يَقُولُ الْوَلِيدُ: نَبِيُّ الْهُدَى خَالِي وَمَنْ يَكُ خَالُهُ ... نَبِيَّ الْهُدَى يُقْهَرْ بِهِ مَنْ يُفَاخِرُهُ وَكَانَ مِنْ فِتْيَانِ بَنِي أُمَيَّةَ وَظُرَفَائِهِمْ وَشُجْعَانِهِمْ وَأَجْوَادِهِمْ وَأَشِدَّائِهِمْ، مُنْهَمِكًا فِي اللَّهْوِ وَالشُّرْبِ وَسَمَاعِ الْغِنَاءِ فَظَهَرَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ فَقُتِلَ. وَمِنْ جَيِّدِ شِعْرِهِ مَا قَالَهُ لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ هِشَامًا يُرِيدُ خَلْعَهُ: كَفَرْتَ يَدًا مِنْ مُنْعِمٍ لَوْ شَكَرْتَهَا ... جَزَاكَ بِهَا الرَّحْمَنُ ذُو الْفَضْلِ وَالْمَنِّ

стр. 2277

وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْأَبْيَاتُ الْأَرْبَعَةُ، وَأَشْعَارُهُ حَسَنَةٌ فِي الْغَزَلِ وَالْعِتَابِ وَوَصْفِ الْخَمْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ أَخَذَ الشُّعَرَاءُ مَعَانِيَهُ فِي وَصْفِ الْخَمْرِ فَسَرَقُوهَا وَأَدْخَلُوهَا فِي أَشْعَارِهِمْ وَخَاصَّةً أَبُو نُوَاسٍ فَإِنَّهُ أَكْثَرُهُمْ أَخْذًا لَهَا. قَالَ الْوَلِيدُ: الْمَحَبَّةُ لِلْغَنَاءِ تَزِيدُ فِي الشَّهْوَةِ، وَتَهْدِمُ الْمُرُوءَةُ، وَتَنُوبُ عَنِ الْخَمْرِ، وَتَفْعَلُ مَا يَفْعَلُ السُّكْرُ، فَإِنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ فَاعِلِينَ فَجَنِّبُوهُ النِّسَاءَ، فَإِنَّ الْغِنَاءَ رُقْيَةُ الزِّنَا، وَإِنِّي لَأَقُولَ ذَلِكَ عَلَيَّ وَإِنَّهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ لَذَّةٍ، وَأَشْهَى إِلَى نَفْسِي مِنَ الْمَاءِ إِلَى ذِي الْغُلَّةِ، وَلَكِنَّ الْحَقَّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ. قِيلَ: إِنَّ يَزِيدَ بْنَ مُنَبِّهٍ مَوْلَى ثَقِيفٍ مَدَحَ الْوَلِيدَ وَهَنَّأَهُ بِالْخِلَافَةِ، فَأَمَرَ أَنْ تُعَدَّ الْأَبْيَاتُ وَيُعْطَى بِكُلِّ بَيْتٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَعُدَّتْ فَكَانَتْ خَمْسِينَ بَيْتًا فَأُعْطِيَ خَمْسِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَهُوَ أَوَّلُ خَلِيفَةٍ عَدَّ الشِّعْرَ وَأَعْطَى بِكُلِّ بَيْتٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ. وَمِمَّا شُهِرَ عَنْهُ أَنَّهُ فَتَحَ الْمُصْحَفَ فَخَرَجَ: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٥] ، فَأَلْقَاهُ وَرَمَاهُ بِالسِّهَامِ وَقَالَ: تُهَدِّدُنِي بِجَبَّارٍ عَنِيدٍ ... فَهَا أَنَا ذَاكَ جَبَّارٌ عَنِيدُ إِذَا مَا جِئْتَ رَبَّكَ يَوْمَ حَشْرٍ ... فَقُلْ يَا رَبِّ مَزَّقَنِي الْوَلِيدُ فَلَمْ يَلْبَثْ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى قُتِلَ. وَمِنْ حَسَنِ الْكَلَامِ مَا قَالَهُ الْوَلِيدُ لَمَّا مَاتَ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَإِنَّ هِشَامًا قَعَدَ

стр. 2278

لِلْعَزَاءِ، فَأَتَاهُ الْوَلِيدُ وَهُوَ نَشْوَانُ يَجُرُّ مُطْرَفَ خَزٍّ عَلَيْهِ، فَوَقَفَ عَلَى هِشَامٍ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ عُقْبَى مَنْ بَقِيَ لُحُوقُ مَنْ مَضَى، وَقَدْ أَقْفَرَ بَعْدَ مَسْلَمَةَ الصَّيْدُ لِمَنْ رَمَى، وَاخْتَلَّ الثَّغْرُ فَهَوَى، وَعَلَى أَثَرِ مَنْ سَلَفَ يَمْضِي مَنْ خَلَفَ، ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] . فَأَعْرَضَ هِشَامٌ وَلَمْ يُحِرْ جَوَابًا، وَسَكَتَ الْقَوْمُ فَلَمْ يَنْطِقُوا. وَقَدْ نَزَّهَ قَوْمٌ الْوَلِيدَ مِمَّا قِيلَ فِيهِ، وَأَنْكَرُوهُ وَنَفَوْهُ عَنْهُ وَقَالُوا: إِنَّهُ قِيلَ عَنْهُ وَأُلْصِقَ بِهِ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ. قَالَ الْمَدَائِنِيُّ: دَخَلَ ابْنٌ لِلْغَمْرِ بْنِ يَزِيدَ أَخِي الْوَلِيدِ عَلَى الرَّشِيدِ، فَقَالَ لَهُ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ قَالَ: مِنْ قُرَيْشٍ. قَالَ: مِنْ أَيِّهَا؟ فَأَمْسَكَ، فَقَالَ: قُلْ وَأَنْتَ آمِنٌ وَلَوْ أَنَّكَ مَرْوَانُ. فَقَالَ: أَنَا ابْنُ الْغَمْرِ بْنِ يَزِيدَ. فَقَالَ: رَحِمَ اللَّهُ عَمَّكَ الْوَلِيدَ وَلَعَنَ يَزِيدَ النَّاقِصَ، فَإِنَّهُ قَتَلَ خَلِيفَةً مُجْمَعًا عَلَيْهِ! ارْفَعْ حَوَائِجَكَ. فَرَفَعَهَا فَقَضَاهَا. وَقَالَ شَبِيبُ بْنُ شَيْبَةَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ الْمَهْدِيِّ فَذَكَرُوا الْوَلِيدَ، فَقَالَ الْمَهْدِيُّ: كَانَ زِنْدِيقًا، فَقَامَ أَبُو عُلَاثَةَ الْفَقِيهُ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ اللَّهَ أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يُوَلِّيَ خِلَافَةَ النُّبُوَّةِ وَأَمْرَ الْأُمَّةِ زِنْدِيقًا، لَقَدْ أَخْبَرَنِي مَنْ كَانَ يَشْهَدُهُ فِي مَلَاعِبِهِ وَشُرْبِهِ عَنْهُ بِمُرُوءَةٍ فِي طَهَارَتِهِ وَصَلَاتِهِ، فَكَانَ إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ يَطْرَحُ الثِّيَابَ الَّتِي عَلَيْهِ الْمَطَايِبُ الْمُصْبَغَةِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ، وَيُؤْتَى بِثِيَابٍ نِظَافٍ بِيضٍ فَيَلْبَسُهَا وَيُصَلِّي فِيهَا، فَإِذَا فَرَغَ عَادَ إِلَى تِلْكَ الثِّيَابِ فَلَبِسَهَا وَاشْتَغَلَ بِشُرْبِهِ وَلَهْوِهِ، فَهَذَا فَعَالُ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ؟ ! فَقَالَ الْمَهْدِيُّ: بَارَكَ اللَّهُ عَلَيْكَ يَا أَبَا عُلَاثَةَ! ذِكْرُ بَيْعَةِ يَزِيدَ بْنِ الْوَلِيدِ النَّاقِصِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بُويِعَ يَزِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ النَّاقِصُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ النَّاقِصُ لِأَنَّهُ نَقَصَ الزِّيَادَةَ الَّتِي كَانَ الْوَلِيدُ زَادَهَا فِي عَطِيَّاتِ النَّاسِ، وَهِيَ عَشَرَةٌ عَشَرَةٌ، وَرَدَّ الْعَطَاءَ إِلَى مَا كَانَ أَيَّامَ هِشَامٍ، وَقِيلَ: أَوَّلُ مَنْ سَمَّاهُ بِهَذَا الِاسْمِ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ. وَلَمَّا قُتِلَ الْوَلِيدُ خَطَبَ يَزِيدُ النَّاسَ فَذَمَّهُ وَذَكَرَ إِلْحَادَهُ، وَأَنَّهُ قَتَلَهُ لِفِعْلِهِ الْخَبِيثِ وَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ لَكُمْ عَلَيَّ أَنْ لَا أَضَعَ حَجَرًا عَلَى حَجَرٍ وَلَا لَبِنَةٍ، وَلَا أَكْتَرِيَ نَهْرًا،

стр. 2279

وَلَا أُكْثِرَ مَالًا، وَلَا أُعْطِيَهِ زَوْجَةً وَوَلَدًا، وَلَا أَنْقُلَ مَالًا عَنْ بَلَدٍ حَتَّى أَسُدَّ ثَغْرَهُ وَخَصَاصَةَ أَهْلِهِ بِمَا يُغْنِيهِمْ، فَمَا فَضَلَ نَقَلْتُهُ إِلَى الْبَلَدِ الَّذِي يَلِيهِ، وَلَا أُجَمِّرَكُمْ فِي ثُغُورِكُمْ فَأَفْتِنَكُمْ، وَلَا أُغْلِقَ بَابِي دُونَكُمْ، وَلَا أَحْمِلَ عَلَى أَهْلِ جِزْيَتِكُمْ، وَلَكُمْ أَعْطِيَاتُكُمْ كُلَّ سَنَةٍ وَأَرْزَاقُكُمْ فِي كُلِّ شَهْرٍ حَتَّى يَكُونَ أَقْصَاكُمْ كَأَدْنَاكُمْ، فَإِنْ وَفَيْتُ لَكُمْ بِمَا قُلْتُ فَعَلَيْكُمُ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ وَحُسْنُ الْوَزَارَةِ، وَإِنْ لَمْ أَفِ فَلَكُمْ أَنْ تَخْلَعُونِي إِلَّا أَنْ أَتُوبَ، وَإِنْ عَلِمْتُمْ أَحَدًا مِمَّنْ يُعْرَفُ بِالصَّلَاحِ يُعْطِيكُمْ مِنْ نَفْسِهِ مِثْلَ مَا أُعْطِيكُمْ وَأَرَدْتُمْ أَنْ تُبَايِعُوهُ فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يُبَايِعُهُ. أَيُّهَا النَّاسُ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ. ذِكْرُ اضْطِرَابِ بَنِي أُمَيَّةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ اضْطَرَبَ أَمْرُ بَنِيَ أُمَيَّةَ وَهَاجَتِ الْفِتْنَةُ، فَكَانَ مِنْ ذَلِكَ وُثُوبُ سُلَيْمَانَ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بَعْدَ قَتْلِ الْوَلِيدِ بِعَمَّانَ، وَكَانَ قَدْ حَبَسَهُ الْوَلِيدُ بِهَا، فَخَرَجَ مِنَ الْحَبْسِ وَأَخَذَ مَا كَانَ بِهَا مِنَ الْأَمْوَالِ وَأَقْبَلَ إِلَى دِمَشْقَ وَجَعَلَ يَلْعَنُ الْوَلِيدَ وَيَعِيبُهُ بِالْكُفْرِ. ذِكْرُ خِلَافِ أَهْلِ حِمْصَ لَمَّا قُتِلَ الْوَلِيدُ أَغْلَقَ أَهْلُ حِمْصَ أَبْوَابَهَا وَأَقَامُوا النَّوَائِحَ وَالْبَوَاكِيَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ لَهُمْ: إِنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَعَانَ عَبْدَ الْعَزِيزِ عَلَى قَتْلِهِ، فَهَدَمُوا دَارَهُ وَأَنْهَبُوهَا وَسَلَبُوا حُرَمَهُ وَطَلَبُوهُ، فَسَارَ إِلَى أَخِيهِ يَزِيدَ، فَكَاتَبُوا الْأَجْنَادَ وَدَعَوْهُمْ إِلَى الطَّلَبِ بِدَمِ الْوَلِيدِ، فَأَجَابُوهُمْ وَاتَّفَقُوا أَنْ لَا يُطِيعُوا يَزِيدَ وَأَمَّرُوا عَلَيْهِمْ مُعَاوِيَةَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ الْحُصَيْنِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَوَافَقَهُمْ مَرْوَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَلَى ذَلِكَ. فَرَاسَلَهُمْ يَزِيدُ فَلَمْ يَسْمَعُوا وَجَرَحُوا رُسُلَهُ. فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ أَخَاهُ مَسْرُورًا فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، فَنَزَلُوا حُوَّارِينَ، ثُمَّ قَدِمَ عَلَى يَزِيدَ سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامٍ، فَرَدَّ عَلَيْهِ يَزِيدُ مَا كَانَ الْوَلِيدُ أَخَذَهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَسَيَّرَهُ إِلَى أَخِيهِ مَسْرُورٍ وَمَنْ مَعَهُ وَأَمَرَهُمْ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لَهُ. وَكَانَ أَهْلُ حِمْصَ يُرِيدُونَ الْمَسِيرَ إِلَى دِمَشْقَ، فَقَالَ لَهُمْ مَرْوَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ: أَرَى أَنْ تَسِيرُوا إِلَى هَذَا الْجَيْشِ فَتُقَاتِلُوهُمْ فَإِنْ ظَفِرْتُمْ بِهِمْ كَانَ مَنْ بَعْدَهُمْ أَهْوَنَ عَلَيْكُمْ، وَلَسْتُ أَرَى الْمَسِيرَ إِلَى دِمَشْقَ وَتَرْكَ هَؤُلَاءِ خَلْفَكُمْ. فَقَالَ السِّمْطُ بْنُ ثَابِتٍ: إِنَّمَا يُرِيدُ

стр. 2280

خِلَافَكُمْ وَهُوَ مُمَايِلٌ لِيَزِيدَ وَالْقَدَرِيَّةِ. فَقَتَلُوهُ وَقَتَلُوا ابْنَهُ وَوَلَّوْا أَبَا مُحَمَّدٍ السُّفْيَانِيَّ وَتَرَكُوا عَسْكَرَ سُلَيْمَانَ ذَاتَ الْيَسَارِ وَسَارُوا إِلَى دِمَشْقَ. فَخَرَجَ سُلَيْمَانُ مُجِدًّا فَلَحِقَهُمْ بِالسُّلَيْمَانِيَّةِ، مَزْرَعَةٌ كَانَتْ لِسُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ خَلْفَ عَذْرَاءَ، وَأَرْسَلَ يَزِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ الْحَجَّاجِ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ إِلَى ثَنِيَّةِ الْعُقَابِ، وَأَرْسَلَ هِشَامَ بْنَ مَصَادٍ فِي أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ إِلَى عُقْبَةِ السُّلَامِيَّةِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُمِدَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَلَحِقَهُمْ سُلَيْمَانُ وَمَنْ مَعَهُ عَلَى تَعَبٍ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَتْ مَيْمَنَةُ سُلَيْمَانَ وَمَيْسَرَتُهُ وَثَبَتَ هُوَ فِي الْقَلْبِ، ثُمَّ حَمَلَ أَصْحَابُهُ عَلَى أَهْلِ حِمْصَ حَتَّى رَدُّوهُمْ إِلَى مَوْضِعِهِمْ وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِرَارًا. فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَقْبَلَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْحَجَّاجِ مِنْ ثَنِيَّةِ الْعُقَابِ فَحَمَلَ عَلَى أَهْلِ حِمْصَ حَتَّى دَخَلَ عَسْكَرَهُمْ وَقَتَلَ فِيهِ مَنْ عَرَضَ لَهُ، فَانْهَزَمُوا، وَنَادَى يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ: اللَّهَ اللَّهَ فِي قَوْمِكَ! فَكَفَّ النَّاسُ، وَدَعَاهُمْ سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامٍ إِلَى بَيْعَةِ يَزِيدَ بْنِ الْوَلِيدِ، وَأُخِذَ أَبُو مُحَمَّدٍ السُّفْيَانِيُّ أَسِيرًا، وَيَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ أَيْضًا، فَأُتِيَ بِهِمَا سُلَيْمَانُ، فَسَيَّرَهُمَا إِلَى يَزِيدَ فَحَبَسَهُمَا، وَاجْتَمَعَ أَمْرُ أَهْلِ دِمَشْقَ لِيَزِيدَ بْنِ الْوَلِيدِ، وَبَايَعَهُ أَهْلُ حِمْصَ، فَأَعْطَاهُمْ يَزِيدُ الْعَطَاءَ وَأَجَازَ الْأَشْرَافَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ يَزِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ مُعَاوِيَةَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ الْحُصَيْنِ. ذِكْرُ خِلَافِ أَهْلِ فِلَسْطِينَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَثَبَ أَهْلُ فِلَسْطِينَ عَلَى عَامِلِهِمْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَطَرَدُوهُ، وَكَانَ قَدِ اسْتَعْمَلَهُ عَلَيْهِمُ الْوَلِيدُ، وَأَحْضَرُوا يَزِيدَ بْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَجَعَلُوهُ عَلَيْهِمْ وَقَالُوا لَهُ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ قُتِلَ فَتَوَلَّ أَمْرَنَا. فَوَلِيَهُمْ وَدَعَا النَّاسَ إِلَى قِتَالِ يَزِيدَ، فَأَجَابُوهُ. وَكَانَ وَلَدُ سُلَيْمَانَ يَنْزِلُونَ فِلَسْطِينَ، وَبَلَغَ أَهْلَ الْأُرْدُنِّ أَمْرُ أَهْلِ فِلَسْطِينَ فَوَلَّوْا عَلَيْهِمْ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ وَاجْتَمَعُوا مَعَهُمْ عَلَى قِتَالِ يَزِيدَ بْنِ الْوَلِيدِ، وَكَانَ أَمْرُ أَهْلِ فِلَسْطِينَ إِلَى سَعِيدِ بْنِ رَوْحٍ وَضِبْعَانَ بْنِ رَوْحٍ. وَبَلَغَ خَبَرُهُمْ يَزِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ سُلَيْمَانَ بْنَ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي أَهْلِ دِمَشْقَ وَأَهْلِ حِمْصَ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ السُّفْيَانِيِّ، وَكَانَتْ عِدَّتُهُمْ أَرْبَعَةً وَثَمَانِينَ أَلْفًا، وَأَرْسَلَ

стр. 2281

يَزِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ إِلَى سَعِيدٍ وَضِبْعَانَ ابْنَيْ رَوْحٍ، فَوَعَدَهُمَا وَبَذَلَ لَهُمَا الْوِلَايَةَ وَالْمَالَ، فَرَحَلَا فِي أَهْلِ فِلَسْطِينَ وَبَقِيَ أَهْلُ الْأُرْدُنِّ، فَأَرْسَلَ سُلَيْمَانُ خَمْسَةَ آلَافٍ فَنَهَبُوا الْقُرَى وَسَارُوا إِلَى طَبَرِيَّةَ، فَقَالَ أَهْلُ طَبَرِيَّةَ: مَا نُقِيمُ وَالْجُنُودُ تَجُوسُ مَنَازِلَنَا وَتَحْكُمُ فِي أَهَالِينَا، فَانْتَهَبُوا يَزِيدَ بْنَ سُلَيْمَانَ وَمُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ وَأَخَذُوا دَوَابَّهُمَا وَسِلَاحَهُمَا وَلَحِقُوا بِمَنَازِلِهِمْ. فَلَمَّا تَفَرَّقَ أَهْلُ فِلَسْطِينَ وَالْأُرْدُنِّ سَارَ سُلَيْمَانُ حَتَّى أَتَى الصِّنَّبْرَةَ، وَأَتَاهُ أَهْلُ الْأُرْدُنِّ فَبَايَعُوا يَزِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَسَارَ إِلَى طَبَرِيَّةَ فَصَلَّى بِهِمُ الْجُمْعَةَ، وَبَايَعَ مَنْ بِهَا، وَسَارَ إِلَى الرَّمْلَةِ فَأَخَذَ الْبَيْعَةَ عَلَى مَنْ بِهَا، وَاسْتَعْمَلَ ضِبْعَانَ بْنَ رَوْحٍ عَلَى فِلَسْطِينَ وَإِبْرَاهِيمَ بْنَ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَلَى الْأُرْدُنِّ. ذِكْرُ عَزْلِ يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ عَنِ الْعِرَاقِ وَلَمَّا قُتِلَ الْوَلِيدُ اسْتَعْمَلَ يَزِيدُ عَلَى الْعِرَاقِ مَنْصُورَ بْنَ جُمْهُورٍ، وَكَانَ قَدْ نَدَبَ قَبْلَهُ إِلَى وِلَايَةِ الْعِرَاقِ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ هَارُونَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيَّ، فَقَالَ: لَوْ كَانَ مَعِي جُنْدٌ لَقَبِلْتُ. فَتَرَكَهُ وَاسْتَعْمَلَ مَنْصُورًا، وَلَمْ يَكُنْ مَنْصُورٌ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ، وَإِنَّمَا صَارَ مَعَ يَزِيدَ لِرَأْيِهِ فِي الْغَيْلَانِيَّةِ، وَحَمِيَّةً لِقَتْلِ يُوسُفَ خَالِدًا الْقَسْرِيَّ، فَشَهِدَ لِذَلِكَ قَتْلَ الْوَلِيدِ، وَقَالَ لَهُ لَمَّا وَلَّاهُ الْعِرَاقَ: اتَّقِ اللَّهَ وَاعْلَمْ أَنِّي إِنَّمَا قَتَلْتُ الْوَلِيدَ لِفِسْقِهِ وَلِمَا أَظْهَرَ مِنَ الْجَوْرِ، فَلَا تَرْكَبْ مِثْلَ مَا قَتَلْنَاهُ عَلَيْهِ. وَلَمَّا بَلَغَ يُوسُفَ بْنَ عُمَرَ قَتْلُ الْوَلِيدِ عَمَدَ إِلَى مَنْ بِحَضْرَتِهِ مِنَ الْيَمَانِيَّةِ فَسَجَنَهُمْ، ثُمَّ جَعَلَ يَخْلُو بِالرَّجُلِ بَعْدَ الرَّجُلِ مِنَ الْمُضَرِيَّةِ فَيَقُولُ: مَا عِنْدَكَ إِنِ اضْطَرَبَ الْحَبْلُ؟ فَيَقُولُ الْمُضَرِيُّ: أَنَا رَجُلٌ مَنْ أَهْلِ الشَّامِ أُبَايِعُ مَنْ بَايَعُوا وَأَفْعَلُ مَا فَعَلُوا. فَلَمْ يَرَ عِنْدَهُمْ مَا يُحِبُّ فَأَطْلَقَ الْيَمَانِيَّةَ. وَأَقْبَلَ مَنْصُورٌ، فَلَمَّا كَانَ بِعَيْنِ التَّمْرِ كَتَبَ إِلَى مَنْ بِالْحِيرَةِ مِنْ قُوَّادِ أَهْلِ الشَّامِ يُخْبِرُهُمْ بِقَتْلِ الْوَلِيدِ وَتَأْمِيرِهِ عَلَى الْعِرَاقِ وَيَأْمُرُهُمْ بِأَخْذِ يُوسُفَ وَعُمَّالِهِ، وَبَعَثَ الْكُتُبَ كُلَّهَا إِلَى سُلَيْمَانَ بْنِ سُلَيْمِ بْنِ كَيْسَانَ لِيُفَرِّقَهَا عَلَى الْقُوَّادِ، فَحَبَسَ الْكُتُبَ وَحَمَلَ كِتَابَهُ فَأَقْرَأَهُ يُوسُفَ بْنَ عُمَرَ، فَتَحَيَّرَ فِي أَمْرِهِ وَقَالَ لِسُلَيْمَانَ: مَا الرَّأْيُ؟ قَالَ: لَيْسَ لَكَ إِمَامٌ تُقَاتِلُ مَعَهُ، وَلَا يُقَاتِلُ أَهْلُ الشَّامِ مَعَكَ، وَلَا آمَنُ عَلَيْكَ مَنْصُورًا، وَمَا الرَّأْيُ إِلَّا أَنْ تَلْحَقَ بِشَامِكَ. قَالَ: فَكَيْفَ الْحِيلَةُ؟ قَالَ: تُظْهِرُ الطَّاعَةَ لِيَزِيدَ وَتَدْعُو لَهُ فِي خُطْبَتِكَ، فَإِذَا قَرُبَ مَنْصُورٌ تَسْتَخْفِي عِنْدِي وَتَدَعُهُ وَالْعَمَلَ. ثُمَّ مَضَى سُلَيْمَانُ إِلَى عَمْرِو بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ فَأَخْبَرَهُ بِأَمْرِهِ وَسَأَلَهُ أَنْ يُئْوِيَ يُوسُفَ بْنَ عُمَرَ عِنْدَهُ، فَفَعَلَ، فَانْتَقَلَ

