← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

أَرْحَامَكُمْ. ثُمَّ أَرْسَلَهُمْ إِلَى الْمَنْصُورِ، فَأَمَرَ فَضُرِبَ مُوسَى وَابْنُهُ كُلُّ وَاحِدٍ خَمْسَمِائَةِ سَوْطٍ، فَلَمْ يَتَأَوَّهُوا. فَقَالَ الْمَنْصُورُ: أَعْذَرْتُ أَهْلَ الْبَاطِلِ فِي صَبْرِهِمْ، فَمَا بَالُ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ مُوسَى: أَهْلُ الْحَقِّ أَوْلَى بِالصَّبْرِ. ثُمَّ أَخْرَجَهُمْ وَأَمَرَ بِهِمْ فَسُجِنُوا. (خُبَيْبُ بْنُ ثَابِتٍ: بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ الْمَضْمُومَةِ، وَبِبَائَيْنِ مُوَحَّدَتَيْنِ وَبَيْنَهُمَا يَاءٌ مُثَنَّاةٌ مِنْ تَحْتِهَا) . ذِكْرُ مَسِيرِ عِيسَى بْنِ مُوسَى إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَقَتْلِهِ ثُمَّ إِنَّ الْمَنْصُورَ أَحْضَرَ ابْنَ أَخِيهِ عِيسَى بْنَ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْمَدِينَةِ لِقِتَالِ مُحَمَّدٍ. فَقَالَ: شَاوِرْ عُمُومَتَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. ثُمَّ قَالَ: فَأَيْنَ قَوْلُ ابْنِ هَرْمَةَ: تَرَوْنَ أَمْرَأً لَا يُمْحِضُ الْقَوْمَ سِرَّهُ ... وَلَا يَنْتَجِي الْأُذْنَيْنِ عَمَّا يُحَاوِلُ إِذَا مَا أَتَى شَيْئًا مَضَى كَالَّذِي أَتَى ... وَإِنْ قَالَ إِنِّي فَاعِلٌ فَهْوَ فَاعِلُ. فَقَالَ الْمَنْصُورُ: امْضِ أَيُّهَا الرَّجُلُ، فَوَاللَّهِ مَا يُرَادُ غَيْرِي وَغَيْرُكَ، وَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ تَشْخَصَ أَنْتَ أَوْ أَشْخَصَ أَنَا. فَسَارَ وَسَيَّرَ مَعَهُ الْجُنُودَ. وَقَالَ الْمَنْصُورُ لَمَّا سَارَ عِيسَى: لَا أُبَالِي أَيُّهُمَا قَتَلَ صَاحِبَهُ. وَبَعَثَ مَعَهُ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي الْعَبَّاسِ السَّفَّاحِ، وَكَثِيرَ بْنَ حُصَيْنٍ الْعَبْدِيَّ، وَابْنَ قَحْطَبَةَ، وَهَزَارَ مَرَدَ وَغَيْرَهُمْ، وَقَالَ لَهُ حِينَ وَدَّعَهُ: يَا عِيسَى إِنِّي أَبْعَثُكَ إِلَى مَا بَيْنَ هَذَيْنِ، وَأَشَارَ إِلَى جَنْبَيْهِ، فَإِنْ ظَفِرْتَ بِالرَّجُلِ فَأَغْمِدْ سَيْفَكَ، وَابْذُلِ الْأَمَانَ، وَإِنْ تَغَيَّبَ فَضَمِّنْهُمْ إِيَّاهُ فَإِنَّهُمْ يَعْرِفُونَ مَذَاهِبَهُ، وَمَنْ لَقِيَكَ مِنْ آلِ أَبِي طَالِبٍ فَاكْتُبْ إِلَيَّ بِاسْمِهِ، وَمَنْ لَمْ يَلْقَكَ فَاقْبِضْ مَالَهُ. وَكَانَ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ تَغَيَّبَ عَنْهُ فَقَبَضَ مَالَهُ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَنْصُورُ الْمَدِينَةَ قَالَ لَهُ جَعْفَرٌ فِي مَعْنَى مَالِهِ، فَقَالَ: قَبَضَهُ مَهْدِيُّكُمْ. فَلَمَّا وَصَلَ عِيسَى إِلَى فَيْدَ كَتَبَ إِلَى النَّاسِ فِي خِرَقِ حَرِيرٍ، مِنْهُمْ: عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ

стр. 2487

الْمُطَّلِبِ الْمَخْزُومِيُّ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَفْوَانَ الْجُمَحِيُّ، وَكَتَبَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ يَأْمُرُهُ بِالْخُرُوجِ مِنَ الْمَدِينَةِ فِيمَنْ أَطَاعَهُ، فَخَرَجَ هُوَ، وَعُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ، وَأَبُو عَقِيلٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، وَأَبُو عِيسَى. وَلَمَّا بَلَغَ مُحَمَّدًا قُرْبُ عِيسَى مِنَ الْمَدِينَةِ اسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ فِي الْخُرُوجِ مِنَ الْمَدِينَةِ أَوِ الْمُقَامِ بِهَا، فَأَشَارَ بَعْضُهُمْ بِالْخُرُوجِ عَنْهَا، وَأَشَارَ بَعْضُهُمْ بِالْمُقَامِ بِهَا لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " «رَأَيْتُنِي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ فَأَوَّلْتُهَا الْمَدِينَةَ» "، فَأَقَامَ. ثُمَّ اسْتَشَارَهُمْ فِي حَفْرِ خَنْدَقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ جَابِرُ بْنُ أَنَسٍ، رَئِيسُ سُلَيْمٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ نَحْنُ أَخْوَالُكَ وَجِيرَانُكَ، وَفِينَا السِّلَاحُ وَالْكُرَاعُ، فَلَا تُخَنْدِقِ الْخَنْدَقَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَنْدَقَ خَنْدَقَهُ لِمَا اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ، وَإِنْ خَنْدَقْتَهُ لَمْ يَحْسُنِ الْقِتَالُ رَجَّالَةً، وَلَمْ تُوَجَّهْ لَنَا الْخَيْلُ بَيْنَ الْأَزِقَّةِ، وَإِنَّ الَّذِينَ تُخَنْدِقُ دُونَهُمْ هُمُ الَّذِينَ يَحُولُ الْخَنْدَقُ دُونَهُمْ. فَقَالَ أَحَدُ بَنِي شُجَاعٍ: خَنْدِقْ، خَنْدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاقْتَدِ بِهِ، وَتُرِيدُ أَنْتَ أَنْ تَدَعَ أَثَرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِرَأْيِكَ! قَالَ: إِنَّهُ وَاللَّهِ يَا ابْنَ شُجَاعٍ مَا شَيْءٌ أَثْقَلَ عَلَيْكَ وَعَلَى أَصْحَابِكَ مِنْ لِقَائِهِمْ، وَمَا شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ مُنَاجَزَتِهِمْ. فَقَالَ مُحَمَّدٌ: إِنَّمَا اتَّبَعْنَا فِي الْخَنْدَقِ أَثَرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا يَرُدَّنِي أَحَدٌ عَنْهُ فَلَسْتُ بِتَارِكِهِ. وَأَمَرَ بِهِ فَحُفِرَ، وَبَدَأَ هُوَ فَحَفَرَ بِنَفْسِهِ الْخَنْدَقَ الَّذِي حَفَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْأَحْزَابِ. وَسَارَ عِيسَى حَتَّى نَزَلَ الْأَعْوَصَ، وَكَانَ مُحَمَّدٌ قَدْ جَمَعَ النَّاسَ، وَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ، وَحَصَرَهُمْ فَلَا يَخْرُجُونَ. وَخَطَبَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ قَدْ نَزَلَ الْأَعْوَصَ، وَإِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِالْقِيَامِ بِهَذَا الْأَمْرِ لَأَبْنَاءُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، أَلَا وَإِنَّا قَدْ جَمَعْنَاكُمْ وَأَخَذْنَا عَلَيْكُمُ الْمِيثَاقَ، وَعَدُوُّكُمْ عَدَدٌ كَثِيرٌ وَالنَّصْرُ مِنَ اللَّهِ وَالْأَمْرُ بِيَدِهِ، وَإِنَّهُ قَدْ بَدَا لِي أَنْ آذَنَ لَكُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُقِيمَ أَقَامَ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَظْعَنَ ظَعَنَ. فَخَرَجَ عَالَمٌ كَثِيرٌ، وَخَرَجَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِذَرَارِيِّهِمْ وَأَهْلِيهِمْ إِلَى الْأَعْرَاضِ

стр. 2488

وَالْجِبَالِ، وَبَقِيَ مُحَمَّدٌ فِي شِرْذِمَةٍ يَسِيرَةٍ، فَأَمَرَ أَبَا الْقَلَمَّسِ بِرَدِّ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، فَأَعْجَزَهُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، فَتَرَكَهُمْ. وَكَانَ الْمَنْصُورُ قَدْ أَرْسَلَ ابْنَ الْأَصَمِّ مَعَ عِيسَى يُنْزِلُهُ الْمَنَازِلَ، فَلَمَّا قَدِمُوا نَزَلُوا عَلَى مِيلٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ ابْنُ الْأَصَمِّ: إِنَّ الْخَيْلَ لَا عَمَلَ لَهَا مَعَ الرَّجَّالَةِ، وَإِنِّي أَخَافُ إِنْ كَشَفُوكُمْ كَشْفَةً أَنْ يَدْخُلُوا عَسْكَرَكُمْ. فَتَأَخَّرُوا إِلَى سِقَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بِالْجُرْفِ، وَهِيَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَقَالَ: لَا يُهَرْوِلُ الرَّاجِلُ أَكْثَرَ مِنْ مِيلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ حَتَّى تَأْخُذَهُ الْخَيْلُ. وَأَرْسَلَ عِيسَى خَمْسَمِائَةِ رَجُلٍ إِلَى بَطْحَاءِ أَزْهَرَ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَأَقَامُوا بِهَا، وَقَالَ: أَخَافُ أَنْ يَنْهَزِمَ مُحَمَّدٌ فَيَأْتِيَ مَكَّةَ فَيَرُدَّهُ هَؤُلَاءِ، فَأَقَامُوا بِهَا حَتَّى قُتِلَ. وَأَرْسَلَ عِيسَى إِلَى مُحَمَّدٍ يُخْبِرُهُ أَنَّ الْمَنْصُورَ قَدْ آمَنَهُ وَأَهْلَهُ، فَأَعَادَ الْجَوَابَ: يَا هَذَا إِنَّ لَكَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَرَابَةً قَرِيبَةً، وَإِنِّي أَدْعُوكَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ وَالْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ، وَأُحَذِّرُكَ نِقْمَتَهُ وَعَذَابَهُ، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَنَا مُنْصَرِفٌ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ عَلَيْهِ، وَإِيَّاكَ أَنْ يَقْتُلَكَ مَنْ يَدْعُوكَ إِلَى اللَّهِ فَتَكُونَ شَرَّ قَتِيلٍ، أَوْ تَقْتُلَهُ فَيَكُونَ أَعْظَمَ لِوِزْرِكَ. فَلَمَّا بَلَغَتْهُ الرِّسَالَةُ قَالَ عِيسَى: لَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ إِلَّا الْقِتَالُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ لِلرَّسُولِ: عَلَامَ تَقْتُلُونَنِي وَإِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ فَرَّ مِنْ أَنْ يُقْتَلَ؟ قَالَ: الْقَوْمُ يَدْعُونَكَ إِلَى الْأَمَانِ، فَإِنْ أَبَيْتَ إِلَّا قِتَالَهُمْ قَاتَلُوكَ عَلَى مَا قَاتَلَ عَلَيْهِ خَيْرُ آبَائِكَ [عَلِيٌّ] طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ عَلَى نَكْثِ بَيْعَتِهِمْ وَكَيْدِ مُلْكِهِمْ. فَلَمَّا سَمِعَ الْمَنْصُورُ قَوْلَهُ قَالَ: مَا سَرَّنِي أَنَّهُ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ. وَنَزَلَ عِيسَى بِالْجُرْفِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ مِنْ رَمَضَانَ يَوْمَ السَّبْتِ، فَأَقَامَ السَّبْتَ وَالْأَحَدَ وَغَدَا يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ فَوَقَفَ عَلَى سَلْعٍ فَنَظَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَمَنْ فِيهَا فَنَادَى: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ دِمَاءَ بَعْضِنَا عَلَى بَعْضٍ، فَهَلُمُّوا إِلَى الْأَمَانِ! فَمَنْ قَامَ تَحْتَ رَايَتِنَا فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ دَارَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَلْقَى سِلَاحَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ خَرَجَ

стр. 2489

مِنَ الْمَدِينَةِ فَهُوَ آمِنٌ، خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ صَاحِبِنَا، فَإِمَّا لَنَا وَإِمَّا لَهُ! فَشَتَمُوهُ. وَانْصَرَفَ مِنْ يَوْمِهِ وَعَادَ مِنَ الْغَدِ وَقَدْ فَرَّقَ الْقُوَّادَ مِنْ سَائِرِ جِهَاتِ الْمَدِينَةِ، وَأَخْلَى نَاحِيَةَ مَسْجِدِ أَبِي الْجَرَّاحِ، وَهُوَ عَلَى بُطْحَانَ، فَإِنَّهُ أَخْلَى تِلْكَ النَّاحِيَةَ لِخُرُوجِ مَنْ يَنْهَزِمُ. وَبَرَزَ مُحَمَّدٌ فِي أَصْحَابِهِ، وَكَانَتْ رَايَتُهُ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَكَانَ شِعَارُهُ: أَحَدٌ أَحَدٌ. فَبَرَزَ أَبُو الْقَلَمَّسِ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ، فَبَرَزَ إِلَيْهِ أَخُو أَسَدٍ وَاقْتَتَلُوا طَوِيلًا، فَقَتَلَهُ أَبُو الْقَلَمَّسِ، وَبَرَزَ إِلَيْهِ آخَرُ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ حِينَ ضَرَبَهُ: خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الْفَارُوقِ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ عِيسَى: قَتَلْتَ خَيْرًا مِنْ أَلْفِ فَارُوقٍ. وَقَاتَلَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ قِتَالًا عَظِيمًا، فَقَتَلَ بِيَدِهِ سَبْعِينَ رَجُلًا، وَأَمَرَ عِيسَى حُمَيْدَ بْنَ قَحْطَبَةَ، فَتَقَدَّمَ فِي مِائَةٍ كُلُّهُمْ رَاجِلٌ سِوَاهُ، فَزَحَفُوا حَتَّى بَلَغُوا جِدَارًا دُونَ الْخَنْدَقِ عَلَيْهِ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ، فَهَدَمَ حُمَيْدٌ الْحَائِطَ وَانْتَهَى إِلَى الْخَنْدَقِ وَنَصَبَ عَلَيْهِ أَبْوَابًا وَعَبَرَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ عَلَيْهَا فَجَازُوا الْخَنْدَقَ وَقَاتَلُوا مِنْ وَرَائِهِ أَشَدَّ قِتَالٍ مِنْ بُكْرَةٍ إِلَى الْعَصْرِ. وَأَمَرَ عِيسَى أَصْحَابَهُ فَأَلْقَوُا الْحَقَائِبَ وَغَيْرَهَا فِي الْخَنْدَقِ وَجَعَلَ الْأَبْوَابَ عَلَيْهَا وَجَازَتِ الْخَيْلُ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْصَرَفَ مُحَمَّدٌ قَبْلَ الظُّهْرِ فَاغْتَسَلَ وَتَحَنَّطَ ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي! وَاللَّهِ مَا لَكَ بِمَا تَرَى طَاقَةٌ! فَلَوْ أَتَيْتَ الْحَسَنَ بْنَ مُعَاوِيَةَ بِمَكَّةَ فَإِنَّ مَعَهُ جُلَّ أَصْحَابِكَ. فَقَالَ: لَوْ خَرَجْتُ لَقُتِلَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَاللَّهِ لَا أَرْجِعُ حَتَّى أَقْتُلَ أَوْ أُقْتَلَ، وَأَنْتَ مِنِّي فِي سَعَةٍ فَاذْهَبْ حَيْثُ شِئْتَ. فَمَشَى مَعَهُ قَلِيلًا ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ، وَتَفَرَّقَ عَنْهُ جُلُّ أَصْحَابِهِ حَتَّى بَقِيَ فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ يَزِيدُونَ قَلِيلًا، فَقَالَ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ: نَحْنُ الْيَوْمَ بِعِدَّةِ أَهْلِ بَدْرٍ. وَصَلَّى مُحَمَّدٌ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَكَانَ مَعَهُ عِيسَى بْنُ خُضَيْرٍ وَهُوَ يُنَاشِدُهُ إِلَّا ذَهَبْتَ إِلَى الْبَصْرَةِ أَوْ غَيْرِهَا، وَمُحَمَّدٌ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا تُبْتَلَوْنَ بِي مَرَّتَيْنِ، وَلَكِنِ اذْهَبْ أَنْتَ حَيْثُ شِئْتَ. فَقَالَ ابْنُ خُضَيْرٍ: وَأَيْنَ الْمَذْهَبُ عَنْكَ؟ ثُمَّ مَضَى فَأَحْرَقَ الدِّيوَانَ الَّذِي فِيهِ أَسْمَاءُ مَنْ بَايَعَهُ، وَقَتَلَ رِيَاحَ بْنَ عُثْمَانَ، وَأَخَاهُ عَبَّاسَ بْنَ عُثْمَانَ، وَقَتَلَ ابْنَ مُسْلِمِ بْنِ عُقْبَةَ الْمُرِّيَّ، وَمَضَى إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْقَسْرِيِّ وَهُوَ مَحْبُوسٌ لِيَقْتُلَهُ، فَعَلِمَ بِهِ فَرَدَمَ الْأَبْوَابَ دُونَهُ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، وَرَجَعَ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقَاتَلَ بَيْنَ يَدَيْهِ [حَتَّى قُتِلَ] .

