← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

مِنَ الْقُوَّادِ، وَخَرَجَ مُؤْنِسٌ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَلَمَّا عَلِمَ أَبُو الْهَيْجَاءِ بِذَلِكَ قَصَدَ مُؤْنِسًا مُسْتَأْمِنًا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، وَوَرَدَ مَعَهُ إِلَى بَغْدَاذَ، فَخَلَعَ الْمُقْتَدِرُ عَلَيْهِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ دَمْيَانَةُ أَمِيرُ الثُّغُورِ وَبَحْرِ الرُّومِ، وَقُلِّدَ مَكَانَهُ ابْنُ بُلْكَ. ذِكْرُ قَتَلِ الْأَمِيرِ أَبِي نَصْرٍ أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ السَّامَانِيِّ وَوِلَايَةِ وَلَدِهِ نَصْرٍ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ الْأَمِيرُ أَحْمَدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَحْمَدَ السَّامَانِيُّ صَاحِبُ خُرَاسَانَ وَمَا وَرَاءِ النَّهْرِ، وَكَانَ مُولَعًا بِالصَّيْدِ، فَخَرَجَ إِلَى فِرَبْرَ مُتَصَيِّدًا، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَمَرَ بِإِحْرَاقِ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ عَسْكَرُهُ، وَانْصَرَفَ، فَوَرَدَ عَلَيْهِ كِتَابُ نَائِبِهِ بِطَبَرِسْتَانَ، وَهُوَ أَبُو الْعَبَّاسِ صُعْلُوكٌ، وَكَانَ يَلِيهَا بَعْدَ وَفَاةِ ابْنِ نُوحٍ بِهَا، يُخْبِرُهُ بِظُهُورِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْعَلَوِيِّ الْأُطْرُوشِ بِهَا، وَتَغَلُّبِهِ عَلَيْهَا، وَأَنَّهُ أَخْرَجَهُ عَنْهَا، فَغَمَّ ذَلِكَ أَحْمَدَ، وَعَادَ إِلَى مُعَسْكَرِهِ الَّذِي أَحْرَقَهُ فَنَزَلَ عَلَيْهِ فَتَطَيَّرَ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ. وَكَانَ لَهُ أَسَدٌ يَرْبُطُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ عَلَى بَابِ مَبِيتِهِ، فَلَا يَجْسُرُ أَحَدٌ [أَنْ] يَقْرَبَهُ، فَأَغْفَلُوا إِحْضَارَ الْأَسَدِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَدَخَلَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ غِلْمَانِهِ، فَذَبَحُوهُ عَلَى سَرِيرِهِ وَهَرَبُوا، وَكَانَ قَتْلُهُ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ لِسَبْعٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِمِائَةٍ، فَحُمِلَ إِلَى بُخَارَى فَدُفِنَ بِهَا، وَلُقِّبَ حِينَئِذٍ بِالشَّهِيدِ وَطُلِبَ أُولَئِكَ الْغِلْمَانُ، فَأُخِذَ بَعْضُهُمْ فَقُتِلَ. وَوَلِيَ الْأَمْرَ بَعْدَهُ وَلَدُهُ أَبُو الْحَسَنِ نَصْرُ بْنُ أَحْمَدَ، وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِي سِنِينَ وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ ثَلَاثِينَ سَنَةً وَثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَكَانَ مَوْتُهُ فِي رَجَبٍ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَلُقِّبَ بِالسَّعِيدِ، وَبَايَعَهُ أَصْحَابُ أَبِيهِ بِبُخَارَى بَعْدَ دَفْنِ أَبِيهِ وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى ذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اللَّيْثِ، وَكَانَ مُتَوَلِّي (أَمْرِ) بُخَارَى فَحَمَلَهُ عَلَى عَاتِقِهِ، وَبَايَعَ لَهُ

стр. 3572

النَّاسَ، وَلَمَّا حَمَلَهُ خَدَمُ أَبِيهِ لِيَظْهَرَ لِلنَّاسِ خَافَهُمْ، وَقَالَ: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقْتُلُونِي كَمَا قَتَلْتُمْ أَبِي؟ فَقَالُوا: (لَا إِنَّمَا نُرِيدُ أَنْ تَكُونَ) مَوْضِعَ أَبِيكَ أَمِيرًا، فَسَكَنَ رُوعُهُ. وَاسْتَصْغَرَ النَّاسُ نَصْرًا، وَاسْتَضْعَفُوهُ، وَظَنُّوا أَنَّ أَمْرَهُ لَا يَنْتَظِمُ مَعَ قُوَّةِ عَمِّ أَبِيهِ الْأَمِيرِ إِسْحَاقَ بْنِ أَحْمَدَ، وَهُوَ شَيْخُ السَّامَانِيَّةِ، وَهُوَ صَاحِبُ سَمَرْقَنْدَ وَمَيْلُ النَّاسِ بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ سِوَى بُخَارَى إِلَيْهِ وَإِلَى أَوْلَادِهِ، وَتَوَلَّى تَدْبِيرَ دَوْلَةِ السَّعِيدِ نَصْرِ بْنِ أَحْمَدَ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْجَيْهَانِيُّ، فَأَمْضَى الْأُمُورَ وَضَبَطَ الْمَمْلَكَةَ، وَاتَّفَقَ هُوَ وَحَشَمُ نَصْرِ بْنِ أَحْمَدَ عَلَى تَدْبِيرِ الْأَمْرِ فَأَحْكَمُوهُ وَمَعَ هَذَا، فَإِنَّ أَصْحَابَ الْأَطْرَافِ طَمِعُوا فِي الْبِلَادِ، فَخَرَجُوا مِنَ النَّوَاحِي عَلَى مَا نَذْكُرُهُ. فَمِمَّنْ خَرَجَ عَنْ طَاعَتِهِ أَهْلُ سِجِسْتَانَ، وَعَمُّ أَبِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَسَدٍ بِسَمَرْقَنْدَ، وَابْنَاهُ مَنْصُورٌ وَإِلْيَاسُ ابْنَا إِسْحَاقَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مَتٍّ، وَأَبُو الْحَسَنِ بْنُ يُوسُفَ، وَالْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْمَرْوَرُوذِيُّ، (وَمُحَمَّدُ بْنُ حَيْدٍ) وَأَحْمَدُ بْنُ سَهْلٍ، وَلَيْلَى بْنُ نُعْمَانَ صَاحِبُ الْعَلَوِيِّينَ بِطَبَرِسْتَانَ، وَوَقَّعَهُ سِيمَجُورُ مَعَ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ النَّاصِرِ، وَقُرَاتِكِينَ، (وَمَاكَانَ بْنُ كَالِيَّ) وَخَرَجَ عَلَيْهِ إِخْوَتُهُ يَحْيَى وَمَنْصُورٌ وَإِبْرَاهِيمُ، أَوْلَادُ أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَجَعْفَرُ (بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ) ، وَابْنُ دَاوُدَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِلْيَاسَ، وَنَصْرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَتٍّ، وَمَرْدَاوِيجُ وَوَشْمَكِيرُ ابْنَا زَيَّارَ، وَكَانَ السَّعِيدُ مُظَفَّرًا مَنْصُورًا عَلَيْهِمْ.

стр. 3573

ذِكْرُ أَمْرِ سِجِسْتَانَ وَلَمَّا قُتِلَ الْأَمِيرُ أَحْمَدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ خَالَفَ أَهْلُ سِجِسْتَانَ عَلَى وَلَدِهِ نَصْرٍ وَانْصَرَفَ عَنْهَا سِيمَجُورُ الدَّوَاتِيُّ، فَوَلَّاهَا الْمُقْتَدِرُ بِاللَّهِ بَدْرًا الْكَبِيرَ، فَأَنْفَذَ إِلَيْهَا الْفَضْلَ بْنَ حُمَيْدٍ، وَأَبَا يَزِيدَ خَالِدَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيَّ، وَكَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الْجَيْهَانِيُّ بِبُسْتَ، وَالرُّخَّجِ، وَسَعْدٌ الطَّالْقَانِيُّ بِغَزْنَةَ مِنْ جِهَةِ السَّعِيدِ نَصْرِ بْنِ أَحْمَدَ، فَقَصَدَهُمَا الْفَضْلُ وَخَالِدٌ، وَانْكَشَفَ عَنْهُمَا عُبَيْدُ اللَّهِ، وَقَبَضَا عَلَى سَعْدٍ الطَّالْقَانِيُّ وَأَنْفَذَاهُ إِلَى بَغْدَاذَ، وَاسْتَوْلَى الْفَضْلُ وَخَالِدٌ عَلَى غَزْنَةَ وَبُسْتَ ثُمَّ اعْتَلَّ الْفَضْلُ، وَانْفَرَدَ خَالِدٌ بِالْأُمُورِ، وَعَصَى عَلَى الْخَلِيفَةِ، فَأَنْفَذَ إِلَيْهِ دَرَكًا أَخَا نَجَحٍ الطُّولُونِيِّ، فَقَاتَلَهُ فَهَزَمَهُ خَالِدٌ. وَسَارَ خَالِدٌ إِلَى كَرْمَانَ، فَأَنْفَذَ إِلَيْهِ بَدْرٌ جَيْشًا، فَقَاتَلَهُمْ خَالِدٌ، فَجُرِحَ، وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ، وَأُخِذَ هُوَ أَسِيرًا، فَمَاتَ، فَحُمِلَ رَأْسُهُ إِلَى بَغْدَاذَ. ذِكْرُ خُرُوجِ إِسْحَاقَ بْنِ أَحْمَدَ وَابْنِهِ إِلْيَاسَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَهِيَ إِحْدَى وَثَلَاثِمِائَةٍ، خَرَجَ عَلَى السَّعِيدِ نَصْرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَمُّ أَبِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَسَدٍ وَابْنُهُ إِلْيَاسُ، وَكَانَ إِسْحَاقُ بِسَمَرْقَنْدَ لَمَّا قُتِلَ أَحْمَدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، وَوَلِيَ ابْنُهُ نَصْرُ بْنُ أَحْمَدَ، فَلَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ عَصَى بِهَا، وَقَامَ ابْنُهُ إِلْيَاسُ يَأْمُرُ الْجَيْشَ، وَقَوِيَ أَمْرُهُمَا، فَسَارُوا نَحْوَ بُخَارَى، فَسَارَ إِلَيْهِ حَمُّوَيْهِ بْنُ عَلِيٍّ فِي عَسْكَرٍ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ إِسْحَاقُ إِلَى سَمَرْقَنْدَ، ثُمَّ جَمَعَ وَعَادَ مَرَّةً ثَانِيَةً، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ إِسْحَاقُ أَيْضًا، وَتَبِعَهُ حَمُّوَيْهِ إِلَى سَمَرْقَنْدَ فَمَلَكَهَا قَهْرًا. (وَاخْتَفَى إِسْحَاقُ، وَطَلَبَهُ حَمُّوَيْهِ) ، وَوَضَعَ عَلَيْهِ الْعُيُونَ وَالرَّصَدَ، فَضَاقَ بِإِسْحَاقَ

стр. 3574

مَكَانُهُ، فَأَظْهَرَ نَفْسَهُ، وَاسْتَأْمَنَ إِلَى حَمُّوَيْهِ فَأَمَّنَهُ وَحَمَلَهُ إِلَى بُخَارَى فَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنْ مَاتَ. وَأَمَّا ابْنُهُ إِلْيَاسُ فَإِنَّهُ سَارَ إِلَى فَرْغَانَةَ، وَبَقِيَ بِهَا إِلَى أَنْ خَرَجَ ثَانِيًا. ذِكْرُ ظُهُورِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْأُطْرُوشِ وَفِيهَا اسْتَوْلَى الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَى طَبَرِسْتَانَ، وَكَانَ يُلَقَّبُ بِالنَّاصِرِ. وَكَانَ سَبَبُ ظُهُورِهِ مَا نَذْكُرُهُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ عِصْيَانَ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَهَرَبَهُ مِنْهُ، وَغَيْرَ ذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّ الْأَمِيرَ أَحْمَدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ اسْتَعْمَلَ عَلَى طَبَرِسْتَانَ أَبَا الْعَبَّاسِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ نُوحٍ، فَأَحْسَنَ فِيهِمُ السِّيرَةَ، وَعَدَلَ فِيهِمْ، وَأَكْرَمَ مَنْ بِهَا مِنَ الْعَلَوِيِّينَ، وَبَالَغَ فِي الْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، وَرَاسَلَ رُؤَسَاءَ الدَّيْلَمِ، وَهَادَاهُمْ، وَاسْتَمَالَهُمْ. وَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْأُطْرُوشُ قَدْ دَخَلَ الدَّيْلَمَ بَعْدَ قَتْلِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، وَأَقَامَ بَيْنَهُمْ نَحْوَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَيَقْتَصِرُ مِنْهُمْ عَلَى الْعُشْرِ، وَيُدَافِعُ عَنْهُمُ ابْنُ حَسَّانَ مَلِكُهُمْ فَأَسْلَمَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، وَبَنَى فِي بِلَادِهِمْ، (مَسَاجِدَ. وَكَانَ لِلْمُسْلِمِينَ بِإِزَائِهِمْ) ثُغُورٌ مِثْلُ: قَزْوِينُ، وَسَالُوسُ، وَغَيْرُهُمَا وَكَانَ بِمَدِينَةِ سَالُوسَ حِصْنٌ مَنِيعٌ قَدِيمٌ، فَهَدَمَهُ الْأُطْرُوشُ حِينَ أَسْلَمَ الدَّيْلَمُ وَالْجِيلُ، ثُمَّ إِنَّهُ جَعَلَ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْخُرُوجِ مَعَهُ إِلَى طَبَرِسْتَانَ، فَلَا يُجِيبُونَهُ إِلَى ذَلِكَ لِإِحْسَانِ ابْنِ نُوحٍ، فَاتَّفَقَ أَنَّ الْأَمِيرَ أَحْمَدَ عَزَلَ ابْنَ نُوحٍ عَنْ طَبَرِسْتَانَ وَوَلَّاهُمَا سَلَّامًا، فَلَمْ يُحْسِنْ سِيَاسَةَ أَهْلِهَا، وَهَاجَ عَلَيْهِ الدَّيْلَمُ، فَقَاتَلَهُمْ وَهَزَمَهُمْ، وَاسْتَقَالَ عَنْ وِلَايَتِهَا، فَعَزَلَهُ الْأَمِيرُ أَحْمَدُ، وَأَعَادَ إِلَيْهَا ابْنَ نُوحٍ، فَصَلَحَتِ الْبِلَادُ مَعَهُ.

