← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

فَآمَنُهُمْ، فَسَكَنَ النَّاسُ وَأَمِنُوا. وَفَرَّقَ أَبُو الْهَيْذَامِ أَصْحَابَهُ، وَبَقِيَ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ، فَطَمِعَ فِيهِ إِسْحَاقُ، فَبَذَلَ الْأَمْوَالَ لِلْجُنُودِ لِيُوَاقِعَ أَبَا الْهَيْذَامِ، فَأَرْسَلَ الْعُذَافِرَ السَّكْسَكِيَّ فِي جَمْعٍ إِلَى أَبِي الْهَيْذَامِ، فَقَاتَلُوهُمْ، فَانْهَزَمَ الْعُذَافِرُ. وَدَامَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ أَبِي الْهَيْذَامِ وَبَيْنَ الْجُنُودِ مِنَ الظُّهْرِ إِلَى الْمَسَاءِ، وَحَمَلَتْ خَيْلُ أَبِي الْهَيْذَامِ عَلَى الْجُنْدِ، فَجَالُوا ثُمَّ تَرَاجَعُوا وَانْصَرَفُوا، وَقَدْ جُرِحَ مِنْهُمْ أَرْبَعُمِائَةٍ، وَلَمْ يُقْتَلْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَذَلِكَ نِصْفَ صَفَرٍ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ لَمْ يَقْتَتِلُوا إِلَى الْمَسَاءِ، فَلَمَّا كَانَ آخِرُ النَّهَارِ تَقَدَّمَ إِسْحَاقُ فِي الْجُنْدِ، فَقَاتَلَهُمْ عَامَّةَ اللَّيْلِ، وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ، وَاسْتَمَدَّ أَبُو الْهَيْذَامِ أَصْحَابَهُ، وَأَصْبَحُوا مِنَ الْغَدِ فَاقْتَتَلُوا وَالْجُنْدُ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَجَاءَتْهُمُ الْيَمَانِيَّةُ، وَخَرَجَ أَبُو الْهَيْذَامِ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ، وَهُمْ قَلِيلُونَ: انْزِلُوا، فَنَزَلُوا، وَقَاتَلُوهُمْ عَلَى بَابِ الْجَابِيَةِ، حَتَّى أَزَالُوهُمْ عَنْهُ. ثُمَّ إِنَّ جَمْعًا مِنْ أَهْلِ حِمْصَ أَغَارُوا عَلَى قَرْيَةٍ لِأَبِي الْهَيْذَامِ، فَأَرْسَلَ طَائِفَةً مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَيْهِمْ، فَقَاتَلُوهُمْ فَانْهَزَمَ أَهْلُ حِمْصَ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ بَشَرٌ كَثِيرٌ، وَأَحْرَقُوا قُرًى فِي الْغُوطَةِ لِلْيَمَانِيَّةِ، وَأَحْرَقُوا دَارِيَّا، ثُمَّ بَقُوا نَيِّفًا وَسَبْعِينَ يَوْمًا لَمْ تَكُنْ حَرْبٌ. فَقَدِمَ السِّنْدِيُّ، مُسْتَهَلَّ رَبِيعٍ الْآخِرِ، فِي الْجُنُودِ مِنْ عِنْدِ الرَّشِيدِ فَأَتَتْهُ الْيَمَانِيَّةُ تُغْرِيهِ بِأَبِي الْهَيْذَامِ، وَأَرْسَلَ أَبُو الْهَيْذَامِ إِلَيْهِ يُخْبِرُهُ أَنَّهُ عَلَى الطَّاعَةِ، فَأَقْبَلَ حَتَّى دَخَلَ دِمَشْقَ، وَإِسْحَاقُ بِدَارِ الْحَجَّاجِ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ أَرْسَلَ السِّنْدِيُّ قَائِدًا فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ، وَأَخْرَجَ إِلَيْهِمْ أَبُو الْهَيْذَامِ أَلْفًا، فَلَمَّا رَآهُمُ الْقَائِدُ رَجَعَ إِلَى السِّنْدِيِّ، فَقَالَ: أَعْطِ هَؤُلَاءِ مَا أَرَادُوا، فَقَدْ رَأَيْتُ قَوْمًا الْمَوْتُ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنَ الْحَيَاةِ، فَصَالَحَ أَبُو الْهَيْذَامِ، وَأَمِنَ أَهْلُ دِمَشْقَ وَالنَّاسُ. وَسَارَ أَبُو الْهَيْذَامِ إِلَى حَوْرَانَ، وَأَقَامَ السِّنْدِيُّ بِدِمَشْقَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَقَدِمَ مُوسَى بْنُ عِيسَى وَالِيًا عَلَيْهَا، فَلَمَّا دَخَلَهَا أَقَامَ بِهَا عِشْرِينَ يَوْمًا، وَاغْتَنَمَ غِرَّةَ أَبِي الْهَيْذَامِ فَأَرْسَلَ مَنْ يَأْتِيهِ بِهِ، فَكَبَسُوا دَارَهُ، فَخَرَجَ هُوَ وَابْنُهُ خُرَيْمٌ وَعَبْدٌ لَهُ، فَقَاتَلُوهُمْ، وَنَجَا مِنْهُمْ وَانْهَزَمَ الْجُنْدُ.

стр. 2662

وَسَمِعَتْ خَيْلُ أَبِي الْهَيْذَامِ، فَجَاءَتْهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَقَصَدَ بُصْرَى، وَقَاتَلَ جُنُودَ مُوسَى بِطَرَفِ اللَّجَاةِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ، وَانْهَزَمُوا، وَمَضَى أَبُو الْهَيْذَامِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَاهُ خَمْسُ فَوَارِسَ فَكَلَّمُوهُ، فَأَوْصَى أَصْحَابَهُ بِمَا أَرَادَ، وَتَرَكَهُمْ وَمَضَى، وَذَلِكَ لِعَشْرٍ بَقِينَ مِنْ رَمَضَانَ سَنَةَ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ. (وَكَانَ أُولَئِكَ النَّفَرُ قَدْ أَتَوْهُ مِنْ عِنْدِ أَخِيهِ يَأْمُرُهُ بِالْكَفِّ، فَفَعَلَ، وَمَضَى مَعَهُمْ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالتَّفَرُّقِ، وَكَانَ آخِرَ الْفِتْنَةِ، وَمَاتَ أَبُو الْهَيْذَامِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ) . هَذَا مَا أَرَدْنَا ذِكْرَهُ عَلَى سَبِيلِ الِاخْتِصَارِ. (خُرَيْمٌ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَفَتْحِ الرَّاءِ. وَحَارِثَةُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ. وَنُشْبَةُ بِضَمِّ النُّونِ، وَسُكُونِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَبَعْدَهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ، وَبَغِيضٌ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، وَآخِرُهُ ضَادٌ مُعْجَمَةٌ. وَرَيْثٌ بِالرَّاءِ، وَالْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَآخِرُهُ ثَاءٌ مُثَلَّثَةٌ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بِجَيْشِ صَاحِبِ الْأَنْدَلُسِ بِلَادَ الْفِرِنْجِ، فَبَلَغَ أَلَبَةَ، وَالْقِلَاعَ، فَغَنِمَ، وَسَلِمَ. وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ هِشَامٌ ابْنَهُ الْحَكَمَ عَلَى طُلَيْطِلَةَ، وَسَيَّرَهُ إِلَيْهَا، فَضَبَطَهَا، وَأَقَامَ بِهَا، وَوُلِدَ لَهُ بِهَا ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَكَمِ، وَهُوَ الَّذِي وَلِيَ الْأَنْدَلُسَ بَعْدَ أَبِيهِ. وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ الرَّشِيدُ عَلَى الْمَوْصِلِ الْحَاكِمَ بْنَ سُلَيْمَانَ. وَفِيهَا خَرَجَ الْفَضْلُ الْخَارِجِيُّ بِنَوَاحِي نَصِيبِينَ، فَأَخَذَ مِنْ أَهْلِهَا مَالًا، وَسَارَ إِلَى دَارَا

стр. 2663

وَآمِدَ وَأَرْزَنَ، فَأَخَذَ مِنْهُمْ مَالًا، وَكَذَلِكَ فَعَلَ بِخِلَاطَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى نَصِيبِينَ، وَأَتَى الْمَوْصِلَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ عَسْكَرُهَا، فَهَزَمَهُمْ عَلَى الزَّابِ، ثُمَّ عَادُوا لِقِتَالِهِ، فَقُتِلَ الْفَضْلُ وَأَصْحَابُهُ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ الْفَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ، وَصَالِحُ بْنُ بَشِيرٍ الْمُرِّيُّ الْقَارِئُ، وَكَانَ ضَعِيفًا فِي الْحَدِيثِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَبُو طَاهِرٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَكَانَ قَاضِيًا بِبَغْدَاذَ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ نُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ النَّحْوِيُّ الْكُوفِيُّ، وَأَبُو الْأَحْوَصِ، وَأَبُو عَوَانَةَ، وَاسْمُهُ الْوَضَّاحُ مَوْلَى يَزِيدَ بْنِ عَطَاءٍ اللَّيْثِيِّ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ.

стр. 2664

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ] ١٧٧ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ غَزْوِ الْفِرِنْجِ بِالْأَنْدَلُسِ وَفِيهَا سَيَّرَ هِشَامٌ، صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ، جَيْشًا كَثِيفًا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ مُغِيثٍ، فَدَخَلُوا بِلَادَ الْعَدُوِّ، فَبَلَغُوا أَرْبُونَةَ، وَجَرَنْدَةَ، فَبَدَأَ بِجَرَنْدَةَ، وَكَانَ بِهَا حَامِيَةُ الْفِرِنْجِ، فَقَتَلَ رِجَالِهَا، وَهَدَمَ أَسْوَارَهَا وَأَبْرَاجَهَا، وَأَشْرَفَ عَلَى فَتْحِهَا. فَرَحَلَ عَنْهَا إِلَى أَرْبُونَةَ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَأَوْغَلَ فِي بِلَادِهِمْ، وَوَطِئَ أَرْضَ شُرْطَانِيَةَ، فَاسْتَبَاحَ حَرِيمَهَا، وَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهَا، وَجَاسَ الْبِلَادَ شُهُورًا يُخَرِّبُ الْحُصُونَ، وَيُحَرِّقُ وَيَغْنَمُ، قَدْ أَجَفَلَ الْعَدُوُّ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ هَارِبًا، وَأَوْغَلَ فِي بِلَادِهِمْ، وَرَجَعَ سَالِمًا مَعَهُ مِنَ الْغَنَائِمِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَهِيَ مِنْ أَشْهَرِ مَغَازِي الْمُسْلِمِينَ بِالْأَنْدَلُسِ. ذِكْرُ اسْتِعْمَالِ الْفَضْلِ بْنِ رَوْحِ بْنِ حَاتِمٍ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَهِيَ سَنَةُ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ، اسْتَعْمَلَ الرَّشِيدُ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ الْفَضْلَ بْنَ رَوْحِ بْنِ حَاتِمٍ، وَكَانَ الرَّشِيدُ لَمَّا تُوُفِّيَ رَوْحٌ اسْتَعْمَلَ بَعْدَهُ حَبِيبَ بْنَ نَصْرٍ الْمُهَلَّبِيَّ، فَسَارَ الْفَضْلُ إِلَى بَابِ الرَّشِيدِ، وَخَطَبَ وِلَايَةَ إِفْرِيقِيَّةَ، فَوَلَّاهُ، فَعَادَ إِلَيْهَا، فَقَدِمَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ، فَاسْتَعْمَلَ عَلَى مَدِينَةِ تُونِسَ ابْنَ أَخِيهِ الْمُغِيرَةَ بْنَ بِشْرِ بْنِ رَوْحٍ، وَكَانَ غَارًّا، فَاسْتَخَفَّ بِالْجُنْدِ. وَكَانَ الْفَضْلُ أَيْضًا قَدْ أَوْحَشَهُمْ، وَأَسَاءَ السِّيرَةَ مَعَهُمْ، بِسَبَبِ مَيْلِهِمْ إِلَى نَصْرِ بْنِ حَبِيبٍ الْوَالِي قَبْلَهُ، فَاجْتَمَعَ مَنْ بِتُونِسَ، وَكَتَبُوا إِلَى الْفَضْلِ يَسْتَعْفُونَ مِنِ ابْنِ أَخِيهِ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ عَنْ كِتَابِهِمْ، فَاجْتَمَعُوا عَلَى تَرْكِ طَاعَتِهِ. فَقَالَ لَهُمْ قَائِدٌ مِنَ الْخُرَاسَانِيَّةِ يُقَالُ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَارِسِيِّ: كُلُّ جَمَاعَةٍ لَا رَئِيسَ لَهَا فَهِيَ إِلَى الْهَلَاكِ أَقْرَبُ، فَانْظُرُوا رُجَلًا يُدَبِّرُ أَمْرَكُمْ. قَالُوا: صَدَقْتَ، فَاتَّفَقُوا عَلَى تَقْدِيمِ قَائِدٍ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَارُودِ، يُعْرَفُ

