← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

ثِقَةً بِرَبِّنَا، وَاعْتِمَادًا عَلَى جَمِيلِ عَوَائِدِهِ عِنْدَنَا. وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَمْرِ سُلْطَانِكَ فَإِنَّ سُلْطَانَكَ لَا يَزَالُ مِنَّا قَرِيبٌ، وَبِحَالِنَا عَالِمًا، (فَلَا قَدَّمَ أَجَلًا وَلَا أَخَّرَهُ) ، وَلَا بَسَطَ رِزْقًا، وَلَا قَبَضَهُ، قَدْ بَعَثْنَا عَلَى مُقَابَلَتِكَ، وَسَتَعْلَمُ عَنْ قَرِيبٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَعَرَضَ نَصْرٌ كِتَابَ هَارُونَ عَلَى الْمُعْتَضِدِ، فَجَدَّ فِي قَصْدِهِ، وَوَلَّى الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ كَوْرَةَ الْمَوْصِلَ، وَأَمَرَهُ بِقَصْدِ الْخَوَارِجِ، وَأَمَرَ مُقَدَّمِي الْوِلَايَاتِ وَالْعُمَّالَ كَافَّةً بِطَاعَتِهِ، فَجَمَعَهُمْ، وَسَارَ إِلَى أَعْمَالِ الْمَوْصِلِ، وَخَنْدَقَ عَلَى نَفْسِهِ، وَأَقَامَ إِلَى أَنْ رَفَعَ النَّاسُ غَلَّاتِهِمْ، ثُمَّ سَارَ الْخَوَارِجُ، وَعَبَرَ الزَّابَ إِلَيْهِمْ، فَلَقِيَهُمْ قَرِيبًا مِنَ الْمُغَلَّةِ، وَتَصَافُّوا لِلْحَرْبِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَانْكَشَفَ الْخَوَارِجُ عَنْهُ لِيُفَرِّقُوا جَمْعِيَّتَهُ، ثُمَّ يَعْطِفُوا عَلَيْهِ، فَأَمَرَ الْحَسَنُ أَصْحَابَهُ بِلُزُومِ (مَوَاقِفِهِمْ، فَفَعَلُوا، فَرَجَعَ الْخَوَارِجُ، وَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ سَبْعَ عَشْرَةَ حَمْلَةً، فَانْكَشَفَتْ) مَيْمَنَةُ الْحَسَنِ، وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَثَبَتَ هُوَ، فَحَمَلَ الْخَوَارِجُ عَلَيْهِ حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَثَبَتَ لَهُمْ وَضَرَبَ عَلَى رَأْسِهِ عِدَّةَ ضَرَبَاتٍ فَلَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِ. فَلَمَّا رَأَى أَصْحَابُهُ ثَبَاتَهُ تَرَاجَعُوا إِلَيْهِ وَصَبَرُوا، (فَانْهَزَمَ الْخَوَارِجُ أَقْبَحَ هَزِيمَةٍ) ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَفَارَقُوا مَوْضِعَ الْمَعْرَكَةِ، وَدَخَلُوا أَذْرَبِيجَانَ. وَأَمَّا هَارُونُ فَإِنَّهُ تَحَيَّرَ فِي أَمْرِهِ، وَقَصَدَ الْبَرِّيَّةَ، (وَنَزَلَ عِنْدَ بَنِي تَغْلِبَ، ثُمَّ عَادَ مَعْلَثَايَا، ثُمَّ) عَادَ إِلَى الْبَرِّيَّةِ، ثُمَّ رَجَعَ عَبْرَ دِجْلَةَ إِلَى حَزَّةَ، وَعَادَ إِلَى الْبَرِّيَّةِ. وَأَمَّا وُجُوهُ أَصْحَابِهِ، فَإِنَّهُمْ لَمَّا رَأَوْا إِقْبَالَ دَوْلَةِ الْمُعْتَضِدِ وَقُوَّتَهُ، وَمَا لَحِقَهُمْ فِي هَذِهِ الْوَقْعَةِ، رَاسَلُوا الْمُعْتَضِدَ يَطْلُبُونَ الْأَمَانَ فَأَمَّنَهُمْ، فَأَتَاهُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، يَبْلُغُونَ ثَلَاثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ رَجُلًا، وَبَقِيَ مَعَهُ بَعْضُهُمْ يَجُولُ بِهِمْ فِي الْبِلَادِ، إِلَى أَنْ قُتِلَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ [وَمِائَتَيْنِ] عَلَى مَا نَذْكُرُهُ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ قُبِضَ عَلَى تَكْتِمُرَ بْنِ طَاشْتِمُرَ، وَقُيِّدَ وَأُخِذَ مَالُهُ ;

стр. 3432

(وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى) الْمَوْصِلِ، وَاسْتَعْمَلَ بَعْدَهُ عَلَيْهَا الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ الْخُرَاسَانِيَّ، وَيُعْرَفُ بِكَوْرَةَ. وَفِيهَاَ قَدِمَ ابْنُ الْجَصَّاصِ بِابْنَةِ خُمَارَوَيْهِ زَوْجَةِ الْمُعْتَضِدِ، وَمَعَهَا أَحَدُ عُمُومَتِهَا، وَكَانَ الْمُعْتَضِدُ بِالْمَوْصِلِ. وَفِيهَا عَادَ الْمُعْتَضِدُ إِلَى بَغْدَادَ، وَزُفَّتْ إِلَيْهِ ابْنَةُ خُمَارَوَيْهِ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ وَفِيهَا سَارَ الْمُعْتَضِدُ إِلَى الْجَبَلِ، فَبَلَغَ الْكَرَجَ، وَأَخَذَ أَمْوَالًا لِابْنِ أَبِي دُلَفَ، وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَطْلُبُ مِنْهُ جَوْهَرًا كَانَ عِنْدَهُ، فَوَجَّهَ بِهِ إِلَيْهِ، تَنَحَّى مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ. وَفِيهَا أُطْلِقَ لُؤْلُؤٌ غُلَامُ ابْنِ طُولُونَ، وَحُمِلَ عَلَى دَوَابَّ وَبِغَالٍ. وَفِيهَا وَجَّهَ يُوسُفُ بْنُ أَبِي السَّاجِ إِلَى الصَّيْمَرَةِ مَدَدًا الْقَلَانِسِيَّ غُلَامَ الْمُوَفَّقِ، فَهَرَبَ يُوسُفُ فِيمَنْ أَطَاعَهُ إِلَى أَخِيهِ مُحَمَّدٍ بِمَرَاغَةَ، وَلَقِيَ مَالًا لِلْمُعْتَضِدِ فَأَخَذَهُ، فَقَالَ فِي ذَلِكَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ: إِمَامَ الْهُدَى أَنْصَارُكُمْ آلُ طَاهِرٍ ... بِلَا سَبَبٍ تُخْفُونَ وَالدَّهْرُ يَذْهَبُ وَقَدْ خَلَطُوا شُكْرًا بِصَبْرٍ وَرَابَطُو ... وَغَيْرُهُمْ يُعْطِي وَيَحْبِي وَيَهْرَبُ

стр. 3433

وَفِيهَا وَجَّهَ الْمُعْتَضِدُ وَزِيرَهُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ سُلَيْمَانَ إِلَى ابْنِهِ بِالرَّيِّ وَعَادَ مِنْهَا. وَفِيهَا وُجِّهَ مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ الْعَلَوِيُّ مِنْ طَبَرِسْتَانَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ وَرْدٍ الْعَطَّارِ بِاثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ لِيُفَرِّقَهَا عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ بِبَغْدَاذَ، وَالْكُوفَةِ، وَالْمَدِينَةِ، فَسَعَى بِهِ الْمُعْتَضِدُ، فَأُحْضِرَ مُحَمَّدٌ عِنْدَ بَدْرٍ، وَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَأَقَرَّ أَنَّهُ يُوَجِّهُ إِلَيْهِ كُلَّ سَنَةٍ مِثْلَ ذَلِكَ، فَفَرَّقَهُ، وَأَنْهَى بَدْرٌ إِلَى الْمُعْتَضِدِ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ الْمُعْتَضِدُ: أَمَا تَذْكُرُ الرُّؤْيَا الَّتِي خَبَّرْتُكَ بِهَا؟ قَالَ: لَا، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ; قَالَ: رَأَيْتُ فِي النَّوْمِ كَأَنِّي أُرِيدُ نَاحِيَةَ النَّهْرَوَانِ، وَأَنَا فِي جَيْشِي، إِذْ مَرَرْتُ بِرَجُلٍ وَاقِفٍ عَلَى تَلٍّ يُصَلِّي وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَيَّ، فَعَجِبْتُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ لِي: أَقْبِلْ، فَأَقْبَلْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ لِي: أَتَعْرِفُنِي؟ قُلْتُ: لَا! قَالَ: أَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، خُذْ هَذِهِ فَاضْرِبْ بِهَا الْأَرْضَ، بِمِسْحَاةٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَخَذْتُهَا، فَضَرَبْتُ بِهَا ضَرَبَاتٍ، فَقَالَ لِي: إِنَّهُ سَيَلِي مِنْ وَالَدِكَ هَذَا الْأَمْرَ بِعَدَدِ الضَّرَبَاتِ، فَأَوْصِهِمْ بِوَلَدِي خَيْرًا. وَأَمَرَ بَدْرًا بِإِطْلَاقِ الْمَالِ وَالرَّجُلِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى صَاحِبِهِ بِطَبَرِسْتَانَ أَنْ يُوَجِّهَ مَا يُرِيدُ ظَاهِرًا، وَأَنْ يُفَرِّقَ مَا يَأْتِيهِ ظَاهِرًا، وَتَقَدَّمَ بِمَعُونَتِهِ عَلَى ذَلِكَ. (وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو طَلْحَةَ مَنْصُورُ بْنُ مُسْلِمٍ فِي حَبْسِ الْمُعْتَضِدِ) . (وَفِيهَا وَلَدَتْ جَارِيَةٌ اسْمُهَا شَغَبُ لِلْمُعْتَضِدِ وَلَدًا سَمَّاهُ جَعْفَرًا، وَهُوَ الْمُقْتَدِرُ) . وَفِيهَا قُتِلَ خُمَارَوَيْهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ، ذَبَحَهُ بَعْضُ خَدَمِهِ عَلَى فِرَاشِهِ فِي ذِي الْحِجَّةِ بِدِمَشْقَ، وَقُتِلَ مِنْ خَدَمِهِ الَّذِينَ اتُّهِمُوا نَيِّفٌ وَعِشْرُونَ نَفْسًا. وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّهُ سَعَى إِلَيْهِ بَعْضُ النَّاسِ، وَقَالَ لَهُ إِنَّ جَوَارِيَ دَارِهِ قَدِ اتَّخَذَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ خَصِيًّا مِنْ خِصْيَانِ دَارِهِ لَهَا كَالزَّوْجِ، وَقَالَ: إِنْ شِئْتَ أَنْ تَعْلَمَ صِحَّةَ ذَلِكَ فَأَحْضِرْ بَعْضَ الْجَوَارِي فَاضْرِبْهَا وَقَرِّرْهَا، حَتَّى تَعْلَمَ صِحَّةَ ذَلِكَ. فَبَعَثَ مِنْ وَقْتِهِ إِلَى نَائِبِهِ بِمِصْرَ يَأْمُرُهُ بِإِحْضَارِ عِدَّةٍ مِنَ الْجَوَارِي لِيَعْلَمَ الْحَالَ مِنْهُنَّ، فَاجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ مِنَ

стр. 3434

الْخَدَمِ، وَقَرَّرُوا بَيْنَهُمُ الِاتِّفَاقَ عَلَى قَتْلِهِ، خَوْفًا مِنْ ظُهُورِ مَا قِيلَ لَهُ، وَكَانُوا خَاصَّتَهُ، فَذَبَحُوهُ لَيْلًا وَهَرَبُوا. فَلَمَّا قُتِلَ اجْتَمَعَ الْقُوَّادُ، وَأَجْلَسُوا ابْنَهُ جَيْشَ بْنَ خُمَارَوَيْهِ فِي الْإِمَارَةِ، وَكَانَ مَعَهُ بِدِمَشْقَ، وَهُوَ أَكْبَرُ وَلَدِهِ، فَبَايَعُوهُ فَفُرِّقَتْ فِيهِمُ الْأَمْوَالُ وَكَانَ صَبِيًّا غِرًّا. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ خَالِدٍ أَبُو سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ أَخَذَ الْفِقْهَ عَنِ الْبُوَيْطِيِّ صَاحِبِ الشَّافِعِيِّ، وَالْأَدَبَ عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو حَنِيفَةَ أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ الدِّينَوَرِيُّ اللُّغَوِيُّ صَاحِبُ كِتَابِ النَّبَاتِ وَغَيْرِهِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، وَلَهُ " مُسْنَدٌ " يُرْوَى غَالِبًا فِي زَمَانِنَا هَذَا. (وَأَبُو الْعَيْنَاءِ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ، وَكَانَ يَرْوِي عَنِ الْأَصْمَعِيِّ) .

стр. 3435

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ] ٢٨٣ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ ذِكْرُ الظَّفَرِ بِهَارُونَ الْخَارِجِيِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ الْمُعْتَضِدُ إِلَى الْمَوْصِلِ بِسَبَبِ هَارُونَ الشَّارِيِّ وَظَفِرَ بِهِ. وَسَبَبُ الظَّفَرِ بِهِ أَنَّهُ وَصَلَ إِلَى تِكْرِيتَ، وَأَقَامَ بِهَا، وَأَحْضَرَ الْحُسَيْنَ بْنَ حَمْدَانَ التَّغْلِبِيَّ، وَسَيَّرَهُ فِي طَلَبِ هَارُونَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخَارِجِيِّ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْفُرْسَانِ، وَالرَّجَّالَةِ، فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: إِنْ أَنَا جِئْتُ بِهِ فَلِي ثَلَاثُ حَوَائِجَ عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ; قَالَ: اذْكُرْهَا! قَالَ إِحْدَاهُنَّ إِطْلَاقُ أَبِي، وَحَاجَتَانِ أَذْكُرُهُمَا بَعْدَ مَجِيئِي بِهِ. فَقَالَ لَهُ الْمُعْتَضِدُ: لَكَ ذَلِكَ. فَانْتَخَبَ ثَلَاثَمِائَةِ فَارِسٍ، وَسَارَ بِهِمْ، وَمَعَهُمْ وَصِيفُ بْنُ مُوشْكِيرَ، فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: تَأْمُرُهُ بِطَاعَتِي، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ. وَسَارَ بِهِمُ الْحُسَيْنُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَخَاضَةٍ فِي دِجْلَةَ، فَقَالَ الْحُسَيْنُ لِوَصِيفٍ وَلِمَنْ مَعَهُ: لِيَقِفُوا هُنَاكَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ طَرِيقٌ إِنْ هَرَبَ غَيْرُ هَذَا، فَلَا تَبْرَحُنَّ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ حَتَّى يَمُرَّ بِكُمْ فَتَمْنَعُوهُ عَنِ الْعُبُورِ، وَأَجِيءُ أَنَا، أَوْ يَبْلُغُكُمْ أَنِّي قُتِلْتُ. وَمَضَى حُسَيْنٌ فِي طَلَبِ هَارُونَ، (فَلَقِيَهُ، وَوَاقَعَهُ، وَقُتِلَ بَيْنَهُمَا قَتْلَى، وَانْهَزَمَ هَارُونُ، وَأَقَامَ وَصَيْفٌ عَلَى الْمَخَاضَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: قَدْ طَالَ مُقَامُنَا، وَلَسْنَا نَأْمَنُ أَنْ يَأْخُذَ حُسَيْنٌ الشَّارِيَّ، فَيَكُونَ لَهُ الْفَتْحُ دُونَنَا، وَالصَّوَابُ أَنْ نَمْضِيَ فِي آثَارِهِمْ. فَأَطَاعَهُمْ وَمَضَى. وَجَاءَ هَارُونَ مُنْهَزِمًا إِلَى مَوْضِعِ الْمَخَاضَةِ فَعَبَرَ، وَجَاءَ حُسَيْنٌ فِي أَثَرِهِ فَلَمْ يَرَ وَصِيفًا وَأَصْحَابَهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تَرَكَهُمْ فِيهِ، وَلَا عَرَفَ لَهُمْ خَبَرًا فَعَبَرَ فِي أَثَرِ هَارُونَ، وَجَاءَ