стр. 3575

ثُمَّ إِنَّهُ مَاتَ بِهَا، وَاسْتُعْمِلَ عَلَيْهَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ صُعْلُوكٌ، فَغَيَّرَ رُسُومَ ابْنَ نُوحٍ، (وَأَسَاءَ السِّيرَةَ، وَقَطَعَ عَنْ رُؤَسَاءَ الدَّيْلَمِ مَا كَانَ يُهْدِيهِ إِلَيْهِمُ ابْنُ نُوحٍ) ، فَانْتَهَزَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْفُرْصَةَ، وَهَيَّجَ الدَّيْلَمَ عَلَيْهِ وَدَعَاهُمْ إِلَى الْخُرُوجِ مَعَهُ، فَأَجَابُوهُ وَخَرَجُوا مَعَهُ، وَقَصَدَهُمْ صُعْلُوكٌ فَالْتَقَوْا بِمَكَانٍ يُسَمَّى نَوْرُوزَ وَهُوَ عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ، عَلَى يَوْمٍ مِنْ سَالُوسَ، فَانْهَزَمَ ابْنُ صُعْلُوكٍ، وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ نَحْوُ أَرْبَعَةِ آلَافِ رَجُلٍ، وَحَصَرَ الْأُطْرُوشُ الْبَاقِينَ ثُمَّ أَمَّنَهُمْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ، فَخَرَجُوا إِلَيْهِ، فَأَمَّنَهُمْ وَعَادَ عَنْهُمْ إِلَى آمُلَ وَانْتَهَى إِلَيْهِمُ الْحَسَنُ بْنُ الْقَاسِمِ الدَّاعِي الْعَلَوِيُّ، وَكَانَ خَتَنَ الْأُطْرُوشِ، فَقَتَلَهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَمَّنَهُمْ، وَلَا عَاهَدَهُمْ وَاسْتَوْلَى الْأُطْرُوشُ عَلَى طَبَرِسْتَانَ. وَخَرَجَ صُعْلُوكٌ إِلَى الرَّيِّ، وَذَلِكَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِمِائَةٍ، ثُمَّ سَارَ مِنْهَا إِلَى بَغْدَاذَ وَكَانَ الْأُطْرُوشُ قَدْ أَسْلَمَ عَلَى يَدِهِ (مِنَ الدَّيْلَمِ) الَّذِينَ هُمْ وَرَاءَ أَسْفِيدَرُوذَ إِلَى نَاحِيَةِ آمُلَ، وَهُمْ يَذْهَبُونَ مَذْهَبَ الشِّيعَةِ. وَكَانَ الْأُطْرُوشُ زِيْدِيَّ الْمَذْهَبِ، شَاعِرًا مُفُلِّقًا، ظَرِيفًا، عَلَّامَةً، إِمَامًا فِي الْفِقْهِ وَالدِّينِ، كَثِيرَ الْمُجُونِ، حَسَنَ النَّادِرَةِ. حُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ عَلَى جُرْجَانَ، وَكَانَ يُرْمَى بِالْأُبْنَةِ، فَاسْتَعْجَزَهُ الْحَسَنُ يَوْمًا فِي شُغْلٍ لَهُ وَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ! أَنَا أَحْتَاجُ إِلَى رِجَالٍ أَجْلَادٍ يُعِينُونَنِي، فَقَالَ: قَدْ بَلَغَنِي ذَلِكَ. وَكَانَ سَبَبُ صَمَمِهِ أَنَّهُ ضُرِبَ عَلَى رَأْسِهِ بِسَيْفٍ فِي حَرْبِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ فَطَرِشَ، وَكَانَ لَهُ مِنَ الْأَوْلَادِ أَبُو الْحَسَنِ، وَأَبُو الْقَاسِمِ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ، فَقَالَ: يَوْمًا لِابْنِهِ أَبِي

стр. 3576

الْحَسَنِ: يَا بُنَيَّ! هَاهُنَا شَيْءٌ مِنَ الْغِرَاءِ نَلْصِقُ بِهِ كَاغِدًا؟ فَقَالَ: لَا، إِنَّمَا هَاهُنَا بِالْخَاءِ، فَحَقَدَهَا عَلَيْهِ، وَلَمْ يُوَلِّهِ شَيْئًا، وَوَلَّى ابْنَيْهِ أَبَا الْقَاسِمِ، وَأَبَا الْحُسَيْنِ، وَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ يُنْكِرُ تَرْكَهُ مَعْزُولًا، وَيَقُولُ: أَنَا أَشْرَفُ مِنْهُمَا لِأَنَّ أُمِّي حَسَنِيَّةٌ، وَأُمَّهُمَا أَمَةٌ. وَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ شَاعِرًا، وَلَهُ مُنَاقَضَاتٌ مَعَ ابْنِ الْمُعْتَزِّ، وَلَحِقَ أَبُو الْحَسَنِ بِابْنِ أَبِي السَّاجِ، (فَخَرَجَ مَعَهُ يَوْمًا مُتَصَيِّدًا، فَسَقَطَ عَنْ دَابَّتِهِ فَبَقِيَ رَاجِلًا، فَمَرَّ بِهِ ابْنُ أَبِي السَّاجِ) فَقَالَ لَهُ: ارْكَبْ مَعِي عَلَى دَابَّتِي! فَقَالَ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ لَا يَصْلُحُ بَطَلَانِ عَلَى دَابَّةٍ. ذِكْرُ الْقَرَامِطَةِ وَقَتْلِ الْجَنَّابِيِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ أَبُو سَعِيدٍ الْحَسَنُ بْنُ بَهْرَامَ الْجَنَّابِيُّ كَبِيرُ الْقَرَامِطَةِ قَتَلَهُ خَادِمٌ لَهُ صَقْلَبِيٌّ فِي الْحَمَّامِ، فَلَمَّا قَتَلَهُ اسْتَدْعَى رَجُلًا مِنْ أَكَابِرِ رُؤَسَائِهِمْ وَقَالَ لَهُ: السَّيِّدُ يَسْتَدْعِيكَ، فَلَمَّا دَخَلَ قَتَلَهُ، فَفَعَلَ ذَلِكَ بِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ، (مِنْ رُؤَسَائِهِمْ) ، وَاسْتَدْعَى الْخَامِسَ، فَلَمَّا دَخَلَ فَطِنَ لِذَلِكَ، فَأَمْسَكَ بِيَدِ الْخَادِمِ وَصَاحَ، فَدَخَلَ النَّاسُ، وَصَاحَ النِّسَاءُ، وَجَرَى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْخَادِمِ مُنَاظَرَاتٌ ثُمَّ قَتَلُوهُ. وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ قَدْ عَهِدَ إِلَى ابْنِهِ سَعِيدٍ، وَهُوَ الْأَكْبَرُ، فَعَجَزَ عَنِ الْأَمْرِ، فَغَلَبَهُ أَخُوهُ الْأَصْغَرُ أَبُو طَاهِرٍ سُلَيْمَانُ، وَكَانَ شَهْمًا شُجَاعًا، وَيَرِدُ مِنْ أَخْبَارِهِ مَا يُعْلَمُ بِهِ مَحَلُّهُ.

стр. 3577

وَلَمَّا قُتِلَ أَبُو سَعِيدٍ كَانَ قَدِ اسْتَوْلَى عَلَى هَجَرَ وَالْإِحْسَاءِ وَالْقَطِيفِ وَالطَّائِفِ، وَسَائِرِ بِلَادِ الْبَحْرَيْنِ، وَكَانَ الْمُقْتَدِرُ قَدْ كَتَبَ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ كِتَابًا لَيِّنًا فِي مَعْنَى مَنْ عِنْدَهُ مِنْ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ، وَيُنَاظِرُهُ، وَيُقِيمُ الدَّلِيلَ عَلَى فَسَادِ مَذْهَبِهِ، وَنَفَّذَهُ مَعَ الرُّسُلِ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى الْبَصْرَةِ بَلَغَهُمْ خَبَرُ مَوْتِهِ فَأَعْلَمُوا الْخَلِيفَةَ بِذَلِكَ، فَأَمَرَهُمْ بِالْمَسِيرِ إِلَى وَلَدِهِ، فَأَتَوْا أَبَا طَاهِرٍ بِالْكِتَابِ فَأَكْرَمَ الرُّسُلَ، وَأَطْلَقَ الْأَسْرَى، وَنَفَّذَهُمْ إِلَى بَغْدَاذَ، وَأَجَابَ عَنِ الْكِتَابِ. ذِكْرُ مَسِيرِ جَيْشِ الْمَهْدِيِّ إِلَى مِصْرَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ جَهَّزَ الْمَهْدِيُّ الْعَسَاكِرَ مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ، وَسَيَّرَهَا مَعَ وَلَدِهِ أَبِي الْقَاسِمِ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فَسَارُوا إِلَى بُرْقَةَ، وَاسْتَوْلَوْا عَلَيْهَا فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَسَارُوا إِلَى مِصْرَ، فَمَلَكَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ وَالْفَيُّومَ، وَصَارَ فِي يَدِهِ أَكْثَرُ الْبِلَادِ، وَضَيَّقَ عَلَى أَهْلِهَا، فَسَيَّرَ إِلَيْهَا الْمُقْتَدِرُ بِاللَّهِ مُؤْنِسًا الْخَادِمَ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ فَحَارَبَهُمْ وَأَجْلَاهُمْ عَنْ مِصْرَ، فَعَادُوا إِلَى الْمَغْرِبِ مَهْزُومِينَ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَثُرَتِ الْأَمْرَاضُ الدَّمَوِيَّةُ، وَمَاتَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ وَأَكْثَرُهُمْ بِالْحَرْبِيَّةِ، فَإِنَّهَا أُغْلِقَتْ بِهَا دُورٌ كَثِيرَةٌ لِفَنَاءِ أَهْلِهَا.

стр. 3578

[الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْفِرْيَابِيُّ بِبَغْدَاذَ، وَالْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ الثَّقَفِيُّ.

стр. 3579

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِمِائَة] ٣٠٢ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِمِائَةٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أُمِرَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى الْوَزِيرُ بِالْمَسِيرِ إِلَىِ طَرَسُوسَ لِغَزْوِ الصَّائِفَةِ فَسَارَ فِي أَلْفَيْ فَارِسٍ مَعُونَةً لِبِشْرٍ الْخَادِمِ وَالِي طَرَسُوسَ، فَلَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُمْ غَزْوُ الصَّائِفَةِ، فَغَزَوْهَا شَاتِيَةً فِي بَرْدٍ شَدِيدٍ وَثَلْجٍ. وَفِيهَا تَنَحَّى الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْأُطْرُوشُ الْعَلَوِيُّ عَنْ آمُلٍ، بَعْدَ غَلَبَتِهِ عَلَيْهَا، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَسَارَ إِلَى سَالُوسَ، وَوَجَّهَ إِلَيْهِ صُعْلُوكٌ جَيْشًا مِنَ الرَّيِّ فَلَقِيَهُمُ الْحَسَنُ، وَهَزَمَهُمْ، وَعَادَ إِلَى آمُلَ. وَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ حَسَنَ السِّيرَةِ، عَادِلًا، وَلَمْ يَرَ النَّاسُ مِثْلَهُ فِي عَدْلِهِ وَحُسْنِ سِيرَتِهِ، وَإِقَامَتِهِ الْحَقَّ، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ مِسْكَوَيْهِ فِي كِتَابِ " تَجَارِبِ الْأُمَمِ " فَقَالَ: الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الدَّاعِي، وَلَيْسَ بِهِ، إِنَّمَا الدَّاعِي عَلِيُّ بْنُ الْقَاسِمِ، وَهُوَ خَتَنُ هَذَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ. وَفِيهَا قَبَضَ الْمُقْتَدِرُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ الْجَصَّاصِ الْجَوْهَرِيِّ، وَأَخَذَ مَا فِي بَيْتِهِ مِنْ صُنُوفِ الْأَمْوَالِ، وَكَانَ قِيمَتُهُ أَرْبَعَةَ آلَافِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَكَانَ هُوَ يَدَّعِي أَنَّ قِيمَةَ مَا أُخِذَ مِنْهُ عِشْرُونَ أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ وَأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ.

стр. 3580

ذِكْرُ مُخَالِفَةِ مَنْصُورِ بْنِ إِسْحَاقَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَالَفَ مَنْصُورُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَسَدٍ عَلَى الْأَمِيرِ نَصْرِ بْنِ أَحْمَدَ، وَوَافَقَهُ عَلَى الْمُخَالَفَةِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْمَرْوَرُوذِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَيْدٍ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ لَمَّا افْتَتَحَ سِجِسْتَانَ، الدُّفْعَةَ الْأُولَى عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، لِلْأَمِيرِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ طَمِعَ أَنْ يَتَوَلَّاهَا، فَوَلِيَهَا الْمَنْصُورُ بْنُ إِسْحَاقَ هَذَا، (فَخَالَفَ أَهْلُهَا، وَحَبَسُوا مَنْصُورًا، فَأَنْفَذَ الْأَمِيرُ أَحْمَدُ عَلِيًّا أَيْضًا) ، فَافْتَتَحَهَا ثَانِيًا، وَطَمِعَ أَنْ يَتَوَلَّاهَا فَوَلِيَهَا سِيمَجُورُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا جَمِيعَهُ. فَلَمَّا وَلِيَهَا سِيمَجُورُ اسْتَوْحَشَ عَلِيٌّ لِذَلِكَ، وَنَفَرَ مِنْهُ، وَتَحَدَّثَ مَعَ مَنْصُورِ بْنِ إِسْحَاقَ فِي الْمُوَافَقَةِ وَالتَّعَاضُدِ بَعْدَ مَوْتِ الْأَمِيرِ أَحْمَدَ، وَتَكُونُ إِمَارَةُ خُرَاسَانَ لِمَنْصُورٍ، وَيَكُونُ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ خَلِيفَتَهُ عَلَى أَعْمَالِهِ، فَاتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ فَلَمَّا قُتِلَ الْأَمِيرُ أَحْمَدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ كَانَ مَنْصُورُ بْنُ إِسْحَاقَ بِنَيْسَابُورَ، (وَالْحُسَيْنُ بِهَرَاةَ، فَأَظْهَرَ الْحُسَيْنُ الْعِصْيَانَ، وَسَارَ إِلَى مَنْصُورٍ يَحُثُّهُ عَلَى مَا كَانَ اتَّفَقَا عَلَيْهِ، فَخَالَفَ أَيْضًا، وَخُطِبَ لِمَنْصُورٍ بِنَيْسَابُورَ فَتَوَجَّهَ إِلَيْهَا مِنْ بُخَارَى حَمُّوَيْهِ بْنُ عَلِيٍّ فِي عَسْكَرٍ ضَخْمٍ لِمُحَارَبَتِهِمَا، فَاتَّفَقَ أَنَّ مَنْصُورًا مَاتَ، فَقِيلَ إِنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ سَمَّهُ، فَلَمَّا قَارَبَهُ حَمُّوَيْهِ سَارَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ نَيْسَابُورَ إِلَى هَرَاةَ وَأَقَامَ بِهَا. وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ حَيْدٍ (عَلَى شُرْطَةِ) بُخَارَى مُدَّةً طَوِيلَةً، فَسَيَّرَ مِنْ بُخَارَى إِلَى نَيْسَابُورَ لِشُغْلٍ يَقُومُ بِهِ، فَوَرَدَهَا، ثُمَّ عَادَ عَنْهَا بِغَيْرِ أَمْرٍ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ مِنْ بُخَارَى بِالْإِنْكَارِ عَلَيْهِ، فَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ، فَعَدَلَ عَنِ الطَّرِيقِ إِلَى الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ بِهَرَاةَ، فَسَارَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ مِنْ هَرَاةَ إِلَى نَيْسَابُورَ، وَاسْتَخْلَفَ بِهَرَاةَ أَخَاهُ مَنْصُورَ بْنَ عَلِيٍّ، وَاسْتَوْلَى

