← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ] ١٣٠ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ دُخُولِ أَبِي مُسْلِمٍ مَرْوَ وَالْبَيْعَةِ بِهَا وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ دَخَلَ أَبُو مُسْلِمٍ مَدِينَةَ مَرْوَ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ، وَقِيلَ فِي جُمَادَى الْأُولَى. وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ اتِّفَاقَ ابْنِ الْكَرْمَانِيِّ مَعَهُ. إِنَّ ابْنَ الْكَرْمَانِيِّ وَمَنْ مَعَهُ وَسَائِرَ الْقَبَائِلِ بِخُرَاسَانَ لَمَّا عَاقَدُوا نَصْرًا عَلَى أَبِي مُسْلِمٍ عَظُمَ عَلَيْهِ وَجَمَعَ أَصْحَابَهُ لِحَرْبِهِمْ، فَكَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ بِإِزَاءِ ابْنِ الْكَرْمَانِيِّ، فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: إِنَّ أَبَا مُسْلِمٍ يَقُولُ لَكَ: أَمَا تَأْنَفُ مِنْ مُصَالَحَةِ نَصْرٍ وَقَدْ قَتَلَ بِالْأَمْسِ أَبَاكَ وَصَلَبَهُ؟ وَمَا كُنْتُ أَحْسَبُكَ تُجَامِعُ نَصْرًا فِي مَسْجِدٍ تُصَلِّيَانِ فِيهِ! فَأَحْفَظَهُ هَذَا الْكَلَامَ، فَرَجَعَ عَنْ رَأْيِهِ وَانْتَقَضَ صُلْحُ الْعَرَبِ. فَلَمَّا انْتَقَضَ صُلْحُهُمْ بَعَثَ نَصْرٌ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ يَلْتَمِسُ مِنْهُ أَنْ يَدْخُلَ مَعَ مُضَرَ، وَبَعَثَ أَصْحَابُ ابْنِ الْكَرْمَانِيِّ، وَهُمْ رَبِيعَةُ وَالْيَمَنُ، إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَرَاسَلُوهُ بِذَلِكَ أَيَّامًا، فَأَمَرَهُمْ أَبُو مُسْلِمٍ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِ وَفْدُ الْفَرِيقَيْنِ حَتَّى يَخْتَارَ أَحَدَهُمَا، فَفَعَلُوا، وَأَمَرَ أَبُو مُسْلِمٍ الشِّيعَةَ أَنْ تَخْتَارَ رَبِيعَةَ وَالْيَمَنَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ فِي مُضَرَ، وَهُمْ أَصْحَابُ مَرْوَانَ وَعُمَّالُهُ وَقَتَلَةُ يَحْيَى بْنِ زَيْدٍ. فَقَدِمَ الْوَفْدَانِ، فَجَلَسَ أَبُو مُسْلِمٍ وَأَجْلَسَهُمْ وَجَمَعَ عِنْدَهُ مِنَ الشِّيعَةِ سَبْعِينَ رَجُلًا فَقَالَ لَهُمْ لِيَخْتَارُوا أَحَدَ الْفَرِيقَيْنِ. فَقَامَ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ مِنَ الشِّيعَةِ، فَتَكَلَّمَ وَكَانَ خَطِيبًا مُفَوَّهًا، فَاخْتَارَ ابْنَ الْكَرْمَانِيِّ وَأَصْحَابَهُ، ثُمَّ قَامَ أَبُو مَنْصُورٍ طَلْحَةُ بْنُ زُرَيْقٍ النَّقِيبُ فَاخْتَارَهُمْ أَيْضًا، ثُمَّ قَامَ مَرْثَدُ بْنُ شَقِيقٍ السُّلَمِيُّ فَقَالَ: إِنَّ مُضَرَ قَتَلَةُ آلِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَعْوَانُ بَنِي أُمَيَّةَ، وَشِيعَةُ مَرْوَانَ الْجَعْدِيِّ وَعُمَّالُهُ، وَدِمَاؤُنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأَمْوَالُنَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَنَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ عَامِلُ مَرْوَانَ يُنَفِّذُ أُمُورَهُ وَيَدْعُو لَهُ عَلَى مِنْبَرِهِ وَيُسَمِّيهِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَنَحْنُ نَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ نَصْرٌ عَلَى هُدًى، وَقَدِ اخْتَرْنَا عَلِيَّ بْنَ

стр. 2347

الْكَرْمَانِيِّ وَأَصْحَابَهُ. فَقَالَ السَبْعُونَ: الْقَوْلُ مَا قَالَ مَرْثَدُ بْنُ شَقِيقٍ. فَنَهَضَ وَفْدُ نَصْرٍ عَلَيْهِمُ الْكَآبَةُ وَالذِّلَّةُ، وَرَجَعَ وَفْدُ ابْنِ الْكَرْمَانِيِّ مَنْصُورِينَ. وَرَجَعَ أَبُو مُسْلِمٍ مِنَ الْيَنِ إِلَى الْمَاخُوَانِ وَأَمَرَ الشِّيعَةَ أَنْ يَبْنُوا الْمَسَاكِنَ فَقَدْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ مِنَ اجْتِمَاعِ كَلِمَةِ الْعَرَبِ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى [أَبِي مُسْلِمٍ] عَلِيُّ بْنُ الْكَرْمَانِيِّ لِيَدْخُلَ مَدِينَةَ مَرْوَ مِنْ نَاحِيَتِهِ، وَلِيَدْخُلَ هُوَ وَعَشِيرَتُهُ مِنَ النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَبُو مُسْلِمٍ: إِنِّي لَسْتُ آمَنُ أَنْ تَجْتَمِعَ يَدُكَ وَيَدُ نَصْرٍ عَلَى مُحَارَبَتِي، وَلَكِنِ ادْخُلْ أَنْتَ فَأَنْشِبِ الْحَرْبَ مَعَ أَصْحَابِ نَصْرٍ. فَدَخَلَ ابْنُ الْكَرْمَانِيِّ فَأَنْشَبَ الْحَرْبَ، وَبَعَثَ أَبُو مُسْلِمٍ شِبْلَ بْنَ طَهْمَانَ النَّقِيبَ فِي خَيْلٍ فَدَخَلُوهَا، وَنَزَلَ شِبْلٌ بِقَصْرِ بُخَارَاخُذَاهْ، وَبَعَثَ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ لِيَدْخُلَ إِلَيْهِمْ، فَسَارَ مِنَ الْمَاخُوَانَ وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ أُسَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِيُّ، وَعَلَى مَيْمَنَتِهِ مَالِكُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْخُزَاعِيُّ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ الْقَاسِمُ بْنُ مُجَاشِعٍ التَّمِيمِيُّ. فَدَخَلَ مَرْوَ وَالْفَرِيقَانِ يَقْتَتِلَانِ، فَأَمَرَهُمَا بِالْكَفِّ وَهُوَ يَتْلُو مِنْ كِتَابِ اللَّهِ : ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥] الْآيَةَ. وَمَضَى أَبُو مُسْلِمٍ إِلَى قَصْرِ الْإِمَارَةِ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْفَرِيقَيْنِ أَنْ كُفُّوا وَلْيَنْصَرِفْ كُلُّ فَرِيقٍ إِلَى عَسْكَرِهِ، فَفَعَلُوا وَصَفَتْ مَرْوُ لِأَبِي مُسْلِمٍ، فَأَمَرَ بِأَخْذِ الْبَيْعَةِ مِنَ الْجُنْدِ، وَكَانَ الَّذِي يَأْخُذُهَا أَبُو مَنْصُورٍ طَلْحَةُ بْنُ رُزَيْقٍ، وَكَانَ أَحَدَ النُّقَبَاءِ عَالِمًا بِحُجَجِ الْهَاشِمِيَّةِ وَمَعَايِبِ الْأُمَوِيَّةِ. وَكَانَ النُّقَبَاءُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، اخْتَارَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ مِنَ السَبْعِينَ الَّذِينَ كَانُوا اسْتَجَابُوا لَهُ حِينَ بَعَثَ رَسُولَهُ إِلَى خُرَاسَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَمِائَةٍ أَوْ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ، وَوَصَفَ لَهُ مِنَ الْعَدْلِ صِفَةً، وَكَانَ مِنْهُمْ مِنْ خُزَاعَةَ: سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ، وَمَالِكُ بْنُ الْهَيْثَمِ، وَزِيَادُ بْنُ صَالِحٍ، وَطَلْحَةُ بْنُ رُزَيْقٍ، وَعَمْرُو بْنُ أَعْيَنَ، وَمِنْ طَيِّئٍ: قَحْطَبَةُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، وَمِنْ تَمِيمٍ: مُوسَى بْنُ كَعْبٍ أَبُو عُيَيْنَةَ، وَلَاهِزُ بْنُ قُرَيْظٍ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُجَاشِعٍ، وَأَسْلَمُ بْنُ سَلَّامٍ، وَمِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ: أَبُو دَاوُدَ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشَّيْبَانِيُّ، وَأَبُو عَلِيٍّ الْهَرَوِيُّ، وَيُقَالُ شِبْلُ بْنُ طَهْمَانَ مَكَانَ عَمْرِو بْنِ أَعْيَنَ، وَعِيسَى بْنُ كَعْبٍ، وَأَبُو النَّجْمِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِمْرَانَ مَكَانَ أَبِي عَلِيٍّ الْهَرَوِيِّ، وَهُوَ خَتَنُ أَبِي مُسْلِمٍ، وَلَمْ يَكُنْ فِي النُّقَبَاءِ أَحَدٌ وَالِدُهُ حَيٌّ غَيْرَ أَبِي مَنْصُورٍ طَلْحَةَ بْنِ رُزَيْقِ بْنِ سَعْدٍ، وَهُوَ أَبُو زَيْنَبَ الْخُزَاعِيُّ، وَكَانَ قَدْ شَهِدَ حَرْبَ ابْنِ الْأَشْعَثِ، وَصَحِبَ الْمُهَلَّبَ وَغَزَا مَعَهُ، وَكَانَ أَبُو مُسْلِمٍ يُشَاوِرُهُ فِي الْأُمُورِ وَيَسْأَلُهُ عَنْهَا وَعَمَّا شَهِدَ مِنَ الْحُرُوبِ.

стр. 2348

وَكَانَتِ الْبَيْعَةُ: أُبَايِعُكُمْ [عَلَى] كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ وَالطَّاعَةِ لِلرِّضَا مِنْ أَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْكُمْ بِذَلِكَ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ، وَالطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ وَالْمَشْيُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، وَعَلَى أَنْ لَا تَسْأَلُوا رِزْقًا وَلَا طُعْمًا حَتَّى يَبْتَدِئَكُمْ بِهِ وُلَاتُكُمْ. (رُزَيْقٌ بِتَقْدِيمِ الرَّاءِ عَلَى الزَّايِ) . ذِكْرُ هَرَبِ نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ مِنْ مَرْوَ ثُمَّ أَرْسَلَ أَبُو مُسْلِمٍ لَاهِزَ بْنَ قُرَيْظٍ فِي جَمَاعَةٍ إِلَى نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ يَدْعُوهُ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَالرِّضَاءِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ، فَلَمَّا رَأَى مَا جَاءَهُ مِنَ الْيَمَانِيَّةِ وَالرَّبِيعِيَّةِ وَالْعَجَمِ، وَأَنَّهُ لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِمْ أَظْهَرَ قَبُولَ مَا أَتَاهُ بِهِ، وَأَنَّهُ يَأْتِيهِ وَيُبَايِعُهُ، وَجَعَلَ يَرْبُثُهُمْ لِمَا هُمْ [بِهِ] مِنَ الْغَدْرِ وَالْهَرَبِ، إِلَى أَنْ أَمْسَوْا، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ لَيْلَتِهِمْ إِلَى مَكَانٍ يَأْمَنُونَ فِيهِ، فَقَالَ لَهُ سَالِمُ بْنُ أَحْوَزَ: لَا يَتَهَيَّأُ لَنَا الْخُرُوجُ (اللَّيْلَةَ وَلَكِنَّنَا نَخْرُجُ) الْقَابِلَةَ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ عَبَّأَ أَبُو مُسْلِمٍ أَصْحَابَهُ وَكَتَائِبَهُ إِلَى بَعْدِ الظُّهْرِ، وَأَعَادَ إِلَى نَصْرٍ لَاهِزَ بْنَ قُرَيْظٍ وَجَمَاعَةً مَعَهُ، فَدَخَلُوا عَلَى نَصْرٍ. فَقَالَ: مَا أَسْرَعَ مَا عُدْتُمْ! فَقَالَ لَهُ لَاهِزُ بْنُ قُرَيْظٍ: لَا بُدَّ لَكَ مِنْ ذَلِكَ. فَقَالَ نَصْرٌ: إِذَا كَانَ لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ فَإِنِّي أَتَوَضَّأُ وَأَخْرُجُ إِلَيْهِ، وَأُرْسِلُ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ، فَإِنْ كَانَ هَذَا رَأْيُهُ وَأَمْرُهُ أَتَيْتُهُ، وَأَتَهَيَّأُ إِلَى أَنْ يَجِيءَ رَسُولِي. فَقَامَ نَصْرٌ، فَلَمَّا قَامَ قَرَأَ لَاهِزُ بْنُ قُرَيْظٍ: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [القصص: ٢٠] . فَدَخَلَ نَصْرٌ مَنْزِلَهُ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ يَنْتَظِرُ انْصِرَافَ رَسُولِهِ مِنْ عِنْدِ أَبِي مُسْلِمٍ. فَلَمَّا جَنَّهُ اللَّيْلُ خَرَجَ مِنْ خَلْفِ حُجْرَتِهِ وَمَعَهُ تَمِيمٌ ابْنُهُ وَالْحَكَمُ بْنُ نُمَيْلَةَ النُّمَيْرِيُّ وَامْرَأَتُهُ الْمَرْزُبَانَةُ وَانْطَلَقُوا هُرَّابًا، فَلَمَّا اسْتَبْطَأَهُ لَاهِزٌ وَأَصْحَابُهُ دَخَلُوا مَنْزِلَهُ فَوَجَدُوهُ قَدْ هَرَبَ. فَلَمَّا بَلَغَ أَبَا مُسْلِمٍ سَارَ إِلَى مُعَسْكَرِ نَصْرٍ، وَأَخَذَ ثِقَاتِ أَصْحَابِهِ وَصَنَادِيدَهُمْ فَكَتَّفَهُمْ، وَكَانَ فِيهِمْ سَالِمُ بْنُ أَحْوَزَ صَاحِبُ شُرْطَةِ نَصْرٍ، وَالْبَخْتَرِيُّ كَاتِبُهُ، وَابْنَانِ لَهُ، وَيُونُسُ بْنُ عَبْدَوَيْهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ قَطَنٍ، وَمُجَاهِدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حُضَيْنٍ، وَغَيْرُهُمْ، فَاسْتَوْثَقَ مِنْهُمْ بِالْحَدِيدِ، وَكَانُوا فِي الْحَبْسِ عِنْدَهُ، وَسَارَ أَبُو مُسْلِمٍ وَابْنُ الْكَرْمَانِيِّ فِي طَلَبِ نَصْرٍ لَيْلَتَهُمَا، فَأَدْرَكَا امْرَأَتَهُ قَدْ خَلَّفَهَا وَسَارَ، فَرَجَعَ أَبُو مُسْلِمٍ وَابْنُ الْكَرْمَانِيِّ إِلَى مَرْوَ،

стр. 2349

وَسَارَ نَصْرٌ إِلَى سَرْخَسَ، وَاجْتَمَعَ مَعَهُ ثَلَاثَةُ آلَافِ رَجُلٍ، وَلَمَّا رَجَعَ أَبُو مُسْلِمٍ سَأَلَ مَنْ كَانَ أَرْسَلَهُ إِلَى نَصْرٍ: مَا الَّذِي ارْتَابَ بِهِ نَصْرٌ حَتَّى هَرَبَ؟ قَالُوا: لَا نَدْرِي. قَالَ: فَهَلْ تَكَلَّمَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِشَيْءٍ؟ قَالُوا: تَلَا لَاهِزٌ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ [القصص: ٢٠] . قَالَ: هَذَا الَّذِي دَعَاهُ إِلَى الْهَرَبِ. ثُمَّ قَالَ: يَا لَاهِزُ تُدْغِلُ فِي الدِّينِ! ثُمَّ قَتَلَهُ. وَاسْتَشَارَ أَبُو مُسْلِمٍ أَبَا طَلْحَةَ فِي أَصْحَابِ نَصْرٍ فَقَالَ: اجْعَلْ سَوْطَكَ السَّيْفَ وَسِجْنَكَ الْقَبْرَ. فَقَتَلَهُمْ أَبُو مُسْلِمٍ، وَكَانَ عِدَّتُهُمْ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ رَجُلًا. وَأَمَّا نَصْرٌ فَإِنَّهُ سَارَ مِنْ سَرْخَسَ إِلَى طُوسٍ فَأَقَامَ بِهَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَبِسَرْخَسَ يَوْمًا، ثُمَّ سَارَ إِلَى نَيْسَابُورَ فَأَقَامَ بِهَا، وَدَخَلَ ابْنُ الْكَرْمَانِيِّ مَرْوَ مَعَ أَبِي مُسْلِمٍ، وَتَابَعَهُ عَلَى رَأْيٍ وَعَاقَدَهُ عَلَيْهِ. (يَحْيَى بْنُ حُضَيْنٍ: بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَآخِرُهُ نُونٌ) . ذِكْرُ قَتْلِ شَيْبَانَ الْحَرُورِيِّ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ شَيْبَانُ بْنُ سَلَمَةَ الْحَرُورِيُّ. وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّهُ كَانَ هُوَ وَعَلِيُّ بْنُ الْكَرْمَانِيِّ مُجْتَمِعَيْنِ عَلَى قِتَالِ نَصْرٍ لِمُخَالَفَةِ شَيْبَانَ نَصْرًا لِأَنَّهُ مِنْ عُمَّالِ مَرْوَانَ، وَشَيْبَانُ يَرَى رَأْيَ الْخَوَارِجِ، وَمُخَالَفَةِ ابْنِ الْكَرْمَانِيِّ نَصْرًا لِأَنَّ نَصْرًا قَتَلَ أَبَاهُ الْكَرْمَانِيَّ، وَأَنَّ نَصْرًا مُضَرِيٌّ وَابْنَ الْكَرْمَانِيِّ يَمَانِيٌّ، وَبَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ مَا هُوَ مَشْهُورٌ، فَلَمَّا صَالَحَ ابْنُ الْكَرْمَانِيِّ أَبَا مُسْلِمٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَفَارَقَ شَيْبَانَ تَنَحَّى شَيْبَانُ عَنْ مَرْوَ إِذْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَقْوَى لِحَرْبِهِمَا، وَقَدْ هَرَبَ نَصْرٌ إِلَى سَرْخَسَ. وَلَمَّا اسْتَقَامَ الْأَمْرُ لِأَبِي مُسْلِمٍ أَرْسَلَ إِلَى شَيْبَانَ يَدْعُوهُ إِلَى الْبَيْعَةِ، فَقَالَ شَيْبَانُ: أَنَا أَدْعُوكَ إِلَى بَيْعَتِي. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَبُو مُسْلِمٍ: إِنْ لَمْ تَدْخُلْ فِي أَمْرِنَا فَارْتَحِلْ عَنْ مَنْزِلِكَ الَّذِي أَنْتَ بِهِ. فَأَرْسَلَ شَيْبَانُ إِلَى ابْنِ الْكَرْمَانِيِّ يَسْتَنْصِرُهُ، فَأَبَى، فَسَارَ شَيْبَانُ إِلَى سَرْخَسَ وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَبُو مُسْلِمٍ تِسْعَةً مِنَ الْأَزْدِ يَدْعُوهُ وَيَسْأَلُهُ أَنْ يَكُفَّ، فَأَخَذَ الرُّسُلَ فَسَجَنَهُمْ. فَكَتَبَ أَبُو مُسْلِمٍ إِلَى بَسَّامِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ مَوْلَى بَنِي لَيْثٍ بِأَبِيوَرْدَ يَأْمُرُهُ أَنْ يَسِيرَ إِلَى شَيْبَانَ فَيُقَاتِلَهُ، فَسَارَ إِلَيْهِ فَقَاتَلَهُ، فَانْهَزَمَ شَيْبَانُ وَاتَّبَعَهُ بِسَّامٌ حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ فَقَتَلَ شَيْبَانَ وَعِدَّةً مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ. فَقِيلَ لِأَبِي مُسْلِمٍ: إِنَّ بَسَّامًا ارْتَدَّ ثَانِيَةً، وَهُوَ يَقْتُلُ الْبَرِيءَ بِالسَّقِيمِ، فَاسْتَقْدَمَهُ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى عَسْكَرِهِ

