← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ] ١٩٤ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ خِلَافِ أَهْلِ حِمْصٍ عَلَى الْأَمِينِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَالَفَ أَهْلُ حِمْصٍ عَلَى الْأَمِينِ، وَعَلَى عَامِلِهِمْ إِسْحَاقَ بْنِ سُلَيْمَانَ، فَانْتَقَلَ عَنْهُمْ إِلَى سَلَمْيَةَ، فَعَزَلَهُ الْأَمِينُ وَاسْتَعْمَلَ مَكَانَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعِيدٍ الْحَرَشِيَّ، فَقَتَلَ عِدَّةً مِنْ وُجُوهِهِمْ، وَحَبَسَ عِدَّةً، وَأَلْقَى النَّارَ فِي نَوَاحِيهَا، فَسَأَلُوا الْأَمَانَ فَأَجَابَهُمْ، ثُمَّ هَاجُوا بَعْدَ ذَلِكَ فَقَتَلَ عِدَّةً مِنْهُمْ. ذِكْرُ ظُهُورِ الْخِلَافِ بَيْنَ الْأَمِينِ وَالْمَأْمُونِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَمَرَ الْأَمِينُ بِالدُّعَاءِ عَلَى الْمَنَابِرِ لِابْنِهِ مُوسَى. وَكَانَ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْفَضْلَ بْنَ الرَّبِيعِ لَمَّا قَدِمَ الْعِرَاقَ مِنْ طُوسَ، وَنَكَثَ عَهْدَ الْمَأْمُونِ، أَفْكَرَ فِي أَمْرِهِ، وَعَلِمَ أَنَّ الْمَأْمُونَ إِنْ أَفْضَتْ إِلَيْهِ الْخِلَافَةُ وَهُوَ حَيٌّ - لَمْ يُبْقِ عَلَيْهِ، فَسَعَى فِي إِغْرَاءِ الْأَمِينِ، وَحَثِّهِ عَلَى خَلْعِ الْمَأْمُونِ وَالْبَيْعَةِ لِابْنِهِ مُوسَى بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي عَزْمِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ، فَلَمْ يَزَلِ الْفَضْلُ يُصَغِّرُ عِنْدَهُ أَمْرَ الْمَأْمُونِ، وَيُزَيِّنُ لَهُ خَلْعَهُ، وَقَالَ لَهُ: مَا تَنْتَظِرُ بِعَبْدِ اللَّهِ وَالْقَاسِمِ، فَإِنَّ الْبَيْعَةَ كَانَتْ لَكَ قَبْلَهُمَا، وَإِنَّمَا أُدْخِلَا فِيهَا بَعْدَكَ. وَوَافَقَهُ عَلَى هَذَا عَلِيُّ بْنُ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ، وَالسِّنْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا، فَرَجَعَ الْأَمِينُ إِلَى قَوْلِهِمْ. ثُمَّ إِنَّهُ أَحْضَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَازِمٍ، فَلَمْ يَزَلْ فِي مُنَاظَرَتِهِ حَتَّى انْقَضَى اللَّيْلُ، وَكَانَ مِمَّا

стр. 2767

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أُنْشِدُكَ اللَّهَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْ تَكُونَ أَوَّلَ الْخُلَفَاءِ نَكَثَ عَلَى عَهْدِهِ، وَنَقَضَ مِيثَاقَهُ، وَرَدَّ رَأْيَ الْخَلِيفَةِ قَبْلَهُ، (فَقَالَ) [الْأَمِينُ] : اسْكُتْ! فَعَبْدُ الْمَلِكِ كَانَ أَفْضَلَ مِنْكَ رَأْيًا، وَأَكْمَلَ نَظَرًا، يَقُولُ: لَا يَجْتَمِعُ فَحْلَانِ فِي أَجَمَةٍ. ثُمَّ جَمَعَ الْقُوَّادَ وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ خَلْعَ الْمَأْمُونِ، فَأَبَوْا ذَلِكَ، وَرُبَّمَا سَاعَدَهُ قَوْمٌ حَتَّى بَلَغَ إِلَى خُزَيْمَةَ بْنِ خَازِمٍ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَمْ يَنْصَحْكَ مَنْ كَذَبَكَ، وَلَمْ يَغُشَّكَ مَنْ صَدَقَكَ، لَا تُجَرِّئِ الْقُوَّادَ عَلَى الْخَلْعِ فَيَخْلَعُوكَ، وَلَا تَحْمِلْهُمْ عَلَى نَكْثِ الْعَهْدِ فَيَنْكُثُوا عَهْدَكَ وَبَيْعَتَكَ، فَإِنَّ الْغَادِرَ مَخْذُولٌ، وَالنَّاكِثَ مَغْلُولٌ. فَأَقْبَلَ الْأَمِينُ عَلَى عَلِيِّ بْنِ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ فَتَبَسَّمَ وَقَالَ: لَكِنَّ شَيْخَ الدَّعْوَةِ، وَنَائِبَ هَذِهِ الدَّوْلَةِ، لَا يُخَالِفُ عَلَى إِمَامِهِ، وَلَا يُوهِنُ طَاعَتَهُ. ثُمَّ رَفَعَهُ إِلَى مَوْضِعٍ لَمْ يَرْفَعْهُ إِلَيْهِ قَبْلَهَا، لِأَنَّهُ كَانَ هُوَ وَالْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ يُعِينَانِهِ عَلَى الْخَلْعِ. وَلَجَّ الْأَمِينُ فِي خَلْعِ الْمَأْمُونِ، حَتَّى إِنَّهُ قَالَ يَوْمًا لِلْفَضْلِ بْنِ الرَّبِيعِ: يَا فَضْلُ! أَحَيَاةٌ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ؟ لَا بُدَّ مِنْ خَلْعِهِ. وَالْفَضْلُ يَعِدُهُ وَهُوَ يَقُولُ: فَمَتَى ذَلِكَ؟ إِذَا غَلَبَ عَلَى خُرَاسَانَ وَمَا فِيهَا؟ ! فَأَوَّلُ مَا فَعَلَهُ أَنْ كَتَبَ إِلَى جَمِيعِ الْعُمَّالِ بِالدُّعَاءِ لِابْنِهِ مُوسَى بِالْإِمْرَةِ، بَعْدَ الدُّعَاءِ لِلْمَأْمُونِ وَلِلْمُؤْتَمَنِ. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْمَأْمُونَ، مَعَ عَزْلِ الْمُؤْتَمَنِ عَمَّا كَانَ بِيَدِهِ، أَسْقَطَ اسْمَ الْأَمِينِ مِنَ الطُّرُزِ، وَقَطَعَ الْبَرِيدَ عَنْهُ. وَكَانَ رَافِعُ بْنُ اللَّيْثِ بْنِ نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ، لَمَّا بَلَغَهُ حُسْنُ سِيرَةِ الْمَأْمُونِ طَلَبَ الْأَمَانَ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، فَحَضَرَ عِنْدَ الْمَأْمُونِ، وَأَقَامَ هَرْثَمَةَ بِسَمَرْقَنْدَ وَمَعَهُ طَاهِرُ بْنُ الْحُسَيْنِ، ثُمَّ قَدِمَ هَرْثَمَةُ عَلَى الْمَأْمُونِ، فَأَكْرَمَهُ وَوَلَّاهُ الْحَرَسَ. فَأَنْكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ الْأَمِينُ، فَكَانَ مِمَّا وَتَرَ عَلَيْهِ أَنْ كَتَبَ إِلَى الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ

стр. 2768

مَالِكٍ، وَهُوَ عَامِلُ الْمَأْمُونِ عَلَى الرَّيِّ، يَأْمُرُهُ أَنْ يُنْفِذَ بِغَرَائِبِ غُرُوسِ الرَّيِّ، يُرِيدُ امْتِحَانَهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِمَا أَمَرَهُ، وَكَتَمَ ذَلِكَ عَنِ الْمَأْمُونِ وَذِي الرِّيَاسَتَيْنِ، فَبَلَغَ الْمَأْمُونَ، (فَعَزَلَهُ بِالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَأْمُونِيِّ. ثُمَّ وَجَّهَ الْأَمِينُ إِلَى الْمَأْمُونِ أَرْبَعَةَ) أَنْفُسٍ، وَهُمُ: الْعَبَّاسُ بْنُ مُوسَى بْنِ عِيسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَعِيسَى بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْمَنْصُورِ، وَصَالِحٌ صَاحِبُ الْمُصَلَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ نَهِيكٍ، وَيَطْلُبُ إِلَيْهِ أَنْ يُقَدِّمَ ابْنَهُ مُوسَى عَلَى نَفْسِهِ (وَيَحْضُرَ عِنْدَهُ، فَقَدِ اسْتَوْحَشَ لِبُعْدِهِ) ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ الْمَأْمُونَ، فَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ بِالرَّيِّ وَنَيْسَابُورَ وَغَيْرِهِمَا، يَأْمُرُهُمْ بِإِظْهَارِ الْعُدَّةِ وَالْقُوَّةِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَقَدِمَ الرُّسُلُ عَلَى الْمَأْمُونِ، وَأَبْلَغُوهُ الرِّسَالَةَ، وَكَانَ ابْنُ مَاهَانَ أَشَارَ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَ الْأَمِينَ أَنَّ أَهْلَ خُرَاسَانَ مَعَهُ. فَلَمَّا سَمِعَ الْمَأْمُونُ هَذِهِ الرِّسَالَةَ اسْتَشَارَ الْفَضْلَ بْنَ سَهْلٍ فَقَالَ لَهُ: أَحْضِرْ هِشَامًا وَالِدَ عَلِيٍّ وَأَحْمَدَ ابْنَيْ هِشَامٍ، وَاسْتَشِرْهُ. فَأَحْضَرَهُ، وَاسْتَشَارَهُ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّمَا أَخَذْتَ الْبَيْعَةَ عَلَيْنَا عَلَى أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْ خُرَاسَانَ، فَمَتَى فَعَلَ مُحَمَّدٌ ذَلِكَ فَلَا بَيْعَةَ لَهُ فِي أَعْنَاقِنَا، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَمَتَى هَمَمْتَ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِ تَعَلَّقْتُ بِكَ بِيَمِينِي، فَإِذَا قُطِعَتْ تَعَلَّقْتُ بِيَسَارِي، فَإِنْ قُطِعَتْ تَعَلَّقْتُ بِلِسَانِي، فَإِذَا ضُرِبَتْ عُنُقِي كُنْتُ أَدَّيْتُ مَا عَلَيَّ. فَقَوِيَ عَزْمُ الْمَأْمُونِ عَلَى الِامْتِنَاعِ، فَأَحْضَرَ الْعَبَّاسَ وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ لَا يَحْضُرُ، (وَأَنَّهُ لَا يُقَدِّمُ مُوسَى عَلَى نَفْسِهِ) ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ مُوسَى: مَا عَلَيْكَ أَيُّهَا الْأَمِيرُ مِنْ ذَلِكَ، فَهَذَا جَدِّي عِيسَى بْنُ مُوسَى قَدْ خُلِعَ فَمَا ضَرَّهُ. فَصَاحَ بِهِ ذُو الرِّيَاسَتَيْنِ: اسْكُتْ! إِنَّ جَدَّكَ كَانَ أَسِيرًا فِي أَيْدِيهِمْ، وَهَذَا بَيْنَ أَخْوَالِهِ وَشِيعَتِهِ. ثُمَّ قَامُوا، فَخَلَا ذُو الرِّيَاسَتَيْنِ بِالْعَبَّاسِ بْنِ مُوسَى وَاسْتَمَالَهُ، وَوَعَدَهُ إِمْرَةَ الْمَوْسِمِ، وَمَوَاضِعَ مِنْ مِصْرَ، فَأَجَابَ إِلَى بَيْعَةِ الْمَأْمُونِ، وَسُمِّيَ الْمَأْمُونُ ذَلِكَ الْوَقْتَ بِالْإِمَامِ، فَكَانَ الْعَبَّاسُ يَكْتُبُ إِلَيْهِمْ بِالْأَخْبَارِ مِنْ بَغْدَادَ.

стр. 2769

وَرَجَعَ الرُّسُلُ إِلَى الْأَمِينِ، فَأَخْبَرُوهُ بِامْتِنَاعِ الْمَأْمُونِ، وَأَلَحَّ الْفَضْلُ وَعَلِيُّ بْنُ عِيسَى عَلَى الْأَمِينِ فِي خَلْعِ الْمَأْمُونِ وَالْبَيْعَةِ لِابْنِهِ مُوسَى بْنِ الْأَمِينِ. وَكَانَ الْأَمِينُ قَدْ كَتَبَ إِلَى الْمَأْمُونِ يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَنْزِلَ عَنْ بَعْضِ كُوَرِ خُرَاسَانَ، وَأَنْ يَكُونَ لَهُ عِنْدَهُ صَاحِبُ الْبَرِيدِ يُكَاتِبُهُ بِالْأَخْبَارِ، فَاسْتَشَارَ الْمَأْمُونُ خَوَاصَّهُ وَقُوَّادَهُ، فَأَشَارُوا بِاحْتِمَالِ هَذَا الشَّرِّ وَالْإِجَابَةِ إِلَيْهِ، خَوْفًا مِنْ شَرٍّ هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ. فَقَالَ لَهُمُ الْحَسَنُ بْنُ سَهْلٍ: أَتَعْلَمُونَ أَنَّ الْأَمِينَ طَلَبَ مَا لَيْسَ لَهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ! وَيُحْتَمَلُ ذَلِكَ لِضَرَرِ مَنْعِهِ. قَالَ: فَهَلْ تَثِقُونَ بِكَفِّهِ بَعْدَ إِجَابَتِهِ، فَلَا يَطْلُبُ غَيْرَهَا؟ قَالُوا: لَا! قَالَ: فَإِنْ طَلَبَ غَيْرَهَا، فَمَا تَرَوْنَ؟ قَالُوا: نَمْنَعُهُ، فَهَذَا خِلَافُ مَا سَمِعْنَاهُ مِنْ قَوْلِ الْحُكَمَاءِ. قَالَ: اسْتَصْلِحْ عَاقِبَةَ أَمْرِكَ بِاحْتِمَالِ مَا عَرَضَ مِنْ مَكْرُوهِهِ فِي يَوْمِكَ، وَلَا تَلْتَمِسْ هُدْنَةَ يَوْمِكَ بِإِخْطَارٍ أَدْخَلْتَهُ عَلَى نَفْسِكَ فِي غَدِكَ. فَقَالَ الْمَأْمُونُ لِذِي الرِّيَاسَتَيْنِ: مَا تَقُولُ أَنْتَ؟ فَقَالَ: أَسْعَدَكَ اللَّهُ، هَلْ تُؤْمِنُ أَنْ يَكُونَ الْأَمِينُ طَالَبَكَ بِفَضْلِ قُوَّتِكَ لِيَسْتَظْهِرَ بِهَا عَلَيْكَ؟ بَلْ إِنَّمَا أَشَارَ الْحُكَمَاءُ بِحَمْلِ ثِقْلٍ تَرْجُونَ بِهِ صَلَاحَ الْعَاقِبَةِ. فَقَالَ الْمَأْمُونُ: بِإِيثَارِ دَعَةِ الْعَاجِلِ صَارَ إِلَى فَسَادِ الْعَاقِبَةِ فِي دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ. فَامْتَنَعَ الْمَأْمُونُ مِنْ إِجَابَتِهِ إِلَى مَا طَلَبَ. وَأَنْفَذَ الْمَأْمُونُ ثِقَتَهُ إِلَى الْحَدِّ، فَلَا يُمَكِّنُ أَحَدًا مِنَ الْعُبُورِ إِلَى بِلَادِهِ إِلَّا مَعَ ثِقَةٍ مِنْ نَاحِيَتِهِ، فَحَظَّرَ أَهْلَ خُرَاسَانَ أَنْ يُسْتَمَالُوا بِرَغْبَةٍ أَوْ رَهْبَةٍ، وَضَبَطَ الطُّرُقَ بِثِقَاتِ أَصْحَابِهِ، فَلَمْ يُمَكِّنُوا مِنْ دُخُولِ خُرَاسَانَ إِلَّا مَنْ عَرَفُوهُ، وَأَتَى بِجَوَازٍ، أَوْ [كَانَ] تَاجِرًا مَعْرُوفًا، وَفُتِّشَتِ الْكُتُبُ. وَقِيلَ: لَمَّا أَرَادَ الْأَمِينُ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى الْمَأْمُونِ يَطْلُبُ بَعْضَ كُوَرِ خُرَاسَانَ قَالَ لَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ صُبَيْحٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ هَذَا مِمَّا يُقَوِّي التُّهْمَةَ، وَيُنَبِّهُ عَلَى الْحَذَرِ،

стр. 2770

وَلَكِنِ اكْتُبْ إِلَيْهِ فَأَعْلِمْهُ حَاجَتَكَ، وَمَا تُحِبُّ مِنْ قُرْبِهِ وَالِاسْتِعَانَةِ بِهِ عَلَى مَا وَلَّاكَ اللَّهُ، وَتَسْأَلُهُ الْقُدُومَ عَلَيْكَ، لِتَرْجِعَ إِلَى رَأْيِهِ فِيمَا تَفْعَلُ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ، وَسَيَّرَ الْكِتَابَ مَعَ نَفَرٍ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَبْلُغُوا الْجَهْدَ فِي إِحْضَارِهِ، وَسَيَّرَ مَعَهُمُ الْهَدَايَا الْكَثِيرَةَ، فَلَمَّا حَضَرَ الرُّسُلُ عِنْدَهُ، وَقَرَأَ الْكِتَابَ وَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِإِجَابَةِ الْأَمِينِ، وَأَعْلَمُوهُ مَا فِي إِجَابَتِهِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، فَأَحْضَرَ ذَا الرِّيَاسَتَيْنِ، وَأَقْرَأَهُ الْكِتَابَ وَاسْتَشَارَهُ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِمُلَازَمَةِ خُرَاسَانَ، وَخَوَّفَهُ مِنَ الْقُرْبِ مِنَ الْأَمِينِ، فَقَالَ: لَا يُمْكِنُنِي مُخَالَفَتُهُ، وَأَكْثَرُ الْقُوَّادِ وَالْأَمْوَالِ مَعَهُ، وَالنَّاسُ مَائِلُونَ إِلَى الدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ، لَا يَرْغَبُونَ فِي حِفْظِ عَهْدٍ وَلَا أَمَانَةٍ، وَلَسْتُ فِي قُوَّةٍ حَتَّى أَمْتَنِعَ، وَقَدْ فَارَقَ جَيْغَوَيْهِ الطَّاعَةَ، وَالْتَوَى خَاقَانُ مَلِكُ التُّبَّتِ، وَمَلِكُ الْكَابُلِ قَدِ اسْتَعَدَّ لِلْغَارَةِ عَلَى مَا يَلِيهِ، وَمَلِكُ أَتْرَادِبَنْدَهْ قَدْ مَنَعَ الضَّرِيبَةَ، وَمَالِي بِوَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ بُدٌّ، وَلَا أَرَى إِلَّا تَخْلِيَةَ مَا أَنَا فِيهِ، وَاللِّحَاقَ بِخَاقَانَ مَلِكِ التُّرْكِ، وَالِاسْتِجَارَةَ بِهِ؛ لَعَلِّي آمَنُ عَلَى نَفْسِي. فَقَالَ ذُو الرِّيَاسَتَيْنِ: إِنَّ عَاقِبَةَ الْغَدْرِ شَدِيدَةٌ، وَتَبِعَةَ الْبَغْيِ غَيْرُ مَأْمُونَةٍ، وَرُبَّ مَقْهُورٍ قَدْ عَادَ قَاهِرًا، وَلَيْسَ النَّصْرُ بِالْكَثْرَةِ وَالْقِلَّةِ، وَالْمَوْتُ أَيْسَرُ مِنَ الذُّلِّ وَالضَّيْمِ، وَمَا أَرَى أَنْ تَصِيرَ إِلَى أَخِيكَ مُتَجَرِّدًا مِنْ قُوَّادِكَ وَجُنْدِكَ، كَالرَّأْسِ الَّذِي فَارَقَ بَدَنَهُ، فَتَكُونَ عِنْدَهُ كَبَعْضِ رَعِيَّتِهِ، يَجْرِي عَلَيْكَ حُكْمُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُبْلِيَ عُذْرًا فِي قِتَالٍ، وَاكْتُبْ إِلَى جَيْغَوَيْهِ وَخَاقَانَ، فَوَلِّهِمَا بِلَادَهُمَا، وَابْعَثْ إِلَى مَلِكِ كَابُلَ بِبَعْضِ هَدَايَا خُرَاسَانَ، وَوَادِعْهُ، وَاتْرُكْ لِمَلِكِ أَتْرَادِبَنْدَهْ ضَرِيبَتَهُ، ثُمَّ اجْمَعْ أَطْرَافَكَ، وَضُمَّ جُنْدَكَ، وَاضْرِبِ الْخَيْلَ بِالْخَيْلِ، وَالرِّجَالَ بِالرِّجَالِ، فَإِنْ ظَفِرْتَ وَإِلَّا لَحِقْتَ بِخَاقَانَ. فَعَرَفَ الْمَأْمُونُ صِدْقَهُ، فَفَعَلَ مَا أَشَارَ بِهِ، فَرَضَى أُولَئِكَ الْمُلُوكَ الْعُصَاةَ، وَضَمَّ جُنْدَهُ، وَجَمَعَهُمْ عِنْدَهُ، وَكَتَبَ إِلَى الْأَمِينِ: أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ وَصَلَ [إِلَيَّ] كِتَابُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّمَا أَنَا عَامِلٌ مِنْ عُمَّالِهِ، وَعَوْنٌ مِنْ أَعْوَانِهِ، أَمَرَنِي الرَّشِيدُ بِلُزُومِ [هَذَا] الثَّغْرِ، وَلَعَمْرِي إِنَّ مُقَامِي بِهِ أَرَدُّ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَعْظَمُ غَنَاءً عَنِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الشُّخُوصِ

