Полный текст (6 163 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.
стр. 3606
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا بِشْرٌ الْأَفْشِينِيُّ بِلَادَ الرُّومِ، فَافْتَتَحَ عِدَّةَ حُصُونٍ، وَغَنَمَ، وَسَلِمَ.
وَغَزَا ثَمِلٌ فِي بَحْرِ الرُّومِ، فَغَنِمَ، وَسَبَى، وَعَادَ، وَكَانَ عَلَى الْمَوْصِلِ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ حَمَّادٍ الْمَوْصِلِيُّ.
وَفِيهَا دَخَلَ جِنِّيٌّ الصَّفْوَانِيُّ بِلَادَ الرُّومِ، فَنَهَبَ، وَخَرَّبَ، وَأَحْرَقَ، وَفَتَحَ وَعَادَ، فَقُرِئَتِ الْكُتُبُ عَلَى الْمَنَابِرِ بِبَغْدَاذَ بِذَلِكَ.
وَفِيهَا وَقَعَتْ فِتْنَةٌ بِبَغْدَاذَ بَيْنَ الْعَامَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، فَأَخَذَ الْخَلِيفَةُ جَمَاعَةً مِنْهُمْ وَسَيَّرَهُمْ إِلَى الْبَصْرَةِ فَحُبِسُوا.
وَفِيهَا أَمَرَ الْمُقْتَدِرُ بِبِنَاءِ بِيمَارِسْتَانَ، فَبُنِيَ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ النَّفَقَاتُ الْكَثِيرَةُ، وَكَانَ يُسَمَّى الْبِيمَارِسْتَانَ الْمُقْتَدَرِيَّ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْقَاضِي مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفِ بْنِ حَيَّانَ أَبُو بَكْرٍ الضَّبِّيُّ الْمَعْرُوفُ بِوَكِيعٍ، وَكَانَ عَالِمًا بِأَخْبَارِ النَّاسِ وَغَيْرِهَا، وَلَهُ تَصَانِيفُ حَسَنَةٌ.
стр. 3607
وَالْقَاضِي أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ شُرَيْحٍ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ وَلَهُ سَبْعٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً.
وَفِيهَا مَاتَ كُنَيْزٌ الْمُغَنِّي، وَهُوَ مَشْهُورٌ بِالْحِذْقِ فِي الْغِنَاءِ. (كُنَيْزٌ بِضَمِّ الْكَافِ وَفَتْحِ النُّونِ وَآخِرُهَا زَايٌ) .
стр. 3608
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَثَلَاثِمِائَة]
٣٠٧ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ ضَمِنَ حَامِدُ بْنُ الْعَبَّاسِ أَعْمَالَ الْخَرَاجِ، وَالضِّيَاعِ الْخَاصَّةِ، وَالْعَامَّةِ، وَالْمُسْتَحْدَثَةِ، وَالْفُرَاتِيَّةِ بِسَوَادِ بَغْدَاذَ، وَالْكُوفَةِ، وَوَاسِطَ، وَالْبَصْرَةِ، وَالْأَهْوَازِ، وَأَصْبَهَانَ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا رَأَى أَنَّهُ قَدْ تَعَطَّلَ عَنِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَتَفَرَّدَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى شَرَعَ فِي هَذَا لِيَصِيرَ لَهُ حَدِيثٌ وَأَمْرٌ وَنَهْيٌ، وَاسْتَأْذَنَ الْمُقْتَدِرَ فِي الِانْحِدَارِ إِلَى وَاسِطَ (لِيُدَبِّرَ أَمْرَ ضَمَانِهِ الْأَوَّلِ) ، فَأَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَانْحَدَرَ إِلَيْهَا وَاسْمُ الْوِزَارَةِ عَلَيْهِ، وَعَلِيُّ بْنُ عِيسَى يُدَبِّرُ الْأُمُورَ، وَأَظْهَرَ حَامِدٌ زِيَادَةً ظَاهِرَةً فِي الْأَمْوَالِ، وَزَادَ زِيَادَةً مُتَوَفِّرَةً، فَسُرَّ الْمُقْتَدِرُ بِذَلِكَ، وَبَسَطَ يَدَ حَامِدٍ عَلَى الْأَعْمَالِ، حَتَّى خَافَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى.
ثُمَّ إِنَّ السِّعْرَ تَحَرَّكَ بِبَغْدَاذَ، فَثَارَتِ الْعَامَّةُ وَالْخَاصَّةُ لِذَلِكَ، وَاسْتَغَاثُوا، وَكَسَرُوا الْمَنَابِرَ، وَكَانَ حَامِدٌ يُخَزِّنُ الْغِلَالَ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنَ الْقُوَّادِ وَنُهِبَتْ عِدَّةٌ مِنْ دَكَاكِينِ الدَّقَاقِينَ، فَأَمَرَ الْمُقْتَدِرُ بِإِحْضَارِ حَامِدِ بْنِ الْعَبَّاسِ، فَحَضَرَ مِنَ الْأَهْوَازَ، فَعَادَ النَّاسُ مِنْ شَغَبِهِمْ، فَأُنْفِذَ حَامِدٌ لِمَنْعِهِمْ، فَقَاتَلُوهُمْ، وَأَحْرَقُوا الْجِسْرَيْنِ، وَأَخْرَجُوا الْمُحَبَّسِينَ مِنَ السُّجُونِ، وَنَهَبُوا دَارَ صَاحِبِ الشُّرْطَةِ، وَلَمْ يَتْرُكُوا لَهُ شَيْئًا، فَأَنْفَذَ الْمُقْتَدِرُ جَيْشًا مَعَ غَرِيبِ الْخَالِ، فَقَاتَلَ الْعَامَّةَ، فَهَرَبُوا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَدَخَلُوا الْجَامِعَ بِبَابِ الطَّاقِ، فَوَكَّلَ بِأَبْوَابِ الْجَامِعِ، وَأَخَذَ كُلَّ مَنْ فِيهِ فَحَبَسَهُمْ، وَضَرَبَ بَعْضَهُمْ، وَقَطَعَ أَيْدِي مَنْ يُعْرَفُ بِالْفَسَادِ.
