← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

أَلْفَ فَارِسٍ، فَاقْتَتَلَ هُوَ وَالْبَرْبَرُ، وَقُتِلَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَدَخَلَ طَرَابُلُسَ وَبَنَى سُورَهَا. وَبَلَغَ خَبَرُ هَزِيمَةِ الْبَرْبَرِ إِلَى عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رُسْتَمَ، وَجَمَعَ الْبَرْبَرَ وَحَرَّضَهُمْ، وَأَقْبَلَ بِهِمْ إِلَى طَرَابُلُسَ، وَهُمْ جَمْعٌ عَظِيمٌ، غَضَبًا لِلْبَرْبَرِ وَنُصْرَةً لَهُمْ، فَنَزَلُوا عَلَى طَرَابُلُسَ وَحَصَرُوهَا، فَسَدَّ أَبُو الْعَبَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بَابَ زَنَاتَةَ، وَكَانَ يُقَاتِلُ مِنْ بَابِ هَوَّارَةَ، وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ أَبُوهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَغْلَبِ، وَعَهِدَ بِالْإِمَارَةِ لِوَلَدِهِ عَبْدِ اللَّهِ، فَأَخَذَ أَخُوهُ زِيَادَةُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ لَهُ الْعُهُودَ عَلَى الْجُنْدِ، وَسَيَّرَ الْكِتَابَ إِلَى أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ، يُخْبِرُهُ بِمَوْتِ أَبِيهِ، وَبِالْإِمَارَةِ لَهُ، فَأَخَذَ الْبَرْبَرُ الرَّسُولَ وَالْكِتَابَ، وَدَفَعُوهُ إِلَى عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رُسْتَمَ، فَأَمَرَ بِأَنْ يُنَادَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بِمَوْتِ أَبِيهِ، [فَصَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْبَلَدُ] وَالْبَحْرُ لِعَبْدِ اللَّهِ، وَمَا كَانَ خَارِجًا عَنْ ذَلِكَ يَكُونُ لِعَبْدِ الْوَهَّابِ، وَسَارَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى الْقَيْرَوَانِ، فَلَقِيَهُ النَّاسُ وَتَسَلَّمَ الْأَمْرَ، وَكَانَتْ أَيَّامُهُ أَيَّامَ سُكُونٍ وَدَعَةٍ.

стр. 2802

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ] ١٩٧ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ حِصَارِ بَغْدَاذَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ حَاصَرَ طَاهِرٌ، وَهَرْثَمَةُ، وَزُهَيْرُ بْنُ الْمُسَيَّبِ - الْأَمِينَ مُحَمَّدًا بِبَغْدَاذَ، فَنَزَلَ زُهَيْرُ بْنُ الْمُسَيَّبِ الضَّبِّيُّ بُرْقَةَ كَلْوَاذَى، وَنَصَبَ الْمَجَانِيقَ وَالْعَرَّادَاتِ، وَحَفَرَ الْخَنَادِقَ، وَكَانَ يَخْرُجُ فِي الْأَيَّامِ عِنْدَ اشْتِغَالِ الْجُنْدِ بِحَرْبِ طَاهِرٍ، فَيَرْمِي بِالْعَرَّادَاتِ، وَيُعَشِّرُ أَمْوَالَ التُّجَّارِ، فَشَكَا النَّاسُ مِنْهُ إِلَى طَاهِرٍ، فَنَزَلَ هَرْثَمَةُ نَهْرَبَيْنَ، وَعَمِلَ عَلَيْهِ خَنْدَقًا وَسُورًا، وَنَزَلَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَضَّاحِ بِالشَّمَّاسِيَّةِ، وَنَزَلَ طَاهِرٌ الْبُسْتَانَ الَّذِي بِبَابِ الْأَنْبَارِ. فَلَمَّا نَزَلَهُ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْأَمِينِ، وَتَفَرَّقَ مَا كَانَ بِيَدِهِ مِنَ الْأَمْوَالِ، فَأَمَرَ بِبَيْعِ مَا فِي الْخَزَائِنِ مِنَ الْأَمْتِعَةِ، وَضَرَبَ آنِيَةَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِيُفَرِّقَهَا فِي أَصْحَابِهِ، وَأَمَرَ بِإِحْرَاقِ الْحَرْبِيَّةِ، فَرُمِيَتْ بِالنِّفْطِ وَالنِّيرَانِ وَقُتِلَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ. وَاسْتَأْمَنَ إِلَى طَاهِرٍ سَعِيدُ بْنُ مَالِكِ بْنِ قَادِمٍ، فَوَلَّاهُ الْأَسْوَاقَ وَشَاطِئَ دِجْلَةَ وَمَا اتَّصَلَ بِهِ، وَأَمَرَهُ بِحَفْرِ الْخَنَادِقِ، وَبِنَاءِ الْحِيطَانِ فِي كُلِّ مَا غَلَبَ عَلَيْهِ مِنَ الدُّرُوبِ، وَأَمَدَّهُ بِالْأَمْوَالِ وَالرِّجَالِ، فَكَثُرَ الْخَرَابُ بِبَغْدَاذَ وَالْهَدْمُ، فَدَرَسَتِ الْمَنَازِلُ. وَوَكَّلَ الْأَمِينُ عَلِيًّا افْرَاهَمَرْدَ بِقَصْرِصَالِحٍ، وَقَصْرِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمَنْصُورِ إِلَى دِجْلَةَ، فَأَلَحَّ فِي إِحْرَاقِ الدُّورِ وَالدُّرُوبِ، وَالرَّمْيِ بِالْمَجَانِيقِ، وَفَعَلَ طَاهِرٌ مِثْلَ ذَلِكَ،

стр. 2803

فَأَرْسَلَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْبَاضِ مِنْ طَرِيقِ الْأَنْبَارِ وَبَابِ الْكُوفَةِ وَمَا يَلِيهَا، فَكُلَّمَا أَجَابَهُ أَهْلُ نَاحِيَةٍ خَنْدَقَ عَلَيْهِمْ، وَمَنْ أَبَى إِجَابَتَهُ قَاتَلَهُ، وَأَحْرَقَ مَنْزِلَهُ، وَوَحِشَتْ بَغْدَاذُ وَخَرِبَتْ، فَقَالَ حُسَيْنٌ الْخَلِيعُ: أَتُسْرِعُ الرِّحْلَةَ إِغْذَاذًا ... عَنْ جَانِبَيْ بَغْدَاذَ أَمْ مَاذَا ؟ أَمَا تَرَى الْفِتْنَةَ قَدْ أُلِّفَتْ إِلَى أُولِي الْفِتْنَةِ شُذَّاذَا ... وَانْتَفَضَتْ بَغْدَاذُ عُمْرَانُهَا عَنْ رَأْيِ لَا ذَاكَ وَلَا هَذَا ... هَدْمًا وَحَرْقًا قَدْ أَبَادَ أَهْ لَهَا عُقُوبَةٌ لَاذَتْ بِمَنْ لَاذَا ... مَا أَحْسَنَ الْحَالَاتِ إِنْ لَمْ تَعُدْ بَغْدَاذُ فِي الْقِلَّةِ بَغْدَاذَا وَسَمَّى طَاهِرٌ الْأَرْبَاضَ الَّتِي خَالَفَهُ أَهْلُهَا، وَمَدِينَةَ الْمَنْصُورِ، وَأَسْوَاقَ الْكَرْخِ وَالْخُلْدِ - دَارَ النَّكْثِ، وَقَبَضَ ضِيَاعَ مَنْ لَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِ مَنْ بَنِي هَاشِمٍ وَالْقُوَّادِ وَغَيْرِهِمْ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ، فَذُلُّوا وَانْكَسَرُوا، وَذُلَّ الْأَجْنَادُ، وَضَعُفُوا عَنِ الْقِتَالِ، إِلَّا بَاعَةَ الطَّرِيقِ، وَالْعُرَاةَ، وَأَهْلَ السُّجُونِ، وَالْأَوْبَاشَ، وَالطَّرَّارِينَ، وَأَهْلَ السُّوقِ، فَكَانُوا يَنْهَبُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ. وَكَانَ طَاهِرٌ لَا يَفْتُرُ فِي قِتَالِهِمْ، فَاسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ افْرَاهَمَرَدْ، الْمُوَكَّلُ بِقَصْرِ صَالِحٍ، فَأَمَّنَهُ وَسَيَّرَ إِلَيْهِ جُنْدًا كَثِيفًا، فَسَلَّمَ إِلَيْهِ مَا كَانَ بِيَدِهِ مِنْ تِلْكَ النَّاحِيَةِ، فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَاسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، صَاحِبُ شُرْطَةِ الْأَمِينِ، وَكَانَ مُجِدًّا فِي نُصْرَةِ الْأَمِينِ، فَلَمَّا اسْتَأْمَنَ هَذَانِ إِلَى طَاهِرٍ أَشْفَى الْأَمِينُ عَلَى الْهَلَاكِ، وَأَقْبَلَتِ الْغُوَاةُ مِنَ الْعَيَّارِينَ وَبَاعَةِ الطَّرِيقِ، وَالْأَجْنَادِ، فَاقْتَتَلُوا دَاخِلَ قَصْرِ صَالِحٍ قِتَالًا عَظِيمًا، قُتِلَ فِيهِ مِنْ أَصْحَابِ طَاهِرٍ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ، وَمِنْ قُوَّادِهِ جَمَاعَةٌ، وَلَمْ تَكُنْ وَقْعَةٌ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا أَشَدُّ عَلَى طَاهِرٍ مِنْهَا.

стр. 2804

ثُمَّ إِنَّ طَاهِرًا كَاتَبَ الْقُوَّادَ الْهَاشِمِيِّينَ وَغَيْرَهُمْ، بَعْدَ أَنْ أَخَذَ ضِيَاعَهُمْ، وَدَعَاهُمْ إِلَى الْأَمَانِ وَالْبَيْعَةِ لِلْمَأْمُونِ، فَأَجَابَهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ قَحْطَبَةَ وَإِخْوَتُهُ، وَوَلَدُ الْحَسَنِ بْنِ قَحْطَبَةَ، وَيَحْيَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَاهَانَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْعَبَّاسِ الطَّائِيُّ. وَكَاتَبَهُ غَيْرُهُمْ وَصَارَتْ قُلُوبُهُمْ مَعَهُ. وَأَقْبَلَ الْأَمِينُ بَعْدَ وَقْعَةِ قَصْرِ صَالِحٍ عَلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَوَكَّلَ الْأَمْرَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ نَهِيكٍ، وَإِلَى الْهَرْشِ، فَكَانَ مَنْ مَعَهُمَا مِنَ الْغَوْغَاءِ وَالْفُسَّاقِ يَسْلُبُونَ مَنْ قَدَرُوا عَلَيْهِ، وَكَانَ مِنْهُمْ مَا لَمْ يَبْلُغْنَا مِثْلُهُ. فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ بِالنَّاسِ خَرَجَ عَنْ بَغْدَاذَ مَنْ كَانَتْ بِهِ قُوَّةٌ، وَكَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا خَرَجَ أَمِنَ عَلَى مَالِهِ وَنَفْسِهِ، وَكَانَ مَثَلُهُمْ كَمَا قَالَ اللَّهُ: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣] . وَخَرَجَ عَنْهَا قَوْمٌ بِعِلَّةِ الْحَجِّ، فَفِي ذَلِكَ يَقُولُ شَاعِرُهُمْ: أَظْهَرُوا الْحَجَّ وَمَا يَنْوُونَهُ ... بَلْ مِنَ الْهَرْشِ يُرِيدُونَ الْهَرَبْ كَمْ أُنَاسٍ أَصْبَحُوا فِي غِبْطَةٍ ... وُكِّلَ الْهَرْشُ عَلَيْهِمْ بِالْعَطَبْ وَقَالَ بَعْضُ فِتْيَانِ بَغْدَاذَ: بَكَيْتُ دَمًا عَلَى بَغْدَاذَ لَمَّا ... فَقَدْتُ غَضَارَةَ الْعَيْشِ الْأَنِيقِ تَبَدَّلْنَا هُمُومًا مِنْ سُرُورٍ ... وَمِنْ سَعَةٍ تَبَدَّلْنَا بِضِيقِ أَصَابَتْنَا مِنَ الْحُسَّادِ عَيْنٌ ... فَأَفْنَتْ أَهْلَهَا بِالْمَنْجَنِيقِ

стр. 2805

فَقَوْمٌ أُحْرِقُوا بِالنَّارِ قَسْرًا وَنَائِحَةٌ تَنُوحُ عَلَى غَرِيقِ ... وَصَائِحَةٌ تُنَادِي: وَاصَبَاحَا وَبَاكِيَةٌ لِفِقْدَانِ الشَّقِيقِ ... وَحَوْرَاءُ الْمَدَامِعِ ذَاتُ دَلٍّ مُضَمَّخَةُ الْمَجَاسِدِ بِالْخَلُوقِ ... تَفِرُّ مِنَ الْحَرِيقِ إِلَى انْتِهَابٍ وَوَالِدُهَا يَفِرُّ إِلَى الْحَرِيقِ ... وَسَالِبَةُ الْغَزَالَةِ مُقْلَتَيْهَا مَضَاحِكُهَا كَلَأْلَاءِ الْبُرُوقِ ... حَيَارَى هَكَذَا وَمُفَكِّرَاتٍ عَلَيْهِنَّ الْقَلَائِدُ فِي الْحُلُوقِ ... يُنَادِينَ الشَّفِيقَ وَلَا شَفِيقٌ وَقَدْ فُقِدَ الشَّقِيقُ مِنَ الشَّقِيقِ ... وَمُغْتَرِبٌ قَرِيبُ الدَّارِ مُلْقًى بِلَا رَأْسٍ بِقَارِعَةِ الطَّرِيقِ ... تَوَسَّطَ مِنْ قِتَالِهِمُ جَمِيعًا فَمَا يَدْرُونَ مِنْ أَيِّ الْفَرِيقِ ... فَمَا وَلَدٌ يُقِيمُ عَلَى أَبِيهِ وَقَدْ فَرَّ الصَّدِيقُ عَنِ الصَّدِيقِ ... وَمَهْمَا أَنْسَ مِنْ شَيْءٍ تَوَلَّى فَإِنِّي ذَاكِرٌ دَارَ الرَّقِيقِ وَقَالَ الْخَرِيمِيُّ قَصِيدَةً طَوِيلَةً نَحْوَ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ بَيْتًا، أَتَى فِيهَا عَلَى جَمِيعِ

стр. 2806

الْحَوَادِثِ بِبَغْدَاذَ، فِي هَذِهِ الْحَرْبِ، تَرَكْتُهَا لِطُولِهَا. وَذُكِرَ أَنَّ قَائِدًا مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ، مِنْ أَصْحَابِ طَاهِرٍ، مِنْ أَهْلِ النَّجْدَةِ وَالْبَأْسِ، خَرَجَ يَوْمًا إِلَى الْقِتَالِ، فَنَظَرَ إِلَى قَوْمٍ عُرَاةٍ لَا سِلَاحَ مَعَهُمْ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: مَا يُقَاتِلُنَا إِلَّا مَنْ نَرَى اسْتِهَانَةً بِأَمْرِهِمْ، وَاحْتِقَارًا لَهُمْ. فَقِيلَ لَهُ: نَعَمْ! هَؤُلَاءِ هُمُ الْآفَةُ. فَقَالَ لَهُمْ: أُفٍّ لَكُمْ حِينَ تَنْهَزِمُونَ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَأَنْتُمْ فِي السِّلَاحِ وَالْعُدَّةِ وَالْقُوَّةِ، وَفِيكُمُ الشَّجَاعَةُ، وَمَا عَسَى يَبْلُغُ كَيَدُ هَؤُلَاءِ وَلَا سِلَاحَ مَعَهُمْ، وَلَا جُنَّةَ تَقِيهِمْ! وَتَقَدَّمَ إِلَى بَعْضِهِمْ، وَفِي يَدَيْهِ بَارِيِّةٌ مُقَيَّرَةٌ، وَتَحْتَ إِبِطِهِ مِخْلَاةٌ فِيهَا حِجَارَةٌ، فَجَعَلَ الْخُرَاسَانِيُّ كُلَّمَا رَمَى بِسَهْمٍ اسْتَتَرَ مِنْهُ الْعَيَّارُ فَوَقَعَ فِي بَارِيَّتِهِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا، فَيَأْخُذُهُ وَيَتْرُكُهُ مَعَهُ، وَصَاحَ: دَانِقٌ، أَيْ ثَمَنُ النُّشَّابَةِ دَانِقٌ قَدْ أَحْرَزَهُ، فَلَمْ يَزَالَا كَذَلِكَ حَتَّى فَنِيَتْ سِهَامُ الْخُرَاسَانِيِّ، ثُمَّ حَمَلَ عَلَيْهِ الْعَيَّارُ، وَرَمَى بِحَجَرٍ مِنْ مِخْلَاتِهِ فِي مِقْلَاعٍ، فَمَا أَخْطَأَ عَيْنَهُ، ثُمَّ آخَرَ، فَكَادَ يَصْرَعُهُ، فَانْهَزَمَ وَهُوَ يَقُولُ: لَيْسَ هَؤُلَاءِ بِنَاسٍ. فَلَمَّا سَمِعَ طَاهِرٌ خَبَرَهُ ضَحِكَ مِنْهُ. فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَى طَاهِرٍ، وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي قَصْرِ صَالِحٍ مَنْ قُتِلَ، أَمَرَ بِالْهَدْمِ وَالْإِحْرَاقِ، فَهَدَمَ دُورَ مَنْ خَالَفَهُ مِنْ بَيْنِ دِجْلَةَ وَدَارِ الرَّقِيقِ، وَبَابِ الشَّامِ، وَبَابِ الْكُوفَةِ، إِلَى الصَّرَاةِ وَرَبَضِ حُمَيْدٍ، وَنَهَرِ كَرْخَايَا، فَكَانَ أَصْحَابُهُ إِذَا هَدَمُوا دَارًا أَخَذَ أَصْحَابُ الْأَمِينِ أَبْوَابَهَا وَسُقُوفَهَا، فَيَكُونُونَ أَشَدَّ عَلَى أَهْلِهَا، فَقَالَ شَاعِرٌ مِنْهُمْ: لَنَا كُلَّ يَوْمٍ ثُلْمَةٌ لَا نَسُدُّهَا ... يَزِيدُونَ فِيمَا يَطْلُبُونَ وَنَنْقُصُ إِذَا هَدَمُوا دَارًا أَخَذْنَا سُقُوفَهَا ... وَنَحْنُ لِأُخْرَى غَيْرِهَا نَتَرَبَّصُ فَإِنْ حَرَصُوا يَوْمًا عَلَى الشَّرِّ جَهْدَهُمْ ... فَغَوْغَاؤُنَا مِنْهُمْ عَلَى الشَّرِّ أَحْرَصُ

