Полный текст (6 163 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.
стр. 2381
فَلَمَّا أَتَى الْكِتَابُ السَّفَّاحَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَأَمَرَ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ بِخَمْسِمِائَةِ خَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ، وَرَفَعَ أَرْزَاقَهُمْ إِلَى ثَمَانِينَ.
وَكَانَتْ هَزِيمَةُ مَرْوَانَ بِالزَّابِ يَوْمَ السَّبْتِ لِإِحْدَى عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَكَانَ فِيمَنْ قُتِلَ مَعَهُ يَحْيَى بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَهُوَ أَخُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ صَاحِبِ الْأَنْدَلُسِ، فَلَمَّا تَقَدَّمَ إِلَى الْقِتَالِ رَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ فَتًى عَلَيْهِ أُبَّهَةُ الشَّرَفِ يُقَاتِلُ مُسْتَقْتِلًا فَنَادَاهُ: يَا فَتًى لَكَ الْأَمَانُ وَلَوْ كَنْتَ مَرْوَانَ بْنَ مُحَمَّدٍ! فَقَالَ: إِنْ لَمْ أَكُنْهُ فَلَسْتُ بِدُونِهِ. قَالَ: فَلَكَ الْأَمَانُ، وَلَوْ كُنْتَ مَنْ كُنْتَ. فَأَطْرَقَ ثُمَّ قَالَ:
أَذَلُّ الْحَيَاةِ وَكُرْهُ الْمَمَاتِ ... وَكُلًّا أُرَاهُ طَعَامًا وَبِيلًا
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُ إِحْدَاهُمَا ... فَسَيْرٌ إِلَى الْمَوْتِ سَيْرًا جَمِيلًا
ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَإِذَا هُوَ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ.
ذِكْرُ قَتْلِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْإِمَامِ
قَدْ ذَكَرْنَا سَبَبَ حَبْسِهِ، وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَوْتِهِ، فَقِيلَ: إِنَّ مَرْوَانَ حَبَسَهُ بِحَرَّانَ، وَحَبَسَ سَعِيدَ بْنَ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَابْنَيْهِ عُثْمَانَ وَمَرْوَانَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْعَبَّاسَ بْنَ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَأَبَا مُحَمَّدٍ السُّفْيَانِيَّ، هَلَكَ مِنْهُمْ فِي وَبَاءٍ وَقَعَ بِحَرَّانَ الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْإِمَامُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ.
فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ هَزِيمَةِ مَرْوَانَ مِنَ الزَّابِ بِجُمْعَةٍ خَرَجَ سَعِيدُ بْنُ هِشَامٍ وَابْنُ عَمِّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمَحْبُوسِينَ، فَقَتَلُوا صَاحِبَ السِّجْنِ وَخَرَجُوا، فَقَتَلَهُمْ أَهْلُ حَرَّانَ وَمَنْ فِيهَا مِنَ الْغَوْغَاءِ، وَكَانَ فِيمَنْ قَتَلَهُ أَهْلُ حَرَّانَ شَرَاحِيلُ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ بِشْرٍ التَّغْلِبِيُّ، وَبِطْرِيقُ إِرْمِينِيَّةَ الرَّابِعَةِ وَاسْمُهُ كُوشَانُ، وَتَخَلَّفَ أَبُو مُحَمَّدٍ السُّفْيَانِيُّ فِي الْحَبْسِ، فَلَمْ يَخْرُجْ فِيمَنْ خَرَجَ، وَمَعَهُ غَيْرُهُ لَمْ يَسْتَحِلُّوا الْخُرُوجَ مِنَ الْحَبْسِ، فَقَدِمَ مَرْوَانُ مُنْهَزِمًا مِنَ الزَّابِ، فَجَاءَ فَخَلَّى عَنْهُمْ.
وَقِيلَ: إِنَّ مَرْوَانَ هَدَمَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ بَيْتًا فَقَتَلَهُ.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ شَرَاحِيلَ بْنَ مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ كَانَ مَحْبُوسًا مَعَ إِبْرَاهِيمَ فَكَانَا
стр. 2382
يَتَزَاوَرَانِ، فَصَارَ بَيْنَهُمَا مَوَدَّةٌ، فَأَتَى رَسُولٌ مِنْ شَرَاحِيلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ يَوْمًا بِلَبَنٍ فَقَالَ: يَقُولُ لَكَ أَخُوكَ إِنِّي شَرِبْتُ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ فَاسْتَطَبْتُهُ فَأَحْبَبْتُ أَنْ تَشْرَبَ مِنْهُ، فَشَرِبَ مِنْهُ فَتَكَسَّرَ جَسَدُهُ مِنْ سَاعَتِهِ.
وَكَانَ يَوْمًا يَزُورُ فِيهِ شَرَاحِيلَ فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ شَرَاحِيلُ: إِنَّكَ قَدْ أَبْطَأْتَ فَمَا حَبَسَكَ؟ فَأَعَادَ إِبْرَاهِيمُ: إِنِّي لَمَّا شَرِبْتُ اللَّبَنَ الَّذِي أَرْسَلْتَ بِهِ قَدْ أَسْهَلَنِي. فَأَتَاهُ شَرَاحِيلُ فَقَالَ: وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ مَا شَرِبْتُ الْيَوْمَ لَبَنًا، وَلَا أَرْسَلْتُ بِهِ إِلَيْكَ! فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ! احْتِيلَ وَاللَّهِ عَلَيْكَ.
فَبَاتَ إِبْرَاهِيمُ لَيْلَتَهُ وَأَصْبَحَ مَيِّتًا، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَرِمَةَ يَرْثِيهِ:
قَدْ كُنْتُ أَحْسَبُنِي جَلْدًا فَضَعْضَعَنِي ... قَبْرٌ بِحَرَّانَ فِيهِ عِصْمَةُ الدِّينِ
فِيهِ الْإِمَامُ وَخَيْرُ النَّاسِ كُلِّهُمُ ... بَيْنَ الصَّفَائِحِ وَالْأَحْجَارِ وَالطِّينِ
فِيهِ الْإِمَامُ الَّذِي عَمَّتْ مُصِيبَتُهُ ... وَعَيَّلَتْ كُلَّ ذِي مَالٍ وَمِسْكِينِ
فَلَا عَفَا اللَّهُ عَنْ مَرْوَانَ مَظْلَمَةً ... لَكِنْ عَفَا اللَّهُ عَمَّنْ قَالَ آمِينِ.
وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ خَيِّرًا فَاضِلًا كَرِيمًا، قَدِمَ الْمَدِينَةَ مَرَّةً فَفَرَّقَ فِي أَهْلِهَا مَالًا جَلِيلًا، وَبَعَثَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بِخَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ، وَبَعَثَ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ بِأَلْفِ دِينَارٍ، فَبَعَثَ إِلَى جَمَاعَةِ الْعَلَوِيِّينَ بِمَالٍ كَثِيرٍ.
فَأَتَاهُ الْحُسَيْنُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ وَهُوَ صَغِيرٌ فَأَجْلَسَهُ فِي حِجْرِهِ، قَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ. فَبَكَى حَتَّى بَلَّ رِدَاءَهُ وَأَمَرَ وَكِيلَهُ بِإِحْضَارِ مَا بَقِيَ مِنَ الْمَالِ، فَأَحْضَرَ أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ، فَسَلَّمَهَا إِلَيْهِ، وَقَالَ: لَوْ كَانَ عِنْدَنَا شَيْءٌ آخَرُ لَسَلَّمْتُهُ إِلَيْكَ. وَسَيَّرَ مَعَهُ بَعْضَ مَوَالِيهِ إِلَى أُمِّهِ رَيْطَةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مُحَمَّدِ ابْنِالْحَنَفِيَّةِ يَعْتَذِرُ إِلَيْهَا.
(وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ، وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ بَرْبَرِيَّةٌ اسْمُهَا سَلْمَى) .
وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّمَ ذِكْرُ قَتْلِهِ عَلَى هَزِيمَةِ مَرْوَانَ، وَإِنَّمَا قَدَّمْنَا ذَلِكَ لِتَتْبَعَ الْحَادِثَةُ بَعْضُهَا بَعْضًا.
стр. 2383
ذِكْرُ قَتْلِ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَكَانَ قَتْلُهُ بِبُوصِيرَ، مِنْ أَعْمَالِ مِصْرَ، لِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ.
وَكَانَ مَرْوَانُ لَمَّا هَزَمَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ بِالزَّابِ أَتَى مَدِينَةَ الْمَوْصِلِ وَعَلَيْهَا هِشَامُ بْنُ عَمْرٍو التَّغْلِبِيُّ، وَبِشْرُ بْنُ خُزَيْمَةَ الْأَسَدِيُّ فَقَطَعَا الْجِسْرَ، فَنَادَاهُمْ أَهْلُ الشَّامِ: هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مَرْوَانُ! فَقَالُوا: كَذَبْتُمْ، أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَفِرُّ! وَسَبَّهُ أَهْلُ الْمَوْصِلِ، وَقَالُوا: يَا جَعْدِيُّ! يَا مُعَطِّلُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَزَالَ سُلْطَانَكُمْ وَذَهَبَ بِدَوْلَتِكُمْ! الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَتَانَا بِأَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّنَا! فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ سَارَ إِلَى بَلَدٍ فَعَبَرَ دِجْلَةَ وَأَتَى حَرَّانَ، وَبِهَا ابْنُ أَخِيهِ أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ عَامِلُهُ عَلَيْهَا، فَأَقَامَ بِهَا نَيِّفًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا.
وَسَارَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ حَتَّى أَتَى الْمَوْصِلَ، فَدَخَلَهَا وَعَزَلَ عَنْهَا هِشَامًا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا مُحَمَّدُ بْنُ صُولٍ، ثُمَّ سَارَ فِي أَثَرِ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ عَبْدُ اللَّهِ حَمَلَ مَرْوَانُ أَهْلَهُ وَعِيَالَهُ وَمَضَى مُنْهَزِمًا، وَخَلَّفَ بِمَدِينَةِ حَرَّانَ ابْنَ أَخِيهِ أَبَانَ بْنَ يَزِيدَ، وَتَحْتَهُ أُمُّ عُثْمَانَ ابْنَةُ مَرْوَانَ.
وَقَدِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ حَرَّانَ، فَلَقِيَهُ أَبَانٌ مُسَوِّدًا مُبَايِعًا لَهُ، فَبَايَعَهُ وَدَخَلَ فِي طَاعَتِهِ، فَآمَنَهُ وَمَنْ كَانَ بِحَرَّانَ وَالْجَزِيرَةِ.
وَمَضَى مَرْوَانُ إِلَى حِمْصَ، فَلَقِيَهُ أَهْلُهَا بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَأَقَامَ بِهَا يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً ثُمَّ سَارَ مِنْهَا. فَلَمَّا رَأَوْا قِلَّةَ مَنْ مَعَهُ طَمِعُوا فِيهِ، وَقَالُوا: مَرْعُوبٌ مُنْهَزِمٌ، فَاتَّبَعُوهُ بَعْدَمَا رَحَلَ عَنْهُمْ فَلَحِقُوهُ عَلَى أَمْيَالٍ.
فَلَمَّا رَأَى غَبَرَةَ الْخَيْلِ كَمَّنَ لَهُمْ، فَلَمَّا جَاوَزُوا الْكَمِينَ صَافَّهُمْ مَرْوَانُ فِيمَنْ مَعَهُ وَنَاشَدَهُمْ، فَأَبَوْا إِلَّا قِتَالَهُ، فَقَاتَلَهُمْ وَأَتَاهُمُ الْكَمِينُ مِنْ خَلْفِهِمْ، فَانْهَزَمَ أَهْلُ حِمْصَ وَقُتِلُوا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى قُرَيْبِ الْمَدِينَةِ.
وَأَتَى مَرْوَانُ دِمَشْقَ وَعَلَيْهَا الْوَلِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ مَرْوَانَ، فَخَلَّفَهُ بِهَا وَقَالَ: قَاتِلْهُمْ حَتَّى يَجْتَمِعَ أَهْلُ الشَّامِ. وَمَضَى مَرْوَانُ حَتَّى أَتَى فِلَسْطِينَ فَنَزَلَ نَهْرَ أَبِي فُطْرُسٍ، وَقَدْ غَلَبَ عَلَى فِلَسْطِينَ الْحَكَمُ بْنُ ضَبْعَانَ الْجُذَامِيُّ، فَأَرْسَلَ مَرْوَانُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رَوْحِ بْنِ زِنْبَاعٍ الْجُذَامِيِّ فَأَجَارَهُ، وَكَانَ بَيْتُ الْمَالِ فِي يَدِ الْحَكَمِ.
وَكَانَ السَّفَّاحُ قَدْ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ يَأْمُرُهُ بِاتِّبَاعِ مَرْوَانَ، فَسَارَ حَتَّى أَتَى الْمَوْصِلَ، فَتَلَقَّاهُ مَنْ بِهَا مُسَوِّدِينَ وَفَتَحُوا لَهُ الْمَدِينَةَ، ثُمَّ سَارَ إِلَى حَرَّانَ، فَتَلَّقَاهُ أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ مُسَوِّدًا، كَمَا تَقَدَّمَ، فَآمَنَهُ وَهَدَمَ عَبْدُ اللَّهِ الدَّارَ الَّتِي حُبِسَ فِيهَا إِبْرَاهِيمُ.
ثُمَّ سَارَ مِنْ حَرَّانَ إِلَى مَنْبِجَ، وَقَدْ سَوَّدُوا، فَأَقَامَ بِهَا، وَبَعَثَ إِلَيْهِ أَهْلُ قِنَّسْرِينَ بِبَيْعَتِهِمْ، وَقَدِمَ عَلَيْهِ
стр. 2384
أَخُوهُ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ أَرْسَلَهُ السَّفَّاحُ مَدَدًا لَهُ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ، فَسَارَ بَعْدَ قُدُومِ عَبْدِ الصَّمَدِ بِيَوْمَيْنِ إِلَى قِنَّسْرِينَ، وَكَانُوا قَدْ سَوَّدُوا، (فَأَقَامَ يَوْمَيْنِ) ، ثُمَّ سَارَ إِلَى حِمْصَ وَبَايَعَ أَهْلَهَا وَأَقَامَ بِهَا أَيَّامًا، ثُمَّ سَارَ إِلَى بَعْلَبَكَّ، فَأَقَامَ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ سَارَ فَنَزَلَ مِزَّةَ دِمَشْقَ، وَهِيَ قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى الْغُوطَةِ.
وَقَدِمَ عَلَيْهِ أَخُوهُ صَالِحُ بْنُ عَلِيٍّ مَدَدًا، فَنَزَلَ مَرْجَ عَذْرَاءَ فِي ثَمَانِيَةِ آلَافٍ، ثُمَّ تَقَدَّمَ عَبْدُ اللَّهِ فَنَزَلَ عَلَى الْبَابِ الشَّرْقِيِّ، وَنَزَلَ صَالِحٌ عَلَى بَابِ الْجَابِيَةِ، وَنَزَلَ أَبُو عَوْنٍ عَلَى بَابِ كَيْسَانَ، وَنَزَلَ بَسَّامُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَلَى بَابِ الصَّغِيرِ، وَنَزَلَ حُمَيْدُ بْنُ قَحْطَبَةَ عَلَى بَابِ تُوَمَا، وَعَبْدُ الصَّمَدِ، وَيَحْيَى بْنُ صَفْوَانَ وَالْعَبَّاسُ بْنُ يَزِيدَ عَلَى بَابِ الْفَرَادِيسِ، وَفِي دِمَشْقَ الْوَلِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، فَحَصَرُوهُ وَدَخَلُوهَا عَنْوَةً يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِخَمْسٍ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ.
وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ صَعِدَ سُورَ الْمَدِينَةِ مِنْ بَابٍ شَرْقِيٍّ عَبْدُ اللَّهِ الطَّائِيُّ، وَمِنْ نَاحِيَةِ بَابِ الصَّغِيرِ بَسَّامُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، فَقَاتَلُوا بِهَا ثَلَاثَ سَاعَاتٍ، وَقُتِلَ الْوَلِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ فِيمَنْ قُتِلَ.
وَأَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ فِي دِمَشْقَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ سَارَ يُرِيدُ فِلَسْطِينَ، فَلَقِيَهُ أَهْلُ الْأُرْدُنِّ وَقَدْ سَوَّدُوا، وَأَتَى نَهْرَ أَبِي فُطْرُسٍ وَقَدْ ذَهَبَ مَرْوَانُ، فَأَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بِفِلَسْطِينَ، وَنَزَلَ بِالْمَدِينَةِ يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ الْهَاشِمِيُّ، فَأَتَاهُ كِتَابُ السَّفَّاحِ يَأْمُرُهُ بِإِرْسَالِ صَالِحِ بْنِ عَلِيٍّ فِي طَلَبِ مَرْوَانَ.
فَسَارَ صَالِحٌ مِنْ نَهْرِ أَبِي فُطْرُسٍ فِي ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، وَمَعَهُ ابْنُ فَتَّانٍ، وَعَامِرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، فَقَدَّمَ صَالِحٌ أَبَا عَوْنٍ، وَعَامِرَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الْحَارِثِيَّ، فَسَارُوا حَتَّى بَلَغُوا الْعَرِيشَ.
فَأَحْرَقَ مَرْوَانُ مَا كَانَ حَوْلَهُ مِنْ عَلَفٍ وَطَعَامٍ.
وَسَارَ صَالِحٌ فَنَزَلَ النِّيلَ، ثُمَّ سَارَ حَتَّى أَتَى الصَّعِيدَ، وَبَلَغَهُ أَنَّ خَيْلًا لِمَرْوَانَ يُحْرِقُونَ الْأَعْلَافَ فَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ فَأُخِذُوا، وَقَدِمَ بِهِمْ عَلَى صَالِحٍ وَهُوَ بِالْفُسْطَاطِ، وَسَارَ فَنَزَلَ مَوْضِعًا يُقَالُ لَهُ ذَاتُ السَّلَاسِلِ.
وَقَدَّمَ أَبُو عَوْنٍ عَامِرَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الْحَارِثِيَّ، وَشُعْبَةَ بْنَ كَثِيرٍ الْمَازِنِيَّ فِي خَيْلِ أَهْلِ الْمَوْصِلِ، فَلَقُوا خَيْلًا لِمَرْوَانَ، فَهَزَمُوهُمْ وَأَسَرُوا مِنْهُمْ رِجَالًا، فَقَتَلُوا بَعْضًا وَاسْتَحْيَوْا بَعْضًا، فَسَأَلُوهُمْ عَنْ مَرْوَانَ فَأَخْبَرُوهُمْ بِمَكَانِهِ عَلَى أَنْ يُؤَمِّنُوهُمْ.
وَسَارُوا فَوَجَدُوهُ نَازِلًا فِي كَنِيسَةٍ فِي بُوصِيرَ، فَوَافَوْهُ لَيْلًا، وَكَانَ أَصْحَابُ أَبِي عَوْنٍ قَلِيلِينَ، فَقَالَ لَهُمْ عَامِرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: إِنْ أَصْبَحْنَا وَرَأَوْا قِلَّتَنَا أَهْلَكُونَا وَلَمْ يَنْجُ مِنَّا أَحَدٌ.