стр. 3609
ثُمَّ أَمَرَ الْمُقْتَدِرُ مِنَ الْغَدِ، فَنُودِيَ فِي النَّاسِ بِالْأَمَانِ، فَسَكَنَتِ الْفِتْنَةُ، ثُمَّ إِنْ حَامِدًا رَكِبَ إِلَى دَارِ الْمُقْتَدِرِ فِي الطَّيَّارِ، فَرَجَمَهُ الْعَامَّةُ، ثُمَّ أَمَرَ الْمُقْتَدِرُ بِتَسْكِينِهِمْ فَسَكَنُوا، وَأَمَرَ الْمُقْتَدِرُ بِفَتْحِ مَخَازِنِ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ الَّتِي لِحَامِدٍ، وَلِأُمِّ الْمُقْتَدِرِ، وَغَيْرِهِمَا، وَبَيْعِ مَا فِيهَا، فَرَخُصَتِ الْأَسْعَارُ، وَسَكَنَ النَّاسُ، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى لِلْمُقْتَدِرِ: إِنَّ سَبَبَ غَلَاءِ الْأَسْعَارِ إِنَّمَا هُوَ ضَمَانُ حَامِدٍ لِأَنَّهُ مَنَعَ مِنْ بَيْعِ الْغِلَالِ فِي الْبَيَادِرِ وَخَزَنَهَا، فَأَمَرَ بِفَسْخِ الضَّمَانِ عَنْ حَامِدٍ، وَصَرْفِ عُمَّالِهِ عَنِ السَّوَادِ، وَأَمَرَ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى أَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ، فَسَكَنَ النَّاسُ وَاطْمَأَنُّوا، وَكَانَ أَصْحَابُ حَامِدٍ يَقُولُونَ إِنَّ ذَلِكَ الشَّغَبَ كَانَ بِوَضْعٍ مِنْ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى.
ذِكْرُ أَمْرِ أَحْمَدَ بْنِ سَهْلٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ ظَفِرَ الْأَمِيرُ نَصْرُ بْنُ أَحْمَدَ صَاحِبُ خُرَاسَانَ (وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ) بِأَحْمَدَ بْنِ سَهْلٍ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ حَالَهُ مِنْ أَوَّلِهِ.
كَانَ أَحْمَدُ بْنُ سَهْلٍ هَذَا مِنْ كِبَارِ قُوَّادِ الْأَمِيرِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَحْمَدَ، وَوَلَدِهِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَوَلَدِهِ نَصْرِ بْنِ أَحْمَدَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ ذِكْرِ تَقَدُّمِهِ عَلَى الْجُيُوشِ فِي الْحُرُوبِ مَا يَدُلُّ عَلَى عُلُوِّ مَنْزِلَتِهِ.
وَهُوَ أَحْمَدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ الْوَلِيدِ (بْنِ جَبَلَةَ) بْنِ كَامْكَارَ بْنِ يَزْدَجِرْدَ بْنِ شَهْرَيَارَ الْمَلِكِ، وَكَانَ كَامْكَارُ دِهْقَانًا بِنُوَاحِي مَرْوَ، وَإِلَيْهِ يُنْسَبُ الْوَرْدُ الْكَامْكَارِيُّ، وَهُوَ الشَّدِيدُ الْحُمْرَةِ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى بِالرَّيِّ الْقَصْرَانِيَّ، وَبِالْعِرَاقِ وَالْجَزِيرَةِ وَالشَّامِ الْجُورِيَّ، يُنْسَبُ إِلَى قَصْرَانَ، وَهِيَ قَرْيَةٌ بِالرَّيِّ، وَإِلَى مَدِينَةِ جُورَ، وَهِيَ مِنْ مُدُنِ فَارِسَ.
стр. 3610
وَكَانَ لِأَحْمَدَ إِخْوَةٌ يُقَالُ لَهُمْ مُحَمَّدٌ، وَالْفَضْلُ، وَالْحُسَيْنُ، قُتِلُوا فِي عَصَبِيَّةِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ بِمَرْوَ، وَكَانَ أَحْمَدُ خَلِيفَةَ عَمْرِو بْنِ اللَّيْثِ عَلَى مَرْوَ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ عَمْرٌو، وَنَقَلَهُ إِلَى سِجِسْتَانَ، فَحَبَسَهُ بِهَا، فَرَأَى وَهُوَ فِي السِّجْنِ كَأَنَّ يُوسُفَ النَّبِيَّ، ﵇، عَلَى بَابِ السِّجْنِ، فَقَالَ لَهُ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُخَلِّصَنِي وَيُوَلِّيَنِي! فَقَالَ لَهُ: قَدْ أَذِنَ اللَّهُ فِي خَلَاصِكَ، لَكِنَّكَ لَا تَلِي عَمَلًا بِرَأْسِكَ.
ثُمَّ إِنَّ أَحْمَدَ طَلَبَ الْحَمَّامَ فَأُدْخِلُ إِلَيْهِ، فَأَخَذَ النُّورَةَ فَطَلَى بِهَا رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ فَسَقَطَ شَعْرُهُ، وَخَرَجَ مِنَ الْحَمَّامِ وَلَمْ يَعْرِفْهُ أَحَدٌ، فَاخْتَفَى، فَطَلَبَهُ عَمْرٌو فَلَمْ يَظْفَرْ بِهِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ سِجِسْتَانَ نَحْوَ مَرْوَ، فَقَبَضَ عَلَى خَلِيفَةِ عَمْرٍو وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، وَاسْتَأْمَنَ إِلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَحْمَدَ بِبُخَارَى، فَأَكْرَمَهُ، وَقَدَّمَهُ، وَرَفَعَ قَدْرَهُ، وَكَانَ عَاقِلًا كَتُومًا لِأَسْرَارِهِ.