стр. 2350

رَجُلًا. فَلَمَّا قُتِلَ شَيْبَانُ مَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ بِرُسُلِ أَبِي مُسْلِمٍ فَقَتَلَهُمْ. وَقِيلَ: إِنَّ أَبَا مُسْلِمٍ وَجَّهَ إِلَى شَيْبَانَ عَسْكَرًا مِنْ عِنْدِهِ عَلَيْهِمْ خُزَيْمَةُ بْنُ خَازِمٍ وَبَسَّامُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. ذِكْرُ قَتْلِ ابْنَيِ الْكَرْمَانِيِّ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قَتَلَ أَبُو مُسْلِمٍ عَلِيًّا وَعُثْمَانَ ابْنَيِ الْكَرْمَانِيِّ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا مُسْلِمٍ كَانَ وَجَّهَ مُوسَى بْنَ كَعْبٍ إِلَى أَبِيوَرْدَ فَافْتَتَحَهَا وَكَتَبَ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ بِذَلِكَ، وَوَجَّهَ أَبَا دَاوُدَ إِلَى بَلْخٍ، وَبِهَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُشَيْرِيُّ، فَلَمَّا بَلَغَهُ قَصْدُ أَبِي دَاوُدَ بَلْخًا خَرَجَ فِي أَهْلِ بَلْخٍ وَتِرْمِذَ وَغَيْرِهِمَا مَنْ كُوَرِ طَخَارِسْتَانَ إِلَى الْجُوزَجَانِ، فَلَمَّا دَنَا أَبُو دَاوُدَ مِنْهُمُ انْصَرَفُوا مُنْهَزِمِينَ إِلَى تِرْمِذَ، وَدَخَلَ أَبُو دَاوُدَ مَدِينَةَ بَلْخٍ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو مُسْلِمٍ يَأْمُرُهُ بِالْقُدُومِ عَلَيْهِ، وَوَجَّهَ مَكَانَهُ يَحْيَى بْنَ نُعَيْمٍ أَبَا الْمَيْلَاءِ عَلَى بَلْخٍ، فَلَمَّا قَدِمَ يَحْيَى مَدِينَةَ بَلْخٍ كَاتَبَهُ زِيَادُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنْ يَرْجِعَ وَتَصِيرَ أَيْدِيهِمْ وَاحِدَةً، فَأَجَابَهُ، فَرَجَعَ زِيَادٌ وَمُسْلِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُسْلِمٍ الْبَاهِلِيُّ وَعِيسَى بْنُ زُرْعَةَ السُّلَمِيُّ وَأَهْلُ بَلْخٍ وَتِرْمِذَ وَمُلُوكُ طَخَارِسْتَانَ وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ وَدُونَهُ فَنَزَلُوا عَلَى فَرْسَخٍ مِنْ بَلْخٍ، وَخَرَجَ إِلَيْهِمْ يَحْيَى بْنُ نُعَيْمٍ بِمَنْ مَعَهُ، فَصَارَتْ كَلِمَتُهُمْ وَاحِدَةً مُضَرَ وَرَبِيعَةَ وَالْيَمَنِ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنَ الْعَجَمِ عَلَى قِتَالِ الْمُسَوِّدَةِ، وَجَعَلُوا الْوِلَايَةَ عَلَيْهِمْ لِمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ النَّبَطِيِّ كَرَاهَةَ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَاحِدٍ مِنَ الْفِرَقِ الثَّلَاثَةِ. وَأَمَرَ أَبُو مُسْلِمٍ أَبَا دَاوُدَ بِالْعَوْدِ، فَأَقْبَلَ بِمَنْ مَعَهُ حَتَّى اجْتَمَعُوا عَلَى نَهْرِ السَّرَجْنَانِ، وَكَانَ زِيَادٌ وَأَصْحَابُهُ قَدْ وَجَّهُوا أَبَا سَعِيدٍ الْقُرَشِيَّ مَسْلَحَةً لِئَلَّا يَأْتِيَهُمْ أَصْحَابُ أَبِي دَاوُدَ مِنْ خَلْفِهِمْ، وَكَانَتْ أَعْلَامُ أَبِي دَاوُدَ سُودًا، فَلَمَّا اقْتَتَلَ أَبُو دَاوُدَ وَزِيَادٌ وَأَصْحَابُهُمَا أَمَرَ أَبُو سَعِيدٍ أَصْحَابَهُ أَنْ يَأْتُوا زِيَادًا وَأَصْحَابَهُ، فَأَتَوْهُمْ مِنْ خَلْفِهِمْ، فَلَمَّا رَأَى زِيَادٌ وَمَنْ مَعَهُ أَعْلَامَ أَبِي سَعِيدٍ وَرَايَاتِهِ سُودًا ظَنُّوهُ كَمِينًا لِأَبِي دَاوُدَ فَانْهَزَمُوا، وَتَبِعَهُمْ أَبُو دَاوُدَ، فَوَقَعَ عَامَّةُ أَصْحَابِ زِيَادٍ فِي نَهْرِ السَّرَجَنَانِ وَقُتِلَ عَامَّةُ رِجَالِهِمُ الْمُتَخَلِّفِينَ، وَنَزَلَ أَبُو دَاوُدَ مُعَسْكَرَهُمْ وَحَوَى مَا فِيهِ. وَمَضَى زِيَادٌ وَيَحْيَى وَمَنْ مَعَهُمَا إِلَى تِرْمِذَ، وَاسْتَصْفَى أَبُو دَاوُدَ أَمْوَالَ مَنْ قُتِلَ وَمَنْ هَرَبَ وَاسْتَقَامَتْ لَهُ بَلْخٌ. وَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو مُسْلِمٍ يَأْمُرُهُ بِالْقُدُومِ عَلَيْهِ، وَوَجَّهَ النَّضْرَ بْنَ صُبَيْحٍ الْمُرِّيَّ عَلَى بَلْخٍ.

стр. 2351

وَقَدِمَ دَاوُدُ عَلَى أَبِي مُسْلِمٍ، وَاتَّفَقَا عَلَى أَنْ يُفَرِّقَا بَيْنَ عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ ابْنَيِ الْكَرْمَانِيِّ، فَبَعَثَ أَبُو مُسْلِمٍ عُثْمَانَ عَامِلًا عَلَى بَلْخٍ، فَلَمَّا قَدِمَهَا اسْتَخْلَفَ الْفَرَافِصَةَ بْنَ ظُهَيْرٍ الْعَبْسِيَّ عَلَى بَلْخٍ. وَأَقْبَلَتِ الْمُضَرِيَّةُ مِنْ تِرْمِذَ عَلَيْهِمْ مُسْلِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَاهِلِيُّ، فَالْتَقَوْا هُمْ وَأَصْحَابُ عُثْمَانَ (فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ عُثْمَانَ) ، وَغَلَبَ مُسْلِمٌ عَلَى بَلْخٍ، وَبَلَغَ عُثْمَانَ وَالنَّضْرَ بْنَ صُبَيْحٍ الْخَبَرُ وَهُمَا بِمَرْوِ الرُّوذِ، فَأَقْبَلَا نَحْوَهُمْ، فَهَرَبَ أَصْحَابُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِنْ لَيْلَتِهِمْ، فَلَمْ يُمْعِنِ النَّضْرُ فِي طَلَبِهِمْ رَجَاءَ أَنْ يَفُوتُوا، وَلَقِيَهُمْ أَصْحَابُ عُثْمَانَ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَلَمْ يَكُنِ النَّضْرُ مَعَهُمْ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ عُثْمَانَ وَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ. وَرَجَعَ أَبُو دَاوُدَ (مِنْ مَرْوَ إِلَى بَلْخٍ، وَسَارَ أَبُو مُسْلِمٍ وَمَعَهُ عَلِيُّ بْنُ الْكَرْمَانِيِّ إِلَى نَيْسَابُورَ، وَاتَّفَقَ رَأْيُ أَبِي مُسْلِمٍ وَرَأْيُ أَبِي دَاوُدَ عَلَى أَنْ يَقْتُلَ أَبُو مُسْلِمٍ عَلِيًّا، وَيَقْتُلَ أَبُو دَاوُدَ عُثْمَانَ، فَلَمَّا قَدِمَ أَبُو دَاوُدَ) بَلْخًا بَعَثَ عُثْمَانَ عَامِلًا عَلَى الْجَبَلِ فِيمَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ مَرْوَ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ بَلْخٍ تَبِعَهُ أَبُو دَاوُدَ فَأَخَذَهُ وَأَصْحَابَهُ فَحَبَسَهُمْ جَمِيعًا، ثُمَّ ضَرَبَ أَعْنَاقَهُمْ صَبْرًا، وَقَتَلَ أَبُو مُسْلِمٍ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ عَلِيَّ بْنَ الْكَرْمَانِيِّ، وَقَدْ كَانَ أَبُو مُسْلِمٍ أَمَرَهُ أَنْ يُسَمِّيَ لَهُ خَاصَّتَهُ لِيُوَلِّيَهُمْ وَيَأْمُرَ لَهُمْ بِجَوَائِزَ وَكِسْوَاتٍ، فَسَمَّاهُمْ لَهُ، فَقَتَلَهُمْ جَمِيعًا. ذِكْرُ قُدُومِ قَحْطَبَةَ مِنْ عِنْدِ الْإِمَامِ إِبْرَاهِيمَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قَدِمَ قَحْطَبَةُ بْنُ شَبِيبٍ عَلَى أَبِي مُسْلِمٍ مِنْ عِنْدِ إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامِ، وَمَعَهُ لِوَاؤُهُ الَّذِي عَقَدَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ، فَوَجَّهَهُ أَبُو مُسْلِمٍ فِي مُقَدِّمَتِهِ، وَضَمَّ إِلَيْهِ الْجُيُوشَ، وَجَعَلَ إِلَيْهِ الْعَزْلَ وَالِاسْتِعْمَالَ، وَكَتَبَ إِلَى الْجُنُودِ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لَهُ. ذِكْرُ مَسِيرِ قَحْطَبَةَ إِلَى نَيْسَابُورَ لَمَّا قُتِلَ شَيْبَانُ الْخَارِجِيُّ وَابْنَا الْكَرْمَانِيِّ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَهَرَبَ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ مِنْ مَرْوَ، وَغَلَبَ أَبُو مُسْلِمٍ عَلَى خُرَاسَانَ، بَعَثَ الْعُمَّالَ عَلَى الْبِلَادِ، فَاسْتَعْمَلَ سِبَاعَ بْنَ النُّعْمَانِ الْأَزْدِيَّ عَلَى سَمَرْقَنْدَ، وَأَبَا دَاوُدَ خَالِدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ عَلَى طَخَارِسْتَانَ، وَمُحَمَّدَ بْنَ الْأَشْعَثِ عَلَى الطَّبَسَيْنِ، وَجَعَلَ مَالِكَ بْنَ الْهَيْثَمِ عَلَى شُرَطِهِ، وَوَجَّهَ قَحْطَبَةَ إِلَى طُوسٍ وَمَعَهُ عِدَّةٌ مِنَ الْقُوَّادِ، مِنْهُمْ: أَبُو عَوْنٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ يَزِيدَ، وَخَالِدُ بْنُ بَرْمَكَ، وَعُثْمَانُ بْنُ

стр. 2352

نَهِيكٍ، وَخَازِمُ بْنُ خُزَيْمَةَ، وَغَيْرُهُمْ، فَلَقِيَ قَحْطَبَةُ مَنْ بِطُوسٍ فَهَزَمَهُمْ، وَكَانَ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ فِي الزِّحَامِ أَكْثَرَ مِمَّنْ قُتِلَ، فَبَلَغَ عِدَّةُ الْقَتْلَى بِضْعَةَ عَشَرَ أَلْفًا. وَوَجَّهَ أَبُو مُسْلِمٍ الْقَاسِمَ بْنَ مُجَاشِعٍ إِلَى نَيْسَابُورَ عَلَى طَرِيقِ الْمَحَجَّةِ، وَكَتَبَ إِلَى قَحْطَبَةَ يَأْمُرُهُ بِقِتَالِ تَمِيمِ بْنِ نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ وَالنَّابِئِ بْنِ سُوَيْدٍ وَمَنْ لَجَأَ إِلَيْهِمَا مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ، وَكَانَ أَصْحَابُ شَيْبَانَ بْنِ سَلَمَةَ الْخَارِجِيِّ قَدْ لَحِقُوا بِنَصْرٍ، وَوَجَّهَ أَبُو مُسْلِمٍ عَلِيَّ بْنَ مَعْقِلٍ فِي عَشَرَةِ آلَافِ رَجُلٍ إِلَى تَمِيمِ بْنِ نَصْرٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَكُونَ مَعَ قَحْطَبَةَ، وَسَارَ قَحْطَبَةُ إِلَى السَّوْذَقَانِ، وَهُوَ مُعَسْكَرُ تَمِيمِ بْنِ نَصْرٍ وَالنَّابِئِ، وَقَدْ عَبَّأَ أَصْحَابَهُ وَزَحَفَ إِلَيْهِمْ، فَدَعَاهُمْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ وَإِلَى الرِّضَاءِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ، فَلَمْ يُجِيبُوهُ، فَقَاتَلَهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا، فَقُتِلَ تَمِيمُ بْنُ نَصْرٍ فِي الْمَعْرَكَةِ، وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ وَاسْتُبِيحَ عَسْكَرُهُمْ، وَكَانَ عِدَّةُ مَنْ مَعَهُ ثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَهَرَبَ النَّابِئُ بْنُ سُوَيْدٍ فَتَحَصَّنَ بِالْمَدِينَةِ، فَحَصَرَهُ قَحْطَبَةُ وَنَقَبُوا سُورَهَا وَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ، فَقَتَلُوا النَّابِئَ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ نَصْرَ بْنَ سَيَّارٍ بِنَيْسَابُورَ بِقَتْلِ ابْنِهِ. وَلَمَّا اسْتَوْلَى قَحْطَبَةُ عَلَى عَسْكَرِهِمْ سَيَّرَ إِلَى خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ مَا قَبَضَ فِيهِ، وَسَارَ هُوَ إِلَى نَيْسَابُورَ، وَبَلَغَ ذَلِكَ نَصْرَ بْنَ سَيَّارٍ فَهَرَبَ مِنْهَا فِيمَنْ مَعَهُ فَنَزَلَ قُومِسَ، وَتَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، فَسَارَ إِلَى نَبَاتَةَ بْنِ حَنْظَلَةَ بِجُرْجَانَ، وَقَدِمَ قَحْطَبَةُ نَيْسَابُورَ بِجُنُودِهِ فَأَقَامَ بِهَا رَمَضَانَ وَشَوَّالًا. ذِكْرُ قَتْلِ نَبَاتَةَ بْنِ حَنْظَلَةَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ نَبَاتَةُ بْنُ حَنْظَلَةَ عَامِلُ يَزِيدَ بْنِ هُبَيْرَةَ عَلَى جُرْجَانَ، وَكَانَ يَزِيدُ بْنُ هُبَيْرَةَ بَعَثَهُ إِلَى نَصْرٍ، فَأَتَى فَارِسَ وَأَصْبَهَانَ ثُمَّ سَارَ إِلَى الرَّيِّ وَمَضَى إِلَى جُرْجَانَ، وَكَانَ نَصْرٌ بِقُومِسَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ قُومِسَ لَا تَحْمِلُنَا، فَسَارَ إِلَى جُرْجَانَ فَنَزَلَهَا مَعَ نَبَاتَةَ وَخَنْدَقُوا عَلَيْهِمْ. وَأَقْبَلَ قَحْطَبَةُ إِلَى جُرْجَانَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، فَقَالَ قَحْطَبَةُ: يَا أَهْلَ خُرَاسَانَ أَتَدْرُونَ إِلَى مَنْ تَسِيرُونَ وَمَنْ تُقَاتِلُونَ؟ إِنَّمَا تُقَاتِلُونَ بَقِيَّةَ قَوْمٍ حَرَّقُوا بَيْتَ اللَّهِ تَعَالَى! وَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ قَحْطَبَةَ عَلَى مُقَدِّمَةِ أَبِيهِ، فَوَجَّهَ جَمْعًا إِلَى مَسْلَحَةِ نَبَاتَةَ وَعَلَيْهَا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ ذُؤَيْبٌ، فَبَيَّتُوهُمْ فَقَتَلُوا ذُؤَيْبًا وَسَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ فَرَجَعُوا إِلَى الْحَسَنِ.

стр. 2353

وَقَدِمَ قَحْطَبَةُ فَنَزَلَ بِإِزَاءِ نَبَاتَةَ وَأَهْلِ الشَّامِ فِي عِدَّةٍ لَمْ يَرَ النَّاسُ مِثْلَهَا، فَلَمَّا رَآهُمْ أَهْلُ خُرَاسَانَ هَابُوهُمْ حَتَّى تَكَلَّمُوا بِذَلِكَ وَأَظْهَرُوهُ، فَبَلَغَ قَحْطَبَةَ قَوْلُهُمْ، فَقَامَ فِيهِمْ فَقَالَ: يَا أَهْلَ خُرَاسَانَ هَذِهِ الْبِلَادُ كَانَتْ لِآبَائِكُمْ، وَكَانُوا يُنْصَرُونَ عَلَى عَدُوِّهِمْ لِعَدْلِهِمْ وَحُسْنِ سِيرَتِهِمْ حَتَّى بَدَّلُوا وَظَلَمُوا فَسَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَانْتَزَعَ سُلْطَانَهُمْ وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ أَذَلَّ أُمَّةٍ كَانَتْ فِي الْأَرْضِ عِنْدَهُمْ، فَغَلَبُوهُمْ عَلَى بِلَادِهِمْ، وَكَانُوا بِذَلِكَ يَحْكُمُونَ بِالْعَدْلِ وَيُوفُونَ بِالْعَهْدِ وَيَنْصُرُونَ الْمَظْلُومَ، ثُمَّ بَدَّلُوا وَغَيَّرُوا وَجَارُوا فِي الْحُكْمِ، وَأَخَافُوا أَهْلَ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى مِنْ عِتْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ; فَسَلَّطَكُمْ عَلَيْهِمْ لِيَنْتَقِمَ مِنْهُمْ بِكُمْ، لِتَكُونُوا أَشَدَّ عُقُوبَةً لِأَنَّكُمْ طَلَبْتُمُوهُمْ بِالثَّأْرِ، وَقَدْ عَهِدَ إِلَيَّ الْإِمَامُ أَنَّكُمْ تَلْقَوْنَهُمْ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْعُدَّةِ فَيَنْصُرُكُمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَتَهْزِمُونَهُمْ وَتَقْتُلُونَهُمْ. فَالْتَقَوْا فِي مُسْتَهَلِّ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَلَاثِينَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ، فَقَالَ لَهُمْ قَحْطَبَةُ قَبْلَ الْقِتَالِ: إِنَّ الْإِمَامَ أَخْبَرَنَا أَنَّكُمْ تُنْصَرُونَ عَلَى عَدُوِّكُمْ هَذَا الْيَوْمَ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ، وَكَانَ عَلَى مَيْمَنَتِهِ ابْنُهُ الْحَسَنُ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَقُتِلَ نَبَاتَةُ، وَانْهَزَمَ أَهْلُ الشَّامِ فَقُتِلَ مِنْهُمْ عَشَرَةُ آلَافٍ، وَبَعَثَ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ بِرَأْسِ نَبَاتَةَ. ذِكْرُ وَقْعَةِ أَبِي حَمْزَةَ الْخَارِجِيِّ بِقُدَيْدٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ لِسَبْعٍ بَقِينَ مِنْ صَفَرٍ كَانَتِ الْوَقْعَةُ بِقُدَيْدٍ بَيْنَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَبِي حَمْزَةَ الْخَارِجِيِّ. قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ عَبْدَ الْوَاحِدِ بْنَ سُلَيْمَانَ ضَرَبَ الْبَعْثَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، فَخَرَجُوا، فَلَمَّا كَانُوا بِالْحَرَّةِ لَقِيَتْهُمْ جُزُرٌ مَنْحُورَةٌ فَتَقَدَّمُوا، فَلَمَّا كَانُوا بِالْعَقِيقِ تَعَلَّقَ لِوَاؤُهُمْ بِسَمُرَةٍ فَانْكَسَرَ الرُّمْحُ، فَتَشَاءَمَ النَّاسُ بِالْخُرُوجِ، وَأَتَاهُمْ رُسُلُ أَبِي حَمْزَةَ يَقُولُونَ: إِنَّنَا وَاللَّهِ مَا لَنَا بِقِتَالِكُمْ حَاجَةٌ، دَعُونَا نَمْضِ إِلَى عَدُوِّنَا. فَأَبَى أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَلَمْ يُجِيبُوهُ إِلَى ذَلِكَ، وَسَارُوا حَتَّى نَزَلُوا قُدَيْدًا، وَكَانُوا مُتْرَفِينَ لَيْسُوا بِأَصْحَابِ حَرْبٍ، فَلَمْ يَشْعُرُوا إِلَّا وَقَدْ خَرَجَ عَلَيْهِمْ أَصْحَابُ أَبِي حَمْزَةَ مِنَ الْفُضَاضِ فَقَتَلُوهُمْ، وَكَانَتِ الْمَقْتَلَةُ بِقُرَيْشٍ، وَفِيهِمْ كَانَتِ الشَّوْكَةُ، فَأُصِيبَ مِنْهُمْ عَدَدٌ كَثِيرٌ، وَقَدِمَ الْمُنْهَزِمُونَ الْمَدِينَةَ فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تُقِيمُ النَّوَائِحَ عَلَى حَمِيمِهَا وَمَعَهَا النِّسَاءُ، فَمَا تَبْرَحُ النِّسَاءُ حَتَّى تَأْتِيَهُنَّ الْأَخْبَارُ عَنْ رِجَالِهِنَّ، فَيَخْرُجْنَ امْرَأَةً امْرَأَةً، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ تَذْهَبُ لِقَتْلِ رَجُلِهَا، فَلَا تَبْقَى عِنْدَهَا امْرَأَةٌ لِكَثْرَةِ مَنْ قُتِلَ.