стр. 3436

إِلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَكَتَمُوهُ فَتَهَدَّدَهُمْ، فَأَعْلَمُوهُ أَنَّهُ اجْتَازَ بِهِمْ، فَتَبِعَهُ حَتَّى لَحِقَهُ بَعْدَ أَيَّامٍ، وَهَارُونُ فِي نَحْوِ مِائَةِ رَجُلٍ، فَنَاشَدَهُ الشَّارِيُّ وَوَعَدَهُ، وَأَبَى حُسَيْنٌ إِلَّا مُحَارَبَتَهُ، فَحَارَبَهُ فَأَلْقَى الْحُسَيْنُ نَفْسَهُ عَلَيْهِ، فَأَخَذَهُ أَسِيرًا وَجَاءَ بِهِ إِلَى الْمُعْتَضِدِ، فَانْصَرَفَ الْمُعْتَضِدُ إِلَى بَغْدَادَ، (فَوَصَلَهَا لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ) . وَخَلَعَ الْمُعْتَضِدُ عَلَى الْحُسَيْنِ بْنِ حَمْدَانَ، وَطَوَّقَهُ، وَخَلَعَ عَلَى إِخْوَتِهِ، وَأُدْخِلَ هَارُونُ عَلَى الْفِيلِ، وَأَمَرَ الْمُعْتَضِدُ بِحَلِّ قُيُودِ حَمْدَانَ بْنِ حَمْدُونَ وَالتَّوْسِعَةِ عَلَيْهِ، وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ، وَوَعَدَ بِإِطْلَاقِهِ. وَلَمَّا أَرْكَبُوا هَارُونَ عَلَى الْفِيلِ أَرَادُوا أَنْ يُلْبِسُوهُ دَيْبَاجًا مُشَهَّرًا، فَامْتَنَعَ، وَقَالَ: هَذَا لَا يَحِلُّ ; فَأَلْبَسُوهُ كَارِهًا، وَلَمَّا صُلِبَ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ، وَكَانَ هَارُونُ صُفْرِيًّا. ذِكْرُ عِصْيَانِ دِمَشْقَ عَلَى جَيْشِ بْنِ خُمَارَوَيْهِ، وَخِلَافِ جُنْدِهِ عَلَيْهِ، وَقَتْلِهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ جَمَاعَةٌ مِنْ قُوَّادِ جَيْشِ بْنِ خُمَارَوَيْهِ عَلَيْهِ، وَجَاهَرُوا بِالْمُخَالَفَةِ، وَقَالُوا: لَا نَرْضَى بِكَ أَمِيرًا، فَاعْتَزِلْنَا حَتَّى نُوَلِّيَ عَمَّكَ الْإِمَارَةَ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا وُلِّيَ وَكَانَ صَبِيًّا قَرَّبَ الْأَحْدَاثَ، وَالسُّفَّلَ، وَأَخْلَدَ إِلَى اسْتِمَاعِ أَقْوَالِهِمْ، فَغَيَّرُوا نِيَّتَهُ عَلَىَ قُوَّادِهِ، وَأَصْحَابِهِ، وَصَارَ يَقَعُ فِيهِمْ وَيَذُمُّهُمْ، وَيُظْهِرُ الْعَزْمَ عَلَى الِاسْتِبْدَالِ بِهِمْ، وَأَخْذِ نِعَمِهِمْ، وَأَمْوَالِهِمْ، فَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ لِيَقْتُلُوهُ، وَيُقِيمُوا عَمَّهُ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ، فَلَمْ يَكْتُمْهُ بَلْ أَطْلَقَ لِسَانَهُ فِيهِمْ، فَفَارَقَهُ بَعْضُهُمْ، وَخَلَعَهُ طُغَجُ بْنُ جَفٍّ أَمِيرُ دِمَشْقَ. وَسَارَ الْقُوَّادُ الَّذِينَ فَارَقُوهُ إِلَى بَغْدَادَ، وَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ كُنْدَاجِيقَ، وَخَاقَانُ الْمُفْلِحِيُّ، وَبَدْرُ بْنُ جَفٍّ، أَخُو طُغَجَ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ قُوَّادِ مِصْرَ، فَسَلَكُوا الْبَرِّيَّةَ، وَتَرَكُوا أَهَالِيَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ، فَتَاهُوا أَيَّامًا، وَمَاتَ مِنْ أَصْحَابِهِمْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعَطَشِ، وَخَرَجُوا فَوْقَ الْكُوفَةِ بِمَرْحَلَتَيْنِ، وَقَدِمُوا عَلَى الْمُعْتَضِدِ، فَخَلَعَ عَلَيْهِمْ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ.

стр. 3437

وَبَقِيَ سَائِرُ الْجُنُودِ بِمِصْرَ عَلَى خِلَافِهِمُ ابْنَ خُمَارَوَيْهِ، فَسَأَلَهُمْ كَاتِبُهُ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْمَاذُرَائِيُّ أَنْ يَنْصَرِفُوا يَوْمَهُمْ ذَلِكَ، (فَرَجَعُوا) ، فَقَتَلَ جَيْشٌ (عَمَّيْنِ لَهُ، وَبَكَّرَ الْجُنْدُ إِلَيْهِ، فَرَمَى بِالرَّأْسَيْنِ إِلَيْهِمْ، فَهَجَمَ الْجُنْدُ عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ) وَنَهَبُوا دَارَهُ وَنَهَبُوا مِصْرَ وَأَحْرَقُوهَا، وَأَقْعَدُوا أَخَاهُ هَارُونَ فِي الْإِمْرَةِ بَعْدَهُ، فَكَانَتْ وِلَايَتُهُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ. ذِكْرُ حَصْرِ الصَّقَالِبَةِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَتِ الصَّقَالِبَةُ إِلَى الرُّومِ، فَحَصَرُوا الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَقَتَلُوا مِنْ أَهْلِهَا خَلْقًا كَثِيرًا، وَخَرَّبُوا الْبِلَادَ، فَلَمَّا لَمْ يَجِدْ مَلِكُ الرُّومِ مِنْهُمْ خَلَاصًا جَمَعَ مَنْ عِنْدَهُ مِنْ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ، وَأَعْطَاهُمُ السِّلَاحَ، وَسَأَلَهُمْ مَعُونَتَهُ عَلَى الصَّقَالِبَةِ، فَفَعَلُوا، وَكَشَفُوا الصَّقَالِبَةَ، وَأَزَاحُوهُمْ عَنِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَلَمَّا رَأَى مَلِكُ الرُّومِ ذَلِكَ خَافَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى نَفْسِهِ، فَرَدَّهُمْ، وَأَخَذَ السِّلَاحَ مِنْهُمْ وَفَرَّقَهُمْ فِي الْبِلَادِ حَذَرًا مِنْ جِنَايَتِهِمْ عَلَيْهِ. ذِكْرُ الْفِدَاءِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَالرُّومِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ الْفِدَاءُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالرُّومِ، فَكَانَ جُمْلَةُ مَنْ فُدِيَ بِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الرِّجَالِ، وَالنِّسَاءِ، وَالصِّبْيَانِ، أَلْفَيْنِ وَخَمْسَمِائَةٍ وَأَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ. ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ عَسْكَرِ الْمُعْتَضِدِ، وَأَوْلَادِ أَبِي دُلَفَ وَفِيهَا سَارَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي دُلَفَ بِالْجَبَلِ، فَسَارَ عُمَرُ إِلَيْهِ بِالْأَمَانِ فِي شَعْبَانَ، فَأَذْعَنَ بِالطَّاعَةِ، فَخَلَعَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ. وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ قَدْ دَخَلَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِالْأَمَانِ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ وَبَدْرٍ، فَوَلَّيَاهُ عَمَلَ أَخِيهِ عَلَى أَنْ يَسِيرَ إِلَيْهِ فَيُحَارِبَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ عُمَرُ فِي الْأَمَانِ قَالَا لِبَكْرٍ: إِنَّ أَخَاكَ قَدْ دَخَلَ فِي الطَّاعَةِ، وَإِنَّمَا وَلَّيْنَاكَ عَمَلَهُ عَلَى أَنَّهُ عَاصٍ، وَالْمُعْتَضِدُ يَفْعَلُ فِي أَمْرِكُمَا مَا يَرَاهُ، فَامْضِيَا إِلَى بَابِهِ.

стр. 3438

وَوَلِيَ النُّوشَرِيُّ أَصْبَهَانَ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ مِنْ قِبَلِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَهَرَبَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَكَتَبَ عُبَيْدُ اللَّهِ إِلَى الْمُعْتَضِدِ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَى بَدْرٍ لِيُقِيمَ بِمَكَانِهِ إِلَى أَنْ يَعْرِفَ حَالَ بَكْرٍ. وَسَارَ الْوَزِيرُ إِلَى عَلِيِّ بْنِ الْمُعْتَضِدِ بِالرَّيِّ، وَلَحِقَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِالْأَهْوَازِ، فَسَيَّرَ الْمُعْتَضِدُ إِلَيْهِ وَصَيْفَ بْنَ مُوشَكِيرَ، فَسَارَ إِلَيْهِ، فَلَحِقَهُ بِحُدُودِ فَارِسَ، وَبَاتَا مُتَقَابِلَيْنِ، وَارْتَحَلَ بَكْرٌ إِلَى أَصْبَهَانَ (لَيْلًا، فَلَمْ يَتْبَعْهُ وَصَيْفٌ، بَلْ رَجَعَ إِلَى بَغْدَاذَ، وَسَارَ بَكْرٌ إِلَى أَصْبَهَانَ) ، فَكَتَبَ الْمُعْتَضِدُ إِلَى بَدْرٍ يَأْمُرُهُ بِطَلَبِ بَكْرٍ وَحَرْبِهِ، فَأَمَرَ بَدْرٌ عِيسَى النُّوشَرِيَّ بِذَلِكَ، فَقَالَ بَكْرٌ: عَنِّي مَلَامَكَ لَيْسَ حِينَ مَلَامِ ... هَيْهَاتَ أَجْدَبَ زَائِدُ الْأَيَّامِ ظَأَرَتْ عِنَايَاتُ الصِّبَا عَنْ مَفْرِقِي ... وَمَضَى أَوَانُ شَرَاسَتِي وَغَرَامِي أَلْقَى الْأَحِبَّةُ بِالْعِرَاقِ عِصِيَّهُمْ ... وَبَقِيتُ نُصْبَ حَوَادِثِ الْأَيَّامَ وَتَقَاذَفَتْ بِأَخِي النَّوَى وَرَمَتْ ... بِهِ رَمْيَ الْعَبِيدِ قَطِيعَةُ الْأَرْحَامِ فَلَأَقْرَعَنَّ صَفَاةَ دَهْرٍ نَابَهُمْ ... قَرْعًا يَهُزُّ رَوَاسِيَ الْأَعْلَامِ وَلَأَضْرِبَنَّ الْهَامَ دُونَ حَرِيمِهِمْ ... ضَرْبَ الْقُدَارِ بِقِيعَةِ الْقَدَّامِ وَلَأَتْرُكَنَّ الْوَارِدِينَ حِيَاضَهُمْ ... بِقَرَارَةٍ لِمَوْطِئِ الْأَقْدَامِ يَا بَدْرُ إِنَّكَ لَوْ شَهِدْتَ مَوَاقِفِي ... وَالْمَوْتُ يَلْحَظُ وَالسُّيُوفُ دَوَامِي لَذَمَمْتَ رَأْيَكَ فِي إِضَاعَةِ حُرْمَتِي ... وَلَضَاقَ ذَرْعُكَ فِي اطِّرَاحِ ذِمَامِي

стр. 3439

حَرَّكْتَنِي بَعْدَ السُّكُونِ وَإِنَّمَا حَرَّكْتَ مِنْ حِصْنٍ جِبَالَ تِهَامِ ... وَعَجَمْتَنِي فَعَجَمْتَ مِنِّي مَنْ حَمَى خَشِنَ الْمَنَاكِبِ كُلَّ يَوْمِ زِحَامِ ... قُلْ لِلْأَمِيرِ أَبِي مُحَمَّدٍ الَّذِي يَجْلُو بِغُرَّتِهِ دُجَى الْإِظْلَامِ ... أَسْكَنْتَنِي ظِلَّ الْعُلَا فَسَكَنْتُهُ فِي عِيشَةٍ رَغَدٍ وَعِزٍّ نَامِ ... حَتَّى إِذَا خَلَّيْتَ عَنِّيَ نَابَنِي نُوَبٌ أَتَتْ وَتَنَكَّرَتْ أَيَّامِي ... فَلَأَشْكُرَنَّ جَمِيلَ مَا أَوْلَيْتِنِي مَا غَرَّدَتْ فِي الْأَيْكِ وُرْقُ حَمَامِ ... هَذَا أَبُو حَفْصٍ يَدِي وَذَخِيرَتِي لِلنَّائِبَاتِ وَعُدَّتِي وَسَنَامِي ... نَادَيْتُهُ فَأَجَابَنِي وَهَزَزْتُهُ فَهَزَزْتُ حَدَّ الصَّارِمِ الصَّمْصَامِ ... مَنْ رَامَ أَنْ يُغْضِيَ الْجُفُونَ عَلَى الْقَذَى أَوْ يَسْتَكِينَ يَرُومُ غَيْرَ مَرَامِ ... وَيَخِيمُ حِينَ يَرَى الْأَسِنَّةَ شُرَّعًا وَالْبِيضَ مُصْلَتَةً لَضَرْبِ الْهَامِ ثُمَّ إِنَّ النُّوشَرِيَّ انْهَزَمَ عَنْ بَكْرٍ، فَقَالَ بَكْرٌ يَذْكُرُ هَرَبَهُ، وَيُعَيِّرُ وَصِيفًا بِالْإِحْجَامِ عَنْهُ، وَيَتَهَدَّدُ بَدْرًا [فِي أَبْيَاتٍ] مِنْهَا: قَدْ رَأَى النُّوشَرِيُّ حِينَ الْتَقَيْنَا ... مَنْ إِذَا أُشْرِعَ الرِّمَاحُ يَفِرُّ جَاءَ فِي قَسْطَلٍ لِهَامٍ فَصُلْنَا ... صَوْلَةً دُونَهَا الْكُمَاةُ تَهِرُّ

