← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

الْمُعْتَمِدُ عَلَى اللَّهِ بِالْمَدَائِنِ، وَأَمَرَ الْمُوَفَّقُ ابْنَهُ أَنْ يَسِيرَ إِلَى بَعْضِ الْوُجُوهِ، فَقَالَ: لَا أَخْرُجُ إِلَّا إِلَى الشَّامِ لِأَنَّهَا الْوِلَايَةُ الَّتِي وَلَّانِيهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ. فَلَمَّا امْتَنَعَ عَلَيْهِ أَمَرَ بِإِحْضَارِهِ، فَلَمَّا حَضَرَ أَمَرَ بَعْضُ خَدَمِهِ أَنْ يَحْبِسَهُ فِي حُجْرَةٍ فِي دَارِهِ، فَلَمَّا قَامَ الْمُعْتَضِدُ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ الْخَادِمُ وَأَمَرَهُ بِدُخُولِ تِلْكَ الدَّارِ، فَدَخَلَ وَوُكِّلَ بِهِ فِيهَا. وَثَارَ الْقُوَّادُ مِنْ أَصْحَابِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ وَرَكِبُوا، وَاضْطَرَبَتْ بَغْدَاذُ لَمَّا رَأَوُا السِّلَاحَ وَالْقُوَّادَ، فَرَكِبَ الْمُوَفَّقُ إِلَى الْمَيْدَانِ، وَقَالَ لَهُمْ: مَا شَأْنُكُمْ؟ أَتَرَوْنَ أَنَّكُمْ أَشْفَقُ عَلَى وَلَدِي مِنِّي، وَقَدِ احْتَجْتُ إِلَى تَقْوِيمِهِ! فَانْصَرَفُوا. (فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ الطَّائِيُّ إِلَى سَامَرَّا بِسَبَبِ صِدِّيقٍ، فَرَاسَلَهُ، وَأَمَّنَهُ، وَدَخَلَ سَامَرَّا فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَأَخَذَهُمُ الطَّائِيُّ، وَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ، وَأَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلَافٍ، وَحَمَلَهُمْ إِلَى بَغْدَاذَ. وَفِيهَا غَزَا يَازْمَانُ فِي الْبَحْرِ، فَغَنِمَ مِنَ الرُّومِ أَرْبَعَةَ مَرَاكِبَ) . ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ رَافِعِ بْنِ هَرْثَمَةَ عَلَى جُرْجَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ رَافِعُ بْنُ هَرْثَمَةَ إِلَى جُرْجَانَ، فَأَزَالَ عَنْهَا مُحَمَّدَ بْنَ زَيْدٍ، وَسَارَ مُحَمَّدٌ إِلَى إِسْتِرَابَاذَ، فَحَصَرَهُ فِيهَا رَافِعٌ، وَأَقَامَ عَلَيْهِ نَحْوَ سَنَتَيْنِ فَغَلَتِ الْأَسْعَارُ بِحَيْثُ لَمْ يُوجَدْ مَا يُؤْكَلُ، وَبِيعَ وَزْنُ دِرْهَمِ مِلْحٍ بِدِرْهَمَيْنِ فِضَّةٍ، وَفَارَقَهَا مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ لَيْلًا فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ إِلَى سَارِيَةٍ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ رَافِعٌ عَسْكَرًا، فَتَحَارَبَا، وَسَارَ مُحَمَّدٌ عَنْ سَارِيَةَ، وَعَنْ طَبَرِسْتَانَ، وَذَلِكَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَاسْتَأْمَنَ رُسْتُمُ بْنُ قَارِنَ إِلَى رَافِعٍ بِطَبَرِسْتَانَ، فَصَاهَرَهُ ابْنُ قُولَهْ. وَقِدَمَ عَلَى رَافِعٍ، وَهُوَ بِطَبَرِسْتَانَ عَلِيُّ بْنُ اللَّيْثِ، وَكَانَ قَدْ حَبَسَهُ أَخُوهُ عَمْرٌو بِكَرْمَانَ، فَاحْتَالَ حَتَّى تَخَلَّصَ هُوَ وَابْنَاهُ الْمُعَدَّلُ وَاللَّيْثُ، وَأَنْفَذَ رَافِعٌ إِلَى شَالُوسَ

стр. 3397

مُحَمَّدَ بْنَ هَارُونَ نَائِبًا عَنْهُ، فَأَتَاهُ بِهَا عَلِيُّ بْنُ كَالِي مُسْتَأْمِنًا، فَأَتَاهُمَا مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ، وَحَصَرَهُمَا بِشَالُوسَ، وَأَخَذَ الطَّرِيقَ عَلَيْهِمَا، فَلَمْ يَصِلْ مِنْهُمَا إِلَى رَافِعٍ خَبَرٌ، فَلَمَّا تَأَخَّرَ خَبَرُهُمَا عَنْهُ أَرْسَلَ جَاسُوسًا يَأْتِيهِ بِأَخْبَارِهِمَا، فَعَادَ إِلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ بِحَصْرِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ إِيَّاهُمَا بِشَالُوسَ، فَعَظُمَ عَلَيْهِ، وَسَارَ إِلَيْهِمَا، فَرَحَلَ عَنْهُمَا مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ إِلَى أَرْضِ الدَّيْلَمِ، فَدَخَلَ رَافِعٌ خَلْفَهُ أَرْضَ الدَّيْلَمِ فَخَرَقَهَا حَتَّى اتَّصَلَ بِحُدُودِ قَزْوِينَ، وَعَادَ إِلَى الرَّيِّ، وَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ الْمُوَفَّقُ فِي رَجَبٍ سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ. ذِكْرُ وَفَاةِ الْمُنْذِرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأُمَوِيِّ وَفِيهَا فِي الْمُحَرَّمِ تُوُفِّيَ الْمُنْذِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ الْأُمَوِيُّ، صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ، وَقِيلَ فِي صَفَرٍ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ سَنَةً وَاحِدَةً وَأَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا وَعَشَرَةَ أَيَّامٍ، وَكَانَ عُمْرُهُ نَحْوًا مِنْ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً. وَكَانَ أَسْمَرَ طَوِيلًا بِوَجْهِهِ أَثَرُ جُدَرِيٍّ، جَعْدًا كَثَّ اللِّحْيَةِ، وَخَلَّفَ سِتَّةَ ذُكُورٍ، وَكَانَ جَوَادًا يَصِلُ الشُّعَرَاءَ وَيُحِبُّ الشِّعْرَ. وَلَمَّا تُوُفِّيَ بُويِعَ أَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، بُويِعَ لَهُ يَوْمَ مَوْتِ أَخِيهِ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو مُحَمَّدٍ، أُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ اسْمُهَا عِشَارُ تُوُفِّيَتْ قَبْلَ ابْنِهَا بِسَنَةٍ، وَفِي أَيَّامِهِ امْتَلَأَتِ الْأَنْدَلُسُ بِالْفِتَنِ، وَصَارَ فِي كُلِّ جِهَةٍ مُتَغَلِّبٌ، وَلَمْ تَزَلْ كَذَلِكَ طُولُ وِلَايَتِهِ.

стр. 3398

ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَجَّاجِ الْمَرْوَرُّوذِيُّ، وَهُوَ صَاحِبُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ الْعَطَّارُ الْمَوْصِلِيُّ التَّمِيمِيُّ، وَكَانَ كَثِيرَ الْحَدِيثِ وَالرِّوَايَةِ، وَكَانَ مُعَدَّلًا عِنْدَ الْحُكَّامِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو سَعِيدٍ الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السُّكَّرِيُّ النَّحْوِيُّ اللُّغَوِيُّ الْمَشْهُورُ، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ. وَقِيلَ تُوُفِّيَ سَنَةَ سَبْعِينَ [وَمِائَتَيْنِ] ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.

стр. 3399

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ] ٢٧٦ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَسَبْعِينَ [وَمِائَتَيْنِ] فِي هَذِهِ السَّنَةِ جُعِلَتْ شُرْطَةُ بَغْدَاذَ إِلَى عُمَرَ بْنِ اللَّيْثِ، وَكُتِبَ اسْمُهُ عَلَى الْأَعْلَامِ، وَالتِّرَسَةِ وَغَيْرِهَا، وَكَانَ فِي شَوَّالٍ. ثُمَّ تَرَتَّبَ فِي الشُّرَطَةِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ مِنْ قِبَلِ عَمْرٍو، ثُمَّ أَمَرَهُ بِطَرْحِ اسْمِ عَمْرٍو عَنِ الْأَعْلَامِ، وَغَيْرِهَا فِي شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. وَفِيهَا فِي مُنْتَصَفِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، سَارَ الْمُوَفَّقُ إِلَى بِلَادِ الْجَبَلِ، وَسَبَبُ مَسِيرِهِ أَنَّ الْمَاذُرَائِيَّ، كَاتَبَ أَذْكُوتَكِينَ، أَخْبَرَهُ أَنَّ لَهُ هُنَاكَ مَالًا عَظِيمًا، وَأَنَّهُ إِنْ سَارَ مَعَهُ أَخَذَهُ جَمِيعَهُ، فَسَارَ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَجِدِ الْمَالَ، فَلَمَّا لَمْ يَجِدْ شَيْئًا سَارَ إِلَى الْكَرْجِ، ثُمَّ إِلَى أَصْبَهَانَ يُرِيدُ أَحْمَدَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي دُلَفَ، فَتَنَحَّى أَحْمَدُ عَنِ الْبَلَدِ بِجَيْشِهِ وَعِيَالِهِ، وَتَرَكَ دَارَهُ بِفَرْشِهَا لِيَنْزِلِهَا الْمُوَفَّقُ إِذَا قَدِمَ. وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ الْمُوَفَّقُ بِاللَّهِ عَلَى أَذْرَبِيجَانَ ابْنَ أَبِي السَّاجِ، فَسَارَ إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الْهَمْدَانِيُّ، صَاحِبُ مَرَاغَةَ، لِيُصْدِرَهُ عَنْهَا، فَحَارَبَهُ، فَانْهَزَمَ عَبْدُ اللَّهِ وَحُصِرَ، وَأُخِذَتْ مِنْهُ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ، كَمَا نَذْكُرُهُ، وَاسْتَقَرَّ ابْنُ أَبِي السَّاجِ لِعَمَلِهِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ حَمَّادِ بْنِ يَزِيدَ الْقَاضِي.

стр. 3400

وَفِيهَا قَتَلَ عَامِلُ الْمَوْصِلِ لِابْنِ كُنْدَاجَ إِنْسَانًا مِنَ الْخَوَارِجِ اسْمُهُ نُعَيْمٌ، فَسَمِعَ هَارُونُ مُقَدَّمُ الْخَوَارِجِ بِذَلِكَ وَهُوَ بِحَدِيثَةِ الْمَوْصِلِ، فَجَمَعَ أَصْحَابَهُ وَسَارَ إِلَى الْمَوْصِلِ يُرِيدُ حَرْبَ أَهْلِهَا، فَنَزَلَ شَرْقِيَّ دِجْلَةَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَعْيَانُهُمْ وَمُقَدَّمُوهُمْ يَسْأَلُونَهُ مَا الَّذِي أَقْدَمَهُ؟ فَذَكَرَ قَتْلَ نُعَيْمٍ، فَقَالُوا: إِنَّمَا قَتَلَهُ عَامِلُ السُّلْطَانِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنَّا، وَطَلَبُوا مِنْهُ الْأَمَانَ لِيَحْضُرُوا عِنْدَهُ يَعْتَذِرُونَ، وَيَتَبَرَّءُونَ مِنْ قَتْلِهِ، فَأَمَّنَهُمْ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَوْصِلِ، وَأَعْيَانِهِمْ، وَتَبَرَّءُوا مِنْ قَتْلِهِ، فَرَحَلَ عَنْهُمْ. وَفِيهَا عَادَ حُجَّاجُ الْيَمَنِ عَنْ مَكَّةَ، فَنَزَلُوا وَادِيًا، فَأَتَاهُمُ السَّيْلُ فَحَمَلَهُمْ جَمِيعَهُمْ، وَأَلْقَاهُمْ فِي الْبَحْرِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو قِلَابَةَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّقَاشِيُّ الْبَصْرِيُّ، وَكَانَ يَسْكُنُ بَغْدَاذَ. وَفِيهَا وَرَدَ الْخَبَرُ بِانْفِرَاجِ تَلٍّ مِنْ نَهْرِ الصِّلَّةِ، يُعْرَفُ بِتَلِّ [بَنِي] شَقِيقٍ، عَنْ سَبْعَةِ أَقْبُرٍ فِيهَا سَبْعَةُ أَبْدَانٍ صَحِيحَةٍ، وَالْقُبُورُ فِي شِبْهِ الْحَوْضِ مِنْ حَجَرٍ (فِي لَوْنِ الْمِسَنِّ، عَلَيْهِ كِتَابٌ لَا يُدْرَى مَا هُوَ، وَعَلَيْهِمْ أَكْفَانٌ جُدُدٌ) وَيَفُوحُ مِنْهَا رِيحُ الْمِسْكِ، أَحَدُهُمْ شَابٌّ لَهُ جُمَّةٌ، وَعَلَى شَفَتَيْهِ بَلَلٌ كَأَنَّهُ قَدْ شَرِبَ مَاءً وَكَأَنَّهُ قَدْ كُحِلَ، وَبِهِ ضَرْبَةٌ فِي خَاصِرَتِهِ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَاشِمِيُّ.

стр. 3401

[الْوَفَيَاتُ] (وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو مُحَمَّدِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ، صَاحِبُ كِتَابِ " أَدَبِ الْكَاتِبِ "، وَكِتَابِ " الْمَعَارِفِ "، وَهُوَ كُوفِيٌّ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ الدِّينَوَرِيُّ لِأَنَّهُ كَانَ قَاضِيَهَا. وَقِيلَ مَاتَ سَنَةَ سَبْعِينَ [وَمِائَتَيْنِ] . وَأَبُو سَعِيدٍ الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَشْكُرِيُّ النَّحْوِيُّ الرَّاوِيَةُ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ أَبُو جَعْفَرٍ الْقَصَّابُ الصُّوفِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَقْرَانِ السَّرِيِّ، وَصَحِبَهُ الْجُنَيْدُ كَثِيرًا.