стр. 2354

وَقِيلَ: إِنَّ خُزَاعَةَ دَلَّتْ أَبَا حَمْزَةَ عَلَى أَصْحَابِ قُدَيْدٍ، وَقِيلَ: كَانَ عِدَّةُ الْقَتْلَى سَبْعَمِائَةٍ. ذِكْرُ دُخُولِ أَبِي حَمْزَةَ الْمَدِينَةَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ دَخَلَ أَبُو حَمْزَةَ الْمَدِينَةَ ثَالِثَ عَشَرَ صَفَرٍ، وَمَضَى عَبْدُ الْوَاحِدِ مِنْهَا إِلَى الشَّامِ، وَكَانَ أَبُو حَمْزَةَ قَدْ أَعْذَرَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ لَهُمْ: مَا لَنَا بِقِتَالِكُمْ حَاجَةٌ، دَعُونَا نَمْضِ إِلَى عَدُوِّنَا. فَأَبَى أَهْلُ الْمَدِينَةِ، فَلَقِيَهُمْ فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ فَرَقِيَ الْمِنْبَرَ وَخَطَبَهُمْ وَقَالَ لَهُمْ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ! مَرَرْتُ زَمَانَ الْأَحْوَلِ، يَعْنِي هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَقَدْ أَصَابَ ثِمَارَكُمْ عَاهَةٌ فَكَتَبْتُمْ إِلَيْهِ تَسْأَلُونَهُ أَنْ يَضَعَ عَنْكُمْ خَرَاجَكُمْ فَفَعَلَ، فَزَادَ الْغَنِيَّ غِنًى وَالْفَقِيرَ فَقْرًا، فَقُلْتُمْ لَهُ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، فَلَا جَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا وَلَا جَزَاهُ خَيْرًا! وَاعْلَمُوا يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَنَّا لَمْ نَخْرُجْ مِنْ دِيَارِنَا أَشَرًا وَلَا بَطَرًا وَلَا عَبَثًا وَلَا لِدَوْلَةِ مُلْكٍ نُرِيدُ أَنْ نَخُوضَ فِيهِ، وَلَا لِثَأْرٍ قَدِيمٍ نِيلَ مِنَّا، وَلَكِنَّا لَمَّا رَأَيْنَا مَصَابِيحَ الْحَقِّ قَدْ عُطِّلَتْ، وَعُنِّفَ الْقَائِلُ بِالْحَقِّ، وَقُتِلَ الْقَائِمُ بِالْقِسْطِ، ضَاقَتْ عَلَيْنَا الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، وَسَمِعْنَا دَاعِيًا يَدْعُو إِلَى طَاعَةِ الرَّحْمَنِ وَحُكْمِ الْقُرْآنِ، فَأَجَبْنَا دَاعِيَ اللَّهِ، ﴿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأحقاف: ٣٢] ، فَأَقْبَلْنَا مِنْ قَبَائِلَ شَتَّى، وَنَحْنُ قَلِيلُونَ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ، فَآوَانَا وَأَيَّدَنَا بِنَصْرِهِ فَأَصْبَحْنَا بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا، ثُمَّ لَقِينَا رِجَالَكُمْ [بِقُدَيْدٍ] فَدَعَوْنَاهُمْ إِلَى طَاعَةِ الرَّحْمَنِ وَحُكْمِ الْقُرْآنِ، فَدَعَوْنَا إِلَى طَاعَةِ الشَّيْطَانِ وَحُكْمِ بَنِي مَرْوَانَ، فَشَتَّانَ لَعَمْرُ اللَّهِ مَا بَيْنَ الْغَيِّ وَالرُّشْدِ، ثُمَّ أَقْبَلُوا يُهْرَعُونَ وَقَدْ ضَرَبَ الشَّيْطَانُ فِيهِمْ بِجِرَانِهِ وَغَلَتْ بِدِمَائِهِمْ مَرَاجِلُهُ وَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ ظَنَّهَ، وَأَقْبَلَ أَنْصَارُ اللَّهِ عَصَائِبَ وَكَتَائِبَ بِكُلِّ مُهَنَّدٍ ذِي رَوْنَقٍ، فَدَارَتْ رَحَانَا وَاسْتَدَارَتْ رَحَاهُمْ بِضَرْبٍ يَرْتَابُ بِهِ الْمُبْطِلُونَ، وَأَنْتُمْ يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ إِنْ تَنْصُرُوا مَرْوَانَ وَآلَ مَرْوَانَ يُسْحِتْكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٤] . يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَوَّلُكُمْ خَيْرُ أَوَّلٍ، وَآخِرُكُمْ شَرُّ آخِرٍ! يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَخْبِرُونِي عَنْ ثَمَانِيَةِ أَسْهُمٍ فَرَضَهَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ عَلَى الْقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ، فَجَاءَ تَاسِعٌ لَيْسَ لَهُ فِيهَا سَهْمٌ فَأَخَذَهَا لِنَفْسِهِ مُكَابِرًا مُحَارِبًا رَبَّهُ.

стр. 2355

يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تَنْتَقِصُونَ أَصْحَابِي! قُلْتُمْ شَبَابٌ أَحْدَاثٌ وَأَعْرَابٌ حُفَاةٌ! وَيْحَكُمْ! وَهَلْ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا شَبَابًا أَحْدَاثًا وَأَعْرَابًا حُفَاةً؟ [هُمْ] وَاللَّهِ مُكْتَهِلُونَ فِي شَبَابِهِمْ، غَضِيضَةٌ عَنِ الشَّرِّ أَعْيُنُهُمْ، ثَقِيلَةٌ عَنِ الْبَاطِلِ أَقْدَامُهُمْ. وَأَحْسَنَ السِّيرَةَ مَعَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَاسْتَمَالَ حَتَّى سَمِعُوهُ يَقُولُ: مَنْ زَنَى فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ سَرَقَ فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ شَكَّ فِي كُفْرِهِمَا فَهُوَ كَافِرٌ. وَأَقَامَ أَبُو حَمْزَةَ بِالْمَدِينَةِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ. ذِكْرُ قَتْلِ أَبِي حَمْزَةَ الْخَارِجِيِّ ثُمَّ إِنَّ أَبَا حَمْزَةَ وَدَّعَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ وَقَالَ لَهُمْ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ إِنَّا خَارِجُونَ إِلَى مَرْوَانَ، فَإِنْ نَظْفَرْ نَعْدِلْ فِي إِخْوَانِكُمْ وَنَحْمِلْكُمْ عَلَى سُنَّةِ نَبِيِّكُمْ، وَإِنْ يَكُنْ مَا تَتَمَنَّوْنَ، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] . ثُمَّ سَارَ نَحْوَ الشَّامِ، وَكَانَ مَرْوَانُ قَدِ انْتَخَبَ مِنْ عَسْكَرِهِ أَرْبَعَةَ آلَافِ فَارِسٍ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَطِيَّةَ السَّعْدِيَّ، سَعْدُ هَوَازِنَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُجِدَّ السَّيْرَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُقَاتِلَ الْخَوَارِجَ، فَإِنْ هُوَ ظَفِرَ بِهِمْ يَسِيرُ حَتَّى يَبْلُغَ الْيَمَنَ وَيُقَاتِلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَحْيَى طَالِبَ الْحَقِّ. فَسَارَ ابْنُ عَطِيَّةَ فَالْتَقَى أَبَا حَمْزَةَ بِوَادِي الْقُرَى، فَقَالَ أَبُو حَمْزَةَ لِأَصْحَابِهِ: لَا تُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى تَخْتَبِرُوهُمْ. فَصَاحُوا بِهِمْ: مَا تَقُولُونَ فِي الْقُرْآنِ وَالْعَمَلِ بِهِ؟ فَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: نَضَعُهُ فِي جَوْفِ الْجَوَالِقِ. فَقَالَ: فَمَا تَقُولُونَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ؟ قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: نَأْكُلُ مَالَهُ وَنَفْجُرُ بِأُمِّهِ، فِي أَشْيَاءَ سَأَلُوهُ عَنْهَا. فَلَمَّا سَمِعُوا كَلَامَهُ قَاتَلُوهُ حَتَّى أَمْسَوْا وَصَاحُوا: وَيْحَكَ يَابْنَ عَطِيَّةَ! إِنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا فَاسْكُنْ. فَأَبَى وَقَاتَلَهُمْ حَتَّى قَتَلَهُمْ، وَانْهَزَمَ أَصْحَابُ أَبِي حَمْزَةَ، مَنْ لَمْ يُقْتَلْ، وَأَتَوُا الْمَدِينَةَ، فَلَقِيَهُمْ فَقَتَلَهُمْ، وَسَارَ ابْنُ عَطِيَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَقَامَ شَهْرًا. وَفِيمَنْ قُتِلَ مَعَ أَبِي حَمْزَةَ عَبْدُ الْعَزِيزِ الْقَارِئُ الْمَدَنِيُّ الْمَعْرُوفُ بِيَشْبِكَسْتَ النَّحْوِيِّ،

стр. 2356

وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، يَكْتُمُ مَذْهَبَ الْخَوَارِجِ، فَلَمَّا دَخَلَ أَبُو حَمْزَةَ الْمَدِينَةَ انْضَمَّ إِلَيْهِ، فَلَمَّا قُتِلَ الْخَوَارِجُ قُتِلَ مَعَهُمْ. ذِكْرُ قَتْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى وَلَمَّا أَقَامَ ابْنُ عَطِيَّةَ بِالْمَدِينَةِ شَهْرًا سَارَ نَحْوَ الْيَمَنِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ الْوَلِيدَ بْنَ عُرْوَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَطِيَّةَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى مَكَّةَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، وَقَصَدَ الْيَمَنَ، وَبَلَغَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَحْيَى طَالِبَ الْحَقِّ مَسِيرُهُ وَهُوَ بِصَنْعَاءَ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ بِمَنْ مَعَهُ، فَالْتَقَى هُوَ وَابْنُ عَطِيَّةَ فَاقْتَتَلُوا، فَقُتِلَ ابْنُ يَحْيَى وَحُمِلَ رَأَسُهُ إِلَى مَرْوَانَ بِالشَّامِ، وَمَضَى ابْنُ عَطِيَّةَ إِلَى صَنْعَاءَ. ذِكْرُ قَتْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ وَلَمَّا سَارَ ابْنُ عَطِيَّةَ إِلَى صَنْعَاءَ دَخَلَهَا وَأَقَامَ بِهَا، فَكَتَبَ إِلَيْهِ مَرْوَانُ يَأْمُرُهُ أَنْ يُسْرِعَ إِلَيْهِ السَّيْرَ لِيَحُجَّ بِالنَّاسِ، فَسَارَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا بِعَهْدِ مَرْوَانَ عَلَى الْحَجِّ وَمَعَهُ أَرْبَعُونَ أَلْفًا، وَسَارَ وَخَلَّفَ عَسْكَرَهُ وَخَيْلَهُ بِصَنْعَاءَ، وَنَزَلَ الْجُرْفَ، فَأَتَاهُ ابْنَا جُهَانَةَ الْمُرَادِيَّانِ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، وَقَالُوا لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ: أَنْتُمْ لُصُوصٌ! فَأَخْرَجَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَهْدَهُ عَلَى الْحَجِّ وَقَالَ: هَذَا عَهْدُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحَجِّ، وَأَنَا ابْنُ عَطِيَّةَ. قَالُوا: هَذَا بَاطِلٌ، فَأَنْتُمْ لُصُوصٌ. فَقَاتَلَهُمُ ابْنُ عَطِيَّةَ قِتَالًا شَدِيدًا حَتَّى قُتِلَ. ذِكْرُ إِيقَاعِ قَحْطَبَةَ بِأَهْلِ جُرْجَانَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قَتَلَ قَحْطَبَةُ بْنُ شَبِيبٍ مِنْ أَهْلِ جُرْجَانَ مَا يَزِيدُ عَلَى ثَلَاثِينَ أَلْفًا. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْهُمْ بَعْدَ قَتْلِ نَبَاتَةَ بْنِ حَنْظَلَةَ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ الْخُرُوجَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ دَخَلَ إِلَيْهِمْ وَاسْتَعْرَضَهُمْ فَقَتَلَ مِنْهُمْ مَنْ ذَكَرْنَا، وَسَارَ نَصْرٌ، وَكَانَ بِقُومِسَ، حَتَّى نَزَلَ خُوَارَ الرَّيِّ، وَكَاتَبَ ابْنَ هُبَيْرَةَ يَسْتَمِدُّهُ، وَهُوَ بِوَاسِطَ، مَعَ نَاسٍ مِنْ وُجُوهِ أَهْلِ خُرَاسَانَ، وَعَظُمَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: إِنِّي قَدْ كَذَبْتُ أَهْلَ خُرَاسَانَ حَتَّى مَا أَحَدٌ مِنْهُمْ يُصَدِّقُنِي، فَأَمِدَّنِي بِعَشَرَةِ آلَافٍ قَبْلَ أَنْ تُمِدَّنِي بِمِائَةِ أَلْفٍ لَا تُغْنِي شَيْئًا. فَحَبَسَ ابْنُ هُبَيْرَةَ رُسُلَ نَصْرٍ، فَأَرْسَلَ نَصْرٌ إِلَى مَرْوَانَ: إِنِّي وَجَّهْتُ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ إِلَى ابْنِ هُبَيْرَةَ لِيُعْلِمُوهُ أَمْرَ النَّاسِ قَبْلَنَا، وَسَأَلْتُهُ الْمَدَدَ فَاحْتَبَسَ رُسُلِي وَلَمْ يُمِدَّنِي بِأَحَدٍ، وَإِنَّمَا أَنَا بِمَنْزِلَةِ

стр. 2357

مَنْ أُخْرِجَ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى حُجْرَتِهِ، ثُمَّ أُخْرِجَ مِنْ حُجْرَتِهِ إِلَى دَارِهِ، ثُمَّ مِنْ دَارِهِ إِلَى فِنَاءِ دَارِهِ، فَإِنْ أَدْرَكَهُ مَنْ يُعِينُهُ فَعَسَى أَنْ يَعُودَ إِلَى دَارِهِ وَتَبْقَى لَهُ، وَإِنْ أُخْرِجَ إِلَى الطَّرِيقِ فَلَا دَارَ لَهُ وَلَا فِنَاءَ. فَكَتَبَ مَرْوَانُ إِلَى ابْنِ هُبَيْرَةَ يَأْمُرُهُ أَنْ يُمِدَّ نَصْرًا، وَكَتَبَ إِلَى نَصْرٍ يُعْلِمُهُ ذَلِكَ، وَجَهَّزَ ابْنُ هُبَيْرَةَ جَيْشًا كَثِيفًا وَجَعَلَ عَلَيْهِمُ ابْنَ غُطَيْفٍ وَسَيَّرَهُمْ إِلَى نَصْرٍ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ غَزَا الصَّائِفَةَ هَذِهِ السَّنَةَ الْوَلِيدُ بْنُ هِشَامٍ، فَنَزَلَ الْعَمْقَ وَبَنَى حِصْنَ مَرْعَشٍ، وَفِيهَا وَقَعَ الطَّاعُونُ بِالْبَصْرَةِ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَكَانَ هُوَ أَمِيرَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالطَّائِفِ، وَكَانَ بِالْعِرَاقِ يَزِيدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ هُبَيْرَةَ، وَكَانَ عَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ: الْحَجَّاجُ بْنُ عَاصِمٍ الْمُحَارِبِيُّ، وَعَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ: عُبَادَةُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَكَانَ الْأَمِيرُ بِخُرَاسَانَ عَلَى مَا وَصَفْتُ. قُلْتُ: قَدْ ذَكَرَ أَبُو جَعْفَرٍ هَاهُنَا أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ حَجَّ بِالنَّاسِ، وَكَانَ أَمِيرَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَذُكِرَ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الْوَلِيدِ كَانَ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَذُكِرَ فِي آخِرِ سَنَةِ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ أَنَّ عُرْوَةَ أَيْضًا كَانَ عَلَى الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَالطَّائِفِ وَأَنَّهُ حَجَّ بِالنَّاسِ تِلْكَ السَّنَةَ. [الْوَفَيَاتُ] فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ أَبُو جَعْفَرٍ يَزِيدُ بْنُ الْقَعْقَاعِ الْقَارِئُ، مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ الْمَخْزُومِيِّ بِالْمَدِينَةِ، وَقِيلَ: سُمَيٌّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِقُدَيْدٍ.

стр. 2358

وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَيُّوبُ بْنُ أَبِي تَمِيمَةَ السِّخْتِيَانِيُّ، وَقِيلَ: سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ، وَعُمْرُهُ ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، وَإِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيُّ، (وَقِيلَ: سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ) ، وَقِيلَ: سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، وَيُكَنَّى أَبَا نَجِيحٍ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ مَخْرَمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَلَهُ سَبْعُونَ سَنَةً، وَأَبُو وَجْزَةَ السَّعْدِيُّ يَزِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَأَبُو الْحُوَيْرِثِ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي مَالِكٍ الْهَمْدَانِيُّ، وَيَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ. وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ (بِضَمِّ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ الْفَاءِ، وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ) وَهُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَكِّيُّ الْفَقِيهُ، وَكَانَ قَدْ قَارَبَ مِائَةَ سَنَةٍ، وَكَانَ لَا يَثْبُتُ مَعَهُ امْرَأَةٌ لِكَثْرَةِ نِكَاحِهِ. وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ كَاتِبُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبَانَ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ بِيَزِيدَ الرِّشْكِ، وَكَانَ قَسَّامًا بِالْبَصْرَةِ، وَحَفَصُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ ثَمَانِينَ، يَرْوِي قِرَاءَةَ عَاصِمٍ عَنْهُ.

стр. 2359

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَة] ١٣١ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ مَوْتِ نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ بِسَاوَةَ قُرْبَ الرَّيِّ. وَكَانَ سَبَبُ مَسِيرِهِ إِلَيْهَا أَنَّ نَصْرًا سَارَ بَعْدَ قَتْلِ نَبَاتَةَ إِلَى خُوَارِ الرَّيِّ، وَأَمِيرُهَا أَبُو بَكْرٍ الْعَقِيلِيُّ، وَوَجَّهَ قَحْطَبَةُ ابْنَهُ الْحَسَنَ إِلَى نَصْرٍ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ سَنَةِ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، ثُمَّ وَجَّهَ أَبَا كَامِلٍ وَأَبَا الْقَاسِمِ مُحْرِزَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ وَأَبَا الْعَبَّاسِ الْمَرْوَزِيَّ إِلَى الْحَسَنِ ابْنِهِ، فَلَمَّا كَانُوا قَرِيبًا مِنَ الْحَسَنِ انْحَازَ أَبُو كَامِلٍ وَتَرَكَ عَسْكَرَهُ، وَأَتَى نَصْرًا فَصَارَ مَعَهُ وَأَعْلَمَهُ مَكَانَ الْجُنْدِ الَّذِينَ فَارَقَهُمْ. فَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ نَصْرٌ جُنْدًا، فَهَرَبَ جُنْدُ قَحْطَبَةَ مِنْهُمْ وَخَلَّفُوا شَيْئًا مِنْ مَتَاعِهِمْ، فَأَخَذَهُ أَصْحَابُ نَصْرٍ، فَبَعَثَ نَصْرٌ إِلَى ابْنِ هُبَيْرَةَ، فَعَرَضَ لَهُ ابْنُ غُطَيْفٍ بِالرَّيِّ، فَأَخَذَ الْكِتَابَ مِنْ رَسُولِ نَصْرٍ وَالْمَتَاعَ، وَبَعَثَ بِهِ إِلَى ابْنِ هُبَيْرَةَ، فَغَضِبَ نَصْرٌ وَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَأَدَعَنَّ ابْنَ هُبَيْرَةَ، فَلَيَعْرِفَنَّ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ وَلَا ابْنُهُ. وَكَانَ ابْنُ غُطَيْفٍ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ قَدْ سَيَّرَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ إِلَى نَصْرٍ، فَأَقَامَ بِالرَّيِّ فَلَمْ يَأْتِ نَصْرًا، وَسَارَ نَصْرٌ حَتَّى نَزَلَ الرَّيَّ وَعَلَيْهَا حَبِيبُ بْنُ يَزِيدَ النَّهْشَلِيُّ، فَلَمَّا قَدِمَهَا نَصْرٌ سَارَ ابْنُ غُطَيْفٍ مِنْهَا إِلَى هَمَذَانَ، وَفِيهَا مَالِكُ بْنُ أَدْهَمَ بْنِ مُحْرِزٍ الْبَاهِلِيُّ، فَعَدَلَ ابْنُ غُطَيْفٍ عَنْهَا إِلَى أَصْبَهَانَ إِلَى عَامِرِ بْنِ ضُبَارَةَ، فَلَمَّا قَدِمَ نَصْرٌ الرَّيَّ أَقَامَ بِهَا يَوْمَيْنِ ثُمَّ مَرِضَ، وَكَانَ يُحْمَلُ حَمْلًا، فَلَمَّا بَلَغَ سَاوَةَ مَاتَ، فَلَمَّا مَاتَ بِهَا دَخَلَ أَصْحَابُهُ هَمَذَانَ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ لِمُضِيِّ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَكَانَ عُمْرُهُ خَمْسًا وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: إِنَّ نَصْرًا لَمَّا سَارَ مِنْ خُوَارِ الرَّيِّ مُتَوَجِّهًا نَحْوَ الرَّيِّ لَمْ يَدْخُلِ الرَّيَّ، وَلَكِنَّهُ سَلَكَ الْمَفَازَةَ الَّتِي بَيْنَ الرَّيِّ وَهَمَذَانَ فَمَاتَ بِهَا.