فَلَمَّا عَصَى الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ سَيَّرَ إِلَيْهِ أَحْمَدَ، فَظَفِرَ بِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَضِمِنَ لَهُ الْأَمِيرُ نَصْرٌ أَشْيَاءَ لَمْ يَفِ لَهُ بِهَا، فَاسْتَوْحَشَ مِنْ ذَلِكَ، فَأَتَاهُ يَوْمًا بَعْضُ أَصْحَابِ أَبِي جَعْفَرٍ صُعْلُوكٍ، فَحَادَثَهُ، فَأَنْشَدَهُ أَحْمَدُ بْنُ سَهْلٍ، وَقَدْ ذَكَرَ حَالَهُ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَفُوا لَهُ بِمَا وَعَدُوهُ:
سَتَقْطَعُ فِي الدُّنْيَا إِذَا مَا قَطَعْتَنِي ... يَمِينَكَ، فَانْظُرْ أَيَّ كَفَّيْكَ تُبْدِّلُ
وَفِي النَّاسِ إِنْ رَثَّتْ حِبَالُكَ وَاصَلٌ ... وَفِي الْأَرْضِ عَنْ دَارِ الْعُلَى مُتَحَوَّلُ
إِذَا أَنْتَ لَمْ تُنْصِفْ أَخَاكَ وَجَدْتَهُ ... عَلَى طَرَفِ الْهِجْرَانِ إِنْ كَانَ يَعْقِلُ
وَتَرْكَبُ حَدَّ السَّيْفِ مِنْ أَنْ تُضِيمَهُ ... إِذَا لَمْ يَكُنْ عَنْ شَفْرَةِ السَّيْفِ مَرْحَلُ
إِذَا انْصَرَفَتْ نَفْسِي عَنِ الشَّيْءِ لَمْ تَكَدْ
-
إِلَيْهِ بِوَجْهٍ، آخِرَ الدَّهْرِ، تُقْبِلُ
قَالَ: فَعَلِمْتُ أَنَّهُ قَدْ أَضْمَرَ الْمُخَالَفَةَ، فَلَمْ تَمْضِ إِلَّا أَيَّامٌ حَتَّى خَالَفَهُ بِنَيْسَابُورَ
стр. 3611
(وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا) وَأَسْقَطَ خُطْبَةَ السَّعِيدِ نَصْرِ بْنِ أَحْمَدَ، وَأَنْفَذَ رَسُولًا إِلَى بَغْدَاذَ يَخْطُبُ لَهُ أَعْمَالَ خُرَاسَانَ.
وَسَارَ مِنْ نَيْسَابُورَ إِلَى جُرْجَانَ وَبِهَا قُرَاتِكِينُ، فَحَارَبَهُ، وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، (وَأَخْرَجَ قُرَائِكِينَ عَنْهَا، ثُمَّ عَادَ إِلَى خُرَاسَانَ، وَقَصَدَ مَرْوَ فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا) ، وَبَنَى عَلَيْهَا سُورًا وَتَحَصَّنَ بِهَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ السَّعِيدُ نَصْرٌ الْجُيُوشَ مَعَ حَمُّوَيْهِ بْنِ عَلِيٍّ مِنْ بُخَارَى، فَوَافَى مَرْوَ الرُّوذَ، فَأَقَامَ بِنَوَاحِيهَا لِيَخْرُجَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ بْنُ سَهْلٍ مِنْهَا، فَلَمْ يَفْعَلْ.
وَدَخَلَ بَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَدَ عَلَيْهِ يَوْمًا، وَهُوَ يُفَكِّرُ بَعْدَ نُزُولِ حَمُّوَيْهِ عَلَيْهِ، فَقَالَ لِصَاحِبِهِ: لَا شَكَّ أَنَّ الْأَمِيرَ مَشْغُولُ الْقَلْبِ لِهَذَا الْخَطْبِ، فَمَا هُوَ رَأْيُ الْأَمِيرِ؟ فَقَالَ: لَيْسَ بِي مَا تَظُنُّ، وَلَكِنْ ذَكَرْتُ رُؤْيَا رَأَيْتُهَا فِي حَبْسِ سِجِسْتَانَ، وَذَكَرَ قَوْلَ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ، ﵇: إِنَّكَ لَا تَلِي عَمَلًا بِرَأْسِكَ. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ الْقَوْمَ يَغْتَنِمُونَ سِلْمَكَ، وَيُعْطُونَكَ مَا تُرِيدُ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ يَتَوَسَّطَ الْحَالُ فَعَلْنَا، فَأَنْشَدَ:
سَأَغْسِلُ عَنِّي الْعَارَ بِالسَّيْفِ جَالِبًا ... عَلَيَّ قَضَاءُ اللَّهِ مَا كَانَ جَالِبًا
وَلَمَّا رَأَى حَمُّوَيْهِ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ إِلَيْهِ مِنْ مَرْوَ عَمِلَ الْحِيلَةَ فِي ذَلِكَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: قَدْ أَدْخَلْتُ ابْنَ سَهْلٍ فِي جُحْرِ فَأْرٍ، وَسَدَدْتُ عَلَيْهِ وُجُوهَ الْفِرَارِ، وَأَشْبَاهَ هَذَا الْكَلَامِ لِيَغْضَبَ أَحْمَدُ فَيَخْرُجَ، فَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ أَمَرَ حَمُّوَيْهِ جَمَاعَةً مِنْ ثِقَاتِ قُوَّادِهِ، فَكَاتَبُوا أَحْمَدَ بْنَ سَهْلٍ سِرًّا، وَأَظْهَرُوا لَهُ الْمَيْلَ، وَدَعَوْهُ إِلَى الْخُرُوجِ مِنْ مَرْوَ لِيُسَلِّمُوا إِلَيْهِ حَمُّوَيْهِ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، لِمَا فِي نَفْسِهِ مِنَ الْغَيْظِ عَلَى حَمُّوَيْهِ، فَخَرَجَ عَنْ مَرْوَ نَحْوَ حَمُّوَيْهِ، فَالْتَقَوْا عَلَى مَرْحَلَةٍ مِنْ مَرْوِ الرُّوذِ فِي رَجَبٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ أَحْمَدَ، وَحَارَبَ هُوَ إِلَى أَنْ عَجَزَتْ دَابَّتُهُ، فَنَزَلَ عَنْهَا وَاسْتَأْمَنَ، فَأَخَذُوهُ أَسِيرًا، وَأَنْفَذُوهُ إِلَى بُخَارَى، فَمَاتَ بِهَا فِي الْحَبْسِ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ سَنَةِ سَبْعٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ.
وَكَانَ الْأَمِيرُ أَحْمَدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَحْمَدَ يَقُولُ: لَا يَنْبَغِي لِأَحْمَدَ بْنِ سَهْلٍ أَنْ يَغِيبَ
стр. 3612
عَنْ بَابِ السُّلْطَانِ، فَإِنَّهُ إِنْ غَابَ عَنْهُ أَثَارَ شُغْلًا عَظِيمًا، كَأَنَّهُ يَتَوَسَّمُ فِيهِ مَا فَعَلَ، فَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ فِرَاسَةُ الْمَلِكِ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَعَ حَرِيقٌ بَالْكَرْخِ مِنْ بَغْدَاذَ، فَاحْتَرَقَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ الدُّورِ وَالنَّاسِ.