стр. 2771

إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنْ كُنْتُ مُغْتَبِطًا بِقُرْبِهِ، مَسْرُورًا بِمُشَاهَدَةِ نِعْمَةِ اللَّهِ عِنْدَهُ، فَإِنْ رَأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُقِرَّنِي عَلَى عَمَلِي وَيُعْفِيَنِي مِنَ الشُّخُوصِ [إِلَيْهِ] فَعَلَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَلَمَّا قَرَأَ الْأَمِينُ كِتَابَ الْمَأْمُونِ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُتَابِعُهُ عَلَى مَا يُرِيدُهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَسْأَلُهُ أَنْ يَنْزِلَ عَنْ بَعْضِ كُوَرِ خُرَاسَانَ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فَلَمَّا امْتَنَعَ الْمَأْمُونُ أَيْضًا مِنْ إِجَابَتِهِ إِلَى مَا طَلَبَ، أَرْسَلَ جَمَاعَةً لِيُنَاظِرُوهُ فِي مَنْعِ مَا طَلَبَ مِنْهُ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى الرَّيِّ مُنِعُوا، وَوَجَدُوا تَدْبِيرَهُ مُحْكَمًا، وَحُفِظُوا فِي حَالِ سَفَرِهِمْ وَإِقَامَتِهِمْ مِنْ أَنْ يُخْبِرُوا وَيُسْتَخْبَرُوا، وَكَانُوا مُعَدِّينَ لِوَضْعِ الْأَخْبَارِ فِي الْعَامَّةِ، فَلَمْ يُمْكِنْهُمْ ذَلِكَ، فَلَمَّا رَجَعُوا أَخْبَرُوا الْأَمِينَ بِمَا رَأَوْا. وَقِيلَ إِنَّ الْأَمِينَ لَمَّا عَزَمَ عَلَى خَلْعِ الْمَأْمُونِ، وَزَيَّنَ لَهُ ذَلِكَ الْفَضْلُ وَابْنُ مَاهَانَ، دَعَا يَحْيَى بْنَ سُلَيْمٍ، وَشَاوَرَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، كَيْفَ تَفْعَلُ ذَلِكَ مَعَ مَا قَدْ أَكَّدَ الرَّشِيدُ مِنْ بَيْعَتِهِ، وَأَخَذَ الشَّرَائِطَ وَالْأَيْمَانَ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ؟ فَقَالَ الْأَمِينُ: إِنَّ رَأْيَ الرَّشِيدِ كَانَ فَلْتَةً شَبَّهَهَا عَلَيْهِ جَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى، فَلَا يَنْفَعُنَا مَا نَحْنُ فِيهِ إِلَّا بِخَلْعِهِ وَقَلْعِهِ وَاحْتِشَاشِهِ. فَقَالَ يَحْيَى: إِذَا كَانَ رَأْيُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ خَلْعَهُ، فَلَا تُجَاهِرْهُ فَيَسْتَنْكِرَ النَّاسُ ذَلِكَ، وَلَكِنْ تَسْتَدْعِي الْجُنْدَ بَعْدَ الْجُنْدِ، وَالْقَائِدَ بَعْدَ الْقَائِدِ، وَتُؤْنِسُهَا بِالْأَلْطَافِ وَالْهَدَايَا، وَتُفَرِّقُ ثِقَاتَهُ وَمَنْ مَعَهُ، وَتُرَغِّبُهُمْ بِالْأَمْوَالِ، فَإِذَا وَهَّنْتَ قُوَّتَهُ، وَاسْتَفْرَغْتَ رِجَالَهُ، أَمْرْتَهُ بِالْقُدُومِ عَلَيْكَ، فَإِنْ قَدِمَ صَارَ إِلَى الَّذِي تُرِيدُ مِنْهُ، وَإِنْ أَبَى كُنْتَ قَدْ تَنَاوَلْتَهُ وَقَدْ كَلَّ حَدُّهُ وَانْقَطَعَ عِزُّهُ. فَقَالَ الْأَمِينُ: أَنْتَ مِهْذَارٌ خَطِيبٌ، وَلَسْتَ بِذِي رَأْيٍ مُصِيبٍ، قُمْ فَالْحَقْ بِمِدَادِكَ وَأَقْلَامِكَ. وَكَانَ ذُو الرِّيَاسَتَيْنِ الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ قَدِ اتَّخَذَ قَوْمًا يَثِقُ بِهِمْ بِبَغْدَاذَ يُكَاتِبُونَهُ بِالْأَخْبَارِ، وَكَانَ الْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ قَدْ حَفِظَ الطُّرُقَ، وَكَانَ أَحَدُ أُولَئِكَ النَّفَرِ إِذَا كَاتَبَ ذَا الرِّيَاسَتَيْنِ بِمَا تَجَدَّدَ بِبَغْدَاذَ، سَيَّرَ الْكِتَابَ مَعَ امْرَأَةٍ، وَجَعَلَهُ فِي عُودِ أَكْفَافٍ، وَتَسِيرُ

стр. 2772

كَالْمُجْتَازَةِ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَى قَرْيَةٍ، فَلَمَّا أَلَحَّ الْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ فِي خَلْعِ الْمَأْمُونِ أَجَابَهُ الْأَمِينُ إِلَى ذَلِكَ وَبَايَعَ لِوَلَدِهِ مُوسَى فِي صَفَرٍ، وَقِيلَ: فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - وَسَمَّاهُ النَّاطِقَ بِالْحَقِّ، وَنَهَى عَنْ ذِكْرِ الْمَأْمُونِ وَالْمُؤْتَمَنِ عَلَى الْمَنَابِرِ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْكَعْبَةِ بَعْضَ الْحَجَبَةِ، فَأَتَاهُ بِالْكِتَابَيْنِ اللَّذَيْنِ وَضَعَهُمَا الرَّشِيدُ فِي الْكَعْبَةِ بِبَيْعَةِ الْأَمِينِ وَالْمَأْمُونِ، فَأَحْضَرَهُمَا عِنْدَهُ فَمَزَّقَهُمَا الْفَضْلُ. فَلَمَّا أَتَتِ الْأَخْبَارُ إِلَى الْمَأْمُونِ بِذَلِكَ قَالَ لِذِي الرِّيَاسَتَيْنِ: هَذِهِ أُمُورٌ أَخْبَرَ الرَّأْيُ عَنْهَا، وَكَفَانَا أَنْ نَكُونَ مَعَ الْحَقِّ. فَكَانَ أَوَّلَ مَا دَبَّرَهُ ذُو الرِّيَاسَتَيْنِ حِينَ بَلَغَهُ الدُّعَاءُ لِلْمَأْمُونِ وَصَحَّ عِنْدَهُ - أَنْ جَمَعَ الْأَجْنَادَ الَّذِينَ كَانَ اتَّخَذَهُمْ بِجَنَبَاتِ الرَّيِّ مَعَ الْأَجْنَادِ الَّذِينَ كَانُوا بِهَا، وَمَدَّهُمْ بِالْأَقْوَاتِ وَغَيْرِهَا، وَكَانَتِ الْبِلَادُ عِنْدَهُمْ قَدْ أَجْدَبَتْ، فَأَكْثَرَ عِنْدَهُمْ مَا يُرِيدُونَهُ، حَتَّى صَارُوا فِي أَرْغَدِ عَيْشٍ، وَأَقَامُوا بِالْحَدِّ لَا يَتَجَاوَزُونَهُ. ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ (طَاهِرَ بْنَ الْحُسَيْنِ بْنِ مُصْعَبِ بْنِ زُرَيْقِ بْنِ أَسْعَدَ أَبَا الْعَبَّاسِ الْخُزَاعِيَّ أَمِيرًا فِيمَنْ ضُمَّ إِلَيْهِ) مِنْ قُوَّادِهِ وَأَجْنَادِهِ، فَسَارَ مُجِدًّا حَتَّى وَرَدَ الرَّيَّ فَنَزَلَهَا، فَوَضَعَ الْمَسَالِحَ وَالْمَوَاصِلَ، فَقَالَ بَعْضُ شُعَرَاءِ خُرَاسَانَ: رَمَى أَهْلَ الْعِرَاقِ وَمَنْ عَلَيْهَا ... إِمَامُ الْعَدْلِ وَالْمَلِكُ الرَّشِيدُ بِأَحْزَمِ مَنْ نَشَا رَأْيًا وَحَزْمًا ... وَكَيْدًا نَافِذًا مِمَّا يَكِيدُ بِدَاهِيَةٍ تَأَدَّى خَنْفَقِيقٍ ... يَشِيبُ لِهَوْلِ صَوْلَتِهَا الْوَلِيدُ فَأَمَّا الْأَمِينُ فَإِنَّهُ وَجَّهَ عِصْمَةَ بْنَ حَمَّادِ بْنِ سَالِمٍ إِلَى هَمَذَانَ فِي أَلْفِ رَجُلٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُوَجِّهَ مُقَدِّمَتَهُ إِلَى سَاوَةَ، وَيُقِيمَ بِهَمَذَانَ، وَجَعَلَ الْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَعَلِيُّ بْنُ عِيسَى يَبْعَثَانِ الْأَمِينَ وَيُغْرِيَانِهِ بِحَرْبِ الْمَأْمُونِ. وَلَمَّا بَايَعَ الْأَمِينُ لِوَلَدِهِ مُوسَى جَعَلَهُ فِي حُجْرِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى، وَجَعَلَ عَلَى شُرَطِهِ

стр. 2773

مُحَمَّدَ بْنَ عِيسَى بْنِ نَهِيكٍ، وَعَلَى حَرَسِهِ عُثْمَانَ بْنَ عِيسَى بْنِ نَهِيكٍ، وَعَلَى رَسَائِلِهِ عَلِيَّ بْنَ صَالِحٍ الْمُصَلَّى. ذِكْرُ خِلَافِ أَهْلِ تُونِسَ عَلَى ابْنِ الْأَغْلَبِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَصَى عِمْرَانُ بْنُ مُجَالِدٍ الرَّبِيعِيُّ، وَقُرَيْشُ بْنُ التُّونِسِيِّ بِتُونِسَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَغْلَبِ أَمِيرِ إِفْرِيقِيَّةَ، وَاجْتَمَعَ فِيهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَحُصِرَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَغْلَبِ بِالْقَصْرِ، وَجَمَعَ مَنْ أَطَاعَهُ، وَخَالَفَ عَلَيْهِ أَيْضًا أَهْلُ الْقَيْرَوَانِ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، فَكَانَتْ بَيْنَهُمْ وَقْعَةٌ وَحَرْبٌ قُتِلَ فِيهَا جَمَاعَةٌ (مِنْ رِجَالِ ابْنِ الْأَغْلَبِ) . وَقَدِمَ عِمْرَانُ بْنُ مُجَالِدٍ فِيمَنْ مَعَهُ، فَدَخَلَ الْقَيْرَوَانَ عَاشِرَ رَجَبٍ، وَقَدِمَ قُرَيْشٌ مِنْ تُونِسَ إِلَيْهِ، فَكَانَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ابْنِ الْأَغْلَبِ وَقْعَةٌ فِي رَجَبٍ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ ابْنِ الْأَغْلَبِ، ثُمَّ الْتَقَوْا فِي الْعِشْرِينَ مِنْهُ، فَانْهَزَمُوا ثَانِيَةً أَيْضًا، (ثُمَّ الْتَقَوْا ثَالِثَةً فِيهِ أَيْضًا، فَكَانَ الظَّفَرُ لِابْنِ الْأَغْلَبِ، وَأَرْسَلَ عِمْرَانُ بْنُ مُجَالِدٍ إِلَى أَسَدِ بْنِ الْفُرَاتِ الْفَقِيهِ لِيَخْرُجَ مَعَهُمْ، فَامْتَنَعَ، فَأَعَادَ الرَّسُولَ يَقُولُ لَهُ: تَخْرُجُ مَعَنَا، وَإِلَّا أَرْسَلْتُ إِلَيْكَ مَنْ يَجُرُّ بِرِجْلِكَ، فَقَالَ أَسَدٌ لِلرَّسُولِ: قُلْ لَهُ: وَاللَّهِ إِنْ خَرَجْتُ لَأَقُولَنَّ لِلنَّاسِ: إِنَّ الْقَاتِلَ وَالْمَقْتُولَ فِي النَّارِ. فَتَرَكَهُ) . ذِكْرُ عِصْيَانِ أَهْلِ مَارِدَةَ وَغَزْوِ الْحَكَمِ بِلَادَ الْفِرِنْجِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَاوَدَ أَهْلُ مَارِدَةَ الْخِلَافَ عَلَى الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ، أَمِيرِ الْأَنْدَلُسِ، وَعَصَوْا عَلَيْهِ، فَسَارَ بِنَفْسِهِ إِلَيْهِمْ، وَقَاتَلَهُمْ، وَلَمْ تَزَلْ سَرَايَاهُ وَجُيُوشُهُ تَتَرَدَّدُ وَتُقَاتِلُهُمْ هَذِهِ السَّنَةَ، وَسَنَةَ خَمْسٍ، وَسَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ. وَطَمِعَ الْفِرِنْجُ فِي ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَصَدُوهَا بِالْغَارَةِ وَالْقَتْلِ، وَالنَّهْبِ وَالسَّبْيِ، وَكَانَ الْحَكَمُ مَشْغُولًا بِأَهْلِ مَارِدَةَ، فَلَمْ يَتَفَرَّغْ لِلْفِرِنْجِ، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ بِشِدَّةِ الْأَمْرِ عَلَى أَهْلِ الثَّغْرِ، وَمَا بَلَغَ الْعَدُوُّ مِنْهُمْ، وَسَمِعَ أَنَّ امْرَأَةً مُسْلِمَةً أُخِذَتْ سَبِيَّةً، فَنَادَتْ: وَاغَوْثَاهُ يَا

стр. 2774

حَكَمُ! فَعَظُمَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ، وَجَمَعَ عَسْكَرَهُ وَاسْتَعَدَّ وَحَشَدَ وَسَارَ إِلَى بَلَدِ الْفِرِنْجِ سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، وَأَثْخَنَ فِي بِلَادِهِمْ، وَافْتَتَحَ عِدَّةَ حُصُونٍ، وَخَرَّبَ الْبِلَادَ، وَنَهَبَهَا، وَقَتَلَ الرِّجَالَ، وَسَبَى الْحَرِيمَ، وَنَهَبَ الْأَمْوَالَ، وَقَصَدَ النَّاحِيَةَ الَّتِي كَانَتْ بِهَا تِلْكَ الْمَرْأَةُ، فَأَمَرَ لَهُمْ مِنَ الْأَسْرَى بِمَا يُفَادُونَ بِهِ أَسْرَاهُمْ، وَبَالَغَ فِي الْوَصِيَّةِ فِي تَخْلِيصِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ، فَتَخَلَّصَتْ مِنَ الْأَسْرِ، وَقَتَلَ بَاقِي الْأَسْرَى، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غَزَاتِهِ قَالَ لِأَهْلِ الثُّغُورِ: هَلْ أَغَاثَكُمُ الْحَكَمُ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ. وَدَعَوْا لَهُ، وَأَثْنَوْا عَلَيْهِ خَيْرًا، وَعَادَ إِلَى قُرْطُبَةَ مُظَفَّرًا. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِيهَا وَثَبَتَ الرُّومُ عَلَى مَلِكِهِمْ مِيخَائِيلَ، فَهَرَبَ وَتَرَهَّبَ، وَكَانَ مَلَكَ نَحْوَ سَنَتَيْنِ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ أَلْيُونُ الْقَائِدُ. وَكَانَ فِي الْمَوْصِلِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْعَبَّاسِ اسْتَعْمَلَهُ الْأَمِينُ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ شَقِيقٌ الْبَلْخِيُّ الزَّاهِدُ فِي غَزَاةِ كُولَانَ (مِنْ بِلَادِ التُّرْكِ) . [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ صَاحِبُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَقِيلَ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ [وَمِائَةٍ] ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَةٍ. وَفِيهَا مَاتَ حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ النَّخَعِيُّ، قَاضِي الْكُوفَةِ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ.

стр. 2775

(غِيَاثٌ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ) . وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ، وَكَانَ قَدِ اخْتَلَطَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ، وَكَانَ حَدِيثُهُ صَحِيحًا إِلَى أَنِ اخْتَلَطَ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ سِيبَوَيْهِ النَّحْوِيُّ، وَاسْمُهُ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ قَنْبَرٍ (أَبُو بَشِيرٍ) . وَقِيلَ: كَانَ تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ، وَقِيلَ: كَانَ عُمْرُهُ قَدْ زَادَ عَلَى أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: كَانَ عُمْرُهُ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ سَنَةً. وَفِيهَا تُوُفِّيَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبَانِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَعُمْرُهُ أَرْبَعٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً.

