← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ] ١٨٣ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ. ذِكْرُ غَزْوِ الْخَزَرِ بِلَادَ الْإِسْلَامِ وَفِيهَا خَرَجَ الْخَزَرُ بِسَبَبِ ابْنَةِ خَاقَانَ مِنْ بَابِ الْأَبْوَابِ، فَأَوْقَعُوا بِالْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ، وَسَبَوْا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ رَأْسٍ، وَانْتَهَكُوا أَمْرًا عَظِيمًا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ فِي الْأَرْضِ، فَوَلَّى الرَّشِيدُ أَرْمِينِيَّةَ يَزِيدَ بْنَ مَزْيَدٍ مُضَافًا إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، وَوَجَّهَهُ إِلَيْهِمْ، وَأَنْزَلَ خُزَيْمَةَ بْنَ خَازِمٍ نَصِيبِينَ رِدْءًا لِأَهْلِ أَرْمِينِيَّةَ. وَقِيلَ: إِنَّ سَبَبَ خُرُوجِهِمْ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ سَلْمٍ قَتَلَ الْمُنَجِّمَ السُّلَمِيَّ، فَدَخَلَ ابْنُهُ بِلَادَ الْخَزَرِ، وَاسْتَجَاشَهُمْ عَلَى سَعِيدٍ، فَخَرَجُوا وَدَخَلُوا أَرْمِينِيَّةَ مِنَ الثُّلْمَةِ، فَانْهَزَمَ سَعِيدٌ، وَأَقَامُوا نَحْوَ سَبْعِينَ يَوْمًا، فَوَجَّهَ الرَّشِيدُ خُزَيْمَةَ بْنَ خَازِمٍ، وَيَزِيدَ بْنَ مَزْيَدٍ، فَأَصْلَحَا مَا أَفْسَدَ سَعِيدٌ، وَأَخْرَجَا الْخَزَرَ، وَسَدَّا الثُّلْمَةَ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِيهَا اسْتَقْدَمَ الرَّشِيدُ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى مِنْ خُرَاسَانَ، ثُمَّ رَدَّهُ عَلَيْهَا مِنْ قِبَلِ ابْنِهِ الْمَأْمُونِ، وَأَمَرَهُ بِحَرْبِ أَبِي الْخَصِيبِ. وَفِيهَا خَرَجَ بِنَسَا مِنْ خُرَاسَانَ أَبُو الْخَصِيبِ وُهَيْبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّسَائِيُّ.

стр. 2697

وَحَجَّ بِالنَّاسِ الْعَبَّاسُ بْنُ الْهَادِي. وَفِيهَا مَاتَ مُوسَى بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِبَغْدَاذَ فِي حَبْسِ الرَّشِيدِ. وَكَانَ سَبَبُ حَبْسِهِ أَنَّ الرَّشِيدَ اعْتَمَرَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ سَنَةِ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ، فَلَمَّا عَادَ إِلَى الْمَدِينَةِ - عَلَى سَاكِنِهَا السَّلَامُ - دَخَلَ إِلَى قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ يَزُورُهُ، وَمَعَهُ النَّاسُ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الْقَبْرِ وَقَفَ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَابْنَ عَمِّ، افْتِخَارًا عَلَى مَنْ حَوْلِهِ، فَدَنَا مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَهْ. فَتَغَيَّرَ وَجْهُ الرَّشِيدِ وَقَالَ: هَذَا الْفَخْرُ يَا أَبَا الْحَسَنِ جَدًّا. ثُمَّ أَخَذَهُ مَعَهُ إِلَى الْعِرَاقِ، فَحَبَسَهُ عِنْدَ السِّنْدِيِّ بْنِ شَاهَكَ، (وَتَوَلَّتْ حَبْسَهُ أُخْتُ السِّنْدِيِّ بْنِ شَاهَكَ) ، وَكَانَتْ تَتَدَيَّنُ، فَحَكَتْ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ إِذَا صَلَّى الْعَتَمَةَ حَمِدَ اللَّهَ وَمَجَّدَهُ وَدَعَاهُ إِلَى أَنْ يَزُولَ اللَّيْلُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي، حَتَّى يُصَلِّيَ الصُّبْحَ، ثُمَّ يَذْكُرُ اللَّهَ - تَعَالَى - حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ يَقْعُدُ إِلَى ارْتِفَاعِ الضُّحَى، ثُمَّ يَرْقُدُ، وَيَسْتَيْقِظُ قَبْلَ الزَّوَالِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي، حَتَّى يُصَلِّيَ الْعَصْرَ، ثُمَّ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى يُصَلِّيَ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعَتَمَةِ، فَكَانَ هَذَا دَأْبَهُ إِلَى أَنْ مَاتَ. وَكَانَتْ إِذَا رَأَتْهُ قَالَتْ: خَابَ قَوْمٌ تَعَرَّضُوا لِهَذَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ! وَكَانَ يُلَقَّبُ بِالْكَاظِمِ ; لِأَنَّهُ كَانَ يُحْسِنُ إِلَى مَنْ يُسِيءُ إِلَيْهِ، كَانَ هَذَا عَادَتَهُ أَبَدًا، وَلَمَّا كَانَ مَحْبُوسًا بَعَثَ إِلَى الرَّشِيدِ بِرِسَالَةٍ أَنَّهُ لَنْ يَنْقَضِيَ عَنِّي يَوْمٌ مِنَ الْبَلَاءِ إِلَّا يَنْقَضِي عَنْكَ مَعَهُ يَوْمٌ مِنَ الرَّخَاءِ، حَتَّى يَنْقَضِيَا جَمِيعًا إِلَى يَوْمٍ لَيْسَ لَهُ انْقِضَاءٌ يَخْسَرُ فِيهِ الْمُبْطِلُونَ. (وَفِيهَا كَانَتْ بِالْأَنْدَلُسِ فِتْنَةٌ وَحَرْبٌ بَيْنَ قَائِدٍ كَبِيرٍ يُقَالُ لَهُ أَبُو عِمْرَانَ، وَبَيْنَ بَهْلُولِ بْنِ مَرْزُوقٍ، وَهُوَ مِنْ أَعْيَانِ الْأَنْدَلُسِ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ الْبَلَنْسِيُّ مَعَ أَبِي عِمْرَانَ، فَانْهَزَمَ

стр. 2698

أَصْحَابُ بَهْلُولٍ، وَقُتِلَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ النَّحْوِيُّ الْمَشْهُورُ، أَخَذَ الْعِلْمَ عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ وَغَيْرِهِ، وَكَانَ عُمْرُهُ قَدْ زَادَ عَلَى مِائَةِ سَنَةٍ) . وَفِيهَا مَاتَ مُوسَى بْنُ عِيسَى بْنِ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ. وَمُحَمَّدُ بْنُ صَبِيحٍ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمُذَكِّرُ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ السَّمَّاكِ. وَهُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ الْوَاسِطِيُّ، تُوُفِّيَ فِي شَعْبَانَ، وَكَانَ ثِقَةً إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يُصَحِّفُ.

стр. 2699

وَيَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، قَاضِي الْمَدَائِنِ بِهَا، وَكَانَ عُمْرُهُ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سَنَةً. وَيُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ. (صَبِيحٌ بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، وَكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ. وَبَشِيرٌ بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ) .

стр. 2700

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَة] ١٨٤ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ وَفِيهَا وَلَّى الرَّشِيدُ حَمَّادًا الْبَرْبَرِيَّ الْيَمَنَ وَمَكَّةَ، وَوَلَّى دَاوُدَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ حَاتِمٍ الْمُهَلَّبِيَّ السِّنْدَ، وَيَحْيَى الْحَرَشِيَّ الْجَبَلَ، وَمَهْرَوَيْهِ الرَّازِيَّ طَبَرِسْتَانَ، وَقَامَ بِأَمْرِ إِفْرِيقِيَّةَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَغْلَبِ، فَوَلَّاهُ إِيَّاهَا الرَّشِيدُ. وَفِيهَا خَرَجَ أَبُو عُمَرَ الشَّارِيُّ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ زُهَيْرًا الْقَصَّابَ فَقَتَلَهُ بِشَهْرَزُورَ. وَفِيهَا طَلَبَ أَبُو الْخَصِيبِ الْأَمَانَ فَأَمَّنَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ. وَكَانَ عَلَى الْمَوْصِلِ وَأَعْمَالِهَا يَزِيدُ بْنُ مَزْيَدِ بْنِ زَائِدَةَ الشَّيْبَانِيُّ. (وَفِيهَا سَارَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَلَنْسِيُّ إِلَى مَدِينَةِ أَشِقَةَ مِنَ الْأَنْدَلُسِ، فَنَزَلَ بِهَا مَعَ أَبِي عِمْرَانَ، وَمَعَ الْعَرَبِ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ بَهْلُولُ بْنُ مَرْزُوقٍ، وَحَاصَرَهُمْ فِيهَا، فَتَفَرَّقَ

стр. 2701

الْعَرَبُ عَنْهُمْ، وَدَخَلَ بَهْلُولٌ مَدِينَةَ أَشِقَةَ، وَسَارَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى مَدِينَةِ بَلَنْسِيَةَ فَأَقَامَ بِهَا) . [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ الْمَوْصِلِيُّ الْأَزْدِيُّ، وَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْعَابِدُ. وَعَبْدُ السَّلَامِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ الْحَبْحَابِ الْأَزْدِيُّ. وَعَبْدُ الْأَعْلَى [بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّامِيُّ الْبَصْرِيُّ مِنْ بَنِي شَامَةَ بْنِ لُؤَيٍّ.

стр. 2702

وَعَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ.

стр. 2703

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَة] ١٨٥ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قَتَلَ أَهْلُ طَبَرِسْتَانَ مَهْرَوَيْهِ الرَّازِيَّ، وَهُوَ وَالِيهَا، فَوَلَّى الرَّشِيدُ مَكَانَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعِيدٍ الْحَرَشِيَّ. وَفِيهَا قَتَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَبْنَاوِيُّ أَبَانَ بْنَ قَحْطَبَةَ الْخَارِجِيَّ بِمَرْجِ الْقَلْعَةِ. وَفِيهَا عَاثَ حَمْزَةُ الْخَارِجِيُّ بِبَاذَغِيسَ، فَقَتَلَ عِيسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى مِنْ أَصْحَابِهِ عَشَرَةَ آلَافٍ، وَبَلَغَ عِيسَى كَابُلَ وَزَابُلُسْتَانَ. (وَفِيهَا غَدَرَ أَبُو الْخَصِيبِ ثَانِيَةً) ، وَغَلَبَ عَلَى أَبِيوَرْدَ، وَطُوسَ، وَنَيْسَابُورَ، وَحَصَرَ مَرْوَ، ثُمَّ انْهَزَمَ عَنْهَا وَعَادَ إِلَى سَرَخْسَ، وَعَادَ أَمْرُهُ قَوِيًّا. وَفِيهَا اسْتَأْذَنَ جَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى فِي الْحَجِّ وَالْمُجَاوَرَةِ، فَأُذِنَ لَهُ، فَخَرَجَ فِي شَعْبَانَ وَاعْتَمَرَ فِي رَمَضَانَ، وَأَقَامَ بِجُدَّةَ مُرَابِطًا إِلَى أَنْ حَجَّ.