وَكَسَرَ جَفْنَ سَيْفِهِ وَفَعَلَ أَصْحَابُهُ مِثْلَهُ، وَحَمَلُوا عَلَى أَصْحَابِ مَرْوَانَ فَانْهَزَمُوا، وَحَمَلَ رَجُلٌ عَلَى مَرْوَانَ فَطَعَنَهُ وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ، وَصَاحَ صَائِحٌ: صُرِعَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ! فَابْتَدَرُوهُ فَسَبَقَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ
стр. 2385
أَهْلِ الْكُوفَةِ كَانَ يَبِيعُ الرُّمَّانَ فَاحْتَزَّ رَأْسَهُ، فَأَخَذَهُ عَامِرٌ فَبَعَثَ بِهِ إِلَى أَبِي عَوْنٍ، وَبَعَثَهُ أَبُو عَوْنٍ إِلَى صَالِحٍ.
فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ أَمَرَ أَنْ يُقَصَّ لِسَانُهُ، فَانْقَطَعَ لِسَانُهُ، فَأَخَذَهُ هِرٌّ، فَقَالَ صَالِحٌ: مَاذَا تُرِينَا الْأَيَّامُ مِنَ الْعَجَائِبِ وَالْعِبَرِ! هَذَا لِسَانُ مَرْوَانَ قَدْ أَخَذَهُ هِرٌّ.
وَقَالَ شَاعِرٌ:
قَدْ فَتَحَ اللَّهُ مِصْرًا عَنْوَةً لَكُمْ ... وَأَهْلَكَ الْفَاجِرَ الْجَعْدِيَّ إِذْ ظَلَمَا
فَلَاكَ مِقْوَلَهُ هِرٌّ يُجَرِّرُهُ ... وَكَانَ رَبُّكَ مِنْ ذِي الْكُفْرِ مُنْتَقِمًا
وَسَيَّرَهُ صَالِحٌ إِلَى أَبِي الْعَبَّاسِ السَّفَّاحِ.
وَكَانَ قَتْلُهُ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَرَجَعَ صَالِحٌ إِلَى الشَّامِ، وَخَلَّفَ أَبَا عَوْنٍ بِمِصْرَ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ السِّلَاحَ وَالْأَمْوَالَ وَالرَّقِيقَ.
وَلَمَّا وَصَلَ الرَّأْسُ إِلَى السَّفَّاحِ كَانَ بِالْكُوفَةِ، فَلَمَّا رَآهُ سَجَدَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَظْهَرَنِي عَلَيْكَ وَأَظْفَرَنِي بِكَ، وَلَمْ يُبْقِ ثَأْرِي قِبَلَكَ، وَقِبَلَ رَهْطِكَ أَعْدَاءِ الدِّينِ! وَتَمَثَّلَ:
لَوْ يَشْرَبُونَ دَمِي لَمْ يُرْوَ شَارِبُهُمْ ... وَلَا دِمَاؤُهُمْ لِلْغَيْظِ تَرْوِينِي
وَلِمَا قُتِلَ مَرْوَانُ هَرَبَ ابْنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ وَعُبَيْدُ اللَّهِ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَلَقُوا مِنَ الْحَبَشَةِ بَلَاءً، قَاتَلَهُمْ الْحَبَشَةُ فَقُتِلَ عُبَيْدُ اللَّهِ وَنَجَا عَبْدُ اللَّهِ فِي عِدَّةٍ مِمَّنْ مَعَهُ، فَبَقِيَ إِلَى خِلَافَةِ الْمَهْدِيِّ، فَأَخَذَهُ نَصْرُ بْنُمُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ، عَامِلُ فِلَسْطِينَ، فَبَعَثَ بِهِ إِلَى الْمَهْدِيِّ.
وَلَمَّا قُتِلَ مَرْوَانُ قَصَدَ عَامِرٌ الْكَنِيسَةَ الَّتِي فِيهَا حُرَمُ مَرْوَانَ، وَكَانَ قَدْ وَكَّلَ بِهِنَّ خَادِمًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقْتُلَهُنَّ بَعْدَهُ، فَأَخَذَهُ عَامِرٌ وَأَخَذَ نِسَاءَ مَرْوَانَ وَبَنَاتِهِ، فَسَيَّرَهُنَّ إِلَى صَالِحِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ.
فَلَمَّا دَخَلْنَ عَلَيْهِ تَكَلَّمَتِ ابْنَةُ مَرْوَانَ الْكُبْرَى، فَقَالَتْ: يَا عَمَّ أَمِيرِ
стр. 2386
الْمُؤْمِنِينَ! حَفِظَ اللَّهُ لَكَ مِنْ أَمْرِكَ مَا تُحِبُّ حِفْظَهُ، نَحْنُ بَنَاتُكَ وَبَنَاتُ أَخِيكَ، وَابْنِ عَمِّكَ فَلْيَسَعْنَا مِنْ عَفْوِكُمْ مَا وَسِعَكُمْ مِنْ جَوْرِنَا.
قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَسْتَبْقِي مِنْكُمْ وَاحِدًا! أَلَمْ يَقْتُلْ أَبُوكِ ابْنَ أَخِي إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامَ؟ أَلَمْ يَقْتُلْ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ زَيْدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَصَلَبَهُ فِي الْكُوفَةِ؟ أَلَمْ يَقْتُلِ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ يَحْيَى بْنَ زَيْدٍ، وَصَلَبَهُ بِخُرَاسَانَ؟ أَلَمْ يَقْتُلِ ابْنُ زِيَادٍ الدَّعِيُّ مُسْلِمَ بْنَ عَقِيلٍ؟ أَلَمْ يَقْتُلْ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ وَأَهْلَ بَيْتِهِ؟ أَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِ بِحُرَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبَايَا فَوَقَّفَهُنَّ مَوْقِفَ السَّبْيِ؟ أَلَمْ يَحْمِلْ رَأْسَ الْحُسَيْنِ وَقَدْ قَرَعَ دِمَاغَهُ؟ فَمَا الَّذِي يَحْمِلُنِي عَلَى الْإِبْقَاءِ عَلَيْكُنَّ؟ ! قَالَتْ: فَلْيَسَعْنَا عَفْوُكُمْ! فَقَالَ: أَمَّا هَذَا فَنَعَمْ، وَإِنْ أَحْبَبْتِ زَوَّجْتُكِ ابْنِيَ الْفَضْلَ! فَقَالَتْ: وَأَيُّ عِزٍّ خَيْرٌ مِنْ هَذَا! بَلْ تُلْحِقُنَا بِحَرَّانَ. فَحَمَلَهُنَّ إِلَيْهَا، فَلَمَّا دَخَلْنَهَا وَرَأَيْنَ مَنَازِلَ مَرْوَانَ رَفَعْنَ أَصْوَاتَهُنَّ بِالْبُكَاءِ.
قِيلَ: كَانَ يَوْمًا بُكَيْرُ بْنُ مَاهَانَ مَعَ أَصْحَابِهِ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ مَرْوَانُ يَتَحَدَّثُ، إِذْ مَرَّ بِهِ عَامِرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ، فَأَتَى دِجْلَةَ وَاسْتَقَى مِنْ مَائِهَا ثُمَّ رَجَعَ، فَدَعَاهُ بُكَيْرٌ، فَقَالَ: مَا اسْمُكَ يَا فَتَى؟ قَالَ: عَامِرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْحَارِثِ. قَالَ: فَكُنْ [مِنْ] بَنِي مُسْلِيَةَ. قَالَ: فَأَنَا مِنْهُمْ. قَالَ: أَنْتَ وَاللَّهِ تَقْتُلُ مَرْوَانَ! فَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي قَوَّى طَمَعَ عَامِرٍ فِي قَتْلِ مَرْوَانَ.
وَلَمَّا قُتِلَ مَرْوَانُ كَانَ عُمُرُهُ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَقِيلَ: تِسْعًا وَسِتِّينَ سَنَةً، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ مِنْ حِينِ بُويِعَ إِلَى أَنْ قُتِلَ خَمْسَ سِنِينَ وَعَشَرَةَ أَشْهُرٍ وَسِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَكَانَ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ الْمَلِكِ.
وَكَانَتْ أُمُّهُ أُمَّ وَلَدٍ كُرْدِيَّةً، كَانَتْ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَشْتَرِ، أَخَذَهَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ يَوْمَ قَتْلِ إِبْرَاهِيمَ، فَوَلَدَتْ مَرْوَانَ، فَلِهَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ الْمَنْتُوفُ لِلسَّفَّاحِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَبْدَلَنَا بِحِمَارِ الْجَزِيرَةِ وَابْنِ أَمَةِ النَّخَعِ ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ابْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.
وَكَانَ مَرْوَانُ يُلَقَّبُ بِالْحِمَارِ، وَالْجَعْدِيِّ لِأَنَّهُ تَعَلَّمَ مِنَ الْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ مَذْهَبَهُ فِي
стр. 2387
الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَالْقَدَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَقِيلَ: إِنَّ الْجَعْدَ كَانَ زِنْدِيقًا، وَعَظَهُ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ فَقَالَ: لَشَاهُ قُبَاذٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا تَدِينُ بِهِ. فَقَالَ لَهُ: قَتَلَكَ اللَّهُ، وَهُوَ قَاتِلُكَ، وَشَهِدَ عَلَيْهِ مَيْمُونٌ، وَطَلَبَهُ هِشَامٌ فَظَفِرَ بِهِ، وَسَيَّرَهُ إِلَى خَالِدٍ الْقَسْرِيِّ فَقَتَلَهُ، فَكَانَ النَّاسُ يَذُمُّونَ مَرْوَانَ بِنِسْبَتِهِ إِلَيْهِ.
وَكَانَ مَرْوَانُ أَبْيَضَ أَشْهَلَ شَدِيدَ الشُّهْلَةِ، ضَخْمَ الْهَامَةِ، كَثَّ اللِّحْيَةِ أَبْيَضَهَا، رَبْعَةً، وَكَانَ شُجَاعًا حَازِمًا، إِلَّا أَنَّ مُدَّتَهُ انْقَضَتْ فَلَمْ يَنْفَعْهُ حَزْمُهُ وَلَا شَجَاعَتُهُ.
(عَيَّاشٌ بِالْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ) .
ذِكْرُ مَنْ قُتِلَ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ
دَخَلَ سُدَيْفٌ عَلَى السَّفَّاحِ وَعِنْدَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَقَدْ أَكْرَمَهُ، فَقَالَ سُدَيْفٌ:
لَا يَغُرَّنَّكَ مَا تَرَى مِنَ الرِّجَالِ ... إِنَّ تَحْتَ الضُّلُوعِ دَاءً دَوِيَّا
فَضَعِ السَّيْفَ وَارْفَعِ السَّوْطَ حَتَّى ... لَا تَرَى فَوْقَ ظَهْرِهَا أُمَوِيَّا.
فَقَالَ سُلَيْمَانُ: قَتَلْتَنِي يَا شَيْخُ! وَدَخَلَ السَّفَّاحُ، وَأُخِذَ سُلَيْمَانُ فَقُتِلَ.
وَدَخَلَ شِبْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ نَحْوُ تِسْعِينَ رَجُلًا عَلَى الطَّعَامِ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ شِبْلٌ، فَقَالَ:
أَصْبَحَ الْمُلْكُ ثَابِتَ الْأَسَاسِ ... بِالْبَهَالِيلِ مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ
طَلَبُوا وِتْرَ هَاشِمٍ فَشَفَوْهَا ... بَعْدَ مَيْلٍ مِنَ الزَّمَانِ وَيَاسِ
لَا تُقِيلَنَّ عَبْدَ شَمْسٍ عِثَارًا ... وَاقْطَعَنْ كُلَّ رَقْلَةٍ وَغِرَاسِ
стр. 2388
ذُلُّهَا أَظْهَرَ التَّوَدُّدَ مِنْهَا
وَبِهَا مِنْكُمْ كَحَرِّ الْمَوَاسِي ... وَلَقَدْ غَاظَنِي وَغَاظَ سَوَائِي
قُرْبُهُمْ مِنْ نَمَارِقٍ وَكَرَاسِي ... أَنْزِلُوهَا بِحَيْثُ أَنْزَلَهَا اللَّ
هُ بِدَارِ الْهَوَانِ وَالْإِتْعَاسِ ... وَاذْكُرُوا مَصْرَعَ الْحُسَيْنِ وَزَيْدًا
وَقَتِيلًا بِجَانِبِ الْمِهْرَاسِ ... وَالْقَتِيلَ الَّذِي بِحَرَّانَ أَضْحَى
ثَاوِيًا بَيْنَ غُرْبَةٍ وَتَنَاسِ.
فَأَمَرَ بِهِمْ عَبْدُ اللَّهِ فَضُرِبُوا بِالْعُمُدِ حَتَّى قُتِلُوا، وَبَسَطَ عَلَيْهِمُ الْأَنْطَاعَ، فَأَكَلَ الطَّعَامَ عَلَيْهَا وَهُوَ يَسْمَعُ أَنِينَ بَعْضِهِمْ حَتَّى مَاتُوا جَمِيعًا.
وَأَمَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ بِنَبْشِ قُبُورِ بَنِي أُمَيَّةَ بِدِمَشْقَ، فَنُبِشَ قَبْرُ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ،
стр. 2389
فَلَمْ يَجِدُوا فِيهِ إِلَّا خَيْطًا مِثْلَ الْهَبَاءِ، وَنُبِشَ قَبْرُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ فَوَجَدُوا فِيهِ حُطَامًا كَأَنَّهُ الرَّمَادُ، وَنُبِشَ قَبْرُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَوَجَدُوا جُمْجُمَتَهُ، وَكَانَ لَا يُوجَدُ فِي الْقَبْرِ [إِلَّا] الْعُضْوُ بَعْدَ الْعُضْوِ، غَيْرَ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَإِنَّهُ وُجِدَ صَحِيحًا لَمْ يَبْلَ مِنْهُ إِلَّا أَرْنَبَةُ أَنْفِهِ، فَضَرَبَهُ بِالسِّيَاطِ وَصَلَبَهُ وَحَرَقَهُ وَذَرَّاهُ فِي الرِّيحِ.
وَتَتَبَّعَ بَنِي أُمَيَّةَ مِنْ أَوْلَادِ الْخُلَفَاءِ وَغَيْرِهِمْ فَأَخَذَهُمْ، وَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ إِلَّا رَضِيعٌ أَوْ مَنْ هَرَبَ إِلَى الْأَنْدَلُسِ، فَقَتَلَهُمْ بِنَهْرِ أَبِي فُطْرُسٍ، وَكَانَ فِيمَنْ قُتِلَ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَالْغَمْرُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَعَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ.
وَقِيلَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ يَزِيدَ الْمَخْلُوعَ قُتِلَ مَعَهُمْ، وَاسْتَصْفَى كُلَّ شَيْءٍ لَهُمْ مِنْ مَالٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُمْ قَالَ:
بَنِي أُمَيَّةَ قَدْ أَفْنَيْتُ جَمْعَكُمُ ... فَكَيْفَ لِي مِنْكُمْ بِالْأَوَّلِ الْمَاضِي
يُطَيِّبُ النَّفْسَ أَنَّ النَّارَ تَجْمَعُكُمْ ... عُوِّضْتُمْ [مِنْ] لَظَاهَا شَرَّ مُعْتَاضِ
مُنِيتُمُ، لَا أَقَالَ اللَّهُ عَثْرَتَكُمْ ... بِلَيْثِ غَابٍ إِلَى الْأَعْدَاءِ نَهَّاضِ
إِنْ كَانَ غَيْظِي لِفَوْتٍ مِنْكُمُ ... فَلَقَدْ مُنِيتُ مِنْكُمْ بِمَا رَبِّي بِهِ رَاضِ.
وَقِيلَ: إِنَّ سُدَيْفًا أَنْشَدَ هَذَا الشِّعْرَ لِلسَّفَّاحِ، وَمَعَهُ كَانَتِ الْحَادِثَةُ، وَهُوَ الَّذِي قَتَلَهُمْ.
وَقَتَلَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ بِالْبَصْرَةِ أَيْضًا جَمَاعَةً مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ، عَلَيْهِمُ الثِّيَابُ الْمُوشِيَةُ الْمُرْتَفِعَةُ، وَأَمَرَ بِهِمْ فَجُرُّوا بِأَرْجُلِهِمْ، فَأُلْقُوا عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَكَلَتْهُمُ الْكِلَابُ.
فَلَمَّا رَأَى بَنُو أُمَيَّةَ ذَلِكَ اشْتَدَّ خَوْفُهُمْ، وَتَشَتَّتَ شَمْلُهُمْ، وَاخْتَفَى مَنْ قَدَرَ عَلَى الِاخْتِفَاءِ، وَكَانَ مِمَّنِ اخْتَفَى مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ سُفْيَانَ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ.
قَالَ: وَكُنْتُ لَا آتِي مَكَانًا إِلَّا عُرِفْتُ فِيهِ، فَضَاقَتْ عَلَيَّ الْأَرْضُ، فَقَدِمْتُ عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ
стр. 2390
عَلِيٍّ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُنِي، فَقُلْتُ: لَفَظَتْنِي الْبِلَادُ إِلَيْكَ، وَدَلَّنِي فَضْلُكَ عَلَيْكَ، فَإِمَّا قَتَلْتَنِي فَاسْتَرَحْتُ، وَإِمَّا رَدَدْتَنِي سَالِمًا فَأَمِنْتُ.
فَقَالَ: وَمَنْ أَنْتَ؟ فَعَرَّفْتُهُ نَفْسِي، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ، مَا حَاجَتُكَ؟ فَقُلْتُ: إِنَّ الْحُرَمَ اللَّوَاتِي أَنْتَ أَوْلَى النَّاسِ بِهِنَّ، وَأَقْرَبُهُمْ إِلَيْهِنَّ، قَدْ خِفْنَ لِخَوْفِنَا، وَمَنْ خَافَ خِيفَ عَلَيْهِ.
قَالَ: فَبَكَى كَثِيرًا ثُمَّ قَالَ: يَحْقِنُ اللَّهُ دَمَكَ وَيُوَفِّرُ مَالَكَ وَيَحْفَظُ حُرَمَكَ.
ثُمَّ كَتَبَ إِلَى السَّفَّاحِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ قَدْ وَفَدَ وَافِدٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ عَلَيْنَا، وَإِنَّا إِنَّمَا قَتَلْنَاهُمْ عَلَى عُقُوقِهِمْ لَا عَلَى أَرْحَامِهِمْ، فَإِنَّنَا يَجْمَعُنَا وَإِيَّاهُمْ عَبْدُ مَنَافٍ، وَالرَّحِمُ تُبَلُّ وَلَا تُقْتَلُ، وَتُرْفَعُ وَلَا تُوضَعُ، فَإِنْ رَأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَهَبَهُمْ لِي فَلْيَفْعَلْ، وَإِنْ فَعَلَ فَلْيَجْعَلْ كِتَابًا عَامًّا إِلَى الْبُلْدَانِ، نَشْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى نِعَمِهِ عِنْدَنَا، وَإِحْسَانِهِ إِلَيْنَا. فَأَجَابَهُ إِلَى مَا سَأَلَ، فَكَانَ هَذَا أَوَّلَ أَمَانِ بَنِي أُمَيَّةَ.
