← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَمِائَة] ١٤١ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ خُرُوجِ الرَّاوِنْدِيَّةِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ خُرُوجُ الرَّاوِنْدِيَّةِ عَلَى الْمَنْصُورِ، وَهُمْ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ عَلَى رَأْيِ أَبِي مُسْلِمٍ صَاحِبِ الدَّعْوَةِ، يَقُولُونَ بِتَنَاسُخِ الْأَرْوَاحِ، يَزْعُمُونَ أَنَّ رُوحَ آدَمَ فِي عُثْمَانَ بْنِ نَهِيكٍ، وَأَنَّ رَبَّهُمُ الَّذِي يُطْعِمُهُمْ وَيَسْقِيهِمْ هُوَ الْمَنْصُورُ، وَأَنَّ جَبْرَائِيلَ هُوَ الْهَيْثَمُ بْنُ مُعَاوِيَةَ. فَلَمَّا ظَهَرُوا أَتَوْا قَصْرَ الْمَنْصُورِ فَقَالُوا: هَذَا قَصْرُ رَبِّنَا. فَأَخَذَ الْمَنْصُورُ رُؤَسَاءَهُمْ، فَحَبَسَ مِنْهُمْ مِائَتَيْنِ، فَغَضِبَ أَصْحَابُهُمْ، وَأَخَذُوا نَعْشًا، وَحَمَلُوا السَّرِيرَ، وَلَيْسَ فِي النَّعْشِ أَحَدٌ، وَمَرُّوا بِهِ حَتَّى صَارُوا عَلَى بَابِ السِّجْنِ فَرَمَوْا بِالنَّعْشِ، وَحَمَلُوا عَلَى النَّاسِ وَدَخَلُوا السِّجْنَ وَأَخْرَجُوا أَصْحَابَهُمْ. وَقَصَدُوا نَحْوَ الْمَنْصُورِ، وَهُمْ يَوْمَئِذٍ سِتُّمِائَةِ رَجُلٍ، فَتَنَادَى النَّاسُ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ الْمَدِينَةِ فَلَمْ يَدْخُلْ أَحَدٌ، فَخَرَجَ الْمَنْصُورُ مِنَ الْقَصْرِ مَاشِيًا، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْقَصْرِ دَابَّةٌ، فَجَعَلَ بَعْدَ ذَلِكَ [الْيَوْمِ] يَرْتَبِطُ دَابَّةً مَعَهُ فِي الْقَصْرِ. فَلَمَّا خَرَجَ الْمَنْصُورُ أُتِيَ بِدَابَّةٍ فَرَكِبَهَا وَهُوَ يُرِيدُهُمْ، (وَتَكَاثَرُوا عَلَيْهِ حَتَّى كَادُوا يَقْتُلُونَهُ) ، وَجَاءَ مَعْنُ بْنُ زَائِدَةَ (الشَّيْبَانِيُّ، وَكَانَ مُسْتَتِرًا مِنَ الْمَنْصُورِ بِقِتَالِهِ مَعَ ابْنِ هُبَيْرَةَ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَالْمَنْصُورُ شَدِيدُ الطَّلَبِ لَهُ وَقَدْ بَذَلَ فِيهِ مَالًا كَثِيرًا، فَلَمَّا كَانَ هَذَا الْيَوْمُ حَضَرَ عِنْدَ الْمَنْصُورِ مُتَلَثِّمًا، وَتَرَجَّلَ وَقَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا، وَأَبْلَى بَلَاءً حَسَنًا، وَكَانَ الْمَنْصُورُ رَاكِبًا عَلَى بَغْلَةٍ وَلِجَامُهَا بِيَدِ الرَّبِيعِ حَاجِبِهِ. فَأَتَى مَعْنٌ وَقَالَ: تَنَحَّ فَأَنَا أَحَقُّ بِهَذَا اللِّجَامِ مِنْكَ فِي هَذَا الْوَقْتِ وَأَعْظَمُ غَنَاءً. فَقَالَ الْمَنْصُورُ: صَدَقَ فَادْفَعْهُ إِلَيْهِ. فَلَمْ يَزَلْ يُقَاتِلُ حَتَّى تَكَشَّفَتِ الْحَالُ وَظَفِرَ بِالرَّاوِنْدِيَّةِ. فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُورُ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: طِلْبَتُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَعْنُ بْنُ زَائِدَةَ. فَقَالَ: آمَنَكَ اللَّهُ عَلَى نَفْسِكَ وَمَالِكَ وَأَهْلِكَ، مِثْلُكَ يُصْطَنَعُ) .

стр. 2452

وَجَاءَ أَبُو نَصْرٍ مَالِكُ بْنُ الْهَيْثَمِ فَوَقَفَ عَلَى بَابِ الْمَنْصُورِ وَقَالَ: أَنَا الْيَوْمَ بَوَّابٌ. وَنُودِيَ فِي أَهْلِ السُّوقِ فَرَمَوْهُمْ وَقَاتَلُوهُمْ، وَفُتِحَ بَابُ الْمَدِينَةِ فَدَخَلَ النَّاسُ، فَجَاءَ خَازِمُ بْنُ خُزَيْمَةَ فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ حَتَّى أَلْجَأَهُمْ إِلَى الْحَائِطِ، ثُمَّ حَمَلُوا عَلَيْهِ فَكَشَفُوهُ مَرَّتَيْنِ. فَقَالَ خَازِمٌ لِلْهَيْثَمِ بْنِ شُعْبَةَ: إِذَا كَرُّوا عَلَيْنَا فَاسْتَبِقْهُمْ إِلَى الْحَائِطِ، فَإِذَا رَجَعُوا فَاقْتُلْهُمْ. فَحَمَلُوا عَلَى خَازِمٍ، فَاطَّرَدَ لَهُمْ وَصَارَ الْهَيْثَمُ مِنْ وَرَائِهِمْ فَقُتِلُوا جَمِيعًا. وَجَاءَهُمْ يَوْمَئِذٍ عُثْمَانُ بْنُ نَهِيكٍ فَكَلَّمَهُمْ، فَرَمَوْهُ بِسَهْمٍ عِنْدَ رُجُوعِهِ فَوَقَعَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، فَمَرِضَ أَيَّامًا وَمَاتَ مِنْهَا، فَصَلَّى عَلَيْهِ الْمَنْصُورُ، وَجَعَلَ عَلَى حَرَسِهِ بَعْدَهُ عِيسَى بْنَ نَهِيكٍ، فَكَانَ عَلَى الْحَرَسِ حَتَّى مَاتَ، فَجُعِلَ عَلَى الْحَرَسِ أَبُو الْعَبَّاسِ الطُّوسِيُّ، وَكَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ بِالْمَدِينَةِ الْهَاشِمِيَّةِ [بِالْكُوفَةِ] . فَلَمَّا صَلَّى الْمَنْصُورُ الظُّهْرَ دَعَا بِالْعَشَاءِ، وَأَحْضَرَ مَعْنًا وَرَفَعَ مَنْزِلَتَهُ، وَقَالَ لِعَمِّهِ عِيسَى بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: يَا أَبَا الْعَبَّاسِ، أَسَمِعْتَ بِأَشَدِّ رَجُلٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: لَوْ رَأَيْتَ الْيَوْمَ مَعْنًا لَعَلِمْتَ أَنَّهُ مِنْهُمْ. فَقَالَ مَعْنٌ: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَقَدْ أَتَيْتُكَ وَإِنِّي لَوَجِلُ الْقَلْبِ، فَلَمَّا رَأَيْتُ مَا عِنْدَكَ مِنْ الِاسْتِهَانَةِ بِهِمْ، وَشِدَّةِ الْإِقْدَامِ عَلَيْهِمْ رَأَيْتُ مَا لَمْ أَرَهُ مِنْ خُلُقٍ فِي حَرْبٍ، فَشَدَّ ذَلِكَ مِنْ قَلْبِي وَحَمَلَنِي عَلَى مَا رَأَيْتَ مِنِّي. وَقِيلَ: كَانَ مَعْنٌ مُتَخَفِّيًا مِنَ الْمَنْصُورِ لِمَا كَانَ مِنْهُ مِنْ قِتَالِهِ مَعَ ابْنِ هُبَيْرَةَ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَكَانَ اخْتِفَاؤُهُ عِنْدَ أَبِي الْخَصِيبِ حَاجِبِ الْمَنْصُورِ، وَكَانَ عَلَى أَنْ يَطْلُبَ [لَهُ] الْأَمَانَ، فَلَمَّا خَرَجَتِ الرَّاوِنْدِيَّةُ جَاءَ مَعْنٌ فَوَقَفَ بِالْبَابِ، فَسَأَلَ الْمَنْصُورُ أَبَا الْخَصِيبِ: مَنْ بِالْبَابِ؟ فَقَالَ: مَعْنُ بْنُ زَائِدَةَ. فَقَالَ الْمَنْصُورُ: رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ، شَدِيدُ النَّفْسِ، عَالِمٌ بِالْحَرْبِ، كَرِيمُ الْحَسَبِ، أَدْخِلْهُ، فَلَمَّا دَخَلَ قَالَ: إِيهٍ يَا مَعْنُ! مَا الرَّأْيُ؟ قَالَ: الرَّأْيُ أَنْ تُنَادِيَ فِي النَّاسِ فَتَأْمُرَ لَهُمْ بِالْأَمْوَالِ. فَقَالَ: وَأَيْنَ النَّاسُ وَالْأَمْوَالُ؟ وَمَنْ تَقَدَّمَ عَلَى أَنْ يَعْرِضَ نَفْسَهُ لِهَؤُلَاءِ الْعُلُوجِ! لَمْ تَصْنَعْ شَيْئًا يَا مَعْنُ! الرَّأْيُ أَنْ أَخْرُجَ فَأَقِفَ لِلنَّاسِ، فَإِذَا رَأَوْنِي قَاتَلُوا وَتَرَاجَعُوا إِلَيَّ، وَإِنْ أَقَمْتُ تَهَاوَنُوا وَتَخَاذَلُوا. فَأَخَذَ مَعْنٌ بِيَدِهِ وَقَالَ: لَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِذًا، وَاللَّهِ تُقْتَلُ السَّاعَةَ، فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ! فَقَالَ لَهُ أَبُو الْخَصِيبِ مِثْلَهَا، فَجَذَبَ ثَوْبَهُ مِنْهُمَا وَرَكِبَ دَابَّتَهُ، وَخَرَجَ وَمَعْنٌ آخِذٌ بِلِجَامِ دَابَّتِهِ، وَأَبُو الْخَصِيبِ مَعَ رِكَابِهِ، وَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَتَلَهُ مَعْنٌ حَتَّى قَتَلَ أَرْبَعَةً فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، حَتَّى اجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ فَلَمْ يَكُنْ إِلَّا سَاعَةً حَتَّى أَفْنَوْهُمْ.

стр. 2453

ثُمَّ تَغَيَّبَ مَعْنٌ، فَسَأَلَ الْمَنْصُورُ عَنْهُ أَبَا الْخَصِيبِ فَقَالَ: لَا أَعْلَمُ مَكَانَهُ. فَقَالَ الْمَنْصُورُ: أَيَظُنُّ مَعْنٌ أَنْ لَا أَغْفِرَ ذَنْبَهُ بَعْدَ بَلَائِهِ؟ أَعْطِهِ الْأَمَانَ وَأَدْخِلْهُ عَلَيَّ، فَأَدْخَلَهُ إِلَيْهِ، فَأَمَرَ لَهُ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ وَلَّاهُ الْيَمَنَ. ذِكْرُ خَلْعِ عَبْدِ الْجَبَّارِ بِخُرَاسَانَ وَمَسِيرِ الْمَهْدِيِّ إِلَيْهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَلَعَ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَامِلُ خُرَاسَانَ لِلْمَنْصُورِ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ الْجَبَّارِ لَمَّا اسْتَعْمَلَهُ الْمَنْصُورُ عَلَى خُرَاسَانَ عَمَدَ إِلَى الْقُوَّادِ فَقَتَلَ بَعْضَهُمْ وَحَبَسَ بَعْضَهُمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْمَنْصُورَ وَأَتَاهُ مِنْ بَعْضِهِمْ كِتَابٌ: قَدْ نَغِلَ الْأَدِيمُ. فَقَالَ لِأَبِي أَيُّوبَ: إِنَّ عَبْدَ الْجَبَّارِ قَدْ أَفْنَى شِيعَتَنَا، وَمَا فَعَلَ ذَلِكَ إِلَّا وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَخْلَعَ. فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ إِلَيْهِ أَنَّكَ تُرِيدُ غَزْوَ الرُّومِ فَلْيُوَجِّهْ إِلَيْكَ الْجُنُودَ مِنْ خُرَاسَانَ وَعَلَيْهِمْ فُرْسَانُهُمْ وَوُجُوهُهُمْ، فَإِذَا خَرَجُوا مِنْهَا فَابْعَثْ إِلَيْهِ مَنْ شِئْتَ فَلَا تُمْنَعُ. فَكَتَبَ الْمَنْصُورُ إِلَيْهِ بِذَلِكَ، وَأَجَابَهُ: إِنَّ التُّرْكَ قَدْ جَاشَتْ، وَإِنْ فَرَّقْتُ الْجُنُودَ ذَهَبَتْ خُرَاسَانَ. فَأَلْقَى الْكِتَابَ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ وَقَالَ لَهُ: مَا تَرَى؟ قَالَ: قَدْ أَمْكَنَكَ مِنْ قِيَادِهِ اكْتُبْ إِلَيْهِ: إِنَّ خُرَاسَانَ أَهَمُّ إِلَيَّ مِنْ غَيْرِهَا وَأَنَا مُوَجِّهٌ إِلَيْكَ الْجُنُودَ، ثُمَّ وَجِّهْ إِلَيْهِ الْجُنُودَ لِيَكُونُوا بِخُرَاسَانَ، فَإِنْ هَمَّ بِخَلْعٍ أَخَذُوا بِعُنُقِهِ. فَلَمَّا وَرَدَ الْكِتَابُ بِهَذَا عَلَى عَبْدِ الْجَبَّارِ أَجَابَهُ: إِنَّ خُرَاسَانَ لَمْ تَكُنْ قَطُّ أَسْوَأَ حَالًا مِنْهَا [فِي هَذَا] الْعَامِ، وَإِنْ دَخَلَهَا الْجُنُودُ هَلَكُوا لِضِيقِ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْغَلَاءِ. فَلَمَّا أَتَاهُ الْكِتَابُ أَلْقَاهُ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو أَيُّوبَ: قَدْ أَبْدَى صَفْحَتَهُ، وَقَدْ خَلَعَ فَلَا تُنَاظِرْهُ. وَوَجَّهَ الْمَنْصُورُ ابْنَهُ الْمَهْدِيَّ، وَأَمَرَهُ بِنُزُولِ الرَّيِّ، فَسَارَ إِلَيْهَا الْمَهْدِيُّ، وَوَجَّهَ خَازِمَ بْنَ خُزَيْمَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ لِحَرْبِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، وَسَارَ الْمَهْدِيُّ فَنَزَلَ نَيْسَابُورَ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ أَهْلَ مَرْوِ الرُّوذِ سَارُوا إِلَى عَبْدِ الْجَبَّارِ، وَحَارَبُوهُ وَقَاتَلُوهُ قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ مِنْهُمْ وَلَجَأَ إِلَى مَقْطَنَةٍ فَتَوَارَى فِيهَا، فَعَبَرَ إِلَيْهِ الْمُجَشَّرُ بْنُ مُزَاحِمٍ، مِنْ أَهْلِ مَرْوِ الرُّوذِ، فَأَخَذَهُ أَسِيرًا، فَلَمَّا قَدِمَ خَازِمٌ أَتَاهُ بِهِ، فَأَلْبَسَهُ جُبَّةَ صُوفٍ، وَحَمَلَهُ عَلَى بَعِيرٍ، وَجَعَلَ وَجْهَهُ مِمَّا

стр. 2454

يَلِي عَجُزَ الْبَعِيرِ وَحَمَلَهُ إِلَى الْمَنْصُورِ، وَمَعَهُ وَلَدُهُ وَأَصْحَابُهُ، فَبَسَطَ عَلَيْهِمُ الْعَذَابَ حَتَّى اسْتَخْرَجَ مِنْهُمُ الْأَمْوَالَ، ثُمَّ أَمَرَ فَقُطِعَتْ يَدَا عَبْدِ الْجَبَّارِ وَرِجْلَاهُ، وَضُرِبَ عُنُقُهُ، وَأَمَرَ بِتَسْيِيرِ وَلَدِهِ إِلَى دَهْلَكَ، وَهِيَ جَزِيرَةٌ بِالْيَمَنِ، فَلَمْ يَزَالُوا بِهَا حَتَّى أَغَارَ عَلَيْهِمُ الْهِنْدُ فَسَبَوْهُمْ فِيمَنْ سَبَوْا، ثُمَّ فُودُوا بَعْدَ ذَلِكَ. وَكَانَ مِمَّنْ نَجَا مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، صَحِبَ الْخُلَفَاءَ، وَمَاتَ أَيَّامَ الرَّشِيدِ سَنَةَ سَبْعِينَ وَمِائَةٍ. قِيلَ: وَكَانَ أَمْرُ عَبْدِ الْجَبَّارِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ فِي رَبِيعِ الْأَوَّلِ، وَقِيلَ: سَنَةَ أَرْبَعِينَ. ذِكْرُ فَتْحِ طَبَرِسْتَانَ وَلَمَّا ظَفِرَ الْمَهْدِيُّ بِعَبْدِ الْجَبَّارِ بِغَيْرِ تَعَبٍ وَلَا مُبَاشَرَةِ قِتَالٍ كَرِهَ الْمَنْصُورُ أَنْ تَبْطُلَ تِلْكَ النَّفَقَاتُ الَّتِي أَنْفَقَ عَلَى الْمَهْدِيِّ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَغْزُوَ طَبَرِسْتَانَ، وَيَنْزِلَ الرَّيَّ، وَيُوَجِّهَ أَبَا الْخَصِيبِ، وَخَازِمَ بْنَ خُزَيْمَةَ، وَالْجُنُودَ إِلَى الْأَصْبَهْبَذِ، وَكَانَ الْأَصْبَهْبَذُ يَوْمَئِذٍ مُحَارِبًا لِلْمُصْمُغَانِ، مَلِكِ دُنَبَاوَنْدَ، مُعَسْكِرًا بِإِزَائِهِ، فَلَمَّا بَلَغَهُ دُخُولُ الْجُنُودِ بِلَادَهُ وَدُخُولُ أَبِي الْخَصِيبِ سَارِيَةَ قَالَ الْمُصْمُغَانُ لِلْأَصْبَهْبَذِ: مَتَى قَهَرُوكَ صَارُوا إِلَيَّ، فَاجْتَمَعَا عَلَى حَرْبِ الْمُسْلِمِينَ. فَانْصَرَفَ الْأَصْبَهْبَذُ إِلَى بِلَادِهِ فَحَارَبَ الْمُسْلِمِينَ، فَطَالَتْ تِلْكَ الْحُرُوبُ، فَوَجَّهَ الْمَنْصُورُ عُمَرَ بْنَ الْعَلَاءِ إِلَى طَبَرِسْتَانَ، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ بَشَّارٌ: إِذَا أَيْقَظَتْكَ حُرُوبُ الْعِدَى ... فَنَبِّهْ لَهَا عُمَرًا ثُمَّ نَمْ. وَكَانَ عَالِمًا بِبِلَادِ طَبَرِسْتَانَ، فَأَخَذَ الْجُنُودَ وَقَصَدَ الرُّويَانَ وَفَتَحَهَا، وَأَخَذَ قَلْعَةَ الطَّاقِ وَمَا فِيهَا، وَطَالَتِ الْحَرْبُ، فَأَلَحَّ خَازِمٌ عَلَى الْقِتَالِ فَفَتَحَ طَبَرِسْتَانَ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ فَأَكْثَرَ، وَسَارَ الْأَصْبَهْبَذُ إِلَى قَلْعَتِهِ فَطَلَبَ الْأَمَانَ عَلَى أَنْ يُسَلِّمَ الْقَلْعَةَ بِمَا فِيهَا مِنَ الذَّخَائِرِ. وَكَتَبَ الْمَهْدِيُّ بِذَلِكَ إِلَى الْمَنْصُورِ، فَوَجَّهَ الْمَنْصُورَ صَالِحًا صَاحِبَ الْمُصَلَّى، فَأَحْصَوْا مَا فِي الْحِصْنِ وَانْصَرَفُوا، وَدَخَلَ الْأَصْبَهْبَذُ بِلَادَ جِيلَانَ مِنَ الدَّيْلَمِ، فَمَاتَ بِهَا،