وَفِيهَا قُلِّدَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْدَانَ دِيَارَ رَبِيعَةَ، وَقُلِّدَ بُنِّيُّ بْنُ نَفِيسٍ شَهْرَزُورَ فَامْتَنَعَتْ عَلَيْهِ، فَاسْتَمَدَّ الْمُقْتَدِرَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ جَيْشًا، فَحَصَرَهَا وَلَمْ يَفْتَحْهَا، وَقُلِّدَ الْقِتَالَ بِالْمَوْصِلِ وَأَعْمَالِهَا.
وَفِيهَا أَوْقَعَ ثَمِلٌ مُتَوَلِّي الْغَزْوِ فِي الْبَحْرِ بِمَرَاكِبَ لِلْمَهْدِيِّ الْعَلَوِيِّ، صَاحِبِ إِفْرِيقِيَّةَ، وَقَتَلَ جَمَاعَةً مِمَّنْ فِيهَا، وَأَسَرَ خَادِمًا لَهُ.
وَفِيهَا انْقَضَّ كَوْكَبٌ عَظِيمٌ، (فَاشْتَدَّ ضَوْءُهُ وَعَظُمَ) ، وَتَفَرَّقَ ثَلَاثَ فِرَقٍ، وَسُمِعَ عِنْدَ انْقِضَاضِهِ مِثْلُ صَوْتِ الرَّعْدِ الشَّدِيدِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي السَّمَاءِ غَيْمٌ.
وَفِيهَا كَانَتْ فِتْنَةٌ بِالْمَوْصِلِ بَيْنَ أَصْحَابِ الطَّعَامِ وَبَيْنَ الْأَسَاكِفَةِ، وَاحْتَرَقَ سُوقُ الْأَسَاكِفَةِ وَمَا فِيهِ، وَكَانَ الْوَالِيَ عَلَى الْمَوْصِلِ وَأَعْمَالِهَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ كُنْدَاجَ، وَكَانَ خَارِجًا عَنِ الْبَلَدِ، فَسَمِعَ بِالْفِتْنَةِ، فَرَجَعَ لِيُوقِعَ بِأَهْلِ الْمَوْصِلِ، فَعَزَمُوا عَلَى قِتَالِهِ، وَحَصَّنُوا الْبَلَدَ، وَسَدُّوا الدُّرُوبَ فَلَمَّا عَلِمَ بِذَلِكَ تَرَكَ قِتَالَهُمْ، وَأَمَرَ الْأَعْرَابَ بِتَخْرِيبِ الْأَعْمَالِ، فَصَارُوا يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ عَلَى الْجِسْرِ وَفِي الْمَيْدَانِ، وَيُقَاسِمُونَهُ.
стр. 3613
فَخَرَّبَ الْبَلَدَ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى الْخَلِيفَةِ، فَعَزَلَهُ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَاسْتَعْمَلَ بَعْدَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ الْفَتَّانَ، وَكَانَ عَفِيفًا، صَارِمًا، كَفَّ الْأَعْرَابَ عَنِ الْبَلَدِ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو يَعْلَى أَحْمَدُ (بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى الْمَوْصِلِيُّ، صَاحِبُ " الْمُسْنَدِ " بِهَا) .
стр. 3614
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَثَلَاثِمِائَة]
٣٠٨ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَلَعَ الْمُقْتَدِرُ عَلَى أَبِي الْهَيْجَاءِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْدَانَ، وَقُلِّدَ طَرِيقَ خُرَاسَانَ وَالدِّينَوَرِ، وَخَلَعَ عَلَى أَخَوَيْهِ أَبِي الْعَلَاءِ وَأَبِي السَّرَايَا.
وَفِيهَا وَصَلَ رَسُولُ أَخِي صُعْلُوكٍ بِالْمَالِ، وَالْهَدَايَا، وَالتُّحَفِ، وَيُخْبِرُ بِاسْتِمْرَارِهِ عَلَى الطَّاعَةِ لِلْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْدَانَ فِي الْمُحَرَّمِ.
وَفِيهَا قُلِّدَ بَدْرٌ الشَّرَابِيُّ دَقُوقَا، وَعُكْبَرَا، وَطَرِيقَ الْمَوْصِلِ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ صَاحِبُ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ، وَمِنْ طَرِيقِهِ يُرْوَى " صَحِيحُ مُسْلِمٍ " إِلَى الْيَوْمِ.
стр. 3615
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ]
٣٠٩ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ
ذِكْرُ قَتْلِ لَيْلَى بْنِ النُّعْمَانِ الدَّيْلَمِيِّ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ لَيْلَى بْنُ النُّعْمَانِ الدَّيْلَمِيُّ، وَكَانَ لَيْلَى هَذَا أَحَدَ قُوَّادِ أَوْلَادِ الْأُطْرُوشِ الْعَلَوِيِّ، وَكَانَ إِلَيْهِ وِلَايَةُ جُرْجَانَ، وَكَانَ قَدِ اسْتَعْمَلَهُ عَلَيْهَا الْحَسَنُ بْنُ الْقَاسِمِ الدَّاعِي سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَكَانَ أَوْلَادُ الْأُطْرُوشِ يُكَاتِبُونَهُ: الْمُؤَيِّدُ لِدِينِ اللَّهِ الْمُنْتَصِرُ لِآلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَى بْنُ النُّعْمَانِ، وَكَانَ كَرِيمًا، بَذَّالًا لِلْأَمْوَالِ، شُجَاعًا، مِقْدَامًا عَلَى الْأَهْوَالِ.
وَسَارَ مِنْ جُرْجَانَ إِلَى الدَّامِغَانِ، فَحَارَبَهُ أَهْلُهَا، فَقَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً وَعَادَ إِلَى جُرْجَانَ، فَابْتَنَى أَهْلُ الدَّامِغَانِ حِصْنًا يَحْمِيهِمْ، وَسَارَ قُرَاتِكِينُ إِلَيْهِ بِجُرْجَانَ، فَحَارَبَهُ عَلَى نَحْوِ عَشَرَةِ فَرَاسِخَ مِنْ جُرْجَانَ، فَانْهَزَمَ قُرَاتِكِينُ، وَاسْتَأْمَنَ غُلَامُهُ بَارِسُ إِلَى لَيْلَى وَمَعَهُ أَلْفُ فَارِسٍ، فَأَكْرَمَهُ لَيْلَى، وَزَوَّجَهُ أُخْتَهُ، وَاسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ حَفْصٍ ابْنُ أُخْتِ أَحْمَدَ بْنِ سَهْلٍ، فَأَكْرَمَهُ لَيْلَى.