стр. 2490

وَتَقَدَّمَ حُمَيْدُ بْنُ قَحْطَبَةَ وَتَقَدَّمَ مُحَمَّدٌ، فَلَمَّا صَارَ يَنْظُرُ مَسِيلَ سَلْعٍ عَرْقَبَ فَرَسُهُ، وَعَرْقَبَ بَنُو شُجَاعٍ الْخَمِيسِيُّونَ دَوَابَّهُمْ، وَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ إِلَّا كَسَرَ جَفْنَ سَيْفِهِ، فَقَالَ لَهُمْ مُحَمَّدٌ: قَدْ بَايَعْتُمُونِي وَلَسْتُ بَارِحًا حَتَّى أُقْتَلَ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْصَرِفَ فَقَدْ أَذِنْتُ لَهُ. وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، فَهَزَمُوا أَصْحَابَ عِيسَى مَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا. وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ جَعْفَرٍ: وَيْلُ أُمِّهِ فَتْحًا لَوْ كَانَ لَهُ رِجَالٌ! فَصَعِدَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ عِيسَى عَلَى جَبَلِ سَلْعٍ وَانْحَدَرُوا مِنْهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَمَرَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ حَسَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ بِخِمَارٍ أَسْوَدَ، فَرُفِعَ عَلَى مَنَارَةِ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ: دُخِلَتِ الْمَدِينَةُ، فَهَرَبُوا، فَقَالَ يَزِيدُ: لِكُلِّ قَوْمٍ جَبَلٌ يَعْصِمُهُمْ، وَلَنَا جَبَلٌ لَا نُؤْتَى إِلَّا مِنْهُ، يَعْنِي سَلْعًا. وَفَتَحَ بَنُو أَبِي عَمْرٍو الْغِفَارِيُّونَ طَرِيقًا فِي بَنِي غِفَارٍ لِأَصْحَابِ عِيسَى وَدَخَلُوا مِنْهُ أَيْضًا، وَجَاءُوا مِنْ وَرَاءِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ، وَنَادَى مُحَمَّدٌ حُمَيْدَ بْنَ قَحْطَبَةَ: ابْرُزْ إِلَيَّ فَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. فَقَالَ حُمَيْدٌ: قَدْ عَرَفْتُكَ وَأَنْتَ الشَّرِيفُ ابْنُ الشَّرِيفِ الْكَرِيمُ ابْنُ الْكَرِيمِ، لَا وَاللَّهِ لَا أَبْرُزُ إِلَيْكَ وَبَيْنَ يَدَيَّ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَغْمَارِ أَحَدٌ، فَإِذَا فَرَغْتُ مِنْهُمْ فَسَأَبْرُزُ إِلَيْكَ. وَجَعَلَ حُمَيْدٌ يَدْعُو ابْنَ خُضَيْرٍ إِلَى الْأَمَانِ وَيَشِحُّ بِهِ عَلَى الْمَوْتِ، وَابْنُ خُضَيْرٍ يَحْمِلُ عَلَى النَّاسِ رَاجِلًا لَا يُصْغِي إِلَى أَمَانِهِ، وَهُوَ يَأْخُذُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَضَرَبَهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ عِيسَى عَلَى أَلْيَتِهِ فَحَلَّهَا، فَرَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَشَدَّهَا بِثَوْبٍ ثُمَّ عَادَ إِلَى الْقِتَالِ، فَضَرَبَهُ إِنْسَانٌ عَلَى عَيْنِهِ فَغَاصَ السَّيْفُ وَسَقَطَ، فَابْتَدَرُوهُ فَقَتَلُوهُ وَاحْتَزُّوا رَأْسَهُ، وَكَأَنَّهُ بِاذِنْجَانَةٌ مُفَلَّقَةٌ مِنْ كَثْرَةِ الْجِرَاحِ فِيهِ. فَلَمَّا قُتِلَ تَقَدَّمَ مُحَمَّدٌ فَقَاتَلَ عَلَى جِيفَتِهِ، فَجَعَلَ يَهُذُّ النَّاسَ هَذًّا، وَكَانَ أَشْبَهَ النَّاسِ بِقِتَالِ حَمْزَةَ. وَلَمْ يَزَلْ يُقَاتِلُ حَتَّى ضَرَبَهُ رَجُلٌ دُونَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ الْيُمْنَى فَبَرَكَ لِرُكْبَتِهِ وَجَعَلَ يَذُبُّ عَنْ نَفْسِهِ وَيَقُولُ: وَيْحَكُمُ ابْنُ نَبِيِّكُمْ مُجَرَّحٌ مَظْلُومٌ! فَطَعَنَهُ ابْنُ قَحْطَبَةَ فِي صَدْرِهِ فَصَرَعَهُ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَيْهِ فَاحْتَزَّ رَأْسَهُ وَأَتَى

стр. 2491

بِهِ عِيسَى، وَهُوَ لَا يُعْرَفُ مِنْ كَثْرَةِ الدِّمَاءِ. وَقِيلَ: إِنَّ عِيسَى اتَّهَمَ ابْنَ قَحْطَبَةَ، وَكَانَ فِي الْخَيْلِ، فَقَالَ لَهُ: مَا أَرَاكَ تُبَالِغُ. فَقَالَ لَهُ: أَتَتَّهِمُنِي؟ فَوَاللَّهِ لَأَضْرِبَنَّ مُحَمَّدًا حِينَ أَرَاهُ بِالسَّيْفِ أَوْ أُقْتَلُ دُونَهُ. قَالَ: فَمَرَّ بِهِ وَهُوَ مَقْتُولٌ فَضَرَبَهُ وَهُوَ مَقْتُولٌ لِيُبِرَّ يَمِينَهُ. وَقِيلَ: بَلْ رُمِيَ بِسَهْمٍ وَهُوَ يُقَاتِلُ فَوَقَفَ إِلَى جِدَارٍ فَتَحَامَاهُ النَّاسُ، فَلَمَّا وَجَدَ الْمَوْتَ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ فَكَسَرَهُ، وَهُوَ ذُو الْفَقَارِ سَيْفُ عَلِيٍّ. وَقِيلَ: بَلْ أَعْطَاهُ رَجُلًا مِنَ التُّجَّارِ كَانَ مَعَهُ وَلَهُ عَلَيْهِ أَرْبَعُمِائَةِ دِينَارٍ وَقَالَ: خُذْهُ فَإِنَّكَ لَا تَلْقَى أَحَدًا مِنْ آلِ أَبِي طَالِبٍ إِلَّا أَخَذَهُ، وَأَعْطَاكَ حَقَّكَ، فَلَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ حَتَّى وَلِيَ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَدِينَةَ فَأُخْبِرَ بِهِ، فَأَخَذَ السَّيْفَ مِنْهُ وَأَعْطَاهُ أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ، وَلَمْ يَزَلْ مَعَهُ حَتَّى أَخَذَهُ مِنْهُ الْمَهْدِيُّ، ثُمَّ صَارَ إِلَى الْهَادِي، فَجَرَّبَهُ عَلَى كَلْبٍ فَانْقَطَعَ السَّيْفُ. وَقِيلَ: بَلْ بَقِيَ إِلَى أَيَّامِ الرَّشِيدِ، وَكَانَ يَتَقَلَّدُهُ وَكَانَ بِهِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ فَقَّارَةً. وَلَمَّا أُتِيَ عِيسَى بِرَأْسِ مُحَمَّدٍ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: مَا تَقُولُونَ فِيهِ؟ فَوَقَعُوا فِيهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَذَبْتُمْ، مَا لِهَذَا قَاتَلْنَاهُ، وَلَكِنَّهُ خَالَفَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَشَقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ كَانَ لَصَوَّامًا قَوَّامًا! فَسَكَتُوا. فَأَرْسَلَ عِيسَى الرَّأْسَ إِلَى الْمَنْصُورِ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْكِرَامِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَبِالْبِشَارَةِ مَعَ الْقَاسِمِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَأَرْسَلَ مَعَهُ رُءُوسَ بَنِي شُجَاعٍ. فَأَمَرَ الْمَنْصُورُ فَطِيفَ بِرَأْسِ مُحَمَّدٍ فِي الْكُوفَةِ، وَسَيَّرَهُ إِلَى الْآفَاقِ، وَلَمَّا رَأَى الْمَنْصُورُ رُءُوسَ بَنِي شُجَاعٍ قَالَ: هَكَذَا فَلْيَكُنِ النَّاسُ، طَلَبْتُ مُحَمَّدًا فَاشْتَمَلَ عَلَيْهِ هَؤُلَاءِ ثُمَّ نَقَلُوهُ وَانْتَقَلُوا مَعَهُ، ثُمَّ قَاتَلُوا مَعَهُ حَتَّى قُتِلُوا.

стр. 2492

وَكَانَ قَتْلُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ لِأَرْبَعَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ. وَكَانَ الْمَنْصُورُ قَدْ بَلَغَهُ أَنَّ عِيسَى قَدْ هُزِمَ، فَقَالَ: كَلَّا، أَيْنَ لَعِبُ أَصْحَابِنَا وَصِبْيَانِنَا بِهَا عَلَى الْمَنَابِرِ، وَمَشُورَةُ النِّسَاءِ؟ مَا أَنَى لِذَلِكَ بَعْدُ! ثُمَّ بَلَغَهُ أَنَّ مُحَمَّدًا هَرَبَ فَقَالَ: كَلَّا، إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ لَا نَفِرُّ. فَجَاءَتْهُ بَعْدَ ذَلِكَ الرُّءُوسُ. وَلَمَّا وَصَلَ رَأْسُ مُحَمَّدٍ إِلَى الْمَنْصُورِ كَانَ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عِنْدَهُ، فَلَمَّا رَأَى الرَّأْسَ عَظُمَ عَلَيْهِ فَتَجَلَّدَ خَوْفًا مِنَ الْمَنْصُورِ، (وَقَالَ لِنَقِيبِ الْمَنْصُورِ: أَهُوَ؟ قَالَ: هُوَ فِلْذُهُمْ، وَقَالَ: لَوَدِدْتُ أَنَا الرَّكَانَةَ إِلَى طَاعَتِهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَعَلَ وَلَا قَالَ، وَإِلَّا فَأُمُّ مُوسَى طَالِقٌ) ، وَكَانَتْ غَايَةَ أَيْمَانِهِ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ قَتْلَهُ، وَكَانَتْ نَفْسُهُ أَكْرَمَ عَلَيْنَا مِنْ نَفْسِهِ، فَبَصَقَ بَعْضُ الْغِلْمَانِ فِي وَجْهِهِ، فَأَمَرَ الْمَنْصُورُ بِأَنْفِهِ فَكُسِرَ عُقُوبَةً لَهُ. وَلَمَّا وَرَدَ الْخَبَرُ بِقَتْلِ مُحَمَّدٍ عَلَى أَخِيهِ إِبْرَاهِيمَ بِالْبَصْرَةِ كَانَ يَوْمُ الْعِيدِ، فَخَرَجَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ وَنَعَاهُ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَأَظْهَرَ الْجَزَعَ عَلَيْهِ، وَتَمَثَّلَ عَلَى الْمِنْبَرِ: يَابَا الْمَنَازِلِ يَا خَيْرَ الْفَوَارِسِ مَنْ ... يُفْجَعْ بِمِثْلِكَ فِي الدُّنْيَا فَقَدْ فُجِعَا اللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي لَوْ خَشِيتُهُمُ ... وَأَوْجَسَ الْقَلْبُ مِنْ خَوْفٍ لَهُمْ فَزَعَا لَمْ يَقْتُلُوهُ وَلَمْ أُسْلِمْ أَخِي أَبَدًا ... حَتَّى نَمُوتَ جَمِيعًا أَوْ نَعِيشَ مَعَا. وَلَمَّا قُتِلَ مُحَمَّدٌ أَرْسَلَ عِيسَى أَلْوِيَةً فَنُصِبَتْ فِي مَوَاضِعَ بِالْمَدِينَةِ وَنَادَى مُنَادِيهِ: مَنْ دَخَلَ تَحْتَ لِوَاءٍ مِنْهَا فَهُوَ آمِنٌ.

стр. 2493

وَأَخَذَ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ فَصَلَبَهُمْ مَا بَيْنَ ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ إِلَى دَارِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ صَفَّيْنِ، وَوَكَّلَ بِخَشَبَةِ ابْنِ خُضَيْرٍ مَنْ يَحْفَظُهَا، فَاحْتَمَلَهُ قَوْمٌ مِنَ اللَّيْلِ فَوَارَوْهُ سِرًّا وَبَقِيَ الْآخَرُونَ ثَلَاثًا، فَأَمَرَ بِهِمْ عِيسَى، فَأُلْقُوا عَلَى مَقَابِرِ الْيَهُودِ، ثُمَّ أُلْقُوا بَعْدَ ذَلِكَ فِي خَنْدَقٍ فِي أَصْلِ ذِبَابٍ، فَأَرْسَلَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ أُخْتُ مُحَمَّدٍ وَابْنَةُ فَاطِمَةَ إِلَى عِيسَى: إِنَّكُمْ قَدْ قَتَلْتُمُوهُ وَقَضَيْتُمْ حَاجَتَكُمْ مِنْهُ، فَلَوْ أَذِنْتُمْ لَنَا فِي دَفْنِهِ؟ فَأَذِنَ لَهَا، فَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ. وَقَطَعَ الْمَنْصُورُ الْمِيرَةَ فِي الْبَحْرِ إِلَى الْمَدِينَةِ، ثُمَّ أَذِنَ فِيهَا الْمَهْدِيُّ. ذِكْرُ بَعْضِ الْمَشْهُورِينَ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ وَكَانَ فِيمَنْ مَعَهُ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ أَخُوهُ مُوسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَحُسَيْنٌ وَعَلِيٌّ ابْنَا زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ. وَلَمَّا بَلَغَ الْمَنْصُورُ أَنَّ ابْنَيْ زَيْدٍ أَعَانَا مُحَمَّدًا عَلَيْهِ قَالَ: عَجَبًا لَهُمَا قَدْ خَرَجَا عَلَيَّ وَقَدْ قَتَلْنَا قَاتِلَ أَبِيهِمَا كَمَا قَتَلَهُ، وَصَلَبْنَاهُ كَمَا صَلَبَهُ، وَأَحْرَقْنَاهُ كَمَا أَحْرَقَهُ! . وَكَانَ مَعَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَعَلِيٌّ وَزَيْدٌ ابْنَا الْحَسَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَكَانَ أَبُوهُمَا مَعَ الْمَنْصُورِ، وَالْحَسَنُ وَيَزِيدُ وَصَالِحٌ بَنُو مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَالْقَاسِمُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَالْمُرَجَّى عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَكَانَ أَبُوهُ مَعَ الْمَنْصُورِ. وَمِنْ غَيْرِهِمْ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَبَّاسِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، أُخِذَ أَسِيرًا فَأُتِيَ بِهِ الْمَنْصُورُ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ الْخَارِجُ عَلَيَّ؟ قَالَ: لَمْ أَجِدْ إِلَّا ذَلِكَ أَوِ الْكُفْرَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ. وَكَانَ مَعَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ [أَبِي] سَبْرَةَ، وَعَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَبِي عَوْنٍ مَوْلَى الْأَزْدِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ، وَعَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَطَاءِ بْنِ يَعْقُوبَ مَوْلَى بَنِي سِبَاعٍ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَإِسْحَاقُ، وَرَبِيعَةُ. وَجَعْفَرٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَعَطَاءٌ، وَيَعْقُوبُ، وَعُثْمَانُ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بَنُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطَاءٍ، وَعِيسَى بْنُ خُضَيْرٍ، (وَعُثْمَانُ بْنُ خُضَيْرٍ) ، وَعُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ

стр. 2494

خَالِدِ بْنِ الزُّبَيْرِ، هَرَبَ بَعْدَ قَتْلِ مُحَمَّدٍ فَأَتَى الْبَصْرَةَ، فَأُخِذَ مِنْهَا وَأُتِيَ بِهِ الْمَنْصُورُ. فَقَالَ لَهُ: هِيهِ يَا عُثْمَانُ! أَنْتَ الْخَارِجُ عَلَيَّ مَعَ مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: بَايَعْتُهُ أَنَا وَأَنْتَ بِمَكَّةَ فَوَفَّيْتُ بِبَيْعَتِي، وَغَدَرْتَ بَيْعَتَكَ! قَالَ: يَا ابْنَ اللَّخْنَاءِ! قَالَ: ذَاكَ مَنْ قَامَتْ عَنْهُ الْإِمَاءُ! يَعْنِي الْمَنْصُورَ، فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ. وَكَانَ مَعَ مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَأُخِذَ أَسِيرًا، فَأَطْلَقَهُ الْمَنْصُورُ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ، وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُنْطُبَ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَهِشَامُ بْنُ عُمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ، وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ. ذِكْرُ صِفَةِ مُحَمَّدٍ وَالْأَخْبَارِ بِقَتْلِهِ كَانَ مُحَمَّدٌ أَسْمَرَ شَدِيدَ السُّمْرَةِ، وَكَانَ مَنْصُورٌ يُسَمِّيهِ مُحَمَّمًا، وَكَانَ سَمِينًا شُجَاعًا كَثِيرَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، شَدِيدَ الْقُوَّةِ، وَكَانَ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَاعْتَرَضَ فِي حَلْقِهِ بَلْغَمٌ، فَتَنَحْنَحَ فَذَهَبَ، ثُمَّ عَادَ فَتَنَحْنَحَ فَذَهَبَ، ثُمَّ عَادَ فَتَنَحْنَحَ فَنَظَرَ، فَلَمْ يَرَ مَوْضِعًا يَبْصُقُ فِيهِ، فَرَمَى بِنُخَامَتِهِ فِي سَقْفِ الْمَسْجِدِ فَأَلْصَقَهَا فِيهِ. وَسُئِلَ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ عَنْ أَمْرِ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ: فِتْنَةٌ يُقْتَلُ فِيهَا مُحَمَّدٌ، وَيُقْتَلُ أَخُوهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ بِالْعِرَاقِ، وَحَوَافِرُ فَرَسِهِ فِي مَاءٍ. فَلَمَّا قُتِلَ مُحَمَّدٌ قَبَضَ عِيسَى أَمْوَالَ بَنِي الْحَسَنِ كُلَّهَا وَأَمْوَالَ جَعْفَرٍ، فَلَقِيَ جَعْفَرٌ الْمَنْصُورَ فَقَالَ لَهُ: رُدَّ عَلَيَّ قَطِيعَتِي مِنْ أَبِي زِيَادٍ. قَالَ: إِيَّايَ تُكَلِّمُ بِهَذَا؟ وَاللَّهِ لَأُزْهِقَنَّ نَفْسَكَ! قَالَ: فَلَا تَعْجَلْ عَلَيَّ، قَدْ بَلَغْتُ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سَنَةً وَفِيهَا مَاتَ أَبِي وَجَدِّي وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَعَلَيَّ كَذَا وَكَذَا إِنْ رِبْتُكَ بِشَيْءٍ، وَإِنْ بَقِيتُ بَعْدَكَ إِنْ رِبْتُ الَّذِي يَقُومُ بَعْدَكَ. فَرَقَّ لَهُ الْمَنْصُورُ، وَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ قَطِيعَتَهُ، فَرَدَّهَا الْمَهْدِيُّ عَلَى وَلَدِهِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ الْأَسْلَمِيِّ: تَغْشَانَا سَحَابَةٌ فَإِنْ أَمْطَرَتْنَا ظَفِرْنَا، وَإِنْ تَجَاوَزَتْنَا إِلَيْهِمْ فَانْظُرْ إِلَى دَمِي عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ. قَالَ: فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَظَلَّتْنَا سَحَابَةٌ فَلَمْ

стр. 2495

تُمْطِرْنَا، وَتُجَاوِزْنَا إِلَى عِيسَى وَأَصْحَابِهِ فَظَفِرُوا وَقَتَلُوا مُحَمَّدًا، وَرَأَيْتُ دَمَهُ عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ. (وَكَانَ قَتْلُهُ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ لِأَرْبَعَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ) . وَكَانَ يُلَقَّبُ الْمَهْدِيَّ وَالنَّفْسَ الزَّكِيَّةَ. وَمِمَّا رُثِيَ بِهِ هُوَ وَأَخُوهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتٍ: يَا صَاحِبَيَّ دَعَا الْمَلَامَةَ وَاعْلَمَا ... أَنْ لَسْتُ فِي هَذَا بِأَلْوَمَ مِنْكُمَا وَقِفَا بِقَبْرٍ لِلنَّبِيِّ فَسَلِّمَا ... لَا بَأْسَ أَنْ تَقِفَا بِهِ وَتُسَلِّمَا قَبْرٌ تَضَمَّنَ خَيْرَ أَهْلِ زَمَانِهِ ... حَسَبًا وَطِيبَ سَجِيَّةٍ وَتَكَرُّمَا رَجُلٌ نَفَى بِالْعَدْلِ جَوْرَ بِلَادِنَا ... وَعَفَا عَظِيمَاتِ الْأُمُورِ وَأَنْعَمَا لَمْ يَجْتَنِبْ قَصْدَ السَّبِيلِ وَلَمْ يَجُرْ ... عَنْهُ وَلَمْ يَفْتَحْ بِفَاحِشَةٍ فَمَا لَوْ أَعْظَمَ الْحَدَثَانِ شَيْئًا قَبْلَهُ ... (بَعْدَ النَّبِيِّ بِهِ لَكُنْتَ الْمُعَظَّمَا أَوْ كَانَ أَمْتَعَ بِالسَّلَامَةِ قَبْلَهُ ... ) أَحَدًا لَكَانَ قِصَارُهُ أَنْ يَسْلَمَا ضَحَّوْا بِإِبْرَاهِيمَ خَيْرَ ضَحِيَّةٍ ... فَتَصَرَّمَتْ أَيَّامُهُ فَتَصَرَّمَا بَطَلًا يَخُوضُ بِنَفْسِهِ غَمَرَاتِهِ ... لَا طَائِشًا رَعِشًا وَلَا مُسْتَسْلِمَا حَتَّى مَضَتْ فِيهِ السُّيُوفُ وَرُبَّمَا ... كَانَتْ حُتُوفُهُمُ السُّيُوفَ وَرُبَّمَا أَضْحَى بَنُو حَسَنٍ أُبِيحُ حَرِيمُهُمْ ... فِينَا وَأَصْبَحَ نَهْبُهُمْ مُتَقَسَّمَا وَنِسَاؤُهُمْ فِي دُورِهِنَّ نَوَائِحُ ... سَجْعَ الْحَمَامِ إِذَا الْحَمَامُ تَرَنَّمَا يَتَوَصَّلُونَ بِقَتْلِهِ وَيَرَوْنَهُ ... شَرَفًا لَهُمْ عِنْدَ الْإِمَامِ وَمَغْنَمَا وَاللَّهِ لَوْ شَهِدَ النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ ... صَلَّى الْإِلَهُ عَلَى النَّبِيِّ وَسَلَّمَا