стр. 2282

يُوسُفُ إِلَيْهِ، قَالَ: فَلَمْ يُرَ رَجُلٌ كَانَ [لَهُ] مِثْلُ عُتُوِّهِ خَافَ خَوْفَهُ. وَقَدِمَ مَنْصُورٌ الْكُوفَةَ فَخَطَبَهُمْ وَذَمَّ الْوَلِيدَ وَيُوسُفَ، وَقَامَتِ الْخُطَبَاءُ فَذَمُّوهُمَا مَعَهُ، فَأَتَى عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ إِلَى يُوسُفَ فَأَخْبَرَهُ، فَجَعَلَ لَا يَذْكُرُ رَجُلًا مِمَّنْ ذَكَرَهُ بِسُوءٍ إِلَّا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَضْرِبَهُ كَذَا وَكَذَا سَوْطًا! فَجَعَلَ عَمْرٌو يَتَعَجَّبُ مِنْ طَمَعِهِ فِي الْوِلَايَةِ وَتَهَدَّدَهُ النَّاسُ. وَسَارَ يُوسُفُ مِنَ الْكُوفَةِ سِرًّا إِلَى الشَّامِ فَنَزَلَ الْبَلْقَاءَ، فَلَمَّا بَلَغَ خَبَرُهُ يَزِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَجَّهَ إِلَيْهِ خَمْسِينَ فَارِسًا، فَعَرَضَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي نُمَيْرٍ لِيُوسُفَ فَقَالَ: يَابْنَ عُمَرَ وَاللَّهِ مَقْتُولٌ فَأَطِعْنِي وَامْتَنِعْ. قَالَ: لَا. قَالَ: فَدَعْنِي أَقْتُلْكَ أَنَا، وَلَا تَقْتُلْكَ هَذِهِ الْيَمَانِيَّةُ فَتَغِيظَنَا فِي قَتْلِكَ. قَالَ: مَا لِي فِيمَا عَرَضْتَ جَنَانٌ. قَالَ: فَأَنْتَ أَعْلَمُ. فَطَلَبَهُ الْمُسَيَّرُونَ لِأَخْذِهِ فَلَمْ يَرَوْهُ، فَهَدَّدُوا ابْنًا لَهُ، فَقَالَ: إِنِّهُ انْطَلَقَ إِلَى مَزْرَعَةٍ لَهُ، فَسَارُوا فِي طَلَبِهِ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِهِمْ هَرَبَ وَتَرَكَ نَعْلَيْهِ، فَفَتَّشُوا عَنْهُ فَوَجَدُوهُ بَيْنَ نِسْوَةٍ قَدْ أَلْقَيْنَ عَلَيْهِ قَطِيفَةَ خَزٍّ، وَجَلَسْنَ عَلَى حَوَاشِيهَا حَاسِرَاتٍ، فَجَرُّوا بِرِجْلِهِ وَأَخَذُوهُ وَأَقْبَلُوا بِهِ إِلَى يَزِيدَ، فَوَثَبَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْحَرَسِ فَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ وَنَتَفَ بَعْضَهَا، وَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ لِحْيَةً وَأَصْغَرِهِمْ قَامَةً، فَلَمَّا أُدْخِلَ عَلَى يَزِيدَ قَبَضَ عَلَى لِحْيَةِ نَفْسِهِ، وَهِيَ إِلَى سُرَّتِهِ، فَجَعَلَ يَقُولُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ نَتَفَ وَاللَّهِ لِحْيَتِي فَمَا أَبْقَى فِيهَا شَعْرَةً! فَأَمَرَ بِهِ فَحُبِسَ بِالْخَضْرَاءِ، فَأَتَاهُ إِنْسَانٌ فَقَالَ لَهُ: أَمَا تَخَافُ أَنْ يَطْلَعَ عَلَيْكَ بَعْضُ مَنْ قَدْ وَتَرْتَ فَيُلْقِي عَلَيْكَ حَجَرًا فَيَقْتُلُكَ؟ فَقَالَ: مَا فَطِنْتُ لِهَذَا. فَأَرْسَلَ إِلَى يَزِيدَ يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يُحَوَّلَ إِلَى حَبْسٍ غَيْرِ الْخَضْرَاءِ وَإِنْ كَانَ أَضْيَقَ مِنْهُ. فَعَجِبَ مِنْ حُمْقِهِ، فَنَقَلَهُ وَحَبَسَهُ مَعَ ابْنَيِ الْوَلِيدِ، فَبَقِيَ فِي الْحَبْسِ وِلَايَةَ يَزِيدَ وَشَهْرَيْنِ وَعَشَرَةَ أَيَّامٍ مِنْ وِلَايَةِ إِبْرَاهِيمَ، فَلَمَّا قَرُبَ مَرْوَانُ مِنْ دِمَشْقَ وَلَّى قَتْلَهُمْ يَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ الْقَسْرِيُّ مَوْلًى لِأَبِيهِ خَالِدٍ يُقَالُ لَهُ أَبُو الْأَسَدِ. وَدَخَلَ مَنْصُورُ بْنُ جُمْهُورٍ لِأَيَّامٍ خَلَتْ مِنْ رَجَبٍ، فَأَخَذَ بُيُوتَ الْأَمْوَالِ وَأَخْرَجَ الْعَطَاءَ وَالْأَرْزَاقَ وَأَطْلَقَ مَنْ كَانَ فِي السُّجُونِ مِنَ الْعُمَّالِ وَأَهْلِ الْخَرَاجِ، وَبَايَعَ لِيَزِيدَ بِالْعِرَاقِ وَأَقَامَ بَقِيَّةَ رَجَبٍ وَشَعْبَانَ وَرَمَضَانَ، وَانْصَرَفَ لِأَيَّامٍ بَقِينَ مِنْهُ. ذِكْرُ امْتِنَاعِ نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ عَلَى مَنْصُورٍ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ امْتَنَعَ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ بِخُرَاسَانَ مِنْ تَسْلِيمِ عَمَلِهِ لِعَامِلِ مَنْصُورِ بْنِ جُمْهُورٍ، وَكَانَ يَزِيدُ وَلَّاهَا مَنْصُورًا مَعَ الْعِرَاقِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ مَا كَانَ مِنْ كِتَابِ

стр. 2283

يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ إِلَى نَصْرٍ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِ وَمَسِيرِ نَصْرٍ (وَتَبَاطُئِهِ وَمَا مَعَهُ مِنَ الْهَدَايَا، فَأَتَاهُ قَتْلُ الْوَلِيدِ، فَرَجَعَ نَصْرٌ) وَرَدَّ تِلْكَ الْهَدَايَا، وَأَعْتَقَ الرَّقِيقَ، وَقَسَّمَ حِسَانَ الْجَوَارِي فِي وَلَدِهِ وَخَاصَّتِهِ، وَقَسَّمَ تِلْكَ الْآنِيَةَ فِي عَوَامِّ النَّاسِ، وَوَجَّهَ الْعُمَّالَ وَأَمَرَهُمْ بِحُسْنِ السِّيرَةِ، وَاسْتَعْمَلَ مَنْصُورٌ أَخَاهُ مَنْظُورًا عَلَى الرَّيِّ وَخُرَاسَانَ، فَلَمْ يُمَكِّنْهُ نَصْرٌ مِنْ ذَلِكَ، وَحَفِظَ نَفْسَهُ وَالْبِلَادَ مِنْهُ وَمِنْ أَخِيهِ. ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ وَعَامِلِهِمْ لَمَّا قُتِلَ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ كَانَ عَلَى الْيَمَامَةِ عَلِيُّ بْنُ الْمُهَاجِرِ، اسْتَعْمَلَهُ عَلَيْهَا يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ، فَقَالَ لَهُ الْمُهَيْرُ بْنُ سُلْمَى بْنُ هِلَالٍ، أَحَدُ بَنِي الدُّؤَلِ بْنِ حَنِيفَةَ: اتْرُكْ لَنَا بِلَادَنَا، فَأَبَى، فَجَمَعَ لَهُ الْمُهَيْرُ وَسَارَ إِلَيْهِ وَهُوَ فِي قَصْرِهِ بِقَاعِ هَجَرَ، فَالْتَقَوْا بِالْقَاعِ، فَانْهَزَمَ عَلِيٌّ حَتَّى دَخَلَ قَصْرَهُ، ثُمَّ هَرَبَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَقَتَلَ الْمُهَيْرُ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ، وَكَانَ يَحْيَى بْنُ أَبِي حَفْصٍ نَهَى ابْنَ الْمُهَاجِرِ عَنِ الْقِتَالِ، فَعَصَاهُ، فَقَالَ: بَذَلْتُ نَصِيحَتِي لِبَنِي كِلَابٍ ... فَلَمْ تَقْبَلْ مُشَاوَرَتِي وَنُصْحِي فِدًا لِبَنِي حَنِيفَةَ مَنْ سِوَاهُمْ ... فَإِنَّهُمُ فَوَارِسُ كُلِّ فَتْحِ وَقَالَ شَقِيقُ بْنُ عَمْرٍو السَّدُوسِيُّ: إِذَا أَنْتَ سَالَمْتَ الْمُهَيْرَ وَرَهْطَهُ ... أَمِنْتَ مِنَ الْأَعْدَاءِ وَالْخَوْفِ وَالذَّعَرْ فَتًى رَاحَ يَوْمَ الْقَاعِ رَوْحَةَ مَاجِدٍ ... أَرَادَ بِهَا حُسْنَ السَّمَاعِ مَعَ الْأَجَرْ وَهَذَا يَوْمُ الْقَاعِ. وَتَأَمَّرَ الْمُهَيْرُ عَلَى الْيَمَامَةِ، ثُمَّ إِنَّهُ مَاتَ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْيَمَامَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ النُّعْمَانِ أَحَدَ بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ الدُّؤَلِ، فَاسْتَعْمَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ النُّعْمَانِ الْمُنْدَلِثَ بْنَ إِدْرِيسَ الْحَنَفِيَّ عَلَى الْفَلَجِ، وَهِيَ قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وَقِيلَ: هِيَ لَبَنِي تَمِيمٍ، فَجَمَعَ لَهُ بَنُو كَعْبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرٍ وَمَعَهُمْ بَنُو عَقِيلٍ وَأَتَوُا الْفَلَجَ الْمُنْدَلِثَ وَقَاتَلَهُمْ، فَقُتِلَ الْمُنْدَلِثُ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ، وَلَمْ يُقْتَلْ مِنْ أَصْحَابِهِ بَنِي عَامِرٍ كَثِيرُ أَحَدٍ، وَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ يَزِيدُ ابْنُ الطَّثْرِيَّةِ، وَهِيَ أُمُّهُ نُسِبَتْ إِلَى طَثْرِ بْنِ عَنْزِ بْنِ وَائِلٍ، وَهُوَ يَزِيدُ بْنُ الْمُنْتَشِرِ،

стр. 2284

فَرَثَاهُ أَخُوهُ ثَوْرُ ابْنُ الطَّثْرِيَّةِ: أَرَى الْأَثْلَ مِنْ نَحْوِ الْعَقِيقِ مُجَاوِرِي ... مُقِيمًا وَقَدْ غَالَتْ يَزِيدَ غَوَائِلُهْ وَقَدْ كَانَ يَحْمِي الْمِحْجَرَيْنِ بِسَيْفِهِ ... وَيَبْلُغُ أَقْصَى حَجْرَةِ الْحَيِّ نَائِلُهْ وَهُوَ يَوْمُ الْفَلَجِ الْأَوَّلِ. فَلَمَّا بَلَغَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ النُّعْمَانِ قَتْلُ الْمُنْدَلِثِ جَمَعَ أَلْفًا مِنْ حَنِيفَةَ وَغَيْرِهَا وَغَزَا الْفَلَجَ، فَلَمَّا تَصَافَّ النَّاسُ انْهَزَمَ أَبُو لَطِيفَةَ بْنُ مُسْلِمٍ الْعَقِيلِيُّ، فَقَالَ الرَّاجِزُ: فَرَّ أَبُو لَطِيفَةَ الْمُنَافِقْ ... وَالْجَفُونِيَّانِ وَفَرَّ طَارِقْ لَمَّا أَحَاطَتْ بِهِمُ الْبَوَارِقْ طَارِقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقُشَيْرِيُّ، وَالْجَفُونِيَّانِ مِنْ بَنِي قُشَيْرٍ. وَتَحَلَّلَتْ بَنُو جَعْدَةَ الْبَرَاذِعَ، وَوَلَّوْا فَقُتِلَ أَكْثَرُهُمْ، وَقُطِعَتْ يَدُ زِيَادِ بْنِ حَيَّانَ الْجَعْدِيِّ فَقَالَ: أَنْشُدُ كَفًّا ذَهَبَتْ وَسَاعِدَا ... أَنْشُدُهَا وَلَا أَرَانِي وَاجِدَا ثُمَّ قُتِلَ. وَقَالَ بَعْضُ الرَّبِيعِيِّينَ: سَمَوْنَا لِكَعْبٍ بِالصَّفَائِحِ وَالْقَنَا ... وَبِالْخَيْلِ شُعْثًا تَنْحَنِي فِي الشَّكَائِمِ فَمَا غَابَ قَرْنُ الشَّمْسِ حَتَّى رَأَيْتَنَا ... نَسُوقُ بَنِي كَعْبٍ كَسَوْقِ الْبَهَائِمِ بِضَرْبٍ يُزِيلُ الْهَامَ عَنْ سَكَنَاتِهِ ... وَطَعْنٍ كَأَفْوَاهِ الْمَزَادِ الثَّوَاجِمِ

стр. 2285

وَهَذَا الْيَوْمُ هُوَ يَوْمُ الْفَلَجِ الثَّانِي. ثُمَّ إِنَّ بَنِي عَقِيلٍ وَقُشَيْرًا وَجَعْدَةَ وَنُمَيْرًا تَجَمَّعُوا وَعَلَيْهِمْ أَبُو سَهْلَةَ النُّمَيْرِيُّ، فَقَتَلُوا مَنْ لَقُوا مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ بِمَعْدِنِ الصَّحْرَاءِ وَسَلَبُوا نِسَاءَهُمْ، وَكَفَّتْ بَنُو نُمَيْرٍ عَنِ النِّسَاءِ. ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْوَازِعِ الْحَنَفِيَّ لَمَّا رَأَى مَا فَعَلَ عَبْدُ اللَّهُ بْنُ النُّعْمَانِ يَوْمَ الْفَلَجِ الثَّانِي قَالَ: لَسْتُ بِدُونِ عَبْدِ اللَّهِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ يُغِيرُ، وَهَذِهِ فَتْرَةٌ يُؤْمَنُ فِيهَا عُقُوبَةُ السُّلْطَانِ. فَجَمَعَ خَيْلَهُ وَأَتَى الشَّرِيفُ وَبَثَّ خَيْلَهُ، فَأَغَارَتْ وَأَغَارَ هُوَ، فَمُلِئَتْ يَدَاهُ مِنَ الْغَنَائِمِ وَأَقْبَلَ وَمَنْ مَعَهُ حَتَّى أَتَى النَّشَّاشَ، وَأَقْبَلَتْ بَنُو عَامِرٍ وَقَدْ حُشِدَتْ، فَلَمْ يَشْعُرْ عُمَرُ بْنُ الْوَازِعِ إِلَّا بِرُغَاءِ الْإِبِلِ، فَجَمَعَ النِّسَاءَ فِي فُسْطَاطٍ وَجَعَلَ عَلَيْهِنَّ حَرَسًا وَلَقِيَ الْقَوْمَ فَقَاتَلَهُمْ فَانْهَزَمَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ، وَهَرَبَ عُمَرُ بْنُ الْوَازِعِ فَلَحِقَ بِالْيَمَامَةِ، وَتَسَاقَطَ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ خَلْقٌ كَثِيرٌ فِي الْقَلْبِ مِنَ الْعَطَشِ وَشِدَّةِ الْحَرِّ، وَرَجَعَتْ بَنُو عَامِرٍ بِالْأَسْرَى وَالنِّسَاءِ، وَقَالَ الْقُحَيْفُ: وَبِالنَّشَّاشِ يَوْمٌ طَارَ فِيهِ ... لَنَا ذِكْرٌ وَعُدَّ لَنَا فَعَالُ وَقَالَ أَيْضًا: فِدَاءٌ خَالَتِي لِبَنِي عَقِيلٍ ... وَكَعْبٍ حِينَ تَزْدَحِمُ الْجُدُودُ هُمُ تُرِكُوا عَلَى النَّشَّاشِ صَرْعَى ... بِضَرْبٍ ثَمَّ أَهْوَنُهُ شَدِيدُ وَكَفَّتْ قَيْسٌ يَوْمَ النَّشَّاشِ عَنِ السَّلَبِ، فَجَاءَتْ عُكْلٌ فَسَلَبَتْهُمْ، وَهَذَا يَوْمُ النَّشَّاشِ، وَلَمْ يَكُنْ لِحَنِيفَةَ بَعْدَهُ جَمْعٌ، غَيْرَ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ مُسْلِمٍ الْحَنَفِيَّ جَمَعَ جَمْعًا وَأَغَارَ عَلَى مَاءٍ لِقُشَيْرٍ يُقَالُ لَهُ حَلَبَانُ، فَقَالَ الشَّاعِرُ: لَقَدْ لَاقَتْ قُشَيْرٌ يَوْمَ لَاقَتْ ... عُبَيْدَ اللَّهِ إِحْدَى الْمُنْكَرَاتِ لَقَدْ لَاقَتْ عَلَى حَلَبَانَ لَيْثًا ... هِزَبْرًا لَا يَنَامُ عَلَى التِّرَاتِ وَأَغَارَ عَلَى عُكْلٍ فَقَتَلَ مِنْهُمْ عِشْرِينَ أَلْفًا. ثُمَّ قَدِمَ الْمُثَنَّى بْنُ يَزِيدَ بْنِ عُمَرَ بْنِ هُبَيْرَةَ الْفَزَارِيُّ وَالِيًا عَلَى الْيَمَامَةِ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ يَزِيدَ بْنِ عُمَرَ بْنِ هُبَيْرَةَ حِينَ وَلِيَ الْعِرَاقَ لِمَرْوَانَ الْحِمَارِ، فَوَرَدَهَا وَهُمْ سِلْمٌ، فَلَمْ يَكُنْ حَرْبٌ، وَشَهِدَتْ بَنُو عَامِرٍ عَلَى بَنِي حَنِيفَةَ، فَتَعَصَّبَ لَهُمُ الْمُثَنَّى لِأَنَّهُ قَيْسِيٌّ أَيْضًا فَضَرَبَ