стр. 2776

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ] ١٩٥ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ قَطْعِ خُطْبَةِ الْمَأْمُونِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَمَرَ الْأَمِينُ بِإِسْقَاطِ مَا كَانَ ضُرِبَ لِأَخِيهِ الْمَأْمُونِ مِنَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ بِخُرَاسَانَ، فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، لِأَنَّهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا اسْمُ الْأَمِينِ، وَأَمَرَ فَدُعِيَ لِمُوسَى بْنِ الْأَمِينِ عَلَى الْمَنَابِرِ، وَلَقَّبَهُ النَّاطِقَ بِالْحَقِّ، وَقَطَعَ ذِكْرَ الْمَأْمُونِ لِقَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَكَانَ مُوسَى طِفْلًا صَغِيرًا، وَلِابْنِهِ الْآخَرِ عَبْدِ اللَّهِ، وَلَقَّبَهُ الْقَائِمَ بِالْحَقِّ. ذِكْرُ مُحَارِبَةِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى وَطَاهِرٍ ثُمَّ إِنَّ الْأَمِينَ أَمَرَ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ بِالْمَسِيرِ لِحَرْبِ الْمَأْمُونِ. وَكَانَ سَبَبَ مَسِيرِهِ، دُونَ غَيْرِهِ، أَنَّ ذَا الرِّيَاسَتَيْنِ كَانَ لَهُ عَيْنٌ عِنْدَ الْفَضْلِ بْنِ الرَّبِيعِ يَرْجِعُ إِلَى قَوْلِهِ وَرَأْيِهِ، فَكَتَبَ ذُو الرِّيَاسَتَيْنِ إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ يَأْمُرُهُ أَنْ يُشِيرَ بِإِنْفَاذِ ابْنِ مَاهَانَ لِحَرْبِهِمْ، وَكَانَ مَقْصُودُهُ أَنَّ ابْنَ مَاهَانَ لَمَّا وَلِيَ خُرَاسَانَ أَيَّامَ الرَّشِيدِ، أَسَاءَ السِّيرَةَ فِي أَهْلِهَا فَظَلَمَهُمْ، فَعَزَلَهُ الرَّشِيدُ لِذَلِكَ، وَنَفَرَ أَهْلُ خُرَاسَانَ عَنْهُ، وَأَبْغَضُوهُ، فَأَرَادَ ذُو الرِّيَاسَتَيْنِ أَنْ يَزْدَادَ أَهْلُ خُرَاسَانَ جِدًّا فِي مُحَارَبَةِ الْأَمِينِ وَأَصْحَابِهِ. فَفَعَلَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مَا أَمَرَ ذُو الرِّيَاسَتَيْنِ، فَأَمَرَ الْأَمِينُ ابْنَ مَاهَانَ بِالْمَسِيرِ. وَقِيلَ: كَانَ سَبَبَهُ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ لِلْأَمِينِ: إِنَّ أَهْلَ خُرَاسَانَ كَتَبُوا إِلَيْهِ يَذْكُرُونَ أَنَّهُ إِنْ قَصَدَهُمْ هُوَ أَطَاعُوهُ، وَانْقَادُوا لَهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ فَلَا! فَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ، وَأَقْطَعَهُ كُوَرَ الْجَبَلِ كُلَّهَا: نَهَاوَنْدَ، وَهَمَذَانَ، وَقُمَّ، وَأَصْبَهَانَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَوَلَّاهُ حَرْبَهَا وَخَرَاجَهَا، وَأَعْطَاهُ الْأَمْوَالَ، وَحَكَّمَهُ فِي الْخَزَائِنِ، وَجَهَّزَ مَعَهُ خَمْسِينَ أَلْفَ فَارِسٍ.

стр. 2777

وَكَتَبَ إِلَى أَبِي دُلَفَ الْقَاسِمِ بْنِ (إِدْرِيسَ بْنِ عِيسَى) الْعِجْلِيِّ، وَهِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيِّ بِالِانْضِمَامِ إِلَيْهِ، وَأَمَدَّهُ بِالْأَمْوَالِ وَالرِّجَالِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. فَلَمَّا عَزَمَ عَلَى الْمَسِيرِ مِنْ بَغْدَاذَ رَكِبَ إِلَى بَابِ زُبَيْدَةَ أُمِّ الْأَمِينِ لِيُوَدِّعَهَا، فَقَالَتْ لَهُ: يَا عَلِيُّ! إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ [وَ] إِنْ كَانَ وَلَدِي وَإِلَيْهِ انْتَهَتْ شَفَقَتِي، فَإِنِّي عَلَى عَبْدِ اللَّهِ مُنْعَطِفَةٌ مُشْفِقَةٌ، لِمَا يَحْدُثُ عَلَيْهِ مِنْ مَكْرُوهٍ وَأَذًى، وَإِنَّمَا ابْنِي مَلِكٌ نَافَسَ أَخَاهُ فِي سُلْطَانِهِ [وَغَارَهُ عَلَى مَا فِي يَدِهِ] ، وَالْكَرِيمُ يَأْكُلُ لَحْمَهُ وَيُمِيقُهُ غَيْرَهُ، فَاعْرِفْ لِعَبْدِ اللَّهِ حَقَّ وِلَادَتِهِ وَأُخُوَّتِهِ، وَلَاتَجْبَهْهُ بِالْكَلَامِ، فَإِنَّكَ لَسْتَ [لَهُ] بِنَظِيرٍ، وَلَا تَقْتَسِرْهُ اقْتِسَارَ الْعَبِيدِ، وَلَا تُوَهِّنْهُ بِقَيْدٍ وَلَا غُلٍّ، وَلَا تَمْنَعْ عَنْهُ جَارِيَةً وَلَا خَادِمًا، وَلَا تَعْنُفْ عَلَيْهِ فِي السَّيْرِ، وَلَا تُسَاوِهِ فِي الْمَسِيرِ، وَلَا تَرْكَبْ قَبْلَهُ، وَخُذْ بِرِكَابِهِ [إِذَا رَكِبَ] ، وَإِنْ شَتَمَكَ فَاحْتَمِلْ مِنْهُ. ثُمَّ دَفَعَتْ إِلَيْهِ قَيْدًا مِنْ فِضَّةٍ، وَقَالَتْ: إِنْ صَارَ إِلَيْكَ فَقَيِّدْهُ بِهَذَا الْقَيْدِ! فَقَالَ لَهَا: سَأَفْعَلُ (مِثْلَ) مَا أَمَرْتِ. ثُمَّ خَرَجَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى فِي شَعْبَانَ، وَرَكِبَ الْأَمِينُ يُشَيِّعُهُ، وَمَعَهُ الْقُوَّادُ وَالْجُنُودُ، وَذَكَرَ مَشَايِخُ بَغْدَاذَ أَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا عَسْكَرًا أَكْثَرَ رِجَالًا، وَأَفْرَهَ كُرَاعًا، وَأَتَمَّ عُدَّةً وَسِلَاحًا - مِنْ عَسْكَرِهِ. وَوَصَّاهُ الْأَمِينُ، وَأَمَرَهُ إِنْ قَاتَلَهُ الْمَأْمُونُ أَنْ يَحْرِصَ عَلَى أَسْرِهِ. ثُمَّ سَارَ فَلَقِيَهُ الْقَوَافِلُ عِنْدَ جَلُولَاءَ، فَسَأَلَهُمْ فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ طَاهِرًا مُقِيمٌ بِالرَّيِّ يَعْرِضُ أَصْحَابَهُ، وَيَرُمُّ آلَتَهُ، وَالْأَمْدَادُ تَأْتِيهِ مِنْ خُرَاسَانَ، وَهُوَ يَسْتَعِدُّ لِلْقِتَالِ، فَيَقُولُ: إِنَّمَا طَاهِرٌ شَوْكَةٌ مِنْ أَغْصَانِي، وَمَا مِثْلُ طَاهِرٍ يَتَوَلَّى الْجُيُوشَ، ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: مَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ أَنْ يَنْقَصِفَ انْقِصَافَ الشَّجَرِ مِنَ الرِّيحِ، وَالرِّيحِ الْعَاصِفِ - إِلَّا أَنْ يَبْلُغَهُ عُبُورُنَا عَقَبَةَ هَمَذَانَ، فَإِنَّ السِّخَالَ لَا تَقْوَى عَلَى النِّطَاحِ، وَالْبِغَالَ لَا صَبْرَ لَهَا عَلَى لِقَاءِ الْأَسَدِ، وَإِنْ

стр. 2778

أَقَامَ تَعَرَّضَ لِحَدِّ السَّيْفِ وَأَسِنَّةِ الرِّمَاحِ، وَإِذَا (قَارَبْنَا الرَّيَّ وَدَنَوْنَا مِنْهُمْ) فَتَّ ذَلِكَ فِي أَعْضَادِهِمْ. ثُمَّ أَنْفَذَ الْكُتُبَ إِلَى مُلُوكِ الدَّيْلَمِ وَطَبَرِسْتَانَ، وَمَا وَالَاهَا مِنَ الْمُلُوكِ، يَعِدُهُمُ الصِّلَاتِ، وَأَهْدَى لَهُمُ التِّيجَانَ وَالْأَسْوِرَةَ وَغَيْرَهَا، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَقْطَعُوا طَرِيقَ خُرَاسَانَ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، وَسَارَ حَتَّى أَتَى أَوَّلَ أَعْمَالِ الرَّيِّ، وَهُوَ قَلِيلُ الِاحْتِيَالِ، فَقَالَ لَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: لَوْ أَرْكَبْتَ الْعُيُونَ، وَعَمِلْتَ خَنْدَقًا لِأَصْحَابِكَ، وَبَعَثْتَ الطَّلَائِعَ لَأَمِنْتَ الْبَيَاتَ، وَفَعَلْتَ الرَّأْيَ، فَقَالَ: مِثْلُ طَاهِرٍ لَا يُسْتَعَدُّ لَهُ، وَإِنَّ حَالَهُ يَئُولُ إِلَى أَمْرَيْنِ: إِمَّا [أَنْ] يَتَحَصَّنَ بِالرَّيِّ فَيُبَيِّتَهُ أَهْلُهَا، فَيَكْفُونَا أَمْرَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَرْجِعَ وَيَتْرُكَهَا، إِذَا قَرُبَتْ خَيْلُنَا مِنْهُ، فَقَالُوا لَهُ: لَوْ كَانَ عَزْمُهُ تَرْكَهَا وَالرُّجُوعَ لَفَعَلَ، فَإِنَّنَا قَدْ قَرُبْنَا مِنْهُ فَلَمْ يَفْعَلْ. وَلَمَّا صَارَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّيِّ عَشَرَةُ فَرَاسِخَ اسْتَشَارَ طَاهِرٌ أَصْحَابَهُ، وَأَشَارُوا عَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَ بِالرَّيِّ، وَيُدَافِعَ الْقِتَالَ إِلَى أَنْ يَأْتِيَهُ مِنْ خُرَاسَانَ الْمَدَدُ، وَقَائِدٌ يَتَوَلَّى الْأُمُورَ دُونَهُ، وَقَالُوا لَهُ: إِنَّ مُقَامَكَ [بِمَدِينَةِ الرَّيِّ] أَرْفَقُ بِأَصْحَابِكَ [وَبِكَ] ، وَأَقْدَرُ لَهُمْ عَلَى الْمِيرَةِ، وَأَكَنُّ مِنَ الْبَرْدِ، وَتَعْتَصِمُ بِالْبُيُوتِ، وَتَقْدِرُ عَلَى الْمُمَاطَلَةِ، فَقَالَ طَاهِرٌ: إِنَّ الرَّأْيَ لَيْسَ مَا رَأَيْتُمْ، إِنَّ أَهْلَ الرَّيِّ لِعَلِيٍّ هَائِبُونَ، وَمِنْ سَطْوَتِهِ مُشْفِقُونَ، وَمَعَهُ مِنْ أَعْرَابِ الْبَوَادِي وَصَعَالِيكِ الْجِبَالِ وَالْقَرَايَا كَثِيرٌ، وَلَسْتُ آمَنُ إِنْ أَقَمْتُ بِالرَّيِّ، أَنْ يَثِبَ أَهْلُهَا بِنَا خَوْفًا مِنْ عَلِيٍّ، وَمَا الرَّأْيُ إِلَّا أَنْ نَسِيرَ إِلَيْهِ، فَإِنْ ظَفِرْنَا، وَإِلَّا عَوَّلْنَا عَلَيْهَا، فَقَاتَلْنَاهُ فِيهَا إِلَى أَنْ يَأْتِيَنَا مَدَدٌ. فَنَادَى طَاهِرٌ فِي أَصْحَابِهِ فَخَرَجَ مِنَ الرَّيِّ فِي أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ آلَافِ فَارِسٍ، وَعَسْكَرَ عَلَى خَمْسَةِ فَرَاسِخَ، فَأَتَاهُ أَحْمَدُ بْنُ هِشَامٍ، وَكَانَ عَلَى شُرْطَةِ طَاهِرٍ، فَقَالَ لَهُ: إِنْ أَتَانَا عَلِيُّ بْنُ عِيسَى فَقَالَ: أَنَا عَامِلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَقْرَرْنَا لَهُ بِذَلِكَ، فَلَيْسَ لَنَا أَنْ نُحَارِبَهُ، فَقَالَ طَاهِرٌ: لَمْ يَأْتِنِي فِي ذَلِكَ شَيْءٌ. فَقَالَ: دَعْنِي وَمَا أُرِيدُ، فَقَالَ: افْعَلْ! فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَخَلَعَ مُحَمَّدًا، وَدَعَا لِلْمَأْمُونِ بِالْخِلَافَةِ، وَسَارُوا عَنْهَا، وَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: إِنَّ جُنْدَكَ

стр. 2779

قَدْ هَابُوا هَذَا الْجَيْشَ، فَلَوْ أَخَّرْتَ الْقِتَالَ إِلَى أَنْ يَشَامَّهُمْ أَصْحَابُكَ، وَيَأْنَسُوا بِهِمْ، وَيَعْرِفُوا وَجْهَ الْمَأْخَذِ فِي قِتَالِهِمْ، قَالَ: إِنِّي لَا أُوتَى مِنْ قِلَّةِ تَجْرِبَةٍ وَحَزْمٍ، إِنَّ أَصْحَابِي قَلِيلٌ، وَالْقَوْمُ عَظِيمٌ سَوَادُهُمْ، كَثِيرٌ عَدَدُهُمْ، فَإِنْ أَخَّرْتُ الْقِتَالَ اطَّلَعُوا عَلَى قِلَّتِنَا، وَاسْتَمَالُوا مَنْ مَعِي بِرَهْبَةٍ أَوْ رَغْبَةٍ، فَيَخْذُلُنِي أَهْلُ الصَّبْرِ وَالْحِفَاظِ، وَلَكِنْ أَلُفُّ الرِّجَالَ بِالرِّجَالِ، وَأُقْحِمُ الْخَيْلَ عَلَى الْخَيْلِ، وَأَعْتَمِدُ عَلَى الطَّاعَةِ وَالْوَفَاءِ، وَأَصْبِرُ صَبْرَ مُحْتَسِبٍ لِلْخَيْرِ، حَرِيصٍ عَلَى الْفَوْزِ بِالشَّهَادَةِ، فَإِنْ نَصَرَنَا اللَّهُ فَذَلِكَ الَّذِي نُرِيدُهُ وَنَرْجُوهُ، وَإِنْ يَكُنِ الْأُخْرَى فَلَسْتُ بِأَوَّلِ مَنْ قَاتَلَ (وَقُتِلَ، وَمَا عِنْدَ اللَّهِ أَجْزَلُ وَأَفْضَلُ. وَقَالَ عَلِيٌّ لِأَصْحَابِهِ: بَادِرُوهُمْ، فَإِنَّهُمْ قَلِيلُونَ) ، وَلَوْ وَجَدُوا حَرَارَةَ السُّيُوفِ وَطَعْنَ الرِّمَاحِ لَمْ يَصْبِرُوا عَلَيْهَا. وَعَبَّى جُنْدَهُ مَيْمَنَةً وَمَيْسَرَةً وَقَلْبًا، وَعَبَّى عَشْرَ رَايَاتٍ، مَعَ كُلِّ رَايَةٍ مِائَةُ رَجُلٍ، وَقَدَّمَهَا رَايَةً رَايَةً، وَجَعَلَ بَيْنَ كُلِّ رَايَتَيْنِ غَلْوَةِ سَهْمٍ، وَأَمَرَ أُمَرَاءَهَا إِذَا قَاتَلَتِ الرَّايَةُ الْأُولَى وَطَالَ قِتَالُهُمْ أَنْ تَتَقَدَّمَ الَّتِي تَلِيهَا، وَتَتَأَخَّرَ هِيَ حَتَّى تَسْتَرِيحَ، وَجَعَلَ أَصْحَابَ الْجَوَاشِنِ أَمَامَ الرَّايَاتِ، وَوَقَفَ فِي شُجْعَانِ أَصْحَابِهِ. وَعَبَّى طَاهِرٌ أَصْحَابَهُ كَرَادِيسَ، وَسَارَ بِهِمْ يُحَرِّضُهُمْ، وَيُوصِيهِمْ، وَيُرَجِّيهِمْ. وَهَرَبَ مِنْ أَصْحَابِ طَاهِرٍ نَفَرٌ إِلَى عَلِيٍّ، فَجَلَدَ بَعْضَهُمْ، وَأَهَانَ الْبَاقِينَ، فَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا أَلَّبَ الْبَاقِينَ عَلَى قِتَالِهِ، وَزَحَفَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ هِشَامٍ لِطَاهِرٍ: أَلَا تُذَكِّرُ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى الْبَيْعَةَ الَّتِي أَخَذَهَا هُوَ عَلَيْنَا لِلْمَأْمُونِ خَاصَّةً مَعَاشِرَ أَهْلِ خُرَاسَانَ؟ قَالَ: أَفْعَلُ. فَأَخَذَ الْبَيْعَةَ فَعَلَّقَهَا عَلَى رُمْحٍ، وَقَامَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، وَطَلَبَ الْأَمَانَ فَأَمَّنَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى، فَقَالَ لَهُ: أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ أَلَيْسَ هَذِهِ نُسْخَةَ الْبَيْعَةِ الَّتِي

стр. 2780

أَخَذْتَهَا أَنْتَ خَاصَّةً؟ اتَّقِ اللَّهَ، فَقَدْ بَلَغْتَ بَابَ قَبْرِكَ! فَقَالَ عَلِيٌّ: مَنْ أَتَانِي بِهِ فَلَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَشَتَمَهُ أَصْحَابُ أَحْمَدَ، وَخَرَجَ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ حَاتِمٌ الطَّائِيُّ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ طَاهِرٌ، وَأَخَذَ السَّيْفَ بِيَدَيْهِ وَضَرَبَهُ، فَصَرَعَهُ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ طَاهِرٌ ذَا الْيَمِينَيْنِ. وَوَثَبَ أَهْلُ الرَّيِّ فَأَغْلَقُوا بَابَ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ طَاهِرٌ لِأَصْحَابِهِ: اشْتَغِلُوا بِمَنْ أَمَامَكُمْ عَمَّنْ خَلْفَكُمْ، فَإِنَّهُ لَا يُنَجِّيكُمْ إِلَّا الْجِدُّ وَالصِّدْقُ. ثُمَّ اقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَحَمَلَتْ مَيْمَنَةُ عَلِيٍّ عَلَى مَيْسَرَةِ طَاهِرٍ، فَانْهَزَمَتْ هَزِيمَةً مُنْكَرَةً، وَمَيْسَرَتُهُ عَلَى مَيْمَنَةِ طَاهِرٍ، فَأَزَالَتْهَا عَنْ مَوْضِعِهَا، فَقَالَ طَاهِرٌ: اجْعَلُوا جِدَّكُمْ وَبَأْسَكُمْ عَلَى الْقَلْبِ، وَاحْمِلُوا حَمْلَةً خَارِجِيَّةً، فَإِنَّكُمْ مَتَى فَضَضْتُمْ مِنْهَا رَايَةً وَاحِدَةً رَجَعَتْ أَوَائِلُهَا عَلَى أَوَاخِرِهَا. فَصَبَرَ أَصْحَابُهُ صَبْرًا صَادِقًا، وَحَمَلُوا عَلَى أَوَّلِ رَايَاتِ الْقَلْبِ، فَهَزَمُوهُمْ، وَأَكْثَرُوا فِيهِمُ الْقَتْلَ، وَرَجَعَتِ الرَّايَاتُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، فَانْتَفَضَتْ مَيْمَنَةُ عَلِيٍّ. وَرَأَى مَيْمَنَةُ طَاهِرٍ وَمَيْسَرَتُهُ مَا فَعَلَ أَصْحَابُهُمْ، فَرَجَعُوا عَلَى مَنْ بِإِزَائِهِمْ، فَهَزَمُوهُمْ، وَانْتَهَتِ الْهَزِيمَةُ إِلَى عَلِيٍّ، فَجَعَلَ يُنَادِي أَصْحَابَهُ: أَيْنَ أَصْحَابُ الْخَوَاصِّ، وَالْجَوَائِزِ، وَالْأَسْوِرَةِ، وَالْأَكَالِيلِ، إِلَى الْكَرَّةِ بَعْدَ الْفَرَّةِ! فَرَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ طَاهِرٍ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ، قِيلَ كَانَ دَاوُدَ سِيَاهَ، وَحُمِلَ رَأْسُهُ إِلَى طَاهِرٍ، وَشُدَّتْ يَدَاهُ إِلَى رِجْلَيْهِ، وَحُمِلَ عَلَى خَشَبَةٍ إِلَى طَاهِرٍ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُلْقِيَ فِي بِئْرٍ، فَأَعْتَقَ طَاهِرٌ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ غِلْمَانِهِ شُكْرًا لِلَّهِ - تَعَالَى - وَتَمَّتِ الْهَزِيمَةُ، وَوَضَعَ أَصْحَابُ طَاهِرٍ فِيهِمُ السُّيُوفَ، وَتَبِعُوهُمْ فَرْسَخَيْنِ وَاقَعُوهُمْ فِيهَا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَرَّةً، فِي كُلِّ ذَلِكَ يَنْهَزِمُ عَسْكَرُ الْأَمِينِ، وَأَصْحَابُ طَاهِرٍ يَقْتُلُونَ وَيَأْسِرُونَ حَتَّى حَالَ اللَّيْلُ بَيْنَهُمْ، وَغَنِمُوا غَنِيمَةً عَظِيمَةً. وَنَادَى طَاهِرٌ: مَنْ أَلْقَى سِلَاحَهُ فَهُوَ آمِنٌ. وَطَرَحُوا أَسْلِحَتَهُمْ وَنَزَلُوا عَنْ دَوَابِّهِمْ، وَرَجَعَ طَاهِرٌ إِلَى الرَّيِّ، وَكَتَبَ إِلَى الْمَأْمُونِ وَذِي الرِّيَاسَتَيْنِ: " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، كِتَابِي إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَرَأْسُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى بَيْنَ يَدَيَّ، وَخَاتَمُهُ فِي إِصْبَعِي، وَجُنْدُهُ مُصَرَّفُونَ تَحْتَ أَمْرِي، وَالسَّلَامُ ".