стр. 2807

فَقَدْ ضَيَّقُوا مِنْ أَرْضِنَا كُلَّ وَاسِعٍ ... وَصَارَ لَهُمْ أَهْلٌ بِهَا وَتَعَرُّصُ يُثِيرُونَ بِالطَّبْلِ الْقَنِيصَ، فَإِنْ بَدَا ... لَهُمْ وَجْهُ صَيْدٍ مِنْ قَرِيبٍ تَقَنَّصُوا لَقَدْ أَفْسَدُوا شَرْقَ الْبِلَادِ وَغَرْبَهَا ... عَلَيْنَا فَمَا نَدْرِي إِلَى أَيْنَ نَشْخَصُ إِذَا حَضَرُوا قَالُوا بِمَا يَعْرِفُونَهُ ... وَإِنْ لَمْ يَرَوْا شَيْئًا قَبِيحًا تَخَرَّصُوا وَمَا قَتَلَ الْأَبْطَالَ مِثْلُ مُجَرَّبٍ ... رَسُولِ الْمَنَايَا لَيْلَهُ يَتَلَصَّصُ فِي أَبْيَاتٍ غَيْرِهَا. فَلَمَّا رَأَى طَاهِرٌ أَنَّ جَمِيعَهُ لَا يَحْفَلُونَ بِهِ، أَمَرَ بِمَنْعِ التُّجَّارِ عَنْهُمْ، وَمَنْعِ مَنْ حَمَلَ الْأَقْوَاتَ وَغَيْرَهَا، وَشَدَّدَ فِي ذَلِكَ، وَصَرَفَ السُّفُنَ الَّتِي يُحْمَلُ فِيهَا إِلَى الْفُرَاتِ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَغَلَتِ الْأَسْعَارُ، وَصَارُوا فِي أَشَدِّ حِصَارٍ، فَأَمَرَ الْأَمِينُ بِبَيْعِ الْأَمْوَالِ وَأَخْذِهَا، وَوَكَّلَ بِهَا بَعْضَ أَصْحَابِهِ، فَكَانَ يَهْجُمُ عَلَى النَّاسِ فِي مَنَازِلِهِمْ لَيْلًا وَنَهَارًا، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ، وَأُخِذُوا بِالتُّهْمَةِ وَالظِّنَّةِ. ثُمَّ كَانَ بَيْنَهُمْ وَقْعَةٌ بِدَرْبِ الْحِجَارَةِ، قُتِلَ فِيهَا مِنْ أَصْحَابِ طَاهِرٍ خَلْقٌ كَثِيرٌ. وَوَقْعَةٌ بِالشَّمَّاسِيَّةِ خَرَجَ فِيهَا حَاتِمُ بْنُ الصَّقْرِ فِي الْعَيَّارِينَ وَغَيْرِهِمْ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْوَضَّاحِ، فَأَوْقَعُوا بِهِ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، فَانْهَزَمَ عَنْهُمْ، وَغَلَبُوهُ عَلَى الشَّمَّاسِيَّةِ، فَأَتَاهُ هَرْثَمَةُ يُعِينُهُ، فَأَسَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ الْأَمِينِ وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ، فَقَاتَلَ عَلَيْهِ بَعْضَ أَصْحَابِهِ حَتَّى خَلَّصَهُ، وَانْهَزَمَ أَصْحَابُ هَرْثَمَةَ فَلَمْ يَرْجِعُوا يَوْمَيْنِ. فَلَمَّا بَلَغَ طَاهِرًا مَا صَنَعُوا عَقَدَ جِسْرًا فَوْقَ الشَّمَّاسِيَّةِ، وَعَبَرَ أَصْحَابُهُ إِلَيْهِمْ، فَقَاتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ، حَتَّى رَدُّوا أَصْحَابَ الْأَمِينِ، وَأَعَادَ أَصْحَابَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْوَضَّاحِ إِلَى مَرَاكِزِهِمْ، وَأَحْرَقَ مَنَازِلَ الْأَمِينِ بِالْخَيْزُرَانِيَّةِ، وَكَانَتِ النَّفَقَةُ عَلَيْهَا بَلَغَتْ عِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَقُتِلَ مِنَ الْعَيَّارِينَ كَثِيرٌ، فَضَعُفَ أَمْرُ الْأَمِينِ، فَأَيْقَنَ بِالْهَلَاكِ.

стр. 2808

وَهَرَبَ مِنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمِ بْنِ خُزَيْمَةَ إِلَى الْمَدَائِنِ، خَوْفًا مِنَ الْأَمِينِ، لِأَنَّهُ اتَّهَمَهُ، وَتَحَامَلَ عَلَيْهِ السَّفِلَةُ وَالْغَوْغَاءُ، فَأَقَامَ بِهَا، وَقِيلَ: بَلْ كَاتَبَهُ طَاهِرٌ، وَحَذَّرَهُ قَبْضَ ضِيَاعِهِ وَأَمْوَالِهِ. ثُمَّ إِنَّ الْهَرْشَ خَرَجَ وَمَعَهُ لَفِيفَةٌ وَجَمَاعَةٌ إِلَى جَزِيرَةِ الْعَبَّاسِ، وَكَانَتْ نَاحِيَةً لَمْ يُقَاتَلْ فِيهَا، فَخَرَجَ إِلَيْهِ بَعْضُ أَصْحَابِ طَاهِرٍ، فَقَاتَلُوهُ، فَقَوِيَ عَلَيْهِمْ، فَأَمَدَّهُمْ طَاهِرٌ بِجُنْدٍ آخَرَ، فَأَوْقَعُوا بِالْهَرْشِ وَأَصْحَابِهِ وَقْعَةً شَدِيدَةً، فَغَرِقَ مِنْهُمْ بَشَرٌ كَثِيرٌ. وَضَجِرَ الْأَمِينُ وَخَافَ حَتَّى قَالَ يَوْمًا: وَدِدْتُ أَنَّ اللَّهَ قَتَلَ الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا فَأَرَاحَ النَّاسَ مِنْهُمْ، فَمَا مِنْهُمْ إِلَّا عَدُوٌّ لِي، أَمَّا هَؤُلَاءِ فَيُرِيدُونَ مَالِي، وَأَمَّا أُولَئِكَ فَيُرِيدُونَ نَفْسِي. وَضَعُفَ أَمْرُهُ، وَانْتَشَرَ جُنْدُهُ، وَأَيْقَنَ بِظَفَرِ طَاهِرٍ بِهِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ الْعَبَّاسُ بْنُ مُوسَى بْنِ عِيسَى، بِتَوْجِيهِ طَاهِرٍ إِيَّاهُ عَلَى الْمَوْسِمِ بِأَمْرِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمَأْمُونِ. وَفِيهَا سَارَ الْمُؤْتَمَنُ بْنُ الرَّشِيدِ، وَمَنْصُورُ بْنُ الْمَهْدِيِّ إِلَى الْمَأْمُونِ بِخُرَاسَانَ، فَوَجَّهَ الْمَأْمُونُ أَخَاهُ الْمُؤْتَمَنَ إِلَى جُرْجَانَ. (وَفِيهَا كَانَ بِالْأَنْدَلُسِ غَلَاءٌ شَدِيدٌ، وَكَانَ النَّاسُ يَطْوُونَ الْأَيَّامَ، وَيَتَعَلَّلُونَ بِمَا يَضْبُطُ النَّفْسَ) . [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ الرُّؤَاسِيُّ بِفَيْدَ، وَقَدْ عَادَ مِنَ الْحَجِّ. وَبَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ الْحِمْصِيُّ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَةٍ. وَمُحَمَّدُ بْنُ مَلِيحِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْأَسْلَمِيُّ. وَمُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ أَبُو الْمُثَنَّى الْعَنْبَرِيُّ، وَلَهُ سَبْعٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً.

стр. 2809

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ] ١٩٨ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ طَاهِرٍ عَلَى بَغْدَاذَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ لَحِقَ خُزَيْمَةُ بْنُ خَازِمٍ بِطَاهِرٍ، وَفَارَقَ الْأَمِينَ، وَدَخَلَ هَرْثَمَةُ إِلَى الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ. وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّ طَاهِرًا أَرْسَلَ إِلَى خُزَيْمَةَ أَنِ انْفَصَلَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَكَ [أَثَرٌ] فِي نُصْرَتِي، أَلَا أَقْصِرْ فِي أَمْرِكَ! فَأَجَابَهُ بِالطَّاعَةِ وَقَالَ لَهُ: لَوْ كُنْتَ أَنْتَ النَّازِلَ الْجَانِبَ الشَّرْقِيَّ فِي مَكَانِ هَرْثَمَةَ لَحَمَلَ نَفْسَهُ إِلَيْهِ. وَأَخْبَرَهُ قِلَّةَ ثِقَتِهِ بِهَرْثَمَةَ، إِلَّا أَنْ يَضْمَنَ لَهُ الْقِيَامَ دُونَهُ لِخَوْفِهِ مِنَ الْعَامَّةِ. فَكَتَبَ طَاهِرٌ إِلَى هَرْثَمَةَ يُعَجِّزُهُ وَيَلُومُهُ، وَيَقُولُ: جَمَعْتَ الْأَجْنَادَ، وَأَتْلَفْتَ الْأَمْوَالَ، وَقَدْ وَقَفْتَ وُقُوفَ الْمُحْجِمِ عَمَّنْ بِإِزَائِكَ، فَاسْتَعِدَّ لِلدُّخُولِ إِلَيْهِمْ، فَقَدْ أَحْكَمْتُ الْأَمْرَ عَلَى دَفْعِ الْعَسْكَرِ، وَقَطْعِ الْجُسُورِ، وَأَرْجُو أَنْ لَا يَخْتَلِفَ عَلَيْكَ اثْنَانِ. فَأَجَابَهُ هَرْثَمَةُ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَكَتَبَ طَاهِرٌ إِلَى خُزَيْمَةَ بِذَلِكَ، وَكَتَبَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الْأَرْبِعَاءِ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ، وَثَبَ خُزَيْمَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى عَلَى جِسْرِ دِجْلَةَ فَقَطَعَاهُ، وَخَلَعَا مُحَمَّدًا الْأَمِينَ، وَسَكَنَ أَهْلُ عَسْكَرِ الْمَهْدِيِّ، وَلَمْ يَدْخُلْ هَرْثَمَةُ حَتَّى مَضَى إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنَ الْقُوَّادِ وَحَلَفُوا لَهُ أَنَّهُ لَا يَرَى مِنْهُمْ مَكْرُوهًا، فَدَخَلَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ الْحُسَيْنُ الْخَلِيعُ فِي ذَلِكَ: عَلَيْنَا جَمِيعًا مِنْ خُزَيْمَةَ مِنَّةٌ ... بِهَا أَخْمَدَ الرَّحْمَنُ نَائِرَةَ الْحَرْبِ تَوَلَّى أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ بِنَفْسِهِ ... فَذَبَّ وَحَامَى عَنْهُمُ أَشْرَفَ الذَّبِّ وَلَوْلَا أَبُو الْعَبَّاسِ مَا انْفَكَّ دَهْرُنَا ... يَبِيتُ عَلَى عَتْبٍ وَيَغْدُو عَلَى عَتْبِ

стр. 2810

خُزَيْمَةُ لَمْ يُذْكَرْ لَهُ مِثْلُ هَذِهِ إِذِ اضْطَرَبَتْ شَرْقُ الْبِلَادِ مَعَ الْغَرْبِ ... أَنَاخَ بِجِسْرَيْ دِجْلَةَ الْقَطْعَ وَالْقَنَا شَوَارِعُ وَالْأَرْوَاحُ فِي رَاحَةِ الْعَضْبِ وَهِيَ عِدَّةُ أَبْيَاتٍ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ تَقَدَّمَ طَاهِرٌ إِلَى الْمَدِينَةِ وَالْكَرْخِ، فَقَاتَلَ هُنَاكَ قِتَالًا شَدِيدًا، فَهَزَمَ النَّاسَ حَتَّى أَلْحَقَهُمْ بِالْكَرْخِ، وَقَاتَلَهُمْ فِيهِ فَهَزَمَهُمْ، فَمَرُّوا لَا يَلْوُونَ عَلَى شَيْءٍ، فَدَخَلَهَا طَاهِرٌ بِالسَّيْفِ، وَأَمَرَ مُنَادِيَهُ فَنَادَى: مَنْ لَزِمَ بَيْتَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَوَضَعَ بِسُوقِ الْكَرْخِ وَقَصْرِ الْوَضَّاحِ جُنْدًا عَلَى قَدْرِ حَاجَتِهِ، وَقَصَدَ إِلَى مَدِينَةِ الْمَنْصُورِ وَأَحَاطَ بِهَا، وَبِقَصْرِ زُبَيْدَةَ، وَقَصْرِ الْخُلْدِ مِنْ بَابِ الْجِسْرِ إِلَى بَابِ خُرَاسَانَ، وَبَابِ الشَّامِ، وَبَابِ الْكُوفَةِ، وَبَابِ الْبَصْرَةِ، وَشَاطِئِ الصَّرَاةِ إِلَى مَصَبِّهَا فِي دِجْلَةَ. وَثَبَتَ عَلَى قِتَالِ طَاهِرٍ حَاتِمُ بْنُ الصَّقْرِ وَالْهَرْشُ، وَالْأَفَارِقَةُ، فَنَصَبَ الْمَجَانِيقَ بِإِزَاءِ قَصْرِ زُبَيْدَةَ، وَقَصْرِ الْخُلْدِ، وَأَخَذَ الْأَمِينُ أُمَّهُ وَأَوْلَادَهُ إِلَى مَدِينَةِ الْمَنْصُورِ، وَتَفَرَّقَ عَنْهُ عَامَّةُ جُنْدِهِ وَخِصْيَانِهِ وَجَوَارِيهِ فِي الطَّرِيقِ، لَا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَتَفَرَّقَ السِّفْلَةُ وَالْغَوْغَاءُ، وَتَحَصَّنَ مُحَمَّدٌ بِمَدِينَةِ الْمَنْصُورِ، وَحَصَرَهُ طَاهِرٌ وَأَخَذَ عَلَيْهِ الْأَبْوَابَ. وَبَلَغَ خَبَرُ هَذِهِ الْوَقْعَةِ عُمَرَ الْوَرَّاقَ، فَقَالَ لِمُخْبِرِهِ: نَاوِلْنِي قَدَحًا. ثُمَّ تَمَثَّلَ: خُذْهَا فَلِلْخَمْرَةِ أَسْمَاءٌ لَهَا دَوَاءٌ ... وَلَهَا دَاءُ يُصْلِحُهَا الْمَاءُ إِذَا أُصْفِقَتْ يَوْمًا وَقَدْ يُفْسِدُهَا الْمَاءُ ... وَقَائِلٍ كَانَتْ لَهُمْ وَقْعَةٌ فِي يَوْمِنَا هَذَا وَأَشْيَاءُ قَلْتُ لَهُ: أَنْتَ امْرُؤٌ جَاهِلٌ ... فِيكَ عَنِ الْخَيْرَاتِ إِبْطَاءُ اشْرَبْ وَدَعْنَا مِنْ أَحَادِيثِهِمْ ... يَصْطَلِحُ النَّاسُ إِذَا شَاءُوا

стр. 2811

وَحَكَى إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَهْدِيِّ أَنَّهُ كَانَ مَعَ الْأَمِينِ لَمَّا حَصَرَهُ طَاهِرٌ، قَالَ: فَخَرَجَ الْأَمِينُ ذَاتَ لَيْلَةٍ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَرَّجَ مِنَ الضِّيقِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، فَصَارَ إِلَى قَصْرٍ لَهُ بِنَاحِيَةِ الْخُلْدِ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيَّ فَحَضَرْتُ عِنْدَهُ، فَقَالَ: تَرَى طِيبَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وَحُسْنَ الْقَمَرِ فِي السَّمَاءِ، وَضَوْءَهُ فِي الْمَاءِ عَلَى شَاطِئِ دِجْلَةَ، فَهَلْ لَكَ فِي الشُّرْبِ؟ فَقُلْتُ: شَأْنَكَ. فَشَرِبَ رِطْلًا، وَسَقَانِي آخَرَ، ثُمَّ غَنَّيْتُهُ مَا كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ يُحِبُّهُ، فَقَالَ لِي: مَا تَقُولُ فِيمَنْ يَضْرِبُ عَلَيْكَ؟ فَقُلْتُ: مَا أَحْوَجَنِي إِلَيْهِ! فَدَعَا بِجَارِيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ عِنْدَهُ، اسْمُهَا ضَعْفُ، فَتَطَيَّرْتُ مِنِ اسْمِهَا وَنَحْنُ فِي تِلْكَ الْحَالِ، فَقَالَ لَهَا: غَنِّي. فَغَنَّتْ بِشِعْرِ الْجَعْدِيِّ: كُلَيْبٌ لَعَمْرِي كَانَ أَكْثَرَ نَاصِرًا ... وَأَيْسَرَ جُرْمًا مِنْكَ ضُرِّجَ بِالدَّمِ فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَتَطَيَّرَ مِنْهُ، وَقَالَ: غَنِّي غَيْرَ ذَلِكَ. فَغَنَّتْ: أَبْكَى فِرَاقُهُمْ عَيْنِي فَأَرَّقَهَا ... إِنَّ التَّفَرُّقَ لِلْأَحْبَابِ بَكَّاءُ مَا زَالَ يَعْدُو عَلَيْهِمْ رَيْبُ دَهْرِهِمُ ... حَتَّى تَفَانَوْا وَرَيْبُ الدَّهْرِ عَدَّاءُ فَقَالَ لَهَا: لَعَنَكِ اللَّهُ! أَمَا تَعْرِفِينَ مِنَ الْغِنَاءِ غَيْرَ هَذَا؟ فَقَالَتْ: مَا تَغَنَّيْتُ إِلَّا بِمَا ظَنَنْتُ أَنَّكَ تُحِبُّهُ! ثُمَّ غَنَّتْ آخَرَ: أَمَا وَرَبِّ السُّكُونِ وَالْحَرَكِ ... إِنَّ الْمَنَايَا كَثِيرَةُ الشَّرَكِ مَا اخْتَلَفَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَلَا ... دَارَتْ نُجُومُ السَّمَاءِ فِي الْفَلَكِ إِلَّا لِنَقْلِ النَّعِيمِ مِنْ مَلِكٍ ... قَدْ زَالَ سُلْطَانُهُ إِلَى مَلِكِ

стр. 2812

وَمُلْكُ ذِي الْعَرْشِ دَائِمٌ أَبَدًا لَيْسَ بِفَانٍ وَلَا بِمُشْتَرِكِ فَقَالَ لَهَا: قُومِي، غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْكِ وَلَعَنَكِ! [قَالَ] : فَقَامَتْ، وَكَانَ لَهُ قَدَحٌ مِنْ بَلُّورٍ، حَسَنُ الصَّنْعَةِ، كَانَ يُسَمِّيهِ " زَبَّ رُيَاحَ "، وَكَانَ مَوْضُوعًا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَعَثَرَتِ الْجَارِيَةُ بِهِ فَكَسَرَتْهُ، فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا إِبْرَاهِيمُ! مَا تَرَى مَا جَاءَتْ بِهِ هَذِهِ الْجَارِيَةُ، ثُمَّ مَا كَانَ مِنْ كَسْرِ الْقَدَحِ؟ وَاللَّهِ مَا أَظُنُّ أَمْرِي إِلَّا وَقَدْ قَرُبَ! فَقُلْتُ: يُدِيمُ اللَّهُ مُلْكَكَ، وَيُعِزُّ سُلْطَانَكَ، وَيَكْبِتُ عَدُوَّكَ! فَمَا اسْتَتَمَّ الْكَلَامَ حَتَّى سَمِعْنَا صَوْتًا: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: ٤١] . فَقَالَ: يَا إِبْرَاهِيمُ! أَمَا سَمِعْتَ مَا سَمِعْتُ؟ قُلْتُ: مَا سَمِعْتُ شَيْئًا - وَكُنْتُ قَدْ سَمِعْتُ -. قَالَ: تَسْمَعُ حِسًّا. فَدَنَوْتُ مِنَ الشَّطِّ، فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، ثُمَّ عَاوَدْنَا الْحَدِيثَ، فَعَادَ الصَّوْتُ بِمِثْلِهِ، فَقَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ مُغْتَمًّا إِلَى مَجْلِسِهِ بِالْمَدِينَةِ، فَمَا مَضَى إِلَّا لَيْلَةٌ أَوْ لَيْلَتَانِ حَتَّى قُتِلَ. ذِكْرُ قَتْلِ الْأَمِينِ لَمَّا دَخَلَ مُحَمَّدٌ إِلَى مَدِينَةِ الْمَنْصُورِ، وَاسْتَوْلَى طَاهِرٌ عَلَى أَسْوَاقِ الْكَرْخِ وَغَيْرِهَا، كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَرَّ بِالْمَدِينَةِ - عَلِمَ قُوَّادُهُ وَأَصْحَابُهُ أَنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ فِيهَا عُدَّةُ الْحَصْرِ، وَخَافُوا أَنْ يَظْفَرَ بِهِمْ طَاهِرٌ، فَأَتَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ الصَّقْرِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَغْلَبِ الْإِفْرِيقِيُّ، وَغَيْرُهُمَا، فَقَالُوا: قَدْ آلَتْ حَالُنَا إِلَى مَا تَرَى، وَقَدْ رَأَيْنَا رَأْيًا نَعْرِضُهُ عَلَيْكَ، فَانْظُرْ فِيهِ وَاعْتَزِمْ عَلَيْهِ، فَإِنَّا نَرْجُو أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ الْخَيْرَةَ.