стр. 2665

بِعَبْدَوَيْهِ الْأَنْبَارِيِّ، فَقَدَّمُوهُ عَلَيْهِمْ، وَبَايَعُوهُ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَأَخْرَجُوا الْمُغِيرَةَ عَنْهُمْ، وَكَتَبُوا إِلَى الْفَضْلِ يَقُولُونَ: إِنَّا لَمْ نُخْرِجْ يَدًا عَنْ طَاعَةٍ، وَلَكِنَّهُ أَسَاءَ السِّيرَةَ، فَأَخْرَجْنَاهُ، فَوَلِّ عَلَيْنَا مَنْ نَرْضَاهُ. فَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمُ ابْنَ عَمِّهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ بْنِ حَاتِمٍ وَسَيَّرَهُ إِلَيْهِمْ. فَلَمَّا كَانَ عَلَى مَرْحَلَةٍ مِنْ تُونِسَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ ابْنُ الْجَارُودِ جَمَاعَةً لِيَنْظُرُوا فِي أَيِّ شَيْءٍ قَدِمَ وَلَا يُحْدِثُوا حَدَثًا إِلَّا بِأَمْرِهِ، فَسَارُوا إِلَيْهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنَّ الْفَضْلَ يَخْدَعُكُمْ بِوِلَايَةِ هَذَا، ثُمَّ يَنْتَقِمُ مِنْكُمْ بِإِخْرَاجِكُمْ أَخَاهُ. فَعَدَوْا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ فَقَتَلُوهُ، وَأَخَذُوا مَنْ مَعَهُ مِنَ الْقُوَّادِ أُسَارَى، فَاضْطَرَّ حِينَئِذٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَارُودِ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى الْقِيَامِ وَالْجِدِّ فِي إِزَالَةِ الْفَضْلِ. فَتَوَلَّى ابْنُ الْفَارِسِيِّ الْأَمْرَ، وَصَارَ يَكْتُبُ إِلَى كُلِّ قَائِدٍ بِإِفْرِيقِيَّةَ وَمُتَوَلِّي مَدِينَةٍ يَقُولُ لَهُ: إِنَّا نَظَرْنَا فِي صَنِيعِ الْفَضْلِ فِي بِلَادِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَسُوءِ سِيرَتِهِ، فَلَمْ يَسَعْنَا إِلَّا الْخُرُوجُ عَلَيْهِ لِنُخْرِجَهُ عَنَّا، ثُمَّ نَظَرْنَا فَلَمْ نَجِدْ أَحَدًا أَوْلَى بِنَصِيحَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، لِبُعْدِ صَوْتِهِ وَعَطْفِهِ عَلَى جُنْدِهِ مِنْكَ، فَرَأَيْنَا أَنْ تُجْعَلَ نُفُوسُنَا دُونَكَ، فَإِنْ ظَفِرْنَا جَعَلْنَاكَ أَمِيرَنَا، وَكَتَبْنَا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ نَسْأَلُهُ وِلَايَتَكَ، وَإِنْ كَانَتِ الْأُخْرَى فَلَمْ يَعْلَمْ أَحَدٌ أَنَّنَا أَرَدْنَاكَ، وَالسَّلَامُ. فَأَفْسَدَ بِهَذَا كَافَّةَ الْجُنْدِ عَلَى الْفَضْلِ، وَكَثُرَ الْجَمْعُ عِنْدَهُمْ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمُ الْفَضْلُ عَسْكَرًا كَثِيرًا، فَخَرَجُوا إِلَيْهِ، فَقَاتَلُوهُ، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُهُ وَعَادَ إِلَى الْقَيْرَوَانِ مُنْهَزِمًا، وَتَبِعَهُمْ أَصْحَابُ ابْنِ الْجَارُودِ، فَحَاصَرُوا الْقَيْرَوَانَ يَوْمَهُمْ ذَلِكَ، ثُمَّ فَتَحَ أَهْلُ الْقَيْرَوَانِ الْأَبْوَابَ. وَدَخَلَ ابْنُ الْجَارُودِ وَعَسْكَرُهُ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ، وَأَخْرَجَ الْفَضْلَ مِنَ الْقَيْرَوَانِ، وَوَكَّلَ بِهِ وَبِمَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِهِ أَنْ يُوصِلَهُمْ إِلَى قَابِسَ، فَسَارُوا يَوْمَهُمْ، ثُمَّ رَدَّهُمُ ابْنُ الْجَارُودِ، وَقَتَلَ الْفَضْلَ بْنَ رَوْحِ بْنِ حَاتِمٍ. فَلَمَّا قُتِلَ الْفَضْلُ غَضِبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْجُنْدِ، وَاجْتَمَعُوا عَلَى قِتَالِ ابْنِ الْجَارُودِ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ عَسْكَرًا فَانْهَزَمَ عَسْكَرُهُ، وَعَادَ إِلَيْهِ بَعْدَ قِتَالٍ شَدِيدٍ وَاسْتَوْلَى أُولَئِكَ الْجُنْدُ عَلَى الْقَيْرَوَانِ، وَكَانَ ابْنُ الْجَارُودِ بِمَدِينَةِ تُونِسَ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ وَقَدْ تَفَرَّقُوا بَعْدَ دُخُولِ الْقَيْرَوَانِ. فَوَصَلَ إِلَيْهِمُ ابْنُ الْجَارُودِ، فَلَقَوْهُ وَاقْتَتَلُوا، فَهَزَمَهُمُ ابْنُ الْجَارُودِ وَقَتَلَ جَمَاعَةً مِنْ أَعْيَانِهِمْ، فَانْهَزَمُوا، فَلَحِقُوا بِالْأَرْبَسِ، وَقَدَّمُوا عَلَيْهِمُ الْعَلَاءَ بْنَ سَعِيدٍ وَالِي بَلَدِ الزَّابِ وَسَارُوا إِلَى الْقَيْرَوَانِ.

стр. 2666

ذِكْرُ وِلَايَةِ هَرْثَمَةَ بْنِ أَعْيَنَ بِلَادَ إِفْرِيقِيَّةَ. اتَّفَقَ وُصُولُ يَحْيَى بْنِ مُوسَى مِنْ عِنْدِ الرَّشِيدِ لَمَّا قَصَدَ الْعَلَاءُ وَمَنْ مَعَهُ الْقَيْرَوَانَ، وَكَانَ سَبَبُ وُصُولِهِ أَنَّ الرَّشِيدَ بَلَغَهُ مَا صَنَعَ ابْنُ الْجَارُودِ، وَإِفْسَادُهُ إِفْرِيقِيَّةَ، فَوَجَّهَ هَرْثَمَةَ بْنَ أَعْيَنَ وَمَعَهُ يَحْيَى بْنُ مُوسَى، لِمَحَلِّهِ عِنْدَ أَهْلِ خُرَاسَانَ، وَأَمَرَ أَنْ يَتَقَدَّمَ يَحْيَى، وَيَلْطُفَ بِابْنِ الْجَارُودِ، وَيَسْتَمِيلَهُ لِيُعَاوِدَ الطَّاعَةَ قَبْلَ وُصُولِ هَرْثَمَةَ. فَقَدِمَ يَحْيَى الْقَيْرَوَانَ، فَجَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ الْجَارُودِ كَلَامٌ كَثِيرٌ، وَدَفَعَ إِلَيْهِ كِتَابَ الرَّشِيدِ، فَقَالَ: أَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَقَدْ قَرُبَ مِنِّي الْعَلَاءُ بْنُ سَعِيدٍ وَمَعَهُ الْبَرْبَرُ، فَإِنْ تَرَكْتُ الْقَيْرَوَانَ وَثَبَ الْبَرْبَرُ فَمَلَكُوهَا، فَأَكُونُ قَدْ ضَيَّعْتُ بِلَادَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَكِنِّي أَخْرُجُ إِلَى الْعَلَاءِ فَإِنْ ظَفِرَ بِي فَشَأْنُكُمْ وَالثُّغُورَ، وَإِنْ ظَفِرْتُ بِهِ انْتَظَرْتُ قُدُومَ هَرْثَمَةَ فَأُسَلِّمَ الْبِلَادَ إِلَيْهِ، وَأَسِيرُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. وَكَانَ قَصْدُهُ الْمُغَالَطَةَ، فَإِنْ ظَفِرَ بِالْعَلَاءِ مَنَعَ هَرْثَمَةَ عَنِ الْبِلَادِ، فَعَلِمَ يَحْيَى ذَلِكَ، وَخَلَا بِابْنِ الْفَارِسِيِّ، وَعَاتَبَهُ عَلَى تَرْكِ الطَّاعَةِ، فَاعْتَذَرَ، وَحَلَفَ أَنَّهُ عَلَيْهَا، وَبَذَلَ مِنْ نَفْسِهِ الْمُسَاعَدَةَ عَلَى ابْنِ الْجَارُودِ، فَسَعَى ابْنُ الْفَارِسِيِّ فِي إِفْسَادِ حَالِهِ، وَاسْتَمَالَ جَمَاعَةً مِنْ أَجْنَادِهِ، فَأَجَابُوهُ، وَكَثُرَ جَمْعُهُ، وَخَرَجَ إِلَى قِتَالِ ابْنِ الْجَارُودِ. فَقَالَ ابْنُ الْجَارُودِ لِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ اسْمُهُ طَالِبٌ: إِذَا تَوَاقَفْنَا فَإِنَّنِي سَأَدْعُو ابْنَ الْفَارِسِيِّ لِأُعَاتِبَهُ فَاقْصِدْهُ أَنْتَ وَهُوَ غَافِلٌ فَاقْتُلْهُ! فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَتَوَاقَفَ الْعَسْكَرَانِ، وَدَعَا ابْنُ الْجَارُودِ مُحَمَّدَ بْنَ الْفَارِسِيِّ وَكَلَّمَهُ، وَحَمَلَ طَالِبٌ عَلَيْهِ وَهُوَ غَافِلٌ فَقَتَلَهُ، وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ، وَتَوَجَّهَ يَحْيَى بْنُ مُوسَى إِلَى هَرْثَمَةَ بِطَرَابُلُسَ. وَأَمَّا الْعَلَاءُ بْنُ سَعِيدٍ فَإِنَّهُ لَمَّا عَلِمَ النَّاسُ بِقُرْبِ هَرْثَمَةَ مِنْهُمْ كَثُرَ جَمْعُهُ، وَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَسَارُوا إِلَى ابْنِ الْجَارُودِ، فَعَلِمَ ابْنُ الْجَارُودِ أَنَّهُ لَا قُوَّةَ لَهُ بِهِ، فَكَتَبَ إِلَى يَحْيَى بْنِ مُوسَى يَسْتَدْعِيهِ لِيُسَلِّمَ إِلَيْهِ الْقَيْرَوَانَ، فَسَارَ إِلَيْهِ فِي جُنْدِ طَرَابُلُسَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ، فَلَمَّا وَصَلَ قَابِسَ تَلَقَّاهُ عَامَّةُ الْجُنْدِ، وَخَرَجَ ابْنُ الْجَارُودِ مِنَ الْقَيْرَوَانِ مُسْتَهَلَّ صَفَرٍ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ. وَأَقْبَلَ الْعَلَاءُ بْنُ سَعِيدٍ وَيَحْيَى بْنُ مُوسَى يَسْتَبِقَانِ إِلَى الْقَيْرَوَانِ، (كُلٌّ مِنْهُمَا يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ الذِّكْرُ لَهُ) ، فَسَبَقَهُ الْعَلَاءُ وَدَخَلَهَا، وَقَتَلَ جَمَاعَةً مِنْ