стр. 2781

فَوَرَدَ الْكِتَابُ مَعَ الْبَرِيدِ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَبَيْنَهُمَا نَحْوٌ مِنْ خَمْسِينَ وَمِائَتَيْ فَرْسَخٍ، فَدَخَلَ ذُو الرِّيَاسَتَيْنِ عَلَى الْمَأْمُونِ، فَهَنَّأَهُ بِالْفَتْحِ، وَأَمَرَ النَّاسَ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ بِالْخِلَافَةِ، ثُمَّ وَصَلَ رَأْسُ عَلِيٍّ بَعْدَ الْكِتَابِ بِيَوْمَيْنِ، فَطِيفَ بِهِ فِي خُرَاسَانَ. وَلَمَّا وَصَلَ الْكِتَابُ بِالْفَتْحِ كَانَ الْمَأْمُونُ قَدْ جَهَّزَ هَرْثَمَةَ فِي جَيْشٍ كَثِيرٍ لِيُسَيِّرَهُ نَجْدَةً لِطَاهِرٍ، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ بِالْفَتْحِ. وَأَمَّا الْأَمِينُ فَإِنَّهُ أَتَاهُ نَعْيُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى وَهُوَ يَصْطَادُ السَّمَكَ، فَقَالَ لِلَّذِي أَخْبَرَهُ: وَيْلَكَ دَعْنِي، فَإِنَّ كَوْثَرًا قَدِ اصْطَادَ سَمَكَتَيْنِ، وَأَنَا مَا صِدْتُ شَيْئًا بَعْدُ. ثُمَّ بَعَثَ الْفَضْلُ إِلَى نَوْفَلٍ الْخَادِمِ، وَهُوَ وَكِيلُ الْمَأْمُونِ عَلَى مَكَّةَ بِالسَّوَادِ، وَالنَّاظِرُ فِي أَمْرِ أَوْلَادِهِ بِبَغْدَاذَ، وَكَانَ لِلْمَأْمُونِ مَعَهُ أَلْفُ أَلْفِ دِرْهَمٍ كَانَ قَدْ وَصَلَهُ بِهَا الرَّشِيدُ، فَأَخَذَ جَمِيعَ مَا عِنْدَهُ، وَقَبَضَ ضِيَاعَهُ وَغَلَّاتِهِ، فَقَالَ بَعْضُ شُعَرَاءِ بَغْدَاذَ فِي ذَلِكَ: أَضَاعَ الْخِلَافَةَ غِشُّ الْوَزِيرِ ... وَفِسْقُ الْأَمِيرِ وَجَهْلُ الْمُشِيرِ فَفَضْلٌ وَزِيرٌ، وَبَكْرٌ مُشِيرٌ ... يُرِيدَانِ مَا فِيهِ حَتْفُ الْأَمِيرِ وَمَا ذَاكَ إِلَّا طَرِيقُ غُرُورٍ ... وَشَرُّ الْمَسَالِكِ طُرُقُ الْغُرُورِ فِي عِدَّةِ أَبْيَاتٍ تَرَكْتُهَا لِمَا فِيهَا مِنَ الْقَذْفِ الْفَاحِشِ، وَلَقَدْ عَجِبْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ حَيْثُ ذَكَرَهَا مَعَ وَرَعِهِ. وَنَدِمَ الْأَمِينُ عَلَى نَكْثِهِ وَغَدْرِهِ، وَمَشَى الْقُوَّادُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فِي النِّصْفِ مِنْ شَوَّالٍ، فَاتَّفَقُوا عَلَى طَلَبِ الْأَرْزَاقِ وَالشَّغْبِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَفَرَّقَ فِيهِمْ مَالًا كَثِيرًا بَعْدَ أَنْ قَاتَلَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمٍ، فَمَنَعَهُ الْأَمِينُ. ذِكْرُ تَوْجِيهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَبَلَةَ لَمَّا اتَّصَلَ بِالْأَمِينِ قَتْلُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى، وَهَزِيمَةُ عَسْكَرِهِ - وَجَّهَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ جَبَلَةَ الْأَنْبَارِيَّ فِي عِشْرِينَ أَلْفَ رَجُلٍ نَحْوَ هَمَذَانَ، وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَيْهَا، وَعَلَى كُلِّ مَا يَفْتَحُهُ مِنْ

стр. 2782

أَرْضِ خُرَاسَانَ، وَأَمَرَهُ بِالْجِدِّ، وَأَمَدَّهُ بِالْأَمْوَالِ، فَسَارَ حَتَّى نَزَلَ هَمَذَانَ، وَحَصَّنَهَا وَرَمَّ سُورَهَا. وَأَتَاهُ طَاهِرٌ إِلَى هَمَذَانَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى تَعْبِئَةٍ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَصَبَرَ الْفَرِيقَانِ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ وَالْجِرَاحُ فِيهِمْ، ثُمَّ انْهَزَمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَدَخَلَ هَمَذَانَ، فَأَقَامَ بِهَا أَيَّامًا، حَتَّى قَوِيَ أَصْحَابُهُ، وَانْدَمَلَ جِرَاحُهُمْ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى طَاهِرٍ، فَلَمَّا رَآهُمْ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ يُرِيدُ أَنْ يَتَرَاءَى لَكُمْ، فَإِذَا قَرُبْتُمْ مِنْهُ قَاتَلَكُمْ، فَإِنْ هَزَمْتُمُوهُ وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ قَاتَلَكُمْ عَلَى خَنْدَقِهَا، وَإِنْ هَزَمَكُمُ اتَّسَعَ لَهُ الْمَجَالُ، وَلَكِنْ قِفُوا قَرِيبًا مِنْ عَسْكَرِنَا وَخَنْدَقِنَا، فَإِنْ قَرُبَ مِنَّا قَاتَلْنَاهُ. فَوَقَفُوا فَظَنَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَنَّ الْهَيْبَةَ مَنَعَتْهُمْ، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَصَبَرَ الْفَرِيقَانِ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِي أَصْحَابِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَجَعَلَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ، وَيُحَرِّضُهُمْ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالصَّبْرِ، ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ طَاهِرٍ حَمَلَ عَلَى صَاحِبِ عَلَمِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَتَلَهُ، وَزَحَمَهُمْ أَصْحَابُ طَاهِرٍ، فَانْهَزَمُوا، وَوَضَعَ فِيهِمْ أَصْحَابُ طَاهِرٍ السُّيُوفَ يُقَتِّلُونَهُمْ، حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَقَامَ طَاهِرٌ عَلَى بَابِهَا مُحَاصِرًا لَهَا، فَاشْتَدَّ بِهِمُ الْحِصَارُ، وَضَجِرَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، فَخَافَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَنْ يَثِبَ بِهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مَعَ مَا فِيهِ أَصْحَابُهُ مِنَ الْجَهْدِ، فَأَرْسَلَ إِلَى طَاهِرٍ يَطْلُبُ الْأَمَانَ لِنَفْسِهِ وَلِمَنْ مَعَهُ، فَأَمَّنَهُ، فَخَرَجَ عَنْ هَمَذَانَ. ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ طَاهِرٍ عَلَى أَعْمَالِ الْجَبَلِ لَمَّا نَزَلَ طَاهِرٌ بِبَابِ هَمَذَانَ، وَحَصَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بِهَا، تَخَوَّفَ أَنْ يَأْتِيَهُ كَثِيرُ بْنُ قَادِرَةَ مِنْ وَرَائِهِ، وَكَانَ بِقَزْوِينَ، فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالْقِيَامِ، وَسَارَ فِي أَلْفِ فَارِسٍ نَحْوَ قَزْوِينَ، فَلَمَّا سَمِعَ بِهِ كَثِيرُ بْنُ قَادِرَةَ، وَكَانَ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ، هَرَبَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَأَخْلَى قَزْوِينَ،

стр. 2783

وَجَعَلَ طَاهِرٌ فِيهَا جُنْدًا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَمْنَعَ مَنْ أَرَادَ دُخُولَهَا، وَاسْتَوْلَى عَلَى سَائِرِ أَعْمَالِ الْجَبَلِ مَعَهَا. ذِكْرُ قَتْلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَبَلَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَبَلَةَ الْأَنْبَارِيُّ، وَكَانَ سَبَبَ قَتْلِهِ أَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ فِي أَمَانِ طَاهِرٍ أَقَامَ يُرِي طَاهِرًا وَأَصْحَابَهُ أَنَّهُ مُسَالِمٌ لَهُمْ، رَاضٍ بِأَمَانِهِمْ، ثُمَّ اغْتَرَّهُمْ وَهُمْ آمِنُونَ، فَرَكِبَ فِي أَصْحَابِهِ، وَهَجَمَ عَلَى طَاهِرٍ وَأَصْحَابِهِ وَلَمْ يَشْعُرُوا، فَثَبَتَ لَهُ رَجَّالَةُ طَاهِرٍ، وَقَاتَلُوهُ حَتَّى أَخَذَتِ الْفُرْسَانُ أُهْبَتَهَا، وَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ رَآهُ النَّاسُ، حَتَّى تَقَطَّعَتِ السُّيُوفُ، وَتَكَسَّرَتِ الرِّمَاحُ، وَانْهَزَمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَبَقِيَ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَاتَلَ، وَأَصْحَابُهُ يَقُولُونَ لَهُ: قَدْ أَمْكَنَكَ الْهَرَبُ، فَاهْرُبْ، فَقَالَ: لَا يَرَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَجْهِي مُنْهَزِمًا أَبَدًا. وَلَمْ يَزَلْ يُقَاتِلُ حَتَّى قُتِلَ. وَانْتَهَى مَنِ انْهَزَمَ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ وَأَحْمَدَ ابْنَيِ الْحَرَشِيِّ، وَكَانَا فِي جَيْشٍ عَظِيمٍ بِقَصْرِ اللُّصُوصِ، قَدْ سَيَّرَهُ الْأَمِينُ مَعُونَةً لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَلَمَّا بَلَغَ الْمُنْهَزِمُونَ إِلَيْهِمَا انْهَزَمَا أَيْضًا فِي جُنْدِهِمَا مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ، حَتَّى دَخَلُوا بَغْدَاذَ، وَخَلَتِ الْبِلَادُ لِطَاهِرٍ، فَأَقْبَلَ يَحُوزُهَا بَلْدَةً بَلْدَةً، وَكُورَةً كُورَةً، حَتَّى انْتَهَى إِلَى شَلَاشَانَ مِنْ قُرَى حُلْوَانَ، فَخَنْدَقَ بِهَا، وَحَصَّنَ عَسْكَرَهُ، وَجَمَعَ أَصْحَابَهُ. ذِكْرُ خُرُوجِ السُّفْيَانِيِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ السُّفْيَانِيُّ، وَهُوَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَأُمُّهُ نَفِيسَةُ بِنْتُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَكَانَ يَقُولُ: أَنَا مِنْ شَيْخَيْ صِفِّينَ - يَعْنِي عَلِيًّا وَمُعَاوِيَةَ - وَكَانَ يُلَقَّبُ بِأَبِي الْعُمَيْطِرِ ; لِأَنَّهُ قَالَ يَوْمًا لِجُلَسَائِهِ: أَيُّ شَيْءٍ كُنْيَةُ الْحِرْذَوْنِ؟ قَالُوا: لَا نَدْرِي. قَالَ: هُوَ أَبُو الْعُمَيْطِرِ. فَلَقَّبُوهُ بِهِ.

стр. 2784

وَلَمَّا خَرَجَ دَعَا لِنَفْسِهِ بِالْخِلَافَةِ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَقَوِيَ عَلَى سُلَيْمَاَنَ بْنِ الْمَنْصُورِ، عَامِلِ دِمَشْقَ، فَأَخْرَجَهُ عَنْهَا، وَأَعَانَهُ الْخَطَّابُ بْنُ وَجْهِ الْفُلْسِ، مَوْلَى بَنِي أُمَيَّةَ، وَكَانَ قَدْ تَغَلَّبَ عَلَى صَيْدَا. وَلَمَّا خَرَجَ سَيَّرَ إِلَيْهِ الْأَمِينُ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ، فَبَلَغَ الرَّقَّةَ، وَلَمْ يَسِرْ إِلَى دِمَشْقَ. وَكَانَ عُمْرُ أَبِي الْعُمَيْطِرِ، حِينَ خَرَجَ، تِسْعِينَ سَنَةً، وَكَانَ النَّاسُ قَدْ أَخَذُوا عَنْهُ عِلْمًا كَثِيرًا، وَكَانَ حَسَنَ السِّيرَةِ، فَلَمَّا خَرَجَ ظَلَمَ وَأَسَاءَ السِّيرَةَ، فَتَرَكُوا مَا نَقَلُوا عَنْهُ. وَكَانَ أَكْبَرُ أَصْحَابِهِ مِنْ كَلْبٍ، وَكَتَبَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحِ بْنِ بَيْهَسٍ الْكِلَابِيِّ يَدْعُوهُ إِلَى طَاعَتِهِ، وَيَتَهَدَّدُهُ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ، فَلَمْ يُجِبْهُ إِلَى ذَلِكَ، فَأَقْبَلَ السُّفْيَانِيُّ عَلَى قَصْدِ الْقَيْسِيَّةِ، فَكَتَبُوا إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِمْ فِي ثَلَاثِمِائَةِ فَارِسٍ مِنَ الضَّبَابِ وَمَوَالِيهِ، وَاتَّصَلَ الْخَبَرُ بِالسُّفْيَانِيِّ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ يَزِيدَ بْنَ هِشَامٍ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، فَالْتَقَوْا، فَانْهَزَمَ يَزِيدُ وَمَنْ مَعَهُ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ إِلَى أَنْ دَخَلُوا أَبْوَابَ دِمَشْقَ زِيَادَةٌ عَلَى أَلْفَيْ رَجُلٍ، وَأُسِرَ ثَلَاثَةُ آلَافٍ، فَأَطْلَقَهُمُ ابْنُ بَيْهَسٍ، وَحَلَقَ رُءُوسَهُمْ وَلِحَاهُمْ. وَضَعُفَ السُّفْيَانِيُّ، وَحُصِرَ بِدِمَشْقَ، ثُمَّ جَمَعَ جَمْعًا، وَجَعَلَ عَلَيْهِمُ ابْنَهُ الْقَاسِمَ، وَخَرَجُوا إِلَى ابْنِ بَيْهَسٍ، فَالْتَقَوْا، فَقُتِلَ الْقَاسِمُ وَانْهَزَمَ أَصْحَابُ السُّفْيَانِيِّ، وَبُعِثَ رَأْسُهُ إِلَى الْأَمِينِ، ثُمَّ جَمَعَ جَمْعًا آخَرَ، وَسَيَّرَهُمْ مَعَ مَوْلَاهُ الْمُعْتَمِرِ، فَلَقِيَهُمُ ابْنُ بَيْهَسٍ، فَقُتِلَ الْمُعْتَمِرُ، وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ، فَوَهَنَ أَمْرُ أَبِي الْعُمَيْطِرِ، وَطَمِعَ فِيهِ قَيْسٌ. ثُمَّ مَرِضَ ابْنُ بَيْهَسٍ، فَجَمَعَ رُؤَسَاءَ بَنِي نُمَيْرٍ، فَقَالَ لَهُمْ: تَرَوْنَ مَا أَصَابَنِي مِنْ عِلَّتِي هَذِهِ، فَارْفُقُوا بِبَنِي مَرْوَانَ، وَعَلَيْكُمْ بِمَسْلَمَةَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَإِنَّهُ رَكِيكٌ، وَهُوَ ابْنُ أُخْتِكُمْ، وَأَعْلِمُوهُ أَنَّكُمْ لَا تَتْبَعُونَ بَنِي أَبِي سُفْيَانَ، وَبَايِعُوهُ بِالْخِلَافَةِ، وَكَيِّدُوا بِهِ السُّفْيَانِيَّ. وَعَادَ ابْنُ بَيْهَسٍ إِلَى حَوْرَانَ، وَاجْتَمَعَتْ نُمَيْرٌ عَلَى مَسْلَمَةَ، وَبَذَلُوا لَهُ الْبَيْعَةَ، فَقَبِلَ مِنْهُمْ، وَجَمَعَ مَوَالِيَهُ، وَدَخَلَ عَلَى السُّفْيَانِيِّ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ وَقَيَّدَهُ، وَقَبَضَ عَلَى رُؤَسَاءِ بَنِي

стр. 2785

أُمَيَّةَ فَبَايَعُوهُ، وَأَدْنَى قَيْسًا، وَجَعَلَهُمْ خَاصَّتَهُ، فَلَمَّا عُوفِيَ ابْنُ بَيْهَسٍ عَادَ إِلَى دِمَشْقَ فَحَصَرَهَا، فَسَلَّمَهَا إِلَيْهِ الْقَيْسِيَّةُ وَهَرَبَ مَسْلَمَةُ وَالسُّفْيَانِيُّ فِي ثِيَابِ النِّسَاءِ إِلَى الْمِزَّةِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، وَدَخَلَ ابْنُ بَيْهَسٍ دِمَشْقَ، وَغَلَبَ عَلَيْهَا، وَبَقِيَ بِهَا إِلَى أَنْ قَدِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ دِمَشْقَ، وَدَخَلَ إِلَى مِصْرَ، وَعَادَ إِلَى دِمَشْقَ، فَأَخَذَ ابْنَ بَيْهَسٍ مَعَهُ إِلَى الْعِرَاقِ، فَمَاتَ بِهَا. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَكَانَ الْعَامِلُ عَلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ لِمُحَمَّدٍ الْأَمِينِ دَاوُدُ بْنُ عِيسَى بْنِ مُوسَى، وَهُوَ الَّذِي حَجَّ بِالنَّاسِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ أَيْضًا. وَكَانَ عَلَى الْكُوفَةِ الْعَبَّاسُ بْنُ الْهَادِي لِلْأَمِينِ. وَعَلَى الْبَصْرَةِ لَهُ أَيْضًا مَنْصُورُ بْنُ الْمَهْدِيِّ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ، وَكَانَ يَتَشَيَّعُ، وَهُوَ ثِقَةٌ فِي الْحَدِيثِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو نُوَاسٍ الْحَسَنُ بْنُ هَانِئٍ الشَّاعِرُ الْمَشْهُورُ، وَكَانَ عُمْرُهُ تِسْعًا وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَدُفِنَ بِالشُّونِيزِيِّ بِبَغْدَاذَ. وَمُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ بْنِ جَرِيرٍ الضَّبِّيُّ مَوْلَاهُمْ. وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ أَبُو يَعْقُوبَ.