стр. 2286

عِدَّةً مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ وَحَلَقَهُمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَإِنْ تَضْرِبُونَا بِالسِّيَاطِ فَإِنَّنَا ... ضَرَبْنَاكُمُ بِالْمُرْهَفَاتِ الصَّوَارِمِ وَإِنْ تَحْلِقُوا مِنَّا الرُّءُوسَ فَإِنَّنَا ... قَطَعْنَا رُءُوسًا مِنْكُمُ بِالْغَلَاصِمِ ثُمَّ سَكَنَتِ الْبِلَادُ وَلَمْ يَزَلْ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ الْحَنَفِيُّ مُسْتَخْفِيًا حَتَّى قَدِمَ السَّرِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَاشِمِيُّ وَالِيًا عَلَى الْيَمَامَةِ لِبَنِي الْعَبَّاسِ، فَدَلَّ عَلَيْهِ، فَقَتَلَهُ، فَقَالَ نُوحُ بْنُ جَرِيرٍ الْخَطَفَى: فَلَوْلَا السَّرِيُّ الْهَاشِمِيُّ وَسَيْفُهُ ... لَأَعَادَ عُبَيْدُ اللَّهِ شَرًّا عَلَى عُكْلِ ذِكْرُ عَزْلِ مَنْصُورٍ عَنِ الْعِرَاقِ وَوِلَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ يَزِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ مَنْصُورَ بْنَ جُمْهُورٍ عَنِ الْعِرَاقِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِ بَعْدَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَقَالَ لَهُ لَمَّا وَلَّاهُ: سِرْ إِلَى الْعِرَاقِ فَإِنَّ أَهْلَهُ يَمِيلُونَ إِلَى أَبِيكَ. فَقَدِمَ إِلَى الْعِرَاقِ وَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ رُسُلًا إِلَى مَنْ بِالْعِرَاقِ مِنْ قُوَّادِ الشَّامِ، وَخَافَ أَنْ لَا يُسَلِّمَ إِلَيْهِ مَنْصُورٌ الْعَمَلَ. فَانْقَادَ لَهُ أَهْلُ الشَّامِ، وَسَلَّمَ إِلَيْهِ مَنْصُورٌ الْعَمَلَ وَانْصَرَفَ إِلَى الشَّامِ، فَفَرَّقَ عَبْدُ اللَّهِ الْعُمَّالَ وَأَعْطَى النَّاسَ أَرْزَاقَهُمْ وَأَعْطِيَاتِهِمْ. فَنَازَعَهُ قُوَّادُ أَهْلُ الشَّامِ وَقَالُوا: تُقَسِّمُ عَلَى هَؤُلَاءِ فَيْئَنَا وَهُمْ عَدُوُّنَا؟ فَقَالَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَرُدَّ فَيْئَكُمْ عَلَيْكُمْ، وَعَلِمْتُ أَنَّكُمْ أَحَقُّ بِهِ فَنَازَعَنِي هَؤُلَاءِ. فَاجْتَمَعَ أَهْلُ الْكُوفَةِ بِالْجَبَّانَةِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ أَهْلُ الشَّامِ يَعْتَذِرُونَ، وَثَارَ غَوْغَاءُ النَّاسِ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ فَأُصِيبَ مِنْهُمْ رَهْطٌ لَمْ يُعْرَفُوا. وَاسْتَعْمَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَلَى شُرْطَتِهِ عُمَرَ بْنَ الْغَضْبَانِ الْقَبْعَثْرِيَّ، وَعَلَى خَرَاجِ السَّوَادِ وَالْمُحَاسَبَاتِ أَيْضًا. ذِكْرُ الِاخْتِلَافِ بَيْنَ أَهْلِ خُرَاسَانَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ بِخُرَاسَانَ بَيْنَ النِّزَارِيَّةِ وَالْيَمَانِيَّةِ وَأَظْهَرَ الْكَرْمَانِيُّ الْخِلَافَ لِنَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ. وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ نَصْرًا رَأَى الْفِتْنَةَ قَدْ ثَارَتْ فَرَفَعَ حَاصِلَ بَيْتِ الْمَالِ، وَأَعْطَى النَّاسَ بَعْضَ أَعْطِيَاتِهِمْ وَرِقًا وَذَهَبًا مِنَ الْآنِيَةِ الَّتِي كَانَ اتَّخَذَهَا لِلْوَلِيدِ، فَطَلَبَ

стр. 2287

النَّاسُ مِنْهُ الْعَطَاءَ وَهُوَ يَخْطُبُ، فَقَالَ نَصْرٌ: إِيَّايَ وَالْمَعْصِيَةَ! عَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ وَالْجَمَاعَةِ! فَوَثَبَ أَهْلُ السُّوقِ إِلَى أَسْوَاقِهِمْ، فَغَضِبَ نَصْرٌ وَقَالَ: مَا لَكُمْ عِنْدِي عَطَاءٌ. ثُمَّ قَالَ: كَأَنِّي بِكُمْ وَقَدْ نَبَعَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ شَرٌّ لَا يُطَاقُ، وَكَأَنِّي بِكُمْ مُطَّرِحِينَ فِي الْأَسْوَاقِ كَالْجُزُرِ الْمَنْحُورَةِ، إِنَّهُ لَمْ تَطُلْ وِلَايَةُ رَجُلٍ إِلَّا مَلُّوهَا، وَأَنْتُمْ يَا أَهْلَ خُرَاسَانَ مَسْلَحَةٌ فِي نُحُورِ الْعَدُوِّ، فَإِيَّاكُمْ أَنْ يَخْتَلِفَ فِيكُمْ سَيْفَانِ، إِنَّكُمْ تَرِشُونَ أَمْرًا تُرِيدُونَ بِهِ الْفِتْنَةَ، وَلَا أَبْقَى اللَّهُ عَلَيْكُمْ! لَقَدْ نَشَرْتُكُمْ وَطَوَيْتُكُمْ، [وَطَوَيْتُكُمْ وَنَشَرْتُكُمْ] فَمَا عِنْدِي مِنْكُمْ عَشَرَةٌ! وَإِنِّي وَإِيَّاكُمْ كَمَا قِيلَ: اسْتَمْسِكُوا أَصْحَابَنَا نَحْدُو بِكُمْ ... فَقَدْ عَرَفْنَا خَيْرَكُمْ وَشَرَّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ! فَوَاللَّهِ لَئِنِ اخْتَلَفَ فِيكُمْ سَيْفَانِ، لَيَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ أَنَّهُ يَنْخَلِعُ مِنْ مَالِهِ وَوَلَدِهِ! يَا أَهْلَ خُرَاسَانَ إِنَّكُمْ قَدْ غَمَطْتُمُ الْجَمَاعَةَ، وَرَكَنْتُمْ إِلَى الْفُرْقَةِ! ثُمَّ تَمَثَّلَ بِقَوْلِ النَّابِغَةِ الذُّبْيَانِيِّ: فَإِنْ يَغْلِبْ شَقَاؤُكُمُ عَلَيْكُمْ فَإِنِّي فِي صَلَاحِكُمُ سَعَيْتُ وَقَدِمَ عَلَى نَصْرٍ عَهْدُهُ عَلَى خُرَاسَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ لِأَصْحَابِهِ: النَّاسُ فِي فِتْنَةً فَانْظُرُوا لِأُمُورِكُمْ رَجُلًا. وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْكَرْمَانِيُّ لِأَنَّهُ وَلَدٌ بِكَرْمَانَ، وَاسْمُهُ جُدَيْعُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَزْدِيُّ الْمَعْنِيُّ، فَقَالُوا لَهُ: أَنْتَ لَنَا. وَقَالَتِ الْمُضَرِيَّةُ لِنَصْرٍ: إِنَّ الْكَرْمَانِيَّ يُفْسِدُ عَلَيْكَ الْأُمُورَ فَأَرْسِلْ إِلَيْهِ (فَاقْتُلْهُ أَوِ احْبِسْهُ. قَالَ: لَا وَلَكِنْ لِي أَوْلَادٌ ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ فَأُزَوِّجُ بَنِيَّ مِنْ بَنَاتِهِ) وَبَنَاتِي مِنْ بَنِيهِ. قَالُوا: لَا. قَالَ: فَابْعَثْ إِلَيْهِ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَهُوَ بَخِيلٌ، وَلَا يُعْطِي أَصْحَابَهُ شَيْئًا مِنْهَا فَيَتَفَرَّقُونَ عَنْهُ. قَالُوا: لَا، هَذِهِ قُوَّةٌ لَهُ، وَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى قَالُوا لَهُ: إِنَّ الْكَرْمَانِيَّ لَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى السُّلْطَانِ وَالْمُلْكِ إِلَّا بِالنَّصْرَانِيَّةِ وَالْيَهُودِيَّةِ لَتَنَصَّرَ وَتَهَوَّدَ.

стр. 2288

وَكَانَ نَصْرٌ وَالْكَرْمَانِيُّ مُتَصَافِيَيْنِ، وَكَانَ الْكَرْمَانِيُّ قَدْ أَحْسَنَ إِلَى نَصْرٍ فِي وِلَايَةِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَلَمَّا وَلِيَ نَصْرٌ عَزَلَ الْكَرْمَانِيَّ عَنِ الرِّيَاسَةِ وَوَلَّاهَا غَيْرَهُ، فَتَبَاعَدَ مَا بَيْنَهُمَا. فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَى نَصْرٍ فِي أَمْرِ الْكَرْمَانِيِّ عَزَمَ عَلَى حَبْسِهِ، فَأَرْسَلَ صَاحِبَ حَرَسِهِ لِيَأْتِيَهُ بِهِ، فَأَرَادَتِ الْأَزْدُ أَنْ تُخَلِّصَهُ مِنْ يَدِهِ، فَمَنَعَهُمْ مِنْ ذَلِكَ وَسَارَ مَعَ صَاحِبِ الْحَرَسِ إِلَى نَصْرٍ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ نَصْرٌ: يَا كِرْمَانِيُّ أَلَمْ يَأْتِنِي كِتَابُ يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ بِقَتْلِكَ فَرَاجَعْتُهُ، وَقُلْتُ: شَيْخُ خُرَاسَانَ وَفَارِسُهَا فَحَقَنْتُ دَمَكَ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: أَلَمْ أَغْرَمْ عَنْكَ مَا كَانَ لَزِمَكَ مِنَ الْغُرْمِ، وَقَسَّمْتُهُ فِي أَعْطِيَاتِ النَّاسِ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: أَلَمْ أُرَئِّسِ ابْنَكَ عَلِيًّا عَلَى كُرْهٍ مِنْ قَوْمِكَ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَبَدَّلْتَ ذَلِكَ إِجْمَاعًا عَلَى الْفِتْنَةِ! قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: لَمْ يَقُلِ الْأَمِيرُ شَيْئًا إِلَّا وَقَدْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَأَنَا لِذَلِكَ شَاكِرٌ، وَقَدْ كَانَ مِنِّي أَيَّامَ أَسَدٍ مَا قَدْ عَلِمْتَ فَلْيَتَأَنَّ الْأَمِيرُ فَلَسْتُ أُحِبُّ الْفِتْنَةَ. فَقَالَ سَالِمُ بْنُ أَحْوَزَ: اضْرِبْ عُنُقَهُ أَيُّهَا الْأَمِيرُ! فَقَالَ عِصْمَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَسَدِيُّ لِلْكِرْمَانِيِّ: إِنَّكَ تُرِيدُ الْفِتْنَةَ وَمَا لَا تَنَالُهُ. فَقَالَ الْمِقْدَامُ وَقُدَامَةُ ابْنَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نُعَيْمٍ الْعَامِرِيِّ: لَجُلَسَاءُ فِرْعَوْنَ خَيْرٌ مِنْكُمْ إِذْ ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ [الأعراف: ١١١] ، وَاللَّهِ لَا يُقْتَلُ الْكَرْمَانِيُّ بِقَوْلِكُمَا! فَأَمَرَ بِضَرْبِهِ وَحُبِسَ فِي الْقَهِنْدَزِ لِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ. فَتَكَلَّمَتِ الْأَزْدُ، فَقَالَ نَصْرٌ: إِنِّي حَلَفْتُ أَنْ أَحْبِسَهُ وَلَا يَنَالُهُ مِنِّي سُوءٌ، فَإِنْ خَشِيتُمْ عَلَيْهِ فَاخْتَارُوا رَجُلًا يَكُونُ مَعَهُ. فَاخْتَارُوا رَجُلًا يَكُونُ مَعَهُ. فَاخْتَارُوا يَزِيدَ النَّحْوِيَّ، فَكَانَ مَعَهُ. فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ نَسَفَ فَقَالَ لِآلِ الْكَرْمَانِيِّ: مَا تَجْعَلُونَ لِي إِنْ أَخْرَجْتُهُ؟ قَالُوا: كُلَّ مَا سَأَلْتَ. فَأَتَى مَجْرَى الْمَاءِ فِي الْقَهِنْدَزِ فَوَسَّعَهُ وَقَالَ لِوَلَدِ الْكَرْمَانِيِّ: اكْتُبُوا إِلَى أَبِيكُمْ يَسْتَعِدُّ اللَّيْلَةَ لِلْخُرُوجِ. فَكَتَبُوا إِلَيْهِ، فَأَدْخَلُوا الْكِتَابَ فِي الطَّعَامِ، فَتَعَشَّى الْكَرْمَانِيُّ وَيَزِيدُ النَّحْوِيُّ وَخَضِرُ بْنُ حَكِيمٍ وَخَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ، وَدَخَلَ الْكَرْمَانِيُّ السَّرَبَ فَانْطَوَتْ عَلَى بَطْنِهِ حَيَّةٌ فَلَمْ تَضُرَّهُ وَخَرَجَ مِنَ السَّرَبِ، وَرَكِبَ فَرَسَهُ الْبَشِيرَ وَالْقَيْدُ فِي رِجْلِهِ فَأَتَوْا بِهِ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ حَرْمَلَةَ، فَأَطْلَقَ عَنْهُ. وَقِيلَ: بَلْ خَلَّصَ الْكَرْمَانِيَّ مَوْلًى لَهُ رَأَى خَرْقًا فِي الْقَهِنْدَزِ فَوَسَّعَهُ وَأَخْرَجَهُ، فَلَمْ يَصِلِ الصُّبْحُ حَتَّى اجْتَمَعَ مَعَهُ زُهَاءُ أَلْفٍ، وَلَمْ يَرْتَفِعِ النَّهَارُ حَتَّى بَلَغُوا ثَلَاثَةَ آلَافٍ،

стр. 2289

وَكَانَتِ الْأَزْدُ قَدْ بَايَعُوا عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ حَرْمَلَةَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، فَلَمَّا خَرَجَ الْكَرْمَانِيُّ قَدَّمَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ. فَلَمَّا هَرَبَ الْكَرْمَانِيُّ عَسْكَرَ نَصْرٌ بِبَابِ مَرْوِ الرُّوذِ وَخَطَبَ النَّاسَ فَنَالَ مِنَ الْكَرْمَانِيِّ، فَقَالَ: وُلِدَ بِكَرْمَانَ فَكَانَ كَرْمَانِيًّا، ثُمَّ سَقَطَ إِلَى هَرَاةَ فَصَارَ هَرَوِيًّا، وَالسَّاقِطُ بَيْنَ الْفِرَاشَيْنِ لَا أَصْلٌ ثَابِتٌ وَلَا فَرْعٌ نَابِتٌ، ثُمَّ ذَكَرَ الْأَزْدَ فَقَالَ: إِنْ يَسْتَوْسِقُوا فَهُمْ أَذَلُّ قَوْمٍ، وَإِنْ يَأْبَوْا فَهُمْ كَمَا قَالَ الْأَخْطَلُ: ضَفَادِعُ فِي ظَلْمَاءِ لَيْلٍ تَجَاوَبَتْ ... فَدَلَّ عَلَيْهَا صَوْتُهَا حَيَّةَ الْبَحْرِ ثُمَّ نَدِمَ عَلَى مَا فَرَطَ مِنْهُ فَقَالَ: اذْكُرُوا اللَّهَ فَإِنَّهُ خَيْرٌ لَا شَرَّ فِيهِ. ثُمَّ اجْتَمَعَ إِلَى نَصْرٍ بَشَرٌ كَثِيرٌ، فَوَجَّهَ سَالِمَ بْنَ أَحْوَزَ فِي الْمُجَفَّفَةِ إِلَى الْكَرْمَانِيِّ، فَسَفَرَ النَّاسُ بَيْنَ نَصْرٍ وَالْكَرْمَانِيِّ وَسَأَلُوا نَصْرًا أَنْ يُؤَمِّنَهُ وَلَا يَحْبِسَهُ، وَجَاءَ الْكَرْمَانِيُّ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِ نَصْرٍ، فَأَمَرَهُ بِلُزُومِ بَيْتِهِ. ثُمَّ بَلَغَ الْكَرْمَانِيَّ عَنْ نَصْرٍ شَيْءٌ فَخَرَجَ إِلَى قَرْيَةٍ لَهُ، فَخَرَجَ نَصْرٌ فَعَسْكَرَ بِبَابِ مَرْوَ، فَكَلَّمُوهُ فِيهِ فَآمَنَهُ، وَكَانَ رَأْيُ نَصْرٍ إِخْرَاجَهُ مِنْ خُرَاسَانَ، فَقَالَ لَهُ سَالِمُ بْنُ أَحْوَزَ: إِنْ أَخْرَجْتَهُ نَوَّهْتَ بِاسْمِهِ، وَقَالَ النَّاسُ: إِنَّمَا أَخْرَجَهُ لِأَنَّهُ هَابَهُ. فَقَالَ نَصْرٌ: إِنَّ الَّذِي أَتَخَوَّفُهُ مِنْهُ إِذَا خَرَجَ أَيْسَرُ مِمَّا أَتَخَوَّفُهُ مِنْهُ وَهُوَ مُقِيمٌ، وَالرَّجُلُ إِذَا نُفِيَ عَنْ بَلَدِهِ صَغُرَ أَمْرُهُ. فَأَبَوْا عَلَيْهِ، فَآمَنَهُ وَأَعْطَى أَصْحَابَهُ عَشَرَةً عَشَرَةً، وَأَتَى الْكَرْمَانِيُّ نَصْرًا فَآمَنَهُ. فَلَمَّا عُزِلَ ابْنُ جُمْهُورٍ عَنِ الْعِرَاقِ وَوَلِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ خَطَبَ نَصْرٌ وَذَكَرَ ابْنَ جُمْهُورٍ وَقَالَ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ عُمَّالِ الْعِرَاقِ وَقَدْ عَزَلَهُ اللَّهُ وَاسْتَعْمَلَ الطَّيِّبَ بْنَ الطَّيِّبِ. فَغَضِبَ الْكَرْمَانِيُّ لِابْنِ جُمْهُورٍ وَعَادَ فِي جَمْعِ الرِّجَالِ وَاتِّخَاذِ السِّلَاحِ، فَكَانَ يَحْضُرُ الْجُمْعَةَ فِي أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ وَأَكْثَرَ وَأَقَلَّ فَيُصَلِّي خَارِجَ الْمَقْصُورَةِ، ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُسَلِّمُ عَلَى نَصْرٍ وَلَا يَجْلِسُ. ثُمَّ تَرَكَ إِتْيَانَ نَصْرٍ وَأَظْهَرَ الْخِلَافَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ نَصْرٌ مَعَ سَالِمِ بْنِ أَحْوَزَ يَقُولُ لَهُ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ بِحَبْسِكَ

стр. 2290

سُوءًا، وَلَكِنْ خِفْتُ فَسَادًا مِنَ النَّاسِ فَأْتِنِي. فَقَالَ: لَوْلَا أَنَّكَ فِي مَنْزِلِي لَقَتَلْتُكَ، ارْجِعْ إِلَى ابْنِ الْأَقْطَعِ وَأَبْلِغْهُ مَا شِئْتَ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ. فَرَجَعَ إِلَى نَصْرٍ فَأَخْبَرَهُ، فَلَمْ يَزَلْ يُرْسِلُ إِلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، فَكَانَ آخِرُ مَا قَالَ لَهُ الْكَرْمَانِيُّ: إِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَحْمِلَكَ قَوْمٌ عَلَى غَيْرِ مَا تُرِيدُ فَتَرَكَبَ مِنَّا مَا لَا بَقِيَّةَ بَعْدَهُ، فَإِنْ شِئْتَ خَرَجْتُ عَنْكَ لَا مِنْ هَيْبَةٍ لَكَ، وَلَكِنْ أَكْرَهُ أَنْ أَشْأَمَ أَهْلَ هَذِهِ الْبَلْدَةِ وَأَسَفِكَ الدِّمَاءَ فِيهَا. فَتَهَيَّأَ لِلْخُرُوجِ إِلَى جُرْجَانَ. (الْمَعْنِيُّ: بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَبَعْدَهَا نُونٌ: قَبِيلَةٌ مِنَ الْأَزْدِ) . ذِكْرُ خَبَرِ الْحَارِثِ بْنِ سُرَيْجٍ وَأَمَانِهِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أُومِنَ الْحَارِثُ بْنُ سُرَيْجٍ وَهُوَ بِبِلَادِ التُّرْكِ، وَكَانَ مُقَامُهُ عِنْدَهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَأُمِرَ بِالْعَوْدِ إِلَى خُرَاسَانَ. وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْفِتْنَةَ لَمَّا وَقَعَتْ بِخُرَاسَانَ بَيْنَ نَصْرٍ وَالْكَرْمَانِيِّ خَافَ نَصْرٌ قُدُومَ الْحَارِثِ عَلَيْهِ فِي أَصْحَابِهِ وَالتُّرْكِ فَيَكُونُ أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنَ الْكَرْمَانِيِّ وَغَيْرِهِ، وَطَمِعَ أَنْ يُنَاصِحَهُ، فَأَرْسَلَ مُقَاتِلَ بْنَ حَيَّانَ النَّبَطِيَّ وَغَيْرَهُ لِيَرُدُّوهُ عَنْ بِلَادِ التُّرْكِ. وَسَارَ خَالِدُ بْنُ زِيَادٍ التِّرْمِذِيُّ وَخَالِدُ بْنُ عَمْرٍو مَوْلَى بَنِي عَامِرٍ إِلَى يَزِيدَ بْنِ الْوَلِيدِ فَأَخَذَا لِلْحَارِثِ أَمَانًا، فَكَتَبَ لَهُ أَمَانَهُ، وَأَمَرَ نَصْرٌ أَنْ يُرَدَّ عَلَيْهِ مَا أُخِذَ لَهُ، وَأَمَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَامِلَ الْكُوفَةِ بِذَلِكَ أَيْضًا، فَأَخَذَا الْأَمَانَ وَسَارَا إِلَى الْكُوفَةِ ثُمَّ إِلَى خُرَاسَانَ، فَأَرْسَلَ نَصْرٌ إِلَيْهِ، فَلَقِيَهُ الرَّسُولُ وَقَدْ رَجَعَ مَعَ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ وَأَصْحَابِهِ، فَوَصَلَ إِلَى نَصْرٍ وَقَامَ بِمَرْوِ الرُّوذِ، وَرَدَّ نَصْرٌ عَلَيْهِ مَا أُخِذَ لَهُ. وَكَانَ عَوْدُهُ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ. ذِكْرُ شِيعَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَجَّهَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْإِمَامُ أَبَا هَاشِمٍ بُكَيْرَ بْنَ مَاهَانَ إِلَى خُرَاسَانَ، وَبَعَثَ مَعَهُ بِالسِّيرَةِ وَالْوَصِيَّةِ، فَقَدِمَ مَرْوَ وَجَمَعَ النُّقَبَاءَ وَالدُّعَاةَ، فَنَعَى إِلَيْهِمْ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ وَدَعَاهُمْ إِلَى ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ وَدَفَعَ إِلَيْهِمْ كِتَابَهُ، فَقَبِلُوهُ وَدَفَعُوا إِلَيْهِ مَا اجْتَمَعَ عِنْدَهُمْ مِنْ نَفَقَاتِ الشِّيعَةِ، فَقَدِمَ بِهَا بُكَيْرٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ.