ثُمَّ إِنَّ الْأَجْنَادَ كَثُرُوا عَلَى لَيْلَى بْنِ النُّعْمَانَ، فَضَاقَتِ الْأَمْوَالُ عَلَيْهِ، فَسَارَ نَحْوَ نَيْسَابُورَ بِأَمْرِ الْحَسَنِ بْنِ الْقَاسِمِ الدَّاعِي، وَتَحْرِيضِ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ حَفْصٍ وَكَانَ بِهَا قُرَاتِكِينُ، فَوَرَدَهَا فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَأَقَامَ بِهَا الْخُطْبَةَ لِلدَّاعِي، وَأَنْفَذَ السَّعِيدُ نَصْرٌ مِنْ بُخَارَى إِلَيْهِ حَمُّوَيْهِ بْنَ عَلِيٍّ، فَالْتَقَوْا بِطُوسَ، وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ حَمُّوَيْهِ بْنِ عَلِيٍّ حَتَّى بَلَغُوا مَرْوَ، وَثَبَتَ حَمُّوَيْهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَلْغَمِيُّ، وَأَبُو جَعْفَرٍ صُعْلُوكٌ، وَخَوَارِزْمُ شَاهٍ وَسِيمَجُورُ الدَّوَاتِيُّ، (فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ بَعْضُ أَصْحَابِ
стр. 3616
لَيْلَى، وَمَضَى لَيْلَى مُنْهَزِمًا) ، فَدَخَلَ (لَيْلَى سِكَّةً) لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهَا مَخْرَجٌ، وَلَحِقَهُ بُغْرَا فِيهَا، فَلَمْ يَقْدِرْ لَيْلَى عَلَى الْهَرَبِ، فَنَزَلَ وَتَوَارَى فِي دَارٍ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ بُغْرَا، وَأَنْفَذَ إِلَى حَمُّوَيْهِ فَأَعْلَمَهُ بِذَلِكَ، فَأَنْفَذَ مَنْ قَطَعَ رَأْسَ لَيْلَى، وَنَصَبَهُ عَلَى رُمْحٍ، فَلَمَّا رَآهُ أَصْحَابُهُ طَلَبُوا الْأَمَانَ فَأُمِّنُوا.
ثُمَّ قَالَ حَمُّوَيْهِ لِلْجُنْدِ: قَدْ مَكَّنَكُمُ اللَّهُ مِنْ شَيَاطِينِ الْجِيلِ وَالدَّيْلَمِ، فَأَبِيدُوهُمْ وَاسْتَرِيحُوا مِنْهُمْ أَبَدَ الدَّهْرِ، فَلَمْ يَفْعَلُوا، وَحَامَى كُلُّ قَائِدٍ جَمَاعَةً فَخَرَجَ مِنْهُمْ مَنْ خَرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَانَ قَتْلُ لَيْلَى فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَحُمِلَ رَأَسُهُ إِلَى بَغْدَاذَ، وَبَقِيَ بَارِسُ غُلَامُ قُرَاتِكِينَ بِجُرْجَانَ.
وَقِيلَ إِنَّ حَمُّوَيْهِ لَمَّا سَارَ إِلَى قِتَالِ لَيْلَى قِيلَ لَهُ: إِنَّ لَيْلَى يَسْتَبْطِئُكَ فِي قَصْدِهِ، فَقَالَ: إِنِّي أَلْبَسُ أَحَدَ خُفَّيَّ لِلْحَرْبِ الْعَامَ، وَالْآخَرَ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ، فَبَلَغَ قَوْلُهُ لَيْلَى، فَقَالَ: لَكِنِّي أَلْبَسُ أَحَدَ خُفَّيَّ لِلْحَرْبِ قَاعِدًا، وَالثَّانِيَ قَائِمًا وَرَاكِبًا فَلَمَّا قُتِلَ قَالَ حَمُّوَيْهِ: هَكَذَا مَنْ تَعَجَّلَ إِلَى الْحَرْبِ.
ذِكْرُ قَتَلِ الْحُسَيْنِ الْحَلَّاجِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ الْحُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورٍ الْحَلَّاجُ الصُّوفِيُّ وَأُحْرِقَ، وَكَانَ ابْتِدَاءُ حَالِهِ أَنَّهُ كَانَ يُظْهِرُ الزُّهْدَ وَالتَّصَوُّفَ، وَيُظْهِرُ الْكَرَامَاتِ، وَيُخْرِجُ لِلنَّاسِ فَاكِهَةَ الشِّتَاءِ فِي
стр. 3617
الصَّيْفِ وَفَاكِهَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ، وَيَمُدُّ يَدَهُ إِلَى الْهَوَاءِ فَيُعِيدُهَا مَمْلُوءَةً دَرَاهِمَ عَلَيْهَا مَكْتُوبٌ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَيُسَمِّيهَا دَرَاهِمَ الْقُدْرَةِ وَيُخْبِرُ النَّاسَ بِمَا أَكَلُوهُ، وَمَا صَنَعُوهُ فِي بُيُوتِهِمْ، وَيَتَكَلَّمُ بِمَا فِي ضَمَائِرِهِمْ فَافْتُتِنَ بِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَاعْتَقَدُوا فِي الْحُلُولِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِيهِ اخْتِلَافَهُمْ فِي الْمَسِيحِ، ﵇، فَمِنْ قَائِلٍ إِنَّهُ حَلَّ فِيهِ جُزْءٌ إِلَهِيٌّ، وَيَدَّعِي فِيهِ الرُّبُوبِيَّةَ، وَمِنْ قَائِلٍ إِنَّهُ وَلِيُّ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْهُ مِنْ جُمْلَةِ كَرَامَاتِ الصَّالِحِينَ وَمِنْ قَائِلٍ إِنَّهُ مُشَعْبِذٌ، وَمُمَخْرِقٌ، وَسَاحِرٌ كَذَّابٌ، وَمُتَكَهِّنٌ، وَالْجِنُّ تُطِيعُهُ فَتَأْتِيهِ بِالْفَاكِهَةِ فِي غَيْرِ أَوَانِهَا.