стр. 3440

وَلِوَاءُ النُّوشَرِيِّ آثَارُ نَارٍ رَوِيَتْ عِنْدَ ذَاكَ بِيضٌ وَسُمْرُ ... غَرَّ بَدْرًا حِلْمِي وَفَضْلٌ أَتَانِي وَاحْتِمَالِي لِلْعِبْءِ مِمَّا يَغُرُّ ... سَوْفَ يَأْتِيهِ مِنْ خُيُولِي قُبٌّ لَاحِقَاتُ الْبُطُونِ جُونٌ وَشُقْرُ ... يَتَنَادَوْنَ كَالسَّعَالِي عَلَيْهَا مِنْ بَنِي وَائِلٍ أُسُودٌ تَكُرُّ ... لَسْتُ بَكْرًا إِنْ لَمْ أَدَعْهُمْ حَدِيثًا مَا سَرَى كَوْكَبٌ وَمَا كَرَّ دَهْرُ ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَمَرَ الْمُعْتَضِدُ بِالْكِتَابَةِ إِلَى جَمِيعِ الْبُلْدَانِ أَنْ يُرَدَّ الْفَاضِلُ مِنْ سِهَامِ الْمَوَارِيثِ إِلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ، وَأَبْطَلَ دِيوَانَ الْمَوَارِيثِ. وَفِيهَا، فِي شَوَّالٍ مَاتَ [عَلِيُّ بْنُ] مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ الْقَاضِي، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ لِلْقَضَاءِ بِمَدِينَةِ الْمَنْصُورِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ. وَفِيهَا قَدِمَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي دُلَفَ بَغْدَاذَ، فَأَمَرَ الْمُعْتَضِدُ النَّاسَ وَالْقُوَّادَ بِاسْتِقْبَالِهِ، وَقَعَدَ لَهُ الْمُعْتَضِدُ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ، وَأَكْرَمَهُ وَخَلَعَ عَلَيْهِ. وَفِيهَا، (فِي رَمَضَانَ، تَحَارَبَ عَمْرُو بْنُ اللَّيْثِ الصَّفَّارُ وَرَافِعُ بْنُ هَرْثَمَةَ، فَانْهَزَمَ رَافِعٌ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ عَمْرًا فَارَقَ) نَيْسَابُورَ، فَخَالَفَهُ إِلَيْهَا رَافِعٌ وَمَلَكَهَا،

стр. 3441

وَخُطِبَ فِيهَا لِمُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ الْعَلَوِيِّ، فَرَجَعَ عَمْرٌو مِنْ مَرْوَ إِلَى نَيْسَابُورَ فَحَصَرَهَا، فَانْهَزَمَ رَافِعٌ مِنْهَا، وَوَجَّهَ عَمْرٌو فِي طَلَبِهِ عَسْكَرًا، فَلَحِقُوهُ بِطَوْسٍ، فَانْهَزَمَ مِنْهُمْ إِلَى خُوَارِزْمَ، فَلَحِقُوهُ بِهَا، فَقَتَلُوهُ وَأَرْسَلُوا رَأْسَهُ إِلَى الْمُعْتَضِدِ، فَوَصَلَهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ [وَمِائَتَيْنِ] فِي الْمُحَرَّمِ، فَأَمَرَ بِنَصْبِهِ بِبَغْدَاذَ، وَخَلَعَ عَلَى الْقَاصِدِ بِهِ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ الْبُحْتُرِيُّ الشَّاعِرُ، وَاسْمُهُ الْوَلِيدُ أَبُو عُبَادَةَ، بِمَنْبَجَ، أَوْ حَلَبَ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ سِتٍّ وَمِائَتَيْنِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَبُو بَكْرٍ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْبَاغَنْدِيِّ. وَأَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ جُرَيْجٍ الشَّاعِرُ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الرُّومِيِّ، وَقِيلَ: تُوُفِّيَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ [وَمِائَتَيْنِ] ، وَدِيوَانُهُ مَعْرُوفٌ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِيهَا تُوُفِّيَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ بْنِ رُفَيْعٍ التُّسْتَرِيُّ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ مِائَتَيْنِ، وَقِيلَ [إِحْدَى] وَمِائَتَيْنِ.

стр. 3442

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ] ٢٨٤ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ فِتْنَةٌ بِطَرَسُوسَ بَيْنَ رَاغِبٍ مَوْلَى الْمُوَفَّقِ وَبَيْنَ دُمْيَانَةَ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ رَاغِبًا تَرَكَ الدُّعَاءَ لِهَارُونَ بْنِ خُمَارَوَيْهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ، وَدَعَا لِبَدْرٍ مَوْلَى الْمُعْتَضِدِ، وَاخْتَلَفَ هُوَ وَأَحْمَدُ بْنُ طُوغَانَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَحْمَدُ بْنُ طُوغَانَ مِنَ الْفِدَاءِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ [وَمِائَتَيْنِ] رَكِبَ الْبَحْرَ وَمَضَى، وَلَمْ يَدْخُلْ طَرَسُوسَ، وَخَلَّفَ دُمْيَانَةَ بِهَا لِلْقِيَامِ بِأَمْرِهَا، وَأَمَدَّهُ ابْنُ طُوغَانَ، فَقَوِيَ بِذَلِكَ، وَأَنْكَرَ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ رَاغِبٌ، (فَوَقَعَتِ الْفِتْنَةُ، فَظَفِرَ بِهِمْ رَاغِبٌ) ، فَحَمَلَ دُمْيَانَةَ إِلَى بَغْدَاذَ. وَفِيهَا أَوْقَعَ عِيسَى بْنُ النُّوشَرِيُّ بِبَكْرِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي دُلَفَ بِنَوَاحِي أَصْبَهَانَ، فَقَتَلَ رِجَالَهُ، وَاسْتَبَاحَ عَسْكَرَهُ، وَنَجَا بَكْرٌ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَمَضَى إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ الْعَلَوِيِّ بِطَبَرِسْتَانَ، وَأَقَامَ عِنْدَهُ إِلَى سَنَةِ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ [وَمِائَتَيْنِ] وَمَاتَ، وَلَمَّا وَصَلَ خَبَرُ مَوْتِهِ إِلَى الْمُعْتَضِدِ أَعْطَى الْقَاصِدَ بِهِ أَلْفَ دِينَارٍ. وَفِيهَا، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، قُلِّدَ أَبُو عُمَرَ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الْقَضَاءَ بِمَدِينَةِ الْمَنْصُورِ (مَكَانَ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ) بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ.

стр. 3443

وَفِيهَا أُخِذَ خَادِمٌ نَصْرَانِيٌّ لِغَالِبٍ النَّصْرَانِيِّ وَشُهِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ شَتَمَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَاجْتَمَعَ أَهْلُ بَغْدَاذَ وَصَاحُوا بِالْقَاسِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَطَالَبُوهُ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، فَاجْتَمَعُوا عَلَى ذَلِكَ إِلَى دَارِ الْمُعْتَضِدِ، فَسُئِلُوا عَنْ حَالِهِمْ، فَذَكَرُوهُ لِلْمُعْتَضِدِ، فَأَرْسَلَ مَعَهُمْ إِلَى الْقَاضِي (أَبِي عُمَرَ، فَكَادُوا يَقْتُلُونَهُ مِنْ كَثْرَةِ ازْدِحَامِهِمْ، فَدَخَلَ) بَابًا، وَأَغْلَقَهُ، وَلَمْ يَكُنْ بَعْدَ ذَلِكَ لِلْخَادِمِ ذِكْرٌ، وَلَا لِلْعَامَّةِ ذِكْرُ اجْتِمَاعٍ فِي أَمْرِهِ. وَفِيهَا قَدِمَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ طَرَسُوسَ عَلَى الْمُعْتَضِدِ يَسْأَلُونَهُ أَنْ يُوَلِّيَ عَلَيْهِمْ وَالِيًا، وَكَانُوا قَدْ أَخْرَجُوا عَامِلَ ابْنِ طُولُونَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمُ الْمُعْتَضِدُ ابْنَ الْإِخْشِيدِ أَمِيرًا. وَفِيهَا، فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ ظَهَرَتْ بِمِصْرَ ظُلْمَةٌ وَحُمْرَةٌ فِي السَّمَاءِ شَدِيدَةٌ، حَتَّى كَانَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ الْآخَرِ فَيَرَاهُ أَحْمَرَ، فَمَكَثُوا كَذَلِكَ مِنَ الْعَصْرِ إِلَى الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، وَخَرَجَ النَّاسُ مِنْ مَنَازِلِهِمْ يَدْعُونَ اللَّهَ تَعَالَى، وَيَتَضَرَّعُونَ إِلَيْهِ. وَفِيهَا عَزَمَ الْمُعْتَضِدُ عَلَى لَعْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى الْمَنَابِرِ، وَأَمَرَ بِإِنْشَاءِ كِتَابٍ يُقْرَأُ عَلَى النَّاسِ، وَهُوَ كِتَابٌ طَوِيلٌ قَدْ أَحْسَنَ كِتَابَتَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَدِ اسْتَدَلَّ فِيهِ بِأَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ عَلَى وُجُوبِ لَعْنِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَا تَصِحُّ، وَذَكَرَ فِي الْكِتَابِ يَزِيدَ، وَغَيْرَهُ مِنْ بَيْنِ أُمَيَّةَ، وَعُمِلَتْ بِهِ نُسَخٌ قُرِئَتْ بِجَانِبَيْ بَغْدَاذَ، وَمُنِعَ الْقُصَّاصُ وَالْعَامَّةُ مِنَ الْقُعُودِ بِالْجَامِعَيْنِ وَرِحَابِهِمَا، وَنُهِيَ عَنْ الِاجْتِمَاعِ عَلَى قَاضٍ لِمُنَاظَرَةٍ، أَوْ جَدَلٍ فِي أَمْرِ الدِّينِ، وَنُهِيَ الَّذِينَ يَسْقُونَ الْمَاءَ فِي الْجَامِعَيْنَ أَنْ يَتَرَحَّمُوا عَلَى مُعَاوِيَةَ، أَوْ يَذْكُرُوهُ. فَقَالَ لَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ: إِنَّا نَخَافُ اضْطِرَابَ الْعَامَّةِ، وَإِثَارَةَ الْفِتْنَةِ، فَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ، فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ لِلْقَاضِي يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ لِيَحْتَالَ فِي مَنْعِهِ عَنْ ذَلِكَ، فَكَلَّمَ يُوسُفُ الْمُعْتَضِدَ، وَحَذَّرَهُ اضْطِرَابَ الْعَامَّةِ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَمَا نَصْنَعُ بِالطَّالِبِيِّينَ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَيَمِيلُ إِلَيْهِمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ لِقَرَابَتِهِمْ مِنْ

стр. 3444

رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ؟ فَإِذَا سَمِعَ النَّاسُ مَا فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنْ إِطْرَائِهِمْ كَانُوا إِلَيْهِمْ أَمْيَلَ، وَكَانُوا هُمْ أَبْسَطَ أَلْسِنَةً، وَأَظْهَرَ حُجَّةً فِيهِمُ الْيَوْمَ، فَأَمْسَكَ الْمُعْتَضِدُ، وَلَمْ يَأْمُرْ فِي الْكِتَابِ بَعْدَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ، وَكَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ مِنَ الْمُنْحَرِفَةِ مِنْ عَلِيٍّ، ﵇. وَفِيهَا سَيَّرَ الْمُعْتَضِدُ إِلَى عَمْرِو بْنِ اللَّيْثِ الْخِلَعَ وَاللِّوَاءَ بِوِلَايَةِ الرَّيِّ، وَهَدَايَا. وَفِيهَا فُتِحَتْ قُرَّةُ مِنْ بَلَدِ الرُّومِ عَلَى يَدِ رَاغِبٍ مَوْلَى الْمُوَفَّقِ، وَابْنِ كَلُوبٍ فِي رَجَبٍ. وَفِيهَا، فِي شَعْبَانَ ظَهَرَ بِدَارِ الْمُعْتَضِدِ إِنْسَانٌ بِيَدِهِ سَيْفٌ، فَمَضَى إِلَيْهِ بَعْضُ الْخَدَمِ لِيَنْظُرَ مَا هُوَ، فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ فَجَرَحَهُ، وَهَرَبَ الْخَادِمُ، وَدَخَلَ الشَّخْصُ فِي زَرْعٍ فِي الْبُسْتَانِ فَتَوَارَى فِيهِ، فَطُلِبَ فِي بَاقِي لَيْلَتِهِ، وَمِنَ الْغَدِ، فَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ خَبَرٌ، فَاسْتَوْحَشَ الْمُعْتَضِدُ، وَكَثُرَ النَّاسُ فِي أَمْرِهِ بِالظُّنُونِ حَتَّى قَالُوا: إِنَّهُ مِنَ الْجِنِّ، وَظَهَرَ مِرَارًا كَثِيرَةً، حَتَّى وَكَّلَ الْمُعْتَضِدُ بِسُورِ دَارِهِ، وَأَحْكَمَهُ ضَبْطًا، ثُمَّ أَحْضَرَ الْمَجَانِينَ وَالْمُعَزِّمِينَ بِسَبَبِ ذَلِكَ الشَّخْصِ، فَسَأَلَهُمْ عَنْهُ فَقَالَ الْمُعَزِّمُونَ: نَحْنُ نَعْزِمُ عَلَى بَعْضِ الْمَجَانِينِ، فَإِذَا سَقَطَ سَأَلَ الْجِنِّيَّ عَنْهُ فَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُ، فَعَزَمُوا عَلَى امْرَأَةٍ مَجْنُونَةٍ فَصُرِعَتْ، وَالْمُعْتَضِدُ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا صُرِعَتْ أَمَرَهُمْ بِالِانْصِرَافِ. وَفِيهَا وَجَّهَ كَرَامَةُ بْنُ مُرٍّ مِنَ الْكُوفَةِ بِقَوْمٍ مُقَيَّدِينَ ذُكِرَ أَنَّهُمْ مِنَ الْقَرَامِطَةِ، فَقُرِّرُوا بِالضَّرْبِ فَأَقَرُّوا عَلَى أَبِي هَاشِمِ بْنِ صَدَقَةَ الْكَاتِبِ أَنَّهُ مِنْهُمْ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ وَحَبَسَهُ. وَفِيهَا وَثَبَ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي دُلَفَ الْمَعْرُوفُ بِأَبِي لَيْلَى بِشَفِيعٍ الْخَادِمِ فَقَتَلَهُ، وَكَانَ أَخُوهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَدْ أَخَذَهُ وَقَيَّدَهُ وَحَبَسَهُ فِي قَلْعَتِهِ زَزَّ، وَوَكَّلَ بِهِ