стр. 2496

إِشْرَاعَ أُمَّتِهِ الْأَسِنَّةَ لِابْنِهِ حَتَّى تَقَطَّرَ مِنْ ظُبَاتِهِمُ دَمَا ... حَتَّى لَأَيْقَنَ أَنَّهُمْ قَدْ ضَيَّعُوا تِلْكَ الْقَرَابَةَ وَاسْتَحَلُّوا الْمُحَرَّمَا. وَلَمَّا قُتِلَ مُحَمَّدٌ قَامَ عِيسَى بِالْمَدِينَةِ أَيَّامًا ثُمَّ سَارَ عَنْهَا صُبْحَ تِسْعَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ يُرِيدُ مَكَّةَ مُعْتَمِرًا، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ كَثِيرَ بْنَ حُصَيْنٍ، فَأَقَامَ بِهَا شَهْرًا ثُمَّ اسْتَعْمَلَ الْمَنْصُورُ عَلَيْهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الرَّبِيعِ الْحَارِثِيَّ. ذِكْرُ وُثُوبِ السُّودَانِ بِالْمَدِينَةِ وَفِيهَا ثَارَ السُّودَانُ عَلَى عَامِلِهَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الرَّبِيعِ الْحَارِثِيِّ فَهَرَبَ مِنْهُمْ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَنْصُورَ اسْتَعْمَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الرَّبِيعِ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَقَدِمَهَا لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ شَوَّالٍ، فَنَازَعَ جُنْدُهُ التُّجَّارَ فِي بَعْضِ مَا يَشْتَرُونَهُ مِنْهُمْ، فَشَكَا ذَلِكَ التُّجَّارُ إِلَى ابْنِ الرَّبِيعِ، فَانْتَهَرَهُمْ وَشَتَمَهُمْ، فَتَزَايَدَ طَمَعُ الْجُنْدِ فِيهِمْ، فَعَدَوْا عَلَى رَجُلٍ صَيْرَفِيٍّ فَنَازَعُوهُ كِيسَهُ، فَاسْتَعَانَ بِالنَّاسِ فَخَلَّصَ مَالَهُ مِنْهُمْ، وَشَكَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَلِكَ مِنْهُمْ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ ابْنُ الرَّبِيعِ. ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْجُنْدِ فَاشْتَرَى مِنْ جَزَّارٍ لَحْمًا يَوْمَ جُمُعَةٍ، وَلَمْ يُعْطِهِ ثَمَنَهُ، وَشَهَرَ عَلَيْهِ السَّيْفَ، فَضَرَبَهُ الْجَزَّارُ بِشَفْرَةٍ فِي خَاصِرَتِهِ فَقَتَلَهُ، وَاجْتَمَعَ الْجَزَّارُونَ، وَتَنَادَى السُّودَانُ عَلَى الْجُنْدِ، وَهُمْ يَرُوحُونَ إِلَى الْجُمُعَةِ فَقَتَلُوهُمْ بِالْعُمُدِ، وَنَفَخُوا فِي بُوقٍ لَهُمْ، فَسَمِعَهُ السُّودَانُ مِنَ الْعَالِيَةِ وَالسَّافِلَةِ فَأَقْبَلُوا وَاجْتَمَعُوا، وَكَانَ رُؤَسَاؤُهُمْ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ: وَثِيقٌ، وَيَعْقِلُ، وَزَمْعَةُ، وَلَمْ يَزَالُوا عَلَى ذَلِكَ مِنْ قَتْلِ الْجُنْدِ حَتَّى أَمْسَوْا. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَصَدُوا ابْنَ الرَّبِيعِ فَهَرَبَ مِنْهُمْ وَأَتَى بَطْنَ نَخْلٍ عَلَى لَيْلَتَيْنِ مِنَ الْمَدِينَةِ فَنَزَلَ بِهِ، فَانْتَهَبُوا طَعَامًا لِلْمَنْصُورِ وَزَيْتًا وَقَسْبًا فَبَاعُوا حِمْلَ الدَّقِيقِ بِدِرْهَمَيْنِ، وَرَاوِيَةَ الزَّيْتِ بِأَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ. وَسَارَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُلَيْحٍ ذَلِكَ الْيَوْمَ إِلَى الْمَنْصُورِ فَأَخْبَرَهُ. وَكَانَ أَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي سَبْرَةَ فِي الْحَبْسِ قَدْ أُخِذَ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَضُرِبَ

стр. 2497

وَحُبِسَ مُقَيَّدًا، فَلَمَّا كَانَ مِنَ السُّودَانِ مَا كَانَ خَرَجَ فِي حَدِيدِهِ مِنَ الْحَبْسِ فَأَتَى الْمَسْجِدَ فَأَرْسَلَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَغَيْرِهِمَا، فَأَحْضَرَهُمْ عِنْدَهُ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ وَهَذِهِ الْبَلِيَّةُ الَّتِي وَقَعَتْ! فَوَاللَّهِ إِنْ ثَبَتَتْ عَلَيْنَا عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ الْفَعْلَةِ الْأُولَى، إِنَّهُ لَهَلَاكُ الْبَلَدِ وَأَهْلِهِ وَالْعَبِيدِ فِي السُّوقِ بِأَجْمَعِهِمْ، فَاذْهَبُوا إِلَيْهِمْ فَكَلِّمُوهُمْ. فَقَالُوا: مَرْحَبًا بِمَوَالِينَا، وَاللَّهِ مَا قُمْنَا إِلَّا أَنَفَةً مِمَّا عُمِلَ بِكُمْ، فَأَمْرُنَا إِلَيْكُمْ، فَأَقْبَلُوا بِهِمْ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَخَطَبَهُمُ ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ وَحَثَّهُمْ عَلَى الطَّاعَةِ، فَتَرَاجَعُوا. وَلَمْ يُصَلِّ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ جُمُعَةً، فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ لَمْ يُجِبِ الْمُؤَذِّنَ أَحَدٌ إِلَى الصَّلَاةِ بِهِمْ، فَقَدِمَ الْأَصْبَغُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ، فَلَمَّا وَقَفَ لِلصَّلَاةِ وَاسْتَوَتِ الصُّفُوفُ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ وَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ أُصَلِّي بِالنَّاسِ عَلَى طَاعَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، يَقُولُ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا. ثُمَّ تَقَدَّمَ فَصَلَّى بِهِمْ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَ لَهُمُ ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ: إِنَّكُمْ قَدْ كَانَ مِنْكُمْ بِالْأَمْسِ مَا قَدْ عَلِمْتُمْ وَنَهَبْتُمْ طَعَامَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَا يَبْقَيَنَّ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا رَدَّهُ، فَرَدُّوهُ، وَرَجَعَ ابْنُ الرَّبِيعِ مِنْ بَطْنِ نَخْلٍ فَقَطَعَ يَدَ وَثِيقٍ وَيَعْقِلَ وَغَيْرِهِمَا. ذِكْرُ بِنَاءِ مَدِينَةِ بَغْدَاذَ فِيهَا ابْتَدَأَ الْمَنْصُورُ فِي بِنَاءِ مَدِينَةِ بَغْدَاذَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ قَدِ ابْتَنَى الْهَاشِمِيَّةَ بِنَوَاحِي الْكُوفَةِ، فَلَمَّا ثَارَتِ الرَّاوِنْدِيَّةُ فِيهَا كَرِهَ سُكَّانَهَا لِذَلِكَ وَلِجِوَارِ أَهْلِ الْكُوفَةِ أَيْضًا، فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَأْمَنُ أَهْلَهَا عَلَى نَفْسِهِ، وَكَانُوا قَدْ أَفْسَدُوا جُنْدَهُ. فَخَرَجَ بِنَفْسِهِ يَرْتَادُ لَهُ مَوْضِعًا يَسْكُنُهُ هُوَ وَجُنْدُهُ، فَانْحَدَرَ إِلَى جَرْجَرَايَا، ثُمَّ أَصْعَدَ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَسَارَ نَحْوَ الْجَبَلِ فِي طَلَبِ مَنْزِلٍ يُبْنَى بِهِ. وَكَانَ قَدْ تَخَلَّفَ بَعْضُ جُنْدِهِ بِالْمَدَائِنِ لِرَمَدٍ لَحِقَهُ، فَسَأَلَهُ الطَّبِيبُ الَّذِي يُعَالِجُهُ عَنْ سَبَبِ حَرَكَةِ الْمَنْصُورِ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: إِنَّا نَجِدُ فِي كِتَابٍ عِنْدَنَا أَنَّ رَجُلًا يُدْعَى مِقْلَاصًا يَبْنِي مَدِينَةً بَيْنَ دِجْلَةَ وَالصَّرَاةِ تُدْعَى الزَّوْرَاءَ، فَإِذَا أَسَّسَهَا وَبَنَى بَعْضَهَا أَتَاهُ فَتْقٌ مِنَ الْحِجَازِ، فَقَطَعَ بِنَاءَهَا وَأَصْلَحَ ذَلِكَ الْفَتْقَ، ثُمَّ أَتَاهُ فَتْقٌ مِنَ الْبَصْرَةِ أَعْظَمُ مِنْهُ فَلَا يَلْبَثُ الْفَتْقَانِ أَنْ يَلْتَئِمَا، ثُمَّ يَعُودَ إِلَى بِنَائِهَا فَيُتِمَّهُ، ثُمَّ يُعَمَّرُ عُمُرًا طَوِيلًا، وَيَبْقَى الْمُلْكُ فِي عَقِبِهِ. فَقَدِمَ ذَلِكَ الْجُنْدِيُّ إِلَى عَسْكَرِ الْمَنْصُورِ وَهُوَ بِنَوَاحِي الْجَبَلِ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَرَجَعَ

стр. 2498

وَقَالَ: إِنِّي أَنَا وَاللَّهِ كُنْتُ أُدْعَى مِقْلَاصًا وَأَنَا صَبِيٌّ ثُمَّ زَالَ عَنِّي، وَصَارَ حَتَّى نَزَلَ الدَّيْرَ الَّذِي حِذَاءَ قَصْرِهِ الْمَعْرُوفِ بِالْخُلْدِ، وَدَعَا بِصَاحِبِ الدَّيْرِ وَبِالْبِطْرِيقِ صَاحِبِ رَحَا الْبِطْرِيقِ، وَصَاحِبِ بَغْدَاذَ، وَصَاحِبِ الْمُخَرِّمِ، وَصَاحِبِ بُسْتَانِ النَّفْسِ، وَصَاحِبِ الْعَتِيقَةِ فَسَأَلَهُمْ عَنْ مَوَاضِعِهِمْ، وَكَيْفَ هِيَ فِي الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَالْأَمْطَارِ وَالْوُحُولِ وَالْبَقِّ وَالْهَوَامِّ، فَأَخْبَرَهُ كُلٌّ مِنْهُمْ بِمَا عِنْدَهُ، وَوَقَعَ اخْتِيَارُهُمْ عَلَى صَاحِبِ بَغْدَاذَ، فَأَحْضَرَهُ وَشَاوَرَهُ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ سَأَلْتَنِي عَنْ هَذِهِ الْأَمْكِنَةِ وَمَا تَخْتَارُ مِنْهَا، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تُنْزِلَ أَرْبَعَةَ طَسَاسِيجَ فِي الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ طَسُّوجَيْنِ، وَهُمَا بِقُطْرُبُّلَ وَبَادُورَيَا، وَفِي الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ طَسُّوجَيْنِ وَهُمَا نَهْرُ بُوقٍ وَكَلْوَاذَى، فَيَكُونَ بَيْنَ نَخْلٍ وَقُرْبَ الْمَاءِ، وَإِنْ أَجْدَبَ طَسُّوجٌ وَتَأَخَّرَتْ عِمَارَتُهُ كَانَ فِي الطَّسُّوجِ الْآخَرِ الْعِمَارَاتُ. وَأَنْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الصَّرَاةِ، (تَجِيئُكَ الْمِيرَةُ فِي السُّفُنِ مِنَ الشَّامِ وَالرَّقَّةِ، وَالْغَرْبِ فِي طَوَائِفِ مِصْرَ، وَتَجِيئُكَ الْمِيرَةُ مِنَ الصِّينِ، وَالْهِنْدِ، وَالْبَصْرَةِ، وَوَاسِطَ، وَدِيَارِ بَكْرٍ، وَالرُّومِ، وَالْمَوْصِلِ، وَغَيْرِهَا فِي دِجْلَةَ، وَتَجِيئُكَ الْمِيرَةُ مِنْ إِرْمِينِيَّةَ وَمَا اتَّصَلَ بِهَا فِي تَامَرَّا حَتَّى يَتَّصِلَ بِالزَّابِ، فَأَنْتَ بَيْنَ أَنْهَارٍ لَا يَصِلُ إِلَيْكَ عَدُوُّكَ إِلَّا عَلَى جِسْرٍ أَوْ قَنْطَرَةٍ، فَإِذَا قَطَعْتَ الْجِسْرَ، وَأَخْرَبْتَ الْقَنْطَرَةَ لَمْ يَصِلْ إِلَيْكَ، وَدِجْلَةُ وَالْفُرَاتُ وَالصَّرَاةُ خَنَادِقُ هَذِهِ الْمَدِينَةِ، وَأَنْتَ مُتَوَسِّطٌ لِلْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ وَوَاسِطَ وَالْمَوْصِلِ وَالسَّوَادِ، وَأَنْتَ قَرِيبٌ مِنَ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَالْجَبَلِ. فَازْدَادَ الْمَنْصُورُ عَزْمًا عَلَى النُّزُولِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ. وَقِيلَ: إِنَّ الْمَنْصُورَ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَبْنِيَ مَدِينَةَ بَغْدَاذَ رَأَى رَاهِبًا فَنَادَاهُ، فَأَجَابَهُ، فَقَالَ: هَلْ تَجِدُونَ فِي كُتُبِكُمْ أَنَّهُ يُبْنَى هَاهُنَا مَدِينَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ يَبْنِيهَا مِقْلَاصٌ. قَالَ: فَأَنَا كُنْتُ أُدْعَى مِقْلَاصًا فِي حَدَاثَتِي. قَالَ: فَإِذًا أَنْتَ صَاحِبُهَا. فَابْتَدَأَ الْمَنْصُورُ بِعَمَلِهَا سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ، وَكَتَبَ إِلَى الشَّامِ، وَالْجَبَلِ، وَالْكُوفَةِ، وَوَاسِطَ، وَالْبَصْرَةِ، فِي مَعْنَى إِنْفَاذِ الصُّنَّاعِ وَالْفَعَلَةِ، وَأَمَرَ بِاخْتِيَارِ قَوْمٍ مِنْ ذَوِي الْفَضْلِ وَالْعَدَالَةِ وَالْفِقْهِ، وَأَمَرَ بِاخْتِيَارِ قَوْمٍ مِنَ ذَوِي الْأَمَانَةِ وَالْمَعْرِفَةِ بِالْهَنْدَسَةِ. فَكَانَ مِمَّنْ أُحْضِرَ لِذَلِكَ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَمَرَ فَخُطَّتِ الْمَدِينَةُ، وَحُفِرَ الْأَسَاسُ، وَضُرِبَ

стр. 2499

اللَّبِنُ، وَطُبِخَ الْآجُرُّ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا ابْتَدَأَ بِهِ مِنْهَا أَنَّهُ أَمَرَ بِخَطِّهَا بِالرَّمَادِ، فَدَخَلَهَا مِنْ أَبْوَابِهَا وَفُصْلَانِهَا وَطَاقَاتِهَا وَرِحَابِهَا وَهِيَ مَخْطُوطَةٌ بِالرَّمَادِ، ثُمَّ أَمَرَ أَنْ يُجْعَلَ عَلَى الرَّمَادِ حَبُّ الْقُطْنِ وَيُشْعَلَ بِالنَّارِ، فَفَعَلُوا، فَنَظَرَ إِلَيْهَا وَهِيَ تَشْتَعِلُ، فَفَهِمَهَا وَعَرَفَ رَسْمَهَا، وَأَمَرَ أَنْ يُحْفَرَ الْأَسَاسُ عَلَى ذَلِكَ الرَّسْمِ. وَوَكَّلَ بِهَا أَرْبَعَةً مِنَ الْقُوَّادِ، كُلُّ قَائِدٍ بِرُبْعٍ، وَوَكَّلَ أَبَا حَنِيفَةَ بِعَدَدِ الْآجُرِّ وَاللَّبِنِ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ قَدْ أَرَادَ أَبَا حَنِيفَةَ أَنْ يَتَوَلَّى الْقَضَاءَ وَالْمَظَالِمَ، فَلَمْ يُجِبْ، فَحَلَفَ الْمَنْصُورُ أَنَّهُ لَا يُقْلِعُ عَنْهُ أَوْ يَعْمَلُ لَهُ. فَأَجَابَهُ إِلَى أَنْ يَنْظُرَ فِي عِمَارَةِ بَغْدَاذَ وَيَعُدَّ اللَّبِنَ وَالْآجُرَّ بِالْقَصَبِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ. وَجَعَلَ الْمَنْصُورُ عَرْضَ أَسَاسِ السُّورِ مِنْ أَسْفَلِهِ خَمْسِينَ ذِرَاعًا، وَمِنْ أَعْلَاهُ عِشْرِينَ ذِرَاعًا، وَجَعَلَ فِي الْبِنَاءِ الْقَصَبَ وَالْخَشَبَ، وَوَضَعَ بِيَدِهِ أَوَّلَ لَبِنَةٍ، وَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَالْأَرْضُ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ. ثُمَّ قَالَ: ابْنُوا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ. فَلَمَّا بَلَغَ السُّورُ مِقْدَارَ قَامَّةٍ جَاءَ الْخَبَرُ بِظُهُورِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَطَعَ الْبِنَاءَ ثُمَّ أَقَامَ بِالْكُوفَةِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ حَرْبِ مُحَمَّدٍ وَأَخِيهِ إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَغْدَاذَ، فَأَتَمَّ بِنَاءَهَا، وَأَقْطَعَ فِيهَا الْقَطَائِعَ لِأَصْحَابِهِ. وَكَانَ الْمَنْصُورُ قَدْ أَعَدَّ جَمِيعَ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ بِنَاءِ الْمَدِينَةِ مِنْ خَشَبٍ وَسَاجٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَاسْتَخْلَفَ حِينَ يَشْخَصُ إِلَى الْكُوفَةِ عَلَى إِصْلَاحِ مَا أَعَدَّ أَسْلَمَ مَوْلَاهُ، فَبَلَغَهُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ قَدْ هَزَمَ عَسْكَرَ الْمَنْصُورِ، فَأَحْرَقَ مَا كَانَ خَلَّفَهُ عَلَيْهِ الْمَنْصُورُ، فَبَلَغَ الْمَنْصُورَ ذَلِكَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَلُومُهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَسْلَمُ يُخْبِرُهُ أَنَّهُ خَافَ أَنْ يَظْفَرَ بِهِمْ إِبْرَاهِيمُ فَيَأْخُذَهُ، فَلَمْ يَقُلْ لَهُ شَيْئًا. وَسَنَذْكُرُ كَيْفِيَّةَ بِنَائِهَا فِي سَنَةِ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