стр. 3581

عَلَى نَيْسَابُورَ، فَسُيِّرَ مِنْ بُخَارَى إِلَيْهِ أَحْمَدُ بْنُ سَهْلٍ لِمُحَارَبَتِهِ، فَابْتَدَأَ أَحْمَدُ بِهَرَاةَ فَحَصَرَهَا وَأَخَذَهَا، وَاسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ مَنْصُورُ بْنُ عَلِيٍّ. وَسَارَ أَحْمَدُ مِنْ هَرَاةَ إِلَى نَيْسَابُورَ، وَكَانَ وُصُولُهُ إِلَيْهَا فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِمِائَةٍ، فَنَازَلَ الْحُسَيْنَ، وَحَصَرَهُ، وَقَاتَلَهُ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ الْحُسَيْنِ، وَأُسِرَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَأَقَامَ أَحْمَدُ بْنُ سَهْلٍ بِنَيْسَابُورَ. وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ نَذْكُرَ اسْتِيلَاءَ أَحْمَدَ عَلَى نَيْسَابُورَ، وَأَسْرَ الْحُسَيْنِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِمِائَةٍ، لَكِنْ رَأَيْنَا أَنْ نَجْمَعَ سِيَاقَ الْحَادِثَةِ لِئَلَّا يُنْسَى أَوَّلُهَا. وَأَمَّا ابْنُ حَيْدٍ فَإِنَّهُ كَانَ بِمَرْوَ، فَلَمَّا بَلَغَهُ اسْتِيلَاءُ أَحْمَدَ بْنِ سَهْلٍ عَلَى نَيْسَابُورَ، وَأَسْرُهُ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ، سَارَ إِلَيْهِ فَقَبَضَ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَأَخَذَ مَالَهُ وَسَوَادَهُ، وَسَيَّرَهُ وَالْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ إِلَى بُخَارَى، فَأَمَّا ابْنُ حَيْدٍ فَإِنَّهُ سُيِّرَ إِلَى خُوَارِزْمَ فَمَاتَ بِهَا. وَأَمَّا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ فَإِنَّهُ حُبِسَ بِبُخَارَى إِلَى أَنْ خَلَّصَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجَيْهَانِيُّ وَعَادَ إِلَى خِدْمَةِ الْأَمِيرِ نَصْرِ بْنِ أَحْمَدَ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَوْمًا عِنْدَهُ إِذْ طَلَبَ الْأَمِيرُ نَصْرٌ مَاءً، فَأُتِيَ بِمَاءٍ فِي كُوزٍ غَيْرِ حَسَنِ الصَّنْعَةِ، فَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ لِأَحْمَدَ (بْنِ حَمُّوَيْهِ، وَكَانَ حَاضِرًا: أَلَا يُهْدِي وَالِدُكَ) [إِلَى] الْأَمِيرِ مِنْ نَيْسَابُورَ مِنْ هَذِهِ الْكِيزَانِ اللِّطَافِ النِّظَافِ؟ فَقَالَ أَحْمَدُ: إِنَّمَا يُهْدِي أَبِي إِلَى الْأَمِيرِ مِثْلَكَ وَمِثْلَ أَحْمَدَ بْنِ سَهْلٍ، وَمِثْلَ لَيْلَى الدَّيْلِمِيِّ، لَا الْكِيزَانَ، فَأَطْرَقَ الْحُسَيْنُ مُفْحَمًا، وَأَعْجَبَ نَصْرًا قَوْلُهُ. ذِكْرُ خَبَرِ مِصْرَ مَعَ الْعَلَوِيِّ الْمَهْدِيِّ وَفِيهَا أَنْفَذَ أَبُو مُحَمَّدٍ عُبَيْدُ اللَّهِ الْعَلَوِيُّ الْمُلَقَّبُ بِالْمَهْدِيِّ جَيْشًا مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ مَعَ قَائِدٍ مِنْ قُوَّادِهِ يُقَالُ لَهُ حَبَاسَةُ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، فَغَلَبَ عَلَيْهَا. وَكَانَ مَسِيرُهُ فِي الْبَحْرِ، ثُمَّ سَارَ مِنْهَا إِلَى مِصْرَ، فَنَزَلَ بَيْنَ مِصْرَ وَالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْمُقْتَدِرَ، فَأَرْسَلَ مُؤْنِسًا الْخَادِمَ فِي عَسْكَرٍ إِلَى مِصْرَ لِمُحَارَبَةِ حَبَاسَةَ وَأَمَدَّهُ بِالسِّلَاحِ وَالْمَالِ، فَسَارَ إِلَيْهَا، فَالْتَقَى الْعَسْكَرَانِ فِي جُمَادَى الْأُولَى، فَاقْتَتَلُوا (قِتَالًا شَدِيدًا) فَقُتِلَ

стр. 3582

مِنَ الْفَرِيقَيْنِ جَمْعٌ كَثِيرٌ، وَجُرِحَ مِثْلُهُمْ، ثُمَّ كَانَ بَيْنَهُمْ وَقْعَةٌ أُخْرَى بِنَحْوِهَا، ثُمَّ وَقْعَةٌ ثَالِثَةٌ وَرَابِعَةٌ، فَانْهَزَمَ فِيهَا الْمَغَارِبَةُ أَصْحَابُ الْعَلَوِيِّ، وَقُتِلُوا، وَأُسِرُوا، فَكَانَ مَبْلَغُ الْقَتْلَى سَبْعَةَ آلَافٍ مَعَ الْأَسْرَى وَهَرَبَ الْبَاقُونَ. وَكَانَتْ هَذِهِ الْوَقْعَةُ سَلْخَ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَعَادُوا إِلَى الْغَرْبِ، فَلَمَّا (وَصَلُوا إِلَى الْغَرْبِ) قَتَلَ الْمَهْدِيُّ حَبَاسَةَ. وَفِيهَا خَالَفَ عَرُوبَةُ بْنُ يُوسُفَ الْكُتَامِيُّ عَلَى الْمَهْدِيِّ بِالْقَيْرَوَانِ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ كُتَامَةَ وَالْبَرَابِرِ، فَأَخْرَجَ الْمَهْدِيُّ إِلَيْهِمْ مَوْلَاهُ غَالِبًا، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا فِي مَحْضَرِ الْقَيْرَوَانِ، فَقُتِلَ عَرُوبَةُ وَبَنُو عَمِّهِ، وَقُتِلَ مَعَهُمْ عَالَمٌ لَا يُحْصَوْنَ، وَجُمِعَتْ رُءُوسُ مُقَدَّمِيهِمْ فِي قُفَّةٍ وَحُمِلَتْ إِلَى الْمَهْدِيِّ، فَقَالَ: مَا أَعْجَبَ أُمُورَ الدُّنْيَا! قَدْ جَمَعَتْ هَذِهِ الْقُفَّةُ رُءُوسَ هَؤُلَاءِ، وَقَدْ كَانَ يَضِيقُ بِعَسَاكِرِهِمْ فَضَاءُ الْمَغْرِبِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِيهَا غَزَا بِشْرٌ الْخَادِمُ وَالِي طَرَسُوسَ بِلَادَ الرُّومِ، فَفَتَحَ فِيهَا وَغَنِمَ وَسَبَى، وَأَسَرَ مِائَةً وَخَمْسِينَ بِطْرِيقًا، وَكَانَ السَّبْيُ نَحْوًا مِنْ أَلْفَيْ رَأْسٍ. وَفِيهَا أَوْقَعَ مُؤْنِسٌ الْخَادِمُ بِنَاحِيَةِ وَادِي الذِّئَابِ بِمَنْ هُنَالِكَ مِنَ الْأَعْرَابِ مِنْ بَنِي شَيْبَانَ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَنَهَبَ بُيُوتَهُمْ فَأَصَابَ فِيهَا مِنْ أَمْوَالِ التُّجَّارِ الَّتِي كَانُوا أَخَذُوهَا بِقَطْعِ الطَّرِيقِ مَا لَا يُحْصَى.

стр. 3583

(وَفِيهَا فِي ذِي الْحِجَّةِ مَاتَتْ بِدْعَةُ الْمُغَنِّيَةُ، مَوْلَاةُ عَرِيبٍ مَوْلَى الْمَأْمُونِ) . وَفِيهَا، فِي ذِي الْحِجَّةِ، خَرَجَتِ الْأَعْرَابُ مِنَ الْحَاجِرِ عَلَى الْحُجَّاجِ، فَقَطَعُوا عَلَيْهِمُ الطَّرِيقَ، وَأَخَذُوا مِنَ الْعَيْنِ وَمَا مَعَهُمْ مِنَ الْأَمْتِعَةِ وَالْجِمَالِ مَا أَرَادُوا، وَأَخَذُوا مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ امْرَأَةً، وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ الْفَضْلُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَفِيهَا قَلَّدَ أَبُو الْهَيْجَاءِ عَبْدُ اللَّهِ بْنَ حَمْدَانَ الْمَوْصِلَ. وَفِيهَا مَاتَ الشَّاهُ بْنُ مِيكَالَ. وَفِيهَا، فِي لَيْلَةِ الْأَضْحَى، انْقَضَّ ثَلَاثَةُ كَوَاكِبَ اثْنَانِ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَوَاحِدٌ آخِرَهُ سِوَى كَوَاكِبَ صِغَارٍ كَثِيرَةٍ. وَإِلَى (آخِرِ هَذِهِ السَّنَةِ) انْتَهَى تَارِيخُ أَبِي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ ﵀، وَرَأَيْتُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ إِلَى آخِرِ سَنَةِ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَقِيلَ إِنَّ سَنَةَ ثَلَاثٍ هِيَ زِيَادَةٌ فِيهِ، وَلَيْسَ مِنْ تَارِيخِ الطَّبَرَيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 3584

[الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي حَسَّانَ الْأَنْمَاطِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، وَأَبُو عِيسَى بْنُ الْعَرَّادِ، وَأَبُو الْعَبَّاسِ الْبَرَّانِيُّ، وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرِ بْنِ بَسَّامٍ الشَّاعِرُ وَلَهُ نَيِّفٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً.

стр. 3585

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ] ٣٠٣ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ ذِكْرُ أَمْرِ الْحُسَيْنِ بْنِ حَمْدَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ بِالْجَزِيرَةِ عَنْ طَاعَةِ الْمُقْتَدِرِ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَزِيرَ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى طَالَبَهُ بِمَالٍ عَلَيْهِ مِنْ دِيَارِ رَبِيعَةَ، وَهُوَ يَتَوَلَّاهَا، فَدَافَعَهُ، فَأَمَرَهُ بِتَسْلِيمِ الْبِلَادِ إِلَى عُمَّالِ السُّلْطَانِ، فَامْتَنَعَ. وَكَانَ مُؤْنِسٌ الْخَادِمُ غَائِبًا بِمِصْرَ لِمُحَارَبَةِ عَسْكَرِ الْمَهْدِيِّ الْعَلَوِيِّ، صَاحِبِ إِفْرِيقِيَّةَ، فَجَهَّزَ الْوَزِيرُ رَائِقًا الْكَبِيرَ فِي جَيْشٍ وَسَيَّرَهُ إِلَى الْحُسَيْنِ بْنِ حَمْدَانَ. وَكَتَبَ إِلَى مُؤْنِسٍ يَأْمُرُهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى دِيَارِ الْجَزِيرَةِ لِقِتَالِ الْحُسَيْنِ، بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ أَصْحَابِ الْعَلَوِيِّ، فَسَارَ رَائِقٌ إِلَى الْحُسَيْنِ بْنِ حَمْدَانَ. (وَجَمَعَ لَهُمُ الْحُسَيْنُ نَحْوَ عِشْرِينَ) أَلْفَ فَارِسٍ، وَسَارَ إِلَيْهِمْ فَوَصَلَ إِلَى الْحَبَشَةِ وَهُمْ قَدْ قَارَبُوهَا، فَلَمَّا رَأَوْا كَثْرَةَ جَيْشِهِ عَلِمُوا عَجْزَهُمْ عَنْهُ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَرْبَعَةَ آلَافِ فَارِسٍ، فَانْحَازُوا إِلَى جَانِبِ دِجْلَةَ، وَنَزَلُوا بِمَوْضِعٍ لَيْسَ لَهُ طَرِيقٌ إِلَّا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَجَاءَ الْحُسَيْنُ فَنَزَلَ عَلَيْهِمْ وَحَصَرَهُمْ، وَمَنَعَ الْمِيرَةَ عَنْهُمْ مِنْ فَوْقٍ وَمِنْ أَسْفَلَ، فَضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَقْوَاتُ وَالْعُلُوفَاتُ، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ يَبْذُلُونَ لَهُ أَنْ يُوَلِّيَهُ الْخَلِيفَةُ مَا كَانَ بِيَدِهِ وَيَعُودَ عَنْهُمْ، فَلَمْ يُجِبْ إِلَى ذَلِكَ وَلَزِمَ حِصَارَهُمْ، وَأَدَامَ قِتَالَهُمْ إِلَى أَنْ عَادَ مُؤْنِسٌ مِنَ الشَّامِ، فَلَمَّا سَمِعَ الْعَسْكَرُ بِقُرْبِهِ قَوِيَتْ نُفُوسُهُمْ وَضَعُفَتْ نُفُوسُ الْحُسَيْنِ وَمَنْ مَعَهُ، فَخَرَجَ الْعَسْكَرُ إِلَيْهِ لَيْلًا وَكَبَسُوهُ، فَانْهَزَمَ وَعَادَ إِلَى دِيَارِ رَبِيعَةَ، وَسَارَ الْعَسْكَرُ فَنَزَلُوا عَلَى الْمَوْصِلِ.