стр. 3445

شَفِيعًا الْخَادِمَ، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ غِلْمَانِ عُمَرَ، فَلَمَّا اسْتَأْمَنَ عُمَرُ إِلَى الْمُعْتَضِدِ وَهَرَبَ بَكْرٌ بَقِيَتِ الْقَلْعَةُ بِمَا فِيهَا مِنَ الْأَمْوَالِ بِيَدِ شَفِيعٍ، فَكَلَّمَهُ أَبُو لَيْلَى فِي إِطْلَاقِهِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَطَلَبَ مِنْ غُلَامٍ كَانَ يَخْدِمُهُ مِبْرَدًا، فَأَدْخَلَهُ فِي الطَّعَامِ، فَبَرَدَ مِسْمَارَ قَيْدِهِ. وَكَانَ شَفِيعٌ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ يَأْتِي إِلَى أَبِي لَيْلَى يَفْتَقِدُهُ وَيَمْضِي وَيَنَامُ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ سَيْفٌ مَسْلُولٌ، فَجَاءَ شَفِيعٌ فِي لَيْلَةٍ إِلَيْهِ، فَحَادَثَهُ، فَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَشْرَبَ مَعَهُ أَقْدَاحًا، فَفَعَلَ، وَقَامَ الْخَادِمُ لِحَاجَتِهِ، فَجَعَلَ أَبُو لَيْلَى فِي فِرَاشِهِ ثِيَابًا تُشْبِهُ إِنْسَانًا نَائِمًا، وَغَطَّاهَا بِاللِّحَافِ، وَقَالَ لِجَارِيَةٍ كَانَتْ تَخْدِمُهُ: إِذَا عَادَ شَفِيعٌ قُولِي لَهُ هُوَ نَائِمٌ. وَمَضَى أَبُو لَيْلَى فَاخْتَفَى ظَاهِرَ الدَّارِ، وَقَدْ أَخْرَجَ قَيْدَهُ مِنْ رِجْلِهِ، فَلَمَّا عَادَ شَفِيعٌ قَالَتْ لَهُ الْجَارِيَةُ: هُوَ نَائِمٌ، فَأَغْلَقَ الْبَابَ، وَمَشَى إِلَى دَارِهِ، وَنَامَ فِيهَا، فَخَرَجَ أَبُو لَيْلَى، وَأَخَذَ السَّيْفَ مِنْ عِنْدِ شَفِيعٍ، وَقَتَلَهُ، فَوَثَبَ الْغِلْمَانُ، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو لَيْلَى: قَدْ قَتَلْتُ شَفِيعًا، وَمَنْ تَقَدَّمَ إِلَيَّ قَتَلْتُهُ، فَأَنْتُمْ آمِنُونَ، فَخَرَجُوا مِنَ الدَّارِ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ فَكَلَّمَهُمْ، وَوَعَدَهُمُ الْإِحْسَانَ، وَأَخَذَ عَلَيْهِمِ الْأَيْمَانَ، وَجَمَعَ الْأَكْرَادَ، وَغَيْرَهُمْ، وَخَرَجَ مُخَالِفًا عَلَى الْمُعْتَضِدِ. وَكَانَ قَتْلُ شَفِيعٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ. وَلَمَّا خَرَجَ أَبُو لَيْلَى عَلَى السُّلْطَانِ قَصَدَهُ عِيسَى النُّوشَرِيُّ، فَاقْتَتَلُوا، فَأَصَابَ أَبُو لَيْلَى فِي حَلْقِهِ سَهْمٌ فَنَحَرَهُ، فَسَقَطَ عَنْ دَابَّتِهِ، وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ، وَحُمِلَ رَأْسُهُ إِلَى أَصْبَهَانَ، ثُمَّ إِلَى بَغْدَاذَ. وَفِيهَا كَانَ الْمُنَجِّمُونَ يُوعِدُونَ بِغَرَقِ أَكْثَرِ الْأَقَالِيمِ إِلَّا إِقْلِيمَ بَابِلَ فَإِنَّهُ يَسْلَمُ مِنْهُ الْيَسِيرُ، وَأَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ بِكَثْرَةِ الْأَمْطَارِ، وَزِيَادَةِ الْأَنْهَارِ، وَالْعُيُونِ. (فَقَحَطَ النَّاسُ، وَقَلَّتِ الْأَمْطَارُ، وَغَارَتِ الْمِيَاهُ حَتَّى احْتَاجَ النَّاسُ إِلَى الِاسْتِسْقَاءِ، فَاسْتَسْقَوْا بِبَغْدَاذَ مَرَّاتٍ) . [وَحَجَّ بِالنَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَاوُدَ الْهَاشِمِيُّ الْمَعْرُوفُ بِأُتْرُنْجَةَ] . وَفِيهَا ظَهَرَ اخْتِلَالُ حَالِ هَارُونَ بْنِ خُمَارَوَيْهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ بِمِصْرَ، وَاخْتَلَفَتْ

стр. 3446

الْقُوَّادُ، وَطَمِعُوا، فَانْحَلَّ النِّظَامُ، وَتَفَرَّقَتِ الْكَلِمَةُ، ثُمَّ اتَّفَقُوا عَلَى أَنْ جَعَلُوا مُدَبِّرَ دَوْلَتِهِ أَبَا جَعْفَرِ بْنِ أَبَّا، وَكَانَ عِنْدَ وَالِدِهِ وَجَدِّهِ مُقَدَّمًا، كَبِيرَ الْقَدْرِ، فَأَصْلَحَ مِنَ الْأَحْوَالِ مَا اسْتَطَاعَ، (وَكَمْ جَهِدَ الصُّنَّاعُ إِذَا اتَّسَعَ الْخَرْقُ) . وَكَانَ [مَنْ] بِدِمَشْقَ مِنَ الْجُنْدِ قَدْ خَالَفُوا عَلَى أَخِيهِ جَيْشٍ كَمَا ذَكَرْنَا، فَلَمَّا تَوَلَّى أَبُو جَعْفَرٍ الْأُمُورَ سَيَّرَ جَيْشًا إِلَى دِمَشْقَ عَلَيْهِمْ بَدْرٌ الْحَمَّامِيُّ، وَالْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَاذُرَائِيُّ، فَأَصْلَحَا حَالَهَا، وَقَرَّرَا أُمُورَ الشَّامِ، وَاسْتَعْمَلَا عَلَى دِمَشْقَ طُغَجَ بْنَ جَفٍّ، وَاسْتَعْمَلَا عَلَى سَائِرِ الْأَعْمَالِ، وَرَجَعَا إِلَى مِصْرَ، وَالْأُمُورُ فِيهَا اخْتِلَالٌ، وَالْقُوَّادُ قَدِ اسْتَوْلَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى طَائِفَةٍ مِنَ الْجُنْدِ وَأَخَذَهُمْ إِلَيْهِ، وَهَكَذَا يَكُونُ انْتِقَاضُ الدُّوَلِ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَمْرًا فَلَا مَرَدَّ لِحُكْمِهِ، وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ أَبُو يَعْقُوبَ الْأَسْفِرَايِنِيُّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ. وَالْغِيَاثِيُّ، وَاسْمُهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُعَاوِيَةَ مِنْ وَلَدِ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ، بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ السِّينِ. وَفِيهَا أَيْضًا تُوُفِّيَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْوَضَّاحِ بْنِ رَبِيعٍ الْأَنْدَلُسِيُّ، وَكَانَ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمَشْهُورِينَ.

стр. 3447

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ] ٢٨٥ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ فِيهَا قَطَعَ صَالِحُ بْنُ مُدْرِكٍ الطَّائِيُّ الطَّرِيقَ عَلَى الْحَاجِّ بِالْأَجْفَرِ فِي الْمُحَرَّمِ، فَحَارَبَهُ حُبَّى الْكَبِيرُ، وَهُوَ أَمِيرُ الْقَافِلَةِ، (فَلَمْ يَقْوَ بِهِ وَبِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْأَعْرَابِ، وَظَفِرَ بِالْحَجِّ وَمَنْ مَعَهُ بِالْقَافِلَةِ) ، فَأَخَذُوا مَا كَانَ فِيهَا مِنَ الْأَمْوَالِ وَالتِّجَارَاتِ، وَأَخَذُوا جَمَاعَةً مِنَ النِّسَاءِ، وَالْجَوَارِي، وَالْمَمَالِيكِ، فَكَانَتْ قِيمَةُ مَا أَخَذَهُ أَلْفَيْ أَلْفِ دِينَارٍ. وَفِيهَا وَلِيَ عَمْرُو بْنُ اللَّيْثِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَعُزِلَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ. وَفِيهَا كَانَ بِالْكُوفَةِ رِيحٌ صَفْرَاءُ، فَبَقِيَتْ إِلَى الْمَغْرِبِ، ثُمَّ اسْوَدَّتْ، فَتَضَرَّعَ النَّاسُ، ثُمَّ مُطِرُوا مَطَرًا شَدِيدًا بِرُعُودٍ هَائِلَةٍ وَبُرُوقٍ مُتَّصِلَةٍ. ثُمَّ سَقَطَ بَعْدَ سَاعَةٍ بِقَرْيَةٍ تُعْرَفُ بِأَحْمَدَابَاذَ وَنَوَاحِيهَا أَحْجَارٌ بِيضٌ وَسُودٌ مُخْتَلِفَةُ الْأَلْوَانِ، فِي أَوْسَاطِهَا طَبَقٌ، وَحُمِلَ مِنْهَا إِلَى بَغْدَاذَ، فَرَآهُ النَّاسُ. وَفِيهَا سَارَ فَاتِكٌ مَوْلَى الْمُعْتَضِدِ إِلَى الْمَوْصِلِ لِيَنْظُرَ فِي أَعْمَالِهَا وَأَعْمَالِ الْجَزِيرَةِ

стр. 3448

وَالثُّغُورِ الشَّامِيَّةِ، وَالْجَزْرِيَّةِ، وَإِصْلَاحِهَا، مُضَافًا إِلَى مَا كَانَ يَتَقَلَّدُهُ مِنَ الْبَرِيدِ بِهَا. وَفِيهَا كَانَ بِالْبَصْرَةِ رِيحٌ صَفْرَاءُ، ثُمَّ عَادَتْ خَضْرَاءَ، ثُمَّ سَوْدَاءَ، ثُمَّ تَتَابَعَتِ الْأَمْطَارُ بِمَا لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ، ثُمَّ وَقَعَ بَرَدٌ كِبَارٌ، وَزْنُ الْبَرَدَةِ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا فِيمَا قِيلَ. وَفِيهَا مَاتَ الْخَلِيلُ بْنُ رِمَالٍ بِحُلْوَانَ. وَفِيهَا وَلَّى الْمُعْتَضِدُ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي السَّاجِ أَعْمَالَ أَذْرَبِيجَانَ، وَأَرْمِينِيَّةَ، وَكَانَ قَدْ تَغَلَّبَ عَلَيْهَا وَخَالَفَ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِخِلَعٍ. وَفِيهَا غَزَا رَاغِبٌ مَوْلَى الْمُوَفَّقِ فِي الْبَحْرِ، فَغَنِمَ مَرَاكِبَ كَثِيرَةً، فَضَرَبَ أَعْنَاقَ ثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الرُّومِ كَانُوا فِيهَا، وَأَحْرَقَ الْمَرَاكِبَ، وَفَتَحَ حُصُونًا كَثِيرَةً، وَعَادَ سَالِمًا وَمَنْ مَعَهُ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى بْنِ الشَّيْخِ، وَقَامَ بَعْدَهُ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ بِآمِدَ وَمَا يَلِيهَا، عَلَى سَبِيلِ التَّغَلُّبِ، فَسَارَ الْمُعْتَضِدُ إِلَى آمِدَ بِالْعَسَاكِرِ، وَمَعَهُ ابْنُهُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَلِيٌّ الْمُكْتَفِي فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَجَعَلَ طَرِيقَهُ عَلَى الْمَوْصِلِ، فَوَصَلَ آمِدَ، وَحَصَرَهَا إِلَى رَبِيعٍ الْآخَرِ مِنْ سَنَةِ سِتٍّ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَنَصَبَ عَلَيْهَا الْمَجَانِيقَ، فَأَرْسَلَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى يَطْلُبُ الْأَمَانَ لِنَفْسِهِ، وَلِمَنْ مَعَهُ، وَلِأَهْلِ الْبَلَدِ، فَأَمَّنَهُمُ الْمُعْتَضِدُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَلَدَ، فَخَلَعَ عَلَيْهِ الْمُعْتَضِدُ وَأَكْرَمَهُ، وَهَدَمَ سُورَهَا. ثُمَّ بَلَغَهُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الشَّيْخِ يُرِيدُ الْهَرَبَ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ. وَفِيهَا وَجَّهَ هَارُونُ بْنُ خُمَارَوَيْهِ إِلَى الْمُعْتَضِدِ لِيَسْأَلَهُ أَنْ يُقَاطِعَهُ عَلَى مَا فِي يَدِهِ وَيَدِ

стр. 3449

نُوَّابِهِ مِنْ مِصْرَ وَالشَّامِ، وَيُسَلِّمَ أَعْمَالَ قِنَّسْرِينَ إِلَى الْمُعْتَضِدِ، وَيَحْمِلَ كُلَّ سَنَةٍ أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفٍ وَخَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَسَارَ مِنْ آمِدَ، وَاسْتَخْلَفَ فِيهَا ابْنَهُ الْمُكْتَفِيَ، وَوَصَلَ إِلَى قِنَّسْرِينَ، وَالْعَوَاصِمِ، فَتَسَلَّمَهَا مِنْ أَصْحَابِ هَارُونَ، وَكَانَ ذَلِكَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ. وَفِيهَا غَزَا ابْنُ الْإِخْشِيدِ بِأَهْلِ طَرَسُوسَ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ، وَبَلَغَ سَلَنْدُوَ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَاوُدَ الْهَاشِمِيُّ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَرْبِيُّ بِبَغْدَاذَ، وَهُوَ مِنْ أَعْيَانِ الْمُحَدِّثِينَ. وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّبَرِيُّ صَاحِبُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِصَنْعَاءَ، (وَهُوَ مِنْ آخِرِ مَنْ رَوَى عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ) . (الدَّبَرِيُّ: بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَبَعْدَهَا رَاءٌ) . وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْأَزْدِيُّ الْيَمَانِيُّ الْخَوِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِالْمُبَرِّدِ، وَكَانَ قَدْ أَخَذَ النَّحْوَ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ الْمَازِنِيِّ.

стр. 3450

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ] ٢٨٦ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَجَّهَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي السَّاجِ الْمَعْرُوفُ بِأَبِي الْمُسَافِرِ إِلَى بَغْدَاذَ رَهِينَةً بِمَا ضَمِنَ مِنَ الطَّاعَةِ وَالْمُنَاصَحَةِ، وَمَعَهُ هَدَايَا جَلِيلَةٌ. وَفِيهَا أَرْسَلَ عَمْرُو بْنُ اللَّيْثِ هَدِيَّةً إِلَى الْمُعْتَضِدِ مِنْ نَيْسَابُورَ، فَكَانَتْ قِيمَتُهَا أَرْبَعَةُ آلَافِ [أَلْفِ] دِرْهَمٍ. ذِكْرُ ابْتِدَاءِ أَمْرِ الْقَرَامِطَةِ بِالْبَحْرَيْنِ وَفِيهَا ظَهَرَ رَجُلٌ مِنَ الْقَرَامِطَةِ يُعْرَفُ بِأَبِي سَعِيدٍ الْجَنَّابِيِّ بِالْبَحْرَيْنِ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَعْرَابِ وَالْقَرَامِطَةِ، وَقَوِيَ أَمْرُهُ، فَقَتَلَ مَا حَوْلَهُ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى، ثُمَّ سَارَ إِلَى الْقَطِيفِ فَقَتَلَ [مَنْ] بِهَا، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ الْبَصْرَةَ، فَكَتَبَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْوَاثِقِيُّ، وَكَانَ مُتَوَلِّيَ الْبَصْرَةِ، إِلَى الْمُعْتَضِدِ بِذَلِكَ، فَأَمَرَهُ بِعَمَلِ سُورٍ عَلَى الْبَصْرَةِ، وَكَانَ مَبْلَغُ الْخَرْجِ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ. وَكَانَ ابْتِدَاءُ الْقَرَامِطَةِ بِنَاحِيَةِ الْبَحْرَيْنِ أَنَّ رَجُلًا يُعْرَفُ بِيَحْيَى بْنِ الْمَهْدِيِّ قَصَدَ الْقَطِيفَ فَنَزَلَ عَلَى رَجُلٍ يُعْرَفُ بِعَلِيِّ بْنِ الْمُعَلَّى بْنِ حَمْدَانَ، مَوْلَى الزِّيَادِيِّينَ، وَكَانَ مُغَالِيًا فِي التَّشَيُّعِ، فَأَظْهَرَ لَهُ يَحْيَى أَنَّهُ رَسُولُ الْمَهْدِيِّ، وَكَانَ ذَلِكَ سَنَةَ إِحْدَى