ذِكْرُ خَلْعِ حَبِيبِ بْنِ مُرَّةَ الْمُرِّيِّ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ بَيَّضَ حَبِيبُ بْنُ مُرَّةَ الْمُرِّيُّ، وَخَلَعَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الْبَثَنِيَّةِ وَحَوْرَانَ، وَكَانَ خَلْعُهُمْ قَبْلَ خَلْعِ أَبِي الْوَرْدِ، فَسَارَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ وَقَاتَلَهُ دَفَعَاتٍ، وَكَانَ حَبِيبٌ مِنْ قُوَّادِ مَرْوَانَ وَفُرْسَانِهِ.
وَكَانَ سَبَبُ تَبْيِيضِهِ الْخَوْفَ عَلَى نَفْسِهِ وَقَوْمِهِ، فَبَايَعَتْهُ قَيْسٌ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ يَلِيهِمْ. فَلَمَّا بَلَغَ عَبْدَ اللَّهِ خُرُوجُ أَبِي الْوَرْدِ وَتَبْيِيضُهُ، دَعَا حَبِيبًا إِلَى الصُّلْحِ، فَصَالَحَهُ وَآمَنَهُ مَعَهُ، وَسَارَ نَحْوَ أَبِي الْوَرْدِ.
ذِكْرُ خَلْعِ أَبِي الْوَرْدِ وَأَهْلِ دِمَشْقَ
وَفِيهَا خَلَعَ أَبُو الْوَرْدِ مِجْزَاةُ بْنُ الْكَوْثَرِ بْنِ زُفَرَ بْنِ الْحَارِثِ الْكِلَابِيُّ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ مَرْوَانَ وَقُوَّادِهِ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ مَرْوَانَ لَمَّا انْهَزَمَ قَامَ أَبُو الْوَرْدِ بِقِنَّسْرِينَ، فَقَدِمَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ، فَبَايَعَهُ أَبُو الْوَرْدِ، وَدَخَلَ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ جُنْدُهُ، وَكَانَ وَلَدُ مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ مُجَاوِرِينَ لَهُ بِبَالِسَ وَالنَّاعُورَةِ، فَقَدِمَ بَالِسَ قَائِدٌ مِنْ قُوَّادِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ، فَبَعَثَ بِوَلَدِ مَسْلَمَةَ وَنِسَائِهِمْ، فَشَكَا بَعْضُهُمْ ذَلِكَ إِلَى أَبِي الْوَرْدِ، فَخَرَجَ مِنْ مَزْرَعَةٍ [لَهُ] يُقَالُ لَهَا
стр. 2391
خُسَافٌ، فَقَتَلَ ذَلِكَ الْقَائِدَ وَمَنْ مَعَهُ، وَأَظْهَرَ التَّبْيِيضَ وَالْخَلْعَ لِعَبْدِ اللَّهِ، وَدَعَا أَهْلَ قِنَّسْرِينَ إِلَى ذَلِكَ، فَبَيَّضُوا أَجْمَعُهُمْ، وَالسَّفَّاحُ يَوْمَئِذٍ بِالْحِيرَةِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ مُشْتَغِلٌ بِحَرْبِ حَبِيبِ بْنِ مُرَّةَ الْمُرِّيِّ بِأَرْضِ الْبَلْقَاءِ وَحَوْرَانَ وَالْبَثَنِيَّةِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
فَلَمَّا بَلَغَ عَبْدَ اللَّهِ تَبْيِيضُ أَهْلِ قِنَّسْرِينَ وَخَلْعُهُمْ صَالَحَ حَبِيبَ بْنَ مُرَّةَ، وَسَارَ نَحْوَ قِنَّسْرِينَ لِلِقَاءِ أَبِي الْوَرْدِ، فَمَرَّ بِدِمَشْقَ، فَخَلَّفَ بِهَا أَبَا غَانِمٍ عَبْدَ الْحَمِيدِ بْنَ رِبْعِيٍّ الطَّائِيَّ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ، وَكَانَ بِدِمَشْقَ أَهْلُ عَبْدِ اللَّهِ، وَأُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِ وَثَقَلُهُ.
فَلَمَّا قَدِمَ حِمْصَ انْتَقَضَ لَهُ أَهْلُ دِمَشْقَ وَبَيَّضُوا، وَقَامُوا مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ سُرَاقَةَ الْأَزْدِيِّ، فَلَقُوا أَبَا غَانِمٍ وَمَنْ مَعَهُ فَهَزَمُوهُ، وَقَتَلُوا مِنْ أَصْحَابِهِ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَانْتَهَبُوا مَا كَانَ عَبْدُ اللَّهِ خَلَّفَ مِنْ ثَقَلِهِ، وَلَمْ يَعْرِضُوا لِأَهْلِهِ، وَاجْتَمَعُوا عَلَى الْخِلَافِ. وَسَارَ عَبْدُ اللَّهِ.
وَكَانَ قَدِ اجْتَمَعَ مَعَ أَبِي الْوَرْدِ جَمَاعَةٌ [مِنْ] أَهْلِ قِنَّسْرِينَ وَكَاتَبُوا مَنْ يَلِيهِمْ مِنْ أَهْلِ حِمْصَ وَتَدْمُرَ، فَقَدِمَ مِنْهُمْ أُلُوفٌ عَلَيْهِمْ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَدَعَوْا إِلَيْهِ، وَقَالُوا: هَذَا السُّفْيَانِيُّ الَّذِي كَانَ يُذْكَرُ، وَهُمْ فِي نَحْوٍ مِنْ أَرْبَعِينَ أَلْفًا، فَعَسْكَرُوا بِمَرْجِ الْأَخْرَمِ.
وَدَنَا مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ، وَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ أَخَاهُ عَبْدَ الصَّمَدِ بْنَ عَلِيٍّ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ، وَكَانَ أَبُو الْوَرْدِ هُوَ الْمُدَبِّرَ لِعَسْكَرِ قِنَّسْرِينَ وَصَاحِبَ الْقِتَالِ، فَنَاهَضَهُمُ الْقِتَالَ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِي الْفَرِيقَيْنِ، وَانْكَشَفَ عَبْدُ الصَّمَدِ وَمَنْ مَعَهُ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ أُلُوفٌ وَلَحِقَ بِأَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ.
فَأَقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ مَعَهُ وَجَمَاعَةُ الْقُوَّادِ فَالْتَقَوْا ثَانِيَةً بِمَرْجِ الْأَخْرَمِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَثَبَتَ عَبْدُ اللَّهِ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ أَبِي الْوَرْدِ، وَثَبَتَ هُوَ فِي نَحْوٍ مِنْ خَمْسِمِائَةٍ مِنْ قَوْمِهِ وَأَصْحَابِهِ، فَقُتِلُوا جَمِيعًا، وَهَرَبَ أَبُو مُحَمَّدٍ وَمَنْ مَعَهُ حَتَّى لَحِقُوا بِتَدْمُرَ، وَآمَنَ عَبْدُ اللَّهِ أَهْلَ قِنَّسْرِينَ، وَسَوَّدُوا وَبَايَعُوا وَدَخَلُوا فِي طَاعَتِهِ.
ثُمَّ انْصَرَفَ رَاجِعًا إِلَى أَهْلِ دِمَشْقَ لِمَا كَانَ مِنْ تَبْيِيضِهِمْ [عَلَيْهِ] ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُمْ هَرَبَ النَّاسُ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ قِتَالٌ، وَآمَنَ عَبْدُ اللَّهِ أَهْلَهَا وَبَايَعُوهُ وَلَمْ يَأْخُذْهُمْ بِمَا كَانَ مِنْهُمْ.
وَلَمْ يَزَلْ أَبُو مُحَمَّدٍ السُّفْيَانِيُّ مُتَغَيِّبًا هَارِبًا وَلَحِقَ بِأَرْضِ الْحِجَازِ (وَبَقِيَ كَذَلِكَ إِلَى أَيَّامِ الْمَنْصُورِ) ، فَبَلَغَ زِيَادَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْحَارِثِيَّ عَامِلَ الْمَنْصُورِ مَكَانُهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ خَيْلًا فَقَاتَلُوهُ فَقَتَلُوهُ وَأَخَذُوا ابْنَيْنِ لَهُ أَسِيرَيْنِ، فَبَعَثَ زِيَادٌ بِرَأْسِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السُّفْيَانِيِّ
стр. 2392
وَبِابْنَيْهِ، فَأَطْلَقَهُمَا الْمَنْصُورُ وَآمَنَهُمَا.
وَقِيلَ: إِنَّ حَرْبَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي الْوَرْدِ كَانَتْ سَلْخَ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ.
ذِكْرُ تَبْيِيضِ أَهْلِ الْجَزِيرَةِ وَخَلْعِهِمْ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ بَيَّضَ أَهْلُ الْجَزِيرَةِ وَخَلَعُوا أَبَا الْعَبَّاسِ السَّفَّاحَ، وَسَارُوا إِلَى حَرَّانَ وَبِهَا مُوسَى بْنُ كَعْبٍ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنْ جُنْدِ السَّفَّاحِ، فَحَاصَرُوهُ بِهَا، وَلَيْسَ عَلَى أَهْلِ الْجَزِيرَةِ رَأْسٌ يَجْمَعُهُمْ، فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ إِسْحَاقُ بْنُ مُسْلِمٍ الْعُقَيْلِيُّ مِنْ إِرْمِينِيَّةَ، وَكَانَ سَارَ عَنْهَا حِينَ بَلَغَهُ هَزِيمَةُ مَرْوَانَ، فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَزِيرَةِ، وَحَاصَرَ مُوسَى بْنَ كَعْبٍ نَحْوًا مِنَ الشَّهْرَيْنِ.
وَوَجَّهَ أَبُو الْعَبَّاسِ السَّفَّاحُ أَخَاهُ أَبَا جَعْفَرٍ فِيمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الْجُنُودِ بِوَاسِطَ مُحَاصِرِينَ ابْنَ هُبَيْرَةَ، فَسَارَ فَاجْتَازَ بِقَرْقِيسِيَّا وَالرَّقَّةِ، وَأَهْلُهُمَا قَدْ تَبَيَّضُوا، وَسَارَ نَحْوَ حَرَّانَ، فَرَحَلَ إِسْحَاقُ بْنُ مُسْلِمٍ إِلَى الرُّهَاءِ، وَذَلِكَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، وَخَرَجَ مُوسَى بْنُ كَعْبٍ مِنْ حَرَّانَ فَلَقِيَ أَبَا جَعْفَرٍ.
وَوَجَّهَ إِسْحَاقُ بْنُ مُسْلِمٍ أَخَاهُ بَكَّارَ بْنَ مُسْلِمٍ إِلَى رَبِيعَةَ بِدَارَا وَمَارِدِينَ، وَرَئِيسُ رَبِيعَةَ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ مِنَ الْحَرُورِيَّةِ يُقَالُ لَهُ بُرَيْكَةُ، فَعَمَدَ إِلَيْهِمْ أَبُو جَعْفَرٍ فَلَقِيَهُمْ، فَقَاتَلُوهُ قِتَالًا شَدِيدًا، وَقُتِلَ بُرَيْكَةُ فِي الْمَعْرَكَةِ، وَانْصَرَفَ بَكَّارٌ إِلَى أَخِيهِ إِسْحَاقَ بِالرُّهَاءِ، فَخَلَّفَهُ إِسْحَاقُ بِهَا وَسَارَ إِلَى سُمَيْسَاطَ فِي عُظْمِ عَسْكَرِهِ، وَأَقْبَلَ أَبُو جَعْفَرٍ إِلَى الرُّهَاءِ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَكَّارٍ وَقَعَاتٌ.
وَكَتَبَ السَّفَّاحُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ يَأْمُرُهُ أَنْ يَسِيرَ فِي جُنُودِهِ إِلَى سُمَيْسَاطَ، فَسَارَ حَتَّى نَزَلَ بِإِزَاءِ إِسْحَاقَ بِسُمَيْسَاطَ، وَإِسْحَاقُ فِي سِتِّينَ أَلْفًا وَبَيْنَهُمُ الْفُرَاتُ، وَأَقْبَلَ أَبُو جَعْفَرٍ مِنَ الرُّهَاءِ، وَحَاصَرَ إِسْحَاقَ بِسُمَيْسَاطَ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ، وَكَانَ إِسْحَاقُ يَقُولُ: فِي عُنُقِي بَيْعَةٌ، فَأَنَا لَا أَدَعُهَا حَتَّى أَعْلَمَ أَنَّ صَاحِبَهَا مَاتَ أَوْ قُتِلَ.
فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَبُو جَعْفَرٍ: إِنَّ مَرْوَانَ قَدْ قُتِلَ. فَقَالَ: حَتَّى أَتَيَقَّنَ. فَلَمَّا تَيَقَّنَ قَتْلَهُ طَلَبَ الصُّلْحَ وَالْأَمَانَ، فَكَتَبُوا إِلَى السَّفَّاحِ بِذَلِكَ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُؤَمِّنُوهُ وَمَنْ مَعَهُ، فَكَتَبُوا بَيْنَهُمْ كِتَابًا
стр. 2393
بِذَلِكَ، وَخَرَجَ إِسْحَاقُ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ، وَكَانَ عِنْدَهُ مِنْ آثَرِ صَحَابَتِهِ، وَاسْتَقَامَ أَهْلُ الْجَزِيرَةِ وَالشَّامِ.
وَوَلَّى أَبُو الْعَبَّاسِ أَخَاهُ أَبَا جَعْفَرٍ الْجَزِيرَةَ وَإِرْمِينِيَّةَ وَأَذْرَبِيجَانَ، فَلَمْ يَزَلْ عَلَيْهَا حَتَّى اسْتُخْلِفَ.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَلِيٍّ هُوَ الَّذِي آمَنَ إِسْحَاقَ بْنَ مُسْلِمٍ.
ذِكْرُ قَتْلِ أَبِي سَلَمَةَ الْخَلَّالِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ
قَدْ ذَكَرْنَا مَا كَانَ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ فِي أَمْرِ أَبِي الْعَبَّاسِ السَّفَّاحِ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ عِنْدَ قُدُومِهِمُ الْكُوفَةَ، بِحَيْثُ صَارَ عِنْدَهُمْ مُتَّهَمًا، وَتَغَيَّرَ السَّفَّاحُ عَلَيْهِ وَهُوَ بِعَسْكَرِهِ بِحَمَّامِ أَعْيَنَ، ثُمَّ تَحَوَّلَ عَنْهُ إِلَى الْمَدِينَةِ الْهَاشِمِيَّةِ، فَنَزَلَ قَصْرَ الْإِمَارَةِ بِهَا وَهُوَ مُتَنَكِّرٌ لِأَبِي سَلَمَةَ، وَكَتَبَ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ يُعْلِمُهُ رَأْيَهُ فِيهِ وَمَا كَانَ هَمَّ بِهِ مِنَ الْغِشِّ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو مُسْلِمٍ: إِنْ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ مِنْهُ فَلْيَقْتُلْهُ.
فَقَالَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ لِلسَّفَّاحِ: لَا تَفْعَلْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَيَحْتَجَّ بِهَا أَبُو مُسْلِمٍ عَلَيْكَ، وَأَهْلُ خُرَاسَانَ الَّذِينَ مَعَكَ أَصْحَابُهُ، وَحَالُهُ فِيهِمْ حَالُهُ، وَلَكِنِ اكْتُبْ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ فَلْيَبْعَثْ إِلَيْهِ مَنْ يَقْتُلُهُ.
فَكَتَبَ إِلَيْهِ، فَبَعَثَ أَبُو مُسْلِمٍ مِرَّارَ بْنَ أَنَسٍ الضَّبِّيَّ لِقَتْلِهِ، فَقَدِمَ عَلَى السَّفَّاحِ فَأَعْلَمَهُ بِسَبَبِ قُدُومِهِ، فَأَمَرَ السَّفَّاحُ مُنَادِيًا فَنَادَى: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ رَضِيَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَدَعَاهُ فَكَسَاهُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ لَيْلَةً فَلَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى مَنْزِلِهِ وَحْدَهُ، فَعَرَضَ لَهُ مِرَّارُ بْنُ أَنَسٍ، وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَعْوَانِهِ فَقَتَلُوهُ، وَقَالُوا: قَتَلَهُ الْخَوَارِجُ.
ثُمَّ أُخْرِجَ مِنَ الْغَدِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَدُفِنَ بِالْمَدِينَةِ الْهَاشِمِيَّةِ عِنْدَ الْكُوفَةِ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُهَاجِرِ الْبَجَلِيُّ:
إِنَّ الْوَزِيرَ وَزِيرَ آلِ مُحَمَّدٍ ... أَوْدَى فَمَنْ يَشْنَاكَ صَارَ وَزِيرًا
وَكَانَ يُقَالُ لِأَبِي سَلَمَةَ: وَزِيرُ آلِ مُحَمَّدٍ، وَلِأَبِي مُسْلِمٍ: أَمِيرُ آلِ مُحَمَّدٍ.
стр. 2394
فَلَمَّا قُتِلَ أَبُو سَلَمَةَ وَجَّهَ السَّفَّاحُ أَخَاهُ أَبَا جَعْفَرٍ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى أَبِي مُسْلِمٍ سَايَرَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الْأَعْرَجُ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ لِعُبَيْدِ اللَّهِ: يَا هَذَا، إِنَّا كُنَّا نَرْجُو أَنْ يَتِمَّ أَمْرُكُمْ، فَإِذَا شِئْتُمْ فَادْعُونَا إِلَى مَا تُرِيدُونَ.
فَظَنَّ عُبَيْدُ اللَّهِ أَنَّهُ دَسِيسٌ مِنْ أَبِي مُسْلِمٍ، فَأَتَى أَبَا مُسْلِمٍ فَأَخْبَرَهُ وَخَافَ أَنْ يُعْلِمَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ، فَأَحْضَرَ أَبُو مُسْلِمٍ سُلَيْمَانَ بْنَ كَثِيرٍ، وَقَالَ لَهُ: أَتَحْفَظُ قَوْلَ الْإِمَامِ لِي مَنِ اتَّهَمْتَهُ فَاقْتُلْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنِّي قَدْ اتَّهَمْتُكَ. قَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ! قَالَ: لَا تُنَاشِدْنِي، فَأَنْتَ مُنْطَوٍ عَلَى غِشِّ الْإِمَامِ، وَأَمَرَ بِضَرْبِ عُنُقِهِ.
وَرَجَعَ أَبُو جَعْفَرٍ إِلَى السَّفَّاحِ فَقَالَ: لَسْتَ خَلِيفَةً، وَلَا أَمْرُكَ بِشَيْءٍ إِنْ تَرَكْتَ أَبَا مُسْلِمٍ وَلَمْ تَقْتُلْهُ. قَالَ. وَكَيْفَ؟ قَالَ: وَاللَّهِ مَا يَصْنَعُ إِلَّا مَا أَرَادَ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: فَاكْتُمْهَا.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ أَبَا جَعْفَرٍ إِنَّمَا سَارَ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ أَبُو سَلَمَةَ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ السَّفَّاحَ لَمَّا ظَهَرَ تَذَاكَرُوا مَا صَنَعَ أَبُو سَلَمَةَ، فَقَالَ بَعْضُ مَنْ هُنَاكَ: لَعَلَّ مَا صَنَعَ كَانَ مِنْ رَأْيِ أَبِي مُسْلِمٍ. فَقَالَ السَّفَّاحُ: لَئِنْ كَانَ هَذَا عَنْ رَأْيِهِ إِنَّا لَنَعْرِفَنَّ بَلَاءً إِلَّا أَنْ يَدْفَعَهُ اللَّهُ عَنَّا. وَأَرْسَلَ أَخَاهُ أَبَا جَعْفَرٍ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ لِيَعْلَمَ رَأْيَهُ. فَسَارَ إِلَيْهِ وَأَعْلَمَهُ مَا كَانَ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ، فَأَرْسَلَ مِرَّارَ بْنَ أَنَسٍ فَقَتَلَهُ.