стр. 2291

ذِكْرُ بَيْعَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْوَلِيدِ بِالْعَهْدِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَمَرَ يَزِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِالْبَيْعَةِ لِأَخِيهِ إِبْرَاهِيمَ، وَمِنْ بَعْدِهِ لِعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ يَزِيدَ مَرِضَ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَقِيلَ لَهُ لِيُبَايِعَ لَهُمَا، وَلَمْ تَزَلِ الْقَدَرِيَّةُ بِيَزِيدَ حَتَّى أَمَرَ بِالْبَيْعَةِ لَهُمَا. ذِكْرُ مُخَالَفَةِ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَظْهَرَ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخِلَافَ لِيَزِيدَ بْنِ الْوَلِيدِ. وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْوَلِيدَ لَمَّا قُتِلَ كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ مَعَ الْغَمْرِ بْنِ يَزِيدَ أَخِي الْوَلِيدِ بِحَرَّانَ بَعْدَ انْصِرَافِهِ مِنَ الصَّائِفَةِ، وَكَانَ عَلَى الْجَزِيرَةِ عَبْدَةُ بْنُ الرَّيَّاحِ الْغَسَّانِيُّ عَامِلًا لِلْوَلِيدِ، فَلَمَّا قُتِلَ الْوَلِيدُ سَارَ عَبْدَةُ عَنْهَا إِلَى الشَّامِ، فَوَثَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَلَى حَرَّانَ وَالْجَزِيرَةِ فَضَبَطَهُمَا، وَكَتَبَ إِلَى أَبِيهِ بِإِرْمِينِيَّةَ يُعْلِمُهُ بِذَلِكَ وَيُشِيرُ عَلَيْهِ بِتَعْجِيلِ السَّيْرِ. فَتَهَيَّأَ مَرْوَانُ لِلْمَسِيرِ وَأَنْفَذَ إِلَى الثُّغُورِ مَنْ يَضْبُطُهَا وَيَحْفَظُهَا، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ يَطْلُبُ بِدَمِ الْوَلِيدِ، وَسَارَ وَمَعَهُ الْجُنُودُ وَمَعَهُ ثَابِتُ بْنُ نُعَيْمٍ الْجُذَامِيُّ مِنْ أَهْلِ فِلَسْطِينَ. وَسَبَبُ صُحْبَتِهِ لَهُ أَنَّ هِشَامًا كَانَ قَدْ حَبَسَهُ، وَسَبَبُ حَبْسِهِ أَنَّ هِشَامًا أَرْسَلَهُ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ لَمَّا قَتَلُوا عَامِلَهُ كُلْثُومَ بْنَ عِيَاضٍ فَأَفْسَدَ الْجُنْدَ، فَحَبَسَهُ هِشَامٌ، وَقَدِمَ مَرْوَانُ عَلَى هِشَامٍ فِي بَعْضِ وِفَادَاتِهِ فَشَفَعَ فِيهِ فَأَطْلَقَهُ فَاسْتَصْحَبَهُ مَعَهُ. فَلَمَّا سَارَ مَرْوَانُ مَسِيرَهُ هَذَا أَمَرَ ثَابِتُ بْنُ نُعَيْمٍ مَنْ مَعَ مَرْوَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ بِالِانْضِمَامِ إِلَيْهِ وَمُفَارَقَةِ مَرْوَانَ لِيَعُودُوا إِلَى الشَّامِ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، فَاجْتَمَعَ مَعَهُ ضِعْفُ مَنْ مَعَ مَرْوَانَ وَبَاتُوا يَتَحَارَسُونَ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا اصْطَفُّوا لِلْقِتَالِ، فَأَمَرَ مَرْوَانُ مُنَادِينَ يُنَادُونَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ: يَا أَهْلَ الشَّامِ مَا دَعَاكُمْ إِلَى هَذَا؟ أَلَمْ أُحْسِنْ فِيكُمُ السِّيرَةَ؟ فَأَجَابُوهُ بِأَنَّا كُنَّا نُطِيعُكَ بِطَاعَةِ الْخَلِيفَةِ، وَقَدْ قُتِلَ وَبَايَعَ أَهْلُ الشَّامِ يَزِيدَ فَرَضِينَا بِوِلَايَةِ ثَابِتٍ لِيَسِيرَ بِنَا إِلَى أَجْنَادِنَا. فَنَادَوْهُمْ: كَذَبْتُمْ فَإِنَّكُمْ لَا تُرِيدُونَ مَا قُلْتُمْ، وَإِنَّمَا تُرِيدُونَ أَنْ تَغْصِبُوا مَنْ مَرَرْتُمْ بِهِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَمْوَالَهُمْ! وَمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِلَّا السَّيْفُ حَتَّى تَنْقَادُوا إِلَيَّ فَأَسِيرَ بِكُمْ إِلَى الْغَزَاةِ، ثُمَّ أَتْرُكَكُمْ تَلْحَقُونَ بِأَجْنَادِكُمْ. فَانْقَادُوا لَهُ، فَأَخَذَ ثَابِتَ بْنَ نُعَيْمٍ وَأَوْلَادَهُ وَحَبَسَهُمْ وَضَبَطَ الْجُنْدَ، حَتَّى بَلَغَ حَرَّانَ وَسَيَّرَهُمْ إِلَى الشَّامِ، وَدَعَا أَهْلَ الْجَزِيرَةِ (إِلَى الْفَرْضِ فَفَرَضَ

стр. 2292

لِنَيِّفٍ) وَعِشْرِينَ أَلْفًا وَتَجَهَّزَ لِلْمَسِيرِ إِلَى يَزِيدَ، وَكَاتَبَهُ يَزِيدُ لِيُبَايِعَ لَهُ وَيُوَلِّيَهُ مَا كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ وَلَّى أَبَاهُ مُحَمَّدَ بْنَ مَرْوَانَ مِنَ الْجَزِيرَةِ وَإِرْمِينِيَّةَ وَالْمَوْصِلِ وَأَذْرَبِيجَانَ، فَبَايَعَ لَهُ مَرْوَانُ وَأَعْطَاهُ يَزِيدُ وِلَايَةَ مَا ذَكَرَ لَهُ. ذِكْرُ وَفَاةِ يَزِيدَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ يَزِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ لِعَشْرٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَلَيْلَتَيْنِ، وَقِيلَ: كَانَتْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَاثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا، وَقِيلَ: خَمْسَةَ أَشْهُرٍ وَاثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا، وَكَانَ مَوْتُهُ بِدِمَشْقَ، وَكَانَ عُمْرُهُ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: سَبْعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَكَانَتْ أُمُّهُ أُمَّ وَلَدٍ اسْمُهَا شَاهْفِرْنَدُ بِنْتُ فَيْرُوزَ بْنِ يَزْدَجِرْدَ بْنِ شَهْرَيَارَ بْنِ كِسْرَى، وَهُوَ الْقَائِلُ: أَنَا ابْنُ كِسْرَى وَأَبِي مَرْوَانُ ... وَقَيْصَرُ جَدِّي وَجَدِّي خَاقَانُ إِنَّمَا جَعَلَ قَيْصَرَ وَخَاقَانَ جَدَّيْهِ لِأَنَّ أُمَّ فَيْرُوزَ بْنِ يَزْدَجِرْدَ ابْنَةُ كِسْرَى شِيرَوَيْهِ بْنِ كِسْرَى، وَأُمَّهَا ابْنَةُ قَيْصَرَ، وَأُمَّ شِيرَوَيْهِ ابْنَةُ خَاقَانَ مَلِكِ التُّرْكِ. وَكَانَ آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ: وَاحَسْرَتَاهُ وَاأَسَفَاهُ! وَنَقْشُ خَاتَمِهِ: الْعَظَمَةُ لِلَّهِ. وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ خَرَجَ بِالسِّلَاحِ يَوْمَ الْعِيدِ، خَرَجَ بَيْنَ صَفَّيْنِ عَلَيْهِمُ السِّلَاحُ. قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ قَدَرِيًّا، وَكَانَ أَسْمَرَ طَوِيلًا، صَغِيرَ الرَّأْسِ، جَمِيلًا. ذِكْرُ خِلَافَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَلَمَّا مَاتَ يَزِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ قَامَ بِالْأَمْرِ بَعْدَهُ أَخُوهُ إِبْرَاهِيمُ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ لَهُ الْأَمْرُ،

стр. 2293

فَكَانَ يُسَلَّمُ عَلَيْهِ تَارَةً بِالْخِلَافَةِ، وَتَارَةً بِالْإِمَارَةِ، وَتَارَةً لَا يُسَلَّمُ عَلَيْهِ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، فَمَكَثَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ: سَبْعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ سَارَ إِلَيْهِ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ فَخَلَعَهُ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ حَيًّا حَتَّى أُصِيبَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو إِسْحَاقَ، أُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ. ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَبِيبٍ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ نَافِعٍ قَدِ انْهَزَمَ لَمَّا قُتِلَ أَبُوهُ وَكُلْثُومُ بْنُ عِيَاضٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَسَارَ إِلَى الْأَنْدَلُسِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ، وَأَرَادَ أَنْ يَتَغَلَّبَ عَلَيْهَا، فَلَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ، فَلَمَّا وَلِيَ حَنْظَلَةُ بْنُ صَفْوَانَ إِفْرِيقِيَّةَ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَجَّهَ أَبَا الْخَطَّارِ إِلَى الْأَنْدَلُسِ أَمِيرًا، فَأَيِسَ حِينَئِذٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِمَّا كَانَ يَرْجُوهُ فَعَادَ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ وَهُوَ خَائِفٌ مِنْ أَبِي الْخَطَّارِ، وَخَرَجَ بِتُونِسَ مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَقَدْ وَلِيَ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْخِلَافَةَ بِالشَّامِ، فَدَعَا النَّاسَ إِلَى نَفْسِهِ، فَأَجَابُوهُ، فَسَارَ بِهِمْ إِلَى الْقَيْرَوَانِ، فَأَرَادَ مَنْ بِهَا قِتَالَهُ فَمَنَعَهُمْ حَنْظَلَةُ، وَكَانَ لَا يَرَى الْقِتَالَ إِلَّا لِكَافِرٍ أَوْ خَارِجِيٍّ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ حَنْظَلَةُ رِسَالَةً مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ أَعْيَانِ الْقَيْرَوَانِ رُؤَسَاءِ الْقَبَائِلِ يَدْعُوهُ إِلَى مُرَاجَعَةِ الطَّاعَةِ، فَقَبَضَهُ وَأَخَذَهُمْ مَعَهُ إِلَى الْقَيْرَوَانِ وَقَالَ: إِنْ رَمَى أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْقَيْرَوَانِ بِحَجَرٍ قَتَلْتُ مَنْ عِنْدِي أَجْمَعِينَ، فَلَمْ يُقَاتِلْهُ أَحَدٌ. فَخَرَجَ حَنْظَلَةُ إِلَى الشَّامِ، وَاسْتَوْلَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى الْقَيْرَوَانِ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ وَسَائِرِ إِفْرِيقِيَّةَ. وَلَمَّا خَرَجَ حَنْظَلَةُ إِلَى الشَّامِ دَعَا عَلَى أَهْلِ إِفْرِيقِيَّةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَاسْتُجِيبَ لَهُ فِيهِمْ، فَوَقَعَ الْوَبَاءُ وَالطَّاعُونُ سَبْعَ سِنِينَ، لَمْ يُفَارِقْهُمْ إِلَّا فِي أَوْقَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ، وَثَارَ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعَرَبِ وَالْبَرْبَرِ ثُمَّ قُتِلَ بَعْدَ ذَلِكَ. فَمِمَّنْ خَرَجَ عَلَيْهِ عُرْوَةُ بْنُ الْوَلِيدِ الصَّدَفِيُّ وَاسْتَوْلَى عَلَى تُونِسَ، وَقَامَ ابْنُ عَطَّافٍ عِمْرَانُ بْنُ عَطَّافٍ الْأَزْدِيُّ فَنَزَلَ بِطِيفَاسَ، وَثَارَتِ الْبَرْبَرُ بِالْجِبَالِ، وَخَرَجَ عَلَيْهِ ثَابِتٌ الصِّنْهَاجِيُّ بِبَاجَةَ فَأَخَذَهَا. فَأَحْضَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَخَاهُ إِلْيَاسَ وَجَعَلَ مَعَهُ سِتَّمِائَةِ فَارِسٍ وَقَالَ لَهُ: سِرْ حَتَّى تَجْتَازَ بِعَسْكَرِ ابْنِ عَطَّافٍ الْأَزْدِيِّ، فَإِذَا رَآكَ عَسْكَرُهُ فَارِقْهُمْ وَسِرْ عَنْهُمْ كَأَنَّكَ تُرِيدُ تُونِسَ

стр. 2294

إِلَى قِتَالِ عُرْوَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بِهَا، فَإِذَا أَتَيْتَ مَوْضِعَ كَذَا فَقِفْ فِيهِ حَتَّى يَأْتِيَكَ فُلَانٌ بِكِتَابِي فَافْعَلْ بِمَا فِيهِ. فَسَارَ إِلْيَاسُ وَدَعَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ إِنْسَانًا، وَهُوَ الرَّجُلُ الَّذِي قَالَ لِأَخِيهِ إِلْيَاسَ عَنْهُ، وَأَعْطَاهُ كِتَابًا وَقَالَ لَهُ: امْضِ حَتَّى تَدْخُلَ عَسْكَرَ ابْنِ عَطَّافٍ، فَإِذَا أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ إِلْيَاسُ وَرَأَيْتَهُمْ يَدْعُونَ السِّلَاحَ وَالْخَيْلَ، فَإِذَا فَارَقَهُمْ إِلْيَاسُ وَوَضَعُوا السِّلَاحَ عَنْهُمْ وَأَمِنُوا، فَسِرْ إِلَيْهِ وَأَوْصِلْ كِتَابِي إِلَيْهِ. فَمَضَى الرَّجُلُ وَدَخَلَ عَسْكَرَ ابْنِ عَطَّافٍ، وَقَارَبَهُمْ إِلْيَاسُ فَتَحَرَّكُوا لِلرُّكُوبِ، ثُمَّ فَارَقَهُمْ إِلْيَاسُ نَحْوَ تُونِسَ فَسَكَنُوا وَقَالُوا: قَدْ دَخَلَ بَيْنَ فَكَّيْ أَسَدٍ، نَحْنُ مِنْ هَاهُنَا وَأَهْلُ تُونِسَ مِنْ هُنَاكَ، وَأَمِنُوا وَصَمَّمُوا الْعَزْمَ عَلَى الْمَسِيرِ خَلْفَهُ. فَلَمَّا أَمِنُوا سَارَ ذَلِكَ الرَّجُلُ إِلَى إِلْيَاسَ فَأَوْصَلَ إِلَيْهِ كِتَابَ أَخِيهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَإِذَا فِيهِ: إِنَّ الْقَوْمَ قَدْ أَمِنُوكَ فَسِرْ إِلَيْهِمْ وَهُمْ فِي غَفْلَتِهِمْ. فَعَادَ إِلْيَاسُ إِلَيْهِمْ وَهُمْ غَارُّونَ فَلَمْ يَلْحَقُوا يَلْبَسُونَ سِلَاحَهُمْ حَتَّى دَهَمَهُمْ فَقَتَلَهُمْ، وَقَتَلَ ابْنَ عَطَّافٍ أَمِيرَهُمْ سَنَةَ ثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، وَأَرْسَلَ إِلَى أَخِيهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُبَشِّرُهُ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَأْمُرُهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى أَهْلِ تُونِسَ وَيَقُولُ: إِنَّهُمْ إِذَا رَأَوْكَ ظَنُّوكَ ابْنَ عَطَّافٍ فَأَمِنُوكَ فَظَفِرْتَ بِهِمْ. فَسَارَ إِلَيْهِمْ، فَكَانَ كَمَا قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَوَصَلَ إِلَيْهَا وَصَاحِبُهَا عُرْوَةُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي الْحَمَّامِ، فَلَمْ يَلْحَقْ يَلْبَسُ ثِيَابَهُ حَتَّى غَشِيَهُ إِلْيَاسُ فَالْتَحَفَ بِمِنْشَفَةٍ يُنَشِّفُ بِهَا بَدَنَهُ وَرَكِبَ فَرَسَهُ عُرْيَانًا وَهَرَبَ، فَصَاحَ بِهِ إِلْيَاسُ: يَا فَارِسَ الْعَرَبِ! فَعَادَ إِلَيْهِ، فَضَرَبَهُ إِلْيَاسُ وَاحْتَضَنَهُ عُرْوَةُ فَسَقَطَا إِلَى الْأَرْضِ، وَكَادَ عُرْوَةُ يَظْهَرُ عَلَى إِلْيَاسَ فَأَتَاهُ مَوْلًى لِإِلْيَاسَ فَقَتَلَهُ وَاحْتَزَّ رَأْسَهُ وَسَيَّرَهُ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ. وَأَقَامَ إِلْيَاسُ بِتُونِسَ، وَخَرَجَ عَلَيْهِ رَجُلَانِ بِطَرَابُلُسَ اسْمُهُمَا عَبْدُ الْجَبَّارِ وَالْحَارِثُ وَقَتَلَا مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ جَمَاعَةً كَثِيرَةً، فَسَارَ إِلَيْهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ وَقَاتَلَهُمَا فَقُتِلَا، وَكَانَا يَدِينَانِ بِمَذْهَبِ الْإِبَاضِيَّةِ مِنَ الْخَوَارِجِ. وَجَنَّدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي قِتَالِ الْبَرْبَرِ، وَعَمَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ سُورَ طَرَابُلُسَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، ثُمَّ إِنَّهُ عَادَ إِلَى الْقَيْرَوَانِ وَغَزَا تِلْمِسَانَ وَبِهَا جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنَ الْبَرْبَرِ فَظَفِرَ بِهِمْ، وَذَلِكَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، وَسَيَّرَ جَيْشًا إِلَى صِقِلِّيَّةَ فَظَفِرُوا وَغَنِمُوا غَنِيمَةً كَثِيرَةً، وَبَعَثَ جَيْشًا آخَرَ إِلَى سَرْدَانِيَةَ فَغَنِمُوا وَقَتَلُوا فِي الرُّومِ، وَدَوَّخَ الْمَغْرِبَ جَمِيعَهُ وَلَمْ يَنْهَزِمْ لَهُ عَسْكَرٌ.

стр. 2295

وَقُتِلَ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَزَالَتْ دَوْلَةُ بَنِي أُمَيَّةَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بِإِفْرِيقِيَّةَ، فَخَطَبَ لِلْخُلَفَاءِ الْعَبَّاسِيِّينَ وَأَطَاعَ السَّفَّاحَ. ثُمَّ قَدِمَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ فَتَزَوَّجَ هُوَ وَإِخْوَتُهُ مِنْهُمْ، وَكَانَ فِيمَنْ قَدِمَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ: الْعَاصُ وَعَبْدُ الْمُؤْمِنِ ابْنَا الْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَكَانَتِ ابْنَةُ عَمِّهَا تَحْتَ إِلْيَاسَ أَخِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَبَلَغَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ عَنْهُمَا السَّعْيُ فِي الْفَسَادِ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُمَا، فَقَالَتِ ابْنَةُ عَمِّهِمَا لِزَوْجِهَا إِلْيَاسَ: إِنَّ أَخَاكَ قَدْ قَتَلَ أَخْتَانَكَ وَلَمْ يُرَاقِبْكَ فِيهِمْ وَتَهَاوَنَ بِكَ، وَأَنْتَ سَيْفُهُ الَّذِي يَضْرِبُ بِهِ، وَكُلَّمَا فَتَحْتَ لَهُ فَتْحًا كَتَبَ إِلَى الْخُلَفَاءِ: إِنَّ ابْنِي حَبِيبًا فَتَحَهُ، وَقَدْ جَعَلَ لَهُ الْعَهْدَ بَعْدَهُ وَعَزَلَكَ عَنْهُ. وَلَمْ تَزَلْ تُغْرِيهِ بِهِ. فَتَحَرَّكَ لِقَوْلِهَا وَأَعْمَلَ الْحِيلَةَ عَلَى أَخِيهِ. ثُمَّ إِنَّ السَّفَّاحَ تُوُفِّيَ وَوَلِيَ الْخِلَافَةَ بَعْدَهُ الْمَنْصُورُ فَأَقَرَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ خُلْعَةً سَوْدَاءَ أَوَّلَ خِلَافَتِهِ فَلَبِسَهَا، وَهِيَ أَوَّلُ سَوَادٍ دَخَلَ إِفْرِيقِيَّةَ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ هَدِيَّةً وَكَتَبَ يَقُولُ: إِنَّ إِفْرِيقِيَّةَ الْيَوْمَ إِسْلَامِيَّةٌ كُلُّهَا، وَقَدِ انْقَطَعَ السَّبْيُ مِنْهَا وَالْمَالُ، فَلَا تَطْلُبْ مِنِّي مَالًا. فَغَضِبَ الْمَنْصُورُ وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَتَهَدَّدُهُ، فَخَلَعَ الْمَنْصُورَ بِإِفْرِيقِيَّةَ وَمَزَّقَ خُلْعَتَهُ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَكَانَ خَلْعُ الْمَنْصُورِ مِمَّا أَعَانَ أَخَاهُ إِلْيَاسَ عَلَيْهِ. فَاتَّفَقَ جَمَاعَةٌ مِنْ وُجُوهِ الْقَيْرَوَانِ مَعَهُ عَلَى أَنْ يَقْتُلُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ وَيُوَلُّوهُ وَيُعِيدَ الدُّعَاءَ لِلْمَنْصُورِ. فَبَلَغَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَأَمَرَ أَخَاهُ إِلْيَاسَ بِالْمَسِيرِ إِلَى تُونِسَ، فَتَجَهَّزَ وَدَخَلَ إِلَيْهِ يُوَدِّعُهُ وَمَعَهُ أَخُوهُ عَبْدُ الْوَارِثِ، فَلَمَّا دَخَلَا عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَتَلَاهُ. (وَكَانَ قَتْلُهُ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، وَكَانَتْ إِمَارَتُهُ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ عَشْرَ سِنِينَ وَسَبْعَةَ أَشْهُرٍ. وَلَمَّا قُتِلَ) ضَبَطَ إِلْيَاسُ أَبْوَابَ الدَّارِ لِيَأْخُذَ ابْنَهُ حَبِيبًا، فَلَمْ يَظْفَرْ بِهِ، وَهَرَبَ حَبِيبٌ إِلَى تُونِسَ وَاجْتَمَعَ بِعَمِّهِ عِمْرَانَ بْنِ حَبِيبٍ وَأَخْبَرَهُ بِقَتْلِ أَبِيهِ، وَسَارَ إِلْيَاسُ إِلَيْهِمَا، وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا يَسِيرًا، ثُمَّ اصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ يَكُونَ لِحَبِيبٍ قَفْصَةُ وَقَسْطِيلَةُ وَنِفْزَاوَةُ، وَيَكُونُ لِعِمْرَانَ تُونِسُ (وَصَطْفُورَةُ وَالْجَزِيرَةُ، وَيَكُونُ سَائِرُ إِفْرِيقِيَّةَ لِإِلْيَاسَ، وَكَانَ هَذَا الصُّلْحُ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، فَلَمَّا اصْطَلَحُوا سَارَ حَبِيبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى عَمَلِهِ، وَمَضَى إِلْيَاسُ مَعَ أَخِيهِ عِمْرَانَ إِلَى تُونِسَ فَغَدَرَ بِعِمْرَانَ أَخِيهِ وَقَتَلَهُ وَأَخَذَ تُونِسَ) وَقَتَلَ جَمَاعَةً مِنْ