стр. 2667

أَصْحَابِ ابْنِ الْجَارُودِ، وَسَارَ إِلَى هَرْثَمَةَ وَسَارَ ابْنُ الْجَارُودِ أَيْضًا إِلَى هَرْثَمَةَ، فَسَيَّرَهُ هَرْثَمَةُ إِلَى الرَّشِيدِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ يُعْلِمُهُ أَنَّ الْعَلَاءَ كَانَ سَبَبَ خُرُوجِهِ، فَكَتَبَ الرَّشِيدُ يَأْمُرُهُ بِإِرْسَالِ الْعَلَاءِ إِلَيْهِ، فَسَيَّرَهُ، فَلَمَّا وَصَلَ لَقِيَهُ صِلَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الرَّشِيدِ وَخُلَعٌ، فَلَمْ يَلْبَثْ بِمِصْرَ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى تُوُفِّيَ. وَأَمَّا ابْنُ الْجَارُودِ فَإِنَّهُ اعْتُقِلَ بِبَغْدَاذَ، وَسَارَ هَرْثَمَةُ إِلَى الْقَيْرَوَانِ، فَقَدِمَهَا فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ، فَآمَنَ النَّاسَ وَسَكَّنَهُمْ، وَبَنَى الْقَصْرَ الْكَبِيرَ بِالْمُنَسْتِيرِ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَمِائَةٍ، وَبَنَى سُورَ مَدِينَةِ طَرَابُلُسَ مِمَّا يَلِي الْبَحْرَ. وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَغْلَبِ بِوِلَايَةِ الزَّابِ، فَأَكْثَرَ الْهَدِيَّةَ إِلَى هَرْثَمَةَ وَلَاطَفَهُ، فَوَلَّاهُ هَرْثَمَةُ نَاحِيَةً مِنَ الزَّابِ فَحَسُنَ أَثَرُهُ (فِيهَا. ثُمَّ إِنَّ عِيَاضَ بْنَ وَهْبٍ الْهَوَّارِيَّ وَكُلَيْبَ بْنَ جُمَيْعٍ الْكَلْبِيَّ جَمَعَا جُمُوعًا، وَأَرَادَا قِتَالَ هَرْثَمَةَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى فِي جَيْشٍ كَثِيرٍ، فَفَرَّقَ جُمُوعَهُمَا، وَقَتَلَ كَثِيرًا مِنْ أَصْحَابِهِمَا، وَعَادَ إِلَى الْقَيْرَوَانِ) . وَلَمَّا رَأَى هَرْثَمَةُ مَا بِإِفْرِيقِيَّةَ مِنَ الِاخْتِلَافِ وَاصَلَ كُتُبَهُ إِلَى الرَّشِيدِ يَسْتَعْفِي، فَأُمِرَ بِالْقُدُومِ عَلَيْهِ إِلَى الْعِرَاقِ (فَسَارَ عَنْ إِفْرِيقِيَّةَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ) ، فَكَانَتْ وِلَايَتُهُ سَنَتَيْنِ وَنِصْفًا. ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بِالْمَوْصِلِ. وَفِيهَا خَالَفَ الْعَطَّافُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْأَزْدِيُّ عَلَى الرَّشِيدِ، وَكَانَ مِنْ فُرْسَانِ أَهْلِ الْمَوْصِلِ، وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ آلَافِ رَجُلٍ، وَجَبَى الْخَرَاجَ، وَكَانَ عَامِلُ الرَّشِيدِ عَلَى الْمَوْصِلِ مُحَمَّدَ بْنَ الْعَبَّاسِ الْهَاشِمِيَّ، وَقِيلَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ صَالِحٍ، وَالْعَطَّافُ غَالِبٌ عَلَى الْأَمْرِ كُلِّهِ، وَهُوَ يَجْبِي الْخَرَاجَ، وَأَقَامَ عَلَى هَذَا سَنَتَيْنِ، حَتَّى خَرَجَ الرَّشِيدُ إِلَى الْمَوْصِلِ فَهَدَمَ سُورَهَا بِسَبَبِهِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ الرَّشِيدُ جَعْفَرَ بْنَ يَحْيَى عَنْ مِصْرَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا إِسْحَاقَ بْنَ سُلَيْمَانَ، وَعَزَلَ حَمْزَةَ بْنَ مَالِكٍ عَنْ خُرَاسَانَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا الْفَضْلَ بْنَ يَحْيَى الْبَرْمَكِيَّ

стр. 2668

مُضَافًا إِلَى مَا كَانَ إِلَيْهِ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَهِيَ الرَّيُّ وَسِجِسْتَانُ وَغَيْرُهُمَا. وَفِيهَا غَزَا الصَّائِفَةَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ التَّغْلِبِيُّ. وَفِيهَا، فِي الْمُحَرَّمِ، هَاجَتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ وَظُلْمَةٌ، ثُمَّ عَادَتْ مَرَّةً ثَانِيَةً فِي صَفَرٍ، وَحَجَّ بِالنَّاسِ الرَّشِيدُ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، وَقِيلَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّخَعِيُّ، (وَجَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) .

стр. 2669

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ] ١٧٨ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بِمِصْرَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَثَبَتِ الْحُوفِيَّةُ بِمِصْرَ عَلَى عَامِلِهِمْ إِسْحَاقَ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَقَاتَلُوهُ، وَأَمَدَّهُ الرَّشِيدُ بِهَرْثَمَةَ بْنِ أَعْيَنَ، وَكَانَ عَامِلَ فَلَسْطِينَ، فَقَاتَلُوا الْحُوفِيَّةَ، وَهُمْ مِنْ قَيْسٍ وَقُضَاعَةَ، فَأَذْعَنُوا بِالطَّاعَةِ، وَأَدَّوْا مَا عَلَيْهِمْ لِلسُّلْطَانِ، فَعَزَلَ الرَّشِيدُ إِسْحَاقَ عَنْ مِصْرَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا هَرْثَمَةَ مِقْدَارَ شَهْرٍ، ثُمَّ عَزَلَهُ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ صَالِحٍ. ذِكْرُ خُرُوجِ الْوَلِيدِ بْنِ طَرِيفٍ الْخَارِجِيِّ وَفِيهَا خَرَجَ الْوَلِيدُ بْنُ طَرِيفٍ التَّغْلِبِيُّ بِالْجَزِيرَةِ، فَفَتَكَ بِإِبْرَاهِيمَ بْنِ خَازِمِ بْنِ خُزَيْمَةَ بِنَصِيبِينَ، ثُمَّ قَوِيَتْ شَوْكَةُ الْوَلِيدِ، فَدَخَلَ إِلَى أَرْمِينِيَّةَ، وَحَصَرَ خِلَاطَ عِشْرِينَ يَوْمًا، فَافْتَدَوْا مِنْهُ أَنْفُسَهُمْ بِثَلَاثِينَ أَلْفًا. ثُمَّ سَارَ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، ثُمَّ إِلَى حُلْوَانَ وَأَرْضِ السَّوَادِ، ثُمَّ عَبَرَ إِلَى غَرْبِ دِجْلَةَ، وَقَصَدَ مَدِينَةَ بَلَدَ، فَافْتَدَوْا مِنْهُ بِمِائَةِ أَلْفٍ، وَعَاثَ فِي أَرْضِ الْجَزِيرَةِ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ الرَّشِيدُ يَزِيدَ بْنَ مَزْيَدِ بْنِ زَائِدَةَ الشَّيْبَانِيَّ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي مَعْنِ بْنِ زَائِدَةَ. فَقَالَ الْوَلِيدُ: سَتَعْلَمُ يَا يَزِيدُ إِذَا الْتَقَيْنَا ... بِشَطِّ الزَّابِ أَيُّ فَتًى يَكُونُ.

стр. 2670

فَجَعَلَ يَزِيدُ يَخْتَالُهُ وَيُمَاكِرُهُ، وَكَانَتِ الْبَرَامِكَةُ مُنْحَرِفَةً عَنْ يَزِيدَ فَقَالُوا لِلرَّشِيدِ: إِنَّمَا يَتَجَافَى يَزِيدُ عَنِ الْوَلِيدِ لِلرَّحِمِ، لِأَنَّهُمَا كِلَاهُمَا مِنْ وَائِلٍ، وَهَوَّنُوا أَمْرَ الْوَلِيدِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ الرَّشِيدُ كِتَابَ مُغْضَبٍ، وَقَالَ لَهُ: لَوْ وَجَّهْتَ أَحَدَ الْخَدَمِ لَقَامَ بِأَكْثَرَ مِمَّا تَقُومُ بِهِ، وَلَكِنَّكَ مُدَاهِنٌ، مُتَعَصِّبٌ، وَأُقْسِمُ بِاللَّهِ إِنْ أَخَّرْتَ مُنَاجَزَتَهُ لَأُوَجِّهَنَّ إِلَيْكَ مَنْ يَحْمِلُ رَأْسَكَ. فَلَقِيَ الْوَلِيدَ عَشِيَّةَ خَمِيسٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ، فَيُقَالُ: جَهِدَ عَطَشًا حَتَّى رَمَى بِخَاتَمِهِ فِي فِيهِ، وَجَعَلَ يَلُوكُهُ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّهَا شِدَّةٌ شَدِيدَةٌ، فَاسْتُرْهَا! وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: فِدَاكُمْ أَبِي وَأُمِّي إِنَّمَا هِيَ الْخَوَارِجُ، وَلَهُمْ حَمْلَةٌ، فَاثْبُتُوا، فَإِذَا انْقَضَتْ حَمْلَتُهُ فَاحْمِلُوا عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُمْ إِذَا انْهَزَمُوا لَمْ يَرْجِعُوا. فَكَانَ كَمَا قَالَ، حَمَلُوا عَلَيْهِمْ حَمْلَةً، فَثَبَتَ يَزِيدُ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ عَشِيرَتِهِ، ثُمَّ حَمَلَ عَلَيْهِمْ فَانْكَشَفُوا، فَيُقَالُ: إِنَّ أَسَدَ بْنَ يَزِيدَ كَانَ شَبِيهًا بِأَبِيهِ جِدًّا لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا إِلَّا ضَرْبَةٌ فِي وَجْهِ يَزِيدَ تَأْخُذُ مِنْ قَصَاصِ شَعْرِهِ، مُنْحَرِفَةً عَلَى جَبْهَتِهِ، فَكَانَ أَسَدُ يَتَمَنَّى مِثْلَهَا، فَهَوَتْ إِلَيْهِ ضَرْبَةٌ، فَأَخْرَجَ وَجْهَهُ مِنَ التُّرْسِ، فَأَصَابَتْهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَيُقَالُ لَوْ خُطَّتْ عَلَى ضَرْبَةِ أَبِيهِ مَا عَدَا. وَاتَّبَعَ يَزِيدُ الْوَلِيدَ بْنَ طَرِيفٍ، فَلَحِقَهُ فَاحْتَزَّ رَأْسَهُ، فَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ: وَائِلٌ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا ... لَا يَفُلُّ الْحَدِيدَ إِلَّا الْحَدِيدُ. فَلَمَّا قُتِلَ الْوَلِيدُ صَبَّحَتْهُمْ أُخْتُهُ لَيْلَى بِنْتُ الطَّرِيفِ، مُسْتَعِدَّةً، عَلَيْهَا الدِّرْعُ، فَجَعَلَتْ تَحْمِلُ عَلَى النَّاسِ، فَعُرِفَتْ، فَقَالَ يَزِيدُ: دَعُوهَا! ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهَا فَضَرَبَ بِالرُّمْحِ قَطَاةَ فَرَسِهَا، ثُمَّ قَالَ: اعْزُبِي عَزَبَ اللَّهُ عَلَيْكِ، فَقَدْ فَضَحَتِ الْعَشِيرَةَ. فَاسْتَحْيَتْ وَانْصَرَفَتْ وَهِيَ تَقُولُ تَرْثِي الْوَلِيدَ: بِتَلِّ تَبَاثَا رَسْمُ قَبْرٍ كَأَنَّهُ ... عَلَى عَلَمٍ فَوْقَ الْجِبَالِ مُنِيفِ تَضَمَّنَ جُودًا حَاتِمِيًّا وَنَائِلًا ... وَسَوْرَةَ مِقْدَامٍ وَقَلْبَ حَصِيفِ أَلَا قَاتَلَ اللَّهُ الْجُثَى كَيْفَ أَضْمَرَتْ ... فَتًى كَانَ بِالْمَعْرُوفِ غَيْرَ عَفِيفِ فَإِنْ يَكُ أَرْدَاهُ يَزِيدُ بْنُ مَزْيَدٍ ... فَيَا رُبَّ خَيْلٍ فَضَّهَا وَصُفُوفِ أَلَا يَا لَقَوْمِي لِلنَّوَائِبِ وَالرَّدَى ... وَدَهْرٍ مُلِحٍّ بِالْكِرَامِ عَنِيفِ