стр. 2360

ذِكْرُ دُخُولِ قَحْطَبَةَ الرَّيَّ وَلَمَّا مَاتَ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ بَعَثَ الْحَسَنُ بْنُ قَحْطَبَةَ خُزَيْمَةَ بْنَ خَازِمٍ إِلَى سَمْنَانَ، وَأَقْبَلَ قَحْطَبَةُ مِنْ جُرْجَانَ، وَقَدَّمَ أَمَامَهُ زِيَادَ بْنَ زُرَارَةَ الْقُشَيْرِيَّ، وَكَانَ قَدْ نَدِمَ عَلَى اتِّبَاعِ أَبِي مُسْلِمٍ، فَانْخَذَلَ عَنْ قَحْطَبَةَ فَأَخَذَ طَرِيقَ أَصْبَهَانَ يُرِيدُ أَنْ يَأْتِيَ عَامِرَ بْنَ ضُبَارَةَ، فَوَجَّهَ قَحْطَبَةُ الْمُسَيَّبَ بْنَ زُهَيْرٍ الضَّبِّيَّ، فَلَحِقَهُ مِنْ غَدٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَقَاتَلَهُ، فَانْهَزَمَ زِيَادٌ وَقُتِلَ عَامَّةُ مَنْ مَعَهُ، وَرَجَعَ الْمُسَيَّبُ بْنُ زُهَيْرٍ إِلَى قَحْطَبَةَ. ثُمَّ سَارَ قَحْطَبَةُ إِلَى قُومِسَ، وَبِهَا ابْنُهُ الْحَسَنُ، وَقَدِمَ خُزَيْمَةُ بْنُ خَازِمٍ سَمْنَانَ، فَقَدَّمَ قَحْطَبَةُ ابْنَهُ الْحَسَنَ إِلَى الرَّيِّ. وَبَلَغَ حَبِيبَ بْنَ بُدَيْلٍ النَّهْشَلِيَّ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ مَسِيرُ الْحَسَنِ، فَخَرَجُوا عَنِ الرَّيِّ، وَدَخَلَ الْحَسَنُ فِي صَفَرٍ فَأَقَامَ حَتَّى قَدِمَ أَبُوهُ، وَلَمَّا قَدِمَ قَحْطَبَةُ الرَّيَّ كَتَبَ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ يُعْلِمُهُ بِذَلِكَ. وَلَمَّا اسْتَقَرَّ أَمْرُ بَنِي الْعَبَّاسِ بِالرَّيِّ هَرَبَ أَكْثَرُ أَهْلِهَا لِمَيْلِهِمْ إِلَى بَنِي أُمَيَّةَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا سُفْيَانِيَّةً، فَأَمَرَ أَبُو مُسْلِمٍ بِأَخْذِ أَمْلَاكِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَلَمَّا عَادُوا مِنَ الْحَجِّ أَقَامُوا بِالْكُوفَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، ثُمَّ كَتَبُوا إِلَى السَّفَّاحِ يَتَظَلَّمُونَ مِنْ أَبِي مُسْلِمٍ، فَأَمَرَ بِرَدِّ أَمْلَاكِهِمْ فَأَعَادَ أَبُو مُسْلِمٍ الْجَوَابَ يُعَرِّفُ حَالَهُمْ وَأَنَّهُمْ أَشَدُّ الْأَعْدَاءِ، فَلَمْ يَسْمَعْ قَوْلَهُ وَعَزَمَ عَلَى أَبِي مُسْلِمٍ بِرَدِّ أَمْلَاكِهِمْ، فَفَعَلَ. وَلَمَّا دَخَلَ قَحْطَبَةُ الرَّيَّ وَأَقَامَ بِهَا أَخَذَ أَمْرَهُ بِالْحَزْمِ وَالِاحْتِيَاطِ وَالْحِفْظِ وَضَبْطِ الطُّرُقِ، وَكَانَ لَا يَسْلُكُهَا أَحَدٌ إِلَّا بِجَوَازٍ مِنْهُ، فَأَقَامَ بِالرَّيِّ وَبَلَغَهُ أَنَّ بِدَسْتَبَى قَوْمًا مِنَ الْخَوَارِجِ وَصَعَالِيكَ تَجَمَّعُوا بِهَا، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ أَبَا عَوْنٍ فِي عَسْكَرٍ كَثِيفٍ، فَنَازَلَهُمْ وَدَعَاهُمْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ وَإِلَى الرِّضَاءِ مِنْ آلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يُجِيبُوهُ، فَقَاتَلَهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا حَتَّى ظَفِرَ بِهِمْ، فَتَحَصَّنَ عِدَّةٌ مِنْهُمْ حَتَّى آمَنَهُمْ أَبُو عَوْنٍ، فَخَرَجُوا إِلَيْهِ، وَأَقَامَ مَعَهُ بَعْضُهُمْ وَتَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ. وَكَتَبَ أَبُو مُسْلِمٍ إِلَى أَصْبَهْبَذْ طَبَرِسْتَانَ يَدْعُوهُ إِلَى الطَّاعَةِ وَأَدَاءِ الْخَرَاجِ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَكَتَبَ إِلَى الْمَصْمَغَانِ صَاحِبِ دُنْبَاوَنْدَ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَأَجَابَهُ: إِنَّمَا أَنْتَ خَارِجِيٌّ وَإِنَّ أَمْرَكَ سَيَنْقَضِي. فَغَضِبَ أَبُو مُسْلِمٍ وَكَتَبَ إِلَى مُوسَى بْنِ كَعْبٍ، وَهُوَ بِالرَّيِّ، يَأْمُرُهُ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِ وَقِتَالِهِ إِلَى أَنْ يُذْعِنَ بِالطَّاعَةِ، فَسَارَ إِلَيْهِ وَرَاسَلَهُ، فَامْتَنَعَ مِنَ الطَّاعَةِ وَأَدَاءِ الْخَرَاجِ، فَأَقَامَ مُوسَى

стр. 2361

وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الْمَصْمَغَانِ لِضِيقِ بِلَادِهِ، وَكَانَ الْمَصْمَغَانُ يُرْسِلُ إِلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ عِدَّةً كَثِيرَةً مِنَ الدَّيْلَمِ يُقَاتِلُهُ فِي عَسْكَرِهِ، وَأَخَذَ عَلَيْهِ الطُّرُقَ، وَمَنَعَ الْمِيرَةَ، وَكَثُرَتْ فِي أَصْحَابِ مُوسَى الْجِرَاحُ وَالْقَتْلُ. فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ لَا يَبْلُغُ غَرَضًا عَادَ إِلَى الرَّيِّ، وَلَمْ يَزَلِ الْمَصْمَغَانُ مُمْتَنِعًا إِلَى أَيَّامِ الْمَنْصُورِ، فَأَغْزَاهُ جَيْشًا كَثِيفًا عَلَيْهِمْ حَمَّادُ بْنُ عَمْرٍو، فَفَتَحَ دُنْبَاوَنْدَ عَلَى يَدِهِ. وَلَمَّا وَرَدَ كِتَابُ قَحْطَبَةَ عَلَى أَبِي مُسْلِمٍ بِنُزُولِهِ الرَّيَّ ارْتَحَلَ أَبُو مُسْلِمٍ، فِيمَا ذُكِرَ، عَنْ مَرْوَ فَنَزَلَ نَيْسَابُورَ. وَأَمَّا قَحْطَبَةُ فَإِنَّهُ سَيَّرَ ابْنَهُ الْحَسَنَ بَعْدَ نُزُولِهِ الرَّيَّ بِثَلَاثِ لَيَالٍ إِلَى هَمَذَانَ، فَلَمَّا تَوَجَّهَ إِلَيْهَا سَارَ عَنْهَا مَالِكُ بْنُ أَدْهَمَ وَمَنْ كَانَ بِهَا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَأَهْلِ خُرَاسَانَ إِلَى نَهَاوَنْدَ فَأَقَامَ بِهَا، وَفَارَقَهُ نَاسٌ كَثِيرٌ، وَدَخَلَ الْحَسَنُ هَمَذَانَ وَسَارَ مِنْهَا إِلَى نَهَاوَنْدَ فَنَزَلَ عَلَى أَرْبَعَةِ فَرَاسِخَ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَأَمَدَّهُ قَحْطَبَةُ بِأَبِي الْجَهْمِ بْنِ عَطِيَّةَ مَوْلَى بَاهِلَةَ فِي سَبْعِمِائَةٍ، وَأَطَالَ حَتَّى أَطَافَ بِالْمَدِينَةِ وَحَصَرَهُمْ. ذِكْرُ قَتْلِ عَامِرِ بْنِ ضُبَارَةَ وَدُخُولِ قَحْطَبَةَ أَصْبَهَانَ وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ لَمَّا هَزَمَهُ ابْنُ ضُبَارَةَ مَضَى هَارِبًا نَحْوَ خُرَاسَانَ، وَسَلَكَ إِلَيْهَا طَرِيقَ كَرْمَانَ وَسَارَ عَامِرٌ فِي أَثَرِهِ. وَبَلَغَ ابْنَ هُبَيْرَةَ مَقْتَلُ نَبَاتَةَ بْنِ حَنْظَلَةَ بِجُرْجَانَ، فَلَمَّا بَلَغَهُ خَبَرُهُ كَتَبَ إِلَى ابْنِ ضُبَارَةَ وَإِلَى ابْنِهِ دَاوُدَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عُمَرَ بْنِ هُبَيْرَةَ أَنْ يَسِيرَا إِلَى قَحْطَبَةَ، وَكَانَا بِكَرْمَانَ، فَسَارَا فِي خَمْسِينَ أَلْفًا، فَنَزَلُوا بِأَصْبَهَانَ، وَكَانَ يُقَالُ لِعَسْكَرِ ابْنِ ضُبَارَةَ عَسْكَرُ الْعَسَاكِرِ. فَبَعَثَ قَحْطَبَةُ إِلَيْهِمْ جَمَاعَةً مِنَ الْقُوَّادِ، وَعَلَيْهِمْ جَمِيعًا مُقَاتِلُ بْنُ حَكِيمٍ الْعَكِّيُّ، فَسَارُوا حَتَّى نَزَلُوا قُمَّ. وَبَلَغَ ابْنَ ضُبَارَةَ نُزُولُ الْحَسَنِ بْنِ قَحْطَبَةَ بِنَهَاوَنْدَ فَسَارَ لِيُعِينَ مَنْ بِهَا مِنْ أَصْحَابِ مَرْوَانَ، فَأَرْسَلَ الْعَكِّيُّ مِنْ قُمَّ إِلَى قَحْطَبَةَ يُعْلِمُهُ بِذَلِكَ، فَأَقْبَلَ قَحْطَبَةُ مِنَ الرَّيِّ حَتَّى لَحِقَ مُقَاتِلَ بْنَ حَكِيمٍ الْعَكِّيَّ، ثُمَّ سَارَ فَالْتَقَوْا هُمْ وَابْنُ ضُبَارَةَ وَدَاوُدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ هُبَيْرَةَ، وَكَانَ عَسْكَرُ قَحْطَبَةَ عِشْرِينَ أَلْفًا، فِيهِمْ خَالِدُ بْنُ بَرْمَكَ! وَكَانَ عَسْكَرُ ابْنُ ضُبَارَةَ مِائَةَ أَلْفٍ، وَقِيلَ: خَمْسِينَ وَمِائَةَ أَلْفٍ، فَأَمَرَ قَحْطَبَةُ بِمُصْحَفٍ فَنُصِبَ عَلَى رُمْحٍ، وَنَادَى: يَا أَهْلَ الشَّامِ! إِنَّا نَدْعُوكُمْ إِلَى مَا فِي هَذَا الْمُصْحَفِ! فَشَتَمُوهُ وَأَفْحَشُوهُ فِي الْقَوْلِ.

стр. 2362

فَأَرْسَلَ قَحْطَبَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ يَأْمُرُهُمْ بِالْحَمْلَةِ، فَحَمَلَ عَلَيْهِمُ الْعَكِّيُّ، وَتَهَايَجَ النَّاسُ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ كَثِيرُ قِتَالٍ، حَتَّى انْهَزَمَ أَهْلُ الشَّامِ وَقُتِلُوا قَتْلًا ذَرِيعًا، وَانْهَزَمَ ابْنُ ضُبَارَةَ حَتَّى دَخَلَ عَسْكَرَهُ وَتَبِعَهُ قَحْطَبَةُ، فَنَزَلَ ابْنُ ضُبَارَةَ وَنَادَى: إِلَيَّ إِلَيَّ! فَانْهَزَمَ النَّاسُ عَنْهُ وَانْهَزَمَ دَاوُدُ بْنُ هُبَيْرَةَ، فَسَأَلَ عَنِ ابْنِ ضُبَارَةَ فَقِيلَ: انْهَزَمَ. فَقَالَ: لَعَنَ اللَّهُ شَرَّنَا مُنْقَلَبًا! وَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ. وَأَصَابُوا عَسْكَرَهُ، وَأَخَذُوا مِنْهُ مَا لَا يُعْلَمُ قَدْرُهُ مِنَ السِّلَاحِ وَالْمَتَاعِ وَالرَّقِيقِ وَالْخَيْلِ، وَمَا رُئِيَ عَسْكَرٌ قَطُّ كَانَ فِيهِ مِنْ أَصْنَافِ الْأَشْيَاءِ مَا فِي هَذَا الْعَسْكَرِ كَأَنَّهُ مَدِينَةٌ. وَكَانَ فِيهِ مِنَ الْبَرَابِطِ وَالطَّنَابِيرِ وَالْمَزَامِيرِ وَالْخَمْرِ مَا لَا يُحْصَى. وَأَرْسَلَ قَحْطَبَةُ بِالظَّفَرِ إِلَى ابْنِهِ الْحَسَنِ وَهُوَ بِنَهَاوَنْدَ، وَكَانَتِ الْوَقْعَةُ بِنَوَاحِي أَصْبَهَانَ فِي رَجَبٍ. ذِكْرُ مُحَارَبَةِ قَحْطَبَةَ أَهْلَ نَهَاوَنْدَ وَدُخُولِهَا وَلَمَّا قُتِلَ ابْنُ ضُبَارَةَ كَتَبَ قَحْطَبَةُ بِذَلِكَ إِلَى ابْنِهِ الْحَسَنِ وَهُوَ يُحَاصِرُ نَهَاوَنْدَ، فَلَمَّا أَتَاهُ الْكِتَابُ كَبَّرَ هُوَ وَجُنْدُهُ وَنَادَوْا بِقَتْلِهِ، فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عُمَيْرٍ السَّعْدِيُّ: مَا نَادَى هَؤُلَاءِ بِقَتْلِهِ إِلَّا وَهُوَ حَقٌّ! فَاخْرُجُوا إِلَى الْحَسَنِ بْنِ قَحْطَبَةَ فَإِنَّكُمْ لَا تَقُومُونَ لَهُ فَتَذْهَبُونَ حَيْثُ شِئْتُمْ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُ أَبُوهُ أَوْ مَدَدٌ مِنْ عِنْدِهِ. فَقَالَتِ الرَّجَّالَةُ: تَخْرُجُونَ وَأَنْتُمْ فُرْسَانٌ عَلَى خُيُولٍ وَتَتْرُكُونَنَا؟ وَقَالَ لَهُ مَالِكُ بْنُ أَدْهَمَ الْبَاهِلِيُّ: لَا أَبْرَحُ حَتَّى يَقْدَمَ عَلِيَّ قَحْطَبَةُ. وَأَقَامَ قَحْطَبَةُ عَلَى أَصْبَهَانَ عِشْرِينَ يَوْمًا، ثُمَّ سَارَ فَقَدِمَ عَلَى ابْنِهِ بِنَهَاوَنْدَ فَحَصَرَهُمْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ: شَعْبَانُ وَرَمَضَانُ وَشَوَّالٌ، وَوَضَعَ عَلَيْهِمُ الْمَجَانِيقَ، وَأَرْسَلَ إِلَى مَنْ بِنَهَاوَنْدَ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ يَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ وَأَعْطَاهُمُ الْأَمَانَ، فَأَبَوْا ذَلِكَ. ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أَهْلِ الشَّامِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَأَجَابُوهُ وَقَبِلُوا أَمَانَهُ، وَبَعَثُوا إِلَيْهِ يَسْأَلُونَهُ أَنْ يَشْغَلَ عَنْهُمْ أَهْلَ الْمَدِينَةِ بِالْقِتَالِ لِيَفْتَحُوا لَهُ الْبَابَ الَّذِي يَلِيهِمْ، فَفَعَلَ ذَلِكَ قَحْطَبَةُ وَقَاتَلَهُمْ، فَفَتَحَ أَهْلُ الشَّامِ الْبَابَ، فَخَرَجُوا، فَلَمَّا رَأَى أَهْلُ خُرَاسَانَ ذَلِكَ سَأَلُوهُمْ عَنْ خُرُوجِهِمْ، فَقَالُوا: أَخَذْنَا الْأَمَانَ لَنَا وَلَكُمْ. فَخَرَجَ رُؤَسَاءُ أَهْلِ خُرَاسَانَ، فَدَفَعَ قَحْطَبَةُ

стр. 2363

كُلَّ رَجُلٍ مِنْهُمْ إِلَى قَائِدٍ مِنْ قُوَّادِهِ، ثُمَّ أَمَرَ فَنُودِيَ: مَنْ كَانَ بِيَدِهِ أَسِيرٌ مِمَّنْ خَرَجَ إِلَيْنَا فَلْيَضْرِبْ عُنُقَهُ وَلْيَأْتِنَا بِرَأْسِهِ! فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِمَّنْ كَانَ قَدْ هَرَبَ مِنْ أَبِي مُسْلِمٍ إِلَّا قُتِلَ إِلَّا أَهْلَ الشَّامِ، فَإِنَّهُ وَفَّى لَهُمْ وَخَلَّى سَبِيلَهُمْ وَأَخَذَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يُمَالِئُوا عَلَيْهِ عَدُوًّا، وَلَمْ يَقْتُلْ مِنْهُمْ أَحَدًا. وَكَانَ مِمَّنْ قُتِلَ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ: أَبُو كَامِلٍ، وَحَاتِمُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ سُرَيْجٍ، وَابْنُ نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ، وَعَاصِمُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَعَلِيُّ بْنُ عَقِيلٍ، وَبَيْهَسٌ. وَلَمَّا حَاصَرَ قَحْطَبَةُ نَهَاوَنْدَ أَرْسَلَ ابْنَهُ الْحَسَنَ إِلَى مَرْجِ الْقَلْعَةِ، فَقَدَّمَ الْحَسَنُ خَازِمَ بْنَ خُزَيْمَةَ إِلَى حُلْوَانَ وَعَلَيْهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلَاءِ الْكِنْدِيُّ، فَهَرَبَ مِنْ حُلْوَانَ وَخَلَّاهَا. ذِكْرُ فَتْحِ شَهْرَزُورَ ثُمَّ إِنَّ قَحْطَبَةَ وَجَّهَ أَبَا عَوْنٍ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ يَزِيدَ الْخُرَاسَانِيَّ وَمَالِكَ بْنَ طَرَافَةَ الْخُرَاسَانِيَّ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ إِلَى شَهْرَزُورَ وَبِهَا عُثْمَانُ بْنُ سُفْيَانَ عَلَى مُقَدِّمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ، فَنَزَلُوا عَلَى فَرْسَخَيْنِ مِنْ شَهْرَزُورَ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَقَاتَلُوا عُثْمَانَ بَعْدَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِنْ نُزُولِهِمْ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ عُثْمَانَ وَقُتِلَ، وَأَقَامَ أَبُو عَوْنٍ فِي بِلَادِ الْمَوْصِلِ. وَقِيلَ: إِنَّ عُثْمَانَ لَمْ يُقْتَلْ وَلَكِنَّهُ هَرَبَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَرْوَانَ، وَغَنِمَ أَبُو عَوْنٍ عَسْكَرَهُ وَقَتَلَ مِنْ أَصْحَابِهِ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَسَيَّرَ قَحْطَبَةُ الْعَسَاكِرَ إِلَى أَبِي عَوْنٍ فَاجْتَمَعَ مَعَهُ ثَلَاثُونَ أَلْفًا. وَلَمَّا بَلَغَ خَبَرُ أَبِي عَوْنٍ مَرْوَانَ بْنَ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ بِحَرَّانَ، سَارَ مِنْهَا وَمَعَهُ جُنُودُ أَهْلِ الشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ وَالْمَوْصِلِ، وَحَشَرَ مَعَهُ بَنُو أُمَيَّةَ أَبْنَاءَهُمْ، وَأَقْبَلَ نَحْوَ أَبِي عَوْنٍ حَتَّى نَزَلَ الزَّابَ الْأَكْبَرَ، وَأَقَامَ أَبُو عَوْنٍ بِشَهْرَزُورَ بَقِيَّةَ ذِي الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمِ مِنْ سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، وَفَرَّضَ بِهَا بِخَمْسَةِ آلَافٍ. ذِكْرُ مَسِيرِ قَحْطَبَةَ إِلَى ابْنِ هُبَيْرَةَ بِالْعِرَاقِ وَلَمَّا قَدِمَ عَلَى يَزِيدَ بْنِ عُمَرَ بْنِ هُبَيْرَةَ أَمِيرِ الْعِرَاقِ ابْنُهُ دَاوُدُ مُنْهَزِمًا مِنْ حُلْوَانَ خَرَجَ

стр. 2364

يَزِيدُ نَحْوَ قَحْطَبَةَ فِي عَدَدٍ كَثِيرٍ لَا يُحْصَى وَمَعَهُ حَوْثَرَةُ بْنُ سُهَيْلٍ الْبَاهِلِيُّ، وَكَانَ مَرْوَانُ أَمَدَّ بِهِ ابْنَ هُبَيْرَةَ، وَسَارَ ابْنُ هُبَيْرَةَ حَتَّى نَزَلَ جَلُولَاءَ الْوَقِيعَةِ وَاحْتَفَرَ الْخَنْدَقَ الَّذِي كَانَتِ الْعَجَمُ احْتَفَرَتْهُ أَيَّامَ وَقْعَةِ جَلُولَاءَ، وَأَقَامَ بِهِ، وَأَقْبَلَ قَحْطَبَةُ حَتَّى نَزَلَ قَرْمَاسِينَ، ثُمَّ سَارَ إِلَى حُلْوَانَ، ثُمَّ إِلَى خَانِقِينَ، وَأَتَى عُكْبَرَاءَ وَعَبَرَ دِجْلَةَ وَمَضَى حَتَّى نَزَلَ دِمِمَّا دُونَ الْأَنْبَارِ، وَارْتَحَلَ ابْنُ هُبَيْرَةَ بِمَنْ مَعَهُ مُنْصَرِفًا مُبَادِرًا إِلَى الْكُوفَةِ لِقَحْطَبَةَ، وَقَدِمَ حَوْثَرَةُ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا إِلَى الْكُوفَةِ. وَقِيلَ: إِنَّ حَوْثَرَةَ لَمْ يُفَارِقِ ابْنَ هُبَيْرَةَ. وَأَرْسَلَ قَحْطَبَةُ طَائِفَةً مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى الْأَنْبَارِ وَغَيْرِهَا، وَأَمَرَهُمْ بِإِحْدَارِ مَا فِيهَا مِنَ السُّفُنِ إِلَى دِمِمَّا لِيَعْبُرُوا الْفُرَاتَ، فَحَمَلُوا إِلَيْهِ كُلَّ سَفِينَةٍ هُنَاكَ، فَقَطَعَ قَحْطَبَةُ الْفُرَاتَ مِنْ دِمِمَّا حَتَّى صَارَ فِي غَرْبِيِّهِ، ثُمَّ سَارَ يُرِيدُ الْكُوفَةَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي فِيهِ ابْنُ هُبَيْرَةَ، وَخَرَجَتِ السَّنَةُ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَحَجَّ بِالنَّاسِ الْوَلِيدُ بْنُ عُرْوَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَطِيَّةَ السَّعْدِيُّ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مُحَمَّدٍ الَّذِي قَتَلَ أَبَا حَمْزَةَ، وَكَانَ هُوَ عَلَى الْحِجَازِ. وَلَمَّا بَلَغَ الْوَلِيدَ قَتْلُ عَمِّهِ عَبْدِ الْمَلِكِ مَضَى إِلَى الَّذِينَ قَتَلُوهُ فَقَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَبَقَرَ بُطُونَ نِسَائِهِمْ، وَقَتَلَ الصِّبْيَانَ، وَحَرَّقَ بِالنَّارِ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ. وَكَانَ عَلَى الْعِرَاقِ يَزِيدُ [بْنُ عُمَرَ] بْنِ هُبَيْرَةَ، وَعَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ: الْحَجَّاجُ بْنُ عَاصِمٍ الْمُحَارِبِيُّ، وَعَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ: عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ النَّاجِيُّ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ مَنْصُورُ بْنُ الْمُعَدَّرِ السُّلَمِيُّ أَبُو عَتَّابٍ الْكُوفِيُّ.