стр. 3451

وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى شِيعَتِهِ فِي الْبِلَادِ يَدْعُوهُمْ إِلَى أَمْرِهِ، وَأَنَّ ظُهُورَهُ قَدْ قَرُبَ ; فَوَجَّهَ عَلِيُّ بْنُ الْمُعَلَّى إِلَى الشِّيعَةِ مِنْ أَهْلِ الْقَطِيفِ فَجَمَعَهُمْ، وَأَقْرَأَهُمُ الْكِتَابَ الَّذِي مَعَ يَحْيَى بْنِ الْمَهْدِيِّ إِلَيْهِمْ مِنَ الْمَهْدِيِّ، فَأَجَابُوهُ، وَأَنَّهُمْ خَارِجُونَ مَعَهُ إِذَا أَظْهَرَ أَمْرَهُ، وَوَجَّهَ إِلَى سَائِرِ قُرَى الْبَحْرَيْنِ بِمِثْلِ ذَلِكَ فَأَجَابُوهُ. وَكَانَ فِيمَنْ أَجَابَهُ أَبُو سَعِيدٍ الْجَنَّابِيُّ، وَكَانَ يَبِيعُ لِلنَّاسِ الطَّعَامَ، وَيَحْسِبُ لَهُمْ بَيْعَهُمْ، ثُمَّ غَابَ عَنْهُمْ يَحْيَى بْنُ الْمَهْدِيِّ مُدَّةً، ثُمَّ رَجَعَ وَمَعَهُ كِتَابٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ مِنَ الْمَهْدِيِّ إِلَى شِيعَتِهِ، فِيهِ: قَدْ عَرَّفَنِي رَسُولِي يَحْيَى بْنُ الْمَهْدِيِّ مُسَارَعَتَكُمْ إِلَى أَمْرِي، فَلْيَدْفَعْ إِلَيْهِ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ سِتَّةَ دَنَانِيرَ وَثُلُثَيْنِ ; فَفَعَلُوا ذَلِكَ. ثُمَّ غَابَ عَنْهُمْ، وَعَادَ وَمَعَهُ كِتَابٌ فِيهِ أَنِ ادْفَعُوا إِلَى يَحْيَى خُمْسَ أَمْوَالِكُمْ، فَدَفَعُوا إِلَيْهِ الْخُمْسَ. وَكَانَ يَحْيَى يَتَرَدَّدُ فِي قَبَائِلِ قَيْسٍ، وَيُورِدُ إِلَيْهِمْ كُتُبًا يَزْعُمُ أَنَّهَا مِنَ الْمَهْدِيِّ، وَأَنَّهُ ظَاهِرٌ، فَكُونُوا عَلَى أُهْبَةٍ. وَحَكَى إِنْسَانٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ الصَّائِغُ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ أَبِي سَعِيدٍ الْجَنَّابِيِّ، وَأَتَاهُ يَحْيَى، فَأَكَلُوا طَعَامًا، فَلَمَّا فَرَغُوا خَرَجَ أَبُو سَعِيدٍ مِنْ بَيْتِهِ، وَأَمَرَ امْرَأَتَهُ أَنْ تَدْخُلَ إِلَى يَحْيَى، وَأَنْ لَا تَمْنَعَهُ إِنْ أَرَادَ، فَانْتَهَى هَذَا الْخَبَرُ إِلَى الْوَالِي، فَأَخَذَ يَحْيَى فَضَرَبَهُ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ، وَلِحْيَتَهُ، وَهَرَبَ أَبُو سَعِيدٍ الْجَنَّابِيُّ إِلَى جَنَّابَا، وَسَارَ يَحْيَى بْنُ الْمَهْدِيِّ إِلَى بَنِي كِلَابٍ، وَعُقَيْلٍ، وَالْخَرِيسِ، فَاجْتَمَعُوا مَعَهُ وَمَعَ أَبِي سَعِيدٍ، فَعَظُمَ أَمْرُ أَبِي سَعِيدٍ، وَكَانَ مِنْهُ مَا يَأْتِي ذِكْرُهُ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ (وَفِيهَا سَارَ الْمُعْتَضِدُ مِنْ آمِدَ بَعْدَ أَنْ مَلَكَهَا، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، إِلَى الرَّقَّةِ، فَوَلَّى ابْنَهُ عَلِيًّا الْمُكْتَفِيَ قِنَّسْرِينَ، وَالْعَوَاصِمَ، وَالْجَزِيرَةَ، وَكَاتِبَهُ النَّصْرَانِيَّ، وَاسْمُهُ الْحُسَيْنُ بْنُ عَمْرٍو، فَكَانَ يَنْظُرُ فِي الْأَمْوَالِ، فَقَالَ الْخَلِيعُ فِي ذَلِكَ:

стр. 3452

حُسَيْنُ بْنُ عَمْرٍو عَدُوُّ الْقُرْآنِ ... يَصْنَعُ فِي الْعُرْبِ مَا يَصْنَعُ يَقُومُ لِهَيْبَتِهِ الْمُسْلِمُونَ ... صُفُوفًا لِفَرْدٍ إِذَا يَطْلَعُ فَإِنْ قِيلَ قَدْ أَقْبَلَ الْجَاثِلِيقُ ... تَحَفَّى لَهُ وَمَشَى يَظْلَعُ وَفِيهَا تُوُفِّيَ ابْنُ الْإِخْشِيدِ أَمِيرُ طَرَسُوسَ، وَاسْتَخْلَفَ أَبَا ثَابِتٍ عَلَى طَرَسُوسَ) . وَفِيهَا سَارَ إِلَى الْأَنْبَارِ جَمَاعَةُ أَعْرَابٍ مِنْ بَنِي شَيْبَانَ، وَأَغَارُوا عَلَى الْقُرَى، وَقَتَلُوا مَنْ لَحِقُوا مِنَ النَّاسِ، وَأَخَذُوا الْمَوَاشِيَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ كُمُشْجُورَ مُتَوَلِّيهَا، فَلَمْ يَطِقْهُمْ، فَكَتَبَ إِلَى الْمُعْتَضِدِ بِذَلِكَ، فَأَمَدَّهُ بِجَيْشٍ، فَأَدْرَكُوا الْأَعْرَابَ، وَقَاتَلُوهُمْ، فَهَزَمَهُمُ الْأَعْرَابُ (وَقَتَلُوا فِيهِمْ، وَغَرِقَ أَكْثَرُهُمْ، وَتَفَرَّقُوا، وَعَاثَ الْأَعْرَابُ) فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ. وَبَلَغَ خَبَرُ الْهَزِيمَةِ إِلَى الْمُعْتَضِدِ، فَسَيَّرَ جَيْشًا آخَرَ، فَرَحَلَ الْأَعْرَابُ إِلَى عَيْنِ التَّمْرِ، (فَأَفْسَدُوا وَعَاثُوا، وَذَلِكَ فِي شَعْبَانَ، وَرَمَضَانَ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ عَسْكَرًا آخَرَ إِلَى عَيْنِ التَّمْرِ) ، فَسَلَكُوا الْبَرِّيَّةَ إِلَى نَوَاحِي الشَّامِ، فَعَادَ الْعَسْكَرُ إِلَى بَغْدَاذَ وَلَمْ يَلْقَهُمْ. وَفِيهَا اسْتَدْعَى الْمُعْتَضِدُ رَاغِبًا مَوْلَى الْمُوَفَّقِ مِنْ طَرَسُوسَ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ وَهُوَ بِالرَّقَّةَ، فَحَبَسَهُ وَأَخَذَ جَمِيعَ مَا كَانَ لَهُ، فَمَاتَ بَعْدَ أَيَّامٍ مِنْ حَبْسِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي شَعْبَانَ، وَقَبَضَ عَلَى بَكْنُونَ غُلَامِ رَاغِبٍ، وَأَخَذَ مَالَهُ بِطَرَسُوسَ. وَفِيهَا قَلَّدَ الْمُعْتَضِدُ دِيوَانَ الْمَشْرِقِ مُحَمَّدَ بْنَ دَاوُدَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَعَزَلَ عَنْهُ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُرَاتِ، وَقَلَّدَ دِيوَانَ الْمَغْرِبِ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى بْنِ دَاوُدَ ابْنِ الْجَرَّاحِ.

стр. 3453

[الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو [بَكْرٍ] مُحَمَّدُ بْنُ [عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَتَّابٍ] الْأَنْمَاطِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِمِرْبَعٍ، صَاحِبُ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، وَكَانَ حَافِظًا لِلْحَدِيثِ. وَمُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْكُدَيْمِيُّ الْبَصْرِيُّ.

стр. 3454

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ] ٢٨٧ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ ذِكْرُ قَتْلِ أَبِي ثَابِتٍ أَمِيرِ طَرَسُوسَ وَوِلَايَةِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ اجْتَمَعَتِ الرُّومُ، وَحَشَدَتْ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ، وَوَافَتْ بَابَ قَلَمْيَةَ مِنْ طَرَسُوسَ، فَنَفَرَ أَبُو ثَابِتٍ أَمِيرُ طَرَسُوسَ بَعْدَ مَوْتِ ابْنِ الْإِخْشِيدِ، وَكَانَ اسْتَخْلَفَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ، فَبَلَغَ أَبُو ثَابِتٍ فِي نَفِيرِهِ إِلَى نَهْرِ الرَّجَانِ فِي طَلَبِهِمْ، فَأُسِرَ أَبُو ثَابِتٍ، وَأُصِيبَ النَّاسُ مَعَهُ. وَكَانَ ابْنُ كَلُوبٍ غَازِيًا فِي دَرْبِ السَّلَامَةِ، فَلَمَّا عَادَ جَمَعَ مَشَايِخَ الثَّغْرِ لِيَتَرَاضَوْا بِأَمِيرٍ، فَأَجْمَعُوا رَأْيَهُمْ عَلَى ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ، فَوَلَّوْهُ أَمْرَهُمْ، وَذَلِكَ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. ذِكْرُ ظَفَرِ الْمُعْتَضِدِ بِوَصِيفٍ وَمَنْ مَعَهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ هَرَبَ وَصَيْفٌ خَادِمُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي السَّاجِ مِنْ بَرْذَعَةَ إِلَى مَلْطِيَّةَ مِنْ أَعْمَالِ مَوْلَاهُ، وَكَتَبَ إِلَى الْمُعْتَضِدِ يَسْأَلُهُ أَنْ يُوَلِّيَهُ الثُّغُورَ، فَأَخَذَ رُسُلَهُ وَقَرَّرَهُمْ عَنْ سَبَبِ مُفَارَقَةِ وَصَيْفٍ مَوْلَاهُ، فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّهُ فَارَقَهُ عَلَى مُوَاطَأَةٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ مَتَى وَلِيَ وَصَيْفٌ الثُّغُورَ سَارَ إِلَيْهِ مَوْلَاهُ، وَقَصَدَا دِيَارَ مُضَرَ وَتَغَلَّبَا عَلَيْهَا. فَسَارَ الْمُعْتَضِدُ نَحْوَهُ، فَنَزَلَ الْعَيْنَ السَّوْدَاءَ، وَأَرَادَ الرَّحِيلَ فِي طَرِيقِ الْمِصِّيصَةِ،

стр. 3455

فَأَتَتْهُ الْعُيُونُ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ وَصِيفًا يُرِيدُ عَيْنَ زَرْبَةَ، فَسَأَلَ أَهْلَ الْمَعْرِفَةِ بِذَلِكَ الطَّرِيقِ، وَسَأَلَهُمْ عَنْ أَقْرَبِ الطُّرُقِ إِلَى لِقَاءِ وَصَيْفٍ، فَأَخَذُوهُ وَسَارُوا بِهِ نَحْوَهُ، وَقَدَّمَ جَمْعًا مِنْ عَسْكَرِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَقُوا وَصِيفًا فَقَاتَلُوهُ، وَأَخَذُوهُ أَسِيرًا، فَأَحْضَرُوهُ عِنْدَ الْمُعْتَضِدِ فَحَبَسَهُ، وَأَمَرَ فَنُودِيَ فِي أَصْحَابِ وَصَيْفٍ بِالْأَمَانِ، وَأَمَرَ الْعَسْكَرَ بِرَدِّ مَا نَهَبُوهُ مِنْهُمْ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ. وَكَانَتِ الْوَقْعَةُ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ بَقِيَتْ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ ; فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ رَحَلَ إِلَى الْمِصِّيصَةِ، وَأَحْضَرَ رُؤَسَاءَ طَرَسُوسَ فَقَبَضَ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ كَاتَبُوا وَصِيفًا، وَأَمَرَ بِإِحْرَاقِ مَرَاكِبِ طَرَسُوسَ الَّتِي كَانُوا يَغْزُونَ فِيهَا، وَجَمِيعَ آلَاتِهَا، وَكَانَ مِنْ جُمْلَتِهَا نَحْوٌ مِنْ خَمْسِينَ مَرْكَبًا قَدِيمَةً، قَدْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنَ الْأَمْوَالِ مَا لَا يُحْصَى، وَلَا يُمْكِنُ عَمَلُ مِثْلِهَا، فَأَضَرَّ ذَلِكَ بِالْمُسْلِمِينَ، وَفَتَّ فِي أَعَضَادِهِمْ، وَ [قَوِيَ] أَمْرُ الرُّومِ أَنْ يَغْزُوَ فِي الْبَحْرِ، وَكَانَ إِحْرَاقُهَا بِإِشَارَةِ دُمْيَانَةَ غُلَامِ يَازْمَانَ لِشَيْءٍ كَانَ فِي نَفْسِهِ عَلَى أَهْلِ طَرَسُوسَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى أَهْلِ الثُّغُورِ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ كَوْرَةَ. وَسَارَ الْمُعْتَضِدُ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ وَحَلَبَ وَغَيْرِهِمَا، وَعَادَ إِلَى بَغْدَاذَ. (وَفِيهَا تُوُفِّيَتِ ابْنَةُ خُمَارَوَيْهِ زَوْجُ الْمُعْتَضِدِ) . ذِكْرُ أَمْرِ الْقَرَامِطَةِ، وَانْهِزَامِ الْعَبَّاسِ الْغَنَوِيِّ مِنْهُمْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ، عَظُمَ أَمْرُ الْقَرَامِطَةِ بِالْبَحْرَيْنِ، وَأَغَارُوا عَلَى نَوَاحِي هَجَرَ، وَقَرُبَ بَعْضُهُمْ مِنْ نَوَاحِي الْبَصْرَةِ، فَكَتَبَ أَحْمَدُ الْوَاثِقِيُّ يَسْأَلُ الْمَدَدَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ سُمَيْرِيَّاتٍ فِيهَا ثَلَاثُمِائَةِ رَجُلٍ، وَأَمَرَ الْمُعْتَضِدُ بِاخْتِيَارِ رَجُلٍ يُنْفِذُهُ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَعَزَلَ الْعَبَّاسَ بْنَ عَمْرٍو الْغَنَوِيَّ عَنْ بِلَادِ فَارِسَ، وَأَقْطَعَهُ الْيَمَامَةَ وَالْبَحْرَيْنِ، وَأَمَرَهُ بِمُحَارَبَةِ الْقَرَامِطَةِ وَضَمَّ إِلَيْهِ زُهَاءَ أَلْفَيْ رَجُلٍ، فَسَارَ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنَ الْمُتَطَوِّعَةِ وَالْجُنْدِ، وَالْخَدَمِ. ثُمَّ سَارَ مِنْهَا إِلَى أَبِي سَعِيدٍ الْجَنَّابِيِّ، فَلَقُوهُ مَسَاءً، وَتَنَاوَشُوا الْقِتَالَ، وَحَجَزَ بَيْنَهُمُ