ذِكْرُ مُحَاصَرَةِ ابْنِ هُبَيْرَةَ بِوَاسِطَ
قَدْ ذَكَرْنَا مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ يَزِيدَ بْنِ هُبَيْرَةَ وَالْجَيْشِ الَّذِينَ لَقُوهُ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ مَعَ قَحْطَبَةَ، ثُمَّ مَعَ ابْنِهِ الْحَسَنِ، وَانْهِزَامَهُ إِلَى وَاسِطَ وَتَحَصُّنَهُ بِهَا، وَكَانَ لَمَّا انْهَزَمَ قَدْ وَكَّلَ بِالْأَثْقَالِ قَوْمًا، فَذَهَبُوا بِهَا، فَقَالَ لَهُ حَوْثَرَةُ: أَيْنَ تَذْهَبُ وَقَدْ قُتِلَ صَاحِبُهُمْ؟ يَعْنِي قَحْطَبَةَ، امْضِ إِلَى الْكُوفَةِ وَمَعَكَ جُنْدٌ كَثِيرٌ، فَقَاتِلْهُمْ حَتَّى تُقْتَلَ أَوْ تَظْفَرَ. قَالَ: بَلْ نَأْتِي وَاسِطَ فَنَنْظُرُ. قَالَ: مَا تَزِيدُ عَلَى أَنْ تُمَكِّنَهُ مِنْ نَفْسِكَ وَتُقْتَلَ.
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ حُضَيْنٍ: إِنَّكَ لَوْ تَأْتِي مَرْوَانَ بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْجُنُودِ، فَالْزَمِ الْفُرَاتَ حَتَّى تَأْتِيَهُ، وَإِيَّاكَ وَوَاسِطَ فَتَصِيرُ فِي حِصَارٍ، وَلَيْسَ بَعْدَ الْحَصْرِ إِلَّا الْقَتْلُ. فَأَبَى.
стр. 2395
وَكَانَ يَخَافُ مَرْوَانَ لِأَنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ إِلَيْهِ بِالْأَمْرِ فَيُخَالِفُهُ، فَخَافَ أَنْ يَقْتُلَهُ، فَأَتَى وَاسِطَ فَتَحَصَّنَ بِهَا، وَسَيَّرَ أَبُو سَلَمَةَ إِلَيْهِ الْحَسَنَ بْنَ قَحْطَبَةَ فَحَصَرَهُ، وَأَوَّلُ وَقْعَةٍ كَانَتْ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ. .
قَالَ أَهْلُ الشَّامِ لِابْنِ هُبَيْرَةَ: ايذَنْ لَنَا فِي قِتَالِهِمْ. فَأَذِنَ لَهُمْ، فَخَرَجُوا وَخَرَجَ ابْنُ هُبَيْرَةَ وَعَلَى مَيْمَنَتِهِ ابْنُهُ دَاوُدُ، فَالْتَقَوْا وَعَلَى مَيْمَنَةِ الْحَسَنِ خَازِمُ بْنُ خُزَيْمَةَ، فَحَمَلَ خَازِمٌ عَلَى ابْنِ هُبَيْرَةَ، فَانْهَزَمَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ وَغَصَّ الْبَابُ بِالنَّاسِ، وَرَمَى أَصْحَابُهُ بِالْعَرَّادَاتِ.
وَرَجَعَ أَهْلُ الشَّامِ، فَكَرَّ عَلَيْهِمُ الْحَسَنُ وَاضْطَرَّهُمْ إِلَى دِجْلَةَ، فَغَرِقَ مِنْهُمْ نَاسٌ كَثِيرٌ، فَتَلَقَّوْهُمْ بِالسُّفُنِ وَتَحَاجَزُوا، فَمَكَثُوا سَبْعَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ خَرَجُوا إِلَيْهِمْ، فَاقْتَتَلُوا، وَانْهَزَمَ أَهْلُ الشَّامِ هَزِيمَةً قَبِيحَةً، فَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ، فَمَكَثُوا مَا شَاءَ اللَّهُ لَا يُقَاتِلُونَ إِلَّا رَمْيًا.
وَبَلَغَ ابْنَ هُبَيْرَةَ، وَهُوَ فِي الْحِصَارِ، أَنَّ أَبَا أُمَيَّةَ التَّغْلِبِيَّ قَدْ سَوَّدَ فَأَخَذَهُ وَحَبَسَهُ، فَتَكَلَّمَ نَاسٌ مِنْ رَبِيعَةَ فِي ذَلِكَ وَمَعْنُ بْنُ زَائِدَةَ الشَّيْبَانِيُّ، وَأَخَذُوا ثَلَاثَةَ نَفَرٍ مِنْ فَزَارَةَ رَهْطِ ابْنِ هُبَيْرَةَ فَحَبَسُوهُمْ.
(وَشَتَمُوا ابْنَ هُبَيْرَةَ) وَقَالُوا: لَا نَتْرُكُ مَا فِي أَيْدِينَا حَتَّى يَتْرُكَ ابْنُ هُبَيْرَةَ صَاحِبَنَا. وَأَبَى ابْنُ هُبَيْرَةَ أَنْ يُطْلِقَهُ، فَاعْتَزَلَ مَعْنٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بَشِيرٍ الْعِجْلِيُّ فِيمَنْ مَعَهُمَا. فَقِيلَ لِابْنِ هُبَيْرَةَ: هَؤُلَاءِ فُرْسَانُكَ قَدْ أَفْسَدْتَهُمْ، وَإِنْ تَمَادَيْتَ فِي ذَلِكَ كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْكَ مِمَّنْ حَصَرَكَ. فَدَعَا أَبَا أُمَيَّةَ فَكَسَاهُ وَخَلَّى سَبِيلَهُ، فَاصْطَلَحُوا وَعَادُوا إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ.
وَقَدِمَ أَبُو نَصْرٍ مَالِكُ بْنُ الْهَيْثَمِ مِنْ نَاحِيَةِ سِجِسْتَانَ إِلَى الْحَسَنِ، فَأَوْفَدَ الْحَسَنُ وَفْدًا إِلَى السَّفَّاحِ بِقُدُومِ أَبِي نَصْرٍ عَلَيْهِ، وَجَعَلَ عَلَى الْوَفْدِ غَيْلَانَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِيَّ، وَكَانَ غَيْلَانُ وَاجِدًا عَلَى الْحَسَنِ لِأَنَّهُ سَرَّحَهُ إِلَى رَوْحِ بْنِ حَاتِمٍ مَدَدًا لَهُ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى السَّفَّاحِ وَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنَّكَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ، وَأَنَّكَ إِمَامُ الْمُتَّقِينَ.
قَالَ: حَاجَتُكَ يَا غَيْلَانُ؟ قَالَ: أَسْتَغْفِرُكَ. قَالَ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ. قَالَ غَيْلَانُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مُنَّ عَلَيْنَا بِرَجُلٍ مِنْ [أَهْلِ] بَيْتِكَ. قَالَ: أَوَلَيْسَ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي الْحَسَنُ بْنُ قَحْطَبَةَ؟ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مُنَّ عَلَيْنَا بِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ نَنْظُرْ إِلَى وَجْهِهِ، وَتَقَرَّ عَيْنُنَا بِهِ. فَبَعَثَ أَخَاهُ أَبَا جَعْفَرٍ لِقِتَالِ ابْنِ هُبَيْرَةَ عِنْدَ رُجُوعِهِ مِنْ خُرَاسَانَ.
وَكَتَبَ إِلَى الْحَسَنِ: إِنَّ الْعَسْكَرَ عَسْكَرُكَ، وَالْقُوَّادَ قُوَّادُكَ، وَلَكِنْ أَحْبَبْتُ أَنْ يَكُونَ أَخِي حَاضِرًا، فَاسْمَعْ لَهُ وَأَطِعْ وَأَحْسِنْ مُوَازَرَتَهُ. وَكَتَبَ إِلَى مَالِكِ بْنِ الْهَيْثَمِ بِمِثْلِ ذَلِكَ. وَكَانَ الْحَسَنُ هُوَ الْمُدَبِّرَ لِأَمْرِ ذَلِكَ الْعَسْكَرِ.
стр. 2396
فَلَمَّا قَدِمَ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ عَلَى الْحَسَنِ تَحَوَّلَ الْحَسَنُ عَنْ خَيْمَتِهِ وَأَنْزَلَهُ فِيهَا، وَجَعَلَ الْحَسَنُ عَلَى حَرَسِ الْمَنْصُورِ عُثْمَانَ بْنَ نَهِيكٍ.
وَقَاتَلَهُمْ مَالِكُ بْنُ الْهَيْثَمِ يَوْمًا فَانْهَزَمَ أَهْلُ الشَّامِ إِلَى خَنَادِقِهِمْ وَقَدْ كَمَّنَ لَهُمْ مَعْنٌ وَأَبُو يَحْيَى الْجُذَامِيُّ. فَلَمَّا جَازَهُمْ أَصْحَابُ مَالِكٍ خَرَجُوا عَلَيْهِمْ فَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى جَاءَ اللَّيْلُ، وَابْنُ هُبَيْرَةَ عَلَى بُرْجِ الْخَلَّالِينَ، فَاقْتَتَلُوا مَا شَاءَ اللَّهُ مِنَ اللَّيْلِ، وَسَرَّحَ ابْنُ هُبَيْرَةَ إِلَى مَعْنٍ يَأْمُرُهُ بِالِانْصِرَافِ، فَانْصَرَفَ، فَمَكَثُوا أَيَّامًا.
وَخَرَجَ أَهْلُ وَاسِطَ أَيْضًا مَعَ مَعْنٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ نُبَاتَةَ، فَقَاتَلَهُمْ أَصْحَابُ الْحَسَنِ فَهَزَمُوهُمْ إِلَى دِجْلَةَ حَتَّى تَسَاقَطُوا فِيهَا، وَرَجَعُوا وَقَدْ قُتِلَ وَلَدُ مَالِكِ بْنِ الْهَيْثَمِ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُوهُ قَتِيلًا قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الْحَيَاةَ بَعْدَكَ! ثُمَّ حَمَلُوا عَلَى أَهْلِ وَاسِطَ فَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى أَدْخَلُوهُمُ الْمَدِينَةَ.
وَكَانَ مَالِكٌ يَمْلَأُ السُّفُنَ حَطَبًا، ثُمَّ يُضْرِمُهَا نَارًا لِتَحْرِقَ مَا مَرَّتْ بِهِ، فَكَانَ ابْنُ هُبَيْرَةَ يَجُرُّ تِلْكَ السُّفُنَ بِكَلَالِيبَ، فَمَكَثُوا كَذَلِكَ أَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا.
فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهِمُ الْحِصَارُ طَلَبُوا الصُّلْحَ، وَلَمْ يَطْلُبُوهُ حَتَّى جَاءَهُمْ خَبَرُ قَتْلِ مَرْوَانَ، أَتَاهُمْ بِهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ وَقَالَ لَهُمْ: عَلَامَ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَقَدْ قُتِلَ مَرْوَانُ؟ وَتَجَنَّى أَصْحَابُ ابْنِ هُبَيْرَةَ عَلَيْهِ.
فَقَالَتِ الْيَمَانِيَّةُ: لَا نُعِينُ مَرْوَانَ وَآثَارُهُ فِينَا آثَارُهُ. وَقَالَتِ النِّزَارِيَّةُ: لَا نُقَاتِلُ حَتَّى تُقَاتِلَ مَعَنَا الْيَمَانِيَّةُ، وَكَانَ يُقَاتِلُ مَعَهُ صَعَالِيكُ النَّاسِ وَفِتْيَانُهُمْ.
وَهَمَّ ابْنُ هُبَيْرَةَ بِأَنْ يَدْعُوَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ، فَأَبْطَأَ جَوَابَهُ، وَكَاتَبَ السَّفَّاحُ الْيَمَانِيَّةَ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ هُبَيْرَةَ وَأَطْمَعَهُمْ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ زِيَادُ بْنُ صَالِحٍ، وَزِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَارِثِيَّانِ، وَوَعَدَا ابْنَ هُبَيْرَةَ أَنْ يُصْلِحَا لَهُ نَاحِيَةَ ابْنِ الْعَبَّاسِ، فَلَمْ يَفْعَلَا.
وَجَرَتِ السُّفَرَاءُ بَيْنَ أَبِي جَعْفَرٍ وَابْنِ هُبَيْرَةَ، حَتَّى جَعَلَ لَهُ أَمَانًا، وَكَتَبَ بِهِ كِتَابًا مَكَثَ ابْنُ هُبَيْرَةَ يُشَاوِرُ فِيهِ الْعُلَمَاءَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا حَتَّى رَضِيَهُ، فَأَنْفَذَهُ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ، فَأَنْفَذَهُ أَبُو جَعْفَرٍ إِلَى أَخِيهِ السَّفَّاحِ، فَأَمَرَهُ بِإِمْضَائِهِ.
وَكَانَ رَأْيُ أَبِي جَعْفَرٍ الْوَفَاءَ لَهُ بِمَا أَعْطَاهُ، وَكَانَ السَّفَّاحُ لَا يَقْطَعُ أَمْرًا دُونَ أَبِي مُسْلِمٍ، وَكَانَ أَبُو الْجَهْمِ عَيْنًا لِأَبِي مُسْلِمٍ عَلَى السَّفَّاحِ، فَكَتَبَ السَّفَّاحُ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ يُخْبِرُهُ أَمْرَ ابْنِ هُبَيْرَةَ، فَكَتَبَ أَبُو مُسْلِمٍ إِلَيْهِ: إِنَّ الطَّرِيقَ السَّهْلَ إِذَا أَلْقَيْتَ فِيهِ الْحِجَارَةَ فَسَدَ، لَا وَاللَّهِ لَا يَصْلُحُ طَرِيقٌ فِيهِ ابْنُ هُبَيْرَةَ.
وَلَمَّا تَمَّ الْكِتَابُ خَرَجَ ابْنُ هُبَيْرَةَ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ فِي أَلْفٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ [مِنَ الْبُخَارِيَّةِ] ،
стр. 2397
وَأَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى دَابَّتِهِ، فَقَامَ إِلَيْهِ الْحَاجِبُ سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمٍ، فَقَالَ: مَرْحَبًا [بِكَ] أَبَا خَالِدٍ، انْزِلْ رَاشِدًا! وَقَدْ أَطَافَ بِحُجْرَةِ الْمَنْصُورِ عَشَرَةُ آلَافٍ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ، فَنَزَلَ، وَدَعَا لَهُ بِوِسَادَةٍ لِيَجْلِسَ عَلَيْهَا، وَأَدْخَلَ الْقُوَّادَ ثُمَّ أَذِنَ لِابْنِ هُبَيْرَةَ وَحْدَهُ، فَدَخَلَ، وَحَادَثَهُ سَاعَةً، ثُمَّ قَامَ.
ثُمَّ مَكَثَ يَأْتِيهِ يَوْمًا وَيَتْرُكُهُ يَوْمًا، فَكَانَ يَأْتِيهِ فِي خَمْسِمِائَةِ فَارِسٍ وَثَلَاثِمِائَةِ رَاجِلٍ، فَقِيلَ لِأَبِي جَعْفَرٍ: إِنَّ ابْنَ هُبَيْرَةَ لَيَأْتِي فَيَتَضَعْضَعُ لَهُ الْعَسْكَرُ وَمَا نَقَصَ مِنْ سُلْطَانِهِ شَيْءٌ. فَأَمَرَهُ أَبُو جَعْفَرٍ أَنْ لَا يَأْتِيَ إِلَّا فِي حَاشِيَتِهِ، فَكَانَ يَأْتِي فِي ثَلَاثِينَ، ثُمَّ صَارَ يَأْتِي فِي ثَلَاثَةٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ.
وَكَلَّمَ ابْنُ هُبَيْرَةَ الْمَنْصُورَ يَوْمًا، فَقَالَ لَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ: يَا هَنَاهْ! أَوْ: يَا أَيُّهَا الْمَرْءُ! ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ، إِنَّ عَهْدِي بِكَلَامِ النَّاسِ بِمِثْلِ مَا خَاطَبْتُكَ بِهِ لَقَرِيبٌ فَسَبَقَنِي لِسَانِي إِلَى مَا لَمْ أُرِدْهُ. فَأَلَحَّ السَّفَّاحُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ يَأْمُرُهُ بِقَتْلِ ابْنِ هُبَيْرَةَ، وَهُوَ يُرَاجِعُهُ حَتَّى كَتَبَ إِلَيْهِ: وَاللَّهِ لَتَقْتُلَنَّهُ أَوْ لَأُرْسِلَنَّ إِلَيْهِ مَنْ يُخْرِجُهُ مِنْ حُجْرَتِكَ ثُمَّ يَتَوَلَّى قَتْلَهُ.
فَعَزَمَ عَلَى قَتْلِهِ، فَبَعَثَ خَازِمَ بْنَ خُزَيْمَةَ، وَالْهَيْثَمَ بْنَ ظُهَيْرٍ وَأَمَرَهُمَا بِخَتْمِ بُيُوتِ الْأَمْوَالِ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَى وُجُوهِ مَنْ مَعَ ابْنِ هُبَيْرَةَ مِنَ الْقَيْسِيَّةِ وَالْمُضَرِيَّةِ فَأَحْضَرَهُمْ، فَأَقْبَلَ مُحَمَّدُ بْنُ نُبَاتَةَ، وَحَوْثَرَةُ بْنُ سُهَيْلٍ فِي اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ رَجُلًا، فَخَرَجَ سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمٍ، فَقَالَ: أَيْنَ ابْنُ نُبَاتَةَ وَحَوْثَرَةُ؟ فَدَخَلَا وَقَدْ أَجْلَسَ أَبُو جَعْفَرٍ عُثْمَانَ بْنَ نَهِيكٍ وَغَيْرَهُ فِي مِائَةٍ فِي حُجْرَةٍ دُونَ حُجْرَتِهِ، فَنُزِعَتْ سُيُوفُهُمَا وَكُتِّفَا، وَاسْتَدْعَى رَجُلَيْنِ رَجُلَيْنِ يَفْعَلُ بِهِمَا مِثْلَ ذَلِكَ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَعْطَيْتُمُونَا عَهْدَ اللَّهِ ثُمَّ غَدَرْتُمْ بِنَا! إِنَّا لَنَرْجُو أَنْ يُدْرِكَكُمُ اللَّهُ! وَجَعَلَ ابْنُ نُبَاتَةَ يَضْرِطُ فِي لِحْيَةِ نَفْسِهِ وَقَالَ: كَأَنِّي كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى هَذَا.