стр. 3586

وَسَمِعَ مُؤْنِسٌ خَبَرَ الْحُسَيْنِ، وَجَدَّ مُؤْنِسٌ فِي الْمَسِيرِ نَحْوَ الْحُسَيْنِ، وَاسْتَصْحَبَ مَعَهُ أَحْمَدَ بْنَ كَيْغَلَغَ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهُ رَاسَلَهُ الْحُسَيْنُ يَعْتَذِرُ، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُمَا، فَلَمْ يَسْتَقِرَّ حَالٌ، فَرَحَلَ مُؤْنِسٌ نَحْوَ الْحُسَيْنِ حَتَّى نَزَلَ بِإِزَاءِ جَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ، وَرَحَلَ الْحُسَيْنُ نَحْوَ أَرْمِينِيَّةَ مَعَ ثَقَلِهِ وَأَوْلَادِهِ، وَتَفَرَّقَ عَسْكَرُ الْحُسَيْنِ عَنْهُ، وَصَارُوا إِلَى مُؤْنِسٍ. ثُمَّ إِنَّ مُؤْنِسًا جَهَّزَ جَيْشًا فِي أَثَرِ الْحُسَيْنِ، مُقَدَّمُهُمْ بُلَيْقٌ وَمَعَهُ سِيمَا الْجَزَرِيُّ، وَجَنَّى الصَّفْوَانِيُّ، فَتَبِعُوهُ إِلَى تَلِّ فَافَانَ، فَرَأَوْهَا خَاوِيَةً عَلَى عُرُوشِهَا، قَدْ قَتَلَ أَهْلَهَا وَأَحْرَقَهَا، فَجَدُّوا فِي اتِّبَاعِهِ فَأَدْرَكُوهُ فَقَاتَلُوهُ، فَانْهَزَمَ مَنْ بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَأُسِرَ هُوَ وَمَعَهُ ابْنُهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ وَجَمِيعُ أَهْلِهِ وَأَكْثَرُ مَنْ صَحِبَهُ، وَقَبَضَ أَمْلَاكَهُ. وَعَادَ مُؤْنِسٌ إِلَى بَغْدَاذَ عَلَى [طَرِيقِ] الْمَوْصِلِ وَالْحُسَيْنُ مَعَهُ، فَأُرْكِبَ عَلَى جَمَلٍ هُوَ وَابْنُهُ وَعَلَيْهِمَا الْبَرَانِسُ، وَاللُّبُودُ الطِّوَالُ، وَقُمْصَانٌ مِنْ شَعْرٍ أَحْمَرَ وَحُبِسَ الْحُسَيْنُ وَابْنُهُ عِنْدَ زَيْدَانَ الْقَهْرَمَانَةِ، وَقَبَضَ الْمُقْتَدِرُ عَلَى أَبِي الْهَيْجَاءِ بْنِ حَمْدَانَ (وَعَلَى جَمِيعِ إِخْوَتِهِ وَحُبِسُوا، وَكَانَ قَدْ هَرَبَ بَعْضُ أَوْلَادِ الْحُسَيْنِ بْنِ حَمْدَانَ) ، فَجَمَعَ جَمْعًا وَمَضَى نَحْوَ آمِدَ، فَأَوْقَعَ بِهِمْ مُسْتَحْفِظُهَا، وَقُتِلَ ابْنُ الْحُسَيْنِ وَأُنْفِذَ رَأْسُهُ إِلَى بَغْدَاذَ. ذِكْرُ بِنَاءِ الْمَهْدِيَّةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ الْمَهْدِيُّ بِنَفْسِهِ إِلَى تُونِسَ وَقَرْطَاجَنَّةَ وَغَيْرِهِمَا يَرْتَادُ مَوْضِعًا عَلَى

стр. 3587

سَاحِلِ الْبَحْرِ يَتَّخِذُ فِيهِ مَدِينَةً. وَكَانَ يَجِدُ فِي الْكُتُبِ خُرُوجَ أَبِي يَزِيدٍ عَلَى دَوْلَتِهِ، وَمِنْ أَجْلِهِ بَنَى الْمَهْدِيَّةَ، فَلَمْ يَجِدْ مَوْضِعًا أَحْسَنَ وَلَا أَحْصَنَ مِنْ مَوْضِعِ الْمَهْدِيَّةِ، وَهِيَ جَزِيرَةٌ مُتَّصِلَةٌ بِالْبَرِّ كَهَيْئَةِ كَفٍّ مُتَّصِلَةٍ بِزَنْذٍ، فَبَنَاهَا وَجَعَلَهَا دَارَ مُلْكِهِ، وَجَعَلَ لَهَا سُورًا مُحْكَمًا وَأَبْوَابًا عَظِيمَةً وَزْنُ كُلِّ مِصْرَاعٍ مِائَةُ قِنْطَارٍ. وَكَانَ ابْتِدَاءُ بِنَائِهَا يَوْمَ السَّبْتَ لِخَمْسٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ، فَلَمَّا ارْتَفَعَ السُّورُ أَمَرَ رَامِيًا [أَنْ] يَرْمِيَ بِالْقَوْسِ سَهْمًا إِلَى نَاحِيَةِ الْمَغْرِبِ، فَرَمَى سَهْمَهُ فَانْتَهَى إِلَى مَوْضِعِ الْمُصَلَّى، فَقَالَ: إِلَى مَوْضِعِ هَذَا يَصِلُ صَاحِبُ الْحِمَارِ، يَعْنِي أَبَا يَزِيدَ الْخَارِجِيَّ، لِأَنَّهُ كَانَ يَرْكَبُ حِمَارًا. وَكَانَ يَأْمُرُ الصُّنَّاعَ بِمَا يَعْمَلُونَ، ثُمَّ أَمَرَ أَنْ يُنْقَرَ دَارُ صِنَاعَةٍ فِي الْجَبَلِ تَسَعُمِائَةَ شِينِيٍّ، وَعَلَيْهَا بَابٌ مُغْلَقٌ، وَنُقِرَ فِي أَرْضِهَا أَهْرَاءُ لِلطَّعَامِ، وَمَصَانِعُ لِلْمَاءِ، وَبَنَى فِيهَا الْقُصُورَ وَالدُّورَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا قَالَ: الْيَوْمَ أَمِنْتُ عَلَى الْفَاطِمِيَّاتِ، يَعْنِي بَنَاتِهِ، وَارْتَحَلَ عَنْهَا. وَلَمَّا رَأَى إِعْجَابَ النَّاسِ بِهَا، وَبِحَصَانَتِهَا، كَانَ يَقُولُ: هَذَا لِسَاعَةٍ مِنْ نَهَارٍ، وَكَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ أَبَا يَزِيدَ وَصَلَ إِلَى مَوْضِعِ السَّهْمِ، وَوَقَفَ فِيهِ سَاعَةً، وَعَادَ وَلَمْ يَظْفَرْ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِيهَا أَغَارَتِ الرُّومُ عَلَى الثُّغُورِ الْجَزْرِيَّةِ، وَقَصَدُوا حِصْنَ مَنْصُورٍ، وَسَبَوْا مَنْ فِيهِ

стр. 3588

وَجَرَى عَلَى النَّاسِ أَمْرٌ عَظِيمٌ، وَكَانَتِ الْجُنُودُ مُتَشَاغِلَةً بِأَمْرِ الْحُسَيْنِ بْنِ حَمْدَانَ. وَفِيهَا عَادَ الْحُجَّاجُ وَقَدْ لَقُوا مِنَ الْعَطَشِ وَالْخَوْفِ شِدَّةً، وَخَرَجَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعَرَبِ عَلَى أَبِي حَامِدٍ وَرْقَاءَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُرَتَّبِ (عَلَى الثَّعْلَبِيَّةِ) لِحِفْظِ الطَّرِيقِ، فَقَاتَلَهُمْ، وَظَفِرَ بِهِمْ، وَقَتَلَ جَمَاعَةً مِنْهُمْ، وَأَسَرَ الْبَاقِينَ وَحَمَلَهُمْ إِلَى بَغْدَاذَ، فَأَمَرَ الْمُقْتَدِرُ بِتَسْلِيمِهِمْ إِلَى صَاحِبِ الشُّرْطَةِ لِيَحْبِسَهُمْ، فَثَارَتْ بِهِمُ الْعَامَّةُ فَقَتَلُوهُمْ وَأَلْقَوْهُمْ فِي دِجْلَةَ. وَفِيهَا ظَهَرَ بِالْجَامِدَةِ إِنْسَانٌ زَعَمَ أَنَّهُ عَلَوِيٌّ فَقَتَلَ الْعَامِلَ بِهَا وَنَهَبَهَا، وَأَخَذَ مِنْ دَارِ الْخَرَاجِ أَمْوَالًا كَثِيرَةً، ثُمَّ قُتِلَ بَعْدَ ظُهُورِهِ بِيَسِيرٍ، وَقُتِلَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَأُسِرَ جَمَاعَةٌ. وَفِيهَا ظَهَرَتِ الرُّومُ وَعَلَيْهِمُ الْغَثِيطُ فَأَوْقَعُوا بِجَمَاعَةٍ مِنْ مُقَاتِلَةِ طَرَسُوسَ وَالْغُزَاةِ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ نَحْوَ سِتِّمِائَةِ فَارِسٍ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ صَائِفَةٌ. وَفِيهَا خَرَجَ مَلِيحٌ الْأَرْمَنِيُّ إِلَى مَرْعَشَ، فَعَاثَ فِي بَلَدِهَا، وَأَسَرَ جَمَاعَةً مِمَّنْ حَوْلَهَا وَعَادَ. وَفِيهَا وَقَعَ الْحَرِيقُ بِبَغْدَاذَ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ، فَاحْتَرَقَ كَثِيرٌ مِنْهَا. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ، صَاحِبُ كِتَابِ " السُّنَنِ "، بِمَكَّةَ، وَدُفِنَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.

стр. 3589

وَالْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ النَّسَوِيُّ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَيْنُونَةَ بِنَصِيبِينَ، وَكَانَ يَتَوَلَّى أَعْمَالَ الْخَرَاجِ وَالضِّيَاعِ بِدِيَارِ رَبِيعَةَ، وَلَمَّا تُوُفِّيَ وَلِيَ ابْنُهُ الْحَسَنُ مَكَانَهُ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْجُبَّائِيُّ الْمُعْتَزِلِيُّ. (وَفِيهَا تُوُفِّيَ يَمُوتُ بْنُ الْمُزَرِّعِ الْعَبْدِيُّ، وَهُوَ ابْنُ أُخْتِ الْجَاحِظِ، تُوُفِّيَ بِدِمَشْقَ) .

стр. 3590

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ] ٣٠٤ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ ذِكْرُ عَزْلِ ابْنِ وَهْسُوذَانَ عَنْ أَصْبَهَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْمُحَرَّمِ، أَرْسَلَ عَلِيُّ بْنُ وَهْسُوذَانَ، وَهُوَ مُتَوَلِّي الْحَرْبِ بِأَصْبَهَانَ، غُلَامًا كَانَ رَبَّاهُ وَتَبَنَّاهُ إِلَى أَحْمَدَ بْنِ شَاهٍ، مُتَوَلِّي الْخَرَاجِ، فِي حَاجَةٍ فَلَقِيَهُ رَاكِبًا فَكَلَّمَهُ فِي حَاجَةِ مَوْلَاهُ، وَرَفَعَ صَوْتَهُ، فَشَتَمَهُ أَحْمَدُ، وَقَالَ: يَا مُؤَاجَرُ تُكَلِّمُنِي بِهَذَا عَلَى الطَّرِيقِ! وَحَرَّدَ عَلَيْهِ، فَعَادَ إِلَى مَوْلَاهُ بَاكِيًا، وَعَرَّفَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: صَدَقَ، لَوْلَا أَنَّكَ مُؤَاجَرٌ لَقَتَلْتَهُ، فَعَادَ الْغُلَامُ فَلَقِيَهُ وَهُوَ رَاكِبٌ فَقَتَلَهُ، فَأَنْكَرَ الْخَلِيفَةُ ذَلِكَ، وَصَرَفَ عَلِيَّ بْنَ وَهْسُوذَانَ عَنْ أَصْبَهَانَ، وَوَلَّى مَكَانَهُ أَحْمَدَ بْنَ مَسْرُورٍ الْبَلْخِيَّ، وَأَقَامَ ابْنُ وَهْسُوذَانَ بِنَوَاحِي الْجَبَلِ. ذِكْرُ وِزَارَةِ ابْنِ الْفُرَاتِ الثَّانِيَةِ وَعَزْلِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي ذِي الْحِجَّةِ، عُزِلَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى عَنِ الْوِزَارَةِ، وَأُعِيدَ إِلَيْهَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْفُرَاتِ. وَكَانَ (سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ الْفُرَاتِ كَانَ) مَحْبُوسًا، وَكَانَ الْمُقْتَدِرُ يُشَاوِرُهُ وَهُوَ فِي مَحْبِسِهِ، وَيَرْجِعُ إِلَى قَوْلِهِ، وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى يُمَشِّي أَمْرَ الْوِزَارَةِ، وَلَمْ يَتَّبِعْ أَصْحَابَ ابْنِ الْفُرَاتِ وَأَسْبَابَهُ (وَلَا غَيْرَهُ) ، وَكَانَ جَمِيلَ الْمَحْضَرِ (قَلِيلَ

стр. 3591

الشَّرِّ) ، فَبَلَغَهُ أَنَّ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ الْفُرَاتِ قَدْ تَحَدَّثَ لَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْخَلِيفَةِ فِي إِعَادَتِهِ إِلَى الْوِزَارَةِ، فَسَارَعَ وَاسْتَعْفَى مِنَ الْوِزَارَةِ، وَسُئِلَ فِي ذَلِكَ، فَأَنْكَرَ الْمُقْتَدِرُ عَلَيْهِ، وَمَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ، فَسَكَنَ. فَلَمَّا كَانَ آخِرُ ذِي الْقِعْدَةِ جَاءَتْهُ أُمُّ مُوسَى الْقَهْرَمَانَةُ لِتَتَّفِقَ مَعَهُ عَلَى مَا يَحْتَاجُ حُرَمُ الدَّارِ وَالْحَاشِيَةُ الَّتِي لِلدَّارِ مِنَ الْكِسْوَاتِ وَالنَّفَقَاتِ، فَوَصَلَتْ إِلَيْهِ وَهُوَ نَائِمٌ، فَقَالَ لَهَا حَاجِبُهُ: إِنَّهُ نَائِمٌ وَلَا أَجْسُرُ [أَنْ] أُوقِظَهُ، فَاجْلِسِي فِي الدَّارِ سَاعَةً حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، فَغَضِبَتْ مِنْ هَذَا وَعَادَتْ، وَاسْتَيْقَظَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى فِي الْحَالِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا حَاجِبَهُ وَوَلَدَهُ يَعْتَذِرُ، فَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ، وَدَخَلَتْ عَلَى الْمُقْتَدِرِ وَتَخَرَّصَتْ عَلَى الْوَزِيرِ عِنْدَهُ وَعِنْدَ أُمِّهِ، فَعَزَلَهُ عَنِ الْوِزَارَةِ، وَقَبَضَ عَلَيْهِ ثَامِنَ ذِي الْقِعْدَةِ. وَأُعِيدَ ابْنُ الْفُرَاتِ إِلَى الْوِزَارَةِ، وَضَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَحْمِلَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ أَلْفَ دِينَارٍ وَخَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ، فَقَبَضَ عَلَى أَصْحَابِ الْوَزِيرِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى وَعَادَ فَقَبَضَ عَلَى الْخَاقَانِيِّ الْوَزِيرِ وَأَصْحَابِهِ، وَاعْتَرَضَ الْعُمَّالَ وَغَيْرَهَمْ، وَعَادَ عَلَيْهِمْ بِأَمْوَالٍ عَظِيمَةٍ لِيَقُومَ بِمَا ضَمِنَهُ. وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى قَدْ تَعَجَّلَ بِمَالٍ مِنَ الْخَرَاجِ لِيُنْفِقَهُ فِي الْعِيدِ، فَاتَّسَعَ بِهِ ابْنُ الْفُرَاتِ. وَكَانَ قَدْ كَاتَبَ الْعُمَّالَ بِالْبِلَادِ كَفَارِسَ، وَالْأَهْوَازِ، وَبِلَادِ الْجَبَلِ، وَغَيْرِهِمَا فِي حَمْلِ الْمَالِ، وَحَثَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ غَايَةَ الْحَثِّ، فَوَصَلَ بَعْدَ قَبْضِهِ، فَادَّعَى ابْنُ الْفُرَاتِ الْكِفَايَةَ وَالنَّهْضَةَ فِي جَمْعِ الْمَالِ. وَكَانَ أَبُو عَلِيِّ بْنِ مُقْلَةَ مُسْتَخْفِيًا مُذْ قُبِضَ ابْنُ الْفُرَاتِ إِلَى الْآنَ، فَلَمَّا عَادَ ابْنُ