стр. 2813

قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالُوا: قَدْ تَفَرَّقَ عَنْكَ النَّاسُ، وَأَحَاطَ بِكَ عَدُوُّكَ، وَقَدْ بَقِيَ مَعَكَ مِنْ خَيْلِكَ سَبْعَةُ آلَافِ فَرَسٍ مِنْ خِيَارِهَا، فَنَرَى أَنْ تَخْتَارَ مِمَّنْ عَرَفْنَاهُ بِمَحَبَّتِكَ مِنَ الْأَبْنَاءِ سَبْعَةَ آلَافٍ، فَتَحْمِلَهُمْ عَلَى هَذِهِ الْخَيْلِ، وَتَخْرُجَ لَيْلًا عَلَى بَابٍ مِنْ هَذِهِ الْأَبْوَابِ، فَإِنَّ اللَّيْلَ لِأَهْلِهِ، وَلَنْ يَثْبُتَ لَنَا أَحَدٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - فَنَخْرُجُ حَتَّى نَلْحَقَ بِالْجَزِيرَةِ وَالشَّامِ، فَنَفْرِضُ الْفُرُوضَ، وَنَجْبِي الْخَرَاجَ، وَنَصِيرُ فِي مَمْلَكَةٍ وَاسِعَةٍ وَمُلْكٍ جَدِيدٍ، فَيُسَارِعُ إِلَيْكَ النَّاسُ، وَيَنْقَطِعُ عَنْ طَلَبِكَ الْجُنْدُ، وَيُحْدِثُ اللَّهُ أُمُورًا. فَقَالَ لَهُمْ: نِعْمَ مَا رَأَيْتُمْ! وَعَزَمَ عَلَى ذَلِكَ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى طَاهِرٍ، فَكَتَبَ إِلَى سُلَيْمَانَ بْنِ الْمَنْصُورِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ نَهِيكٍ، وَالسِّنْدِيِّ بْنِ شَاهَكَ: وَاللَّهِ لَئِنْ لَمْ تَرُدُّوهُ عَنْ هَذَا الرَّأْيِ لَا تَرَكْتُ لَكُمْ ضَيْعَةً إِلَّا قَبْضْتُهَا، وَلَا يَكُونُ لِي هِمَّةٌ إِلَّا أَنْفُسَكُمْ. فَدَخَلُوا عَلَى الْأَمِينِ فَقَالُوا لَهُ: قَدْ بَلَغَنَا الَّذِي عَزَمْتَ عَلَيْهِ، فَنَحْنُ نُذَكِّرُكَ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ، إِنَّ هَؤُلَاءِ صَعَالِيكُ، وَقَدْ بَلَغَ بِهِمُ الْحِصَارُ إِلَى مَا تَرَى، فَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ لَا أَمَانَ لَهُمْ عِنْدَ أَخِيكَ، وَعِنْدَ طَاهِرٍ، لِجِدِّهِمْ فِي الْحَرْبِ، وَلَسْنَا نَأْمَنُ إِذَا خَرَجْتَ مَعَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوكَ أَسِيرًا، أَوْ يَأْخُذُوا رَأْسَكَ، فَيَتَقَرَّبُوا بِكَ وَيَجْعَلُوكَ سَبَبَ أَمَانِهِمْ. وَضَرَبُوا فِيهِ الْأَمْثَالَ، فَرَجَعَ إِلَى قَوْلِهِمْ، وَأَجَابَ إِلَى طَلَبِ الْأَمَانِ وَالْخُرُوجِ، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّمَا غَايَتُكَ السَّلَامَةُ، وَاللَّهْوُ، وَأَخُوكَ يَتْرُكُكَ حَيْثُ أَحْبَبْتَ، [وَيُفْرِدُكَ فِي مَوْضِعٍ] وَيَجْعَلُ لَكَ فِيهِ كُلَّ مَا يُصْلِحُكَ، وَكُلَّ مَا تُحِبُّ وَتَهْوَى، وَلَيْسَ عَلَيْكَ مِنْهُ بَأْسٌ وَلَا مَكْرُوهٌ. فَرَكَنَ إِلَى ذَلِكَ، وَأَجَابَ إِلَى الْخُرُوجِ إِلَى هَرْثَمَةَ بْنِ أَعْيَنَ. فَدَخَلَ عَلَيْهِ أُولَئِكَ النَّفَرُ الَّذِينَ أَشَارُوا بِقَصْدِ الشَّامِ، وَقَالُوا: إِذَا لَمْ تَقْبَلْ مَا أَشَرْنَا بِهِ عَلَيْكَ، وَهُوَ الصَّوَابُ، وَقَبِلْتَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُدَاهِنِينَ، فَالْخُرُوجُ إِلَى طَاهِرٍ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْخُرُوجِ إِلَى هَرْثَمَةَ، فَقَالَ: أَنَا أَكْرَهُ طَاهِرًا، لِأَنِّي رَأَيْتُ فِي مَنَامِي كَأَنِّي قَائِمٌ عَلَى حَائِطٍ مِنْ آجُرٍّ شَاهِقٍ فِي السَّمَاءِ، عَرِيضِ الْأَسَاسِ، لَمْ أَرَ مِثْلَهُ فِي الطُّولِ وَالْعَرْضِ، وَعَلَيَّ سَوَادِي، وَمِنْطَقِي، وَسَيْفِي، وَكَانَ طَاهِرٌ فِي أَصْلِ ذَلِكَ الْحَائِطِ، فَمَا زَالَ يَضْرِبُهُ حَتَّى سَقَطَ، وَسَقَطْتُ، وَطَارَتْ قَلَنْسُوَتِي عَنْ رَأْسِي، فَأَنَا أَتَطَيَّرُ مِنْهُ وَأَكْرَهُهُ، وَهَرْثَمَةُ مَوْلَانَا،

стр. 2814

وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ، وَأَنَا أَشَدُّ أُنْسًا بِهِ وَثِقَةً إِلَيْهِ. فَأَرْسَلَ يَطْلُبُ الْأَمَانَ، فَأَجَابَهُ هَرْثَمَةُ إِلَى ذَلِكَ، وَحَلَفَ لَهُ أَنَّهُ يُقَاتِلُ دُونَهُ إِنْ هَمَّ الْمَأْمُونُ بِقَتْلِهِ، فَلَمَّا عَلِمَ ذَلِكَ طَاهِرٌ اشْتَدَّ عَلَيْهِ، وَأَبَى أَنْ يَدَعَهُ يَخْرُجُ إِلَى هَرْثَمَةَ وَقَالَ: هُوَ فِي جُنْدِي وَالْجَانِبِ الَّذِي أَنَا فِيهِ، وَأَنَا أَحْرَجْتُهُ بِالْحِصَارِ حَتَّى طَلَبَ الْأَمَانَ،، فَلَا أَرْضَى أَنْ يَخْرُجَ إِلَى هَرْثَمَةَ، فَيَكُونَ لَهُ الْفَتْحُ دُونِي. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ هَرْثَمَةَ وَالْقُوَّادَ اجْتَمَعُوا فِي مَنْزِلِ خُزَيْمَةَ بْنِ خَازِمٍ، وَحَضَرَ طَاهِرٌ وَقُوَّادُهُ، وَحَضَرَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْمَنْصُورِ، وَالسِّنْدِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ نَهِيكٍ، وَأَدَارُوا الرَّأْيَ بَيْنَهُمْ، وَأَخْبَرُوا طَاهِرًا أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ إِلَيْهِ أَبَدًا، وَأَنَّهُ إِنْ لَمْ يُجَبْ إِلَى مَا سَأَلَ لَمْ يُؤْمَنْ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ مِثْلَهُ أَيَّامَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ. وَقَالُوا لَهُ: إِنَّهُ إِنْ يَخْرُجْ إِلَى هَرْثَمَةَ بِبَدَنِهِ، وَيَدْفَعْ إِلَيْكَ الْخَاتَمَ وَالْقَضِيبَ وَالْبُرْدَةَ، (وَذَلِكَ هُوَ الْخِلَافَةُ، فَاغْتَنِمْ هَذَا الْأَمْرَ وَلَا تُفْسِدْهُ! فَأَجَابَ إِلَى ذَلِكَ وَرَضِيَ بِهِ. ثُمَّ إِنَّ الْهَرْشَ لَمَّا عَلِمَ بِالْخَبَرِ أَرَادَ التَّقَرُّبَ إِلَى طَاهِرٍ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ الَّذِي جَرَى بَيْنَهُمْ مَكْرٌ، وَأَنَّ الْخَاتَمَ وَالْقَضِيبَ وَالْبُرْدَةَ تُحْمَلُ مَعَ الْأَمِينِ إِلَى هَرْثَمَةَ، فَاغْتَاظَ مِنْهُ، وَجَعَلَ حَوْلَ قَصْرِ أُمِّ الْأَمِينِ وَقُصُورِ الْخُلْدِ قَوْمًا مَعَهُمُ الْعَتَلُ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِمْ أَحَدٌ، فَلَمَّا تَهَيَّأَ الْأَمِينُ لِلْخُرُوجِ إِلَى هَرْثَمَةَ، عَطِشَ قَبْلَ خُرُوجِهِ عَطَشًا شَدِيدًا، فَطُلِبَ لَهُ فِي خِزَانَةِ الشَّرَابِ مَاءً، فَلَمْ يُوجَدْ، فَلَمَّا أَمْسَى لَيْلَةَ الْأَحَدِ، لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ مُحَرَّمٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، خَرَجَ بَعْدَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ إِلَى صَحْنِ الدَّارِ، وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ بِيضٌ، وَطَيْلَسَانٌ أَسْوَدُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ هَرْثَمَةُ: وَافَيْتُ لِلْمِيعَادِ) لِأَحْمِلَكَ، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ لَا تَخْرُجَ اللَّيْلَةَ، فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ عَلَى الشَّطِّ أَمْرًا قَدْ رَابَنِي، وَأَخَافُ أَنْ أُغْلَبَ وَتُؤْخَذَ مِنْ يَدِي، وَتَذْهَبَ نَفْسُكَ وَنَفْسِي، فَأَقِمِ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَسْتَعِدَّ وَآتِيَكَ اللَّيْلَةَ الْقَابِلَةَ، فَإِنْ حُورِبْتَ حَارَبْتُ دُونَكَ. فَقَالَ الْأَمِينُ لِلرَّسُولِ: ارْجِعْ إِلَيْهِ، وَقُلْ لَهُ لَا يَبْرَحُ، فَإِنِّي خَارِجٌ إِلَيْهِ السَّاعَةَ لَا مَحَالَةَ، وَلَسْتُ أُقِيمُ إِلَى غَدٍ. وَقَلِقَ وَقَالَ: قَدْ تَفَرَّقَ عَنِّي النَّاسُ مِنَ الْمَوَالِي وَالْحَرَسِ وَغَيْرِهِمْ، وَلَا آمَنُ إِنِ انْتَهَى الْخَبَرُ إِلَى طَاهِرٍ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيَّ فَيَأْخُذَنِي، ثُمَّ دَعَا بِابْنَيْهِ، فَضَمَّهُمَا إِلَيْهِ وَقَبَّلَهُمَا، وَبَكَى وَقَالَ: أَسْتَوْدِعُكُمَا اللَّهَ وَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ، فَمَسَحَ دُمُوعَهُ بِكُمِّهِ، ثُمَّ جَاءَ

стр. 2815

رَاكِبًا إِلَى الشَّطِّ، فَإِذَا حَرَّاقَةُ هَرْثَمَةَ، فَصَعِدَ إِلَيْهَا. فَذَكَرَ أَحْمَدُ بْنُ سَلَّامٍ صَاحِبُ الْمَظَالِمِ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ هَرْثَمَةَ فِي الْحَرَّاقَةِ، فَلَمَّا دَخَلَهَا الْأَمِينُ قُمْنَا لَهُ، وَجَثَا هَرْثَمَةُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ مِنْ نِقْرِسٍ بِهِ، ثُمَّ احْتَضَنَهُ وَضَمَّهُ إِلَيْهِ، وَجَعَلَهُ فِي حِجْرِهِ، وَجَعَلَ يُقَبِّلُ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَعَيْنَيْهِ، وَأَمَرَ هَرْثَمَةُ بِالْحَرَّاقَةِ أَنْ تُدْفَعَ، إِذْ شَدَّ عَلَيْنَا أَصْحَابُ طَاهِرٍ فِي الزَّوَارِيقِ، وَعَطْعَطُوا وَنَقَّبُوا الْحَرَّاقَةَ، وَرَمَوْهُمْ بِالْآجُرِّ وَالنُّشَّابِ، فَدَخَلَ الْمَاءُ إِلَى الْحَرَّاقَةِ، فَغَرِقَتْ، وَسَقَطَ هَرْثَمَةُ إِلَى الْمَاءِ وَسَقَطْنَا، فَتَعَلَّقَ الْمَلَّاحُ بِشَعْرِ هَرْثَمَةَ فَأَخْرَجَهُ، وَأَمَّا الْأَمِينُ فَإِنَّهُ لَمَّا سَقَطَ إِلَى الْمَاءِ شَقَّ ثِيَابَهُ وَخَرَجَ إِلَى الشَّطِّ، فَأَخَذَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ طَاهِرٍ، وَأَتَى بِي رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ طَاهِرٍ، وَأَعْلَمَهُ أَنِّي مِنَ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنَ الْحَرَّاقَةِ، فَسَأَلَنِي مَنْ أَنَا؟ فَقُلْتُ: أَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلَّامٍ، صَاحِبُ الْمَظَالِمِ، مَوْلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: كَذَبْتَ، فَاصْدُقْنِي! قُلْتُ: قَدْ صَدَقْتُكَ. قَالَ: فَمَا فَعَلَ الْمَخْلُوعُ؟ قُلْتُ: رَأَيْتُهُ وَقَدْ شَقَّ ثِيَابَهُ. فَرَكِبَ، وَأَخَذَنِي مَعَهُ أَعْدُو وَفِي عُنُقِي حَبْلٌ، فَعَجَزْتُ عَنِ الْعَدْوِ، فَأَمَرَ بِضَرْبِ عُنُقِي، فَاشْتَرَيْتُ نَفْسِي مِنْهُ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَتَرَكَنِي فِي بَيْتٍ، حَتَّى يَقْبِضَ الْمَالَ، وَفِي الْبَيْتِ بَوَارِيُّ وَحُصُرٌ مُدَرَّجَةٌ وَوِسَادَتَانِ. فَلَمَّا ذَهَبَ مِنَ اللَّيْلِ سَاعَةٌ، وَإِذْ قَدْ فَتَحُوا الْبَابَ، وَأَدْخَلُوا الْأَمِينَ وَهُوَ عُرْيَانُ، وَعَلَيْهِ سَرَاوِيلُ وَعِمَامَةٌ، وَعَلَى كَتِفِهِ خِرْقَةٌ خَلِقَةٌ، فَتَرَكُوهُ مَعِي، فَاسْتَرْجَعْتُ وَبَكَيْتُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِي، فَسَأَلَنِي عَنِ اسْمِي فَعَرَّفْتُهُ، فَقَالَ: ضُمَّنِي إِلَيْكَ، فَإِنِّي أَجِدُ وَحْشَةً شَدِيدَةً. قَالَ: فَضَمَمْتُهُ إِلَيَّ، وَإِذَا قَلْبُهُ يَخْفِقُ خَفْقًا شَدِيدًا، فَقَالَ: يَا أَحْمَدُ! مَا فَعَلَ أَخِي؟ قُلْتُ: حَيٌّ هُوَ. قَالَ: قَبَّحَ اللَّهُ بَرِيدَهُمْ، كَانَ يَقُولُ: قَدْ مَاتَ شِبْهُ الْمُعْتَذِرِ مِنْ مُحَارَبَتِهِ. فَقُلْتُ: بَلْ قَبَّحَ اللَّهُ وُزَرَاءَكَ. فَقَالَ: مَا تَرَاهُمْ يَصْنَعُونَ بِي، أَيَقْتُلُونَنِي أَمْ يَفُونَ لِي بِأَمَانِهِمْ؟ فَقُلْتُ: بَلْ يَفُونَ لَكَ. وَجَعَلَ يَضُمُّ الْخِرْقَةَ عَلَى كَتِفِهِ، فَنَزَعْتُ مُبَطَّنَةً كَانَتْ عَلَيَّ، وَقُلْتُ: أَلْقِ هَذِهِ عَلَيْكَ! فَقَالَ: دَعْنِي، فَهَذَا مِنَ اللَّهِ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ خَيْرٌ كَثِيرٌ. فَبَيْنَمَا نَحْنُ كَذَلِكَ، إِذْ دَخَلَ عَلَيْنَا رَجُلٌ، فَنَظَرَ فِي وُجُوهِنَا، فَاسْتَثْبَتَهَا، فَلَمَّا عَرَفْتُهُ انْصَرَفَ، وَإِذَا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الطَّاهِرِيُّ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ عَلِمْتُ أَنَّ الْأَمِينَ مَقْتُولٌ، فَلَمَّا انْتَصَفَ اللَّيْلُ فُتِحَ الْبَابُ، وَدَخَلَ الدَّارَ قَوْمٌ مِنَ الْعَجَمِ مَعَهُمُ السُّيُوفُ مَسْلُولَةٌ، فَلَمَّا رَآهُمْ قَامَ قَائِمًا، وَجَعَلَ يَقُولُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، ذَهَبَتْ - وَاللَّهِ - نَفْسِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَمَا مِنْ مُغِيثٍ، أَمَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْأَبْنَاءِ؟