стр. 2296

أَشْرَافِ الْعَرَبِ وَعَادَ إِلَى الْقَيْرَوَانِ. فَلَمَّا اسْتَقَرَّ بِهَا بَعَثَ بِطَاعَتِهِ إِلَى الْمَنْصُورِ مَعَ وَفْدٍ مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَنْعَمَ قَاضِي إِفْرِيقِيَّةَ. ثُمَّ سَارَ حَبِيبٌ إِلَى تُونِسَ فَمَلَكَهَا، فَسَارَ إِلَيْهِ إِلْيَاسُ وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا ضَعِيفًا، فَلَمَّا جَنَّهُمُ اللَّيْلُ تَرَكَ حَبِيبٌ خِيَامَهُ وَسَارَ جَرِيدَةُ إِلَى الْقَيْرَوَانِ فَدَخَلَهَا وَأَخْرَجَ مَنْ فِي السِّجْنِ وَكَثُرَ جَمْعُهُ. وَرَجَعَ إِلْيَاسُ فِي طَلَبِهِ فَفَارَقَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ وَقَصَدُوا حَبِيبًا، فَعَظُمَ جَيْشُهُ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ فَالْتَقَيَا، فَغَدَرَ أَصْحَابُ إِلْيَاسَ، وَبَرَزَ حَبِيبٌ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، فَقَالَ لَهُ: مَا لَنَا نَقْتُلُ صَنَائِعَنَا وَمَوَالِيَنَا؟ وَلَكِنِ ابْرُزْ أَنْتَ إِلَيَّ فَأَيُّنَا قَتَلَ صَاحِبَهُ اسْتَرَاحَ مِنْهُ. فَتَوَقَّفَ إِلْيَاسُ ثُمَّ بَرَزَ إِلَيْهِ فَاقْتَتَلَا قِتَالًا شَدِيدًا تَكَسَّرَ فِيهِ رُمْحَاهُمَا ثُمَّ سَيْفَاهُمَا، ثُمَّ إِنَّ حَبِيبًا عَطَفَ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ وَدَخَلَ الْقَيْرَوَانَ، وَكَانَ ذَلِكَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ. وَهَرَبَ إِخْوَةُ إِلْيَاسَ إِلَى بَطْنٍ مِنَ الْبَرْبَرِ يُقَالُ لَهُمْ وَرْفَجُومَةَ فَاعْتَصَمُوا بِهِمْ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ حَبِيبٌ فَقَاتَلَهُمْ فَهَزَمُوهُ، فَسَارَ إِلَى قَابِسَ، وَقَوِيَ أَمْرُ وَرْفَجُومَةَ حِينَئِذٍ، وَأَقْبَلَتِ الْبَرْبَرُ إِلَيْهِمْ وَالْخَوَارِجُ، وَكَانَ مُقَدِّمُ وَرْفَجُومَةَ رَجُلًا اسْمُهُ عَاصِمُ بْنُ جَمِيلٍ، (وَكَانَ قَدِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ وَالْكَهَانَةَ، فَبَدَّلَ الدِّينَ وَزَادَ فِي الصَّلَاةِ وَأَسْقَطَ ذِكْرَ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْأَذَانِ، فَجَهَّزَ عَاصِمٌ) مَنْ عِنْدِهِ مِنَ الْعَرَبِ عَلَى قَصْدِ الْقَيْرَوَانِ، وَأَتَاهُ رُسُلُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْقَيْرَوَانِ يَدْعُونَهُ إِلَيْهِمْ، وَأَخَذُوا عَلَيْهِ الْعُهُودَ وَالْمَوَاثِيقَ بِالْحِمَايَةِ وَالصِّيَانَةِ وَالدُّعَاءِ لِلْمَنْصُورِ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ عَاصِمٌ فِي الْبَرْبَرِ وَالْعَرَبِ، فَلَمَّا قَارَبُوا الْقَيْرَوَانَ خَرَجَ مَنْ بِهَا لِقِتَالِهِمْ فَاقْتَتَلُوا، وَانْهَزَمَ أَهْلُ الْقَيْرَوَانِ، وَدَخَلَ عَاصِمٌ وَمَنْ مَعَهُ الْقَيْرَوَانَ، فَاسْتَحَلَّتْ وَرْفَجُومَةُ الْمُحَرَّمَاتِ، وَسَبَوُا النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ، وَرَبَطُوا دَوَابَّهُمْ فِي الْجَامِعِ وَأَفْسَدُوا فِيهِ. ثُمَّ سَارَ عَاصِمٌ يَطْلُبُ حَبِيبًا وَهُوَ بِقَابِسَ فَأَدْرَكَهُ وَاقْتَتَلُوا، وَانْهَزَمَ حَبِيبٌ إِلَى جَبَلِ أُورَاسَ فَاحْتَمَى بِهِ، وَقَامَ بِنُصْرَةِ مَنْ بِهِ، وَلَحِقَ بِهِ عَاصِمٌ فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ عَاصِمٌ وَقُتِلَ هُوَ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ، وَسَارَ حَبِيبٌ إِلَى الْقَيْرَوَانِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ، وَقَدْ قَامَ بِأَمْرِ وَرْفَجُومَةَ بَعْدَ قَتْلِ عَاصِمٍ، فَاقْتَتَلَ هُوَ وَحَبِيبٌ، فَانْهَزَمَ حَبِيبٌ وَقُتِلَ هُوَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ أَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ. وَكَانَتْ إِمَارَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَبِيبٍ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ عَشْرَ سِنِينَ وَأَشْهُرًا، وَإِمَارَةُ أَخِيهِ

стр. 2297

إِلْيَاسَ سَنَةً وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ، وَإِمَارَةُ ابْنِهِ حَبِيبٍ ثَلَاثَ سِنِينَ. ذِكْرُ إِخْرَاجِ وَرْفَجُومَةَ مِنَ الْقَيْرَوَانِ وَلِمَا قُتِلَ حَبِيبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَادَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ إِلَى الْقَيْرَوَانِ، وَفَعَلَ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ عَاصِمٌ مِنَ الْفَسَادِ وَالظُّلْمِ وَقِلَّةِ الدِّينِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَفَارَقَ الْقَيْرَوَانَ أَهْلُهَا. فَاتَّفَقَ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْإِبَاضِيَّةِ دَخَلَ الْقَيْرَوَانَ لِحَاجَةٍ لَهُ، فَرَأَى نَاسًا مَنِ الْوَرْفَجُومِيِّينَ قَدْ أَخَذُوا امْرَأَةً قَهْرًا وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ فَأَدْخَلُوهَا الْجَامِعَ، فَتَرَكَ الْإِبَاضَيُّ حَاجَتَهُ وَقَصَدَ أَبَا الْخَطَّابِ عَبْدَ الْأَعْلَى بْنَ السَّمْحِ الْمَعَافِرِيَّ فَأَعْلَمَهُ ذَلِكَ، فَخَرَجَ أَبُو الْخَطَّابِ وَهُوَ يَقُولُ: بَيْتَكَ اللَّهُمَّ بَيْتَكَ! فَاجْتَمَعَ (إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، وَقَصَدُوا طَرَابُلُسَ الْغَرْبِ، وَاجْتَمَعَ) عَلَيْهِ النَّاسُ مِنَ الْإِبَاضِيَّةِ وَالْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ، وَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ عَبْدُ الْمَلِكِ، مُقَدِّمُ وَرْفَجُومَةَ، جَيْشًا فَهَزَمُوهُ وَسَارُوا إِلَى الْقَيْرَوَانِ، فَخَرَجَتْ إِلَيْهِمْ وَرْفَجُومَةُ وَاقْتَتَلُوا وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، فَانْهَزَمَ أَهْلُ الْقَيْرَوَانِ الَّذِينَ مَعَ وَرْفَجُومَةَ وَخَذَلُوهُمْ، فَتَبِعَهُمْ وَرْفَجُومَةُ فِي الْهَزِيمَةِ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِيهِمْ وَقُتِلَ عَبْدُ الْمَلِكِ الْوَرْفَجُومِيُّ، وَتَبِعَهُمْ أَبُو الْخَطَّابِ يَقْتُلُهُمْ حَتَّى أَسْرَفَ فِيهِمْ، وَعَادَ إِلَى طَرَابُلُسَ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْقَيْرَوَانِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ رُسْتُمَ الْفَارِسِيَّ. وَكَانَ قَتْلُ وَرْفَجُومَةَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ. ثُمَّ إِنَّ جَمَاعَةً كَثِيرَةً مِنَ الْمُسَوِّدَةِ سَيَّرَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ الْخُزَاعِيُّ، أَمِيرُ مِصْرَ لِلْمَنْصُورِ، إِلَى طَرَابُلُسَ لِقِتَالِ أَبِي الْخَطَّابِ، وَعَلَيْهِمْ أَبُو الْأَحْوَصِ عُمَرُ بْنُ الْأَحْوَصِ الْعِجْلِيُّ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ أَبُو الْخَطَّابِ وَقَاتَلَهُمْ وَهَزَمَهُمْ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ، فَعَادُوا إِلَى مِصْرَ، وَاسْتَوْلَى أَبُو الْخَطَّابِ عَلَى سَائِرِ إِفْرِيقِيَّةَ. فَسَيَّرَ إِلَيْهِ الْمَنْصُورُ مُحَمَّدَ بْنَ الْأَشْعَثِ الْخُزَاعِيَّ أَمِيرًا عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ، فَسَارَ مِنْ مِصْرَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ فَوَصَلَ إِلَيْهَا فِي خَمْسِينَ أَلْفًا، وَوَجَّهَ مَعَهُ الْأَغْلَبَ بْنَ سَالِمٍ التَّمِيمِيَّ، وَبَلَغَ أَبَا الْخَطَّابِ مَسِيرُهُ فَجَمَعَ أَصْحَابَهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، فَكَثُرَ جَمْعُهُ وَخَافَهُ ابْنُ الْأَشْعَثِ لِكَثْرَةِ جُمُوعِهِ. فَتَنَازَعَتْ زِنَاتَةُ وَهَوَارَةُ بِسَبَبِ قَتِيلٍ مِنْ زِنَاتَةَ، فَاتَّهَمَتْ زِنَاتَةُ أَبَا الْخَطَّابِ بِالْمَيْلِ إِلَيْهِمْ، فَفَارَقَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ، فَقَوِيَ جَنَانُ ابْنُ الْأَشْعَثِ وَسَارَ سَيْرًا رُوَيْدًا، ثُمَّ أَظْهَرَ أَنَّ الْمَنْصُورَ قَدْ أَمَرَهُ بِالْعَوْدِ، وَعَادَ إِلَى وَرَائِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ سَيْرًا بَطِيئًا، فَوَصَلَتْ عُيُونُ أَبِي الْخَطَّابِ وَأَخْبَرَتْهُ بِعَوْدِهِ، فَتَفَرَّقَ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَأَمِنَ الْبَاقُونَ، فَعَادَ ابْنُ الْأَشْعَثِ

стр. 2298

وَشُجْعَانُ عَسْكَرِهِ مُجِدًّا، فَصَبَّحَ أَبَا الْخَطَّابِ وَهُوَ غَيْرُ مُتَأَهِّبٍ لِلْحَرْبِ، فَوَضَعُوا السُّيُوفَ فِي الْخَوَارِجِ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، فَقُتِلَ أَبُو الْخَطَّابِ وَعَامَّةُ أَصْحَابِهِ فِي صَفَرٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ. وَظَنَّ ابْنُ الْأَشْعَثِ أَنَّ مَادَّةَ الْخَوَارِجِ قَدِ انْقَطَعَتْ، وَإِذَا [هُمْ] قَدْ أَطَلَّ عَلَيْهِمْ أَبُو هُرَيْرَةَ الزِّنَاتِيُّ فِي سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفًا، فَلَقِيَهُمُ ابْنُ الْأَشْعَثِ وَقَتَلَهُمْ جَمِيعًا سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ، وَكَتَبَ إِلَى الْمَنْصُورِ بِظَفَرِهِ، وَرَتَّبَ الْوُلَاةَ فِي الْأَعْمَالِ كُلِّهَا، وَبَنَى سُورَ الْقَيْرَوَانِ فِيهَا، وَتَمَّ سَنَةَ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ، وَضَبَطَ إِفْرِيقِيَّةَ، وَأَمْعَنَ فِي طَلَبِ كُلِّ مَنْ خَالَفَهُ مِنَ الْبَرْبَرِ (وَغَيْرِهِمْ، فَسَيَّرَ جَيْشًا إِلَى زَوِيلَةَ وَوَدَّانَ، فَافْتَتَحَ وَدَّانَ وَقَتَلَ مَنْ بِهَا مِنَ الْإِبَاضِيَّةِ، وَافْتَتَحَ زَوِيلَةَ وَقَتَلَ مُقَدِّمَهُمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سِنَانٍ الْإِبَاضِيَّ وَأَجْلَى الْبَاقِينَ. فَلَمَّا رَأَى الْبَرْبَرُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعَبَثِ وَالْخِلَافِ عَلَى الْأُمَرَاءِ ذَلِكَ) خَافُوهُ خَوْفًا شَدِيدًا وَأَذْعَنُوا لَهُ بِالطَّاعَةِ. فَثَارَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ جُنْدِهِ يُقَالُ لَهُ هَاشِمُ بْنُ الشَّاحِجِ بِقَمُونِيَةَ، وَتَبِعَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْجُنْدِ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ ابْنُ الْأَشْعَثِ قَائِدًا فِي عَسْكَرٍ، فَقَتَلَهُ هَاشِمٌ وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ، وَجَعَلَ الْمُضَرِيَّةُ مِنْ قُوَّادِ ابْنِ الْأَشْعَثِ يَأْمُرُونَ أَصْحَابَهُمْ بِاللَّحَاقِ بِهَاشِمٍ كَرَاهِيَةً لِابْنِ الْأَشْعَثِ لِأَنَّهُ تَعَصَّبَ عَلَيْهِمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ ابْنُ الْأَشْعَثِ جَيْشًا آخَرَ، فَاقْتَتَلُوا وَانْهَزَمَ هَاشِمٌ وَلَحِقَ بِتَاهَرْتَ، وَجَمَعَ طَغَامَ الْبَرْبَرِ، فَبَلَغَتْ عِدَّةُ عَسْكَرِهِ عِشْرِينَ أَلْفًا، فَسَارَ بِهِمْ إِلَى تَهُوذَةَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ ابْنُ الْأَشْعَثِ جَيْشًا، فَانْهَزَمَ هَاشِمٌ وَقَتَلُوا كَثِيرًا مِنْ أَصْحَابِهِ الْبَرْبَرِ وَغَيْرِهِمْ، فَسَارَ إِلَى نَاحِيَةِ طَرَابُلُسَ. وَقَدِمَ رَسُولٌ مِنَ الْمَنْصُورِ إِلَى هَاشِمٍ يَلُومُهُ عَلَى مُفَارَقَةِ الطَّاعَةِ، فَقَالَ: مَا خَالَفْتُ وَلَكِنِّي دَعَوْتُ لِلْمَهْدِيِّ بَعْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنْكَرَ ابْنُ الْأَشْعَثِ ذَلِكَ وَأَرَادَ قَتْلِي. فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ: فَإِنْ كُنْتَ عَلَى الطَّاعَةِ فَمُدَّ عُنُقَكَ. فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ فَقَتَلَهُ سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ فِي صَفَرٍ، وَبَذَلَ الْأَمَانَ لِأَصْحَابِ هَاشِمٍ جَمِيعِهِمْ فَعَادُوا. وَتَبِعَهُمُ ابْنُ الْأَشْعَثِ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَتَلَهُمْ، فَغَضِبَ الْمُضَرِيَّةُ وَاجْتَمَعَتْ عَلَى عَدَاوَتِهِ وَخِلَافِهِ، وَاجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى إِخْرَاجِهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ سَارَ عَنْهُمْ، وَلَقِيَتْهُ رُسُلُ الْمَنْصُورِ بِالْبِرِّ وَالْإِكْرَامِ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ، وَاسْتَعْمَلَ الْمُضَرِيَّةُ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ بَعْدَهُ عِيسَى بْنَ مُوسَى

стр. 2299

الْخُرَاسَانِيَّ. (وَكَانَ [بَعْدَ] مَسِيرِ ابْنِ الْأَشْعَثِ تَأْمِيرُ الْخُرَاسَانِيِّ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَاسْتَعْمَلَ الْمَنْصُورُ الْأَغْلَبَ التَّمِيمِيَّ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ) ، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ. وَإِنَّمَا أَوْرَدْنَا هَذِهِ الْحَوَادِثَ مُتَتَابِعَةً لِتَعَلُّقِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ عَلَى مَا شَرَطْنَاهُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا كُلَّ حَادِثَةٍ فِي أَيِّ سَنَةٍ كَانَتْ فَحَصَلَ الْغَرَضَانِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ يَزِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ يُوسُفَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ عَنِ الْمَدِينَةِ، وَاسْتَعْمَلَ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، فَقَدَّمَهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنَ السَّنَةِ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَقِيلَ: عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَكَانَ الْعَامِلَ عَلَى الْعِرَاقِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَعَلَى الْبَصْرَةِ الْمُسَوَّرُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبَّادٍ، وَعَلَى قَضَائِهَا عَامِرُ بْنُ عُبَيْدَةَ، وَعَلَى خُرَاسَانَ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ الْكِنَانِيُّ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا كَاتَبَ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ أَمِيرَ الْجَزِيرَةِ الْغَمْرَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ يَحُثُّهُ عَلَى الطَّلَبِ بِدَمِ أَخِيهِ الْوَلِيدِ وَيَعِدُهُ الْمُسَاعَدَةَ لَهُ وَإِنْجَادَهُ عَلَى ذَلِكَ. وَفِيهَا مَاتَ سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَقِيلَ: سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ.

стр. 2300

وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ. وَمَالِكُ بْنُ دِينَارٍ الزَّاهِدُ، وَقِيلَ مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَقِيلَ سَنَةَ ثَلَاثِينَ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْكُمَيْتُ بْنُ زَيْدٍ الشَّاعِرُ الْأَسَدِيُّ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ سِتِّينَ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَقِيلَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ. وَفِي إِمَارَةِ يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ عَلَى الْعِرَاقِ تُوُفِّيَ أَبُو جَمْرَةَ الضُّبَعِيُّ صَاحِبُ ابْنِ عَبَّاسٍ. (جَمْرَةُ: بِالْجِيمِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ) .