стр. 3592

الْفُرَاتِ إِلَى الْوِزَارَةِ ظَهَرَ، فَأَشْخَصَهُ ابْنُ الْفُرَاتِ وَقَرَّبَهُ. ذِكْرُ أَمْرِ يُوسُفَ بْنِ أَبِي السَّاجِ كَانَ يُوسُفُ بْنُ أَبِي السَّاجِ عَلَى أَذْرَبِيجَانَ وَأَرْمِينِيَّةَ قَدْ وَلِيَ الْحَرْبَ، وَالصَّلَاةَ، وَالْأَحْكَامَ، وَغَيْرَهَا، مُنْذُ أَوَّلِ وِزَارَةِ ابْنِ الْفُرَاتِ الْأُولَى، وَعَلَيْهِ مَالٌ يُؤَدِّيهِ إِلَى دِيوَانِ الْخِلَافَةِ، فَلَمَّا عُزِلَ ابْنُ الْفُرَاتِ وَوَلِيَ الْخَاقَانِيُّ الْوِزَارَةَ، وَبَعْدَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى، طَمِعَ فَأَخَّرَ حَمْلَ بَعْضِ الْمَالِ، فَاجْتَمَعَ لَهُ مَا قَوِيَتْ بِهِ نَفْسُهُ عَلَى الِامْتِنَاعِ، وَبَقِيَ كَذَلِكَ إِلَى هَذِهِ السَّنَةِ. فَلَمَّا بَلَغَهُ الْقَبْضُ عَلَى الْوَزِيرِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى أَظْهَرَ أَنَّ الْخَلِيفَةَ أَنْفَذَ لَهُ عَهْدًا بِالرَّيِّ، وَأَنَّ الْوَزِيرَ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى سَعَى لَهُ فِي ذَلِكَ، فَأَنْفَذَهُ إِلَيْهِ، وَجَمَعَ الْعَسَاكِرَ وَسَارَ إِلَى الرَّيِّ وَبِهَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ صُعْلُوكٌ يَتَوَلَّى أَمْرَهَا لِصَاحِبِ خُرَاسَانَ، وَهُوَ الْأَمِيرُ نَصْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ السَّامَانِيُّ. وَكَانَ صُعْلُوكٌ قَدْ تَغَلَّبَ عَلَى الرَّيِّ (وَمَا يَلِيهَا) ، أَيَّامَ وِزَارَةِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى دِيوَانِ الْخِلَافَةِ فَقَاطَعَ عَلَيْهَا بِمَالٍ يَحْمِلُهُ، فَلَمَّا بَلَغَهُ مَسِيرُ يُوسُفَ بْنِ أَبِي السَّاجِ نَحْوَهُ سَارَ إِلَى خُرَاسَانَ، فَدَخَلَ يُوسُفُ الرَّيَّ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا وَعَلَى قَزْوِينَ وَزَنْجَانَ وَأَبْهَرَ، فَلَمَّا بَلَغَ الْمُقْتَدِرَ فِعْلُهُ، وَقَوْلُهُ: إِنَّ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى أَنْفَذَ لَهُ الْعَهْدَ وَاللِّوَاءَ بِذَلِكَ، أَنْكَرَهُ وَاسْتَعْظَمَهُ. وَكَتَبَ يُوسُفُ إِلَى الْوَزِيرِ ابْنِ الْفُرَاتِ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى أَنْفَذَ إِلَيْهِ بِعَهْدِهِ عَلَى هَذِهِ الْأَمَاكِنِ، وَأَنَّهُ افْتَتَحَهَا وَطَرَدَ مِنْهَا الْمُتَغَلِّبِينَ عَلَيْهَا، وَيَعْتَذِرُ بِذَلِكَ، وَيَذْكُرُ كَثْرَةَ مَا أَخْرَجَهُ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُقْتَدِرِ، وَأَمَرَ ابْنَ الْفُرَاتِ أَنْ يَسْأَلَ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى عَنِ الَّذِي ذَكَرَهُ يُوسُفُ، فَأَحْضَرَهُ وَسَأَلَهُ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، وَقَالَ: سَلُوا الْكُتَّابَ وَحَاشِيَةَ الْخَلِيفَةِ، فَإِنَّ

стр. 3593

الْعَهْدَ وَاللِّوَاءَ لَا بُدَّ أَنْ يَسِيرَ بِهِمَا بَعْضُ خَدَمِ الْخَلِيفَةِ، أَوْ بَعْضُ قُوَّادِهِ، فَعَلِمُوا صِدْقَهُ. وَكَتَبَ ابْنُ الْفُرَاتِ إِلَى ابْنِ أَبِي السَّاجِ يُنْكِرُ عَلَيْهِ تَعَرُّضَهُ لِهَذِهِ الْبِلَادِ، وَكَذِبَهُ عَلَى الْوَزِيرِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى، وَجَهَّزَ الْعَسَاكِرَ لِمُحَارَبَتِهِ، وَكَانَ مَسِيرُ الْعَسَاكِرِ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِمِائَةِ. وَكَانَ الْمُقَدَّمَ عَلَى الْعَسْكَرِ خَاقَانُ الْمُفْلِحِيُّ، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْقُوَّادِ كَأَحْمَدَ بْنِ مَسْرُورٍ الْبَلْخِيِّ، وَسِيمَا الْجَزَرِيِّ، وَنِحْرِيرٍ الصَّغِيرِ، فَسَارُوا، وَلَقُوا يُوسُفَ، وَاقْتَتَلُوا، فَهَزَمَهُمْ يُوسُفُ، وَأَسَرَ مِنْهُمْ جَمَاعَةً، وَأَدْخَلَهُمُ الرَّيَّ مَشْهُورِينَ عَلَى الْجِمَالِ، فَسَيَّرَ الْخَلِيفَةُ مُؤْنِسًا الْخَادِمَ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ إِلَى مُحَارَبَتِهِ، فَسَارَ، وَانْضَمَّ إِلَيْهِ الْعَسْكَرُ الَّذِي كَانَ مَعَ خَاقَانَ، فَصُرِفَ خَاقَانُ عَنْ أَعْمَالِ الْجَبَلِ، وَوَلِيَهَا نِحْرِيرٌ الصَّغِيرُ. وَسَارَ مُؤْنِسٌ فَأَتَاهُ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَهُوَ أَخُو مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ صُعْلُوكٍ، مُسْتَأْمِنًا، فَأَكْرَمَهُ وَوَصَلَهُ، وَكَتَبَ ابْنُ أَبِي السَّاجِ يَسْأَلُ الرِّضَى، وَأَنْ يُقَاطِعَ عَلَى أَعْمَالِ الرَّيِّ وَمَا يَلِيهَا عَلَى سَبْعِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ لِبَيْتِ الْمَالِ، سِوَى مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْجُنْدُ وَغَيْرُهُمْ، فَلَمْ يُجِبْهُ الْمُقْتَدِرُ إِلَى ذَلِكَ، وَلَوْ بَذَلَ مِلْءَ الْأَرْضِ لَمَا أَقَرَّهُ عَلَى الرَّيِّ يَوْمًا وَاحِدًا لِإِقْدَامِهِ عَلَى التَّزْوِيرِ، فَلَمَّا عَرَفَ ابْنُ أَبِي السَّاجِ ذَلِكَ سَارَ عَنِ الرَّيِّ بَعْدَ أَنْ أَخْرَبَهَا، وَجَبَى خَرَاجَهَا فِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ. وَقَلَّدَ الْخَلِيفَةُ الرَّيَّ وَقَزْوِينَ وَأَبْهَرَ وَصِيفًا الْبُكْتُمْرِيَّ، وَطَلَبَ ابْنُ أَبِي السَّاجِ أَنْ يُقَاطِعَ عَلَى مَا كَانَ بِيَدِهِ مِنَ الْوِلَايَةِ، فَأَشَارَ ابْنُ الْفُرَاتِ بِإِجَابَتِهِ إِلَى ذَلِكَ، فَعَارَضَهُ نَصْرٌ الْحَاجِبُ، وَابْنُ الْحَوَارِيِّ، وَقَالَا: لَا يَجُوزُ أَنْ يُجَابَ إِلَى ذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَطَأَ الْبِسَاطَ. وَنُسِبَ ابْنُ الْفُرَاتِ إِلَى مُوَاطَأَةِ ابْنِ أَبِي السَّاجِ وَالْمَيْلِ مَعَهُ، فَحَصَلَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ ابْنِ الْفُرَاتِ عَدَاوَةٌ، فَامْتَنَعَ الْمُقْتَدِرُ مِنْ إِجَابَتِهِ إِلَى ذَلِكَ إِلَى أَنْ يَحْضُرَ فِي خِدْمَتِهِ بِنَفْسِهِ،

стр. 3594

فَلَمَّا رَأَى يُوسُفُ أَنَّ دَمَهُ عَلَى خَطَرٍ إِنْ حَضَرَ لِخِدْمَتِهِ حَارَبَ مُؤْنِسًا، فَانْهَزَمَ مُؤْنِسٌ إِلَى زَنْجَانَ، وَقُتِلَ مِنْ قُوَّادِهِ سِيمَا بْنُ بُوَيْهِ، وَأُسِرَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ، فِيهِمْ هِلَالُ بْنُ بَدْرٍ، فَأَدْخَلَهُمْ أَرْدَبِيلَ مُشْتَهَرِينَ عَلَى الْجِمَالِ. وَأَقَامَ مُؤْنِسٌ بِزَنْجَانَ يَجْمَعُ الْعَسَاكِرَ، وَيَسْتَمِدُّ الْخَلِيفَةَ، وَكَاتِبَهُ ابْنَ أَبِي السَّاجِ فِي الصُّلْحِ، وَتَرَاسَلَا فِي ذَلِكَ، وَكَتَبَ مُؤْنِسٌ إِلَى الْخَلِيفَةِ، فَلَمْ يُجِبْهُ إِلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَالْوَزِيرُ يَوْمَئِذٍ حَامِدُ بْنُ الْعَبَّاسِ، اجْتَمَعَ لِمُؤْنِسٍ عَسْكَرٌ كَبِيرٌ، فَسَارَ إِلَى يُوسُفَ، فَتَوَاقَعَا عَلَى بَابِ أَرْدَبِيلَ، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُ يُوسُفَ، وَأُسِرَ يُوسُفُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَعَادَ بِهِمْ مُؤْنِسٌ إِلَى بَغْدَاذَ، فَدَخَلَهَا فِي الْمُحَرَّمِ أَيْضًا، وَأَدْخَلَ يُوسُفَ أَيْضًا بَغْدَاذَ مُشْتَهِرًا عَلَى جَمَلٍ، وَعَلَيْهِ بُرْنُسٌ بِأَذْنَابِ الثَّعَالِبِ، فَأُدْخِلَ إِلَى الْمُقْتَدِرِ، ثُمَّ حُبِسَ بِدَارِ الْخَلِيفَةِ عِنْدَ زَيْدَانَ الْقَهْرَمَانَةِ. وَلَمَّا ظَفِرَ مُؤْنِسٌ بِابْنِ أَبِي السَّاجِ قَلَّدَ عَلِيَّ بْنَ وَهْسُوذَانَ أَعْمَالَ الرَّيِّ، وَدَنْبَاوَنْدَ، وَقَزْوِينَ، وَأَبْهَرَ، وَزَنْجَانَ، وَجَعَلَ أَمْوَالَهَا لِرِجَالِهِ، وَقَلَّدَ أَصْبَهَانَ، وَقُمَّ، وَقَاشَانَ، وَسَاوَةَ لِأَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ صُعْلُوكٍ، وَسَارَ عَنْ أَذْرَبِيجَانَ. ذِكْرُ حَالِ هَذِهِ الْبِلَادِ بَعْدَ مَسِيرِ مُؤْنِسٍ لَمَّا سَارَ مُؤْنِسٌ عَنْ أَذْرَبِيجَانَ إِلَى الْعِرَاقِ وَثَبَ سُبُكٌ غُلَامُ يُوسُفَ بْنِ أَبِي السَّاجِ عَلَى بِلَادِ أَذْرَبِيجَانَ، فَمَلَكَهَا، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ عَسْكَرٌ عَظِيمٌ، فَأَنْفَذَ إِلَيْهِ مُؤْنِسٌ مُحَمَّدَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ الْفَارِقِيَّ، وَقَلَّدَهُ الْبِلَادَ، وَسَارَ إِلَى سُبُكٍ وَحَارَبَهُ، فَانْهَزَمَ الْفَارِقِيُّ وَسَارَ إِلَى بَغْدَاذَ، وَتَمَكَّنَ سُبُكٌ مِنَ الْبِلَادِ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَى الْخَلِيفَةِ يَسْأَلُ أَنْ يُقَاطِعَ عَلَى أَذْرَبِيجَانَ، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ، وَقُرِّرَ عَلَيْهِ كُلَّ سَنَةٍ مِائَتَانِ وَعِشْرُونَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَأُنْفِذَتْ إِلَيْهِ الْخِلَعُ وَالْعَهْدُ، فَلَمْ يَقِفْ عَلَى مَا قَرَّرَهُ. ثُمَّ وَثَبَ أَحْمَدُ بْنُ مُسَافِرٍ، صَاحِبُ الطِّرْمِ، عَلَى ابْنِ أَخِيهِ عَلِيِّ بْنِ وَهْسُوذَانَ وَهُوَ