وَكَانَ قَدِمَ مِنْ خُرَاسَانَ إِلَى الْعِرَاقِ وَسَارَ إِلَى مَكَّةَ فَأَقَامَ بِهَا سَنَةً فِي الْحِجْرِ لَا يَسْتَظِلُّ تَحْتَ سَقْفٍ شِتَاءً وَلَا صَيْفًا، وَكَانَ يَصُومُ الدَّهْرَ، فَإِذَا جَاءَ الْعَشَاءُ أَحْضَرَ لَهُ الْقَوَّامُ كُوزَ مَاءٍ، وَقُرْصًا، فَيَشْرَبُهُ، وَيَعَضُّ مِنَ الْقُرْصِ ثَلَاثَ عَضَّاتٍ (مِنْ جَوَانِبِهِ) ، فَيَأْكُلُهَا وَيَتْرُكُ الْبَاقِيَ فَيَأْخُذُونَهُ، وَلَا يَأْكُلُ شَيْئًا آخَرَ إِلَى الْغَدِ آخِرَ النَّهَارِ.
وَكَانَ شَيْخَ الصُّوفِيَّةِ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ عَبْدُ اللَّهِ الْمَغْرِبِيُّ، فَأَخَذَ أَصْحَابَهُ وَمَشَى إِلَى زِيَارَةِ الْحَلَّاجِ، فَلَمْ يَجِدْهُ فِي الْحِجْرِ، وَقِيلَ لَهُ: قَدْ صَعِدَ إِلَى جَبَلِ أَبِي قُبَيِسٍ، فَصَعِدَ إِلَيْهِ، فَرَآهُ عَلَى صَخْرَةٍ حَافِيًا، مَكْشُوفَ الرَّأْسِ، وَالْعَرَقُ يَجْرِي مِنْهُ إِلَى الْأَرْضِ، فَأَخَذَ أَصْحَابَهُ وَعَادَ وَلَمْ يُكَلِّمْهُ، فَقَالَ: هَذَا يَتَصَبَّرُ وَيَتَقَوَّى عَلَى قَضَاءِ اللَّهِ، سَوْفَ يَبْتَلِيهُ اللَّهُ بِمَا يَعْجَزُ عَنْهُ (صَبْرُهُ وَقُدْرَتُهُ وَعَادَ الْحُسَيْنُ إِلَى بَغْدَاذَ.
وَأَمَّا سَبَبُ قَتْلِهِ فَإِنَّهُ نُقِلَ عَنْهُ) عِنْدَ عَوْدِهِ إِلَى بَغْدَاذَ إِلَى الْوَزِيرِ حَامِدِ بْنِ الْعَبَّاسِ أَنَّهُ أَحْيَا جَمَاعَةً، وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى، وَأَنَّ الْجِنَّ يَخْدِمُونَهُ، وَأَنَّهُمْ يُحْضِرُونَ عِنْدَهُ
стр. 3618
مَا يَشْتَهِي، وَأَنَّهُ قَدَّمُوهُ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ حَوَاشِي الْخَلِيفَةِ، وَأَنَّ نَصْرًا الْحَاجِبَ قَدْ مَالَ إِلَيْهِ وَغَيْرَهُ، فَالْتَمَسَ حَامِدٌ الْوَزِيرُ مِنَ الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ أَنْ يُسَلِّمَ إِلَيْهِ الْحَلَّاجَ وَأَصْحَابَهُ، فَدَفَعَ عَنْهُ نَصْرٌ الْحَاجِبُ، فَأَلَحَّ الْوَزِيرُ، فَأَمَرَ الْمُقْتَدِرُ بِتَسْلِيمِهِ إِلَيْهِ، فَأَخَذَهُ، وَأُخِذَ مَعَهُ إِنْسَانٌ يُعْرَفُ بِالشِّمْرِيِّ، وَغَيْرِهِ، قِيلَ إِنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ إِلَهٌ فَقَرَّرَهُمْ، فَاعْتَرَفُوا أَنَّهُمْ قَدْ صَحَّ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ إِلَهٌ، وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى، وَقَابَلُوا الْحَلَّاجَ عَلَى ذَلِكَ، فَأَنْكَرَهُ وَقَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ، (أَوِ النُّبُوَّةَ) ، وَإِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ أَعْبُدُ اللَّهَ، ! فَأَحْضَرَ حَامِدٌ الْقَاضِيَ أَبَا عَمْرٍو وَالْقَاضِيَ أَبَا جَعْفَرِ بْنَ الْبُهْلُولِ، وَجَمَاعَةً مِنْ وُجُوهِ الْفُقَهَاءِ وَالشُّهُودِ، فَاسْتَفْتَاهُمْ، فَقَالُوا: لَا يُفْتَى فِي أَمْرِهِ بِشَيْءٍ إِلَّا أَنْ يَصِحَّ عِنْدَنَا مَا يُوجِبُ قَتْلَهُ، وَلَا يَجُوزُ قَبُولُ قَوْلِ مَنْ يَدَّعِي عَلَيْهِ مَا ادَّعَاهُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ.
وَكَانَ حَامِدٌ يُخْرِجُ الْحَلَّاجَ إِلَى مَجْلِسِهِ، وَيَسْتَنْطِقُهُ، فَلَا يَظْهَرُ مِنْهُ مَا تَكْرَهُهُ الشَّرِيعَةُ الْمُطَهَّرَةُ.
وَطَالَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ وَحَامِدٌ الْوَزِيرُ مُجِدٌّ فِي أَمْرِهِ، وَجَرَى لَهُ مَعَهُ قِصَصٌ يَطُولُ شَرْحُهَا وَفِي آخِرِهَا أَنَّ الْوَزِيرَ رَأَى كِتَابًا حَكَى فِيهِ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا أَرَادَ الْحَجَّ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ، أَفْرَدَ مِنْ دَارِهِ بَيْتًا لَا يَلْحَقُهُ شَيْءٌ مِنَ النَّجَاسَاتِ، وَلَا يَدْخُلُهُ أَحَدٌ، فَإِذَا حَضَرَتْ أَيَّامُ الْحَجِّ طَافَ حَوْلَهُ، وَفَعَلَ مَا يَفْعَلُهُ الْحَاجُّ بِمَكَّةَ ثُمَّ يَجْمَعُ ثَلَاثِينَ يَتِيمًا، وَيَعْمَلُ أَجْوَدَ طَعَامٍ يُمْكِنُهُ، وَيُطْعِمُهُمْ فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ، وَيَخْدِمُهُمْ بِنَفْسِهِ، فَإِذَا فَرَغُوا كَسَاهُمْ، وَأَعْطَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَبْعَةَ دَرَاهِمَ فَإِذَا، (فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ كَمَنْ حَجَّ) .