وَانْطَلَقَ خَازِمٌ وَالْهَيْثَمُ بْنُ شُعْبَةَ فِي نَحْوٍ مِنْ مِائَةٍ إِلَى ابْنِ هُبَيْرَةَ فَقَالُوا: نُرِيدُ حَمْلَ الْمَالِ. فَقَالَ لِحَاجِبِهِ: دُلَّهُمْ عَلَى الْخَزَائِنِ. فَأَقَامُوا عِنْدَ كُلِّ بَيْتٍ نَفَرًا، وَأَقْبَلُوا نَحْوَهُ وَعِنْدَهُ ابْنُهُ دَاوُدُ وَعِدَّةٌ مِنْ مَوَالِيهِ وَبُنَيٌّ لَهُ صَغِيرٌ فِي حِجْرِهِ.
فَلَمَّا أَقْبَلُوا نَحْوَهُ قَامَ حَاجِبُهُ فِي وُجُوهِهِمْ، فَضَرَبَهُ الْهَيْثَمُ بْنُ شُعْبَةَ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ فَصَرَعَهُ، وَقَاتَلَ ابْنُهُ دَاوُدُ، وَأَقْبَلَ هُوَ إِلَيْهِ وَنَحَّى ابْنَهُ مِنْ حِجْرِهِ، فَقَالَ: دُونَكُمْ هَذَا الصَّبِيَّ، وَخَرَّ سَاجِدًا فَقُتِلَ، وَحُمِلَتْ رُءُوسُهُمْ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ.
وَنَادَى بِالْأَمَانِ لِلنَّاسِ إِلَّا الْحَكَمَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ بِشْرٍ، وَخَالِدَ بْنَ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيَّ، وَعُمَرَ بْنَ ذَرٍّ، فَاسْتَأْمَنَ زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ لِابْنِ ذَرٍّ، فَآمَنَهُ، وَهَرَبَ الْحَكَمُ، وَآمَنَ أَبُو جَعْفَرٍ خَالِدًا فَقَتَلَهُ السَّفَّاحُ، وَلَمْ يُجِزْ أَمَانَ أَبِي جَعْفَرٍ.
فَقَالَ أَبُو الْعَطَاءِ السِّنْدِيُّ يَرْثِي ابْنَ هُبَيْرَةَ:
стр. 2398
أَلَا إِنَّ عَيْنًا لَمْ تَجُدْ يَوْمَ وَاسِطٍ عَلَيْكَ بِجَارِي دَمْعِهَا لَجَمُودُ عَشِيَّةَ قَامَ النَّائِحَاتُ وَصَفَّقَتْ أَكُفٌّ بِأَيْدِي مَأْتَمٍ وَخُدُودُ فَإِنْ تُمْسِ مَهْجُورَ الْفِنَاءِ فَرُبَّمَا أَقَامَ بِهِ بَعْدَ الْوُفُودِ وُفُودُ فَإِنَّكَ لَمْ تَبْعُدْ عَلَى مُتَعَهِّدٍ بَلَى كُلُّ مَنْ تَحْتَ التُّرَابِ بَعِيدُ.
ذِكْرُ قَتْلِ عُمَّالِ أَبِي سَلَمَةَ بِفَارِسَ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَجَّهَ أَبُو مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيُّ مُحَمَّدَ بْنَ الْأَشْعَثِ عَلَى فَارِسَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقْتُلَ عُمَّالَ أَبِي سَلَمَةَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَوَجَّهَ السَّفَّاحُ عَمَّهُ عِيسَى بْنَ عَلِيٍّ إِلَى فَارِسَ، وَعَلَيْهَا مُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ.
فَأَرَادَ مُحَمَّدٌ قَتْلَ عِيسَى، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ هَذَا لَا يَسُوغُ لَكَ. فَقَالَ: بَلَى أَمَرَنِي أَبُو مُسْلِمٍ أَنْ لَا يَقْدَمَ أَحَدٌ عَلَيَّ يَدَّعِي الْوِلَايَةَ مِنْ غَيْرِهِ إِلَّا ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، ثُمَّ تَرَكَ عِيسَى خَوْفًا مِنْ عَاقِبَةِ قَتْلِهِ، وَاسْتَحْلَفَ عِيسَى بِالْأَيْمَانِ الْمُحَرِّجَةِ أَنْ لَا يَعْلُوَ مِنْبَرًا، وَلَا يَتَقَلَّدَ سَيْفًا إِلَّا فِي جِهَادٍ، فَلَمْ يَلِ عِيسَى بَعْدَ ذَلِكَ وِلَايَةً، وَلَا تَقَلَّدَ سَيْفًا إِلَّا فِي غَزْوٍ، ثُمَّ وَجَّهَ السَّفَّاحُ بَعْدَ ذَلِكَ إِسْمَاعِيلَ بْنَ عَلِيٍّ وَالِيًا عَلَى فَارِسَ.
ذِكْرُ وِلَايَةِ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَوْصِلَ وَمَا قِيلَ فِيهَا
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَعْمَلَ السَّفَّاحُ أَخَاهُ يَحْيَى بْنَ مُحَمَّدٍ عَلَى الْمَوْصِلِ عِوَضَ مُحَمَّدِ بْنِ صُولٍ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْمَوْصِلِ امْتَنَعُوا مِنْ طَاعَةِ مُحَمَّدِ بْنِ صُولٍ، وَقَالُوا: يَلِي عَلَيْنَا مَوْلَى الْخَثْعَمِ، وَأَخْرَجُوهُ عَنْهُمْ. فَكَتَبَ إِلَى السَّفَّاحِ بِذَلِكَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ أَخَاهُ يَحْيَى بْنَ مُحَمَّدٍ وَسَيَّرَهُ إِلَيْهَا فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ رَجُلٍ.
فَنَزَلَ قَصْرَ الْإِمَارَةِ مُجَانِبَ مَسْجِدِ الْجَامِعِ، وَلَمْ يُظْهِرْ لِأَهْلِ الْمَوْصِلِ شَيْئًا يُنْكِرُونَهُ، وَلَمْ يَعْتَرِضْهُمْ فِيمَا يَفْعَلُونَهُ، ثُمَّ
стр. 2399
دَعَاهُمْ فَقَتَلَ مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، فَنَفَرَ أَهْلُ الْبَلَدِ وَحَمَلُوا السِّلَاحَ، فَأَعْطَاهُمُ الْأَمَانَ، وَأَمَرَ فَنُودِيَ: مَنْ دَخَلَ الْجَامِعَ فَهُوَ آمِنٌ، فَأَتَاهُ النَّاسُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ، فَأَقَامَ يَحْيَى الرِّجَالَ عَلَى أَبْوَابِ الْجَامِعِ، فَقَتَلُوا النَّاسَ قَتْلًا ذَرِيعًا أَسْرَفُوا فِيهِ، فَقِيلَ: إِنَّهُ قَتَلَ فِيهِ أَحَدَ عَشَرَ أَلْفًا مِمَّنْ لَهُ خَاتَمٌ وَمِمَّنْ لَيْسَ لَهُ خَاتَمٌ خَلْقًا كَثِيرًا.
فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ سَمِعَ يَحْيَى صُرَاخَ النِّسَاءِ اللَّاتِي قُتِلَ رِجَالُهُنَّ، فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ الصَّوْتِ، فَأُخْبِرَ بِهِ، فَقَالَ: إِذَا كَانَ الْغَدُ فَاقْتُلُوا النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ. فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَكَانَ فِي عَسْكَرِهِ قَائِدٌ مَعَهُ أَرْبَعَةُ آلَافِ زِنْجِيٍّ، فَأَخَذُوا النِّسَاءَ قَهْرًا.
فَلَمَّا فَرَغَ يَحْيَى مِنْ قَتْلِ أَهْلِ الْمَوْصِلِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ رَكِبَ الْيَوْمَ الرَّابِعَ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ الْحِرَابُ وَالسُّيُوفُ الْمَسْلُولَةُ، فَاعْتَرَضَتْهُ امْرَأَةٌ وَأَخَذَتْ بِعِنَانِ دَابَّتِهِ، فَأَرَادَ أَصْحَابُهُ قَتْلَهَا فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَتْ لَهُ: أَلَسْتَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ؟ أَلَسْتَ ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ أَمَا تَأْنَفُ لِلْعَرَبِيَّاتِ الْمُسْلِمَاتِ أَنْ يَنْكِحَهُنَّ الزِّنْجُ؟ فَأَمْسَكَ عَنْ جَوَابِهَا، وَسَيَّرَ مَعَهَا مَنْ يُبْلِغُهَا مَأْمَنَهَا، وَقَدْ عَمِلَ كَلَامُهَا فِيهِ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ جَمَعَ الزِّنْجَ لِلْعَطَاءِ، فَاجْتَمَعُوا، فَأَمَرَ بِهِمْ فَقُتِلُوا عَنْ آخِرِهِمْ.
وَقِيلَ: كَانَ السَّبَبُ فِي قَتْلِ أَهْلِ الْمَوْصِلِ مَا ظَهَرَ مِنْهُمْ مِنْ مَحَبَّةِ بَنِي أُمَيَّةَ، وَكَرَاهَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَأَنَّ امْرَأَةً غَسَلَتْ رَأْسَهَا وَأَلْقَتِ الْخِطْمِيَّ مِنَ السَّطْحِ فَوَقَعَ عَلَى رَأْسِ بَعْضِ الْخُرَاسَانِيَّةِ، فَظَنَّهَا فَعَلَتْ ذَلِكَ تَعَمُّدًا، فَهَاجَمَ الدَّارَ، وَقَتَلَ أَهْلَهَا، فَثَارَ أَهْلُ الْبَلَدِ وَقَتَلُوهُ، وَثَارَتِ الْفِتْنَةُ.
وَفِيمَنْ قُتِلَ مَعْرُوفُ بْنُ أَبِي مَعْرُوفٍ، وَكَانَ زَاهِدًا عَابِدًا، وَقَدْ أَدْرَكَ كَثِيرًا مِنَ الصَّحَابَةِ وَرَوَى عَنْهُمْ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
وَفِيهَا وَجَّهَ السَّفَّاحُ أَخَاهُ الْمَنْصُورَ وَالِيًا عَلَى الْجَزِيرَةِ وَأَذْرَبِيجَانَ وَإِرْمِينِيَّةَ، وَفِيهَا عَزَلَ عَمَّهُ دَاوُدَ بْنَ عَلِيٍّ عَنِ الْكُوفَةِ وَسَوَادِهَا، وَوَلَّاهُ الْمَدِينَةَ وَمَكَّةَ وَالْيَمَنَ وَالْيَمَامَةَ، وَوَلَّى مَوْضِعَهُ مِنْ عَمَلِ الْكُوفَةِ ابْنَ أَخِيهِ عِيسَى بْنَ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدٍ، فَاسْتَقْضَى عِيسَى عَلَى الْكُوفَةِ ابْنَ أَبِي لَيْلَى.
стр. 2400
وَكَانَ الْعَامِلَ عَلَى الْبَصْرَةِ هَذِهِ السَّنَةَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ الْمُهَلَّبِيُّ، وَعَلَى قَضَائِهَا الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، وَعَلَى السِّنْدِ مَنْصُورُ بْنُ جُمْهُورٍ، وَعَلَى فَارِسَ مُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ، وَعَلَى الْجَزِيرَةِ وَإِرْمِينِيَّةَ وَأَذْرَبِيجَانَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَعَلَى الْمَوْصِلِ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَعَلَى الشَّامِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ، وَعَلَى مِصْرَ أَبُو عَوْنٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ يَزِيدَ، وَعَلَى خُرَاسَانَ وَالْجِبَالِ أَبُو مُسْلِمٍ، وَعَلَى دِيوَانِ الْخَرَاجِ خَالِدُ بْنُ بَرْمَكَ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيُّ.
وَفِيهَا قُتِلَ يَحْيَى بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ مَعَ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ بِالزَّابِ، وَيَحْيَى أَخُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّاخِلِ إِلَى الْأَنْدَلُسِ.
وَفِيهَا قُتِلَ يُونُسُ بْنُ مَيْسَرَةَ بْنِ حَلْبَسٍ بِدِمَشْقَ لَمَّا دَخَلَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ وَكَانَ عُمُرُهُ عِشْرِينَ وَمِائَةِ سَنَةٍ، قَتَلَهُ رَجُلَانِ مِنْ خُرَاسَانَ وَلَمْ يَعْرِفَاهُ، فَلَمَّا عَرَفَاهُ بَكَيَا عَلَيْهِ، وَقِيلَ: بَلْ عَضَّتْهُ دَابَّةٌ مِنْ دَوَابِّهِ فَقَتَلَتْهُ، وَكَانَ ضَرِيرًا.
وَفِيهَا مَاتَ صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ مَوْلَى حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَ قَاضِيَهَا.
стр. 2401
وَفِيهَا مَاتَ هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهٍ. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْفٍ. وَسَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ. وَخُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خُبَيْبِ بْنِ يَسَارٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ خَالُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ، (خُبَيْبٌ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ) .
وَعُمَارَةُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ، وَاسْمُ أَبِي حَفْصَةَ ثَابِتٌ مَوْلَى الْعَتِيكِ بْنِ الَأَزْدِ، وَهُوَ وَالِدُ حَرَمِيٍّ، كُنْيَتُهُ أَبُو رَوْحٍ، (حَرَمِيٌّ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ) .
وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسِ بْنِ كَيْسَانَ الْهَمْدَانِيُّ مِنْ عُبَّادِ أَهْلِ الْيَمَنِ وَفُقَهَائِهِمْ.
стр. 2402
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة]
١٣٣ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ
ذِكْرُ مُلْكِ الرُّومِ مَلَطْيَةَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَقْبَلَ قُسْطَنْطِينُ، مَلِكُ الرُّومِ، إِلَى مَلَطْيَةَ وَكَمْخَ، فَنَازَلَ كَمْخَ، فَأَرْسَلَ أَهْلُهَا إِلَى أَهْلِ مَلَطْيَةَ يَسْتَنْجِدُونَهُمْ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ مِنْهَا ثَمَانِمِائَةِ مُقَاتِلٍ، فَقَاتَلَهُمُ الرُّومُ، فَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ، وَنَازَلَ الرُّومُ مَلَطْيَةَ وَحَصَرُوهَا، وَالْجَزِيرَةُ يَوْمَئِذٍ مَفْتُونَةٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَعَامِلُهَا مُوسَى بْنُ كَعْبٍ بِحَرَّانَ.
فَأَرْسَلَ قُسْطَنْطِينُ إِلَى أَهْلِ مَلَطْيَةَ: إِنِّي لَمْ أَحْصُرْكُمْ إِلَّا عَلَى عِلْمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَاخْتِلَافِهِمْ، فَلَكُمُ الْأَمَانُ وَتَعُودُونَ إِلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى أَحْتَرِثَ مَلَطْيَةَ. فَلَمْ يُجِيبُوهُ إِلَى ذَلِكَ، فَنَصَبَ الْمَجَانِيقَ، فَأَذْعَنُوا وَسَلَّمُوا الْبِلَادَ عَلَى الْأَمَانِ، وَانْتَقَلُوا إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَحَمَلُوا مَا أَمْكَنَهُمْ حَمْلُهُ، وَمَا لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى حَمْلِهِ أَلْقَوْهُ فِي الْآبَارِ وَالْمَجَارِي.
فَلَمَّا سَارُوا عَنْهَا أَخْرَبَهَا الرُّومُ وَرَحَلُوا عَنْهَا عَائِدِينَ، وَتَفَرَّقَ أَهْلُهَا فِي بِلَادِ الْجَزِيرَةِ، وَسَارَ مَلِكُ الرُّومِ إِلَى قَالِيقَلَا، فَنَزَلَ مَرْجَ الْحَصَى، وَأَرْسَلَ كُوشَانَ الْأَرْمَنِيَّ فَحَصَرَهَا، فَنَقَبَ إِخْوَانٌ مِنَ الْأَرْمَنِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ رَدْمًا كَانَ فِي سُورِهَا، فَدَخَلَ كُوشَانُ
стр. 2403
وَمَنْ مَعَهُ الْمَدِينَةَ وَغَلَبُوا عَلَيْهَا، وَقَتَلُوا رِجَالَهَا، وَسَبَوُا النِّسَاءَ، وَسَاقَ الْقَائِمَ إِلَى مَلِكِ الرُّومِ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَجَّهَ السَّفَّاحُ عَمَّهُ سُلَيْمَانَ بْنَ عَلِيٍّ وَالِيًا عَلَى الْبَصْرَةِ، وَأَعْمَالِهَا وَكُوَرِ دِجْلَةَ وَالْبَحْرَيْنِ وَعُمَانَ وَمِهْرَجَانْقَذَقَ، وَاسْتَعْمَلَ عَمَّهُ إِسْمَاعِيلَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَى الْأَهْوَازِ
وَفِيهَا قَتَلَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ مَنْ ظَفِرَ بِهِ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَلَمَّا أَرَادَ قَتْلَهُمْ قَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ: يَا أَخِي إِذَا قَتَلْتَ هَؤُلَاءِ فَمَنْ تُبَاهِي بِمُلْكِهِ؟ أَمَا يَكْفِيكَ أَنْ يَرَوْكَ غَادِيًا وَرَائِحًا فِيمَا يُذِلُّهُمْ وَيَسُوؤُهُمْ؟ فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ وَقَتَلَهُمْ.
وَفِيهَا مَاتَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ بِالْمَدِينَةِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَاسْتَخْلَفَ حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ ابْنَهُ مُوسَى، وَلَمَّا بَلَغَتِ السَّفَّاحَ وَفَاتُهُ اسْتَعْمَلَ عَلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالطَّائِفِ وَالْيَمَامَةِ خَالَهُ زِيَادَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُدَانِ الْحَارِثِيَّ.
وَوَجَّهَ مُحَمَّدَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُدَانِ عَلَى الْيَمَنِ. فَلَمَّا قَدِمَ زِيَادٌ الْمَدِينَةَ وَجَّهَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ حَسَّانَ السُّلَمِيَّ، وَهُوَ أَبُو حَمَّادٍ الْأَبْرَصُ بْنُ الْمُثَنَّى، إِلَى يَزِيدَ بْنِ عُمَرَ بْنِ هُبَيْرَةَ، وَهُوَ بِالْيَمَامَةِ، فَقَتَلَهُ وَقَتَلَ أَصْحَابَهُ.
وَفِيهَا تَوَجَّهَ مُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ فَقَاتَلَ أَهْلَهَا قِتَالًا شَدِيدًا حَتَّى فَتَحَهَا.
стр. 2404
وَفِيهَا خَرَجَ شَرِيكُ بْنُ شَيْخٍ الْمَهْرِيُّ بِبُخَارَى عَلَى أَبِي مُسْلِمٍ، وَنَقَمَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: مَا عَلَى هَذَا اتَّبَعْنَا آلَ مُحَمَّدٍ، أَنْ تُسْفَكَ الدِّمَاءُ وَأَنْ يُعْمَلَ بِغَيْرِ الْحَقِّ! وَتَبِعَهُ عَلَى رَأْيِهِ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثِينَ أَلْفًا، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ أَبُو مُسْلِمٍ زِيَادَ بْنَ صَالِحٍ الْخُزَاعِيَّ فَقَاتَلَهُ، وَقَتَلَهُ زِيَادٌ.