стр. 2671

وَلَلْبَدْرِ مِنْ بَيْنِ الْكَوَاكِبِ قَدْ هَوَى وَلَلشَّمْسِ هَمَّتْ بَعْدَهُ بِكُسُوفِ ... فَيَا شَجَرَ الْخَابُورِ مَا لَكَ مُورِقًا كَأَنَّكَ لَمْ تَجْزَعْ عَلَى ابْنِ طَرِيفِ ... فَتًى لَا يُحِبُّ الزَّادَ إِلَّا مِنَ التُّقَى وَلَا الْمَالَ إِلَّا مِنْ قَنَا وَسُيُوفِ ... وَلَا الْخَيْلَ إِلَّا كُلَّ جَرْدَاءَ شَطَبَةٍ وَكُلَّ حِصَانٍ بِالْيَدَيْنِ عَرُوفِ ... فَلَا تَجْزَعَا يَا ابْنَيْ طَرِيفٍ فَإِنَّنِي أَرَى الْمَوْتَ نَزَّالًا بِكُلِّ شَرِيفِ ... فَقَدْنَاكَ فُقْدَانَ الرَّبِيعِ فَلَيْتَنَا فَدَيْنَاكَ مِنْ دَهْمَائِنَا بِأُلُوفِ. وَقَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي قَتْلِ الْوَلِيدِ وَرِفْقِ يَزِيدَ فِي قِتَالِهِ مِنْ قَصِيدَةِ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ: يَفْتَرُّ عِنْدَ افْتِرَارِ الْحَرْبِ ... مُبْتَسِمًا إِذَا تَغَيَّرَ وَجْهُ الْفَارِسِ الْبَطَلِ مُوفٍ عَلَى مُهَجٍ فِي يَوْمِ ذِي رَهَجٍ ... كَأَنَّهُ أَجَلٌ يَسْعَى إِلَى أَمَلِ يَنَالُ بِالرِّفْقِ مَا يَعْيَا الرِّجَالُ بِهِ ... كَالْمَوْتِ مُسْتَعْجِلًا يَأْتِي عَلَى مَهَلِ (وَهِيَ حَسَنَةٌ جِدًّا) . ذِكْرُ غَزْوِ الْفِرِنْجِ وَالْجَلَالِقَةِ بِالْأَنْدَلُسِ فِيهَا سَيَّرَ هِشَامٌ صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ عَسْكَرًا مَعَ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ مُغِيثٍ إِلَى بِلَادِ الْفِرِنْجِ، فَغَزَا أَلَبَةَ، وَالْقِلَاعَ، فَغَنِمَ وَسَلِمَ.

стр. 2672

وَسَيَّرَ أَيْضًا جَيْشًا آخَرَ مَعَ أَخِيهِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ إِلَى بِلَادِ الْجَلَالِقَةِ فَخَرَّبَ دَارَ مَلِكِهِمْ أَذَّفَنْشَ وَكَنَائِسَهُ، وَغَنِمَ. فَلَمَّا قَفَلَ الْمُسْلِمُونَ ضَلَّ الدَّلِيلُ بِهِمْ، فَنَالَهُمْ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ وَمَاتَ مِنْهُمْ بَشَرٌ كَثِيرٌ، وَنَفَقَتْ دَوَابُّهُمْ، وَتَلِفَتْ آلَاتُهُمْ، ثُمَّ سَلِمُوا وَعَادُوا. ذِكْرُ فِتْنَةِ تَاكُرُنَّا وَفِيهَا هَاجَتْ فِتْنَةُ تَاكُرُنَّا بِالْأَنْدَلُسِ، وَخَلَعَ بَرْبَرُهَا الطَّاعَةَ، وَأَظْهَرُوا الْفَسَادَ، وَأَغَارُوا عَلَى الْبِلَادِ، وَقَطَعُوا الطَّرِيقَ، فَسَيَّرَ هِشَامٌ إِلَيْهِمْ جُنْدًا كَثِيفًا عَلَيْهِمْ عَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ أَبَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، مَوْلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، فَقَصَدُوهَا وَتَابَعُوا قِتَالَ مَنْ فِيهَا إِلَى أَنْ أَبَادُوهُمْ قَتْلًا وَسَبْيًا، وَفَرَّ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ فَدَخَلَ فِي سَائِرِ الْقَبَائِلِ، وَبَقِيَتْ كُورَةُ تَاكُرُنَّا وَجِبَالُهَا خَالِيَةً مِنَ النَّاسِ سَبْعَ سِنِينَ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِيهَا غَزَا الصَّائِفَةَ مُعَاوِيَةُ بْنُ زُفَرَ بْنِ عَاصِمٍ، وَغَزَا الشَّاتِيَةَ سُلَيْمَانُ بْنُ رَاشِدٍ، وَمَعَهُ الْبَنْدُ بِطَرِيقِ صِقِلِّيَةَ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ. وَفِيهَا وَصَلَ الْفَضْلُ بْنُ يَحْيَى إِلَى خُرَاسَانَ، وَغَزَا مَا وَرَاءَ النَّهْرِ مِنْ بُخَارَى، فَحَضَرَ عِنْدَهُ صَاحِبُ أُشْرُوسَنَةَ، وَكَانَ مُمْتَنِعًا، وَبَنَى الْفَضْلُ بِخُرَاسَانَ الْمَسَاجِدَ وَالرِّبَاطَاتِ.

стр. 2673

[الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، وَالْمُفَضَّلُ بْنُ يُونُسَ، وَجَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضُّبَعِيُّ.

стр. 2674

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ] ١٧٩ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ غَزْوِ الْفِرِنْجِ بِالْأَنْدَلُسِ وَفِيهَا سَيَّرَ هِشَامٌ صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ جَيْشًا كَثِيفًا عَلَيْهِمْ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ مُغِيثٍ، إِلَى جِلِّيقِيَّةَ، فَسَارُوا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى إِسْتَرْقَةَ، وَكَانَ أُذْفُونَشُ، مَلِكُ الْجَلَالِقَةِ، قَدْ جَمَعَ وَحَشَدَ، وَأَمَدَّهُ مَلِكُ الْبَشْكَنْسِ، وَهُمْ جِيرَانُهُ، وَمَنْ يَلِيهِمْ مِنَ الْمَجُوسِ، وَأَهْلِ تِلْكَ النَّوَاحِي، فَصَارَ فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ، فَأَقْدَمَ عَلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ، فَرَجَعَ أُذْفُونَشَ هَيْبَةً لَهُ، وَتَبِعَهُمْ عَبْدُ الْمَلِكِ يَقْفُو أَثَرَهُمْ، وَيُهْلِكُ كُلَّ مَنْ تَخَلَّفَ مِنْهُمْ، فَدَوَّخَ بِلَادَهُمْ، وَأَوْغَلَ فِيهَا، وَأَقَامَ فِيهَا يَغْنَمُ، وَيَقْتُلُ، وَيُخَرِّبُ، وَهَتَكَ حَرِيمَ أُذْفُونَشَ، وَرَجَعَ سَالِمًا. وَكَانَ قَدْ سَيَّرَ هِشَامٌ جَيْشًا آخَرَ مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى، فَدَخَلُوا أَيْضًا عَلَى مِيعَادٍ مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَأَخْرَبُوا، وَنَهَبُوا وَغَنِمُوا، فَلَمَّا أَرَادُوا الْخُرُوجَ مِنْ بِلَادِ الْعَدُوِّ اعْتَرَضَهُمْ عَسْكَرٌ لِلْفِرْنِجِ فَنَالَ مِنْهُمْ، وَقَتَلَ نَفَرًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ تَخَلَّصُوا، وَسَلِمُوا، وَعَادُوا سَالِمِينَ سِوَى مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِيهَا عَادَ الْفَضْلُ بْنُ يَحْيَى مِنْ خُرَاسَانَ، فَاسْتَعْمَلَ الرَّشِيدُ مَنْصُورَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ مَنْصُورٍ الْحِمْيَرِيَّ، خَالَ الْمَهْدِيِّ. وَاعْتَمَرَ الرَّشِيدُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى قَتْلِ الْوَلِيدِ بْنِ طَرِيفٍ، وَعَادَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَقَامَ بِهَا إِلَى وَقْتِ الْحَجِّ، وَحَجَّ بِالنَّاسِ، وَمَشَى مِنْ مَكَّةَ إِلَى مِنًى [ثُمَّ] إِلَى عَرَفَاتٍ، وَشَهِدَ الْمَشَاعِرَ كُلَّهَا مَاشِيًا، وَرَجَعَ عَلَى طَرِيقِ الْبَصْرَةِ

стр. 2675

وَفِيهَا خَرَجَ بِخُرَاسَانَ حَمْزَةُ بْنُ أَتُرْكَ السِّجِسْتَانِيُّ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدِ بْنِ دِرْهَمٍ الْأَزْدِيُّ، مَوْلَاهُمْ أَبُو إِسْمَاعِيلَ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ الْأَصْبَحِيُّ، الْإِمَامُ أُسْتَاذُ الشَّافِعِيِّ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزِّنْجِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْفَقِيهُ الْمَكِّيُّ، وَصَحِبَهُ الشَّافِعِيُّ قَبْلَ مَالِكٍ، وَأَخَذَ عَنْهُ الْفِقْهَ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ الزِّنْجِيُّ لِأَنَّهُ كَانَ أَبْيَضَ مُشْرَبًا بِحُمْرَةٍ. وَعَبَّادُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ الْمُهَلَّبِيُّ الْبَصْرِيُّ، وَأَبُو الْأَحْوَصِ سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمٍ الْحَنَفِيُّ (سَلَّامٌ بِتَشْدِيدِ [اللَّامِ] ) .

стр. 2676

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانِينَ وَمِائَةٍ] ١٨٠ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ وَفَاةِ هِشَامٍ وَفِيهَا مَاتَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ، فِي صَفَرٍ، وَكَانَتْ إِمَارَتُهُ سَبْعَ سِنِينَ وَسَبْعَةَ أَشْهُرٍ، وَكَانَ عُمُرُهُ تِسْعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو الْوَلِيدِ، وَكَانَتْ أُمُّهُ أُمَّ وَلَدٍ. كَانَ أَبْيَضَ أَشْهَلَ، مُشْرَبًا بِحُمْرَةٍ، بِعَيْنَيْهِ حَوَلٌ، وَخَلَّفَ خَمْسَةَ بَنِينَ، وَكَانَ عَامِلًا حَازِمًا، ذَا رَأْيٍ وَشَجَاعَةٍ وَعَدْلٍ، خَيِّرًا، مُحِبًّا لِأَهْلِ الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ، شَدِيدًا عَلَى الْأَعْدَاءِ، رَاغِبًا فِي الْجِهَادِ. وَمِنْ أَحْسَنِ عَمَلِهِ أَنَّهُ أَخْرَجَ مُصَدِّقًا يَأْخُذُ الصَّدَقَةَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ أَيَّامَ وِلَايَتِهِ، وَهُوَ الَّذِي تَمَّمَ بِنَاءَ الْجَامِعِ بِمَدِينَةِ قُرْطُبَةَ، وَكَانَ أَبُوهُ قَدْ مَاتَ قَبْلَ فَرَاغِهِ مِنْهُ، وَبَنَى مَسَاجِدَ مَعَهُ، وَبَلَغَ مِنْ عِزِّ الْإِسْلَامِ فِي أَيَّامِهِ وَذُلِّ الْكُفْرِ أَنَّ رُجَلًا مَاتَ فِي أَيَّامِهِ، فَأَوْصَى أَنْ يُفَكَّ أَسِيرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ تَرِكَتِهِ، فَطُلِبَ ذَلِكَ، فَلَمْ يُوجَدْ فِي دَارِ الْكُفَّارِ أَسِيرٌ يُشْتَرَى وَيُفَكُّ لِضَعْفِ الْعَدُوِّ وَقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ. (وَمَنَاقِبُهُ كَثِيرَةٌ قَدْ ذَكَرَهَا أَهْلُ الْأَنْدَلُسِ كَثِيرًا، وَبَالَغُوا حَتَّى قَالُوا كَانَ يُشْبِهُ فِي سِيرَتِهِ بِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، ﵀ . ذِكْرُ وِلَايَةِ ابْنِهِ الْحَكَمِ وَلَقَبِهِ الْمُنْتَصِرِ وَلَمَّا مَاتَ اسْتَخْلَفَ بَعْدَهُ ابْنَهُ الْحَكَمَ، وَكَانَ الْحَكَمُ صَارِمًا، حَازِمًا، وَهُوَ أَوَّلُ مَنِ اسْتَكْثَرَ مِنَ الْمَمَالِيكِ بِالْأَنْدَلُسِ، وَارْتَبَطَ الْخَيْلَ بِبَابِهِ، وَتَشَبَّهَ بِالْجَبَابِرَةِ.