стр. 2455

وَأَخَذَتِ ابْنَتُهُ، وَهِيَ أُمُّ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَقَصَدَتِ الْجُنُودُ بَلَدَ الْمُصْمُغَانِ فَظَفِرُوا بِهِ وَبِالْبُحْتُرِيَّةِ، أُمِّ مَنْصُورِ بْنِ الْمَهْدِيِّ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُزِلَ زِيَادُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْحَارِثِيُّ عَنْ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالطَّائِفِ، وَاسْتُعْمِلَ عَلَى الْمَدِينَةِ: مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ فِي رَجَبٍ، وَعَلَى الطَّائِفِ وَمَكَّةَ: الْهَيْثَمُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْعَتَكِيُّ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُوسَى بْنُ كَعْبٍ وَهُوَ عَلَى شُرَطِ الْمَنْصُورِ وَعَلَى مِصْرَ وَالْهِنْدِ، وَخَلِيفَتُهُ عَلَى الْهِنْدِ عُيَيْنَةُ ابْنُهُ، وَكَانَ قَدْ عُزِلَ مُوسَى عَنْ مِصْرَ، وَوَلِيَهَا مُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ، ثُمَّ عُزِلَ، وَوَلِيَهَا نَوْفَلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُرَاتِ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ صَالِحُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ عَلَى الشَّامِ. وَعَلَى الْكُوفَةِ: عِيسَى بْنُ مُوسَى، وَعَلَى الْبَصْرَةِ: سُفْيَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَعَلَى خُرَاسَانَ الْمَهْدِيُّ، وَخَلِيفَتُهُ بِهَا السَّرِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَلَى الْمَوْصِلِ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيٍّ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ سَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ أَخُو يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ.

стр. 2456

وَأَبَانُ بْنُ تَغْلِبَ الْقَارِئُ.

стр. 2457

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَة] ١٤٢ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ خَلْعِ عُيَيْنَةَ بْنِ مُوسَى بْنِ كَعْبٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَلَعَ عُيَيْنَةُ بْنُ مُوسَى بِالسِّنْدِ، وَكَانَ عَامِلًا عَلَيْهَا. وَسَبَبُ خَلْعِهِ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ اسْتَخْلَفَ الْمُسَيَّبَ بْنَ زُهَيْرٍ عَلَى الشُّرَطِ، فَلَمَّا مَاتَ مُوسَى أَقَامَ الْمُسَيَّبُ عَلَى مَا كَانَ يَلِي مِنَ الشُّرَطِ، وَخَافَ أَنْ يُحْضِرَ الْمَنْصُورُ عُيَيْنَةَ فَيُوَلِّيَهُ مَا كَانَ إِلَى أَبِيهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ بِبَيْتِ شِعْرٍ، وَلَمْ يَنْسُبِ الْكِتَابَ إِلَى نَفْسِهِ: فَأَرْضَكَ أَرْضَكَ إِنْ تَأْتِنَا تَنَمْ نَوْمَةً لَيْسَ فِيهَا حُلُمْ فَخَلَعَ الطَّاعَةَ. فَلَمَّا بَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى الْمَنْصُورِ سَارَ بِعَسْكَرِهِ حَتَّى نَزَلَ عَلَى جِسْرِ الْبَصْرَةِ، وَوَجَّهَ عُمَرَ بْنَ حَفْصِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ الْعَتَكِيَّ عَامِلًا عَلَى السِّنْدِ وَالْهِنْدِ، فَحَارَبَهُ عُيَيْنَةُ، فَسَارَ حَتَّى وَرَدَ السِّنْدَ فَغَلَبَ عَلَيْهَا. ذِكْرُ نَكْثِ الْأَصْبَهْبَذِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ نَكَثَ الْأَصْبَهْبَذُ بِطَبَرِسْتَانَ الْعَهْدَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَتَلَ مَنْ كَانَ بِبِلَادِهِ مِنْهُمْ، فَلَمَّا انْتَهَى الْخَبَرُ إِلَى الْمَنْصُورِ سَيَّرَ مَوْلَاهُ أَبَا الْخَصِيبِ، وَخَازِمَ بْنَ خُزَيْمَةَ، وَرَوْحَ بْنَ حَاتِمٍ، فَأَقَامُوا عَلَى الْحِصْنِ يُحَاصِرُونَهُ وَهُوَ فِيهِ. فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهِمُ الْمُقَامُ احْتَالَ أَبُو الْخَصِيبِ فِي ذَلِكَ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: اضْرِبُونِي وَاحْلِقُوا رَأْسِي وَلِحْيَتِي. فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ. وَلَحِقَ بِالْأَصْبَهْبَذِ فَقَالَ لَهُ: فُعِلَ بِي هَذَا تُهْمَةً مِنْهُمْ لِي أَنْ يَكُونَ هَوَايَ مَعَكَ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ مَعَهُ، وَأَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى عَوْرَةِ عَسْكَرِهِمْ. فَقَبِلَ ذَلِكَ الْأَصْبَهْبَذُ، وَجَعَلَهُ فِي خَاصَّتِهِ وَأَلْطَفَهُ.

стр. 2458

وَكَانَ بَابُ حِصْنِهِمْ مِنْ حَجَرٍ يُلْقَى إِلْقَاءً، تَرْفَعُهُ الرِّجَالُ وَتَضَعُهُ عِنْدَ فَتْحِهِ وَإِغْلَاقِهِ، وَكَانَ الْأَصْبَهْبَذُ يُوَكِّلُ بِهِ ثِقَاتِ أَصْحَابِهِ نُوَّابًا بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا وَثِقَ الْأَصْبَهْبَذُ بِأَبِي الْخَصِيبِ وَكَّلَهُ بِالْبَابِ، فَتَوَلَّى فَتْحَهُ وَإِغْلَاقَهُ حَتَّى أَنِسَ بِهِ. ثُمَّ كَتَبَ أَبُو الْخَصِيبِ إِلَى رَوْحٍ وَخَازِمٍ، وَأَلْقَى الْكِتَابَ فِي سَهْمٍ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ قَدْ ظَفِرَ بِالْحِيلَةِ، وَوَاعَدَهُمْ لَيْلَةً فِي فَتْحِ الْبَابِ، فَلَمَّا كَانَ تِلْكَ اللَّيْلَةُ فَتَحَ لَهُمْ، فَقَتَلُوا مَنْ فِي الْحِصْنِ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ، وَسَبَوُا الذُّرِّيَّةَ، وَأَخَذُوا شَكْلَةَ، أُمَّ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ. وَكَانَ مَعَ الْأَصْبَهْبَذِ سُمٌّ فَشَرِبَهُ فَمَاتَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِيهَا مَاتَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ عَلَى الْبَصْرَةِ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَعُمُرُهُ تِسْعٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً، وَصَلَّى عَلَيْهِ أَخُوهُ عَبْدُ الصَّمَدِ وَفِيهَا عُزِلَ نَوْفَلُ بْنُ الْفُرَاتِ عَنْ مِصْرَ وَوَلِيَهَا حُمَيْدُ بْنُ قَحْطَبَةَ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَكَانَ الْعُمَّالُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ. وَوَلَّى الْمَنْصُورُ الْجَزِيرَةَ وَالثُّغُورَ وَالْعَوَاصِمَ أَخَاهُ الْعَبَّاسَ بْنَ مُحَمَّدٍ، وَعَزَلَ الْمَنْصُورُ عَمَّهُ إِسْمَاعِيلَ بْنَ عَلِيٍّ عَنِ الْمَوْصِلِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا مَالِكَ بْنَ

стр. 2459

الْهَيْثَمِ الْخُزَاعِيَّ جَدَّ أَحْمَدَ بْنِ نُصَيْرٍ الَّذِي قَتَلَهُ الْوَاثِقُ، وَكَانَ خَيْرَ أَمِيرٍ. [الْوَفَيَاتُ] فِيهَا مَاتَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ أَبُو سَعِيدٍ قَاضِي الْمَدِينَةِ، وَقِيلَ سَنَةَ ثَلَاثٍ، وَقِيلَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ. وَفِيهَا مَاتَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ مَوْلَى آلِ الزُّبَيْرِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَيْضًا عَاصِمُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلُ، وَقِيلَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ. وَفِيهَا مَاتَ حُمَيْدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ طُرْخَانَ، وَقِيلَ مِهْرَانُ، مَوْلَى طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِيِّ، وَهُوَ حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، يَرْوِي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَعُمُرُهُ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً.

стр. 2460

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَة] ١٤٣ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ ثَارَ الدَّيْلَمُ بِالْمُسْلِمِينَ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْمَنْصُورَ، فَنَدَبَ النَّاسَ إِلَى قِتَالِ الدَّيْلَمِ وَجِهَادِهِمْ. وَفِيهَا عُزِلَ الْهَيْثَمُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ، وَوَلِيَ ذَلِكَ السَّرِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْعَبَّاسِ، وَكَانَ عَلَى الْيَمَامَةِ، فَسَارَ إِلَى مَكَّةَ، وَاسْتَعْمَلَ الْمَنْصُورُ عَلَى الْيَمَامَةِ قُثَمَ بْنَ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. وَفِيهَا عُزِلَ حُمَيْدُ بْنُ قَحْطَبَةَ عَنْ مِصْرَ، وَاسْتُعْمِلَ عَلَيْهَا نَوْفَلُ بْنُ الْفُرَاتِ، ثُمَّ عُزِلَ نَوْفَلٌ، وَاسْتُعْمِلَ عَلَيْهَا يَزِيدُ بْنُ حَاتِمٍ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ عِيسَى بْنُ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَكَانَ إِلَيْهِ وِلَايَةُ الْكُوفَةِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِيهَا ثَارَ بِالْأَنْدَلُسِ رِزْقُ بْنُ النُّعْمَانِ الْغَسَّانِيُّ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَكَانَ رِزْقٌ عَلَى الْجَزِيرَةِ الْخَضْرَاءِ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ خَلْقٌ عَظِيمٌ، فَسَارَ إِلَى شَذُونَةَ فَمَلَكَهَا، وَدَخَلَ مَدِينَةَ

стр. 2461

إِشْبِيلِيَّةَ، وَعَاجَلَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَحَصَرَهُ فِيهَا، وَضَيَّقَ عَلَى مَنْ بِهَا، فَتَقَرَّبُوا إِلَيْهِ بِتَسْلِيمِ رِزْقٍ إِلَيْهِ فَقَتَلَهُ، فَآمَنَهُمْ وَرَجَعَ عَنْهُمْ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَطِيَّةَ صَاحِبُ الشَّارِعَةِ، وَهِيَ نَخْلٌ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ طُرْخَانَ التَّيْمِيُّ، وَأَشْعَثُ بْنُ سَوَّارٍ، وَمُجَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ.

стр. 2462

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَة] ١٤٤ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَيَّرَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّاسَ مِنَ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَالْجَزِيرَةِ وَالْمَوْصِلِ إِلَى غَزْوِ الدَّيْلَمِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي الْعَبَّاسِ السَّفَّاحَ. وَفِيهَا رَجَعَ الْمَهْدِيُّ مِنْ خُرَاسَانَ إِلَى الْعِرَاقِ، وَبَنَى بِرَيْطَةَ ابْنَةِ عَمِّهِ السَّفَّاحِ. وَفِيهَا حَجَّ الْمَنْصُورُ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى عَسْكَرِهِ وَالْمِيرَةِ خَازِمَ بْنَ خُزَيْمَةَ. ذِكْرُ اسْتِعْمَالِ رِيَاحِ بْنِ عُثْمَانَ الْمُرِّيِّ عَلَى الْمَدِينَةِ وَأَمْرِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ الْمَنْصُورُ عَلَى الْمَدِينَةِ رِيَاحَ بْنَ عُثْمَانَ الْمُرِّيَّ، وَعَزَلَ مُحَمَّدَ بْنَ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيَّ عَنْهَا. وَكَانَ سَبَبُ عَزْلِهِ وَعَزْلِ زِيَادٍ قَبْلَهُ أَنَّ الْمَنْصُورَ أَهَمَّهُ أَمْرُ مُحَمَّدٍ وَإِبْرَاهِيمَ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَتَخَلُّفُهُمَا عَنِ الْحُضُورِ عِنْدَهُ مَعَ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ عَامَ حَجَّ أَيَّامَ السَّفَّاحِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، وَذَكَرَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ كَانَ يَزْعُمُ أَنَّ الْمَنْصُورَ مِمَّنْ بَايَعَهُ لَيْلَةَ تَشَاوَرَ بَنُو هَاشِمٍ بِمَكَّةَ فِيمَنْ يَعْقِدُونَ لَهُ الْخِلَافَةَ حِينَ اضْطَرَبَ أَمْرُ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ، فَلَمَّا حَجَّ الْمَنْصُورُ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ سَأَلَ عَنْهُمَا، فَقَالَ لَهُ زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَارِثِيُّ: مَا يُهِمُّكَ مِنْ أَمْرِهِمَا، أَنَا آتِيكَ بِهِمَا. وَكَانَ مَعَهُ بِمَكَّةَ، فَرَدَّهُ الْمَنْصُورُ إِلَى الْمَدِينَةِ.

стр. 2463

فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ الْمَنْصُورُ لَمْ يَكُنْ هَمُّهُ إِلَّا أَمْرَ مُحَمَّدٍ وَالْمَسْأَلَةَ عَنْهُ وَمَا يُرِيدُ، فَدَعَا بَنِي هَاشِمٍ رَجُلًا رَجُلًا يَسْأَلُهُ سِرًّا عَنْهُ، فَكُلُّهُمْ يَقُولُ: قَدْ عَلِمَ أَنَّكَ عَرَفْتَهُ يَطْلُبُ هَذَا الْأَمْرَ، فَهُوَ يَخَافُكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَهُوَ لَا يُرِيدُ لَكَ خِلَافًا، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا الْكَلَامَ، إِلَّا الْحَسَنُ بْنُ زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَإِنَّهُ أَخْبَرَهُ خَبَرَهُ وَقَالَ لَهُ: وَاللَّهِ مَا آمَنُ وُثُوبَهُ عَلَيْكَ، فَإِنَّهُ لَا يَنَامُ عَنْكَ، فَأَيْقَظَ بِكَلَامِهِ مَنْ لَا يَنَامُ، فَكَانَ مُوسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ: اللَّهُمَّ اطْلُبْ حَسَنَ بْنَ زَيْدٍ بِدِمَائِنَا. ثُمَّ أَلَحَّ الْمَنْصُورُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ فِي إِحْضَارِ ابْنِهِ مُحَمَّدٍ سَنَةَ حَجَّ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لِسُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: يَا أَخِي بَيْنَنَا مِنَ الصِّهْرِ وَالرَّحِمِ مَا تَعْلَمُ، فَمَا تَرَى؟ فَقَالَ سُلَيْمَانُ: وَاللَّهِ لَكَأَنَّنِي أَنْظُرُ إِلَى أَخِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ حِينَ السِّتْرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَنَا وَهُوَ يُشِيرُ إِلَيْنَا: هَذَا الَّذِي فَعَلْتُمْ بِي، فَلَوْ كَانَ عَافِيًا عَفَا عَنْ عَمِّهِ. فَقَبِلَ عَبْدُ اللَّهِ رَأْيَ سُلَيْمَانَ، وَعَلِمَ أَنَّهُ قَدْ صَدَقَهُ وَلَمْ يُظْهِرِ ابْنَهُ. ثُمَّ إِنَّ الْمَنْصُورَ اشْتَرَى رَقِيقًا مِنْ رَقِيقِ الْأَعْرَابِ، وَأَعْطَى الرَّجُلَ مِنْهُمُ الْبَعِيرَ، وَالرَّجُلَ الْبَعِيرَيْنِ، وَالرَّجُلَ الذَّوْدَ، وَفَرَّقَهُمْ فِي طَلَبِ مُحَمَّدٍ فِي ظَهْرِ الْمَدِينَةِ، وَكَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَرِدُ الْمَاءَ كَالْمَارِّ، وَكَالضَّالِّ يَسْأَلُونَ عَنْهُ، وَبَعَثَ الْمَنْصُورُ عَيْنًا آخَرَ، وَكَتَبَ مَعَهُ كِتَابًا عَلَى أَلْسُنِ الشِّيعَةِ إِلَى مُحَمَّدٍ يَذْكُرُونَ طَاعَتَهُمْ وَمُسَارَعَتَهُمْ، وَبَعَثَ مَعَهُ بِمَالٍ وَأَلْطَافٍ، وَقَدِمَ الرَّجُلُ الْمَدِينَةَ فَدَخَلَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ فَسَأَلَهُ عَنِ ابْنِهِ مُحَمَّدٍ، فَذَكَرَ لَهُ، فَكَتَمَ لَهُ خَبَرَهُ، فَتَرَدَّدَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ، وَأَلَحَّ فِي الْمَسْأَلَةِ، فَذَكَرَ أَنَّهُ فِي جَبَلِ جُهَيْنَةَ، فَقَالَ لَهُ: امْرُرْ بِعَلِيٍّ ابْنِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ الَّذِي يُدْعَى الْأَغَرَّ، وَهُوَ بِذِي الْإِبَرِ، فَهُوَ يُرْشِدُكَ، فَأَتَاهُ فَأَرْشَدَهُ. وَكَانَ لِلْمَنْصُورِ كَاتِبٌ عَلَى سِرِّهِ يَتَشَيَّعُ، فَكَتَبَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ الْعَيْنِ، فَلَمَّا قَدِمَ الْكِتَابُ ارْتَاعُوا لَهُ وَبَعَثُوا أَبَا هَبَّارٍ إِلَى مُحَمَّدٍ وَإِلَى عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ يُحَذِّرُهُمَا الرَّجُلَ، فَخَرَجَ أَبُو هَبَّارٍ فَنَزَلَ بِعَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ وَأَخْبَرَهُ، ثُمَّ سَارَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي هُوَ بِهِ، فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ فِي كَهْفٍ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَذَلِكَ الْعَيْنُ مَعَهُمْ أَعْلَاهُمْ صَوْتًا، وَأَشَدُّهُمُ انْبِسَاطًا. فَلَمَّا رَأَى أَبَا هَبَّارٍ خَافَهُ، فَقَالَ أَبُو هَبَّارٍ لِمُحَمَّدٍ: لِي حَاجَةٌ. فَقَامَ مَعَهُ، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، قَالَ: فَمَا الرَّأْيُ؟ قَالَ: أَرَى إِحْدَى ثَلَاثٍ. قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: تَدَعُنِي أَقْتُلُ هَذَا الرَّجُلَ. قَالَ: مَا أَنَا مُقَارِفٌ دَمًا إِلَّا كَرْهًا. قَالَ: أَثْقِلْهُ حَدِيدًا وَتَنْقُلُهُ مَعَكَ حَيْثُ تَنْقَلِبُ. قَالَ: وَهَلْ لَنَا فِرَارٌ مَعَ الْخَوْفِ وَالْإِعْجَالِ؟ قَالَ: نَشُدُّهُ وَنُودِعُهُ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِكَ مِنْ جُهَيْنَةَ. قَالَ: هَذِهِ إِذًا.