وَفِيهَا تَوَجَّهَ أَبُو دَاوُدَ خَالِدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ إِلَى الْخُتَّلِ فَدَخَلَهَا، وَلَمْ يَمْتَنِعْ عَلَيْهِ حُبَيْشُ بْنُ الشِّبْلِ مَلِكُهَا بَلْ تَحَصَّنَ مِنْهُ هُوَ وَأُنَاسٌ مِنَ الدَّهَّاقِينَ، فَلَمَّا أَلَحَّ عَلَيْهِ أَبُو دَاوُدَ خَرَجَ مِنَ الْحِصْنِ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ دَهَاقِينِهِ وَشَاكِرِيَّتِهِ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى أَرْضِ فَرْغَانَةَ، ثُمَّ دَخَلُوا بَلَدَ التُّرْكِ، وَانْتَهَوْا إِلَى مَلِكِ الصِّينِ، وَأَخَذَ أَبُو دَاوُدَ مَنْ ظَفِرَ بِهِ مِنْهُمْ، فَبَعَثَ بِهِمْ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ،
وَفِيهَا قُتِلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ بِالْمَوْصِلِ، قَتَلَهُ سُلَيْمَانُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْأَسْوَدُ بِأَمَانٍ كَتَبَهُ لَهُ.
وَفِيهَا وَجَّهَ صَالِحُ بْنُ عَلِيٍّ سَعِيدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ لِيَغْزُوَ الصَّائِفَةَ وَرَاءَ الدُّرُوبِ.
(وَفِيهَا عُزِلَ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ الْمَوْصِلِ، وَاسْتُعْمِلَ مَكَانَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيٍّ. وَإِنَّمَا عُزِلَ يَحْيَى لِقَتْلِهِ أَهْلَ الْمَوْصِلِ) ، وَسُوءِ أَثَرِهِ فِيهِمْ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ زِيَادُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْحَارِثِيُّ. وَكَانَ الْعُمَّالُ مَنْ ذَكَرْنَا إِلَّا الْحِجَازَ وَالْيَمَنَ وَالْمَوْصِلَ، فَقَدْ ذَكَرْنَا مَنِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْهَا.
стр. 2405
وَفِيهَا تَخَالَفَ إِخْشِيدُ فَرْغَانَةَ وَمَلِكُ الشَّاشِ، فَاسْتَمَدَّ إِخْشِيدُ مَلِكَ الصِّينِ فَأَمَدَّهُ بِمِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، فَحَصَرُوا مَلِكَ الشَّاشِ، فَنَزَلَ عَلَى حُكْمِ مَلِكِ الصِّينِ، فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ بِمَا يَسُوؤُهُمْ.
وَبَلَغَ الْخَبَرُ أَبَا مُسْلِمٍ فَوَجَّهَ إِلَى حَرْبِهِمْ زِيَادَ بْنُ صَالِحٍ، فَالْتَقَوْا عَلَى نَهْرِ طِرَازٍ فَظَفِرَ بِهِمُ الْمُسْلِمُونَ، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ زُهَاءَ خَمْسِينَ أَلْفًا، وَأَسَرُوا نَحْوَ عِشْرِينَ أَلْفًا، وَهَرَبَ الْبَاقُونَ إِلَى الصِّينِ، وَكَانَتِ الْوَقْعَةُ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مَرْوَانُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ. وَابْنُ الْمُعَلَّى الزُّرَقِيُّ الْأَنْصَارِيُّ. وَعَلِيُّ بْنُ بَذِيمَةَ مَوْلَى جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ السُّوَائِيِّ. (بَذِيمَةَ بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ) .
стр. 2406
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة]
١٣٤ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ
[ذِكْرُ خَلْعِ بَسَّامِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ]
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَلَعَ بَسَّامُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ بَسَّامٍ، وَكَانَ مِنْ فُرْسَانِ أَهْلِ خُرَاسَانَ، وَسَارَ مِنْ عَسْكَرِ السَّفَّاحِ هُوَ وَجَمَاعَةٌ عَلَى رَأْيِهِ سِرًّا إِلَى الْمَدَائِنِ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ السَّفَّاحُ خَازِمَ بْنَ خُزَيْمَةَ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ بَسَّامٌ وَأَصْحَابُهُ، وَقُتِلَ أَكْثَرُهُمْ، وَقُتِلَ كُلُّ مَنْ لَحِقَهُ مُنْهَزِمًا.
ثُمَّ انْصَرَفَ فَمَرَّ بِذَاتِ الْمَطَامِيرِ، وَبِهَا أَخْوَالُ السَّفَّاحِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُدَانِ، وَهُمْ خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ رَجُلًا، وَمِنْ غَيْرِهِمْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَمِنْ مَوَالِيهِمْ سَبْعَةَ عَشَرَ، فَلَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا جَازَهُمْ شَتَمُوهُ.
وَكَانَ فِي قَلْبِهِ عَلَيْهِمْ مَا كَانَ لِمَا بَلَغَهُ عَنْهُمْ مِنْ حَالِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْفَزَعِ وَأَنَّهُ لَجَأَ إِلَيْهِمْ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ بَسَّامٍ، فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ وَسَأَلَهُمْ عَنِ الْمُغِيرَةِ، فَقَالُوا: مَرَّ بِنَا رَجُلٌ مُجْتَازٌ لَا نَعْرِفُهُ فَأَقَامَ فِي قَرْيَتِنَا لَيْلَةً ثُمَّ خَرَجَ عَنَّا. فَقَالَ لَهُمْ: أَنْتُمْ أَخْوَالُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ يَأْتِيكُمْ عَدُوُّهُ وَيَأْمَنُ فِي قَرْيَتِكُمْ! فَهَلَّا اجْتَمَعْتُمْ فَأَخَذْتُمُوهُ! فَأَغْلَظُوا لَهُ فِي الْجَوَابِ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَضُرِبَتْ أَعْنَاقُهُمْ جَمِيعًا، وَهَدَمَ دُورَهُمْ، وَنَهَبَ أَمْوَالَهُمْ ثُمَّ انْصَرَفَ.
فَبَلَغَ ذَلِكَ الْيَمَانِيَّةَ فَاجْتَمَعُوا، وَدَخَلَ زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَارِثِيُّ مَعَهُمْ عَلَى السَّفَّاحِ، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ خَازِمًا اجْتَرَأَ عَلَيْكَ وَاسْتَخَفَّ بِحَقِّكَ، وَقَتَلَ أَخْوَالَكَ الَّذِينَ قَطَعُوا الْبِلَادَ وَأَتَوْكَ مُعْتَزِّينَ بِكَ طَالِبِينَ مَعْرُوفَكَ حَتَّى صَارُوا فِي جِوَارِكَ، قَتَلَهُمْ خَازِمٌ وَهَدَمَ دُورَهُمْ، وَنَهَبَ أَمْوَالَهُمْ بِلَا حَدَثٍ أَحْدَثُوهُ.
فَهَمَّ بِقَتْلِ خَازِمٍ فَبَلَغَ ذَلِكَ مُوسَى بْنَ كَعْبٍ، وَأَبَا الْجَهْمِ بْنَ عَطِيَّةَ، فَدَخَلَا عَلَى السَّفَّاحِ وَقَالَا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، بَلَغَنَا مَا كَانَ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَأَنَّكَ هَمَمْتَ بِقَتْلِ خَازِمٍ، وَإِنَّا نُعِيذُكَ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ لَهُ طَاعَةً وَسَابِقَةً، وَهُوَ يُحْتَمَلُ لَهُ مَا صَنَعَ، فَإِنَّ شِيعَتَكُمْ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ قَدْ آثَرُوكُمْ عَلَى الْأَقَارِبِ وَالْأَوْلَادِ وَقَتَلُوا مَنْ خَالَفَكُمْ، وَأَنْتَ أَحَقُّ مَنْ تَغَمَّدَ إِسَاءَةَ مُسِيئِهِمْ.
فَإِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ مُجْمِعًا عَلَى قَتْلِهِ فَلَا
стр. 2407
تَتَوَلَّ ذَلِكَ بِنَفْسِكَ وَابْعَثْهُ لِأَمْرٍ إِنْ قُتِلَ فِيهِ كُنْتَ قَدْ بَلَغْتَ الَّذِي تُرِيدُ، وَإِنْ ظَفِرَ كَانَ ظَفَرُهُ لَكَ.
وَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِتَوْجِيهِهِ إِلَى مَنْ بِعُمَانَ مِنَ الْخَوَارِجِ، وَإِلَى الْخَوَارِجِ الَّذِينَ بِجَزِيرَةِ ابْنِ كَاوَانَ مَعَ شَيْبَانَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الَيَشْكُرِيِّ، فَأَمَرَ السَّفَّاحُ بِتَوْجِيهِهِ مَعَ سَبْعِمِائَةِ رَجُلٍ، وَكَتَبَ إِلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ، وَهُوَ عَلَى الْبَصْرَةِ، بِحَمْلِهِمْ إِلَى جَزِيرَةِ ابْنِ كَاوَانَ وَعُمَانَ، فَسَارَ خَازِمٌ.
ذِكْرُ أَمْرِ الْخَوَارِجِ وَقَتْلِ شَيْبَانَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ
فَلَمَّا سَارَ خَازِمٌ إِلَى الْبَصْرَةِ فِي الْجُنْدِ الَّذِينَ مَعَهُ، وَكَانَ قَدِ انْتَخَبَ مِنْ أَهْلِهِ وَعَشِيرَتِهِ وَمَوَالِيهِ وَمِنْ أَهْلِ مَرْوِ الرُّوذِ مَنْ يَثِقُ بِهِ، فَلَمَّا وَصَلَ الْبَصْرَةَ حَمَلَهُمْ سُلَيْمَانُ فِي السُّفُنِ، وَانْضَمَّ إِلَيْهِ بِالْبَصْرَةِ أَيْضًا عِدَّةٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَسَارُوا فِي الْبَحْرِ حَتَّى أَرْسَوْا بِجَزِيرَةِ ابْنِ كَاوَانَ.
فَوَجَّهَ خَازِمٌ فَضْلَةَ بْنَ نُعَيْمٍ النَّهْشَلِيَّ فِي خَمْسِمِائَةٍ إِلَى شَيْبَانَ، فَالْتَقَوْا فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَرَكِبَ شَيْبَانُ وَأَصْحَابُهُ السُّفُنَ وَسَارُوا إِلَى عُمَانَ، وَهُمْ صُفْرِيَّةٌ. فَلَمَّا صَارُوا إِلَى عُمَانَ قَاتَلَهُمْ الْجُلُنْدَى وَأَصْحَابُهُ، وَهُمْ إِبَاضِيَّةٌ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ، فَقُتِلَ شَيْبَانُ وَمَنْ مَعَهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ قَتْلُ شَيْبَانَ عَلَى هَذَا السِّيَاقِ.
ثُمَّ سَارَ خَازِمٌ فِي الْبَحْرِ بِمَنْ مَعَهُ حَتَّى أَرْسَوْا إِلَى سَاحِلِ عُمَانَ، فَخَرَجُوا إِلَى الصَّحْرَاءِ، فَلَقِيَهُمُ الْجُلُنْدَى وَأَصْحَابُهُ وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَكَثُرَ الْقَتْلُ يَوْمَئِذٍ فِي أَصْحَابِ خَازِمٍ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ أَخٌ لَهُ مِنْ أُمِّهِ فِي تِسْعِينَ رَجُلًا، ثُمَّ اقْتَتَلُوا مِنَ الْغَدِ قِتَالًا شَدِيدًا، فَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْخَوَارِجِ تِسْعُمِائَةٍ وَأُحْرِقَ مِنْهُمْ نَحْوٌ مِنْ تِسْعِينَ رَجُلًا.
ثُمَّ الْتَقَوْا بَعْدَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ مِنْ مَقْدِمِ خَازِمٍ عَلَى رَأْيٍ أَشَارَ بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِ خَازِمٍ، أَشَارَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْمُرَ أَصْحَابَهُ فَيَجْعَلُوا عَلَى أَطْرَافِ أَسِنَّتِهِمُ الْمُشَاقَةَ، وَيَرْوُوهَا بِالنِّفْطِ وَيُشْعِلُوا فِيهَا النِّيرَانَ ثُمَّ يَمْشُوا بِهَا حَتَّى يُضْرِمُوهَا فِي بُيُوتِ أَصْحَابِ الْجُلُنْدَى، وَكَانَتْ مِنْ خَشَبٍ.
فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ وَأُضْرِمَتْ بُيُوتُهُمْ بِالنِّيرَانِ اشْتَغَلُوا بِهَا وَبِمَنْ فِيهَا مِنْ أَوْلَادِهِمْ وَأَهَالِيهِمْ، فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ خَازِمٌ وَأَصْحَابُهُ، فَوَضَعُوا فِيهِمُ السَّيْفَ فَقَتَلُوهُمْ، وَقَتَلُوا الْجُلُنْدَى فِيمَنْ قُتِلَ، وَبَلَغَ
стр. 2408
عِدَّةُ الْقَتْلَى عَشَرَةَ آلَافٍ، وَبَعَثَ بِرُءُوسِهِمْ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَأَرْسَلَهَا سُلَيْمَانُ إِلَى السَّفَّاحِ، وَأَقَامَ خَازِمٌ بَعْدَ ذَلِكَ أَشْهُرًا حَتَّى اسْتَقْدَمَهُ السَّفَّاحُ فَقَدِمَ.
ذِكْرُ غَزْوَةِ كِسَّ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا أَبُو دَاوُدَ خَالِدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَهْلَ كِسَّ، فَقَتَلَ الْإِخْرِيدَ مَلِكَهَا، وَهُوَ سَامِعٌ مُطِيعٌ، وَقَتَلَ أَصْحَابَهُ وَأَخَذَ مِنْهُمْ مِنَ الْأَوَانِي الصِّينِيَّةِ الْمَنْقُوشَةِ الْمُذَهَّبَةِ مَا لَمْ يُرَ مِثْلُهَا، وَمِنَ السُّرُوجِ وَمَتَاعِ الصِّينِ كُلِّهِ مِنَ الدِّيبَاجِ وَالطُّرَفِ شَيْئًا كَثِيرًا، فَحَمَلَهُ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ وَهُوَ بِسَمَرْقَنْدَ، وَقَتَلَ عِدَّةً مِنْ دَهَاقِينِهِمْ، وَاسْتَحْيَا طَارَانَ أَخَا الْإِخْرِيدِ، وَمَلَّكَهُ عَلَى كِسَّ.
وَانْصَرَفَ أَبُو مُسْلِمٍ إِلَى مَرْوَ بَعْدَ أَنْ قَتَلَ فِي أَهْلِ الصُّغْدِ وَبُخَارَى، وَأَمَرَ بِبِنَاءِ سُورِ سَمَرْقَنْدَ، وَاسْتَخْلَفَ زِيَادَ بْنَ صَالِحٍ عَلَيْهَا وَعَلَى بُخَارَى، وَرَجَعَ أَبُو دَاوُدَ إِلَى بَلْخَ.
ذِكْرُ حَالِ مَنْصُورِ بْنِ جُمْهُورٍ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَجَّهَ السَّفَّاحُ مُوسَى بْنَ كَعْبٍ إِلَى السِّنْدِ لِقِتَالِ مَنْصُورِ بْنِ جُمْهُورٍ، فَسَارَ وَاسْتَخْلَفَ مَكَانَهُ عَلَى شُرَطِ السَّفَّاحِ الْمُسَيَّبَ بْنَ زُهَيْرٍ، وَقَدِمَ مُوسَى السِّنْدَ فَلَقِيَ مَنْصُورًا فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، فَانْهَزَمَ مَنْصُورٌ وَمَنْ مَعَهُ وَمَضَى، فَمَاتَ عَطَشًا فِي الرِّمَالِ، وَقَدْ قِيلَ أَصَابَهُ بَطْنُهُ فَمَاتَ. وَسَمِعَ خَلِيفَتُهُ عَلَى السِّنْدِ بِهَزِيمَتِهِ فَرَحَلَ بِعِيَالِ مَنْصُورٍ وَثَقَلِهِ، فَدَخَلَ بِهِمْ بِلَادَ الْخَزَرِ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ عَلَى الْيَمَنِ، فَاسْتَعْمَلَ السَّفَّاحُ مَكَانَهُ عَلِيَّ بْنَ الرَّبِيعِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ.
стр. 2409
وَفِيهَا تَحَوَّلَ السَّفَّاحُ مِنَ الْحِيرَةِ إِلَى الْأَنْبَارِ فِي ذِي الْحِجَّةِ. وَفِيهَا ضُرِبَ الْمَنَارُ مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى مَكَّةَ وَالْأَمْيَالِ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ عِيسَى بْنُ مُوسَى وَهُوَ عَلَى الْكُوفَةِ.
وَكَانَ عَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ: ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَعَلَى الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَالطَّائِفِ وَالْيَمَامَةِ: زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَلَى الْيَمَنِ: عَلِيُّ بْنُ الرَّبِيعِ الْحَارِثِيُّ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ وَأَعْمَالِهَا وَكُوَرِ دِجْلَةَ وَعُمَانَ: سُلَيْمَانُ بْنُ عَلِيٍّ، وَعَلَى قَضَائِهَا: عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ.
وَعَلَى السِّنْدِ: مُوسَى بْنُ كَعْبٍ، وَعَلَى خُرَاسَانَ وَالْجِبَالِ: أَبُو مُسْلِمٍ، وَعَلَى فِلَسْطِينَ: صَالِحُ بْنُ عَلِيٍّ، وَعَلَى مِصْرَ: أَبُو عَوْنٍ، وَعَلَى الْمَوْصِلِ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيٍّ، وَعَلَى إِرْمِينِيَّةَ يَزِيدُ بْنُ أُسَيْدٍ، وَعَلَى أَذْرَبِيجَانَ: مُحَمَّدُ بْنُ صُولٍ، وَعَلَى دِيوَانِ الْخَرَاجِ: خَالِدُ بْنُ بَرْمَكَ، وَعَلَى الْجَزِيرَةِ: أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ.
وَكَانَ عَامِلَهُ عَلَى أَذْرَبِيجَانَ وَإِرْمِينِيَّةَ مَنْ ذَكَرْنَا، وَعَلَى الشَّامِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَسَعْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيُّ.
стр. 2410
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة]
١٣٥ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ
ذِكْرُ خُرُوجِ زِيَادِ بْنِ صَالِحٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ زِيَادُ بْنُ صَالِحٍ وَرَاءَ النَّهْرِ، فَسَارَ أَبُو مُسْلِمٍ مِنْ مَرْوَ مُسْتَعِدًّا لِلِقَائِهِ، وَبَعَثَ أَبُو دَاوُدَ خَالِدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ نَصْرَ بْنَ رَاشِدٍ إِلَى تِرْمِذَ مَخَافَةَ أَنْ يَبْعَثَ زِيَادُ بْنُ صَالِحٍ إِلَى الْحِصْنِ وَالسُّفُنِ فَيَأْخُذُهَا، فَفَعَلَ ذَلِكَ نَصْرٌ وَأَقَامَ بِهَا، فَخَرَجَ عَلَيْهِ نَاسٌ مِنَ الطَّالَقَانِ مَعَ رَجُلٍ يُكَنَّى أَبَا إِسْحَاقَ فَقَتَلُوا نَصْرًا.
فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ أَبَا دَاوُدَ بَعَثَ عِيسَى بْنَ مَاهَانَ فِي تَتَبُّعِ قَتَلَةِ نَصْرٍ، فَتَبِعَهُمْ فَقَتَلَهُمْ.
وَمَضَى أَبُو مُسْلِمٍ مُسْرِعًا حَتَّى انْتَهَى إِلَى آمُلَ وَمَعَهُ سِبَاعُ بْنُ النُّعْمَانِ الْأَزْدِيُّ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ قَدْ أَرْسَلَهُ السَّفَّاحُ إِلَى زِيَادِ بْنِ صَالِحٍ وَأَمَرَهُ إِنْ رَأَى فُرْصَةً أَنْ يَثِبَ عَلَى أَبِي مُسْلِمٍ فَيَقْتُلَهُ.
فَأُخْبِرَ أَبُو مُسْلِمٍ بِذَلِكَ، فَحَبَسَ سِبَاعًا بِآمُلَ، وَعَبَرَ أَبُو مُسْلِمٍ إِلَى بُخَارَى، فَلَمَّا نَزَلَهَا أَتَاهُ عِدَّةٌ مِنْ قُوَّادِ زِيَادٍ قَدْ خَلَعُوا زِيَادًا فَأَخْبَرُوا أَبَا مُسْلِمٍ أَنَّ سِبَاعَ بْنَ النُّعْمَانِ هُوَ الَّذِي أَفْسَدَ زِيَادًا، فَكَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ بِآمُلَ أَنْ يَقْتُلَهُ، وَلَمَّا أَسْلَمَ زِيَادًا قُوَّادُهُ وَلَحِقُوا بِأَبِي مُسْلِمٍ لَجَأَ إِلَى دِهْقَانٍ هُنَاكَ، فَقَتَلَهُ وَحَمَلَ رَأْسَهُ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ.
وَتَأَخَّرَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ لِحَالِ أَهْلِ الطَّالَقَانِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو مُسْلِمٍ يُخْبِرُهُ بِقَتْلِ زِيَادٍ، فَأَتَى كِسَّ وَأَرْسَلَ عِيسَى بْنَ مَاهَانَ إِلَى بَسَّامٍ وَبَعَثَ جُنْدًا إِلَى شَاغِرَ فَطَلَبُوا الصُّلْحَ، فَأُجِيبُوا إِلَى ذَلِكَ.
وَأَمَّا بَسَّامٌ فَلَمْ يَصِلْ عِيسَى إِلَى شَيْءٍ مِنْهُ، وَكَتَبَ عِيسَى إِلَى كَامِلِ بْنِ مُظَفَّرٍ صَاحِبِ أَبِي مُسْلِمٍ يَعْتِبُ أَبَا دَاوُدَ وَيَنْسُبُهُ إِلَى الْعَصَبِيَّةِ، فَبَعَثَ أَبُو مُسْلِمٍ بِالْكُتُبِ إِلَى أَبِي دَاوُدَ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّ هَذِهِ كُتُبُ الْعِلْجِ الَّذِي صَيَّرْتَهُ عِدْلَ نَفْسِكَ، فَشَأْنُكَ بِهِ. فَكَتَبَ أَبُو دَاوُدَ إِلَى عِيسَى يَسْتَدْعِيهِ، فَلَمَّا حَضَرَ عِنْدَهُ حَبَسَهُ وَضَرَبَهُ ثُمَّ أَخْرَجَهُ، فَوَثَبَ عَلَيْهِ الْجُنْدُ فَقَتَلُوهُ،
стр. 2411
وَرَجَعَ أَبُو مُسْلِمٍ إِلَى مَرْوَ.
ذِكْرُ غَزْوَةِ جَزِيرَةِ صِقِلِّيَةَ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَبِيبٍ جَزِيرَةَ صِقِلِّيَةَ، وَغَنِمَ بِهَا وَسَبَى، وَظَفِرَ بِهَا مَا لَمْ يَظْفَرْهُ أَحَدٌ قَبْلَهُ، بَعْدَ أَنْ غَزَا تِلْمِسَانَ.
وَاشْتَغَلَ وُلَاةُ إِفْرِيقِيَّةَ بِالْفِتْنَةِ مَعَ الْبَرْبَرِ، فَأَمِنَ الصِّقِلِيَّةُ وَعَمَّرَهَا الرُّومُ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ، وَعَمَّرُوا فِيهَا الْحُصُونَ وَالْمَعَاقِلَ، وَصَارُوا يُخْرِجُونَ كُلَّ عَامٍ مَرَاكِبَ تَطُوفُ بِالْجَزِيرَةِ وَتَذُبُّ عَنْهَا، وَرُبَّمَا طَارَقُوا تُجَّارًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَيَأْخُذُونَهُمْ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
حَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَلِيٍّ، وَهُوَ عَلَى الْبَصْرَةِ وَأَعْمَالِهَا، وَكَانَ الْعُمَّالُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا مَاتَ أَبُو خَازِمٍ الْأَعْرَجُ، وَقِيلَ: سَنَةَ أَرْبَعِينَ، وَقِيلَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ. وَفِيهَا مَاتَ عَطَاءُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى الْمُطَّلِبِ، وَقِيلَ: مَوْلَى الْمُهَلَّبِ، وَقِيلَ: هُوَ عَطَاءُ بْنُ مَيْسَرَةَ، وَيُكَنَّى أَبَا عُثْمَانَ الْخُرَاسَانِيَّ، وَقِيلَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ.
وَفِيهَا مَاتَ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ بِفَارِسَ، وَكَانَ أَمِيرًا عَلَيْهَا، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ أَمِيرًا عَلَى الْمَوْصِلِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ ثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ الدِّئِلِيُّ، وَكَانَ ثِقَةً.
стр. 2412
وَزِيَادُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيِّ، وَكَانَ مِنَ الْأَبْطَالِ. (عَيَّاشٌ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ، وَبِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ) .
стр. 2413
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة]
١٣٦ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ
ذِكْرُ حَجِّ أَبِي جَعْفَرٍ وَأَبِي مُسْلِمٍ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَتَبَ أَبُو مُسْلِمٍ إِلَى السَّفَّاحِ يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْقُدُومِ عَلَيْهِ وَالْحَجِّ، وَكَانَ مُذْ مَلَكَ خُرَاسَانَ لَمْ يُفَارِقْهَا إِلَى هَذِهِ السَّنَةِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ السَّفَّاحُ يَأْمُرُهُ بِالْقُدُومِ عَلَيْهِ فِي خَمْسِمِائَةٍ مِنَ الْجُنْدِ، فَكَتَبَ أَبُو مُسْلِمٍ إِلَيْهِ: إِنِّي قَدْ وَتَرْتُ النَّاسَ، وَلَسْتُ آمَنُ عَلَى نَفْسِي. فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَنْ أَقْبِلْ فِي أَلْفٍ، فَإِنَّمَا أَنْتَ فِي سُلْطَانِ أَهْلِكَ وَدَوْلَتِكَ وَطَرِيقُ مَكَّةَ لَا يَتَحَمَّلُ الْعَسْكَرَ.
فَسَارَ فِي ثَمَانِيَةِ آلَافٍ، فَرَّقَهُمْ فِيمَا بَيْنَ نَيْسَابُورَ وَالرَّيِّ، وَقَدِمَ بِالْأَمْوَالِ وَالْخَزَائِنِ فَخَلَّفَهَا بِالرَّيِّ، وَجَمَعَ أَيْضًا أَمْوَالَ الْجَبَلِ، وَقَدِمَ فِي أَلْفٍ، فَأَمَرَ السَّفَّاحُ الْقُوَّادَ وَسَائِرَ النَّاسِ أَنْ يَتَلَقَّوْهُ، فَدَخَلَ أَبُو مُسْلِمٍ عَلَى السَّفَّاحِ، فَأَكْرَمَهُ وَأَعْظَمَهُ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ السَّفَّاحَ فِي الْحَجِّ، فَأَذِنَ لَهُ وَقَالَ: لَوْلَا أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ، يَعْنِي أَخَاهُ الْمَنْصُورَ، يُرِيدُ الْحَجَّ لَاسْتَعْمَلْتُكَ عَلَى الْمَوْسِمِ، وَأَنْزَلَهُ قَرِيبًا مِنْهُ.
وَكَانَ مَا بَيْنَ أَبِي جَعْفَرٍ وَأَبِي مُسْلِمٍ مُتَبَاعِدًا ; لِأَنَّ السَّفَّاحَ كَانَ بَعَثَ أَبَا جَعْفَرٍ إِلَى خُرَاسَانَ بَعْدَمَا صَفَتِ الْأُمُورُ لَهُ وَمَعَهُ عَهْدُ أَبِي مُسْلِمٍ بِخُرَاسَانَ، وَبِالْبَيْعَةِ لِلسَّفَّاحِ، وَأَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ مِنْ بَعْدِهِ، فَبَايَعَ لَهُمَا أَبُو مُسْلِمٍ وَأَهْلُ خُرَاسَانَ، وَكَانَ أَبُو مُسْلِمٍ قَدِ اسْتَخَفَّ بِأَبِي جَعْفَرٍ.
فَلَمَّا رَجَعَ أَخْبَرَ السَّفَّاحَ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ أَبِي مُسْلِمٍ، فَلَمَّا قَدِمَ أَبُو مُسْلِمٍ هَذِهِ الْمَرَّةَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ لِلسَّفَّاحِ: أَطِعْنِي وَاقْتُلْ أَبَا مُسْلِمٍ، فَوَاللَّهِ إِنَّ فِي رَأْسِهِ لَغُدْرَةً. فَقَالَ: قَدْ عَرَفْتَ بَلَاءَهُ وَمَا كَانَ مِنْهُ.
فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: إِنَّمَا كَانَ بِدَوْلَتِنَا، وَاللَّهِ لَوْ بَعَثْتَ سِنَّوْرًا لَقَامَ مَقَامَهُ، وَبَلَغَ مَا بَلَغَ. فَقَالَ: كَيْفَ نَقْتُلُهُ؟ قَالَ: [إِذَا] دَخَلَ عَلَيْكَ وَحَادَثْتَهُ ضَرَبْتُهُ أَنَا
стр. 2414
مِنْ خَلْفِهِ ضَرْبَةً قَتَلْتُهُ بِهَا. قَالَ: فَكَيْفَ بِأَصْحَابِهِ؟ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: لَوْ قُتِلَ لَتَفَرَّقُوا وَذَلُّوا. فَأَمَرَهُ بِقَتْلِهِ، وَخَرَجَ أَبُو جَعْفَرٍ. ثُمَّ نَدِمَ السَّفَّاحُ عَلَى ذَلِكَ فَأَمَرَ أَبَا جَعْفَرٍ بِالْكَفِّ عَنْهُ.
وَكَانَ أَبُو جَعْفَرٍ قَبْلَ ذَلِكَ بِحَرَّانَ وَسَارَ مِنْهَا إِلَى الْأَنْبَارِ وَبِهَا السَّفَّاحُ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى حَرَّانَ مُقَاتِلَ بْنَ حَكِيمٍ الْعَكِيَّ.
وَحَجَّ أَبُو جَعْفَرٍ وَأَبُو مُسْلِمٍ، وَكَانَ أَبُو جَعْفَرٍ عَلَى الْمَوْسِمِ.
وَفِيهَا مَاتَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.
ذِكْرُ مَوْتِ السَّفَّاحِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ السَّفَّاحُ بِالْأَنْبَارِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَقِيلَ: لِاثْنَتَيْ عَشْرَةً مَضَتْ مِنْهُ، بِالْجُدَرِيِّ، وَكَانَ لَهُ يَوْمَ مَاتَ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، وَقِيلَ: سِتٌّ وَثَلَاثُونَ، وَقِيلَ: ثَمَانٍ وَعِشْرُونَ سَنَةً.
وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ مِنْ لَدُنْ قَتْلِ مَرْوَانَ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ أَرْبَعَ سِنِينَ. وَمِنْ لَدُنْ بُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ إِلَى أَنْ مَاتَ أَرْبَعَ سِنِينَ وَثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ: وَتِسْعَةَ أَشْهُرٍ، مِنْهَا ثَمَانِيَةُ أَشْهُرٍ يُقَاتِلُ مَرْوَانَ.
وَكَانَ جَعْدًا، طَوِيلًا، أَبْيَضَ، أَقْنَى الْأَنْفِ، حَسَنَ الْوَجْهِ وَاللِّحْيَةِ.
وَأُمُّهُ رَيْطَةُ بِنْتُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُدَانِ الْحَارِثِيِّ، وَكَانَ وَزِيرُهُ أَبَا الْجَهْمِ بْنَ عَطِيَّةَ.
وَصَلَّى عَلَيْهِ عَمُّهُ عِيسَى بْنُ عَلِيٍّ وَدَفَنَهُ بِالْأَنْبَارِ الْعَتِيقَةِ [فِي قَصْرِهِ] . وَخَلَّفَ تِسْعَ جُبَّابٍ، وَأَرْبَعَةَ أَقْمِصَةٍ، وَخَمْسَةَ سَرَاوِيلَاتٍ، وَأَرْبَعَةَ طَيَالِسَةٍ، وَثَلَاثَةَ مَطَارِفِ خَزٍّ.
стр. 2415
قَالَ ابْنُ النَّقَاحِ بَيْتَيْنِ مِنَ الشِّعْرِ، وَوَجَّهَ بِرَجُلٍ إِلَى عَسْكَرِ مَرْوَانَ لِيَقْدَمَ عَلَى الْخَيْلِ لَيْلًا، فَصِيحَ فِيهِمَا وَشَمَسَ فِي النَّاسِ، وَلَا يُوجَدُ، وَهُمَا:
يَا آلَ مَرْوَانَ إِنَّ اللَّهَ مُهْلِكُكُمْ وَمُبْدِلٌ بِكُمْ خَوْفًا وَتَشْرِيدًا لَا عَمَّرَ اللَّهُ مِنْ إِنْشَائِكُمْ أَحَدًا وَبَثَّكُمْ فِي بِلَادِ الْخَوْفِ تَطْرِيدًا قَالَ: فَعَلْتُ ذَلِكَ فَدَخَلَتْ قُلُوبَهُمْ مَخَافَةٌ.
قَالَ جَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى: نَظَرَ السَّفَّاحُ يَوْمًا فِي الْمِرْآةِ، وَكَانَ أَجْمَلَ النَّاسِ وَجْهًا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي لَا أَقُولُ كَمَا قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ: أَنَا الْمَلِكُ الشَّابُّ، وَلَكِنِّي [أَقُولُ] : اللَّهُمَّ عَمِّرْنِي طَوِيلًا فِي طَاعَتِكَ مُمَتَّعًا بِالْعَافِيَةِ.
فَمَا اسْتَتَمَّ كَلَامَهُ حَتَّى سَمِعَ غُلَامًا يَقُولُ لِغُلَامٍ آخَرَ: الْأَجَلُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ شَهْرَانِ وَخَمْسَةُ أَيَّامٍ. فَتَطَيَّرَ مِنْ كَلَامِهِ وَقَالَ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، عَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَبِكَ أَسْتَعِينُ. فَمَا مَضَتِ الْأَيَّامُ حَتَّى أَخَذَتْهُ الْحُمَّى، وَاتَّصَلَ مَرَضُهُ فَمَاتَ بَعْدَ شَهْرَيْنِ وَخَمْسَةِ أَيَّامٍ.
ذِكْرُ خِلَافَةِ الْمَنْصُورِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَقَدَ السَّفَّاحُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ لِأَخِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ بِالْخِلَافَةِ مِنْ بَعْدِهِ، وَجَعَلَهُ وَلِيَّ عَهْدِ الْمُسْلِمِينَ، وَمِنْ بَعْدِ أَبِي جَعْفَرٍ وَلَدَ أَخِيهِ عِيسَى بْنَ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَجَعَلَ الْعَهْدَ فِي ثَوْبٍ، وَخَتَمَهُ بِخَاتَمِهِ وَخَوَاتِيمِ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَدَفَعَهُ إِلَى عِيسَى بْنِ مُوسَى.
فَلَمَّا تُوُفِّيَ السَّفَّاحُ كَانَ أَبُو جَعْفَرٍ بِمَكَّةَ، فَأَخَذَ الْبَيْعَةَ لِأَبِي جَعْفَرٍ عِيسَى بْنُ مُوسَى، وَكَتَبَ إِلَيْهِ يُعْلِمُهُ وَفَاةَ السَّفَّاحِ وَالْبَيْعَةَ لَهُ، فَلَقِيَهُ الرَّسُولُ بِمَنْزِلِ صَفِيَّةَ فَقَالَ: صَفَتْ لَنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَكَتَبَ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ يَسْتَدْعِيهِ، وَكَانَ أَبُو جَعْفَرٍ قَدْ تَقَدَّمَ، فَأَقْبَلَ أَبُو مُسْلِمٍ إِلَيْهِ. فَلَمَّا جَلَسَ وَأَلْقَى إِلَيْهِ كِتَابَهُ قَرَأَهُ وَبَكَى وَاسْتَرْجَعَ وَنَظَرَ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ، وَقَدْ جَزِعَ جَزَعًا شَدِيدًا، فَقَالَ: مَا هَذَا الْجَزَعُ وَقَدْ أَتَتْكَ الْخِلَافَةُ؟ قَالَ: أَتَخَوَّفُ شَرَّ عَمِّي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ وَشَغَبَهُ عَلَيَّ. قَالَ: لَا تَخَفْهُ فَأَنَا أَكْفِيكَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، إِنَّمَا عَامَّةُ جُنْدِهِ وَمَنْ مَعَهُ أَهْلُ
стр. 2416
خُرَاسَانَ وَهُمْ لَا يَعْصُونَنِي. فَسُرِّيَ عَنْهُ. وَبَايَعَ أَبُو مُسْلِمٍ وَالنَّاسُ، وَأَقْبَلَا حَتَّى قَدِمَا الْكُوفَةَ.
وَقِيلَ: إِنَّ أَبَا مُسْلِمٍ هُوَ الَّذِي كَانَ تَقَدَّمَ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ، فَعَرَفَ الْخَبَرَ قَبْلَهُ فَكَتَبَ إِلَيْهِ: عَافَاكَ اللَّهُ وَمَتَّعَ بِكَ، إِنَّهُ أَتَانِي أَمْرٌ أَفْظَعَنِي وَبَلَغَ مِنِّي مَبْلَغًا لَمْ يَبْلُغْهُ مِنِّي شَيْءٌ قَطُّ، وَفَاةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُعَظِّمَ أَجْرَكَ وَيُحْسِنَ الْخِلَافَةَ عَلَيْكَ، إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ أَحَدٌ أَشَدَّ تَعْظِيمًا لِحَقِّكَ وَأَصْفَى نَصِيحَةً [لَكَ] وَحِرْصًا عَلَى مَا يَسُرُّكَ مِنِّي. ثُمَّ مَكَثَ يَوْمَيْنِ وَكَتَبَ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ بِبَيْعَتِهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ تَرْهِيبَ أَبِي جَعْفَرٍ.
قَالَ: وَرَدَّ أَبُو جَعْفَرٍ زِيَادَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى مَكَّةَ، وَكَانَ عَامِلًا عَلَيْهَا وَعَلَى الْمَدِينَةِ لِلسَّفَّاحِ، وَقِيلَ: كَانَ قَدْ عَزَلَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ عَنْ مَكَّةَ، وَوَلَّاهَا الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ الْعَبَّاسِ.