стр. 2677

وَكَانَ يُبَاشِرُ الْأُمُورَ بِنَفْسِهِ، وَكَانَ فَصِيحًا، شَاعِرًا، وَلَمَّا وَلِيَ خَرَجَ عَلَيْهِ عَمَّاهُ سُلَيْمَانُ وَعَبْدُ اللَّهِ، وَكَانَا فِي بَرِّ الْعُدْوَةِ الْغَرْبِيَّةِ، فَعَبَرَ عَبْدُ اللَّهِ الْبَلَنْسِيُّ إِلَى الْأَنْدَلُسِ، فَتَوَلَّى بَلَنْسِيَةَ، وَتَبِعَهُ أَخُوهُ سُلَيْمَانُ، وَكَانَ بِطَنْجَةَ، وَأَقْبَلَا يُؤَلِّبَانِ النَّاسَ عَلَى الْحَكَمِ، وَيُثِيرَانِ الْفِتْنَةَ، فَتَحَارَبُوا مُدَّةً وَالظَّفَرُ لِلْحَكَمِ. ثُمَّ إِنَّ الْحَكَمَ ظَفِرَ بِعَمِّهِ سُلَيْمَانَ، فَقَتَلَهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ. [وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ] فَأَقَامَ بِبَلَنْسِيَةَ، وَقَدْ كَفَّ عَنِ الْفِتْنَةِ، وَخَافَ فَرَاسَلَ الْحَكَمَ فِي الصُّلْحِ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، فَوَقَعَ الصُّلْحُ بَيْنَهُمَا سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ وَزَوَّجَ أَوْلَادَ عَبْدِ اللَّهِ بِأَخَوَاتِهِ، وَسَكَنَتِ الْفِتْنَةُ. وَلَمَّا اشْتَغَلَ الْحَكَمُ بِالْفِتْنَةِ مَعَ عَمَّيْهِ اغْتَنَمَ الْفِرِنْجُ الْفُرْصَةَ، فَقَصَدُوا بِلَادَ الْإِسْلَامِ، وَأَخَذُوا مَدِينَةَ بَرْشَلُونَةَ وَاتَّخَذُوهَا دَارًا، وَنَقَلُوا أَصْحَابَهُمْ إِلَيْهَا، وَتَأَخَّرَتْ عَسَاكِرُ الْمُسْلِمِينَ عَنْهَا، وَكَانَ أَخْذُهَا سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ. ذِكْرُ غَزْوِ الْفِرِنْجِ بِالْأَنْدَلُسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَيَّرَ الْحَكَمُ صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ جَيْشًا مَعَ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ مُغِيثٍ إِلَى بِلَادِ الْفِرِنْجِ، فَدَخَلَ الْبِلَادَ، وَبَثَّ السَّرَايَا يَنْهَبُونَ، وَيُقَتِّلُونَ، وَيُحَرِّقُونَ الْبِلَادَ، وَسَيَّرَ سَرِيَّةً، فَجَازُوا خَلِيجًا مِنَ الْبَحْرِ كَانَ الْمَاءُ قَدْ جَزَرَ عَنْهُ، وَكَانَ الْفِرِنْجُ قَدْ جَعَلُوا أَمْوَالَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ وَرَاءَ الْخَلِيجِ، ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ أَحَدًا لَا يَقْدِرُ أَنْ يَعْبُرَ إِلَيْهِمْ، فَجَاءَهُمْ مَا لَمْ يَكُنْ فِي حِسَابِهِمْ، فَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعَ مَالِهِمْ، وَأَسَرُوا الرِّجَالَ وَقَتَلُوا مِنْهُمْ فَأَكْثَرُوا، وَسَبَوُا الْحَرِيمَ، وَعَادُوا سَالِمِينَ إِلَى عَبْدِ الْكَرِيمِ. وَسَيَّرَ طَائِفَةً أُخْرَى، فَخَرَّبُوا كَثِيرًا مِنْ بِلَادِ فَرَنْسِيَّةَ، وَغَنِمَ أَمْوَالَ أَهْلِهَا، وَأَسَرُوا الرِّجَالَ، فَأَخْبَرَهُ بَعْضُ الْأَسْرَى أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ مُلُوكِ الْفِرِنْجِ قَدْ سَبَقُوا الْمُسْلِمِينَ إِلَى وَادٍ وَعْرِ الْمَسْلَكِ عَلَى طَرِيقِهِمْ، فَجَمَعَ عَبْدُ الْكَرِيمِ عَسَاكِرَهُ، وَسَارَ عَلَى تَعْبِئَةٍ، وَجَدَّ السَّيْرَ، فَلَمْ يَشْعُرِ الْكُفَّارُ إِلَّا وَقَدْ خَالَطَهُمْ الْمُسْلِمُونَ، فَوَضَعُوا السَّيْفَ فِيهِمْ، فَانْهَزَمُوا، وَغَنِمَ مَا مَعَهُمْ، وَعَادَ سَالِمًا هُوَ وَمَنْ مَعَهُ.

стр. 2678

ذِكْرُ وِلَايَةِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى خُرَاسَانَ. وَفِيهَا عَزَلَ الرَّشِيدُ مَنْصُورَ بْنَ يَزِيدَ عَنْ خُرَاسَانَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عَلِيَّ بْنَ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ، فَوَلِيَهَا عَشْرَ سِنِينَ، وَفِي وِلَايَتِهِ خَرَجَ حَمْزَةُ بْنُ أَتُرْكَ الْخَارِجِيُّ أَيْضًا، فَجَاءَ إِلَى بُوشَنْجَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ عَمْرُوَيْهِ بْنُ يَزِيدَ الْأَزْدِيُّ، وَكَانَ عَلَى هَرَاةَ، فِي سِتَّةِ آلَافٍ، فَقَاتَلَهُ، فَهَزَمَهُ حَمْزَةُ، وَقَتَلَ مِنْ أَصْحَابِهِ جَمَاعَةً. وَمَاتَ عَمْرُوَيْهِ فِي الزِّحَامِ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى ابْنَهُ الْحُسَيْنَ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ، فَلَمْ يُحَارِبْ حَمْزَةَ، فَعَزَلَهَ، وَسَيَّرَ عِوَضَهُ ابْنَهُ عِيسَى بْنَ عَلِيٍّ فَقَاتَلَ حَمْزَةَ، فَهَزَمَهُ حَمْزَةُ، فَرَدَّهُ أَبُوهُ إِلَيْهِ أَيْضًا، فَقَاتَلَهُ بِبَاخَرْزَ، وَكَانَ حَمْزَةُ بِنَيْسَابُورَ، فَانْهَزَمَ حَمْزَةُ، وَقُتِلَ أَصْحَابُهُ، وَبَقِيَ فِي أَرْبَعِينَ رُجَلًا، فَقَصَدَ قُهُسْتَانَ. وَأَرْسَلَ عِيسَى أَصْحَابَهُ إِلَى أُوقَ وَجُوَيْنَ، فَقَتَلُوا مَنْ بِهَا مِنَ الْخَوَارِجِ، وَقَصَدَ الْقُرَى الَّتِي كَانَ أَهْلُهَا يُعِينُونَ حَمْزَةَ، فَأَحْرَقَهَا، وَقَتَلَ مَنْ فِيهَا، حَتَّى [وَصَلَ] إِلَى زَرَنْجَ، فَقَتَلَ ثَلَاثِينَ أَلْفًا وَرَجَعَ، وَخَلَّفَ بِزَرَنْجَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْعَبَّاسِ النَّسَفِيَّ، فَجَبَى الْأَمْوَالَ وَسَارَ بِهَا، فَلَقِيَهُ حَمْزَةُ بِأَسْفِزَارَ، فَقَاتَلَهُ، فَصَبَرَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الصُّغْدِ. فَانْهَزَمَ حَمْزَةُ، وَقُتِلَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَجُرِحَ فِي وَجْهِهِ، وَاخْتَفَى هُوَ وَمَنْ سَلِمَ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي الْكُرُومِ، ثُمَّ خَرَجَ وَسَارَ فِي الْقُرَى يَقْتُلُ، وَلَا يُبْقِي عَلَى أَحَدٍ. وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى قَدِ اسْتَعْمَلَ طَاهِرَ بْنَ الْحُسَيْنِ عَلَى بُوشَنْجَ، فَسَارَ إِلَيْهِ حَمْزَةُ، وَانْتَهَى إِلَى مَكْتَبٍ فِيهِ ثَلَاثُونَ غُلَامًا، فَقَتَلَهُمْ، وَقَتَلَ مُعَلِّمَهُمْ، وَبَلَغَ طَاهِرًا الْخَبَرُ، فَأَتَى قَرْيَةً فِيهَا قَعَدُ الْخَوَارِجِ، وَهُمُ الَّذِينَ لَا يُقَاتِلُونَ، وَلَا دِيوَانَ لَهُمْ، فَقَتَلَهُمْ طَاهِرٌ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ. وَكَانَ يَشُدُّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ فِي شَجَرَتَيْنِ، ثُمَّ يَجْمَعُهُمَا، ثُمَّ يُرْسِلُهُمَا، فَتَأْخُذُ كُلُّ شَجَرَةٍ نِصْفَهُ، فَكَتَبَ الْقَعَدُ إِلَى حَمْزَةَ بِالْكَفِّ، فَكَفَّ وَوَاعَدَهُمْ، وَأَمِنَ النَّاسُ مُدَّةً، وَكَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَصْحَابِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِيهَا سَارَ جَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ إِلَى الشَّامِ لِلْعَصَبِيَّةِ الَّتِي بِهَا، وَمَعَهُ الْقُوَّادُ وَالْعَسَاكِرُ وَالسِّلَاحُ وَالْأَمْوَالُ، فَسَكَّنَ الْفِتْنَةَ، وَأَطْفَأَ النَّائِرَةَ، وَعَادَ النَّاسُ إِلَى الْأَمْنِ وَالسُّكُونِ.