стр. 2786

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ] ١٩٦ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ تَوْجِيهِ الْأَمِينِ الْجُيُوشَ إِلَى طَاهِرٍ وُعَوْدِهِمْ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَيَّرَ الْأَمِينُ أَسَدَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ مَزْيَدٍ، وَسَيَّرَ عَمَّهُ أَحْمَدَ بْنَ مَزْيَدٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُمَيْدِ بْنِ قَحْطَبَةَ، إِلَى حُلْوَانَ لِحَرْبِ طَاهِرٍ. وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ أَسَدٌ قَالَ: إِنَّهُ لَمَّا قُتِلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَرْسَلَ إِلَيَّ الْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ يَسْتَدْعِينِي، فَجِئْتُهُ، وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ قَاعِدٌ بِيَدِهِ رُقْعَةٌ قَدْ قَرَأَهَا، وَقَدِ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، فَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، وَهُوَ يَقُولُ: يَنَامُ نَوْمَ الظَّرِبَانِ، وَيَنْتَبِهُ انْتِبَاهَ الذِّئْبِ، هَمُّهُ بَطْنُهُ، يُخَاتِلُ الرُّعَاةَ وَالْكِلَابُ تَرْصُدُهُ، لَا يُفَكِّرُ فِي زَوَالِ نِعْمَةٍ، وَلَا يُرَوِّي فِي إِمْضَاءِ رَأْيٍ، قَدْ أَلْهَاهُ كَأْسُهُ، وَشَغَلَهُ قَدَحُهُ، فَهُوَ يَجْرِي فِي لَهْوِهِ، وَالْأَيَّامُ تُوضَعُ فِي هَلَاكِهِ، قَدْ شَمَّرَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ عَنْ سَاقٍ، وَفَوَّقَ لَهُ أَصْوَبَ أَسْهُمِهِ، يَرْمِيهِ عَلَى بُعْدِ الدَّارِ بِالْحَتْفِ النَّافِذِ، وَالْمَوْتِ الْقَاصِدِ، وَقَدْ عَبَّى لَهُ الْمَنَايَا عَلَى ظُهُورِ الْخَيْلِ، وَنَاطَ لَهُ الْبَلَاءَ فِي أَسِنَّةِ الرِّمَاحِ وَشِفَارِ السُّيُوفِ. ثُمَّ اسْتَرْجَعَ وَتَمَثَّلَ بِشِعْرِ الْبَعِيثِ: وَمَجْدُولَةٍ جَدْلَ الْعِنَانِ خَرِيدَةٍ ... لَهَا شَعَرٌ جَعْدٌ وَوَجْهٌ مُقَسَّمُ وَثَغْرٌ نَقِيُّ اللَّوْنِ عَذْبٌ مَذَاقُهُ ... يُضِيءُ لَهُ الظَّلْمَاءُ سَاعَةَ تَبْسِمُ

стр. 2787

وَثَدْيَانِ كَالْحُقَّيْنِ، وَالْبَطْنُ ضَامِرٌ خَمِيصٌ، وَجَهْمٌ نَارُهُ تَتَضَرَّمُ ... لَهَوْتُ بِهَا لَيْلَ التَّمَامِ ابْنَ خَالِدٍ وَأَنْتَ بِمَرْوِ الرُّوذِ غَيْظًا تَجَرَّمُ ... أَظَلُّ أُنَاغِيهَا وَتَحْتَ ابْنِ خَالِدٍ أُمَيَّةَ نَهْدُ الْمَرْكَلَيْنِ عَثَمْثَمُ ... طَوَاهُ طِرَادُ الْخَيْلِ فِي كُلِّ غَارَةٍ لَهَا عَارِضٌ فِيهِ الْأَسِنَّةُ تُرْزِمُ ... يُقَارِعُ أَتْرَاكَ ابْنِ خَاقَانَ لَيْلَهُ إِلَى أَنْ يَرَى الْإِصْبَاحَ مَا يَتَلَغَّمُ ... فَيُصْبِحُ مِنْ طُولِ الطِّرَادِ وَجِسْمُهُ نَحِيلٌ وَأُضْحِي فِي النَّعِيمِ أُصَمِّمُ ... أُبَاكِرُهَا صَهْبَاءَ كَالْمِسْكِ رِيحُهَا لَهَا أَرَجٌ فِي دَنِّهَا حِينَ يَرْسُمُ ... فَشَتَّانَ مَا بَيْنِي وَبَيْنَ ابْنِ خَالِدٍ أُمَيَّةَ فِي الرِّزْقِ الَّذِي اللَّهُ يَقْسِمُ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ: أَبَا الْحَرْثِ! أَنَا وَإِيَّاكَ نَجْرِي إِلَى غَايَةٍ، إِنْ قَصَّرْنَا عَنْهَا ذُمِمْنَا، وَإِنِ اجْتَهَدْنَا فِي بُلُوغِهَا انْقَطَعْنَا، وَإِنَّمَا نَحْنُ شِعْبٌ مِنْ أَصْلٍ، إِنْ قَوِيَ قَوِينَا، وَإِنْ ضَعُفَ ضَعُفْنَا، إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ أَلْقَى بِيَدِهِ إِلْقَاءَ الْأَمَةِ الْوَكْعَاءِ، يُشَاوِرُ النِّسَاءَ، وَيَعْتَزِمُ عَلَى الرِّيَاءِ، وَقَدْ أَمْكَنَ مَسَامِعَهُ مِنْ أَهْلِ اللَّهْوِ وَالْجَسَارَةِ، فَهُمْ يَعِدُونَهُ الظَّفَرَ، وَيُمَنُّونَهُ عَقِبَ الْأَيَّامِ، وَالْهَلَاكُ أَسْرَعُ إِلَيْهِ مِنَ السَّيْلِ إِلَى قِيعَانِ الرَّمْلِ، وَقَدْ خَشِيتُ وَاللَّهِ أَنْ نَهْلَكَ بِهَلَاكِهِ، وَنَعْطَبَ بِعَطَبِهِ، وَأَنْتَ فَارِسُ الْعَرَبِ وَابْنُ فَارِسِهَا، وَقَدْ فَزِعَ إِلَيْكَ فِي هَذَا الْأَمْرِ وَلِقَاءِ هَذَا الرَّجُلِ، وَأَطْمَعَهُ فِيمَا قِبَلِكَ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا صِدْقُ الطَّاعَةِ وَفَضْلُ النَّصِيحَةِ، وَالثَّانِي يُمْنُ نَقِيبَتِكَ وَشَدَّةُ بَأْسِكَ، وَقَدْ أَمَرَنِي بِإِزَاحَةِ عِلَلِ (مَا عَلَيْكَ) ، وَبَسْطِ يَدِكَ فِيمَا أَحْبَبْتَ، غَيْرَ أَنَّ الِاقْتِصَادَ رَأْسُ النَّصِيحَةِ، وَمِفْتَاحُ الْيُمْنِ وَالْبَرَكَةِ، فَأَنْجِزْ حَوَائِجَكَ، وَعَجِّلِ الْمُبَادَرَةَ إِلَى عَدُوِّكَ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنَّ يُوَلِّيَكَ اللَّهُ هَذَا الْفَتْحَ، وَيَلُمَّ بِكَ شَعْثَ هَذِهِ الْخِلَافَةِ وَالدَّوْلَةِ.

стр. 2788

فَقُلْتُ: أَنَا لِطَاعَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَطَاعَتِكَ مُقْدِمٌ، وَلِكُلِّ مَا دَخَلَ فِيهِ الْوَهْنُ عَلَى عَدُوِّهِ وَعَدُوِّكَ حَرِيصٌ، غَيْرَ أَنَّ الْمُحَارِبَ لَا يَعْمَلُ بِالْغَدْرِ، وَلَا يَفْتَحُ أَمْرَهُ بِالتَّقْصِيرِ وَالْخَلَلِ، وَإِنَّمَا مِلَاكُ الْمُحَارِبِ الْجُنُودُ، وَمِلَاكُ الْجُنُودِ الْمَالُ، وَالَّذِي أَسْأَلُ أَنْ يُؤْمَرَ لِأَصْحَابِي بِرِزْقِ سَنَةٍ، وَتُحْمَلَ مَعَهُمْ أَرْزَاقُ سَنَةٍ، وَيُخَصَّ أَهْلُ الْغَنَاءِ وَالْبِلَاءِ، وَأُبَدِّلَ مَنْ فِيهِمْ مِنَ الضَّعْفَى، وَأَحْمِلَ أَلْفَ رَجُلٍ مِمَّنْ مَعِي عَلَى الْخَيْلِ، وَلَا أُسْأَلَ عَنْ مُحَاسَبَةِ مَا افْتَتَحْتُ مِنَ الْمُدُنِ وَالْكُوَرِ. فَقَالَ: قَدِ اشْتَطَطْتَ، وَلَا بُدَّ مِنْ مُنَاظَرَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. ثُمَّ رَكِبَ وَرَكِبْتُ مَعَهُ، فَدَخَلَ قَبْلِي عَلَى الْأَمِينِ، وَأُذِنَ لِي فَدَخَلْتُ، فَمَا كَانَ إِلَّا كَلِمَتَانِ حَتَّى غَضِبَ وَأَمَرَ بِحَبْسِي. وَقِيلَ: إِنَّهُ طَلَبَ أَنْ يَدْفَعَ وَلَدَيِ الْمَأْمُونِ، فَإِنْ أَطَاعَهُ وَإِلَّا قَتَلَهُمَا، فَقَالَ الْأَمِينُ: أَنْتَ أَعْرَابِيٌّ مَجْنُونٌ، أَدْعُوكَ إِلَى وِلَايَةِ أَعِنَّةِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، وَأُطْعِمُكَ خَرَاجَ كُوَرِ الْجِبَالِ إِلَى خُرَاسَانَ، وَأَرْفَعُ مَنْزِلَتَكَ عَلَى نُظَرَائِكَ مِنْ أَبْنَاءِ الْقُوَّادِ وَالْمُلُوكِ، وَتَدْعُونِي إِلَى قَتْلِ وَلَدَيَّ، وَسَفْكِ دِمَاءِ أَهْلِ بَيْتِي! إِنَّ هَذَا لَلْخُرْقُ وَالتَّخْلِيطُ. وَكَانَ بِبَغْدَاذَ ابْنَانِ لِلْمَأْمُونِ مَعَ أُمِّهِمَا أُمِّ عِيسَى ابْنَةِ الْهَادِي، وَقَدْ طَلَبَهُمَا الْمَأْمُونُ مِنْ أَخِيهِ فِي حَالِ السَّلَامِ، فَمَنَعَهُمَا مِنَ الْمَالِ الَّذِي كَانَ لَهُ، فَلَمَّا حَبَسَ أَسَدًا قَالَ: هَلْ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُفْسِدَهُمْ مَعَ نَبَاهَتِهِمْ، وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ طَاعَتِهِمْ وَنَصِيحَتِهِمْ. قَالُوا: نَعَمْ، عَمُّهُ أَحْمَدُ بْنُ مَزَيْدٍ، وَهُوَ أَحْسَنُهُمْ طَرِيقَةً، لَهُ بَأْسٌ وَنَجْدَةٌ، وَبَصَرٌ بِسِيَاسَةِ الْحَرْبِ. فَأَنْفَذَ إِلَيْهِ أَحْضَرَهُ، فَأَتَى الْفَضْلَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَعِنْدَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ قَحْطَبَةَ، وَهُوَ يُرِيدُهُ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى طَاهِرٍ وَعَبْدُ اللَّهِ يَشِطُّ. قَالَ أَحْمَدُ: فَلَمَّا رَآنِي الْفَضْلُ رَحَّبَ بِي، وَرَفَعَنِي إِلَى صَدْرِ الْمَجْلِسِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ يُدَاعِبُهُ، ثُمَّ قَالَ:

стр. 2789

إِنَّا وَجَدْنَا لَكُمْ إِذْ رَثَّ حَبْلُكُمْ ... مِنْ آلِ شَيْبَانَ أُمًّا دُونَكُمْ وَأَبَا الْأَكْثَرُونَ إِذَا عُدَّ الْحَصَى عَدَدًا ... وَالْأَقْرَبُونَ إِلَيْنَا مِنْكُمُ نَسَبَا فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أُقْسِمُ لَكَذَلِكَ، وَفِيهِمْ سَدُّ الْخَلَلِ، وَنَكْءُ الْعَدُوِّ، وَدَفْعُ مَعَرَّةِ أَهْلِ الْمَعْصِيَةِ عَنْ أَهْلِ الطَّاعَةِ. فَقَالَ لَهُ الْفَضْلُ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرَى ذِكْرَكَ، فَوَصَفْتُكَ لَهُ، فَأَحَبَّ اصْطِنَاعَكَ وَالتَّنْوِيهَ بِاسْمِكَ، وَأَنْ يَرْفَعَكَ إِلَى مَنْزِلَةٍ لَمْ يَبْلُغْهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ. ثُمَّ مَضَى وَمَضَيْتُ مَعَهُ إِلَى الْأَمِينِ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ، فَقَالَ لِي فِي حَبْسِ أَسَدٍ، وَاعْتَذَرَ إِلَيَّ، وَأَمَرَنِي بِالْمَسِيرِ إِلَى حَرْبِ طَاهِرٍ، فَقُلْتُ: سَأَبْذُلُ فِي طَاعَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مُهْجَتِي، وَأَبْلُغُ فِي جِهَادِ عَدُوِّهُ أَفْضَلَ مَا أَمَّلَهُ عِنْدِي وَرَجَاهُ مِنْ غَنَائِي وَكِفَايَتِي، إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -. فَأَمَرَ الْفَضْلَ بِأَنْ يُمَكِّنَهُ مِنَ الْعَسَاكِرِ يَأْخُذُ مِنْهُمْ مَنْ أَرَادَ، وَأَمَرَهُ بِالْجِدِّ فِي الْمَسِيرِ وَالتَّجَهُّزِ، فَأَخَذَ مِنَ الْعَسْكَرِ عِشْرِينَ أَلْفَ فَارِسٍ، وَسَارَ مَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ قَحْطَبَةَ فِي عِشْرِينَ أَلْفًا، وَسَارَ بِهِمْ إِلَى حُلْوَانَ، وَشَفَعَ فِي أَسَدٍ ابْنِ أَخِيهِ، فَأَطْلَقَهُ. وَأَقَامَ أَحْمَدُ وَعَبْدُ اللَّهِ بِخَانِقِينَ، وَأَقَامَ طَاهِرٌ بِمَوْضِعِهِ، وَدَسَّ الْجَوَاسِيسَ وَالْعُيُونَ، وَكَانُوا يُرْجِفُونَ فِي عَسْكَرِ أَحْمَدَ وَعَبْدِ اللَّهِ أَنَّ الْأَمِينَ قَدْ وَضَعَ الْعَطَاءَ لِأَصْحَابِهِ، وَأَمَرَ لَهُمْ بِالْأَرْزَاقِ الْوَافِرَةِ، وَلَمْ يَزَلْ يَحْتَالُ فِي وُقُوعِ الِاخْتِلَافِ بَيْنَهُمْ، حَتَّى اخْتَلَفُوا، وَانْتَقَضَ أَمْرُهُمْ، وَقَاتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَرَجَعُوا عَنْ خَانِقِينَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْقَوْا طَاهِرًا.

стр. 2790

وَتَقَدَّمَ طَاهِرٌ فَنَزَلَ حُلْوَانَ، فَلَمَّا نَزَلَهَا لَمْ يَلْبَثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى أَتَاهُ هَرْثَمَةُ فِي جَيْشٍ مِنْ عِنْدِ الْمَأْمُونِ، وَمَعَهُ كِتَابٌ إِلَى طَاهِرٍ، يَأْمُرُهُ بِتَسْلِيمِ مَا حَوَى مِنَ الْمُدُنِ وَالْكُوَرِ إِلَى هَرْثَمَةَ، وَيَتَوَجَّهُ هُوَ إِلَى الْأَهْوَازِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَأَقَامَ هَرْثَمَةُ بِحُلْوَانَ وَحَصَّنَهَا، وَسَارَ طَاهِرٌ إِلَى الْأَهْوَازِ. ذِكْرُ الْفَضْلِ بْنِ سَهْلٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خُطِبَ لِلْمَأْمُونِ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَرَفْعِ مَنْزِلَةِ الْفَضْلِ بْنِ سَهْلٍ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أَتَاهُ خَبَرُ قَتْلِ ابْنِ مَاهَانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَبَلَةَ، وَصَحَّ عِنْدَهُ الْخَبَرُ بِذَلِكَ، أَمَرَ أَنْ يُخْطَبَ لَهُ، وَيُخَاطَبَ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَدَعَا الْفَضْلَ بْنَ سَهْلٍ وَعَقَدَ لَهُ عَلَى الْمَشْرِقِ مِنْ جَبَلِ هَمَذَانَ إِلَى التُّبَّتِ طُولًا، وَمِنْ بَحْرِ فَارِسَ إِلَى بَحْرِ الدَّيْلَمِ وَجُرْجَانَ عَرْضًا، وَجَعَلَ لَهُ عِمَالَةً ثَلَاثَةَ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَعَقَدَ لَهُ لِوَاءً عَلَى سِنَانٍ ذِي شُعْبَتَيْنِ، وَلَقَّبَهُ ذَا الرِّيَاسَتَيْنِ، رِيَاسَةِ الْحَرْبِ، وَالْقَلَمِ، وَحَمَلَ اللِّوَاءَ عَلِيُّ بْنُ هِشَامٍ، وَحَمَلَ الْقَلَمَ نُعَيْمُ بْنُ حَازِمٍ، وَوَلَّى الْحَسَنَ بْنَ سَهْلٍ دِيوَانَ الْخَرَاجِ. ذِكْرُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ صَالِحِ بْنِ عَلِيٍّ وَمَوْتِهِ قَدْ ذَكَرْنَا قَبْضَ الرَّشِيدِ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ صَالِحٍ، وَحَبْسَهُ إِيَّاهُ، فَلَمْ يَزَلْ مَحْبُوسًا حَتَّى مَاتَ الرَّشِيدُ، فَأَخْرَجَهُ الْأَمِينُ مِنَ الْحَبْسِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ [وَمِائَةٍ] ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، فَشَكَرَ عَبْدُ الْمَلِكِ ذَلِكَ لَهُ. فَلَمَّا كَانَ مِنْ طَاهِرٍ مَا كَانَ دَخَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ عَلَى الْأَمِينِ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَرَى النَّاسَ قَدْ طَمِعُوا فِيكَ، وَجُنْدُكَ قَدْ أَعْيَتْهُمُ الْهَوَامُّ، وَأَضْعَفَتْهُمُ الْحُرُوبُ، وَامْتَلَأَتْ قُلُوبُهُمْ هَيْبَةً لِعَدُوِّهِمْ، فَإِنْ سَيَّرْتَهُمْ إِلَى طَاهِرٍ غَلَبَ بِقَلِيلِ مَنْ مَعَهُ كَثِيرَهُمْ، وَهَزَمَ بِقُوَّةِ نِيَّتِهِ ضَعْفَ نَصَائِحِهِمْ وَنِيَّاتِهِمْ، وَأَهْلُ الشَّامِ قَوْمٌ قَدْ ضَرَسَتْهُمُ الْحَرْبُ، وَأَدَّبَتْهُمُ الشَّدَائِدُ، وَكُلُّهُمْ مُنْقَادٌ (إِلَيَّ مُتَنَازِعٌ إِلَى طَاعَتِي) ، وَإِنْ وَجَّهَنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ اتَّخَذْتُ لَهُ مِنْهُمْ