стр. 2500

ذِكْرُ ظُهُورِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ أَخِي مُحَمَّدٍ فِيهَا كَانَ ظُهُورُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَهُوَ أَخُو مُحَمَّدٍ، الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهُ، وَكَانَ قَبْلَ ظُهُورِهِ قَدْ طُلِبَ أَشَدَّ الطَّلَبِ، فَحَكَتْ جَارِيَةٌ لَهُ أَنَّهُ لَمْ تُقِرَّهُمْ أَرْضٌ خَمْسَ سِنِينَ، مَرَّةً بِفَارِسَ، وَمَرَّةً بِكَرْمَانَ، وَمَرَّةً بِالْجَبَلِ، وَمَرَّةً بِالْحِجَازِ، وَمَرَّةً بِالْيَمَنِ، وَمَرَّةً بِالشَّامِ. ثُمَّ إِنَّهُ قَدِمَ الْمَوْصِلَ، وَقَدِمَهَا الْمَنْصُورُ فِي طَلَبِهِ، فَحَكَى إِبْرَاهِيمُ قَالَ: اضْطَرَّنِي الطَّلَبُ بِالْمَوْصِلِ حَتَّى جَلَسْتُ عَلَى مَائِدَةِ الْمَنْصُورِ ثُمَّ خَرَجْتُ وَقَدْ كَفَّ الطَّلَبُ، وَكَانَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ يَتَشَيَّعُونَ فَكَتَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ يَسْأَلُونَهُ الْقُدُومَ إِلَيْهِمْ لِيَثِبُوا بِالْمَنْصُورِ، فَقَدِمَ عَسْكَرُ أَبِي جَعْفَرٍ وَهُوَ بِبَغْدَاذَ وَقَدْ خَطَّهَا. وَكَانَتْ لَهُ مِرْآةٌ يَنْظُرُ فِيهَا فَيَرَى عَدُوَّهُ مِنْ صَدِيقِهِ، فَنَظَرَ فِيهَا فَقَالَ: يَا مُسَيَّبُ قَدْ رَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ فِي عَسْكَرِي وَمَا فِي الْأَرْضِ أَعْدَى لِي مِنْهُ، فَانْظُرْ أَيَّ رَجُلٍ يَكُونُ. ثُمَّ إِنَّ الْمَنْصُورَ أَمَرَ بِبِنَاءِ قَنْطَرَةِ الصَّرَاةِ الْعَتِيقَةِ، فَخَرَجَ إِبْرَاهِيمُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا مَعَ النَّاسِ، فَوَقَعَتْ عَلَيْهِ عَيْنُ الْمَنْصُورِ، فَخَنَسَ إِبْرَاهِيمُ، وَذَهَبَ فِي النَّاسِ، فَأَتَى فَامِيًا فَلَجَأَ إِلَيْهِ، فَأَصْعَدَهُ غُرْفَةً لَهُ، وَجَدَّ الْمَنْصُورُ فِي طَلَبِهِ، وَوَضَعَ الرَّصَدَةَ بِكُلِّ مَكَانٍ، فَنَشِبَ إِبْرَاهِيمُ مَكَانَهُ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ سُفْيَانُ بْنُ حَيَّانَ الْقُمِّيُّ: قَدْ نَزَلَ بِنَا مَا تَرَى وَلَا بُدَّ مِنَ الْمُخَاطَرَةِ. قَالَ: فَأَنْتَ وَذَاكَ. فَأَقْبَلَ سُفْيَانُ إِلَى الرَّبِيعِ، فَسَأَلَهُ الْإِذْنَ عَلَى الْمَنْصُورِ، فَأَدْخَلَهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَآهُ شَتَمَهُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَنَا أَهْلٌ لِمَا تَقُولُ، غَيْرَ أَنِّي أَتَيْتُكَ تَائِبًا وَلَكَ عِنْدِي كُلُّ مَا تُحِبُّ، وَأَنَا آتِيكَ بِإِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ بَلَوْتُهُمْ فَلَمْ أَجِدْ فِيهِمْ خَيْرًا، فَاكْتُبْ لِي جَوَازًا وَلِغُلَامٍ مَعِي يَحْمِلُنِي عَلَى الْبَرِيدِ وَوَجِّهْ مَعِي جُنْدًا. فَكَتَبَ لَهُ جَوَازًا وَدَفَعَ إِلَيْهِ جُنْدًا وَقَالَ: هَذِهِ أَلْفُ دِينَارٍ فَاسْتَعِنْ بِهَا. قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهَا، وَأَخَذَ مِنْهَا ثَلَاثَمِائَةِ دِينَارٍ، وَأَقْبَلَ وَالْجُنْدُ مَعَهُ فَدَخَلَ الْبَيْتَ، وَعَلَى إِبْرَاهِيمَ جُبَّةُ صُوفٍ وَقَبَاءٌ كَأَقْبِيَةِ الْغِلْمَانِ، فَصَاحَ بِهِ، فَوَثَبَ وَجَعَلَ يَأْمُرُهُ وَيَنْهَاهُ، وَسَارَ عَلَى الْبَرِيدِ. وَقِيلَ: لَمْ يَرْكَبِ الْبَرِيدَ. وَسَارَ حَتَّى قَدِمَ الْمَدَائِنَ، فَمَنَعَهُ صَاحِبُ الْقَنْطَرَةِ بِهَا، فَدَفَعَ جَوَازَهُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا جَازَهَا

стр. 2501

قَالَ لَهُ الْمُوَكَّلُ بِالْقَنْطَرَةِ: مَا هَذَا غُلَامٌ، وَإِنَّهُ لَإِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، اذْهَبْ رَاشِدًا، فَأَطْلَقَهُمَا، فَرَكِبَا سَفِينَةً حَتَّى قَدِمَا الْبَصْرَةَ، فَجَعَلَ يَأْتِي بِالْجُنْدِ الدَّارَ لَهَا بَابَانِ فَيُقْعِدُ الْبَعْضَ مِنْهُمْ عَلَى أَحَدِ الْبَابَيْنِ وَيَقُولُ: لَا تَبْرَحُوا حَتَّى آتِيَكُمْ، فَيَخْرُجَ مِنَ الْبَابِ الْآخَرِ وَيَتْرُكَهُمْ، حَتَّى فَرَّقَ الْجُنْدَ عَنْ نَفْسِهِ وَبَقِيَ وَحْدَهُ. وَبَلَغَ الْخَبَرُ سُفْيَانَ بْنَ مُعَاوِيَةَ أَمِيرَ الْبَصْرَةِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَجَمَعَهُمْ، وَطَلَبَ الْقُمِّيَّ فَأَعْجَزَهُ. وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ قَدْ قَدِمَ الْأَهْوَازَ قَبْلَ ذَلِكَ وَاخْتَفَى عِنْدَ الْحَسَنِ بْنِ خُبَيْبٍ، وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُصَيْنِ يَطْلُبُهُ، فَقَالَ يَوْمًا: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَتَبَ إِلَيَّ يُخْبِرُنِي أَنَّ الْمُنَجِّمِينَ أَخْبَرُوهُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ نَازِلٌ بِالْأَهْوَازِ فِي جَزِيرَةٍ بَيْنَ نَهْرَيْنِ، وَقَدْ طَلَبْتُهُ فِي الْجَزِيرَةِ وَلَيْسَ هُنَاكَ، وَقَدْ عَزَمْتُ أَنْ أَطْلُبَهُ غَدًا بِالْمَدِينَةِ، لَعَلَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَعْنِي بِقَوْلِهِ بَيْنَ نَهْرَيْنِ بَيْنَ دُجَيْلٍ وَالْمَسْرُقَانِ. فَرَجَعَ الْحَسَنُ بْنُ خُبَيْبٍ إِلَى إِبْرَاهِيمَ فَأَخْبَرَهُ وَأَخْرَجَهُ إِلَى ظَاهِرِ الْبَلَدِ، وَلَمْ يَطْلُبْهُ مُحَمَّدٌ ذَلِكَ الْيَوْمَ. فَلَمَّا كَانَ آخِرُ النَّهَارِ خَرَجَ الْحَسَنُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ فَأَدْخَلَهُ الْبَلَدَ، وَهُمَا عَلَى حِمَارَيْنِ، وَقْتَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، فَلَقِيَهُ أَوَائِلُ خَيْلِ ابْنِ الْحُصَيْنِ، فَنَزَلَ إِبْرَاهِيمُ عَنْ حِمَارِهِ كَأَنَّهُ يَبُولُ، فَسَأَلَ ابْنُ الْحُصَيْنِ الْحَسَنَ بْنَ خُبَيْبٍ عَنْ مَجِيئِهِ، فَقَالَ: مِنْ عِنْدِ بَعْضِ أَهْلِي. فَمَضَى وَتَرَكَهُ. وَرَجَعَ الْحَسَنُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ، فَأَرْكَبَهُ وَأَدْخَلَهُ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: وَاللَّهِ لَقَدْ بُلْتُ دَمًا. قَالَ: فَأَتَيْتُ الْمَوْضِعَ فَرَأَيْتُهُ قَدْ بَالَ دَمًا. ثُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ قَدِمَ الْبَصْرَةَ، فَقِيلَ: قَدِمَهَا سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ بَعْدَ ظُهُورِ أَخِيهِ مُحَمَّدٍ بِالْمَدِينَةِ، وَقِيلَ: قَدِمَهَا سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ، وَكَانَ الَّذِي أَقْدَمَهُ وَتَوَلَّى كَرَاهُ، فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، يَحْيَى بْنُ زِيَادِ بْنِ حَيَّانَ النَّبَطِيُّ، وَأَنْزَلَهُ فِي دَارِهِ فِي بَنِي لَيْثٍ. وَقِيلَ: نَزَلَ فِي دَارِ أَبِي فَرْوَةَ، وَدَعَا النَّاسَ إِلَى بَيْعَةِ أَخِيهِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ بَايَعَهُ نُمَيْلَةُ بْنُ مُرَّةَ الْعَبْشَمِيُّ، وَعَفْوُ اللَّهِ بْنُ سُفْيَانَ، وَعَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، وَعَمْرُو بْنُ سَلَمَةَ الْهُجَيْمِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ حُصَيْنٍ الرَّقَاشِيُّ، وَنَدَبُوا النَّاسَ، فَأَجَابَهُمُ الْمُغِيرَةُ بْنُ الْفَزَعِ وَأَشْبَاهٌ لَهُ. وَأَجَابَهُ أَيْضًا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، وَمُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، وَعَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ،

стр. 2502

وَإِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْرَقُ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ هُشَيْمِ بْنِ بَشِيرٍ، وَجَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ، حَتَّى أَحْصَى دِيوَانُهُ أَرْبَعَةَ آلَافٍ. وَشُهِرَ أَمْرُهُ، فَقَالُوا لَهُ: لَوْ تَحَوَّلْتَ إِلَى وَسَطِ الْبَصْرَةِ أَتَاكَ النَّاسُ وَهُمْ مُسْتَرِيحُونَ. فَتَحَوَّلَ فَنَزَلَ دَارَ أَبِي مَرْوَانَ مَوْلَى بَنِي سُلَيْمٍ فِي مَقْبَرَةِ بَنِي يَشْكُرَ، وَكَانَ سُفْيَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَدْ مَالَأَ عَلَى أَمْرِهِ. وَلَمَّا ظَهَرَ أَخُوهُ مُحَمَّدٌ كَتَبَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِالظُّهُورِ، فَوَجَمَ لِذَلِكَ وَاغْتَمَّ، فَجَعَلَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ يُسَهِّلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَقَالَ لَهُ: قَدِ اجْتَمَعَ لَكَ أَمْرُكَ فَتَخْرُجُ إِلَى السِّجْنِ فَتَكْسِرُهُ مِنَ اللَّيْلِ فَتُصْبِحُ وَقَدِ اجْتَمَعَ لَكَ عَالَمٌ مِنَ النَّاسِ. وَطَابَتْ نَفْسُهُ. وَكَانَ الْمَنْصُورُ بِظَاهِرِ الْكُوفَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ، فِي قِلَّةٍ مِنَ الْعَسَاكِرِ، وَقَدْ أَرْسَلَ ثَلَاثَةً مِنَ الْقُوَّادِ إِلَى سُفْيَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بِالْبَصْرَةِ مَدَدًا لَهُ لِيَكُونُوا عَوْنًا لَهُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِنْ ظَهَرَ. فَلَمَّا أَرَادَ إِبْرَاهِيمُ الظُّهُورَ أَرْسَلَ إِلَى سُفْيَانَ فَأَعْلَمَهُ، فَجَمَعَ الْقُوَّادَ عِنْدَهُ. وَظَهَرَ إِبْرَاهِيمُ أَوَّلَ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ، فَغَنِمَ دَوَابَّ أُولَئِكَ الْجُنْدِ، وَصَلَّى بِالنَّاسِ الصُّبْحَ فِي الْجَامِعِ، وَقَصَدَ دَارَ الْإِمَارَةِ وَبِهَا سُفْيَانُ مُتَحَصِّنًا فِي جَمَاعَةٍ فَحَصَرَهُ، وَطَلَبَ سُفْيَانُ مِنْهُ الْأَمَانَ، فَآمَنَهُ إِبْرَاهِيمُ. وَدَخَلَ الدَّارَ فَفَرَشُوا لَهُ حَصِيرًا، فَهَبَّتِ الرِّيحُ فَقَلَبَتْهُ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ، فَتَطَيَّرَ النَّاسُ بِذَلِكَ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِنَّا لَا نَتَطَيَّرُ. وَجَلَسَ عَلَيْهِ مَقْلُوبًا وَحَبَسَ الْقُوَّادَ وَحَبَسَ أَيْضًا سُفْيَانَ بْنَ مُعَاوِيَةَ فِي الْقَصْرِ وَقَيَّدَهُ بِقَيْدٍ خَفِيفٍ لِيَعْلَمَ الْمَنْصُورُ أَنَّهُ مَحْبُوسٌ. وَبَلَغَ جَعْفَرًا وَمُحَمَّدًا ابْنَيْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ ظُهُورُ إِبْرَاهِيمَ، فَأَتَيَا فِي سِتِّمِائَةِ رَجُلٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمَا إِبْرَاهِيمُ الْمَضَاءَ بْنَ الْقَاسِمِ الْجَزَرِيَّ فِي خَمْسِينَ رَجُلًا، فَهَزَمَهُمَا، وَنَادَى مُنَادِي إِبْرَاهِيمَ: لَا يُتْبَعُ مَهْزُومٌ وَلَا يُذَفَّفُ عَلَى جَرِيحٍ. وَمَضَى إِبْرَاهِيمُ بِنَفْسِهِ إِلَى بَابِ زَيْنَبَ بِنْتِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَإِلَيْهَا يُنْسَبُ الزَّيْنَبِيُّونَ مِنَ الْعَبَّاسِيِّينَ، فَنَادَى بِالْأَمَانِ وَأَنْ لَا يَعْرِضَ لَهُمْ أَحَدٌ، فَصَفَتْ لَهُ الْبَصْرَةُ، وَوَجَدَ فِي بَيْتِ مَالِهَا أَلْفَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَقَوِيَ بِذَلِكَ وَفَرَضَ لِأَصْحَابِهِ لِكُلِّ رَجُلٍ خَمْسِينَ خَمْسِينَ. فَلَمَّا اسْتَقَرَّتْ لَهُ الْبَصْرَةُ أَرْسَلَ الْمُغِيرَةَ إِلَى الْأَهْوَازِ، فَبَلَغَهَا فِي مِائَتَيْ رَجُلٍ، وَكَانَ بِهَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُصَيْنِ عَامِلًا لِلْمَنْصُورِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ فَالْتَقَوْا، فَانْهَزَمَ ابْنُ الْحُصَيْنِ وَدَخَلَ الْمُغِيرَةُ الْأَهْوَازَ. وَقِيلَ: إِنَّمَا وَجَّهَ الْمُغِيرَةَ بَعْدَ مَسِيرِهِ إِلَى بَاخَمْرَى، وَسَيَّرَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى فَارِسَ عَمْرَو بْنَ

стр. 2503

شَدَّادٍ، فَقَدِمَهَا وَبِهَا إِسْمَاعِيلُ وَعَبْدُ الصَّمَدِ ابْنَا عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، فَبَلَغَهُمَا دُنُوُّ عَمْرٍو وَهُمَا بِإِصْطَخْرَ، فَقَصَدَا دَارَابَجَرْدَ فَتَحَصَّنَا بِهَا، فَصَارَتْ فَارِسُ فِي يَدِ عَمْرٍو، وَأَرْسَلَ إِبْرَاهِيمُ مَرْوَانَ بْنَ سَعِيدٍ الْعِجْلِيَّ فِي سَبْعَةَ عَشَرَ أَلْفًا إِلَى وَاسِطَ، وَبِهَا هَارُونُ بْنُ حُمَيْدٍ الْإِيَادِيُّ مِنْ قِبَلِ الْمَنْصُورِ، فَمَلَكَهَا الْعِجْلِيُّ. وَأَرْسَلَ الْمَنْصُورُ لِحَرْبِهِ عَامِرَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الْمُسْلِيَّ فِي خَمْسَةِ آلَافٍ، وَقِيلَ: فِي عِشْرِينَ أَلْفًا، فَكَانَتْ بَيْنَهُمْ وَقَعَاتٌ ثُمَّ تَهَادَنُوا عَلَى تَرْكِ الْحَرْبِ حَتَّى يَنْظُرُوا مَا يَكُونُ مِنْ إِبْرَاهِيمَ وَالْمَنْصُورِ. فَلَمَّا قُتِلَ إِبْرَاهِيمُ هَرَبَ مَرْوَانُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْهُمَا فَاخْتَفَى حَتَّى مَاتَ. فَلَمْ يَزَلْ إِبْرَاهِيمُ بِالْبَصْرَةِ يُفَرِّقُ الْعُمَّالَ وَالْجُيُوشَ حَتَّى أَتَاهُ نَعْيُ أَخِيهِ مُحَمَّدٍ قَبْلَ عِيدِ الْفِطْرِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَخَرَجَ بِالنَّاسِ يَوْمَ الْعِيدِ وَفِيهِ الِانْكِسَارُ فَصَلَّى بِهِمْ وَأَخْبَرَهُمْ بِقَتْلِ مُحَمَّدٍ، فَازْدَادُوا فِي قِتَالِ الْمَنْصُورِ بَصِيرَةً، وَأَصْبَحَ مِنَ الْغَدِ فَعَسْكَرَ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْبَصْرَةِ نُمَيْلَةَ وَخَلَّفَ ابْنَهُ حَسَنًا مَعَهُ. ذِكْرُ مَسِيرِ إِبْرَاهِيمَ وَقَتْلِهِ ثُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَزَمَ عَلَى الْمَسِيرِ، فَأَشَارَ أَصْحَابُهُ الْبَصْرِيُّونَ أَنْ " تُقِيمَ وَتُرْسِلَ الْجُنُودَ، فَيَكُونَ إِذَا انْهَزَمَ لَكَ جُنْدٌ أَمْدَدْتَهُمْ بِغَيْرِهِمْ، فَخِيفَ مَكَانُكَ، وَاتَّقَاكَ عَدُوُّكَ، وَجَبَيْتَ الْأَمْوَالَ، وَثَبَّتَّ وَطْأَتَكَ ". فَقَالَ مَنْ عِنْدَهُ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ: إِنَّ بِالْكُوفَةِ أَقْوَامًا لَوْ رَأَوْكَ مَاتُوا دُونَكَ، وَإِنْ لَمْ يَرَوْكَ قَعَدَتْ بِهِمْ أَسْبَابٌ شَتَّى. فَسَارَ عَنِ الْبَصْرَةِ إِلَى الْكُوفَةِ. وَكَانَ الْمَنْصُورُ لَمَّا بَلَغَهُ ظُهُورُ إِبْرَاهِيمَ فِي قِلَّةٍ مِنَ الْعَسْكَرِ قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي كَيْفَ أَصْنَعُ! مَا فِي عَسْكَرِي إِلَّا أَلْفَا رَجُلٍ، فَرَّقْتُ جُنْدِي: مَعَ الْمَهْدِيِّ بِالرَّيِّ ثَلَاثُونَ أَلْفًا، وَمَعَ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ بِإِفْرِيقِيَّةَ أَرْبَعُونَ أَلْفًا، وَالْبَاقُونَ مَعَ عِيسَى بْنِ مُوسَى، وَاللَّهِ لَئِنْ سَلِمْتُ مِنْ هَذِهِ لَا يُفَارِقُ عَسْكَرِي ثَلَاثُونَ أَلْفًا. ثُمَّ كَتَبَ إِلَى عِيسَى بْنِ مُوسَى يَأْمُرُهُ بِالْعَوْدِ مُسْرِعًا، فَأَتَاهُ الْكِتَابُ وَقَدْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ، فَتَرَكَهَا وَعَادَ. وَكَتَبَ إِلَى سَلْمِ بْنِ قُتَيْبَةَ فَقَدِمَ عَلَيْهِ مِنَ الرَّيِّ، فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُورُ: اعْمِدْ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَلَا يَرُوعَنَّكَ جَمْعُهُ، فَوَاللَّهِ إِنَّهُمَا جَمَلَا بَنِي هَاشِمٍ الْمَقْتُولَانِ! فَثِقْ بِمَا أَقُولُ. وَضَمَّ