стр. 2679

وَفِيهَا أَخَذَ الرَّشِيدُ الْخَاتَمَ مِنْ جَعْفَرِ بْنِ عِيسَى، فَدَفَعَهُ إِلَى أَبِيهِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ. وَفِيهَا وَلَّى جَعْفَرًا خُرَاسَانَ وَسِجِسْتَانَ، ثُمَّ عَزَلَهُ عَنْهَا بَعْدَ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عِيسَى بْنَ جَعْفَرٍ، وَوَلَّى جَعْفَرَ بْنَ يَحْيَى الْحَرَسَ. وَفِيهَا هَدَمَ الرَّشِيدُ سُورَ الْمَوْصِلِ بِسَبَبِ الْعَطَّافِ بْنِ سُفْيَانَ الْأَزْدِيِّ، سَارَ إِلَيْهَا بِنَفْسِهِ، وَهَدَمَ سُورَهَا، وَأَقْسَمَ لَيَقْتُلَنَّ مَنْ لَقِيَ مِنْ أَهْلِهَا، فَأَفْتَاهُ الْقَاضِي أَبُو يُوسُفَ، وَمَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَكَانَ الْعَطَّافُ قَدْ سَارَ عَنْهَا نَحْوَ أَرْمِينِيَّةَ فَلَمْ يَظْفَرْ بِهِ الرَّشِيدُ، وَمَضَى إِلَى الرَّقَّةِ فَاتَّخَذَهَا وَطَنًا. وَفِيهَا عُزِلَ هَرْثَمَةُ بْنُ أَعْيَنَ عَنْ إِفْرِيقِيَّةَ، وَاسْتَقْدَمَهُ إِلَى بَغْدَاذَ وَاسْتَخْلَفَهُ جَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى عَلَى الْحَرَسِ. وَفِيهَا كَانَتْ بِمِصْرَ زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ سَقَطَ مِنْهَا رَأْسُ مَنَارَةِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ. (وَفِيهَا خَرَجَ حُرَّاشَةُ الشَّيْبَانِيُّ بِالْجَزِيرَةِ، فَقَتَلَهُ مُسْلِمُ بْنُ بَكَّارٍ الْعُقَيْلِيُّ) . وَفِيهَا خَرَجَتِ الْمُحَمِّرَةُ بِجُرْجَانَ. وَفِيهَا عُزِلَ الْفَضْلُ بْنُ يَحْيَى عَنْ طَبَرِسْتَانَ، وَالرُّويَانِ، وَوَلِيَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمٍ،

стр. 2680

وَوَلِيَ سَعِيدُ بْنُ سَلْمٍ الْجَزِيرَةَ، وَغَزَا الصَّائِفَةَ مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ زُفَرَ بْنِ عَاصِمٍ. وَفِيهَا سَارَ الرَّشِيدُ إِلَى الْحَيْرَةِ، وَابْتَنَى بِهَا الْمَنَازِلَ، فَأَقْطَعَ أَصْحَابَهُ الْقَطَائِعَ فَثَارَ بِهِمْ أَهْلُ الْكُوفَةِ، وَأَسَاءُوا مُجَاوَرَتَهُ، فَعَادَ إِلَى بَغْدَاذَ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ مُوسَى بْنُ عِيسَى بْنِ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ. وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ الرَّشِيدُ عَلَى الْمَوْصِلِ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْحَرَشِيَّ، فَأَسَاءَ السِّيرَةَ فِي أَهْلِهَا، وَظَلَمَهُمْ، وَطَالَبَهُمْ بِخَرَاجِ سِنِينَ مَضَتْ، فَجَلَا أَكْثَرُ أَهْلِ الْبَلَدِ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ الْمُبَارَكُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّوْرِيُّ أَخُو سُفْيَانَ، وَسَلَمَةُ الْأَحْمَرُ، وَسَعِيدُ بْنُ خُثَيْمٍ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ،

стр. 2681

وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَتُوُفِّيَ وَهُوَ سَاجِدٌ، وَأَبُو ضَمْرَةَ أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ اللَّيْثِيُّ الْمَدَنِيُّ. وَفِيهَا أَمَرَ الرَّشِيدُ بِبِنَاءِ مَدِينَةِ عَيْنِ زَرْبَى وَحِصْنِهَا، وَسَيَّرَ إِلَيْهَا جُنْدًا مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ وَغَيْرِهِمْ، فَأَقْطَعَهُمْ بِهَا الْمَنَازِلَ.

стр. 2682

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ] ١٨١ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ وِلَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ إِفْرِيقِيَّةَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَعْمَلَ الرَّشِيدُ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ مُحَمَّدَ بْنَ مُقَاتِلِ بْنِ حَكِيمٍ الْعَكِّيَّ، لَمَّا اسْتَعْفَى مِنْهَا هَرْثَمَةَ بْنَ أَعْيَنَ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، سَنَةَ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ، وَكَانَ مُحَمَّدٌ هَذَا رَضِيعَ الرَّشِيدِ، فَقَدِمَ الْقَيْرَوَانَ أَوَّلَ رَمَضَانَ، فَتَسَلَّمَهَا، وَعَادَ هَرْثَمَةُ إِلَى الرَّشِيدِ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ فِيهَا لَمْ يَكُنْ بِالْمَحْمُودِ السِّيرَةِ، فَاخْتَلَفَ الْجُنْدُ عَلَيْهِ وَاتَّفَقُوا عَلَى تَقْدِيمِ مَخْلَدِ بْنِ مُرَّةَ الْأَزْدِيِّ، (وَاجْتَمَعَ كَثِيرٌ مِنَ الْجُنْدِ وَالْبَرْبَرِ وَغَيْرِهِمْ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ جَيْشًا، فَقَاتَلُوهُ، فَانْهَزَمَ مَخْلَدٌ وَاخْتَفَى فِي مَسْجِدٍ، فَأُخِذَ وَذُبِحَ) . وَخَرَجَ عَلَيْهِ بِتُونِسَ تَمَّامُ بْنُ تَمِيمٍ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، وَسَارُوا إِلَى الْقَيْرَوَانِ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ الْعَكِّيُّ فِي الَّذِينَ مَعَهُ، (فَاقْتَتَلُوا بِمُنْيَةِ الْخَيْلِ) ، فَانْهَزَمَ ابْنُ الْعَكِّيِّ إِلَى الْقَيْرَوَانِ وَسَارَ تَمَّامٌ فَدَخَلَ الْقَيْرَوَانَ وَأَمَّنَ ابْنَ الْعَكِّيِّ، عَلَى أَنْ يَخْرُجَ عَنْ إِفْرِيقِيَّةَ، فَسَارَ فِي رَمَضَانَ إِلَى طَرَابُلُسَ. فَجَمَعَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَغْلَبِ التَّمِيمِيُّ جَمْعًا كَثِيرًا، وَسَارَ إِلَى الْقَيْرَوَانِ مُنْكِرًا لِمَا فَعَلَهُ تَمَّامٌ، فَلَمَّا قَارَبَهَا سَارَ عَنْهَا إِلَى تُونِسَ [فِي ذِي الْقَعْدَةِ] ، وَدَخَلَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى الْقَيْرَوَانِ، وَكَتَبَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ يُعْلِمُهُ الْخَبَرَ، وَيَسْتَدْعِيهِ إِلَى عَمَلِهِ، فَعَادَ إِلَى الْقَيْرَوَانِ، فَثَقُلَ

стр. 2683

ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى تَمَّامٍ، فَجَمَعَ جَمْعًا وَسَارَ إِلَى الْقَيْرَوَانِ، ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ النَّاسَ يَكْرَهُونَ مُحَمَّدًا وَيُسَاعِدُونَهُ عَلَيْهِ. فَلَمَّا وَصَلَ قَالَ ابْنُ الْأَغْلَبِ لِمُحَمَّدٍ: إِنَّ تَمَّامًا انْهَزَمَ مِنِّي وَأَنَا فِي قِلَّةٍ، فَلَمَّا وَصَلْتَ إِلَى الْبِلَادِ تَجَدَّدَ لَهُ طَمَعٌ لِعِلْمِهِ أَنَّ الْجُنْدَ يَخْذُلُونَكَ، وَالرَّأْيُ أَنْ أَسِيرَ أَنَا وَمَنْ مَعِي مِنْ أَصْحَابِي فَنُقَاتِلَهُ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَسَارَ إِلَيْهِ فَقَاتَلَهُ، فَانْهَزَمَ تَمَّامٌ، وَقُتِلَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَلَحِقَ بِمَدِينَةِ تُونِسَ، فَسَارَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَغْلَبِ إِلَيْهِ لِيَحْصُرَهُ، فَطَلَبَ مِنْهُ الْأَمَانَ فَأَمَّنَهُ. ذِكْرُ وِلَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَغْلَبِ إِفْرِيقِيَّةَ لَمَّا اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ لِمُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ بِبِلَادِ إِفْرِيقِيَّةَ، وَأَطَاعَهُ تَمَّامٌ، كَرِهَ أَهْلُ الْبِلَادِ ذَلِكَ، وَحَمَلُوا إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْأَغْلَبِ عَلَى أَنْ كَتَبَ إِلَى الرَّشِيدِ يَطْلُبُ مِنْهُ وِلَايَةَ إِفْرِيقِيَّةَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ ذَلِكَ. وَكَانَ عَلَى دِيَارِ مِصْرَ كُلَّ سَنَةٍ مِائَةُ أَلْفِ دِينَارٍ تُحْمَلُ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ مَعُونَةً، فَنَزَلَ إِبْرَاهِيمُ عَنْ ذَلِكَ، وَبَذَلَ أَنْ يَحْمِلَ كُلَّ سَنَةٍ أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَأَحْضَرَ الرَّشِيدُ ثِقَاتِهِ وَاسْتَشَارَهُمْ (فِيمَنْ يُوَلِّيهِ) إِفْرِيقِيَّةَ، وَذَكَرَ لَهُمْ كَرَاهَةَ أَهْلِهَا وِلَايَةَ مُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ. فَأَشَارَ هَرْثَمَةُ بِإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَغْلَبِ، وَذَكَرَ لَهُ مَا رَآهُ مِنْ عَقْلِهِ وَدِينِهِ وَكِفَايَتِهِ، وَأَنَّهُ قَامَ بِحِفْظِ إِفْرِيقِيَّةَ عَنِ ابْنِ مُقَاتِلٍ، فَوَلَّاهُ الرَّشِيدُ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ، فَانْقَمَعَ الشَّرُّ، وَضَبَطَ الْأَمْرَ، وَسَيَّرَ تَمَّامًا، وَكُلَّ مَنْ يَتَوَثَّبُ عَلَى الْوُلَاةِ، إِلَى الرَّشِيدِ، فَسَكَنَتِ الْبِلَادُ، وَابْتَنَى مَدِينَةً سَمَّاهَا الْعَبَّاسِيَّةَ بِقُرْبِ الْقَيْرَوَانِ، وَانْتَقَلَ إِلَيْهَا بِأَهْلِهِ وَعَبِيدِهِ. وَخَرَجَ عَلَيْهِ، سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ، رَجُلٌ مِنْ أَبْنَاءِ الْعَرَبِ بِمَدِينَةِ تُونِسَ، اسْمُهُ حَمْدِيسُ، فَنَزَعَ السَّوَادَ، وَكَثُرَ جَمْعُهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ ابْنُ الْأَغْلَبِ عِمْرَانَ بْنَ مَخْلَدٍ فِي عَسَاكِرَ كَثِيرَةٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يُبْقِيَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ إِنْ ظَفِرَ بِهِمْ. فَسَارَ عِمْرَانُ، وَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا، وَصَارَ أَصْحَابُ حَمْدِيسَ يَقُولُونَ: بَغْدَاذَ! بَغْدَاذَ! وَصَبَرَ الْفَرِيقَانِ، فَانْهَزَمَ

стр. 2684

حَمْدِيسُ وَمَنْ مَعَهُ، وَأَخَذَهُمُ السَّيْفُ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ عَشَرَةُ آلَافِ رَجُلٍ، وَدَخَلَ عِمْرَانُ تُونِسَ. ثُمَّ بَلَغَ ابْنَ الْأَغْلَبِ أَنَّ إِدْرِيسَ بْنَ إِدْرِيسَ الْعَلَوِيَّ قَدْ كَثُرَ جَمْعُهُ بِأَقَاصِي الْمَغْرِبِ، فَأَرَادَ قَصْدَهُ، فَنَهَاهُ أَصْحَابُهُ وَقَالُوا: اتْرُكْهُ مَا تَرَكَكَ، فَأَعْمِلِ الْحِيلَةَ، وَكَاتِبِ الْقَيِّمَ بِأَمْرِهِ مِنَ الْمَغَارِبَةِ، وَاسْمُهُ بَهْلُولُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، وَأَهْدِ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى فَارَقَ إِدْرِيسَ وَأَطَاعَ إِبْرَاهِيمَ، وَتَفَرَّقَ جَمْعُ إِدْرِيسَ، فَكَتَبَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ يَسْتَعْطِفُهُ، وَيَسْأَلُهُ الْكَفَّ عَنْ نَاحِيَتِهِ، وَيَذْكُرُ لَهُ قَرَابَتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَفَّ عَنْهُ. ثُمَّ إِنَّ عِمْرَانَ بْنَ مَخْلَدٍ، الْمُقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَكَانَ مِنْ بِطَانَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَغْلَبِ، وَيَنْزِلُ مَعَهُ فِي قَصْرِهِ، رَكِبَ يَوْمًا مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَجَعَلَ يُحَدِّثُهُ، فَلَمْ يَفْهَمْ مِنْ حَدِيثِهِ شَيْئًا لِاشْتِغَالِ قَلْبِهِ بِمُهِمٍّ كَانَ لَهُ، فَاسْتَعَادَ الْحَدِيثَ مِنْ عِمْرَانَ فَغَضِبَ وَفَارَقَ إِبْرَاهِيمَ، وَجَمَعَ جَمْعًا كَثِيرًا، وَثَارَ عَلَيْهِ، فَنَزَلَ بَيْنَ الْقَيْرَوَانِ وَالْعَبَّاسِيَّةِ، وَصَارَتِ الْقَيْرَوَانُ وَأَكْثَرُ بِلَادِ إِفْرِيقِيَّةَ مَعَهُ. فَخَنْدَقَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى الْعَبَّاسِيَّةِ، وَامْتَنَعَ فِيهَا، وَدَامَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمَا سَنَةً كَامِلَةً، فَسَمِعَ الرَّشِيدُ الْخَبَرَ، فَأَنْفَذَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ خِزَانَةَ مَالٍ، فَلَمَّا صَارَتْ إِلَيْهِ الْأَمْوَالُ أَمَرَ مُنَادِيًا يُنَادِي: مَنْ كَانَ مِنْ جُنْدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَلْيَحْضُرْ لِأَخْذِ الْعَطَاءِ. فَفَارَقَ عِمْرَانَ أَصْحَابُهُ وَتَفَرَّقُوا عَنْهُ، فَوَثَبَ عَلَيْهِمْ أَصْحَابُ إِبْرَاهِيمَ فَانْهَزَمُوا، فَنَادَى إِبْرَاهِيمُ بِالْأَمَانِ وَالْحُضُورِ لِقَبْضِ الْعَطَاءِ، فَحَضَرُوا فَأَعْطَاهُمْ وَقَلَعَ أَبْوَابَ الْقَيْرَوَانِ وَهَدَمَ فِي سُورِهَا. وَأَمَّا عِمْرَانُ، فَسَارَ حَتَّى لَحِقَ بِالزَّابِ، فَأَقَامَ بِهِ حَتَّى مَاتَ إِبْرَاهِيمُ وَوَلَّى بَعْدَهُ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ فَأَمَّنَ عِمْرَانَ، فَحَضَرَ عِنْدَهُ، وَأَسْكَنَهُ مَعَهُ، فَقِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ: إِنَّ هَذَا ثَأْرٌ بِأَبِيكَ، وَلَا نَأْمَنُهُ عَلَيْكَ، فَقَتَلَهُ. وَلَمَّا انْهَزَمَ عِمْرَانُ سَكَنَ الشَّرُّ بِإِفْرِيقِيَّةَ، وَأَمِنَ النَّاسُ، فَبَقِيَ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ وَعُمُرُهُ سِتٌّ وَخَمْسُونَ سَنَةً، وَإِمَارَتُهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةَ أَيَّامٍ.