стр. 3456

اللَّيْلُ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ انْصَرَفَ عَنِ الْعَبَّاسِ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ أَعْرَابِ بَنِي ضَبَّةَ، وَكَانُوا ثَلَاثَمِائَةٍ، إِلَى الْبَصْرَةِ، وَتَبِعَهُمْ مُطَّوِّعَةُ الْبَصْرَةِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ الْعَبَّاسُ بَاكَرَ الْحَرْبَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا. ثُمَّ حَمَلَ نَجَاحٌ غُلَامُ أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى بْنِ الشَّيْخِ مِنْ مَيْسَرَةِ الْعَبَّاسِ فِي مِائَةِ رَجُلٍ عَلَى مَيْمَنَةِ أَبِي سَعِيدٍ، فَوَغَلُوا فِيهِمْ، فَقُتِلُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وَحَمَلَ الْجَنَّابِيُّ وَمَنْ مَعَهُ عَلَى أَصْحَابِ الْعَبَّاسِ، فَانْهَزَمُوا وَأُسِرَ الْعَبَّاسُ، وَاحْتَوَى الْجَنَّابِيُّ عَلَى مَا كَانَ فِي عَسْكَرِهِ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَحْضَرَ الْجَنَّابِيُّ الْأَسْرَى فَقَتَلَهُمْ جَمِيعًا وَحَرَّقَهُمْ، وَكَانَتِ الْوَقْعَةُ آخِرَ شَعْبَانَ. ثُمَّ سَارَ الْجَنَّابِيُّ إِلَى هَجَرَ بَعْدَ الْوَقْعَةِ، فَدَخَلَهَا وَأَمَّنَ أَهْلَهَا، وَانْصَرَفَ مَنْ سَلِمَ مِنَ الْمُنْهَزِمِينَ، وَهُمْ قَلِيلٌ نَحْوَ الْبَصْرَةِ بِغَيْرِ زَادٍ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْبَصْرَةِ نَحْوُ أَرْبَعِمِائَةِ رَجُلٍ عَلَى الرَّوَاحِلِ، وَمَعَهُمُ الطَّعَامُ، وَالْكِسْوَةُ وَالْمَاءُ، فَلَقُوا بِهَا الْمُنْهَزِمِينَ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ بَنُو أَسَدٍ، وَأَخَذُوا الرَّوَاحِلَ وَمَا عَلَيْهَا، وَقَتَلُوا مَنْ سَلِمَ مِنَ الْمَعْرَكَةِ، فَاضْطَرَبَتِ الْبَصْرَةُ لِذَلِكَ، وَعَزَمَ أَهْلُهَا عَلَى الِانْتِقَالِ مِنْهَا، فَمَنَعَهُمُ الْوَاثِقِيُّ. وَبَقِيَ الْعَبَّاسُ عِنْدَ الْجَنَّابِيِّ أَيَّامًا ثُمَّ أَطْلَقَهُ، وَقَالَ لَهُ: امْضِ إِلَى صَاحِبِكَ، وَعَرِّفْهُ مَا رَأَيْتَ، وَحَمَلَهُ عَلَى رَوَاحِلَ، فَوَصَلَ إِلَى بَعْضِ السَّوَاحِلِ وَرَكِبَ الْبَحْرَ فَوَافَى الْأُبُلَّةَ، ثُمَّ سَارَ مِنْهَا إِلَى بَغْدَاذَ فَوَصَلَهَا فِي رَمَضَانَ، فَدَخَلَ عَلَى الْمُعْتَضِدِ فَخَلَعَ عَلَيْهِ. بَلَغَنِي أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ قَالَ: عَجَائِبُ الدُّنْيَا ثَلَاثٌ: جَيْشُ الْعَبَّاسِ بْنِ عَمْرٍو يُؤْسَرُ وَحْدَهُ، وَيَنْجُو وَحْدَهُ، وَيُقْتَلُ جَمِيعُ جَيْشِهِ ; وَجَيْشُ عَمْرِو بْنِ الصَّفَّارِ (يُؤْسَرُ وَحْدَهُ، وَيَسْلَمُ) جَمِيعُ جَيْشِهِ ; وَأَنَا أَنْزِلُ فِي بَيْتِي، وَتَوَلِّي ابْنِي أَبُو الْعَبَّاسِ الْجِسْرَيْنِ بِبَغْدَاذَ. وَلَمَّا أَطْلَقَ أَبُو سَعِيدٍ الْعَبَّاسَ أَعْطَاهُ دَرَجًا مُلْصَقًا وَقَالَ لَهُ: أَوْصِلْهُ إِلَى الْمُعْتَضِدِ فَإِنَّ لِي فِيهِ أَسْرَارًا. فَلَمَّا دَخَلَ الْعَبَّاسُ عَلَى الْمُعْتَضِدِ (عَاتَبَهُ الْمُعْتَضِدُ) فَأَوْصَلَ إِلَيْهِ الْعَبَّاسُ الْكِتَابَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يُعْلِمَنِي أَنِّي أَنْفَذْتُكَ إِلَيْهِ فِي الْعَدَدِ الْكَثِيرِ، فَرَدَّكَ فَرْدًا ; وَفَتَحَ الْكِتَابَ وَإِذَا لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ.

стр. 3457

وَفِيهَا، فِي ذِي الْقَعْدَةِ أَوْقَعَ بَدْرٌ غُلَامُ الطَّائِيِّ الْقَرَامِطَةَ، عَلَى غِرَّةٍ مِنْهُمْ، بِنَوَاحِي مَيْسَانَ، وَغَيْرِهَا، وَقَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً، ثُمَّ تَرَكَهُمْ خَوْفًا أَنْ تُخَرَّبَ السَّوَادُ، وَكَانُوا فَلَّاحِيَّةً، وَطَلَبَ رُؤَسَاءَهُمْ فَقَتَلَ مَنْ ظَفِرَ بِهِ مِنْهُمْ. ذِكْرُ أَسْرِ عَمْرٍو الصَّفَّارِ وَمُلْكِ إِسْمَاعِيلَ خُرَاسَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ أُسِرَ عَمْرُو بْنُ اللَّيْثِ الصَّفَّارُ ; وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ عَمْرًا أَرْسَلَ إِلَى الْمُعْتَضِدِ بِرَأْسِ رَافِعِ بْنِ هَرْثَمَةَ، وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُوَلِّيَهُ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ الْخِلَعَ وَاللِّوَاءَ بِذَلِكَ، وَهُوَ بِنَيْسَابُورَ، فَوَجَّهَ لِمُحَارَبَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَحْمَدَ السَّامَانِيِّ صَاحِبِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ مُحَمَّدَ بْنَ بَشِيرٍ، وَكَانَ خَلِيفَتَهُ وَحَاجِبَهُ، وَأَخَصَّ أَصْحَابِهِ بِخِدْمَتِهِ، وَأَكْبَرَهُمْ عِنْدَهُ، وَغَيْرَهُ مِنْ قُوَّادِهِ إِلَى آمُلَ، فَعَبَرَ إِلَيْهِمْ إِسْمَاعِيلُ جَيْحُونَ، فَحَارَبَهُمْ، فَهَزَمَهُمْ، وَقَتَلَ مُحَمَّدَ بْنَ بَشِيرٍ فِي نَحْوِ سِتَّةِ آلَافِ رَجُلٍ. وَبَلَغَ الْمُنْهَزِمُونَ إِلَى عَمْرٍو، وَهُوَ بِنَيْسَابُورَ، وَعَادَ إِسْمَاعِيلُ إِلَى بُخَارَى فَتَجَهَّزَ عَمْرٌو لِقَصْدِ إِسْمَاعِيلَ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ بِإِنْفَاذِ الْجُيُوشِ، وَلَا يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ، وَسَارَ عَنْ نَيْسَابُورَ نَحْوَ بَلْخَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ إِسْمَاعِيلُ: إِنَّكَ قَدْ وُلِّيتَ دُنْيَا عَرِيضَةً، وَإِنَّمَا فِي يَدِي مَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَأَنَا فِي ثَغْرٍ، فَاقْنَعْ بِمَا فِي يَدِكَ، وَاتْرُكْنِي فِي هَذَا الثَّغْرِ. فَأَبَى، فَذُكِرَ لِعَمْرٍو، وَأَصْحَابِهِ شِدَّةَ الْعُبُورِ بِنَهْرِ بَلْخَ، فَقَالَ: لَوْ شِئْتُ أَنْ أُسَكِّرَهُ بِبَذْرِ الْأَمْوَالِ، وَأَعْبُرَهُ لَفَعَلْتُ. فَسَارَ إِسْمَاعِيلُ نَحْوَهُ وَعَبَرَ النَّهْرَ إِلَى الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، وَجَاءَ عَمْرٌو فَنَزَلَ بَلْخَ، وَأَخَذَ

стр. 3458

إِسْمَاعِيلُ عَلَيْهِ النَّوَاحِيَ لِكَثْرَةِ جَمْعِهِ، وَصَارَ عَمْرٌو كَالْمُحَاصَرِ، وَنَدِمَ عَلَى مَا فَعَلَ، وَطَلَبَ الْمُحَاجَزَةَ، فَأَبَى إِسْمَاعِيلُ عَلَيْهِ، فَاقْتَتَلُوا، فَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ كَثِيرُ قِتَالٍ حَتَّى انْهَزَمَ عَمْرٌو فَوَلَّى هَارِبًا، وَمَرَّ بِأَجَمَةٍ فِي طَرِيقِهِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا أَقْرَبُ الطُّرُقِ، فَقَالَ لِعَامَّةِ مَنْ مَعَهُ: امْضُوا فِي الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ ; وَسَارَ هُوَ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ، فَدَخَلَ الْأَجَمَةَ، فَوَحَلَتْ بِهِ دَابَّتُهُ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِي نَفْسِهِ حِيلَةٌ، وَمَضَى مَنْ مَعَهُ وَلَمْ يُعَرِّجُوا عَلَيْهِ، وَجَاءَ أَصْحَابُ إِسْمَاعِيلَ فَأَخَذُوهُ أَسِيرًا، فَسَيَّرَهُ إِسْمَاعِيلُ إِلَى سَمَرْقَنْدَ. وَلَمَّا وَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى الْمُعْتَضِدِ ذَمَّ عَمْرًا وَمَدَحَ إِسْمَاعِيلَ، ثُمَّ إِنَّ إِسْمَاعِيلَ خَيَّرَ عَمْرًا بَيْنَ مُقَامِهِ عِنْدَهُ، أَوْ إِنْفَاذِهِ إِلَى الْمُعْتَضِدِ، فَاخْتَارَ الْمُقَامَ عِنْدَ الْمُعْتَضِدِ، فَسَيَّرَهُ إِلَيْهِ، فَوَصَلَ إِلَى بَغْدَاذَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ، فَلَمَّا وَصَلَ رُكِّبَ عَلَى جَمَلٍ وَأُدْخِلَ بَغْدَاذَ، ثُمَّ حُبِسَ، فَبَقِيَ مَحْبُوسًا حَتَّى قُتِلَ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ. وَأَرْسَلَ الْمُعْتَضِدُ إِلَى إِسْمَاعِيلَ بِالْخِلَعِ، وَوَلَّاهُ مَا كَانَ بِيَدِ عَمْرٍو، وَخَلَعَ عَلَى نَائِبِهِ بِالْحَضْرَةِ الْمَعْرُوفِ بِالْمَرْزُبَانِيِّ، وَاسْتَوْلَى إِسْمَاعِيلُ عَلَى خُرَاسَانَ وَصَارَتْ بِيَدِهِ. وَكَانَ عَمْرٌو أَعْوَرَ شَدِيدَ السُّمْرَةِ، عَظِيمَ السِّيَاسَةِ، قَدْ مَنَعَ أَصْحَابَهُ وَقُوَّادَهُ أَنْ (يَضْرِبَ أَحَدٌ مِنْهُمْ غُلَامًا) إِلَّا بِأَمْرِهِ، أَوْ يَتَوَلَّى عُقُوبَةَ الْغُلَامِ نَائِبُهُ، أَوْ أَحَدُ حُجَّابِهِ، وَكَانَ يَشْتَرِي الْمَمَالِيكَ الصِّغَارَ، وَيُرَبِّيهِمْ، وَيَهَبُهُمْ لِقُوَّادِهِ وَيُجْرِي عَلَيْهِمُ الْجِرَايَاتِ الْحَسَنَةِ سِرًّا، لِيُطَالِعُوهُ بِأَحْوَالِ قُوَّادِهِ، وَلَا يَنْكَتِمُ عَنْهُ مِنْ أَخْبَارِهِمْ شَيْءٌ، وَلَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ مَنْ يَنْقُلُ إِلَيْهِ عَنْهُمْ، فَكَانَ أَحَدُهُمْ يَحْذَرُهُ وَهُوَ وَحْدَهُ. حُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَامِلٌ بِفَارِسَ يُقَالُ لَهُ أَبُو حُصَيْنٍ، فَسَخِطَ عَلَيْهِ عَمْرٌو، وَأَلْزَمَهُ أَنْ يَبِيعَ أَمْلَاكَهُ، (وَيُوصِلَ ثَمَنَهَا إِلَيْهِ) ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، ثُمَّ طَلَبَ مِنْهُ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَإِنْ أَدَّاهَا فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَإِلَّا قَتَلَهُ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ الْكَاتِبِ يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَجْتَمِعَ بِهِ، فَأَذِنَ لَهُ، فَاجْتَمَعَ بِهِ، وَعَرَّفَهُ ضِيقَ يَدِهِ وَسَأَلَهُ أَنْ يَضْمَنَهُ لِيَخْرُجَ

стр. 3459

مِنْ مَحْبَسِهِ وَيَسْعَى فِي تَحْصِيلِ الْمَبْلَغِ الْمَطْلُوبِ مِنْهُ، فَفَعَلَ وَأَخْرَجَهُ، فَلَمْ يُفْتَحْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، فَعَادَ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ الْكَاتِبِ، فَبَلَغَ خَبَرُهُ عَمْرًا، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مِنْ أَيِّهِمَا أَعْجَبُ، مِنْ أَبِي سَعِيدٍ فِيمَا فَعَلَ مِنْ بَذْلِ مِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، أَمْ مِنْ أَبِي حُصَيْنٍ كَيْفَ عَادَ وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ الْقَتْلُ! ثُمَّ أَمَرَ بِإِطْلَاقِ مَا عَلَيْهِ وَرَدَّهُ إِلَى مَنْزِلَتِهِ. وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ أَحْمَالًا كَثِيرَةً مِنَ الْجُرُبِ، وَلَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مَا مُرَادُهُ، فَاتَّفَقَ فِي بَعْضِ السِّنِينَ أَنَّهُ قَصَدَ طَائِفَةً مِنَ الْعُصَاةِ عَلَيْهِ (لِلْإِيقَاعِ بِهِمْ) ، فَسَلَكَ طَرِيقًا لَا تَظُنُّ الْعُصَاةُ أَنَّهُمْ يُؤْتَوْنَ مِنْهُ، وَكَانَ فِي طَرِيقِهِ وَادٍ، فَأَمَرَ بِتِلْكَ الْجُرُبِ فَمُلِئَتْ تُرَابًا، وَأَحْجَارًا، وَنَضَّدَ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ، وَجَعَلَهَا طَرِيقًا فِي الْوَادِي، فَعَبَرَ أَصْحَابُهُ عَلَيْهَا، وَأَتَاهُمْ وَهُمْ آمِنُونَ فَأَثْخَنَ فِيهِمْ وَبَلَغَ مِنْهُمْ مَا أَرَادَ. وَحُكِيَ أَيْضًا أَنَّ أَكْبَرَ حُجَّابِهِ كَانَ اسْمُهُ مُحَمَّدَ بْنَ بَشِيرٍ، وَكَانَ يَخْلُفُهُ فِي كَثِيرٍ مِنْ أُمُورِهِ الْعِظَامِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ يَوْمًا، وَأَخَذَ يُعَدِّدُ عَلَيْهِ ذُنُوبَهُ، فَحَلَفَ مُحَمَّدٌ بِاللَّهِ وَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إِلَّا خَمْسِينَ بِدْرَةً، وَهُوَ يَحْمِلُهَا إِلَى الْخِزَانَةِ، وَلَا يَجْعَلُ لَهُ ذَنْبًا لَمْ يَعْلَمْهُ، فَقَالَ عَمْرٌو: مَا أَعْقَلَكَ مِنْ رَجُلٍ! احْمِلْهَا إِلَى الْخِزَانَةِ، فَحَمَلَهَا، فَرَضِيَ عَنْهُ، وَمَا أَقْبَحَ هَذَا مِنْ فِعْلٍ (وَشَرَهٍ إِلَى أَمْوَالِ) مَنْ أَذْهَبَ عُمْرَهُ فِي خِدْمَتِهِ! ذِكْرُ قَتْلِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ الْعَلَوِيِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ الْعَلَوِيُّ، صَاحِبُ طَبَرِسْتَانَ وَالدَّيْلَمِ. وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّهُ لَمَّا اتَّصَلَ بِهِ أَسْرُ عَمْرِو بْنِ اللَّيْثِ الصَّفَّارِ خَرَجَ مِنْ طَبَرِسْتَانَ نَحْوَ خُرَاسَانَ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ السَّامَانِيَّ لَا يَتَجَاوَزُ عَمَلَهُ، وَلَا يَقْصِدُ خُرَاسَانَ، وَأَنَّهُ لَا دَافِعَ لَهُ عَنْهَا. فَلَمَّا سَارَ إِلَى جُرْجَانَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ إِسْمَاعِيلُ، وَقَدِ اسْتَوْلَى عَلَى خُرَاسَانَ، يَقُولُ لَهُ: الْزَمْ عَمَلَكَ، وَلَا تَتَجَاوَزْ عَمَلَهُ، وَلَا تَقْصِدْ خُرَاسَانَ ; وَتَرَكَ جُرْجَانَ لَهُ، فَأَبَى ذَلِكَ مُحَمَّدٌ، فَنَدَبَ إِلَيْهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ مُحَمَّدَ بْنَ هَارُونَ، وَمُحَمَّدٌ هَذَا كَانَ يَخْلُفُ رَافِعَ بْنَ