стр. 2704

(وَفِيهَا جَمَعَ الْحَكَمُ صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ عَسَاكِرَهُ، وَسَارَ إِلَى عَمِّهِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ بِنَاحِيَةِ فِرِّيشَ، فَقَاتَلَهُ، فَانْهَزَمَ سُلَيْمَانُ، وَقَصَدَ مَارِدَةَ، فَتَبِعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ عَسْكَرِ الْحَكَمِ فَأَسَرُوهُ، فَلَمَّا حَضَرَ عِنْدَ الْحَكَمِ قَتَلَهُ، وَبَعَثَ بِرَأْسِهِ إِلَى قُرْطُبَةَ، وَكَتَبَ إِلَى أَوْلَادِ سُلَيْمَانَ وَهُمْ بِسَرَقُسْطَةَ كِتَابَ أَمَانٍ، وَاسْتَدْعَاهُمْ، فَحَضَرُوا عِنْدَهُ بِقُرْطُبَةَ) . وَفِيهَا وَقَعَتْ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ صَاعِقَةٌ قَتَلَتْ رَجُلَيْنِ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا مَنْصُورُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ [بْنِ مُحَمَّدِ] بْنِ عَلِيٍّ. وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَلَمْ يَكُنْ سَقَطَ لَهُ سِنٌّ، وَقِيلَ كَانَتْ أَسْنَانُهُ قِطْعَةً وَاحِدَةً مِنْ أَسْفَلَ وَقِطْعَةً وَاحِدَةً مِنْ فَوْقٍ، وَهُوَ قُعْدُدُ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ ; لِأَنَّهُ كَانَ فِي الْقُرْبِ إِلَى عَبْدِ مَنَافٍ بِمَنْزِلَةِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَبَيْنَ مَوْتِهِمَا مَا يَزِيدُ عَلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً.

стр. 2705

وَفِيهَا مَلَكَ الْفِرِنْجُ - لَعَنَهُمُ اللَّهُ - مَدِينَةَ بَرْشَلُونَةَ بِالْأَنْدَلُسِ، وَأَخَذُوهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَنَقَلُوا حُمَاةَ ثُغُورِهِمْ إِلَيْهَا، وَتَأَخَّرَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى وَرَائِهِمْ. وَكَانَ سَبَبَ مُلْكِهِمْ إِيَّاهَا اشْتِغَالُ الْحَكَمِ صَاحِبِ الْأَنْدَلُسِ بِمُحَارَبَةِ عَمَّيْهِ عَبْدِ اللَّهِ وَسُلَيْمَانَ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَفِيهَا سَارَ الرَّشِيدُ مِنَ الرَّقَّةِ إِلَى بَغْدَادَ عَلَى طَرِيقِ الْمَوْصِلِ. وَفِيهَا مَاتَ يَقْطِينُ بْنُ مُوسَى بِبَغْدَاذَ. وَفِيهَا أَيْضًا تُوُفِّيَ يَزِيدُ بْنُ مَزَيْدِ بْنِ زَائِدَةَ الشَّيْبَانِيُّ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي مَعْنِ بْنِ زَائِدَةَ، بِمَدِينَةِ بَرْذَعَةَ، وَوَلِيَ مَكَانَهُ أَسَدُ بْنُ يَزِيدَ. وَكَانَ يَزِيدُ مُمَدَّحًا، جَوَدًا، كَرِيمًا، وَأَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ مَرَاثِيَهُ. وَمِنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ فِي الْمَرَاثِي مَا قَالَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ رِثَاءً لَهُ، فَأَثْبَتُّهُ لِجَوْدَتِهِ: أَحَقًّا أَنَّهُ أَوْدَى يَزِيدُ؟ ... تَبَيَّنْ أَيُّهَا النَّاعِي الْمُشِيدُ أَتَدْرِي مَنْ نَعَيْتَ وَكَيْفَ فَاهَتْ ... بِهِ شَفَتَاكَ؟ كَانَ بِهَا الصَّعِيدُ أَحَامِي الْمَجْدِ وَالْإِسْلَامِ أَوْدَى؟ ... فَمَا لِلْأَرْضِ وَيْحَكَ لَا تَمِيدُ؟ تَأَمَّلْ، هَلْ تَرَى الْإِسْلَامَ مَالَتْ ... دَعَائِمُهُ؟ وَهَلْ شَابَ الْوَلِيدُ؟

стр. 2706

وَهَلْ مَالَتْ سُيُوفُ بَنِي نِزَارٍ وَهَلْ وُضِعَتْ عَنِ الْخَيْلِ اللُّبُودُ؟ ... وَهَلْ تَسْقِي الْبِلَادَ عِشَارُ مُزْنٍ بِدَرَّتِهَا؟ وَهَلْ يَخْضَرُّ عُودُ؟ ... أَمَا هُدَّتْ لِمَصْرَعِهِ نِزَارٌ؟ بَلَى! وَتَقَوَّضَ الْمَجْدُ الْمَشِيدُ [وَحَلَّ ضَرِيحَهُ إِذْ حَلَّ فِيهِ ... طَرِيفُ الْمَجْدِ وَالْحَسَبُ التَّلِيدُ ] أَمَا وَاللَّهِ مَا تَنْفَكُّ عَيْنِي عَلَيْكَ بِدَمْعِهَا أَبَدًا تَجُودُ ... فَإِنْ تَجْمُدْ دُمُوعُ لَئِيمِ قَوْمٍ فَلَيْسَ لِدَمْعِ ذِي حَسَبٍ جُمُودُ ... أَبَعْدَ يَزِيدَ تَخْتَزِنُ الْبَوَاكِي دُمُوعًا، أَوْ يُصَانُ لَهَا خُدُودُ؟ ... لِتَبْكِكَ قُبَّةُ الْإِسْلَامِ لَمَّا وَهَتْ أَطْنَابُهَا وَوَهَى الْعَمُودُ ... وَيَبْكِكَ شَاعِرٌ لَمْ يُبْقِ دَهْرٌ لَهُ نَسَبًا وَقَدْ كَسَدَ الْقَصِيدُ ... فَمَنْ يَدْعُو الْإِمَامَ لِكُلِّ خَطْبٍ يَنُوبُ وَكُلِّ مُعْضِلَةٍ تَئُودُ ... وَمَنْ يَحْمِي الْخَمِيسَ إِذَا تَعَايَا بِحِيلَةِ نَفْسِهِ الْبَطَلُ النَّجِيدُ ... فَإِنْ يَهْلِكْ يَزِيدُ فَكُلُّ حَيٍّ فَرِيسٌ لِلْمَنِيَّةِ أَوْ طَرِيدُ ... أَلَمْ تَعْجَبْ لَهُ؟ ! إِنَّ الْمَنَايَا فَتَكْنَ بِهِ وَهُنَّ لَهُ جُنُودُ ... قَصَدْنَ لَهُ وَكُنَّ يَحِدْنَ عَنْهُ إِذَا مَا الْحَرْبُ شَبَّ لَهَا وَقُودُ ... لَقَدْ عَزَّى رَبِيعَةَ أَنَّ يَوْمًا عَلَيْهَا مِثْلَ يَوْمِكَ لَا يَعُودُ وَكَانَ الرَّشِيدُ إِذَا سَمِعَ هَذِهِ الْمَرْثِيَّةَ بَكَى، وَكَانَ يَسْتَجِيدُهَا وَيَسْتَحْسِنُهَا. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ بِبَغْدَاذَ،

стр. 2707

وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ. وَالْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَيَّاشٍ الْمَخْزُومِيُّ، وَيَعْرَفُ بِالْحِزَامِيِّ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ. وَحَجَّاجٌ الصَّوَّافُ، وَهُوَ ابْنُ أَبِي عُثْمَانَ مَيْسَرَةَ. (عَيَّاشٌ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، وَالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتٍ. الْحِزَامِيُّ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالزَّايِ) .

стр. 2708

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ] ١٨٦ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ اتِّفَاقِ الْحَكَمِ صَاحِبِ الْأَنْدَلُسِ وَعَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ اتَّفَقَ الْحَكَمُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَمِيرُ الْأَنْدَلُسِ، وَعَمُّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَلَنْسِيُّ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ لَمَّا سَمِعَ بِقَتْلِ أَخِيهِ سُلَيْمَانَ عَظُمَ عَلَيْهِ، وَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَزِمَ بَلَنْسِيَةَ وَلَمْ يُفَارِقْهَا، وَلَمْ يَتَحَرَّكْ لِإِثَارَةِ فِتْنَةٍ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْحَكَمِ يَطْلُبُ الْمُسَالَمَةَ، وَالدُّخُولَ فِي طَاعَتِهِ. وَقِيلَ: بَلِ الْحَكَمُ أَرْسَلَ إِلَيْهِ رُسُلًا، وَكَتَبَ إِلَيْهِ يَعْرِضُ عَلَيْهِ الْمُسَالَمَةَ، وَيُؤَمِّنُهُ، وَبَذَلَ لَهُ الْأَرْزَاقَ الْوَاسِعَةَ، وَلِأَوْلَادِهِ، فَأَجَابَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى الِاتِّفَاقِ، وَاسْتَقَرَّتِ الْقَاعِدَةُ بَيْنَهُمْ عَلَى يَدِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، صَاحِبِ مَالِكٍ، وَغَيْرِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَزَوَّجَ الْحَكَمُ أَخَوَاتِهِ مِنْ أَوْلَادِ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ، وَسَارَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ، فَأَكْرَمَهُ الْحَكَمُ، وَعَظَّمَ مَحَلَّهُ، وَأَجْرَى لَهُ وَلِأَوْلَادِهِ الْأَرْزَاقَ الْوَاسِعَةَ وَالصِّلَاتِ السَّنِيَّةَ. وَقِيلَ: إِنَّ الْمُرَاسَلَةَ فِي الصُّلْحِ كَانَتْ هَذِهِ السَّنَةَ، وَاسْتَقَرَّ الصُّلْحُ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ. ذِكْرُ حَجِّ الرَّشِيدِ وَأَمْرِ كِتَابِ وِلَايَةِ الْعَهْدِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ حَجَّ (بِالنَّاسِ هَارُونُ) الرَّشِيدُ، سَارَ إِلَى مَكَّةَ مِنَ الْأَنْبَارِ، فَبَدَأَ بِالْمَدِينَةِ، فَأَعْطَى فِيهَا ثَلَاثَةَ أَعْطِيَةٍ، أَعْطَى هُوَ عَطَاءً، وَمُحَمَّدٌ الْأَمِينُ عَطَاءً، وَعَبْدُ اللَّهِ