стр. 2365

وَفِيهَا قَتَلَ أَبُو مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيُّ جَبَلَةَ بْنَ أَبِي رَوَادٍ الْعَتَكِيَّ مَوْلَاهُمْ أَخَا عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ دَاوُدَ وَيُكَنَّى أَبَا مَرْوَانَ.

стр. 2366

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ] ١٣٢ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ هَلَاكِ قَحْطَبَةَ وَهَزِيمَةِ ابْنِ هُبَيْرَةَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ هَلَكَ قَحْطَبَةُ بْنُ شَبِيبٍ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ قَحْطَبَةَ لَمَّا عَبَرَ الْفُرَاتَ وَصَارَ فِي غَرْبِيِّهِ، وَذَلِكَ فِي الْمُحَرَّمِ لِثَمَانٍ مَضَيْنَ مِنْهُ، وَكَانَ ابْنُ هُبَيْرَةَ قَدْ عَسْكَرَ عَلَى فَمِ الْفُرَاتِ مِنْ أَرْضِ الْفَلُّوجَةِ الْعُلْيَا عَلَى رَأْسِ ثَلَاثَةٍ وَعِشْرِينَ فَرْسَخًا مِنَ الْكُوفَةِ، وَقَدِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ فُلُّ بْنُ ضُبَارَةَ، فَأَمَدَّهُ مَرْوَانُ بِحَوْثَرَةَ الْبَاهِلِيِّ، فَقَالَ حَوْثَرَةُ وَغَيْرُهُ لِابْنِ هُبَيْرَةَ: إِنَّ قَحْطَبَةَ قَدْ مَضَى يُرِيدُ الْكُوفَةَ، فَاقْصِدْ أَنْتَ خُرَاسَانَ وَدَعْهُ وَمَرْوَانَ فَإِنَّكَ تَكْسِرُهُ وَبِالْحَرِيِّ أَنْ يَتْبَعَكَ، قَالَ: مَا كَانَ لِيَتْبَعَنِي وَيَدَعَ الْكُوفَةَ، وَلَكِنَّ الرَّأْيَ أَنْ أُبَادِرَهُ إِلَى الْكُوفَةِ، فَعَبَرَ دِجْلَةَ مِنَ الْمَدَائِنِ يُرِيدُ الْكُوفَةَ، فَاسْتَعْمَلَ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ حَوْثَرَةَ وَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْكُوفَةِ، وَالْفَرِيقَانِ يَسِيرَانِ عَلَى جَانِبَيِ الْفُرَاتِ. وَقَالَ قَحْطَبَةُ: إِنَّ الْإِمَامَ أَخْبَرَنِي أَنَّ [لِي] فِي هَذَا الْمَكَانِ وَقْعَةً يَكُونُ النَّصْرُ [فِيهَا] لَنَا. وَنَزَلَ قَحْطَبَةُ الْجِبَارِيَةَ، وَقَدْ دَلُّوهُ عَلَى مَخَاضَةٍ، فَعَبَرَ مِنْهَا وَقَاتَلَ حَوْثَرَةَ وَمُحَمَّدَ بْنَ نَبَاتَةَ، فَانْهَزَمَ أَهْلُ الشَّامِ وَفَقَدُوا قَحْطَبَةَ، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: مَنْ كَانَ عِنْدَهُ عَهْدٌ مِنْ قَحْطَبَةَ فَلْيُخْبِرْنَا بِهِ. فَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ مَالِكٍ الْعَتَكِيُّ: سَمِعْتُ قَحْطَبَةَ يَقُولُ: إِنْ حَدَثَ بِي حَدَثٌ فَالْحَسَنُ ابْنِي أَمِيرُ النَّاسِ. فَبَايَعَ النَّاسُ حُمَيْدَ بْنَ قَحْطَبَةَ لِأَخِيهِ الْحَسَنِ، وَكَانَ قَدْ سَيَّرَهُ أَبُوهُ فِي سَرِيَّةٍ، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ فَأَحْضَرُوهُ، وَسَلَّمُوا إِلَيْهِ الْأَمْرَ. وَلَمَّا فَقَدُوا قَحْطَبَةَ بَحَثُوا عَنْهُ فَوَجَدُوهُ فِي جَدْوَلٍ وَحَرْبَ بْنَ سَالِمِ بْنِ أَحْوَزَ قَتِيلَيْنِ، فَظَنُّوا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَتَلَ صَاحِبَهُ.

стр. 2367

وَقِيلَ: إِنَّ مَعْنَ بْنَ زَائِدَةَ ضَرَبَ قَحْطَبَةَ لَمَّا عَبَرَ الْفُرَاتَ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ فَسَقَطَ فِي الْمَاءِ فَأَخْرَجُوهُ، فَقَالَ: شُدُّوا يَدَيَّ إِذَا مِتُّ وَأَلْقُونِي فِي الْمَاءِ لِئَلَّا يَعْلَمَ النَّاسُ بِقَتْلِي. وَقَاتَلَ أَهْلُ خُرَاسَانَ فَانْهَزَمَ مُحَمَّدُ بْنُ نَبَاتَةَ وَأَهْلُ الشَّامِ، وَمَاتَ قَحْطَبَةُ، وَقَالَ قَبْلَ مَوْتِهِ: إِذَا قَدِمْتُمُ الْكُوفَةَ فَوَزِيرُ آلِ مُحَمَّدٍ أَبُو سَلَمَةَ الْخَلَّالُ فَسَلِّمُوا هَذَا الْأَمْرَ إِلَيْهِ. وَقِيلَ: بَلْ غَرِقَ قَحْطَبَةُ. وَلَمَّا انْهَزَمَ ابْنُ نَبَاتَةَ وَحَوْثَرَةُ لَحِقُوا بِابْنِ هُبَيْرَةَ، فَانْهَزَمَ ابْنُ هُبَيْرَةَ بِهَزِيمَتِهِمْ، وَلَحِقُوا بِوَاسِطَ وَتَرَكُوا عَسْكَرَهُمْ وَمَا فِيهِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالسِّلَاحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَلَمَّا قَامَ الْحَسَنُ بْنُ قَحْطَبَةَ بِالْأَمْرِ أَمَرَ بِإِحْصَاءِ مَا فِي الْعَسْكَرِ. وَقِيلَ: إِنَّ حَوْثَرَةَ كَانَ بِالْكُوفَةِ فَبَلَغَهُ هَزِيمَةُ ابْنِ هُبَيْرَةَ فَسَارَ إِلَيْهِ فِيمَنْ مَعَهُ. ذِكْرُ خُرُوجِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ بِالْكُوفَةِ مُسَوِّدًا وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ بِالْكُوفَةِ وَسَوَّدَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَهَا الْحَسَنُ بْنُ قَحْطَبَةَ وَأَخْرَجَ عَنْهَا عَامَلَ ابْنِ هُبَيْرَةَ ثُمَّ دَخَلَهَا الْحَسَنُ. وَكَانَ مِنْ خَبَرِهِ أَنَّ مُحَمَّدًا خَرَجَ بِالْكُوفَةِ لَيْلَةَ عَاشُورَاءَ مُسَوِّدًا وَعَلَى الْكُوفَةِ زِيَادُ بْنُ صَالِحٍ الْحَارِثِيُّ، وَعَلَى شُرَطِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بَشِيرٍ الْعِجْلِيُّ، وَسَارَ مُحَمَّدٌ إِلَى الْقَصْرِ، فَارْتَحَلَ زِيَادٌ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، وَدَخَلَ مُحَمَّدٌ الْقَصْرَ، وَسَمِعَ حَوْثَرَةُ الْخَبَرَ فَسَارَ نَحْوَ الْكُوفَةِ، فَتَفَرَّقَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَامَّةُ مَنْ مَعَهُ لَمَّا بَلَغَهُمُ الْخَبَرُ، وَبَقِيَ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَمِنَ الْيَمَانِيِّينَ، مَنْ كَانَ هَرَبَ مِنْ مَرْوَانَ، وَكَانَ مَعَهُ مَوَالِيهِ، وَأَرْسَلَ أَبُو سَلَمَةَ الْخَلَّالُ، وَلَمْ يَظْهَرْ بَعْدُ، إِلَى مُحَمَّدٍ يَأْمُرُهُ بِالْخُرُوجِ مِنَ الْقَصْرِ تَخَوُّفًا عَلَيْهِ مِنْ حَوْثَرَةَ وَمَنْ مَعَهُ، وَلَمْ يَبْلُغْ أَحَدًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ هَلَاكُ قَحْطَبَةَ، فَأَبَى مُحَمَّدٌ أَنْ يَخْرُجَ، وَبَلَغَ حَوْثَرَةَ تَفَرُّقُ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ عَنْهُ فَتَهَيَّأَ لِلْمَسِيرِ نَحْوَهُ. فَبَيْنَا مُحَمَّدٌ فِي الْقَصْرِ إِذْ أَتَاهُ بَعْضُ طَلَائِعِهِ فَقَالَ لَهُ: قَدْ جَاءَتْ خَيْلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ عِدَّةً مِنْ مَوَالِيهِ، فَنَادَاهُمُ الشَّامِيُّونَ: نَحْنُ بَجِيلَةُ وَفِينَا مُلَيْحُ بْنُ خَالِدٍ

стр. 2368

الْبَجَلِيُّ جِئْنَا لِنَدْخُلَ فِي طَاعَةِ الْأَمِيرِ، فَدَخَلُوا، ثُمَّ جَاءَتْ خَيْلٌ أَعْظَمُ مِنْ تِلْكَ فِيهَا جَهْمُ بْنُ الْأَصْفَحِ الْكِنَانِيُّ، ثُمَّ جَاءَتْ خَيْلٌ أَعْظَمُ مِنْهَا مَعَ رَجُلٍ مِنْ آلِ بَحْدَلٍ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ حَوْثَرَةُ مِنْ صُنْعِ أَصْحَابِهِ ارْتَحَلَ نَحْوَ وَاسِطَ. وَكَتَبَ مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ مِنْ لَيْلَتِهِ إِلَى قَحْطَبَةَ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِهَلَاكِهِ، يُعْلِمُ أَنَّهُ قَدْ ظَفِرَ بِالْكُوفَةِ. فَقَدِمَ الْقَاصِدُ عَلَى الْحَسَنِ بْنِ قَحْطَبَةَ، فَلَمَّا دَفَعَ إِلَيْهِ كِتَابَ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ قَرَأَهُ عَلَى النَّاسِ ثُمَّ ارْتَحَلَ نَحْوَ الْكُوفَةِ، فَأَقَامَ مُحَمَّدٌ بِالْكُوفَةِ يَوْمَ الْجُمْعَةِ وَيَوْمَ السَّبْتِ وَالْأَحَدِ وَصَبَّحَهُ الْحَسَنُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْحَسَنَ بْنَ قَحْطَبَةَ أَقْبَلَ نَحْوَ الْكُوفَةِ بَعْدَ هَزِيمَةِ ابْنِ هُبَيْرَةَ وَعَلَيْهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بَشِيرٍ الْعِجْلِيُّ فَهَرَبَ عَنْهَا، فَسَوَّدَ مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ وَخَرَجَ فِي أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا وَبَايَعَ النَّاسُ، وَدَخَلَهَا الْحَسَنُ مِنَ الْغَدِ، فَلَمَّا دَخَلَهَا الْحَسَنُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ أَتَوْا أَبَا سَلَمَةَ، وَهُوَ فِي بَنِي سَلَمَةَ، فَاسْتَخْرَجُوهُ، فَعَسْكَرَ بِالنُّخَيْلَةِ يَوْمَيْنِ ثُمَّ ارْتَحَلَ إِلَى حَمَّامِ أَعْيَنَ، وَوَجَّهَ الْحَسَنَ بْنَ قَحْطَبَةَ إِلَى وَاسِطَ لِقِتَالِ ابْنِ هُبَيْرَةَ، وَبَايَعَ النَّاسُ أَبَا سَلَمَةَ حَفْصَ بْنَ سُلَيْمَانَ مَوْلَى السُّبَيْعِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ وَزِيرُ آلِ مُحَمَّدٍ، وَاسْتَعْمَلَ مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ عَبْدَ اللَّهِ عَلَى الْكُوفَةِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ الْأَمِيرُ، حَتَّى ظَهَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ السَّفَّاحُ. وَوَجَّهَ حُمَيْدَ بْنَ قَحْطَبَةَ إِلَى الْمَدَائِنِ فِي قُوَّادٍ، وَبَعَثَ الْمُسَيَّبَ بْنَ زُهَيْرٍ وَخَالِدَ بْنَ بَرْمَكَ إِلَى دَيْرِ قُنَّى، وَبَعَثَ الْمُهَلَّبِيَّ وَشَرَاحِيلَ إِلَى عَيْنِ التَّمْرِ، وَبَسَّامَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ بَسَّامٍ إِلَى الْأَهْوَازِ، وَبِهَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ عُمَرَ بْنِ هُبَيْرَةَ. فَلَمَّا أَتَى بَسَّامٌ الْأَهْوَازَ خَرَجَ عَنْهَا عَبْدُ الْوَاحِدِ إِلَى الْبَصْرَةِ بَعْدَ أَنْ قَاتَلَهُ وَهَزَمَهُ بَسَّامٌ، وَبَعَثَ إِلَى الْبَصْرَةِ سُفْيَانَ بْنَ مُعَاوِيَةَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ عَامِلًا عَلَيْهَا، فَقَدِمَهَا وَكَانَ عَلَيْهَا سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ الْبَاهِلِيُّ عَامِلًا لِابْنِ هُبَيْرَةَ، وَقَدْ لَحِقَ بِهِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ هُبَيْرَةَ، كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. فَأَرْسَلَ سُفْيَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ إِلَى سَلْمٍ يَأْمُرُهُ بِالتَّحَوُّلِ مِنْ دَارِ الْإِمَارَةِ، وَيُعْلِمُهُ مَا أَتَاهُ مِنْ رَأْيِ أَبِي سَلَمَةَ، وَامْتَنَعَ وَجَمَعَ مَعَهُ قَيْسًا وَمُضَرَ وَمَنْ بِالْبَصْرَةِ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ، وَجَمَعَ سُفْيَانُ جَمِيعَ الْيَمَانِيَّةِ وَحُلَفَاءَهُمْ مِنْ رَبِيعَةَ وَغَيْرِهِمْ، وَأَتَاهُمْ قَائِدٌ مِنْ قُوَّادِ ابْنِ هُبَيْرَةَ كَانَ بَعَثَهُ مَدَدًا لِسَلْمٍ فِي أَلْفَيْ رَجُلٍ مِنْ كَلْبٍ، فَأَتَى سَلْمٌ سُوقَ الْإِبِلِ وَوَجَّهَ الْخُيُولَ فِي سِكَكِ الْبَصْرَةِ وَنَادَى: مَنْ جَاءَ بِرَأْسٍ فَلَهُ خَمْسُمِائَةٍ، وَمَنْ جَاءَ بِأَسِيرٍ فَلَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ. وَمَضَى مُعَاوِيَةُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فِي رَبِيعَةَ وَخَاصَّتِهِ، فَلَقِيَهُ خَيْلُ تَمِيمٍ، فَقُتِلَ

стр. 2369

مُعَاوِيَةُ وَأُتِيَ بِرَأْسِهِ إِلَى سَلْمٍ، فَأَعْطَى قَاتِلَهُ عَشَرَةَ آلَافٍ، وَانْكَسَرَ سُفْيَانُ بِقَتْلِ ابْنِهِ فَانْهَزَمَ، وَقَدِمَ عَلَى سَلْمٍ بَعْدَ ذَلِكَ أَرْبَعَةُ آلَافٍ مِنْ عِنْدِ مَرْوَانَ، فَأَرَادُوا نَهْبَ مَنْ بَقِيَ مِنَ الْأَزْدِ، فَقَاتَلَهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا، وَكَثُرَتِ الْقَتْلَى بَيْنَهُمْ، وَانْهَزَمَتِ الْأَزْدُ، وَنُهِبَتْ دُورُهُمْ، وَسُبِيَتْ نِسَاؤُهُمْ، وَهَدَمُوا الْبُيُوتَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَلَمْ يَزَلْ سَلْمٌ بِالْبَصْرَةِ حَتَّى أَتَاهُ قَتْلُ ابْنِ هُبَيْرَةَ، فَشَخَصَ عَنْهَا، وَاجْتَمَعَ مَنْ بِالْبَصْرَةِ مِنْ وَلَدِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ فَوَلَّوْهُ أَمْرَهُمْ، فَوَلِيَهُمْ أَيَّامًا يَسِيرَةً حَتَّى قَدِمَ الْبَصْرَةَ أَبُو مَالِكٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُسَيْدٍ الْخُزَاعِيُّ مِنْ قِبَلِ أَبِي مُسْلِمٍ. فَلَمَّا قَدِمَ أَبُو الْعَبَّاسِ وَلَّاهَا سُفْيَانَ بْنَ مُعَاوِيَةَ. وَكَانَ حَرْبُ سُفْيَانَ وَسَلْمٍ بِالْبَصْرَةِ فِي صَفَرٍ. وَفِيهَا عَزَلَ مَرْوَانُ عَنِ الْمَدِينَةِ الْوَلِيدَ بْنَ عُرْوَةَ وَاسْتَعْمَلَ أَخَاهُ يُوسُفَ بْنَ عُرْوَةَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ.

стр. 2370

ذِكْرُ ابْتِدَاءِ الدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ وَبَيْعَةِ أَبِي الْعَبَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بُويِعَ أَبُو الْعَبَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ بِالْخِلَافَةِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَقِيلَ: فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْهُ، وَقِيلَ: فِي جُمَادَى الْأُولَى. وَكَانَ بَدْءُ ذَلِكَ وَأَوَّلُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمَ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنَّ الْخِلَافَةَ تَؤُولُ إِلَى وَلَدِهِ، فَلَمْ يَزَلْ وَلَدُهُ يَتَوَقَّعُونَ ذَلِكَ، وَيَتَحَدَّثُونَ بِهِ بَيْنَهُمْ. ثُمَّ إِنَّ أَبَا هَاشِمِ ابْنَالْحَنَفِيَّةِ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ فَلَقِيَ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَهُ: [يَا ابْنَ عَمِّ، إِنَّ عِنْدِي عِلْمًا أَنْبِذُهُ إِلَيْكَ، فَلَا تُطْلِعَنَّ عَلَيْهِ أَحَدًا] ، إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ الَّذِي يَرْتَجِيهِ النَّاسُ فِيكُمْ. [قَالَ: قَدْ عَلِمْتُ] ، فَلَا يَسْمَعَنَّهُ مِنْكُمْ أَحَدٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي خَبَرِ ابْنِ الْأَشْعَثِ قَوْلُ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ: أَمَّا إِذْ كَانَ الْفَتْقُ مِنْ سِجِسْتَانَ، فَلَيْسَ عَلَيْكَ مِنْهُ بَأْسٌ، إِنَّمَا كُنَّا نَتَخَوَّفُ لَوْ كَانَ مِنْ خُرَاسَانَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: لَنَا ثَلَاثَةُ أَوْقَاتٍ: مَوْتُ الطَّاغِيَةِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَرَأْسُ الْمِائَةِ، وَفَتْقُ إِفْرِيقِيَّةَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَدْعُو لَنَا دُعَاةٌ، ثُمَّ تُقْبِلُ أَنْصَارُنَا مِنَ الْمَشْرِقِ حَتَّى تَرِدَ خَيْلُهُمُ [الْمَغْرِبَ] وَيَسْتَخْرِجُوا مَا كَنَزَ الْجَبَّارُونَ. فَلَمَّا قُتِلَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ بِإِفْرِيقِيَّةَ، وَنَقَضَتِ الْبَرْبَرُ، بَعَثَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى خُرَاسَانَ دَاعِيًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ إِلَى الرِّضَا، وَلَا يُسَمِّيَ أَحَدًا.