стр. 3460

هَرْثَمَةَ أَيَّامَ وِلَايَتِهِ خُرَاسَانَ، فَجَمَعَ مُحَمَّدٌ جَمْعًا كَثِيرًا مِنْ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ، وَسَارَ نَحْوَ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، فَالْتَقَوْا عَلَى بَابِ جُرْجَانَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ أَوَّلًا ثُمَّ رَجَعَ وَقَدْ تَفَرَّقَ أَصْحَابُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ فِي الطَّلَبِ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَدْ رَجَعَ إِلَيْهِمْ وَلَّوْا هَارِبِينَ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ بَشَرٌ كَثِيرٌ، وَأَصَابَتِ ابْنَ زَيْدٍ ضَرَبَاتٌ، وَأُسِرَ ابْنُهُ زَيْدٌ، وَغَنِمَ ابْنُ هَارُونَ عَسْكَرَهُ وَمَا فِيهِ، ثُمَّ مَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ بَعْدَ أَيَّامٍ مِنْ جِرَاحَاتِهِ الَّتِي أَصَابَتْهُ، فَدُفِنَ عَلَى بَابِ جُرْجَانَ. وَحُمِلَ ابْنُهُ زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ إِلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَحْمَدَ، فَأَكْرَمَهُ وَوَسَّعَ فِي الْإِنْزَالِ عَلَيْهِ، وَأَنْزَلَهُ بُخَارَى، وَسَارَ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ إِلَى طَبَرِسْتَانَ. وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ فَاضِلًا، أَدِيبًا، شَاعِرًا، عَارِفًا، حَسَنَ السِّيرَةِ، قَالَ أَبُو عُمَرَ الْأَسْتَرَابَاذِيُّ: كُنْتُ أُورِدُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ أَخْبَارَ الْعَبَّاسِيِّينَ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُمْ قَدْ لَقَّبُوا أَنْفُسَهُمْ، فَإِذَا ذَكَرْتَهُمْ عِنْدَكَ أُسَمِّيهِمْ، أَوْ أُلَقِّبُهُمْ؟ فَقَالَ: الْأَمْرُ مُوَسَّعٌ عَلَيْكَ، سَمِّهِمْ وَلَقِّبْهُمْ بِأَحْسَنِ أَلْقَابِهِمْ وَأَسْمَائِهِمْ، وَأَحَبِّهَا إِلَيْهِمْ. وَقِيلَ حَضَرَ عِنْدَهُ خَصْمَانِ أَحَدُهُمَا اسْمُهُ مُعَاوِيَةُ وَالْآخَرُ اسْمُهُ عَلِيٌّ، فَقَالَ: الْحُكْمُ بَيْنَكُمَا ظَاهِرٌ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: إِنَّ تَحْتَ هَذَيْنِ الْاسْمَيْنِ خَبَرًا، قَالَ مُحَمَّدٌ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: إِنَّ أَبِي كَانَ مِنْ صَادِقِي الشِّيعَةِ، فَسَمَّانِي مُعَاوِيَةَ لِيَنْفِيَ شَرَّ النَّوَاصِبِ، وَإِنَّ أَبَا هَذَا كَانَ نَاصِبِيًّا، فَسَمَّاهُ عَلِيًّا خَوْفًا مِنَ الْعَلَوِيَّةِ وَالشِّيعَةِ. فَتَبَسَّمَ إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ وَقَرَّبَهُ. وَقِيلَ: اسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَضِرَّاءِ الشِّيعَةِ وَقُرَّائِهِمْ، فَقَالَ: ادْخُلُوا، فَإِنَّهُ لَا يُحِبُّنَا إِلَّا كُلُّ كَسِيرٍ وَأَعْوَرَ. ذِكْرُ وِلَايَةِ أَبِي الْعَبَّاسِ صِقِلِّيَةَ كَانَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ الْأَمِيرِ أَحْمَدَ أَمِيرِ إِفْرِيقِيَّةَ قَدِ اسْتَعْمَلَ عَلَى صِقِلِّيَةَ أَبَا مَالِكٍ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَاسْتَضْعَفَهُ، فَوَلَّى بَعْدَهُ ابْنَهُ أَبَا الْعَبَّاسِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْأَغْلَبِ، فَوَصَلَ إِلَيْهَا غُرَّةَ شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ فِي مِائَةٍ وَعِشْرِينَ مَرْكَبًا، وَأَرْبَعِينَ حَرْبِيٍّ، وَحَصَرَ طَرَابُلُسَ.

стр. 3461

وَاتَّصَلَ خَبَرُهُ بِعَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ بِمَدِينَةِ بَلَرْمَ [وَهُمْ] يُقَاتِلُونَ أَهْلَ جَرْجَنْتَ، فَعَادُوا إِلَى بَلَرْمَ، وَأَرْسَلُوا جَمَاعَةً مِنْ شُيُوخِهِمْ إِلَيْهِ بِطَاعَتِهِمْ، وَاعْتَذَرُوا مِنْ قَصْدِهِمْ جَرْجَنْتَ، وَوَصَلَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ جَرْجَنْتَ، وَشَكَوْا مِنْهُمْ وَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ مُخَالِفُونَ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا سَيَّرُوا مَشَايِخَهُمْ خَدِيعَةً وَمَكْرًا، وَأَنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ وَلَا عَهْدَ ; وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَعْلَمَ مِصْدَاقَ هَذَا فَاطْلُبْ إِلَيْكَ مِنْهُمْ فُلَانًا وَفُلَانًا. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ يَطْلُبُهُمْ فَامْتَنَعُوا عَنِ الْحُضُورِ عِنْدَهُ، وَخَالَفُوا عَلَيْهِ، وَأَظْهَرُوا ذَلِكَ، فَاعْتَقَلَ الشُّيُوخَ الْوَاصِلِينَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ، وَاجْتَمَعَ أَهْلُ بَلَرْمَ وَسَارُوا إِلَيْهِ مُنْتَصَفَ شَعْبَانَ، وَمُقَدَّمُهُمْ مَسْعُودٌ الْبَاجِيُّ، وَأَمِيرُ السُّفَهَاءِ مِنْهُمْ رَكْمَوَيْهِ، وَصَحِبَهُمْ ثَمَّ أُسْطُولٌ فِي الْبَحْرِ نَحْوُ ثَلَاثِينَ قِطْعَةً، فَهَاجَ الْبَحْرُ عَلَى الْأُسْطُولِ، فَعَطِبَ أَكْثَرُهُ، وَعَادَ الْبَاقِي إِلَى بَلَرْمَ. وَأَمَّا الْعَسْكَرُ الَّذِينَ فِي الْبَرِّ فَإِنَّهُمْ وَصَلُوا إِلَيْهِ وَهُوَ عَلَى طَرَابُلُسَ، فَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ الْقِتَالِ، فَقُتِلَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ جَمَاعَةٌ وَافْتَرَقُوا، ثُمَّ عَاوَدُوا الْقِتَالَ فِي الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ، فَانْهَزَمَ أَهْلُ بَلَرْمَ وَقْتَ الْعَصْرِ، وَتَبِعَهُمْ أَبُو الْعَبَّاسِ إِلَى بَلَرْمَ بَرًّا وَبَحْرًا فَعَاوَدُوا قِتَالَهُ عَاشِرَ رَمَضَانَ مِنْ بُكْرَةٍ إِلَى الْعَصْرِ، فَانْهَزَمَ أَهْلُ الْبَلَدِ، وَوَقَعَ الْقَتْلُ فِيهِمْ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَاسْتُعْمِلَ أَبُو الْعَبَّاسِ عَلَى أَرْبَاضِهَا، وَنُهِبَتِ الْأَمْوَالُ، وَهَرَبَ كَثِيرٌ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إِلَى طَبَرْمِينَ، وَهَرَبَ رَكْمَوَيْهِ وَأَمْثَالُهُ مِنْ رِجَالِ الْحَرْبِ إِلَى بِلَادِ النَّصْرَانِيَّةِ، كَالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَمَلَكَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَدِينَةَ، وَدَخَلَهَا، وَأَمَّنَ أَهْلَهَا، وَأَخَذَ جَمَاعَةً مِنْ وُجُوهِ أَهْلِهَا فَوَجَّهَهُمْ إِلَى أَبِيهِ بِإِفْرِيقِيَّةَ. ثُمَّ رَحَلَ إِلَى طَبَرْمِينَ، فَقَطَعَ كُرُومَهَا، وَقَاتَلَهُمْ، ثُمَّ رَحَلَ إِلَى قَطَانِيَةَ فَحَصَرَهَا، فَلَمْ يَنَلْ مِنْهَا غَرَضًّا، فَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَقَامَ إِلَى أَنْ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ فَتَجَهَّزَ لِلْغَزْوِ، وَطَابَ الزَّمَانُ، وَعَمَّرَ الْأُسْطُولَ وَسَيَّرَهُ أَوَّلَ رَبِيعٍ الْآخِرِ وَنَزَلَ عَلَى دَمَنْشَ، وَنَصَبَ عَلَيْهَا الْمَجَانِيقَ، وَأَقَامَ أَيَّامًا. ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى مَسِّينِي، وَجَازَ فِي الْحَرْبِيَّةِ إِلَى رِيُّو، وَقَدِ اجْتَمَعَ بِهَا كَثِيرٌ مِنَ الرُّومِ، فَقَاتَلَهُمْ عَلَى بَابِ الْمَدِينَةِ، وَهَزَمَهُمْ، (وَمَلَكَ الْمَدِينَةَ) بِالسَّيْفِ فِي رَجَبٍ،

стр. 3462

وَغَنِمَ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مَا لَا يُحَدُّ، وَشَحَنَ الْمَرَاكِبَ بِالدَّقِيقِ، وَالْأَمْتِعَةِ، وَرَجَعَ إِلَى مَسِّينِي وَهَدَمَ سُورَهَا، وَوَجَدَ بِهَا مَرَاكِبَ قَدْ وَصَلَتْ مِنَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، فَأَخَذَ مِنْهَا ثَلَاثِينَ مَرْكَبًا وَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَقَامَ إِلَى سَنَةَ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ [وَمِائَتَيْنِ] ، فَأَتَاهُ كِتَابُ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ يَأْمُرُهُ بِالْعَوْدِ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ، فَرَجَعَ إِلَيْهَا جَرِيدَةً فِي خَمْسِ قِطَعٍ شَوَانِي، وَتَرَكَ الْعَسْكَرَ مَعَ وَلَدَيْهِ أَبِي مُضَرَ، وَأَبِي مَعَدٍّ. فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ اسْتَخْلَفَهُ أَبُوهُ بِهَا، وَسَارَ هُوَ إِلَى صِقِلِّيَةَ مُجَاهِدًا، عَازِمًا عَلَى الْحَجِّ بَعْدَ الْجِهَادِ، فَوَصَلَهَا فِي رَجَبٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا خَبَرَهُ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ جَمَعَتْ طَيٌّ مَنْ قَدَرَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْأَعْرَابِ، وَخَرَجُوا عَلَى قُفُلِ الْحَاجِّ، فَوَاقَعُوهُمْ بِالْمَعْدِنِ، وَقَاتَلُوهُمْ يَوْمَيْنِ بَيْنَ الْخَمِيسِ وَالْجُمُعَةِ، لِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَانْهَزَمَ الْعَرَبُ وَقُتِلَ كَثِيرٌ وَسَلِمَ الْحَاجُّ. وَفِيهَا مَاتَ إِسْحَاقُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الْعَدَوِيُّ - عَدِيُّ رَبِيعَةَ - أَمِيرُ دِيَارِ رَبِيعَةَ مِنْ بِلَادِ الْجَزِيرَةِ، فَوَلِيَ مَكَانَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْهَيْثَمِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ. (وَفِيهَا تُوُفِّيَتْ قَطْرُ النَّدَى ابْنَةُ خُمَارَوَيْهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ صَاحِبِ مِصْرَ، وَهِيَ امْرَأَةُ الْمُعْتَضِدِ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَاوُدَ.

стр. 3463

وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ الْمُعْتَضِدُ عِيسَى النُّوشَرِيُّ، وَهُوَ أَمِيرُ أَصْبَهَانَ، عَلَى بِلَادِ فَارِسَ، وَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ فَهْدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ فَهْدٍ الْأَزْدِيُّ الْمَوْصِلِيُّ، وَكَانَ مِنَ الْأَعْيَانِ. وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، تُوُفِّيَ بِمَكَّةَ، وَهُوَ صَاحِبُ أَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ، بِالتَّشْدِيدِ.

стр. 3464

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ] ٢٨٨ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَعَ الْوَبَاءُ بِأَذْرَبِيجَانَ فَمَاتَ مِنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ إِلَى أَنْ فَقَدَ النَّاسُ مَا يُكَفِّنُونَ بِهِ الْمَوْتَى، وَكَانُوا يَتْرُكُونَهُمْ عَلَى الطُّرُقِ غَيْرَ مُكَفَّنِينَ وَلَا مُدَفَّنِينَ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي السَّاجِ بِأَذْرَبِيجَانَ فِي الْوَبَاءِ الْكَثِيرِ الْمَذْكُورِ، فَاجْتَمَعَ أَصْحَابُهُ، فَوَلَّوُا ابْنَهُ دُيُودَادَ، وَاعْتَزَلَهُمْ عَمُّهُ يُوسُفُ بْنُ أَبِي السَّاجِ مُخَالِفًا لَهُمْ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ نَفَرٌ يَسِيرٌ، فَأَوْقَعَ بِابْنِ أَخِيهِ دُيُودَادَ، وَهُوَ فِي عَسْكَرِ أَبِيهِ فَهَزَمَهُ، وَعَرَضَ عَلَيْهِ يُوسُفُ الْمُقَامَ مَعَهُ فَأَبَى، وَسَلَكَ طَرِيقَ الْمَوْصِلِ إِلَى بَغْدَاذَ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي رَمَضَانَ. وَفِيهَا، فِي صَفَرٍ دَخَلَ طَاهِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ اللَّيْثِ بِلَادَ فَارِسَ فِي عَسْكَرِهِ، وَأَخْرَجُوا عَنْهَا عَامِلَ الْخَلِيفَةِ، فَكَتَبَ الْأَمِيرُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ السَّامَانِيُّ إِلَى طَاهِرٍ يَذْكُرُ لَهُ أَنَّ الْخَلِيفَةَ الْمُعْتَضِدَ قَدْ وَلَّاهُ سِجِسْتَانَ، وَأَنَّهُ سَائِرٌ إِلَيْهَا، فَعَادَ طَاهِرٌ لِذَلِكَ. وَفِيهَا وَلَّى الْمُعْتَضِدُ مَوْلَاهُ بَدْرًا فَارِسَ، وَأَمَرَهُ بِالشُّخُوصِ إِلَيْهَا لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ طَاهِرًا تَغَلَّبَ عَلَيْهَا، فَسَارَ إِلَيْهِ فِي جَيْشٍ عَظِيمٍ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْ فَارِسَ تَنَحَّى عَنْهَا مَنْ كَانَ بِهَا مِنْ أَصْحَابِ طَاهِرٍ، فَدَخَلَهَا بَدْرٌ، وَجَبَى خَرَاجَهَا، وَعَادَ طَاهِرٌ إِلَى سِجِسْتَانَ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ مُرَاسَلَةِ إِسْمَاعِيلَ السَّامَانِيِّ إِلَيْهِ بِأَنَّهُ يُرِيدُ [أَنْ] يَقْصِدَ سِجِسْتَانَ.