стр. 2791

جُنْدًا يَعْظُمُ نِكَايَتُهُمْ فِي عَدُوِّهِ. فَوَلَّاهُ الْأَمِينُ الشَّامَ وَالْجَزِيرَةَ، وَقَوَّاهُ بِمَالٍ وَرِجَالٍ، وَسَيَّرَهُ سَيْرًا حَثِيثًا. فَسَارَ حَتَّى نَزَلَ الرَّقَّةَ، وَكَاتَبَ رُؤَسَاءَ أَهْلِ الشَّامِ، وَأَهْلِ الْقُوَّةِ وَالْجَلَدِ وَالْبَأْسِ، فَأَتَوْهُ رَئِيسًا بَعْدَ رَئِيسٍ، وَجَمَاعَةً بَعْدَ جَمَاعَةٍ، فَأَكْرَمَهُمْ وَمَنَّاهُمْ، وَخَلَعَ عَلَيْهِمْ، وَكَثُرَ جَمْعُهُ، فَمَرِضَ وَاشْتَدَّ مَرَضُهُ. ثُمَّ إِنَّ بَعْضَ جُنُودِ خُرَاسَانَ الْمُقِيمِينَ فِي عَسْكَرِ الشَّامِ رَأَى دَابَّةً كَانَتْ أُخِذَتْ مِنْهُ فِي وَقْعَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ تَحْتَ بَعْضِ الزَّوَاقِيلِ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ أَيْضًا، فَتَعَلَّقَ بِهَا، وَاجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ مِنَ الزَّوَاقِيلِ وَالْجُنْدِ، فَتَضَارَبُوا، وَاجْتَمَعَتِ الْأَبْنَاءُ وَتَأَلَّبُوا، وَأَتَوُا الزَّوَاقِيلَ وَهُمْ غَارُّونَ، فَوَضَعُوا فِيهِمُ السُّيُوفَ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَتَنَادَى الزَّوَاقِيلُ، فَرَكِبُوا خُيُولَهُمْ، وَنَشَبَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ. وَبَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ الْمَلِكِ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ يَأْمُرُهُمْ بِالْكَفِّ، فَلَمْ يَفْعَلُوا، وَاقْتَتَلُوا يَوْمَهُمْ ذَلِكَ قِتَالًا شَدِيدًا، وَأَكْثَرَتِ الْأَبْنَاءُ الْقَتْلَ فِي الزَّوَاقِيلِ، فَأُخْبِرَ عَبْدُ الْمَلِكِ بِذَلِكَ، وَكَانَ مَرِيضًا مُدْنَفًا، فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى يَدِهِ، وَقَالَ: وَاذُلَّاهُ! تُسْتَضَامُ الْعَرَبُ فِي دُورِهَا وَبِلَادِهَا! فَغَضِبَ مَنْ كَانَ أَمْسَكَ عَنِ الشَّرِّ مِنَ الْأَبْنَاءِ، وَتَفَاقَمَ الْأَمْرُ، وَقَامَ بِأَمْرِ الْأَبْنَاءِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ، وَأَصْبَحَ الزَّوَاقِيلُ فَاجْتَمَعُوا بِالرَّقَّةِ، وَاجْتَمَعَ الْأَبْنَاءُ وَأَهْلُ خُرَاسَانَ بِالرَّافِقَةِ. وَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ حِمْصَ فَقَالَ: يَا أَهْلَ حِمْصَ! الْهَرَبُ أَهْوَنُ مِنَ الْعَطَبِ، وَالْمَوْتُ أَهْوَنُ مِنَ الذُّلِّ، إِنَّكُمْ قَدْ بَعِدْتُمْ عَنْ بِلَادِكُمْ، تَرْجُونَ الْكَثْرَةَ بَعْدَ الْقِلَّةِ، وَالْعِزَّةَ بَعْدَ الذِّلَّةِ، أَلَا وَفِي الشَّرِّ وَقَعْتُمْ، وَفِي حَوْمَةِ الْمَوْتِ أَنَخْتُمْ، إِنَّ الْمَنَايَا فِي شَوَارِبِ الْمُسَوِّدَةِ وَقَلَانِسِهِمْ، النَّفِيرَ النَّفِيرَ، قَبْلَ أَنْ يَنْقَطِعَ السَّبِيلُ، وَيَنْزِلَ الْأَمْرُ الْجَلِيلُ، وَيَفُوتَ الْمَطْلَبُ، وَيَعْسَرَ الْمَهْرَبُ. وَقَامَ رَجُلٌ مِنْ كَلْبٍ فِي غَرْزِ نَاقَتِهِ، فَقَالَ نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا وَإِنِّي سَائِرٌ، فَمَنْ أَرَادَ الِانْصِرَافَ فَلْيَنْصَرِفْ مَعِي! ثُمَّ سَارَ فَسَارَ مَعَهُ عَامَّةُ أَهْلِ الشَّامِ.

стр. 2792

وَأَحْرَقَتِ الزَّوَاقِيلُ مَا كَانَ التُّجَّارُ قَدْ جَمَعُوهُ مِنَ الْأَعْلَافِ، وَأَقْبَلَ نَصْرُ بْنُ شَبَثٍ الْعُقَيْلِيُّ، ثُمَّ حَمَلَ وَأَصْحَابُهُ، فَقَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا، وَصَبَرَ الْجُنْدُ لَهُمْ، وَكَانَ أَكْثَرُ الْقَتْلِ فِي الزَّوَاقِيلِ لِكَثِيرِ بْنِ قَادِرَةَ، وَأَبِي الْفِيلِ، وَدَاوُدَ بْنِ مُوسَى بْنِ عِيسَى الْخُرَاسَانِيِّ، وَانْهَزَمَتِ الزَّوَاقِيلُ، وَكَانَ عَلَى حَامِيَتِهِمْ يَوْمَئِذٍ نَصْرُ بْنُ شَبَثٍ، وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ السُّلَمِيُّ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ زُفَرَ الْكِلَابِيُّ. ثُمَّ تُوُفِّيَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ صَالِحٍ بِالرَّقَّةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. ذِكْرُ خَلْعِ الْأَمِينِ وَالْمُبَايِعَةِ لِلْمَأْمُونِ وُعَوْدِ الْأَمِينِ إِلَى الْخِلَافَةِ فَلَمَّا مَاتَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ صَالِحٍ نَادَى الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ فِي الْجُنْدِ، فَجَعَلَ الرَّجَّالَةَ فِي السُّفُنِ، وَسَارَ الْفُرْسَانُ عَلَى الظَّهْرِ فِي رَجَبٍ، فَلَمَّا قَدِمَ بَغْدَاذَ لَقِيَهُ الْقُوَّادُ وَأَهْلُ بَغْدَاذَ، وَعُمِلَتْ لَهُ الْقِبَابُ، وَدَخَلَ مَنْزِلَهُ. فَلَمَّا كَانَ جَوْفُ اللَّيْلِ بَعَثَ إِلَيْهِ الْأَمِينُ يَأْمُرُهُ بِالرُّكُوبِ إِلَيْهِ، فَقَالَ لِلرَّسُولِ: مَا أَنَا بِمُغَنٍّ، وَلَا مُسَامِرٍ، وَلَا مُضْحِكٍ، وَلَا وَلِيتُ لَهُ عَمَلًا وَلَا مَالًا، فَلِأَيِّ شَيْءٍ يُرِيدُنِي هَذِهِ السَّاعَةَ؟ انْصَرِفْ، فَإِذَا أَصْبَحْتُ غَدَوْتُ إِلَيْهِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَأَصْبَحَ الْحُسَيْنُ، فَوَافَى بَابَ الْجِسْرِ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْأَبْنَاءِ، إِنَّ خِلَافَةَ اللَّهِ لَا تُجَاوَرُ بِالْبَطَرِ، وَنِعْمَتَهُ لَا تُسْتَصْحَبُ بِالتَّجَبُّرِ، وَإِنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُ أَنْ يُوقِعَ أَدْيَانَكُمْ، وَيَنْقُلَ عِزَّكُمْ إِلَى غَيْرِكُمْ، وَهُوَ صَاحِبُ الزَّوَاقِيلِ، وَبِاللَّهِ إِنْ طَالَتْ بِهِ مُدَّةٌ لَيَرْجِعَنَّ وَبَالُ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ، فَاقْطَعُوا أَثَرَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْطَعَ آثَارَكُمْ، وَضَعُوا عِزَّهُ قَبْلَ أَنْ يَضَعَ عِزَّكُمْ، فَوَاللَّهِ لَا يَنْصُرُهُ نَاصِرٌ مِنْكُمْ إِلَّا خُذِلَ، وَمَا عِنْدَ اللَّهِ لِأَحَدٍ هَوَادَةٌ، وَلَا يُرَاقَبُ عَلَى الِاسْتِخْفَافِ بِعُهُودِهِ، وَالْحِنْثِ بِأَيْمَانِهِ. ثُمَّ أَمَرَ النَّاسَ بِعُبُورِ الْجِسْرِ فَعَبَرُوا، وَصَارُوا إِلَى سِكَّةِ بَابِ خُرَاسَانَ، وَتَسَرَّعَتْ

стр. 2793

خُيُولُ الْأَمِينِ إِلَى الْحُسَيْنِ، فَقَاتَلُوهُ قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ الْأَمِينِ وَتَفَرَّقُوا، فَخَلَعَ الْحُسَيْنُ الْأَمِينَ يَوْمَ الْأَحَدِ لِإِحْدَى عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَجَبٍ، وَأَخَذَ الْبَيْعَةَ لِلْمَأْمُونِ مِنَ الْغَدِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الثُّلَاثَاءِ وَثَبَ الْعَبَّاسُ بْنُ مُوسَى بْنِ عِيسَى بِالْأَمِينِ، فَأَخْرَجَهُ مِنْ قَصْرِ الْخُلْدِ، وَحَبَسَهُ بِقَصْرِ الْمَنْصُورِ، وَأَخْرَجَ أُمَّهُ زُبَيْدَةَ أَيْضًا، فَجَعَلَهَا مَعَ ابْنِهَا. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ طَالَبَ النَّاسُ الْحُسَيْنَ بِالْأَرْزَاقِ، وَمَاجُوا بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ بِبَابِ الشَّامِ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! وَاللَّهِ مَا أَدْرِي بِأَيِّ سَبَبٍ تَأَمَّرَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَيْنَا، وَيَتَوَلَّى هَذَا الْأَمْرَ دُونَنَا؟ مَا هُوَ بِأَكْبَرِنَا سِنًّا، وَمَا هُوَ بِأَكْبَرِنَا حَسَبًا، وَلَا بِأَعْظَمِنَا مَنْزِلَةً وَغِنًى، وَإِنِّي أَوَّلُكُمْ أَنْقُضُ عَهْدَهُ، وَأُظْهِرُ الْإِنْكَارَ لِفِعْلِهِ، فَمَنْ كَانَ عَلَى رَأْيِي فَلْيَعْتَزِلْ مَعِي. وَقَالَ أَسَدٌ الْحَرْبِيُّ: يَا مَعْشَرَ الْحَرْبِيَّةِ! هَذَا يَوْمٌ لَهُ مَا بَعْدَهُ، إِنَّكُمْ قَدْ نِمْتُمْ فَطَالَ نَوْمُكُمْ، وَتَأَخَّرْتُمْ فَتَقَدَّمَ عَلَيْكُمْ غَيْرُكُمْ، وَقَدْ ذَهَبَ أَقْوَامٌ بِخَلْعِ الْأَمِينِ، فَاذْهَبُوا أَنْتُمْ بِذِكْرِ فَكِّهِ وَإِطْلَاقِهِ. وَأَقْبَلَ شَيْخٌ عَلَى فَرَسٍ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، هَلْ تَعْتَدُونَ عَلَى مُحَمَّدٍ بِقَطْعِ أَرْزَاقِهِمْ؟ قَالُوا: لَا! قَالَ: فَهَلْ قَصَّرَ بِأَحَدٍ مِنْ رُؤَسَائِكُمْ، وَعَزَلَ أَحَدًا مِنْ قُوَّادِكُمْ؟ قَالُوا: لَا! قَالَ: فَمَا بَالُكُمْ خَذَلْتُمُوهُ، وَأَعَنْتُمْ عَدُوَّهُ عَلَى أَسْرِهِ؟ وَايْمُ اللَّهِ مَا قَتَلَ قَوْمٌ خَلِيفَتَهُمْ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ السَّيْفَ، انْهَضُوا إِلَى خَلِيفَتِكُمْ فَقَاتِلُوا عَنْهُ مَنْ أَرَادَ خَلْعَهُ. فَنَهَضُوا وَتَبِعَهُمْ أَهْلُ الْأَرْبَاضِ، فَقَاتَلُوا الْحُسَيْنَ قِتَالًا شَدِيدًا، فَأُسِرَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَدَخَلَ أَسَدٌ الْحَرْبِيُّ عَلَى الْأَمِينِ، فَكَسَرَ قُيُودَهُ، وَأَقْعَدَهُ فِي مَجْلِسِ الْخِلَافَةِ.

стр. 2794

وَرَأَى الْأَمِينُ أَقْوَامًا لَيْسَ عَلَيْهِمْ لِبَاسُ الْجُنْدِ، وَأَمَرَهُمْ بِأَخْذِ السِّلَاحِ، فَانْتَهَبَتْهُ الْغَوْغَاءُ، وَنَهَبُوا غَيْرَهُ. وَحُمِلَ إِلَيْهِ الْحُسَيْنُ أَسِيرًا، فَلَامَهُ، فَاعْتَذَرَ لَهُ الْحُسَيْنُ، فَأَطْلَقَهُ، وَأَمَرَهُ بِجَمْعِ الْجُنْدِ، وَمُحَارَبَةِ أَصْحَابِ الْمَأْمُونِ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ، وَوَلَّاهُ مَا وَرَاءَ بَابِهِ، وَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى حُلْوَانَ، فَوَقَفَ الْحُسَيْنُ بِبَابِ الْجِسْرِ وَالنَّاسُ يُهَنِّئُونَهُ، فَلَمَّا خَفَّ عَنْهُ النَّاسُ قَطَعَ الْجِسْرَ وَهَرَبَ، فَنَادَى الْأَمِينُ فِي الْجُنْدِ يَطْلُبُهُ، فَرَكِبُوا كُلُّهُمْ، فَأَدْرَكُوهُ بِمَسْجِدِ كَوْثَرٍ عَلَى فَرْسَخٍ مِنْ بَغْدَاذَ، فَقَاتَلَهُمْ فَعَثَرَ بِهِ فَرَسُهُ، فَسَقَطَ عَنْهُ، فَقُتِلَ وَأَخَذُوا رَأْسَهُ. وَقِيلَ: إِنَّ الْأَمِينَ كَانَ اسْتَوْزَرَهُ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ خَاتَمَهُ. وَجَدَّدَ الْجُنْدُ الْبَيْعَةَ لِلْأَمِينِ بَعْدَ قَتْلِ الْحُسَيْنِ بِيَوْمٍ، وَكَانَ قَتْلُهُ خَامِسَ عَشَرَ رَجَبٍ، فَلَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ هَرَبَ الْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ وَاخْتَفَى. ذِكْرُ مَا فَعَلَهُ طَاهِرٌ بِالْأَهْوَازَ لَمَّا نَزَلَ طَاهِرٌ بِشَلَاشَانَ وَجَّهَ الْحُسَيْنَ بْنَ عُمَرَ الرُّسْتَمِيَّ إِلَى الْأَهْوَازِ وَأَمَرَهُ بِالْحَذَرِ، فَلَمَّا تَوَجَّهَ أَتَتْ طَاهِرًا عُيُونُهُ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ حَاتِمٍ الْمُهَلَّبِيُّ، وَكَانَ عَامِلًا لِلْأَمِينِ عَلَى الْأَهْوَازِ، قَدْ تَوَجَّهَ فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ يُرِيدُ جُنْدَيْسَابُورَ لِيَحْمِيَ الْأَهْوَازَ مِنْ أَصْحَابِ طَاهِرٍ، فَدَعَا طَاهِرٌ عِدَّةً مِنْ أَصْحَابِهِ، مِنْهُمْ: مُحَمَّدُ بْنُ طَالُوتَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ بُخَارَاخُذَاهَ وَغَيْرُهُمْ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجِدُّوا السَّيْرَ، حَتَّى يَتَّصِلَ أَوَّلُهُمْ بِآخِرِ أَصْحَابِ الرُّسْتَمِيِّ، فَإِنِ احْتَاجَ إِلَى مَدَدٍ أَمَدُّوهُ. فَسَارُوا حَتَّى شَارَفُوا الْأَهْوَازَ وَلَمْ يَلْقَوْا أَحَدًا، وَبَلَغَ خَبَرُهُمْ مُحَمَّدَ بْنَ يَزِيدَ، فَسَارَ حَتَّى نَزَلَ عَسْكَرَ مُكْرَمٍ، وَصَيَّرَ الْعُمْرَانَ وَالْمَاءَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، وَتَخَوَّفَ طَاهِرٌ أَنْ يَعْجَلَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَأَمَدَّهُمْ بِقُرَيْشِ بْنِ شِبْلٍ، وَتَوَجَّهَ هُوَ بِنَفْسِهِ حَتَّى كَانَ قَرِيبًا مِنْهُمْ، وَسَيَّرَ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ الْمَأْمُونِيَّ إِلَى قُرَيْشٍ وَالرُّسْتَمِيِّ، فَسَارَتْ تِلْكَ الْعَسَاكِرُ حَتَّى أَشْرَفُوا عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بِعَسْكَرِ مُكْرَمٍ، فَاسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ فِي الْمُطَاوَلَةِ وَالْمُنَاجَزَةِ، فَأَشَارُوا عَلَيْهِ