стр. 2371

وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ خَبَرَ الدُّعَاةِ، وَخَبَرَ أَبِي مُسْلِمٍ، وَقَبْضَ مَرْوَانَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَكَانَ مَرْوَانُ لَمَّا أَرْسَلَ الْمَقْبُوضَ عَلَيْهِ وَصَفَ لِلرَّسُولِ صِفَةَ أَبِي الْعَبَّاسِ، لِأَنَّهُ كَانَ يَجِدُ فِي الْكُتُبِ: إِنَّ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ يَقْتُلُهُمْ وَيَسْلُبُهُمْ مُلْكَهُمْ! وَقَالَ لَهُ لِيَأْتِيَهُ بِإِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ. فَقَدِمَ الرَّسُولُ فَأَخَذَ أَبَا الْعَبَّاسِ بِالصِّفَةِ، فَلَمَّا ظَهَرَ إِبْرَاهِيمُ وَأَمِنَ، قِيلَ لِلرَّسُولِ: إِنَّمَا أُمِرْتَ بِإِبْرَاهِيمَ وَهَذَا عَبْدُ اللَّهِ. فَتَرَكَ أَبَا الْعَبَّاسِ، وَأَخَذَ إِبْرَاهِيمَ فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى مَرْوَانَ، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: لَيْسَ هَذِهِ الصِّفَةُ الَّتِي وَصَفْتُ لَكَ. فَقَالُوا: قَدْ رَأَيْنَا الصِّفَةَ الَّتِي وَصَفْتَ، وَإِنَّمَا سَمَّيْتَ إِبْرَاهِيمَ فَهَذَا إِبْرَاهِيمُ. فَأَمَرَ بِهِ فَحُبِسَ، وَأَعَادَ الرُّسُلَ فِي طَلَبِ أَبِي الْعَبَّاسِ فَلَمْ يَرَوْهُ. وَكَانَ سَبَبُ مَسِيرِهِ مِنَ الْحُمَيْمَةِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا أَخَذَهُ الرَّسُولُ نَعَى نَفْسَهُ إِلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَأَمَرَهُمْ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْكُوفَةِ مَعَ أَخِيهِ أَبِي الْعَبَّاسِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَبِالسَّمْعِ لَهُ وَبِالطَّاعَةِ، وَأَوْصَى إِلَى أَبِي الْعَبَّاسِ. (وَجَعَلَهُ الْخَلِيفَةَ بَعْدَهُ، فَسَارَ أَبُو الْعَبَّاسِ) وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، مِنْهُمْ: أَخُوهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ وَمُحَمَّدٌ ابْنَا أَخِيهِ إِبْرَاهِيمَ، وَأَعْمَامُهُ دَاوُدُ، وَعِيسَى، وَصَالِحٌ، وَإِسْمَاعِيلُ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَعَبْدُ الصَّمَدِ بَنُو عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عَمِّهِ دَاوُدُ، وَابْنُ أَخِيهِ عِيسَى بْنُ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَيَحْيَى بْنُ جَعْفَرِ بْنِ تَمَّامِ بْنِ عَبَّاسٍ، حَتَّى قَدِمُوا الْكُوفَةَ فِي صَفَرٍ، وَشِيعَتُهُمْ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ، بِظَاهِرِ الْكُوفَةِ بِحَمَّامِ أَعْيَنَ، فَأَنْزَلَهُمْ أَبُو سَلَمَةَ الْخَلَّالُ دَارَ الْوَلِيدِ بْنِ سَعْدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ فِي بَنِي أَوْدٍ، وَكَتَمَ أَمْرَهُمْ نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً مِنْ جَمِيعِ الْقُوَّادِ وَالشِّيعَةِ. وَأَرَادَ فِيمَا ذُكِرَ أَنْ يُحَوِّلَ الْأَمْرَ إِلَى آلِ أَبِي طَالِبٍ لَمَّا بَلَغَهُ الْخَبَرُ عَنْ مَوْتِ إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو الْجَهْمِ: مَا فَعَلَ الْإِمَامُ؟ قَالَ: لَمْ يَقْدَمُ [بَعْدُ] . فَأَلَحَّ عَلَيْهِ. فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا وَقْتَ خُرُوجِهِ، لِأَنَّ وَاسِطًا لَمْ تُفْتَحْ بَعْدُ. وَكَانَ أَبُو سَلَمَةَ إِذَا سُئِلَ عَنِ الْإِمَامِ يَقُولُ: لَا تَعْجَلُوا. فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ حَتَّى دَخَلَ أَبُو حُمَيْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحِمْيَرِيُّ مِنْ حَمَّامِ أَعْيَنَ يُرِيدُ الْكُنَاسَةَ، فَلَقِيَ خَادِمًا لِإِبْرَاهِيمَ الْإِمَامِ يُقَالُ لَهُ سَابِقٌ الْخَوَارِزْمِيُّ، فَعَرَفَهُ، فَقَالَ لَهُ: مَا فَعَلَ إِبْرَاهِيمُ

стр. 2372

الْإِمَامُ؟ فَأَخْبَرَهُ أَنَّ مَرْوَانَ قَتَلَهُ، وَأَنَّ إِبْرَاهِيمَ أَوْصَى إِلَى أَخِيهِ أَبِي الْعَبَّاسِ وَاسْتَخْلَفَهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَنَّهُ قَدِمَ الْكُوفَةَ وَمَعَهُ عَامَّةُ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَسَأَلَهُ أَبُو حُمَيْدٍ أَنْ يَنْطَلِقَ بِهِ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ لَهُ سَابِقٌ: الْمَوْعِدُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ غَدًا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَكَرِهَ سَابِقٌ أَنْ يَدُلَّهُ عَلَيْهِمْ إِلَّا بِإِذْنِهِمْ. فَرَجَعَ أَبُو حُمَيْدٍ إِلَى أَبِي الْجَهْمِ، فَأَخْبَرَهُ وَهُوَ فِي عَسْكَرِ أَبِي سَلَمَةَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَلْطُفَ لِلِقَائِهِمْ، فَرَجَعَ أَبُو حُمَيْدٍ مِنَ الْغَدِ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي وَاعَدَ فِيهِ سَابِقًا فَلَقِيَهُ، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى أَبِي الْعَبَّاسِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِمْ سَأَلَ أَبُو حُمَيْدٍ مَنِ الْخَلِيفَةُ مِنْهُمْ. فَقَالَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ: هَذَا إِمَامُكُمْ وَخَلِيفَتُكُمْ. وَأَشَارَ إِلَى أَبِي الْعَبَّاسِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ بِالْخِلَافَةِ وَقَبَّلَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَقَالَ: مُرْنَا بِأَمْرِكَ. وَعَزَّاهُ بِإِبْرَاهِيمَ الْإِمَامِ. ثُمَّ رَجَعَ وَصَحِبَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَلَمَةَ، رَجُلٌ كَانَ يَخْدِمُ بَنِي الْعَبَّاسِ، إِلَى أَبِي الْجَهْمِ فَأَخْبَرَهُ عَنْ مَنْزِلِهِمْ، وَأَنَّ الْإِمَامَ أَرْسَلَ إِلَى أَبِي سَلَمَةَ يَسْأَلُهُ مِائَةَ دِينَارٍ يُعْطِيهَا الْجَمَّالَ كِرَاءَ الْجِمَالِ الَّتِي حَمَلَتْهُمْ، فَلَمْ يَبْعَثْ بِهَا إِلَيْهِمْ، فَمَشَى أَبُو الْجَهْمِ وَأَبُو حُمَيْدٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَلَمَةَ إِلَى مُوسَى بْنِ كَعْبٍ، وَقَصُّوا عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، وَبَعَثُوا إِلَى الْإِمَامِ بِمِائَتَيْ دِينَارٍ مَعَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَلَمَةَ. وَاتَّفَقَ رَأْيُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْقُوَّادِ عَلَى أَنْ يَلْقَوُا الْإِمَامَ، فَمَضَى مُوسَى بْنُ كَعْبٍ، وَأَبُو الْجَهْمِ، وَعَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ رِبْعِيٍّ، وَسَلَمَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَلَمَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ الطَّائِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَشَرَاحِيلُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَسَّامٍ، وَأَبُو حُمَيْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحُصَيْنِ إِلَى الْإِمَامِ أَبِي الْعَبَّاسِ. وَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا سَلَمَةَ فَسَأَلَ عَنْهُمْ، فَقِيلَ: إِنَّهُمْ دَخَلُوا الْكُوفَةَ فِي حَاجَةٍ لَهُمْ، وَأَتَى الْقَوْمُ أَبَا الْعَبَّاسِ، فَقَالَ: وَأَيُّكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ابْنِ الْحَارِثِيَّةِ؟ فَقَالُوا: هَذَا، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ بِالْخِلَافَةِ وَعَزَّوْهُ فِي إِبْرَاهِيمَ، وَرَجَعَ مُوسَى بْنُ كَعْبٍ، وَأَبُو الْجَهْمِ، وَأَمَرَ أَبُو الْجَهْمِ الْبَاقِينَ فَتَخَلَّفُوا عِنْدَ الْإِمَامِ. فَأَرْسَلَ أَبُو سَلَمَةَ إِلَى أَبِي الْجَهْمِ: أَيْنَ كُنْتَ؟ قَالَ: رَكِبْتُ إِلَى إِمَامِي، فَرَكِبَ أَبُو سَلَمَةَ إِلَى الْإِمَامِ، فَأَرْسَلَ أَبُو الْجَهْمِ إِلَى أَبِي حُمَيْدٍ: إِنَّ أَبَا سَلَمَةَ قَدْ أَتَاكُمْ فَلَا يَدْخُلَنَّ عَلَى الْإِمَامِ إِلَّا وَحْدَهُ. فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِمْ أَبُو سَلَمَةَ مَنَعُوهُ أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُ أَحَدٌ، فَدَخَلَ وَحْدَهُ فَسَلَّمَ بِالْخِلَافَةِ عَلَى أَبِي الْعَبَّاسِ. فَقَالَ لَهُ أَبُو حُمَيْدٍ: عَلَى رَغْمِ أَنْفِكَ يَا مَاصَّ بَظْرِ أُمِّهِ! فَقَالَ لَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ: مَهْ! وَأَمَرَ أَبَا سَلَمَةَ بِالْعَوْدِ إِلَى مُعَسْكَرِهِ، فَعَادَ.

стр. 2373

وَأَصْبَحَ النَّاسُ يَوْمَ الْجُمْعَةِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَلَبِسُوا السِّلَاحَ، وَاصْطَفُّوا لِخُرُوجِ أَبِي الْعَبَّاسِ، وَأَتَوْا بِالدَّوَابِّ، فَرَكِبَ بِرْذَوْنًا أَبْلَقَ، وَرَكِبَ مَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ فَدَخَلُوا دَارَ الْإِمَارَةِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَخَطَبَ وَصَلَّى بِالنَّاسِ. ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ حِينَ بُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ فَقَامَ فِي أَعْلَاهُ، وَصَعِدَ عَمُّهُ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ فَقَامَ دُونَهُ، فَتَكَلَّمَ أَبُو الْعَبَّاسِ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي اصْطَفَى الْإِسْلَامَ لِنَفْسِهِ، وَكَرَّمَهُ، وَشَرَّفَهُ، وَعَظَّمَهُ، وَاخْتَارَهُ لَنَا، فَأَيَّدَهُ بِنَا، وَجَعَلَنَا أَهْلَهُ، وَكَهْفَهُ، وَحِصْنَهُ، وَالْقُوَّامَ بِهِ، وَالذَّابِّينَ عَنْهُ، وَالنَّاصِرِينَ لَهُ، فَأَلْزَمَنَا كَلِمَةَ التَّقْوَى، وَجَعَلَنَا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا، وَخَصَّنَا بِرَحِمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَرَابَتِهِ، وَأَنْشَأَنَا مِنْ آبَائِنَا، وَأَنْبَتَنَا مِنْ شَجَرَتِهِ، وَاشْتَقَّنَا مِنْ نَبْعَتِهِ، جَعَلَهُ مِنْ أَنْفُسِنَا عَزِيزًا عَلَيْهِ مَا عَنِتْنَا، حَرِيصًا عَلَيْنَا، بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفًا رَحِيمًا، وَوَضَعَنَا مِنَ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ بِالْمَوْضِعِ الرَّفِيعِ. وَأَنْزَلَ بِذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ كِتَابًا يُتْلَى عَلَيْهِمْ، ﵎ فِيمَا أَنْزَلَ مِنْ مُحْكَمِ كِتَابِهِ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] ، وَقَالَ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] ، وَقَالَ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الحشر: ٧] ، وَقَالَ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾ [الأنفال: ٤١] . فَأَعْلَمَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فَضْلَنَا، وَأَوْجَبَ عَلَيْهِمْ حَقَّنَا وَمَوَدَّتَنَا، وَأَجْزَلَ مِنَ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ نَصِيبَنَا تَكْرِمَةً لَنَا وَفَضْلًا عَلَيْنَا، وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ. وَزَعَمَتِ السَّبَئِيَّةُ الضُّلَّالُ أَنَّ غَيْرَنَا أَحَقُّ بِالرِّيَاسَةِ وَالسِّيَاسَةِ وَالْخِلَافَةِ مِنَّا، فَشَاهَتْ وُجُوهُهُمْ! وَلِمَ أَيُّهَا النَّاسُ؟ ! وَبِنَا هَدَى اللَّهُ النَّاسَ بَعْدَ ضَلَالَتِهِمْ، وَبَصَّرَهُمْ

стр. 2374

بَعْدَ جَهَالَتِهِمْ، وَأَنْقَذَهُمْ بَعْدَ هَلَكَتِهِمْ، وَأَظْهَرَ بِنَا الْحَقَّ، وَدَحَضَ الْبَاطِلَ، وَأَصْلَحَ بِنَا مِنْهُمْ مَا كَانَ فَاسِدًا، وَرَفَعَ بِنَا الْخَسِيسَةَ، وَتَمَّمَ بِنَا النَّقِيصَةَ، وَجَمَعَ الْفُرْقَةَ حَتَّى عَادَ النَّاسُ بَعْدَ الْعَدَاوَةِ أَهْلَ التَّعَاطُفِ وَالْبِرِّ وَالْمُوَاسَاةِ فِي دُنْيَاهُمْ، وَإِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ فِي آخِرَتِهِمْ. فَتَحَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنَّةً وَمِنْحَةً لِمُحَمَّدٍ ﷺ فَلَمَّا قَبَضَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ قَامَ بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ أَصْحَابُهُ، وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ، فَحَوَوْا مَوَارِيثَ الْأُمَمِ، فَعَدَلُوا فِيهَا وَوَضَعُوهَا مَوَاضِعَهَا، وَأَعْطَوْهَا أَهْلَهَا، وَخَرَجُوا خِمَاصًا مِنْهَا. ثُمَّ وَثَبَ بَنُو حَرْبٍ وَبَنُو مَرْوَانَ فَابْتَزُّوهَا وَتَدَاوَلُوهَا، فَجَارُوا فِيهَا، وَاسْتَأْثَرُوا بِهَا، وَظَلَمُوا أَهْلَهَا بِمَا أَمْلَى اللَّهُ لَهُمْ حِينًا حَتَّى آسَفُوهُ، فَلَمَّا آسَفُوهُ انْتَقَمَ مِنْهُمْ بِأَيْدِينَا، وَرَدَّ عَلَيْنَا حَقَّنَا، وَتَدَارَكَ بِنَا أُمَّتَنَا، وَوَلِيَ نَصْرَنَا وَالْقِيَامَ بِأَمْرِنَا، لِيَمُنَّ بِنَا عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ، وَخَتَمَ بِنَا كَمَا افْتَتَحَ بِنَا. وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا يَأْتِيَكُمُ الْجَوْرُ مِنْ حَيْثُ جَاءَكُمُ الْخَيْرُ، وَلَا الْفَسَادُ مِنْ حَيْثُ جَاءَكُمُ الصَّلَاحُ، وَمَا تَوْفِيقُنَا (أَهْلَ الْبَيْتِ) إِلَّا بِاللَّهِ. يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ أَنْتُمْ مَحَلُّ مَحَبَّتِنَا وَمَنْزِلُ مَوَدَّتِنَا، أَنْتُمُ الَّذِينَ لَمْ تَتَغَيَّرُوا عَنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يُثْنِكُمْ عَنْهُ تَحَامُلُ أَهْلِ الْجَوْرِ عَلَيْكُمْ حَتَّى أَدْرَكْتُمْ زَمَانَنَا، وَأَتَاكُمُ اللَّهُ بِدَوْلَتِنَا، فَأَنْتُمْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِنَا، وَأَكْرَمُهُمْ عَلَيْنَا، وَقَدْ زِدْتُكُمْ فِي أُعْطِيَّاتِكُمْ مِائَةَ دِرْهَمٍ، فَاسْتَعِدُّوا فَأَنَا السَّفَّاحُ الْمُبِيحُ، وَالثَّائِرُ الْمُبِيرُ. وَكَانَ مَوْعُوكًا فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْوَعْكُ. فَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَقَامَ عَمُّهُ دَاوُدُ عَلَى مَرَاقِي الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، شُكْرًا لِلَّذِي أَهْلَكَ عَدُوَّنَا، وَأَصَارَ إِلَيْنَا مِيرَاثَنَا مِنْ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ .

стр. 2375

أَيُّهَا النَّاسُ! الْآنَ أَقْشَعَتْ حَنَادِسُ الدُّنْيَا، وَانْكَشَفَ غِطَاؤُهَا، وَأَشْرَقَتْ أَرْضُهَا وَسَمَاؤُهَا، وَطَلَعَتِ الشَّمْسُ مِنْ مَطْلَعِهَا، وَبَزَغَ الْقَمَرُ مِنْ مَبْزَغِهِ، وَأَخَذَ الْقَوْسَ بَارِيهَا، وَعَادَ السَّهْمُ إِلَى مَنْزَعِهِ، وَرَجَعَ الْحَقُّ إِلَى نِصَابِهِ فِي أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ، أَهْلِ الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ بِكُمْ، وَالْعَطْفِ عَلَيْكُمْ. أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّا وَاللَّهِ مَا خَرَجْنَا فِي طَلَبِ هَذَا الْأَمْرِ لِنُكْثِرَ لُجَيْنًا، وَلَا عِقْيَانًا، وَلَا نَحْفِرُ نَهْرًا، وَلَا نَبْنِيَ قَصْرًا، وَإِنَّمَا أَخْرَجَتْنَا الْأَنَفَةُ مِنَ ابْتِزَازِهِمْ حَقَّنَا، وَالْغَضَبُ لِبَنِي عَمِّنَا، وَمَا كَرِهْنَا مِنْ أُمُورِكُمْ، فَلَقَدْ كَانَتْ أُمُورُكُمْ تُرْمِضُنَا وَنَحْنُ عَلَى فُرُشِنَا، وَيَشْتَدُّ عَلَيْنَا سُوءُ سِيرَةِ بَنِي أُمَيَّةَ فِيكُمْ، وَاسْتِنْزَالُهُمْ لَكُمْ، وَاسْتِئْثَارُهُمْ بِفَيْئِكُمْ وَصَدَقَاتِكُمْ وَمَغَانِمِكُمْ عَلَيْكُمْ. لَكُمْ ذِمَّةُ اللَّهِ ﵎، وَذِمَّةُ رَسُولِهِ ﷺ وَذِمَّةُ الْعَبَّاسِ، ﵀، عَلَيْنَا أَنْ نَحْكُمَ فِيكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَنَعْمَلَ فِيكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَنَسِيرَ فِي الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ بِسِيرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . تَبًّا تَبًّا لِبَنِي حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ وَبَنِي مَرْوَانَ! آثَرُوا فِي مُدَّتِهِمُ الْعَاجِلَةَ عَلَى الْآجِلَةِ، وَالدَّارَ الْفَانِيَةَ عَلَى الدَّارِ الْبَاقِيَةِ، فَرَكِبُوا الْآثَامَ، وَظَلَمُوا الْأَنَامَ، وَانْتَهَكُوا الْمَحَارِمَ، وَغَشُوا بِالْجَرَائِمِ، وَجَارُوا فِي سِيرَتِهِمْ فِي الْعِبَادِ، وَسُنَّتِهِمْ فِي الْبِلَادِ، وَمَرِحُوا فِي أَعِنَّةِ الْمَعَاصِي، وَرَكَضُوا فِي مَيْدَانِ الْغَيِّ جَهْلًا بِاسْتِدْرَاجِ اللَّهِ، وَأَمْنًا لِمَكْرِ اللَّهِ، فَأَتَاهُمْ بَأْسُ اللَّهِ بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ، فَأَصْبَحُوا أَحَادِيثَ، وَمُزِّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ، فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وَأَدَالَنَا اللَّهُ مِنْ مَرْوَانَ، وَقَدْ غَرَّهُ بِاللَّهِ الْغَرُورُ، وَأَرْسَلَ لِعَدُوِّ اللَّهِ فِي عِنَانِهِ حَتَّى عَثَرَ فِي فَضْلِ خِطَامِهِ، أَظَنَّ عَدُوُّ اللَّهِ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى حِزْبَهُ، وَجَمَعَ مَكَايِدَهُ وَرَمَى بِكَتَائِبِهِ، فَوَجَدَ أَمَامَهُ وَوَرَاءَهُ وَعَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ وَبَأْسِهِ وَنِقْمَتِهِ مَا أَمَاتَ بَاطِلَهُ، وَمَحَا

стр. 2376

ضَلَالَهُ. وَجَعَلَ دَائِرَةَ السَّوْءِ بِهِ، وَأَحْيَا شَرَفَنَا وَعِزَّنَا وَرَدَّ إِلَيْنَا حَقَّنَا وَإِرْثَنَا. أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، نَصَرَهُ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا، إِنَّمَا عَادَ إِلَى الْمِنْبَرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ كَارِهٌ أَنْ يَخْلِطَ بِكَلَامِ الْجُمْعَةِ غَيْرَهُ، وَإِنَّمَا قَطَعَهُ عَنِ اسْتِتْمَامِ الْكَلَامِ شِدَّةُ الْوَعْكِ، فَادْعُوا اللَّهَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْعَافِيَةِ، فَقَدْ بَدَّلَكُمُ اللَّهُ بِمَرْوَانَ عَدُوِّ الرَّحْمَنِ وَخَلِيفَةِ الشَّيْطَانِ، الْمُتَّبِعِ السَّفَلَةَ الَّذِينَ أَفْسَدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا بِإِبْدَالِ الدِّينِ وَانْتِهَاكِ حَرِيمِ الْمُسْلِمِينَ، الشَّابَّ الْمُتَكَهِّلَ الْمُتَمَهِّلَ الْمُقْتَدِيَ بِسَلَفِهِ الْأَبْرَارِ الْأَخْيَارِ الَّذِينَ أَصْلَحُوا الْأَرْضَ بَعْدَ فَسَادِهَا بِمَعَالِمِ الْهُدَى وَمَنَاهِجِ التَّقْوَى. فَعَجَّ النَّاسُ لَهُ بِالدُّعَاءِ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ! إِنَّا وَاللَّهِ مَا زِلْنَا مَظْلُومِينَ مَقْهُورِينَ عَلَى حَقِّنَا، حَتَّى أَبَاحَ اللَّهُ شِيعَتَنَا أَهْلَ خُرَاسَانَ، فَأَحْيَا بِهِمْ حَقَّنَا، وَأَبْلَجَ بِهِمْ حُجَّتَنَا، وَأَظْهَرَ بِهِمْ دَوْلَتَنَا، وَأَرَاكُمُ اللَّهُ بِهِمْ مَا لَسْتُمْ تَنْتَظِرُونَ، فَأَظْهَرَ فِيكُمُ الْخَلِيفَةَ مِنْ هَاشِمٍ، وَبَيَّضَ بِهِ وُجُوهَكُمْ، وَأَدَالَكُمْ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ، وَنَقَلَ إِلَيْكُمُ السُّلْطَانَ، وَأَعَزَّ الْإِسْلَامَ، وَمَنَّ عَلَيْكُمْ بِإِمَامٍ مَنَحَهُ الْعَدَالَةَ، وَأَعْطَاهُ حُسْنَ الْإِيَالَةِ، فَخُذُوا مَا آتَاكُمُ اللَّهُ بِشُكْرٍ، وَالْزَمُوا طَاعَتَنَا، وَلَا تُخْدَعُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّ الْأَمْرَ أَمْرُكُمْ، وَإِنَّ لِكُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ مِصْرًا وَإِنَّكُمْ مِصْرُنَا. أَلَا وَإِنَّهُ مَا صَعِدَ مِنْبَرَكُمْ هَذَا خَلِيفَةٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أَبِي الْعَبَّاسِ السَّفَّاحِ. وَاعْلَمُوا أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ فِينَا لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنَّا حَتَّى نُسَلِّمَهُ إِلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵇ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا أَبْلَانَا وَأَوْلَانَا. ثُمَّ نَزَلَ أَبُو الْعَبَّاسِ وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ أَمَامَهُ حَتَّى دَخَلَ الْقَصْرَ، وَأَجْلَسَ أَخَاهُ أَبَا جَعْفَرٍ الْمَنْصُورَ يَأْخُذُ الْبَيْعَةَ عَلَى النَّاسِ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَمْ يَزَلْ يَأْخُذُهَا عَلَيْهِمْ حَتَّى صَلَّى بِهِمُ الْعَصْرَ ثُمَّ الْمَغْرِبَ، وَجَنَّهُمُ اللَّيْلُ، فَدَخَلَ.