стр. 2504

إِلَيْهِ غَيْرَهُ مِنَ الْقُوَّادِ. وَكَتَبَ إِلَى الْمَهْدِيِّ يَأْمُرُهُ بِإِنْفَاذِ خُزَيْمَةَ بْنِ خَازِمٍ إِلَى الْأَهْوَازِ، فَسَيَّرَهُ فِي أَرْبَعَةِ آلَافِ فَارِسٍ، فَوَصَلَهَا وَقَاتَلَ الْمُغِيرَةَ، فَرَجَعَ الْمُغِيرَةُ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَاسْتَبَاحَ خُزَيْمَةُ الْأَهْوَازَ ثَلَاثًا. وَتَوَالَتْ عَلَى الْمَنْصُورِ الْفُتُوقُ مِنَ الْبَصْرَةِ وَالْأَهْوَازِ وَفَارِسَ وَوَاسِطَ وَالْمَدَائِنِ وَالسَّوَادِ، وَإِلَى جَانِبِهِ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي مِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ يَنْتَظِرُونَ بِهِ صَيْحَةً، فَلَمَّا تَوَالَتِ الْأَخْبَارُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ أَنْشَدَ: وَجَعَلْتُ نَفْسِي لِلرِّمَاحِ دَرِيئَةً ... إِنَّ الرَّئِيسَ لِمِثْلِ ذَاكَ فَعُولُ ثُمَّ إِنَّهُ رَمَى كُلَّ نَاحِيَةٍ بِحَجَرِهَا، وَبَقِيَ الْمَنْصُورُ عَلَى مُصَلَّاهُ خَمْسِينَ يَوْمًا يَنَامُ عَلَيْهِ، وَجَلَسَ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ مُلَوَّنَةٌ قَدْ اتَّسَخَ جَيْبُهَا، لَا غَيَّرَهَا وَلَا هَجَرَ الْمُصَلَّى، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ إِذَا ظَهَرَ لِلنَّاسِ لَبِسَ السَّوَادَ فَإِذَا فَارَقَهُمْ رَجَعَ إِلَى هَيْئَتِهِ. وَأُهْدِيَتْ إِلَيْهِ امْرَأَتَانِ مِنَ الْمَدِينَةِ، إِحْدَاهُمَا فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَالْأُخْرَى أُمُّ الْكَرِيمِ ابْنَةُ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ وَلَدِ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ، فَلَمْ يَنْظُرْ إِلَيْهِمَا، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمَا قَدْ سَاءَتْ ظُنُونُهُمَا. فَقَالَ: لَيْسَتْ هَذِهِ أَيَّامُ نِسَاءٍ، وَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِمَا حَتَّى أَنْظُرَ رَأْسَ إِبْرَاهِيمَ لِي، أَوْ رَأْسِي لَهُ. قَالَ الْحَجَّاجُ بْنُ قُتَيْبَةَ: لَمَّا تَتَابَعَتِ الْفُتُوقُ عَلَى الْمَنْصُورِ دَخَلْتُ مُسَلِّمًا عَلَيْهِ وَقَدْ أَتَاهُ خَبَرُ الْبَصْرَةِ، وَالْأَهْوَازِ، وَفَارِسَ، وَعَسَاكِرُ إِبْرَاهِيمَ قَدْ عَظُمَتْ، وَبِالْكُوفَةِ مِائَةُ أَلْفِ سَيْفٍ بِإِزَاءِ عَسْكَرِهِ يَنْتَظِرُ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَيَثِبُونَ بِهِ، فَرَأَيْتُهُ أَحْوَذِيًّا مُشَمِّرًا قَدْ قَامَ إِلَى مَا نَزَلَ بِهِ مِنَ النَّوَائِبِ يَعْرُكُهَا (فَقَامَ بِهَا) ، وَلَمْ تَقْعُدْ بِهِ نَفْسُهُ. وَإِنَّهُ كَمَا قَالَ الْأَوَّلُ: نَفْسُ عِصَامٍ سَوَّدَتْ عِصَامَا ... وَعَلَّمَتْهُ الْكَرَّ وَالْإِقْدَامَا وَصَيَّرَتْهُ مَلِكًا هُمَامَا. ثُمَّ وَجَّهَ الْمَنْصُورُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ عِيسَى بْنَ مُوسَى فِي خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ حُمَيْدُ بْنُ قَحْطَبَةَ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ، وَقَالَ لَهُ لَمَّا وَدَّعَهُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ الْخُبَثَاءَ، يَعْنِي الْمُنَجِّمِينَ،

стр. 2505

يَزْعُمُونَ أَنَّكَ إِذَا لَاقَيْتَ إِبْرَاهِيمَ يَجُولُ أَصْحَابُكَ جَوْلَةً حَتَّى تَلْقَاهُ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إِلَيْكَ وَتَكُونُ الْعَاقِبَةُ لَكَ. وَلَمَّا سَارَ إِبْرَاهِيمُ عَنِ الْبَصْرَةِ مَشَى لَيْلَتَهُ فِي عَسْكَرِهِ سِرًّا فَسَمِعَ أَصْوَاتَ الطَّنَابِيرِ، ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ مَرَّةً أُخْرَى فَسَمِعَهَا أَيْضًا، فَقَالَ: مَا أَطْمَعُ فِي نَصْرِ عَسْكَرٍ فِيهِ مِثْلُ هَذَا! وَسُمِعَ يُنْشِدُ فِي طَرِيقِهِ أَبْيَاتَ الْقَطَامِيِّ: أُمُورٌ لَوْ يُدَبِّرُهَا حَلِيمٌ ... إِذًا لَنَهَى وَهَيَّبَ مَا اسْتَطَاعَا وَمَعْصِيَةُ الشَّقِيقِ عَلَيْكَ مِمَّا ... يَزِيدُكَ مَرَّةً مِنْهُ اسْتِمَاعَا وَخَيْرُ الْأَمْرِ مَا اسْتَقْبَلْتَ مِنْهُ ... وَلَيْسَ بِأَنْ تَتَبَّعَهُ اتِّبَاعَا وَلَكِنَّ الْأَدِيمَ إِذَا تَفَرَّى ... بِلًى وَتَعَيُّبًا غَلَبَ الصُّنَّاعَا . فَعَلِمُوا أَنَّهُ نَادِمٌ عَلَى مَسِيرِهِ. وَكَانَ دِيوَانُهُ قَدْ أَحْصَى مِائَةَ أَلْفٍ، وَقِيلَ: كَانَ مَعَهُ فِي طَرِيقِهِ عَشَرَةُ آلَافٍ. وَقِيلَ لَهُ فِي طَرِيقِهِ لِيَأْخُذَ غَيْرَ الْوَجْهِ الَّذِي فِيهِ عِيسَى، وَيَقْصِدَ الْكُوفَةَ فَإِنَّ الْمَنْصُورَ لَا يَقُومُ لَهُ وَيَنْضَافُ أَهْلُ الْكُوفَةِ إِلَيْهِ، وَلَا يَبْقَى لِلْمَنْصُورِ مَرْجِعٌ دُونَ حُلْوَانَ، فَلَمْ يَفْعَلْ. فَقِيلَ لَهُ لِيُبَيِّتَ عِيسَى. فَقَالَ: أَكْرَهُ الْبَيَاتَ إِلَّا بَعْدَ الْإِنْذَارِ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ لِيَأْمُرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهَا لِيَدْعُوَ إِلَيْهِ النَّاسَ، وَقَالَ: أَدْعُوهُمْ سِرًّا ثُمَّ أَجْهَرُ، فَإِذَا سَمِعَ الْمَنْصُورُ الْهَيْعَةَ بِأَرْجَاءِ الْكُوفَةِ لَمْ يَرُدَّ وَجْهَهُ شَيْءٌ دُونَ حُلْوَانَ. فَاسْتَشَارَ بَشِيرًا الرَّحَّالَ، فَقَالَ: لَوْ وَثِقْنَا بِالَّذِي تَقُولُ لَكَانَ رَأْيًا، وَلَكِنَّا لَا نَأْمَنُ أَنْ تَجِيئَكَ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ فَيُرْسِلَ إِلَيْهِمُ الْمَنْصُورُ الْخَيْلَ، فَيَأْخُذَ الْبَرِيءَ وَالصَّغِيرَ وَالْمَرْأَةَ، فَيَكُونَ ذَلِكَ تَعَرُّضًا لِلْمَأْثَمِ. فَقَالَ الْكُوفِيُّ: كَأَنَّكُمْ خَرَجْتُمْ لِقِتَالِ الْمَنْصُورِ وَأَنْتُمْ تَتَوَقَّوْنَ قَتْلَ الضَّعِيفِ وَالْمَرْأَةِ وَالصَّغِيرِ! أَوَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ لِيُقَاتِلَ وَيَكُونَ نَحْوُ هَذَا؟ قَالَ بَشِيرٌ: أُولَئِكَ كُفَّارٌ وَهَؤُلَاءِ مُسْلِمُونَ.

стр. 2506

وَاتَّبَعَ إِبْرَاهِيمُ رَأْيَهُ وَسَارَ حَتَّى نَزَلَ بَاخَمْرَى، وَهِيَ مِنَ الْكُوفَةِ عَلَى سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا، (مُقَابِلَ عِيسَى بْنِ مُوسَى) ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ: إِنَّكَ قَدْ أَصْحَرْتَ وَمِثْلُكَ أَنْفِسُ بِهِ عَنِ الْمَوْتِ، فَخَنْدِقْ عَلَى نَفْسِكَ حَتَّى لَا تُؤْتَى إِلَّا مِنْ مَأْتًى وَاحِدٍ، فَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فَقَدْ أَغْرَى أَبُو جَعْفَرٍ عَسْكَرَهُ، فَتَخَفَّفْ فِي طَائِفَةٍ حَتَّى تَأْتِيَهُ فَتَأْخُذَ بِقَفَاهُ. فَدَعَا إِبْرَاهِيمُ أَصْحَابَهُ وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، فَقَالُوا: نُخَنْدِقُ عَلَى أَنْفُسِنَا وَنَحْنُ الظَّاهِرُونَ عَلَيْهِمْ! لَا وَاللَّهِ لَا نَفْعَلُ. قَالَ: فَنَأْتِي أَبَا جَعْفَرٍ. قَالُوا: وَلِمَ وَهُوَ فِي أَيْدِينَا مَتَى أَرَدْنَا؟ فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ لِلرَّسُولِ: أَتَسْمَعُ؟ فَارْجِعْ رَاشِدًا. ثُمَّ إِنَّهُمْ تَصَافُّوا، فَصَفَّ إِبْرَاهِيمُ أَصْحَابَهُ صَفًّا وَاحِدًا، فَأَشَارَ عَلَيْهِ بَعْضُ أَصْحَابِهِ بِأَنْ يَجْعَلَهُمْ كَرَادِيسَ، فَإِذَا انْهَزَمَ كُرْدُوسٌ ثَبَتَ كُرْدُوسٌ، فَإِنَّ الصَّفَّ إِذَا انْهَزَمَ بَعْضُهُ تَدَاعَى سَائِرُهُ. فَقَالَ الْبَاقُونَ: لَا نَصُفُّ إِلَّا صَفَّ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، يَعْنِي قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤] الْآيَةَ. فَاقْتَتَلَ النَّاسُ قِتَالًا شَدِيدًا، وَانْهَزَمَ حُمَيْدُ بْنُ قَحْطَبَةَ، وَانْهَزَمَ النَّاسُ مَعَهُ، فَعَرَضَ لَهُمْ عِيسَى يُنَاشِدُهُمُ اللَّهَ وَالطَّاعَةَ فَلَا يَلْوُونَ عَلَيْهِ. فَأَقْبَلَ حُمَيْدٌ مُنْهَزِمًا، فَقَالَ لَهُ عِيسَى: اللَّهَ اللَّهَ وَالطَّاعَةَ! فَقَالَ: لَا طَاعَةَ فِي الْهَزِيمَةِ! وَمَرَّ النَّاسُ فَلَمْ يَبْقَ مَعَ عِيسَى إِلَّا نَفَرٌ يَسِيرٌ. فَقِيلَ لَهُ: لَوْ تَنَحَّيْتَ عَنْ مَكَانِكَ حَتَّى تَئُوبَ إِلَيْكَ النَّاسُ فَتَكُرَّ بِهِمْ. فَقَالَ: لَا أَزُولُ عَنْ مَكَانِي هَذَا أَبَدًا حَتَّى أُقْتَلَ أَوْ يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيَّ، وَاللَّهِ لَا يَنْظُرُ أَهْلُ بَيْتِي إِلَى وَجْهِي أَبَدًا وَقَدِ انْهَزَمْتُ عَنْ عَدُوِّهِمْ! وَجَعَلَ يَقُولُ لِمَنْ يَمُرُّ بِهِ: أَقْرِئْ أَهْلَ بَيْتِي السَّلَامَ وَقُلْ لَهُمْ لَمْ أَجِدْ فِدًى أَفْدِيكُمْ بِهِ أَعَزَّ مِنْ نَفْسِي، وَقَدْ بَذَلْتُهَا دُونَكُمْ! فَبَيْنَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ لَا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ إِذْ أَتَى جَعْفَرٌ، وَمُحَمَّدٌ ابْنَا سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ مِنْ ظُهُورِ أَصْحَابِ إِبْرَاهِيمَ، وَلَا يَشْعُرُ بَاقِي أَصْحَابِهِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الْمُنْهَزِمِينَ حَتَّى نَظَرَ بَعْضُهُمْ فَرَأَى الْقِتَالَ مِنْ وَرَائِهِمْ، فَعَطَفُوا نَحْوَهُ، وَرَجَعَ أَصْحَابُ الْمَنْصُورِ يَتْبَعُونَهُمْ، فَكَانَتِ الْهَزِيمَةُ عَلَى أَصْحَابِ إِبْرَاهِيمَ، فَلَوْلَا جَعْفَرٌ وَمُحَمَّدٌ لَتَمَّتِ الْهَزِيمَةُ. وَكَانَ مِنْ صُنْعِ اللَّهِ لِلْمَنْصُورِ أَنَّ أَصْحَابَهُ لَقِيَهُمْ نَهْرٌ فِي طَرِيقِهِمْ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الْوُثُوبِ وَلَمْ يَجِدُوا

стр. 2507

مَخَاضَةً، فَعَادُوا بِأَجْمَعِهِمْ، وَكَانَ أَصْحَابُ إِبْرَاهِيمَ قَدْ مَخَرُوا الْمَاءَ لِيَكُونَ قِتَالُهُمْ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ، فَلَمَّا انْهَزَمُوا مَنَعَهُمُ الْمَاءُ مِنَ الْفِرَارِ، وَثَبَتَ إِبْرَاهِيمُ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ يَبْلُغُونَ سِتَّمِائَةٍ، وَقِيلَ أَرْبَعَمِائَةٍ، وَقَاتَلَهُمْ حُمَيْدٌ وَجَعَلَ يُرْسِلُ بِالرُّءُوسِ إِلَى عِيسَى، وَجَاءَ إِبْرَاهِيمَ سَهْمٌ عَائِرٌ فَوَقَعَ فِي حَلْقِهِ فَنَحَرَهُ، فَتَنَحَّى عَنْ مَوْقِفِهِ وَقَالَ: أَنْزِلُونِي، فَأَنْزَلُوهُ عَنْ مَرْكَبِهِ وَهُوَ يَقُولُ: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨] ، أَرَدْنَا أَمْرًا وَأَرَادَ اللَّهُ غَيْرَهُ. وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ وَخَاصَّتُهُ يَحْمُونَهُ وَيُقَاتِلُونَ دُونَهُ، فَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ قَحْطَبَةَ لِأَصْحَابِهِ: شُدُّوا عَلَى تِلْكَ الْجَمَاعَةِ حَتَّى تُزِيلُوهُمْ عَنْ مَوْضِعِهِمْ، وَتَعْلَمُوا مَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، فَشَدُّوا عَلَيْهِمْ، فَقَاتَلُوهُمْ أَشَدَّ قِتَالٍ حَتَّى أَفْرَجُوهُمْ عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَخَلَصُوا إِلَيْهِ، وَحَزُّوا رَأْسَهُ فَأَتَوْا بِهِ عِيسَى، فَأَرَاهُ ابْنَ أَبِي الْكِرَامِ الْجَعْفَرِيَّ فَقَالَ: نَعَمْ هَذَا رَأَسُهُ. فَنَزَلَ عِيسَى إِلَى الْأَرْضِ، فَسَجَدَ وَبَعَثَ بِرَأْسِهِ إِلَى الْمَنْصُورِ. وَكَانَ قَتْلُهُ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ لِخَمْسِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ، وَكَانَ عُمُرُهُ ثَمَانِيًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَمَكَثَ مُنْذُ خَرَجَ إِلَى أَنْ قُتِلَ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ إِلَّا خَمْسَةَ أَيَّامٍ. وَقِيلَ: كَانَ سَبَبُ انْهِزَامِ أَصْحَابِهِ أَنَّهُمْ لَمَّا هَزَمُوا أَصْحَابَ الْمَنْصُورِ وَتَبِعُوهُمْ نَادَى مُنَادِي إِبْرَاهِيمَ: أَلَا لَا تَتْبَعُوا مُدْبِرًا! فَرَجَعُوا، فَلَمَّا رَآهُمْ أَصْحَابُ الْمَنْصُورِ رَاجِعِينَ ظَنُّوهُمْ مُنْهَزِمِينَ فَعَطَفُوا فِي آثَارِهِمْ، وَكَانَتِ الْهَزِيمَةُ. وَبَلَغَ الْمَنْصُورَ الْخَبَرُ بِهَزِيمَةِ أَصْحَابِهِ أَوَّلًا، فَعَزَمَ عَلَى إِتْيَانِ الرَّيِّ، فَأَتَاهُ نَوْبَخْتُ الْمُنَجِّمُ وَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، الظُّفْرُ لَكَ، وَسَيُقْتَلُ إِبْرَاهِيمُ! فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ. فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَهُ الْخَبَرُ بِقَتْلِ إِبْرَاهِيمَ، فَتَمَثَّلَ: فَأَلْقَتْ عَصَاهَا وَاسْتَقَرَّ بِهَا النَّوَى ... كَمَا قَرَّ عَيْنًا بِالْإِيَابِ الْمُسَافِرُ. فَأَقْطَعَ الْمَنْصُورُ نَوْبَخْتَ أَلْفَيْ جَرِيبٍ بِنَهْرِ جَوْبَرَ. وَحُمِلَ رَأْسُ إِبْرَاهِيمَ إِلَى الْمَنْصُورِ فَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا رَآهُ بَكَى حَتَّى خَرَجَتْ

стр. 2508

دُمُوعُهُ عَلَى خَدِّ إِبْرَاهِيمَ ثُمَّ قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي كُنْتُ لِهَذَا كَارِهًا! وَلَكِنَّكَ ابْتُلِيتَ بِي وَابْتُلِيتُ بِكَ! . ثُمَّ جَلَسَ مَجْلِسًا عَامًّا وَأَذِنَ لِلنَّاسِ. فَكَانَ الدَّاخِلُ يَدْخُلُ فَيَتَنَاوَلُ إِبْرَاهِيمَ وَيُسِيءُ الْقَوْلَ فِيهِ، وَيَذْكُرُ فِيهِ الْقَبِيحَ الْتِمَاسًا لِرِضَاءِ الْمَنْصُورِ، وَالْمَنْصُورُ مُمْسِكٌ مُتَغَيِّرٌ لَوْنُهُ. حَتَّى دَخَلَ جَعْفَرُ بْنُ حَنْظَلَةَ الدَّارِمِيُّ فَوَقَفَ فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي ابْنِ عَمِّكَ، وَغَفَرَ لَهُ مَا فَرَّطَ فِيهِ فِي حَقِّكَ! فَأَسْفَرَ لَوْنُ الْمَنْصُورِ وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ وَقَالَ: يَا أَبَا خَالِدٍ مَرْحَبًا [وَأَهْلًا] هَاهُنَا! فَعَلِمَ النَّاسُ أَنَّ ذَلِكَ يُرْضِيهِ، فَقَالُوا مِثْلَ قَوْلِهِ. وَقِيلَ: لَمَّا وُضِعَ الرَّأْسُ بَصَقَ فِي وَجْهِهِ رَجُلٌ مِنَ الْحَرَسِ، فَأَمَرَ بِهِ الْمَنْصُورُ فَضُرِبَ بِالْعُمُدِ فَهُشِّمَتْ أَنْفُهُ وَوَجْهُهُ، وَضُرِبَ حَتَّى خَمَدَ، وَأَمَرَ بِهِ فَجَرُّوا رِجْلَهُ فَأَلْقَوْهُ خَارِجَ الْبَابِ. وَقِيلَ: وَنَظَرَ الْمَنْصُورُ إِلَى سُفْيَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بَعْدَ مُدَّةٍ رَاكِبًا فَقَالَ: لِلَّهِ الْعَجَبُ كَيْفَ يُفْلِتُنِي ابْنُ الْفَاعِلَةِ! انْقَضَى أَمْرُ إِبْرَاهِيمَ ﵁. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِيهَا خَرَجَتِ التُّرْكُ وَالْخَزَرُ بِبَابِ الْأَبْوَابِ، فَقَتَلُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِإِرْمِينِيَّةَ جَمَاعَةً كَثِيرَةً. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ السَّرِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْعَبَّاسِ، وَكَانَ عَلَى مَكَّةَ، وَكَانَ عَلَى الْمَدِينَةِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الرَّبِيعِ، وَعَلَى الْكُوفَةِ: عِيسَى بْنُ مُوسَى، وَعَلَى الْبَصْرَةِ: سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ الْبَاهِلِيُّ، وَعَلَى قَضَائِهَا: عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَلَى مِصْرَ: يَزِيدُ بْنُ حَاتِمٍ.