стр. 2685

(ذِكْرُ وِلَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَغْلَبِ إِفْرِيقِيَّةَ) وَلَمَّا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَغْلَبِ وَلِيَ بَعْدَهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ غَائِبًا بِطَرَابُلُسَ قَدْ حَصَرَهُ الْبَرْبَرُ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، فَعَهِدَ إِلَيْهِ أَبُوهُ بِالْإِمَارَةِ، وَأَمَرَ ابْنَهُ زِيَادَةَ اللَّهِ بْنَ إِبْرَاهِيمَ أَنْ يُبَايِعَ لِأَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بِالْإِمَارَةِ، فَكَتَبَ إِلَى أَخِيهِ بِمَوْتِ أَبِيهِ، وَبِالْإِمَارَةِ، فَفَارَقَ طَرَابُلُسَ، وَوَصَلَ إِلَى الْقَيْرَوَانِ، فَاسْتَقَامَتِ الْأُمُورُ، وَلَمْ يَكُنْ فِي أَيَّامِهِ شَرٌّ، وَلَا حَرْبٌ، وَسَكَنَ النَّاسُ فَعُمِّرَتِ الْبِلَادُ، وَتُوُفِّيَ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ. ذِكْرُ مَنْ خَالَفَ بِالْأَنْدَلُسِ عَلَى صَاحِبِهَا وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَالَفَ بَهْلُولُ بْنُ مَرْزُوقٍ، الْمَعْرُوفُ بِأَبِي الْحَجَّاجِ، فِي نَاحِيَةِ الثَّغْرِ مِنْ بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ، وَدَخَلَ سَرَقُسْطَةَ وَمَلَكَهَا، فَقَدِمَ عَلَى بَهْلُولٍ فِيهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَمُّ صَاحِبِهَا الْحَكَمِ، وَيُعْرَفُ بِالْبَلَنْسِيِّ، وَكَانَ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْفِرِنْجِ. وَخَالَفَ فِيهَا عُبَيْدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ بِطُلَيْطِلَةَ، وَأَمَرَ الْحَكَمُ الْقَائِدَ عَمْرُوسَ بْنَ يُوسُفَ، وَهُوَ بِمَدِينَةِ طَلَبِيرَةَ، أَنْ يُحَارِبَ أَهْلَ طُلَيْطِلَةَ فَكَانَ يُكْثِرُ قِتَالَهُمْ، وَضَيَّقَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ إِنَّ عَمْرُوسَ بْنَ يُوسُفَ كَاتَبَ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ طُلَيْطِلَةَ يُعْرَفُونَ بِبَنِي مَخْشِيٍّ، وَاسْتَمَالَهُمْ. فَوَثَبُوا عَلَى عُبَيْدَةَ بْنِ حُمَيْدٍ وَقَتَلُوهُ، وَحَمَلُوهُ رَأْسَهُ إِلَى عَمْرُوسَ، فَسَيَّرَ الرَّأْسَ إِلَى الْحَكَمِ، وَأَنْزَلَ بَنِي مَخْشِيٍّ عِنْدَهُ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْبَرْبَرِ الَّذِينَ بِمَدِينَةِ طَلَبِيرَةَ ذُحُولٌ، فَتَسَوَّرَ الْبَرْبَرُ عَلَيْهِمْ فَقَتَلُوهُ، فَسَيَّرَ عَمْرُوسُ رُءُوسَهُمْ مَعَ رَأْسِ عُبَيْدَةَ إِلَى الْحَكَمِ وَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ. [ثُمَّ إِنَّ عَمْرُوسَ أَعْمَلَ جَهْدَهُ فِي اسْتِجْلَابِ أَهْلِ طُلَيْطِلَةَ بِمُكَاتَبَتِهِمْ حَتَّى أَدْخَلُوهُ الْمَدِينَةَ. فَلَمَّا تَمَكَّنَ مِنْهَا بَنَى الْقَصْرَ عَلَى بَابِ جِسْرِهَا فَأَحْكَمَهُ، وَأَتْقَنَ أَمْرَهُ، ثُمَّ سَعَى فِي قَتْلِ رِجَالِ طُلَيْطِلَةَ، وَقَطْعِ شَرِّهِمْ، وَحَسْمِ دَائِهِمْ، تَوْطِيدًا لِلْمَمْلَكَةِ، فَأَعَدَّ لِلْكَيْدِ صَنِيعًا، أَظْهَرَ أَنَّهُ يَذْبَحُ فِيهِ الْبَقَرَ وَأَمَرَ أَنْ يَكُونَ دُخُولُ النَّاسِ عَلَى بَابٍ وَخُرُوجُهُمْ] مِنْ بَابٍ

стр. 2686

آخَرَ، فَمَنْ دَخَلَ مِنْهُمْ عُدِلَ بِهِ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ فَقَتَلُوهُ، حَتَّى قُتِلَ مِنْهُمْ سَبْعُمِائَةِ رَجُلٍ، فَاسْتَقَامَتْ تِلْكَ النَّاحِيَةُ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِيهَا غَزَا الرَّشِيدُ أَرْضَ الرُّومِ، فَافْتَتَحَ حِصْنَ الصَّفْصَافِ. وَفِيهَا غَزَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ صَالِحٍ أَرْضَ الرُّومِ، فَبَلَغَ أَنْقِرَةَ، وَافْتَتَحَ مَطْمُورَةَ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ حَمْزَةُ بْنُ مَالِكٍ. (وَفِيهَا غَلَبَتِ الْمُحَمِّرَةُ عَلَى خُرَاسَانَ) . وَفِيهَا أَحْدَثَ الرَّشِيدُ فِي صَدْرِ كُتُبِهِ الصَّلَاةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَحَجَّ بِالنَّاسِ الرَّشِيدُ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ الْفِدَاءُ بَيْنَ الرُّومِ وَالْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ أَوَّلُ فِدَاءٍ كَانَ أَيَّامَ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَكَانَ الْقَاسِمُ بْنُ الرَّشِيدِ هُوَ الْمُتَوَلِّي لَهُ، (وَكَانَ الْمَلِكُ نِقْفُورَ) ، (فَفَرِحَ بِذَلِكَ

стр. 2687

النَّاسُ) ، فَفُودِيَ بِكُلِّ أَسِيرٍ فِي بِلَادِ الرُّومِ، وَكَانَ الْفِدَاءُ بِاللَّامِسِ، عَلَى جَانِبِ الْبَحْرِ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ طَرَسُوسَ اثْنَا عَشَرَ فَرْسَخًا، وَحَضَرَ ثَلَاثُونَ أَلْفًا مِنَ الْمُرْتَزِقَةِ مَعَ أَبِي سُلَيْمَانَ، فَخَرَجَ الْخَادِمُ، مُتَوَلِّي طَرَسُوسَ، وَخَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الثُّغُورِ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْأَعْيَانِ، وَكَانَ عِدَّةُ الْأَسْرَى ثَلَاثَةَ آلَافٍ وَسَبْعَمِائَةٍ، وَقِيلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.

стр. 2688

وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْحَسَنُ بْنُ قَحْطَبَةَ، وَهُوَ مِنْ قُوَّادِ الْمَنْصُورِ، هُوَ وَأَبُوهُ، وَكَانَ عُمْرُهُ أَرْبَعًا وَثَمَانِينَ سَنَةً. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ الْمَرْوَزِيُّ، تُوُفِّيَ فِي رَمَضَانَ بِهَيْتَ وَعُمْرُهُ ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً.

стр. 2689

وَعَلِيُّ بْنُ حَمْزَةَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَسَدِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِالْكِسَائِيِّ، الْمُقْرِئُ، النَّحْوِيُّ، بِالرَّيِّ، وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ.

стр. 2690

وَفِيهَا تُوُفِّيَ مَرْوَانُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ يَحْيَى بْنِ أَبِي حَفْصَةَ الشَّاعِرُ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ خَمْسٍ وَمِائَةٍ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو يُوسُفَ الْقَاضِي، وَاسْمُهُ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَهُوَ أَكْبَرُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ (يَعْقُوبُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ عُمَرَ بْنِ طَهْمَانَ، مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ السُّلَمِيُّ، وَكَانَ) يَعْقُوبُ وَزِيرَ الْمَهْدِيِّ. وَهَاشِمُ بْنُ الْبَرِيدِ. وَيَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ. وَحَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ الصَّنْعَانِيُّ مِنْ صَنْعَاءِ دِمَشْقَ.

стр. 2691

(الْبَرِيدُ بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَكَسْرِ الرَّاءِ، وَبِالْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ) .

стр. 2692

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَة] ١٨٢ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بَايَعَ الرَّشِيدُ لِعَبْدِ اللَّهِ الْمَأْمُونِ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ بَعْدَ الْأَمِينِ، وَوَلَّاهُ خُرَاسَانَ وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا إِلَى هَمَذَانَ، وَلَقَّبَهُ الْمَأْمُونَ، وَسَلَّمَهُ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى. (وَهَذَا مِنَ الْعَجَائِبِ، فَإِنَّ الرَّشِيدَ قَدْ رَأَى مَا صَنَعَ أَبُوهُ وَجَدُّهُ الْمَنْصُورُ بِعِيسَى بْنِ مُوسَى، حَتَّى خَلَعَ نَفْسَهُ مِنْ وِلَايَةِ الْعَهْدِ، وَمَا صَنَعَ أَخُوهُ الْهَادِي لِيَخْلَعَ نَفْسَهُ مِنَ الْعَهْدِ، فَلَوْ لَمْ يُعَاجِلْهُ الْمَوْتُ لَخَلَعَهُ، ثُمَّ هُوَ يُبَايِعُ لِلْمَأْمُونِ بَعْدَ الْأَمِينِ، وَحُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ) . وَفِيهَا حُمِلَتِ ابْنَةُ خَاقَانَ مَلِكِ الْخَزَرِ إِلَى الْفَضْلِ بْنِ يَحْيَى، فَمَاتَتْ بِبَرْذَعَةَ، فَرَجَعَ مَنْ مَعَهَا إِلَى أَبِيهَا فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهَا قُتِلَتْ غِيلَةً، فَتَجَهَّزَ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ. وَغَزَا الصَّائِفَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ صَالِحٍ، فَبَلَغَ أُفْسُوسَ، مَدِينَةَ أَصْحَابِ الْكَهْفِ.