стр. 2816

وَجَاءُوا حَتَّى وَقَفُوا عَلَى بَابِ الْبَيْتِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ لِبَعْضٍ: تَقَدَّمْ، وَيَدْفَعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَأَخَذَ الْأَمِينُ بِيَدِهِ وِسَادَةٌ، وَجَعَلَ يَقُولُ: وَيْحَكُمْ! أَنَا ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ، أَنَا ابْنُ هَارُونَ، أَنَا أَخُو الْمَأْمُونِ، اللَّهَ اللَّهَ فِي دَمِي. فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ ضَرْبَةً وَقَعَتْ فِي مُقَدَّمِ رَأْسِهِ، وَضَرَبَهُ الْأَمِينُ بِالْوِسَادَةِ عَلَى وَجْهِهِ، وَأَرَادَ [أَنْ] يَأْخُذَ السَّيْفَ مِنْهُ فَصَاحَ: قَتَلَنِي! قَتَلَنِي! فَدَخَلَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ، فَنَخَسَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِالسَّيْفِ فِي خَاصِرَتِهِ، فَرَكِبُوهُ، فَذَبَحُوهُ ذَبْحًا مِنْ قَفَاهُ، وَأَخَذُوا رَأْسَهُ، وَمَضَوْا بِهِ إِلَى طَاهِرٍ، وَتَرَكُوا جُثَّتَهُ. فَلَمَّا كَانَ السَّحَرُ أَخَذُوا جُثَّتَهُ، فَأَدْرَجُوهَا فِي جُلٍّ وَحَمَلُوهَا، فَنَصَبَ طَاهِرٌ الرَّأْسَ عَلَى بُرْجٍ، وَخَرَجَ أَهْلُ بَغْدَاذَ لِلنَّظَرِ، وَطَاهِرٌ يَقُولُ: هَذَا رَأْسُ الْمَخْلُوعِ مُحَمَّدٍ. فَلَمَّا قُتِلَ نَدِمَ جُنْدُ بَغْدَاذَ وَجُنْدُ طَاهِرٍ عَلَى قَتْلِهِ، لِمَا كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَبَعَثَ طَاهِرٌ بِرَأْسِ مُحَمَّدٍ إِلَى أَخِيهِ الْمَأْمُونِ مَعَ ابْنِ عَمِّهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُصْعَبٍ، وَكَتَبَ مَعَهُ بِالْفَتْحِ، فَلَمَّا وَصَلَ أَخَذَ الرَّأْسَ ذُو الرِّيَاسَتَيْنِ، فَأَدْخَلَهُ عَلَى تُرْسٍ، فَلَمَّا رَآهُ الْمَأْمُونُ سَجَدَ، وَبَعَثَ مَعَهُ طَاهِرٌ بِالْبُرْدَةِ وَالْقَضِيبِ وَالْخَاتَمِ. وَلَمَّا بَلَغَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَنَّ طَاهِرًا أَمَرَ مَوْلَاهُ قُرَيْشًا فَقَتَلَهُ، قَالَ شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: سُبْحَانَ اللَّهِ! كُنَّا نَرْوِي أَنَّهُ يَقْتُلُهُ قُرَيْشٌ، فَذَهَبْنَا إِلَى الْقَبِيلَةِ فَوَافَقَ الِاسْمُ [الِاسْمَ] . وَلَمَّا قُتِلَ الْأَمِينُ نُودِيَ فِي النَّاسِ بِالْأَمَانِ، فَأَمِنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ، وَدَخَلَ طَاهِرٌ الْمَدِينَةَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ، وَخَطَبَ لِلْمَأْمُونِ، وَذَمَّ الْأَمِينَ، وَكَتَبَ إِلَى الْمُعْتَصِمِ، وَقِيلَ إِلَى ابْنِ الْمَهْدِيِّ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ عَزِيزٌ عَلَيَّ أَنْ أَكْتُبَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ الْخِلَافَةِ بِغَيْرِ التَّأْمِيرِ، وَلَكِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ تَمِيلُ بِالرَّأْيِ، وَتُصْغِي بِالْهَوَى إِلَى النَّاكِثِ الْمَخْلُوعِ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَكَثِيرٌ مَا كَتَبْتُ إِلَيْكَ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَالسَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْأَمِيرُ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.

стр. 2817

وَلَمَّا قُتِلَ الْأَمِينُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَهْدِيِّ يَرْثِيهِ: عُوجَا بِمَغْنَى الطَّلَلِ الدَّاثِرِ ... بِالْخُلْدِ ذَاتِ الصَّخْرِ وَالْآجُرِ وَالْمَرْمَرِ الْمَنْسُوبِ يُطْلَى بِهِ ... وَالْبَابِ بَابِ الذَّهَبِ النَّاضِرِ عُوجَا بِهَا فَاسْتَيْقِنَا عِنْدَهَا ... عَلَى يَقِينِ قُدْرَةِ الْقَادِرِ وَأَبْلِغَا عَنِّي مَقَالًا إِلَى الْ ... مَوْلَى عَلَى الْمَأْمُورِ وَالْآمِرِ قُولَا لَهُ يَابْنَ أَبِي النَّاصِرِ ... طَهِّرْ بِلَادَ اللَّهِ مِنْ طَاهِرِ لَمْ يَكْفِهِ أَنْ حَزَّ أَوْدَاجَهُ ... ذَبْحَ الْهَدَايَا بِمُدَى الْجَازِرِ حَتَّى أَتَى يَسْحَبُ أَوْدَاجَهُ ... فِي شَطَنٍ (هَذَا مَدَى) السَّائِرِ قَدْ بَرَّدَ الْمَوْتُ عَلَى جَنْبِهِ ... فَطَرْفُهُ مُنْكَسِرُ النَّاظِرِ (فَلَمَّا بَلَغَ الْمَأْمُونَ قَوْلُهُ اشْتَدَّ عَلَيْهِ) . ذِكْرُ صِفَةِ الْأَمِينِ وَعُمْرِهِ وَوِلَايَتِهِ قِيلَ: إِنَّ مُحَمَّدًا وَلِيَ يَوْمَ الْخَمِيسِ لِإِحْدَى عَشْرَةَ لَيْلَةً بَقِيَتْ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، وَقُتِلَ لَيْلَةَ الْأَحَدِ لِسِتٍّ بَقِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو مُوسَى، وَقِيلَ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ. (وَهُوَ ابْنُ الرَّشِيدِ هَارُونَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْمَهْدِيِّ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ، وَأُمُّهُ زُبَيْدَةُ ابْنَةُ جَعْفَرٍ الْأَكْبَرِ ابْنِ الْمَنْصُورِ. وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ أَرْبَعَ سِنِينَ وَثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ وَخَمْسَةَ أَيَّامٍ، وَقِيلَ: كَانَتْ وِلَايَتُهُ النِّصْفَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَكَانَ عُمْرُهُ ثَمَانِيًا وَعِشْرِينَ سَنَةً.

стр. 2818

وَكَانَ سَبْطًا، أَنْزَعَ، صَغِيرَ الْعَيْنَيْنِ، أَقْنَى، جَمِيلًا، طَوِيلًا، عَظِيمَ الْكَرَادِيسِ، بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ بِالرُّصَافَةِ. وَلَمَّا وَصَلَ خَبَرُ قَتْلِهِ إِلَى الْمَأْمُونِ أَذِنَ لِلْقُوَّادِ، وَقَرَأَ الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ الْكِتَابَ عَلَيْهِمْ، فَهَنَّئُوهُ بِالظَّفَرِ وَدَعَوْا لَهُ. وَكَتَبَ إِلَى طَاهِرٍ وَهَرْثَمَةَ بِخَلْعِ الْقَاسِمِ الْمُؤْتَمَنِ مِنْ وِلَايَةِ الْعَهْدِ، فَخَلَعَاهُ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. وَأَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ فِي مَرَاثِي الْأَمِينِ وَهِجَائِهِ، تَرَكْنَا أَكْثَرَهُ لِأَنَّهُ خَارِجٌ عَنِ التَّارِيخِ، فَمِمَّا قِيلَ فِي مَرَاثِيهِ قَوْلُ الْحُسَيْنِ بْنِ الضَّحَّاكِ، وَكَانَ مِنْ نُدَمَائِهِ، وَكَانَ لَا يُصَدِّقُ بِقَتْلِهِ، وَيَطْمَعُ فِي رُجُوعِهِ: يَا خَيْرَ أُسْرَتِهِ وَإِنْ زَعَمُوا ... إِنِّي عَلَيْكَ لَمُثْبَتٌ أَسِفُ اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ لِي كَبِدًا ... حَرَّى عَلَيْكَ وَمُقْلَةً تَكِفُ وَلَئِنْ شَجِيتُ بِمَا رُزِئْتُ بِهِ ... إِنِّي لَأُضْمِرُ فَوْقَ مَا أَصِفُ هَلَّا بَقِيتَ لِسَدِّ فَاقَتِنَا أَبَدًا ... وَكَانَ لِغَيْرِكَ التَّلَفُ قَدْ كَانَ فِيكَ لِمَنْ مَضَى خَلَفٌ ... وَلَسَوْفَ يُعْوِزُ بَعْدَكَ الْخَلَفُ لَا بَاتَ رَهْطُكَ بَعْدَ هَفْوَتِهِمْ ... إِنِّي لِرَهْطِكَ بَعْدَهَا شَنِفُ هَتَكُوا بِحُرْمَتِكَ الَّتِي هُتِكَتْ ... حُرَمَ الرَّسُولِ وَدُونَهَا السُّجُفُ وَثَبَتْ أَقَارِبُكَ الَّتِي خُذِلَتْ ... وَجَمِيعُهَا بِالذُّلِّ مُعْتَرِفُ تَرَكُوا حَرِيمَ أَبِيهِمْ نَفَلًا ... وَالْمُحْصَنَاتُ صَوَارِخٌ هُتُفُ أَبْدَتْ مُخَلْخَلَهَا عَلَى دَهَشٍ أَبْكَارُهُنَّ ... وَرَنَّتِ النَّصَفُ سُلِبَتْ مَعَاجِرُهُنَّ وَاجْتُلِيَتْ ذَاتُ النِّقَابِ وَنُوزِعَ الشَّنَفُ ... فَكَأَنَّهُنَّ خِلَالَ مُنْتَهَبٍ دُرٌّ تَكَشَّفَ دُونَهُ الصَّدَفُ ... مَلِكٌ تَخَوَّنَ مُلْكَهُ قَدَرٌ فَوَهَى وَصَرْفُ الدَّهْرِ مُخْتَلِفُ

стр. 2819

هَيْهَاتَ بَعْدَكَ أَنْ يَدُومَ لَنَا عِزٌّ ... وَأَنْ يَبْقَى لَنَا شَرَفُ أَفَبَعْدَ عَهْدِ اللَّهِ تَقْتُلُهُ ... وَالْقَتْلُ بَعْدَ أَمَانِهِ سَرَفُ فَسَتَعْرِفُونَ غَدًا بِعَاقِبَةٍ ... عِزَّ الْإِلَهِ فَأَوْرِدُوا وَقِفُوا يَا مَنْ تَخَوَّنَ نَوْمَهُ أَرَقٌ ... هَدَتِ الشُّجُونُ وَقَلْبُهُ لَهِفُ قَدْ كُنْتَ لِي أَمَلًا غَنِيتُ بِهِ ... فَمَضَى وَحَلَّ مَحَلَّهُ الْأَسَفُ مُرِجَ النِّظَامُ وَعَادَ مُنْكَرُنَا عُرْفًا ... وَأُنْكِرَ بَعْدَكَ الْعُرُفُ وَالشَّمْلُ مُنْتَشِرٌ لِفَقْدِكَ وَالدُّنْيَا سُدًى وَالْبَالُ مُنْكَسِفُ وَقَالَ خُزَيْمَةُ بْنُ الْحَسَنِ يَرْثِيهِ عَلَى لِسَانِ أُمِّهِ زُبَيْدَةَ، وَتُخَاطِبُ الْمَأْمُونَ، وَكُنْيَةُ زُبَيْدَةَ أُمُّ جَعْفَرٍ: لِخَيْرِ إِمَامٍ قَامَ مِنْ خَيْرِ عُنْصُرِ ... وَأَفْضَلِ سَامٍ فَوْقَ أَعْوَادِ مِنْبَرِ لِوَارِثِ عِلْمِ الْأَوَّلِينَ وَفَهْمِهِمْ ... وَلِلْمَلِكِ الْمَأْمُونِ مِنْ أُمِّ جَعْفَرِ كَتَبْتُ وَعَيْنِي مُسْتَهِلٌّ دُمُوعُهَا ... إِلَيْكَ ابْنَ عَمِّي مِنْ جُفُونِي وَمَحْجَرِي وَقَدْ مَسَّنِي ضُرٌّ وَذُلُّ كَآبَةٍ ... وَأَرَّقَ عَيْنِي يَابْنَ عَمِّي تَفَكُّرِي وَهِمْتُ لِمَا لَاقَيْتُ بَعْدَ مُصَابِهِ ... فَأَمْرِي عَظِيمٌ مُنْكَرٌ جِدُّ مُنْكَرُ سَأَشْكُو الَّذِي لَاقَيْتُهُ بَعْدَ فَقْدِهِ ... إِلَيْكَ شَكَاةَ الْمُسْتَضِيمِ الْمُقَهَّرِ وَأَرْجُو لِمَا قَدْ مَرَّ بِي مُذْ فَقَدْتُهُ ... فَأَنْتَ لِبَثِّي خَيْرُ رَبٍّ مُغَيِّرِ أَتَى طَاهِرٌ لَا طَهَّرَ اللَّهُ طَاهِرًا ... فَمَا طَاهِرٌ فِيمَا أَتَى بِمُطَهَّرِ فَأَخْرَجَنِي مَكْشُوفَةَ الْوَجْهِ حَاسِرًا ... وَأَنْهَبَ أَمْوَالِي وَأَخْرَبَ أَدْوُرِي

стр. 2820

يَعِزُّ عَلَى هَارُونَ مَا قَدْ لَقِيتُهُ وَمَا مَرَّ بِي نَاقِصُ الْخَلْقِ أَعْوَرِ ... فَإِنْ كَانَ مَا أَبْدَى بِأَمْرٍ أَمَرْتَهُ صَبَرْتُ لِأَمْرٍ مِنْ قَدِيرٍ مُقَدِّرِ ... تَذَكَّرْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَرَابَتِي فَدَيْتُكَ مِنْ ذِي حُرْمَةٍ مُتَذَكِّرِ فَلَمَّا قَرَأَهَا الْمَأْمُونُ بَكَى، وَقَالَ: أَنَا - وَاللَّهِ - الطَّالِبُ بِثَأْرِ أَخِي، قَتَلَ اللَّهُ قَتَلَتَهُ. وَلَقَدْ أَسْرَفَ الْحُسَيْنُ بْنُ الضَّحَّاكِ فِي مَرَاثِي الْأَمِينِ، وَذَمِّ الْمَأْمُونِ، فَلِهَذَا حَجَبَهُ الْمَأْمُونُ عَنْهُ وَلَمْ يَسْمَعْ مَدِيحَهُ مُدَّةً، ثُمَّ أَحْضَرَهُ يَوْمًا، فَقَالَ لَهُ: أَخْبِرْنِي! هَلْ رَأَيْتَ يَوْمَ قُتِلَ أَخِي هَاشِمِيَّةً قُتِلَتْ وَهُتِكَتْ؟ قَالَ: لَا! قَالَ: فَمَا قَوْلُكَ: وَمِمَّا شَجَا قَلْبِي وَكَفْكَفَ عَبْرَتِي ... مَحَارِمُ مِنْ آلِ النَّبِيِّ اسْتُحِلَّتِ وَمَهْتُوكَةٌ بِالْخُلْدِ عَنْهَا سُجُوفُهَا كَعَابٌ ... كَقَرْنِ الشَّمْسِ حِينَ تَبَدَّتِ إِذَا خَفَرَتْهَا رَوْعَةٌ مِنْ مُنَازِعٍ لَهَا الْمِرْطَ عَاذَتْ بِالْخُشُوعِ وَرَنَّتِ ... وَسِرْبُ ظِبَاءٍ مِنْ ذُؤَابَةِ هَاشِمٍ هَتَفْنَ بِدَعْوَى خَيْرِ حَيٍّ وَمَيِّتِ ... أَرُدُّ يَدًا مِنِّي إِذَا مَا ذَكَرْتُهُ عَلَى كَبِدٍ حَرَّى وَقَلْبٍ مُفَتَّتِ فَلَا بَاتَ لَيْلُ الشَّامِتِينَ بِغِبْطَةٍ ... وَلَا بَلَغَتْ آمَالَهَا مَا تَمَنَّتِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! لَوْعَةٌ غَلَبَتْنِي، وَرَوْعَةٌ فَاجَأَتْنِي، وَنِعْمَةٌ سُلِبْتُهَا بَعْدَ أَنْ غَمَرَتْنِي، وَإِحْسَانٌ شَكَرْتُهُ فَأَنْطَقَنِي، وَسَيِّدٌ فَقَدْتُهُ فَأَقْلَقَنِي، فَإِنْ عَاقَبْتَ فَبِحَقِّكَ، وَإِنْ عَفَوْتَ فَبِفَضْلِكَ. فَدَمَعَتْ عَيْنُ الْمَأْمُونِ وَقَالَ: قَدْ عَفَوْتُ عَنْكَ، وَأَمَرْتُ بِإِدْرَارِ أَرْزَاقِكَ عَلَيْكَ، وَعَطَائِكَ مَا فَاتَكَ مُتَمَّمًا، وَجَعَلْتُ عُقُوبَةَ ذَنْبِكَ امْتِنَاعِي مِنِ اسْتِخْدَامِكَ.