стр. 3402

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ] ٢٧٧ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ دَعَا يَازْمَانُ بِطَرَسُوسَ لِخُمَارَوَيْهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ خُمَارَوَيْهِ أَنْفَذَ إِلَيْهِ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَخَمْسَمِائَةِ ثَوْبٍ، وَخَمْسَمِائَةِ مِطْرَفٍ، وَسِلَاحًا كَثِيرًا، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ دَعَا لَهُ، ثُمَّ وَجَّهَ إِلَيْهِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ. وَفِيهَا، فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ كَانَ بَيْنَ وَصِيفٍ خَادِمِ ابْنِ أَبِي السَّاجِّ، وَالْبَرَابِرَةِ أَصْحَابِ أَبِي الصَّقْرِ (فِتْنَةٌ، فَاقْتَتَلُوا، فَقُتِلَ بَيْنَهُمْ جَمَاعَةٌ، كَانَ ذَلِكَ بِبَابِ الشَّامِ، فَرَكِبَ أَبُو الصَّقْرِ) فَفَرَّقَهُمْ. وَفِيهَا وَلِيَ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الْمَظَالِمَ، وَأَمَرَ مَنْ يُنَادِي: مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ قِبَلَ الْأَمِيرِ النَّاصِرِ لِدِينِ اللَّهِ الْمُوَفَّقِ، أَوْ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، فَلْيَحْضُرْ. وَفِيهَا، فِي شَعْبَانَ قَدِمَ بَغْدَاذَ قَائِدٌ عَظِيمٌ مِنْ قُوَّادِ خُمَارَوَيْهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ، فِي جَيْشٍ عَظِيمٍ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْهَاشِمِيُّ.

стр. 3403

[الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْمُثَنَّى الْمَوْصِلِيُّ، وَكَانَ كَثِيرَ الْحَدِيثِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ، وَاسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ بْنِ الْمُنْذِرِ، وَهُوَ مِنْ أَقْرَانِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ. وَمَاتَ فِيهَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ جَوَّانَ الْفَسَوِيُّ، وَكَانَ يَتَشَيَّعُ. وَيَعْقُوبُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ مَعْقِلٍ الْأُمَوِيُّ، وَالِدُ أَبِي الْعَبَّاسِ الْأَصَمِّ. وَفِيهَا تُوُفِّيَتْ عَرِيبُ الْمُغَنِّيَةُ الْمَأْمُونِيَّةُ، وَقِيلَ إِنَّهَا ابْنَةُ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ، وَكَانَ مَوْلِدُهَا سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو سَعِيدٍ الْخَرَّازُ، وَاسْمُهُ أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، وَقِيلَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ [وَمِائَتَيْنِ] ، وَالْأَوَّلُ أَشْبَهَ بِالصَّوَابِ. (الْخَرَّازُ: بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ وَالزَّايِ) .

стр. 3404

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ] ٢٧٨ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بِبَغْدَاذَ فِيهَا كَانَتِ الْحَرْبُ بِبَغْدَاذَ بَيْنَ أَصْحَابِ وَصِيفٍ الْخَادِمِ، وَالْبَرْبَرِ، وَأَصْحَابِ مُوسَى ابْنِ أُخْتِ مُفْلِحٍ، أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ مِنَ الْمُحَرَّمِ، ثُمَّ اصْطَلَحُوا، وَقَدْ قُتِلَ بَيْنَهُمْ جَمَاعَةٌ، ثُمَّ وَقَعَ بِالْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ وَقْعَةٌ بَيْنَ أَصْحَابِ يُونُسَ قُتِلَ فِيهَا رَجُلٌ، ثُمَّ انْصَرَفُوا. ذِكْرُ وَفَاةِ الْمُوَفَّقِ وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو أَحْمَدَ الْمُوَفَّقُ بِاللَّهِ بْنِ الْمُتَوَكِّلِ، وَكَانَ قَدْ مَرِضَ فِي بِلَادِ الْجَبَلِ، فَانْصَرَفَ وَقَدِ اشْتَدَّ بِهِ وَجَعُ النَّقْرَسِ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الرُّكُوبِ، فَعُمِلَ لَهُ سَرِيرٌ عَلَيْهِ قُبَّةٌ، فَكَانَ يَقْعُدُ عَلَيْهِ [هُوَ] وَخَادِمٌ لَهُ يُبْرِدُ رِجْلَهُ بِالْأَشْيَاءِ الْبَارِدَةِ، حَتَّى إِنَّهُ يَضَعُ عَلَيْهَا الثَّلْجَ، ثُمَّ صَارَتْ عِلَّةٌ بِرِجْلِهِ، دَاءُ الْفِيلِ، وَهُوَ وَرَمٌ عَظِيمٌ يَكُونُ فِي السَّاقِ، يَسِيلُ مِنْهُ مَاءٌ. وَكَانَ يَحْمِلُ سَرِيرَهُ أَرْبَعُونَ رَجُلًا بِالنُّوبَةِ، فَقَالَ لَهُمْ يَوْمًا: قَدْ ضَجِرْتُمْ مِنْ حَمْلِي، بِوُدِّي أَنْ أَكُونَ كَوَاحِدٍ مِنْكُمْ أَحْمِلُ عَلَى رَأْسِي، وَآكُلُ، وَأَنَا فِي عَافِيَةٍ. وَقَالَ فِي مَرَضِهِ: أَطْبَقَ دِيوَانِي (عَلَى) مِائَةِ أَلْفِ مُرْتَزِقٍ، مَا أَصْبَحَ فِيهِمْ أَسْوَأُ

стр. 3405

حَالًا مِنِّي، فَوَصَلَ إِلَى دَارِهِ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ صَفَرٍ. وَشَاعَ مَوْتُهُ بَعْدَ انْصِرَافِ أَبِي الصَّقْرِ مِنْ دَارِهِ، وَكَانَ تَقَدَّمَ بِحِفْظِ أَبِي الْعَبَّاسِ، فَأُغْلِقَتْ عَلَيْهِ أَبْوَابٌ دُونَ أَبْوَابٍ، وَقَوِيَ الْإِرْجَافُ بِمَوْتِهِ، وَكَانَ قَدِ اعْتَرَتْهُ غَشْيَةٌ، فَوَجَّهَ أَبُو الصَّقْرِ إِلَى الْمَدَائِنِ، فَحَمَلَ مِنْهَا الْمُعْتَمِدَ وَأَوْلَادَهُ، فَجِيءَ بِهِمْ إِلَى دَارِهِ، وَلَمْ يَسِرْ أَبُو الصَّقْرِ إِلَى دَارِ الْمُوَفَّقِ. فَلَمَّا رَأَى غِلْمَانُ الْمُوَفَّقِ الْمَائِلُونَ إِلَى أَبِي الْعَبَّاسِ وَالرُّؤَسَاءُ مِنْ غِلْمَانِ أَبِي الْعَبَّاسِ مَا نَزَلَ بِالْمُوَفَّقِ، كَسَرُوا الْأَقْفَالَ، وَالْأَبْوَابَ الْمُغْلَقَةَ عَلَى أَبِي الْعَبَّاسِ، فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو الْعَبَّاسِ ذَلِكَ ظَنَّ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ قَتْلَهُ، وَأَخَذَ سَيْفَهُ بِيَدِهِ، وَقَالَ لِغُلَامٍ عِنْدَهُ: وَاللَّهِ لَا يَصِلُونَ إِلَيَّ وَفِي شَيْءٍ مِنَ الرُّوحِ! فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَيْهِ رَأَى فِي أَوَّلِهِمْ غُلَامَهُ وَصِيفًا مُوشْكِيرَ، فَلَمَّا رَآهُ أَلْقَى السَّيْفَ مِنْ يَدِهِ، وَعَلِمَ أَنَّهُمْ مَا يُرِيدُونَ إِلَّا الْخَيْرَ، فَأَخْرَجُوهُ، وَأَقْعَدُوهُ عِنْدَ أَبِيهِ، فَلَمَّا فَتَحَ عَيْنَهُ رَآهُ، فَقَرَّبَهُ وَأَدْنَاهُ إِلَيْهِ. وَجَمَعَ أَبُو الصَّقْرِ عِنْدَ الْقُوَّادِ وَالْجُنْدِ، وَقَطَعَ الْجِسْرَيْنِ، وَحَارَبَهُ قَوْمٌ مِنَ الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، فَقَتَلَ بَيْنَهُمْ قَتْلَى، فَلَمَّا بَلَغَ النَّاسُ أَنَّ الْمُوَفَّقَ حَيٌّ حَضَرَ عِنْدَهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي السَّاجِ، وَفَارَقَ أَبَا الصَّقْرِ، وَتَسَلَّلَ الْقُوَّادُ، وَالنَّاسُ عَنْ أَبِي الصَّقْرِ، فَلَمَّا رَأَى أَبُو الصَّقْرِ ذَلِكَ حَضَرَ هُوَ وَابْنُهُ دَارَ الْمُوَفَّقِ، فَلَمَّا قَالَ لَهُ الْمُوَفَّقُ شَيْئًا مِمَّا جَرَى، فَأَقَامَ فِي دَارِ الْمُوَفَّقِ، فَلَمَّا رَأَى الْمُعْتَمِدُ أَنَّهُ بَقِيَ فِي الدَّارِ نَزَلَ هُوَ وَبَنُوهُ وَبَكْتِمُرُ، فَرَكِبُوا زَوْرَقًا، فَلَقِيَهُمْ طَيَّارٌ لِأَبِي لَيْلَى بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي دُلَفَ، فَحَمَلَهُ فِيهِ إِلَى دَارِ عَلِيِّ بْنِ جِهْشِيَارَ. وَذَكَرَ أَعْدَاءُ أَبِي الصَّقْرِ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَتَقَرَّبَ إِلَى الْمُعْتَمِدِ بِمَالِ الْمُوَفَّقِ، وَأَسْبَابِهِ، وَأَشَاعُوا ذَلِكَ عَنْهُ عِنْدَ أَصْحَابِ الْمُوَفَّقِ، فَنُهِبَتْ دَارُ أَبِي الصَّقْرِ، حَتَّى أُخْرِجَتْ نِسَاؤُهُ مِنْهَا حُفَاةً بِغَيْرِ أُزُرٍ، وَنُهِبَ مَا يُجَاوِرُهَا مِنَ الدُّورِ، وَكُسِرَتْ أَبْوَابُ السِّجْنِ، وَخَرَجَ مَنْ كَانَ فِيهَا. وَخَلَعَ الْمُوَفَّقُ عَلَى ابْنِهِ أَبِي الْعَبَّاسِ، وَعَلَى أَبِي الصَّقْرِ، وَرَكِبَا جَمِيعًا، فَمَضَى أَبُو الْعَبَّاسِ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَأَبُو الصَّقْرِ إِلَى مَنْزِلِهِ وَقَدْ نُهِبَ، فَطَلَبَ حَصِيرَةً يَقْعُدُ عَلَيْهَا عَارِيَةً،

стр. 3406

فَوَلَّى أَبُو الْعَبَّاسِ غُلَامَهُ بَدْرًا الشُّرْطَةَ، وَاسْتَخْلَفَ مُحَمَّدَ بْنَ غَانِمِ بْنِ الشَّاهْ عَلَى الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ. وَمَاتَ الْمُوَفَّقُ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَدُفِنَ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ بِالرُّصَافَةِ، وَجَلَسَ أَبُو الْعَبَّاسِ لِلتَّعْزِيَةِ. وَكَانَ الْمُوَفَّقُ عَادِلًا، حَسَنَ السِّيرَةِ، يَجْلِسُ لِلْمَظَالِمِ، وَعِنْدَهُ الْقُضَاةُ، وَغَيْرُهُمْ، فَيَنْتَصِفُ النَّاسُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَكَانَ عَالِمًا بِالْأَدَبِ، وَالنَّسَبِ، وَالْفِقْهِ، وَسِيَاسَةِ الْمُلْكِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، قَالَ يَوْمًا: إِنَّ جَدِّي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْعَبَّاسِ قَالَ: إِنَّ الذُّبَابَ لِيَقَعُ عَلَى جَلِيسِي فَيُؤْذِينِي ذَلِكَ، وَهَذَا نِهَايَةُ الْكَرَمِ، وَأَنَا وَاللَّهِ أَرَى جُلَسَائِي بِالْعَيْنِ الَّتِي أَرَى بِهَا إِخْوَانِي، وَاللَّهِ لَوْ تَهَيَّأَ لِي أَنْ أُغَيِّرَ أَسْمَاءَهُمْ لَنَقَلْتُهَا مِنَ الْجُلَسَاءِ إِلَى الْأَصْدِقَاءِ وَالْإِخْوَانِ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ عَلِيٍّ: دَعَا الْمُوَفَّقُ يَوْمًا جُلَسَاءَهُ، فَسَبَقْتُهُمْ وَحْدِي، فَلَمَّا رَآنِي وَحْدِي أَنْشَدَ يَقُولُ: وَأَسْتَصْحِبُ الْأَصْحَابَ حَتَّى إِذَا دَنَوْا ... وَمَلُّوا مِنَ الْإِدْلَاجِ جِئْتُكُمُ وَحْدِي فَدَعَوْتُ لَهُ، وَاسْتَحْسَنْتُ إِنْشَادَهُ فِي مَوْضِعِهِ، وَلَهُ مَحَاسِنُ كَثِيرَةٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعُ ذِكْرِهَا. ذِكْرُ الْبَيْعَةِ لِلْمُعْتَضِدِ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ لَمَّا مَاتَ الْمُوَفَّقُ اجْتَمَعَ الْقُوَّادُ وَبَايَعُوا ابْنَهُ أَبَا الْعَبَّاسِ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ بَعْدَ الْمُفَوِّضِ ابْنِ الْمُعْتَمِدِ، وَلُقِّبَ الْمُعْتَضِدَ بِاللَّهِ، وَخُطِبَ لَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْمُفَوِّضِ، وَذَلِكَ لِسَبْعِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ صَفَرٍ، وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ أَبِيهِ، وَتَوَلَّى مَا كَانَ أَبُوهُ يَتَوَلَّاهُ. وَفِيهَا قَبَضَ الْمُعْتَمِدُ عَلَى أَبِي الصَّقْرِ وَأَصْحَابِهِ، وَانْتَهَبَ مَنَازِلَهُمْ، وَطَلَبَ بَنِي الْفُرَاتِ فَاخْتَفَوْا. وَخَلَعَ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ وَهْبٍ، وَوَلَّاهُ الْوِزَارَةَ.