стр. 3595

مُقِيمٌ بِنَاحِيَةِ قَزْوِينَ، فَقَتَلَهُ عَلَى فِرَاشِهِ، وَهَرَبَ إِلَى بَلَدِهِ، فَاسْتَعْمَلَ مَكَانَ عَلِيِّ بْنِ وَهْسُوذَانَ وَصَيفًا الْبُكْتُمَرِيَّ، وَقَلَّدَ مُحَمَّدَ بْنَ سُلَيْمَانَ صَاحِبَ الْجَيْشِ أَعْمَالَ الْخَرَاجِ بِهَا. وَسَارَ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ صُعْلُوكٍ مِنْ قُمَّ إِلَى الرَّيِّ، فَدَخَلَهَا، فَأَنْفَذَ الْخَلِيفَةُ يُنْكِرُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَيَأْمُرُهُ بِالْعَوْدِ إِلَى قُمَّ فَعَادَ، ثُمَّ إِنَّهُ أَظْهَرَ الْخِلَافَ، وَصَرَفَ عُمَّالَ الْخَرَاجِ عَنْ قُمَّ، وَاسْتَعَدَّ لِلْمَسِيرِ إِلَى الرَّيِّ، فَكُوتِبَ نِحْرِيرٌ الصَّغِيرُ، وَهُوَ عَلَى هَمَذَانَ، لِيَسِيرَ هُوَ وَوَصِيفٌ إِلَى الرَّيِّ لِمَنْعِ أَحْمَدَ (بْنِ عَلِيٍّ عَنْهَا، فَسَارُوا إِلَيْهَا، فَلَقِيَهُمْ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَى بَابِ الرَّيِّ، فَهَزَمَهُمْ) أَحْمَدُ، وَقُتِلَ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَاسْتَوْلَى أَحْمَدُ عَلَى الرَّيِّ، وَكَاتَبَ نَصْرًا الْحَاجِبَ لِيُصْلِحَ أَمْرَهُ مَعَ الْخَلِيفَةِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَأَصْلَحَ أَمْرَهُ، وَقَرَّرَ عَلَيْهِ عَنِ الرَّيِّ وَدَنْبَاوَنْدَ وَقَزْوِينَ وَزَنْجَانَ وَأَبْهَرَ مِائَةً وَسِتِّينَ أَلْفَ دِينَارٍ مَحْمُولَةً كُلَّ سَنَةٍ إِلَى بَغْدَاذَ، فَنَزَلَ أَحْمَدُ عَنْ قُمَّ، فَاسْتَعْمَلَ الْخَلِيفَةُ عَلَيْهَا مَنْ يَنْظُرُ فِيهَا. ذِكْرُ تَغَلُّبِ كَثِيرِ بْنِ أَحْمَدَ عَلَى سِجِسْتَانَ وَمُحَارَبَتِهِ كَانَ كَثِيرُ بْنُ أَحْمَدَ (بْنِ شَهْفُورَ) قَدْ تَغَلَّبَ عَلَى أَعْمَالِ سِجِسْتَانَ، فَكَتَبَ الْخَلِيفَةُ إِلَى بَدْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَمَّامِيِّ، وَهُوَ مُتَقَلِّدٌ أَعْمَالَ فَارِسَ، يَأْمُرُهُ أَنْ يُرْسِلَ جَيْشًا يُحَارِبُونَ كَثِيرًا، وَيُؤَمِّرُ عَلَيْهِمْ دَرَكًا، وَيَسْتَعْمِلُ عَلَى الْخَرَاجِ بِهَا زَيْدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ، فَجَهَّزَ بَدْرٌ جَيْشًا كَثِيفًا وَسَيَّرَهُمْ، فَلَمَّا وَصَلُوا قَاتَلَهُمْ كَثِيرٌ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بِهِمْ قُوَّةٌ، وَضَعُفَ أَمْرُهُ وَكَادُوا يَمْلِكُونَ الْبَلَدَ، فَبَلَغَ أَهْلَ الْبَلَدِ أَنَّ زَيْدًا مَعَهُ قُيُودٌ وَأَغْلَالٌ لِأَعْيَانِهِمْ، فَاجْتَمَعُوا مَعَ كَثِيرٍ، وَشَدُّوا مِنْهُ، وَقَاتَلُوا مَعَهُ فَهَزَمُوا عَسْكَرَ الْخَلِيفَةِ، وَأَسَرُوا زَيْدًا، فَوَجَدُوا مَعَهُ الْقُيُودَ وَالْأَغْلَالَ، فَجَعَلُوهَا فِي رِجْلَيْهِ وَعُنُقِهِ.

стр. 3596

وَكَتَبَ كَثِيرٌ إِلَى الْخَلِيفَةِ يَتَبَرَّأُ مِنْ ذَلِكَ، وَيَجْعَلُ الذَّنْبَ فِيهِ لِأَهْلِ الْبَلَدِ، فَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ إِلَى بَدْرٍ الْحَمَّامِيِّ يَأْمُرُهُ أَنْ يَسِيرَ بِنَفْسِهِ إِلَى قِتَالِ كَثِيرٍ، فَتَجَهَّزَ بَدْرٌ، فَلَمَّا سَمِعَ كَثِيرٌ ذَلِكَ خَافَ، فَأَرْسَلَ يَطْلُبُ الْمُقَاطَعَةَ عَلَى مَالٍ يَحْمِلُهُ كُلَّ سَنَةٍ، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ، وَقُوطِعَ عَلَى خَمْسِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَقُرِّرَتِ الْبِلَادُ عَلَيْهِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الصَّيْفِ، خَافَتِ الْعَامَّةُ بِبَغْدَادَ مِنْ حَيَوَانٍ كَانُوا يُسَمُّونَهُ الزَّبْزَبَ، وَيَقُولُونَ إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ فِي اللَّيْلِ عَلَى سُطُوحِهِمْ، وَإِنَّهُ يَأْكُلُ أَطْفَالَهُمْ، وَرُبَّمَا عَضَّ يَدَ الرَّجُلِ وَثَدْيَ الْمَرْأَةِ فَقَطَعَهُمَا، (وَهَرَبَ بِهِمَا) ، فَكَانَ النَّاسُ يَتَحَارَسُونَ، وَيَتَزَاعَقُونَ، وَيَضْرِبُونَ بِالطُّشُوتِ وَالصَّوَانِي وَغَيْرِهَا لِيُفْزِعُوهُ فَارْتَجَّتْ بَغْدَاذُ لِذَلِكَ. ثُمَّ إِنَّ أَصْحَابَ السُّلْطَانِ صَادُوا لَيْلَةً حَيَوَانًا أَبْلَقَ بِسَوَادٍ، قَصِيرَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، فَقَالُوا: هَذَا هُوَ الزَّبْزَبُ، وَصَلَبُوهُ عَلَى الْجِسْرِ، فَسَكَنَ النَّاسُ، وَهَذِهِ دَابَّةٌ تُسَمَّى طَبْرَةَ، وَأَصَابَ اللُّصُوصُ حَاجَتَهُمْ لِاشْتِغَالِ النَّاسِ عَنْهُمْ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ النَّاصِرُ الْعَلَوِيُّ، صَاحِبُ طَبَرِسْتَانَ، فِي شَعْبَانَ وَعُمْرُهُ تِسْعٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً، وَبَقِيَتْ طَبَرِسْتَانَ فِي أَيْدِي الْعَلَوِيَّةِ إِلَى أَنْ قُتِلَ الدَّاعِي، وَهُوَ الْحَسَنُ بْنُ الْقَاسِمِ، سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ. وَفِيهَا خَالَفَ أَبُو زَيْدٍ خَالِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَادَرَائِيُّ عَلَى الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ بِكَرْمَانَ وَكَانَ

стр. 3597

يَتَوَلَّى الْخَرَاجَ، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى شِيرَازَ يُرِيدُ التَّغَلُّبَ عَلَى فَارِسَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ بَدْرٌ الْحَمَّامِيُّ فَحَارَبَهُ وَقَتَلَهُ، وَحَمَلَ رَأْسَهُ إِلَى بَغْدَاذَ وَطِيفَ بِهِ. وَفِيهَا سَارَ مُؤْنِسٌ الْمُظَفَّرُ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ لِغَزَاةِ الصَّائِفَةِ، فَلَمَّا صَارَ بِالْمَوْصِلِ قَلَّدَ سُبُكًا الْمُفْلِحِيَّ بَازَبْدَى وَقَرْدَى، وَقَلَّدَ عُثْمَانَ الْعَنْزِيَّ مَدِينَةَ بُلْدَ، وَبَاعِينَاثَا، وَسِنْجَارَ، وَقَلَّدَ وَصِيفًا الْبُكْتُمْرِيَّ بَاقِيَ بِلَادِ رَبِيعَةَ، وَسَارَ مُؤْنِسٌ إِلَى مَلَطْيَةَ وَغَزَا فِيهَا، وَكَتَبَ إِلَى أَبِي الْقَاسِمِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ بِسْطَامٍ أَنْ يَغْزُوَ مِنْ طَرَسُوسَ فِي أَهْلِهَا، فَفَعَلَ. وَفَتَحَ مُؤْنِسٌ حُصُونًا كَثِيرَةً مِنَ الرُّومِ، وَأَثَّرَ آثَارًا جَمِيلَةً، وَعَتَبَ عَلَيْهِ أَهْلُ الثُّغُورِ وَقَالُوا: لَوْ شَارَ لَفَعَلَ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا، وَعَادَ إِلَى بَغْدَاذَ، فَأَكْرَمَهُ الْخَلِيفَةُ وَخَلَعَ عَلَيْهِ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ يَمُوتُ بْنُ الْمُزَرِّعِ الْعَبْدِيُّ، وَهُوَ ابْنُ أُخْتِ الْجَاحِظِ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ أَبُو مُوسَى النَّحْوِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالْحَامِضِ، (أَخَذَ

стр. 3598

الْعِلْمَ عَنْ ثَعْلَبٍ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ ثَعْلَبٍ. وَيُوسُفُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ يَعْقُوبَ الرَّازِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ ذِي النُّونِ الْمِصْرِيِّ، وَهُوَ صَاحِبُ قِصَّةِ الْفَأْرَةِ مَعَهُ.

стр. 3599

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَثَلَاثِمِائَة] ٣٠٥ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْمُحَرَّمِ، وَصَلَ رَسُولَانِ مِنْ مَلِكِ الرُّومِ إِلَى الْمُقْتَدِرِ يَطْلُبَانِ الْمُهَادَنَةَ وَالْفِدَاءَ، فَأُكْرِمَا إِكْرَامًا كَثِيرًا، وَأُدْخِلَا عَلَى الْوَزِيرِ وَهُوَ فِي أَكْمَلِ أُبَّهَةٍ، وَقَدْ صُفَّ الْأَجْنَادُ بِالسِّلَاحِ، (وَالزِّينَةِ التَّامَّةِ) ، وَأَدَّيَا الرِّسَالَةَ إِلَيْهِ، (ثُمَّ إِنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى الْمُقْتَدِرِ، وَقَدْ جَلَسَ لَهُمَا، وَاصْطَفَّ الْأَجْنَادُ بِالسِّلَاحِ وَالزِّينَةِ التَّامَّةِ، وَأَدَّيَا الرِّسَالَةَ) ، فَأَجَابَهُمَا الْمُقْتَدِرُ إِلَى مَا طَلَبَ مَلِكُ الرُّومِ مِنَ الْفِدَاءِ، وَسَيَّرَ مُؤْنِسًا الْخَادِمَ لِيُحْضِرَ الْفِدَاءَ، وَجَعَلَهُ أَمِيرًا عَلَى كُلِّ بَلَدٍ يَدْخُلُهُ يَتَصَرَّفُ فِيهِ عَلَى مَا يُرِيدُ إِلَى أَنْ يَخْرُجَ عَنْهُ، وَسَيَّرَ مَعَهُ جَمْعًا مِنَ الْجُنُودِ، وَأَطْلَقَ لَهُمْ أَرْزَاقًا وَاسِعَةً، وَأَنْفَذَ مَعَهُ مِائَةَ أَلْفٍ وَعِشْرِينَ أَلْفِ دِينَارٍ لِفِدَاءِ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ، وَسَارَ مُؤْنِسٌ وَالرُّسُلُ، وَكَانَ الْفِدَاءُ عَلَى يَدِ مُؤْنِسٍ. وَفِيهَا أُطْلِقَ أَبُو الْهَيْجَاءِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَمْدَانَ، وَإِخْوَتُهُ، وَأَهْلُ بَيْتِهِ مِنَ الْحَبْسِ، وَكَانُوا مَحْبُوسِينَ بِدَارِ الْخَلِيفَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ حَبْسِهِمْ وَسَبَبِهِ.

стр. 3600

وَفِيهَا مَاتَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَمْرٍو الْغَنَوِيُّ وَكَانَ مُتَقَلِّدًا أَعْمَالَ الْحَرْبِ (بِدِيَارِ مِصْرَ) ، فَجُعِلَ مَكَانَهُ وَصِيفٌ الْبُكْتُمْرِيُّ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى ضَبْطِ (الْعَمَلِ، فَعُزِلَ، وَجُعِلَ مَكَانَهُ جِنِّيٌّ الصَّفْوَانِيُّ، فَضَبَطَهُ أَحْسَنَ ضَبْطٍ) . وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ بِالْبَصْرَةِ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ، وَسَبَبُهَا أَنَّهُ كَانَ الْحَسَنُ بْنُ الْخَلِيلِ بْنِ رَمَّالٍ مُتَقَلِّدًا أَعْمَالَ الْحَرْبِ بِالْبَصْرَةِ، وَأَقَامَ بِهَا سِنِينَ، وَجَرَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَامَّةِ مِنْ مُضَرَ وَرَبِيعَةَ فِتَنٌ كَثِيرَةٌ، وَسَكَنَتْ، ثُمَّ ثَارَتْ بَيْنَهُمْ فِتْنَةٌ اتَّصَلَتْ، فَلَمْ يُمْكِنْهُ الْخُرُوجُ مِنْ مَنْزِلِهِ بِرَحْبَةِ بَنِي نُمَيْرٍ، وَاجْتَمَعَ الْجُنْدُ كُلُّهُمْ مَعَهُ، وَكَانَ لَا يُوجَدُ أَحَدٌ مِنْهُمْ (فِي طَرِيقٍ) إِلَّا قُتِلَ، حَتَّى حُوصِرَتْ، وَغُوِّرَتِ الْقَنَاةُ الَّتِي يَجْرِي فِيهَا الْمَاءُ إِلَى بَنِي نُمَيْرٍ، فَاضْطَرَّ إِلَى الرُّكُوبِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، فَقَتَلَ مِنَ الْعَامَّةِ خَلْقًا كَثِيرًا. فَلَمَّا عَجَزَ عَنْ إِصْلَاحِهِمْ خَرَجَ هُوَ وَمَعَهُ الْأَعْيَانُ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ إِلَى وَاسِطَ، فَعُزِلَ عَنْهَا، وَاسْتُعْمِلَ أَبُو دُلَفٍ هَاشِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخُزَاعِيُّ عَلَيْهَا فَبَقِيَ نَحْوَ سَنَةٍ وَصُرِفَ عَنْهَا، وَوَلِيَهَا سُبُكٌ الْمُفْلِحِيُّ نِيَابَةً عَنْ شَفِيعٍ الْمُقْتَدِرِيِّ. (وَفِيهَا عُقِدَ لِثُمَالٍ الْخَادِمِ عَلَى الْغَزَاةِ فِي بَحْرِ الرُّومِ، وَسَارَ)

стр. 3601

وَفِيهَا غَزَا جِنِّيُّ الصَّفْوَانِيُّ بِلَادَ الرُّومِ، فَغَنِمَ وَنَهَبَ وَسَبَى وَعَادَ سَالِمًا [الْوَفَيَاتُ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ أَبُو خَلِيفَةَ الْمُحَدِّثُ الْبَصْرِيُّ. (وَفِيهَا، فِي جُمَادَى الْأُولَى، مَاتَ) أَبُو جَعْفَرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالسَّمَّانِ، وَيُعْرَفُ أَيْضًا بِالْعَمْرِيِّ، رَئِيسُ الْإِمَامِيَّةِ، وَكَانَ يَدَّعِي أَنَّهُ الْبَابُ إِلَى الْإِمَامِ الْمُنْتَظَرِ، وَأَوْصَى إِلَى أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ رَوْحٍ. (وَفِي آخِرِهَا تُوُفِّيَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شُرَيْحٍ وَكَانَ عَالِمًا بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ) .