стр. 2821

ثُمَّ إِنَّ الْمَأْمُونَ رَضِيَ عَنْهُ وَسَمِعَ مَدِيحَهُ. وَمِمَّا قِيلَ فِي هِجَائِهِ: لِمْ نُبَكِّيكَ، لِمَاذَا؟ لِلطَّرَبِ يَا أَبَا مُوسَى ... وَتَرْوِيجِ اللَّعَبْ وَلِتَرْكِ الْخَمْسِ فِي أَوْقَاتِهَا حِرْصًا مِنْكَ عَلَى مَاءِ الْعِنَبْ وَشَنِيفٍ ... أَنَا لَا أَبْكِي لَهُ وَعَلَى كَوْثَرٍ لَا أَخْشَى الْعَطَبْ لَمْ تَكُنْ ... تَعْرِفُ مَا حَدُّ الرِّضَى لَا وَلَا تَعْرِفُ مَا حَدُّ الْغَضَبْ ... لَمْ تَكُنْ تَصْلُحُ لِلْمُلْكِ وَلَمْ تُعْطِكَ الطَّاعَةَ بِالْمُلْكِ الْعَرَبْ ... لِمْ نُبَكِّيكَ؟ لِمَا عَرَّضْتَنَا لِلْمَجَانِيقِ وَطَوْرًا لِلسَّلَبْ ... فِي عَذَابٍ وَحِصَارٍ مُجْهِدٍ سَدَّدَ الطُّرْقَ، فَلَا وَجْهَ الطَّلَبْ ... زَعَمُوا أَنَّكَ حَيٌّ حَاشِرٌ كُلُّ مَنْ قَدْ قَالَ هَذَا فَكَذَبْ لَيْتَهُ قَدْ قَالَهُ فِي وَجْدَةٍ مِنْ ... جَمِيعٍ ذَاهِبٍ حَيْثُ ذَهَبْ أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْنَا قَتْلَهُ ... وَإِذَا مَا أَوْجَبَ الْأَمْرَ وَجَبْ كَانَ وَاللَّهِ عَلَيْنَا فِتْنَةً ... غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَكَتَبْ وَقِيلَ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ، تَرَكْنَا ذِكْرَهُ خَوْفَ الْإِطَالَةِ. ذِكْرُ بَعْضِ سِيرَةِ الْأَمِينِ لَمَّا مَلَكَ الْأَمِينُ وَكَاتَبَهُ الْمَأْمُونُ، وَأَعْطَاهُ بَيْعَتَهُ - طَلَبَ الْخِصْيَانَ وَأَتْبَاعَهُمْ وَغَالَى فِيهِمْ، فَصَيَّرَهُمْ لِخَلْوَتِهِ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ، وَقِوَامِ طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ، وَأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَفَرَضَ لَهُمْ فَرْضًا سَمَّاهُمُ الْجَرَادِيَّةَ، وَفَرْضًا مِنَ الْحُبْشَانِ سَمَّاهُمُ الْغُرَابِيَّةَ، وَرَفَضَ النِّسَاءَ الْحَرَائِرَ وَالْإِمَاءَ، حَتَّى رُمِيَ بِهِنَّ، وَقِيلَ فِيهِ الْأَشْعَارُ،

стр. 2822

فَمِمَّا قِيلَ فِيهِ: أَلَا يَا أَيُّهَا الثَّاوِي بِطُوسِ ... عَزِيبًا مَا يُفَادَى بِالنُّفُوسِ لَقَدْ أَبْقَيْتَ لِلْخِصْيَانِ هِقْلًا ... تَحْمِلُ مِنْهُمُ شُؤْمَ الْبَسُوسِ فَأَمَّا نَوْفَلٌ فَالشَّأْنُ فِيهِ ... وَفِي بَدْرٍ، فَيَالَكَ مِنْ جَلِيسِ وَمَا لِلْمَعْصِمِيِّ شَيْءٌ لَدَيْهِ إِذَا ... ذُكِرُوا بِذِي سَهْمٍ خَسِيسِ وَمَا حَسَنُ الصَّغِيرُ أَخَسُّ حَا ... لًا لَدَيْهِ عِنْدَ مُخْتَرَقِ الْكُئُوسِ لَهُمْ مِنْ عُمْرِهِ شَطْرٌ وَشَطْ ... رٌ يُعَاقِرُ فِيهِ شُرْبَ الْخَنْدَرِيسِ وَمَا لِلْغَانِيَاتِ لَدَيْهِ حَظٌّ ... سِوَى التَّقْطِيبِ بِالْوَجْهِ الْعَبُوسِ إِذَا كَانَ الرَّئِيسُ كَذَا سَقِيمًا ... فَكَيْفَ صَلَاحُنَا بَعْدَ الرَّئِيسِ فَلَوْ عَلِمَ الْمُقِيمُ بِدَارِ طُوسٍ ... لَعَزَّ عَلَى الْمُقِيمِ بِدَارِ طُوسِ ثُمَّ وَجَّهَ إِلَى جَمِيعِ الْبُلْدَانِ فِي طَلَبِ الْمُلْهِينَ، وَضَمَّهُمْ إِلَيْهِ، وَأَجْرَى عَلَيْهِمُ الْأَرْزَاقَ، وَاحْتَجَبَ عَنْ أَخَوَيْهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، وَاسْتَخَفَّ بِهِمْ وَبِقُوَّادِهِ، وَقَسَّمَ مَا فِي بُيُوتِ الْأَمْوَالِ وَمَا بِحَضْرَتِهِ مِنَ الْجَوَاهِرِ فِي خِصْيَانِهِ وَجُلَسَائِهِ وَمُحَدِّثِيهِ، وَأَمَرَ بِبِنَاءِ مَجَالِسَ لِمُتَنَزَّهَاتِهِ، وَمَوَاضِعِ خَلَوَاتِهِ وَلَهْوِهِ وَلَعِبِهِ، وَعَمِلَ خَمْسَ حَرَّاقَاتٍ فِي دِجْلَةَ عَلَى صُورَةِ الْأَسَدِ، وَالْفِيلِ، وَالْعُقَابِ، وَالْحَيَّةِ، وَالْفَرَسِ، وَأَنْفَقَ فِي عَمَلِهَا مَالًا عَظِيمًا، فَقَالَ أَبُو نُوَاسٍ فِي ذَلِكَ: سَخَّرَ اللَّهُ لِلْأَمِينِ مَطَايَا ... لَمْ تُسَخَّرْ لِصَاحِبِ الْمِحْرَابِ فَإِذَا مَا رِكَابُهُ سِرْنَ بَرًّا سَارَ فِي ... الْمَاءِ رَاكِبًا لَيْثَ غَابِ

стр. 2823

عَجِبَ النَّاسُ إِذْ رَأَوْكَ عَلَى صُورَةِ لَيْثٍ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ... سَبَّحُوا إِذْ رَأَوْكَ سِرْتَ عَلَيْهِ كَيْفَ لَوْ أَبْصَرُوكَ فَوْقَ الْعُقَابِ ... ذَاتِ زَوْرٍ وَمِنْسَرٍ وَجَنَاحَيْ نِ تَشُقُّ الْعُبَابَ بَعْدَ الْعُبَابِ ... تَسْبِقُ الطَّيْرَ فِي السَّمَاءِ إِذَا مَا اسْتَعْجَلُوهَا بِجِيئَةٍ وَذَهَابِ قَالَ الْكَوْثَرُ: أَمَرَ الْأَمِينُ أَنْ يُفْرَشَ لَهُ عَلَى دُكَّانٍ فِي الْخُلْدِ يَوْمًا، فَفُرِشَ عَلَيْهَا بِسَاطٌ زَرْعِيٌّ، وَنَمَارِقُ، وَفُرُشٌ مِثْلُهُ، وَهُيِّئَ مِنْ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْجَوَاهِرِ أَمْرٌ عَظِيمٌ، وَأَمَرَ قَيِّمَةَ جَوَارِيهِ أَنْ تُهَيِّئَ لَهُ مِائَةَ جَارِيَةٍ صَانِعَةٍ، فَتُصْعِدَ إِلَيْهِ عَشْرًا عَشْرًا بِأَيْدِيهِنَّ الْعِيدَانُ، يُغَنِّينَ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ، فَأَصْعَدَتْ إِلَيْهِ عَشْرًا، فَانْدَفَعْنَ يُغَنِّينَ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ: هُمْ قَتَلُوهُ كَيْ يَكُونُوا مَكَانَهُ ... كَمَا غَدَرَتْ يَوْمًا بِكِسْرَى مَرَازِبُهْ فَسَبَّهُنَّ وَطَرَدَهُنَّ، ثُمَّ أَمَرَهَا فَأَصْعَدَتْ عَشْرًا غَيْرَهُنَّ فَغَنَّيْنَهُ: مَنْ كَانَ مَسْرُورًا بِمَقْتَلِ مَالِكٍ ... فَلْيَأْتِ نِسْوَتَنَا بِوَجْهِ نَهَارِ فَفَعَلَ مَا فَعَلَهُ، وَأَطْرَقَ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ: أَصْعِدِي عَشْرًا. فَأَصْعَدَتْهُنَّ فَغَنَّيْنَ: كُلَيْبٌ لَعَمْرِي كَانَ أَكْثَرَ نَاصِرًا ... وَأَيْسَرَ جُرْمًا مِنْكَ ضُرِّجَ بِالدَّمِ فَقَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ، وَأَمَرَ بِهَدْمِ الدُّكَّانِ، تَطَيُّرًا مِمَّا كَانَ. قِيلَ: وَذُكِرَ مُحَمَّدٌ الْأَمِينُ عِنْدَ الْفَضْلِ بْنِ سَهْلٍ بِخُرَاسَانَ، فَقَالَ: كَيْفَ لَا يُسْتَحَلُّ قَتْلُ مُحَمَّدٍ وَشَاعِرُهُ يَقُولُ فِي مَجْلِسِهِ: أَلَا فَاسْقِنِي خَمْرًا وَقُلْ لِي هِيَ الْخَمْرُ ... وَلَا تَسْقِنِي سِرًّا إِذَا أَمْكَنَ الْجَهْرُ فَبَلَغَتِ الْقِصَّةُ الْأَمِينَ، فَحَبَسَ أَبَا نُوَاسٍ.

стр. 2824

وَلَمْ نَجِدْ فِي سِيرَتِهِ مَا يُسْتَحْسَنُ ذِكْرُهُ مِنْ حِلْمٍ، أَوْ مَعْدَلَةٍ، أَوْ تَجْرِبَةٍ، حَتَّى نَذْكُرَهَا، وَهَذَا الْقَدْرُ كَافٍ. ذِكْرُ وُثُوبِ الْجُنْدِ بِطَاهِرٍ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَثَبَ الْجُنْدُ بِطَاهِرٍ بَعْدَ مَقْتَلِ الْأَمِينِ بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ. وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّهُمْ طَلَبُو مِنْهُ مَالًا، فَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ، فَثَارُوا بِهِ، فَضَاقَ بِهِمُ الْأَمْرُ، وَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ مُوَاطَأَةٍ مِنَ الْجُنْدِ وَأَهْلِ الْأَرْبَاضِ، وَأَنَّهُمْ مَعَهُمْ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ تَحَرَّكَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْبَاضِ أَحَدٌ، فَخَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ، فَهَرَبَ، وَنَهَبُوا بَعْضَ مَتَاعِهِ، وَمَضَى إِلَى عَقْرَقُوفَ. وَكَانَ لَمَّا قُتِلَ الْأَمِينُ أَمَرَ بِحِفْظِ الْأَبْوَابِ، وَحَوَّلَ زُبَيْدَةَ أُمَّ الْأَمِينِ وَوَلَدَيْهِ مُوسَى وَعَبْدَ اللَّهِ مَعَهَا، وَحَمَلَهُمْ فِي حَرَّاقَةٍ إِلَى هُمَيْنِيَا عَلَى الزَّابِ الْأَعْلَى، ثُمَّ أَمَرَ بِحَمْلِ مُوسَى وَعَبْدِ اللَّهِ إِلَى عَمِّهِمَا الْمَأْمُونِ بِخُرَاسَانَ. فَلَمَّا ثَارَ بِهِ الْجُنْدُ نَادَوْا " مُوسَى يَا مَنْصُورُ "، وَبَقَوْا ذَلِكَ يَوْمَهُمْ وَمِنَ الْغَدِ، فَصَوَّبَ النَّاسُ إِخْرَاجَ طَاهِرٍ وَلَدَيِ الْأَمِينِ. وَلَمَّا هَرَبَ طَاهِرٌ إِلَى عَقْرَقُوفَ خَرَجَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْقُوَّادِ، وَتَعَبَّأَ لِقِتَالِ الْجُنْدِ وَأَهْلِ الْأَرْبَاضِ بِبَغْدَاذَ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْقَوَّادَ الْمُتَخَلِّفِينَ عَنْهُ وَالْأَعْيَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ خَرَجُوا وَاعْتَذَرُوا، وَأَحَالُوا عَلَى السُّفَهَاءِ وَالْأَحْدَاثِ، وَسَأَلُوهُ الصَّفْحَ عَنْهُمْ وَقَبُولَ عُذْرِهِمْ. فَقَالَ طَاهِرٌ: مَا خَرَجْتُ عَنْكُمْ إِلَّا لِوَضْعِ السَّيْفِ فِيكُمْ، وَأُقْسِمُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ لَئِنْ عُدْتُمْ لِمِثْلِهَا لَأَعُودَنَّ إِلَى رَأْيِي فِيكُمْ، وَلَأَخْرُجَنَّ إِلَى مَكْرُوهِكُمْ! فَكَسَرَهُمْ بِذَلِكَ، وَأَمَرَ لَهُمْ بِرِزْقِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ. وَخَرَجَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ مَشْيَخَةِ أَهْلِ بَغْدَاذَ، وَعَمِيرَةُ أَبُو شَيْخِ بْنُ عَمِيرَةَ الْأَسَدِيُّ، فَحَلَفُوا لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَتَحَرَّكْ مِنْ أَهْلِ بَغْدَاذَ وَلَا مِنَ الْأَبْنَاءِ أَحَدٌ، وَضَمِنُوا مِنْهُ مَنْ وَرَاءَهُمْ، فَسَكَنَ غَضَبُهُ، وَعَفَا عَنْهُمْ، وَوَضَعَتِ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا، وَاسْتَوْسَقَ النَّاسُ فِي الْمَشْرِقِ

стр. 2825

وَالْمَغْرِبِ عَلَى طَاعَةِ الْمَأْمُونِ، وَالِانْقِيَادِ لِخِلَافَتِهِ. (عَمِيرَةُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْمِيمِ) . ذِكْرُ خِلَافِ نَصْرِ بْنِ شَبَثٍ الْعُقَيْلِيُّ عَلَى الْمَأْمُونِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَظْهَرَ نَصْرُ بْنُ سَيَّارِ بْنِ شَبَثٍ الْعُقَيْلِيُّ الْخِلَافَ عَلَى الْمَأْمُونِ، وَكَانَ نَصْرٌ مِنْ بَنِي عُقَيْلٍ يَسْكُنُ (كَيْسُومَ، نَاحِيَةَ) شَمَالَيْ حَلَبَ، وَكَانَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ لِلْأَمِينِ، وَلَهُ فِيهِ هَوًى، فَلَمَّا قُتِلَ الْأَمِينُ أَظْهَرَ نَصْرٌ الْغَضَبَ لِذَلِكَ، وَتَغَلَّبَ عَلَى مَا جَاوَرَهُ مِنَ الْبِلَادِ، وَمَلَكَ سُمَيْسَاطَ، وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْأَعْرَابِ وَأَهْلِ الطَّمَعِ، وَقَوِيَتْ نَفْسُهُ، وَعَبَرَ الْفُرَاتَ إِلَى الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، وَحَدَّثَتْهُ نَفْسُهُ بِالتَّغَلُّبِ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ ذَلِكَ مِنْهُ كَثُرَتْ جُمُوعُهُ، وَزَادَتْ عَمَّا كَانَتْ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -. (شَبَثٌ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ) . ذِكْرُ وِلَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ الْعِرَاقَ وَغَيْرَهُ مِنَ الْبِلَادِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَعْمَلَ الْمَأْمُونُ الْحَسَنَ بْنَ سَهْلٍ، أَخَا الْفَضْلِ، عَلَى كُلِّ مَا كَانَ افْتَتَحَهُ طَاهِرٌ مِنْ كُوَرِ الْجِبَالِ، وَالْعِرَاقِ، وَفَارِسَ، وَالْأَهْوَازِ، وَالْحِجَازِ وَالْيَمَنِ، بَعْدَ أَنْ قُتِلَ الْأَمِينُ. وَكَتَبَ إِلَى طَاهِرٍ بِتَسْلِيمِ ذَلِكَ إِلَيْهِ، فَقَدَّمَ الْحَسَنُ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَاهِرٍ سَعِيدٍ، فَدَافَعَهُ طَاهِرٌ بِتَسْلِيمِ الْخَرَاجِ إِلَيْهِ، حَتَّى وَفَّى الْجُنْدَ أَرْزَاقَهُمْ، وَسَلَّمَ إِلَيْهِ الْعَمَلَ. وَقَدِمَ الْحَسَنُ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ [وَمِائَةٍ] ، وَفَرَّقَ الْعُمَّالَ. وَأَمَرَ طَاهِرًا أَنْ يَسِيرَ إِلَى الرَّقَّةِ لِمُحَارَبَةِ نَصْرِ بْنِ شَبَثٍ الْعُقَيْلِيِّ، وَوَلَّاهُ الْمَوْصِلَ وَالْجَزِيرَةَ وَالشَّامَ وَالْمَغْرِبَ، فَسَارَ طَاهِرٌ إِلَى قِتَالِ نَصْرِ بْنِ شَبَثٍ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَدْعُوهُ إِلَى الطَّاعَةِ وَتَرْكِ الْخِلَافِ، فَلَمْ يُجِبْهُ إِلَى ذَلِكَ، (فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ طَاهِرٌ، وَالْتَقَوْا بِنَوَاحِي كَيْسُومَ،