стр. 3407

وَسَيَّرَ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي السَّاجِ إِلَى وَاسِطَ لِيَرُدَّ غُلَامَهُ وَصِيفًا إِلَى بَغْدَاذَ، فَمَضَى وَصِيفٌ إِلَى السُّوسِ فَعَاثَ بِهَا وَنَهَبَ الطِّيبَ، وَأَبَى الرُّجُوعَ إِلَى بَغْدَاذَ. وَفِيهَا قُتِلَ عَلِيُّ بْنُ اللَّيْثِ أَخُو الصَّفَّارِ، قَتَلَهُ رَافِعُ بْنُ هَرْثَمَةَ، وَكَانَ قَدْ يَحْنِقُ بِهِ، وَتَرَكَ أَخَاهُ. وَفِيهَا غَارَ مَاءُ النِّيلِ، فَغَلَتِ الْأَسْعَارُ بِمِصْرَ. ذِكْرُ ابْتِدَاءِ أَمْرِ الْقَرَامِطَةِ وَفِيهَا تَحَرَّكَ بِسَوَادِ الْكُوفَةِ قَوْمٌ يُعْرَفُونَ بِالْقَرَامِطَةِ، وَكَانَ ابْتِدَاءُ أَمْرِهِمْ، فِيمَا ذُكِرَ، أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ قَدِمَ نَاحِيَةً خُوزِسْتَانَ إِلَى سَوَادِ الْكُوفَةِ، فَكَانَ بِمَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ النَّهْرَيْنِ، يُظْهِرُ الزُّهْدَ، وَالتَّقَشُّفَ، وَيَسِفُّ الْخُوصَ، وَيَأْكُلُ مِنْ كَسْبِ يَدِهِ، وَيُكْثِرُ الصَّلَاةَ، فَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ مُدَّةً، فَكَانَ إِذَا قَعَدَ إِلَيْهِ رَجُلٌ ذَاكَرَهُ أَمْرَ الدِّينِ، وَزَهَّدَهُ فِي الدُّنْيَا، وَأَعْلَمَهُ أَنَّ الصَّلَاةَ الْمَفْرُوضَةَ عَلَى النَّاسِ خَمْسُونَ صَلَاةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، حَتَّى فَشَا ذَلِكَ [عَنْهُ] بِمَوْضِعِهِ، ثُمَّ أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ يَدْعُو إِلَى إِمَامٍ مِنْ آلِ بَيْتِ الرَّسُولِ، فَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى اسْتَجَابَ لَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ. وَكَانَ يَقْعُدُ إِلَى بَقَّالٍ هُنَاكَ. فَجَاءَ قَوْمٌ إِلَى الْبَقَّالِ يَطْلُبُونَ مِنْهُ رَجُلًا يَحْفَظُ عَلَيْهِمْ مَا

стр. 3408

صَرُمُوا مِنْ نَخْلِهِمْ، فَدَلَّهُمْ عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُمْ: إِنْ أَجَابَكُمْ إِلَى حِفْظِ تَمْرِكُمْ فَإِنَّهُ بِحَيْثُ تُحِبُّونَ، فَكَلَّمُوهُ فِي ذَلِكَ، فَأَجَابَهُمْ عَلَى أُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ، فَكَانَ يَحْفَظُ لَهُمْ، وَيُصَلِّي أَكْثَرَ نَهَارِهِ، وَيَصُومُ، وَيَأْخُذُ عِنْدَ إِفْطَارِهِ مِنَ الْبَقَّالِ رِطْلَ تَمْرٍ فَيُفْطِرُ عَلَيْهِ، وَيَجْمَعُ نَوَى ذَلِكَ التَّمْرِ وَيُعْطِيهِ الْبَقَّالَ، فَلَمَّا حَمَلَ التُّجَّارُ تَمْرَهُمْ حَاسَبُوا أَجِيرَهُمْ عِنْدَ الْبَقَّالِ، وَدَفَعُوا إِلَيْهِ أُجْرَتَهُ، وَحَاسَبَ الْأَجِيرُ الْبَقَّالَ عَلَى مَا أَخَذَ مِنْهُ مِنَ التَّمْرِ، وَحَطَّ ثَمَنَ النَّوَى، فَسَمِعَ أَصْحَابُ التَّمْرِ مُحَاسَبَتَهُ لِلْبَقَّالِ بِثَمَنِ النَّوَى فَضَرَبُوهُ، وَقَالُوا لَهُ: أَلَمْ تَرْضَ بِأَكْلِ تَمْرِنَا، حَتَّى بِعْتَ النَّوَى؟ فَقَالَ لَهُمُ الْبَقَّالُ: لَا تَفْعَلُوا! وَقَصَّ عَلَيْهِمُ الْقِصَّةَ، فَنَدِمُوا عَلَى ضَرْبِهِ، وَاسْتَحْلَوْا مِنْهُ مَا فَعَلَ، وَازْدَادَ بِذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ الْقَرْيَةِ لِمَا وَقَفُوا عَلَيْهِ مِنْ زُهْدِهِ. ثُمَّ مَرِضَ، فَمَكَثَ عَلَى الطَّرِيقِ مَطْرُوحًا، وَكَانَ فِي الْقَرْيَةِ رَجُلٌ أَحْمَرُ الْعَيْنَيْنِ، يَحْمِلُ عَلَى أَثِوَارٍ لَهُ، يُسَمُّونَهُ كَرْمِيتَةَ لِحُمْرَةِ عَيْنَيْهِ، وَهُوَ بِالنَّبَطِيَّةِ أَحْمَرُ الْعَيْنِ، فَكَلَّمَ الْبَقَّالُ الْكَرْمِيتَةَ فِي حَمْلِ الْمَرِيضِ إِلَى مَنْزِلِهِ وَالْعِنَايَةِ بِهِ، فَفَعَلَ، وَأَقَامَ عِنْدَهُ حَتَّى بَرَأَ، وَدَعَا أَهْلُ تِلْكَ النَّاحِيَةِ إِلَى مَذْهَبِهِ، فَأَجَابُوهُ، وَكَانَ يَأْخُذُ مِنَ الرَّجُلِ إِذَا أَجَابَهُ دِينَارًا، وَيَزْعُمُ أَنَّهُ لِلْإِمَامِ، وَاتَّخَذَ مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا أَمَرَهُمْ أَنْ يَدْعُوا النَّاسَ إِلَى مَذْهَبِهِمْ، وَقَالَ: أَنْتُمْ كَحَوَارِيِّي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، فَاشْتَغَلَ أَهْلُ كُوَرِ تِلْكَ النَّاحِيَةِ عَلَى أَعْمَالِهِمْ بِمَا رَسَمَ لَهُمْ مِنَ الصَّلَوَاتِ. كَانَ لِلْهَيْصَمِ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ ضِيَاعٌ، فَرَأَى تَقْصِيرَ الْأُكْرَةِ فِي عِمَارَتِهَا، فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ، فَأُخْبِرَ بِخَبَرِ الرَّجُلِ، فَأَخَذَهُ، وَحَبَسَهُ، وَحَلَفَ أَنْ يَقْتُلَهُ لَمَّا اطَّلَعَ عَلَى مَذْهَبِهِ، وَأَغْلَقَ بَابَ الْبَيْتِ عَلَيْهِ، وَجَعَلَ مِفْتَاحَ الْبَيْتِ تَحْتَ وِسَادَتِهِ، وَاشْتَغَلَ بِالشُّرْبِ، فَسَمِعَ بَعْضُ مَنْ فِي الدَّارِ مِنَ الْجَوَارِي بِمَسَاءَتِهِ، فَرَقَّتْ لِلرَّجُلِ، فَلَمَّا نَامَ الْهَيْصَمُ أَخَذَتِ الْمِفْتَاحَ، وَفَتَحَتِ الْبَابَ وَأَخْرَجَتْهُ، ثُمَّ أَعَادَتِ الْمِفْتَاحَ إِلَى مَكَانِهِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ الْهَيْصَمُ فَتَحَ الْبَابَ لِيَقْتُلَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ.

стр. 3409

وَشَاعَ ذَلِكَ فِي النَّاسِ، فَافْتَتَنَ أَهْلُ تِلْكَ النَّاحِيَةِ، (وَقَالُوا: رُفِعَ) ، ثُمَّ ظَهَرَ فِي نَاحِيَةٍ أُخْرَى، وَلَقِيَ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ وَغَيْرِهِمْ، وَسَأَلُوهُ عَنْ قِصَّتِهِ، فَقَالَ: لَا يُمْكِنُ أَحَدًا أَنْ يَنَالَنِي بِسُوءٍ! فَعَظُمَ فِي أَعْيُنِهِمْ، ثُمَّ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ، فَخَرَجَ إِلَى نَاحِيَةِ الشَّامِ، فَلَمْ يُوقَفْ لَهُ عَلَى خَبَرٍ، وَسُمِّيَ بِاسْمِ الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ فِي دَارِهِ كَرْمِيتَةَ صَاحِبِ الْأَثْوَارِ، ثُمَّ خُفِّفَ فَقِيلَ قَرْمَطُ، هَكَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ زِكْرَوَيْهِ عَنْهُ. وَقِيلَ إِنَّ قَرْمَطَ لَقَبُ رَجُلٍ كَانَ بِسَوَادِ الْكُوفَةِ يَحْمِلُ غَلَّةَ السَّوَادِ عَلَى أَثْوَارٍ لَهُ، وَاسْمُهُ حَمْدَانُ، ثُمَّ فَشَا مَذْهَبُ الْقَرَامِطَةِ بِسَوَادِ الْكُوفَةِ. وَوَقَفَ الطَّائِيُّ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَلَى أَمْرِهِمْ، فَجَعَلَ عَلَى الرَّجُلِ مِنْهُمْ فِي السَّنَةِ دِينَارًا، فَقَدِمَ قَوْمٌ مِنَ الْكُوفَةِ، فَرَفَعُوا أَمْرَ الْقَرَامِطَةِ، وَالطَّائِيِّ إِلَى السُّلْطَانِ، وَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَدْ أَحْدَثُوا دِينًا غَيْرَ دِينِ الْإِسْلَامِ، وَأَنَّهُمْ يَرَوْنَ السَّيْفَ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، إِلَّا مَنْ بَايَعَهُمْ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِمْ وَلَمْ يَسْمَعْ قَوْلَهُمْ. وَكَانَ فِيمَا حُكِيَ عَنِ الْقَرَامِطَةِ مِنْ مَذْهَبِهِمْ أَنَّهُمْ جَاءُوا بِكِتَابٍ فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ! يَقُولُ الْفَرَجُ بْنُ عُثْمَانَ، وَهُوَ مِنْ قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا نَصْرَانَةُ، دَاعِيَةُ الْمَسِيحِ، وَهُوَ عِيسَى، وَهُوَ الْكَلِمَةُ، وَهُوَ الْمَهْدِيُّ، وَهُوَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ جِبْرِيلُ، وَذَكَرَ أَنَّ الْمَسِيحَ تَصَوَّرَ لَهُ فِي جِسْمِ إِنْسَانٍ، وَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ الدَّاعِيَةُ، وَإِنَّكَ الْحُجَّةُ، وَإِنَّكَ النَّاقَةُ، وَإِنَّكَ الدَّابَّةُ، وَإِنَّكَ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ، وَإِنَّكَ رُوحُ الْقُدُسِ. وَعَرَّفَهُ أَنَّ الصَّلَاةَ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَانِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ غُرُوبِهَا، وَأَنَّ الْأَذَانَ فِي كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ يَقُولَ الْمُؤَذِّنُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مَرَّتَيْنِ، أَشْهَدُ أَنَّ آدَمَ رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ نُوحًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُوسَى رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ عِيسَى رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنْ يَقْرَأَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ الِاسْتِفْتَاحَ، وَهِيَ مِنَ الْمُنَزَّلِ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْقِبْلَةَ إِلَى بَيْتِ

стр. 3410

الْمَقْدِسِ، [وَالْحَجَّ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ] ، وَأَنَّ الْجُمُعَةَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ لَا يُعْمَلُ فِيهِ شَيْءٌ، وَالسُّورَةَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ بِكَلِمَتِهِ، وَتَعَالَى بِاسْمِهِ، الْمُتَّخَذِ لِأَوْلِيَائِهِ بِأَوْلِيَائِهِ. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٩] ، ظَاهِرُهَا لِيُعْلَمَ عَدَدُ السِّنِينَ وَالْحِسَابُ وَالشُّهُورُ وَالْأَيَّامُ، وَبَاطِنُهَا أَوْلِيَائِي الَّذِينَ عَرَّفُوا عِبَادِي سَبِيلِي اتَّقُونِي يَا أُولِي الْأَلْبَابِ، وَأَنَا الَّذِي لَا أُسْأَلُ عَمَّا أَفْعَلُ، وَأَنَا الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، وَأَنَا الَّذِي أَبْلُو عِبَادِي، وَأَمْتَحِنُ خَلْقِي، فَمَنْ صَبَرَ عَلَى بَلَائِي، وَمِحْنَتِي، وَاخْتِبَارِي أَلْقَيْتُهُ فِي جَنَّتِي، وَأَخْلَدْتُهُ فِي نِعْمَتِي، وَمَنْ زَالَ عَنْ أَمْرِي، وَكَذَّبَ رُسُلِي أَخَذْتُهُ مُهَانًا فِي عَذَابِي، وَأَتْمَمْتُ أَجَلِي، وَأَظْهَرْتُ أَمْرِي عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِي. وَأَنَا الَّذِي لَمْ يَعْلُ عَلَيَّ جَبَّارٌ إِلَّا وَضَعْتُهُ، وَلَا عَزِيزٌ إِلَّا ذَلَلْتُهُ، وَلَيْسَ الَّذِي أَصَرَّ عَلَى أَمْرِهِ، وَدَامَ عَلَى جَهَالَتِهِ، وَقَالُوا: لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ، وَبِهِ مُوقِنِينَ، أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ. ثُمَّ يَرْكَعُ، وَيَقُولُ فِي رُكُوعِهِ: سُبْحَانَ رَبِّي رَبِّ الْعِزَّةِ، وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُ الظَّالِمُونَ، يَقُولُهَا مَرَّتَيْنِ، فَإِذَا سَجَدَ قَالَ: اللَّهُ أَعْلَى، اللَّهُ أَعْلَى، اللَّهُ أَعْظَمُ، اللَّهُ أَعْظَمُ. وَمِنْ شَرِيعَتِهِ أَنْ يَصُومَ يَوْمَيْنِ فِي السَّنَةِ، وَهُمَا الْمِهْرَجَانُ وَالنَّيْرُوزُ، وَأَنَّ النَّبِيذَ حَرَامٌ، وَالْخَمْرَ حَرَامٌ، وَلَا غُسْلَ مِنْ جَنَابَةٍ إِلَّا الْوُضُوءُ كَوُضُوءِ الصَّلَاةِ، وَأَنَّ مَنْ حَارَبَهُ وَجَبَ قَتْلُهُ، وَمَنْ لَمْ يُحَارِبْهُ مِمَّنْ يُخَالِفُهُ أَخَذَ مِنْهُ الْجِزْيَةَ، وَلَا يُؤْكَلُ كُلُّ ذِي نَابٍ، وَلَا كُلُّ ذِي مِخْلَبٍ. وَكَانَ مَسِيرُ قَرْمَطَ إِلَى سَوَادِ الْكُوفَةِ قَبْلَ قَتْلِ صَاحِبِ الزِّنْجِ، فَسَارَ قَرْمَطُ إِلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: إِنِّي عَلَى مَذْهَبٍ وَرَأْيٍ، وَمَعِي مِائَةُ أَلْفِ ضَارِبِ سَيْفٍ، فَتُنَاظِرُنِي، فَإِنِ اتَّفَقْنَا عَلَى الْمَذْهَبِ مِلْتُ بِمَنْ مَعِي، وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى انْصَرَفْتُ عَنْكَ، فَتَنَاظَرَا، فَاخْتَلَفَتْ آرَاؤُهُمَا، فَانْصَرَفَ قَرْمَطُ عَنْهُ.