стр. 2464

فَرَجَعَا فَلَمْ يَرَيَا الرَّجُلَ. فَقَالَ مُحَمَّدٌ: أَيْنَ الرَّجُلُ؟ قَالُوا: [قَامَ] بِرَكْوَةِ مَاءٍ وَتَوَارَى بِهَذَا الطَّرِيقِ يَتَوَضَّأُ، فَطَلَبُوهُ وَلَمْ يَجِدُوهُ فَكَأَنَّ الْأَرْضَ الْتَأَمَتْ عَلَيْهِ، وَسَعَى عَلَى قَدَمَيْهِ حَتَّى اتَّصَلَ بِالطَّرِيقِ، فَمَرَّ بِهِ الْأَعْرَابُ مَعَهُمْ حُمُولَةٌ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لِبَعْضِهِمْ: فَرِّغْ هَذِهِ الْغِرَارَةَ وَأَدْخِلْنِيهَا أَكُنْ عِدْلًا لِصَاحِبَتِهَا وَلَكَ كَذَا وَكَذَا. فَفَعَلَ وَحَمَلَهُ حَتَّى أَقْدَمَهُ الْمَدِينَةَ. ثُمَّ قَدِمَ عَلَى الْمَنْصُورِ، وَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُ كُلَّهُ، وَنَسِيَ اسْمَ أَبِي هَبَّارٍ وَكُنْيَتَهُ وَقَالَ: وَبَّارٌ. فَكَتَبَ أَبُو جَعْفَرٍ فِي طَلَبِ ٩ وَبَّارٍ الْمُرِّيِّ، فَحُمِلَ إِلَيْهِ رَجُلٌ اسْمُهُ وَبَرٌ فَسَأَلَهُ عَنْ قِصَّةِ مُحَمَّدٍ فَحَلَفَ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَأَمَرَ بِهِ وَضُرِبَ سَبْعَمِائَةِ سَوْطٍ وَحُبِسَ حَتَّى مَاتَ الْمَنْصُورُ. ثُمَّ إِنَّهُ أَحْضَرَ عُقْبَةَ بْنَ سَلَمٍ الْأَزْدِيَّ فَقَالَ: أُرِيدُكَ لِأَمْرٍ أَنَا بِهِ مَعْنِيٌّ، لَمْ أَزَلْ أَرْتَادُ لَهُ رَجُلًا عَسَى أَنْ تَكُونَهُ، وَإِنْ كَفَيْتَنِيهِ رَفَعْتُكَ. فَقَالَ: أَرْجُو أَنْ أَصْدُقَ ظَنَّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِيَّ. [قَالَ] : فَأَخْفِ شَخْصَكَ، وَاسْتُرْ أَمْرَكَ، وَأْتِنِي يَوْمَ كَذَا فِي وَقْتِ كَذَا. فَأَتَاهُ ذَلِكَ الْوَقْتَ. فَقَالَ لَهُ: إِنَّ بَنِي عَمِّنَا هَؤُلَاءِ قَدْ أَبَوْا إِلَّا كَيْدًا لِمُلْكِنَا وَاغْتِيَالًا لَهُ، وَلَهُمْ شِيعَةٌ بِخُرَاسَانَ بِقَرْيَةِ كَذَا يُكَاتِبُونَهُمْ، وَيُرْسِلُونَ إِلَيْهِمْ بِصَدَقَاتِ أَمْوَالِهِمْ، وَأَلْطَافٍ مِنْ أَلْطَافِ بِلَادِهِمْ، فَاخْرُجْ بِكُسًا وَأَلْطَافٍ وَعَيْنٍ حَتَّى تَأْتِيَهُمْ مُتَنَكِّرًا بِكِتَابٍ تَكْتُبُهُ عَنْ أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ ثُمَّ تَعْلَمُ حَالَهُمْ، فَإِنْ كَانُوا نَزَعُوا عَنْ رَأْيِهِمْ فَأَحْبِبْ وَاللَّهِ بِهِمْ وَأَقْرِبْ، وَإِنْ كَانُوا عَلَى رَأْيِهِمْ عَمِلْتُ ذَلِكَ وَكُنْتُ عَلَى حَذَرٍ، فَاشْخَصْ حَتَّى تَلْقَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَسَنِ مُتَخَشِّعًا وَمُتَقَشِّفًا، فَإِنْ جَبَهَكَ، وَهُوَ فَاعِلٌ، فَاصْبِرْ وَعَاوِدْهُ حَتَّى يَأْنَسَ بِكَ وَيُلِينَ لَكَ نَاحِيَتَهُ، فَإِذَا أَظْهَرَ لَكَ مَا قِبَلَهُ فَاعْجَلْ عَلَيَّ. فَشَخَصَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَلَقِيَهُ بِالْكِتَابِ، فَأَنْكَرَهُ وَنَهَرَهُ وَقَالَ: مَا أَعْرِفُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ. فَلَمْ يَزَلْ يَتَرَدَّدُ إِلَيْهِ حَتَّى قَبِلَ كِتَابَهُ وَأَلْطَافَهُ وَأَنِسَ بِهِ، فَسَأَلَهُ عُقْبَةُ الْجَوَابَ. فَقَالَ: أَمَّا الْكِتَابُ، فَإِنِّي لَا أَكْتُبُ إِلَى أَحَدٍ، وَلَكِنْ أَنْتَ كِتَابِي إِلَيْهِمْ، فَأَقْرِئْهُمُ السَّلَامَ، وَأَعْلِمْهُمْ أَنَّنِي خَارِجٌ لِوَقْتِ كَذَا وَكَذَا. وَرَجَعَ عُقْبَةُ إِلَى الْمَنْصُورِ فَأَعْلَمَهُ الْخَبَرَ، فَأَنْشَأَ الْمَنْصُورُ الْحَجَّ، وَقَالَ لِعَقَبَةَ: إِذَا لَقِيَنِي بَنُو الْحَسَنِ فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ فَأَنَا مُكْرِمُهُ، وَرَافِعٌ مَجْلِسَهُ، وَدَاعٍ بِالْغَدَاءِ، فَإِذَا فَرَغْنَا مِنْ طَعَامِنَا فَلَحَظْتُكَ فَامْثُلْ بَيْنَ يَدَيْهِ قَائِمًا، فَإِنَّهُ سَيَصْرِفُ عَنْكَ بَصَرَهُ، فَاسْتَدِرْ

стр. 2465

حَتَّى تَغْمِزَ ظَهْرَهُ بِإِبْهَامِ رِجْلِكَ حَتَّى يَمْلَأَ عَيْنَهُ مِنْكَ، ثُمَّ حَسْبُكَ، وَإِيَّاكَ أَنْ يَرَاكَ مَا دَامَ يَأْكُلُ. فَخَرَجَ إِلَى الْحَجِّ، فَلَمَّا لَقِيَهُ بَنُو الْحَسَنِ أَجْلَسَ عَبْدَ اللَّهِ إِلَى جَانِبِهِ ثُمَّ دَعَا بِالْغَدَاءِ فَأَصَابُوا مِنْهُ، ثُمَّ رُفِعَ فَأَقْبَلَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ فَقَالَ لَهُ: قَدْ عَلِمْتَ مَا أَعْطَيْتَنِي مِنَ الْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ أَلَّا تَبْغِيَنِي بِسُوءٍ وَلَا تَكِيدَ لِي سُلْطَانًا؟ قَالَ: فَأَنَا عَلَى ذَلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَلَحَظَ الْمَنْصُورُ عُقْبَةَ بْنَ سَلَمٍ فَاسْتَدَارَ حَتَّى وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْ عَبْدِ اللَّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَاسْتَدَارَ حَتَّى قَامَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَغَمَزَهُ بِإِصْبَعِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَمَلَأَ عَيْنَهُ مِنْهُ، فَوَثَبَ حَتَّى قَعَدَ بَيْنَ يَدَيِ الْمَنْصُورِ، فَقَالَ: (أَقِلْنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَقَالَكَ اللَّهُ! قَالَ: لَا أَقَالَنِي اللَّهُ إِنْ أَقَلْتُكَ) ! ثُمَّ أَمَرَ بِحَبْسِهِ. وَكَانَ مُحَمَّدٌ قَدْ قَدِمَ قَبْلَ ذَلِكَ الْبَصْرَةَ، فَنَزَلَهَا فِي بَنِي رَاسِبٍ يَدْعُو إِلَى نَفْسِهِ، وَقِيلَ: نَزَلَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَيْبَانَ أَحَدِ بَنِي مُرَّةَ بْنِ عُبَيْدٍ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا، فَبَلَغَ الْمَنْصُورَ مَقْدِمُهُ الْبَصْرَةَ، فَسَارَ إِلَيْهَا مُغِذًّا، فَنَزَلَ عِنْدَ الْحُرِّ الْأَكْبَرِ، فَلَقِيَهُ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا عُثْمَانَ هَلْ بِالْبَصْرَةِ أَحَدٌ تَخَافُهُ عَلَى أَمْرِنَا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَاقْتَصِرْ عَلَى قَوْلِكَ وَانْصَرِفْ. قَالَ: نَعَمْ. وَكَانَ مُحَمَّدٌ قَدْ سَارَ عَنْهَا قَبْلَ مَقْدِمِ الْمَنْصُورِ، فَرَجَعَ الْمَنْصُورُ، وَاشْتَدَّ الْخَوْفُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَإِبْرَاهِيمَ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ فَخَرَجَا حَتَّى أَتَيَا عَدَنَ، ثُمَّ سَارَا إِلَى السِّنْدِ ثُمَّ إِلَى الْكُوفَةِ ثُمَّ إِلَى الْمَدِينَةِ. وَكَانَ الْمَنْصُورُ قَدْ حَجَّ سَنَةَ أَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ، فَقَسَّمَ أَمْوَالًا عَظِيمَةً فِي آلِ أَبِي طَالِبٍ، فَلَمْ يَظْهَرْ مُحَمَّدٌ وَإِبْرَاهِيمُ، فَسَأَلَ أَبَاهُمَا عَبْدَ اللَّهِ عَنْهُمَا، فَقَالَ: لَا عِلْمَ لِي بِهِمَا، فَتَغَالَظَا، فَأَمَصَّهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ حَتَّى قَالَ لَهُ: امْصُصْ كَذَا وَكَذَا مِنْ أُمِّكَ! فَقَالَ: يَا أَبَا جَعْفَرٍ، بِأَيِّ أُمَّهَاتِي تُمِصُّنِي؟ ! أَبِفَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ أَمْ بِفَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ؟ أَمْ بِأُمِّ إِسْحَاقَ بِنْتِ طَلْحَةَ؟ أَمْ بِخَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ؟ [قَالَ] : لَا بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، وَلَكِنْ بِالْحِرْبَاءِ بِنْتِ قَسَامَةَ بْنِ زُهَيْرٍ! وَهِيَ امْرَأَةٌ مِنْ طَيِّئٍ، فَقَالَ الْمُسَيَّبُ بْنُ زُهَيْرٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ ابْنِ الْفَاعِلَةِ! فَقَامَ زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَأَلْقَى عَلَيْهِ رِدَاءَهُ وَقَالَ: هَبْهُ لِي [يَا] أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَسْتَخْرِجْ لَكَ ابْنَيْهِ، فَتَخَلَّصَهُ [مِنْهُ] .

стр. 2466

وَكَانَ مُحَمَّدٌ وَإِبْرَاهِيمُ ابْنَا عَبْدِ اللَّهِ قَدْ تَغَيَّبَا حِينَ حَجَّ الْمَنْصُورُ سَنَةَ أَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ عَنِ الْمَدِينَةِ، وَحَجَّ أَيْضًا فَاجْتَمَعُوا بِمَكَّةَ وَأَرَادُوا اغْتِيَالَ الْمَنْصُورِ، فَقَالَ لَهُمُ الْأَشْتَرُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: أَنَا أَكْفِيكُمُوهُ! فَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا وَاللَّهِ لَا أَقْتُلُهُ أَبَدًا غِيلَةً حَتَّى أَدْعُوَهُ. فَنَقَضَ مَا كَانُوا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ. وَكَانَ قَدْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ قَائِدٌ مِنْ قُوَّادِ الْمَنْصُورِ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ اسْمُهُ خَالِدُ بْنُ حَسَّانٍ يُدْعَى أَبَا الْعَسَاكِرِ عَلَى أَلْفِ رَجُلٍ، فَنَمَّى الْخَبَرَ إِلَى الْمَنْصُورِ فَطُلِبَ، فَلَمْ يُظْفَرْ بِهِ، فَظَفِرَ بِأَصْحَابِهِ فَقَتَلَهُمْ، وَأَمَّا الْقَائِدُ فَإِنَّهُ لَحِقَ بِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ. ثُمَّ إِنَّ الْمَنْصُورَ حَثَّ زِيَادَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى طَلَبِ مُحَمَّدٍ وَإِبْرَاهِيمَ، فَضَمِنَ لَهُ ذَلِكَ وَوَعَدَهُ بِهِ، فَقَدِمَ مُحَمَّدٌ الْمَدِينَةَ قَدْمَةً، فَبَلَغَ ذَلِكَ زِيَادًا، فَتَلَطَّفَ لَهُ، وَأَعْطَاهُ الْأَمَانَ عَلَى أَنْ يُظْهِرَ وَجْهَهُ لِلنَّاسِ، فَوَعَدَهُ مُحَمَّدٌ ذَلِكَ، فَرَكِبَ زِيَادٌ مَعَ الْمَسَاءِ وَوَاعَدَ مُحَمَّدًا سُوقَ الظُّهْرِ، وَرَكِبَ مُحَمَّدٌ، فَتَصَايَحَ النَّاسُ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ، الْمَهْدِيُّ الْمَهْدِيُّ! فَوَقَفَ هُوَ وَزِيَادٌ، فَقَالَ زِيَادٌ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: الْحَقْ بِأَيِّ بِلَادِ اللَّهِ شِئْتَ. فَتَوَارَى مُحَمَّدٌ. وَسَمِعَ الْمَنْصُورُ الْخَبَرَ فَأَرْسَلَ أَبَا الْأَزْهَرِ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ عَلَى الْمَدِينَةِ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ الْمُطَّلِبِ، وَأَنْ يَقْبِضَ عَلَى زِيَادٍ وَأَصْحَابِهِ، وَيَسِيرَ بِهِمْ إِلَيْهِ، فَقَدِمَ أَبُو الْأَزْهَرِ الْمَدِينَةَ، فَفَعَلَ مَا أَمَرَهُ، وَأَخَذَ زِيَادًا وَأَصْحَابَهُ، وَسَارَ نَحْوَ الْمَنْصُورِ، وَخَلَّفَ زِيَادٌ فِي بَيْتِ مَالِ الْمَدِينَةِ ثَمَانِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَسَجَنَهُمْ الْمَنْصُورُ، ثُمَّ مَنَّ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ. وَاسْتَعْمَلَ الْمَنْصُورُ عَلَى الْمَدِينَةِ مُحَمَّدَ بْنَ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيَّ، وَأَمَرَهُ بِطَلَبِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَبَسَطَ يَدَهُ فِي النَّفَقَةِ فِي طَلَبِهِ. فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ، فَأَخَذَ الْمَالَ وَرَفَعَ فِي مُحَاسَبَتِهِ أَمْوَالًا كَثِيرَةً أَنْفَقَهَا فِي طَلَبِ مُحَمَّدٍ، فَاسْتَبْطَأَهُ أَبُو جَعْفَرٍ وَاتَّهَمَهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِكَشْفِ الْمَدِينَةِ وَأَعْرَاضِهَا، فَطَافَ بِبُيُوتِ النَّاسِ فَلَمْ يَجِدْ مُحَمَّدًا. فَلَمَّا رَأَى الْمَنْصُورُ مَا قَدْ أَخْرَجَ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَلَمْ يَظْفَرْ بِمُحَمَّدٍ اسْتَشَارَ أَبَا الْعَلَاءِ - رَجُلًا مِنْ قَيْسِ عَيْلَانَ - فِي أَمْرِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَخِيهِ، فَقَالَ: أَرَى أَنْ تَسْتَعْمِلَ رَجُلًا مِنْ وَلَدِ الزُّبَيْرِ أَوْ طَلْحَةَ، فَإِنَّهُمْ يَطْلُبُونَهُمَا بِذَحْلٍ، وَيُخْرِجُونَهُمَا إِلَيْكَ. فَقَالَ: قَاتَلَكَ اللَّهُ مَا أَجْوَدَ مَا رَأَيْتَ! وَاللَّهِ مَا خَفِيَ عَلَيَّ هَذَا، وَلَكِنَّنِي أُعَاهِدُ اللَّهَ لَا أَنْتَقِمُ مِنْ بَنِي عَمِّي وَأَهْلِ