стр. 2826

وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، أَبْلَى فِيهِ نَصْرٌ بَلَاءً عَظِيمًا، وَكَانَ الظَّفَرُ لَهُ، وَعَادَ طَاهِرٌ شِبْهَ الْمَهْزُومِ إِلَى الرَّقَّةِ) . وَكَانَ قُصَارَى أَمْرِ طَاهِرٍ حِفْظَ تِلْكَ النَّوَاحِي. وَكَتَبَ الْمَأْمُونُ إِلَى هَرْثَمَةَ يَأْمُرُهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى خُرَاسَانَ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ الْعَبَّاسُ بْنُ مُوسَى بْنِ عِيسَى بْنِ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدٍ. ذِكْرُ وَقْعَةِ الرَّبَضِ بِقُرْطُبَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ بِقُرْطُبَةَ الْوَقْعَةُ الْمَعْرُوفَةُ بِالرَّبَضِ، وَسَبَبُهَا أَنَّ الْحَكَمَ بْنَ هِشَامٍ الْأُمَوِيَّ، صَاحِبَهَا، كَانَ كَثِيرَ التَّشَاغُلِ بِاللَّهْوِ وَالصَّيْدِ وَالشُّرْبِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُجَانِسُهُ، وَكَانَ قَدْ قَتَلَ جَمَاعَةً مِنْ أَعْيَانِ قُرْطُبَةَ، فَكَرِهَهُ أَهْلُهَا، وَصَارُوا يَتَعَرَّضُونَ لِجُنْدِهِ بِالْأَذَى وَالسَّبِّ، إِلَى أَنْ بَلَغَ الْأَمْرُ بِالْغَوْغَاءِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُنَادُونَ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْأَذَانِ: " الصَّلَاةَ يَا مَخْمُورُ الصَّلَاةَ "، وَشَافَهَهُ بَعْضُهُمْ بِالْقَوْلِ، وَصَفَّقُوا عَلَيْهِ بِالْأَكُفِّ، فَشَرَعَ فِي تَحْصِينِ قُرْطُبَةَ وَعِمَارَةِ أَسْوَارِهَا، وَحَفْرِ خَنَادِقِهَا، وَارْتَبَطَ الْخَيْلَ عَلَى بَابِهِ، وَاسْتَكْثَرَ الْمَمَالِيكَ، وَرَتَّبَ جَمْعًا لَا يُفَارِقُونَ بَابَ قَصْرِهِ بِالسِّلَاحِ، فَزَادَ ذَلِكَ فِي حِقْدِ أَهْلِ قُرْطُبَةَ، وَتَيَقَّنُوا أَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِلِانْتِقَامِ مِنْهُمْ. ثُمَّ وَضَعَ عَلَيْهِمْ عُشْرَ الْأَطْعِمَةِ كُلَّ سَنَةٍ، مِنْ غَيْرِ حِرْصٍ، فَكَرِهُوا ذَلِكَ، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى عَشَرَةٍ مِنْ رُؤَسَاءِ سُفَهَائِهِمْ، فَقَتَلَهُمْ وَصَلَبَهُمْ، فَهَاجَ لِذَلِكَ أَهْلُ الرَّبَضِ، وَانْضَافَ إِلَى ذَلِكَ أَنَّ مَمْلُوكًا لَهُ سَلَّمَ سَيْفًا إِلَى صَيْقَلٍ لِيَصْقُلَهُ، فَمَطَلَهُ، فَأَخَذَ الْمَمْلُوكُ السَّيْفَ، فَلَمْ يَزَلْ يَضْرِبُ الصَّيْقَلَ بِهِ إِلَى أَنْ قَتَلَهُ، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ شَهَرَ السِّلَاحَ أَهْلُ الرَّبَضِ، وَاجْتَمَعَ أَهْلُ الْأَرْبَاضِ جَمِيعَهُمْ بِالسِّلَاحِ، وَاجْتَمَعَ الْجُنْدُ وَالْأُمَوِيُّونَ وَالْعَبِيدُ بِالْقَصْرِ، وَفَرَّقَ الْحَكَمُ الْخَيْلَ وَالْأَسْلِحَةَ، وَجَعَلَ

стр. 2827

أَصْحَابَهُ كَتَائِبَ، وَوَقَعَ الْقِتَالُ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ فَغَلَبَهُمْ أَهْلُ الرَّبَضِ، وَأَحَاطُوا بِقَصْرِهِ، فَنَزَلَ الْحَكَمُ مِنْ أَعْلَى الْقَصْرِ، وَلَبِسَ سِلَاحَهُ، وَرَكِبَ وَحَرَّضَ النَّاسَ، فَقَاتَلُوا بَيْنَ يَدَيْهِ قِتَالًا شَدِيدًا. ثُمَّ أَمَرَ ابْنَ عَمِّهِ عُبَيْدَ اللَّهِ، فَثَلَمَ فِي السُّورِ ثُلْمَةً، وَخَرَجَ مِنْهَا وَمَعَهُ قِطْعَةٌ مِنَ الْجَيْشِ، وَأَتَى أَهْلَ الرَّبَضِ مِنْ وَرَاءِ ظُهُورِهِمْ، وَلَمْ يَعْلَمُوا بِهِمْ، فَأَضْرَمُوا النَّارَ فِي الرَّبَضِ، وَانْهَزَمَ أَهْلُهُ، وَقُتِّلُوا مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَأَخْرَجُوا مَنْ وَجَدُوا فِي الْمَنَازِلِ وَالدُّورِ، فَأَسَرُوهُمْ، فَانْتَقَى مِنَ الْأَسْرَى ثَلَاثَمِائَةٍ مِنْ وُجُوهِهِمْ، فَقَتَلَهُمْ، وَصَلَبَهُمْ مُنَكَّسِينَ، وَأَقَامَ النَّهْبَ وَالْقَتْلَ وَالْحَرِيقَ وَالْخَرَابَ فِي أَرْبَاضِ قُرْطُبَةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. ثُمَّ اسْتَشَارَ الْحَكَمُ عَبْدَ الْكَرِيمِ بْنَ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ عَبْدِ الْمُغِيثِ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَنْ يُوَازِيهِ فِي قُرْبِهِ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِالصَّفْحِ عَنْهُمْ وَالْعَفْوِ، وَأَشَارَ غَيْرُهُ بِالْقَتْلِ، فَقَبِلَ قَوْلَهُ، وَأَمَرَ فَنُودِيَ بِالْأَمَانِ عَلَى أَنَّهُ مَنْ بَقِيَ مِنْ أَهْلِ الرَّبَضِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ قَتَلْنَاهُ وَصَلَبْنَاهُ، فَخَرَجَ مَنْ بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْهُمْ مُسْتَخْفِيًا، وَتَحَمَّلُوا عَلَى الصَّعْبِ وَالذَّلُولِ خَارِجِينَ مِنْ حَضْرَةِ قُرْطُبَةَ بِنِسَائِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ، وَمَا خَفَّ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَقَعَدَ لَهُمُ الْجُنْدُ وَالْفَسَقَةُ بِالْمَرَاصِدِ يَنْهَبُونَ، وَمَنِ امْتَنَعَ عَلَيْهِمْ قَتَلُوهُ. فَلَمَّا انْقَضَتِ الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ أَمَرَ الْحَكَمُ بِكَفِّ الْأَيْدِي عَنْ حُرُمِ النَّاسِ، وَجَمَعَهُنَّ إِلَى مَكَانٍ، وَأَمَرَ بِهَدْمِ الرَّبَضِ الْقِبْلِيِّ. وَكَانَ بَزِيعٌ مَوْلَى أُمَيَّةَ ابْنِ الْأَمِيرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ هِشَامٍ مَحْبُوسًا فِي حَبْسِ الدَّمِ بِقُرْطُبَةَ، فِي رِجْلَيْهِ قَيْدٌ ثَقِيلٌ، فَلَمَّا رَأَى أَهْلَ قُرْطُبَةَ قَدْ غَلَبُوا الْجُنْدَ، سَأَلَ الْحَرَسَ أَنْ يُفْرِجُوا لَهُ، فَأَخَذُوا عَلَيْهِ الْعُهُودَ إِنْ سَلِمَ أَنْ يَعُودَ إِلَيْهِمْ، وَأَطْلَقُوهُ، فَخَرَجَ فَقَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا لَمْ يَكُنْ فِي الْجَيْشِ مِثْلُهُ، فَلَمَّا انْهَزَمَ أَهْلُ الرَّبَضِ عَادَ إِلَى السِّجْنِ، فَانْتَهَى خَبَرُهُ إِلَى الْحَكَمِ، فَأَطْلَقَهُ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، (وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ هَذِهِ الْوَقْعَةَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَمِائَتَيْنِ) . ذِكْرُ الْوَقْعَةِ بِالْمَوْصِلِ الْمَعْرُوفَةِ بِالْمَيْدَانِ وَفِيهَا كَانَتِ الْوَقْعَةُ الْمَعْرُوفَةُ بِالْمَيْدَانِ بِالْمَوْصِلِ بَيْنَ الْيَمَانِيَّةِ وَالنِّزَارِيَّةِ، وَكَانَ سَبَبَهَا أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ نُعَيْمٍ الْبُرْجُمِيَّ صَارَ إِلَى دِيَارِ مُضَرَ، فَشَكَا الْأَزْدَ وَالْيَمَنَ، وَقَالَ: إِنَّهُمْ يَتَهَضَّمُونَنَا، وَيَغْلِبُونَنَا عَلَى حُقُوقِنَا، وَاسْتَنْصَرَهُمْ، فَسَارَ مَعَهُ إِلَى الْمَوْصِلِ مَا يُقَارِبُ عِشْرِينَ

стр. 2828

أَلْفًا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الْهَمْدَانِيُّ، وَهُوَ حِينَئِذٍ تَغَلَّبَ عَلَى الْمَوْصِلِ، فَسَأَلَهُمْ عَنْ حَالِهِمْ فَأَخْبَرُوهُ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى مَا يُرِيدُونَ، فَلَمْ يَقْبَلْ عُثْمَانُ ذَلِكَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ عَلِيٌّ مِنَ الْبَلَدِ فِي نَحْوِ أَرْبَعَةِ آلَافِ رَجُلٍ، فَالْتَقَوْا، وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، عِدَّةَ وَقَائِعَ، فَكَانَتِ الْهَزِيمَةُ عَلَى النِّزَارِيَّةِ، وَظَفِرَ بِهِمْ عَلِيٌّ وَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَعَادَ إِلَى الْبَلَدِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ الْحَسَنُ الْهَرْشُ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ سَفِلَةِ النَّاسِ، مَعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْأَعْرَابِ، وَدَعَا إِلَى الرِّضَى مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ، وَأَتَى النِّيلَ، فَجَبَى الْأَمْوَالَ وَنَهَبَ الْقُرَى. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ الْهِلَالِيُّ بِمَكَّةَ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ تِسْعٍ وَمِائَةٍ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمَهْدِيِّ وَعُمْرُهُ ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً. وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ فِي صَفَرٍ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ.

стр. 2829

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ] ١٩٩ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ ظُهُورِ ابْنِ طَبَاطَبَا الْعَلَوِيِّ وَفِيهَا ظَهَرَ (أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵇ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، بِالْكُوفَةِ، يَدْعُو إِلَى الرِّضَى مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَالْعَمَلِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَهُوَ الَّذِي يُعْرَفُ بِابْنِ طَبَاطَبَا، وَكَانَ الْقَيِّمَ بِأَمْرِهِ فِي الْحَرْبِ أَبُو السَّرَايَا السَّرِيُّ بْنُ مَنْصُورٍ، وَكَانَ يَذْكُرُ أَنَّهُ مِنْ وَلَدِ هَانِئِ بْنِ قَبِيصَةَ بْنِ هَانِئِ بْنِ مَسْعُودٍ الشَّيْبَانِيِّ. وَكَانَ سَبَبَ خُرُوجِهِ أَنَّ الْمَأْمُونَ لَمَّا صَرَفَ طَاهِرًا عَمَّا كَانَ إِلَيْهِ مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي افْتَتَحَهَا، وَوَجَّهَ الْحَسَنَ بْنَ سَهْلٍ إِلَيْهَا - تَحَدَّثَ النَّاسُ بِالْعِرَاقِ أَنَّ الْفَضْلَ بْنَ سَهْلٍ قَدْ غَلَبَ عَلَى الْمَأْمُونِ، وَأَنَّهُ أَنْزَلَهُ قَصْرًا حَجَبَهُ فِيهِ عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَقُوَّادِهِ، وَأَنَّهُ يَسْتَبِدُّ بِالْأَمْرِ دُونَهُ، فَغَضِبَ لِذَلِكَ بَنُو هَاشِمٍ وَوُجُوهُ النَّاسِ، وَاجْتَرَءُوا عَلَى الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ، وَهَاجَتِ الْفِتَنُ فِي الْأَمْصَارِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ ظَهَرَ ابْنُ طَبَاطَبَا بِالْكُوفَةِ. وَقِيلَ: كَانَ سَبَبَ اجْتِمَاعِ ابْنِ طَبَاطَبَا بِأَبِي السَّرَايَا أَنَّ أَبَا السَّرَايَا كَانَ يَكْرِي الْحَمِيرَ، ثُمَّ قَوِيَ حَالُهُ، فَجَمَعَ نَفَرًا، فَقَتَلَ رَجُلًا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ بِالْجَزِيرَةِ، وَأَخَذَ مَا مَعَهُ، فَطُلِبَ، فَاخْتَفَى، وَعَبَرَ الْفُرَاتَ إِلَى الْجَانِبِ الشَّامِيِّ، فَكَانَ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ فِي تِلْكَ النَّوَاحِي، ثُمَّ لَحِقَ بِيَزِيدَ بْنِ مَزْيَدٍ الشَّيْبَانِيِّ بِ أَرْمِينِيَّةَ، وَمَعَهُ ثَلَاثُونَ فَارِسًا، فَقَوَّدَهُ، فَجَعَلَ يُقَاتِلُ مَعَهُ الْخَرَّمِيَّةَ، وَأَثَّرَ فِيهِمْ وَفَتَكَ، وَأَخَذَ مِنْهُمْ غُلَامَهُ أَبَا الشَّوْكِ. فَلَمَّا عُزِلَ أَسَدٌ عَنْ أَرْمِينِيَّةَ صَارَ أَبُو السَّرَايَا إِلَى أَحْمَدَ بْنِ مَزْيَدٍ، فَوَجَّهَهُ أَحْمَدُ طَلِيعَةً إِلَى عَسْكَرِ هَرْثَمَةَ فِي فِتْنَةِ الْأَمِينِ وَالْمَأْمُونِ، وَكَانَتْ شَجَاعَتُهُ قَدِ اشْتَهَرَتْ، فَرَاسَلَهُ هَرْثَمَةُ

стр. 2830

(يَسْتَمِيلُهُ، فَمَالَ إِلَيْهِ، فَانْتَقَلَ إِلَى عَسْكَرِهِ، وَقَصَدَهُ الْعَرَبُ) مِنَ الْجَزِيرَةِ، وَاسْتَخْرَجَ لَهُمُ الْأَرْزَاقَ مِنْ هَرْثَمَةَ، فَصَارَ مَعَهُ نَحْوُ أَلْفَيْ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ، فَصَارَ يُخَاطَبُ بِالْأَمِيرِ. فَلَمَّا قُتِلَ الْأَمِينُ نَقَصَهُ هَرْثَمَةُ مِنْ أَرْزَاقِهِ وَأَرْزَاقِ أَصْحَابِهِ، فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْحَجِّ، فَأَذِنَ لَهُ وَأَعْطَاهُ عِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَفَرَّقَهَا فِي أَصْحَابِهِ وَمَضَى، وَقَالَ لَهُمْ: اتَّبِعُونِي مُتَفَرِّقِينَ. فَفَعَلُوا، فَاجْتَمَعَ مَعَهُ مِنْهُمْ نَحْوٌ مِنْ مِائَتَيْ فَارِسٍ، فَسَارَ بِهِمْ إِلَى عَيْنِ التَّمْرِ وَحَصَرَ عَامِلَهَا، وَأَخَذَ مَا مَعَهُ مِنَ الْمَالِ وَفَرَّقَهُ فِي أَصْحَابِهِ. وَسَارَ، فَلَقِيَ عَامِلًا آخَرَ وَمَعَهُ مَالٌ عَلَى ثَلَاثَةِ بِغَالٍ، فَأَخَذُوهَا وَسَارَ، فَلَحِقَهُ عَسْكَرٌ كَانَ قَدْ سَيَّرَهُ هَرْثَمَةُ خَلْفَهُ، فَعَادَ إِلَيْهِمْ وَقَاتَلَهُمْ، فَهَزَمَهُمْ، وَدَخَلَ الْبَرِّيَّةَ، وَقَسَّمَ الْمَالَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ، وَانْتَشَرَ جُنْدُهُ، فَلَحِقَ بِهِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ مِنْ أَصْحَابِهِ وَغَيْرِهِمْ، فَكَثُرَ جَمْعُهُ، فَسَارَ نَحْوَ دَقُوقَاءَ، وَعَلَيْهَا أَبُو ضِرْغَامَةَ الْعِجْلِيُّ، فِي سَبْعِمِائَةِ فَارِسٍ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ فَلَقِيَهُ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ أَبُو ضِرْغَامَةَ وَدَخَلَ قَصْرَ دَقُوقَاءَ، فَحَصَرَهُ أَبُو السَّرَايَا، وَأَخْرَجَهُ مِنَ الْقَصْرِ بِالْأَمَانِ، وَأَخَذَ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ. وَسَارَ إِلَى الْأَنْبَارِ وَعَلَيْهَا إِبْرَاهِيمُ الشَّرَوِيُّ، مَوْلَى الْمَنْصُورِ، فَقَتَلَهُ أَبُو السَّرَايَا، وَأَخَذَ مَا فِيهَا وَسَارَ عَنْهَا، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهَا بَعْدَ إِدْرَاكِ الْغِلَالِ، فَاحْتَوَى عَلَيْهَا، ثُمَّ ضَجِرَ مِنْ طُولِ السُّرَى فِي الْبِلَادِ، فَقَصَدَ الرَّقَّةَ، فَمَرَّ بِطَوْقِ بْنِ مَالِكٍ التَّغْلِبِيِّ وَهُوَ يُحَارِبُ الْقَيْسِيَّةَ، فَأَعَانَهُ عَلَيْهِمْ، وَأَقَامَ مَعَهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ يُقَاتِلُ عَلَى غَيْرِ طَمَعٍ إِلَّا لِلْعَصَبِيَّةِ لِلرَّبَعِيَّةِ عَلَى الْمُضَرِيَّةِ، فَظَفِرَ طَوْقٌ وَانْقَادَتْ لَهُ قَيْسٌ. وَسَارَ عَنْهُ أَبُو السَّرَايَا إِلَى الرَّقَّةِ، فَلَمَّا وَصَلَهَا لَقِيَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ طَبَاطَبَا، فَبَايَعَهُ، وَقَالَ لَهُ: انْحَدِرْ أَنْتَ فِي الْمَاءِ، وَأَسِيرُ أَنَا عَلَى الْبَرِّ، حَتَّى نُوَافِيَ الْكُوفَةَ. فَدَخَلَاهَا، وَابْتَدَأَ أَبُو السَّرَايَا بِقَصْرِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُوسَى بْنِ عِيسَى فَأَخَذَ مَا فِيهِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْجَوَاهِرِ، وَكَانَ عَظِيمًا لَا يُحْصَى، وَبَايَعَهُمْ أَهْلُ الْكُوفَةِ. وَقِيلَ: كَانَ سَبَبَ خُرُوجِهِ أَنَّ أَبَا السَّرَايَا كَانَ مِنْ رِجَالِ هَرْثَمَةَ، فَمَطَلَهُ بِأَرْزَاقِهِ فَغَضِبَ، وَمَضَى إِلَى الْكُوفَةِ، (فَبَايَعَ ابْنَ طَبَاطَبَا، وَأَخَذَ الْكُوفَةَ) ، وَاسْتَوْسَقَ لَهُ أَهْلُهَا،