стр. 3411

ذِكْرُ غَزْوِ الرُّومِ وَوَفَاةِ يَازْمَانَ فِيهَا، فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، دَخَلَ أَحْمَدُ الْعُجَيْفِيُّ طَرَسُوسَ، وَغَزَا مَعَ يَازْمَانَ الصَّائِفَةَ، فَبَلَغُوا شَكَنْدَ، فَأَصَابَتْ يَازْمَانَ شَظِيَّةٌ مِنْ حَجَرِ مَنْجَنِيقٍ فِي أَضْلَاعِهِ، فَارْتَحَلَ عَنْهَا بَعْدَ أَنْ أَشْرَفَ عَلَى أَخْذِهَا، فَتُوُفِّيَ فِي الطَّرِيقِ مُنْتَصَفَ رَجَبٍ، وَحُمِلَ إِلَى طَرَسُوسَ فَدُفِنَ بِهَا. وَكَانَ قَدْ أَطَاعَ خُمَارَوَيْهِ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ خَلَفَهُ ابْنُ عُجَيْفٍ، وَكَتَبَ إِلَى خُمَارَوَيْهِ يُخْبِرُهُ بِمَوْتِهِ، فَأَقَرَّهُ عَلَى وِلَايَةِ طَرَسُوسَ، وَأَمَدَّهُ بِالْخَيْلِ، وَالسِّلَاحِ، وَالذَّخَائِرِ، وَغَيْرِهَا، ثُمَّ عَزَلَهُ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا ابْنَ عَمِّهِ مُحَمَّدَ بْنَ مُوسَى بْنِ طُولُونَ. ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بِطَرَسُوسَ وَفِيهَا ثَارَ النَّاسُ، بِطَرَسُوسَ، بِالْأَمِيرِ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى، فَقَبَضُوا عَلَيْهِ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُوَفَّقَ لَمَّا تُوُفِّيَ كَانَ لَهُ خَادِمٌ مِنْ خَوَاصِّهِ يُقَالُ لَهُ: رَاغِبٌ، فَاخْتَارَ الْجِهَادَ، فَسَارَ إِلَى طَرَسُوسَ عَلَى عَزْمِ الْمُقَامِ بِهَا، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الشَّامِ سَيَّرَ مَا مَعَهُ مِنْ دَوَابَّ، وَآلَاتٍ، وَخِيَامٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ إِلَى طَرَسُوسَ، وَسَارَ هُوَ جَرِيدَةً إِلَى خُمَارَوَيْهِ لِيَزُورَهُ، وَيُعَرِّفَهُ عَزْمَهُ، فَلَمَّا لَقِيَهُ بِدِمَشْقَ أَكْرَمَهُ خُمَارَوَيْهِ، وَأَحَبَّهُ، وَأَنِسَ بِهِ، وَاسْتَحْيَا رَاغِبٌ أَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ الْمَسِيرَ إِلَى طَرَسُوسَ، فَطَالَ مُقَامُهُ عِنْدَهُ، فَظَنَّ أَصْحَابُهُ أَنَّ خُمَارَوَيْهِ قَبَضَ عَلَيْهِ، فَأَذَاعُوا ذَلِكَ، فَاسْتَعْظَمَهُ النَّاسُ، وَقَالُوا: يَعْمِدُ إِلَى رَجُلٍ قَصَدَ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَبَضَ عَلَيْهِ! ثُمَّ شَغَبُوا عَلَى أَمِيرِهِمْ مُحَمَّدِ ابْنِ عَمِّ خُمَارَوَيْهِ، وَقَبَضُوا عَلَيْهِ، وَقَالُوا: لَا يَزَالُ فِي الْحَبْسِ إِلَى أَنْ يُطْلِقَ ابْنُ عَمِّكَ رَاغِبًا، وَنَهَبُوا دَارَهُ، وَهَتَكُوا حُرَمَهُ. وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى خُمَارَوَيْهِ، فَأَطْلَعَ رَاغِبًا عَلَيْهِ، وَأَذِنَ لَهُ فِي الْمَسِيرِ إِلَى طَرَسُوسَ، فَلَمَّا بَلَغَ إِلَيْهَا أَطْلَقَ أَهْلُهَا أَمِيرَهُمْ، فَلَمَّا أَطْلَقُوهُ قَالَ لَهُمْ: قَبَّحَ اللَّهُ جِوَارَكُمْ! وَسَارَ عَنْهُمْ إِلَى الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ، فَأَقَامَ بِهِ، وَلَمَّا سَارَ عَنْ طَرَسُوسَ عَادَ الْعُجَيْفِيُّ إِلَى وِلَايَتِهَا.

стр. 3412

ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِيهَا ظَهَرَ كَوْكَبٌ ذُو جُمَّةٍ، وَصَارَتِ الْجُمَّةُ ذُؤَابَةً. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ. [الْوَفَيَاتُ] وَتُوُفِّيَ فِيهَا عَبْدُ الْكَرِيمِ الدَّيْرُعَاقُولِيُّ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ إِسْحَاقُ بْنُ كُنْدَاجَ، وَوَلِيَ مَا كَانَ إِلَيْهِ مِنْ أَعْمَالِ الْمَوْصِلِ وَدِيَارِ رَبِيعَةَ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ. وَتُوُفِّيَ إِدْرِيسُ بْنُ سُلَيْمٍ الْفَقْعَسِيُّ الْمَوْصِلِيُّ، وَكَانَ كَثِيرَ الْحَدِيثِ، وَالصَّلَاحِ.

стр. 3413

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ] ٢٧٩ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ ذِكْرُ خَلْعِ جَعْفَرِ بْنِ الْمُعْتَمِدِ، وَوِلَايَةِ الْمُعْتَضِدِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْمُحَرَّمِ خَرَجَ الْمُعْتَمِدُ عَلَى اللَّهِ، وَجَلَسَ لِلْقُوَّادِ، وَالْقُضَاةِ، وَوُجُوهِ النَّاسِ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ خَلَعَ ابْنَهُ الْمُفَوِّضَ إِلَى اللَّهِ جَعْفَرًا مِنْ وِلَايَةِ الْعَهْدِ، وَجَعَلَ وِلَايَةَ الْعَهْدِ لِلْمُعْتَضِدِ بِاللَّهِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ الْمُوَفَّقِ، وَشَهِدُوا عَلَى الْمُفَوِّضِ أَنَّهُ قَدْ تَبَرَّأَ مِنَ الْعَهْدِ، وَاسْقَطَ اسْمَهُ مِنَ السَّكَّةِ، وَالْخُطْبَةِ، وَالطِّرَازِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَخُطِبَ لِلْمُعْتَضِدِ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا. فَقَالَ يَحْيَى بْنُ عَلِيٍّ يُهَنِّئُ الْمُعْتَضِدَ: لِيَهْنِكَ عَقْدٌ أَنْتَ فِيهِ الْمُقَدَّمُ ... حَبَاكَ بِهِ رَبٌّ بِفَضْلِكَ أَعْلَمُ فَإِنْ كُنْتَ قَدْ أَصْبَحْتَ وَالِيَ عَهْدِنَا ... فَأَنْتَ غَدًا فِينَا الْإِمَامُ الْمُعَظَّمُ وَلَا زَالَ مَنْ وَلَّاكَ فِينَا مُبَلَّغًا مُنَاهُ ... ، وَمَنْ عَادَاكَ يَشْجَى وَيُرْغَمُ وَكَانَ عَمُودُ الدِّينِ فِيهِ تَأَوُّدٌ ... فَعَادَ بِهَذَا الْعَهْدِ وَهْوَ مُقَوَّمُ

стр. 3414

وَأَصْبَحَ وَجْهُ الْمَلِكِ جَذْلَانَ ضَاحِكًا يُضِيءُ لَنَا مِنْهُ الَّذِي كَانَ يُظْلِمُ ... فَدُونَكَ فَاشْدُدْ عَقْدَ مَا حَوَيْتَهُ فَإِنَّكَ دُونَ النَّاسِ فِيهِ الْمُحَكَّمُ وَفِيهَا نُودِيَ بِمَدِينَةِ السَّلَامِ أَنْ لَا يَقْعُدَ عَلَى الطَّرِيقِ وَلَا فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ قَاضٍ، وَلَا مُنَجِّمٌ، وَلَا زَاجِرٌ، وَحَلَفَ الْوَرَّاقُونَ أَنْ لَا يَبِيعُوا كُتُبَ الْكَلَامِ وَالْجَدَلِ، وَالْفَلْسَفَةِ. وَفِيهَا قُبِضَ عَلَى جَرَادٍ كَاتِبِ أَبِي الصَّقْرِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ بُلْبُلٍ. وَفِيهَا انْصَرَفَ أَبُو طَلْحَةَ مَنْصُورُ بْنُ مُسْلِمٍ مِنْ شَهْرَزَوْرَ، وَكَانَتْ لَهُ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ. ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ الْخَوَارِجِ، وَأَهْلِ الْمَوْصِلِ، وَالْأَعْرَابِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ اجْتَمَعَتِ الْخَوَارِجُ، وَمُقَدَّمُهُمْ هَارُونُ، وَمَعَهُمْ مُتَطَوِّعَةُ أَهْلِ الْمَوْصِلِ، وَغَيْرُهُمْ، وَحَمْدَانُ بْنُ حَمْدُونَ التَّغْلِبِيُّ، عَلَى قِتَالِ بَنِي شَيْبَانَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ جَمْعًا كَثِيرًا مِنْ بَنِي شَيْبَانَ عَبَرُوا الزَّابَ، وَقَصَدُوا نِينَوَى مِنْ أَعْمَالِ الْمَوْصِلِ، لِلْإِغَارَةِ عَلَيْهَا وَعَلَى الْبَلَدِ، فَاجْتَمَعَ هَارُونُ الشَّارِيُّ، وَحَمْدَانُ بْنُ حَمْدُونَ، وَكَثِيرٌ مِنَ الْمُتَطَوِّعَةِ الْمُوَاصِلَةِ، وَأَعْيَانِ أَهْلِهَا، عَلَى قِتَالِهِمْ وَدَفْعِهِمْ. وَكَانَ بَنُو شَيْبَانَ نَزَلُوا عَلَى بَاعْشِيقَا، وَمَعَهُمْ هَارُونُ بْنُ سُلَيْمَانَ مَوْلَى أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى بْنِ الشَّيْخِ الشَّيْبَانِيِّ صَاحِبِ دِيَارِ بَكْرٍ، وَكَانَ قَدْ أَنْفَذَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ كُنْدَاجَ وَالِيًا عَلَى الْمَوْصِلِ، فَلَمْ يُمَكِّنْهُ أَهْلُهَا مِنَ الْمُقَامِ عِنْدَهُمْ، فَطَرَدُوهُ، فَقَصَدَ بَنِي شَيْبَانَ (مُعَاوِنًا عَلَى الْخَوَارِجِ، وَأَهْلِ الْمَوْصِلِ) ، فَالْتَقَوْا، وَتَصَافُّوا، وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَتْ بَنُو شَيْبَانَ، وَتَبِعَهُمْ حَمْدَانُ، وَالْخَوَارِجُ، وَمَلَكُوا بُيُوتَهُمْ، وَاشْتَغَلُوا بِالنَّهْبِ. وَكَانَ الزَّابُ (لَمَّا عَبَرَهُ بَنُو شَيْبَانَ [زَائِدًا] ، فَلَمَّا انْهَزَمُوا) عَلِمُوا أَنْ لَا مَلْجَأَ وَلَا

стр. 3415

مَنْجَى غَيْرُ الصَّبْرِ، فَعَادُوا إِلَى الْقِتَالِ، وَالنَّاسُ مَشْغُولُونَ بِالنَّهْبِ، فَأَوْقَعُوا بِهِمْ، وَقُتِلَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْمَوْصِلِ وَمَنْ مَعَهُمْ، وَعَادَ الظَّفَرُ لِلْأَعْرَابِ. وَكَتَبَ هَارُونُ بْنُ سِيمَا إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ كُنْدَاجَ يُعَرِّفُهُ أَنَّ الْبَلَدَ خَارِجٌ عَنْ يَدِهِ إِنْ لَمْ يَحْضُرْ هُوَ بِنَفْسِهِ، فَسَارَ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ يُرِيدُ الْمَوْصِلَ، فَخَافَهُ أَهْلُهَا، فَانْحَدَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَغْدَاذَ يَطْلُبُونَ إِرْسَالَ وَالٍ إِلَيْهِمْ، وَإِزَالَةَ ابْنِ كُنْدَاجَ عَنْهُمْ، فَاجْتَازُوا فِي طَرِيقِهِمْ بِالْحَدِيثَةِ، وَبِهَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْمَجْرُوحُ يَحْفَظُ الطَّرِيقَ، قَدْ وَلَّاهُ الْمُعْتَضِدُ ذَلِكَ، وَقَدْ وَصَلَ إِلَيْهِ عَهْدٌ بِوِلَايَتِهِ الْمَوْصِلَ، فَحَثُّوهُ عَلَى تَعْجِيلِ السَّيْرِ، وَأَنْ يَسْبِقَ مُحَمَّدَ بْنَ كُنْدَاجَ إِلَيْهَا، وَخَوَّفُوهُ مِنِ ابْنِ كُنْدَاجَ إِذَا دَخَلَ الْمَوْصِلَ قَبْلَهُ، فَسَارَ، فَسَبَقَ مُحَمَّدٌ إِلَيْهَا، وَوَصَلَ مُحَمَّدُ بْنُ كُنْدَاجَ إِلَى بَلَدَ، فَبَلَغَهُ دُخُولُ الْمَجْرُوحِ الْمَوْصِلَ، (فَنَدِمَ عَلَى التَّبَاطُؤِ وَكَتَبَ إِلَى خُمَارَوَيْهِ بْنِ طُولُونَ يُخْبِرُهُ الْخَبَرَ، فَأَرْسَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَصَّاصِ بِهَدَايَا كَثِيرَةٍ إِلَى الْمُعْتَضِدِ، وَيَطْلُبُ أُمُورًا، مِنْهَا إِمْرَةُ الْمَوْصِلِ كَمَا كَانَتْ لَهُ قَبْلُ، فَلَمْ يُجَبْ إِلَى ذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ كَرَاهَةَ أَهْلِ الْمَوْصِلِ مِنْ عُمَّالِهِ، (فَأَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِهَا) . وَبَقِيَ الْمَجْرُوحُ بِالْمَوْصِلِ يَسِيرًا، وَعَزَلَهُ الْمُعْتَضِدُ، وَاسْتَعْمَلَ بَعْدَهُ عَلِيَّ بْنَ دَاوُدَ بْنِ رَهْزَادَ الْكُرْدِيَّ، فَقَالَ شَاعِرٌ يُقَالُ لَهُ الْعُجَيْنِيُّ: مَا رَأَى النَّاسُ لِهَذَا ال ... دَّهْرِ مُذْ كَانُوا شَبِيهَا ذَلَّتِ الْمَوْصِلُ حَتَّى ... أُمِّرَ الْأَكْرَادُ فِيهَا (الْعُجَيْنِيُّ بِالنُّونِ) . ذِكْرُ وَفَاةِ الْمُعْتَمِدِ وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْمُعْتَمِدُ عَلَى اللَّهِ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ لِإِحْدَى عَشْرَةَ بَقِيَتْ مِنْ رَجَبٍ بِبَغْدَاذَ، وَكَانَ