стр. 2709

الْمَأْمُونُ عَطَاءً، وَسَارَ إِلَى مَكَّةَ فَأَعْطَى أَهْلَهَا، فَبَلَغَ أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ وَخَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ. وَكَانَ الرَّشِيدُ قَدْ وَلَّى الْأَمِينَ الْعِرَاقَ وَالشَّامَ، وَوَلَّى آخَرَ الْمَغْرِبَ، وَضَمَّ إِلَى الْمَأْمُونِ مِنْ هَمَذَانَ إِلَى آخِرِ الْمَشْرِقِ، ثُمَّ بَايَعَ لِابْنِهِ الْقَاسِمِ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ بَعْدَ الْمَأْمُونِ، وَلَقَّبَهُ الْمُؤْتَمَنَ، وَضَمَّ إِلَيْهِ الْجَزِيرَةَ وَالثُّغُورَ وَالْعَوَاصِمَ، وَكَانَ فِي حِجْرِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ صَالِحٍ، وَجَعَلَ خَلْعَهُ وَإِثْبَاتَهُ إِلَى الْمَأْمُونِ. وَلَمَّا وَصَلَ الرَّشِيدُ إِلَى مَكَّةَ وَمَعَهُ أَوْلَادُهُ، وَالْفُقَهَاءُ وَالْقُضَاةُ وَالْقُوَّادُ، كَتَبَ كِتَابًا أَشْهَدَ فِيهِ عَلَى مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ، وَأَشْهَدَ فِيهِ مَنْ حَضَرَ بِالْوَفَاءِ لِلْمَأْمُونِ، وَكَتَبَ كِتَابًا لِلْمَأْمُونِ أَشْهَدَهُمْ عَلَيْهِ فِيهِ بِالْوَفَاءِ لِلْأَمِينِ، وَعَلَّقَ الْكِتَابَيْنِ فِي الْكَعْبَةِ، وَجَدَّدَ الْعُهُودَ عَلَيْهِمَا فِي الْكَعْبَةِ، وَلَمَّا فَعَلَ الرَّشِيدُ ذَلِكَ قَالَ النَّاسُ: قَدْ أَلْقَى بَيْنَهُمْ شَرًّا وَحَرْبًا. وَخَافُوا عَاقِبَةَ ذَلِكَ، فَكَانَ مَا خَافُوهُ. ثُمَّ إِنَّ الرَّشِيدَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ شَخَصَ إِلَى قَرْمَاسِينَ وَمَعَهُ الْمَأْمُونُ، وَأَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْقُضَاةِ وَالْفُقَهَاءِ أَنَّ جَمِيعَ مَا فِي عَسْكَرِهِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْخَزَائِنِ وَالسِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لِلْمَأْمُونِ، وَجَدَّدَ لَهُ الْبَيْعَةَ عَلَيْهِمْ، وَأَرْسَلَ إِلَى بَغْدَاذَ فَجَدَّدَ لَهُ الْبَيْعَةَ عَلَى مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ مِنْ مَرْوَ إِلَى نَسَا لِحَرْبِ أَبِي

стр. 2710

الْخَصِيبِ، فَحَارَبَهُ، فَقَتَلَهُ وَسَبَى نِسَاءَهُ وَذَرَارِيَهُ، وَاسْتَقَامَتْ خُرَاسَانُ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ. وَبِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ.

стр. 2711

وَأَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَزَارِيُّ. وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ بِسَلَمِيَّةَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فِي رَجَبٍ، وَعُمْرُهُ خَمْسٌ وَسِتُّونَ سَنَةً وَسِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي السَّفَّاحِ وَالْمَنْصُورِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ عُمَرُ بْنُ يُونُسَ مُنْصَرَفَهُ مِنَ الْحَجِّ بِالْيَمَامَةِ.

стр. 2712

وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ الْفَقِيهُ بِبَغْدَاذَ. (وَتُوُفِّيَ شُقْرَانُ بْنُ عَلِيٍّ الزَّاهِدُ بِالْأَنْدَلُسِ، وَكَانَ فَقِيهًا. وَفِيهَا تُوُفِّيَ رَاشِدُ مَوْلَى عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَكَانَ قَدْ دَخَلَ الْمَغْرِبَ مَعَ إِدْرِيسَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ، وَقَامَ بَعْدَهُ بِأَمْرِ الْبَرْبَرِ أَبُو خَالِدٍ يَزِيدُ بْنُ إِلْيَاسَ) .

стр. 2713

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ] ١٨٧ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ إِيقَاعِ الرَّشِيدِ بِالْبَرَامِكَةِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَوْقَعَ الرَّشِيدُ بِالْبَرَامِكَةِ، وَقَتَلَ جَعْفَرَ بْنَ يَحْيَى. وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّ الرَّشِيدَ كَانَ لَا يَصْبِرُ عَنْ جَعْفَرٍ وَعَنْ أُخْتِهِ عَبَّاسَةَ بِنْتِ الْمَهْدِيِّ، وَكَانَ يُحْضِرُهُمَا إِذَا جَلَسَ لِلشُّرْبِ، فَقَالَ لِجَعْفَرٍ: أُزَوِّجُكَهَا لِيَحِلَّ لَكَ النَّظَرُ إِلَيْهَا وَلَا تَقْرَبْهَا، فَإِنِّي لَا أُطِيقُ الصَّبْرَ عَنْهَا. فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، فَزَوَّجَهَا مِنْهُ، وَكَانَا يَحْضُرَانِ مَعَهُ، ثُمَّ يَقُومُ عَنْهُمَا، وَهُمَا شَابَّانِ، فَجَامَعَهَا جَعْفَرٌ، فَحَمَلَتْ مِنْهُ، فَوَلَدَتْ لَهُ غُلَامًا، فَخَافَتِ الرَّشِيدَ، فَسَيَّرَتْهُ مَعَ حَوَاضِنَ لَهُ إِلَى مَكَّةَ، فَأَعْطَتْهُ الْجَوَاهِرَ وَالنَّفَقَاتِ. ثُمَّ إِنَّ عَبَّاسَةَ وَقَعَ بَيْنِهَا وَبَيْنَ بَعْضِ جَوَارِيهَا شَرٌّ، فَأَنْهَتْ أَمْرَهَا وَأَمْرَ الصَّبِيِّ إِلَى الرَّشِيدِ، فَحَجَّ هَارُونُ هَذِهِ السَّنَةَ، وَبَحَثَ عَنِ الْأَمْرِ فَعَلِمَهُ. وَكَانَ جَعْفَرٌ (يَصْنَعُ لِلرَّشِيدِ طَعَامًا بِعُسْفَانَ إِذَا حَجَّ، فَصَنَعَ ذَلِكَ، وَدَعَاهُ فَلَمْ

стр. 2714

يَحْضُرْ) عِنْدَهُ، فَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ تَغَيُّرِ أَمْرِهِمْ. وَقِيلَ: كَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّ الرَّشِيدَ دَفَعَ يَحْيَى بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ، فَحَبَسَهُ، ثُمَّ دَعَا بِهِ لَيْلَةً، وَسَأَلَهُ عَنْ بَعْضِ أَمْرِهِ، فَقَالَ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ فِي أَمْرِي، وَلَا تَتَعَرَّضْ أَنْ يَكُونَ غَدًا خَصْمَكَ مُحَمَّدٌ ﷺ فَوَاللَّهِ مَا أَحْدَثْتُ حَدَثًا، وَلَا آوَيْتُ مُحْدِثًا. فَرَقَّ لَهُ وَقَالَ: اذْهَبْ حَيْثُ شِئْتَ مِنْ بِلَادِ اللَّهِ. قَالَ: فَكَيْفَ أَذْهَبُ وَلَا آمَنُ أَنْ أُوخَذَ؟ فَوَجَّهَ مَعَهُ مَنْ أَدَّاهُ إِلَى مَأْمَنِهِ. وَبَلَغَ الْخَبَرُ الْفَضْلَ بْنَ الرَّبِيعِ مِنْ عَيْنٍ كَانَتْ لَهُ مِنْ خَوَاصِّ جَعْفَرٍ، فَرَفَعَهُ إِلَى الرَّشِيدِ، فَقَالَ: مَا أَنْتَ هَذَا؟ فَعَلَهُ عَنْ أَمْرِي. ثُمَّ أَحْضَرَ جَعْفَرًا لِلطَّعَامِ، فَجَعَلَ يُلْقِمُهُ وَيُحَادِثُهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ يَحْيَى، فَقَالَ: هُوَ بِحَالِهِ فِي الْحَبْسِ. فَقَالَ: بِحَيَاتِي؟ فَفَطِنَ جَعْفَرٌ، فَقَالَ: لَا وَحَيَاتِكَ! وَقَصَّ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وَقَالَ: عَلِمْتُ أَنَّهُ لَا مَكْرُوهَ عِنْدَهُ. فَقَالَ: نِعْمَ مَا فَعَلْتَ! مَا عَدَوْتَ مَا فِي نَفْسِي. فَلَمَّا قَامَ عَنْهُ قَالَ: قَتَلَنِي اللَّهُ إِنْ لَمْ أَقْتُلْكَ! فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ. وَقِيلَ: كَانَ مِنَ الْأَسْبَابِ أَنَّ جَعْفَرًا ابْتَنَى دَارًا غَرِمَ عَلَيْهَا عِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى الرَّشِيدِ، وَقِيلَ: هَذِهِ غَرَامَتُهُ عَلَى دَارِهِ، فَمَا ظَنُّكَ بِنَفَقَاتِهِ وَصِلَاتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ؟ فَاسْتَعْظَمَهُ. وَكَانَ مِنَ الْأَسْبَابِ أَيْضًا مَا لَا تَعُدُّهُ الْعَامَّةُ سَبَبًا، وَهُوَ أَقْوَى الْأَسْبَابِ، مَا سُمِعَ مِنْ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ وَهُوَ يَقُولُ وَقَدْ تَعَلَّقَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فِي حَجَّتِهِ هَذِهِ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ رِضَاكَ أَنْ تَسْلُبَنِي نِعَمَكَ عِنْدِي فَاسْلُبْنِي! اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ رِضَاكَ أَنْ تَسْلُبَنِي مَالِي وَأَهْلِي وَوَلَدِي فَاسْلُبْنِي، إِلَّا الْفَضْلَ. ثُمَّ وَلَّى، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ رَجَعَ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَجَعَلَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ سَمِجٌ بِمِثْلِي أَنْ يَسْتَثْنِيَ عَلَيْكَ، اللَّهُمَّ وَالْفَضْلَ.

стр. 2715

وَسُمِعَ أَيْضًا يَقُولُ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ: اللَّهُمَّ إِنَّ ذُنُوبِي جَمَّةٌ عَظِيمَةٌ لَا يُحْصِيهَا غَيْرُكَ. اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تُعَاقِبُنِي فَاجْعَلْ عُقُوبَتِي بِذَلِكَ فِي الدُّنْيَا، وَإِنْ أَحَاطَ (ذَلِكَ بِسَمْعِي) وَبَصَرِي وَوَلَدِي وَمَالِي، حَتَّى يَبْلُغَ رِضَاكَ، وَلَا تَجْعَلْ عُقُوبَتِي فِي الْآخِرَةِ. فَاسْتُجِيبَ لَهُ. فَلَمَّا انْصَرَفُوا مِنَ الْحَجِّ وَنَزَلُوا الْأَنْبَارَ، وَنَزَلَ الرَّشِيدُ الْعُمْرَ نَكَبَهُمْ. وَكَانَ أَوَّلَ مَا ظَهَرَ مِنْ فَسَادِ حَالِهِمْ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ سَعَى بِمُوسَى بْنِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ، وَاتَّهَمَهُ فِي أَمْرِ خُرَاسَانَ، وَأَعْلَمَ الرَّشِيدَ أَنَّهُ يُكَاتِبُهُمْ لِيَسِيرَ إِلَيْهِمْ، وَيُخْرِجَهُمْ عَنِ الطَّاعَةِ، فَحَبَسَهُ ثُمَّ أَطْلَقَهُ. وَكَانَ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ يَدْخُلُ عَلَى الرَّشِيدِ بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ يَوْمًا وَعِنْدَهُ جِبْرَائِيلُ بْنُ بَخْتِيَشُوعَ الطَّبِيبُ، فَسَلَّمَ، فَرَدَّ الرَّشِيدُ رَدًّا ضَعِيفًا، ثُمَّ أَقْبَلَ الرَّشِيدُ عَلَى جِبْرَائِيلَ، فَقَالَ: أَيَدْخُلُ عَلَيْكَ مَنْزِلَكَ أَحَدٌ بِغَيْرِ إِذْنٍ؟ قَالَ: لَا! قَالَ: فَمَا بَالُنَا يُدْخَلُ عَلَيْنَا بِغَيْرِ إِذْنٍ؟ فَقَالَ يَحْيَى: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا ابْتَدَأْتُ ذَلِكَ السَّاعَةَ، وَلَكِنَّ أَمِيرَ (الْمُؤْمِنِينَ خَصَّنِي بِهِ، حَتَّى إِنْ كُنْتُ لَأَدْخُلُ وَهُوَ فِي فِرَاشِهِ مُجَرَّدًا، وَمَا عَلِمْتُ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَرِهَ مَا كَانَ يُحِبُّ، فَإِذَا قَدْ عَلِمْتُ فَإِنِّي سَأَكُونُ [عِنْدَهُ] فِي الطَّبَقَةِ الَّتِي تَجْعَلُنِي فِيهَا. فَاسْتَحْيَا هَارُونُ وَقَالَ: مَا أَرَدْتُ مَا تَكْرَهُ. وَكَانَ يَحْيَى إِذَا دَخَلَ عَلَى الرَّشِيدِ قَامَ لَهُ الْغِلْمَانُ، فَقَالَ الرَّشِيدُ لِمَسْرُورٍ: مُرِ الْغِلْمَانَ لَا يَقُومُونَ لِيَحْيَى إِذَا دَخَلَ الدَّارَ. فَدَخَلَهَا فَلَمْ يَقُومُوا، فَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ،