стр. 2509

وَفِيهَا عَزَلَ الْمَنْصُورُ مَالِكَ بْنَ الْهَيْثَمِ عَنِ الْمَوْصِلِ بِابْنِهِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ، وَسَيَّرَ مَعَهُ حَرْبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ قُوَّادِهِ، وَهُوَ صَاحِبُ الْحَرْبِيَّةِ بِبَغْدَادَ، وَبَنَى بِأَسْفَلِ الْمَوْصِلِ قَصْرًا وَسَكَنَهُ، فَهُوَ يُعْرَفُ إِلَى الْيَوْمِ بِقَصْرِ حَرْبٍ، وَفِيهِ وُلِدَتْ زُبَيْدَةُ بِنْتُ جَعْفَرٍ زَوْجَةُ الرَّشِيدِ. وَعِنْدَهُ يَوْمَنَا هَذَا قَرْيَةٌ كَانَتْ مِلْكًا لَنَا، فَبَنَيْنَا فِيهَا رِبَاطًا لِلصُّوفِيَّةِ وَقَفْنَا الْقَرْيَةَ عَلَيْهِ، قَدْ جَمَعْتُ كَثِيرًا مِنْ هَذَا الْكِتَابِ فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ فِي دَارٍ لَنَا بِهَا، وَهِيَ مِنْ أَنْزَهِ الْمَوَاضِعِ وَأَحْسَنِهَا، وَأَثَرُ الْقَصْرِ بَاقٍ بِهَا إِلَى الْآنَ. سُبْحَانَ مَنْ لَا يَزُولُ وَلَا تُغَيِّرُهُ الدُّهُورُ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ. وَالْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَكَانَ مَوْتُهُ فِي حَبْسِ الْمَنْصُورِ، لِأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنَ الْمَدِينَةِ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَهُوَ عَمُّ مُحَمَّدٍ وَإِبْرَاهِيمَ. وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ الْعَرْزَمِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ الْحَارِثِ الذِّمَّارِيُّ، وَلَهُ سَبْعُونَ سَنَةً. وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ الْبَجَلِيُّ، وَحَبِيبُ بْنُ الشَّهِيدِ مَوْلَى الْأَزْدِ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو شَهِيدٍ.

стр. 2510

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ] ١٤٦ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ انْتِقَالِ الْمَنْصُورِ إِلَى بَغْدَاذَ وَكَيْفِيَّةِ بِنَائِهَا وَفِيهَا فِي صَفَرٍ، تَحَوَّلَ الْمَنْصُورُ مِنْ مَدِينَةِ ابْنِ هُبَيْرَةَ إِلَى بَغْدَاذَ وَبَنَى مَدِينَتَهَا، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ السَّبَبَ الْبَاعِثَ لِلْمَنْصُورِ عَلَى بِنَاءِ مَدِينَةِ بَغْدَاذَ، وَنَذْكُرُ الْآنَ بِنَاءَهَا. وَلَمَّا عَزَمَ الْمَنْصُورُ عَلَى بِنَاءِ بَغْدَاذَ شَاوَرَ أَصْحَابَهُ، وَكَانَ فِيهِمْ خَالِدُ بْنُ بَرْمَكَ، فَأَشَارَ أَيْضًا بِذَلِكَ، وَهُوَ خَطَّهَا، فَاسْتَشَارَهُ فِي نَقْضِ الْمَدَائِنِ وَإِيوَانِ كِسْرَى وَنَقْلِ نَقْضِهَا إِلَى بَغْدَاذَ، فَقَالَ: لَا أَرَى ذَلِكَ، لِأَنَّهُ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ الْإِسْلَامِ يَسْتَدِلُّ بِهِ النَّاظِرُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيُزَالَ مِثْلُ أَصْحَابِهِ عَنْهُ بِأَمْرِ دُنْيَا، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى أَمْرِ دِينٍ، وَمَعَ هَذَا فَفِيهِ مُصَلَّى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. قَالَ الْمَنْصُورُ: لَا، أَبَيْتَ يَا خَالِدُ إِلَّا الْمَيْلَ إِلَى أَصْحَابِكَ الْعَجَمِ! وَأَمَرَ بِنَقْضِ الْقَصْرِ الْأَبْيَضِ، فَنُقِضَتْ نَاحِيَةٌ مِنْهُ وَحُمِلَ نَقْضُهُ، فَنَظَرَ، فَكَانَ مِقْدَارُ مَا يَلْزَمُهُمْ لَهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْحَدِيدِ. فَدَعَا خَالِدَ بْنَ بَرْمَكَ فَأَعْلَمَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ كُنْتُ أَرَى أَنْ لَا تَفْعَلَ، فَأَمَّا إِذْ فَعَلْتَ فَإِنِّي أَرَى أَنْ تَهْدِمَ لِئَلَّا يُقَالَ إِنَّكَ عَجَزْتَ عَنْ هَدْمِ مَا بَنَاهُ غَيْرُكَ. فَأَعْرَضَ عَنْهُ وَتَرَكَ هَدْمَهُ. وَنَقَلَ أَبْوَابَ مَدِينَةِ وَاسِطَ فَجَعَلَهَا عَلَى بَغْدَاذَ، وَبَابًا جِيءَ بِهِ مِنَ الشَّامِ، وَبَابًا آخَرَ جِيءَ بِهِ مِنَ الْكُوفَةِ عَمِلَهُ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ، وَجَعَلَ الْمَدِينَةَ مُدَوَّرَةً لِئَلَّا يَكُونَ بَعْضُ النَّاسِ أَقْرَبَ إِلَى السُّلْطَانِ مِنْ بَعْضٍ، وَعَمِلَ لَهَا سُورَيْنِ، السُّورُ الدَّاخِلُ أَعْلَى مِنَ الْخَارِجِ، وَبَنَى قَصْرَهُ فِي وَسَطِهَا، وَالْمَسْجِدَ الْجَامِعَ بِجَانِبِ الْقَصْرِ. وَكَانَ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ هُوَ الَّذِي خَطَّ الْمَسْجِدَ، وَقِبْلَتُهُ غَيْرُ مُسْتَقِيمَةٍ يَحْتَاجُ الْمُصَلِّي أَنْ يَنْحَرِفَ إِلَى بَابِ

стр. 2511

الْبَصْرَةِ لِأَنَّهُ وُضِعَ بَعْدَ الْقَصْرِ. وَكَانَ الْقَصْرُ غَيْرَ مُسْتَقِيمٍ عَلَى الْقِبْلَةِ. وَكَانَ اللَّبِنُ الَّذِي يُبْنَى بِهِ ذِرَاعًا فِي ذِرَاعٍ، وَوُزِنَ بَعْضُهَا لَمَّا نُقِضَ، وَكَانَ وَزْنُ لَبِنَةٍ مِنْهُ مِائَةَ رَطْلٍ وَسِتَّةَ عَشَرَ رَطْلًا، وَكَانَتْ مَقَاصِيرُ جَمَاعَةٍ مِنْ قُوَّادِ الْمَنْصُورِ وَكُتَّابِهِ تَشْرَعُ أَبْوَابُهَا إِلَى رَحْبَةِ الْجَامِعِ، فَطَلَبَ إِلَيْهِ عَمُّهُ عِيسَى بْنُ عَلِيٍّ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الرُّكُوبِ مِنْ بَابِ الرَّحْبَةِ إِلَى الْقَصْرِ لِضَعْفِهِ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ، قَالَ: فَاحْسُبْنِي رَاوِيَةً، فَأَمَرَ النَّاسَ بِإِخْرَاجِ أَبْوَابِهِمْ مِنَ الرَّحْبَةِ إِلَى فُصْلَانِ الطَّاقَاتِ. وَكَانَتِ الْأَسْوَاقُ فِي الْمَدِينَةِ، فَجَاءَ رَسُولٌ لِمَلِكِ الرُّومِ، فَأَمَرَ الرَّبِيعَ فَطَافَ بِهِ فِي الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: كَيْفَ رَأَيْتَ؟ قَالَ: رَأَيْتُ بِنَاءً حَسَنًا إِلَّا أَنِّي رَأَيْتُ أَعْدَاءَكَ مَعَكَ وَهُمُ السُّوقَةُ. فَلَمَّا عَادَ الرَّسُولُ عَنْهُ أَمَرَ بِإِخْرَاجِهِمْ إِلَى نَاحِيَةِ الْكَرْخِ. وَقِيلَ: إِنَّمَا أَخْرَجَهُمْ لِأَنَّ الْغُرَبَاءَ يَطْرُقُونَهَا وَيَبِيتُونَ فِيهَا، وَرُبَّمَا كَانَ فِيهِمُ الْجَاسُوسُ. وَقِيلَ: إِنَّ الْمَنْصُورَ كَانَ يَتْبَعُ مَنْ خَرَجَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَكَانَ أَبُو زَكَرِيَّاءَ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، مُحْتَسِبُ بَغْدَاذَ، لَهُ مَعَ إِبْرَاهِيمَ مَيْلٌ، فَجَمَعَ جَمَاعَةً مِنَ السَّفَلَةِ فَشَغَبُوا عَلَى الْمَنْصُورِ، فَسَكَّنَهُمْ وَأَخَذَ أَبَا زَكَرِيَّاءَ فَقَتَلَهُ، وَأَخْرَجَ الْأَسْوَاقَ، فَكُلِّمَ فِي بَقَّالٍ، فَأَمَرَ أَنْ يُجْعَلَ فِي كُلِّ رُبْعٍ بَقَّالٌ يَبِيعُ الْبَقْلَ وَالْخَلَّ حَسْبُ. وَجُعِلَ الطَّرِيقُ أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا. وَكَانَ مِقْدَارُ النَّفَقَةِ عَلَى بِنَائِهَا وَبِنَاءِ الْمَسْجِدِ وَالْقَصْرِ وَالْأَسْوَاقِ وَالْفُصْلَانِ وَالْخَنَادِقِ وَأَبْوَابِهَا أَرْبَعَةَ آلَافِ أَلْفٍ وَثَمَانِمِائَةٍ وَثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ دِرْهَمًا. وَكَانَ الْأُسْتَاذُ مِنَ الْبَنَّائِينَ يَعْمَلُ يَوْمَهُ بِقِيرَاطِ فِضَّةٍ، وَالرُّوزْكَارِيُّ بِحَبَّتَيْنِ، وَحَاسَبَ الْقُوَّادَ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا فَأَلْزَمَ كُلًّا مِنْهُمْ بِمَا بَقِيَ عِنْدَهُ فَأَخَذَهُ، حَتَّى إِنَّ خَالِدَ بْنَ الصَّلْتِ بَقِيَ عَلَيْهِ خَمْسَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا فَحَبَسَهُ وَأَخَذَهَا مِنْهُ.

стр. 2512

ذِكْرُ خُرُوجِ الْعَلَاءِ بِالْأَنْدَلُسِ وَفِيهَا سَارَ الْعَلَاءُ بْنُ مُغِيثٍ الْيَحْصُبِيُّ (مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ إِلَى مَدِينَةٍ) بِنَاحِيَةٍ مِنَ الْأَنْدَلُسِ، وَلَبِسَ السَّوَادَ، وَقَامَ بِالدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ وَخَطَبَ لِلْمَنْصُورِ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ الْأَمِيرُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيُّ، فَالْتَقَيَا بِنَوَاحِي إِشْبِيلِيَّةَ، ثُمَّ تَحَارَبَا أَيَّامًا، فَانْهَزَمَ الْعَلَاءُ وَأَصْحَابُهُ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ فِي الْمَعْرَكَةِ سَبْعَةُ آلَافٍ، وَقُتِلَ الْعَلَاءُ. وَأَمَرَ بَعْضَ التُّجَّارِ بِحَمْلِ رَأْسِهِ وَرُءُوسِ جَمَاعَةٍ مِنْ مَشَاهِيرِ أَصْحَابِهِ إِلَى الْقَيْرَوَانِ وَإِلْقَائِهَا بِالسُّوقِ سِرًّا، فَفُعِلَ ذَلِكَ، ثُمَّ حُمِلَ مِنْهَا شَيْءٌ إِلَى مَكَّةَ، فَوَصَلَتْ وَكَانَ بِهَا الْمَنْصُورُ، وَكَانَ مَعَ الرُّءُوسِ لِوَاءٌ أَسْوَدُ وَكِتَابٌ كَتَبَهُ الْمَنْصُورُ لِلْعَلَاءِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ. فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُزِلَ سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ عَنِ الْبَصْرَةِ. وَكَانَ سَبَبُ عَزْلِهِ أَنَّ الْمَنْصُورَ كَتَبَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِهَدْمِ دُورِ مَنْ خَرَجَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ، وَبِعَقْرِ نَخْلِهِمْ، فَكَتَبَ سَلْمٌ: بِأَيِّ ذَلِكَ أَبْدَأُ، بِالدُّورِ أَمْ بِالنَّخْلِ؟ فَأَنْكَرَ الْمَنْصُورُ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَعَزَلَهُ. وَاسْتَعْمَلَ مُحَمَّدَ بْنَ سُلَيْمَانَ، فَعَاثَ بِالْبَصْرَةِ وَهَدَمَ دَارَ أَبِي مَرْوَانَ، وَدَارَ عَوْنِ بْنِ مَالِكٍ، وَدَارَ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ، وَغَيْرِهِمْ. وَغَزَا الصَّائِفَةَ هَذِهِ السَّنَةَ جَعْفَرُ بْنُ حَنْظَلَةَ الْبَهْرَانِيُّ. وَفِيهَا عُزِلَ عَنِ الْمَدِينَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الرَّبِيعِ الْحَارِثِيُّ، وَوَلِيَ مَكَانَهُ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، فَقَدِمَهَا فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَفِيهَا عُزِلَ عَنْ مَكَّةَ السَّرِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَوَلِيَهَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ.

стр. 2513

وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامِ. [الْوَفَيَاتُ] [وَفِيهَا] مَاتَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَقِيلَ سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ فِي شَعْبَانَ. وَعَوْفٌ الْأَعْرَابِيُّ. وَطَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيُّ الْكُوفِيُّ. وَفِيهَا غَزَا مَالِكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَثْعَمِيُّ، الَّذِي يُقَالُ لَهُ مَالِكُ الصَّوَائِفِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ فِلَسْطِينَ، بِلَادَ الرُّومِ فَغَنِمَ غَنَائِمَ كَثِيرَةً ثُمَّ قَفَلَ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ دَرْبِ الْحَدَثِ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ مِيلًا بِمَوْضِعٍ يُدْعَى الرَّهْوَةَ نَزَلَ بِهَا ثَلَاثًا وَبَاعَ الْغَنَائِمَ وَقَسَّمَ سِهَامَ الْغَنِيمَةِ، فَسُمِّيَتْ تِلْكَ الرَّهْوَةُ رَهْوَةَ مَالِكٍ. (وَفِيهَا تُوُفِّيَ ابْنُ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ النَّسَّابَةُ) .

стр. 2514

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ] ١٤٧ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ قَتْلِ حَرْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِيهَا أَغَارَ أَسْتَرْخَانُ الْخَوَارِزْمِيُّ فِي جَمْعٍ مِنَ التُّرْكِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِنَاحِيَةِ إِرْمِينِيَّةَ وَسَبَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ خَلْقًا وَدَخَلُوا تَفْلِيسَ، وَكَانَ حَرْبٌ مُقِيمًا بِالْمَوْصِلِ فِي أَلْفَيْنِ مِنَ الْجُنْدِ لِمَكَانِ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ بِالْجَزِيرَةِ، وَسَيَّرَ الْمَنْصُورُ إِلَى مُحَارَبَةِ التُّرْكِ جَبْرَائِيلَ بْنَ يَحْيَى وَحَرْبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَاتَلُوهُمْ، فَهُزِمَ جَبْرَائِيلُ وَقُتِلَ حَرْبٌ، وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ جَبْرَائِيلَ خَلْقٌ كَثِيرٌ. ذِكْرُ الْبَيْعَةِ لِلْمَهْدِيِّ وَخَلْعِ عِيسَى بْنِ مُوسَى وَفِيهَا خَلَعَ عِيسَى بْنُ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ مِنْ وِلَايَةِ الْعَهْدِ وَبُويِعَ لِلْمَهْدِيِّ مُحَمَّدٍ ابْنِ الْمَنْصُورِ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي السَّبَبِ الَّذِي خَلَعَ لِأَجْلِهِ نَفْسَهُ، فَقِيلَ: إِنَّ عِيسَى لَمْ يَزَلْ عَلَى وِلَايَةِ الْعَهْدِ وَإِمَارَةِ الْكُوفَةِ مِنْ أَيَّامِ السَّفَّاحِ إِلَى الْآنَ، فَلَمَّا كَبِرَ الْمَهْدِيُّ وَعَزَمَ الْمَنْصُورُ عَلَى الْبَيْعَةِ لَهُ كَلَّمَ عِيسَى بْنَ مُوسَى فِي ذَلِكَ، وَكَانَ يُكْرِمُهُ وَيُجْلِسُهُ عَنْ يَمِينِهِ وَيُجْلِسُ الْمَهْدِيَّ عَنْ يَسَارِهِ، فَلَمَّا قَالَ لَهُ الْمَنْصُورُ فِي مَعْنَى خَلْعِ نَفْسِهِ وَتَقْدِيمِ الْمَهْدِيِّ عَلَيْهِ أَبَى وَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَيْفَ بِالْأَيْمَانِ عَلَيَّ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ؟ لَيْسَ إِلَى الْخَلْعِ سَبِيلٌ! . فَتَغَيَّرَ الْمَنْصُورُ عَلَيْهِ وَبَاعَدَهُ بَعْضَ الْمُبَاعَدَةِ، وَصَارَ يَأْذَنُ لِلْمَهْدِيِّ قَبْلَهُ، وَكَانَ يَجْلِسُ عَنْ يَمِينِهِ فِي مَجْلِسِ عِيسَى ثُمَّ يُؤْذَنُ لِعِيسَى فَيَدْخُلُ فَيَجْلِسُ إِلَى جَانِبِ الْمَهْدِيِّ، وَلَمْ يَجْلِسْ عَنْ يَسَارِ الْمَنْصُورِ، فَاغْتَاظَ مِنْهُ ثُمَّ صَارَ يَأْذَنُ لِلْمَهْدِيِّ وَلِعَمِّهِ عِيسَى بْنِ عَلِيٍّ، ثُمَّ لِعَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَلِيٍّ، ثُمَّ لِعِيسَى بْنِ مُوسَى، وَرُبَّمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ، إِلَّا أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالْإِذْنِ لِلْمَهْدِيِّ عَلَى كُلِّ حَالٍ. وَتَوَهَّمَ عِيسَى أَنَّهُ يُقَدِّمُ إِذْنَهُمْ لِحَاجَةٍ لَهُ إِلَيْهِمْ، وَعِيسَى صَامِتٌ لَا يَشْكُو، ثُمَّ صَارَ