стр. 2795

بِالرُّجُوعِ إِلَى الْأَهْوَازِ وَالتَّحَصُّنِ بِهَا، وَأَنْ يَسْتَدْعِيَ الْجُنْدَ مِنَ الْبَصْرَةِ وَقَوْمَهُ الْأَزْدَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَسَيَّرَ طَاهِرٌ وَرَاءَهُ قُرَيْشَ بْنَ شِبْلٍ، وَأَمَرَهُ بِمُبَادَرَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَحَصَّنَ بِالْأَهْوَازِ، فَسَبَقَهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، وَوَصَلَ بَعْدَهُ بِيَوْمٍ قُرَيْشٌ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَالْتَفَتَ مُحَمَّدٌ إِلَى مَنْ مَعَهُ مِنْ مَوَالِيهِ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ قَدْ رَجَعُوا عَنْهُ، فَقَالَ لِمَوَالِيهِ: مَا رَأْيُكُمْ؟ إِنِّي أَرَى مَنْ مَعِي قَدِ انْهَزَمَ، وَلَسْتُ آمَنُ خِذْلَانَهُمْ، وَلَا أَرْجُو رَجْعَتَهُمْ، وَقَدْ عَزَمْتُ عَلَى النُّزُولِ وَالْقِتَالِ بِنَفْسِي حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ بِمَا أَحَبَّ، فَمَنْ أَرَادَ الِانْصِرَافَ فَلْيَنْصَرِفْ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ تَبْقَوْا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَمُوتُوا. فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَنْصَفْنَاكَ إِذًا أَنْ تَكُونَ قَدْ أَعْتَقْتَنَا مِنَ الرِّقِّ، وَرَفَعْتَنَا مِنَ الضَّعَةِ، وَأَغْنَيْتَنَا بَعْدَ الْقِلَّةِ، ثُمَّ نَخْذُلُكَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ، فَلَعَنَ اللَّهُ الدُّنْيَا وَالْعَيْشَ بَعْدَكَ! ثُمَّ نَزَلُوا فَعَرْقَبُوا دَوَابَّهُمْ، وَحَمَلُوا عَلَى أَصْحَابِ قُرَيْشٍ حَمْلَةً مُنْكَرَةً، فَأَكْثَرُوا فِيهِمُ الْقَتْلَ، وَقُتِلَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْمُهَلَّبِيُّ. وَاسْتَوْلَى طَاهِرٌ عَلَى الْأَهْوَازِ وَأَعْمَالِهَا، وَاسْتَعْمَلَ الْعُمَّالَ عَلَى الْيَمَامَةِ وَالْبَحْرِينِ وَعُمَانَ. وَقَالَ بَعْضُ الْمَهَالِبَةِ، وَجُرِحَ فِي تِلْكَ الْوَقْعَةِ عِدَّةُ جِرَاحَاتٍ، وَقُطِعَتْ يَدُهُ: فَمَا لُمْتُ نَفْسِي غَيْرَ أَنِّي لَمْ أُطِقْ ... حَرَاكًا، وَأَنِّي كُنْتُ بِالضَّرْبِ مُثْخَنَا وَلَوْ سَلِمَتْ كَفَّايَ قَاتَلْتُ دُونَهُ ... وَضَارَبْتُ عَنْهُ الطَّاهِرِيَّ الْمُلَعَّنَا فَتًى لَا يَرَى أَنْ يَخْذُلَ السَّيْفَ فِي الْوَغَى ... إِذَا ادَّرَعَ الْهَيْجَاءَ فِي النَّقْعِ وَاكْتَنَى وَلَمَّا دَخَلَ ابْنُ أَبِي عُيَيْنَةَ الْمُهَلَّبِيُّ عَلَى طَاهِرٍ وَمَدَحَهُ، فَحِينَ انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ: مَا سَاءَ ظَنِّي إِلَّا بِوَاحِدَةٍ ... فِي الصَّدْرِ مَحْصُورَةٍ عَنِ الْكَلِمِ تَبَسَّمَ طَاهِرٌ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ سَاءَنِي مِنْ ذَلِكَ مَا سَاءَكَ، وَآلَمَنِي مَا آلَمَكَ، وَلَقَدْ كُنْتُ كَارِهًا لِمَا كَانَ، غَيْرَ أَنَّ الْحَتْفَ وَاقِعٌ، وَالْمَنَايَا نَازِلَةٌ، وَلَا بُدَّ مِنْ قَطْعِ الْأَوَاصِرِ وَالشُّكْرِ لِلْأَقَارِبِ فِي تَأْكِيدِ الْخِلَافَةِ، وَالْقِيَامِ بِحَقِّ الطَّاعَةِ. فَظَنَّ مَنْ حَضَرَ أَنَّهُ أَرَادَ

стр. 2796

مُحَمَّدَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ حَاتِمٍ. ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ طَاهِرٍ عَلَى وَاسِطٍ وَغَيْرِهَا ثُمَّ سَارَ طَاهِرٌ مِنَ الْأَهْوَازِ إِلَى وَاسِطٍ، وَبِهَا السِّنْدِيُّ بْنُ يَحْيَى الْحَرَشِيُّ، وَالْهَيْثَمُ بْنُ شُعْبَةَ، خَلِيفَةُ خُزَيْمَةَ بْنِ خَازِمٍ، فَجَعَلَ طَاهِرٌ كُلَّمَا تَقَدَّمَ نَحْوَهُمْ تَقَوَّضَتِ الْمَسَالِحُ وَالْعُمَّالُ بَيْنَ يَدَيْهِ، حَتَّى أَتَى وَاسِطًا، فَهَرَبَ السِّنْدِيُّ وَالْهَيْثَمُ بْنُ شُعْبَةَ عَنْهَا، وَاسْتَوْلَى طَاهِرٌ عَلَى وَاسِطٍ، وَوَجَّهَ قَائِدًا مِنْ قُوَّادِهِ إِلَى الْكُوفَةِ عَلَيْهَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُوسَى الْهَادِي، فَلَمَّا بَلَغَهُ الْخَبَرُ خَلَعَ الْأَمِينَ، وَبَايَعَ لِلْمَأْمُونِ، وَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى طَاهِرٍ. وَنَزَلَتْ خَيْلُ طَاهِرٍ فَمَ النِّيلِ، وَغَلَبَ عَلَى مَا بَيْنَ وَاسِطٍ وَالْكُوفَةِ، وَكَتَبَ الْمَنْصُورُ بْنُ الْمَهْدِيِّ، وَكَانَ عَامِلًا لِلْأَمِينِ عَلَى الْبَصْرَةِ، إِلَى طَاهِرٍ بِبَيْعَتِهِ وَطَاعَتِهِ، وَأَتَتْهُ بَيْعَةُ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ بِالْمَوْصِلِ لِلْمَأْمُونِ، وَخَلْعُ الْأَمِينِ، وَكَانَ هَذَا جَمِيعُهُ فِي رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَأَقَرَّهُمْ طَاهِرٌ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، وَوَلَّى دَاوُدَ بْنَ عِيسَى بْنِ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْهَاشِمِيَّ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ، وَاسْتَعْمَلَ يَزِيدَ بْنَ جَرِيرِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيَّ الْبَجَلِيَّ عَلَى الْيَمَنِ، وَوَجَّهَ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ وَدَاوُدَ بْنَ مُوسَى إِلَى قَصْرِ ابْنِ هُبَيْرَةَ، (وَأَقَامَ طَاهِرٌ بِجَرْجَرَايَا) . فَلَمَّا بَلَغَ الْأَمِينَ خَبَرُ عَامِلِهِ بِالْكُوفَةِ وَخَلْعِهِ وَالْبَيْعَةِ لِلْمَأْمُونِ - وَجَّهَ مُحَمَّدَ بْنَ سُلَيْمَانَ الْقَائِدَ، وَمُحَمَّدَ بْنَ حَمَّادٍ الْبَرْبَرِيَّ، وَأَمَرَهُمَا أَنْ يُبَيِّتَا الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ وَدَاوُدَ بِالْقَصْرِ، فَبَلَغَ الْحَارِثَ الْخَبَرُ، فَرَكِبَ هُوَ وَدَاوُدُ فَعَبَرَا فِي مَخَاضَةٍ فِي سُورَاءَ إِلَيْهِمْ، فَأَوْقَعَا بِهِمْ وَقْعَةً شَدِيدَةً، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَانْهَزَمَ أَهْلُ بَغْدَادَ. وَوَجَّهَ الْأَمِينُ أَيْضًا الْفَضْلَ بْنَ مُوسَى بْنِ عِيسَى الْهَاشِمِيَّ عَامِلًا عَلَى الْكُوفَةِ فِي

стр. 2797

خَيْلٍ، فَبَلَغَ طَاهِرًا الْخَبَرُ، فَوَجَّهَ مُحَمَّدَ بْنَ الْعَلَاءِ فِي جَيْشٍ إِلَى طَرِيقِهِ، فَلَقِيَ الْفَضْلَ بِقَرْيَةِ الْأَعْرَابِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ الْفَضْلُ: إِنِّي سَامِعٌ مُطِيعٌ، وَإِنَّمَا كَانَ مَخْرَجِي كَيْدًا مِنِّي لِمُحَمَّدٍ الْأَمِينِ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ الْعَلَاءِ: لَسْتُ أَعْرِفُ مَا تَقُولُ، فَإِنْ أَرَدْتَ طَاهِرًا فَارْجِعْ وَرَاءَكَ، فَهُوَ أَسْهَلُ الطَّرِيقِ. فَرَجَعَ الْفَضْلُ، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ: كُونُوا عَلَى حَذَرٍ، فَلَا آمَنُ مَكْرَهُ. ثُمَّ إِنَّ الْفَضْلَ رَجَعَ إِلَى ابْنِ الْعَلَاءِ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ عَلَى غَيْرِ أُهْبَةٍ، فَرَآهُ مُتَيَقِّظًا حَذِرًا، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا كَأَشَدِّ مَا يَكُونُ مِنَ الْقِتَالِ، فَانْهَزَمَ الْفَضْلُ وَأَصْحَابُهُ. ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ طَاهِرٍ عَلَى الْمَدَائِنِ وَنُزُولِهِ بِصَرْصَرٍ ثُمَّ إِنَّ طَاهِرًا سَارَ إِلَى الْمَدَائِنِ، وَبِهَا جَيْشٌ كَثِيرٌ لِلْأَمِينِ، عَلَيْهِمُ الْبَرْمَكِيُّ قَدْ تَحَصَّنَ بِهَا، وَالْمَدَدُ يَأْتِيهِ كُلَّ يَوْمٍ، وَالْخِلَعُ وَالصِّلَاتُ، فَلَمَّا قَرُبَ طَاهِرٌ مِنْهُ وَجَّهَ قُرَيْشَ بْنَ شِبْلٍ وَالْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ الْمَأْمُونِيَّ فِي مُقَدِّمَتِهِ، فَلَمَّا سَمِعَ أَصْحَابُ الْبَرْمَكِيِّ طُبُولَ طَاهِرٍ أَسْرَجُوا وَرَكِبُوا، وَأَخَذَ الْبَرْمَكِيُّ فِي التَّعْبِيَةِ، فَكَانَ كُلَّمَا سَوَّى صَفًّا انْتَقَضَ وَاضْطَرَبَ، وَانْضَمَّ أَوَّلُهُمْ إِلَى آخِرِهِمْ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخِذْلَانِ! ثُمَّ قَالَ لِصَاحِبِ سَاقَتِهِ: خَلِّ سَبِيلَ النَّاسِ، فَلَا خَيْرَ عِنْدَهُمْ. فَرَكِبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا نَحْوَ بَغْدَاذَ، فَنَزَلَ طَاهِرٌ الْمَدَائِنَ، وَاسْتَوْلَى عَلَى تِلْكَ النَّوَاحِي، ثُمَّ سَارَ إِلَى صَرْصَرٍ، فَعَقَدَ بِهَا جِسْرًا وَنَزَلَهَا. ذِكْرُ الْبَيْعَةِ لِلْمَأْمُونِ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَلَعَ دَاوُدُ بْنُ عِيسَى بْنِ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ - الْأَمِينَ، وَهُوَ عَامِلُهُ عَلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَبَايَعَ لِلْمَأْمُونِ. وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا بَلَغَهُ مَا كَانَ مِنَ الْأَمِينِ وَالْمَأْمُونِ وَمَا فَعَلَ طَاهِرٌ، وَكَانَ الْأَمِينُ قَدْ كَتَبَ إِلَى دَاوُدَ بْنِ عِيسَى يَأْمُرُهُ بِخَلْعِ الْمَأْمُونِ، وَبَعَثَ أَخَذَ الْكِتَابَيْنِ مِنَ الْكَعْبَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ - فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ جَمَعَ دَاوُدُ وُجُوهَ النَّاسِ وَمَنْ كَانَ شَهِدَ فِي الْكِتَابَيْنِ، وَكَانَ دَاوُدُ أَحَدَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ: قَدْ عَلِمْتُمْ مَا أَخَذَ الرَّشِيدُ عَلَيْنَا وَعَلَيْكُمْ مِنَ الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ عِنْدَ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، لِابْنَيْهِ، لَنَكُونَنَّ مَعَ الْمَظْلُومِ مِنْهُمَا عَلَى الظَّالِمِ، وَمَعَ الْمَغْدُورِ بِهِ عَلَى الْغَادِرِ، وَقَدْ رَأَيْنَا وَرَأَيْتُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ بَدَأَ بِالظُّلْمِ وَالْبَغْيِ وَالْغَدْرِ وَالنَّكْثِ عَلَى أَخَوَيْهِ

стр. 2798

الْمَأْمُونِ وَالْمُؤْتَمَنِ، وَخَلَعَهُمَا عَاصِيًا لِلَّهِ، وَبَايَعَ لِابْنِهِ، طِفْلٍ صَغِيرٍ، رَضِيعٍ لَمْ يُفْطَمْ، وَأَخَذَ الْكِتَابَيْنِ مِنَ الْكَعْبَةِ، فَحَرَقَهُمَا ظَالِمًا، فَقَدْ رَأَيْتُ خَلْعَهُ، وَالْبَيْعَةَ لِلْمَأْمُونِ، إِذْ كَانَ مَظْلُومًا مَبْغِيًّا عَلَيْهِ. فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، فَنَادَى فِي شِعَابِ مَكَّةَ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ فَخَطَبَهُمْ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، وَخَلَعَ مُحَمَّدًا وَبَايَعَ لِلْمَأْمُونِ، وَكَتَبَ إِلَى ابْنِهِ سُلَيْمَانَ، وَهُوَ عَامِلُهُ عَلَى الْمَدِينَةِ، يَأْمُرُهُ أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ، فَخَلَعَ سُلَيْمَانُ الْأَمِينَ، وَبَايَعَ لِلْمَأْمُونِ. فَلَمَّا أَتَاهُ الْخَبَرُ بِذَلِكَ سَارَ مِنْ مَكَّةَ عَلَى طَرِيقِ الْبَصْرَةِ، ثُمَّ إِلَى فَارِسَ، ثُمَّ إِلَى كَرْمَانَ، حَتَّى صَارَ إِلَى الْمَأْمُونِ بِمَرْوَ، فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَسُرَّ الْمَأْمُونُ بِذَلِكَ سُرُورًا شَدِيدًا، وَتَيَمَّنَ بِبَرَكَةِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ. (وَكَانَتِ الْبَيْعَةُ بِهِمَا فِي رَجَبٍ سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، وَاسْتَعْمَلَ دَاوُدَ عَلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ) ، وَأَضَافَ إِلَيْهِ وِلَايَةَ عَكَّ، وَأَعْطَاهُ خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ مَعُونَةً، وَسَيَّرَ مَعَهُ ابْنَ أَخِيهِ الْعَبَّاسَ بْنَ مُوسَى بْنِ عِيسَى بْنِ مُوسَى، وَجَعَلَهُ عَلَى الْمَوْسِمِ، فَسَارَا حَتَّى أَتَيَا طَاهِرًا بِبَغْدَاذَ، فَأَكْرَمَهُمَا وَقَرَّبَهُمَا، وَوَجَّهَ مَعَهُمَا يَزِيدَ بْنَ جَرِيرِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيَّ الْبَجَلِيَّ عَامِلًا عَلَى الْيَمَنِ، وَبَعَثَ مَعَهُ خَيْلًا كَثِيفَةً، فَلَمَّا قَدِمَ الْيَمَنَ دَعَا أَهْلَهَا إِلَى خَلْعِ الْأَمِينِ وَالْبَيْعَةِ لِلْمَأْمُونِ، وَوَعَدَهُمُ الْعَدْلَ وَالْإِحْسَانَ، وَأَخْبَرَهُمْ بِسِيرَةِ الْمَأْمُونِ، فَأَجَابُوهُ إِلَى مَا طَلَبَ، وَخَلَعُوا مُحَمَّدًا وَبَايَعُوا لِلْمَأْمُونِ، وَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى طَاهِرٍ وَإِلَى الْمَأْمُونِ، وَسَارَ فِيهِمْ أَحْسَنَ سِيرَةٍ، وَأَظْهَرَ الْعَدْلَ. ذِكْرُ مَا فَعَلَهُ الْأَمِينُ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَقَدَ مُحَمَّدٌ الْأَمِينُ، فِي رَجَبٍ وَشَعْبَانَ، نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِمِائَةِ لِوَاءٍ لِقُوَّادٍ شَتَّى، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ نَهِيكٍ، وَأَمَرَهُمْ بِالْمَسِيرِ إِلَى هَرْثَمَةَ بْنِ أَعْيَنَ، فَسَارُوا إِلَيْهِ، فَالْتَقَوْا بِنَوَاحِي النَّهْرَوَانِ فِي رَمَضَانَ فَانْهَزَمُوا، وَأُسِرَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى فَسَيَّرَهُ هَرْثَمَةُ إِلَى الْمَأْمُونِ، وَرَحَلَ هَرْثَمَةُ فَنَزَلَ النَّهْرَوَانَ.