стр. 2716

وَكَانُوا بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا رَأَوْهُ أَعْرَضُوا عَنْهُ. بفَلَمَّا رَجَعَ الرَّشِيدُ مِنَ الْحَجِّ نَزَلَ الْعُمْرَ الَّذِي عِنْدَ الْأَنْبَارِ، سَلْخَ الْمُحَرَّمِ، وَأَرْسَلَ مَسْرُورًا الْخَادِمَ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْجُنْدِ إِلَى جَعْفَرٍ لَيْلًا، وَعِنْدَهُ ابْنُ بَخْتِيَشُوعَ الْمُتَطَبِّبُ، وَأَبُو زَكَّارٍ الْمُغَنِّي، وَهُوَ فِي لَهْوِهِ وَأَبُو زَكَّارٍ يُغَنِّي: فَلَا تَبْعَدْ، فَكُلُّ فَتًى سَيَأْتِي ... عَلَيْهِ الْمَوْتُ يَطْرُقُ أَوْ يُغَادِي وَكُلُّ ذَخِيرَةٍ لَا بُدَّ يَوْمًا ... وَإِنْ كَرُمَتْ تَصِيرُ إِلَى نَفَادِ قَالَ مَسْرُورٌ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا الْفَضْلِ، الَّذِي جِئْتُ لَهُ هُوَ وَاللَّهِ ذَاكَ، قَدْ طَرَقَكَ، أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَوَقَعَ عَلَى رِجْلِيَّ يُقَبِّلُهَا، وَقَالَ: حَتَّى أَدْخُلَ فَأُوصِيَ، فَقُلْتُ: أَمَّا الدُّخُولُ فَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ، وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ. فَأَوْصَى بِمَا أَرَادَ، وَأَعْتَقَ مَمَالِيكَهُ. وَأَتَتْنِي رُسُلُ الرَّشِيدِ تَسْتَحِثُّنِي، فَمَضَيْتُ بِهِ إِلَيْهِ، فَأَعْلَمْتُهُ وَهُوَ فِي فِرَاشِهِ، فَقَالَ: ائْتِنِي بِرَأْسِهِ. فَأَتَيْتُ جَعْفَرًا فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: اللَّهَ اللَّهَ! وَاللَّهِ مَا أَمَرَكَ [بِمَا أَمَرَكَ بِهِ] إِلَّا وَهُوَ سَكْرَانُ، فَدَافِعْ حَتَّى أُصْبِحَ، أَوْ رَاجِعْهُ فِيَّ ثَانِيَةً. فَعُدْتُ لِأُرَاجِعَهُ، فَلَمَّا سَمِعَ حِسِّي قَالَ: يَا مَاصَّ بَظْرِ أُمِّهِ، ائْتِنِي بِرَأْسِهِ! فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ (فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: آمِرْهُ. فَرَجَعْتُ) ،

стр. 2717

فَحَذَفَنِي بِعَمُودٍ كَانَ فِي يَدِهِ، وَقَالَ: نُفِيتُ مِنَ الْمَهْدِيِّ، إِنْ لَمْ تَأْتِنِي بِرَأْسِهِ لَأَقْتُلَنَّكَ! قَالَ: فَخَرَجْتُ فَقَتَلْتُهُ وَحَمَلْتُ رَأْسَهُ إِلَيْهِ. وَأَمَرَ بِتَوْجِيهِ مَنْ أَحَاطَ بِيَحْيَى وَوَلَدِهِ وَجَمِيعِ أَسْبَابِهِ، وَحَوَّلَ الْفَضْلَ بْنَ يَحْيَى لَيْلًا، فَحُبِسَ فِي بَعْضِ مَنَازِلِ الرَّشِيدِ، وَحُبِسَ يَحْيَى فِي مَنْزِلِهِ، وَأَخَذَ مَا وَجَدَ لَهُمْ مِنْ مَالٍ وَضِيَاعٍ وَمَتَاعٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَرْسَلَ مِنْ لَيْلَتِهِ إِلَى سَائِرِ الْبِلَادِ فِي قَبْضِ أَمْوَالِهِمْ، وَوُكَلَائِهِمْ، وَرَقِيقِهِمْ، وَأَسْبَابِهِمْ، وَكُلِّ مَا لَهُمْ. فَلَمَّا أَصْبَحَ أَرْسَلَ جِيفَةَ جَعْفَرٍ إِلَى بَغْدَاذَ، وَأَمَرَ أَنْ يُنْصَبَ رَأْسُهُ عَلَى جِسْرٍ، وَيُقْطَعَ بَدَنُهُ قِطْعَتَيْنِ، تُنْصَبَ كُلُّ قِطْعَةٍ عَلَى جِسْرٍ. وَلَمْ يَعْرِضِ الرَّشِيدُ لِمُحَمَّدِ بْنِ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ وَوَلَدِهِ وَأَسْبَابِهِ، لِأَنَّهُ عَلِمَ بَرَاءَتَهُ مِمَّا دَخَلَ فِيهِ أَهْلُهُ. وَقِيلَ: كَانَ يَسْعَى بِهِمْ. ثُمَّ حَبَسَ يَحْيَى وَبَنِيهِ الْفَضْلَ وَمُحَمَّدًا وَمُوسَى مَحْبَسًا سَهْلًا، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عِدَّةٍ مِنْ خَدَمِهِمْ، وَلَا مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْ جَارِيَةٍ وَغَيْرِهَا. وَلَمْ تَزَلْ حَالُهُمْ سَهْلَةً حَتَّى قَبَضَ الرَّشِيدُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ صَالِحٍ، فَعَمَّهُمْ

стр. 2718

بِسُخْطِهِ، وَجُدِّدَ لَهُ وَلَهُمُ التُّهْمَةُ عِنْدَ الرَّشِيدِ، فَضَيَّقَ عَلَيْهِمْ. وَلَمَّا قُتِلَ جَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى قِيلَ لِأَبِيهِ: قَتَلَ الرَّشِيدُ ابْنَكَ! قَالَ: كَذَلِكَ يُقْتَلُ ابْنُهُ. قِيلَ: وَقَدْ أَخْرَبَ دِيَارَكَ. قَالَ: كَذَلِكَ تُخَرَّبُ دِيَارُهُ. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الرَّشِيدَ قَالَ: قَدْ خِفْتُ أَنْ يَكُونَ مَا قَالَهُ ; لِأَنَّهُ مَا قَالَ شَيْئًا إِلَّا وَرَأَيْتُ تَأْوِيلَهُ. قَالَ سَلَامُ الْأَبْرَشُ: دَخَلْتُ عَلَى يَحْيَى وَقْتَ قَبْضِهِ، وَقَدْ هُتِكَتِ السُّتُورُ، وَجُمِعَ الْمَتَاعُ، فَقَالَ: هَكَذَا تَقُومُ الْقِيَامَةُ. قَالَ: فَحَدَّثْتُ الرَّشِيدَ فَأَطْرَقَ مُفَكِّرًا. وَكَانَ قَتْلُ جَعْفَرٍ لَيْلَةَ السَّبْتِ مُسْتَهَلَّ صَفَرٍ، وَكَانَ عُمْرُهُ سَبْعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَكَانَتِ الْوِزَارَةُ إِلَيْهِمْ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَلَمَّا نُكِبُوا قَالَ الرَّقَاشِيُّ - وَقِيلَ: أَبُو نُوَاسٍ -: الْآنَ اسْتَرَحْنَا وَاسْتَرَاحَتْ رِكَابُنَا ... وَأَمْسَكَ مَنْ يَحْدُو وَمَنْ كَانَ يَحْتَدِي فَقُلْ لِلْمَطَايَا: قَدْ أَمِنْتِ مِنَ السُّرَى ... وَطَيِّ الْفَيَافِي فَدْفَدًا بَعْدَ فَدْفَدِ وَقُلْ لِلْمَنَايَا: قَدْ ظَفِرْتِ بِجَعْفَرٍ ... وَلَنْ تَظْفَرِي مِنْ بَعْدِهِ بِمُسَوَّدِ وَقُلْ لِلْعَطَايَا بَعْدَ فَضْلٍ: تَعَطَّلِي ... وَقُلْ لِلرَّزَايَا كُلَّ يَوْمٍ: تَجَدَّدِي وَدُونَكَ سَيْفًا بَرْمَكِيًّا مُهَنَّدًا ... أُصِيبَ بِسَيْفٍ هَاشِمِيٍّ مُهَنَّدِ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ لَمَّا نُكِبَ: الدُّنْيَا دُوَلٌ، وَالْمَالُ عَارِيَةٌ، وَلَنَا بِمَنْ قَبْلَنَا أُسْوَةٌ، وَفِينَا لِمَنْ بَعْدَنَا عِبْرَةٌ. وَوَقَّعَ يَحْيَى عَلَى قَصَّةِ مَحْبُوسٍ: الْعُدْوَانُ أَوْبَقَهُ، وَالتَّوْبَةُ تُطْلِقُهُ. وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى: الْحَظُّ سِمْطُ الْحِكْمَةِ، بِهِ تُفَصَّلُ شُذُورُهَا وَيُنَظَمُ مَنْثُورُهَا.