стр. 2467

بَيْتِي بِعَدُوِّي وَعَدُوِّهِمْ، وَلَكِنِّي أَبْعَثُ عَلَيْهِمْ صُعْلُوكًا مِنَ الْعَرَبِ يَفْعَلُ بِهِمْ مَا قُلْتَ. فَاسْتَشَارَ يَزِيدَ بْنَ يَزِيدَ السُّلَمِيَّ وَقَالَ لَهُ: دُلَّنِي عَلَى فَتًى مُقِلٍّ مِنْ قَيْسٍ أُغْنِيهِ وَأُشَرِّفُهُ وَأُمَكِّنُهُ مِنْ سَيِّدِ الْيَمَنِ، يَعْنِي ابْنَ الْقَسْرِيِّ، [قَالَ] : هُوَ رِيَاحُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَيَّانَ الْمُرِّيُّ، فَسَيَّرَهُ أَمِيرًا عَلَى الْمَدِينَةِ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ. وَقِيلَ: إِنَّ رِيَاحًا ضَمِنَ لِلْمَنْصُورِ أَنْ يُخْرِجَ مُحَمَّدًا وَإِبْرَاهِيمَ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ إِنِ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ، فَاسْتَعْمَلَهُ عَلَيْهَا، فَسَارَ حَتَّى دَخَلَهَا، فَلَمَّا دَخَلَ دَارَ مَرْوَانَ، وَهِيَ الَّتِي كَانَ يَنْزِلُهَا الْأُمَرَاءُ، قَالَ لِحَاجِبٍ كَانَ لَهُ يُقَالُ لَهُ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ: هَذِهِ دَارُ مَرْوَانَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَمَا إِنَّهَا مِحْلَالٌ مِظْعَانٌ، وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَظْعَنُ مِنْهَا. فَلَمَّا تَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْهُ قَالَ لِحَاجِبِهِ: يَا أَبَا الْبَخْتَرِيِّ، خُذْ بِيَدِي نَدْخُلْ عَلَى هَذَا الشَّيْخِ، يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَسَنِ، فَدَخَلَا عَلَيْهِ، وَقَالَ رِيَاحٌ: أَيُّهَا الشَّيْخُ، إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَاللَّهِ مَا اسْتَعْمَلَنِي لِرَحِمٍ قَرِيبَةٍ، وَلَا لِيَدٍ سَلَفَتْ إِلَيْهِ، وَاللَّهِ لَا لَعِبْتَ فِيَّ كَمَا لَعِبْتَ بِزِيَادٍ وَابْنِ الْقَسْرِيِّ، وَاللَّهِ لَأُزْهِقَنَّ نَفْسَكَ، أَوْ لَتَأْتِيَنِّي بِابْنَيْكَ مُحَمَّدٍ وَإِبْرَاهِيمَ! فَرَفَعَ رَأَسَهُ إِلَيْهِ وَقَالَ: نَعَمْ، أَمَا وَاللَّهِ إِنَّكَ لَأُزَيْرِقُ قَيْسٍ الْمَذْبُوحُ فِيهَا كَمَا تُذْبَحُ الشَّاةُ! . قَالَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ: فَانْصَرَفَ وَاللَّهِ رِيَاحٌ آخِذًا بِيَدِي، أَجِدُ بَرْدَ يَدِهِ، وَإِنَّ رِجْلَيْهِ لَتَخُطَّانِ الْأَرْضَ مِمَّا كَلَّمَهُ. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ هَذَا مَا اطَّلَعَ عَلَى الْغَيْبِ. قَالَ: إِيهًا، وَيْلَكَ! فَوَاللَّهِ مَا قَالَ إِلَّا مَا سَمِعَ. فَذُبِحَ كَمَا تُذْبَحُ الشَّاةُ. ثُمَّ إِنَّهُ دَعَا بِالْقَسْرِيِّ وَسَأَلَهُ عَنِ الْأَمْوَالِ، فَضَرَبَهُ وَسَجَنَهُ، وَأَخَذَ كَاتِبَهُ رِزَامًا وَعَاقَبَهُ فَأَكْثَرَ، وَطَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَذْكُرَ مَا أَخَذَ مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَهُوَ لَا يُجِيبُهُ، فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهِ الْعَذَابُ أَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ رِيَاحٌ: أَحْضِرِ الرَّفِيعَةَ وَقْتَ اجْتِمَاعِ النَّاسِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ أَحْضَرَهُ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الْأَمِيرَ أَمَرَنِي أَنْ أَرْفَعَ عَلَى ابْنِ خَالِدٍ، وَقَدْ كَتَبْتُ كِتَابًا لِأَنْجُوَ بِهِ، وَإِنَّا لَنُشْهِدُكُمْ أَنَّ كُلَّ مَا فِيهِ بَاطِلٌ. فَأَمَرَ رِيَاحٌ فَضُرِبَ مِائَةَ سَوْطٍ، وَرُدَّ إِلَى السِّجْنِ. وَجَدَّ رِيَاحٌ فِي طَلَبِ مُحَمَّدٍ، فَأُخْبِرَ أَنَّهُ فِي شِعْبٍ مِنْ شِعَابِ رَضْوَى، جَبَلِ جُهَيْنَةَ، وَهُوَ فِي عَمَلِ يَنْبُعَ، فَأَمَرَ عَامِلَهُ فِي طَلَبِ مُحَمَّدٍ، فَهَرَبَ مِنْهُ رَاجِلًا، فَأَفْلَتَ وَلَهُ ابْنٌ صَغِيرٌ

стр. 2468

وُلِدَ فِي خَوْفِهِ وَهُوَ مَعَ جَارِيَةٍ لَهُ فَسَقَطَ مِنَ الْجَبَلِ فَتَقَطَّعَ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ: مُنْخَرِقُ السِّرْبَالِ يَشْكُو الْوَجَى ... تَنْكُبُهُ أَطْرَافُ مَرْوِ حِدَادْ شَرَّدَهُ الْخَوْفُ فَأَزْرَى بِهِ ... كَذَاكَ مَنْ يَكْرَهُ حَرَّ الْجِلَادْ قَدْ كَانَ فِي الْمَوْتِ لَهُ رَاحَةٌ ... وَالْمَوْتُ حَتْمٌ فِي رِقَابِ الْعِبَادْ. وَبَيْنَا رِيَاحٌ يَسِيرُ فِي الْحَرَّةِ إِذْ لَقِيَ مُحَمَّدًا، فَعَدَلَ مُحَمَّدٌ إِلَى بِئْرٍ هُنَاكَ فَجَعَلَ يَسْتَقِي، فَقَالَ رِيَاحٌ: قَاتَلَهُ اللَّهُ أَعْرَابِيًّا مَا أَحْسَنَ ذِرَاعَهُ! . ذِكْرُ حَبْسِ أَوْلَادِ الْحَسَنِ قَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ أَنَّ الْمَنْصُورَ حَبَسَهُمْ، وَقَدْ قِيلَ أَيْضًا إِنَّ رِيَاحًا هُوَ الَّذِي حَبَسَهُمْ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ: حَضَرْنَا بَابَ رِيَاحٍ فِي الْمَقْصُورَةِ، فَقَالَ الْآذِنُ: مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِنْ بَنِي الْحُسَيْنِ فَلْيَدْخُلْ. فَدَخَلُوا مِنْ بَابِ الْمَقْصُورَةِ، وَخَرَجُوا مِنْ بَابِ مَرْوَانَ. ثُمَّ قَالَ: مَنْ هَاهُنَا مِنْ بَنِي الْحَسَنِ فَلْيَدْخُلْ. فَدَخَلُوا مِنْ بَابِ الْمَقْصُورَةِ، وَدَخَلَ الْحَدَّادُونَ مِنْ بَنِي مَرْوَانَ، فَدَعَا بِالْقُيُودِ فَقَيَّدَهُمْ وَحَبَسَهُمْ. وَكَانُوا: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَالْحَسَنَ وَإِبْرَاهِيمَ ابْنَيِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ، وَجَعْفَرَ بْنَ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ، وَسُلَيْمَانَ وَعَبْدَ اللَّهِ ابْنَيْ دَاوُدَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ، وَمُحَمَّدًا وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ بَنِي إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ، وَعَبَّاسَ بْنَ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَمُوسَى بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ. فَلَمَّا حَبَسَهُمْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْعَابِدُ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ بَعْدَ الصُّبْحِ إِذْ قَدْ أَقْبَلَ رَجُلٌ مُتَلَفِّفٌ، فَقَالَ لَهُ رِيَاحٌ: مَرْحَبًا بِكَ، مَا حَاجَتُكَ؟ قَالَ: جِئْتُكَ لِتَحْبِسَنِي مَعَ قَوْمِي، فَإِذَا هُوَ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ، فَحَبَسَهُ مَعَهُمْ. وَكَانَ مُحَمَّدٌ قَدْ أَرْسَلَ ابْنَهُ عَلِيًّا إِلَى مِصْرَ يَدْعُو إِلَيْهِ، فَبَلَغَ خَبَرُهُ عَامِلَ مِصْرَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ عَلَى الْوُثُوبِ بِكَ وَالْقِيَامِ عَلَيْكَ بِمَنْ شَايَعَهُ، فَقَبَضَهُ وَأَرْسَلَهُ إِلَى الْمَنْصُورِ، فَاعْتَرَفَ لَهُ وَسَمَّى أَصْحَابَ أَبِيهِ، وَكَانَ فِيمَنْ سَمَّى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الْمَوَالِي، وَأَبُو حُبَيْرٍ،

стр. 2469

فَضَرَبَهُمَا الْمَنْصُورُ وَحَبَسَهُمَا وَحَبَسَ عَلِيًّا، فَبَقِيَ مَحْبُوسًا إِلَى أَنْ مَاتَ. وَكَتَبَ الْمَنْصُورُ إِلَى رِيَاحٍ أَنْ يَحْبِسَ مَعَهُمْ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ الْمَعْرُوفَ بِالدِّيبَاجِ، وَكَانَ أَخَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ، لِأَنَّ أُمَّهُمَا جَمِيعًا فَاطِمَةُ بِنْتُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، فَأَخَذَهُ مَعَهُمْ. وَقِيلَ: إِنَّ الْمَنْصُورَ حَبَسَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَحْدَهُ، وَتَرَكَ بَاقِيَ أَوْلَادِ الْحَسَنِ، فَلَمْ يَزَلْ مَحْبُوسًا، فَبَقِيَ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ قَدْ نَصَلَ خِضَابُهُ حُزْنًا عَلَى أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ، وَكَانَ الْمَنْصُورُ يَقُولُ: مَا فَعَلَتِ الْحَادَّةُ؟ وَمَرَّ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ عَلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَسَنِ وَهُوَ يَعْلِفُ إِبِلًا لَهُ فَقَالَ: أَتَعْلِفُ إِبِلَكَ وَعَبْدُ اللَّهِ مَحْبُوسٌ! يَا غُلَامُ، أَطْلِقْ عُقُلَهَا! فَأَطْلَقَهَا ثُمَّ صَاحَ فِي أَدْبَارِهَا، فَلَمْ يُوجَدْ مِنْهَا بِعِيرٌ. . فَلَمَّا طَالَ حَبْسُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ سَعِيدٍ لِلْمَنْصُورِ: أَتَطْمَعُ فِي خُرُوجِ مُحَمَّدٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَبَنُو الْحَسَنِ مُخَلَّوْنَ؟ وَاللَّهِ لَلْوَاحِدُ مِنْهُمْ أَهْيَبُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْأَسَدِ! فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ حَبْسِ الْبَاقِينَ. ذِكْرُ حَمْلِهِمْ إِلَى الْعِرَاقِ وَلَمَّا حَجَّ الْمَنْصُورُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ أَرْسَلَ مُحَمَّدَ بْنَ عِمْرَانَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ، وَمَالِكَ بْنَ أَنَسٍ إِلَى بَنِي الْحَسَنِ، وَهُمْ فِي الْحَبْسِ، يَسْأَلُهُمْ أَنْ يَدْفَعُوا إِلَيْهِ مُحَمَّدًا، وَإِبْرَاهِيمَ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ، فَدَخَلَا عَلَيْهِمْ وَعَبْدُ اللَّهِ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَأَبْلَغَاهُمُ الرِّسَالَةَ، فَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ: هَذَا عَمَلُ ابْنَيِ الْمَشُومَةِ! أَمَا وَاللَّهِ مَا هَذَا عَنْ رَأْيِنَا وَلَا عَنْ مَلَإٍ مِنَّا وَلَنَا فِيهِ حُكْمٌ. فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ إِبْرَاهِيمُ: عَلَامَ تُؤْذِي أَخَاكَ فِي ابْنَيْهِ وَتُؤْذِي ابْنَ أَخِيكَ فِي أُمِّهِ؟ ثُمَّ فَرَغَ عَبْدُ اللَّهِ مِنْ صَلَاتِهِ فَأَبْلَغَاهُ الرِّسَالَةَ، فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ (لَا أَرُدُّ عَلَيْكُمَا حَرْفًا، إِنْ أَحَبَّ) أَنْ يَأْذَنَ لِي فَأَلْقَاهُ فَلْيَفْعَلْ. فَانْطَلَقَ الرَّسُولَانِ فَأَبْلَغَا الْمَنْصُورَ، فَقَالَ: أَرَادَ أَنْ يَسْحَرَنِي، لَا وَاللَّهِ لَا تَرَى عَيْنُهُ عَيْنِي حَتَّى يَأْتِيَنِي بِابْنَيْهِ. وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ لَا يُحَدِّثُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا فَتَلَهُ عَنْ رَأْيِهِ.

стр. 2470

ثُمَّ سَارَ الْمَنْصُورُ لِوَجْهِهِ، فَلَمَّا حَجَّ وَرَجَعَ لَمْ يَدْخُلِ الْمَدِينَةَ وَمَضَى إِلَى الرَّبْذَةِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ رِيَاحٌ إِلَى الرَّبْذَةِ، فَرَدَّهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَمَرَهُ بِإِشْخَاصِ بَنِي الْحَسَنِ إِلَيْهِ وَمَعَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ أَخُو بَنِي الْحَسَنِ لِأُمِّهِمْ، فَرَجَعَ رِيَاحٌ فَأَخَذَهُمْ، وَسَارَ بِهِمْ إِلَى الرَّبْذَةِ، وَجُعِلَتِ الْقُيُودُ وَالسَّلَاسِلُ فِي أَرْجُلِهِمْ وَأَعْنَاقِهِمْ، وَجَعَلَهُمْ فِي مَحَامِلَ بِغَيْرِ وِطَاءٍ. وَلَمَّا خَرَجَ بِهِمْ رِيَاحٌ مِنَ الْمَدِينَةِ وَقَفَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ مِنْ وَرَاءِ سِتْرٍ يَرَاهُمْ وَيَرَوْنَهُ وَهُوَ يَبْكِي وَدُمُوعُهُ تَجْرِي عَلَى لِحْيَتِهِ وَهُوَ يَدْعُو اللَّهَ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَا يَحْفَظُ اللَّهُ حَرَمَيْهِ بَعْدَ هَؤُلَاءِ. وَلَمَّا سَارُوا كَانَ مُحَمَّدٌ وَإِبْرَاهِيمُ ابْنَا عَبْدِ اللَّهِ يَأْتِيَانِ كَهَيْئَةِ الْأَعْرَابِ فَيُسَايِرَانِ أَبَاهُمَا وَيَسْتَأْذِنَانِهِ بِالْخُرُوجِ، وَيَقُولُ: لَا تَعْجَلَا حَتَّى يُمْكِنَكُمَا ذَلِكَ. وَقَالَ لَهُمَا: إِنْ مَنَعَكُمَا أَبُو جَعْفَرٍ، يَعْنِي الْمَنْصُورَ، أَنْ تَعِيشَا كَرِيمَيْنِ فَلَا يَمْنَعْكُمَا أَنْ تَمُوتَا كَرِيمَيْنِ. فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى الرَّبْذَةِ أُدْخِلَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعُثْمَانِيُّ عَلَى الْمَنْصُورِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ وَإِزَارٌ رَقِيقٌ، فَلَمَّا وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ: إِيهًا يَا دَيُّوثُ! قَالَ مُحَمَّدٌ: سُبْحَانَ اللَّهِ! لَقَدْ عَرَفْتَنِي بِغَيْرِ ذَلِكَ صَغِيرًا وَكَبِيرًا! قَالَ: فَمِمَّنْ حَمَلَتِ ابْنَتُكَ رُقَيَّةُ؟ وَكَانَتْ تَحْتَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ، وَقَدْ أَعْطَيْتَنِي الْأَيْمَانَ أَنْ لَا تَغُشَّنِي وَلَا تُمَالِئَ عَلَيَّ عَدُوًّا، ثُمَّ أَنْتَ تَرَى ابْنَتَكَ حَامِلًا وَزَوْجُهَا غَائِبٌ، وَأَنْتَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ حَانِثًا أَوْ دَيُّوثًا! وَايْمُ اللَّهِ إِنِّي لَأَهُمُّ بِرَجْمِهَا! قَالَ مُحَمَّدٌ: أَمَّا أَيْمَانِي فَهِيَ عَلَيَّ إِنْ كُنْتُ دَخَلْتُ لَكَ فِي أَمْرِ غِشٍّ عَلِمْتَهُ، وَأَمَّا مَا رَمَيْتَ بِهِ هَذِهِ الْجَارِيَةَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَكْرَمَهَا بِوِلَادَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِيَّاهَا، وَلَكِنِّي ظَنَنْتُ حِينَ ظَهَرَ حَمْلُهَا أَنَّ زَوْجَهَا أَلَمَّ بِهَا عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ. فَاغْتَاظَ الْمَنْصُورُ مِنْ كَلَامِهِ، وَأَمَرَ بِشَقِّ ثِيَابِهِ عَنْ (إِزَارِهِ فَحُكِيَ أَنَّ عَوْرَتَهُ قَدْ كُشِفَتْ) ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَضُرِبَ خَمْسِينَ وَمِائَةَ سَوْطٍ، فَبَلَغَتْ مِنْهُ كُلَّ مَبْلَغٍ وَالْمَنْصُورُ يَفْتَرِي عَلَيْهِ لَا يَنِي، فَأَصَابَ سَوْطٌ مِنْهَا وَجْهَهُ، فَقَالَ: وَيْحَكَ اكْفُفْ عَنْ وَجْهِي! فَإِنَّ لَهُ حُرْمَةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَغْرَى الْمَنْصُورُ فَقَالَ لِلْجَلَّادِ: الرَّأْسَ الرَّأْسَ! فَضَرَبَ عَلَى رَأْسِهِ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِينَ سَوْطًا،

стр. 2471

وَأَصَابَ إِحْدَى عَيْنَيْهِ سَوْطٌ فَسَالَتْ، ثُمَّ أُخْرِجَ وَكَأَنَّهُ زِنْجِيٌّ مِنَ الضَّرْبِ، وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ، وَكَانَ يُسَمَّى الدِّيبَاجَ لِحُسْنِهِ. فَلَمَّا أُخْرِجَ وَثَبَ إِلَيْهِ مَوْلًى لَهُ فَقَالَ: أَلَا أَطْرَحُ رِدَائِي عَلَيْكَ؟ قَالَ: بَلَى جُزِيتَ خَيْرًا! وَاللَّهِ إِنَّ لَشُفُوفَ إِزَارِي أَشُدُّ عَلَيَّ مِنَ الضَّرْبِ. وَكَانَ سَبَبُ أَخْذِهِ أَنَّ رِيَاحًا قَالَ لِلْمَنْصُورِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمَّا أَهْلُ خُرَاسَانَ فَشِيعَتُكَ، وَأَمَّا أَهْلُ الْعِرَاقِ فَشِيعَةُ آلِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّامِ فَوَاللَّهِ مَا عَلِيٌّ عِنْدَهُمْ إِلَّا كَافِرٌ، وَلَكِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْعُثْمَانِيَّ لَوْ دَعَا أَهْلَ الشَّامِ مَا تَخَلَّفَ عَنْهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ. فَوَقَعَتْ فِي نَفْسِ الْمَنْصُورِ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُخِذَ مَعَهُمْ، وَكَانَ حَسَنَ الرَّأْيِ فِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ. ثُمَّ إِنَّ أَبَا عَوْنٍ كَتَبَ إِلَى الْمَنْصُورِ: إِنَّ أَهْلَ خُرَاسَانَ قَدْ تَعَاشَوْا عَنِّي وَطَالَ عَلَيْهِمْ أَمْرُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. فَأَمَرَ الْمَنْصُورُ بِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُثْمَانِيِّ فَقُتِلَ، وَأَرْسَلَ رَأْسَهُ إِلَى خُرَاسَانَ، وَأَرْسَلَ مَعَهُ مَنْ يَحْلِفُ أَنَّهُ رَأْسُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَنَّ أُمَّهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا قُتِلَ قَالَ أَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ! إِنْ كُنَّا لَنَأْمَنُ بِهِ فِي سُلْطَانِهِمْ ثُمَّ قَدْ قُتِلَ مِنَّا فِي سُلْطَانِنَا! ثُمَّ إِنَّ الْمَنْصُورَ أَخَذَهُمْ وَسَارَ بِهِمْ مِنَ الرَّبْذَةِ فَمَرَّ بِهِمْ عَلَى بَغْلَةٍ شَقْرَاءَ، فَنَادَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ: يَا أَبَا جَعْفَرٍ مَا هَكَذَا فَعَلْنَا بِأُسَرَائِكُمْ يَوْمَ بَدْرٍ! فَأَخْسَأَهُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَثَقُلَ عَلَيْهِ وَمَضَى. فَلَمَّا قَدِمُوا إِلَى الْكُوفَةِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ لِمَنْ مَعَهُ: أَمَا تَرَوْنَ فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ مَنْ يَمْنَعُنَا مِنْ هَذَا الطَّاغِيَةِ؟ قَالَ: فَلَقِيَهُ الْحَسَنُ وَعَلِيٌّ ابْنَا أَخِيهِ مُشْتَمِلَيْنِ عَلَى سَيْفَيْنِ فَقَالَا لَهُ: قَدْ جِئْنَاكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَمُرْنَا بِالَّذِي تُرِيدُ. قَالَ: قَدْ قَضَيْتُمَا مَا عَلَيْكُمَا وَلَنْ تُغْنِيَا فِي هَؤُلَاءِ شَيْئًا، فَانْصَرَفَا. ثُمَّ إِنَّ الْمَنْصُورَ أَوْدَعَهُمْ بِقَصْرِ ابْنِ هُبَيْرَةَ شَرْقِيِّ الْكُوفَةِ، وَأَحْضَرَ الْمَنْصُورُ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَسَنِ، وَكَانَ أَحْسَنَ النَّاسِ صُورَةً، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ الدِّيبَاجُ الْأَصْغَرُ؟ قَالَ: نَعَمْ.