стр. 3602

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَثَلَاثِمِائَة] ٣٠٦ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَثَلَاثِمِائَةٍ ذِكْرُ عَزْلِ ابْنِ الْفُرَاتِ وَوِزَارَةِ حَامِدِ بْنِ الْعَبَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، قُبِضَ عَلَى الْوَزِيرِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْفُرَاتِ، وَكَانَتْ مُدَّةُ وِزَارَتِهِ هَذِهِ، وَهِيَ الثَّانِيَةُ، سَنَةً وَاحِدَةً وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ أَخَّرَ إِطْلَاقَ أَرْزَاقِ الْفُرْسَانِ، وَاحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِضِيقِ الْأَمْوَالِ، وَأَنَّهَا أُخْرِجَتْ فِي مُحَارَبَةِ ابْنِ أَبِي السَّاجِ، وَأَنَّ الِارْتِفَاعَ نَقَصَ بِأَخْذِ يُوسُفَ أَمْوَالَ الرَّيِّ وَأَعْمَالَهَا، فَشَغَبَ الْجُنْدُ شَغَبًا عَظِيمًا، وَخَرَجُوا إِلَى الْمُصَلَّى، وَالْتَمَسَ ابْنُ الْفُرَاتِ مِنَ الْمُقْتَدِرِ إِطْلَاقَ مِائَتَيْ أَلْفِ دِينَارٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ الْخَاصِّ لِيُضِيفَ إِلَيْهَا مِائَتَيْ أَلْفِ دِينَارٍ يُحَصِّلُهَا، وَيَصْرِفُ الْجَمِيعَ فِي أَرْزَاقِ الْجُنْدِ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُقْتَدِرِ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ: إِنَّكَ ضَمِنْتَ أَنَّكَ تُرْضِي جَمِيعَ الْأَجْنَادِ، وَتَقُومُ بِجَمِيعِ النَّفَقَاتِ الرَّاتِبَةِ عَلَى الْعَادَةِ الْأُولَى وَتَحْمِلُ بَعْدَ ذَلِكَ (مَا ضَمِنْتَ أَنَّكَ تَحْمِلُهُ يَوْمًا بِيَوْمٍ) ، فَأَرَاكَ تَطْلُبُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ الْخَاصِّ، فَاحْتَجَّ بِقِلَّةِ الِارْتِفَاعِ، وَمَا أَخَذَهُ ابْنُ أَبِي السَّاجِ (مِنَ الِارْتِفَاعِ) وَمَا خَرَجَ عَلَى مُحَارَبَتِهِ، فَلَمْ يَسْمَعِ الْمُقْتَدِرُ حُجَّتَهُ وَتَنَكَّرَ لَهُ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: كَانَ سَبَبُ قَبْضِهِ أَنَّ الْمُقْتَدِرَ قِيلَ لَهُ: إِنَّ ابْنَ الْفُرَاتِ يُرِيدُ إِرْسَالَ

стр. 3603

الْحُسَيْنِ بْنِ حَمْدَانَ إِلَى ابْنِ أَبِي السَّاجِ لِيُحَارِبَهُ، وَإِذَا صَارَ عِنْدَهُ اتَّفَقَا عَلَيْكَ، ثُمَّ إِنَّ ابْنَ الْفُرَاتِ قَالَ لِلْمُقْتَدِرِ فِي إِرْسَالِ الْحُسَيْنِ إِلَى ابْنِ أَبِي السَّاجِ، فَقَتَلَ ابْنَ حَمْدَانَ فِي جُمَادَى الْأُولَى، وَقَبَضَ عَلَى ابْنِ الْفُرَاتِ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ. ثُمَّ إِنَّ بَعْضَ الْعُمَّالِ ذَكَرَ لِابْنِ الْفُرَاتِ مَا يَتَحَصَّلُ لِحَامِدِ بْنِ الْعَبَّاسِ مِنْ أَعْمَالِ وَاسِطَ زِيَادَةً عَلَى ضَمَانِهِ، فَاسْتَكْثَرَهُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُكَاتِبَهُ (بِذَلِكَ، فَكَاتَبَهُ) ، فَخَافَ حَامِدٌ أَنْ يُؤْخَذَ وَيُطَالَبَ بِذَلِكَ الْمَالِ، فَكَتَبَ إِلَى نَصْرٍ الْحَاجِبِ وَإِلَى وَالِدِهِ الْمُقْتَدِرِ، وَضَمِنَ لَهُمَا مَالًا لِيَتَحَدَّثَا لَهُ فِي الْوِزَارَةِ، فَذَكَرَ لِلْمُقْتَدِرِ حَالَهُ وَسَعَةَ نَفْسِهِ، وَكَثْرَةَ أَتْبَاعِهِ، وَأَنَّهُ لَهُ أَرْبَعُمِائَةِ مَمْلُوكٍ يَحْمِلُونَ السِّلَاحَ، وَاتَّفَقَ ذَلِكَ عِنْدَ نَفْرَةِ الْمُقْتَدِرِ عَنِ ابْنِ الْفُرَاتِ، فَأَمَرَهُ بِالْحُضُورِ مِنْ وَاسِطَ، فَحَضَرَ وَقَبَضَ عَلَى ابْنِ الْفُرَاتِ وَوَلَدِهِ الْمُحَسِّنِ وَأَصْحَابِهِمَا وَأَتْبَاعِهِمَا. وَلَمَّا وَصَلَ حَامِدٌ إِلَى بَغْدَاذَ أَقَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي دَارِ الْخَلِيفَةِ، فَكَانَ يَتَحَدَّثُ مَعَ النَّاسِ، وَيُضَاحِكُهُمْ، وَيَقُومُ لَهُمْ، فَبَانَ لِلْخَدَمِ وَلِأَبِي الْقَاسِمِ بْنِ الْحَوَارِيِّ وَحَاشِيَةِ الدَّارِ قِلَّةُ مَعْرِفَتِهِ بِالْوِزَارَةِ، وَقَالَ لَهُ حَاجِبُهُ: يَا مَوْلَانَا! الْوَزِيرُ يَحْتَاجُ إِلَى لُبْسِهِ، وَجَلْسِهِ، وَعَبَسِهِ، فَقَالَ لَهُ: (تَعْنِي أَنْ) تَلْبَسَ، وَتَقْعُدَ، فَلَا تَقُومَ لِأَحَدٍ، وَلَا تَضْحَكَ فِي وَجْهِ أَحَدٍ، وَلَا تُحَدَّثَ أَحَدًا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ حَامِدٌ: إِنَّ اللَّهَ أَعْطَانِي وَجْهًا طَلْقًا، وَخَلْقًا حَسَنًا، وَمَا كُنْتُ بِالَّذِي أُعَبِّسُ وَجْهِي، وَأُقَبِّحُ خَلْقِي لِأَجْلِ الْوِزَارَةِ، فَعَابُوهُ عِنْدَ الْمُقْتَدِرِ، وَنَسَبُوهُ إِلَى الْجَهْلِ بِأُمُورِ الْوِزَارَةِ، فَأَمَرَ الْمُقْتَدِرُ بِإِطْلَاقِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى مِنْ مَحْبِسِهِ، وَجَعَلَهُ يَتَوَلَّى الدَّوَاوِينَ شِبْهَ النَّائِبِ عَنْ حَامِدٍ، فَكَانَ يُرَاجِعُهُ فِي الْأُمُورِ وَيَصْدُرُ عَنْ رَأْيِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ اسْتَبَدَّ بِالْأَمْرِ دُونَ حَامِدٍ، وَلَمْ يَبْقَ لِحَامِدٍ غَيْرُ اسْمِ الْوِزَارَةِ وَمَعْنَاهَا لِعَلِيٍّ، حَتَّى قِيلَ فِيهِمَا: هَذَا وَزِيرٌ بِلَا سَوَادٍ وَذَا سَوَادٌ بِلَا وَزِيرٍ ثُمَّ إِنَّ حَامِدًا أَحْضَرَ ابْنَ الْفُرَاتِ لِيُقَابِلَهُ عَلَى أَعْمَالِهِ، وَوَكَّلَ بِمُنَاظَرَتِهِ عَلِيَّ بْنَ أَحْمَدَ الْمَادَرَائِيَّ لِيُصَحِّحَ عَلَيْهِ الْأَمْوَالَ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى إِثْبَاتِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ، فَانْتُدِبَ لَهُ حَامِدٌ، وَسَبَّهُ، وَنَالَ مِنْهُ، وَقَامَ إِلَيْهِ فَلَكَمَهُ.

стр. 3604

(وَكَانَ حَامِدٌ سَفِيهًا) فَقَالَ لَهُ ابْنُ الْفُرَاتِ: أَنْتَ عَلَى بِسَاطِ السُّلْطَانُ، وَفِي دَارِ الْمَمْلَكَةِ، وَلَيْسَ هَذَا الْمَوْضِعُ مِمَّا تَعْرِفُهُ مِنْ بَيْدَرٍ تُقَسِّمُهُ، أَوْ غَلَّةٍ تَسْتَفْضِلُ فِي كَيْلِهَا، وَلَا هُوَ مِثْلُ أَكَّارٍ تَشْتُمُهُ، ثُمَّ قَالَ لِشَفِيعٍ اللُّؤْلُؤِيِّ: قُلْ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَنِّي إِنَّ حَامِدًا إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى الدُّخُولِ فِي الْوِزَارَةِ، وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، إِنَّنِي أَوْجَبْتُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْ أَلْفِ دِينَارٍ مِنْ فَضْلِ ضَمَانِهِ، وَأَلْحَحْتُ فِي مُطَالَبَتِهِ بِهَا، فَظَنَّ أَنَّهَا تَنْدَفِعُ عَنْهُ بِدُخُولِهِ فِي الْوِزَارَةِ، (وَأَنَّهُ يُضِيفُ) إِلَيْهَا غَيْرَهَا، فَاسْتَشَاطَ حَامِدٌ وَبَالَغَ فِي شَتْمِهِ، فَأَنْفَذَ الْمُقْتَدِرُ، فَأَقَامَ ابْنُ الْفُرَاتِ مِنْ مَجْلِسِهِ، وَرَدَّهُ إِلَى مَحْبِسِهِ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى، وَنَصْرٌ الْحَاجِبُ لِحَامِدٍ: قَدْ جَنَيْتَ عَلَيْنَا وَعَلَى نَفْسِكَ جِنَايَةً عَظِيمَةً بِمَا فَعَلْتَهُ بِابْنِ الْفُرَاتِ، وَأَيْقَظْتَ مِنْهُ شَيْطَانًا لَا يَنَامُ. ثُمَّ إِنَّ ابْنَ الْفُرَاتِ صُودِرَ عَلَى مَالٍ عَظِيمٍ، وَضُرِبَ وَلَدُهُ الْمُحَسِّنُ وَأَصْحَابُهُ، وَأُخِذَ مِنْهُ أَمْوَالٌ جَمَّةٌ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عُزِلَ نِزَارٌ عَنْ شُرْطَةِ بَغْدَاذَ، وَجُعِلَ فِيهَا نَجَحٌ الطُّولُونِيُّ، وَجُعِلَ فِي الْأَرْبَاعِ فُقَهَاءُ يَكُونُ عَمَلُ أَصْحَابِ الشُّرْطَةِ بِفَتْوَاهُمْ، فَضَعُفَتْ هَيْبَةُ السَّلْطَنَةِ بِذَلِكَ، وَطَمِعَ اللُّصُوصُ وَالْعَيَّارُونَ، وَكَثُرَتِ الْفِتَنُ، وَكُبِسَتْ دُورُ التُّجَّارِ، وَأُخِذَتْ بَنَاتُ النَّاسِ فِي الطَّرِيقِ الْمُنْقَطِعَةِ، (وَكَثُرَ الْمُفْسِدُونَ) .

стр. 3605

ذِكْرُ إِرْسَالِ الْمَهْدِيِّ الْعَلَوِيِّ الْعَسَاكِرَ إِلَى مِصْرَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ جَهَّزَ الْمَهْدِيُّ صَاحِبُ إِفْرِيقِيَّةَ جَيْشًا كَثِيفًا مَعَ ابْنِهِ أَبِي الْقَاسِمِ، وَسَيَّرَهُمْ إِلَى مِصْرَ، وَهِيَ الْمَرَّةُ الثَّانِيَةُ، فَوَصَلَ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ، فَخَرَجَ عَامِلُ الْمُقْتَدِرِ عَنْهَا، وَدَخَلَهَا الْقَائِمُ، وَرَحَلَ إِلَى مِصْرَ، فَدَخَلَ الْجِيزَةَ، وَمَلَكَ الْأُشْمُونِينَ وَكَثِيرًا مِنَ الصَّعِيدِ، وَكَتَبَ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ يَدْعُوهُمْ إِلَى الدُّخُولِ فِي طَاعَتِهِ فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ. وَوَرَدَتْ بِذَلِكَ الْأَخْبَارُ إِلَى بَغْدَاذَ، فَبَعَثَ الْمُقْتَدِرُ بِاللَّهِ مُؤْنِسًا الْخَادِمَ فِي شَعْبَانَ، وَجَدَّ فِي السَّيْرِ فَوَصَلَ إِلَى مِصْرَ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَائِمِ عِدَّةُ وَقَعَاتٍ، وَوَصَلَ مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ ثَمَانُونَ مَرْكَبًا نَجْدَةً لِلْقَائِمِ، فَأَرْسَتْ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَعَلَيْهَا سُلَيْمَانُ الْخَادِمُ، وَيَعْقُوبُ الْكُتَامِيُّ، وَكَانَا شُجَاعَيْنِ، فَأَمَرَ الْمُقْتَدِرُ بِاللَّهِ أَنْ يُسَيِّرَ مَرَاكِبَ طَرَسُوسَ إِلَيْهِمْ، فَسَارَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ مَرْكَبًا، وَفِيهَا النِّفْطُ وَالْعُدَدُ، وَمُقَدَّمُهَا أَبُو الْيُمْنِ، فَالْتَقَتِ الْمَرَاكِبُ بِالْمَرَاكِبِ، وَاقْتَتَلُوا عَلَى رَشِيدٍ، فَظَفِرَ أَصْحَابُ مَرَاكِبِ الْمُقْتَدِرِ، وَأَحْرَقُوا كَثِيرًا مِنْ مَرَاكِبِ إِفْرِيقِيَّةَ، وَهَلَكَ أَكْثَرُ أَهْلِهَا، وَأُسِرَ مِنْهُمْ كَثِيرٌ، وَفِي الْأَسْرَى سُلَيْمَانُ الْخَادِمُ، وَيَعْقُوبُ، فَقُتِلَ مِنَ الْأَسْرَى كَثِيرٌ، (وَأُطْلِقَ كَثِيرٌ) ، وَمَاتَ سُلَيْمَانُ فِي الْحَبْسِ بِمِصْرَ، وَحُمِلَ يَعْقُوبُ إِلَى بَغْدَاذَ، ثُمَّ هَرَبَ مِنْهَا وَعَادَ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ. وَأَمَّا عَسْكَرُ الْقَائِمِ فَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُؤْنِسٍ وَقَعَاتٌ كَثِيرَةٌ، وَكَانَ الظَّفَرُ لِمُؤْنِسٍ فَلُقِّبَ حِينَئِذٍ بِالْمُظَفَّرِ. وَوَقَعَ الْوَبَاءُ فِي عَسْكَرِ الْقَائِمِ، وَالْغَلَاءُ، فَمَاتَ مِنْهُمْ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَالْخَيْلِ، فَعَادَ مَنْ سَلِمَ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ، وَسَارَ عَسْكَرُ مِصْرَ فِي أَثَرِهِمْ، حَتَّى أُبْعِدُوا، فَوَصَلَ الْقَائِمُ إِلَى الْمَهْدِيَّةِ فِي رَجَبٍ مِنَ السَّنَةِ.