стр. 2515

حَالُ عِيسَى إِلَى أَعْظَمَ مِنْ ذَلِكَ، فَكَانَ يَكُونُ فِي الْمَجْلِسِ مَعَهُ بَعْضُ وَلَدِهِ فَيَسْمَعُ الْحَفْرَ فِي أَصْلِ الْحَائِطِ، وَيُنْثَرُ عَلَيْهِ التُّرَابُ، وَيَنْظُرُ إِلَى الْخَشَبَةِ مِنَ السَّقْفِ قَدْ حُفِرَ عَنْ أَحَدِ طَرَفَيْهَا لِتُقْلَعَ فَيَسْقُطَ التُّرَابُ عَلَى قَلَنْسُوَتِهِ وَثِيَابِهِ فَيَأَمُرُ مَنْ مَعَهُ مِنْ وَلَدِهِ بِالتَّحَوُّلِ وَيَقُومُ هُوَ يُصَلِّي ثُمَّ يُؤْذَنُ لَهُ فَيَدْخُلُ بِهَيْئَتِهِ وَالتُّرَابُ عَلَى رَأْسِهِ وَثِيَابِهِ لَا يَنْفُضُهُ، فَيَقُولُ لَهُ الْمَنْصُورُ: يَا عِيسَى مَا يَدْخُلُ عَلَيَّ أَحَدٌ بِمِثْلِ هَيْئَتِكَ مِنْ كَثْرَةِ الْغُبَارِ وَالتُّرَابِ! أَفَكُلُّ هَذَا مِنَ الشَّارِعِ؟ فَيَقُولُ: أَحْسَبُ ذَلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا يَشْكُو شَيْئًا. وَكَانَ الْمَنْصُورُ يُرْسِلُ إِلَيْهِ عَمَّهُ عِيسَى بْنَ عَلِيٍّ فِي ذَلِكَ، فَكَانَ عِيسَى بْنُ مُوسَى لَا يُؤْثِرُهُ وَيَتَّهِمُهُ. فَقِيلَ: إِنَّ الْمَنْصُورَ أَمَرَ أَنْ يُسْقَى عِيسَى بْنُ مُوسَى بَعْضَ مَا يُتْلِفُهُ فَوَجَدَ الْمَاءَ فِي بَطْنِهِ فَاسْتَأْذَنَ فِي الْعَوْدِ إِلَى بَيْتِهِ بِالْكُوفَةِ، فَأَذِنَ لَهُ، فَمَرِضَ مِنْ ذَلِكَ وَاشْتَدَّ مَرَضُهُ ثُمَّ عُوفِيَ بَعْدَ أَنْ أَشْفَى. وَقَالَ عِيسَى بْنُ عَلِيٍّ لِلْمَنْصُورِ: إِنَّ ابْنَ مُوسَى إِنَّمَا يَتَرَبَّصُ بِالْخِلَافَةِ لِابْنِهِ مُوسَى فَابْنُهُ الَّذِي يَمْنَعُهُ، فَقَالَ لَهُ: خَوِّفْهُ وَتَهَدَّدْهُ، فَكَلَّمَهُ عِيسَى بْنُ عَلِيٍّ فِي ذَلِكَ وَخَوَّفَهُ، فَخَافَ مُوسَى بْنُ عِيسَى. وَأَتَى الْعَبَّاسَ بْنَ مُحَمَّدٍ فَقَالَ: يَا عَمِّ إِنِّي أَرَى مَا يُسَامُ أَبِي مَنْ إِخْرَاجِ هَذَا الْأَمْرِ مِنْ عُنُقِهِ، وَهُوَ يُؤْذَى بِصُنُوفِ الْأَذَى وَالْمَكْرُوهِ، فَهُوَ يُهَدَّدُ مَرَّةً، وَيُؤَخَّرُ إِذْنُهُ مَرَّةً، وَيُهْدَمُ عَلَيْهِ الْحِيطَانُ مَرَّةً، وَتُدَسُّ إِلَيْهِ الْحُتُوفُ مَرَّةً، وَأَبِي لَا يُعْطِي عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ أَبَدًا. وَلَكِنَّ هَاهُنَا طَرِيقٌ لَعَلَّهُ يُعْطِي عَلَيْهَا وَإِلَّا فَلَا، قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: يُقْبِلُ عَلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنَا شَاهِدٌ فَيَقُولُ لَهُ: إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ لَا تَبْخَلُ بِهَذَا الْأَمْرِ عَنِ الْمَهْدِيِّ لِنَفْسِكَ لِكِبَرِ سِنِّكَ، وَأَنَّهُ لَا تَطُولُ مُدَّتُكَ فِيهِ، وَإِنَّمَا تَبْخَلُ بِهِ لِابْنِكَ، أَفَتُرَانِي أَدَعُ ابْنَكَ يَبْقَى بَعْدَكَ حَتَّى يَلِيَ عَلَى ابْنِي؟ كَلَّا وَاللَّهِ لَا يَكُونُ ذَلِكَ أَبَدًا، وَلَأَثِبَنَّ عَلَى ابْنِكَ وَأَنْتَ تَنْظُرُ حَتَّى تَيْأَسَ مِنْهُ. فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلَعَلَّهُ أَنْ يُجِيبَ إِلَى مَا يُرَادُ مِنْهُ. فَجَاءَ الْعَبَّاسُ إِلَى الْمَنْصُورِ وَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا عِنْدَهُ قَالَ ذَلِكَ، وَكَانَ عِيسَى بْنُ عَلِيٍّ حَاضِرًا، فَقَامَ لِيَبُولَ، فَأَمَرَ عِيسَى بْنُ مُوسَى ابْنَهُ مُوسَى لِيَقُومَ مَعَهُ يَجْمَعُ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ، فَقَامَ مَعَهُ، فَقَالَ لَهُ عِيسَى بْنُ عَلِيٍّ: بِأَبِي أَنْتَ وَبِأَبِي أَبٌ وَلَدَكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِي هَذَا الْأَمْرِ بَعْدَكُمَا، وَأَنَّكُمَا لَأَحَقُّ بِهِ، وَلَكِنَّ الْمَرْءَ مُغْرًى بِمَا تَعَجَّلَ. فَقَالَ مُوسَى [فِي نَفْسِهِ] : امْكَنَنِي هَذَا وَاللَّهِ مِنْ مَقَاتِلِهِ وَهُوَ الَّذِي يُغْرِي بِأَبِي، وَاللَّهِ

стр. 2516

لَأَقْتُلَنَّهُ! فَلَمَّا رَجَعَا قَالَ مُوسَى لِأَبِيهِ ذَلِكَ سِرًّا، فَاسْتَأْذَنَهُ فِي أَنْ يَقُولَ لِلْمَنْصُورِ مَا سَمِعَ مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: أُفٍّ لِهَذَا رَأْيًا وَمَذْهَبًا! ائْتَمَنَكَ عَمُّكَ عَلَى مَقَالَةٍ أَرَادَ أَنْ يُسِرَّكَ بِهَا فَجَعَلْتَهَا سَبَبًا لِمَكْرُوهِهِ، وَلَا يَسْمَعَنَّ هَذَا أَحَدٌ، ارْجِعْ إِلَى مَكَانِكَ. فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى مَكَانِهِ أَمَرَ الْمَنْصُورُ الرَّبِيعَ فَقَامَ إِلَى مُوسَى فَخَنَقَهُ بِحَمَائِلِهِ، وَمُوسَى يَصِيحُ: اللَّهَ اللَّهَ فِي دَمِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! وَمَا يُبَالِي عِيسَى أَنْ تَقْتُلَنِي وَلَهُ بِضْعَةَ عَشَرَ ذَكَرًا، وَالْمَنْصُورُ يَقُولُ: يَا رَبِيعُ أَزْهِقْ نَفْسَهُ، وَالرَّبِيعُ يُوهِمُ أَنَّهُ يُرِيدُ تَلَفَهُ وَهُوَ يَرْفُقُ بِهِ وَمُوسَى يَصِيحُ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَبُوهُ قَالَ: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ الْأَمْرَ يَبْلُغُ مِنْكَ هَذَا كُلَّهُ! فَاكْفُفْ عَنْهُ، فَهَأَنَذَا أُشْهِدُكَ أَنَّ نِسَائِي طَوَالِقُ وَمَمَالِيكِي [أَحْرَارٌ] وَمَا أَمْلِكُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَصْرِفُ ذَلِكَ فِي مَنْ رَأَيْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! وَهَذِهِ يَدِي بِالْبَيْعَةِ لِلْمَهْدِيِّ. فَبَايَعَهُ لِلْمَهْدِيِّ. ثُمَّ جَعَلَ عِيسَى بْنَ مُوسَى بَعْدَ الْمَهْدِيِّ. فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ: هَذَا الَّذِي كَانَ غَدًا فَصَارَ بَعْدَ غَدٍ. وَقِيلَ: إِنَّ الْمَنْصُورَ وَضَعَ الْجُنْدَ وَكَانُوا يُسْمِعُونَ عِيسَى بْنَ مُوسَى مَا يَكْرَهُ، فَشَكَا ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ، فَنَهَاهُمُ الْمَنْصُورُ عَنْهُ، وَكَانُوا يَكُفُّونَ ثُمَّ يَعُودُونَ. ثُمَّ إِنَّهُمَا تَكَاتَبَا مُكَاتَبَاتٍ أَغْضَبَتِ الْمَنْصُورَ، وَعَادَ الْجُنْدُ مَعَهُ لِأَشَدَّ مَا كَانُوا، مِنْهُمْ: أَسَدُ بْنُ الْمَرْزُبَانِ، وَعُقْبَةُ بْنُ سَلْمٍ، وَنَصْرُ بْنُ حَرْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَغَيْرُهُمْ، فَكَانُوا يَمْنَعُونَ مِنَ الدُّخُولِ عَلَيْهِ وَيُسْمِعُونَهُ، فَشَكَاهُمْ إِلَى الْمَنْصُورِ، فَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ أَخِي أَنَا وَاللَّهِ أَخَافُهُمْ عَلَيْكَ وَعَلَى نَفْسِي، فَإِنَّهُمْ يُحِبُّونَ هَذَا الْفَتَى، فَلَوْ قَدَّمْتَهُ بَيْنَ يَدَيْكَ لَكَفُّوا. فَأَجَابَ عِيسَى إِلَى ذَلِكَ. وَقِيلَ إِنَّ الْمَنْصُورَ اسْتَشَارَ خَالِدَ بْنَ بَرْمَكَ فِي ذَلِكَ وَبَعَثَهُ إِلَى عِيسَى، فَأَخَذَ مَعَهُ ثَلَاثِينَ مِنْ كِبَارِ شِيعَةِ الْمَنْصُورِ مِمَّنْ يَخْتَارُهُمْ، وَقَالَ لِعِيسَى فِي أَمْرِ الْبَيْعَةِ، فَامْتَنَعَ، فَرَجَعُوا إِلَى الْمَنْصُورِ وَشَهِدُوا عَلَى عِيسَى أَنَّهُ خَلَعَ نَفْسَهُ فَبَايَعَ لِلْمَهْدِيِّ، وَجَاءَ عِيسَى فَأَنْكَرَ ذَلِكَ فَلَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ، وَشَكَرَ لِخَالِدٍ صَنِيعَهُ. وَقِيلَ: بَلِ اشْتَرَى الْمَنْصُورُ مِنْهُ ذَلِكَ بِمَالٍ قَدْرُهُ أَحَدَ عَشَرَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ لَهُ وَلِأَوْلَادِهِ وَأَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْخَلْعِ. وَكَانَتْ مُدَّةُ وِلَايَةِ عِيسَى بْنِ مُوسَى الْكُوفَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَعَزَلَهُ الْمَنْصُورُ

стр. 2517

وَاسْتَعْمَلَ مُحَمَّدَ بْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ عَلَيْهَا لِيُؤْذِيَ عِيسَى وَيَسْتَخِفَّ بِهِ، فَلَمْ يَفْعَلْ وَلَمْ يَزَلْ مُعَظِّمًا لَهُ مُبَجِّلًا. ذِكْرُ مَوْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ وَكَانَ الْمَنْصُورُ قَدْ أَحْضَرَ عِيسَى بْنَ مُوسَى بَعْدَ أَنْ خَلَعَ نَفْسَهُ، وَسَلَّمَ إِلَيْهِ عَمَّهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَلِيٍّ وَأَمَرَهُ بِقَتْلِهِ، وَقَالَ لَهُ: إِنَّ الْخِلَافَةَ صَائِرَةٌ إِلَيْكَ بَعْدَ الْمَهْدِيِّ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَضْعُفَ فَتَنْقُضَ عَلَيَّ أَمْرِي الَّذِي دَبَّرْتُهُ. ثُمَّ مَضَى إِلَى مَكَّةَ وَكَتَبَ إِلَى عِيسَى مِنَ الطَّرِيقِ يَسْتَعْلِمُ مِنْهُ مَا فَعَلَ فِي الْأَمْرِ الَّذِي أَمَرَهُ، فَكَتَبَ عِيسَى فِي الْجَوَابِ: قَدْ أَنْفَذْتُ مَا أَمَرْتَ بِهِ، فَلَمْ يَشُكَّ أَنَّهُ قَتَلَهُ. وَكَانَ عِيسَى حِينَ أَخَذَ عَبْدَ اللَّهِ مِنْ عِنْدِ الْمَنْصُورِ دَعَا كَاتِبَهُ يُونُسَ بْنَ فَرْوَةَ وَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: أَرَادَ أَنْ تَقْتُلَهُ ثُمَّ يَقْتُلَكَ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِقَتْلِهِ سِرًّا ثُمَّ يَدَّعِيهِ عَلَيْكَ عَلَانِيَةً، فَلَا تَقْتُلْهُ وَلَا تَدْفَعْهُ إِلَيْهِ سِرًّا أَبَدًا وَاكْتُمْ أَمْرَهُ. فَفَعَلَ ذَلِكَ عِيسَى. فَلَمَّا قَدِمَ الْمَنْصُورُ وَضَعَ عَلَى أَعْمَامِهِ مَنْ يُحَرِّكُهُمْ عَلَى الشَّفَاعَةِ فِي أَخِيهِمْ عَبْدِ اللَّهِ، فَفَعَلُوا وَشَفَعُوا، فَشَفَّعَهُمْ وَقَالَ لِعِيسَى: إِنِّي كُنْتُ دَفَعْتُ إِلَيْكَ عَمِّي وَعَمَّكَ عَبْدَ اللَّهِ لِيَكُونَ فِي مَنْزِلِكَ، وَقَدْ كَلَّمَنِي عُمُومَتُكَ فِيهِ، وَقَدْ صَفَحْتُ عَنْهُ فَأْتِنَا بِهِ. قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَلَمْ تَأَمُرْنِي بِقَتْلِهِ؟ فَقَتَلْتُهُ! قَالَ: مَا أَمَرْتُكَ! قَالَ: بَلَى أَمَرْتَنِي. قَالَ: مَا أَمَرْتُكَ إِلَّا بِحَبْسِهِ وَقَدْ كَذَبْتَ! ثُمَّ قَالَ الْمَنْصُورُ لِعُمُومَتِهِ: إِنَّ هَذَا قَدْ (أَقَرَّ لَكُمْ) بِقَتْلِ أَخِيكُمْ قَالُوا: فَادْفَعْهُ إِلَيْنَا نُقِيدُهُ بِهِ. فَسَلَّمَهُ إِلَيْهِمْ، وَخَرَجُوا بِهِ إِلَى الرَّحْبَةِ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ وَشُهِرَ الْأَمْرُ، وَقَامَ أَحَدُهُمْ لِيَقْتُلَهُ، فَقَالَ لَهُ عِيسَى: أَفَاعِلٌ أَنْتَ؟ قَالَ: إِي وَاللَّهِ! قَالَ: رُدُّونِي إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَرَدُّوهُ إِلَيْهِ. فَقَالَ لَهُ: إِنَّمَا أَرَدْتَ بِقَتْلِهِ أَنْ تَقْتُلَنِي. هَذَا عَمُّكَ حَيٌّ سَوِيٌّ. قَالَ: ائْتِنَا بِهِ. فَأَتَاهُ بِهِ. قَالَ: يَدْخُلُ حَتَّى أَرَى رَأْيِي، ثُمَّ انْصَرَفُوا، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَجُعِلَ فِي بَيْتٍ أَسَاسُهُ مِلْحٌ وَأَجْرَى الْمَاءَ فِي أَسَاسِهِ فَسَقَطَ عَلَيْهِ، فَمَاتَ فَدُفِنَ فِي مَقَابِرِ بَابِ الشَّامِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ دُفِنَ فِيهَا، وَكَانَ عُمُرُهُ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ سَنَةً. قِيلَ: رَكِبَ الْمَنْصُورُ يَوْمًا وَمَعَهُ ابْنُ عَيَّاشٍ الْمَنْتُوفُ، فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُورُ: تَعْرِفُ ثَلَاثَةَ خُلَفَاءَ أَسْمَاؤُهُمْ عَلَى الْعَيْنِ قَتَلَتْ ثَلَاثَةَ خَوَارِجَ مَبْدَأُ أَسْمَائِهِمْ عَلَى الْعَيْنِ؟ قَالَ: لَا أَعْرِفُ إِلَّا مَا يَقُولُ الْعَامَّةُ: إِنَّ عَلِيًّا قَتَلَ عُثْمَانَ، وَكَذَبُوا، وَعَبْدَ الْمَلِكِ قَتَلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ

стр. 2518

الْأَشْعَثِ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ قَتَلَ عَمْرَو بْنَ سَعِيدٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَلِيٍّ سَقَطَ عَلَيْهِ الْبَيْتُ. فَقَالَ الْمَنْصُورُ: إِذَا سَقَطَ عَلَيْهِ فَمَا ذَنْبِي أَنَا؟ قَالَ: مَا قُلْتُ إِنَّ لَكَ ذَنْبًا. قَوْلُهُ: ابْنُ الزُّبَيْرِ قَتَلَ عَمْرَو بْنَ سَعِيدٍ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، إِنَّمَا قَتَلَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ. (عَيَّاشٌ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتَ، وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ) . ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَلَّى الْمَنْصُورُ مُحَمَّدًا ابْنَ أَخِيهِ أَبِي الْعَبَّاسِ السَّفَّاحِ الْبَصْرَةَ، فَاسْتَعْفَى مِنْهَا، فَأَعْفَاهُ، فَانْصَرَفَ إِلَى بَغْدَاذَ وَاسْتَخْلَفَ بِهَا نُخْبَةَ بْنَ سَالِمٍ، فَأَقَرَّهُ الْمَنْصُورُ عَلَيْهَا، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى بَغْدَاذَ مَاتَ بِهَا. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ الْمَنْصُورُ، وَكَانَ عَامِلَهُ عَلَى مَكَّةَ وَالطَّائِفِ: عَمُّهُ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ، وَعَلَى الْمَدِينَةِ: جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَعَلَى مِصْرَ: يَزِيدُ بْنُ حَاتِمٍ الْمُهَلَّبِيُّ. وَفِيهَا أَغْزَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيُّ صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ مَوْلَاهُ بَدْرًا، وَتَمَّامَ بْنَ عَلْقَمَةَ طُلَيْطُلَةَ، وَبِهَا هَاشِمُ بْنُ عُذْرَةَ، وَضَيَّقَا عَلَيْهِ، ثُمَّ أَسَرَاهُ هُوَ وَحَيَاةُ بْنُ الْوَلِيدِ الْيَحْصُبِيُّ، وَعُثْمَانُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَأَتَيَا بِهِمْ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي جِبَابِ صُوفٍ وَقَدْ حُلِقَتْ رُءُوسُهُمْ وَلِحَاهُمْ وَقَدْ أُرْكِبُوا الْحَمِيرَ وَهُمْ فِي السَّلَاسِلِ، ثُمَّ صُلِبُوا بِقُرْطُبَةَ. وَفِيهَا قَدِمَ رَسُولُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الَّذِي أَرْسَلَهُ إِلَى الشَّامِ فِي إِحْضَارِ وَلَدِهِ الْأَكْبَرِ سُلَيْمَانَ، فَحَضَرَ وَسُلَيْمَانُ مَعَهُ، وَكَانَ قَدْ وُلِدَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بِالْأَنْدَلُسِ وَلَدُهُ هِشَامٌ، فَقَدَّمَهُ

стр. 2519

الْأَمِيرُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى سُلَيْمَانَ، فَحَصَلَ بَيْنَهُمَا حِقْدٌ وَغِلٌّ أَوْجَبَا مَا نَذْكُرُهُ فِيمَا بَعْدُ. وَفِيهَا تَنَاثَرَتِ النُّجُومُ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ أَشْعَثُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الَحُدَّانِيُّ الْبَصْرِيُّ. وَهُشَامُ بْنُ حَسَّانٍ مَوْلًى لِعَتِيكٍ، وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ. وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زُبَيْدِ بْنِ الْحَارِثِ الْيَامِيُّ أَبُو الْأَشْعَثِ الْكُوفِيُّ.