стр. 2472

قَالَ: لَأَقْتُلَنَّكَ قِتْلَةً لَمْ أَقْتُلْهَا أَحَدًا! ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَبُنِيَ عَلَيْهِ أُسْطُوَانَةٌ وَهُوَ حَيٌّ فَمَاتَ فِيهَا. وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ أَوَّلَ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ، ثُمَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ فَدُفِنَ قَرِيبًا مِنْ حَيْثُ مَاتَ، فَإِنْ يَكُنْ فِي الْقَبْرِ الَّذِي يَزْعُمُ النَّاسُ أَنَّهُ قَبْرُهُ وَإِلَّا فَهُوَ قَرِيبٌ مِنْهُ. ثُمَّ مَاتَ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ. وَقِيلَ: إِنَّ الْمَنْصُورَ أَمَرَ بِهِمْ فَقُتِلُوا، وَقِيلَ: بَلْ أَمَرَ بِهِمْ فَسُقُوا السُّمَّ، وَقِيلَ: وَضَعَ الْمَنْصُورُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ مَنْ قَالَ لَهُ إِنَّ ابْنَهُ مُحَمَّدًا قَدْ خَرَجَ فَقُتِلَ فَانْصَدَعَ قَلْبُهُ فَمَاتَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ إِلَّا سُلَيْمَانُ وَعَبْدُ اللَّهِ ابْنَا دَاوُدَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَإِسْحَاقُ وَإِسْمَاعِيلُ ابْنَا إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ، وَجَعْفَرُ بْنُ الْحَسَنِ، وَانْقَضَى أَمْرُهُمْ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ كَانَ عَلَى مَكَّةَ هَذِهِ السَّنَةَ السَّرِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَلَى الْمَدِينَةِ رِيَاحُ بْنُ عُثْمَانَ، وَعَلَى الْكُوفَةِ عِيسَى بْنُ مُوسَى، وَعَلَى الْبَصْرَةِ سُفْيَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَعَلَى مِصْرَ يَزِيدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ بْنِ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ فِيهِ يَزِيدُ بْنُ ثَابِتٍ يَمْدَحُهُ وَيَهْجُو يَزِيدَ بْنَ أُسَيْدٍ السُّلَمِيَّ: لَشَتَّانَ مَا بَيْنَ الْيَزِيدَيْنِ فِي النَّدَى يَزِيدَ سُلَيْمٍ وَالْأَغَرِّ بْنِ حَاتِمِ

стр. 2473

فِي أَبْيَاتٍ كَثِيرَةٍ. وَكَانَ مُمَدَّحًا جَوَادًا. وَفِيهَا ثَارَ هِشَامُ بْنُ عُذْرَةَ الْفِهْرِيُّ (وَهُوَ مِنْ بَنِي عَمْرٍو، وَيُوسُفُ بْنُعَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفِهْرِيُّ) بِطُلَيْطُلَةَ عَلَى الْأَمِيرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيِّ، فَاتَّبَعَهُ مَنْ فِيهَا، فَسَارَ إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَحَاصَرَهُ وَشَدَّدَ عَلَيْهِ الْحِصَارَ، فَمَالَ إِلَى الصُّلْحِ وَأَعْطَاهُ ابْنَهُ أَفْلَحَ رَهِينَةً، فَأَخَذَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَرَجَعَ إِلَى قُرْطُبَةَ، فَرَجَعَ هِشَامٌ وَخَلَعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَعَادَ إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَحَاصَرَهُ وَنَصَبَ عَلَيْهِ الْمَجَانِيقَ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهَا لِحَصَانَتِهَا، فَقَتَلَ أَفْلَحَ ابْنَهُ، وَرَمَى رَأْسَهُ فِي الْمَنْجَنِيقِ، وَرَحَلَ إِلَى قُرْطُبَةَ، وَلَمْ يَظْفَرْ بِهِشَامٍ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شُبْرُمَةَ. وَعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ الْمُعْتَزِلِيُّ، وَكَانَ زَاهِدًا. وَبُرَيْدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ مَوْلَى سَهْلِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ. وَعُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ الْأَيَلِيُّ صَاحِبُ الزُّهْرِيِّ، وَكَانَ مَوْتُهُ بِمِصْرَ فَجْأَةً. وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيُّ أَبُو الْحَسَنِ الْمَدَنِيُّ. وَهَاشِمُ بْنُ هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ الْمَدَنِيُّ. (بُرَيْدٌ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَفَتْحِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ. وَعُقَيْلٌ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ الْقَافِ) .

стр. 2474

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ] ١٤٥ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ ظُهُورِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ ظُهُورُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِبْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِالْمَدِينَةِ، لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَقِيلَ: رَابِعَ عَشَرَ شَهْرِ رَمَضَانَ. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَخْبَارَهُ وَتَبِعَتَهُ وَحَمْلَ الْمَنْصُورِ أَهْلَهُ إِلَى الْعِرَاقِ. فَلَمَّا حَمَلَهُمْ وَسَارَ بِهِمْ رَدَّ رِيَاحًا إِلَى الْمَدِينَةِ أَمِيرًا عَلَيْهَا، فَأَلَحَّ فِي طَلَبِ مُحَمَّدٍ وَضَيَّقَ عَلَيْهِ، وَطَلَبَهُ حَتَّى سَقَطَ ابْنُهُ فَمَاتَ، وَأَرْهَقَهُ الطَّلَبُ يَوْمًا، فَتَدَلَّى فِي بِئْرٍ بِالْمَدِينَةِ يُنَاوِلُ أَصْحَابَهُ الْمَاءَ، وَانْغَمَسَ فِي الْمَاءِ إِلَى حَلْقِهِ، وَكَانَ بَدَنُهُ لَا يَخْفَى لِعِظَمِهِ، وَبَلَغَ رِيَاحًا خَبَرُ مُحَمَّدٍ وَأَنَّهُ بِالْمَذَارِ، فَرَكِبَ نَحْوَهُ فِي جُنْدِهِ، فَتَنَحَّى مُحَمَّدٌ عَنْ طَرِيقِهِ وَاخْتَفَى فِي دَارِ الْجُهَنِيَّةِ، فَحَيْثُ لَمْ يَرَهُ رِيَاحٌ رَجَعَ إِلَى دَارِ مَرْوَانَ. وَكَانَ الَّذِي أَعْلَمَ رِيَاحًا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَبْرَةَ. فَلَمَّا اشْتَدَّ الطَّلَبُ بِمُحَمَّدٍ خَرَجَ قَبْلَ وَقْتِهِ الَّذِي وَاعَدَ أَخَاهُ إِبْرَاهِيمَ عَلَى الْخُرُوجِ فِيهِ. وَقِيلَ: بَلْ خَرَجَ مُحَمَّدٌ لِمِيعَادِهِ مَعَ أَخِيهِ، وَإِنَّمَا أَخُوهُ تَأَخَّرَ لِجُدَرِيٍّ لَحِقَهُ، وَكَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي ذِئْبٍ، وَعَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ يَقُولَانِ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: مَا تَنْتَظِرُ بِالْخُرُوجِ! فَوَاللَّهِ مَا عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ أَشْأَمُ مِنْكَ. اخْرُجْ وَلَوْ وَحْدَكَ. فَتَحَرَّكَ بِذَلِكَ أَيْضًا. وَأَتَى رِيَاحًا الْخَبَرُ أَنَّ مُحَمَّدًا خَارِجٌ اللَّيْلَةَ، فَأَحْضَرَ مُحَمَّدَ بْنَ عِمْرَانَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ

стр. 2475

مُحَمَّدٍ قَاضِيَ الْمَدِينَةِ، وَالْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْعَبَّاسِ وَغَيْرَهُمَا عِنْدَهُ، فَصَمَتَ طَوِيلًا ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ، أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَطْلُبُ مُحَمَّدًا فِي شَرْقِ الْأَرْضِ وَغَرْبِهَا وَهُوَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، وَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَئِنْ خَرَجَ لَأَقْتُلَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ! . وَقَالَ لِمُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانِ: أَنْتَ قَاضِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَادْعُ عَشِيرَتَكَ، وَأَرْسِلْ لِتَجْمَعَ بَنِي زُهْرَةَ، فَأَرْسَلَ فَجَاءُوا فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ فَأَجْلَسَهُمْ بِالْبَابِ، فَأَرْسَلَ فَأَخَذَ نَفَرًا مِنَ الْعَلَوِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ، فِيهِمْ: جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَالْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَرِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِيهِمْ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَابْنُهُ خَالِدٌ. فَبَيْنَمَا هُمْ عِنْدَهُ إِذْ ظَهَرَ مُحَمَّدٌ، فَسَمِعُوا التَّكْبِيرَ، فَقَالَ ابْنُ مُسْلِمِ بْنِ عُقْبَةَ الْمُرِّيُّ: أَطِعْنِي فِي هَؤُلَاءِ وَاضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ. فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ: وَاللَّهِ مَا ذَاكَ إِلَيْكَ، إِنَّا لَعَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ. وَأَقْبَلَ مُحَمَّدٌ مِنَ الْمَذَارِ فِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ رَجُلًا، فَأَتَى فِي بَنِي سَلِمَةَ بِهَؤُلَاءِ تَفَاؤُلًا بِالسَّلَامَةِ، وَقَصَدَ السِّجْنَ فَكَسَرَ بَابَهُ وَأَخْرَجَ مَنْ فِيهِ، وَكَانَ فِيهِمْ مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ، وَابْنُ أَخِي النُّذَيْرِ بْنِ يَزِيدَ وَرِزَامٌ، فَأَخْرَجَهُمْ وَجَعَلَ عَلَى الرَّجَّالَةِ خَوَّاتَ بْنَ بُكَيْرِ بْنِ خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَتَى دَارَ الْإِمَارَةِ وَهُوَ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ: لَا تَقْتُلُوا إِلَّا يَقْتُلُوا. فَامْتَنَعَ مِنْهُمْ رِيَاحٌ، فَدَخَلُوا مِنْ بَابِ الْمَقْصُورَةِ، وَأَخَذُوا رِيَاحًا أَسِيرًا وَأَخَاهُ عَبَّاسًا، وَابْنَ مُسْلِمِ بْنِ عُقْبَةَ الْمُرِّيَّ فَحَبَسَهُمْ فِي دَارِ الْإِمَارَةِ. ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِ هَذَا الطَّاغِيَةِ عَدُوِّ اللَّهِ أَبِي جَعْفَرٍ مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْكُمْ مِنْ بِنَائِهِ الْقُبَّةَ الْخَضْرَاءَ الَّتِي بَنَاهَا مُعَانَدَةً لِلَّهِ فِي مُلْكِهِ، وَتَصْغِيرًا لِلْكَعْبَةِ الْحَرَامِ، وَإِنَّمَا أَخَذَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ حِينَ قَالَ: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] ، وَإِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِالْقِيَامِ فِي هَذَا الدِّينِ أَبْنَاءُ

стр. 2476

الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الْمُوَاسِينَ، اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ قَدْ أَحَلُّوا حَرَامَكَ وَحَرَّمُوا حَلَالَكَ، وَآمَنُوا مَنْ أَخَفْتَ وَأَخَافُوا مَنْ آمَنْتَ! اللَّهُمَّ فَأَحْصِهِمْ عَدَدًا، وَاقْتُلْهُمْ بَدَدًا، وَلَا تُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا! أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي وَاللَّهِ مَا خَرَجْتُ [مِنْ] بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ وَأَنْتُمْ عِنْدِي أَهْلُ قُوَّةٍ وَلَا شِدَّةٍ، وَلَكِنِّي اخْتَرْتُكُمْ لِنَفْسِي! وَاللَّهِ مَا جِئْتُ هَذِهِ وَفِي الْأَرْضِ مِصْرٌ يُعْبَدُ اللَّهُ فِيهِ إِلَّا وَقَدْ أُخِذَ لِي فِيهِ الْبَيْعَةُ! وَكَانَ الْمَنْصُورُ يَكْتُبُ إِلَى مُحَمَّدٍ عَلَى أَلْسُنِ قُوَّادِهِ يَدْعُونَهُ إِلَى الظُّهُورِ وَيُخْبِرُونَهُ أَنَّهُمْ مَعَهُ، فَكَانَ مُحَمَّدٌ يَقُولُ: لَوِ الْتَقَيْنَا مَالَ إِلَيَّ الْقُوَّادُ كُلُّهُمْ. وَاسْتَوْلَى مُحَمَّدٌ عَلَى الْمَدِينَةِ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عُثْمَانَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَلَى قَضَائِهَا: عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيَّ، وَعَلَى بَيْتِ السِّلَاحِ: عَبْدَ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيَّ، وَعَلَى الشُّرَطِ: أَبَا الْقَلَمَّسِ عُثْمَانَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَلَى دِيوَانِ الْعَطَاءِ: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَقِيلَ: كَانَ عَلَى شُرَطِهِ: عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ فَعَزَلَهُ. وَأَرْسَلَ مُحَمَّدٌ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: إِنِّي كُنْتُ لَأَظُنُّكَ سَتَنْصُرُنَا وَتَقُومُ مَعَنَا. فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ وَقَالَ: أَفْعَلُ، ثُمَّ انْسَلَّ مِنْهُ وَأَتَى مَكَّةَ. وَلَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ مُحَمَّدٍ أَحَدٌ مِنْ وُجُوهِ النَّاسِ إِلَّا نَفَرٌ، مِنْهُمْ: الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ حِزَامٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُنْذِرِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَخُبَيْبُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ. وَكَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ قَدِ اسْتَفْتَوْا مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ فِي الْخُرُوجِ مَعَ مُحَمَّدٍ وَقَالُوا: إِنَّ فِي أَعْنَاقِنَا بَيْعَةً لِأَبِي جَعْفَرٍ، فَقَالَ: إِنَّمَا بَايَعْتُمْ مُكْرَهِينَ، وَلَيْسَ عَلَى مُكْرَهٍ يَمِينٌ. فَأَسْرَعَ النَّاسُ إِلَى مُحَمَّدٍ وَلَزِمَ مَالِكٌ بَيْتَهُ. فَأَرْسَلَ مُحَمَّدٌ إِلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا،

стр. 2477

فَدَعَاهُ إِلَى بَيْعَتِهِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي أَنْتَ وَاللَّهِ مَقْتُولٌ فَكَيْفَ أُبَايِعُكَ؟ فَارْتَدَعَ النَّاسُ عَنْهُ قَلِيلًا. وَكَانَ بَنُو مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَدْ أَسْرَعُوا إِلَى مُحَمَّدٍ، فَأَتَتْ حَمَّادَةُ بِنْتُ مُعَاوِيَةَ إِلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَقَالَتْ لَهُ: يَا عَمِّ إِنَّ إِخْوَتِي قَدْ أَسْرَعُوا إِلَى ابْنِ خَالِهِمْ، وَإِنَّكَ إِنْ قُلْتَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ ثَبَّطْتَ النَّاسَ عَنْهُ، فَيُقْتَلُ ابْنُ خَالِي وَإِخْوَتِي. فَأَبَى إِسْمَاعِيلُ إِلَّا النَّهْيَ عَنْهُ. فَيُقَالُ: إِنَّ حَمَّادَةَ عَدَتْ عَلَيْهِ فَقَتَلَتْهُ، فَأَرَادَ مُحَمَّدٌ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ فَمَنَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَقَالَ: أَتَأْمُرُ بِقَتْلِ أَبِي وَتُصَلِّي عَلَيْهِ؟ فَنَحَّاهُ الْحَرَسُ وَصَلَّى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ. وَلَمَّا ظَهَرَ مُحَمَّدٌ كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ الْقَسْرِيُّ بِالْمَدِينَةِ فِي حَبْسِ رِيَاحٍ فَأَطْلَقَهُ. وَقَالَ ابْنُ خَالِدٍ: فَلَمَّا سَمِعْتُ دَعْوَتَهُ الَّتِي دَعَا إِلَيْهَا عَلَى الْمِنْبَرِ قُلْتُ: هَذِهِ دَعْوَةُ حَقٍّ، وَاللَّهِ لَأُبْلِيَنَّ لِلَّهِ فِيهَا بَلَاءً حَسَنًا. فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّكَ قَدْ خَرَجْتَ بِهَذَا الْبَلَدِ، وَاللَّهِ لَوْ وَقَفَ عَلَى نَقْبٍ مِنْ أَنْقَابِهِ أَحَدٌ لَمَاتَ أَهْلُهُ جُوعًا وَعَطَشًا، فَانْهَضْ مَعِي فَإِنَّمَا هِيَ عَشْرٌ حَتَّى أَضْرِبَهُ بِمِائَةِ أَلْفِ سَيْفٍ. فَأَبَى عَلَيَّ، فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُ إِذْ قَالَ: مَا وَجَدْنَا مِنْ خَيْرِ الْمَتَاعِ شَيْئًا أَجْوَدَ مِنْ شَيْءٍ وَجَدْنَاهُ عِنْدَ ابْنِ أَبِي فَرْوَةَ خَتَنِ أَبِي الْخَصِيبِ، وَكَانَ انْتَبَهَ، قَالَ: فَقُلْتُ: أَلَا أَرَاكَ قَدْ أَبْصَرْتَ خَيْرَ الْمَتَاعِ! فَكَتَبْتُ إِلَى الْمَنْصُورِ فَأَخْبَرْتُهُ بِقِلَّةِ مَنْ مَعَهُ، فَأَخَذَنِي مُحَمَّدٌ فَحَبَسَنِي حَتَّى أَطْلَقَنِي عِيسَى بْنُ مُوسَى بَعْدَ قَتْلِهِ بِأَيَّامٍ. وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ آلِ أُوَيْسِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ الْعَامِرِيِّ، عَامِرُ بْنُ لُؤَيٍّ، اسْمُهُ الْحُسَيْنُ بْنُ صَخْرٍ بِالْمَدِينَةِ لَمَّا ظَهَرَ مُحَمَّدٌ، فَسَارَ مِنْ سَاعَتِهِ إِلَى الْمَنْصُورِ فَبَلَغَهُ فِي تِسْعَةِ أَيَّامٍ، فَقَدِمَ لَيْلًا، فَقَامَ عَلَى أَبْوَابِ الْمَدِينَةِ فَصَاحَ حَتَّى عَلِمُوا بِهِ وَأَدْخَلُوهُ، فَقَالَ الرَّبِيعُ: مَا حَاجَتُكَ هَذِهِ السَّاعَةَ وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ نَائِمٌ؟ قَالَ: لَا بُدَّ لِي مِنْهُ. فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ خَرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِالْمَدِينَةِ! قَالَ: قَتَلْتَهُ وَاللَّهِ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا، أَخْبِرْنِي مَنْ مَعَهُ. فَسَمَّى لَهُ مَنْ مَعَهُ مِنْ وُجُوهِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ. قَالَ: أَنْتَ رَأَيْتَهُ وَعَايَنْتَهُ؟ قَالَ: أَنَا رَأَيْتُهُ وَعَايَنْتُهُ وَكَلَّمْتُهُ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا، فَأَدْخَلَهُ أَبُو