стр. 2831

وَأَتَاهُ النَّاسُ مِنْ نَوَاحِي الْكُوفَةِ وَالْأَعْرَابُ، فَبَايَعُوهُ، وَكَانَ الْعَامِلَ عَلَيْهَا لِلْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ سُلَيْمَانُ بْنُ الْمَنْصُورِ، فَلَامَهُ الْحَسَنُ، وَوَجَّهَ زُهَيْرَ بْنَ الْمُسَيَّبِ الضَّبِّيَّ إِلَى الْكُوفَةِ فِي عَشَرَةِ آلَافِ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ ابْنُ طَبَاطَبَا وَأَبُو السَّرَايَا، فَوَاقَعُوهُ فِي قَرْيَةِ شَاهِي فَهَزَمُوهُ، وَاسْتَبَاحُوا عَسْكَرَهُ، وَكَانَتِ الْوَقْعَةُ سَلْخَ جُمَادَى الْآخِرَةِ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ، مُسْتَهَلَّ رَجَبٍ، مَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَبَاطَبَا فَجْأَةً، سَمَّهُ أَبُو السَّرَايَا، وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا غَنِمَ مَا فِي عَسْكَرِ زُهَيْرٍ مَنَعَ عَنْهُ أَبَا السَّرَايَا، وَكَانَ النَّاسُ لَهُ مُطِيعِينَ، فَعَلِمَ أَبُو السَّرَايَا أَنَّهُ لَا حُكْمَ لَهُ مَعَهُ، فَسَمَّهُ فَمَاتَ، وَأَخَذَ غُلَامًا أَمْرَدَ يُقَالُ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵇ فَكَانَ الْحُكْمُ إِلَى أَبِي السَّرَايَا. وَرَجَعَ زُهَيْرٌ إِلَى قَصْرِ ابْنِ هُبَيْرَةَ، فَأَقَامَ بِهِ، وَوَجَّهَ الْحَسَنُ بْنُ سَهْلٍ عَبْدُوسَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي خَالِدٍ الْمَرْوَرُوذِيَّ، فِي أَرْبَعَةِ آلَافِ فَارِسٍ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَبُو السَّرَايَا، فَلَقِيَهُ بِالْجَامِعِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً بَقِيَتْ مِنْ رَجَبٍ، فَقَتَلَ عَبْدُوسًا، وَلَمْ يُفْلِتْ مِنْ أَصْحَابِهِ أَحَدٌ، كَانُوا بَيْنَ قَتِيلٍ وَأَسِيرٍ. وَانْتَشَرَ الطَّالِبِيُّونَ فِي الْبِلَادِ، وَضَرَبَ أَبُو السَّرَايَا الدَّرَاهِمَ بِالْكُوفَةِ، وَسَيَّرَ جُيُوشَهُ إِلَى الْبَصْرَةِ وَوَاسِطٍ وَنَوَاحِيهِمَا. فَوَلَّى الْبَصْرَةَ الْعَبَّاسَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ مُحَمَّدٍ الْجَعْفَرِيَّ. وَوَلَّى مَكَّةَ الْحُسَيْنَ بْنَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْأَفْطَسُ، وَجَعَلَ إِلَيْهِ الْمَوْسِمَ. وَوَلَّى الْيَمَنَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ. (وَوَلَّى فَارِسَ إِسْمَاعِيلَ بْنَ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ. وَوَلَّى الْأَهْوَازَ زَيْدَ بْنَ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ) ، فَسَارَ إِلَى الْبَصْرَةِ وَغَلَبَ عَلَيْهَا، وَأَخْرَجَ

стр. 2832

عَنْهَا الْعَبَّاسَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْجَعْفَرِيَّ، وَوَلِيَهَا مَعَ الْأَهْوَازِ. وَوَجَّهَ أَبُو السَّرَايَا مُحَمَّدَ بْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ بْنِ الْحَسَنِ (بْنِ الْحَسَنِ) بْنِ عَلِيٍّ إِلَى الْمَدَائِنِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْتِيَ بَغْدَاذَ مِنَ الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، فَأَتَى الْمَدَائِنَ وَأَقَامَ بِهَا، وَسَيَّرَ عَسْكَرَهُ إِلَى دَيَالَى. وَكَانَ بِوَاسِطٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الْحَرَشِيُّ وَالِيًا عَلَيْهَا مِنْ قِبَلِ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ، فَانْهَزَمَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي السَّرَايَا إِلَى بَغْدَاذَ، فَلَمَّا رَأَى الْحَسَنُ أَنَّ أَصْحَابَهُ لَا يَلْبَثُونَ لِأَصْحَابِ أَبِي السَّرَايَا - أَرْسَلَ إِلَى هَرْثَمَةَ يَسْتَدْعِيهِ لِمُحَارَبَةِ أَبِي السَّرَايَا، وَكَانَ قَدْ سَارَ إِلَى خُرَاسَانَ مُغَاضِبًا لِلْحَسَنِ، فَحَضَرَ بَعْدَ امْتِنَاعٍ، وَسَارَ إِلَى الْكُوفَةِ فِي شَعْبَانَ، وَسَيَّرَ الْحَسَنُ إِلَى الْمَدَائِنِ وَوَاسِطٍ عَلِيَّ بْنَ سَعِيدٍ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ أَبَا السَّرَايَا وَهُوَ بِقَصْرِ ابْنِ هُبَيْرَةَ، فَوَجَّهَ جَيْشًا إِلَى الْمَدَائِنِ، فَدَخَلَهَا أَصْحَابُهُ فِي رَمَضَانَ، وَتَقَدَّمَ حَتَّى نَزَلَ بِنَهْرِ صَرْصَرٍ، وَجَاءَ هَرْثَمَةُ فَعَسْكَرَ بِإِزَائِهِ، بَيْنَهُمَا النَّهْرُ، وَسَارَ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ فِي شَوَّالٍ إِلَى الْمَدَائِنِ، فَقَاتَلَ بِهَا أَصْحَابَ أَبِي السَّرَايَا، فَهَزَمَهُمْ وَاسْتَوْلَى عَلَى الْمَدَائِنِ. وَبَلَغَ الْخَبَرُ أَبَا السَّرَايَا، فَرَجَعَ مِنْ نَهْرِ صَرْصَرٍ إِلَى قَصْرِ ابْنِ هُبَيْرَةَ، فَنَزَلَ بِهِ، وَسَارَ هَرْثَمَةُ فِي طَلَبِهِ فَوَجَدَ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَتَلَهُمْ، وَوَجَّهَ رُءُوسَهُمْ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ، وَنَازَلَ هَرْثَمَةُ أَبَا السَّرَايَا، فَكَانَتْ بَيْنَهُمَا وَقْعَةٌ قُتِلَ فِيهَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي السَّرَايَا، فَانْحَازَ إِلَى الْكُوفَةِ، وَوَثَبَ مَنْ مَعَهُ مِنَ الطَّالِبِيِّينَ عَلَى دُورِ بَنِي الْعَبَّاسِ وَمَوَالِيهِمْ (وَأَتْبَاعِهِمْ، فَهَدَمُوهَا) ، وَانْتَهَبُوهَا، وَخَرَّبُوا ضِيَاعَهُمْ، وَأَخْرَجُوهُمْ مِنَ الْكُوفَةِ، وَعَمِلُوا أَعْمَالًا قَبِيحَةً، وَاسْتَخْرَجُوا الْوَدَائِعَ الَّتِي كَانَتْ لَهُمْ عِنْدَ النَّاسِ. وَكَانَ هَرْثَمَةُ يُخْبِرُ النَّاسَ أَنَّهُ يُرِيدُ الْحَجَّ، وَحَبَسَ مَنْ قَدِمَ لِلْحَجِّ مِنْ خُرَاسَانَ وَغَيْرِهَا لِيَكُونَ هُوَ أَمِيرُ الْمَوْسِمِ، وَوَجَّهَ إِلَى مَكَّةَ دَاوُدَ بْنَ عِيسَى بْنِ مُوسَى بْنِ عِيسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵃ وَكَانَ الَّذِي وَجَّهَهُ أَبُو السَّرَايَا إِلَى مَكَّةَ حُسَيْنَ بْنَ حَسَنٍ الْأَفْطَسَ ابْنِ عَلِيِّ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَوَجَّهَ إِلَى الْمَدِينَةِ مُحَمَّدَ بْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، فَدَخَلَهَا، وَلَمْ يُقَاتِلْهُ بِهَا أَحَدٌ.

стр. 2833

وَلَمَّا بَلَغَ دَاوُدَ بْنُ عِيسَى تَوْجِيهُ أَبِي السَّرَايَا حُسَيْنَ بْنَ حَسَنٍ إِلَى مَكَّةَ لِإِقَامَةِ الْمَوْسِمِ - جَمَعَ أَصْحَابَ بَنِي الْعَبَّاسِ وَمَوَالِيَهُمْ، وَكَانَ مَسْرُورٌ الْكَبِيرٌ قَدْ حَجَّ فِي مِائَتَيْ فَارِسٍ، فَتَعَبَّأَ لِلْحَرْبِ، وَقَالَ لِدَاوُدَ: أَقِمْ إِلَيَّ شَخْصَكَ، أَوْ بَعْضَ وَلَدِكَ، وَأَنَا أَكْفِيكَ، فَقَالَ: لَا أَسْتَحِلُّ الْقِتَالَ فِي الْمُحَرَّمِ، وَاللَّهِ لَئِنْ دَخَلُوهَا مِنْ هَذَا الْفَجِّ لَأَخْرُجَنَّ مِنْ غَيْرِهِ. وَانْحَازَ دَاوُدُ إِلَى نَاحِيَةِ الْمُشَاشِ، وَافْتَرَقَ الْجَمْعُ الَّذِي كَانَ جَمَعَهُمْ، وَخَافَ مَسْرُورٌ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ، فَخَرَجَ فِي أَثَرِ دَاوُدَ رَاجِعًا إِلَى الْعِرَاقِ، وَبَقِيَ النَّاسُ بِعَرَفَةَ، فَصَلَّى بِهِمْ رَجُلٌ مِنْ عُرْضِ النَّاسِ بِغَيْرِ خُطْبَةٍ، وَدَفَعُوا مِنْ عَرَفَةَ بِغَيْرِ إِمَامٍ. وَكَانَ حُسَيْنُ بْنُ حَسَنٍ بِسَرَفَ يَخَافُ دُخُولَ مَكَّةَ، حَتَّى خَرَجَ إِلَيْهِ قَوْمٌ أَخْبَرُوهُ أَنَّ مَكَّةَ قَدْ خَلَتْ مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ، فَدَخَلَهَا فِي عَشْرَةِ أَنْفُسٍ، فَطَافُوا بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَمَضَوْا إِلَى عَرَفَةَ، فَوَقَفُوا لَيْلًا ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى مُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ الصُّبْحَ، وَأَقَامَ بِمِنًى أَيَّامَ الْحَجِّ، وَبَقِيَ بِمَكَّةَ إِلَى أَنِ انْقَضَتِ السَّنَةُ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا أَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بِالْمَدِينَةِ، حَتَّى انْقَضَتِ السَّنَةُ. وَأَمَّا هَرْثَمَةُ فَإِنَّهُ نَزَلَ بِقَرْيَةِ شَاهِي، وَرَدَّ الْحَاجَّ، وَاسْتَدْعَى مَنْصُورَ بْنَ الْمَهْدِيِّ إِلَيْهِ، وَكَاتَبَ رُؤَسَاءَ أَهْلِ الْكُوفَةِ. وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ فَإِنَّهُ تَوَجَّهَ مِنَ الْمَدَائِنِ إِلَى وَاسِطٍ، فَأَخَذَهَا، وَتَوَجَّهَ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَخْذِهَا هَذِهِ السَّنَةَ. ذِكْرُ قُوَّةِ نَصْرِ بْنِ شَبَثٍ الْعُقَيْلِيِّ وَفِيهَا قَوِيَ أَمْرُ نَصْرِ بْنِ شَبَثٍ الْعُقَيْلِيِّ بِالْجَزِيرَةِ وَكَثُرَ جَمْعُهُ، وَحَصَرَ حَرَّانَ، وَأَتَاهُ نَفَرٌ مِنْ شِيعَةِ الطَّالِبِيِّينَ فَقَالُوا لَهُ: قَدْ وَتَرْتَ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَقَتَلْتَ رِجَالَهُمْ، وَأَعْلَقْتَ عَنْهُمُ الْعَرَبَ، فَلَوْ بَايَعْتَ لِخَلِيفَةٍ كَانَ أَقْوَى لِأَمْرِكَ. فَقَالَ: مِنْ أَيِّ النَّاسِ؟ فَقَالُوا: نُبَايِعُ آلَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: أُبَايِعُ

стр. 2834

[بَعْضَ] أَوْلَادِ السَّوْدَاوَاتِ، فَيَقُولُ إِنَّهُ هُوَ خَلَقَنِي وَرَزَقَنِي؟ قَالُوا: فَنُبَايِعُ لِبَعْضِ بَنِي أُمَيَّةَ، فَقَالَ: أُولَئِكَ قَدْ أَدْبَرَ أَمْرُهُمْ، وَالْمُدْبِرُ لَا يُقْبِلُ أَبَدًا، وَلَوْ سَلَّمَ عَلَيَّ رَجُلٌ مُدْبِرٌ لَأَعْدَانِي إِدْبَارُهُ، وَإِنَّمَا هَوَايَ فِي بَنِي الْعَبَّاسِ، وَإِنَّمَا حَارَبْتُهُمْ مُحَامَاةً عَلَى الْعَرَبِ لِأَنَّهُمْ يُقَدِّمُونَ عَلَيْهِمُ الْعَجَمَ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ [الْوَفَيَاتُ] فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ الْحُسَيْنُ بْنُ مُصْعَبِ بْنِ زُرَيْقٍ أَبُو طَاهِرِ بْنِ الْحُسَيْنِ بِخُرَاسَانَ، وَكَانَ طَاهِرٌ بِالرَّقَّةِ، وَحَضَرَ الْمَأْمُونُ جِنَازَتَهُ، وَنَزَلَ الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ قَبْرَهُ، وَوَجَّهَ الْمَأْمُونُ إِلَى طَاهِرٍ يُعَزِّيهِ بِأَبِيهِ. (وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو عَوْنٍ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَحْمَدَ الصَّمَادِحِيُّ، مَوْلَى آلِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، الْفَقِيهُ الْمَغْرِبِيُّ الزَّاهِدُ) . وَفِيهَا تُوُفِّيَ سَهْلُ بْنُ شَاذَوَيَهْ أَبُو هَارُونَ. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ الْهَمْدَانِيُّ الْكُوفِيُّ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو هَاشِمٍ، وَهُوَ وَالِدُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ.

стр. 2835

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ مِائَتَيْنِ] ٢٠٠ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ مِائَتَيْنِ ذِكْرُ هَرَبِ أَبِي السَّرَايَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ هَرَبَ أَبُو السَّرَايَا مِنَ الْكُوفَةِ، وَكَانَ قَدْ حَصَرَهُ فِيهَا (وَمَنْ مَعَهُ) هَرْثَمَةُ، وَجَعَلَ يُلَازِمُ قِتَالَهُمْ، حَتَّى ضَجِرُوا، وَتَرَكُوا الْقِتَالَ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَبُو السَّرَايَا، تَهَيَّأَ لِلْخُرُوجِ مِنَ الْكُوفَةِ، فَخَرَجَ فِي ثَمَانِمِائَةِ فَارِسٍ، وَمَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، وَدَخَلَهَا هَرْثَمَةُ فَأَمَّنَ أَهْلَهَا، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ إِلَيْهِمْ، وَكَانَ هَرَبُهُ سَادِسَ عَشَرَ الْمُحَرَّمِ، وَأَتَى الْقَادِسِيَّةَ، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى السُّوسِ بِخُوزِسْتَانَ فَلَقِيَ مَالًا قَدْ حُمِلَ مِنَ الْأَهْوَازِ فَأَخَذَهُ وَقَسَّمَهُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ. وَأَتَاهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْمَأْمُونِيُّ، فَأَمَرَهُ بِالْخُرُوجِ مِنْ عَمَلِهِ، وَكَرِهَ قِتَالَهُ، فَأَبَى أَبُو السَّرَايَا إِلَّا قِتَالَهُ، فَقَاتَلَهُ، فَهَزَمَهُ الْمَأْمُونِيُّ وَجَرَحَهُ، وَتَفَرَّقَ أَصْحَابُهُ، وَسَارَ هُوَ وَمُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَأَبُو الشَّوْكِ نَحْوَ مَنْزِلِ أَبِي السَّرَايَا بِرَأْسِ عَيْنٍ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى جَلُولَاءَ ظَفِرَ بِهِمْ حَمَّادٌ الْكُنْدُغُوشُ، فَأَخَذَهُمْ، وَأَتَى بِهِمُ الْحَسَنَ بْنَ سَهْلٍ وَهُوَ بِالنَّهْرَوَانِ، فَقَتَلَ أَبَا السَّرَايَا، وَبَعَثَ رَأَسَهُ إِلَى الْمَأْمُونِ، وَنُصِبَتْ جُثَّتُهُ عَلَى جِسْرِ بَغْدَاذَ، وَسَيَّرَ مُحَمَّدَ بْنَ مُحَمَّدٍ إِلَى الْمَأْمُونِ.

стр. 2836

وَأَمَّا هَرْثَمَةُ فَإِنَّهُ أَقَامَ بِالْكُوفَةِ يَوْمًا وَاحِدًا (وَعَادَ) ، وَاسْتَخْلَفَ بِهَا غَسَّانَ بْنَ أَبِي الْفَرَجِ أَبَا إِبْرَاهِيمَ بْنِ غَسَّانَ، صَاحِبِ (حَرَسٍ) وَالِي خُرَاسَانَ. وَسَارَ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَأَخَذَهَا مِنَ الْعَلَوِيِّينَ. وَكَانَ زَيْدُ بْنُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵇ وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى زَيْدَ النَّارِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِهَا لِكَثْرَةِ مَا أَحْرَقَ بِالْبَصْرَةِ مِنْ دُورِ الْعَبَّاسِيِّينَ وَأَتْبَاعِهِمْ، وَكَانَ إِذَا أَتَى رَجُلٌ مِنَ الْمُسَوِّدَةِ أَحْرَقَهُ، وَأَخَذَ أَمْوَالًا كَثِيرَةً مِنْ أَمْوَالِ التُّجَّارِ سِوَى أَمْوَالِ بَنِي الْعَبَّاسِ، فَلَمَّا وَصَلَ عَلِيٌّ إِلَى الْبَصْرَةِ اسْتَأْمَنَهُ زَيْدٌ فَأَمَّنَهُ، وَأَخَذَهُ، وَبَعَثَ إِلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْيَمَنِ جَيْشًا، فَأَمَرَهُمْ بِمُحَارَبَةِ مَنْ بِهَا مِنَ الْعَلَوِيِّينَ. وَكَانَ بَيْنَ خُرُوجِ أَبِي السَّرَايَا وَقَتْلِهِ عَشَرَةُ أَشْهُرٍ. ذِكْرُ ظُهُورِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ ظَهَرَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَكَانَ بِمَكَّةَ، فَلَمَّا بَلَغَهُ خَبَرُ أَبِي السَّرَايَا وَمَا كَانَ مِنْهُ - سَارَ إِلَى الْيَمَنِ وَبِهَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى بْنِ عِيسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَامِلًا لِلْمَأْمُونِ، فَلَمَّا بَلَغَهُ قُرْبُ إِبْرَاهِيمَ مِنْ صَنْعَاءَ، سَارَ مِنْهَا نَحْوَ مَكَّةَ، فَأَتَى الْمُشَاشَ فَعَسْكَرَ بِهَا، وَاجْتَمَعَ بِهَا إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ هَرَبُوا مِنَ الْعَلَوِيِّينَ، وَاسْتَوْلَى إِبْرَاهِيمُ عَلَى الْيَمَنِ، وَكَانَ يُسَمَّى الْجَزَّارَ لِكَثْرَةِ مَنْ قَتَلَ بِالْيَمَنِ وَسَبَى وَأَخَذَ الْأَمْوَالَ.