стр. 3416

قَدْ شَرِبَ عَلَى الشَّطِّ فِي الْحَسَنِيِّ بِبَغْدَاذَ، يَوْمَ الْأَحَدِ، شَرَابًا كَثِيرًا، وَتَعَشَّى فَأَكْثَرَ، فَمَاتَ لَيْلًا، وَأَحْضَرَ الْمُعْتَضِدُ الْقُضَاةَ وَأَعْيَانَ النَّاسِ، فَنَظَرُوا إِلَيْهِ، وَحُمِلَ إِلَى سَامَرَّا فَدُفِنَ بِهَا. وَكَانَ عُمْرُهُ خَمْسِينَ سَنَةٍ وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ، وَكَانَ أَسَنَّ مِنَ الْمُوَفَّقِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ. وَكَانَ فِي خِلَافَتِهِ مَحْكُومًا عَلَيْهِ، قَدْ تَحَكَّمَ عَلَيْهِ أَخُوهُ أَبُو أَحْمَدَ الْمُوَفَّقُ، وَضَيَّقَ عَلَيْهِ، حَتَّى إِنَّهُ احْتَاجَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، إِلَى ثَلَاثِمِائَةِ دِينَارٍ، فَلَمْ يَجِدْهَا ذَلِكَ الْوَقْتَ، فَقَالَ: أَلَيْسَ فِي الْعَجَائِبِ أَنَّ مِثْلِي ... يَرَى مَا قَلَّ مُمْتَنِعًا عَلَيْهِ وَتُؤْخَذُ بِاسْمِهِ الدُّنْيَا جَمِيعًا ... وَمَا مِنْ ذَاكَ شَيْءٌ فِي يَدَيْهِ إِلَيْهِ تُحْمَلُ الْأَمْوَالُ طُرًّا ... وَيُمْنَعُ بَعْضَ مَا يُجْبَى إِلَيْهِ وَكَانَ أَوَّلُ الْخُلَفَاءِ انْتَقَلَ مِنْ سُرَّ مَنْ رَأَى، مُذْ بُنِيَتْ، ثُمَّ لَمْ يَعُدْ إِلَيْهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ. ذِكْرُ خِلَافَةِ أَبِي الْعَبَّاسِ الْمُعْتَضِدِ وَفِي صَبِيحَةِ اللَّيْلَةِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا الْمُعْتَمِدُ بُويِعَ لِأَبِي الْعَبَّاسِ الْمُعْتَضِدِ بِاللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ الْمُوَفَّقِ أَبِي طَلْحَةَ بْنِ الْمُتَوَكِّلِ بِالْخِلَافَةِ، فَوَلَّى غُلَامَهُ بَدْرًا الشُّرْطَةَ، وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ سُلَيْمَانَ الْوِزَارَةَ، وَمُحَمَّدَ بْنَ الشَّاهْ بْنِ مَالِكٍ الْحَرَسَ. وَوَصَلَهُ فِي شَوَّالٍ رَسُولُ عَمْرِو بْنِ اللَّيْثِ وَمَعَهُ هَدَايَا كَثِيرَةٌ، وَسَأَلَهُ أَنْ يُوَلِّيَهُ خُرَاسَانَ، فَعَقَدَ لَهُ عَلَيْهَا، وَسَيَّرَ إِلَيْهِ الْخِلَعَ، وَاللِّوَاءَ، وَالْعَهْدَ، فَنَصَبَ اللِّوَاءَ فِي دَارِهِ ثَلَاثَةَ

стр. 3417

أَيَّامٍ. ذِكْرُ وَفَاةِ نَصْرٍ السَّامَانِيِّ وَفِيهَا مَاتَ نَصْرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّامَانِيُّ، وَقَامَ بِمَا كَانَ إِلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ أَخُوهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، وَكَانَ نَصْرٌ دَيِّنًا، عَاقِلًا، لَهُ شِعْرٌ حَسَنٌ، مِنْهُ مَا قَالَ فِي رَافِعِ بْنِ هَرْثَمَةَ: أَخُوكَ فِيكَ عَلَى خُبْرٍ وَمَعْرِفَةٍ ... إِنَّ الذَّلِيلَ ذَلِيلٌ حَيْثُمَا كَانَا لَوْلَا زَمَانٌ خَئُونٌ فِي تَصَرُّفِهِ ... وَدَوْلَةٌ ظَلَمَتْ مَا كُنْتَ إِنْسَانًا ذِكْرُ عَزْلِ رَافِعِ بْنِ هَرْثَمَةَ مِنْ خُرَاسَانَ وَقَتْلِهِ وَفِيهَا عَزَلَ الْمُعْتَضِدُ رَافِعَ بْنَ هَرْثَمَةَ عَنْ خُرَاسَانَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُعْتَضِدَ كَتَبَ إِلَى رَافِعٍ بِتَخْلِيَةِ قُرَى السُّلْطَانِ بِالرَّيِّ، فَلَمْ يَقْبَلْ، فَأَشَارَ عَلَى رَافِعٍ أَصْحَابُهُ بِرَدِّ الْقُرَى لِئَلَّا يَفْسُدَ حَالُهُ بِكِتَابٍ، فَلَمْ يَقْبَلْ أَيْضًا، وَكَتَبَ الْمُعْتَضِدُ إِلَى أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي دُلَفَ بِأَمْرِهِ بِمُحَارَبَةِ رَافِعٍ وَإِخْرَاجِهِ عَنِ الرَّيِّ، وَكَتَبَ إِلَى عَمْرِو بْنِ اللَّيْثِ بِتَوْلِيَتِهِ خُرَاسَانَ. ثُمَّ إِنَّ أَحْمَدَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَقِيَ رَافِعًا فَقَاتَلَهُ، فَانْهَزَمَ رَافِعٌ عَنِ الرَّيِّ، وَسَارَ إِلَى جُرْجَانَ، وَمَاتَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ، فَعَادَ رَافِعٌ إِلَى الرَّيِّ، فَلَاقَاهُ عَمْرٌو، وَبَكْرٌ ابْنَا عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ عَمْرٌو وَبَكْرٌ، وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، وَوَصَلُوا إِلَى أَصْبَهَانَ، وَذَلِكَ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ثَمَانِينَ [وَمِائَتَيْنِ] . وَأَقَامَ رَافِعٌ بِالرَّيِّ بَاقِيَ سَنَتِهِ، وَمَاتَ عَلِيُّ بْنُ اللَّيْثِ مَعَهُ فِي الرَّيِّ. ثُمَّ إِنَّ عَمْرَو بْنَ اللَّيْثِ وَافَى نَيْسَابُورَ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ثَمَانِينَ [وَمِائَتَيْنِ] ،

стр. 3418

وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، وَعَلَى خُرَاسَانَ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى رَافِعٍ، فَجَمَعَ أَصْحَابَهُ، وَاسْتَشَارَهُمْ فِيمَا يَفْعَلُ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ الْأَعْدَاءَ قَدْ أَحْدَقُوا بِنَا، وَلَا آمَنُ أَنْ يَتَّفِقُوا عَلَيْنَا ; هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ بِالدَّيْلَمِ يَنْتَظِرُ فُرْصَةً لِيَنْتَهِزَهَا ; وَهَذَا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَدْ فَعَلْتُ بِهِ مَا فَعَلْتُ، فَهُوَ يَتَرَبَّصُ الدَّوَائِرَ ; وَهَذَا عَمْرُو بْنُ اللَّيْثِ قَدْ وَافَى خُرَاسَانَ بِجُمُوعِهِ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ أُصَالِحَ مُحَمَّدَ بْنَ زَيْدٍ، وَأُعِيدَ إِلَيْهِ طَبَرِسْتَانَ، وَأُصَالِحَ ابْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، ثُمَّ أَسِيرَ إِلَى عَمْرٍو، فَأُخْرِجَهُ عَنْ خُرَاسَانَ، فَوَافَقُوهُ عَلَى ذَلِكَ، وَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَصَالَحَهُ، وَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ بَيْنَهُمَا فِي شَعْبَانَ سَنَةَ ثَمَانِينَ [وَمِائَتَيْنِ] . ثُمَّ سَارَ إِلَى طَبَرِسْتَانَ، فَوَرَدَهَا فِي شَعْبَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ [وَمِائَتَيْنِ] ، وَكَانَ قَدْ أَقَامَ بِجُرْجَانَ، فَأَحْكَمَ أُمُورَهَا، وَلَمَّا اسْتَقَرَّ بِطَبَرِسْتَانَ رَاسَلَ مُحَمَّدَ بْنِ زَيْدٍ، وَصَالَحَهُ، وَوَعَدَهُ مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ أَنْ يُنْجِدَهُ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ رَجُلٍ مِنْ شُجْعَانِ الدَّيْلَمِ. وَخُطِبَ لِمُحَمَّدٍ بِطَبَرِسْتَانَ، وَجُرْجَانَ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ. وَبَلَغَ خَبَرُ مُصَالَحَةِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ وَرَافِعٍ إِلَى عَمْرِو بْنِ اللَّيْثِ، فَأَرْسَلَ إِلَى مُحَمَّدٍ يُذَكِّرُهُ مَا فَعَلَ بِهِ، وَيُحَذِّرُهُ مِنْهُ وَ [مِنْ] غَدْرِهِ إِنِ اسْتَقَامَ أَمْرُهُ، فَعَادَ عَنْ إِنْجَادِهِ بِعَسْكَرٍ. فَلَمَّا قَوِيَ عَمْرٌو عَرَفَ لِمُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ ذَلِكَ، وَخَلَّى عَلَيْهِ طَبَرِسْتَانَ ; وَلَمَّا أَحْكَمَ رَافِعٌ أَمْرَ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ سَارَ إِلَى خُرَاسَانَ، فَوَرَدَ نَيْسَابُورَ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَجَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَمْرٍو حَرْبٌ شَدِيدَةٌ انْهَزَمَ فِيهَا رَافِعٌ إِلَى أَبْيُورْدَ، وَأَخَذَ عَمْرٌو مِنْهُ الْمُعَدَّلَ، وَاللَّيْثَ وَلَدَيْ أَخِيهِ عَلِيِّ بْنِ اللَّيْثِ، وَكَانَا عِنْدَهُ بَعْدَ مَوْتِ أَخِيهِ عَلِيٍّ. وَلَمَّا وَرَدَ رَافِعٌ أَبْيُورْدَ أَرَادَ الْمَسِيرَ إِلَى هَرَاةَ (أَوْ مَرْوٍ) ، فَعَلِمَ عَمْرٌو بِذَلِكَ، فَأَخَذَ عَلَيْهِ الطَّرِيقَ بِسَرَخْسَ، فَلَمَّا عَلِمَ رَافِعٌ بِمَسِيرِ عَمْرٍو عَنْ نَيْسَابُورَ سَارَ عَلَى مَضَايِقَ، وَطُرُقٍ غَامِضَةٍ غَيْرَ طَرِيقِ الْجَيْشِ إِلَى نَيْسَابُورَ، فَدَخَلَهَا، وَعَادَ إِلَيْهِ عَمْرٌو مِنْ سَرَخْسَ فَحَصَرَهُ فِيهَا، وَتَلَاقَيَا، وَاسْتَأْمَنَ بَعْضُ قُوَّادِ رَافِعٍ إِلَى عَمْرٍو، فَانْهَزَمَ رَافِعٌ، وَأَصْحَابُهُ، وَسَيَّرَ أَخَاهُ مُحَمَّدَ بْنَ هَرْثَمَةَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ يَسْتَمِدُّهُ، وَيَطْلُبُ مَا وَعَدَهُ مِنَ الرِّجَالِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَلَمْ يُمِدَّهُ بِرَجُلٍ وَاحِدٍ، وَتَفَرَّقَ عَنْ رَافِعٍ أَصْحَابُهُ وَغِلْمَانُهُ، وَكَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ آلَافِ غُلَامٍ، وَلَمْ يَمْلِكْ أَحَدٌ مِنْ وُلَاةِ خُرَاسَانَ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَفَارَقَهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ إِلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ

стр. 3419

أَحْمَدَ السَّامَانِيِّ بِبُخَارَى، وَخَرَجَ رَافِعٌ مُنْهَزِمًا إِلَى خُوَارِزْمَ عَلَى الْجَمَّازَاتِ، وَحَمَلَ مَا بَقِيَ مَعَهُ مِنْ مَالٍ وَآلَةٍ، وَهِيَ فِي شِرْذِمَةٍ قَلِيلَةٍ، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ. فَلَمَّا بَلَغَ رِبَاطَ جَبْوَهْ وَجَّهَ إِلَيْهِ خُوَارِزْمُشَاهْ أَبَا سَعِيدٍ الدَّرْغَانِيَّ لِيُقِيمَ لَهُ الْأَنْزَالَ، وَيَخْدِمَهُ إِلَى خُوَارِزْمَ، فَرَآهُ أَبُو سَعِيدٍ فِي قِلَّةٍ مِنْ رِجَالِهِ، وَغَدَرَ بِهِ، وَقَتَلَهُ لِسَبْعٍ خَلَوْنَ مِنْ شَوَّالٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَحَمَلَ رَأْسَهُ إِلَى عَمْرِو بْنِ اللَّيْثِ، وَهُوَ بِنَيْسَابُورَ، وَأَنْفَذَ عَمْرٌو الرَّأْسَ إِلَى الْمُعْتَضِدِ بِاللَّهِ، فَوَصَلَ إِلَيْهِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ [وَمِائَتَيْنِ] ، فَنُصِبَ بِبَغْدَاذَ. وَصَفَتْ خُرَاسَانُ إِلَى شَاطِئِ جَيْحُونَ لِعَمْرٍو. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِيهَا قَدِمَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْجَصَّاصِ مِنْ مِصْرَ بِهَدَايَا عَظِيمَةٍ مِنْ خُمَارَوَيْهِ، فَتَزَوَّجَ الْمُعْتَضِدُ ابْنَةَ خُمَارَوَيْهِ. وَفِيهَا مَلَكَ أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى بْنِ الشَّيْخِ قَلْعَةَ مَارْدِينَ، وَكَانَتْ بِيَدِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ كُنْدَاجِيقَ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَهِيَ آخِرُ حَجَّةٍ حَجَّهَا، وَأَوَّلُ حَجَّةٍ حَجَّهَا بِالنَّاسِ، سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ إِلَى هَذِهِ السَّنَةِ.

стр. 3420

[الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ سَوْرَةَ التِّرْمِذِيُّ السُّلَمِيُّ بِتِرْمِذَ فِي رَجَبٍ، وَكَانَ إِمَامًا حَافِظًا لَهُ تَصَانِيفُ حَسَنَةٌ، مِنْهَا: " الْجَامِعُ الْكَبِيرُ " فِي الْحَدِيثِ، وَهُوَ أَحْسَنُ الْكُتُبِ، وَكَانَ ضَرِيرًا. وَتُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُدَبَّرُ فِي شَوَّالٍ [وَكَانَ يَلِي دِيوَانَ الضِّيَاعِ] .