стр. 2478

جَعْفَرٍ بَيْتًا، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ رَسُولٌ لِسَعِيدِ بْنِ دِينَارٍ غُلَامِ عِيسَى بْنِ مُوسَى يَلِي أَمْوَالَهُ بِالْمَدِينَةِ فَأَخْبَرَهُ بِأَمْرِ مُحَمَّدٍ، وَتَوَاتَرَتْ عَلَيْهِ أَخْبَارُهُ، فَأَخْرَجَ الْأُوَيْسِيَّ، فَقَالَ: لَأُوَطِّئِنَّ الرِّجَالَ عَقِبَيْكَ وَلَأُغْنِيَنَّكَ! فَأَمَرَ لَهُ بِتِسْعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ لِكُلِّ لَيْلَةٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ. وَأَشْفَقَ مِنْ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ لَهُ الْحَارِثِيُّ الْمُنَجِّمُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا يُجْزِعُكَ مِنْهُ؟ وَاللَّهِ لَوْ مَلَكَ الْأَرْضَ مَا لَبِثَ إِلَّا تِسْعِينَ يَوْمًا. فَأَرْسَلَ الْمَنْصُورُ إِلَى عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ، وَهُوَ مَحْبُوسٌ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ خَرَجَ فَإِنْ كَانَ عِنْدَكَ رَأْيٌ فَأَشِرْ بِهِ عَلَيْنَا، وَكَانَ ذَا رَأْيٍ عِنْدَهُمْ، فَقَالَ: إِنَّ الْمَحْبُوسَ مَحْبُوسُ الرَّأْيِ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْمَنْصُورُ: لَوْ جَاءَنِي حَتَّى يَضْرِبَ بَابِي مَا أَخْرَجْتُكَ، وَأَنَا خَيْرٌ لَكَ مِنْهُ، وَهُوَ مَلِكُ أَهْلِ بَيْتِكَ. فَأَعَادَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ: ارْتَحِلِ السَّاعَةَ حَتَّى تَأْتِيَ الْكُوفَةَ فَاجْثُمْ عَلَى أَكْبَادِهِمْ، فَإِنَّهُمْ شِيعَةُ أَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ وَأَنْصَارُهُمْ، ثُمَّ احْفُفْهَا بِالْمَسَالِحِ، فَمَنْ خَرَجَ مِنْهَا إِلَى وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ أَوْ أَتَاهَا مِنْ وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ، وَابْعَثْ إِلَى سَلْمِ بْنِ قُتَيْبَةَ يَنْحَدِرُ إِلَيْكَ، وَكَانَ بِالرَّيِّ، وَاكْتُبْ إِلَى أَهْلِ الشَّامِ فَمُرْهُمْ أَنْ يَحْمِلُوا إِلَيْكَ مِنْ أَهْلِ الْبَأْسِ وَالنَّجْدَةِ مَا حَمَلَ الْبَرِيدُ فَأَحْسِنْ جَوَائِزَهُمْ وَوَجِّهْهُمْ مَعَ سَلْمٍ. فَفَعَلَ. وَقِيلَ: أَرْسَلَ الْمَنْصُورُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ مَعَ إِخْوَتِهِ يَسْتَشِيرُونَهُ فِي أَمْرِ مُحَمَّدٍ، وَقَالَ لَهُمْ: لَا يَعْلَمُ عَبْدُ اللَّهِ أَنِّي أَرْسَلْتُكُمْ إِلَيْهِ. فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالَ: لِأَمْرٍ مَا جِئْتُمْ، مَا جَاءَ بِكُمْ جَمِيعًا وَقَدْ هَجَرْتُمُونِي مُذْ دَهْرٍ؟ قَالُوا: إِنَّا اسْتَأْذَنَّا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَذِنَ لَنَا. قَالَ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ، فَمَا الْخَبَرُ؟ قَالُوا: خَرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: فَمَا تَرَوْنَ ابْنَ سَلَّامَةَ صَانِعًا؟ يَعْنِي الْمَنْصُورَ. قَالُوا: لَا نَدْرِي وَاللَّهِ. قَالَ: إِنَّ الْبُخْلَ قَدْ قَتَلَهُ، فَمُرُوهُ فَلْيُخْرِجِ الْأَمْوَالَ وَلْيُعْطِ الْأَجْنَادَ، فَإِنْ غَلَبَ فَمَا أَسْرَعَ مَا يَعُودُ إِلَيْهِ مَالُهُ، وَإِنْ غُلِبَ لَمْ يَقْدَمْ صَاحِبُهُ عَلَى دِينَارٍ وَلَا دِرْهَمٍ. وَلَمَّا وَرَدَ الْخَبَرُ عَلَى الْمَنْصُورِ بِخُرُوجِ مُحَمَّدٍ كَانَ الْمَنْصُورُ قَدْ خَطَّ مَدِينَةَ بَغْدَادَ بِالْقَصَبِ، فَسَارَ إِلَى الْكُوفَةِ وَمَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْمِدَادِ،، فَقَالَ لَهُ

стр. 2479

الْمَنْصُورُ: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ خَرَجَ بِالْمَدِينَةِ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: هَلَكَ وَأَهْلَكَ، خَرَجَ فِي غَيْرِ عُدَدٍ وَلَا رِجَالٍ. حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَعْدَةَ الْمَخْزُومِيُّ قَالَ: كُنْتُ مَعَ مَرْوَانَ يَوْمَ الزَّابِ وَاقِفًا، فَقَالَ لِي مَرْوَانُ: مَنْ هَذَا الَّذِي يُقَاتِلُنِي؟ قُلْتُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: وَدِدْتُ وَاللَّهِ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يُقَاتِلُنِي مَكَانَهُ، إِنَّ عَلِيًّا وَوَلَدَهُ لَا حَظَّ لَهُمْ فِي هَذَا الْأَمْرِ، وَهَلْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ مَعَهُ رِيحُ الشَّامِ وَنَصْرُ الشَّامِ؟ يَا ابْنَ جَعْدَةَ أَتَدْرِي مَا حَمَلَنِي أَنْ عَقَدْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بَعْدِي وَتَرَكْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْ عُبَيْدِ اللَّهِ؟ قَالَ ابْنُ جَعْدَةَ: لَا. قَالَ: وَجَدْتُ الَّذِي يَلِي هَذَا الْأَمْرَ عَبْدَ اللَّهِ وَعُبَيْدَ اللَّهِ، وَكَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ أَقْرَبَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَعَقَدْتُ لَهُ، فَاسْتَخْلَفَهُ الْمَنْصُورُ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ، فَحَلَفَ لَهُ، فَسُرِّيَ عَنْهُ. وَلَمَّا بَلَغَ الْمَنْصُورَ خَبَرُ ظُهُورِ مُحَمَّدٍ قَالَ لِأَبِي أَيُّوبَ وَعَبْدِ الْمَلِكِ: هَلْ مِنْ رَجُلٍ تَعْرِفَانِهِ بِالرَّأْيِ يَجْمَعُ رَأْيَهُ إِلَى رَأْيِنَا؟ قَالَا: بِالْكُوفَةِ بُدَيْلُ بْنُ يَحْيَى، وَكَانَ السَّفَّاحُ يُشَاوِرُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ ظَهَرَ بِالْمَدِينَةِ. قَالَ: فَاشْحَنِ الْأَهْوَازَ بِالْجُنُودِ. قَالَ: إِنَّهُ ظَهَرَ بِالْمَدِينَةِ! قَالَ: قَدْ فَهِمْتُ وَإِنَّمَا الْأَهْوَازُ الْبَابُ الَّذِي تُؤْتَوْنَ مِنْهُ. فَلَمَّا ظَهَرَ إِبْرَاهِيمُ بِالْبَصْرَةِ قَالَ لَهُ الْمَنْصُورُ ذَلِكَ، قَالَ: فَعَاجِلْهُ بِالْجُنُودِ وَاشْغَلِ الْأَهْوَازَ عَلَيْهِ. وَشَاوَرَ الْمَنْصُورُ أَيْضًا جَعْفَرَ بْنَ حَنْظَلَةَ الْبَهْرَانِيَّ عِنْدَ ظُهُورِ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ: وَجِّهِ الْجُنُودَ إِلَى الْبَصْرَةِ. قَالَ: انْصَرِفْ حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكَ. فَلَمَّا صَارَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى الْبَصْرَةِ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّي خِفْتُ بَادِرَةَ الْجُنُودِ. قَالَ: وَكَيْفَ خِفْتَ الْبَصْرَةَ؟ قَالَ: لِأَنَّ مُحَمَّدًا ظَهَرَ بِالْمَدِينَةِ وَلَيْسُوا أَهْلَ الْحَرْبِ، بِحَسْبِهِمْ أَنْ يُقِيمُوا شَأْنَ أَنْفُسِهِمْ، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ تَحْتَ قَدَمِكَ، وَأَهْلُ الشَّامِ أَعْدَاءُ آلِ أَبِي طَالِبٍ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْبَصْرَةُ. ثُمَّ إِنَّ الْمَنْصُورَ كَتَبَ إِلَى مُحَمَّدٍ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] الْآيَتَيْنِ، وَلَكَ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ، وَذِمَّةُ رَسُولِهِ أَنْ أُؤَمِّنَكَ، وَجَمِيعَ وَلَدِكِ، وَإِخْوَتَكَ، وَأَهْلَ بَيْتِكِ وَمَنِ اتَّبَعَكُمْ عَلَى دِمَائِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَأُسَوِّغُكَ

стр. 2480

مَا أَصَبْتَ مِنْ دَمٍ أَوْ مَالٍ، وَأُعْطِيكَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَمَا سَأَلْتَ مِنَ الْحَوَائِجِ، وَأُنْزِلُكَ مِنَ الْبِلَادِ حَيْثُ شِئْتَ، وَأَنْ أُطْلِقَ مَنْ فِي حَبْسِي مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ. وَأَنْ أُؤَمِّنَ كُلَّ مَنْ جَاءَكَ وَبَايَعَكَ وَاتَّبَعَكَ أَوْ دَخَلَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِكَ ثُمَّ لَا أَتَّبِعُ أَحَدًا مِنْهُمْ بِشَيْءٍ كَانَ مِنْهُ أَبَدًا، فَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَتَوَثَّقَ لِنَفْسِكَ فَوَجِّهْ إِلَيَّ مَنْ أَحْبَبْتَ يَأْخُذُ لَكَ مِنَ الْأَمَانِ وَالْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ مَا تَتَوَثَّقُ بِهِ، وَالسَّلَامُ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ: ﴿طسم - تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ - نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ١ - ٣] إِلَى: ﴿يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٦] وَأَنَا أَعْرِضُ عَلَيْكَ مِنَ الْأَمَانِ مِثْلَ مَا عَرَضْتَ عَلَيَّ، فَإِنَّ الْحَقَّ حَقُّنَا وَإِنَّمَا ادَّعَيْتُمْ هَذَا الْأَمْرَ بِنَا وَخَرَجْتُمْ لَهُ بِشِيعَتِنَا وَحَظِيتُمْ بِفَضْلِهِ، فَإِنَّ أَبَانَا عَلِيًّا كَانَ الْوَصِيَّ وَكَانَ الْإِمَامَ، فَكَيْفَ وَرِثْتُمْ وِلَايَتَهُ، وَوَلَدُهُ أَحْيَاءٌ؟ ثُمَّ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَمْ يَطْلُبِ الْأَمْرَ أَحَدٌ لَهُ مِثْلُ نَسَبِنَا وَشَرَفِنَا وَحَالِنَا وَشَرَفِ آبَائِنَا، لَسْنَا مِنْ أَبْنَاءِ اللُّعَنَاءِ وَلَا الطُّرَدَاءِ وَلَا الطُّلَقَاءِ، وَلَيْسَ يَمُتُّ أَحَدٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ بِمِثْلِ الَّذِي نَمُتُّ بِهِ مِنَ الْقُرَابَةِ وَالسَّابِقَةِ وَالْفَضْلِ، وَإِنَّا بَنُو أُمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاطِمَةَ بِنْتِ عَمْرٍو فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَبَنُو بِنْتِهِ فَاطِمَةَ فِي الْإِسْلَامِ دُونَكُمْ. إِنَّ اللَّهِ اخْتَارَنَا وَاخْتَارَ لَنَا، فَوَالِدُنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مُحَمَّدٌ أَفْضَلُهُمْ، وَمِنَ السَّلَفِ أَوَّلُهُمْ إِسْلَامًا عَلِيٌّ، وَمِنَ الْأَزْوَاجِ أَفْضَلُهُنَّ خَدِيجَةُ الطَّاهِرَةُ وَأَوَّلُ مَنْ صَلَّى [إِلَى] الْقِبْلَةِ، وَمِنَ الْبَنَاتِ خَيْرُهُنَّ فَاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ وَأَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمِنَ الْمَوْلُودِينَ فِي الْإِسْلَامِ حَسَنٌ وَحُسَيْنٌ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ هَاشِمًا وَلَدَ عَلِيًّا مَرَّتَيْنِ، وَإِنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ وَلَدَ حَسَنًا مَرَّتَيْنِ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَلَدَنِي مَرَّتَيْنِ مِنْ قِبَلِ حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ. وَإِنِّي أَوْسَطُ بَنِي هَاشِمٍ نَسَبًا وَأَصْرَحُهُمْ أَبًا، لَمْ تُعَرِّقْ فِيَّ الْعَجَمُ، وَلَمْ تُنَازِعْ فِيَّ أُمَّهَاتُ الْأَوْلَادِ، فَمَا زَالَ اللَّهُ يَخْتَارُ لِي الْآبَاءَ،

стр. 2481

وَالْأُمَّهَاتِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ حَتَّى اخْتَارَ لِي فِي الْأَشْرَارِ، (فَأَنَا ابْنُ أَرْفَعِ النَّاسِ دَرَجَةً فِي الْجَنَّةِ، وَأَهْوَنِهِمْ عَذَابًا فِي النَّارِ) ، وَلَكَ اللَّهُ عَلَيَّ إِنْ دَخَلْتَ فِي طَاعَتِي وَأَجَبْتَ دَعْوَتِي أَنْ أُؤَمِّنَكَ عَلَى نَفْسِكَ وَمَالِكَ وَعَلَى كُلِّ أَمْرٍ أَحْدَثْتَهُ إِلَّا حَدًّا مِنْ حُدُودِ اللَّهِ أَوْ حَقًّا لِمُسْلِمٍ أَوْ مُعَاهِدٍ، فَقَدْ عَلِمْتَ مَا يَلْزَمُنِي مِنْ ذَلِكَ. وَأَنَا أَوْلَى بِالْأَمْرِ مِنْكَ وَأَوْفَى بِالْعَهْدِ، لِأَنَّكَ أَعْطَيْتَنِي مِنَ الْأَمَانِ وَالْعَهْدِ مَا أَعْطَيْتَهُ رِجَالًا قَبْلِي، فَأَيُّ الْأَمَانَاتِ تُعْطِينِي؟ أَمَانُ ابْنِ هُبَيْرَةَ، أَمْ أَمَانُ عَمِّكَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ، أَمْ أَمَانُ أَبِي مُسْلِمٍ؟ فَلَمَّا وَرَدَ كِتَابُهُ عَلَى الْمَنْصُورِ قَالَ لَهُ أَبُو أَيُّوبَ الْمُورِيَانِيُّ: دَعْنِي أُجِبْهُ عَلَيْهِ. قَالَ: لَا إِذَا تَقَارَعْنَا عَلَى الْأَحْسَابِ، فَدَعْنِي وَإِيَّاهُ. ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِ الْمَنْصُورُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنِي كَلَامُكَ وَقَرَأْتُ كِتَابَكَ، فَإِذَا جُلُّ فَخْرِكَ بِقَرَابَةِ النِّسَاءِ لِتُضِلَّ بِهِ الْجُفَاةَ وَالْغَوْغَاءَ، وَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ النِّسَاءَ كَالْعُمُومَةِ وَالْآبَاءِ، وَلَا كَالْعَصَبَةِ وَالْأَوْلِيَاءِ، لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْعَمَّ أَبًا، وَبَدَأَ بِهِ فِي كِتَابِهِ عَلَى الْوَالِدَةِ الدُّنْيَا، وَلَوْ كَانَ اخْتِيَارُ اللَّهِ لَهُنَّ عَلَى قَدْرِ قَرَابَتِهِنَّ كَانَتْ آمِنَةُ أَقْرَبَهُنَّ رَحِمًا، وَأَعْظَمَهُنَّ حَقًّا، وَأَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، [غَدًا] وَلَكِنَّ اخْتِيَارَ اللَّهِ لِخَلْقِهِ عَلَى عِلْمِهِ فِيمَا مَضَى مِنْهُمْ وَاصْطِفَائِهِ لَهُمْ. وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ فَاطِمَةَ أُمِّ أَبِي طَالِبٍ وَوِلَادَتِهَا فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْزُقْ أَحَدًا مِنْ وَلَدِهَا الْإِسْلَامَ لَا بِنْتًا وَلَا ابْنًا، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا رُزِقَ الْإِسْلَامَ بِالْقَرَابَةِ رُزِقَهُ عَبْدُ اللَّهِ وَلَكَانَ أَوْلَاهُمْ بِكُلِّ خَيْرٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَلَكِنَّ الْأَمْرَ لِلَّهِ يَخْتَارُ لِدِينِهِ مَنْ يَشَاءُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:

стр. 2482

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦] . وَلَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ وَلَهُ عُمُومَةٌ أَرْبَعَةٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ، : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] فَأَنْذَرَهُمْ وَدَعَاهُمْ، فَأَجَابَ اثْنَانِ، أَحَدُهُمَا أَبِي، وَأَبَى اثْنَانِ، أَحَدُهُمَا أَبُوكَ، فَقَطَعَ اللَّهُ وِلَايَتَهُمَا مِنْهُ وَلَمْ يَجْعَلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَلَا مِيرَاثًا. وَزَعَمْتَ أَنَّكَ ابْنُ أَخَفِّ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا وَابْنُ خَيْرِ الْأَشْرَارِ، وَلَيْسَ فِي الْكُفْرِ بِاللَّهِ صَغِيرٌ، وَلَا فِي عَذَابِ اللَّهِ خَفِيفٌ وَلَا يَسِيرٌ، وَلَيْسَ فِي الشَّرِّ خِيَارٌ، وَلَا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ أَنْ يَفْخَرَ بِالنَّارِ، وَسَتَرِدُ فَتَعْلَمُ ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الشعراء: ٢٢٧] الْآيَةَ. وَأَمَّا أَمْرُ حَسَنٍ وَأَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ وَلَدَهُ مَرَّتَيْنِ وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَلَدَكَ مَرَّتَيْنِ، فَخَيْرُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَلِدْهُ هَاشِمٌ إِلَّا مَرَّةً، وَلَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إِلَّا مَرَّةً. وَزَعَمْتَ أَنَّكَ أَوْسَطُ بَنِي هَاشِمٍ وَأَصْرَحُهُمْ أُمًّا وَأَبًا، وَأَنَّهُ لَمْ يَلِدْكَ الْعَجَمُ وَلَمْ تُعَرِّقْ فِيكَ أُمَّهَاتُ الْأَوْلَادِ، فَقَدْ رَأَيْتُكَ فَخَرْتَ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ طُرًّا، فَانْظُرْ، وَيْحَكَ، أَيْنَ أَنْتَ مِنَ اللَّهِ غَدًا! فَإِنَّكَ قَدْ تَعَدَّيْتَ طَوْرَكَ وَفَخَرْتَ عَلَى مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ نَفْسًا وَأَبًا وَأَوْلَادًا وَأَخًا إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَمَا خِيَارُ بَنِي أَبِيكَ خَاصَّةً وَأَهْلُ الْفَضْلِ مِنْهُمْ إِلَّا بَنُو أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، مَا وُلِدَ فِيكُمْ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَفْضَلُ مِنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَهُوَ لِأُمِّ وَلَدٍ، وَلَهُوَ خَيْرٌ مِنْ جَدِّكَ حَسَنِ بْنِ حَسَنٍ، وَمَا كَانَ فِيكُمْ بَعْدَهُ مِثْلُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَجَدَّتُهُ أُمُّ وَلَدٍ، وَلَهُوَ خَيْرٌ مِنْ أَبِيكَ، وَلَا مِثْلُ ابْنِهِ جَعْفَرٍ وَجَدَّتُهُ أُمُّ وَلَدٍ، وَهُوَ خَيْرٌ مِنْكَ.