وَلَمَّا بَايَعَ عِيسَى بْنُ مُوسَى النَّاسَ لِأَبِي جَعْفَرٍ أَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ بِالشَّامِ يُخْبِرُهُ بِوَفَاةِ السَّفَّاحِ، وَبَيْعَةِ الْمَنْصُورِ وَيَأْمُرُهُ بِأَخْذِ الْبَيْعَةِ لِلْمَنْصُورِ، وَكَانَ قَدْ قَدِمَ قَبْلَ ذَلِكَ عَلَى السَّفَّاحِ فَجَعَلَهُ عَلَى الصَّائِفَةِ، وَسَيَّرَ مَعَهُ أَهْلَ الشَّامِ وَخُرَاسَانَ، فَسَارَ حَتَّى بَلَغَ دُلُوكَ، وَلَمْ يُدْرِكْ، فَأَتَاهُ مَوْتُ السَّفَّاحِ، فَعَادَ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْجُيُوشِ، وَقَدْ بَايَعَ لِنَفْسِهِ.
ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بِالْأَنْدَلُسِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ فِي الْأَنْدَلُسِ الْحُبَابُ بْنُ رَوَاحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الزُّهْرِيُّ، وَدَعَا إِلَى نَفْسِهِ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ جَمْعٌ مِنَ الْيَمَانِيَّةِ، فَسَارَ إِلَى الصُّمَيْلِ وَهُوَ أَمِيرُ قُرْطُبَةَ، فَحَصَرَهُ بِهَا وَضَيَّقَ عَلَيْهِ، فَاسْتَمَدَّ الصُّمَيْلُ يُوسُفَ الْفِهْرِيَّ أَمِيرَ الْأَنْدَلُسِ، فَلَمْ يَفْعَلْ لِتَوَالِي الْغَلَاءِ وَالْجُوعِ عَلَى الْأَنْدَلُسِ، وَلِأَنَّ يُوسُفَ قَدْ كَرِهَ الصُّمَيْلَ، وَاخْتَارَ هَلَاكَهُ لِيَسْتَرِيحَ مِنْهُ.
وَثَارَ بِهَا أَيْضًا عَامِرٌ الْعَبْدَرِيُّ وَجَمَعَ جَمْعًا، وَاجْتَمَعَ مَعَ الْحُبَابِ عَلَى الصُّمَيْلِ، وَقَامَا بِدَعْوَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ.
стр. 2417
فَلَمَّا اشْتَدَّ الْحِصَارُ عَلَى الصُّمَيْلِ كَتَبَ إِلَى قَوْمِهِ يَسْتَمِدُّهُمْ، فَسَارَعُوا إِلَى نُصْرَتِهِ وَاجْتَمَعُوا وَسَارُوا إِلَيْهِ، فَلَمَّا سَمِعَ الْحُبَابُ بِقُرْبِهِمْ سَارَ الصُّمَيْلُ عَنْ سَرَقُسْطَةَ وَفَارَقَهَا، فَعَادَ الْحُبَابُ إِلَيْهَا وَمَلَكَهَا، وَاسْتَعْمَلَ يُوسُفُ الْفِهْرِيُّ الصُّمَيْلَ عَلَى طُلَيْطُلَةَ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
كَانَ عَلَى الْكُوفَةِ: عِيسَى بْنُ مُوسَى، وَعَلَى الشَّامِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ، وَعَلَى مِصْرَ: صَالِحُ بْنُ عَلِيٍّ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ: سُلَيْمَانُ بْنُ عَلِيٍّ، وَعَلَى الْمَدِينَةِ: زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَارِثِيُّ، وَعَلَى مَكَّةَ: الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا مَاتَ رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ رَبِيعَةُ الرَّأْيِ، وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، وَقِيلَ: سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ. وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ سُوَيْدٍ اللَّخْمِيُّ الْفَرَسِيُّ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ الْفَرَسِيُّ، بِالْفَاءِ، [نِسْبَةً إِلَى فَرَسٍ لَهُ] . وَعَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ أَبُو زَيْدٍ الثَّقَفِيُّ. وَعُرْوَةُ بْنُ رُوَيْمٍ.
(وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قَدِمَ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ مَكَّةَ، فَدَخَلَ الْكُوفَةَ، فَصَلَّى بِأَهْلِهَا الْجُمْعَةَ، وَخَطَبَهُمْ وَسَارَ إِلَى الْأَنْبَارِ، فَأَقَامَ بِهَا وَجَمَعَ إِلَيْهِ أَطْرَافَهُ، وَكَانَ عِيسَى بْنُ مُوسَى قَدْ أَحْرَزَ بُيُوتَ الْأَمْوَالِ وَالْخَزَائِنَ وَالدَّوَاوِينَ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهِ أَبُو جَعْفَرٍ، فَسَلَّمَ الْأَمَرَ إِلَيْهِ) .
стр. 2418
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة]
١٣٧ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ
ذِكْرُ خُرُوجِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ وَهَزِيمَتِهِ
قَدْ ذَكَرْنَا مَسِيرَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ إِلَى الصَّائِفَةِ فِي الْجُنُودِ، وَمَوْتَ السَّفَّاحِ، وَإِرْسَالَ عِيسَى بْنِ مُوسَى إِلَى عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ يُخْبِرُهُ بِمَوْتِهِ، وَيَأْمُرُهُ بِالْبَيْعَةِ لِأَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ، وَكَانَ السَّفَّاحُ قَدْ أَمَرَ بِذَلِكَ قَبْلَ وَفَاتِهِ.
فَلَمَّا قَدِمَ الرَّسُولُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بِذَلِكَ لَحِقَهُ بَدُلُوكَ، وَهِيَ بِأَفْوَاهِ الدُّرُوبِ، فَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى: الصَّلَاةَ جَامِعَةً! فَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، فَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْكِتَابَ بِوَفَاةِ السَّفَّاحِ، وَدَعَا النَّاسَ إِلَى نَفْسِهِ.
وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ السَّفَّاحَ حِينَ أَرَادَ أَنْ يُوَجِّهَ الْجُنُودَ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ دَعَا بَنِي أَبِيهِ فَأَرَادَهُمْ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَيْهِ، فَقَالَ: مَنِ انْتَدَبَ مِنْكُمْ فَسَارَ إِلَيْهِ فَهُوَ وَلِيُّ عَهْدِي، فَلَمْ يَنْتَدِبْ [لَهُ] غَيْرِي، وَعَلَى هَذَا خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِ، وَقَتَلْتُ مَنْ قَتَلْتُ، وَشَهِدَ لَهُ أَبُو غَانِمٍ الطَّائِيُّ، وَخُفَافٌ الْمَرْوَرُوذِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْقُوَّادِ، فَبَايَعُوهُ، وَفِيهِمْ حُمَيْدُ بْنُ قَحْطَبَةَ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ وَالشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ، إِلَّا أَنَّ حُمَيْدًا فَارَقَهُ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ.
ثُمَّ سَارَ عَبْدُ اللَّهِ حَتَّى نَزَلَ حَرَّانَ، وَبِهَا مُقَاتِلٌ الْعَكِّيُّ قَدِ اسْتَخْلَفَهُ أَبُو جَعْفَرٍ لَمَّا سَارَ إِلَى مَكَّةَ، فَتَحَصَّنَ مِنْهُ مُقَاتِلٌ، فَحَصَرَهُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا.
وَكَانَ أَبُو مُسْلِمٍ قَدْ عَادَ مِنَ الْحَجِّ مَعَ الْمَنْصُورِ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، فَقَالَ لِلْمَنْصُورِ: إِنْ شِئْتَ جَمَعْتُ ثِيَابِي فِي مِنْطَقَتِي وَخَدَمْتُكَ، وَإِنْ شِئْتَ أَتَيْتُ خُرَاسَانَ فَأَمْدَدْتُكَ بِالْجُنُودِ، وَإِنْ شِئْتَ سِرْتُ إِلَى حَرْبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ.
فَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ لِحَرْبِ عَبْدِ اللَّهِ، فَسَارَ أَبُو مُسْلِمٍ فِي الْجُنُودِ نَحْوَ عَبْدِ اللَّهِ، فَلَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ أَحَدٌ، وَكَانَ قَدْ لَحِقَهُ حُمَيْدُ بْنُ قَحْطَبَةَ فَسَارَ مَعَهُ، وَجَعَلَ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ مَالِكَ بْنَ الْهَيْثَمِ الْخُزَاعِيَّ.
стр. 2419
فَلَمَّا بَلَغَ عَبْدَ اللَّهِ، وَهُوَ يُحَاصِرُ حَرَّانَ، إِقْبَالُ أَبِي مُسْلِمٍ خَشِيَ أَنْ يَهْجُمَ عَلَيْهِ عَطَاءٌ الْعَتَكِيُّ أَمَامًا، فَنَزَلَ إِلَيْهِ فِيمَنْ مَعَهُ، وَأَقَامَ مَعَهُ أَيَّامًا، ثُمَّ وَجَّهَهُ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ سُرَاقَةَ الْأَزْدِيِّ بِالرَّقَّةِ، وَمَعَهُ ابْنَاهُ، وَكَتَبَ مَعَهُ كِتَابًا.
فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى عُثْمَانَ دَفَعَ الْعَتَكِيُّ الْكِتَابَ إِلَيْهِ، فَقَتَلَ الْعَتَكِيَّ وَاحْتَبَسَ ابْنَيْهِ، فَلَمَّا هُزِمَ عَبْدُ اللَّهِ قَتَلَهُمَا.
وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ قَدْ خَشِيَ أَنْ لَا يُنَاصِحَهُ أَهْلُ خُرَاسَانَ فَقَتَلَ مِنْهُمْ نَحْوًا مِنْ سَبْعَةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَاسْتَعْمَلَ حُمَيْدَ بْنَ قَحْطَبَةَ عَلَى حَلَبَ، وَكَتَبَ مَعَهُ كِتَابًا إِلَى زُفَرَ بْنِ عَاصِمٍ عَامِلِهَا يَأْمُرُهُ بِقَتْلِ حُمَيْدٍ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِ، فَسَارَ حُمَيْدٌ وَالْكِتَابُ مَعَهُ، فَلَمَّا كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ قَالَ: إِنَّ ذَهَابِي بِكِتَابٍ لَا أَعْلَمُ مَا فِيهِ لَغَرَرٌ. فَقَرَأَهُ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِيهِ أَعْلَمَ خَاصَّتَهُ مَا فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَقَالَ: مَنْ أَرَادَ الْمَسِيرَ مَعِي مِنْكُمْ فَلْيَسِرْ. فَاتَّبَعَهُ نَاسٌ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَسَارَ عَلَى الرُّصَافَةِ إِلَى الْعِرَاقِ.
فَأَمَرَ الْمَنْصُورُ مُحَمَّدَ بْنَ صُولٍ بِالْمَسِيرِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ لِيَمْكُرَ بِهِ، فَلَمَّا أَتَاهُ قَالَ لَهُ: إِنِّي سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ يَقُولُ: الْخَلِيفَةُ بَعْدِي عَمِّي عَبْدُ اللَّهِ. فَقَالَ لَهُ: كَذَبْتَ، إِنَّمَا وَضَعَكَ أَبُو جَعْفَرٍ. فَضَرَبَ عُنُقَهُ.
وَمُحَمَّدُ بْنُ صُولٍ هُوَ جَدُّ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْعَبَّاسِ الْكَاتِبِ الصُّولِيِّ.
ثُمَّ أَقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ حَتَّى نَزَلَ نَصِيبِينَ وَخَنْدَقَ عَلَيْهِ، وَقَدِمَ أَبُو مُسْلِمٍ فِيمَنْ مَعَهُ، وَكَانَ الْمَنْصُورُ قَدْ كَتَبَ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ قَحْطَبَةَ، وَكَانَ خَلِيفَتَهُ بِإِرْمِينِيَّةَ، يَأْمُرُهُ أَنْ يُوَافِيَ أَبَا مُسْلِمٍ، فَقَدِمَ عَلَى أَبِي مُسْلِمٍ بِالْمَوْصِلِ، وَأَقْبَلَ أَبُو مُسْلِمٍ فَنَزَلَ نَاحِيَةَ نَصِيبِينَ فَأَخَذَ طَرِيقَ الشَّامِ، وَلَمْ يَعْرِضْ لِعَبْدِ اللَّهِ.
وَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنِّي لَمْ أُومَرْ بِقِتَالِكَ وَلَكِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَلَّانِيَ الشَّامَ فَأَنَا أُرِيدُهَا. فَقَالَ مَنْ كَانَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ لِعَبْدِ اللَّهِ: كَيْفَ نُقِيمُ مَعَكَ وَهَذَا يَأْتِي بِلَادَنَا فَيَقْتُلُ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ رِجَالِنَا وَيَسْبِي ذَرَارِيَّنَا؟ وَلَكِنْ نَخْرُجُ إِلَى بِلَادِنَا فَنَمْنَعُهُ وَنُقَاتِلُهُ. فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ: إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا يُرِيدُ الشَّامَ وَمَا تَوَجَّهَ إِلَّا لِقِتَالِكُمْ، وَإِنْ أَقَمْتُمْ لَيَأْتِيَنَّكُمْ.
فَأَبَوْا إِلَّا الْمَسِيرَ إِلَى الشَّامِ، وَأَبُو مُسْلِمٍ قَرِيبٌ مِنْهُمْ، فَارْتَحَلَ عَبْدُ اللَّهِ نَحْوَ الشَّامِ، وَتَحَوَّلَ أَبُو مُسْلِمٍ فَنَزَلَ فِي مُعَسْكَرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ فِي مَوْضِعِهِ، وَعَوَّرَ مَا حَوْلَهُ مِنَ الْمِيَاهِ، وَأَلْقَى فِيهَا الْجِيَفَ.
وَبَلَغَ عَبْدَ اللَّهِ ذَلِكَ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ؟ وَرَجَعَ فَنَزَلَ فِي مَوْضِعِ عَسْكَرِ
стр. 2420
أَبِي مُسْلِمٍ الَّذِي كَانَ بِهِ، فَاقْتَتَلُوا خَمْسَةَ أَشْهُرٍ، وَأَهْلُ الشَّامِ أَكْثَرُ فُرْسَانًا وَأَكْمَلُ عُدَّةً، وَعَلَى مَيْمَنَةِ عَبْدِ اللَّهِ بَكَّارُ بْنُ مُسْلِمٍ الْعُقَيْلِيُّ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ حَبِيبُ بْنُ سُوَيْدٍ الْأَسَدِيُّ، وَعَلَى الْخَيْلِ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ، وَعَلَى مَيْمَنَةِ أَبِي مُسْلِمٍ الْحَسَنُ بْنُ قَحْطَبَةَ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ خَازِمُ بْنُ خُزَيْمَةَ، فَاقْتَتَلُوا شَهْرًا.
ثُمَّ إِنَّ أَصْحَابَ عَبْدِ اللَّهِ حَمَلُوا عَلَى عَسْكَرِ أَبِي مُسْلِمٍ فَأَزَالُوهُمْ عَنْ مَوَاضِعِهِمْ وَرَجَعُوا، ثُمَّ حَمَلَ عَلَيْهِمْ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ فِي خَيْلٍ مُجَرَّدَةٍ فَقَتَلَ مِنْهُمْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَرَجَعَ فِي أَصْحَابِهِ، ثُمَّ تَجَمَّعُوا وَحَمَلُوا ثَانِيَةً عَلَى أَصْحَابِ أَبِي مُسْلِمٍ، فَأَزَالُوا صَفَّهُمْ، وَجَالُوا جَوْلَةً.
فَقِيلَ لِأَبِي مُسْلِمٍ: لَوْ حَوَّلْتَ دَابَّتَكَ إِلَى هَذَا التَّلِّ لِيَرَاكَ النَّاسُ فَيَرْجِعُوا فَإِنَّهُمْ قَدِ انْهَزَمُوا. فَقَالَ: إِنَّ أَهْلَ الْحِجَى لَا يَعْطِفُونَ دَوَابَّهُمْ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ. وَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى: يَا أَهْلَ خُرَاسَانَ ارْجِعُوا فَإِنَّ الْعَاقِبَةَ لِمَنِ اتَّقَى. فَتَرَاجَعَ النَّاسُ.
وَارْتَجَزَ أَبُو مُسْلِمٍ يَوْمَئِذٍ فَقَالَ:
مَنْ كَانَ يَنْوِي أَهْلَهُ فَلَا رَجَعْ ... فَرَّ مِنَ الْمَوْتِ وَفِي الْمَوْتِ وَقَعْ.
وَكَانَ قَدْ عُمِلَ لِأَبِي مُسْلِمٍ عَرِيشٌ، فَكَانَ يَجْلِسُ عَلَيْهِ إِذَا الْتَقَى النَّاسُ فَيَنْظُرُ إِلَى الْقِتَالِ، فَإِنْ رَأَى خَلَلًا فِي الْجَيْشِ سَدَّهُ وَأَمَرَ مُقَدَّمَ تِلْكَ النَّاحِيَةِ بِالِاحْتِيَاطِ وَبِمَا يَفْعَلُ، فَلَا تَزَالُ رُسُلُهُ تَخْتَلِفُ إِلَيْهِمْ حَتَّى يَنْصَرِفَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ.
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الثُّلَاثَاءِ وَالْأَرْبِعَاءِ لِسَبْعٍ خَلَوْنَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ الْتَقَوْا فَاقْتَتَلُوا، فَمَكَرَ بِهِمْ أَبُو مُسْلِمٍ، وَأَمَرَ الْحَسَنَ بْنَ قَحْطَبَةَ أَنْ يُعَرِّيَ الْمَيْمَنَةَ، [وَيَضُمَّ] أَكْثَرَهَا إِلَى الْمَيْسَرَةِ وَلْيَتْرُكْ، فِي الْمَيْمَنَةِ جَمَاعَةَ أَصْحَابِهِ وَأَشِدَّاءَهُمْ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَهْلُ الشَّامِ أَعْرَوْا مَيْسَرَتَهُمْ، وَانْضَمُّوا إِلَى مَيْمَنَتِهِمْ بِإِزَاءِ مَيْسَرَةِ أَبِي مُسْلِمٍ.
وَأَمَرَ أَبُو مُسْلِمٍ أَهْلَ الْقَلْبِ أَنْ يَحْمِلُوا مَعَ مَنْ بَقِيَ فِي مَيْمَنَتِهِ عَلَى مَيْسَرَةِ أَهْلِ الشَّامِ، فَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ فَحَطَّمُوهُمْ، وَجَالَ الْقَلْبُ وَالْمَيْمَنَةُ، وَرَكِبَهُمْ أَصْحَابُ أَبِي مُسْلِمٍ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ.
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ لِابْنِ سُرَاقَةَ الْأَزْدِيِّ: يَا ابْنَ سُرَاقَةَ مَا تَرَى؟ قَالَ: أَرَى أَنْ تَصْبِرَ وَتُقَاتِلَ حَتَّى تَمُوتَ، فَإِنَّ الْفِرَارَ قَبِيحٌ بِمِثْلِكَ، وَقَدْ عِبْتَهُ عَلَى مَرْوَانَ. قَالَ: فَإِنِّي
следующие страницы →