стр. 3421

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ] ٢٨٠ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ ذِكْرُ حَبْسَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُهْتَدِي فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَخَذَ الْمُعْتَضِدُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُهْتَدِي، وَمُحَمَّدَ بْنَ الْحُسَيْنِ الْمَعْرُوفَ بِشَيْلَمَةَ، وَكَانَ شَيْلَمَةُ هَذَا مَعَ صَاحِبِ الزِّنْجِ إِلَى آخِرِ أَيَّامِهِ، ثُمَّ لَحِقَ بِالْمُوَفَّقِ فِي الْأَمَانِ، فَأَمَّنَهُ. وَكَانَ سَبَبُ أَخْذِهِ إِيَّاهُ أَنَّ بَعْضَ الْمُسْتَأْمِنَةِ سَعَى بِهِ إِلَى الْمُعْتَضِدِ، وَأَنَّهُ يَدْعُو لِرَجُلٍ لَا يُعْرَفُ اسْمُهُ، وَأَنَّهُ قَدْ أَفْسَدَ جَمَاعَةً مِنَ الْجُنْدِ وَغَيْرِهِمْ، فَأَخَذَهُ الْمُعْتَضِدُ فَقَرَّرَهُ، فَلَمْ يُقِرَّ بِشَيْءٍ وَقَالَ: لَوْ كَانَ الرَّجُلُ تَحْتَ قَدَمِي مَا رَفَعْتُهُمَا عَنْهُ! فَأَمَرَ بِهِ فَشُدَّ عَلَى خَشَبَةٍ مِنْ خَشَبِ الْخِيَمِ، ثُمَّ أُوقِدَتْ نَارٌ عَظِيمَةٌ، وَأُدِيرَ عَلَى النَّارِ حَتَّى تَقَطَّعَ جِلْدُهُ، ثُمَّ ضُرِبَتْ عُنُقُهُ، وَصُلِبَ عِنْدَ الْجِسْرِ، وَحَبَسَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُهْتَدِي إِلَى أَنْ عَلِمَ بَرَاءَتَهُ، وَأَطْلَقَهُ. وَكَانَ الْمُعْتَضِدُ قَالَ لِشَيْلَمَةَ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تَدْعُو إِلَى ابْنِ الْمُهْتَدِي؟ فَقَالَ: الْمَشْهُورُ عَنِّي أَنَّنِي أَتَوَلَّى آلَ أَبِي طَالِبٍ.

стр. 3422

ذِكْرُ قَصْدِ الْمُعْتَضِدِ بَنِي شَيْبَانَ، وَصُلْحِهِ مَعَهُمْ وَفِيهَا، فِي أَوَّلِ صَفَرٍ سَارَ الْمُعْتَضِدُ مِنْ بَغْدَاذَ يُرِيدُ بَنِي شَيْبَانَ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي يَجْتَمِعُونَ بِهِ مِنْ أَرْضِ الْجَزِيرَةِ، فَلَمَّا بَلَغَهُمْ قَصْدُهُ جَمَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ، وَأَغَارَ الْمُعْتَضِدُ عَلَى أَعْرَابٍ عِنْدَ السِّنِّ، فَنَهَبَ أَمْوَالَهُمْ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَغَرِقَ مِنْهُمْ فِي الزَّابِّ مِثْلُ ذَلِكَ، وَعَجَزَ النَّاسُ عَنْ حَمْلِ مَا غَنِمُوهُ، فَبِيعَتِ الشَّاةُ بِدِرْهَمٍ، وَالْبَعِيرُ بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ. وَسَارَ إِلَى الْمَوْصِلِ وَبَلَدَ، فَلَقِيَهُ بَنُو شَيْبَانَ يَسْأَلُونَهُ الْعَفْوَ، وَبَذَلُوا لَهُ رَهَائِنَ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى مَا طَلَبُوا، وَعَادَ إِلَى بَغْدَاذَ. وَأَرْسَلَ إِلَى أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى بْنِ الشَّيْخِ يَطْلُبُ مِنْهُ مَا أَخَذَهُ مِنْ أَمْوَالِ ابْنِ كُنْدَاجِيقَ بِآمِدَ، فَبَعَثَهُ إِلَيْهِ وَمَعَهُ هَدَايَا كَثِيرَةٌ. ذِكْرُ خُرُوجِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَادَةَ عَلَى هَارُونَ وَكِلَاهُمَا خَارِجِيَّانِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَيُعْرَفُ بِأَبِي جَوْزَةَ، وَهُوَ مِنْ بَنِي زُهَيْرٍ مِنْ أَهْلِ قَبْرَاثَا، مِنَ الْبَقْعَاءِ عَلَى هَارُونَ، وَكِلَاهُمَا مِنَ الْخَوَارِجِ، وَكَانَ أَوَّلَ أَمْرِهِ فَقِيرًا، وَكَانَ هُوَ وَابْنَانِ لَهُ يَلْتَقِطُونَ الْكَمْأَةَ وَيَبِيعُونَهَا، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ، ثُمَّ إِنَّهُ جَمَعَ جَمَاعَةً، وَحُكِّمَ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ أَهْلُ تِلْكَ النَّوَاحِي مِنَ الْأَعْرَابِ، وَقَوِيَ أَمْرُهُ، وَأَخَذَ عُشْرَ الْغَلَّاتِ، وَقَبَضَ الزَّكَاةَ، وَسَارَ إِلَى مَعْلَثَايَا، فَقَاطَعَهُ أَهْلُهَاَ عَلَى خَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ، (وَجَبَى تِلْكَ الْأَعْمَالَ) ، وَعَادَ وَبَنَى عِنْدَ سِنْجَارَ حِصْنًا، وَحَمَلَ إِلَيْهِ الْأَمْتِعَةَ، وَالْمِيرَةَ، وَجَعَلَ فِيهِ ابْنَهُ أَبَا هِلَالٍ وَمَعَهُ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ رَجُلًا مِنْ وُجُوهِ بَنِي زُهَيْرٍ، وَغَيْرِهِمْ. وَوَصَلَ خَبَرُهُمْ إِلَى هَارُونَ الشَّارِيِّ، فَاجْتَمَعَ رَأْيُهُ وَرَأْيُ وُجُوهِ أَصْحَابِهِ عَلَى قَصْدِ الْحِصْنِ أَوَّلًا، فَإِذَا فَرَغُوا مِنْهُ سَارُوا إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَجَمَعَ أَصْحَابَهُ، فَبَلَغُوا مِائَةَ رَاجِلٍ، وَأَلْفًا وَمِائَتَيْ فَارِسٍ، وَسَارَ إِلَيْهِ مُبَادِرًا، وَأَحْدَقَ بِهِ وَحَصَرَهُ ; وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَادَةَ فِي

стр. 3423

قَبْرَاثَا لَا يَعْلَمُ بِذَلِكَ. وَجَدَّ هَارُونُ فِي قِتَالِ الْحِصْنِ، وَكَانَ مَعَهُ سَلَالِيمُ قَدْ أَخَذَهَا، وَزَحَفَ إِلَيْهِ وَكَانَ أَصْحَابُهُ قَدْ مَنَعُوا أَحَدًا يُخْرِجُ رَأْسَهُ مِنْ أَعْلَى السُّورِ، فَلَمَّا رَأَى مَنْ مَعَهُ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ تَغَلُّبَهُ عَلَى الْحِصْنِ أَعْطَوْا مَنْ فِيهِ مِنْ بَنِي زُهَيْرٍ الْأَمَانَ بِغَيْرِ أَمْرِ هَارُونَ، فَشَقَّ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَغْيِيرِ ذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ قَتَلَ أَبَا هِلَالِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَنَفَرًا مَعَهُ قَبْلَ الْأَمَانِ، وَفَتَحُوا الْحِصْنَ، وَمَلَكُوا مَا فِيهِ. وَسَارُوا إِلَى مُحَمَّدٍ، وَهُوَ بِقَبْرَاثَا، فَلَقُوهُ وَهُوَ فِي أَرْبَعَةِ آلَافِ رَجُلٍ فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ هَارُونُ وَمَنْ مَعَهُ، فَوَقَفَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ وَنَادَى رِجَالًا بِأَسْمَائِهِمْ فَاجْتَمَعُوا نَحْوَ أَرْبَعِينَ رَجُلًا، وَحَمَلُوا عَلَى مَيْمَنَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَادَةَ. فَانْهَزَمَتِ الْمَيْمَنَةُ، وَعَادَتِ الْحَرْبُ، فَانْهَزَمَ مُحَمَّدٌ وَمَنْ مَعَهُ، وَوَضَعُوا السَّيْفَ فِيهِمْ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةِ رَجُلٍ، وَحَجَزَ بَيْنَهُمُ اللَّيْلُ، وَجَمَعَ هَارُونُ مَا لَهُمْ فَقَسَّمَهُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ، وَانْهَزَمَ مُحَمَّدٌ إِلَى آمِدَ، فَأَخَذَهُ صَاحِبُهَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى بْنِ الشَّيْخِ، بَعْدَ حَرْبٍ، فَظَفِرَ بِهِ، فَأَخَذَهُ أَسِيرًا، وَسَيَّرَهُ إِلَى الْمُعْتَضِدِ، فَسَلَخَ جِلْدَهُ كَمَا يَسْلُخُ الشَّاةَ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ لَمَّا افْتَتَحَ بْنُ أَبِي السَّاجِ مَرَاغَةَ، بَعْدَ حَرْبٍ شَدِيدَةٍ وَحِصَارٍ عَظِيمٍ، أَخَذَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ بَعْدَ أَنْ أَمَّنَهُ وَأَصْحَابَهُ، وَقَيَّدَهُ وَحَبَسَهُ، وَقَرَّرَهُ بِجَمِيعِ أَمْوَالِهِ ثُمَّ قَتَلَهُ. وَفِيهَا مَاتَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي دُلَفَ، وَقَامَ بَعْدَهُ أَخُوهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَفِيهَا افْتَتَحَ مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ عَمَّانَ، وَبَعَثَ بِرُءُوسِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِهَا. وَفِيهَا تُوُفِّيَ جَعْفَرُ بْنُ الْمُعْتَمِدِ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ، وَكَانَ يُنَادِمُ الْمُعْتَضِدَ.

стр. 3424

وَفِيهَا دَخَلَ عَمْرُو بْنُ اللَّيْثِ نَيْسَابُورَ فِي جُمَادَى الْأُولَى. وَفِيهَا وَجَّهَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي السَّاجِ ثَلَاثِينَ نَفْسًا مِنَ الْخَوَارِجِ مِنْ طَرِيقِ الْمَوْصِلِ فَضُرِبَتْ أَعْنَاقُ أَكْثَرِهِمْ، وَحُبِسَ الْبَاقُونَ. وَفِيهَا دَخَلَ أَحْمَدُ بْنُ أَبَّا طَرَسُوسَ لِلْغَزَاةِ مِنْ قِبَلِ خُمَارَوَيْهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ، وَدَخَلَ بَعْدَهُ بَدْرٌ الْحَمَّامِيُّ، فَغَزَوْا جَمِيعًا مَعَ الْعُجَيْفِيِّ أَمِيرِ طَرَسُوسَ حَتَّى بَلَغُوا الْبَلْقَسُونَ. وَفِيهَا غَزَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ السَّامَانِيِّ بِلَادَ التُّرْكِ، وَافْتَتَحَ مَدِينَةَ مَلِكِهِمْ، وَأَسَرَ أَبَاهُ، وَامْرَأَتَهُ خَاتُونَ وَنَحْوًا مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَغَنِمَ مِنَ الدَّوَابِّ مَا لَا يُعْلَمُ عَدَدًا، وَأَصَابَ الْفَارِسُ مِنَ الْغَنِيمَةِ أَلْفَ دِرْهَمٍ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ رَاشِدٌ مَوْلَى الْمُوَفَّقِ بِالدِّينَوَرْدِ، وَحُمِلَ إِلَى بَغْدَاذَ فِي رَمَضَانَ. وَفِي شَوَّالٍ مَاتَ مَسْرُورٌ الْبَلْخِيُّ. وَفِيهَا غَارَتِ الْمِيَاهُ بِالرَّيِّ، وَطَبَرِسْتَانَ، حَتَّى بَلَغَ الْمَاءُ ثَلَاثَةَ أَرْطَالٍ بِدِرْهَمٍ، وَغَلَتِ الْأَسْعَارُ. وَفِي شَوَّالٍ انْكَسَفَ الْقَمَرُ، وَأَصْبَحَ أَهْلُ دَبِيلَ وَالدُّنْيَا مُظْلِمَةٌ، وَدَامَتِ الظُّلْمَةُ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الْعَصْرِ هَبَّتْ رِيحٌ سَوْدَاءُ فَدَامَتْ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، فَلَمَّا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ زُلْزِلُوا فَخُرِّبَتِ الْمَدِينَةُ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْ مَنَازِلِهِمْ إِلَّا قَدْرُ مِائَةِ دَارٍ، وَزُلْزِلُوا بَعْدَ ذَلِكَ خَمْسَ مِرَارٍ، وَكَانَ جُمْلَةُ مَنْ أُخْرِجَ مِنْ تَحْتِ الرَّدْمِ مِائَةُ أَلْفٍ وَخَمْسِينَ أَلْفًا كُلُّهُمْ مَوْتَى.

стр. 3425

وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ بْنِ إِسْحَاقَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ تُرُنْجَةَ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ يُوسُفَ أَبُو إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ فِي رَمَضَانَ وَلَهُ تَصَانِيفُ حَسَنَةٌ. وَأَحْمَدُ بْنُ سَيَّارِ بْنِ أَيُّوبَ الْفَقِيهُ الْمَرْوَزِيُّ، وَكَانَ زَاهِدًا عَالِمًا. وَأَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ الْفَقِيهُ الْحَنَفِيُّ بِمِصْرَ.