стр. 2483

وَأَمَّا قَوْلُكَ إِنَّكُمْ بَنُو رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠] وَلَكِنَّكُمْ بَنُو بِنْتِهِ، وَإِنَّهَا لَقَرَابَةٌ قَرِيبَةٌ، وَلَكِنَّهَا لَا يَجُوزُ لَهَا الْمِيرَاثُ، وَلَا تَرِثُ الْوِلَايَةَ، وَلَا يَجُوزُ لَهَا الْإِمَامَةُ، فَكَيْفَ تُورَثُ بِهَا؟ وَلَقَدْ طَلَبَهَا أَبُوكَ بِكُلِّ وَجْهٍ فَأَخْرَجَ فَاطِمَةَ نَهَارًا، وَمَرَّضَهَا سِرًّا، وَدَفَنَهَا لَيْلًا، فَأَبَى النَّاسُ إِلَّا الشَّيْخَيْنِ، وَلَقَدْ جَاءَتِ السُّنَّةُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الْجَدَّ أَبَا الْأُمِّ وَالْخَالَ وَالْخَالَةَ لَا يُورَثُونَ. وَأَمَّا مَا فَخَرْتَ بِهِ مِنْ عَلِيٍّ وَسَابِقَتِهِ، فَقَدْ حَضَرَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْوَفَاةُ فَأَمَرَ غَيْرَهُ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ أَخَذَ النَّاسُ رَجُلًا بَعْدَ رَجُلٍ فَلَمْ يَأْخُذُوهُ، وَكَانَ فِي السِّتَّةِ فَتَرَكُوهُ كُلُّهُمْ دَفْعًا لَهُ عَنْهَا، وَلَمْ يَرَوْا لَهُ حَقًّا فِيهَا. وَأَمَّا عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقَدَّمَ عَلَيْهِ عُثْمَانَ وَهُوَ لَهُ مُتَّهِمٌ، وَقَاتَلَهُ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ، وَأَبَى سَعْدٌ بَيْعَتَهُ فَأَغْلَقَ بَابَهُ دُونَهُ، ثُمَّ بَايَعَ مُعَاوِيَةَ بَعْدَهُ، ثُمَّ طَلَبَهَا بِكُلِّ وَجْهٍ وَقَاتَلَ عَلَيْهَا وَتَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ وَشَكَّ فِيهِ شِيعَتُهُ قَبْلَ الْحُكُومَةِ، ثُمَّ حَكَّمَ حَكَمَيْنِ رَضِيَ بِهِمَا، وَأَعْطَاهُمَا عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ، فَاجْتَمَعَا عَلَى خَلْعِهِ، ثُمَّ كَانَ حَسَنٌ فَبَاعَهَا مِنْ مُعَاوِيَةَ بِخِرَقٍ وَدَرَاهِمَ، وَلَحِقَ بِالْحِجَازِ، وَأَسْلَمَ شِيعَتَهُ بِيَدِ مُعَاوِيَةَ، وَدَفَعَ الْأَمْرَ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ، وَأَخَذَ مَالًا مِنْ غَيْرِ وَلَائِهِ وَلَا حِلِّهِ، فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فِيهَا شَيْءٌ فَقَدْ بِعْتُمُوهُ وَأَخَذْتُمْ ثَمَنَهُ. ثُمَّ خَرَجَ عَمُّكَ حُسَيْنٌ عَلَى ابْنِ مَرْجَانَةَ، فَكَانَ النَّاسُ مَعَهُ عَلَيْهِ حَتَّى قَتَلُوهُ، وَأَتَوْا بِرَأْسِهِ إِلَيْهِ، ثُمَّ خَرَجْتُمْ عَلَى بَنِي أُمَيَّةَ فَقَتَلُوكُمْ وَصَلَبُوكُمْ عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ، وَأَحْرَقُوكُمْ بِالنِّيرَانِ، وَنَفَوْكُمْ مِنَ الْبُلْدَانِ، حَتَّى قُتِلَ يَحْيَى بْنُ زَيْدٍ بِخُرَاسَانَ، وَقَتَلُوا رِجَالَكُمْ، وَأَسَرُوا الصِّبْيَةَ وَالنِّسَاءَ

стр. 2484

وَحَمَلُوهُمْ بِلَا وِطَاءٍ فِي الْمَحَامِلِ كَالسَّبْيِ الْمَجْلُوبِ إِلَى الشَّامِ. حَتَّى خَرَجْنَا عَلَيْهِمْ فَطَلَبْنَا بِثَأْرِكُمْ، وَأَدْرَكْنَا بِدِمَائِكُمْ، وَأَوْرَثْنَاكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ، وَسَنَّيْنَا سَلَفَكُمْ وَفَضَّلْنَاهُ، فَاتَّخَذْتَ ذَلِكَ عَلَيْنَا حُجَّةً، وَظَنَنْتَ أَنَّا إِنَّمَا ذَكَرْنَا أَبَاكَ لِلتَّقْدِمَةِ مِنَّا لَهُ عَلَى حَمْزَةَ وَالْعَبَّاسِ وَجَعْفَرٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ كَمَا ظَنَنْتَ، وَلَكِنْ خَرَجَ هَؤُلَاءِ مِنَ الدُّنْيَا سَالِمِينَ مُتَسَلَّمًا مِنْهُمْ، مُجْتَمَعًا عَلَيْهِمْ بِالْفَضْلِ، وَابْتُلِيَ أَبُوكَ بِالْقِتَالِ وَالْحَرْبِ، وَكَانَتْ بَنُو أُمَيَّةَ تَلْعَنُهُ كَمَا تَلْعَنُ الْكَفَرَةَ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، فَاحْتَجَجْنَا [لَهُ] وَذَكَّرْنَاهُمْ فَضْلَهُ وَعَنَّفْنَاهُمْ وَظَلَمْنَاهُمْ بِمَا نَالُوا مِنْهُ. فَلَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ مَكْرُمَتَنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ سِقَايَةُ الْحَاجِّ الْأَعْظَمِ، وَوِلَايَةُ زَمْزَمَ، فَصَارَتْ لِلْعَبَّاسِ مِنْ بَيْنِ إِخْوَتِهِ، فَنَازَعَنَا فِيهَا أَبُوكَ فَقَضَى لَنَا عَلَيْهِ عُمَرُ، فَلَمْ نَزَلْ نَلِيهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ، وَلَقَدْ قَحَطَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَلَمْ يَتَوَسَّلْ عُمَرُ إِلَى رَبِّهِ وَلَمْ يَتَقَرَّبْ إِلَيْهِ إِلَّا بِأَبِينَا حَتَّى نَعَشَهُمُ اللَّهُ، وَسَقَاهُمُ الْغَيْثَ وَأَبُوكَ حَاضِرٌ لَمْ يُتَوَسَّلْ بِهِ، وَلَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرُهُ فَكَانَتْ وِرَاثَةٌ مِنْ عُمُومَتِهِ، ثُمَّ طَلَبَ هَذَا الْأَمْرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ فَلَمْ يَنَلْهُ إِلَّا وَلَدُهُ، فَالسِّقَايَةُ سِقَايَتُهُ، وَمِيرَاثُ النَّبِيِّ لَهُ، وَالْخِلَافَةُ فِي وَلَدِهِ، فَلَمْ يَبْقَ شَرَفٌ وَلَا فَضْلٌ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا وَالْعَبَّاسُ وَارِثُهُ مُوَرِّثُهُ. وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ بَدْرٍ، فَإِنَّ الْإِسْلَامَ جَاءَ وَالْعَبَّاسُ يُمَوِّنُ أَبَا طَالِبٍ وَعِيَالَهُ، وَيُنْفِقُ عَلَيْهِمْ لِلْأَزْمَةِ الَّتِي أَصَابَتْهُ، وَلَوْلَا أَنَّ الْعَبَّاسَ أُخْرِجَ إِلَى بَدْرٍ كَارِهًا لَمَاتَ طَالِبٌ وَعَقِيلٌ جُوعًا، وَلَلَحَسَا جِفَانَ عُتْبَةَ وَشَيْبَةَ، وَلَكِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُطْعِمِينَ فَأَذْهَبَ عَنْكُمُ الْعَارَ وَالسُّبَّةَ وَكَفَاكُمُ النَّفَقَةَ وَالْمَئُونَةَ، ثُمَّ فَدَى عَقِيلًا يَوْمَ بَدْرٍ، فَكَيْفَ تَفْخَرُ عَلَيْنَا وَقَدْ عُلْنَاكُمْ فِي الْكُفْرِ وَفَدَيْنَاكُمْ [مِنَ الْأَسْرِ] وَحُزْنَا عَلَيْكُمْ مَكَارِمَ الْآبَاءِ، وَوَرِثْنَا دُونَكُمْ

стр. 2485

خَاتَمَ الْأَنْبِيَاءِ، وَطَلَبْنَا بِثَأْرِكُمْ فَأَدْرَكْنَا مِنْهُ مَا عَجَزْتُمْ عَنْهُ، وَلَمْ تُدْرِكُوا لِأَنْفُسِكُمْ! وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ. فَكَانَ مُحَمَّدٌ قَدِ اسْتَعْمَلَ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَى مَكَّةَ، وَالْقَاسِمَ بْنَ إِسْحَاقَ عَلَى الْيَمَنِ، وَمُوسَى بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى الشَّامِ، فَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَالْقَاسِمُ فَسَارَا إِلَى مَكَّةَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا السَّرِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَامِلُ الْمَنْصُورِ عَلَى مَكَّةَ فَلَقِيَهُمَا بِبَطْنِ أَذَاخِرَ فَهَزَمَاهُ. وَدَخَلَ مُحَمَّدٌ مَكَّةَ وَأَقَامَ بِهَا يَسِيرًا، فَأَتَاهُ كِتَابُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ يَأْمُرُهُ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِ فِيمَنْ مَعَهُ وَيُخْبِرُهُ بِمَسِيرِ عِيسَى بْنِ مُوسَى إِلَيْهِ لِيُحَارِبَهُ، فَسَارَ إِلَيْهِ مِنْ مَكَّةَ هُوَ وَالْقَاسِمُ، فَبَلَغَهُ بِنَوَاحِي قُدَيْدٍ قَتْلُ مُحَمَّدٍ، فَهَرَبَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَتَفَرَّقُوا. فَلَحِقَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بِإِبْرَاهِيمَ فَأَقَامَ عِنْدَهُ حَتَّى قُتِلَ إِبْرَاهِيمُ، وَاخْتَفَى الْقَاسِمُ بِالْمَدِينَةِ حَتَّى أَخَذَتْ لَهُ ابْنَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ - امْرَأَةُ عِيسَى - الْأَمَانَ لَهُ وَلِإِخْوَتِهِ مُعَاوِيَةَ وَغَيْرِهِ. وَأَمَّا مُوسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَسَارَ نَحْوَ الشَّامِ وَمَعَهُ رِزَامٌ مَوْلَى مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ الْقَسْرِيِّ، فَانْسَلَّ مِنْهُ رِزَامٌ وَسَارَ إِلَى الْمَنْصُورِ بِرِسَالَةٍ مِنْ مَوْلَاهُ مُحَمَّدٍ الْقَسْرِيِّ، فَظَهَرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى ذَلِكَ، فَحَبَسَ مُحَمَّدًا الْقَسْرِيَّ، وَوَصَلَ مُوسَى إِلَى الشَّامِ فَرَأَى مِنْهُمْ سُوءَ رَدٍّ عَلَيْهِ وَغِلْظَةً، فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ: أُخْبِرُكَ أَنِّي لَقِيتُ الشَّامَ وَأَهْلَهُ، فَكَانَ أَحْسَنَهُمْ قَوْلًا الَّذِي قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ مَلِلْنَا الْبَلَاءَ وَضِقْنَا حَتَّى مَا فِينَا لِهَذَا الْأَمْرِ مَوْضِعٌ وَلَا بِنَا بِهِ حَاجَةٌ، وَمِنْهُمْ طَائِفَةٌ تَحْلِفُ لَئِنْ أَصْبَحْنَا مِنْ لَيْلَتِنَا وَأَمْسَيْنَا مِنْ غَدٍ لَيُرْفَعَنَّ أَمْرُنَا، فَكَتَبْتُ إِلَيْكَ وَقَدْ غَيَّبْتُ وَجْهِي، وَخِفْتُ عَلَى نَفْسِي. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ. وَقِيلَ: أَتَى الْبَصْرَةَ وَأَرْسَلَ صَاحِبًا لَهُ يَشْتَرِي لَهُ طَعَامًا، فَاشْتَرَاهُ وَجَاءَ بِهِ عَلَى حَمَّالٍ أَسْوَدَ فَأَدْخَلَهُ الدَّارَ الَّتِي سَكَنَهَا وَخَرَجَ، فَلَمْ يَكُنْ بِأَسْرَعَ مِنْ أَنْ كُبِسَتِ الدَّارُ وَأُخِذَ مُوسَى وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ وَغُلَامُهُ، فَأُخِذُوا وَحُمِلُوا إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ. فَلَمَّا رَأَى مُوسَى قَالَ: لَا قَرَّبَ اللَّهُ قَرَابَتَكُمْ، وَلَا حَيَّا وُجُوهَكُمْ! تَرَكْتَ الْبِلَادَ كُلَّهَا إِلَّا بَلَدًا أَنَا فِيهِ، فَإِنْ وَصَلْتُ أَرْحَامَكُمْ أَغْضَبْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنْ أَطَعْتُهُ قَطَعْتُ

стр. 2486

أَرْحَامَكُمْ. ثُمَّ أَرْسَلَهُمْ إِلَى الْمَنْصُورِ، فَأَمَرَ فَضُرِبَ مُوسَى وَابْنُهُ كُلُّ وَاحِدٍ خَمْسَمِائَةِ سَوْطٍ، فَلَمْ يَتَأَوَّهُوا. فَقَالَ الْمَنْصُورُ: أَعْذَرْتُ أَهْلَ الْبَاطِلِ فِي صَبْرِهِمْ، فَمَا بَالُ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ مُوسَى: أَهْلُ الْحَقِّ أَوْلَى بِالصَّبْرِ. ثُمَّ أَخْرَجَهُمْ وَأَمَرَ بِهِمْ فَسُجِنُوا. (خُبَيْبُ بْنُ ثَابِتٍ: بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ الْمَضْمُومَةِ، وَبِبَائَيْنِ مُوَحَّدَتَيْنِ وَبَيْنَهُمَا يَاءٌ مُثَنَّاةٌ مِنْ تَحْتِهَا) . ذِكْرُ مَسِيرِ عِيسَى بْنِ مُوسَى إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَقَتْلِهِ ثُمَّ إِنَّ الْمَنْصُورَ أَحْضَرَ ابْنَ أَخِيهِ عِيسَى بْنَ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْمَدِينَةِ لِقِتَالِ مُحَمَّدٍ. فَقَالَ: شَاوِرْ عُمُومَتَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. ثُمَّ قَالَ: فَأَيْنَ قَوْلُ ابْنِ هَرْمَةَ: تَرَوْنَ أَمْرَأً لَا يُمْحِضُ الْقَوْمَ سِرَّهُ ... وَلَا يَنْتَجِي الْأُذْنَيْنِ عَمَّا يُحَاوِلُ إِذَا مَا أَتَى شَيْئًا مَضَى كَالَّذِي أَتَى ... وَإِنْ قَالَ إِنِّي فَاعِلٌ فَهْوَ فَاعِلُ. فَقَالَ الْمَنْصُورُ: امْضِ أَيُّهَا الرَّجُلُ، فَوَاللَّهِ مَا يُرَادُ غَيْرِي وَغَيْرُكَ، وَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ تَشْخَصَ أَنْتَ أَوْ أَشْخَصَ أَنَا. فَسَارَ وَسَيَّرَ مَعَهُ الْجُنُودَ. وَقَالَ الْمَنْصُورُ لَمَّا سَارَ عِيسَى: لَا أُبَالِي أَيُّهُمَا قَتَلَ صَاحِبَهُ. وَبَعَثَ مَعَهُ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي الْعَبَّاسِ السَّفَّاحِ، وَكَثِيرَ بْنَ حُصَيْنٍ الْعَبْدِيَّ، وَابْنَ قَحْطَبَةَ، وَهَزَارَ مَرَدَ وَغَيْرَهُمْ، وَقَالَ لَهُ حِينَ وَدَّعَهُ: يَا عِيسَى إِنِّي أَبْعَثُكَ إِلَى مَا بَيْنَ هَذَيْنِ، وَأَشَارَ إِلَى جَنْبَيْهِ، فَإِنْ ظَفِرْتَ بِالرَّجُلِ فَأَغْمِدْ سَيْفَكَ، وَابْذُلِ الْأَمَانَ، وَإِنْ تَغَيَّبَ فَضَمِّنْهُمْ إِيَّاهُ فَإِنَّهُمْ يَعْرِفُونَ مَذَاهِبَهُ، وَمَنْ لَقِيَكَ مِنْ آلِ أَبِي طَالِبٍ فَاكْتُبْ إِلَيَّ بِاسْمِهِ، وَمَنْ لَمْ يَلْقَكَ فَاقْبِضْ مَالَهُ. وَكَانَ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ تَغَيَّبَ عَنْهُ فَقَبَضَ مَالَهُ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَنْصُورُ الْمَدِينَةَ قَالَ لَهُ جَعْفَرٌ فِي مَعْنَى مَالِهِ، فَقَالَ: قَبَضَهُ مَهْدِيُّكُمْ. فَلَمَّا وَصَلَ عِيسَى إِلَى فَيْدَ كَتَبَ إِلَى النَّاسِ فِي خِرَقِ حَرِيرٍ، مِنْهُمْ: عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ

стр. 2487

الْمُطَّلِبِ الْمَخْزُومِيُّ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَفْوَانَ الْجُمَحِيُّ، وَكَتَبَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ يَأْمُرُهُ بِالْخُرُوجِ مِنَ الْمَدِينَةِ فِيمَنْ أَطَاعَهُ، فَخَرَجَ هُوَ، وَعُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ، وَأَبُو عَقِيلٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، وَأَبُو عِيسَى. وَلَمَّا بَلَغَ مُحَمَّدًا قُرْبُ عِيسَى مِنَ الْمَدِينَةِ اسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ فِي الْخُرُوجِ مِنَ الْمَدِينَةِ أَوِ الْمُقَامِ بِهَا، فَأَشَارَ بَعْضُهُمْ بِالْخُرُوجِ عَنْهَا، وَأَشَارَ بَعْضُهُمْ بِالْمُقَامِ بِهَا لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " «رَأَيْتُنِي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ فَأَوَّلْتُهَا الْمَدِينَةَ» "، فَأَقَامَ. ثُمَّ اسْتَشَارَهُمْ فِي حَفْرِ خَنْدَقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ جَابِرُ بْنُ أَنَسٍ، رَئِيسُ سُلَيْمٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ نَحْنُ أَخْوَالُكَ وَجِيرَانُكَ، وَفِينَا السِّلَاحُ وَالْكُرَاعُ، فَلَا تُخَنْدِقِ الْخَنْدَقَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَنْدَقَ خَنْدَقَهُ لِمَا اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ، وَإِنْ خَنْدَقْتَهُ لَمْ يَحْسُنِ الْقِتَالُ رَجَّالَةً، وَلَمْ تُوَجَّهْ لَنَا الْخَيْلُ بَيْنَ الْأَزِقَّةِ، وَإِنَّ الَّذِينَ تُخَنْدِقُ دُونَهُمْ هُمُ الَّذِينَ يَحُولُ الْخَنْدَقُ دُونَهُمْ. فَقَالَ أَحَدُ بَنِي شُجَاعٍ: خَنْدِقْ، خَنْدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاقْتَدِ بِهِ، وَتُرِيدُ أَنْتَ أَنْ تَدَعَ أَثَرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِرَأْيِكَ! قَالَ: إِنَّهُ وَاللَّهِ يَا ابْنَ شُجَاعٍ مَا شَيْءٌ أَثْقَلَ عَلَيْكَ وَعَلَى أَصْحَابِكَ مِنْ لِقَائِهِمْ، وَمَا شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ مُنَاجَزَتِهِمْ. فَقَالَ مُحَمَّدٌ: إِنَّمَا اتَّبَعْنَا فِي الْخَنْدَقِ أَثَرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا يَرُدَّنِي أَحَدٌ عَنْهُ فَلَسْتُ بِتَارِكِهِ. وَأَمَرَ بِهِ فَحُفِرَ، وَبَدَأَ هُوَ فَحَفَرَ بِنَفْسِهِ الْخَنْدَقَ الَّذِي حَفَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْأَحْزَابِ. وَسَارَ عِيسَى حَتَّى نَزَلَ الْأَعْوَصَ، وَكَانَ مُحَمَّدٌ قَدْ جَمَعَ النَّاسَ، وَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ، وَحَصَرَهُمْ فَلَا يَخْرُجُونَ. وَخَطَبَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ قَدْ نَزَلَ الْأَعْوَصَ، وَإِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِالْقِيَامِ بِهَذَا الْأَمْرِ لَأَبْنَاءُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، أَلَا وَإِنَّا قَدْ جَمَعْنَاكُمْ وَأَخَذْنَا عَلَيْكُمُ الْمِيثَاقَ، وَعَدُوُّكُمْ عَدَدٌ كَثِيرٌ وَالنَّصْرُ مِنَ اللَّهِ وَالْأَمْرُ بِيَدِهِ، وَإِنَّهُ قَدْ بَدَا لِي أَنْ آذَنَ لَكُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُقِيمَ أَقَامَ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَظْعَنَ ظَعَنَ. فَخَرَجَ عَالَمٌ كَثِيرٌ، وَخَرَجَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِذَرَارِيِّهِمْ وَأَهْلِيهِمْ إِلَى الْأَعْرَاضِ

стр. 2488

وَالْجِبَالِ، وَبَقِيَ مُحَمَّدٌ فِي شِرْذِمَةٍ يَسِيرَةٍ، فَأَمَرَ أَبَا الْقَلَمَّسِ بِرَدِّ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، فَأَعْجَزَهُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، فَتَرَكَهُمْ. وَكَانَ الْمَنْصُورُ قَدْ أَرْسَلَ ابْنَ الْأَصَمِّ مَعَ عِيسَى يُنْزِلُهُ الْمَنَازِلَ، فَلَمَّا قَدِمُوا نَزَلُوا عَلَى مِيلٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ ابْنُ الْأَصَمِّ: إِنَّ الْخَيْلَ لَا عَمَلَ لَهَا مَعَ الرَّجَّالَةِ، وَإِنِّي أَخَافُ إِنْ كَشَفُوكُمْ كَشْفَةً أَنْ يَدْخُلُوا عَسْكَرَكُمْ. فَتَأَخَّرُوا إِلَى سِقَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بِالْجُرْفِ، وَهِيَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَقَالَ: لَا يُهَرْوِلُ الرَّاجِلُ أَكْثَرَ مِنْ مِيلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ حَتَّى تَأْخُذَهُ الْخَيْلُ. وَأَرْسَلَ عِيسَى خَمْسَمِائَةِ رَجُلٍ إِلَى بَطْحَاءِ أَزْهَرَ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَأَقَامُوا بِهَا، وَقَالَ: أَخَافُ أَنْ يَنْهَزِمَ مُحَمَّدٌ فَيَأْتِيَ مَكَّةَ فَيَرُدَّهُ هَؤُلَاءِ، فَأَقَامُوا بِهَا حَتَّى قُتِلَ. وَأَرْسَلَ عِيسَى إِلَى مُحَمَّدٍ يُخْبِرُهُ أَنَّ الْمَنْصُورَ قَدْ آمَنَهُ وَأَهْلَهُ، فَأَعَادَ الْجَوَابَ: يَا هَذَا إِنَّ لَكَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَرَابَةً قَرِيبَةً، وَإِنِّي أَدْعُوكَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ وَالْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ، وَأُحَذِّرُكَ نِقْمَتَهُ وَعَذَابَهُ، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَنَا مُنْصَرِفٌ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ عَلَيْهِ، وَإِيَّاكَ أَنْ يَقْتُلَكَ مَنْ يَدْعُوكَ إِلَى اللَّهِ فَتَكُونَ شَرَّ قَتِيلٍ، أَوْ تَقْتُلَهُ فَيَكُونَ أَعْظَمَ لِوِزْرِكَ. فَلَمَّا بَلَغَتْهُ الرِّسَالَةُ قَالَ عِيسَى: لَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ إِلَّا الْقِتَالُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ لِلرَّسُولِ: عَلَامَ تَقْتُلُونَنِي وَإِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ فَرَّ مِنْ أَنْ يُقْتَلَ؟ قَالَ: الْقَوْمُ يَدْعُونَكَ إِلَى الْأَمَانِ، فَإِنْ أَبَيْتَ إِلَّا قِتَالَهُمْ قَاتَلُوكَ عَلَى مَا قَاتَلَ عَلَيْهِ خَيْرُ آبَائِكَ [عَلِيٌّ] طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ عَلَى نَكْثِ بَيْعَتِهِمْ وَكَيْدِ مُلْكِهِمْ. فَلَمَّا سَمِعَ الْمَنْصُورُ قَوْلَهُ قَالَ: مَا سَرَّنِي أَنَّهُ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ. وَنَزَلَ عِيسَى بِالْجُرْفِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ مِنْ رَمَضَانَ يَوْمَ السَّبْتِ، فَأَقَامَ السَّبْتَ وَالْأَحَدَ وَغَدَا يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ فَوَقَفَ عَلَى سَلْعٍ فَنَظَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَمَنْ فِيهَا فَنَادَى: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ دِمَاءَ بَعْضِنَا عَلَى بَعْضٍ، فَهَلُمُّوا إِلَى الْأَمَانِ! فَمَنْ قَامَ تَحْتَ رَايَتِنَا فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ دَارَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَلْقَى سِلَاحَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ خَرَجَ

стр. 2489

مِنَ الْمَدِينَةِ فَهُوَ آمِنٌ، خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ صَاحِبِنَا، فَإِمَّا لَنَا وَإِمَّا لَهُ! فَشَتَمُوهُ. وَانْصَرَفَ مِنْ يَوْمِهِ وَعَادَ مِنَ الْغَدِ وَقَدْ فَرَّقَ الْقُوَّادَ مِنْ سَائِرِ جِهَاتِ الْمَدِينَةِ، وَأَخْلَى نَاحِيَةَ مَسْجِدِ أَبِي الْجَرَّاحِ، وَهُوَ عَلَى بُطْحَانَ، فَإِنَّهُ أَخْلَى تِلْكَ النَّاحِيَةَ لِخُرُوجِ مَنْ يَنْهَزِمُ. وَبَرَزَ مُحَمَّدٌ فِي أَصْحَابِهِ، وَكَانَتْ رَايَتُهُ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَكَانَ شِعَارُهُ: أَحَدٌ أَحَدٌ. فَبَرَزَ أَبُو الْقَلَمَّسِ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ، فَبَرَزَ إِلَيْهِ أَخُو أَسَدٍ وَاقْتَتَلُوا طَوِيلًا، فَقَتَلَهُ أَبُو الْقَلَمَّسِ، وَبَرَزَ إِلَيْهِ آخَرُ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ حِينَ ضَرَبَهُ: خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الْفَارُوقِ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ عِيسَى: قَتَلْتَ خَيْرًا مِنْ أَلْفِ فَارُوقٍ. وَقَاتَلَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ قِتَالًا عَظِيمًا، فَقَتَلَ بِيَدِهِ سَبْعِينَ رَجُلًا، وَأَمَرَ عِيسَى حُمَيْدَ بْنَ قَحْطَبَةَ، فَتَقَدَّمَ فِي مِائَةٍ كُلُّهُمْ رَاجِلٌ سِوَاهُ، فَزَحَفُوا حَتَّى بَلَغُوا جِدَارًا دُونَ الْخَنْدَقِ عَلَيْهِ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ، فَهَدَمَ حُمَيْدٌ الْحَائِطَ وَانْتَهَى إِلَى الْخَنْدَقِ وَنَصَبَ عَلَيْهِ أَبْوَابًا وَعَبَرَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ عَلَيْهَا فَجَازُوا الْخَنْدَقَ وَقَاتَلُوا مِنْ وَرَائِهِ أَشَدَّ قِتَالٍ مِنْ بُكْرَةٍ إِلَى الْعَصْرِ. وَأَمَرَ عِيسَى أَصْحَابَهُ فَأَلْقَوُا الْحَقَائِبَ وَغَيْرَهَا فِي الْخَنْدَقِ وَجَعَلَ الْأَبْوَابَ عَلَيْهَا وَجَازَتِ الْخَيْلُ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْصَرَفَ مُحَمَّدٌ قَبْلَ الظُّهْرِ فَاغْتَسَلَ وَتَحَنَّطَ ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي! وَاللَّهِ مَا لَكَ بِمَا تَرَى طَاقَةٌ! فَلَوْ أَتَيْتَ الْحَسَنَ بْنَ مُعَاوِيَةَ بِمَكَّةَ فَإِنَّ مَعَهُ جُلَّ أَصْحَابِكَ. فَقَالَ: لَوْ خَرَجْتُ لَقُتِلَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَاللَّهِ لَا أَرْجِعُ حَتَّى أَقْتُلَ أَوْ أُقْتَلَ، وَأَنْتَ مِنِّي فِي سَعَةٍ فَاذْهَبْ حَيْثُ شِئْتَ. فَمَشَى مَعَهُ قَلِيلًا ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ، وَتَفَرَّقَ عَنْهُ جُلُّ أَصْحَابِهِ حَتَّى بَقِيَ فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ يَزِيدُونَ قَلِيلًا، فَقَالَ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ: نَحْنُ الْيَوْمَ بِعِدَّةِ أَهْلِ بَدْرٍ. وَصَلَّى مُحَمَّدٌ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَكَانَ مَعَهُ عِيسَى بْنُ خُضَيْرٍ وَهُوَ يُنَاشِدُهُ إِلَّا ذَهَبْتَ إِلَى الْبَصْرَةِ أَوْ غَيْرِهَا، وَمُحَمَّدٌ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا تُبْتَلَوْنَ بِي مَرَّتَيْنِ، وَلَكِنِ اذْهَبْ أَنْتَ حَيْثُ شِئْتَ. فَقَالَ ابْنُ خُضَيْرٍ: وَأَيْنَ الْمَذْهَبُ عَنْكَ؟ ثُمَّ مَضَى فَأَحْرَقَ الدِّيوَانَ الَّذِي فِيهِ أَسْمَاءُ مَنْ بَايَعَهُ، وَقَتَلَ رِيَاحَ بْنَ عُثْمَانَ، وَأَخَاهُ عَبَّاسَ بْنَ عُثْمَانَ، وَقَتَلَ ابْنَ مُسْلِمِ بْنِ عُقْبَةَ الْمُرِّيَّ، وَمَضَى إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْقَسْرِيِّ وَهُوَ مَحْبُوسٌ لِيَقْتُلَهُ، فَعَلِمَ بِهِ فَرَدَمَ الْأَبْوَابَ دُونَهُ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، وَرَجَعَ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقَاتَلَ بَيْنَ يَدَيْهِ [حَتَّى قُتِلَ] .

стр. 2490

وَتَقَدَّمَ حُمَيْدُ بْنُ قَحْطَبَةَ وَتَقَدَّمَ مُحَمَّدٌ، فَلَمَّا صَارَ يَنْظُرُ مَسِيلَ سَلْعٍ عَرْقَبَ فَرَسُهُ، وَعَرْقَبَ بَنُو شُجَاعٍ الْخَمِيسِيُّونَ دَوَابَّهُمْ، وَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ إِلَّا كَسَرَ جَفْنَ سَيْفِهِ، فَقَالَ لَهُمْ مُحَمَّدٌ: قَدْ بَايَعْتُمُونِي وَلَسْتُ بَارِحًا حَتَّى أُقْتَلَ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْصَرِفَ فَقَدْ أَذِنْتُ لَهُ. وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، فَهَزَمُوا أَصْحَابَ عِيسَى مَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا. وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ جَعْفَرٍ: وَيْلُ أُمِّهِ فَتْحًا لَوْ كَانَ لَهُ رِجَالٌ! فَصَعِدَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ عِيسَى عَلَى جَبَلِ سَلْعٍ وَانْحَدَرُوا مِنْهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَمَرَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ حَسَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ بِخِمَارٍ أَسْوَدَ، فَرُفِعَ عَلَى مَنَارَةِ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ: دُخِلَتِ الْمَدِينَةُ، فَهَرَبُوا، فَقَالَ يَزِيدُ: لِكُلِّ قَوْمٍ جَبَلٌ يَعْصِمُهُمْ، وَلَنَا جَبَلٌ لَا نُؤْتَى إِلَّا مِنْهُ، يَعْنِي سَلْعًا. وَفَتَحَ بَنُو أَبِي عَمْرٍو الْغِفَارِيُّونَ طَرِيقًا فِي بَنِي غِفَارٍ لِأَصْحَابِ عِيسَى وَدَخَلُوا مِنْهُ أَيْضًا، وَجَاءُوا مِنْ وَرَاءِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ، وَنَادَى مُحَمَّدٌ حُمَيْدَ بْنَ قَحْطَبَةَ: ابْرُزْ إِلَيَّ فَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. فَقَالَ حُمَيْدٌ: قَدْ عَرَفْتُكَ وَأَنْتَ الشَّرِيفُ ابْنُ الشَّرِيفِ الْكَرِيمُ ابْنُ الْكَرِيمِ، لَا وَاللَّهِ لَا أَبْرُزُ إِلَيْكَ وَبَيْنَ يَدَيَّ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَغْمَارِ أَحَدٌ، فَإِذَا فَرَغْتُ مِنْهُمْ فَسَأَبْرُزُ إِلَيْكَ. وَجَعَلَ حُمَيْدٌ يَدْعُو ابْنَ خُضَيْرٍ إِلَى الْأَمَانِ وَيَشِحُّ بِهِ عَلَى الْمَوْتِ، وَابْنُ خُضَيْرٍ يَحْمِلُ عَلَى النَّاسِ رَاجِلًا لَا يُصْغِي إِلَى أَمَانِهِ، وَهُوَ يَأْخُذُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَضَرَبَهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ عِيسَى عَلَى أَلْيَتِهِ فَحَلَّهَا، فَرَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَشَدَّهَا بِثَوْبٍ ثُمَّ عَادَ إِلَى الْقِتَالِ، فَضَرَبَهُ إِنْسَانٌ عَلَى عَيْنِهِ فَغَاصَ السَّيْفُ وَسَقَطَ، فَابْتَدَرُوهُ فَقَتَلُوهُ وَاحْتَزُّوا رَأْسَهُ، وَكَأَنَّهُ بِاذِنْجَانَةٌ مُفَلَّقَةٌ مِنْ كَثْرَةِ الْجِرَاحِ فِيهِ. فَلَمَّا قُتِلَ تَقَدَّمَ مُحَمَّدٌ فَقَاتَلَ عَلَى جِيفَتِهِ، فَجَعَلَ يَهُذُّ النَّاسَ هَذًّا، وَكَانَ أَشْبَهَ النَّاسِ بِقِتَالِ حَمْزَةَ. وَلَمْ يَزَلْ يُقَاتِلُ حَتَّى ضَرَبَهُ رَجُلٌ دُونَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ الْيُمْنَى فَبَرَكَ لِرُكْبَتِهِ وَجَعَلَ يَذُبُّ عَنْ نَفْسِهِ وَيَقُولُ: وَيْحَكُمُ ابْنُ نَبِيِّكُمْ مُجَرَّحٌ مَظْلُومٌ! فَطَعَنَهُ ابْنُ قَحْطَبَةَ فِي صَدْرِهِ فَصَرَعَهُ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَيْهِ فَاحْتَزَّ رَأْسَهُ وَأَتَى
следующие страницы →