стр. 2520

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَة] ١٤٨ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ خُرُوجِ حَسَّانِ بْنِ مُجَالِدٍ وَفِيهَا خَرَجَ حَسَّانُ بْنُ مُجَالِدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَجْدَعِ الْهَمْدَانِيُّ. وَمَالِكٌ هَذَا هُوَ أَخُو مَسْرُوقِ بْنِ الْأَجْدَعِ. وَكَانَ خُرُوجُهُ بِنَوَاحِي الْمَوْصِلِ بِقَرْيَةٍ تُسَمَّى بَافَخَّارَى قَرِيبٍ مِنَ الْمَوْصِلِ عَلَى دِجْلَةَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ عَسْكَرُ الْمَوْصِلِ، وَعَلَيْهَا الصَّقْرُ بْنُ نَجْدَةَ، وَكَانَ قَدْ وَلِيَهَا بَعْدَ حَرْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا وَانْهَزَمَ عَسْكَرُ الْمَوْصِلِ إِلَى الْجِسْرِ. وَأَحْرَقَ الْخَوَارِجُ أَصْحَابُ حَسَّانٍ السُّوقَ هُنَاكَ وَنَهَبُوهُ. ثُمَّ إِنَّ حَسَّانًا سَارَ إِلَى الرَّقَّةِ وَمِنْهَا إِلَى الْبَحْرِ وَدَخَلَ إِلَى بَلَدِ السِّنْدِ، وَكَانَتِ الْخَوَارِجُ مِنْ أَهْلِ عُمَانَ يُدْخِلُونَهُمْ وَيَدَعُونَهُمْ، فَاسْتَأْذَنَهُمْ فِي الْمَصِيرِ إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يُجِيبُوهُ، فَعَادَ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ الصَّقْرُ أَيْضًا، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحِ بْنِ حَسَّانٍ الْهَمْدَانِيُّ، وَبِلَالٌ الْقَيْسِيُّ، فَالْتَقَوْا فَانْهَزَمَ الصَّقْرُ، وَأُسِرَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَبِلَالٌ، فَقَتَلَ حَسَّانٌ بِلَالًا، وَاسْتَبْقَى الْحَسَنَ لِأَنَّهُ مِنْ هَمْدَانَ، فَفَارَقَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ لِهَذَا. وَكَانَ حَسَّانٌ قَدْ أَخَذَ رَأْيَ الْخَوَارِجِ عَنْ خَالِهِ حَفْصِ بْنِ أَشْيَمَ، وَكَانَ مِنْ عُلَمَاءِ الْخَوَارِجِ وَفُقَهَائِهِمْ. وَلَمَّا بَلَغَ الْمَنْصُورَ خُرُوجُ حَسَّانٍ قَالَ: خَارِجِيٌّ مِنْ هَمْدَانَ؟ قَالُوا: إِنَّهُ ابْنُ أُخْتِ حَفْصِ بْنِ أَشْيَمَ. فَقَالَ: فَمَنْ هُنَاكَ؟ وَإِنَّمَا أَنْكَرَ الْمَنْصُورُ ذَلِكَ لِأَنَّ عَامَّةَ هَمْدَانَ شِيعَةٌ لَعَلِيٍّ، وَعَزَمَ الْمَنْصُورُ عَلَى إِنْفَاذِ الْجُيُوشِ إِلَى الْمَوْصِلِ وَالْفَتْكِ بِأَهْلِهَا. فَأَحْضَرَ أَبَا حَنِيفَةَ، وَابْنَ أَبِي لَيْلَى، وَابْنَ شُبْرُمَةَ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ أَهْلَ الْمَوْصِلِ شَرَطُوا إِلَيَّ أَنَّهُمْ لَا يَخْرُجُونَ عَلَيَّ، فَإِنْ فَعَلُوا حَلَّتْ دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ، وَقَدْ خَرَجُوا. فَسَكَتَ أَبُو حَنِيفَةَ وَتَكَلَّمَ الرَّجُلَانِ وَقَالَا: رَعِيَّتُكَ، فَإِنْ عَفَوْتَ فَأَهْلُ ذَلِكَ أَنْتَ، وَإِنْ عَاقَبْتَ فَبِمَا يَسْتَحِقُّونَ. فَقَالَ لِأَبِي

стр. 2521

حَنِيفَةَ: أَرَاكَ سَكَتَّ يَا شَيْخُ؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَبَاحُوكَ مَا لَا يَمْلِكُونَ، أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ امْرَأَةً أَبَاحَتْ فَرْجَهَا بِغَيْرِ عَقْدِ نِكَاحٍ وَمِلْكِ يَمِينٍ، أَكَانَ يَجُوزُ أَنْ تُوطَأَ؟ قَالَ: لَا! وَكَفَّ عَنْ أَهْلِ الْمَوْصِلِ وَأَمَرَ أَبَا حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ بِالْعَوْدِ إِلَى الْكُوفَةِ. ذِكْرُ اسْتِعْمَالِ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ الْمَنْصُورُ عَلَى الْمَوْصِلِ خَالِدَ بْنَ بَرْمَكَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ بَلَغَهُ انْتِشَارُ الْأَكْرَادِ بِوِلَايَتِهَا وَإِفْسَادُهُمْ، فَقَالَ: مَنْ لَهَا؟ فَقَالُوا: الْمُسَيَّبُ بْنُ زُهَيْرٍ، فَأَشَارَ عُمَارَةُ بْنُ غَمْرَةَ بِخَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ، فَوَلَّاهُ وَسَيَّرَهُ إِلَيْهَا، وَأَحْسَنَ إِلَى النَّاسِ، وَقَهَرَ الْمُفْسِدِينَ وَكَفَّهُمْ، وَهَابَهُ أَهْلُ الْبَلَدِ هَيْبَةً شَدِيدَةً مَعَ إِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ. [وِلَادَةُ الْفَضْلِ بْنِ يَحْيَى] وَفِيهَا وُلِدَ الْفَضْلُ بْنُ يَحْيَى بْنِ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ لِسَبْعٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ الرَّشِيدُ بْنُ الْمَهْدِيِّ بِسَبْعَةِ أَيَّامٍ، فَأَرْضَعَتْهُ الْخَيْزُرَانُ أُمُّ الرَّشِيدِ بِلَبَنِ ابْنِهَا، فَكَانَ الْفَضْلُ بْنُ يَحْيَى أَخَا الرَّشِيدِ مِنَ الرَّضَاعَةِ. وَلِذَلِكَ يَقُولُ سَلْمٌ الْخَاسِرُ: أَصْبَحَ الْفَضْلُ وَالْخَلِيفَةُ هَارُو ... نُ رَضِيعَيْ لِبَانِ خَيْرِ النِّسَاءِ. وَقَالَ أَبُو الْجَنُوبِ: كَفَى لَكَ فَضْلًا أَنَّ أَفْضَلَ حُرَّةٍ ... غَذَّتْكَ بِثَدْيٍ وَالْخَلِيفَةَ وَاحِدِ. ذِكْرُ وِلَايَةِ الْأَغْلَبِ بْنِ سَالِمٍ إِفْرِيقِيَّةَ لَمَّا بَلَغَ الْمَنْصُورَ خُرُوجُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ بَعَثَ إِلَى الْأَغْلَبِ بْنِ سَالِمِ بْنِ عِقَالِ بْنِ خَفَاجَةَ التَّمِيمِيِّ عَهْدًا بِوِلَايَةِ إِفْرِيقِيَّةَ. وَكَانَ هَذَا الْأَغْلَبُ مِمَّنْ قَامَ مَعَ أَبِي مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وَقَدِمَ إِفْرِيقِيَّةَ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ، فَلَمَّا أَتَاهُ الْعَهْدُ قَدِمَ الْقَيْرَوَانَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ وَأَخْرَجَ جَمَاعَةً مِنْ قُوَّادِ الْمُضَرِيَّةِ، وَسَكَنَ النَّاسُ. وَخَرَجَ عَلَيْهِ أَبُو قُرَّةَ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنَ الْبَرْبَرِ، فَسَارَ إِلَيْهِ الْأَغْلَبُ، فَهَرَبَ أَبُو قُرَّةَ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ، وَسَارَ الْأَغْلَبُ يُرِيدُ طَنْجَةَ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الْجُنْدِ وَكَرِهُوا الْمَسِيرَ وَتَسَلَّلُوا عَنْهُ إِلَى الْقَيْرَوَانِ، فَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلَّا نَفَرٌ يَسِيرٌ.

стр. 2522

وَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ حَرْبٍ الْكِنْدِيُّ بِمَدِينَةِ تُونُسَ، وَكَاتَبَ الْجُنْدَ وَدَعَاهُمْ إِلَى نَفْسِهِ، فَأَجَابُوهُ، فَسَارَ حَتَّى دَخَلَ الْقَيْرَوَانَ مِنْ غَيْرِ مَانِعٍ. وَبَلَغَ الْأَغْلَبَ الْخَبَرُ فَعَادَ مُجِدًّا، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: لَيْسَ مِنَ الرَّأْيِ (أَنْ تَعْدِلَ [إِلَى] لِقَاءِ الْعَدُوِّ فِي هَذِهِ الْعُدَّةِ الْقَلِيلَةِ، وَلَكِنَّ الرَّأْيَ أَنْ تَعَدِلَ إِلَى قَابِسَ، فَإِنَّ أَكْثَرَ مَنْ مَعَهُ يَجِيءُ إِلَيْكَ، لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا كَرِهُوا الْمَسِيرَ إِلَى طَنْجَةَ لَا غَيْرُ وَتَقْوَى بِهِمْ وَتُقَاتِلُ عَدُوَّكَ. فَفَعَلَ ذَلِكَ وَكَثُرَ جَمْعُهُ وَسَارَ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ حَرْبٍ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ الْحَسَنُ وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ جَمْعٌ كَثِيرٌ، وَمَضَى الْحَسَنُ إِلَى تُونُسَ (فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ) ، وَدَخَلَ الْأَغْلَبُ الْقَيْرَوَانَ. وَحَشَدَ الْحَسَنُ وَجَمَعَ فَصَارَ فِي عُدَّةٍ عَظِيمَةٍ، فَقَصَدَ الْأَغْلَبَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ الْأَغْلَبُ مِنَ الْقَيْرَوَانِ، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا، فَأَصَابَ الْأَغْلَبَ سَهْمٌ فَقَتَلَهُ، وَثَبَتَ أَصْحَابُهُ، (فَتَقَدَّمَ عَلَيْهِمُ الْمُخَارِقُ بْنُ غِفَارٍ، فَحَمَلَ الْمُخَارِقُ عَلَى الْحَسَنِ، وَكَانَ فِي مَيْمَنَةِ الْأَغْلَبِ، فَهَزَمَهُ، فَمَضَى مُنْهَزِمًا إِلَى تُونُسَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ. وَوَلِيَ الْمُخَارِقُ إِفْرِيقِيَّةَ فِي رَمَضَانَ، وَوَجَّهَ الْخَيْلَ فِي طَلَبِ الْحَسَنِ، فَهَرَبَ الْحَسَنُ مِنْ تُونُسَ إِلَى كِنَايَهْ فَأَقَامَ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى تُونُسَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ مَنْ بِهَا مِنَ الْجُنْدِ فَقَتَلُوهُ. (وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْحَسَنَ قُتِلَ بَعْدَ قَتْلِ الْأَغْلَبِ، لِأَنَّ أَصْحَابَ الْأَغْلَبِ ثَبَتُوا بَعْدَ قَتْلِهِ) فِي الْمَعْرَكَةِ، فَقُتِلَ الْحَسَنُ بْنُ حَرْبٍ أَيْضًا، وَوَلَّى أَصْحَابُهُ مُنْهَزِمِينَ وَصُلِبَ الْحَسَنُ، وَدُفِنَ الْأَغْلَبُ وَسُمِّيَ الشَّهِيدَ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْوَقْعَةُ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ. ذِكْرُ الْفِتَنِ بِالْأَنْدَلُسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ سَعِيدٌ الْيَحْصُبِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالْمَطَرِيِّ بِالْأَنْدَلُسِ بِمَدِينَةِ لِبْلَةَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ سَكِرَ يَوْمًا، فَتَذَكَّرَ مَنْ قُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ الْيَمَانِيَّةِ مَعَ الْعَلَاءِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ، فَعَقَدَ لِوَاءً، فَلَمَّا صَحَا رَآهُ مَعْقُودًا فَسَأَلَ عَنْهُ فَأُخْبِرَ بِهِ، فَأَرَادَ حَلَّهُ ثُمَّ قَالَ: مَا كُنْتُ لَأَعْقِدَ لِوَاءً ثُمَّ أَحُلَّهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ! وَشَرَعَ فِي الْخِلَافِ، فَاجْتَمَعَتِ الْيَمَانِيَّةُ إِلَيْهِ وَقَصَدَ إِشْبِيلِيَّةَ وَتَغَلَّبَ عَلَيْهَا وَكَثُرَ جَمْعُهُ. فَبَادَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ فِي جُمُوعِهِ، فَامْتَنَعَ

стр. 2523

الْمَطَرِيُّ فِي قَلْعَةِ زَعْوَاقَ لِإِحْدَى عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَحَصَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِيهَا، وَضَيَّقَ عَلَيْهِ، وَمَنَعَ أَهْلَ الْخِلَافِ مِنَ الْوُصُولِ إِلَيْهِ. وَكَانَ قَدْ وَافَقَهُ عَلَى الْخِلَافِ غِيَاثُ بْنُ عَلْقَمَةَ اللَّخْمِيُّ، وَكَانَ بِمَدِينَةِ شَذُونَةَ، وَقَدِ انْضَافَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ رُؤَسَاءِ الْقَبَائِلِ يُرِيدُونَ إِمْدَادَ الْمَطَرِيِّ، وَهُمْ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ. فَلَمَّا سَمِعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ذَلِكَ سَيَّرَ إِلَيْهِمْ بَدْرًا مَوْلَاهُ فِي جَيْشٍ، فَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْوُصُولِ إِلَى الْمَطَرِيِّ، فَطَالَ الْحِصَارُ عَلَيْهِ وَقَلَّتْ رِجَالُهُ بِالْقَتْلِ، فَفَارَقَهُ بَعْضُهُمْ، فَخَرَجَ يَوْمًا مِنَ الْقَلْعَةِ وَقَاتَلَ وَقُتِلَ وَحُمِلَ رَأْسُهُ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ. فَقَدَّمَ أَهْلُ الْقَلْعَةِ عَلَيْهِمْ خَلِيفَةَ بْنَ مَرْوَانَ، فَدَامَ الْحِصَارُ عَلَيْهِمْ، فَأَرْسَلَ أَهْلُهَا يَطْلُبُونَ الْأَمَانَ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لِيُسَلِّمُوا إِلَيْهِ خَلِيفَةَ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ وَآمَنَهُمْ، فَسَلَّمُوا إِلَيْهِ الْحِصْنَ وَخَلِيفَةَ، فَخَرَّبَ الْحِصْنَ وَقَتَلَ خَلِيفَةَ وَمَنْ مَعَهُ. ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى غِيَاثٍ، وَكَانَ مُوَافِقًا لِلْمَطَرِيِّ عَلَى الْخِلَافِ، فَحَصَرَهُمْ وَضَيَّقَ عَلَيْهِمْ، فَطَلَبُوا الْأَمَانَ فَآمَنَهُمْ إِلَّا نَفَرًا كَانَ يَعْرِفُ كَرَاهَتَهُمْ لِدَوْلَتِهِ، فَإِنَّهُ قَبَضَ عَلَيْهِمْ، وَعَادَ إِلَى قُرْطُبَةَ، فَلَمَّا عَادَ إِلَيْهَا خَرَجَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خُرَاشَةَ الْأَسَدِيُّ بِكُورَةِ جَيَّانَ، فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ جُمُوعٌ، فَأَغَارَ عَلَى قُرْطُبَةَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ جَيْشًا، فَتَفَرَّقَ جَمْعُهُ، فَطَلَبَ الْأَمَانَ، فَبَذَلَهُ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَوَفَّى لَهُ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِيهَا عَسْكَرَ صَالِحُ بْنُ عَلِيٍّ بِدَابِقٍ وَلَمْ يَغْزُ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ، وَكَانَ وُلَاةُ الْأَمْصَارِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ سُلَيْمَانُ بْنُ مِهْرَانَ الْأَعْمَشُ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ سِتِّينَ. وَفِيهَا مَاتَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّادِقُ، وَقَبْرُهُ بِالْمَدِينَةِ يُزَارُ، وَهُوَ وَأَبُوهُ وَجَدُّهُ فِي قَبْرٍ

стр. 2524

وَاحِدٍ مَعَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. وَفِيهَا مَاتَ زَكَرِيَّاءُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ. وَأَبُو أُمَيَّةَ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ بْنِ يَعْقُوبَ مَوْلَى قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ تِسْعِينَ. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ، وَيُقَالُ مَوْلَى تَمِيمٍ، وَهُوَ ثِقَةٌ. وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى الْقَاضِي. وَمُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيُّ. وَمُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ الْمَدَنِيُّ. وَعَوَّامُ بْنُ حَوْشَبِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رُوَيْمٍ الشَّيْبَانِيُّ الْوَاسِطِيُّ. وَيَحْيَى بْنُ أَبِي عَمْرٍو السَّيْبَانِيُّ، مِنْ أَهْلِ الرَّمَلَةِ. (سَيْبَانُ: بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، ثُمَّ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتَ، ثُمَّ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ: بَطْنٌ مِنْ حِمْيَرَ) .

стр. 2525

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ] ١٤٩ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ وَفِيهَا غَزَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّائِفَةَ أَرْضَ الرُّومِ وَمَعَهُ الْحَسَنُ بْنُ قَحْطَبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ، فَمَاتَ مُحَمَّدٌ فِي الطَّرِيقِ. وَفِيهَا اسْتَتَمَّ الْمَنْصُورُ بِنَاءَ سُورِ بَغْدَاذَ وَخَنْدَقِهَا، وَفَرَغَ مِنْ جَمِيعِ أُمُورِهَا، وَسَارَ إِلَى حَدِيثَةِ الْمَوْصِلِ ثُمَّ عَادَ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ. وَفِيهَا عُزِلَ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ مَكَّةَ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَاسْتُعْمِلَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. وَكَانَ عُمَّالُ الْأَمْصَارِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ سِوَى مَكَّةَ وَالطَّائِفِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِيهَا أَغْزَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ بَدْرًا مَوْلَاهُ إِلَى بِلَادِ الْعَدُوِّ فَجَاوَزَ إِلَيْهِ وَأَخَذَ جِزْيَتَهَا. وَكَانَ أَبُو الصَّبَّاحِ حُيَىُّ بْنُ يَحْيَى عَلَى إِشْبِيلِيَّةَ فَعَزَلَهُ فَدَعَا إِلَى الْخِلَافِ، فَأَنْفَذَ إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَخَدَعَهُ حَتَّى حَضَرَ عِنْدَهُ فَقَتَلَهُ.
следующие страницы →