стр. 2719

قَالَ ثُمَامَةُ: قُلْتُ لِجَعْفَرٍ: مَا الْبَيَانُ؟ قَالَ: أَنْ يَكُونَ الِاسْمُ مُحِيطًا بِمَعْنَاكَ، مُخْبِرًا عَنْ مَغْزَاكَ، مُخْرِجًا مِنَ الشَّرِكَةِ، غَيْرَ مُسْتَعَانٍ عَلَيْهِ بِالْفِكْرَةِ. ذِكْرُ الْقَبْضِ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ صَالِحٍ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ غَضِبَ الرَّشِيدُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ صَالِحِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ. وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ وَلَدٌ اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى، وَكَانَ مِنْ رُحَّالِ النَّاسِ، فَسَعَى بِأَبِيهِ هُوَ وَقُمَامَةُ كَاتِبُ أَبِيهِ، وَقَالَا لِلرَّشِيدِ: إِنَّهُ يَطْلُبُ الْخِلَافَةَ، وَيَطْمَعُ فِيهَا. فَأَخَذَهُ وَحَبَسَهُ عِنْدَ الْفَضْلِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَأَحْضَرَهُ يَوْمًا حِينَ سَخِطَ عَلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: أَكُفْرًا بِالنِّعْمَةِ، وَجُحُودًا لِجَلِيلِ الْمِنَّةِ وَالتَّكْرِمَةِ؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَقَدْ بُؤْتُ إِذًا بِالنَّدَمِ، وَتَعَرَّضْتُ لِاسْتِحْلَالِ النِّقَمِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا بَغْيُ حَاسِدِنَا، فَنَسِيَ فِيكَ مَوَدَّةَ الْقَرَابَةِ وَتَقْدِيمَ الْوِلَايَةِ، إِنَّكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى أُمَّتِهِ، وَأَمِينُهُ عَلَى عِتْرَتِهِ، لَكَ عَلَيْهَا فَرْضُ الطَّاعَةِ، وَأَدَاءُ النَّصِيحَةِ، وَلَهَا عَلَيْكَ الْعَدْلُ فِي حُكْمِهَا، وَالْغُفْرَانُ لِذُنُوبِهَا، وَالتَّثَبُّتُ فِي حَادِثِهَا. فَقَالَ لَهُ الرَّشِيدُ: أَتَضَعُ [لِي] مِنْ لِسَانِكَ، وَتَرْفَعُ [لِي] مِنْ جَنَانِكَ؟ هَذَا كَاتِبُكَ قُمَامَةُ يُخْبِرُ بِغِلِّكَ وَفَسَادِ نِيَّتِكَ، فَاسْمَعْ كَلَامَهُ. فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: أَعْطَاكَ مَا لَيْسَ فِي عِقْدِهِ، وَلَعَلَّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَعْضَهَنِي أَوْ يَبْهَتَنِي بِمَا لَمْ يَعْرِفْهُ مِنِّي. فَأُحْضِرَ قُمَامَةُ فَقَالَ لَهُ الرَّشِيدُ: تَكَلَّمْ غَيْرَ هَائِبٍ وَلَا خَائِفٍ! فَقَالَ: أَقُولُ: إِنَّهُ عَازِمٌ عَلَى الْغَدْرِ بِكَ وَالْخِلَافِ عَلَيْكَ.

стр. 2720

فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: كَيْفَ لَا يَكْذِبُ عَلَيَّ مِنْ خَلْفِي [وَهُوَ] يَبْهَتُنِي فِي وَجْهِي؟ فَقَالَ الرَّشِيدُ: فَهَذَا ابْنُكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يُخْبِرُنِي بِعُتُوِّكَ، وَفَسَادِ نِيَّتِكَ، وَلَوْ أَرَدْتُ أَنْ أَحْتَجَّ عَلَيْكَ لَمْ أَجِدْ أَعْدَلَ مِنْ هَذَيْنِ الِاثْنَيْنِ لَكَ، فَلِمَ تَدْفَعُهُمَا عَنْكَ؟ فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: هُوَ مَأْمُورٌ، أَوْ عَاقٌّ مَجْبُورٌ، فَإِنْ كَانَ مَأْمُورًا فَمَعْذُورٌ، وَإِنْ كَانَ عَاقًّا فَفَاجِرٌ كَفُورٌ، أَخْبَرَ اللَّهُ بِعَدَاوَتِهِ، وَحَذَّرَ مِنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤] فَنَهَضَ الرَّشِيدُ وَهُوَ يَقُولُ: مَا أَمْرُكَ إِلَّا قَدْ وَضَحَ، وَلَكِنِّي لَا أَعْجَلُ، حَتَّى أَعْلَمَ الَّذِي يُرْضِي اللَّهَ فِيكَ، فَإِنَّهُ الْحَكَمُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ. فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: رَضِيتُ بِاللَّهِ حَكَمًا، وَبِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ حَاكِمًا، فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ لَنْ يُؤْثِرَ هَوَاهُ عَلَى رِضَى رَبِّهِ. وَأَحْضَرَهُ الرَّشِيدُ يَوْمًا آخَرَ، فَكَانَ مِمَّا قَالَ لَهُ: أُرِيدُ حَيَاتَهُ وَيُرِيدُ قَتْلِي عَذِيرَكَ مِنْ خَلِيلِكَ مِنْ مُرَادِ ثُمَّ قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى شُؤْبُوبِهَا قَدْ هَمَعَ، وَعَارَضِهَا قَدْ لَمَعَ، وَكَأَنِّي بِالْوَعِيدِ قَدْ أَوْرَى زِنَادًا يَسْطَعُ، فَأَقْلَعَ عَنْ بَرَاجِمَ بِلَا مَعَاصِمَ، وَرُءُوسٍ بِلَا غَلَاصِمَ، فَمَهْلًا مَهْلًا بَنِي هَاشِمٍ، فَبِي وَاللَّهِ سُهِّلَ لَكُمُ الْوَعِرُ، وَصَفَا لَكُمُ الْكَدِرُ، وَأَلْقَتْ إِلَيْكُمُ الْأُمُورُ أَزِمَّتَهَا، فَنَذَارِ لَكُمْ نَذَارِ قَبْلَ حُلُولِ دَاهِيَةٍ، خَبُوطٍ بِالْيَدِ، لَبُوطٍ بِالرِّجْلِ. فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: اتَّقِ اللَّهَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِيمَا وَلَّاكَ مِنْ رَعِيَّتِهِ الَّتِي اسْتَرْعَاكَ،

стр. 2721

وَلَا تَجْعَلِ الْكُفْرَ مَكَانَ الشُّكْرِ، وَلَا الْعِقَابَ مَوْضِعَ الثَّوَابِ، فَقَدْ نَخَلْتُ لَكَ النَّصِيحَةَ، وَمَحَضْتُ لَكَ الطَّاعَةَ، وَشَدَدْتُ أَوَاخِيَ مُلْكِكَ بِأَثْقَلَ مِنْ رُكْنَيْ يَلَمْلَمَ، وَتَرَكْتُ عَدُوَّكَ مُشْتَغِلًا، فَاللَّهَ اللَّهَ (فِي ذِي رَحِمِكَ أَنْ تَقْطَعَهُ بَعْدَ أَنْ وَصَلْتَهُ، بِظَنٍّ أَفْصَحَ الْكِتَابُ [لِي] بِعِضَهِهِ، أَوْ بِبَغْيِ بَاغٍ يَنْهَسُ اللَّحْمَ، وَيَلِغُ الدَّمَ، فَقَدْ وَاللَّهِ سَهَّلْتُ لَكَ الْوُعُورَ، وَذَلَّلْتُ لَكَ الْأُمُورَ، وَجَمَعْتُ عَلَى طَاعَتِكَ الْقُلُوبَ فِي الصُّدُورِ، فَكَمْ [مِنْ] لَيْلِ تَمَامٍ فِيكَ كَابَدْتُهُ، وَمَقَامٍ ضَيِّقٍ [لَكَ] قُمْتُهُ، كُنْتُ [فِيهِ] كَمَا قَالَ أَخُو بَنِي جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ - يَعْنِي لَبِيدًا -: وَمَقَامٍ ضَيِّقٍ فَرَّجْتُهُ بِبَيَانٍ وَلِسَانٍ وَجَدَلْ لَوْ يَقُومُ الْفِيلُ أَوْ فَيَّالُهُ زَلَّ عَنْ مِثْلِ مَقَامِي وَزَحَلْ فَقَالَ لَهُ الرَّشِيدُ: وَاللَّهِ لَوْلَا إِبْقَائِي عَلَى بَنِي هَاشِمٍ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ. ثُمَّ أَعَادَهُ إِلَى مَحْبِسِهِ. فَدَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكٍ عَلَى الرَّشِيدِ، وَكَانَ عَلَى شُرْطَتِهِ، فَقَالَ لَهُ: وَاللَّهِ الْعَظِيمِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا عَلِمْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ إِلَّا نَاصِحًا، فَعَلَامَ حَبَسْتَهُ؟ فَقَالَ: بَلَغَنِي عَنْهُ مَا أَوْحَشَنِي، وَلَمْ آمَنْهُ أَنْ يَضْرِبَ بَيْنَ ابْنَيَّ هَذَيْنِ - يَعْنِي الْأَمِينَ وَالْمَأْمُونَ - فَإِنْ كُنْتَ تَرَى أَنْ نُطْلِقَهُ مِنَ الْحَبْسِ أَطْلَقْنَاهُ. فَقَالَ: أَمَا إِذْ حَبَسْتَهُ، فَلَسْتُ أَرَى فِي قُرْبِ الْمُدَّةِ أَنْ تُطْلِقَهُ، وَلَكِنْ تَحْبِسُهُ مَحْبَسًا كَرِيمًا. قَالَ: فَإِنِّي أَفْعَلُ. فَأَمَرَ الْفَضْلَ بْنَ الرَّبِيعِ أَنْ يَمْضِيَ إِلَيْهِ،

стр. 2722

وَيَنْظُرَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فَيُوَظِّفَهُ لَهُ، فَفَعَلَ. وَلَمْ يَزَلْ عَبْدُ الْمَلِكِ مَحْبُوسًا حَتَّى مَاتَ الرَّشِيدُ، فَأَخْرَجَهُ الْأَمِينُ وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى الشَّامِ، فَأَقَامَ بِالرَّقَّةِ، وَجَعَلَ لِمُحَمَّدٍ الْأَمِينِ عَهْدَ اللَّهِ لَئِنْ قُتِلَ وَهُوَ حَيٌّ لَا يُعْطِي الْمَأْمُونَ طَاعَةً أَبَدًا، فَمَاتَ قَبْلَ الْأَمِينِ، وَكَانَ مَا قَالَ لِلْأَمِينِ: إِنْ خِفْتَ فَالْجَأْ إِلَيَّ فَوَاللَّهِ لَأَصُونَنَّكَ. وَقَالَ الرَّشِيدُ يَوْمًا لِعَبْدِ الْمَلِكِ: مَا أَنْتَ لِصَالِحٍ! قَالَ: فَلِمَنْ أَنَا؟ قَالَ: لِمَرْوَانَ الْجَعْدِيِّ. قَالَ: مَا أُبَالِي أَيُّ الْفَحْلَيْنِ غَلَبَ عَلَيَّ. وَأَرْسَلَ الرَّشِيدُ يَوْمًا إِلَى يَحْيَى بْنِ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ: إِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ أَرَادَ الْخُرُوجَ عَلَيَّ وَمُنَازَعَتِي فِي الْمُلْكِ، وَعَلِمْتُ ذَلِكَ، فَأَعْلِمْنِي مَا عِنْدَكَ فِيهِ، فَإِنَّكَ إِنْ صَدَقْتَنِي أَعَدْتُكَ إِلَى حَالِكِ. فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا اطَّلَعْتُ مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذَا، وَلَوِ اطَّلَعْتُ عَلَيْهِ لَكُنْتُ صَاحِبَهُ دُونَكَ، لِأَنَّ مُلْكَكَ كَانَ مُلْكِي، وَسُلْطَانَكَ كَانَ سُلْطَانِي، وَالْخَيْرُ وَالشَّرُّ كَانَ فِيهِ عَلَيَّ وَلِيَّ، وَكَيْفَ يَطْمَعُ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي ذَلِكَ مِنِّي، وَهَلْ كَانَ إِذَا فَعَلْتُ بِهِ ذَلِكَ، يَفْعَلُ مَعِي أَكْثَرَ مِنْ فِعْلِكَ؟ وَأُعِيذُكَ بِاللَّهِ أَنْ تَظُنَّ بِي هَذَا الظَّنَّ، وَلَكِنَّهُ كَانَ رَجُلًا مُحْتَمَلًا يَسُرُّنِي أَنْ يَكُونَ فِي أَهْلِكَ مِثْلُهُ، فَوَلَّيْتَهُ لَمَّا حَمِدْتَ أَثَرَهُ وَمَذْهَبَهُ، وَمِلْتَ إِلَيْهِ لِأَدَبِهِ وَاحْتِمَالِهِ. فَلَمَّا أَتَاهُ الرَّسُولُ بِهَذَا أَعَادَهُ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: إِنْ أَنْتَ لَمْ تُقِرَّ عَلَيْهِ قَتَلْتُ الْفَضْلَ ابْنَكَ. فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ مُسَلَّطٌ عَلَيْنَا، فَافْعَلْ مَا أَرَدْتَ. فَأَخَذَ الرَّسُولُ الْفَضْلَ فَأَقَامَهُ، فَوَدَّعَ أَبَاهُ وَقَالَ لَهُ: أَلَسْتَ رَاضِيًا عَنِّي؟ قَالَ: بَلَى، فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ. فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا لَمْ يَجِدْ عِنْدَهُمَا فِي ذَلِكَ شَيْئًا جَمَعَهُمَا. ذِكْرُ غَزْوِ الرُّومِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ دَخَلَ الْقَاسِمُ بْنُ الرَّشِيدِ أَرْضَ الرُّومِ فِي شَعْبَانَ، فَأَنَاخَ عَلَى قُرَّةَ،