стр. 2301

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَة] ١٢٧ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ مَسِيرِ مَرْوَانَ إِلَى الشَّامِ وَخَلْعِ إِبْرَاهِيمَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ مَرْوَانُ إِلَى الشَّامِ لِمُحَارَبَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْوَلِيدِ. وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ مَا قَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَهُ مِنْ مَسِيرِ مَرْوَانَ بَعْدَ مَقْتَلِ الْوَلِيدِ وَإِنْكَارِهِ قَتْلَهُ، وَغَلَبَتِهِ عَلَى الْجَزِيرَةِ، ثُمَّ مُبَايَعَتِهِ لِيَزِيدَ بْنِ الْوَلِيدِ بَعْدَمَا وَلَّاهُ يَزِيدُ مِنْ عَمَلِ أَبِيهِ. فَلَمَّا مَاتَ يَزِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ سَارَ مَرْوَانُ فِي جُنُودِ الْجَزِيرَةِ، وَخَلَّفَ ابْنَهُ عَبْدَ الْمَلِكِ فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ بِالرَّقَّةِ، فَلَمَّا انْتَهَى مَرْوَانُ إِلَى قِنَّسْرِينَ لَقِيَ بِهَا بِشْرَ بْنَ الْوَلِيدِ، كَانَ وَلَّاهُ أَخُوهُ يَزِيدُ قِنَّسْرِينَ، وَمَعَهُ أَخُوهُ مَسْرُورُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَتَصَافَوْا، وَدَعَاهُمْ مَرْوَانُ إِلَى بَيْعَتِهِ، فَمَالَ إِلَيْهِ يَزِيدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ هُبَيْرَةَ فِي الْقَيْسِيَّةِ، وَأَسْلَمُوا بِشْرًا وَأَخَاهُ مَسْرُورًا، فَأَخَذَهُمَا مَرْوَانُ فَحَبَسَهُمَا، وَسَارَ وَمَعَهُ أَهْلُ قِنَّسْرِينَ مُتَوَجِّهًا إِلَى حِمْصَ. وَكَانَ أَهْلُ حِمْصَ قَدِ امْتَنَعُوا [حِينَ مَاتَ يَزِيدُ] مِنْ بَيْعَةِ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدِ الْعَزِيزِ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ إِبْرَاهِيمُ عَبْدَ الْعَزِيزِ وَجُنْدَ أَهْلِ دِمَشْقَ فَحَاصَرَهُمْ فِي مَدِينَتِهِمْ، وَأَسْرَعَ مَرْوَانُ السَّيْرَ، فَلَمَّا دَنَا مِنْ حِمْصَ رَحَلَ عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْهَا، وَخَرَجَ أَهْلُهَا إِلَى مَرْوَانَ فَبَايَعُوهُ وَسَارُوا مَعَهُ. وَوَجَّهَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْوَلِيدِ الْجُنُودَ مِنْ دِمَشْقَ مَعَ سُلَيْمَانَ بْنِ هِشَامٍ، فَنَزَلَ عَيْنَ الْجَرِّ فِي مِائَةٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا، وَنَزَلَهَا مَرْوَانُ فِي ثَمَانِينَ أَلْفًا، فَدَعَاهُمْ مَرْوَانُ إِلَى الْكَفِّ عَنْ قِتَالِهِ وَإِطْلَاقِ ابْنَيِ الْوَلِيدِ الْحَكَمِ وَعُثْمَانَ مِنَ السِّجْنِ، وَضَمِنَ لَهُمْ أَنَّهُ لَا يَطْلُبُ أَحَدًا مِنْ قَتَلَةِ الْوَلِيدِ. فَلَمْ يُجِيبُوهُ وَجَدُّوا فِي قِتَالِهِ، فَاقْتَتَلُوا مَا بَيْنَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ إِلَى الْعَصْرِ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ بَيْنَهُمْ. وَكَانَ مَرْوَانُ ذَا رَأْيٍ وَمَكِيدَةٍ، فَأَرْسَلَ ثَلَاثَةَ آلَافِ فَارِسٍ، فَسَارُوا خَلْفَ عَسْكَرِهِ، وَقَطَعُوا نَهْرًا كَانَ هُنَاكَ، وَقَصَدُوا عَسْكَرَ إِبْرَاهِيمَ لِيُغِيرُوا فِيهِ، فَلَمْ يَشْعُرْ سُلَيْمَانُ وَمَنْ مَعَهُ وَهُمْ مَشْغُولُونَ بِالْقِتَالِ إِلَّا بِالْخَيْلِ وَالْبَارِقَةِ وَالتَّكْبِيرِ فِي عَسْكَرِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ، فَلَمَّا رَأَوْا

стр. 2302

ذَلِكَ انْهَزَمُوا، وَوَضَعَ أَهْلُ حِمْصَ السِّلَاحَ فِيهِمْ لِحَنَقِهِمْ عَلَيْهِمْ فَقَتَلُوا مِنْهُمْ سَبْعَةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَكَفَّ أَهْلُ الْجَزِيرَةِ وَأَهْلُ قِنَّسْرِينَ عَنْ قَتْلِهِمْ، وَأَتَوْا مَرْوَانَ مِنْ أُسَرَائِهِمْ بِمِثْلِ الْقَتْلَى وَأَكْثَرَ، فَأَخَذَ مَرْوَانُ عَلَيْهِمُ الْبَيْعَةَ لِوَلَدَيِ الْوَلِيدِ، وَخَلَّى عَنْهُمْ وَلَمْ يَقْتُلْ مِنْهُمْ إِلَّا رَجُلَيْنِ، أَحَدُهُمَا يَزِيدُ بْنُ الْعَقَارِ وَالْوَلِيدُ بْنُ مَصَادٍ الْكَلْبِيَّانِ، وَكَانَا مِمَّنْ وَلِيَ قَتْلَ الْوَلِيدِ، فَإِنَّهُ حَبَسَهُمَا فَهَلَكَا فِي حَبْسِهِ. وَهَرَبَ يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ فِيمَنْ هَرَبَ مَعَ سُلَيْمَانَ إِلَى دِمَشْقَ، وَاجْتَمَعُوا مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْحَجَّاجِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنْ بَقِيَ وَلَدَا الْوَلِيدِ حَتَّى يُخْرِجَهُمَا مَرْوَانُ وَيُصَيِّرَ الْأَمْرَ إِلَيْهِمَا لَمْ يَسْتَبْقِيَا أَحَدًا مِنْ قَتَلَةِ أَبِيهِمَا وَالرَّأْيُ قَتْلُهُمَا، فَرَأَى ذَلِكَ يَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ، فَأَمَرَ أَبَا الْأَسَدِ مَوْلَى خَالِدٍ بِقَتْلِهِمَا، وَأَخْرَجَ يُوسُفَ بْنَ عُمَرَ فَضَرَبَ رَقَبَتَهُ، وَأَرَادُوا قَتْلَ أَبِي مُحَمَّدٍ السُّفْيَانِيِّ فَدَخَلَ بَيْتًا مِنْ بُيُوتِ السِّجْنِ وَأَغْلَقَهُ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى فَتْحِهِ، فَأَرَادُوا إِحْرَاقَهُ فَلَمْ يُؤْتَوْا بِنَارٍ، حَتَّى قِيلَ: قَدْ دَخَلَتْ خَيْلُ مَرْوَانَ الْمَدِينَةَ، فَهَرَبُوا وَهَرَبَ إِبْرَاهِيمُ وَاخْتَفَى، وَانْتَهَبَ سُلَيْمَانُ مَا فِي بَيْتِ الْمَالِ فَقَسَّمَهُ فِي أَصْحَابِهِ وَخَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ. ذِكْرُ بَيْعَةِ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ بُويِعَ بِدِمَشْقَ لِمَرْوَانَ بِالْخِلَافَةِ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ دِمَشْقَ وَهَرَبَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْوَلِيدِ وَسُلَيْمَانُ، ثَارَ مَنْ بِدِمَشْقَ مِنْ مَوَالِي الْوَلِيدِ إِلَى دَارِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَقَتَلُوهُ، وَنَبَشُوا قَبْرَ يَزِيدَ بْنِ الْوَلِيدِ فَصَلَبُوهُ عَلَى بَابِ الْجَابِيَةِ، وَأُتِيَ مَرْوَانُ بِالْغُلَامَيْنِ الْحَكَمِ وَعُثْمَانَ ابْنَيِ الْوَلِيدِ مَقْتُولَيْنِ، وَبِيُوسُفَ بْنِ عُمَرَ، فَدَفَنَهُمْ، وَأُتِيَ بِأَبِي مُحَمَّدٍ السُّفْيَانِيِّ فِي قُيُودِهِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ بِالْخِلَافَةِ، وَمَرْوَانُ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ يَوْمَئِذٍ بِالْإِمْرَةِ، فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: مَهْ! فَقَالَ: إِنَّهُمَا جَعَلَاهَا لَكَ بَعْدَهُمَا، وَأَنْشَدَهُ شِعْرًا قَالَهُ الْحَكَمُ فِي السِّجْنِ، وَكَانَا قَدْ بَلَغَا وَوُلِدَ لِأَحَدِهِمَا، وَهُوَ الْحَكَمُ، فَقَالَ الْحَكَمُ: أَلَا مَنْ مُبْلِغٌ مَرْوَانَ عَنِّي ... وَعَمِّي الْغَمْرُ طَالَ بِهِ حَنِينَا

стр. 2303

بِأَنِّي قَدْ ظُلِمْتُ وَصَارَ قَوْمِي عَلَى قَتْلِ الْوَلِيدِ مُشَايِعِينَا ... أَيَذْهَبُ كُلُّهُمْ بِدَمِي وَمَالِي فَلَا غَثًّا أَصَبْتُ وَلَا سَمِينَا ... وَمَرْوَانٌ بِأَرْضِ بَنِي نِزَارٍ كَلَيْثِ الْغَابِ مُفْتَرِسٍ عَرِينَا ... أَتُنْكَثُ بَيْعَتِي مِنْ أَجْلِ أُمِّي فَقَدْ بَايَعْتُمُ قَبْلِي هَجِينَا ... فَإِنْ أَهْلِكْ أَنَا وَوَلِيُّ عَهْدِي فَمَرْوَانٌ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَا ثُمَّ قَالَ: ابْسُطْ يَدَكَ أُبَايِعْكَ. وَسَمِعَهُ مَنْ مَعَ مَرْوَانَ، وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ بَايَعَهُ مُعَاوِيَةَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ حُصَيْنِ بْنِ نُمَيْرٍ وَرُءُوسَ أَهْلِ حِمْصَ وَالنَّاسَ بَعْدَهُ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ لَهُ الْأَمْرُ رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ بِحَرَّانَ، وَطَلَبَ مِنْهُ الْأَمَانَ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْوَلِيدِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ هِشَامٍ، فَآمَنَهُمَا، فَقَدِمَا عَلَيْهِ، وَكَانَ سُلَيْمَانُ بِتَدْمُرَ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ إِخْوَتِهِ وَأَهْلِ أَبِيهِ وَمَوَالِيهِ الذَّكْوَانِيَّةَ فَبَايَعُوا مَرْوَانَ بْنَ مُحَمَّدٍ. ذِكْرُ ظُهُورِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ ظَهَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِالْكُوفَةِ وَدَعَا إِلَى نَفْسِهِ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى الْكُوفَةِ، فَأَكْرَمَهُ وَأَجَازَهُ، وَأَجْرَى عَلَيْهِ وَعَلَى إِخْوَتِهِ كُلَّ يَوْمٍ ثَلَاثَمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَكَانُوا كَذَلِكَ حَتَّى هَلَكَ يَزِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَبَايَعَ النَّاسُ أَخَاهُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْوَلِيدِ وَبَعْدَهُ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ الْحَجَّاجِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَلَمَّا بَلَغَ خَبَرُ بَيْعَتِهِمَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بِالْكُوفَةِ بَايَعَ النَّاسُ، وَزَادَ فِي الْعَطَاءِ، وَكَتَبَ بِبَيْعَتِهِمَا إِلَى الْآفَاقِ، فَجَاءَتْهُ الْبَيْعَةُ، ثُمَّ بَلَغَهُ امْتِنَاعُ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ مِنَ الْبَيْعَةِ وَمَسِيرُهُ إِلَيْهِمَا إِلَى الشَّامِ، فَحَبَسَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُعَاوِيَةَ عِنْدَهُ وَزَادَهُ فِيمَا كَانَ يُجْرِي عَلَيْهِ

стр. 2304

وَأَعَدَّهُ لِمَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ إِنْ هُوَ ظَفِرَ بِإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْوَلِيدِ لَيُبَايِعُ لَهُ وَيُقَاتِلُ بِهِ مَرْوَانَ، فَمَاجَ النَّاسُ. وَوَرَدَ مَرْوَانُ الشَّامَ وَظَفِرَ بِإِبْرَاهِيمَ، فَانْهَزَمَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ إِلَى الْكُوفَةِ مُسْرِعًا، وَافْتَعَلَ كِتَابًا عَلَى لِسَانِ إِبْرَاهِيمَ بِإِمْرَةِ الْكُوفَةِ، وَجَمَعَ الْيَمَانِيَّةَ وَأَعْلَمَهُمْ ذَلِكَ، فَأَجَابُوهُ، وَامْتَنَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَلَيْهِ وَقَاتَلَهُ. فَلَمَّا رَأَى الْأَمْرَ كَذَلِكَ خَافَ أَنْ يَظْهَرَ أَمْرُهُ فَيَفْتَضِحَ وَيُقْتَلَ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: إِنِّي أَكْرَهُ سَفْكَ الدِّمَاءِ فَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ، فَكَفُّوا. وَظَهَرَ أَمْرُ إِبْرَاهِيمَ وَهَرَبُهُ، وَوَقَعَتِ الْعَصَبِيَّةُ بَيْنَ النَّاسِ، وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ أَعْطَى مُضَرَ وَرَبِيعَةَ عَطَايَا كَثِيرَةً، وَلَمْ يُعْطِ جَعْفَرَ بْنَ نَافِعِ بْنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ شَوْرٍ الذُّهْلِيَّ وَعُثْمَانَ بْنَ الْخَيْبَرِيِّ مِنْ تَيْمِ اللَّاتِ بْنِ ثَعْلَبَةَ شَيْئًا، وَهُمَا مِنْ رَبِيعَةَ، فَكَانَا مُغْضَبَيْنِ، وَغَضِبَ لَهُمَا ثُمَامَةُ بْنُ حَوْشَبِ بْنِ رُوَيْمٍ الشَّيْبَانِيُّ، وَخَرَجُوا مِنْ عِنْدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَهُوَ بِالْحِيرَةِ إِلَى الْكُوفَةِ فَنَادَوْا: يَا آلَ رَبِيعَةَ! فَاجْتَمَعَتْ رَبِيعَةُ وَتَنَمَّرُوا. وَبَلَغَ الْخَبَرُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَأَرْسَلَ أَخَاهُ عَاصِمًا، فَأَتَاهُمْ وَهُمْ بِدَيْرِ هِنْدٍ، فَأَلْقَى نَفْسَهُ بَيْنَهُمْ وَقَالَ: هَذِهِ يَدِي لَكُمْ فَاحْكُمُوا. فَاسْتَحْيَوْا وَرَجَعُوا وَعَظَّمُوا عَاصِمًا وَشَكَرُوهُ. فَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ أَرْسَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْغَضْبَانِ بْنِ الْقَبْعَثْرِيِّ بِمِائَةِ أَلْفٍ، فَقَسَّمَهَا فِي قَوْمِهِ بَنِي هَمَّامِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ ذُهْلٍ الشَّيْبَانِيِّ، وَإِلَى ثُمَامَةَ بْنِ حَوْشَبٍ بِمِائَةِ أَلْفِ قَسَّمَهَا فِي قَوْمِهِ، وَأَرْسَلَ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ نَافِعٍ بِمَالٍ، وَإِلَى عُثْمَانَ بْنِ الْخَيْبَرِيِّ بِمَالٍ. فَلَمَّا رَأَتِ الشِّيعَةُ ضَعْفَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ طَمِعُوا فِيهِ وَدَعَوْا إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَاجْتَمَعُوا فِي الْمَسْجِدِ وَثَارُوا، وَأَتَوْا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُعَاوِيَةَ وَأَخْرَجُوهُ مِنْ دَارِهِ وَأَدْخَلُوهُ الْقَصْرَ، وَمَنَعُوا عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ عَنِ الْقَصْرِ، فَلَحِقَ بِأَخِيهِ بِالْحِيرَةِ، وَجَاءَ ابْنَ مُعَاوِيَةَ الْكُوفِيُّونَ فَبَايَعُوهُ، فِيهِمْ: عُمَرُ بْنُ الْغَضْبَانِ، وَمَنْصُورُ بْنُ جُمْهُورٍ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ أَخُو خَالِدٍ، وَأَقَامَ أَيَّامًا يُبَايِعُهُ النَّاسُ، وَأَتَتْهُ الْبَيْعَةُ مِنَ الْمَدَائِنِ وَفَمِ النِّيلِ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ، فَخَرَجَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِالْحِيرَةِ، فَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: قَدْ أَقْبَلَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ

стр. 2305

فِي الْخَلْقِ، فَأَطْرَقَ مَلِيًّا، وَأَتَاهُ رَئِيسُ خَبَّازِيهِ فَأَعْلَمَهُ بِإِدْرَاكِ الطَّعَامِ، فَأَمَرَهُ بِإِحْضَارِهِ، فَأَحْضَرَهُ، فَأَكَلَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ وَهُوَ غَيْرُ مُكْتَرِثٍ، وَالنَّاسُ يَتَوَقَّعُونَ أَنْ يَهْجُمَ عَلَيْهِمُ ابْنُ مُعَاوِيَةَ، وَفَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ وَأَخْرَجَ الْمَالَ فَفَرَّقَهُ فِي قُوَّادِهِ، ثُمَّ دَعَا مَوْلًى لَهُ كَانَ يَتَبَرَّكُ بِهِ وَيَتَفَاءَلُ بِاسْمِهِ، كَانَ اسْمُهُ: إِمَّا مَيْمُونًا، وَإِمَّا رَبَاحًا، أَوْ فَتْحًا، أَوِ اسْمًا يُتَبَرَّكُ بِهِ، فَأَعْطَاهُ اللِّوَاءَ وَقَالَ لَهُ: امْضِ بِهِ إِلَى مَوْضِعِ كَذَا فَارْكُزْهُ وَادْعُ أَصْحَابَكَ وَأَقِمْ حَتَّى آتِيَكَ. فَفَعَلَ. وَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ فَإِذَا الْأَرْضُ بَيْضَاءُ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ مُعَاوِيَةَ، فَأَمَرَ ابْنُ عُمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى: مَنْ جَاءَ بِرَأْسٍ فَلَهُ خَمْسُمِائَةٍ. فَأُتِيَ بِرُءُوسٍ كَثِيرَةٍ وَهُوَ يُعْطِي مَا ضَمِنَ. وَبَرَزَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، فَبَرَزَ إِلَيْهِ الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الْغَفَّارِ الْعِجْلِيُّ، فَسَأَلَهُ الشَّامِيُّ فَعَرَفَهُ فَقَالَ: قَدْ ظَنَنْتُ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ إِلَيَّ رَجُلٌ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، وَاللَّهِ مَا أُرِيدُ قِتَالَكَ وَلَكِنْ أَحْبَبْتُ أَنْ أُلْقِيَ إِلَيْكَ حَدِيثًا، أُخْبِرُكَ أَنَّهُ لَيْسَ مَعَكُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، لَا إِسْمَاعِيلُ وَلَا مَنْصُورٌ وَلَا غَيْرُهُمَا، إِلَّا وَقَدْ كَاتَبَ ابْنَ عُمَرَ وَكَاتَبَتْهُ مُضَرُ، وَمَا أَرَى لَكُمْ يَا رَبِيعَةُ كِتَابًا وَلَا رَسُولًا، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ قَيْسٍ، فَإِنْ أَرَدْتُمُ الْكِتَابَ أَبْلَغْتُهُ وَنَحْنُ غَدًا بِإِزَائِكُمْ فَإِنَّهُمُ الْيَوْمَ لَا يُقَاتِلُونَكُمْ. فَبَلَغَ الْخَبَرُ ابْنَ مُعَاوِيَةَ فَأَخْبَرَهُ عُمَرَ بْنَ الْغَضْبَانِ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَوْثِقَ مِنْ إِسْمَاعِيلَ وَمَنْصُورٍ وَغَيْرِهِمَا، فَلَمْ يَفْعَلْ. وَأَصْبَحَ النَّاسُ مِنَ الْغَدِ غَادِينَ عَلَى الْقِتَالِ، فَحَمَلَ عُمَرُ بْنُ الْغَضْبَانِ عَلَى مَيْمَنَةِ ابْنِ عُمَرَ فَانْكَشَفُوا، وَمَضَى إِسْمَاعِيلُ وَمَنْصُورٌ مِنْ فَوْرِهِمَا إِلَى الْحِيرَةِ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ ابْنِ مُعَاوِيَةَ إِلَى الْكُوفَةِ، وَابْنُ مُعَاوِيَةَ مَعَهُمْ، فَدَخَلُوا الْقَصْرَ، وَبَقِيَ مَنْ بِالْمَيْسَرَةِ مِنْ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ وَمَنْ بِإِزَائِهِمْ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ عُمَرَ، فَقَالَ لِعُمَرَ بْنِ الْغَضْبَانِ: مَا كُنَّا نَأْمَنُ عَلَيْكُمْ مَا صَنَعَ النَّاسُ بِكُمْ، فَانْصَرَفُوا. فَقَالَ ابْنُ الْغَضْبَانِ: لَا أَبْرَحُ حَتَّى أُقْتَلَ. فَأَخَذَ أَصْحَابُهُ بِعِنَانِ دَابَّتِهِ فَأَدْخَلُوهُ الْكُوفَةَ، فَلَمَّا أَمْسَوْا قَالَ لَهُمُ ابْنُ مُعَاوِيَةَ: يَا مَعْشَرَ رَبِيعَةَ، قَدْ رَأَيْتُمْ مَا صَنَعَ النَّاسُ بِنَا، وَقَدْ أَعْلَقْنَا دِمَاءَنَا فِي أَعْنَاقِكُمْ، فَإِنْ قَاتَلْتُمْ قَاتَلْنَا مَعَكُمْ، وَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ النَّاسَ يَخْذُلُونَنَا وَإِيَّاكُمْ فَخُذُوا لَنَا وَلَكُمْ أَمَانًا. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْغَضْبَانِ: مَا نُقَاتِلُ مَعَكُمْ وَمَا نَأْخُذُ لَكُمْ أَمَانًا كَمَا نَأْخُذُ لِأَنْفُسِنَا. فَأَقَامُوا فِي الْقَصْرِ وَالزَّيْدِيَّةُ عَلَى أَفْوَاهِ السِّكَكِ يُقَاتِلُونَ أَصْحَابَ ابْنِ عُمَرَ أَيَّامًا. ثُمَّ إِنَّ رَبِيعَةَ أَخَذَتْ أَمَانًا لِابْنِ مُعَاوِيَةَ وَلِأَنْفُسِهِمْ وَلِلزَّيْدِيَّةِ لِيَذْهَبُوا حَيْثُ شَاءُوا، وَسَارَ

стр. 2306

ابْنُ مُعَاوِيَةَ مِنَ الْكُوفَةِ فَنَزَلَ الْمَدَائِنَ، فَأَتَاهُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَخَرَجَ بِهِمْ فَغَلَبَ عَلَى حُلْوَانَ وَالْجِبَالِ وَهَمْدَانَ وَأَصْبَهَانَ وَالرَّيِّ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ عَبِيدُ أَهْلِ الْكُوفَةِ. وَكَانَ شَاعِرًا مُجِيدًا، فَمِنْ قَوْلِهِ: وَلَا تَرْكَبَنَّ الصَّنِيعَ الَّذِي ... تَلُومُ أَخَاكَ عَلَى مِثْلِهِ وَلَا يُعْجِبَنَّكَ قَوْلُ امْرِئٍ ... يُخَالِفُ مَا قَالَ فِي فِعْلِهِ ذِكْرُ رُجُوعِ الْحَارِثِ بْنِ السُّرَيْجِ إِلَى مَرْوَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ رَجَعَ الْحَارِثُ إِلَى مَرْوَ، وَكَانَ مُقِيمًا عِنْدَ الْمُشْرِكِينَ مُدَّةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ سَبَبُ عَوْدِهِ، وَكَانَ قُدُومُهُ مَرْوَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، فَلَقِيَهُ النَّاسُ بِكُشْمَيْهِنَ، فَلَمَّا لَقِيَهُمْ قَالَ: مَا قَرَّتْ عَيْنِي مُنْذُ خَرَجْتُ إِلَى يَوْمِي هَذَا، وَمَا قُرَّةُ عَيْنِي إِلَّا أَنْ يُطَاعَ اللَّهُ. وَلَقِيَهُ نَصْرٌ وَأَنْزَلَهُ وَأَجْرَى عَلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسِينَ دِرْهَمًا، فَكَانَ يَقْتَصِرُ عَلَى لَوْنٍ وَاحِدٍ، وَأَطْلَقَ نَصْرٌ أَهْلَهُ وَأَوْلَادَهُ، وَعَرَضَ عَلَيْهِ نَصْرٌ أَنْ يُوَلِّيَهُ وَيُعْطِيَهُ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ، فَلَمْ يَقْبَلْ وَأَرْسَلَ إِلَى نَصْرٍ: إِنِّي لَسْتُ مِنَ الدُّنْيَا وَاللَّذَّاتِ فِي شَيْءٍ، إِنَّمَا أَسْأَلُكَ كِتَابَ اللَّهِ وَالْعَمَلَ بِالسُّنَّةِ، وَاسْتِعْمَالَ أَهْلِ الْخَيْرِ، فَإِنْ فَعَلْتَ سَاعَدْتُكَ عَلَى عَدُوِّكَ. وَأَرْسَلَ الْحَارِثُ إِلَى الْكَرْمَانِيِّ: إِنْ أَعْطَانِي نَصْرٌ الْعَمَلَ بِالْكِتَابِ وَمَا سَأَلْتُهُ عَضَّدْتُهُ وَقُمْتُ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَعَنْتُكَ إِنْ ضَمِنْتَ لِيَ الْقِيَامَ بِالْعَدْلِ وَالسُّنَّةِ. وَدَعَا بَنِي تَمِيمٍ إِلَى نَفْسِهِ، فَأَجَابَهُ مِنْهُمْ وَمِنْ غَيْرِهِمْ جَمْعٌ كَثِيرٌ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ ثَلَاثَةُ آلَافٍ، وَقَالَ لِنَصْرٍ: إِنَّمَا خَرَجْتُ مِنْ هَذِهِ الْبَلْدَةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً إِنْكَارًا لِلْجَوْرِ وَأَنْتَ تُرِيدُنِي عَلَيْهِ. ذِكْرُ انْتِقَاضِ أَهْلِ حِمْصَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ انْتَقَضَ أَهْلُ حِمْصَ عَلَى مَرْوَانَ.