стр. 3465

وَفِيهَا تَغَلَّبَ بَعْضُ الْعَلَوِيِّينَ عَلَى صَنْعَاءَ، فَقَصَدَهُ بَنُو يَعْفُرَ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، فَقَاتَلُوهُ، فَهَزَمُوهُ، وَنَجَا هَارِبًا نَحْوُ خَمْسِينَ فَارِسًا، وَأَسَرُوا ابْنًا لَهُ، وَدَخَلَهَا بَنُو يَعْفُرَ، وَخَطَبُوا فِيهَا لِلْمُعْتَضِدِ. وَفِيهَا سَيَّرَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ كَوْرَةَ صَاحِبَهُ نِزَارَ بْنَ مُحَمَّدٍ إِلَى صَائِفَةِ الرُّومِ فَغَزَا، وَفَتَحَ حُصُونًا كَثِيرَةً لِلرُّومِ، وَعَادَ وَمَعَهُ الْأَسْرَى. ثُمَّ إِنَّ الرُّومَ سَارُوا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ إِلَى نَاحِيَةِ كَيْسُومَ، فَأَخَذُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا وَعَادُوا. وَفِيهَا قَرُبَ أَصْحَابُ أَبِي سَعِيدٍ الْجَنَّابِيِّ مِنَ الْبَصْرَةِ، فَخَافَ أَهْلُهَا، وَهَمُّوا بِالْهَرَبِ مِنْهَا، فَمَنَعَهُمْ مِنْ ذَلِكَ وَالِيهِمْ. وَفِيهَا فِي ذِي الْحِجَّةِ، قُتِلَ وَصَيْفٌ خَادِمُ ابْنِ أَبِي السَّاجِ، وَصُلِبَتْ جُثَّتُهُ بِبَغْدَاذَ، وَقِيلَ إِنَّهُ مَاتَ وَلَمْ يُقْتَلْ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُكَنَّى أَبَا بَكْرٍ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ، تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ الْوَزِيرُ، فَعَظُمَ مَوْتُهُ عَلَى الْمُعْتَضِدِ، وَجَعَلَ ابْنَهُ أَبَا الْحُسَيْنِ الْقَاسِمَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بَعْدَ أَبِيهِ فِي الْوِزَارَةِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ (إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ) . وَبِشْرُ بْنُ مُوسَى الْأَسَدِيُّ، وَهُوَ مِنَ الْحُفَّاظِ لِلْحَدِيثِ.

стр. 3466

وَفِيهَا، فِي صَفَرٍ تُوُفِّيَ ثَابِتُ بْنُ قُرَّةَ بْنِ سِنَانٍ الصَّابِيُّ الطَّبِيبُ الْمَشْهُورُ، وَمُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى.

стр. 3467

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ] ٢٨٩ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ ذِكْرُ أَخْبَارِ الْقَرَامِطَةِ بِالشَّامِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ ظَهَرَ بِالشَّامِ رَجُلٌ مِنَ الْقَرَامِطَةِ، وَجَمَعَ جُمُوعًا مِنَ الْأَعْرَابِ، وَأَتَى دِمَشْقَ، وَأَمِيرُهَا طُغَجُ بْنُ جُفٍّ مِنْ قِبَلِ هَارُونَ بْنِ خُمَارَوَيْهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ، وَكَانَتْ بَيْنَهُمَا وَقَعَاتٌ. وَكَانَ ابْتِدَاءُ حَالِ هَذَا الْقَرْمَطِيِّ أَنَّ زِكْرَوَيْهِ بْنَ مَهْرَوَيْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا أَنَّهُ دَاعِيَةُ قَرْمَطَ هَذَا، لَمَّا رَأَى أَنَّ الْجُيُوشَ مِنَ الْمُعْتَضِدِ مُتَتَابِعَةٌ إِلَى مَنْ بِسَوَادِ الْكُوفَةِ مِنَ الْقَرَامِطَةِ، فَإِنَّ الْقَتْلَ قَدْ أَبَادَهُمْ، سَعَى فِي اسْتِغْوَاءِ مَنْ قَرُبَ مِنَ الْكُوفَةِ مِنَ الْأَعْرَابِ: (أَسَدٍ، وَطَيٍّ، وَغَيْرِهِمْ) ، فَلَمْ يُجِبْهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ فَأَرْسَلَ أَوْلَادَهُ إِلَى كَلْبِ بْنِ وَبَرَةَ فَاسْتَغْوَوْهُمْ، فَلَمْ (يُجِبْهُمْ مِنْهُمْ) إِلَّا الْفَخِدُ الْمَعْرُوفُ بِبَنِي الْعُلَيْصِ بْنِ ضَمْضَمِ بْنِ عُدَيِّ بْنِ خَبَّابٍ وَمَوَالِيهِمْ خَاصَّةً، فَبَايَعُوا فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ بِنَاحِيَةِ السَّمَاوَةِ ابْنَ زِكْرَوَيْهِ، الْمُسَمَّى بِيَحْيَى، الْمُكَنَّى أَبَا الْقَاسِمِ، فَلَقَّبُوهُ الشَّيْخَ، وَزَعَمَ أَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. وَقِيلَ: لَمْ يَكُنْ لِمُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ وَلَدٌ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَزَعَمَ أَنَّ لَهُ بِالْبِلَادِ مِائَةَ أَلْفِ تَابِعٍ، وَأَنَّ نَاقَتَهُ الَّتِي يَرْكَبُهَا مَأْمُورَةٌ، فَإِذَا تَتَبَّعُوهَا فِي مَسِيرِهَا نُصِرُوا، وَأَظْهَرَ عَضُدًا لَهُ (نَاقِصَةً وَذَكَرَ أَنَّهَا آيَتُهُ) ، وَأَتَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ بَنِي الْأَصْبَغِ، وَسُمُّوا الْفَاطِمِيِّينَ، وَدَانُوا

стр. 3468

بِدِينِهِ، فَقَصَدَهُمْ شِبْلٌ غُلَامُ الْمُعْتَضِدِ مِنْ نَاحِيَةِ الرُّصَافَةِ (فَاغْتَرُّوهُ فَقَتَلُوهُ، وَأَحْرَقُوا مَسْجِدَ الرُّصَافَةِ) ، وَاعْتَرَضُوا كُلَّ قَرْيَةٍ اجْتَازُوا بِهَا، حَتَّى بَلَغُوا وِلَايَةَ هَارُونَ بْنِ خُمَارَوَيْهِ الَّتِي قُوطِعَ عَلَيْهَا طُغَجُ بْنُ جُفٍّ، فَأَكْثَرُوا الْقَتْلَ بِهَا وَالْإِغَارَةَ، فَقَاتَلَهُمْ طُغَجُ، فَهَزَمُوهُ غَيْرَ مَرَّةٍ. ذِكْرُ أَخْبَارِ الْقَرَامِطَةِ بِالْعِرَاقِ وَفِيهَا انْتَشَرَ الْقَرَامِطَةُ بِسَوَادِ الْكُوفَةِ، فَوَجَّهَ الْمُعْتَضِدُ إِلَيْهِمْ شِبْلًا غُلَامَ أَحْمَدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الطَّائِيِّ، وَظَفِرَ بِهِمْ، وَأَخَذَ رَئِيسًا لَهُمْ يُعْرَفُ بِأَبِي الْفَوَارِسِ فَسَيَّرَهُ إِلَى الْمُعْتَضِدِ، فَأَحْضَرَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: أَخْبِرْنِي، هَلْ تَزْعُمُونَ أَنَّ رُوحَ اللَّهِ تَعَالَى وَأَرْوَاحَ أَنْبِيَائِهِ تَحِلُّ فِي أَجْسَادِكُمْ فَتَعْصِمُكُمْ مِنَ الزَّلَلِ، وَتُوَفِّقُكُمْ لِصَالِحِ الْعَمَلِ؟ فَقَالَ لَهُ: يَا هَذَا إِنْ حَلَّتْ رُوحُ (اللَّهِ فِينَا فَمَا يَضُرُّكَ؟ وَإِنْ حَلَّتْ رُوحُ) إِبْلِيسَ فَمَا يَنْفَعُكَ؟ فَلَا تَسْأَلْ عَمَّا لَا يَعْنِيكَ وَسَلْ عَمَّا يَخُصُّكَ. فَقَالَ: مَا تَقُولُ فِيمَا يَخُصُّنِي؟ قَالَ: أَقُولُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَاتَ وَأَبُوكُمُ الْعَبَّاسُ حَيٌّ، فَهَلْ طَالَبَ بِالْخِلَافَةِ، أَمْ هَلْ بَايَعَهُ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ مَاتَ أَبُو بَكْرٍ فَاسْتَخْلَفَ عُمَرَ، وَهُوَ يَرَى مَوْضِعَ الْعَبَّاسِ، وَلَمْ يُوصِ إِلَيْهِ، ثُمَّ مَاتَ عُمَرُ وَجَعَلَهَا شُورَى فِي سِتَّةِ أَنْفُسٍ، وَلَمْ يُوصِ إِلَيْهِ، وَلَا أَدْخَلَهُ فِيهِمْ، فَبِمَاذَا تَسْتَحِقُّونَ أَنْتُمُ الْخِلَافَةَ؟ وَقَدِ اتَّفَقَ الصَّحَابَةُ عَلَى دَفْعِ جَدِّكَ عَنْهَا. فَأَمَرَ بِهِ الْمُعْتَضِدُ فَعُذِّبَ، وَخُلِعَتْ عِظَامُهُ، ثُمَّ قُطِّعَتْ يَدَاهُ، وَرِجْلَاهُ، ثُمَّ قُتِلَ.

стр. 3469

ذِكْرُ وَفَاةِ الْمُعْتَضِدِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ تُوُفِّيَ الْمُعْتَضِدُ بِاللَّهِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ الْمُوَفَّقِ بْنِ الْمُتَوَكِّلِ، لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْهُ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ. وَلَمَّا اشْتَدَّ مَرَضُهُ اجْتَمَعَ الْقُوَّادُ، مِنْهُمْ يُونُسُ الْخَادِمُ، وَمُوشْكِيرُ، وَغَيْرُهُمَا. وَقَالُوا لِلْوَزِيرِ الْقَاسِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ لِيُجَدِّدَ الْبَيْعَةَ لِلْمُكْتَفِي. وَقَالُوا: إِنَّا لَا نَأْمَنُ فِتْنَةً، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الْمَالَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَلِوَلَدِهِ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَخَافُ [أَنْ] أُطْلِقَ الْمَالَ، فَيَبْرَأَ مِنْ عِلَّتِهِ، فَيُنْكِرَ عَلَيَّ ذَلِكَ. فَقَالَ: إِنْ بَرِئَ مِنْ مَرَضِهِ، فَنَحْنُ الْمُحْتَجُّونَ، وَالْمُنَاظِرُونَ، وَإِنْ صَارَ الْأَمْرُ إِلَى وَلَدِهِ، فَلَا يَلُومُنَا، وَنَحْنُ نَطْلُبُ الْأَمْرَ لَهُ. فَأَطْلَقَ الْمَالَ وَجَدَّدَ عَلَيْهِ الْبَيْعَةَ، وَأَحْضَرَ عَبْدَ الْوَاحِدِ بْنَ (الْمُوَفَّقِ، وَأَخَذَ عَلَيْهِ الْبَيْعَةَ فَوَكَّلَ بِهِ، وَأَحْضَرَ ابْنَ الْمُعْتَزِّ، وَمَضَى ابْنُ الْمُؤَيَّدِ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ) الْمُعْتَمِدِ، وَوَكَّلَ بِهِمْ. فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَحْضَرَ يُوسُفَ بْنَ يَعْقُوبَ، وَأَبَا حَازِمٍ، وَأَبَا عُمَرَ بْنَ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ فَتَوَلَّى غُسْلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، وَصَلَّى عَلَيْهِ الْوَزِيرُ، وَدُفِنَ لَيْلًا فِي دَارِ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ، وَجَلَسَ الْوَزِيرُ فِي دَارِ الْخِلَافَةِ لِلْعَزَاءِ، وَجَدَّدَ الْبَيْعَةَ لِلْمُكْتَفِي. وَكَانَتْ أُمُّ الْمُعْتَضِدِ، وَاسْمُهَا ضِرَارُ، قَدْ تُوُفِّيَتْ قَبْلَ خِلَافَتِهِ.

стр. 3470

وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ تِسْعَ سِنِينَ وَتِسْعَةَ أَشْهُرٍ، وَثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا ; وَخَلَّفَ مِنَ الْوَلَدِ الذُّكُورِ: عَلِيًّا وَهُوَ الْمُكْتَفِي، وَجَعْفَرًا وَهُوَ الْمُقْتَدِرُ، وَهَارُونُ، وَمِنَ الْبَنَاتِ إِحْدَى عَشْرَةَ بِنْتًا، وَقِيلَ: سَبْعَ عَشْرَةَ. (وَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَنْشَدَ: تَمَتَّعْ مِنَ الدُّنْيَا فَإِنَّكَ لَا تَبْقَى وَخُذْ ... صَفْوَهَا مَا إِنْ صَفَتْ وَدَعِ الرَّنْقَا وَلَا تَأْمَنَنَّ الدَّهْرَ إِنِّي أَمِنْتُهُ فَلَمْ ... يُبْقِ لِي حَالًا وَلَا يَرْعَ لِي حَقَّا قَتَلْتُ صَنَادِيدَ الرِّجَالِ وَلَمْ أَدَعْ ... عَدُوًّا وَلَمْ أُمْهِلْ عَلَى طَغْيِهِ خَلْقَا وَأَخْلَيْتُ دَارَ الْمُلْكِ مِنْ كُلِّ نَازِعٍ ... فَشَرَّدْتُهُمْ غَرْبًا وَمَزَّقْتُهُمْ شَرْقَا فَلَمَّا بَلَغْتُ النَّجْمَ عِزًّا وَرِفْعَةً ... وَصَارَتْ رِقَابُ الْخَلْقِ أَجْمَعَ لِي رِقَّا رَمَانِي الرَّدَى سَهْمًا فَأَخْمَدَ جَمْرَتِي ... فَهَا أَنَا ذَا فِي حُفْرَتِي عَاجِلًا أُلْقَى وَلَمْ يُغْنِ عَنِّي مَا جَمَعْتُ وَلَمْ أَجِدْ ... لِذِي الْمُلْكِ وَالْأَحْيَاءِ فِي حُسْنِهَا رِفْقَا فَيَا لَيْتَ شِعْرِي بَعْدَ مَوْتِيَ مَا أَلْقَى ؟ إِلَى نِعَمِ الرَّحْمَنِ أَمْ نَارِهِ أُلْقَى
следующие страницы →