стр. 2723

وَحَصَرَهَا، وَوَجَّهَ الْعَبَّاسَ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ، فَحَصَرَ حِصْنَ سِنَانٍ، حَتَّى جَهِدَ أَهْلُهَا، فَبَعَثَ إِلَيْهِ الرُّومُ ثَلَاثَمِائَةٍ وَعِشْرِينَ أَسِيرًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنْ يَرْحَلَ عَنْهُمْ، فَأَجَابَهُمْ وَرَحَلَ عَنْهُمْ صُلْحًا. وَمَاتَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى فِي هَذِهِ الْغَزَاةِ بِأَرْضِ الرُّومِ. وَكَانَ يَمْلِكُ الرُّومَ حِينَئِذٍ امْرَأَةٌ اسْمُهَا رِينِي، فَخَلَعَتْهَا الرُّومُ وَمَلَّكَتْ نِقْفُورَ، وَتَزْعُمُ الرُّومُ أَنَّهُ مِنْ أَوْلَادِ جَفْنَةَ بْنِ غَسَّانَ، وَكَانَ قَبْلَ أَنْ يَمْلِكَ يَلِي دِيوَانَ الْخَرَاجِ، وَمَاتَتْ رِينِي بَعْدَ خَمْسَةِ أَشْهُرٍ مِنْ خَلْعِهَا. فَلَمَّا اسْتَوْثَقَتِ الرُّومُ لِنِقْفُورَ كَتَبَ إِلَى الرَّشِيدِ: مِنْ نِقْفُورَ مَلِكِ الرُّومِ إِلَى هَارُونَ مَلِكِ الْعَرَبِ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْمَلِكَةَ الَّتِي كَانَتْ قَبْلِي أَقَامَتْكَ مَقَامَ الرُّخِّ، وَأَقَامَتْ نَفْسَهَا مَقَامَ الْبَيْدَقِ، فَحَمَلَتْ إِلَيْكَ مِنْ أَمْوَالِهَا مَا كُنْتَ حَقِيقًا بِحَمْلِ أَضْعَافِهَا إِلَيْهَا، لَكِنَّ ذَلِكَ ضَعْفُ النِّسَاءِ وَحُمْقُهُنَّ، فَإِذَا قَرَأْتَ كِتَابِي هَذَا فَارْدُدْ مَا حَصَلَ لَكَ مِنْ أَمْوَالِهَا، وَافْتَدِ نَفْسَكَ بِمَا تَقَعُ بِهِ الْمُصَادَرَةُ لَكَ، وَإِلَّا فَالسَّيْفُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ.

стр. 2724

فَلَمَّا قَرَأَ الرَّشِيدُ الْكِتَابَ اسْتَفَزَّهُ الْغَضَبُ، حَتَّى لَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ دُونَ أَنْ يُخَاطِبَهُ، وَتَفَرَّقَ جُلَسَاؤُهُ، فَدَعَا بِدَوَاةٍ وَكَتَبَ عَلَى ظَهْرِ الْكِتَابِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ هَارُونَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى نِقْفُورَ كَلْبِ الرُّومِ، قَدْ قَرَأْتُ كِتَابَكَ يَابْنَ الْكَافِرَةِ، وَالْجَوَابُ مَا تَرَاهُ دُونَ مَا تَسْمَعُهُ، وَالسَّلَامُ. ثُمَّ سَارَ مِنْ يَوْمِهِ حَتَّى نَزَلَ عَلَى هِرَقْلَةَ فَفَتَحَ وَغَنِمَ وَأَحْرَقَ وَخَرَّبَ، فَسَأَلَهُ نِقْفُورُ الْمُصَالَحَةَ عَلَى خَرَاجٍ يَحْمِلُهُ كُلَّ سَنَةٍ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ. فَلَمَّا رَجَعَ مِنْ غَزْوَتِهِ وَصَارَ بِالرَّقَّةِ نَقَضَ نِقْفُورُ الْعَهْدَ، وَكَانَ الْبَرْدُ شَدِيدًا، فَأَمِنَ رَجْعَةَ الرَّشِيدِ إِلَيْهِ، فَلَمَّا جَاءَ الْخَبَرُ بِنَقْضِهِ مَا جَسَرَ أَحَدٌ عَلَى إِخْبَارِ الرَّشِيدِ، خَوْفًا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنَ الْعَوْدِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْبَرْدِ، وَإِشْفَاقًا مِنَ الرَّشِيدِ، فَاحْتِيلَ لَهُ بِشَاعِرٍ مِنْ أَهْلِ جُنْدِهِ، وَهُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، وَقِيلَ هُوَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ التَّمِيمِيُّ، فَقَالَ أَبْيَاتًا، مِنْهَا: نَقَضَ الَّذِي أَعْطَيْتَهُ نِقْفُورُ ... فَعَلَيْهِ دَائِرَةُ الْبَوَارِ تَدُورُ أَبْشِرْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهُ ... فَتْحٌ أَتَاكَ بِهِ الْإِلَهُ كَبِيرُ فَتْحٌ يَزِيدُ عَلَى الْفُتُوحِ ... يَؤُمُّنَا بِالنَّصْرِ فِيهِ لِوَاؤُكَ الْمَنْصُورُ فِي أَبْيَاتٍ غَيْرِهَا. فَلَمَّا سَمِعَ الرَّشِيدُ ذَلِكَ قَالَ: أَوَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ نِقْفُورُ؟ وَعَلِمَ أَنَّ الْوُزَرَاءَ قَدِ احْتَالُوا لَهُ فِي ذَلِكَ، فَرَجَعَ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ فِي (أَشَدِّ زَمَانٍ وَأَعْظَمِ كُلْفَةٍ، حَتَّى بَلَغَ بِلَادَهُمْ) ، فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى شَفَى وَاشْتَفَى وَبَلَغَ مَا أَرَادَ.

стр. 2725

وَقِيلَ: كَانَ فِعْلُ نِقْفُورَ وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ سَبَبًا لِسَيْرِ الرَّشِيدِ وَفَتْحِ هِرَقْلَةَ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، سَنَةَ تِسْعِينَ وَمِائَةٍ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -. ذِكْرُ قَتْلِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ نَهِيكٍ وَفِيهَا قَتَلَ الرَّشِيدُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ عُثْمَانَ بْنَ نَهِيكٍ، وَسَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّهُ كَانَ كَثِيرًا مَا يَذْكُرُ جَعْفَرَ بْنَ يَحْيَى وَالْبَرَامِكَةَ، وَيَبْكِي عَلَيْهِمْ إِلَى أَنْ خَرَجَ مِنَ الْبُكَاءِ إِلَى حَدِّ طَالِبِي الثَّأْرِ، فَكَانَ إِذَا شَرِبَ النَّبِيذَ مَعَ جَوَارِيهِ أَخَذَ سَيْفَهُ، وَيَقُولُ: وَاجَعْفَرَاهُ! وَاسَيِّدَاهُ! وَاللَّهِ لَأَقْتُلَنَّ قَاتِلَكَ وَلَأَثْأَرَنَّ بِدَمِكَ. فَلَمَّا كَثُرَ هَذَا مِنْهُ جَاءَ ابْنُهُ فَأَعْلَمَ الرَّشِيدَ هُوَ وَخَصِيٌّ كَانَ لِإِبْرَاهِيمَ، فَأَحْضَرَ إِبْرَاهِيمَ وَسَقَاهُ نَبِيذًا، فَلَمَّا أُخِذَ مِنْهُ النَّبِيذُ قَالَ لَهُ: إِنِّي قَدْ نَدِمْتُ عَلَى قَتْلِ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى، وَوَدِدْتُ أَنِّي خَرَجْتُ مِنْ مُلْكِي، وَأَنَّهُ كَانَ بَقِيَ لِي، فَمَا وَجَدْتُ طَعْمَ النَّوْمِ مُذْ فَارَقْتُهُ. فَلَمَّا سَمِعَهَا إِبْرَاهِيمُ أَسْبَلَ دُمُوعَهُ وَقَالَ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا الْفَضْلِ! وَاللَّهِ يَا سَيِّدِي لَقَدْ أَخْطَأْتَ فِي قَتْلِهِ، وَأُوطِئْتَ الْعُشْوَةَ فِي أَمْرِهِ، وَأَيْنَ يُوجَدُ فِي الدُّنْيَا مِثْلُهُ؟ فَقَالَ الرَّشِيدُ: قُمْ! عَلَيْكَ لَعْنَةُ اللَّهِ يَابْنَ اللَّخْنَاءِ. فَقَامَ وَمَا يَعْقِلُ [مَا يَطَأُ] ، فَمَا كَانَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ أَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ ابْنُهُ فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ إِلَّا لَيَالٍ قَلَائِلُ. ذِكْرُ مُلْكِ الْفِرِنْجِ مَدِينَةَ تُطِيلَةَ بِالْأَنْدَلُسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَلَكَ الْفِرِنْجُ مَدِينَةَ تُطِيلَةَ بِالْأَنْدَلُسِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَكَمَ صَاحِبَ الْأَنْدَلُسِ اسْتَعْمَلَ (عَلَى ثُغُورِ الْأَنْدَلُسِ قَائِدًا كَبِيرًا مِنْ أَجْنَادِهِ، اسْمُهُ عَمْرُوسُ بْنُ يُوسُفَ، فَاسْتَعْمَلَ ابْنَهُ يُوسُفَ) عَلَى تُطِيلَةَ، وَكَانَ قَدِ انْهَزَمَ مِنَ الْحَكَمِ أَهْلُ بَيْتٍ مِنَ الْأَنْدَلُسِ أُولُو قُوَّةٍ وَبَأْسٍ، لِأَنَّهُمْ خَرَجُوا عَنْ طَاعَتِهِ، فَالْتَحَقُوا بِالْمُشْرِكِينَ، فَقَوِيَ أَمْرُهُمْ، وَاشْتَدَّتْ شَوْكَتُهُمْ، وَتَقَدَّمُوا إِلَى مَدِينَةِ تُطِيلَةَ فَحَصَرُوهَا، وَمَلَكُوهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَسَرُوا أَمِيرَهَا يُوسُفَ بْنَ عَمْرُوسٍ، وَسَجَنُوهُ بِصَخْرَةِ قَيْسٍ.