стр. 2307

وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ مَرْوَانَ لَمَّا عَادَ إِلَى حَرَّانَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ أَقَامَ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، فَانْتَقَضَ عَلَيْهِ أَهْلُ حِمْصَ، وَكَانَ الَّذِي دَعَاهُمْ إِلَى ذَلِكَ ثَابِتُ بْنُ نُعَيْمٍ وَرَاسَلَهُمْ، وَأَرْسَلَ أَهْلُ حِمْصَ إِلَى مَنْ بِتَدْمُرَ مِنْ كَلْبٍ، فَأَتَاهُمُ الْأَصْبَغُ بْنُ ذُؤَالَةَ الْكَلْبِيُّ وَأَوْلَادُهُ وَمُعَاوِيَةُ السَّكْسَكِيُّ، وَكَانَ فَارِسَ أَهْلِ الشَّامِ، وَغَيْرُهُمَا فِي نَحْوٍ مِنْ أَلْفٍ مِنْ فُرْسَانِهِمْ، فَدَخَلُوا لَيْلَةَ الْفِطْرِ، فَجَدَّ مَرْوَانُ فِي السَّيْرِ إِلَيْهِ وَمَعَهُ إِبْرَاهِيمُ الْمَخْلُوعُ وَسُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامٍ، وَكَانَ قَدْ آمَنَهُمَا، وَكَانَ يُكْرِمُهُمَا، فَبَلَغَهُمَا بَعْدَ الْفِطْرِ بِيَوْمَيْنِ وَقَدْ سَدَّ أَهْلُهَا أَبْوَابَهَا، فَأَحْدَقَ بِالْمَدِينَةِ وَوَقَفَ بِإِزَاءِ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِهَا، فَنَادَى مُنَادِيهِ الَّذِينَ عِنْدَ الْبَابِ: مَا دَعَاكُمْ إِلَى النَّكْثِ؟ قَالُوا: إِنَّا عَلَى طَاعَتِكَ لَمْ نَنْكُثْ. قَالَ: فَافْتَحُوا الْبَابَ، فَفَتَحُوا الْبَابَ، فَدَخَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْوَضَّاحِ فِي الْوَضَّاحِيَّةِ، وَهُمْ نَحْوٌ مِنْ ثَلَاثَةِ آلَافٍ، فَقَاتَلَهُمْ مَنْ فِي الْبَلَدِ، فَكَثَّرَتْهُمْ خَيْلُ مَرْوَانَ، فَخَرَجَ بِهَا مَنْ بِهَا مِنْ بَابِ تَدْمُرَ، فَقَاتَلَهُمْ مَنْ عَلَيْهِ مِنْ أَصْحَابِ مَرْوَانَ، فَقَتَلَ عَامَّةَ مَنْ خَرَجَ مِنْهُ، وَأَفْلَتَ الْأَصْبَغُ بْنُ ذُؤَالَةَ وَابْنُهُ فُرَافِصَةُ، وَقَتَلَ مَرْوَانُ جَمَاعَةً مِنْ أُسَرَائِهِمْ، وَصَلَبَ خَمْسَمِائَةٍ مِنَ الْقَتْلَى حَوْلَ الْمَدِينَةِ، وَهَدَمَ مِنْ سُورِهَا نَحْوَ غَلْوَةٍ. وَقِيلَ: إِنَّ فَتْحَ حِمْصَ وَهَدْمَ سُورِهَا كَانَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ. ذِكْرُ خِلَافِ أَهْلِ الْغُوطَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَالَفَ أَهْلُ الْغُوطَةِ، وَوَلَّوْا عَلَيْهِمْ يَزِيدَ بْنَ خَالِدٍ الْقَسْرِيَّ وَحَصَرُوا دِمَشْقَ، وَأَمِيرَهَا زَامِلَ بْنَ عَمْرٍو، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ مَرْوَانُ مِنْ حِمْصَ أَبَا الْوَرْدِ بْنَ الْكَوْثَرِ بْنِ زُفَرَ بْنِ الْحَارِثِ، وَعُمَرَ بْنَ الْوَضَّاحِ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ، فَلَمَّا دَنَوْا مِنَ الْمَدِينَةِ حَمَلُوا عَلَيْهِمْ، وَخَرَجَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِالْمَدِينَةِ، فَانْهَزَمُوا وَاسْتَبَاحَ أَهْلُ مَرْوَانَ عَسْكَرَهُمْ، وَأَحْرَقُوا الْمِزَّةَ وَقُرًى مِنَ الْيَمَانِيَّةِ، وَأُخِذَ يَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ فَقُتِلَ، وَبَعَثَ زَامِلٌ بِرَأْسِهِ إِلَى مَرْوَانَ بِحِمْصَ. وَمِمَّنْ قُتِلَ فِي هَذِهِ الْحَرْبِ عُمَيْرُ بْنُ هَانِئٍ الْعَبْسِيِّ مَعَ يَزِيدَ، وَكَانَ عَابِدًا كَثِيرَ الْمُجَاهَدَةِ.

стр. 2308

ذِكْرُ خِلَافِ أَهْلِ فِلَسْطِينَ وَفِيهَا خَرَجَ ثَابِتُ بْنُ نُعَيْمٍ بَعْدَ أَهْلِ حِمْصَ وَالْغُوطَةِ، وَكَانَ خُرُوجُهُ فِي أَهْلِ فِلَسْطِينَ، وَانْتَقَضَ عَلَى مَرْوَانَ أَيْضًا، وَأَتَى طَبَرِيَّةَ فَحَاصَرَهَا وَعَلَيْهَا الْوَلِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ ابْنِ أَخِي عَبْدِ الْمَلِكِ، فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا أَيَّامًا. فَكَتَبَ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ إِلَى أَبِي الْوَرْدِ يَأْمُرُهُ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِمْ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهُمْ خَرَجَ أَهْلُ طَبَرِيَّةَ عَلَى ثَابِتٍ فَهَزَمُوهُ وَاسْتَبَاحُوا عَسْكَرَهُ، وَانْصَرَفَ إِلَى فِلَسْطِينَ مُنْهَزِمًا، وَتَبِعَهُ أَبُو الْوَرْدِ فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا، فَهَزَمَهُ أَبُو الْوَرْدِ ثَانِيَةً وَتَفَرَّقَ أَصْحَابُهُ وَأَسَرَ ثَلَاثَةً مِنْ أَوْلَادِهِ وَبَعَثَ بِهِمْ إِلَى مَرْوَانَ، وَتَغَيَّبَ ثَابِتٌ وَوَلَدُهُ رِفَاعَةُ. وَاسْتَعْمَلَ مَرْوَانُ عَلَى فِلَسْطِينَ الرُّمَاحِسَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْكِنَانِيَّ، فَظَفِرَ بِثَابِتٍ وَبَعَثَهُ إِلَى مَرْوَانَ مُوثَقًا بَعْدَ شَهْرَيْنِ، فَأَمَرَ بِهِ وَبِأَوْلَادِهِ الثَّلَاثَةِ فَقُطِعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ وَحُمِلُوا إِلَى دِمَشْقَ فَأُلْقُوا عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ صَلَبَهُمْ عَلَى أَبْوَابِ دِمَشْقَ. وَكَانَ مَرْوَانُ بِدَيْرِ أَيُّوبَ فَبَايَعَ لِابْنَيْهِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَعَبْدِ اللَّهِ وَزَوَّجَهُمَا ابْنَتَيْ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَجَمَعَ كَذَلِكَ بَنِي أُمَيَّةَ، وَاسْتَقَامَ لَهُ الشَّامُ مَا خَلَا تَدْمُرَ، فَسَارَ إِلَيْهَا فَنَزَلَ الْقَسْطَلَ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ تَدْمُرَ أَيَّامٌ، وَكَانُوا قَدْ عَوَّرُوا الْمِيَاهَ، فَاسْتَعْمَلَ الْمَزَادَ وَالْقِرَبَ وَالْإِبِلَ، وَكَلَّمَهُ الْأَبْرَشُ بْنُ الْوَلِيدِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامٍ وَغَيْرُهُمَا، وَسَأَلُوهُ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِمْ، فَأَذِنَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَسَارَ الْأَبْرَشُ وَخَوَّفَهُمْ وَحَذَّرَهُمْ، فَأَجَابُوا إِلَى الطَّاعَةِ، وَهَرَبَ نَفَرٌ مِنْهُمْ إِلَى الْبَرِّ مِمَّنْ لَمْ يَثِقْ بِمَرْوَانَ، وَرَجَعَ الْأَبْرَشُ إِلَى مَرْوَانَ وَمَعَهُ مَنْ أَطَاعَ بَعْدَ أَنْ هَدَمَ سُورَهَا. وَكَانَ مَرْوَانُ قَدْ سَيَّرَ يَزِيدَ بْنَ عُمَرَ بْنِ هُبَيْرَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ إِلَى الْعِرَاقِ لِقِتَالِ الضَّحَّاكِ الْخَارِجِيِّ، وَضَرَبَ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ بَعْثًا وَأَمَرَهُمْ بِاللَّحَاقِ بِيَزِيدَ، وَسَارَ مَرْوَانُ إِلَى الرُّصَافَةِ، فَاسْتَأْذَنَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامٍ لِيُقِيمَ أَيَّامًا لِيَقْوَى مَنْ مَعَهُ وَيَسْتَرِيحَ ظَهْرُهُ. فَأَذِنَ لَهُ، وَتَقَدَّمَ مَرْوَانُ إِلَى قَرْقِيسِيَا وَبِهَا ابْنُ هُبَيْرَةَ لِيُقَدِّمَهُ إِلَى الضَّحَّاكِ، فَرَجَعَ عَشَرَةُ آلَافٍ مِمَّنْ كَانَ قَدْ أَخَذَهُ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ لِقِتَالِ الضَّحَّاكِ، فَأَقَامُوا بِالرُّصَافَةِ وَدَعَوْا سُلَيْمَانَ إِلَى خَلْعِ مَرْوَانَ، فَأَجَابَهُمْ.

стр. 2309

ذِكْرُ خَلْعِ سُلَيْمَانَ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ مَرْوَانَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَلَعَ سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ مَرْوَانَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَحَارَبَهُ. وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ قُدُومِ الْجُنُودِ عَلَيْهِ وَتَحْسِينِهِمْ لَهُ خَلْعَ مَرْوَانَ، وَقَالُوا لَهُ: أَنْتَ أَرْضَى عِنْدَ النَّاسِ مِنْ مَرْوَانَ وَأَوْلَى بِالْخِلَافَةِ. فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ وَسَارَ بِإِخْوَتِهِ وَمَوَالِيهِ مَعَهُمْ فَعَسْكَرَ بِقِنَّسْرِينَ، وَكَاتِبَ أَهْلَ الشَّامِ، فَأَتَوْهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ مَرْوَانَ فَرَجَعَ إِلَيْهِ مِنْ قَرْقِيسِيَا، وَكَتَبَ إِلَى ابْنِ هُبَيْرَةَ يَأْمُرُهُ بِالْمُقَامِ، وَاجْتَازَ مَرْوَانُ فِي رُجُوعِهِ بِحِصْنِ الْكَامِلِ وَفِيهِ جَمَاعَةٌ مِنْ مَوَالِي سُلَيْمَانَ وَأَوْلَادِ هِشَامٍ فَتَحَصَّنُوا مِنْهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ: إِنِّي أُحَذِّرُكُمْ أَنْ تَعْرِضُوا لِأَحَدٍ مِمَّنْ يَتْبَعُنِي مِنْ جُنْدِي بِأَذًى، فَإِنْ فَعَلْتُمْ فَلَا أَمَانَ لَكُمْ عِنْدِي. فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ: إِنَّا نَسْتَكِفُّ. وَمَضَى مَرْوَانُ، فَجَعَلُوا يُغِيرُونَ عَلَى مَنْ يَتْبَعُهُ مِنْ أُخْرَيَاتِ النَّاسِ، وَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِمْ. وَاجْتَمَعَ إِلَى سُلَيْمَانَ نَحْوٌ مِنْ سَبْعِينَ أَلْفًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَالذَّكْوَانِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، وَعَسْكَرَ بِقَرْيَةِ خُسَافَ مِنْ أَرْضِ قِنَّسْرِينَ، وَأَتَاهُ مَرْوَانُ فَوَاقَعَهُ عِنْدَ وُصُولِهِ، فَاشْتَدَّ بَيْنَهُمُ الْقِتَالُ، وَانْهَزَمَ سُلَيْمَانُ وَمَنْ مَعَهُ، وَاتَّبَعَتْهُمْ خَيْلُ مَرْوَانَ تَقْتُلُ وَتَأْسِرُ، وَاسْتَبَاحُوا عَسْكَرَهُمْ، وَوَقَفَ مَرْوَانُ مَوْقِفًا وَوَقَفَ ابْنَاهُ مَوْقِفَيْنِ، وَوَقَفَ كَوْثَرٌ صَاحِبُ شُرْطَتِهِ مَوْقِفًا، وَأَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَأْتُوا بِأَسِيرٍ إِلَّا قَتَلُوهُ إِلَّا عَبْدًا مَمْلُوكًا. فَأُحْصِيَ مِنْ قَتْلَاهُمْ يَوْمَئِذٍ [مَا] نَيَّفَ عَلَى ثَلَاثِينَ أَلْفَ قَتِيلٍ، وَقُتِلَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَكْبَرُ وَلَدِهِ، وَخَالِدُ بْنُ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ خَالُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَادَّعَى كَثِيرٌ مِنَ الْأُسَرَاءِ لِلْجُنْدِ أَنَّهُمْ عَبِيدٌ، فَكَفَّ عَنْ قَتْلِهِمْ وَأَمَرَ بِبَيْعِهِمْ فِيمَنْ يَزِيدُ مَعَ مَنْ أُصِيبَ مِنْ عَسْكَرِهِمْ. وَمَضَى سُلَيْمَانُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى حِمْصَ، وَانْضَمَّ إِلَيْهِ مَنْ أَفْلَتَ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ، فَعَسْكَرَ بِهَا وَبَنَى مَا كَانَ مَرْوَانُ أَمَرَ بِهَدْمِهِ مِنْ حِيطَانِهَا. وَسَارَ مَرْوَانُ إِلَى حِصْنِ الْكَامِلِ حَنَقًا عَلَى مَنْ فِيهِ فَحَصَرَهُمْ وَأَنْزَلَهُمْ عَلَى حُكْمِهِ، فَمَثَّلَ بِهِمْ وَأَخَذَهُمْ أَهْلُ الرَّقَّةِ فَدَاوَوْا جِرَاحَاتِهِمْ، فَهَلَكَ بَعْضُهُمْ وَبَقِيَ أَكْثَرُهُمْ، وَكَانَتْ عِدَّتُهُمْ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِمِائَةٍ. ثُمَّ سَارَ إِلَى سُلَيْمَانَ وَمَنْ مَعَهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: حَتَّى مَتَى نَنْهَزِمُ مِنْ مَرْوَانَ؟ فَتَبَايَعَ سَبْعُمِائَةٍ مِنْ فُرْسَانِهِمْ عَلَى الْمَوْتِ، وَسَارُوا بِأَجْمَعِهِمْ مُجْمِعِينَ عَلَى أَنْ يُبَيِّتُوهُ إِنْ أَصَابُوا مِنْهُ غِرَّةً. وَبَلَغَهُ خَبَرُهُمْ فَتَحَرَّزَ مِنْهُمْ وَزَحَفَ إِلَيْهِمْ فِي الْخَنَادِقِ عَلَى احْتِرَاسٍ وَتَعْبِيَةٍ، فَلَمْ يُمْكِنْهُمْ أَنْ يُبَيِّتُوهُ، فَكَمَنُوا فِي زَيْتُونٍ عَلَى طَرِيقِهِ، فَخَرَجُوا عَلَيْهِ وَهُوَ يَسِيرُ عَلَى تَعْبِيَةٍ فَوَضَعُوا

стр. 2310

السِّلَاحَ فِيمَنْ مَعَهُ، وَانْتَبَذَ لَهُمْ وَنَادَى خُيُولَهُ، فَرَجَعَتْ إِلَيْهِ، فَقَاتَلُوهُ مِنْ لَدُنْ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ إِلَى بَعْدِ الْعَصْرِ، وَانْهَزَمَ أَصْحَابُ سُلَيْمَانَ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ نَحْوٌ مِنْ سِتَّةِ آلَافٍ. فَلَمَّا بَلَغَ سُلَيْمَانَ هَزِيمَتُهُمْ خَلَّفَ أَخَاهُ سَعِيدًا بِحِمْصَ وَمَضَى هُوَ إِلَى تَدْمُرَ فَأَقَامَ بِهَا، وَنَزَلَ مَرْوَانُ عَلَى حِمْصَ فَحَصَرَ أَهْلَهَا عَشَرَةَ أَشْهُرٍ، وَنَصَبَ عَلَيْهِمْ نَيِّفًا وَثَمَانِينَ مَنْجَنِيقًا يُرْمَى بِهَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَهُمْ يَخْرُجُونَ إِلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ فَيُقَاتِلُونَهُ، وَرُبَّمَا بَيَّتُوا نَوَاحِيَ عَسْكَرِهِ. فَلَمَّا تَتَابَعَ عَلَيْهِمُ الْبَلَاءُ طَلَبُوا الْأَمَانَ عَلَى أَنْ يُمَكِّنُوهُ مِنْ سَعِيدِ بْنِ هِشَامٍ وَابْنَيْهِ وَعُثْمَانَ وَمَرْوَانَ وَمِنْ رَجُلٍ كَانَ يُسَمَّى السَّكْسَكِيَّ، كَانَ يُغِيرُ عَلَى عَسْكَرِهِ، وَمِنْ رَجُلٍ حَبَشِيٍّ كَانَ يَشْتُمُ مَرْوَانَ، وَكَانَ يَشُدُّ فِي ذَكَرِهِ ذَكَرَ حِمَارٍ ثُمَّ يَقُولُ: يَا بَنِي سُلَيْمٍ، يَا أَوْلَادَ كَذَا وَكَذَا هَذَا لِوَاؤُكُمْ. فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، فَاسْتَوْثَقَ مِنْ سَعِيدٍ وَابْنَيْهِ، وَقُتِلَ السَّكْسَكِيُّ وَسُلِّمَ الْحَبَشِيُّ إِلَى بَنِي سُلَيْمٍ فَقَطَعُوا ذَكَرَهُ وَأَنْفَهُ وَمَثَّلُوا بِهِ. فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ حِمْصَ سَارَ نَحْوَ الضَّحَّاكِ الْخَارِجِيِّ. وَقِيلَ: إِنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ هِشَامٍ لَمَّا انْهَزَمَ بِخُسَافَ أَقْبَلَ هَارِبًا حَتَّى صَارَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِالْعِرَاقِ، فَخَرَجَ مَعَهُ إِلَى الضَّحَّاكِ فَبَايَعَهُ وَحَرَّضَ عَلَى مَرْوَانَ، فَقَالَ بَعْضُ شُعَرَائِهِمْ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَظْهَرَ دِينَهُ وَصَلَّتْ قُرَيْشٌ خَلْفَ بَكْرِ بْنِ وَائِلِ فَلَمَّا رَأَى النَّضْرَ (بْنَ سَعِيدٍ الْحَرَشِيَّ، وَكَانَ قَدْ وَلِيَ الْعِرَاقَ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ) ، ذَلِكَ عَلِمَ أَنَّهُ لَا طَاقَةَ لَهُ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، فَسَارَ إِلَى مَرْوَانَ، فَلَمَّا كَانَ بِالْقَادِسِيَّةِ خَرَجَ إِلَيْهِ ابْنُ مِلْجَانَ، خَلِيفَةُ الضَّحَّاكِ بِالْكُوفَةِ، فَقَاتَلَهُ، فَقَتَلَهُ النَّضْرُ، وَاسْتَعْمَلَ الضَّحَّاكُ عَلَى الْكُوفَةِ الْمُثَنَّى بْنَ عِمْرَانَ الْعَائِذِيَّ. ثُمَّ سَارَ الضَّحَّاكُ فِي ذِي الْقَعْدَةِ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَأَقْبَلَ ابْنُ هُبَيْرَةَ حَتَّى نَزَلَ بِعَيْنِ التَّمْرِ، فَسَارَ إِلَيْهِ الْمُثَنَّى بْنُ عِمْرَانَ فَاقْتَتَلُوا أَيَّامًا، فَقُتِلَ الْمُثَنَّى وَعِدَّةٌ مِنْ قُوَّادِ الضَّحَّاكِ وَانْهَزَمَتِ الْخَوَارِجُ وَمَعَهُمْ مَنْصُورُ بْنُ جُمْهُورٍ، وَأَتَوُا الْكُوفَةَ فَجَمَعُوا مَنْ بِهَا مِنْهُمْ، وَسَارُوا