стр. 2377

وَقِيلَ: إِنَّ دَاوُدَ بْنَ عَلِيٍّ لَمَّا تَكَلَّمَ قَالَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا كَانَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَلِيفَةٌ إِلَّا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَأَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِي خَلْفِي. ثُمَّ نَزَلَا، وَخَرَجَ أَبُو الْعَبَّاسِ يُعَسْكِرُ بِحَمَّامِ أَعْيَنَ فِي عَسْكَرِ أَبِي سَلَمَةَ، وَنَزَلَ مَعَهُ فِي حُجْرَتِهِ بَيْنَهُمَا سِتْرٌ، وَحَاجِبُ السَّفَّاحِ يَوْمَئِذٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَسَّامٍ. وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْكُوفَةِ وَأَرْضِهَا عَمَّهُ دَاوُدَ بْنَ عَلِيٍّ، وَبَعَثَ عَمَّهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَلِيٍّ إِلَى أَبِي عَوْنِ بْنِ يَزِيدَ بِشَهْرَزُورَ، وَبَعَثَ ابْنَ أَخِيهِ عِيسَى بْنَ مُوسَى إِلَى الْحَسَنِ بْنِ قَحْطَبَةَ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ يُحَاصِرُ ابْنَ هُبَيْرَةَ بِوَاسِطٍ، وَبَعَثَ يَحْيَى بْنَ جَعْفَرِ بْنِ تَمَّامِ بْنِ عَبَّاسٍ إِلَى حُمَيْدِ بْنِ قَحْطَبَةَ بِالْمَدَائِنِ. وَبَعَثَ أَبَا الْيَقْظَانِ عُثْمَانَ بْنَ عُرْوَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ إِلَى بَسَّامِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ بَسَّامٍ بِالْأَهْوَازِ، وَبَعَثَ سَلَمَةَ بْنَ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ إِلَى مَالِكِ بْنِ الطَّوَّافِ. وَأَقَامَ السَّفَّاحُ بِالْعَسْكَرِ أَشْهُرًا، ثُمَّ ارْتَحَلَ فَنَزَلَ الْمَدِينَةَ الْهَاشِمِيَّةَ بِقَصْرِ الْإِمَارَةِ، وَكَانَ تَنَكَّرَ لِأَبِي سَلَمَةَ قَبْلَ تَحَوُّلِهِ حَتَّى عَرَفَ ذَلِكَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ دَاوُدَ بْنَ عَلِيٍّ وَابْنَهُ مُوسَى لَمْ يَكُونَا بِالشَّامِ عِنْدَ مَسِيرِ بَنِي الْعَبَّاسِ إِلَى الْعِرَاقِ، إِنَّمَا كَانَا بِالْعِرَاقِ أَوْ بِغَيْرِهِ فَخَرَجَا يُرِيدَانِ الشَّامَ، فَلَقِيَهُمَا أَبُو الْعَبَّاسِ، وَأَهْلُ بَيْتِهِ يُرِيدُونَ الْكُوفَةَ بِدُومَةِ الْجَنْدَلِ، فَسَأَلَهُمْ دَاوُدُ عَنْ خَبَرِهِمْ، فَقَصَّ عَلَيْهِ أَبُو الْعَبَّاسِ قِصَّتَهُمْ، وَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ الْكُوفَةَ لِيَظْهَرُوا بِهَا وَيُظْهِرُوا أَمْرَهُمْ. فَقَالَ لَهُ دَاوُدُ: يَا أَبَا الْعَبَّاسِ تَأْتِي الْكُوفَةَ وَشَيْخُ بَنِي أُمَيَّةَ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ بِحَرَّانَ مُطِلٌّ عَلَى الْعِرَاقِ فِي أَهْلِ الشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ، وَشَيْخُ الْعَرَبِ يَزِيدُ بْنُ هُبَيْرَةَ بِالْعِرَاقِ فِي جُنْدِ الْعَرَبِ! وَقَالَ: يَا عَمِّي مَنْ أَحَبَّ الْحَيَاةَ ذَلَّ، ثُمَّ تَمَثَّلَ بِقَوْلِ الْأَعْشَى: فَمَا مِيتَةٌ إِنْ مُتُّهَا غَيْرَ عَاجِزٍ ... بِعَارٍ إِذَا مَا غَالَتِ النَّفْسَ غُولُهَا. فَالْتَفَتَ دَاوُدُ إِلَى ابْنِهِ مُوسَى، فَقَالَ: صَدَقَ وَاللَّهِ ابْنُ عَمِّكَ، فَارْجِعْ بِنَا مَعَهُ نَعِشْ أَعِزَّاءَ أَوْ نَمُتْ كُرَمَاءَ. فَرَجَعُوا جَمِيعًا.

стр. 2378

فَكَانَ عِيسَى بْنُ مُوسَى يَقُولُ إِذَا ذَكَرَ خُرُوجَهُمْ مِنَ الْحُمَيْمَةِ يُرِيدُونَ الْكُوفَةَ: إِنَّ نَفَرًا أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا خَرَجُوا مِنْ دَارِهِمْ وَأَهْلِهِمْ يَطْلُبُونَ مَا طَلَبْنَا لَعَظِيمَةٌ هِمَّتُهُمْ، كَبِيرَةٌ أَنْفُسُهُمْ، شَدِيدَةٌ قُلُوبُهُمْ. ذِكْرُ هَزِيمَةِ مَرْوَانَ بِالزَّابِ قَدْ ذَكَرْنَا أَنْ قَحْطَبَةَ أَرْسَلَ أَبَا عَوْنٍ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ يَزِيدَ الْأَزْدِيَّ إِلَى شَهْرَزُورَ، وَأَنَّهُ قَتَلَ عُثْمَانَ بْنَ سُفْيَانَ، وَأَقَامَ بِنَاحِيَةِ الْمَوْصِلِ، وَأَنَّ مَرْوَانَ بْنَ مُحَمَّدٍ سَارَ إِلَيْهِ مِنْ حَرَّانَ حَتَّى بَلَغَ الزَّابَ، وَحَفَرَ خَنْدَقًا، وَكَانَ فِي عِشْرِينَ وَمِائَةِ أَلْفٍ، وَسَارَ أَبُو عَوْنٍ إِلَى الزَّابِ، فَوَجَّهَ أَبُو سَلَمَةَ إِلَى أَبِي عَوْنٍ عُيَيْنَةَ بْنَ مُوسَى، وَالْمِنْهَالَ بْنَ فَتَّانٍ، وَإِسْحَاقَ بْنَ طَلْحَةَ، كُلُّ وَاحِدٍ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ. فَلَمَّا ظَهَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ بَعَثَ سَلَمَةَ بْنَ مُحَمَّدٍ فِي أَلْفَيْنِ، وَعَبْدَ اللَّهِ الطَّائِيَّ فِي أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَعَبْدَ الْحَمِيدِ بْنَ رِبْعِيٍّ الطَّائِيَّ فِي أَلْفَيْنِ، وَوِدَاسَ بْنَ نَضْلَةَ فِي خَمْسِمِائَةٍ إِلَى أَبِي عَوْنٍ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَسِيرُ إِلَى مَرْوَانَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ: أَنَا. فَسَيَّرَهُ إِلَى أَبِي عَوْنٍ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ، فَتَحَوَّلَ أَبُو عَوْنٍ عَنْ سُرَادِقِهِ، وَخَلَّاهُ لَهُ وَمَا فِيهِ. فَلَمَّا كَانَ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ سَأَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ مَخَاضَةٍ فَدُلَّ عَلَيْهَا بِالزَّابِ، فَأَمَرَ عُيَيْنَةَ بْنَ مُوسَى، فَعَبَرَ فِي خَمْسَةِ آلَافٍ، فَانْتَهَى إِلَى عَسْكَرِ مَرْوَانَ، فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى أَمْسَوْا، وَرَجَعَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ. وَأَصْبَحَ مَرْوَانُ فَعَقَدَ الْجِسْرَ وَعَبَرَ عَلَيْهِ، فَنَهَاهُ وُزَرَاؤُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَلَمْ يَقْبَلْ، وَسَيَّرَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ، فَنَزَلَ أَسْفَلَ مِنْ عَسْكَرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ، فَبَعَثَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ الْمُخَارِقَ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ نَحْوَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَرْوَانَ، فَسَرَّحَ إِلَيْهِ ابْنُ مَرْوَانَ الْوَلِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، فَالْتَقَيَا، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ الْمُخَارِقِ، وَثَبَتَ هُوَ، فَأُسِرَ هُوَ وَجَمَاعَةٌ، وَسَيَّرَهُمْ إِلَى مَرْوَانَ مَعَ رُءُوسِ الْقَتْلَى. فَقَالَ مَرْوَانُ: أَدْخِلُوا عَلَيَّ رَجُلًا مِنَ الْأَسْرَى. فَأَتَوْهُ بِالْمُخَارِقِ، وَكَانَ نَحِيفًا. فَقَالَ: أَنْتَ الْمُخَارِقُ؟ قَالَ: لَا، أَنَا عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ. قَالَ: فَتَعْرِفُ الْمُخَارِقَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَانْظُرْ هَلْ تَرَاهُ فِي هَذِهِ الرُّءُوسِ. فَنَظَرَ إِلَى رَأْسٍ مِنْهَا

стр. 2379

فَقَالَ: هُوَ هَذَا. فَخَلَّى سَبِيلَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ مَعَ مَرْوَانَ حِينَ نَظَرَ الْمُخَارِقَ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ: لَعَنَ اللَّهُ أَبَا مُسْلِمٍ حِينَ جَاءَنَا بِهَؤُلَاءِ يُقَاتِلُنَا بِهِمْ. وَقِيلَ: إِنَّ الْمُخَارِقَ لَمَّا نَظَرَ إِلَى الرُّءُوسِ قَالَ: مَا أَرَى رَأْسَهُ فِيهَا وَلَا أُرَاهُ إِلَّا قَدْ ذَهَبَ. فَخَلَّى سَبِيلَهُ. وَلَمَّا بَلَغَتِ الْهَزِيمَةُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَلِيٍّ أَرْسَلَ إِلَى طَرِيقِ الْمُنْهَزِمِينَ مَنْ يَمْنَعُهُمْ مِنْ دُخُولِ الْعَسْكَرِ لِئَلَّا يُنْكِرَ قَوْمُهُمْ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ أَبُو عَوْنٍ أَنْ يُبَادِرَ مَرْوَانَ بِالْقِتَالِ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ أَمْرُ الْمُخَارِقِ، فَيَفُتَّ ذَلِكَ فِي أَعْضَادِ النَّاسِ، فَنَادَى فِيهِمْ بِلُبْسِ السِّلَاحِ وَالْخُرُوجِ إِلَى الْحَرْبِ، فَرَكِبُوا، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى عَسْكَرِهِ مُحَمَّدَ بْنَ صُولٍ، وَسَارَ نَحْوَ مَرْوَانَ، وَجَعَلَ عَلَى مَيْمَنَتِهِ أَبَا عَوْنٍ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ الْوَلِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ عَسْكَرُهُ عِشْرِينَ أَلْفًا، وَقِيلَ: اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، (وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ) . فَلَمَّا الْتَقَى الْعَسْكَرَانِ قَالَ مَرْوَانُ لِعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: إِنْ زَالَتِ الْيَوْمَ الشَّمْسُ وَلَمْ يُقَاتِلُونَا كُنَّا الَّذِينَ نَدْفَعُهَا إِلَى الْمَسِيحِ ﵇ وَإِنْ قَاتَلُونَا فَأَقْبَلَ الزَّوَالُ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَأَرْسَلَ مَرْوَانُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ يَسْأَلُهُ الْمُوَادَعَةَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: كَذَبَ ابْنُ زُرَيْقٍ، لَا تَزُولُ الشَّمْسُ حَتَّى أُوَطِّئَهُ الْخَيْلَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَقَالَ مَرْوَانُ لِأَهْلِ الشَّامِ: قِفُوا لَا نَبْدؤُهُمْ بِالْقِتَالِ، وَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى الشَّمْسِ، فَحَمَلَ الْوَلِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، وَهُوَ خَتْنُ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَلَى ابْنَتِهِ، فَغَضِبَ وَشَتَمَهُ، وَقَاتَلَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ أَبَا عَوْنٍ، فَانْحَازَ أَبُو عَوْنٍ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ، فَقَالَ لِمُوسَى بْنِ كَعْبٍ: يَا عَبْدَ اللَّهِ مُرِ النَّاسَ فَلْيَنْزِلُوا. فَنُودِيَ: الْأَرْضَ، فَنَزَلَ النَّاسُ وَأَشْرَعُوا الرِّمَاحَ وَجَثَوْا عَلَى الرُّكَبِ فَقَاتَلُوهُمْ، وَجَعَلَ أَهْلُ الشَّامِ يَتَأَخَّرُونَ كَأَنَّهُمْ يُدْفَعُونَ. وَمَشَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ قُدُمًا وَهُوَ يَقُولُ: يَا رَبِّ حَتَّى مَتَى نُقْتَلُ فِيكَ؟ وَنَادَى: يَا أَهْلَ خُرَاسَانَ! يَا لَثَارَاتِ إِبْرَاهِيمَ! يَا مُحَمَّدُ! يَا مَنْصُورُ! وَاشْتَدَّ بَيْنَهُمُ الْقِتَالُ. فَقَالَ مَرْوَانُ لِقُضَاعَةَ: انْزِلُوا. فَقَالُوا: قُلْ لِبَنِي سُلَيْمٍ فَلْيَنْزِلُوا. فَأَرْسَلَ إِلَى السَّكَاسِكِ أَنِ احْمِلُوا، فَقَالُوا: قُلْ لِبَنِي عَامِرٍ فَلْيَحْمِلُوا. فَأَرْسَلَ إِلَى السَّكُونِ أَنِ احْمِلُوا،

стр. 2380

فَقَالُوا: قُلْ لِغَطَفَانَ فَلْيَحْمِلُوا. فَقَالَ لِصَاحِبِ شُرْطَتِهِ: انْزِلْ. فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا كُنْتُ لِأَجْعَلَ نَفْسِي عَرَضًا. قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَأَسُوءَنَّكَ! فَقَالَ: وَدِدْتُ وَاللَّهِ أَنَّكَ قَدَرْتَ عَلَى ذَلِكَ. وَكَانَ مَرْوَانُ ذَلِكَ الْيَوْمَ لَا يُدَبِّرُ شَيْئًا إِلَّا كَانَ فِيهِ الْخَلَلُ، فَأَمَرَ بِالْأَمْوَالِ فَأُخْرِجَتْ، وَقَالَ لِلنَّاسِ: اصْبِرُوا وَقَاتِلُوا فَهَذِهِ الْأَمْوَالُ لَكُمْ. فَجَعَلَ نَاسٌ مِنَ النَّاسِ يُصِيبُونَ مِنْ ذَلِكَ، (فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ مَالُوا عَلَى هَذَا الْمَالِ وَلَا نَأْمَنُهُمْ أَنْ يَذْهَبُوا بِهِ. فَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنْ سِرْ فِي أَصْحَابِكَ إِلَى مُؤَخَّرِ عَسْكَرِكَ فَاقْتُلْ مَنْ أَخَذَ مِنَ) الْمَالِ وَامْنَعْهُمْ. فَمَالَ عَبْدُ اللَّهِ بِرَايَتِهِ وَأَصْحَابِهِ، فَقَالَ النَّاسُ: الْهَزِيمَةُ الْهَزِيمَةُ! فَانْهَزَمَ مَرْوَانُ وَانْهَزَمُوا، وَقُطِعَ الْجِسْرُ، وَكَانَ مَنْ غَرِقَ يَوْمَئِذٍ أَكْثَرَ مِمَّنْ قُتِلَ. فَكَانَ مِمَّنْ غَرِقَ يَوْمَئِذٍ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ابْنِ الْمَخْلُوعِ، فَاسْتَخْرَجُوهُ فِي الْغَرْقَى، فَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٠] . وَقِيلَ: بَلْ قَتَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ بِالشَّامِ. وَقُتِلَ فِي هَذِهِ الْوَقْعَةِ سَعِيدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَقِيلَ: بَلْ قَتَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بِالشَّامِ. وَأَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ فِي عَسْكَرِهِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ يُعَيِّرُ مَرْوَانَ: لَجَّ الْفِرَارُ بِمَرْوَانَ فَقُلْتُ لَهُ عَادَ الظَّلُومُ ظَلِيمًا هَمُّهُ الْهَرَبُ أَيْنَ الْفِرَارُ وَتَرْكُ الْمُلْكِ إِذْ ذَهَبَتْ عَنْكَ الْهُوَيْنَا فَلَا دِينٌ وَلَا حَسَبُ فَرَاشَةُ الْحِلْمِ، فِرْعَوْنُ الْعِقَابِ وَإِنْ تَطْلُبْ نَدَاهُ فَكَلْبٌ دُونَهُ كَلِبُ. وَكَتَبَ يَوْمَئِذٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى السَّفَّاحِ بِالْفَتْحِ، وَحَوَى عَسْكَرَ مَرْوَانَ بِمَا فِيهِ، فَوَجَدَ سِلَاحًا كَثِيرًا وَأَمْوَالًا، وَلَمْ يَجِدْ فِيهِ امْرَأَةً إِلَّا جَارِيَةً كَانَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَرْوَانَ.