стр. 2837

ذِكْرُ مَا فَعَلَهُ الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْأَفْطَسُ بِمَكَّةَ وَالْبَيْعَةِ لِمُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْمُحَرَّمِ، نَزَعَ الْحُسَيْنُ كُسْوَةَ الْكَعْبَةِ، وَكَسَاهَا كُسْوَةً أُخْرَى، أَنْفَذَهَا أَبُو السَّرَايَا مِنَ الْكُوفَةِ، مِنَ الْقَزِّ، وَتَتَبَّعَ وَدَائِعَ بَنِي الْعَبَّاسِ وَأَتْبَاعَهُمْ وَأَخَذَهَا، وَأَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِحُجَّةِ الْوَدَائِعِ، فَهَرَبَ النَّاسُ مِنْهُ، وَتَطَرَّقَ أَصْحَابُهُ إِلَى قَلْعِ شَبَابِيكِ الْحَرَمِ، وَأَخْذِ مَا عَلَى الْأَسَاطِينِ مِنَ الذَّهَبِ، وَهُوَ نَزْرٌ حَقِيرٌ، وَأَخْذِ مَا فِي خِزَانَةِ الْكَعْبَةِ، فَقَسَّمَهُ مَعَ كُسْوَتِهَا عَلَى أَصْحَابِهِ. فَلَمَّا بَلَغَهُ قَتْلُ أَبِي السَّرَايَا، وَرَأَى تَغَيُّرَ النَّاسِ لِسُوءِ سِيرَتِهِ وَسِيرَةِ أَصْحَابِهِ، أَتَى هُوَ وَأَصْحَابُهُ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵇ وَكَانَ شَيْخًا مُحَبَّبًا لِلنَّاسِ، مُفَارِقًا لِمَا عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ مِنْ قُبْحِ السِّيرَةِ، وَكَانَ يَرْوِي الْعِلْمَ عَنْ أَبِيهِ جَعْفَرٍ ﵁ وَكَانَ النَّاسُ يَكْتُبُونَ عَنْهُ، وَكَانَ يُظْهِرُ زُهْدًا، فَلَمَّا أَتَوْهُ قَالُوا لَهُ: تَعْلَمُ مَنْزِلَتَكَ مِنَ النَّاسِ، فَهَلُمَّ نُبَايِعْ لَكَ بِالْخِلَافَةِ، فَإِنْ فَعَلْتَ لَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْكَ رَجُلَانِ. فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ ابْنُهُ عَلِيٌّ وَالْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْأَفْطَسُ حَتَّى غَلَبَاهُ عَلَى رَأْيِهِ، وَأَجَابَهُمْ، وَأَقَامُوهُ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَبَايَعُوهُ بِالْخِلَافَةِ، وَجَمَعُوا لَهُ النَّاسَ، فَبَايَعُوهُ طَوْعًا وَكَرْهًا، وَسَمَّوْهُ " أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ "، فَبَقِيَ شُهُورًا وَلَيْسَ لَهُ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، وَابْنُهُ عَلِيٌّ وَالْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ وَجَمَاعَتُهُمْ أَسْوَأُ مَا كَانُوا سِيرَةً وَأَقْبَحُ فِعْلًا، فَوَثَبَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي فِهْرٍ كَانْتْ جَمِيلَةً، وَأَرَادَهَا عَلَى نَفْسِهَا، فَامْتَنَعَتْ، فَأَخَافَ زَوْجَهَا، وَهُوَ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ، حَتَّى تَوَارَى عَنْهُ، ثُمَّ كَسَرَ بَابَ دَارِهَا، وَأَخَذَهَا إِلَيْهِ مُدَّةً ثُمَّ هَرَبَتْ مِنْهُ. وَوَثَبَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَلَى غُلَامٍ أَمَرَدَ، وَهُوَ ابْنُ قَاضِي مَكَّةَ، يُقَالُ لَهُ إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَكَانَ جَمِيلًا، فَأَخَذَهُ قَهْرًا. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَهْلُ مَكَّةَ وَمَنْ بِهَا مِنَ الْمُجَاوِرِينَ اجْتَمَعُوا بِالْحَرَمِ، وَاجْتَمَعَ مَعَهُمْ جَمْعٌ كَثِيرٌ، فَأَتَوْ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ، فَقَالُوا لَهُ: لَنَخْلَعَنَّكَ، أَوْ لَنَقْتُلَنَّكَ، أَوْ لَتَرُدَنَّ إِلَيْنَا هَذَا الْغُلَامَ! فَأَغْلَقَ بَابَهُ وَكَلَّمَهُمْ مِنْ شُبَّاكٍ، وَطَلَبَ مِنْهُمُ الْأَمَانَ لِيَرْكَبَ إِلَى ابْنِهِ وَيَأْخُذَ الْغُلَامَ، وَحَلَفَ لَهُمْ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ، فَأَمَّنُوهُ،

стр. 2838

فَرَكِبَ (إِلَى ابْنِهِ) وَأَخَذَ الْغُلَامَ مِنْهُ وَسَلَّمَهُ إِلَى أَهْلِهِ. وَلَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى قَدِمَ إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْعَبَّاسِيُّ مِنَ الْيَمَنِ فَنَزَلَ الْمُشَاشَ، وَاجْتَمَعَ الطَّالِبِيُّونَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ وَأَعْلَمُوهُ، وَحَفَرُوا خَنْدَقًا، وَجَمَعُوا النَّاسَ مِنَ الْأَعْرَابِ وَغَيْرِهِمْ، فَقَاتَلَهُمْ إِسْحَاقُ، ثُمَّ كَرِهَ الْقِتَالَ، فَسَارَ نَحْوَ الْعِرَاقِ، فَلَقِيَهُ الْجُنْدُ الَّذِينَ أَنْفَذَهُمْ هَرْثَمَةُ إِلَى مَكَّةَ، وَمَعَهُمُ الْجَلُودِيُّ وَرَجَاءُ بْنُ جَمِيلٍ، فَقَالُوا لِإِسْحَاقَ: ارْجِعْ مَعَنَا، وَنَحْنُ نَكْفِيكَ الْقِتَالَ. فَرَجَعَ مَعَهُمْ، فَقَاتَلُوا الطَّالِبِيِّينَ فَهَزَمُوهُمْ، فَأَرْسَلَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ يَطْلُبُ الْأَمَانَ، فَأَمَّنُوهُ، وَدَخَلَ الْعَبَّاسِيُّونَ مَكَّةَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ وَتَفَرَّقَ الطَّالِبِيُّونَ مِنْ مَكَّةَ. وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ فَسَارَ نَحْوَ الْجُحْفَةِ، فَأَدْرَكَهُ بَعْضُ مَوَالِي بَنِي الْعَبَّاسِ، فَأَخَذَ جَمِيعَ مَا مَعَهُ، وَأَعْطَاهُ دُرَيْهَمَاتٍ يَتَوَصَّلُ بِهَا، فَسَارَ نَحْوَ بِلَادِ جُهَيْنَةَ، فَجَمَعَ بِهَا، وَقَاتَلَ هَارُونَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وَالِيَ الْمَدِينَةِ، عِنْدَ الشَّجَرَةِ وَغَيْرِهَا، عِدَّةَ دَفَعَاتٍ، فَانْهَزَمَ مُحَمَّدٌ، وَفُقِئَتْ عَيْنُهُ بِنُشَّابَةٍ، وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ بَشَرٌ كَثِيرٌ، وَرَجَعَ إِلَى مَوْضِعِهِ. فَلَمَّا انْقَضَى الْمَوْسِمُ طَلَبَ الْأَمَانَ مِنَ الْجُلُودِيِّ، وَمِنْ رَجَاءِ بْنِ جَمِيلٍ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ الْفَضْلِ بْنِ سَهْلٍ، فَأَمَّنَهُ، وَضَمِنَ لَهُ رَجَاءٌ عَنِ الْمَأْمُونِ وَعَنِ الْفَضْلِ الْوَفَاءَ بِالْأَمَانِ، فَقَبِلَ ذَلِكَ، فَأَتَى مَكَّةَ لِعَشْرٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَخَطَبَ النَّاسَ وَقَالَ: إِنَّنِي بَلَغَنِي أَنَّ الْمَأْمُونَ مَاتَ، وَكَانَتْ لَهُ فِي عُنُقِي بَيْعَةٌ، وَكَانَتْ فِتْنَةٌ عَمَّتِ الْأَرْضَ، فَبَايَعَنِي النَّاسُ، ثُمَّ إِنَّهُ صَحَّ عِنْدِي أَنَّ الْمَأْمُونَ حَيٌّ صَحِيحٌ، وَأَنَا أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنَ الْبَيْعَةِ، وَقَدْ خَلَعْتُ نَفْسِي مِنَ الْبَيْعَةِ الَّتِي بَايَعْتُمُونِي عَلَيْهَا، كَمَا خَلَعْتُ خَاتَمِي هَذَا مِنْ إِصْبَعِي، فَلَا بَيْعَةَ لِي فِي رِقَابِكُمْ.

стр. 2839

ثُمَّ نَزَلَ وَسَارَ سَنَةَ إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ إِلَى الْعِرَاقِ، فَسَيَّرَهُ الْحَسَنُ بْنُ سَهْلٍ إِلَى الْمَأْمُونِ بِمَرْوَ، فَلَمَّا سَارَ الْمَأْمُونُ إِلَى الْعِرَاقِ صَحِبَهُ، فَمَاتَ بِجُرْجَانَ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -. ذِكْرُ مَا فَعَلَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَجَّهَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ مِنَ الْيَمَنِ رَجُلًا مِنْ وَلَدِ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (فِي جُنْدٍ) لِيَحُجَّ بِالنَّاسِ، فَسَارَ الْعَقِيلِيُّ حَتَّى أَتَى بُسْتَانَ ابْنِ عَامِرٍ، فَبَلَغَهُ أَنَّ أَبَا إِسْحَاقَ الْمُعْتَصِمَ قَدْ حَجَّ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْقُوَّادِ، فِيهِمْ حَمْدَوَيْهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ، وَقَدِ اسْتَعْمَلَهُ الْحَسَنُ بْنُ سَهْلٍ عَلَى الْيَمَنِ، فَعَلِمَ الْعَقِيلِيُّ أَنَّهُ لَا يَقْوَى بِهِمْ، فَأَقَامَ بِبُسْتَانِ ابْنِ عَامِرٍ، فَاجْتَازَ قَافِلَةً مِنَ الْحَاجِّ، وَمَعَهُمْ كُسْوَةُ الْكَعْبَةِ وَطِيبُهَا، فَأَخَذَ أَمْوَالَ التُّجَّارِ وَكُسْوَةَ الْكَعْبَةِ وَطِيبَهَا، وَقَدِمَ الْحَجَّاجُ مَكَّةَ عُرَاةً مَنْهُوبِينَ. فَاسْتَشَارَ الْمُعْتَصِمُ أَصْحَابَهُ، فَقَالَ الْجُلُودِيُّ: أَنَا أَكْفِيكَ ذَلِكَ. فَانْتَخَبَ مِائَةَ رَجُلٍ، وَسَارَ بِهِمْ إِلَى الْعَقِيلِيِّ، فَصَحِبَهُمْ، فَقَاتَلَهُمْ فَانْهَزَمُوا، وَأَسَرَ أَكْثَرَهُمْ، وَأَخَذَ كُسْوَةَ الْكَعْبَةِ وَأَمْوَالَ التُّجَّارِ، إِلَّا مَا كَانَ مَعَ مَنْ هَرَبَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَرَدَّهُ وَأَخَذَ الْأَسْرَى، فَضَرَبَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَشْرَةَ أَسْوَاطٍ وَأَطْلَقَهُمْ، فَرَجَعُوا إِلَى الْيَمَنِ يَسْتَطْعِمُونَ النَّاسَ، فَهَلَكَ أَكْثَرُهُمْ فِي الطَّرِيقِ. ذِكْرُ مَسِيرَةِ هَرْثَمَةَ إِلَى الْمَأْمُونِ وَقَتْلِهِ لَمَّا فَرَغَ هَرْثَمَةُ مِنْ أَبِي السَّرَايَا رَجَعَ فَلَمْ يَأْتِ الْحَسَنَ بْنَ سَهْلٍ، وَكَانَ بِالْمَدَائِنِ، بَلْ سَارَ عَلَى عَقْرَقُوفَ حَتَّى أَتَى الْبَرَدَانَ، وَالنَّهْرَوَانَ، وَأَتَى خُرَاسَانَ، فَأَتَتْهُ كُتُبُ الْمَأْمُونِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنْ يَأْتِيَ إِلَى الْشَّامِ وَالْحِجَازِ، فَأَبَى وَقَالَ: لَا أَرْجِعُ حَتَّى أَلْقَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. إِدْلَالًا مِنْهُ عَلَيْهِ، وَلِمَا يَعْرِفُ مِنْ نَصِيحَتِهِ لَهُ وَلِآبَائِهِ، وَأَرَادَ أَنْ يُعَرِّفَ الْمَأْمُونَ مَا يُدَبِّرُ عَلَيْهِ الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ، وَمَا يَكْتُمُ عَنْهُ مِنَ الْأَخْبَارِ، وَأَنَّهُ لَا يَدَعُهُ حَتَّى يَرُدَّهُ إِلَى بَغْدَاذَ لِيَتَوَسَّطَ سُلْطَانَهُ.

стр. 2840

فَعَلِمَ الْفَضْلُ بِذَلِكَ، فَقَالَ لِلْمَأْمُونِ: إِنَّ هَرْثَمَةَ قَدْ أَثْقَلَ عَلَيْكَ الْبِلَادَ وَالْعِبَادَ، وَدَسَّ أَبَا السَّرَايَا، وَهُوَ مِنْ جُنْدِهِ، وَلَوْ أَرَادَ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، وَقَدْ كُتِبَ إِلَيْهِ عِدَّةُ كُتُبٍ لِيَرْجِعَ إِلَى الشَّامِ وَالْحِجَازِ فَلَمْ يَفْعَلْ، وَقَدْ جَاءَ مُشَاقًّا يُظْهِرُ الْقَوْلَ الشَّدِيدَ، فَإِنْ أُطْلِقَ (هَذَا كَانَ مَفْسَدَةً) لِغَيْرِهِ. فَتَغَيَّرَ قَلْبُ الْمَأْمُونِ، وَأَبْطَأَ هَرْثَمَةُ إِلَى ذِي الْقِعْدَةِ، فَلَمَّا بَلَغَ مَرْوَ خَشِيَ أَنْ يَكْتُمَ قُدُومَهُ عَنِ الْمَأْمُونِ، فَأَمَرَ بِالطُّبُولِ فَضُرِبَتْ لِكَيْ يَسْمَعَهَا الْمَأْمُونُ، فَسَمِعَهُ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: هَرْثَمَةُ قَدْ أَقْبَلَ يُرْعِدُ وَيُبْرِقُ. فَظَنَّ هَرْثَمَةُ أَنَّ قَوْلَهُ الْمَقْبُولُ، فَأَمَرَ الْمَأْمُونُ بِإِدْخَالِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ: مَالَأْتَ أَهْلَ الْكُوفَةِ الْعَلَوِيِّينَ، وَوَضَعْتَ أَبَا السَّرَايَا، وَلَوْ شِئْتَ أَنْ تَأْخُذَهُمْ جَمِيعًا لَفَعَلْتَ. فَذَهَبَ هَرْثَمَةُ يَتَكَلَّمُ وَيَعْتَذِرُ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ، فَأَمَرَ بِهِ فَدِيسَ بَطْنُهُ، وَضُرِبَ أَنْفُهُ، وَسُحِبَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَقَدْ أَمَرَ الْفَضْلُ الْأَعْوَانَ بِالتَّشْدِيدِ عَلَيْهِ، فَحُبِسَ، فَمَكَثَ فِي الْحَبْسِ أَيَّامًا، ثُمَّ دَسَّ إِلَيْهِ مَنْ قَتَلَهُ، وَقَالُوا: مَاتَ. ذِكْرُ وَثَوْبِ الْحَرْبِيَّةِ بِبَغْدَاذَ وَفِيهَا كَانَ مِنَ الشَّغَبِ بِبَغْدَاذَ بَيْنَ الْحَرْبِيَّةِ وَالْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ، وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ سَهْلٍ كَانَ بِالْمَدَائِنِ حِينَ شَخَصَ هَرْثَمَةُ إِلَى الْمَأْمُونِ، فَلَمَّا اتَّصَلَ بِبَغْدَاذَ، وَسَمِعَ مَا صَنَعَهُ الْمَأْمُونُ بِهَرْثَمَةَ، بَعَثَ الْحَسَنُ بْنُ سَهْلٍ إِلَى عَلِيِّ بْنِ هِشَامٍ، وَهُوَ وَالِي بَغْدَاذَ مِنْ قِبَلِهِ، أَنْ مَاطِلِ الْجُنْدَ مِنَ الْحَرْبِيَّةِ أَرْزَاقَهُمْ وَلَا تُعْطِهِمْ. وَكَانَ الْحَرْبِيَّةُ قَبْلَ ذَلِكَ حِينَ خَرَجَ هَرْثَمَةُ إِلَى خُرَاسَانَ قَدْ وَثَبُوا، وَقَالُوا: لَا نَرْضَى حَتَّى نَطْرُدَ الْحَسَنَ وَعُمَّالَهُ عَنْ بَغْدَاذَ. فَطَرَدُوهُمْ، وَصَيَّرُوا إِسْحَاقَ بْنَ مُوسَى الْهَادِيَ خَلِيفَةَ الْمَأْمُونِ بِبَغْدَاذَ، وَاجْتَمَعَ أَهْلُ الْجَانِبَيْنِ عَلَى ذَلِكَ وَرَضُوا بِهِ. فَدَسَّ الْحَسَنُ إِلَيْهِمْ، وَكَاتَبَ قُوَّادَهُمْ حَتَّى يَبْعَثُوا مِنْ جَانِبِ عَسْكَرِ الْمَهْدِيِّ، فَحَوَّلَ
следующие страницы →