стр. 3606

ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا بِشْرٌ الْأَفْشِينِيُّ بِلَادَ الرُّومِ، فَافْتَتَحَ عِدَّةَ حُصُونٍ، وَغَنَمَ، وَسَلِمَ. وَغَزَا ثَمِلٌ فِي بَحْرِ الرُّومِ، فَغَنِمَ، وَسَبَى، وَعَادَ، وَكَانَ عَلَى الْمَوْصِلِ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ حَمَّادٍ الْمَوْصِلِيُّ. وَفِيهَا دَخَلَ جِنِّيٌّ الصَّفْوَانِيُّ بِلَادَ الرُّومِ، فَنَهَبَ، وَخَرَّبَ، وَأَحْرَقَ، وَفَتَحَ وَعَادَ، فَقُرِئَتِ الْكُتُبُ عَلَى الْمَنَابِرِ بِبَغْدَاذَ بِذَلِكَ. وَفِيهَا وَقَعَتْ فِتْنَةٌ بِبَغْدَاذَ بَيْنَ الْعَامَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، فَأَخَذَ الْخَلِيفَةُ جَمَاعَةً مِنْهُمْ وَسَيَّرَهُمْ إِلَى الْبَصْرَةِ فَحُبِسُوا. وَفِيهَا أَمَرَ الْمُقْتَدِرُ بِبِنَاءِ بِيمَارِسْتَانَ، فَبُنِيَ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ النَّفَقَاتُ الْكَثِيرَةُ، وَكَانَ يُسَمَّى الْبِيمَارِسْتَانَ الْمُقْتَدَرِيَّ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْقَاضِي مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفِ بْنِ حَيَّانَ أَبُو بَكْرٍ الضَّبِّيُّ الْمَعْرُوفُ بِوَكِيعٍ، وَكَانَ عَالِمًا بِأَخْبَارِ النَّاسِ وَغَيْرِهَا، وَلَهُ تَصَانِيفُ حَسَنَةٌ.

стр. 3607

وَالْقَاضِي أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ شُرَيْحٍ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ وَلَهُ سَبْعٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً. وَفِيهَا مَاتَ كُنَيْزٌ الْمُغَنِّي، وَهُوَ مَشْهُورٌ بِالْحِذْقِ فِي الْغِنَاءِ. (كُنَيْزٌ بِضَمِّ الْكَافِ وَفَتْحِ النُّونِ وَآخِرُهَا زَايٌ) .

стр. 3608

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَثَلَاثِمِائَة] ٣٠٧ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ ضَمِنَ حَامِدُ بْنُ الْعَبَّاسِ أَعْمَالَ الْخَرَاجِ، وَالضِّيَاعِ الْخَاصَّةِ، وَالْعَامَّةِ، وَالْمُسْتَحْدَثَةِ، وَالْفُرَاتِيَّةِ بِسَوَادِ بَغْدَاذَ، وَالْكُوفَةِ، وَوَاسِطَ، وَالْبَصْرَةِ، وَالْأَهْوَازِ، وَأَصْبَهَانَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا رَأَى أَنَّهُ قَدْ تَعَطَّلَ عَنِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَتَفَرَّدَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى شَرَعَ فِي هَذَا لِيَصِيرَ لَهُ حَدِيثٌ وَأَمْرٌ وَنَهْيٌ، وَاسْتَأْذَنَ الْمُقْتَدِرَ فِي الِانْحِدَارِ إِلَى وَاسِطَ (لِيُدَبِّرَ أَمْرَ ضَمَانِهِ الْأَوَّلِ) ، فَأَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَانْحَدَرَ إِلَيْهَا وَاسْمُ الْوِزَارَةِ عَلَيْهِ، وَعَلِيُّ بْنُ عِيسَى يُدَبِّرُ الْأُمُورَ، وَأَظْهَرَ حَامِدٌ زِيَادَةً ظَاهِرَةً فِي الْأَمْوَالِ، وَزَادَ زِيَادَةً مُتَوَفِّرَةً، فَسُرَّ الْمُقْتَدِرُ بِذَلِكَ، وَبَسَطَ يَدَ حَامِدٍ عَلَى الْأَعْمَالِ، حَتَّى خَافَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى. ثُمَّ إِنَّ السِّعْرَ تَحَرَّكَ بِبَغْدَاذَ، فَثَارَتِ الْعَامَّةُ وَالْخَاصَّةُ لِذَلِكَ، وَاسْتَغَاثُوا، وَكَسَرُوا الْمَنَابِرَ، وَكَانَ حَامِدٌ يُخَزِّنُ الْغِلَالَ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنَ الْقُوَّادِ وَنُهِبَتْ عِدَّةٌ مِنْ دَكَاكِينِ الدَّقَاقِينَ، فَأَمَرَ الْمُقْتَدِرُ بِإِحْضَارِ حَامِدِ بْنِ الْعَبَّاسِ، فَحَضَرَ مِنَ الْأَهْوَازَ، فَعَادَ النَّاسُ مِنْ شَغَبِهِمْ، فَأُنْفِذَ حَامِدٌ لِمَنْعِهِمْ، فَقَاتَلُوهُمْ، وَأَحْرَقُوا الْجِسْرَيْنِ، وَأَخْرَجُوا الْمُحَبَّسِينَ مِنَ السُّجُونِ، وَنَهَبُوا دَارَ صَاحِبِ الشُّرْطَةِ، وَلَمْ يَتْرُكُوا لَهُ شَيْئًا، فَأَنْفَذَ الْمُقْتَدِرُ جَيْشًا مَعَ غَرِيبِ الْخَالِ، فَقَاتَلَ الْعَامَّةَ، فَهَرَبُوا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَدَخَلُوا الْجَامِعَ بِبَابِ الطَّاقِ، فَوَكَّلَ بِأَبْوَابِ الْجَامِعِ، وَأَخَذَ كُلَّ مَنْ فِيهِ فَحَبَسَهُمْ، وَضَرَبَ بَعْضَهُمْ، وَقَطَعَ أَيْدِي مَنْ يُعْرَفُ بِالْفَسَادِ.

стр. 3609

ثُمَّ أَمَرَ الْمُقْتَدِرُ مِنَ الْغَدِ، فَنُودِيَ فِي النَّاسِ بِالْأَمَانِ، فَسَكَنَتِ الْفِتْنَةُ، ثُمَّ إِنْ حَامِدًا رَكِبَ إِلَى دَارِ الْمُقْتَدِرِ فِي الطَّيَّارِ، فَرَجَمَهُ الْعَامَّةُ، ثُمَّ أَمَرَ الْمُقْتَدِرُ بِتَسْكِينِهِمْ فَسَكَنُوا، وَأَمَرَ الْمُقْتَدِرُ بِفَتْحِ مَخَازِنِ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ الَّتِي لِحَامِدٍ، وَلِأُمِّ الْمُقْتَدِرِ، وَغَيْرِهِمَا، وَبَيْعِ مَا فِيهَا، فَرَخُصَتِ الْأَسْعَارُ، وَسَكَنَ النَّاسُ، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى لِلْمُقْتَدِرِ: إِنَّ سَبَبَ غَلَاءِ الْأَسْعَارِ إِنَّمَا هُوَ ضَمَانُ حَامِدٍ لِأَنَّهُ مَنَعَ مِنْ بَيْعِ الْغِلَالِ فِي الْبَيَادِرِ وَخَزَنَهَا، فَأَمَرَ بِفَسْخِ الضَّمَانِ عَنْ حَامِدٍ، وَصَرْفِ عُمَّالِهِ عَنِ السَّوَادِ، وَأَمَرَ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى أَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ، فَسَكَنَ النَّاسُ وَاطْمَأَنُّوا، وَكَانَ أَصْحَابُ حَامِدٍ يَقُولُونَ إِنَّ ذَلِكَ الشَّغَبَ كَانَ بِوَضْعٍ مِنْ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى. ذِكْرُ أَمْرِ أَحْمَدَ بْنِ سَهْلٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ ظَفِرَ الْأَمِيرُ نَصْرُ بْنُ أَحْمَدَ صَاحِبُ خُرَاسَانَ (وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ) بِأَحْمَدَ بْنِ سَهْلٍ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ حَالَهُ مِنْ أَوَّلِهِ. كَانَ أَحْمَدُ بْنُ سَهْلٍ هَذَا مِنْ كِبَارِ قُوَّادِ الْأَمِيرِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَحْمَدَ، وَوَلَدِهِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَوَلَدِهِ نَصْرِ بْنِ أَحْمَدَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ ذِكْرِ تَقَدُّمِهِ عَلَى الْجُيُوشِ فِي الْحُرُوبِ مَا يَدُلُّ عَلَى عُلُوِّ مَنْزِلَتِهِ. وَهُوَ أَحْمَدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ الْوَلِيدِ (بْنِ جَبَلَةَ) بْنِ كَامْكَارَ بْنِ يَزْدَجِرْدَ بْنِ شَهْرَيَارَ الْمَلِكِ، وَكَانَ كَامْكَارُ دِهْقَانًا بِنُوَاحِي مَرْوَ، وَإِلَيْهِ يُنْسَبُ الْوَرْدُ الْكَامْكَارِيُّ، وَهُوَ الشَّدِيدُ الْحُمْرَةِ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى بِالرَّيِّ الْقَصْرَانِيَّ، وَبِالْعِرَاقِ وَالْجَزِيرَةِ وَالشَّامِ الْجُورِيَّ، يُنْسَبُ إِلَى قَصْرَانَ، وَهِيَ قَرْيَةٌ بِالرَّيِّ، وَإِلَى مَدِينَةِ جُورَ، وَهِيَ مِنْ مُدُنِ فَارِسَ.

стр. 3610

وَكَانَ لِأَحْمَدَ إِخْوَةٌ يُقَالُ لَهُمْ مُحَمَّدٌ، وَالْفَضْلُ، وَالْحُسَيْنُ، قُتِلُوا فِي عَصَبِيَّةِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ بِمَرْوَ، وَكَانَ أَحْمَدُ خَلِيفَةَ عَمْرِو بْنِ اللَّيْثِ عَلَى مَرْوَ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ عَمْرٌو، وَنَقَلَهُ إِلَى سِجِسْتَانَ، فَحَبَسَهُ بِهَا، فَرَأَى وَهُوَ فِي السِّجْنِ كَأَنَّ يُوسُفَ النَّبِيَّ، ﵇، عَلَى بَابِ السِّجْنِ، فَقَالَ لَهُ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُخَلِّصَنِي وَيُوَلِّيَنِي! فَقَالَ لَهُ: قَدْ أَذِنَ اللَّهُ فِي خَلَاصِكَ، لَكِنَّكَ لَا تَلِي عَمَلًا بِرَأْسِكَ. ثُمَّ إِنَّ أَحْمَدَ طَلَبَ الْحَمَّامَ فَأُدْخِلُ إِلَيْهِ، فَأَخَذَ النُّورَةَ فَطَلَى بِهَا رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ فَسَقَطَ شَعْرُهُ، وَخَرَجَ مِنَ الْحَمَّامِ وَلَمْ يَعْرِفْهُ أَحَدٌ، فَاخْتَفَى، فَطَلَبَهُ عَمْرٌو فَلَمْ يَظْفَرْ بِهِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ سِجِسْتَانَ نَحْوَ مَرْوَ، فَقَبَضَ عَلَى خَلِيفَةِ عَمْرٍو وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، وَاسْتَأْمَنَ إِلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَحْمَدَ بِبُخَارَى، فَأَكْرَمَهُ، وَقَدَّمَهُ، وَرَفَعَ قَدْرَهُ، وَكَانَ عَاقِلًا كَتُومًا لِأَسْرَارِهِ. فَلَمَّا عَصَى الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ سَيَّرَ إِلَيْهِ أَحْمَدَ، فَظَفِرَ بِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَضِمِنَ لَهُ الْأَمِيرُ نَصْرٌ أَشْيَاءَ لَمْ يَفِ لَهُ بِهَا، فَاسْتَوْحَشَ مِنْ ذَلِكَ، فَأَتَاهُ يَوْمًا بَعْضُ أَصْحَابِ أَبِي جَعْفَرٍ صُعْلُوكٍ، فَحَادَثَهُ، فَأَنْشَدَهُ أَحْمَدُ بْنُ سَهْلٍ، وَقَدْ ذَكَرَ حَالَهُ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَفُوا لَهُ بِمَا وَعَدُوهُ: سَتَقْطَعُ فِي الدُّنْيَا إِذَا مَا قَطَعْتَنِي ... يَمِينَكَ، فَانْظُرْ أَيَّ كَفَّيْكَ تُبْدِّلُ وَفِي النَّاسِ إِنْ رَثَّتْ حِبَالُكَ وَاصَلٌ ... وَفِي الْأَرْضِ عَنْ دَارِ الْعُلَى مُتَحَوَّلُ إِذَا أَنْتَ لَمْ تُنْصِفْ أَخَاكَ وَجَدْتَهُ ... عَلَى طَرَفِ الْهِجْرَانِ إِنْ كَانَ يَعْقِلُ وَتَرْكَبُ حَدَّ السَّيْفِ مِنْ أَنْ تُضِيمَهُ ... إِذَا لَمْ يَكُنْ عَنْ شَفْرَةِ السَّيْفِ مَرْحَلُ إِذَا انْصَرَفَتْ نَفْسِي عَنِ الشَّيْءِ لَمْ تَكَدْ - إِلَيْهِ بِوَجْهٍ، آخِرَ الدَّهْرِ، تُقْبِلُ قَالَ: فَعَلِمْتُ أَنَّهُ قَدْ أَضْمَرَ الْمُخَالَفَةَ، فَلَمْ تَمْضِ إِلَّا أَيَّامٌ حَتَّى خَالَفَهُ بِنَيْسَابُورَ
следующие страницы →