стр. 2311

نَحْوَ ابْنِ هُبَيْرَةَ فَلَقُوهُ، فَقَاتَلَهُمْ أَيَّامًا وَانْهَزَمَتِ الْخَوَارِجُ، وَأَتَى ابْنُ هُبَيْرَةَ إِلَى الْكُوفَةِ وَسَارَ إِلَى وَاسِطَ، وَلَمَّا بَلَغَ الضَّحَّاكَ مَا لَقِيَ أَصْحَابُهُ أَرْسَلَ عُبَيْدَةَ بْنَ سَوَّارٍ التَّغْلِبِيَّ إِلَيْهِمْ فَنَزَلَ الصَّرَاةَ، فَرَجَعَ ابْنُ هُبَيْرَةَ إِلَيْهِمْ فَالْتَقَوْا بِالصَّرَاةِ، وَسَيَرِدُ خَبَرُ خُرُوجِ الضَّحَّاكِ بَعْدَهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (الْحَرَشِيُّ: بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَبِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ) . ذِكْرُ خُرُوجِ الضَّحَّاكِ مُحَكِّمًا وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ الشَّيْبَانِيُّ مُحَكِّمًا وَدَخَلَ الْكُوفَةَ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَلِيدَ حِينَ قُتِلَ خَرَجَ بِالْجَزِيرَةِ حَرُورِيٌّ يُقَالُ لَهُ: سَعِيدُ بْنُ بَهْدَلٍ الشَّيْبَانِيُّ فِي مِائَتَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْجَزِيرَةِ فِيهِمُ الضَّحَّاكُ، فَاغْتَنَمَ قَتْلَ الْوَلِيدِ وَاشْتِغَالَ مَرْوَانَ بِالشَّامِ فَخَرَجَ بِأَرْضِ كَفَرْتُوثَا، وَخَرَجَ بِسْطَامٌ الْبَيْهَسِيُّ، وَهُوَ مُفَارِقٌ لِرَأْيِهِ، فِي مِثْلِ عُدَّتِهِمْ مِنْ رَبِيعَةَ، فَسَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ، فَلَمَّا تَقَارَبَا أَرْسَلَ سَعِيدُ بْنُ بَهْدَلٍ الْخَيْبَرِيَّ، وَهُوَ أَحَدُ قُوَّادِهِ، فِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ فَارِسًا، فَأَتَاهُمْ وَهُمْ غَارُّونَ، فَقَتَلُوا فِيهِمْ وَقَتَلُوا بِسْطَامًا وَجَمِيعَ مَنْ مَعَهُ إِلَّا أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، ثُمَّ مَضَى سَعِيدُ بْنُ بَهْدَلٍ إِلَى الْعِرَاقِ لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ الِاخْتِلَافَ بِهَا، فَمَاتَ سَعِيدُ بْنُ بَهْدَلٍ فِي الطَّرِيقِ وَاسْتَخْلَفَ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ، فَبَايَعَهُ الشُّرَاةُ، فَأَتَى أَرْضَ الْمَوْصِلِ ثُمَّ شَهْرَزُورَ، وَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ الصُّفْرِيَّةُ حَتَّى صَارَ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ. وَهَلَكَ يَزِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَعَامِلُهُ عَلَى الْعِرَاقِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمَرْوَانُ بِالْحِيرَةِ، فَكَتَبَ مَرْوَانُ إِلَى النَّضْرِ بْنِ سَعِيدٍ الْحَرَشِيِّ، وَهُوَ أَحَدُ قُوَّادِ ابْنِ عُمَرَ، بِوِلَايَةِ الْعِرَاقِ، فَلَمْ يُسَلِّمِ ابْنُ عُمَرَ إِلَيْهِ الْعَمَلَ، فَشَخَصَ النَّضْرُ إِلَى الْكُوفَةِ وَبَقِيَ ابْنُ عُمَرَ بِالْحِيرَةِ، فَتَحَارَبَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَأَمَدَّ مَرْوَانُ النَّضْرَ بِابْنِ الْغُزَيِّلِ، وَاجْتَمَعَتِ الْمُضَرِيَّةُ مَعَ النَّضْرِ عَصَبِيَّةً لِمَرْوَانَ حَيْثُ طَلَبَ بِدَمِ الْوَلِيدِ، وَكَانَتْ أُمُّ الْوَلِيدِ قَيْسِيَّةً مِنْ مُضَرَ، وَكَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ مَعَ ابْنِ عُمَرَ عَصَبِيَّةً لَهُ، حَيْثُ كَانُوا مَعَ يَزِيدَ فِي قَتْلِ الْوَلِيدِ حِينَ أَسْلَمَ خَالِدًا الْقَسْرِيَّ إِلَى يُوسُفَ فَقَتَلَهُ. فَلَمَّا سَمِعَ الضَّحَّاكُ بِاخْتِلَافِهِمْ أَقْبَلَ نَحْوَهُمْ وَقَصَدَ الْعِرَاقَ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ،

стр. 2312

فَأَرْسَلَ [ابْنُ] عُمَرَ إِلَى النَّضْرِ: " إِنَّ هَذَا لَا يُرِيدُ غَيْرِي وَغَيْرَكَ فَهَلُمَّ نَجْتَمِعُ عَلَيْهِ ". فَتَعَاقَدَا عَلَيْهِ وَاجْتَمَعَا بِالْكُوفَةِ، وَكَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ. وَأَقْبَلَ الضَّحَّاكُ فَنَزَلَ بِالنُّخَيْلَةِ فِي رَجَبٍ وَاسْتَرَاحَ، ثُمَّ اسْتَعَدُّوا لِلْقِتَالِ يَوْمَ الْخَمِيسِ مِنْ غَدِ يَوْمِ نُزُولِهِ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَكَشَفُوا ابْنَ عُمَرَ وَقَتَلُوا أَخَاهُ عَاصِمًا وَجَعْفَرَ بْنَ الْعَبَّاسِ الْكِنْدِيَّ أَخَا عُبَيْدِ اللَّهِ، وَدَخَلَ ابْنُ عُمَرَ خَنْدَقَهُ، وَبَقِيَ الْخَوَارِجُ عَلَيْهِمْ إِلَى اللَّيْلِ ثُمَّ انْصَرَفُوا ثُمَّ اقْتَتَلُوا يَوْمَ الْجُمْعَةِ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ ابْنِ عُمَرَ فَدَخَلُوا خَنَادِقَهُمْ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا يَوْمَ السَّبْتِ تَسَلَّلَ أَصْحَابُهُ نَحْوَ وَاسِطَ، وَرَأَوْا قَوْمًا لَمْ يَرَوْا أَشَدَّ بَأْسًا مِنْهُمْ. وَكَانَ مِمَّنْ لَحِقَ بِوَاسِطَ: النَّضْرُ بْنُ سَعِيدٍ الْحَرَشِيُّ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ أَخُو خَالِدٍ، وَمَنْصُورُ بْنُ جُمْهُورٍ، وَالْأَصْبَغُ بْنُ ذُؤَالَةَ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْوُجُوهِ، وَبَقِيَ ابْنُ عُمَرَ فِيمَنْ عِنْدَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ لَمْ يَبْرَحْ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: قَدْ هَرَبَ النَّاسُ فَعَلَامَ تُقِيمُ؟ فَبَقِيَ يَوْمَيْنِ لَا يُرَى إِلَّا هَارِبًا، فَرَحَلَ عِنْدَ ذَلِكَ إِلَى وَاسِطَ، وَاسْتَوْلَى الضَّحَّاكُ عَلَى الْكُوفَةِ وَدَخَلَهَا، وَلَمْ يَأْمَنْهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ الْكِنْدِيُّ عَلَى نَفْسِهِ فَصَارَ مَعَ الضَّحَّاكِ وَبَايَعَهُ وَصَارَ فِي عَسْكَرِهِ، فَقَالَ أَبُو عَطَاءٍ السِّنْدِيُّ لَهُ، شِعْرٌ: فَقُلْ لِعُبَيْدِ اللَّهِ لَوْ كَانَ جَعْفَرٌ ... هُوَ الْحَيُّ لَمْ يَجْنَحْ وَأَنْتَ قَتِيلُ وَلَمْ يَتْبَعِ الْمُرَّاقُ وَالثَّارُ فِيهِمُ ... وَفِي كَفِّهِ عَضْبُ الذُّبَابِ صَقِيلُ إِلَى مَعْشَرٍ أَرْدَوْا أَخَاكَ وَأْكَفَرُوا ... أَبَاكَ فَمَاذَا بَعْدَ ذَاكَ تَقُولُ فَلَمَّا بَلَغَ عُبَيْدَ اللَّهِ هَذَا الْبَيْتُ مِنْ قَوْلِ أَبِي عَطَاءٍ قَالَ: أَقُولُ أَعَضَّكَ [اللَّهُ] بِبَظْرِ أُمِّكَ: فَلَا وَصَلَتْكَ الرِّحْمُ مِنْ ذِي قَرَابَةٍ ... وَطَالِبُ وَتْرٍ وَالذَّلِيلُ ذَلِيلُ تَرَكْتَ أَخَا شَيْبَانَ يَسْلُبُ بَزَّهُ ... وَنَجَّاكَ خَوَّارُ الْعِنَانِ مَطُولُ وَوَصَلَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى وَاسِطَ فَنَزَلَ بِدَارِ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ. وَعَادَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَالنَّضْرِ إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ قُدُومِ الضَّحَّاكِ إِلَى النَّضْرِ يَطْلُبُ أَنْ يُسَلِّمَ إِلَيْهِ ابْنُ

стр. 2313

عُمَرَ وِلَايَةَ الْعِرَاقِ بِعَهْدِ مَرْوَانَ لَهُ، وَابْنُ عُمَرَ يَمْتَنِعُ، وَسَارَ الضَّحَّاكُ مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى وَاسِطَ وَاسْتَخْلَفَ مِلْجَانَ الشَّيْبَانِيَّ، وَنَزَلَ الضَّحَّاكُ بَابَ الْمِضْمَارِ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ وَالنَّضْرُ تَرَكَا الْحَرْبَ بَيْنَهُمَا وَاتَّفَقَا عَلَى قِتَالِ الضَّحَّاكِ، فَلَمْ يَزَالُوا عَلَى ذَلِكَ شَعْبَانَ وَشَهْرَ رَمَضَانَ وَشَوَّالٍ وَالْقِتَالُ بَيْنَهُمْ مُتَوَاصِلٌ. ثُمَّ إِنَّ مَنْصُورَ بْنَ جُمْهُورٍ قَالَ لِابْنِ عُمَرَ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَ هَؤُلَاءِ! فَلِمَ تُحَارِبُهُمْ وَتَشْغَلُهُمْ عَنْ مَرْوَانَ؟ أَعْطِهِمُ الرِّضَا وَاجْعَلْهُمْ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَرْوَانَ فَإِنَّهُمْ يَرْجِعُونَ عَنَّا إِلَيْهِ وَيُوسِعُونَهُ شَرًّا، فَإِنْ ظَفِرُوا بِهِ كَانَ مَا أَرَدْتَ وَكُنْتَ عِنْدَهُمْ آمِنًا، وَإِنْ ظَفِرَ بِهِمْ وَأَرَدْتَ خِلَافَهُ وَقِتَالَهُ قَاتَلْتَهُ وَأَنْتَ مُسْتَرِيحٌ. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَا تَعْجَلْ حَتَّى نَنْظُرَ. فَلَحِقَ بِهِمْ مَنْصُورٌ، وَنَادَاهُمْ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُسْلِمَ وَأَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ وَهِيَ حُجَّتُهُمْ، فَدَخَلَ إِلَيْهِمْ وَبَايَعَهُمْ. ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ خَرَجَ إِلَيْهِمْ فِي شَوَّالٍ فَصَالَحَهُمْ وَبَايَعَ الضَّحَّاكُ وَمَعَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ. ذِكْرُ خَلْعِ أَبِي الْخَطَّارِ أَمِيرَ الْأَنْدَلُسِ وَإِمَارَةِ ثَوَابَةَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَلَعَ أَهْلُ الْأَنْدَلُسِ أَبَا الْخَطَّارِ الْحُسَامَ بْنَ ضِرَارٍ أَمِيرَهُمْ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ الْأَنْدَلُسَ أَمِيرًا أَظْهَرَ الْعَصَبِيَّةَ لِلْيَمَانِيَّةِ عَلَى الْمُضَرِيَّةِ، فَاتَّفَقَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ أَنَّهُ اخْتَصَمَ رَجُلٌ مِنْ كِنَانَةَ وَرَجُلٌ مِنْ غَسَّانَ، فَاسْتَعَانَ الْكِنَانِيُّ بِالصُّمَيْلِ بْنِ حَاتِمِ بْنِ ذِي الْجَوْشَنِ الضَّبَابِيِّ، فَكَلَّمَ فِيهِ أَبَا الْخَطَّارِ، فَاسْتَغْلَظَ لَهُ أَبُو الْخَطَّارِ، فَأَجَابَهُ الصُّمَيْلُ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُقِيمَ وَضُرِبَ قَفَاهُ، فَمَالَتْ عِمَامَتُهُ، فَلَمَّا خَرَجَ قِيلَ لَهُ: نَرَى عِمَامَتَكَ مَالَتْ! فَقَالَ: إِنْ كَانَ لِي قَوْمٌ فَسَيُقِيمُونَهَا. وَكَانَ الصُّمَيْلُ مِنْ أَشْرَافِ مُضَرَ، فَلَمَّا دَخَلَ الْأَنْدَلُسَ مَعَ بَلْجٍ شَرُفَ فِيهَا بِنَفْسِهِ وَأَوَّلِيَّتِهِ. فَلَمَّا جَرَى لَهُ مَا ذَكَرْنَاهُ جَمَعَ قَوْمَهُ وَأَعْلَمَهُمْ، فَقَالُوا لَهُ: نَحْنُ تَبَعٌ لَكَ. فَقَالَ: أُرِيدُ أَنْ أُخْرِجَ أَبَا الْخَطَّارِ مِنَ الْأَنْدَلُسِ. فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: افْعَلْ وَاسْتَعِنْ بِمَنْ شِئْتَ وَلَا تَسْتَعِنْ بِأَبِي عَطَاءٍ الْقَيْسِيِّ، وَكَانَ مِنْ أَشْرَافِ قَيْسٍ، وَكَانَ يُنَاظِرُ الصُّمَيْلَ فِي

стр. 2314

الرِّيَاسَةِ وَيَحْسُدُهُ. وَقَالَ لَهُ غَيْرُهُ: الرَّأْيُ أَنَّكَ تَأْتِي أَبَا عَطَاءٍ وَتَشُدُّ أَمْرَكَ بِهِ فَإِنَّهُ تُحَرِّكُهُ الْحَمِيَّةُ (وَيَنْصُرُكَ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ مَالَ إِلَى أَبِي الْخَطَّارِ وَأَعَانَهُ عَلَيْكَ) لِيَبْلُغَ فِيكَ مَا يُرِيدُ، وَالرَّأْيُ أَيْضًا أَنْ تَسْتَعِينَ عَلَيْهِ بِأَهْلِ الْيَمَنِ فَضْلًا عَنْ مَعَدٍّ. فَفَعَلَ ذَلِكَ وَسَارَ مِنْ لَيْلَتِهِ إِلَى أَبِي عَطَاءٍ، وَكَانَ يَسْكُنُ مَدِينَةَ إِسْتِجَةَ، فَعَظَّمَهُ أَبُو عَطَاءٍ وَسَأَلَهُ عَنْ سَبَبِ قُدُومِهِ، فَأَعْلَمَهُ، فَلَمْ يُكَلِّمْهُ حَتَّى قَامَ فَرَكِبَ فَرَسَهُ وَلَبِسَ سِلَاحَهُ وَقَالَ لَهُ: انْهَضِ الْآنَ حَيْثُ شِئْتَ فَأَنَا مَعَكَ، وَأَمَرَ أَهْلَهُ وَأَصْحَابَهُ بِاتِّبَاعِهِ، (فَسَارُوا إِلَى مَرْوَ، وَبِهَا ثَوَابَةُ بْنُ سَلَامَةَ الْحُدَّانِيُّ، وَكَانَ مُطَاعًا فِي قَوْمِهِ) ، وَكَانَ أَبُو الْخَطَّارِ قَدِ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى إِشْبِيلِيَّةَ وَغَيْرِهَا، ثُمَّ عَزَلَهُ فَفَسَدَ عَلَيْهِ، فَدَعَاهُ الصُّمَيْلُ إِلَى نَصْرِهِ وَوَعَدَهُ أَنَّهُ إِذَا أَخْرَجُوا أَبَا الْخَطَّارِ صَارَ أَمِيرًا، فَأَجَابَ إِلَى نَصْرِهِ وَدَعَا قَوْمَهُ فَأَجَابُوهُ فَسَارُوا إِلَى شَدُونَةَ. وَسَارَ إِلَيْهِمْ أَبُو الْخَطَّارِ مِنْ قُرْطُبَةَ وَاسْتَخْلَفَ بِهَا إِنْسَانًا، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا فِي رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَصَبَرَ الْفَرِيقَانِ، ثُمَّ وَقَعَتِ الْهَزِيمَةُ عَلَى أَبِي الْخَطَّارِ، وَقُتِلَ أَصْحَابُهُ أَشَدَّ قَتْلٍ وَأُسِرَ أَبُو الْخَطَّارِ. وَكَانَ بِقُرْطُبَةَ أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ قَطَنٍ، فَأَخْرَجَ مِنْهَا خَلِيفَةَ أَبِي الْخَطَّارِ، وَانْتَهَبَ مَا وَجَدَ لَهُمَا فِيهَا. وَلَمَّا انْهَزَمَ أَبُو الْخَطَّارِ سَارَ ثَوَابَةُ بْنُ سَلَامَةَ وَالصُّمَيْلُ إِلَى قُرْطُبَةَ فَمَلَكَاهَا، وَاسْتَقَرَّ ثَوَابَةُ فِي الْإِمَارَةِ، فَثَارَ بِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانَ الْكَلْبِيُّ، وَأَخْرَجَ أَبَا الْخَطَّارِ مِنَ السِّجْنِ، فَاسْتَجَاشَ الْيَمَانِيَّةَ، فَاجْتَمَعَ لَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَأَقْبَلَ بِهِمْ إِلَى قُرْطُبَةَ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ ثَوَابَةُ فِيمَنْ مَعَهُ مِنَ الْيَمَانِيَّةِ وَالْمُضَرِيَّةِ مَعَ الصُّمَيْلِ. فَلَمَّا تَقَاتَلَ الطَّائِفَتَانِ نَادَى رَجُلٌ مِنْ مُضَرَ: يَا مَعْشَرَ الْيَمَانِيَّةِ! مَا بَالُكُمْ تَتَعَرَّضُونَ لِلْحَرْبِ عَلَى أَبِي الْخَطَّارِ وَقَدْ جَعَلْنَا الْأَمِيرَ مِنْكُمْ؟ يَعْنِي ثَوَابَةَ، فَإِنَّهُ مِنَ الْيَمَنِ، وَلَوْ أَنَّ الْأَمِيرَ مِنَّا لَقَدْ كُنْتُمْ تَعْتَذِرُونَ فِي قِتَالِكُمْ لَنَا، وَمَا نَقُولُ هَذَا إِلَّا تَحَرُّجًا مِنَ الدِّمَاءِ وَرَغْبَةً فِي الْعَافِيَةِ لِلْعَامَّةِ. فَلَمَّا سَمِعَ النَّاسُ كَلَامَهُ قَالُوا: صَدَقَ وَاللَّهِ، الْأَمِيرُ مِنَّا فَمَا بَالُنَا نُقَاتِلُ قَوْمَنَا؟ فَتَرَكُوا الْقِتَالَ وَافْتَرَقَ النَّاسُ، فَهَرَبَ أَبُو الْخَطَّارِ فَلَحِقَ بِبَاجَةَ، وَرَجَعَ ثَوَابَةُ إِلَى قُرْطُبَةَ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ الْعَسْكَرُ عَسْكَرَ الْعَافِيَةِ.

стр. 2315

ذِكْرُ شِيعَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ تَوَجَّهَ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ وَلَاهِزُ بْنُ قُرَيْظٍ وَقَحْطَبَةُ إِلَى مَكَّةَ، فَلَقُوا إِبْرَاهِيمَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْإِمَامَ بِهَا وَأَوْصَلُوا إِلَى مَوْلًى لَهُ عِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ وَمِائَتَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَمِسْكًا وَمَتَاعًا كَثِيرًا، وَكَانَ مَعَهُمْ أَبُو مُسْلِمٍ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ لِإِبْرَاهِيمَ: هَذَا مَوْلَاكَ. وَفِيهَا كَتَبَ بُكَيْرُ بْنُ مَاهَانَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامِ أَنَّهُ فِي الْمَوْتِ، وَأَنَّهُ قَدِ اسْتَخْلَفَ أَبَا سَلَمَةَ حَفْصَ بْنَ سُلَيْمَانَ، وَهُوَ رِضًى لِلْأَمْرِ، فَكَتَبَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِي سَلَمَةَ يَأْمُرُهُ بِالْقِيَامِ بِأَمْرِ أَصْحَابِهِ، وَكَتَبَ إِلَى أَهْلِ خُرَاسَانَ (يُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ قَدْ أَسْنَدَ) أَمْرَهُمْ إِلَيْهِ، وَمَضَى أَبُو سَلَمَةَ إِلَى خُرَاسَانَ) ، فَصَدَّقُوهُ وَقَبِلُوا أَمْرَهُ، وَدَفَعُوا إِلَيْهِ مَا اجْتَمَعَ عِنْدَهُمْ مِنْ نَفَقَاتِ الشِّيعَةِ وَخُمُسِ أَمْوَالِهِمْ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهُوَ عَامِلُ مَرْوَانَ عَلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالطَّائِفِ، وَكَانَ الْعَامِلُ عَلَى الْعِرَاقِ النَّضْرَ بْنَ الْحَرَشِيِّ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ ابْنِ عُمَرَ وَالضَّحَّاكِ الْخَارِجِيِّ مَا ذَكَرْنَا. وَكَانَ بِخُرَاسَانَ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ، وَبِهَا مَنْ يُنَازِعُهُ فِيهَا: الْكَرْمَانِيُّ وَالْحَارِثُ بْنُ سُرَيْجٍ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ سُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ، وَقِيلَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ، وَقِيلَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ، وَعُمُرُهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً،
следующие страницы →