стр. 3619
فَلَمَّا قُرِئَ هَذَا عَلَى الْوَزِيرِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو عَمْرٍو لِلْحَلَّاجِ: مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا؟ قَالَ: مِنْ كِتَابِ " الْإِخْلَاصِ لِلْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ "، قَالَ لَهُ الْقَاضِي: كَذَبْتَ يَا حَلَالَ الدَّمِ! (قَدْ سَمِعْنَاهُ بِمَكَّةَ وَلَيْسَ فِيهِ هَذَا، فَلَمَّا قَالَ لَهُ: يَا حَلَالَ الدَّمِ) ، وَسَمِعَهَا الْوَزِيرُ قَالَ لَهُ: اكْتُبْ بِهَذَا، فَدَافَعَهُ أَبُو عَمْرٍو، فَأَلْزَمَهُ حَامِدٌ، فَكَتَبَ بِإِبَاحَةِ دَمِهِ، وَكَتَبَ بَعْدَهُ مَنْ حَضَرَ الْمَجْلِسَ.
وَلَمَّا سَمِعَ الْحَلَّاجُ ذَلِكَ قَالَ: مَا يَحِلُّ لَكُمْ دَمِي وَاعْتِقَادِي الْإِسْلَامُ وَمَذْهَبِي السُّنَّةُ، وَلِي كُتُبٌ مَوْجُودَةٌ، فَاللَّهَ اللَّهَ فِي دَمِي! (وَتَفَرَّقَ النَّاسُ) وَكَتَبَ الْوَزِيرُ إِلَى الْخَلِيفَةِ يَسْتَأْذِنُ فِي قَتْلِهِ وَأَرْسَلَ الْفَتَاوَى إِلَيْهِ، فَأَذِنَ فِي قَتْلِهِ، فَسَلَّمَهُ الْوَزِيرُ إِلَى صَاحِبِ الشُّرْطَةِ، فَضَرَبَهُ أَلْفَ سَوْطٍ فَمَا تَأَوَّهَ ثُمَّ قَطَعَ يَدَهُ، ثُمَّ رِجْلَهُ، ثُمَّ يَدَهُ، ثُمَّ رِجْلَهُ، ثُمَّ قُتِلَ وَأُحْرِقَ بِالنَّارِ فَلَمَّا صَارَ رَمَادًا أُلْقِيَ فِي دِجْلَةَ، وَنُصِبَ الرَّأْسُ بِبَغْدَاذَ، وَأُرْسِلَ إِلَى خُرَاسَانَ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ بِهَا أَصْحَابٌ، فَأَقْبَلَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ يَقُولُونَ: إِنَّهُ لَمْ يُقْتَلْ، وَإِنَّمَا أُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلَى دَابَّةٍ، وَإِنَّهُ يَجِيءُ بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: لَقِيتُهُ عَلَى حِمَارٍ بِطَرِيقِ النَّهْرَوَانِ، وَإِنَّهُ قَالَ لَهُمْ: لَا تَكُونُوا مِثْلَ هَؤُلَاءِ الْبَقَرِ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنِّي ضُرِبْتُ وَقُتِلْتُ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
وَفِيهَا فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَقَعَ حَرِيقٌ كَبِيرٌ فِي الْكَرْخِ، فَاحْتَرَقَ فِيهِ بَشَرٌ كَثِيرٌ.
وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ الْمُقْتَدِرُ عَلَى حَرْبِ الْمَوْصِلِ وَمَعُونَتِهَا مُحَمَّدَ بْنَ نَصْرٍ الْحَاجِبَ فِي
стр. 3620
جُمَادَى الْأُولَى، وَسَارَ إِلَيْهَا فِيهِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهَا أَوْقَعَ بِمَنْ خَالَفَهُ مِنَ الْأَكْرَادِ الْمَارَانِيَّةِ، فَقَتَلَ، وَأَسَرَ، وَأَرْسَلَ إِلَى بَغْدَاذَ نَيِّفًا وَثَمَانِينَ أَسِيرًا، فَشُهِرُوا.
وَفِيهَا قُلِّدَ دَاوُدُ بْنُ حَمْدَانَ دِيَارَ رَبِيعَةَ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلِ بْنِ عَطَاءٍ الْآدَمِيُّ الصُّوفِيُّ مِنْ كِبَارِ مَشَايِخِهِمْ وَعُلَمَائِهِمْ، وَأَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَارُونَ الْحَرَّانِيُّ الطَّبِيبُ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَمْدُونَ النَّدِيمُ.