стр. 2799

ذِكْرُ وُثُوبِ الْجُنْدِ بِطَاهِرٍ وَالْأَمِينِ وَنُزُولِهِ بِبَغْدَاذَ وَأَقَامَ طَاهِرٌ بِصَرْصَرٍ مُشَمِّرًا فِي مُحَارَبَةِ الْأَمِينِ، وَكَانَ لَا يَأْتِيهِ جَيْشٌ إِلَّا هَزَمَهُ. وَبَذَلَ الْأَمِينُ الْأَمْوَالَ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ طَاهِرٍ، فَسَارَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ نَحْوُ خَمْسَةِ آلَافٍ، فَسُرَّ بِهِمُ الْأَمِينُ، وَوَعَدَهُمْ وَمَنَّاهُمْ، وَفَرَّقَ فِيهِمْ مَالًا عَظِيمًا، وَغَلَّفَ لِحَاهُمْ بِالْغَالِيَةِ، فَسُمُّوا قُوَّادَ الْغَالِيَةِ، وَقَوَّدَ جَمَاعَةً مِنَ الْحَرْبِيَّةِ، وَوَجَّهَهُمْ إِلَى دَسْكَرَةِ الْمَلِكِ وَالنَّهْرَوَانِ، فَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ كَثِيرٌ، وَنَدَبَ جَمَاعَةً مِنْ قُوَّادِ بَغْدَاذَ، وَوَجَّهَهُمْ إِلَى الْيَاسِرِيَّةِ، وَالْكَوْثَرِيَّةِ، وَفَرَّقَ الْجَوَاسِيسَ فِي أَصْحَابِ طَاهِرٍ، وَدَسَّ إِلَى رُؤَسَاءِ الْجُنْدِ، فَأَطْمَعَهُمْ وَرَغَّبَهُمْ، فَشَغَّبُوا عَلَى طَاهِرٍ، وَاسْتَأْمَنَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ إِلَى الْأَمِينِ، فَانْضَمُّوا إِلَى عَسْكَرِهِ، وَسَارُوا حَتَّى أَتَوْا صَرْصَرًا، فَعَبَّأَ طَاهِرٌ أَصْحَابَهُ كَرَادِيسَ، وَسَارَ فِيهِمْ يُمَنِّيهِمْ وَيُحَرِّضُهُمْ، وَيَعِدُهُمُ النَّصْرَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ، فَاقْتَتَلُوا مَلِيًّا مِنَ النَّهَارِ، ثُمَّ انْهَزَمَ أَصْحَابُ الْأَمِينِ، وَغَنِمَ عَسْكَرُ طَاهِرٍ مَا كَانَ لَهُمْ مِنَ السِّلَاحِ وَالدَّوَابِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَبَلَغَ ذَلِكَ الْأَمِينَ فَأَخْرَجَ الْأَمْوَالَ وَفَرَّقَهَا، وَجَمَعَ أَهْلَ الْأَرْبَاضِ، وَقَوَّدَ مِنْهُمْ جَمَاعَةً، وَفَرَّقَ فِيهِمُ الْأَمْوَالَ، وَأَعْطَى كُلَّ قَائِدٍ مِنْهُمْ قَارُورَةَ غَالِيَةٍ، وَلَمْ يُفَرِّقْ فِي أَجْنَادِ الْقُوَّادِ وَأَصْحَابِهِمْ شَيْئًا. فَبَلَغَ ذَلِكَ طَاهِرًا فَرَاسَلَهُمْ، وَوَعَدَهُمْ وَاسْتَمَالَهُمْ، وَأَغْرَى أَصَاغِرَهُمْ بِأَكَابِرِهِمْ، فَشَغَبُوا عَلَى الْأَمِينِ فِي ذِي الْحِجَّةِ، فَصَعُبَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ بِاسْتِمَالَتِهِمْ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَأَمَرَ بِقِتَالِهِمْ جَمَاعَةً مِنَ الْمُسْتَأْمِنَةِ وَالْمُحْدَثِينَ، فَقَاتَلُوهُمْ، وَرَاسَلَهُمْ طَاهِرٌ وَرَاسَلُوهُ، وَأَخَذَ رَهَائِنَهُمْ عَلَى بَذْلِ الطَّاعَةِ، وَأَعْطَاهُمُ الْأَمْوَالَ. ثُمَّ تَقَدَّمَ، فَصَارَ إِلَى مَوْضِعِ الْبُسْتَانِ الَّذِي عَلَى بَابِ الْأَنْبَارِ فِي ذِي الْحِجَّةِ، فَنَزَلَ بِقُوَّادِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَنَزَلَ مَنِ اسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ مِنْ جُنْدِ الْأَمِينِ فِي الْبُسْتَانِ وَالْأَرْبَاضِ، وَأَضْعَفَ لِلْقُوَّادِ وَأَبْنَائِهِمْ وَالْخَوَاصِّ - الْعَطَاءَ، وَنَقَّبَ أَهْلُ السُّجُونِ السُّجُونَ، وَخَرَجُوا مِنْهَا، وَفُتِنَ النَّاسُ وَسَاءَتْ حَالُهُمْ، وَوَثَبَ الشُّطَّارُ عَلَى أَهْلِ الصَّلَاحِ، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ بِعَسْكَرِ طَاهِرٍ

стр. 2800

حَالٌ لِتَفَقُّدِهِ حَالَهُمْ، وَأَخْذِهِ عَلَى أَيْدِي السُّفَهَاءِ، وَغَادَى الْقِتَالَ وَرَاوَحَهُ، حَتَّى تَوَاكَلَ الْفَرِيقَانِ وَخَرِبَتِ الدِّيَارُ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ الْعَبَّاسُ بْنُ مُوسَى بْنِ عِيسَى بْنِ مُوسَى، وَدَعَا لِلْمَأْمُونِ بِالْخِلَافَةِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَوْسِمٍ دُعِيَ لَهُ فِيهِ بِالْخِلَافَةِ. ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بِإِفْرِيقِيَّةَ مَعَ أَهْلِ طَرَابُلُسَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ ثَارَ أَبُو عِصَامٍ وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَغْلَبِ أَمِيرِ إِفْرِيقِيَّةَ، فَحَارَبَهُمْ إِبْرَاهِيمُ فَظَفِرَ بِهِمْ. وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ ابْنُ الْأَغْلَبِ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ عَلَى طَرَابُلُسِ الْغَرْبِ، فَلَمَّا قَدِمَ إِلَيْهَا ثَارَ عَلَيْهِ الْجُنْدُ فَحَصَرُوهُ فِي دَارِهِ، ثُمَّ اصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ يَخْرُجَ عَنْهُمْ، فَخَرَجَ عَنْهُمْ، فَلَمْ يَبْعُدْ عَنِ الْبَلَدِ حَتَّى اجْتَمَعَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، وَوَضَعَ الْعَطَاءَ، فَأَتَاهُ الْبَرْبَرُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَكَانَ يُعْطِي الْفَارِسَ كُلَّ يَوْمٍ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ، وَيُعْطِي الرَّاجِلَ فِي الْيَوْمِ دِرْهَمَيْنِ، فَاجْتَمَعَ لَهُ عَدَدٌ كَثِيرٌ، فَزَحَفَ بِهِمْ إِلَى طَرَابُلُسَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ الْجُنْدُ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ جُنْدُ طَرَابُلُسَ، وَدَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ الْمَدِينَةَ وَأَمَّنَ النَّاسَ، وَأَقَامَ بِهَا. ثُمَّ عَزَلَهُ أَبُوهُ، وَاسْتَعْمَلَ بَعْدَهُ سُفْيَانَ بْنَ الْمَضَاءِ، فَثَارَتْ هَوَّارَةُ بِطَرَابُلُسَ، فَخَرَجَ الْجُنْدُ إِلَيْهِمْ، وَالْتَقَوْا فَاقْتَتَلُوا، فَهُزِمَ الْجُنْدُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَتَبِعَهُمْ هَوَّارَةُ، فَخَرَجَ الْجُنْدُ هَارِبِينَ إِلَى الْأَمِيرِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَغْلَبِ، وَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ فَهَدَمُوا أَسْوَارَهَا. وَبَلَغَ ذَلِكَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْأَغْلَبِ، فَسَيَّرَ إِلَيْهَا ابْنَهُ أَبَا الْعَبَّاسِ عَبْدَ اللَّهِ فِي ثَلَاثَةَ عَشَرَ

стр. 2801

أَلْفَ فَارِسٍ، فَاقْتَتَلَ هُوَ وَالْبَرْبَرُ، وَقُتِلَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَدَخَلَ طَرَابُلُسَ وَبَنَى سُورَهَا. وَبَلَغَ خَبَرُ هَزِيمَةِ الْبَرْبَرِ إِلَى عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رُسْتَمَ، وَجَمَعَ الْبَرْبَرَ وَحَرَّضَهُمْ، وَأَقْبَلَ بِهِمْ إِلَى طَرَابُلُسَ، وَهُمْ جَمْعٌ عَظِيمٌ، غَضَبًا لِلْبَرْبَرِ وَنُصْرَةً لَهُمْ، فَنَزَلُوا عَلَى طَرَابُلُسَ وَحَصَرُوهَا، فَسَدَّ أَبُو الْعَبَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بَابَ زَنَاتَةَ، وَكَانَ يُقَاتِلُ مِنْ بَابِ هَوَّارَةَ، وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ أَبُوهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَغْلَبِ، وَعَهِدَ بِالْإِمَارَةِ لِوَلَدِهِ عَبْدِ اللَّهِ، فَأَخَذَ أَخُوهُ زِيَادَةُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ لَهُ الْعُهُودَ عَلَى الْجُنْدِ، وَسَيَّرَ الْكِتَابَ إِلَى أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ، يُخْبِرُهُ بِمَوْتِ أَبِيهِ، وَبِالْإِمَارَةِ لَهُ، فَأَخَذَ الْبَرْبَرُ الرَّسُولَ وَالْكِتَابَ، وَدَفَعُوهُ إِلَى عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رُسْتَمَ، فَأَمَرَ بِأَنْ يُنَادَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بِمَوْتِ أَبِيهِ، [فَصَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْبَلَدُ] وَالْبَحْرُ لِعَبْدِ اللَّهِ، وَمَا كَانَ خَارِجًا عَنْ ذَلِكَ يَكُونُ لِعَبْدِ الْوَهَّابِ، وَسَارَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى الْقَيْرَوَانِ، فَلَقِيَهُ النَّاسُ وَتَسَلَّمَ الْأَمْرَ، وَكَانَتْ أَيَّامُهُ أَيَّامَ سُكُونٍ وَدَعَةٍ.

стр. 2802

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ] ١٩٧ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ حِصَارِ بَغْدَاذَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ حَاصَرَ طَاهِرٌ، وَهَرْثَمَةُ، وَزُهَيْرُ بْنُ الْمُسَيَّبِ - الْأَمِينَ مُحَمَّدًا بِبَغْدَاذَ، فَنَزَلَ زُهَيْرُ بْنُ الْمُسَيَّبِ الضَّبِّيُّ بُرْقَةَ كَلْوَاذَى، وَنَصَبَ الْمَجَانِيقَ وَالْعَرَّادَاتِ، وَحَفَرَ الْخَنَادِقَ، وَكَانَ يَخْرُجُ فِي الْأَيَّامِ عِنْدَ اشْتِغَالِ الْجُنْدِ بِحَرْبِ طَاهِرٍ، فَيَرْمِي بِالْعَرَّادَاتِ، وَيُعَشِّرُ أَمْوَالَ التُّجَّارِ، فَشَكَا النَّاسُ مِنْهُ إِلَى طَاهِرٍ، فَنَزَلَ هَرْثَمَةُ نَهْرَبَيْنَ، وَعَمِلَ عَلَيْهِ خَنْدَقًا وَسُورًا، وَنَزَلَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَضَّاحِ بِالشَّمَّاسِيَّةِ، وَنَزَلَ طَاهِرٌ الْبُسْتَانَ الَّذِي بِبَابِ الْأَنْبَارِ. فَلَمَّا نَزَلَهُ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْأَمِينِ، وَتَفَرَّقَ مَا كَانَ بِيَدِهِ مِنَ الْأَمْوَالِ، فَأَمَرَ بِبَيْعِ مَا فِي الْخَزَائِنِ مِنَ الْأَمْتِعَةِ، وَضَرَبَ آنِيَةَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِيُفَرِّقَهَا فِي أَصْحَابِهِ، وَأَمَرَ بِإِحْرَاقِ الْحَرْبِيَّةِ، فَرُمِيَتْ بِالنِّفْطِ وَالنِّيرَانِ وَقُتِلَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ. وَاسْتَأْمَنَ إِلَى طَاهِرٍ سَعِيدُ بْنُ مَالِكِ بْنِ قَادِمٍ، فَوَلَّاهُ الْأَسْوَاقَ وَشَاطِئَ دِجْلَةَ وَمَا اتَّصَلَ بِهِ، وَأَمَرَهُ بِحَفْرِ الْخَنَادِقِ، وَبِنَاءِ الْحِيطَانِ فِي كُلِّ مَا غَلَبَ عَلَيْهِ مِنَ الدُّرُوبِ، وَأَمَدَّهُ بِالْأَمْوَالِ وَالرِّجَالِ، فَكَثُرَ الْخَرَابُ بِبَغْدَاذَ وَالْهَدْمُ، فَدَرَسَتِ الْمَنَازِلُ. وَوَكَّلَ الْأَمِينُ عَلِيًّا افْرَاهَمَرْدَ بِقَصْرِصَالِحٍ، وَقَصْرِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمَنْصُورِ إِلَى دِجْلَةَ، فَأَلَحَّ فِي إِحْرَاقِ الدُّورِ وَالدُّرُوبِ، وَالرَّمْيِ بِالْمَجَانِيقِ، وَفَعَلَ طَاهِرٌ مِثْلَ ذَلِكَ،

стр. 2803

فَأَرْسَلَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْبَاضِ مِنْ طَرِيقِ الْأَنْبَارِ وَبَابِ الْكُوفَةِ وَمَا يَلِيهَا، فَكُلَّمَا أَجَابَهُ أَهْلُ نَاحِيَةٍ خَنْدَقَ عَلَيْهِمْ، وَمَنْ أَبَى إِجَابَتَهُ قَاتَلَهُ، وَأَحْرَقَ مَنْزِلَهُ، وَوَحِشَتْ بَغْدَاذُ وَخَرِبَتْ، فَقَالَ حُسَيْنٌ الْخَلِيعُ: أَتُسْرِعُ الرِّحْلَةَ إِغْذَاذًا ... عَنْ جَانِبَيْ بَغْدَاذَ أَمْ مَاذَا ؟ أَمَا تَرَى الْفِتْنَةَ قَدْ أُلِّفَتْ إِلَى أُولِي الْفِتْنَةِ شُذَّاذَا ... وَانْتَفَضَتْ بَغْدَاذُ عُمْرَانُهَا عَنْ رَأْيِ لَا ذَاكَ وَلَا هَذَا ... هَدْمًا وَحَرْقًا قَدْ أَبَادَ أَهْ لَهَا عُقُوبَةٌ لَاذَتْ بِمَنْ لَاذَا ... مَا أَحْسَنَ الْحَالَاتِ إِنْ لَمْ تَعُدْ بَغْدَاذُ فِي الْقِلَّةِ بَغْدَاذَا وَسَمَّى طَاهِرٌ الْأَرْبَاضَ الَّتِي خَالَفَهُ أَهْلُهَا، وَمَدِينَةَ الْمَنْصُورِ، وَأَسْوَاقَ الْكَرْخِ وَالْخُلْدِ - دَارَ النَّكْثِ، وَقَبَضَ ضِيَاعَ مَنْ لَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِ مَنْ بَنِي هَاشِمٍ وَالْقُوَّادِ وَغَيْرِهِمْ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ، فَذُلُّوا وَانْكَسَرُوا، وَذُلَّ الْأَجْنَادُ، وَضَعُفُوا عَنِ الْقِتَالِ، إِلَّا بَاعَةَ الطَّرِيقِ، وَالْعُرَاةَ، وَأَهْلَ السُّجُونِ، وَالْأَوْبَاشَ، وَالطَّرَّارِينَ، وَأَهْلَ السُّوقِ، فَكَانُوا يَنْهَبُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ. وَكَانَ طَاهِرٌ لَا يَفْتُرُ فِي قِتَالِهِمْ، فَاسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ افْرَاهَمَرَدْ، الْمُوَكَّلُ بِقَصْرِ صَالِحٍ، فَأَمَّنَهُ وَسَيَّرَ إِلَيْهِ جُنْدًا كَثِيفًا، فَسَلَّمَ إِلَيْهِ مَا كَانَ بِيَدِهِ مِنْ تِلْكَ النَّاحِيَةِ، فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَاسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، صَاحِبُ شُرْطَةِ الْأَمِينِ، وَكَانَ مُجِدًّا فِي نُصْرَةِ الْأَمِينِ، فَلَمَّا اسْتَأْمَنَ هَذَانِ إِلَى طَاهِرٍ أَشْفَى الْأَمِينُ عَلَى الْهَلَاكِ، وَأَقْبَلَتِ الْغُوَاةُ مِنَ الْعَيَّارِينَ وَبَاعَةِ الطَّرِيقِ، وَالْأَجْنَادِ، فَاقْتَتَلُوا دَاخِلَ قَصْرِ صَالِحٍ قِتَالًا عَظِيمًا، قُتِلَ فِيهِ مِنْ أَصْحَابِ طَاهِرٍ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ، وَمِنْ قُوَّادِهِ جَمَاعَةٌ، وَلَمْ تَكُنْ وَقْعَةٌ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا أَشَدُّ عَلَى طَاهِرٍ مِنْهَا.

стр. 2804

ثُمَّ إِنَّ طَاهِرًا كَاتَبَ الْقُوَّادَ الْهَاشِمِيِّينَ وَغَيْرَهُمْ، بَعْدَ أَنْ أَخَذَ ضِيَاعَهُمْ، وَدَعَاهُمْ إِلَى الْأَمَانِ وَالْبَيْعَةِ لِلْمَأْمُونِ، فَأَجَابَهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ قَحْطَبَةَ وَإِخْوَتُهُ، وَوَلَدُ الْحَسَنِ بْنِ قَحْطَبَةَ، وَيَحْيَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَاهَانَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْعَبَّاسِ الطَّائِيُّ. وَكَاتَبَهُ غَيْرُهُمْ وَصَارَتْ قُلُوبُهُمْ مَعَهُ. وَأَقْبَلَ الْأَمِينُ بَعْدَ وَقْعَةِ قَصْرِ صَالِحٍ عَلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَوَكَّلَ الْأَمْرَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ نَهِيكٍ، وَإِلَى الْهَرْشِ، فَكَانَ مَنْ مَعَهُمَا مِنَ الْغَوْغَاءِ وَالْفُسَّاقِ يَسْلُبُونَ مَنْ قَدَرُوا عَلَيْهِ، وَكَانَ مِنْهُمْ مَا لَمْ يَبْلُغْنَا مِثْلُهُ. فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ بِالنَّاسِ خَرَجَ عَنْ بَغْدَاذَ مَنْ كَانَتْ بِهِ قُوَّةٌ، وَكَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا خَرَجَ أَمِنَ عَلَى مَالِهِ وَنَفْسِهِ، وَكَانَ مَثَلُهُمْ كَمَا قَالَ اللَّهُ: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣] . وَخَرَجَ عَنْهَا قَوْمٌ بِعِلَّةِ الْحَجِّ، فَفِي ذَلِكَ يَقُولُ شَاعِرُهُمْ: أَظْهَرُوا الْحَجَّ وَمَا يَنْوُونَهُ ... بَلْ مِنَ الْهَرْشِ يُرِيدُونَ الْهَرَبْ كَمْ أُنَاسٍ أَصْبَحُوا فِي غِبْطَةٍ ... وُكِّلَ الْهَرْشُ عَلَيْهِمْ بِالْعَطَبْ وَقَالَ بَعْضُ فِتْيَانِ بَغْدَاذَ: بَكَيْتُ دَمًا عَلَى بَغْدَاذَ لَمَّا ... فَقَدْتُ غَضَارَةَ الْعَيْشِ الْأَنِيقِ تَبَدَّلْنَا هُمُومًا مِنْ سُرُورٍ ... وَمِنْ سَعَةٍ تَبَدَّلْنَا بِضِيقِ أَصَابَتْنَا مِنَ الْحُسَّادِ عَيْنٌ ... فَأَفْنَتْ أَهْلَهَا بِالْمَنْجَنِيقِ

стр. 2805

فَقَوْمٌ أُحْرِقُوا بِالنَّارِ قَسْرًا وَنَائِحَةٌ تَنُوحُ عَلَى غَرِيقِ ... وَصَائِحَةٌ تُنَادِي: وَاصَبَاحَا وَبَاكِيَةٌ لِفِقْدَانِ الشَّقِيقِ ... وَحَوْرَاءُ الْمَدَامِعِ ذَاتُ دَلٍّ مُضَمَّخَةُ الْمَجَاسِدِ بِالْخَلُوقِ ... تَفِرُّ مِنَ الْحَرِيقِ إِلَى انْتِهَابٍ وَوَالِدُهَا يَفِرُّ إِلَى الْحَرِيقِ ... وَسَالِبَةُ الْغَزَالَةِ مُقْلَتَيْهَا مَضَاحِكُهَا كَلَأْلَاءِ الْبُرُوقِ ... حَيَارَى هَكَذَا وَمُفَكِّرَاتٍ عَلَيْهِنَّ الْقَلَائِدُ فِي الْحُلُوقِ ... يُنَادِينَ الشَّفِيقَ وَلَا شَفِيقٌ وَقَدْ فُقِدَ الشَّقِيقُ مِنَ الشَّقِيقِ ... وَمُغْتَرِبٌ قَرِيبُ الدَّارِ مُلْقًى بِلَا رَأْسٍ بِقَارِعَةِ الطَّرِيقِ ... تَوَسَّطَ مِنْ قِتَالِهِمُ جَمِيعًا فَمَا يَدْرُونَ مِنْ أَيِّ الْفَرِيقِ ... فَمَا وَلَدٌ يُقِيمُ عَلَى أَبِيهِ وَقَدْ فَرَّ الصَّدِيقُ عَنِ الصَّدِيقِ ... وَمَهْمَا أَنْسَ مِنْ شَيْءٍ تَوَلَّى فَإِنِّي ذَاكِرٌ دَارَ الرَّقِيقِ وَقَالَ الْخَرِيمِيُّ قَصِيدَةً طَوِيلَةً نَحْوَ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ بَيْتًا، أَتَى فِيهَا عَلَى جَمِيعِ
следующие страницы →