стр. 2381

فَلَمَّا أَتَى الْكِتَابُ السَّفَّاحَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَأَمَرَ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ بِخَمْسِمِائَةِ خَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ، وَرَفَعَ أَرْزَاقَهُمْ إِلَى ثَمَانِينَ. وَكَانَتْ هَزِيمَةُ مَرْوَانَ بِالزَّابِ يَوْمَ السَّبْتِ لِإِحْدَى عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَكَانَ فِيمَنْ قُتِلَ مَعَهُ يَحْيَى بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَهُوَ أَخُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ صَاحِبِ الْأَنْدَلُسِ، فَلَمَّا تَقَدَّمَ إِلَى الْقِتَالِ رَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ فَتًى عَلَيْهِ أُبَّهَةُ الشَّرَفِ يُقَاتِلُ مُسْتَقْتِلًا فَنَادَاهُ: يَا فَتًى لَكَ الْأَمَانُ وَلَوْ كَنْتَ مَرْوَانَ بْنَ مُحَمَّدٍ! فَقَالَ: إِنْ لَمْ أَكُنْهُ فَلَسْتُ بِدُونِهِ. قَالَ: فَلَكَ الْأَمَانُ، وَلَوْ كُنْتَ مَنْ كُنْتَ. فَأَطْرَقَ ثُمَّ قَالَ: أَذَلُّ الْحَيَاةِ وَكُرْهُ الْمَمَاتِ ... وَكُلًّا أُرَاهُ طَعَامًا وَبِيلًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُ إِحْدَاهُمَا ... فَسَيْرٌ إِلَى الْمَوْتِ سَيْرًا جَمِيلًا ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَإِذَا هُوَ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ. ذِكْرُ قَتْلِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْإِمَامِ قَدْ ذَكَرْنَا سَبَبَ حَبْسِهِ، وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَوْتِهِ، فَقِيلَ: إِنَّ مَرْوَانَ حَبَسَهُ بِحَرَّانَ، وَحَبَسَ سَعِيدَ بْنَ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَابْنَيْهِ عُثْمَانَ وَمَرْوَانَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْعَبَّاسَ بْنَ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَأَبَا مُحَمَّدٍ السُّفْيَانِيَّ، هَلَكَ مِنْهُمْ فِي وَبَاءٍ وَقَعَ بِحَرَّانَ الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْإِمَامُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ هَزِيمَةِ مَرْوَانَ مِنَ الزَّابِ بِجُمْعَةٍ خَرَجَ سَعِيدُ بْنُ هِشَامٍ وَابْنُ عَمِّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمَحْبُوسِينَ، فَقَتَلُوا صَاحِبَ السِّجْنِ وَخَرَجُوا، فَقَتَلَهُمْ أَهْلُ حَرَّانَ وَمَنْ فِيهَا مِنَ الْغَوْغَاءِ، وَكَانَ فِيمَنْ قَتَلَهُ أَهْلُ حَرَّانَ شَرَاحِيلُ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ بِشْرٍ التَّغْلِبِيُّ، وَبِطْرِيقُ إِرْمِينِيَّةَ الرَّابِعَةِ وَاسْمُهُ كُوشَانُ، وَتَخَلَّفَ أَبُو مُحَمَّدٍ السُّفْيَانِيُّ فِي الْحَبْسِ، فَلَمْ يَخْرُجْ فِيمَنْ خَرَجَ، وَمَعَهُ غَيْرُهُ لَمْ يَسْتَحِلُّوا الْخُرُوجَ مِنَ الْحَبْسِ، فَقَدِمَ مَرْوَانُ مُنْهَزِمًا مِنَ الزَّابِ، فَجَاءَ فَخَلَّى عَنْهُمْ. وَقِيلَ: إِنَّ مَرْوَانَ هَدَمَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ بَيْتًا فَقَتَلَهُ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ شَرَاحِيلَ بْنَ مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ كَانَ مَحْبُوسًا مَعَ إِبْرَاهِيمَ فَكَانَا

стр. 2382

يَتَزَاوَرَانِ، فَصَارَ بَيْنَهُمَا مَوَدَّةٌ، فَأَتَى رَسُولٌ مِنْ شَرَاحِيلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ يَوْمًا بِلَبَنٍ فَقَالَ: يَقُولُ لَكَ أَخُوكَ إِنِّي شَرِبْتُ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ فَاسْتَطَبْتُهُ فَأَحْبَبْتُ أَنْ تَشْرَبَ مِنْهُ، فَشَرِبَ مِنْهُ فَتَكَسَّرَ جَسَدُهُ مِنْ سَاعَتِهِ. وَكَانَ يَوْمًا يَزُورُ فِيهِ شَرَاحِيلَ فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ شَرَاحِيلُ: إِنَّكَ قَدْ أَبْطَأْتَ فَمَا حَبَسَكَ؟ فَأَعَادَ إِبْرَاهِيمُ: إِنِّي لَمَّا شَرِبْتُ اللَّبَنَ الَّذِي أَرْسَلْتَ بِهِ قَدْ أَسْهَلَنِي. فَأَتَاهُ شَرَاحِيلُ فَقَالَ: وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ مَا شَرِبْتُ الْيَوْمَ لَبَنًا، وَلَا أَرْسَلْتُ بِهِ إِلَيْكَ! فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ! احْتِيلَ وَاللَّهِ عَلَيْكَ. فَبَاتَ إِبْرَاهِيمُ لَيْلَتَهُ وَأَصْبَحَ مَيِّتًا، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَرِمَةَ يَرْثِيهِ: قَدْ كُنْتُ أَحْسَبُنِي جَلْدًا فَضَعْضَعَنِي ... قَبْرٌ بِحَرَّانَ فِيهِ عِصْمَةُ الدِّينِ فِيهِ الْإِمَامُ وَخَيْرُ النَّاسِ كُلِّهُمُ ... بَيْنَ الصَّفَائِحِ وَالْأَحْجَارِ وَالطِّينِ فِيهِ الْإِمَامُ الَّذِي عَمَّتْ مُصِيبَتُهُ ... وَعَيَّلَتْ كُلَّ ذِي مَالٍ وَمِسْكِينِ فَلَا عَفَا اللَّهُ عَنْ مَرْوَانَ مَظْلَمَةً ... لَكِنْ عَفَا اللَّهُ عَمَّنْ قَالَ آمِينِ. وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ خَيِّرًا فَاضِلًا كَرِيمًا، قَدِمَ الْمَدِينَةَ مَرَّةً فَفَرَّقَ فِي أَهْلِهَا مَالًا جَلِيلًا، وَبَعَثَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بِخَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ، وَبَعَثَ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ بِأَلْفِ دِينَارٍ، فَبَعَثَ إِلَى جَمَاعَةِ الْعَلَوِيِّينَ بِمَالٍ كَثِيرٍ. فَأَتَاهُ الْحُسَيْنُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ وَهُوَ صَغِيرٌ فَأَجْلَسَهُ فِي حِجْرِهِ، قَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ. فَبَكَى حَتَّى بَلَّ رِدَاءَهُ وَأَمَرَ وَكِيلَهُ بِإِحْضَارِ مَا بَقِيَ مِنَ الْمَالِ، فَأَحْضَرَ أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ، فَسَلَّمَهَا إِلَيْهِ، وَقَالَ: لَوْ كَانَ عِنْدَنَا شَيْءٌ آخَرُ لَسَلَّمْتُهُ إِلَيْكَ. وَسَيَّرَ مَعَهُ بَعْضَ مَوَالِيهِ إِلَى أُمِّهِ رَيْطَةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مُحَمَّدِ ابْنِالْحَنَفِيَّةِ يَعْتَذِرُ إِلَيْهَا. (وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ، وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ بَرْبَرِيَّةٌ اسْمُهَا سَلْمَى) . وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّمَ ذِكْرُ قَتْلِهِ عَلَى هَزِيمَةِ مَرْوَانَ، وَإِنَّمَا قَدَّمْنَا ذَلِكَ لِتَتْبَعَ الْحَادِثَةُ بَعْضُهَا بَعْضًا.

стр. 2383

ذِكْرُ قَتْلِ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَكَانَ قَتْلُهُ بِبُوصِيرَ، مِنْ أَعْمَالِ مِصْرَ، لِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ. وَكَانَ مَرْوَانُ لَمَّا هَزَمَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ بِالزَّابِ أَتَى مَدِينَةَ الْمَوْصِلِ وَعَلَيْهَا هِشَامُ بْنُ عَمْرٍو التَّغْلِبِيُّ، وَبِشْرُ بْنُ خُزَيْمَةَ الْأَسَدِيُّ فَقَطَعَا الْجِسْرَ، فَنَادَاهُمْ أَهْلُ الشَّامِ: هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مَرْوَانُ! فَقَالُوا: كَذَبْتُمْ، أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَفِرُّ! وَسَبَّهُ أَهْلُ الْمَوْصِلِ، وَقَالُوا: يَا جَعْدِيُّ! يَا مُعَطِّلُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَزَالَ سُلْطَانَكُمْ وَذَهَبَ بِدَوْلَتِكُمْ! الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَتَانَا بِأَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّنَا! فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ سَارَ إِلَى بَلَدٍ فَعَبَرَ دِجْلَةَ وَأَتَى حَرَّانَ، وَبِهَا ابْنُ أَخِيهِ أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ عَامِلُهُ عَلَيْهَا، فَأَقَامَ بِهَا نَيِّفًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا. وَسَارَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ حَتَّى أَتَى الْمَوْصِلَ، فَدَخَلَهَا وَعَزَلَ عَنْهَا هِشَامًا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا مُحَمَّدُ بْنُ صُولٍ، ثُمَّ سَارَ فِي أَثَرِ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ عَبْدُ اللَّهِ حَمَلَ مَرْوَانُ أَهْلَهُ وَعِيَالَهُ وَمَضَى مُنْهَزِمًا، وَخَلَّفَ بِمَدِينَةِ حَرَّانَ ابْنَ أَخِيهِ أَبَانَ بْنَ يَزِيدَ، وَتَحْتَهُ أُمُّ عُثْمَانَ ابْنَةُ مَرْوَانَ. وَقَدِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ حَرَّانَ، فَلَقِيَهُ أَبَانٌ مُسَوِّدًا مُبَايِعًا لَهُ، فَبَايَعَهُ وَدَخَلَ فِي طَاعَتِهِ، فَآمَنَهُ وَمَنْ كَانَ بِحَرَّانَ وَالْجَزِيرَةِ. وَمَضَى مَرْوَانُ إِلَى حِمْصَ، فَلَقِيَهُ أَهْلُهَا بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَأَقَامَ بِهَا يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً ثُمَّ سَارَ مِنْهَا. فَلَمَّا رَأَوْا قِلَّةَ مَنْ مَعَهُ طَمِعُوا فِيهِ، وَقَالُوا: مَرْعُوبٌ مُنْهَزِمٌ، فَاتَّبَعُوهُ بَعْدَمَا رَحَلَ عَنْهُمْ فَلَحِقُوهُ عَلَى أَمْيَالٍ. فَلَمَّا رَأَى غَبَرَةَ الْخَيْلِ كَمَّنَ لَهُمْ، فَلَمَّا جَاوَزُوا الْكَمِينَ صَافَّهُمْ مَرْوَانُ فِيمَنْ مَعَهُ وَنَاشَدَهُمْ، فَأَبَوْا إِلَّا قِتَالَهُ، فَقَاتَلَهُمْ وَأَتَاهُمُ الْكَمِينُ مِنْ خَلْفِهِمْ، فَانْهَزَمَ أَهْلُ حِمْصَ وَقُتِلُوا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى قُرَيْبِ الْمَدِينَةِ. وَأَتَى مَرْوَانُ دِمَشْقَ وَعَلَيْهَا الْوَلِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ مَرْوَانَ، فَخَلَّفَهُ بِهَا وَقَالَ: قَاتِلْهُمْ حَتَّى يَجْتَمِعَ أَهْلُ الشَّامِ. وَمَضَى مَرْوَانُ حَتَّى أَتَى فِلَسْطِينَ فَنَزَلَ نَهْرَ أَبِي فُطْرُسٍ، وَقَدْ غَلَبَ عَلَى فِلَسْطِينَ الْحَكَمُ بْنُ ضَبْعَانَ الْجُذَامِيُّ، فَأَرْسَلَ مَرْوَانُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رَوْحِ بْنِ زِنْبَاعٍ الْجُذَامِيِّ فَأَجَارَهُ، وَكَانَ بَيْتُ الْمَالِ فِي يَدِ الْحَكَمِ. وَكَانَ السَّفَّاحُ قَدْ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ يَأْمُرُهُ بِاتِّبَاعِ مَرْوَانَ، فَسَارَ حَتَّى أَتَى الْمَوْصِلَ، فَتَلَقَّاهُ مَنْ بِهَا مُسَوِّدِينَ وَفَتَحُوا لَهُ الْمَدِينَةَ، ثُمَّ سَارَ إِلَى حَرَّانَ، فَتَلَّقَاهُ أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ مُسَوِّدًا، كَمَا تَقَدَّمَ، فَآمَنَهُ وَهَدَمَ عَبْدُ اللَّهِ الدَّارَ الَّتِي حُبِسَ فِيهَا إِبْرَاهِيمُ. ثُمَّ سَارَ مِنْ حَرَّانَ إِلَى مَنْبِجَ، وَقَدْ سَوَّدُوا، فَأَقَامَ بِهَا، وَبَعَثَ إِلَيْهِ أَهْلُ قِنَّسْرِينَ بِبَيْعَتِهِمْ، وَقَدِمَ عَلَيْهِ

стр. 2384

أَخُوهُ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ أَرْسَلَهُ السَّفَّاحُ مَدَدًا لَهُ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ، فَسَارَ بَعْدَ قُدُومِ عَبْدِ الصَّمَدِ بِيَوْمَيْنِ إِلَى قِنَّسْرِينَ، وَكَانُوا قَدْ سَوَّدُوا، (فَأَقَامَ يَوْمَيْنِ) ، ثُمَّ سَارَ إِلَى حِمْصَ وَبَايَعَ أَهْلَهَا وَأَقَامَ بِهَا أَيَّامًا، ثُمَّ سَارَ إِلَى بَعْلَبَكَّ، فَأَقَامَ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ سَارَ فَنَزَلَ مِزَّةَ دِمَشْقَ، وَهِيَ قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى الْغُوطَةِ. وَقَدِمَ عَلَيْهِ أَخُوهُ صَالِحُ بْنُ عَلِيٍّ مَدَدًا، فَنَزَلَ مَرْجَ عَذْرَاءَ فِي ثَمَانِيَةِ آلَافٍ، ثُمَّ تَقَدَّمَ عَبْدُ اللَّهِ فَنَزَلَ عَلَى الْبَابِ الشَّرْقِيِّ، وَنَزَلَ صَالِحٌ عَلَى بَابِ الْجَابِيَةِ، وَنَزَلَ أَبُو عَوْنٍ عَلَى بَابِ كَيْسَانَ، وَنَزَلَ بَسَّامُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَلَى بَابِ الصَّغِيرِ، وَنَزَلَ حُمَيْدُ بْنُ قَحْطَبَةَ عَلَى بَابِ تُوَمَا، وَعَبْدُ الصَّمَدِ، وَيَحْيَى بْنُ صَفْوَانَ وَالْعَبَّاسُ بْنُ يَزِيدَ عَلَى بَابِ الْفَرَادِيسِ، وَفِي دِمَشْقَ الْوَلِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، فَحَصَرُوهُ وَدَخَلُوهَا عَنْوَةً يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِخَمْسٍ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ. وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ صَعِدَ سُورَ الْمَدِينَةِ مِنْ بَابٍ شَرْقِيٍّ عَبْدُ اللَّهِ الطَّائِيُّ، وَمِنْ نَاحِيَةِ بَابِ الصَّغِيرِ بَسَّامُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، فَقَاتَلُوا بِهَا ثَلَاثَ سَاعَاتٍ، وَقُتِلَ الْوَلِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ فِيمَنْ قُتِلَ. وَأَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ فِي دِمَشْقَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ سَارَ يُرِيدُ فِلَسْطِينَ، فَلَقِيَهُ أَهْلُ الْأُرْدُنِّ وَقَدْ سَوَّدُوا، وَأَتَى نَهْرَ أَبِي فُطْرُسٍ وَقَدْ ذَهَبَ مَرْوَانُ، فَأَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بِفِلَسْطِينَ، وَنَزَلَ بِالْمَدِينَةِ يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ الْهَاشِمِيُّ، فَأَتَاهُ كِتَابُ السَّفَّاحِ يَأْمُرُهُ بِإِرْسَالِ صَالِحِ بْنِ عَلِيٍّ فِي طَلَبِ مَرْوَانَ. فَسَارَ صَالِحٌ مِنْ نَهْرِ أَبِي فُطْرُسٍ فِي ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، وَمَعَهُ ابْنُ فَتَّانٍ، وَعَامِرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، فَقَدَّمَ صَالِحٌ أَبَا عَوْنٍ، وَعَامِرَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الْحَارِثِيَّ، فَسَارُوا حَتَّى بَلَغُوا الْعَرِيشَ. فَأَحْرَقَ مَرْوَانُ مَا كَانَ حَوْلَهُ مِنْ عَلَفٍ وَطَعَامٍ. وَسَارَ صَالِحٌ فَنَزَلَ النِّيلَ، ثُمَّ سَارَ حَتَّى أَتَى الصَّعِيدَ، وَبَلَغَهُ أَنَّ خَيْلًا لِمَرْوَانَ يُحْرِقُونَ الْأَعْلَافَ فَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ فَأُخِذُوا، وَقَدِمَ بِهِمْ عَلَى صَالِحٍ وَهُوَ بِالْفُسْطَاطِ، وَسَارَ فَنَزَلَ مَوْضِعًا يُقَالُ لَهُ ذَاتُ السَّلَاسِلِ. وَقَدَّمَ أَبُو عَوْنٍ عَامِرَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الْحَارِثِيَّ، وَشُعْبَةَ بْنَ كَثِيرٍ الْمَازِنِيَّ فِي خَيْلِ أَهْلِ الْمَوْصِلِ، فَلَقُوا خَيْلًا لِمَرْوَانَ، فَهَزَمُوهُمْ وَأَسَرُوا مِنْهُمْ رِجَالًا، فَقَتَلُوا بَعْضًا وَاسْتَحْيَوْا بَعْضًا، فَسَأَلُوهُمْ عَنْ مَرْوَانَ فَأَخْبَرُوهُمْ بِمَكَانِهِ عَلَى أَنْ يُؤَمِّنُوهُمْ. وَسَارُوا فَوَجَدُوهُ نَازِلًا فِي كَنِيسَةٍ فِي بُوصِيرَ، فَوَافَوْهُ لَيْلًا، وَكَانَ أَصْحَابُ أَبِي عَوْنٍ قَلِيلِينَ، فَقَالَ لَهُمْ عَامِرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: إِنْ أَصْبَحْنَا وَرَأَوْا قِلَّتَنَا أَهْلَكُونَا وَلَمْ يَنْجُ مِنَّا أَحَدٌ. وَكَسَرَ جَفْنَ سَيْفِهِ وَفَعَلَ أَصْحَابُهُ مِثْلَهُ، وَحَمَلُوا عَلَى أَصْحَابِ مَرْوَانَ فَانْهَزَمُوا، وَحَمَلَ رَجُلٌ عَلَى مَرْوَانَ فَطَعَنَهُ وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ، وَصَاحَ صَائِحٌ: صُرِعَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ! فَابْتَدَرُوهُ فَسَبَقَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ

стр. 2385

أَهْلِ الْكُوفَةِ كَانَ يَبِيعُ الرُّمَّانَ فَاحْتَزَّ رَأْسَهُ، فَأَخَذَهُ عَامِرٌ فَبَعَثَ بِهِ إِلَى أَبِي عَوْنٍ، وَبَعَثَهُ أَبُو عَوْنٍ إِلَى صَالِحٍ. فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ أَمَرَ أَنْ يُقَصَّ لِسَانُهُ، فَانْقَطَعَ لِسَانُهُ، فَأَخَذَهُ هِرٌّ، فَقَالَ صَالِحٌ: مَاذَا تُرِينَا الْأَيَّامُ مِنَ الْعَجَائِبِ وَالْعِبَرِ! هَذَا لِسَانُ مَرْوَانَ قَدْ أَخَذَهُ هِرٌّ. وَقَالَ شَاعِرٌ: قَدْ فَتَحَ اللَّهُ مِصْرًا عَنْوَةً لَكُمْ ... وَأَهْلَكَ الْفَاجِرَ الْجَعْدِيَّ إِذْ ظَلَمَا فَلَاكَ مِقْوَلَهُ هِرٌّ يُجَرِّرُهُ ... وَكَانَ رَبُّكَ مِنْ ذِي الْكُفْرِ مُنْتَقِمًا وَسَيَّرَهُ صَالِحٌ إِلَى أَبِي الْعَبَّاسِ السَّفَّاحِ. وَكَانَ قَتْلُهُ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَرَجَعَ صَالِحٌ إِلَى الشَّامِ، وَخَلَّفَ أَبَا عَوْنٍ بِمِصْرَ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ السِّلَاحَ وَالْأَمْوَالَ وَالرَّقِيقَ. وَلَمَّا وَصَلَ الرَّأْسُ إِلَى السَّفَّاحِ كَانَ بِالْكُوفَةِ، فَلَمَّا رَآهُ سَجَدَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَظْهَرَنِي عَلَيْكَ وَأَظْفَرَنِي بِكَ، وَلَمْ يُبْقِ ثَأْرِي قِبَلَكَ، وَقِبَلَ رَهْطِكَ أَعْدَاءِ الدِّينِ! وَتَمَثَّلَ: لَوْ يَشْرَبُونَ دَمِي لَمْ يُرْوَ شَارِبُهُمْ ... وَلَا دِمَاؤُهُمْ لِلْغَيْظِ تَرْوِينِي وَلِمَا قُتِلَ مَرْوَانُ هَرَبَ ابْنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ وَعُبَيْدُ اللَّهِ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَلَقُوا مِنَ الْحَبَشَةِ بَلَاءً، قَاتَلَهُمْ الْحَبَشَةُ فَقُتِلَ عُبَيْدُ اللَّهِ وَنَجَا عَبْدُ اللَّهِ فِي عِدَّةٍ مِمَّنْ مَعَهُ، فَبَقِيَ إِلَى خِلَافَةِ الْمَهْدِيِّ، فَأَخَذَهُ نَصْرُ بْنُمُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ، عَامِلُ فِلَسْطِينَ، فَبَعَثَ بِهِ إِلَى الْمَهْدِيِّ. وَلَمَّا قُتِلَ مَرْوَانُ قَصَدَ عَامِرٌ الْكَنِيسَةَ الَّتِي فِيهَا حُرَمُ مَرْوَانَ، وَكَانَ قَدْ وَكَّلَ بِهِنَّ خَادِمًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقْتُلَهُنَّ بَعْدَهُ، فَأَخَذَهُ عَامِرٌ وَأَخَذَ نِسَاءَ مَرْوَانَ وَبَنَاتِهِ، فَسَيَّرَهُنَّ إِلَى صَالِحِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ. فَلَمَّا دَخَلْنَ عَلَيْهِ تَكَلَّمَتِ ابْنَةُ مَرْوَانَ الْكُبْرَى، فَقَالَتْ: يَا عَمَّ أَمِيرِ
следующие страницы →