стр. 3426

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ] ٢٨١ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ ذِكْرُ مَسِيرِ الْمُعْتَضِدِ إِلَى مَارْدِينَ وَمُلْكِهِ إِيَّاهَا وَفِيهَا خَرَجَ الْمُعْتَضِدُ الْخَرْجَةَ الثَّانِيَةَ إِلَى الْمَوْصِلِ، قَاصِدًا لِحَمْدَانَ بْنِ حَمْدُونَ، لِأَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ حَمْدَانَ مَالَ إِلَى هَارُونَ الشَّارِيِّ، وَدَعَا لَهُ، فَلَمَّا بَلَغَ الْأَعْرَابَ، وَالْأَكْرَادَ مَسِيرُ الْمُعْتَضِدِ تَحَالَفُوا أَنَّهُمْ يُقَاتِلُونَ عَلَى دَمٍ وَاحِدٍ، وَاجْتَمَعُوا، وَعَبَّوْا عَسْكَرَهُمْ، وَسَارَ الْمُعْتَضِدُ إِلَيْهِمْ فِي خَيْلِهِ جَرِيدَةً، فَأَوْقَعَ بِهِمْ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ، وَغَرِقَ مِنْهُمْ فِي الزَّابِ خَلْقٌ كَثِيرٌ. وَسَارَ الْمُعْتَضِدُ إِلَى الْمَوْصِلِ يُرِيدُ قَلْعَةَ مَارْدِينَ، وَكَانَتْ لِحَمْدَانَ بْنِ حَمْدُونَ، فَهَرَبَ حَمْدَانُ مِنْهَا وَخَلَّفَ ابْنَهُ بِهَا، فَنَازَلَهَا الْمُعْتَضِدُ، وَقَاتَلَ مَنْ فِيهَا يَوْمَهُ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ رَكِبَ الْمُعْتَضِدُ فَصَعِدَ إِلَى بَابِ الْقَلْعَةِ، وَصَاحَ: يَا ابْنَ حَمْدَانَ! فَأَجَابَهُ، فَقَالَ: افَتْحِ الْبَابَ، فَفَتَحَهُ، فَقَعَدَ الْمُعْتَضِدُ فِي الْبَابِ، وَأَمَرَ بِنَقْلِ مَا فِي الْقَلْعَةِ وَهَدَمَهَا، ثُمَّ وَجَّهَ خَلْفَ ابْنِ حَمْدُونَ، وَطُلِبَ أَشَدَّ الطَّلَبِ، وَأُخِذَتْ أَمْوَالٌ لَهُ، ثُمَّ ظَفِرَ بِهِ الْمُعْتَضِدُ بَعْدَ عَوْدِهِ إِلَى بَغْدَاذَ. وَفِي عَوْدِهِ قَصَدَ الْحَسَنِيَّةَ وَبِهَا رَجُلٌ كُرْدِيٌّ يُقَالُ لَهُ شَدَّادٌ فِي جَيْشٍ كَثِيرٍ، قِيلَ كَانُوا عَشَرَةَ آلَافِ رَجُلٍ، وَكَانَ لَهُ قَلْعَةٌ، فَظَفِرَ بِهِ الْمُعْتَضِدُ وَهَدَمَ قَلْعَتَهُ.

стр. 3427

ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِيهَا وَرَدَ تُرْكُ بْنُ الْعَبَّاسِ عَامِلُ الْمُعْتَضِدِ عَلَى دِيَارِ مُضَرَ، مِنَ الْجَزِيرَةِ إِلَى بَغْدَاذَ، وَمَعَهُ نَيِّفٌ وَأَرْبَعُونَ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الْأَغَرِّ صَاحِبِ سُمَيْسَاطَ عَلَى جِمَالٍ عَلَيْهِمْ بَرَانِسُ وَدَرَارِيعُ حَرِيرٍ، فَمَضَى بِهِمْ إِلَى الْحَبْسِ، وَعَادَ إِلَى دَارِهِ. وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةٌ لِوَصِيفٍ خَادِمِ ابْنِ أَبِي السَّاجِ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَهَزَمَهُ، ثُمَّ سَارَ وَصِيفٌ إِلَى مَوْلَاهُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي السَّاجِ. وَفِيهَا دَخَلَ طُغَجُ بْنُ جَفٍّ طَرَسُوسَ لِغَزْوِ الصَّائِفَةِ مِنْ قِبَلِ خُمَارَوَيْهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ فَبَلَغَ طَرَابَزَوْنَ، وَفَتَحَ مَلُّورِيَّةَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ. وَفِيهَا مَاتَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّائِيِّ بِالْكُوفَةِ فِي جُمَادَى. (وَفِيهَا غَارَتِ الْمِيَاهُ بِالرَّيِّ، وَطَبَرِسْتَانَ) . وَفِيهَا سَارَ الْمُعْتَضِدُ إِلَى نَاحِيَةِ الْجَبَلِ، وَقَصَدَ الدِّينَوَرَ، وَوَلَّى ابْنَهُ عَلِيًّا - وَهُوَ الْمُكْتَفِي - الرَّيَّ، وَقَزْوِينَ، وَزِنْجَانَ، وَأَبْهَرَ، وَقُمَّ، وَهَمَذَانَ، وَالدِّينَوَرَ، وَجَعَلَ عَلَى كِتَابَتِهِ أَحْمَدَ بْنَ الْأَصْبَغِ، وَقَلَّدَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي دُلَفَ أَصْبَهَانَ، وَنَهَاوَنْدَ، وَالْكَرَجَ، وَعَادَ إِلَى بَغْدَاذَ لِأْجْلِ غَلَاءِ السِّعْرِ. وَفِيهَا اسْتَأْمَنَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ كَوْرَةُ عَامِلُ رَافِعٍ عَلَى الرَّيِّ إِلَى عَلِيِّ بْنِ

стр. 3428

الْمُعْتَضِدِ [فِي زُهَاءِ أَلْفِ رَجُلٍ] ، فَوَجَّهَهُ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى أَبِيهِ. وَفِيهَا دَخَلَ الْأَعْرَابُ سَامَرَّا، فَقَتَلُوا ابْنَ سِيمَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ. وَفِيهَا غَزَا الْمُسْلِمُونَ الرُّومُ، فَدَامَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا، فَظَفِرَ الْمُسْلِمُونَ وَغَنِمُوا غَنِيمَةً كَثِيرَةً وَعَادُوا. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا صَاحِبُ التَّصَانِيفِ الْكَثِيرَةِ الْمَشْهُورَةِ.

стр. 3429

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ] ٢٨٢ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ ذِكْرُ النَّيْرُوزِ الْمُعْتَضِدِيِّ فِيهَا أَمَرَ الْمُعْتَضِدُ بِالْكِتَابَةِ إِلَى الْأَعْمَالِ كُلِّهَا وَالْبِلَادِ جَمِيعِهَا بِتَرْكِ افْتِتَاحِ الْخَرَاجِ فِي النَّيْرُوزِ الْعَجَمِيِّ، وَتَأْخِيرِ ذَلِكَ إِلَى الْحَادِيَ عَشَرَ مِنْ حُزَيْرَانَ، وَسَمَّاهُ النَّيْرُوزَ الْمُعْتَضِدَيَّ، وَأُنْشِئَتِ الْكُتُبُ بِذَلِكَ مِنَ الْمَوْصِلِ، وَالْمُعْتَضِدُ بِهَا وَأَرَادَ التَّرْفِيهَ عَنِ النَّاسِ، وَالرِّفْقَ بِهِمْ. ذِكْرُ قَصْدِ حَمْدَانَ، وَانْهِزَامِهِ، وَعَوْدِهِ إِلَى الطَّاعَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَتَبَ الْمُعْتَضِدُ إِلَى إِسْحَاقَ بْنِ أَيُّوبَ، وَحَمْدَانَ بْنِ حَمْدُونَ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِ، وَهُوَ فِي الْمَوْصِلِ، فَبَادَرَ إِسْحَاقُ، وَتَحَصَّنَ حَمْدَانُ بِقِلَاعِهِ، وَأَوْدَعَ أَمْوَالَهُ وَحَرَمَهُ، فَسَيَّرَ الْمُعْتَضِدُ الْجُيُوشَ نَحْوَهُ مَعَ وَصِيفٍ مُوشْكِيرَ، وَنَصْرٍ الْقُشُورِيِّ، وَغَيْرِهِمَا، فَصَادَفُوا الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ كُورَةَ وَأَصْحَابَهُ مُتَحَصِّنِينَ بِمَوْضِعٍ يُعْرَفُ بِدَيْرِ الزَّعْفَرَانِ، مِنْ أَرْضِ الْمَوْصِلِ. وَفِيهَا وَصَلَ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ بْنِ حَمْدُونَ، فَلَمَّا رَأَى الْحُسَيْنُ أَوَائِلَ الْعَسْكَرِ طَلَبَ الْأَمَانَ، فَأُمِّنَ، وَسُيِّرَ إِلَى الْمُعْتَضِدِ، وَسَلَّمَ الْقَلْعَةِ، فَأَمَرَ الْمُعْتَضِدُ بِهَدْمِهَا. وَسَارَ وَصِيفٌ فِي طَلَبِ حَمْدَانَ، وَكَانَ بِبَاسُورِينَ، فَوَاقَعَهُ وَصِيفٌ وَقَتَلَ مِنْ أَصْحَابِهِ جَمَاعَةً، وَانْهَزَمَ حَمْدَانُ فِي زَوْرَقٍ كَانَ لَهُ فِي دِجْلَةَ، وَحَمَلَ مَعَهُ مَالًا كَانَ لَهُ، وَعَبَرَ إِلَى الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ مِنْ دِجْلَةَ، فَصَارَ فِي دِيَارِ رَبِيعَةَ.

стр. 3430

وَعَبَرَ نَفَرٌ مِنَ الْجُنْدِ، فَاقْتَصُّوا أَثَرَهُ، حَتَّى أَشْرَفُوا عَلَى دَيْرٍ قَدْ نَزَلَهُ، فَلَمَّا رَآهُمْ هَرَبَ، وَتَرَكَ مَالَهُ، فَأُخِذَ وَأُتِيَ بِهِ الْمُعْتَضِدَ. وَسَارَ أُولَئِكَ فِي طَلَبِ حَمْدَانَ، فَضَاقَتْ عَلَيْهِ الْأَرْضُ، فَقَصَدَ خَيْمَةَ إِسْحَاقَ بْنِ أَيُّوبَ، وَهُوَ مَعَ الْمُعْتَضِدِ، وَاسْتَجَارَ بِهِ، فَأَحْضَرَهُ إِسْحَاقُ عِنْدَ الْمُعْتَضِدِ، فَأَمَرَ بِالِاحْتِفَاظِ بِهِ وَتَتَابَعَ رُؤَسَاءُ الْأَكْرَادِ فِي طَلَبِ الْأَمَانِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي الْمُحَرَّمِ. ذِكْرُ انْهِزَامِ هَارُونَ الْخَارِجِيِّ مِنْ عَسْكَرِ الْمَوْصِلِ كَانَ الْمُعْتَضِدُ بِاللَّهِ قَدْ خَلَّفَ بِالْمَوْصِلِ نَصْرًا الْقُشُورِيَّ يَجْبِي الْأَمْوَالَ، وَيُعِينُ الْعُمَّالَ عَلَى جِبَايَتِهَا، فَخَرَجَ عَامِلُ مَعْلَثَايَا إِلَيْهَا وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ نَصْرٍ، فَوَقَعَ عَلَيْهِمْ طَائِفَةٌ مِنَ الْخَوَارِجِ، فَاقْتَتَلُوا إِلَى أَنْ أَدْرَكَهُمُ اللَّيْلُ وَفُرِّقَ بَيْنَهُمْ، وَقُتِلَ مِنَ الْخَوَارِجِ إِنْسَانٌ اسْمُهُ جَعْفَرٌ، وَهُوَ مِنْ أَعْيَانِ أَصْحَابِ هَارُونَ، فَعَظُمَ عَلَيْهِ قَتْلُهُ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالْإِفْسَادِ فِي الْبِلَادِ. فَكَتَبَ نَصْرٌ الْقُشُورِيُّ إِلَى هَارُونَ الْخَارِجِيِّ كِتَابًا يَتَهَدَّدُهُ بِقُرْبِ الْخَلِيفَةِ، وَأَنَّهُ إِنْ هَمَّ بِهِ أَهْلَكَهُ وَأَهْلَكَ أَصْحَابَهُ، وَأَنَّهُ لَا يَغْتَرُّ بِمَنْ سَارَ إِلَى حَرْبِهِ فَعَادَ عَنْهُ بِمَكْرٍ وَخَدِيعَةٍ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ هَارُونُ كِتَابًا، مِنْهُ: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِمَّنْ أَرَادَ قَصْدِي، وَرَجَعَ عَنِّي، فَإِنَّهُمْ لَمَّا رَأَوْا جِدَّنَا، وَاجْتِهَادَنَا كَانُوا بِإِذْنِ اللَّهِ فَرَاشًا مُتَتَابِعًا، وَنَحْنُ عَلَى فَرْسَخٍ مِنْهُمْ، وَمَا غَرَّكَ، إِلَّا مَا أَصَبْتَ بِهِ صَاحِبَنَا، فَظَنَنْتَ أَنَّ دَمَهُ مَطْلُولٌ، أَوْ أَنَّ وَتَرَهُ مَتْرُوكٌ لَكَ، كَلَّا إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مِنْ وَرَائِكَ، وَآخِذٌ بِنَاصِيَتِكَ، وَمُعِينٌ عَلَى إِدْرَاكِ الْحَقِّ مِنْكَ، وَلِمَ تُعَيِّرُنَا بِغَيْرِكَ وَتَدَعُ أَنْ يَكُونَ مَكَانُ ذَلِكَ إِبْدَاءَ صَحْفَتِكَ، وَإِظْهَارَ عَدَاوَتِكَ؟ وَإِنَّا إِيَّاكَ كَمَا قِيلَ: فَلَا تُوعِدْنَا بِاللِّقَاءِ وَأَبْرِزُوا ... إِلَيْنَا سَوَادًا نَلْقَهُ بِسَوَادِ وَلَعَمْرُ اللَّهِ مَا نَدْعُو إِلَى الْبِرَازِ ثِقَةً بِأَنْفُسِنَا، وَلَا عَنْ ظَنٍّ أَنَّ الْحَوْلَ وَالْقُوَّةَ لَنَا، لَكِنْ