стр. 2726

وَاسْتَقَرَّ عَمْرُوسُ بْنُ يُوسُفَ بِمَدِينَةِ سَرَقُسْطَةَ لِيَحْفَظَهَا مِنَ الْكُفَّارِ، وَجَمَعَ الْعَسَاكِرَ وَسَيَّرَهَا مَعَ ابْنِ عَمٍّ لَهُ، فَلَقِيَ الْمُشْرِكِينَ، وَقَاتَلَهُمْ، فَفَضَّ جَمْعَهُمْ وَهَزَمَهُمْ، وَقَتَلَ أَكْثَرَهُمْ، وَنَجَا الْبَاقُونَ مَنْكُوبِينَ، وَسَارَ الْجَيْشُ إِلَى صَخْرَةِ قَيْسٍ، فَحَصَرُوهَا وَافْتَتَحُوهَا، وَلَمْ يَقْدِرِ الْمُشْرِكُونَ عَلَى مَنْعِهَا مِنْهُمْ، لِمَا نَالَهُمْ مِنَ الْوَهْنِ بِالْهَزِيمَةِ، وَلَمَّا فَتَحَهَا الْمُسْلِمُونَ خَلَّصُوا يُوسُفَ بْنَ عَمْرُوسٍ أَمِيرَ الثَّغْرِ، وَسَيَّرُوهُ إِلَى أَبِيهِ، وَعَظُمَ أَمْرُ عَمْرُوسٍ عِنْدَ الْمُشْرِكِينَ، وَبَعُدَ صَوْتُهُ فِيهِمْ، وَأَقَامَ فِي الثَّغْرِ أَمِيرًا عَلَيْهِ. ذِكْرُ إِيقَاعِ الْحَكَمِ بِأَهْلِ قُرْطُبَةَ كَانَ الْحَكَمُ فِي صَدْرِ وِلَايَتِهِ تَظَاهَرَ بِشُرْبِ الْخَمْرِ وَالِانْهِمَاكِ فِي اللَّذَّاتِ، وَكَانَتْ قُرْطُبَةُ دَارَ عِلْمٍ، وَبِهَا فُضَلَاءُ فِي الْعِلْمِ وَالْوَرَعِ، مِنْهُمْ: يَحْيَى بْنُ يَحْيَى اللَّيْثِيُّ، رَاوِي مُوَطَّأِ مَالِكٍ عَنْهُ، وَغَيْرُهُ، فَثَارَ أَهْلُ قُرْطُبَةَ، وَأَنْكَرُوا فِعْلَهُ، وَرَجَمُوهُ بِالْحِجَارَةِ، وَأَرَادُوا قَتْلَهُ، فَامْتَنَعَ مِنْهُمْ بِمَنْ حَضَرَ مِنَ الْجُنْدِ، وَسَكَنَ الْحَالُ. ثُمَّ بَعْدَ أَيَّامٍ اجْتَمَعَ وُجُوهُ أَهْلِ قُرْطُبَةَ وَفُقَهَاؤُهَا، وَحَضَرُوا عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ الْقُرَشِيِّ الْمَرْوَانِيِّ، عَمِّ هِشَامِ بْنِ حَمْزَةَ، وَأَخَذُوا لَهُ الْبَيْعَةَ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ، وَعَرَّفُوهُ أَنَّ النَّاسَ قَدِ ارْتَضَوْهُ كَافَّةً، فَاسْتَنْظَرَ لَيْلَةً لِيَرَى رَأْيَهُ، وَيَسْتَخِيرَ اللَّهَ فَانْصَرَفُوا، فَحَضَرَ عِنْدَ الْحَكَمِ، وَأَطْلَعَهُ عَلَى الْحَالِ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ عَلَى بَيْعَتِهِ، فَطَلَبَ الْحَكَمُ تَصْحِيحَ الْحَالِ عِنْدَهُ، فَأَخَذَ مَعَهُ بَعْضَ ثِقَاتِ الْحَكَمِ، وَأَجْلَسَهُ فِي قُبَّةٍ فِي دَارِهِ، وَأَخْفَى أَمْرَهُ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ الْقَوْمُ يَسْتَعْلِمُونَ مِنْهُ هَلْ تَقَلَّدَ أَمْرَهُمْ أَمْ لَا، فَأَرَاهُمُ الْمَخَافَةَ عَلَى نَفْسِهِ، وَعَظَّمَ الْخَطْبَ عَلَيْهِمْ، وَسَأَلَهُمْ تِعْدَادَ أَسْمَائِهِمْ وَمَنْ مَعَهُمْ، فَذَكَرُوا لَهُ جَمِيعَ مَنْ مَعَهُمْ مِنْ أَعْيَانِ الْبَلَدِ، وَصَاحِبُ الْحَكَمِ يَكْتُبُ أَسْمَاءَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ: يَكُونُ هَذَا الْأَمْرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ. وَمَشَى إِلَى الْحَكَمِ مَعَ صَاحِبِهِ، فَأَعْلَمَاهُ جَلِيَّةَ الْحَالِ، وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْخَمِيسِ، فَمَا أَتَى عَلَيْهِ اللَّيْلُ حَتَّى حَبَسَ الْجَمَاعَةَ الْمَذْكُورِينَ عَنْ آخِرِهِمْ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ بَعْدَ أَيَّامٍ، فَصُلِبُوا عِنْدَ قَصْرِهِ، وَكَانُوا اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ رَجُلًا، مِنْهُمْ: أَخُو يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، وَابْنُ أَبِي كَعْبٍ، وَكَانَ يَوْمُهُمْ يَوْمًا شَنِيعًا، فَتَمَكَّنَتْ عَدَاوَةُ النَّاسِ لِلْحَكَمِ.

стр. 2727

ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ هَاجَتِ الْعَصَبِيَّةُ بِالشَّامِ بَيْنَ الْمُضَرِيَّةِ وَالْيَمَانِيَّةِ، فَأَرْسَلَ الرَّشِيدُ فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ. وَفِيهَا زُلْزِلَتِ الْمَصِّيصَةُ، فَانْهَدَمَ سُورُهَا، وَنَضَبَ مَاؤُهَا سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ. وَفِيهَا خَرَجَ عَبْدُ السَّلَامِ بِآمِدَ، فَحَكَّمَ، فَقَتَلَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْعُقَيْلِيُّ. وَفِيهَا أَغْزَى الرَّشِيدُ ابْنَهُ الْقَاسِمَ الصَّائِفَةَ، فَوَهَبَهُ لِلَّهِ، وَجَعَلَهُ قُرْبَانًا لَهُ، وَوَلَّاهُ الْعَوَاصِمَ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ الزَّاهِدُ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ بِسَمَرْقَنْدَ، وَانْتَقَلَ إِلَى مَكَّةَ فَمَاتَ بِهَا. وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ طَرْخَانَ التَّيْمِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَصْرِيُّ. وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ وَمِائَةٍ. وَعُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ الْكُوفِيُّ.

стр. 2728

وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو مُسْلِمٍ مُعَاذُ الْهَرَّاءُ النَّحْوِيُّ، وَقِيلَ: كُنْيَتُهُ أَبُو عَلِيٍّ. وَعَنْهُ أَخَذَ الْكِسَائِيُّ النَّحْوَ، (وَوُلِدَ أَيَّامَ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ) .

стр. 2729

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَة] ١٨٨ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ جِبْرَائِيلَ الصَّائِفَةَ، فَدَخَلَ أَرْضَ الرُّومِ مِنْ دَرْبِ الصَّفْصَافِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ نِقْفُورُ مَلِكُ الرُّومِ، فَأَتَاهُ مِنْ وَرَائِهِ أَمْرٌ صَرَفَهُ عَنْهُ، وَلَقِيَ جَمْعًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَجُرِحَ ثَلَاثَ جِرَاحَاتٍ، وَقُتِلَ مِنَ الرُّومِ - فِيمَا قِيلَ - أَرْبَعُونَ أَلْفًا وَسَبْعُمِائَةٍ. وَفِيهَا رَابَطَ الْقَاسِمُ بْنُ الرَّشِيدِ بِدَابِقَ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا الرَّشِيدُ، فَقَسَّمَ أَمْوَالًا كَثِيرَةً، وَهِيَ آخِرُ حَجَّةٍ حَجَّهَا فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الضَّبِّيُّ الرَّازِيُّ وَلَهُ ثَمَانٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً.

стр. 2730

وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْعَبَّاسُ بْنُ الْأَحْنَفِ الشَّاعِرُ، وَقِيلَ: سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ. وَمَاتَ أَبُوهُ الْأَحْنَفُ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ. (وَفِيهَا تُوُفِّيَ شُهَيْدُ) بْنُ عِيسَى بِالْأَنْدَلُسِ، وَعُمْرُهُ ثَلَاثٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً، وَكَانَ دُخُولُهُ الْأَنْدَلُسَ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاوِيَةَ. (شُهَيْدُ بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، وَفَتْحِ الْهَاءِ) .

стр. 2731

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ] ١٨٩ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ مَسِيرِ هَارُونَ الرَّشِيدِ إِلَى الرَّيِّ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ الرَّشِيدُ إِلَى الرَّيِّ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّشِيدَ لَمَّا اسْتَعْمَلَ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ عَلَى خُرَاسَانَ ظَلَمَ أَهْلَهَا، وَأَسَاءَ السِّيرَةَ فِيهِمْ، فَكَتَبَ كُبَرَاءُ أَهْلِهَا وَأَشْرَافُهَا إِلَى الرَّشِيدِ يَشْكُونَ سُوءَ سِيرَتِهِ وَظُلْمَهُ، وَاسْتِخْفَافَهُ بِهِمْ، وَأَخْذَ أَمْوَالِهِمْ. وَقِيلَ لِلرَّشِيدِ: إِنَّ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى قَدْ أَجْمَعَ عَلَى الْخِلَافِ. فَسَارَ إِلَى الرَّيِّ فِي جُمَادَى الْأُولَى، وَمَعَهُ ابْنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ الْمَأْمُونُ، وَالْقَاسِمُ، وَكَانَ قَدْ جَعَلَهُ وَلِيَّ عَهْدٍ بَعْدَ الْمَأْمُونِ، وَجَعَلَ أَمْرَهُ إِلَى الْمَأْمُونِ إِنْ شَاءَ أَقَرَّهُ، وَإِنْ شَاءَ خَلَعَهُ، وَأَحْضَرَ الْقُضَاةَ وَالشُّهُودَ وَأَشْهَدَهُمْ أَنَّ جَمِيعَ [مَا] فِي عَسْكَرِهِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْخَزَائِنِ وَالسِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لِلْمَأْمُونِ، وَلَيْسَ لَهُ فِيهِ شَيْءٌ. وَأَقَامَ الرَّشِيدُ بِالرَّيِّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ حَتَّى أَتَاهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى مِنْ خُرَاسَانَ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ أَهْدَى لَهُ الْهَدَايَا الْكَثِيرَةَ، وَالْأَمْوَالَ الْعَظِيمَةَ، وَأَهْدَى لِجَمِيعِ مَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَوَلَدِهِ، وَكُتَّابِهِ، وَقُوَّادِهِ، مِنَ الطُّرَفِ وَالْجَوَاهِرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَرَأَى الرَّشِيدُ خِلَافَ مَا كَانَ يَظُنُّ، فَرَدَّهُ إِلَى خُرَاسَانَ. وَلَمَّا أَقَامَ الرَّشِيدُ بِالرَّيِّ سَيَّرَ حُسَيْنًا الْخَادِمَ إِلَى طَبَرِسْتَانَ، وَكَتَبَ مَعَهُ أَمَانًا لِشَرْوِينَ بْنِ أَبِي قَارَنَ، وَأَمَانًا لِوَنْدَا هُرْمُزَ، جَدِّ مَازْيَارَ، وَأَمَانًا لِمَرْزُبَانَ بْنِ جُسْتَانَ، (صَاحِبِ