стр. 2693

وَفِيهَا سَمَلَتِ الرُّومُ عَيْنَيْ مَلِكِهِمْ قُسْطَنْطِينَ بْنِ أَلْيُونَ، وَأَقَرُّوا أُمَّهُ رِينِي وَتُلَقَّبُ: عَطْسَةَ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ مُوسَى بْنُ عِيسَى بْنِ مُوسَى. وَكَانَ عَلَى الْمَوْصِلِ هَرْثَمَةُ بْنُ أَعْيَنَ. (وَفِيهَا جَازَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ، إِلَى بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ مِنَ الشَّرْقِ، وَتَعَرَّضَ لِحَرْبِ ابْنِ أَخِيهِ الْحَكَمِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، صَاحِبِ الْبِلَادِ، فَسَارَ إِلَيْهِ الْحَكَمُ فِي جُيُوشٍ كَثِيرَةٍ، وَقَدِ اجْتَمَعَ إِلَى سُلَيْمَانَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الشِّقَاقِ وَمَنْ يُرِيدُ الْفِتْنَةَ، فَالْتَقَيَا وَاقْتَتَلَا، وَاشْتَدَّتِ الْحَرْبُ، فَانْهَزَمَ سُلَيْمَانُ وَاتَّبَعَهُ عَسْكَرُ الْحَكَمِ، وَعَادَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ ثَانِيَةً فِي ذِي الْحِجَّةِ، فَانْهَزَمَ فِيهَا سُلَيْمَانُ، وَاعْتَصَمَ بِالْوَعْرِ وَالْجِبَالِ، فَعَادَ الْحَكَمُ. ثُمَّ عَادَ سُلَيْمَانُ فَجَمَعَ بَرَابِرَ، وَأَقْبَلَ إِلَى جَانِبِ إِسْتِجَةَ، فَسَارَ إِلَيْهِمُ الْحَكَمُ، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، فَانْهَزَمَ سُلَيْمَانُ، وَاحْتَمَى بِقَرْيَةٍ، فَحَصَرَهُ الْحَكَمُ، وَعَادَ سُلَيْمَانُ (مُنْهَزِمًا) إِلَى نَاحِيَةِ فِرِّيشَ) .

стр. 2694

(وَفِيهَا كَانَ بِقُرْطُبَةَ سَيْلٌ عَظِيمٌ، فَغَرِقَ كَثِيرٌ مِنْ رَبَضِهَا الْقِبْلِيِّ، وَخَرِبَ كَثِيرٌ مِنْهُ، وَبَلَغَ السَّيْلُ شَقُنْدَةَ) . [الْوَفَيَاتُ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الطَّيَالِسِيُّ الْمُحَدِّثُ. وَعَمَّارُ بْنُ مُحَمَّدٍ ابْنُ أُخْتِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ. وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ، مَوْلَى جُهَيْنَةَ، وَكَانَ أَبُوهُ مِنْ دَارَابَجِرْدَ، فَاسْتَثْقَلُوا نِسْبَتَهُ إِلَيْهَا فَقَالُوا دَرَاوَرْدِيُّ.

стр. 2695

وَفِيهَا تُوُفِّيَ دَرَّاجُ أَبُو السَّمْحِ، (وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّمْحِ، وَقِيلَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ السَّمْحِ بْنِ) أُسَامَةَ التُّجِيبِيُّ، الْمِصْرِيُّ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ. وَعَفِيفُ بْنُ سَالِمٍ الْمَوْصِلِيُّ.

стр. 2696

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ] ١٨٣ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ. ذِكْرُ غَزْوِ الْخَزَرِ بِلَادَ الْإِسْلَامِ وَفِيهَا خَرَجَ الْخَزَرُ بِسَبَبِ ابْنَةِ خَاقَانَ مِنْ بَابِ الْأَبْوَابِ، فَأَوْقَعُوا بِالْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ، وَسَبَوْا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ رَأْسٍ، وَانْتَهَكُوا أَمْرًا عَظِيمًا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ فِي الْأَرْضِ، فَوَلَّى الرَّشِيدُ أَرْمِينِيَّةَ يَزِيدَ بْنَ مَزْيَدٍ مُضَافًا إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، وَوَجَّهَهُ إِلَيْهِمْ، وَأَنْزَلَ خُزَيْمَةَ بْنَ خَازِمٍ نَصِيبِينَ رِدْءًا لِأَهْلِ أَرْمِينِيَّةَ. وَقِيلَ: إِنَّ سَبَبَ خُرُوجِهِمْ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ سَلْمٍ قَتَلَ الْمُنَجِّمَ السُّلَمِيَّ، فَدَخَلَ ابْنُهُ بِلَادَ الْخَزَرِ، وَاسْتَجَاشَهُمْ عَلَى سَعِيدٍ، فَخَرَجُوا وَدَخَلُوا أَرْمِينِيَّةَ مِنَ الثُّلْمَةِ، فَانْهَزَمَ سَعِيدٌ، وَأَقَامُوا نَحْوَ سَبْعِينَ يَوْمًا، فَوَجَّهَ الرَّشِيدُ خُزَيْمَةَ بْنَ خَازِمٍ، وَيَزِيدَ بْنَ مَزْيَدٍ، فَأَصْلَحَا مَا أَفْسَدَ سَعِيدٌ، وَأَخْرَجَا الْخَزَرَ، وَسَدَّا الثُّلْمَةَ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِيهَا اسْتَقْدَمَ الرَّشِيدُ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى مِنْ خُرَاسَانَ، ثُمَّ رَدَّهُ عَلَيْهَا مِنْ قِبَلِ ابْنِهِ الْمَأْمُونِ، وَأَمَرَهُ بِحَرْبِ أَبِي الْخَصِيبِ. وَفِيهَا خَرَجَ بِنَسَا مِنْ خُرَاسَانَ أَبُو الْخَصِيبِ وُهَيْبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّسَائِيُّ.

стр. 2697

وَحَجَّ بِالنَّاسِ الْعَبَّاسُ بْنُ الْهَادِي. وَفِيهَا مَاتَ مُوسَى بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِبَغْدَاذَ فِي حَبْسِ الرَّشِيدِ. وَكَانَ سَبَبُ حَبْسِهِ أَنَّ الرَّشِيدَ اعْتَمَرَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ سَنَةِ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ، فَلَمَّا عَادَ إِلَى الْمَدِينَةِ - عَلَى سَاكِنِهَا السَّلَامُ - دَخَلَ إِلَى قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ يَزُورُهُ، وَمَعَهُ النَّاسُ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الْقَبْرِ وَقَفَ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَابْنَ عَمِّ، افْتِخَارًا عَلَى مَنْ حَوْلِهِ، فَدَنَا مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَهْ. فَتَغَيَّرَ وَجْهُ الرَّشِيدِ وَقَالَ: هَذَا الْفَخْرُ يَا أَبَا الْحَسَنِ جَدًّا. ثُمَّ أَخَذَهُ مَعَهُ إِلَى الْعِرَاقِ، فَحَبَسَهُ عِنْدَ السِّنْدِيِّ بْنِ شَاهَكَ، (وَتَوَلَّتْ حَبْسَهُ أُخْتُ السِّنْدِيِّ بْنِ شَاهَكَ) ، وَكَانَتْ تَتَدَيَّنُ، فَحَكَتْ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ إِذَا صَلَّى الْعَتَمَةَ حَمِدَ اللَّهَ وَمَجَّدَهُ وَدَعَاهُ إِلَى أَنْ يَزُولَ اللَّيْلُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي، حَتَّى يُصَلِّيَ الصُّبْحَ، ثُمَّ يَذْكُرُ اللَّهَ - تَعَالَى - حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ يَقْعُدُ إِلَى ارْتِفَاعِ الضُّحَى، ثُمَّ يَرْقُدُ، وَيَسْتَيْقِظُ قَبْلَ الزَّوَالِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي، حَتَّى يُصَلِّيَ الْعَصْرَ، ثُمَّ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى يُصَلِّيَ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعَتَمَةِ، فَكَانَ هَذَا دَأْبَهُ إِلَى أَنْ مَاتَ. وَكَانَتْ إِذَا رَأَتْهُ قَالَتْ: خَابَ قَوْمٌ تَعَرَّضُوا لِهَذَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ! وَكَانَ يُلَقَّبُ بِالْكَاظِمِ ; لِأَنَّهُ كَانَ يُحْسِنُ إِلَى مَنْ يُسِيءُ إِلَيْهِ، كَانَ هَذَا عَادَتَهُ أَبَدًا، وَلَمَّا كَانَ مَحْبُوسًا بَعَثَ إِلَى الرَّشِيدِ بِرِسَالَةٍ أَنَّهُ لَنْ يَنْقَضِيَ عَنِّي يَوْمٌ مِنَ الْبَلَاءِ إِلَّا يَنْقَضِي عَنْكَ مَعَهُ يَوْمٌ مِنَ الرَّخَاءِ، حَتَّى يَنْقَضِيَا جَمِيعًا إِلَى يَوْمٍ لَيْسَ لَهُ انْقِضَاءٌ يَخْسَرُ فِيهِ الْمُبْطِلُونَ. (وَفِيهَا كَانَتْ بِالْأَنْدَلُسِ فِتْنَةٌ وَحَرْبٌ بَيْنَ قَائِدٍ كَبِيرٍ يُقَالُ لَهُ أَبُو عِمْرَانَ، وَبَيْنَ بَهْلُولِ بْنِ مَرْزُوقٍ، وَهُوَ مِنْ أَعْيَانِ الْأَنْدَلُسِ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ الْبَلَنْسِيُّ مَعَ أَبِي عِمْرَانَ، فَانْهَزَمَ

стр. 2698

أَصْحَابُ بَهْلُولٍ، وَقُتِلَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ النَّحْوِيُّ الْمَشْهُورُ، أَخَذَ الْعِلْمَ عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ وَغَيْرِهِ، وَكَانَ عُمْرُهُ قَدْ زَادَ عَلَى مِائَةِ سَنَةٍ) . وَفِيهَا مَاتَ مُوسَى بْنُ عِيسَى بْنِ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ. وَمُحَمَّدُ بْنُ صَبِيحٍ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمُذَكِّرُ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ السَّمَّاكِ. وَهُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ الْوَاسِطِيُّ، تُوُفِّيَ فِي شَعْبَانَ، وَكَانَ ثِقَةً إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يُصَحِّفُ.

стр. 2699

وَيَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، قَاضِي الْمَدَائِنِ بِهَا، وَكَانَ عُمْرُهُ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سَنَةً. وَيُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ. (صَبِيحٌ بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، وَكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ. وَبَشِيرٌ بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ) .

стр. 2700

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَة] ١٨٤ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ وَفِيهَا وَلَّى الرَّشِيدُ حَمَّادًا الْبَرْبَرِيَّ الْيَمَنَ وَمَكَّةَ، وَوَلَّى دَاوُدَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ حَاتِمٍ الْمُهَلَّبِيَّ السِّنْدَ، وَيَحْيَى الْحَرَشِيَّ الْجَبَلَ، وَمَهْرَوَيْهِ الرَّازِيَّ طَبَرِسْتَانَ، وَقَامَ بِأَمْرِ إِفْرِيقِيَّةَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَغْلَبِ، فَوَلَّاهُ إِيَّاهَا الرَّشِيدُ. وَفِيهَا خَرَجَ أَبُو عُمَرَ الشَّارِيُّ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ زُهَيْرًا الْقَصَّابَ فَقَتَلَهُ بِشَهْرَزُورَ. وَفِيهَا طَلَبَ أَبُو الْخَصِيبِ الْأَمَانَ فَأَمَّنَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ. وَكَانَ عَلَى الْمَوْصِلِ وَأَعْمَالِهَا يَزِيدُ بْنُ مَزْيَدِ بْنِ زَائِدَةَ الشَّيْبَانِيُّ. (وَفِيهَا سَارَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَلَنْسِيُّ إِلَى مَدِينَةِ أَشِقَةَ مِنَ الْأَنْدَلُسِ، فَنَزَلَ بِهَا مَعَ أَبِي عِمْرَانَ، وَمَعَ الْعَرَبِ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ بَهْلُولُ بْنُ مَرْزُوقٍ، وَحَاصَرَهُمْ فِيهَا، فَتَفَرَّقَ
следующие страницы →