стр. 3431

ثِقَةً بِرَبِّنَا، وَاعْتِمَادًا عَلَى جَمِيلِ عَوَائِدِهِ عِنْدَنَا. وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَمْرِ سُلْطَانِكَ فَإِنَّ سُلْطَانَكَ لَا يَزَالُ مِنَّا قَرِيبٌ، وَبِحَالِنَا عَالِمًا، (فَلَا قَدَّمَ أَجَلًا وَلَا أَخَّرَهُ) ، وَلَا بَسَطَ رِزْقًا، وَلَا قَبَضَهُ، قَدْ بَعَثْنَا عَلَى مُقَابَلَتِكَ، وَسَتَعْلَمُ عَنْ قَرِيبٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَعَرَضَ نَصْرٌ كِتَابَ هَارُونَ عَلَى الْمُعْتَضِدِ، فَجَدَّ فِي قَصْدِهِ، وَوَلَّى الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ كَوْرَةَ الْمَوْصِلَ، وَأَمَرَهُ بِقَصْدِ الْخَوَارِجِ، وَأَمَرَ مُقَدَّمِي الْوِلَايَاتِ وَالْعُمَّالَ كَافَّةً بِطَاعَتِهِ، فَجَمَعَهُمْ، وَسَارَ إِلَى أَعْمَالِ الْمَوْصِلِ، وَخَنْدَقَ عَلَى نَفْسِهِ، وَأَقَامَ إِلَى أَنْ رَفَعَ النَّاسُ غَلَّاتِهِمْ، ثُمَّ سَارَ الْخَوَارِجُ، وَعَبَرَ الزَّابَ إِلَيْهِمْ، فَلَقِيَهُمْ قَرِيبًا مِنَ الْمُغَلَّةِ، وَتَصَافُّوا لِلْحَرْبِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَانْكَشَفَ الْخَوَارِجُ عَنْهُ لِيُفَرِّقُوا جَمْعِيَّتَهُ، ثُمَّ يَعْطِفُوا عَلَيْهِ، فَأَمَرَ الْحَسَنُ أَصْحَابَهُ بِلُزُومِ (مَوَاقِفِهِمْ، فَفَعَلُوا، فَرَجَعَ الْخَوَارِجُ، وَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ سَبْعَ عَشْرَةَ حَمْلَةً، فَانْكَشَفَتْ) مَيْمَنَةُ الْحَسَنِ، وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَثَبَتَ هُوَ، فَحَمَلَ الْخَوَارِجُ عَلَيْهِ حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَثَبَتَ لَهُمْ وَضَرَبَ عَلَى رَأْسِهِ عِدَّةَ ضَرَبَاتٍ فَلَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِ. فَلَمَّا رَأَى أَصْحَابُهُ ثَبَاتَهُ تَرَاجَعُوا إِلَيْهِ وَصَبَرُوا، (فَانْهَزَمَ الْخَوَارِجُ أَقْبَحَ هَزِيمَةٍ) ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَفَارَقُوا مَوْضِعَ الْمَعْرَكَةِ، وَدَخَلُوا أَذْرَبِيجَانَ. وَأَمَّا هَارُونُ فَإِنَّهُ تَحَيَّرَ فِي أَمْرِهِ، وَقَصَدَ الْبَرِّيَّةَ، (وَنَزَلَ عِنْدَ بَنِي تَغْلِبَ، ثُمَّ عَادَ مَعْلَثَايَا، ثُمَّ) عَادَ إِلَى الْبَرِّيَّةِ، ثُمَّ رَجَعَ عَبْرَ دِجْلَةَ إِلَى حَزَّةَ، وَعَادَ إِلَى الْبَرِّيَّةِ. وَأَمَّا وُجُوهُ أَصْحَابِهِ، فَإِنَّهُمْ لَمَّا رَأَوْا إِقْبَالَ دَوْلَةِ الْمُعْتَضِدِ وَقُوَّتَهُ، وَمَا لَحِقَهُمْ فِي هَذِهِ الْوَقْعَةِ، رَاسَلُوا الْمُعْتَضِدَ يَطْلُبُونَ الْأَمَانَ فَأَمَّنَهُمْ، فَأَتَاهُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، يَبْلُغُونَ ثَلَاثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ رَجُلًا، وَبَقِيَ مَعَهُ بَعْضُهُمْ يَجُولُ بِهِمْ فِي الْبِلَادِ، إِلَى أَنْ قُتِلَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ [وَمِائَتَيْنِ] عَلَى مَا نَذْكُرُهُ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ قُبِضَ عَلَى تَكْتِمُرَ بْنِ طَاشْتِمُرَ، وَقُيِّدَ وَأُخِذَ مَالُهُ ;

стр. 3432

(وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى) الْمَوْصِلِ، وَاسْتَعْمَلَ بَعْدَهُ عَلَيْهَا الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ الْخُرَاسَانِيَّ، وَيُعْرَفُ بِكَوْرَةَ. وَفِيهَاَ قَدِمَ ابْنُ الْجَصَّاصِ بِابْنَةِ خُمَارَوَيْهِ زَوْجَةِ الْمُعْتَضِدِ، وَمَعَهَا أَحَدُ عُمُومَتِهَا، وَكَانَ الْمُعْتَضِدُ بِالْمَوْصِلِ. وَفِيهَا عَادَ الْمُعْتَضِدُ إِلَى بَغْدَادَ، وَزُفَّتْ إِلَيْهِ ابْنَةُ خُمَارَوَيْهِ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ وَفِيهَا سَارَ الْمُعْتَضِدُ إِلَى الْجَبَلِ، فَبَلَغَ الْكَرَجَ، وَأَخَذَ أَمْوَالًا لِابْنِ أَبِي دُلَفَ، وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَطْلُبُ مِنْهُ جَوْهَرًا كَانَ عِنْدَهُ، فَوَجَّهَ بِهِ إِلَيْهِ، تَنَحَّى مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ. وَفِيهَا أُطْلِقَ لُؤْلُؤٌ غُلَامُ ابْنِ طُولُونَ، وَحُمِلَ عَلَى دَوَابَّ وَبِغَالٍ. وَفِيهَا وَجَّهَ يُوسُفُ بْنُ أَبِي السَّاجِ إِلَى الصَّيْمَرَةِ مَدَدًا الْقَلَانِسِيَّ غُلَامَ الْمُوَفَّقِ، فَهَرَبَ يُوسُفُ فِيمَنْ أَطَاعَهُ إِلَى أَخِيهِ مُحَمَّدٍ بِمَرَاغَةَ، وَلَقِيَ مَالًا لِلْمُعْتَضِدِ فَأَخَذَهُ، فَقَالَ فِي ذَلِكَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ: إِمَامَ الْهُدَى أَنْصَارُكُمْ آلُ طَاهِرٍ ... بِلَا سَبَبٍ تُخْفُونَ وَالدَّهْرُ يَذْهَبُ وَقَدْ خَلَطُوا شُكْرًا بِصَبْرٍ وَرَابَطُو ... وَغَيْرُهُمْ يُعْطِي وَيَحْبِي وَيَهْرَبُ

стр. 3433

وَفِيهَا وَجَّهَ الْمُعْتَضِدُ وَزِيرَهُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ سُلَيْمَانَ إِلَى ابْنِهِ بِالرَّيِّ وَعَادَ مِنْهَا. وَفِيهَا وُجِّهَ مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ الْعَلَوِيُّ مِنْ طَبَرِسْتَانَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ وَرْدٍ الْعَطَّارِ بِاثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ لِيُفَرِّقَهَا عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ بِبَغْدَاذَ، وَالْكُوفَةِ، وَالْمَدِينَةِ، فَسَعَى بِهِ الْمُعْتَضِدُ، فَأُحْضِرَ مُحَمَّدٌ عِنْدَ بَدْرٍ، وَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَأَقَرَّ أَنَّهُ يُوَجِّهُ إِلَيْهِ كُلَّ سَنَةٍ مِثْلَ ذَلِكَ، فَفَرَّقَهُ، وَأَنْهَى بَدْرٌ إِلَى الْمُعْتَضِدِ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ الْمُعْتَضِدُ: أَمَا تَذْكُرُ الرُّؤْيَا الَّتِي خَبَّرْتُكَ بِهَا؟ قَالَ: لَا، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ; قَالَ: رَأَيْتُ فِي النَّوْمِ كَأَنِّي أُرِيدُ نَاحِيَةَ النَّهْرَوَانِ، وَأَنَا فِي جَيْشِي، إِذْ مَرَرْتُ بِرَجُلٍ وَاقِفٍ عَلَى تَلٍّ يُصَلِّي وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَيَّ، فَعَجِبْتُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ لِي: أَقْبِلْ، فَأَقْبَلْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ لِي: أَتَعْرِفُنِي؟ قُلْتُ: لَا! قَالَ: أَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، خُذْ هَذِهِ فَاضْرِبْ بِهَا الْأَرْضَ، بِمِسْحَاةٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَخَذْتُهَا، فَضَرَبْتُ بِهَا ضَرَبَاتٍ، فَقَالَ لِي: إِنَّهُ سَيَلِي مِنْ وَالَدِكَ هَذَا الْأَمْرَ بِعَدَدِ الضَّرَبَاتِ، فَأَوْصِهِمْ بِوَلَدِي خَيْرًا. وَأَمَرَ بَدْرًا بِإِطْلَاقِ الْمَالِ وَالرَّجُلِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى صَاحِبِهِ بِطَبَرِسْتَانَ أَنْ يُوَجِّهَ مَا يُرِيدُ ظَاهِرًا، وَأَنْ يُفَرِّقَ مَا يَأْتِيهِ ظَاهِرًا، وَتَقَدَّمَ بِمَعُونَتِهِ عَلَى ذَلِكَ. (وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو طَلْحَةَ مَنْصُورُ بْنُ مُسْلِمٍ فِي حَبْسِ الْمُعْتَضِدِ) . (وَفِيهَا وَلَدَتْ جَارِيَةٌ اسْمُهَا شَغَبُ لِلْمُعْتَضِدِ وَلَدًا سَمَّاهُ جَعْفَرًا، وَهُوَ الْمُقْتَدِرُ) . وَفِيهَا قُتِلَ خُمَارَوَيْهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ، ذَبَحَهُ بَعْضُ خَدَمِهِ عَلَى فِرَاشِهِ فِي ذِي الْحِجَّةِ بِدِمَشْقَ، وَقُتِلَ مِنْ خَدَمِهِ الَّذِينَ اتُّهِمُوا نَيِّفٌ وَعِشْرُونَ نَفْسًا. وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّهُ سَعَى إِلَيْهِ بَعْضُ النَّاسِ، وَقَالَ لَهُ إِنَّ جَوَارِيَ دَارِهِ قَدِ اتَّخَذَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ خَصِيًّا مِنْ خِصْيَانِ دَارِهِ لَهَا كَالزَّوْجِ، وَقَالَ: إِنْ شِئْتَ أَنْ تَعْلَمَ صِحَّةَ ذَلِكَ فَأَحْضِرْ بَعْضَ الْجَوَارِي فَاضْرِبْهَا وَقَرِّرْهَا، حَتَّى تَعْلَمَ صِحَّةَ ذَلِكَ. فَبَعَثَ مِنْ وَقْتِهِ إِلَى نَائِبِهِ بِمِصْرَ يَأْمُرُهُ بِإِحْضَارِ عِدَّةٍ مِنَ الْجَوَارِي لِيَعْلَمَ الْحَالَ مِنْهُنَّ، فَاجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ مِنَ

стр. 3434

الْخَدَمِ، وَقَرَّرُوا بَيْنَهُمُ الِاتِّفَاقَ عَلَى قَتْلِهِ، خَوْفًا مِنْ ظُهُورِ مَا قِيلَ لَهُ، وَكَانُوا خَاصَّتَهُ، فَذَبَحُوهُ لَيْلًا وَهَرَبُوا. فَلَمَّا قُتِلَ اجْتَمَعَ الْقُوَّادُ، وَأَجْلَسُوا ابْنَهُ جَيْشَ بْنَ خُمَارَوَيْهِ فِي الْإِمَارَةِ، وَكَانَ مَعَهُ بِدِمَشْقَ، وَهُوَ أَكْبَرُ وَلَدِهِ، فَبَايَعُوهُ فَفُرِّقَتْ فِيهِمُ الْأَمْوَالُ وَكَانَ صَبِيًّا غِرًّا. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ خَالِدٍ أَبُو سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ أَخَذَ الْفِقْهَ عَنِ الْبُوَيْطِيِّ صَاحِبِ الشَّافِعِيِّ، وَالْأَدَبَ عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو حَنِيفَةَ أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ الدِّينَوَرِيُّ اللُّغَوِيُّ صَاحِبُ كِتَابِ النَّبَاتِ وَغَيْرِهِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، وَلَهُ " مُسْنَدٌ " يُرْوَى غَالِبًا فِي زَمَانِنَا هَذَا. (وَأَبُو الْعَيْنَاءِ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ، وَكَانَ يَرْوِي عَنِ الْأَصْمَعِيِّ) .

стр. 3435

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ] ٢٨٣ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ ذِكْرُ الظَّفَرِ بِهَارُونَ الْخَارِجِيِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ الْمُعْتَضِدُ إِلَى الْمَوْصِلِ بِسَبَبِ هَارُونَ الشَّارِيِّ وَظَفِرَ بِهِ. وَسَبَبُ الظَّفَرِ بِهِ أَنَّهُ وَصَلَ إِلَى تِكْرِيتَ، وَأَقَامَ بِهَا، وَأَحْضَرَ الْحُسَيْنَ بْنَ حَمْدَانَ التَّغْلِبِيَّ، وَسَيَّرَهُ فِي طَلَبِ هَارُونَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخَارِجِيِّ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْفُرْسَانِ، وَالرَّجَّالَةِ، فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: إِنْ أَنَا جِئْتُ بِهِ فَلِي ثَلَاثُ حَوَائِجَ عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ; قَالَ: اذْكُرْهَا! قَالَ إِحْدَاهُنَّ إِطْلَاقُ أَبِي، وَحَاجَتَانِ أَذْكُرُهُمَا بَعْدَ مَجِيئِي بِهِ. فَقَالَ لَهُ الْمُعْتَضِدُ: لَكَ ذَلِكَ. فَانْتَخَبَ ثَلَاثَمِائَةِ فَارِسٍ، وَسَارَ بِهِمْ، وَمَعَهُمْ وَصِيفُ بْنُ مُوشْكِيرَ، فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: تَأْمُرُهُ بِطَاعَتِي، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ. وَسَارَ بِهِمُ الْحُسَيْنُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَخَاضَةٍ فِي دِجْلَةَ، فَقَالَ الْحُسَيْنُ لِوَصِيفٍ وَلِمَنْ مَعَهُ: لِيَقِفُوا هُنَاكَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ طَرِيقٌ إِنْ هَرَبَ غَيْرُ هَذَا، فَلَا تَبْرَحُنَّ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ حَتَّى يَمُرَّ بِكُمْ فَتَمْنَعُوهُ عَنِ الْعُبُورِ، وَأَجِيءُ أَنَا، أَوْ يَبْلُغُكُمْ أَنِّي قُتِلْتُ. وَمَضَى حُسَيْنٌ فِي طَلَبِ هَارُونَ، (فَلَقِيَهُ، وَوَاقَعَهُ، وَقُتِلَ بَيْنَهُمَا قَتْلَى، وَانْهَزَمَ هَارُونُ، وَأَقَامَ وَصَيْفٌ عَلَى الْمَخَاضَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: قَدْ طَالَ مُقَامُنَا، وَلَسْنَا نَأْمَنُ أَنْ يَأْخُذَ حُسَيْنٌ الشَّارِيَّ، فَيَكُونَ لَهُ الْفَتْحُ دُونَنَا، وَالصَّوَابُ أَنْ نَمْضِيَ فِي آثَارِهِمْ. فَأَطَاعَهُمْ وَمَضَى. وَجَاءَ هَارُونَ مُنْهَزِمًا إِلَى مَوْضِعِ الْمَخَاضَةِ فَعَبَرَ، وَجَاءَ حُسَيْنٌ فِي أَثَرِهِ فَلَمْ يَرَ وَصِيفًا وَأَصْحَابَهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تَرَكَهُمْ فِيهِ، وَلَا عَرَفَ لَهُمْ خَبَرًا فَعَبَرَ فِي أَثَرِ هَارُونَ، وَجَاءَ
следующие страницы →