стр. 2732

الدَّيْلَمِ، فَقَدِمَ جُسْتَانُ) وَوَنْدَا هُرْمُزَ فَأَكْرَمَهُمَا، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمَا، وَضَمِنَ وَنْدَا هُرْمُزَ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ، وَأَدَاءَ الْخَرَاجِ عَنْ شَرْوِينَ. وَرَجَعَ الرَّشِيدُ إِلَى الْعِرَاقِ، وَدَخَلَ بَغْدَاذَ فِي آخِرِ ذِي الْحِجَّةِ. فَلَمَّا مَرَّ بِالْجِسْرِ أَمَرَ بِإِحْرَاقِ جُثَّةِ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى، وَلَمْ يَنْزِلْ بَغْدَاذَ، وَمَضَى مِنْ فَوْرِهِ إِلَى الرَّقَّةِ. وَلَمَّا جَازَ بَغْدَاذَ قَالَ:: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَطْوِي مَدِينَةً مَا وُضِعَ بِشَرْقٍ وَلَا غَرْبٍ مَدِينَةٌ أَيْمَنُ وَلَا أَيْسَرُ مِنْهَا، وَإِنَّهَا لَدَارُ مَمْلَكَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ مَا بَقُوا، وَحَافَظُوا عَلَيْهَا، وَلَا رَأَى أَحَدٌ مِنْ آبَائِي سُوءًا وَلَا نَكْبَةً مِنْهَا، وَلَنِعْمَ الدَّارُ هِيَ، وَلَكِنِّي أُرِيدُ الْمُنَاخَ عَلَى نَاحِيَةِ أَهْلِ الشِّقَاقِ وَالنِّفَاقِ وَالْبُغْضِ لِأَئِمَّةِ الْهُدَى، وَالْحُبِّ لِشَجَرَةِ اللَّعْنَةِ بَنِي أُمَيَّةَ مَعَ مَا فِيهَا مِنَ الْمَارِقَةِ، وَالْمُتَلَصِّصَةِ، وَمُخِيفِي السَّبِيلِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا فَارَقْتُ بَغْدَاذَ [مَا حَيِيتُ] . فَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ الْأَحْنَفِ فِي طَيِّ الرَّشِيدِ بَغْدَاذَ: مَا أَنَخْنَا حَتَّى ارْتَحَلْنَا فَمَا نَفْرِقُ بَيْنَ الْمُنَاخِ وَالِارْتِحَالِ سَاءَلُونَا عَنْ حَالِنَا إِذْ قَدِمْنَا فَقَرَنَّا وَدَاعَهُمْ بِالسُّؤَالِ ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بِطَرَابُلُسِ الْغَرْبِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَثُرَ شَغَبُ أَهْلِ طَرَابُلُسِ الْغَرْبِ عَلَى وُلَاتِهِمْ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَغْلَبِ، أَمِيرُ إِفْرِيقِيَّةَ، قَدِ اسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عِدَّةَ وُلَاةٍ، فَكَانُوا يَشْكُونَ مِنْ وُلَاتِهِمْ، فَيَعْزِلُهُمْ، وَيُوَلِّي غَيْرَهُمْ، فَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ هَذِهِ السَّنَةَ سُفْيَانَ بْنَ الْمَضَاءِ، وَهِيَ وِلَايَتُهُ الرَّابِعَةُ، فَاتَّفَقَ أَهْلُ الْبَلَدِ عَلَى إِخْرَاجِهِ عَنْهُمْ، وَإِعَادَتِهِ إِلَى الْقَيْرَوَانِ، فَزَحَفُوا إِلَيْهِ، فَأَخَذَ سِلَاحَهُ وَقَاتَلَهُمْ هُوَ وَجَمَاعَةٌ مِمَّنْ مَعَهُ، فَأَخْرَجُوهُ مِنْ دَارِهِ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ الْجَامِعَ، فَقَاتَلَهُمْ فِيهِ، فَقَتَلُوا أَصْحَابَهُ ثُمَّ أَمَّنُوهُ، فَخَرَجَ عَنْهُمْ فِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَكَانَتْ وِلَايَتُهُ سَبْعًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا. وَاسْتَعْمَلَ الْجُنْدُ الَّذِينَ بِطَرَابُلُسَ عَلَى الْبَلَدِ وَأَهْلِهِ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سُفْيَانَ التَّمِيمِيَّ.

стр. 2733

ثُمَّ وَقَعَ بَيْنَ الْأَبْنَاءِ بِطَرَابُلُسَ أَيْضًا وَبَيْنَ قَوْمٍ يُعْرَفُونَ بِبَنِي أَبِي كِنَانَةَ وَبَنِي يُوسُفَ - حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ، وَقِتَالٌ، حَتَّى فَسَدَتْ طَرَابُلُسُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْأَغْلَبِ، فَأَرْسَلَ جَمْعًا مِنَ الْجُنْدِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُحْضِرُوا الْأَبْنَاءَ وَبَنِي أَبِي كِنَانَةَ، وَبَنِي يُوسُفَ، فَأَحْضَرُوهُمْ عِنْدَهُ بِالْقَيْرَوَانِ فِي ذِي الْحِجَّةِ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَيْهِ سَأَلُوهُ الْعَفْوَ عَنْهُمْ فِي الَّذِي فَعَلُوهُ، فَعَفَا عَنْهُمْ، فَعَادُوا إِلَى بَلَدِهِمْ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِيهَا كَانَ الْفِدَاءُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالرُّومِ، فَلَمْ يَبْقَ بِأَرْضِ الرُّومِ مُسْلِمٌ إِلَّا فُودِيَ بِهِ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ الْعَبَّاسُ بْنُ مُوسَى بْنِ عِيسَى بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ. وَفِيهَا وَلَّى الرَّشِيدُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَالِكٍ طَبَرِسْتَانَ، وَالرَّيَّ، [وَالرُّويَانَ] ، وَدُنْبَاوَنْدَ، وَقُومِسَ وَهَمَذَانَ، وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إِلَى الرَّيِّ، فَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ فِي مَسِيرِهِ إِلَيْهَا، وَكَانَ الرَّشِيدُ وُلِدَ بِهَا: إِنَّ أَمِينَ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ حَنَّ بِهِ الْبِرُّ إِلَى مَوْلِدِهْ لِيُصْلِحَ الرَّيَّ وَأَقْطَارَهَا وَيُمْطِرَ الْخَيْرَ بِهَا مِنْ يَدِهْ [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ الْفَقِيهُ، صَاحِبُ أَبِي حَنِيفَةَ.

стр. 2734

وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ الرُّؤَاسِيُّ، أَبُو عَوْفٍ. وَسَابِقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَوْصِلِيُّ، وَكَانَ مِنَ الصَّالِحِينَ الْبَكَّائِينَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ - تَعَالَى -.

стр. 2735

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعِينَ وَمِائَةٍ] ١٩٠ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ خَلْعِ رَافِعِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ ظَهَرَ رَافِعُ بْنُ اللَّيْثِ بْنِ نَصْرٍ بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ مُخَالِفًا لِلرَّشِيدِ بِسَمَرْقَنْدَ. وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّ يَحْيَى بْنَ الْأَشْعَثِ (بْنِ يَحْيَى الطَّائِيَّ) تَزَوَّجَ ابْنَةً لِعَمِّهِ أَبِي النُّعْمَانِ، وَكَانَتْ ذَاتَ يَسَارٍ وَلِسَانٍ، ثُمَّ تَرَكَهَا بِسَمَرْقَنْدَ، وَأَقَامَ بِبَغْدَاذَ، وَاتَّخَذَ السَّرَارِيَّ، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهَا، أَرَادَتِ التَّخَلُّصَ مِنْهُ، وَبَلَغَ رَافِعًا خَبَرُهَا، فَطَمِعَ فِيهَا وَفِي مَالِهَا، فَدَسَّ إِلَيْهَا مَنْ قَالَ لَهَا: إِنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى الْخَلَاصِ مِنْ زَوْجِهَا إِلَّا أَنْ تُشْهِدَ عَلَيْهَا قَوْمًا أَنَّهَا أَشْرَكَتْ بِاللَّهِ ثُمَّ تَتُوبَ، فَيَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا، وَتَحِلُّ لِلْأَزْوَاجِ، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ، وَتَزَوَّجَهَا رَافِعٌ. فَبَلَغَ الْخَبَرُ يَحْيَى بْنَ الْأَشْعَثِ، فَشَكَا إِلَى الرَّشِيدِ، فَكَتَبَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ يَأْمُرُهُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَأَنْ يُعَاقِبَ رَافِعًا، وَيَجْلِدَهُ الْحَدَّ، وَيُقَيِّدَهُ وَيَطُوفَ بِهِ فِي سَمَرْقَنْدَ عَلَى حِمَارٍ لِيَكُونَ عِظَةً لِغَيْرِهِ، فَفَعَلَ بِهِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَحُدَّهُ، وَطَلَّقَهَا رَافِعٌ وَحُبِسَ بِسَمَرْقَنْدَ، فَهَرَبَ مِنَ الْحَبْسِ، فَلَحِقَ بِعَلِيِّ بْنِ عِيسَى بِبَلْخَ، فَأَرَادَ ضَرْبَ عُنُقِهِ، فَشَفَعَ فِيهِ عِيسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى، وَأَمَرَهُ بِالِانْصِرَافِ إِلَى سَمَرْقَنْدَ، فَرَجَعَ إِلَيْهَا، وَوَثَبَ بِعَامِلِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى عَلَيْهَا فَقَتَلَهُ، وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا فَوَجَّهَ إِلَيْهِ ابْنَهُ، فَلَقِيَهُ، فَهَزَمَهُ رَافِعٌ، فَأَخَذَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى فِي جَمْعِ الرِّجَالِ وَالتَّأَهُّبِ لِمُحَارَبَتِهِ، وَانْقَضَتِ السَّنَةُ. ذِكْرُ فَتْحِ هِرَقْلَةَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ فَتَحَ الرَّشِيدُ هِرَقْلَةَ، (وَأَخْرَبَهَا) ، وَكَانَ سَبَبَ مَسِيرِهِ إِلَيْهَا مَا ذَكَرْنَاهُ
следующие страницы →