стр. 3621
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ عَشْرٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ]
٣١٠ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ عَشْرٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ
ذِكْرُ حَرْبِ سِيمَجُورَ مَعَ أَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ الْعَلَوِيِّ
قَدْ ذَكَرْنَا قَتْلَ لَيْلَى بْنِ النُّعْمَانِ، وَأَنَّ جُرْجَانَ تَخَلَّفَ بِهَا بَارِسُ غُلَامُ قُرَاتِكِينَ، فَلَمَّا قُتِلَ لَيْلَى بْنُ النُّعْمَانِ عَادَ قُرَاتِكِينُ إِلَى جُرْجَانَ، فَاسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ غُلَامُهُ بَارِسُ، فَقَتَلَهُ قُرَاتِكِينُ، وَانْصَرَفَ عَنْ جُرْجَانَ، وَقَدِمَهَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْأُطْرُوشُ الْعَلَوِيُّ، الْمُلَقَّبُ وَالِدُهُ بِالنَّاصِرِ، وَأَقَامَ بِهَا فَأَنْفَذَ إِلَيْهِ السَّعِيدُ نَصْرُ بْنُ أَحْمَدَ سِيمَجُورَ الدَّوَاتِيَّ فِي أَرْبَعَةِ آلَافِ فَارِسٍ، فَنَزَلَ عَلَى فَرْسَخَيْنِ مِنْ جُرْجَانَ، وَحَاصَرَ أَبَا الْحُسَيْنِ نَحْوَ شَهْرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
وَخَرَجَ إِلَيْهِ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي ثَمَانِيَةِ آلَافِ رَجُلٍ مِنَ الدَّيْلَمِ، وَالْجُرْجَانِيَّةِ، وَصَاحِبُ جَيْشِهِ سُرْخَابُ بْنُ وَهْسُوذَانَ ابْنِ عَمِّ مَاكَانَ بْنِ كَالِي الدَّيْلَمِيِّ، فَتَحَارَبَا حَرْبًا عَظِيمَةً، وَكَانَ سِيمَجُورُ قَدْ جَعَلَ كَمِينًا مِنْ أَصْحَابِهِ، فَأَبُطَؤُوا عَنْهُ فَانْهَزَمَ سِيمَجُورُ، وَوَقَعَ أَصْحَابُ أَبِي الْحُسَيْنِ فِي عَسْكَرِ سِيمَجُورَ، وَاشْتَغَلُوا بِالنَّهْبِ وَالْغَارَةِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمُ الْكَمِينُ بَعْدَ الظَّفَرِ، فَقَتَلُوا مِنَ الدَّيْلَمِ وَالْجُرْجَانِيَّةِ نَحْوَ أَرْبَعَةِ آلَافِ رَجُلٍ، وَانْهَزَمَ أَبُو الْحُسَيْنِ، وَرَكِبَ فِي الْبَحْرِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى أَسْتِرَابَاذَ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ فَلُّ أَصْحَابِهِ.
وَكَانَ سُرْخَابُ قَدْ تَبِعَ سِيمَجُورَ فِي هَزِيمَتِهِ، فَلَمَّا عَادَ رَأَى أَصْحَابَهُ مُقَتَّلِينَ مُشَرَّدِينَ
стр. 3622
فَسَارَ إِلَى أَسْتِرَابَاذَ، وَاسْتَصْحَبَ مَعَهُ عِيَالَ أَصْحَابِهِ وَمُخَلَّفِيهِمْ، وَأَقَامَ بِهَا مَعَ أَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ النَّاصِرِ، ثُمَّ سَمِعَ سِيمَجُورُ بِظَفَرِ أَصْحَابِهِ، فَعَادَ إِلَيْهِمْ، وَأَقَامَ بِجُرْجَانَ، ثُمَّ اعْتَلَّ سُرْخَابُ وَمَاتَ، وَرَجَعَ ابْنُ النَّاصِرِ إِلَى سَارِيَةَ وَاسْتَخْلَفَ مَاكَانَ بْنَ كَالِي عَلَى أَسْتِرَابَاذَ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ الدَّيْلَمُ، وَقَدَّمُوهُ وَأَمَّرُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ.
ثُمَّ سَارَ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْبَلْغَمِيُّ وَسِيمَجُورُ إِلَى بَابِ أَسْتِرَابَاذَ، وَحَارَبُوا مَاكَانَ بْنَ كَالِي، فَلَمَّا طَالَ مُقَامُهُمُ اتَّفَقُوا مَعَهُ عَلَى أَنْ يَخْرُجَ عَنِ أَسْتِرَابَاذَ إِلَى سَارِيَةَ، وَبَذَلُوا لَهُ عَلَى هَذَا مَالًا لِيَظْهَرَ لِلنَّاسِ أَنَّهُمْ قَدِ افْتَتَحُوهَا، ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ عَنْهَا وَيَعُودُ إِلَيْهَا، فَفَعَلَ وَسَارَ إِلَى سَارِيَةَ، ثُمَّ رَحَلُوا عَنْ أَسْتِرَابَاذَ، فَلَمَّا سَارُوا عَنْهَا عَادَ إِلَيْهَا مَاكَانُ بْنُ كَالِي، فَفَارَقَهَا بُغْرَا، (إِلَى جُرْجَانَ، وَأَسَاءَ السِّيرَةَ فِي أَهْلِهَا، وَخَرَجَ إِلَيْهِ مَاكَانُ، فَرَجَعَ بُغْرَا) إِلَى نَيْسَابُورَ، وَأَقَامَ مَاكَانُ بِجُرْجَانَ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ ابْتِدَاءً حَالَ مَاكَانَ، وَنَنْقُلُهَا عِنْدَ قَتْلِهِ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ.
ذِكْرُ خُرُوجِ إِلْيَاسَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَسَدٍ السَّامَانِيِّ
ثُمَّ خَرَجَ إِلْيَاسُ (بْنُ إِسْحَاقَ) بْنِ أَحْمَدَ، الْمُقَدَّمُ ذِكْرُهُ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ أَبِيهِ وَانْهَزَمَ إِلَى فَرْغَانَةَ، فَلَمَّا بَلَغَ فَرْغَانَةَ أَقَامَ بِهَا إِلَى أَنْ خَرَجَ ثَانِيًا، وَاسْتَعَانَ عِنْدَ خُرُوجِهِ بِمُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مَتٍّ، وَجَمَعَ مِنَ التُّرْكِ، فَاجْتَمَعَ مَعَهُ ثَلَاثُونَ أَلْفَ عَنَانٍ، فَقَصَدَ سَمَرْقَنْدَ مُشَاقًّا لِلسَّعِيدِ نَصْرِ بْنِ أَحْمَدَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ نَصْرٌ أَبَا عَمْرٍو، وَمُحَمَّدَ بْنَ أَسَدٍ وَغَيْرَهُ فِي أَلْفَيْنِ وَخَمْسِمِائَةِ رَجُلٍ، فَكَمَنُوا خَارِجَ سَمَرْقَنْدَ يَوْمَ وُرُودِ إِلْيَاسَ فَلَمَّا وَرَدَهَا، وَاشْتَغَلَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ بِالنُّزُولِ، خَرَجَ الْكَمِينُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِ الشَّجَرِ، وَوَضَعُوا السُّيُوفَ فِيهِمْ، فَانْهَزَمَ إِلْيَاسُ وَأَصْحَابُهُ، فَوَصَلَ إِلْيَاسُ إِلَى فَرْغَانَةَ، وَوَصَلَ ابْنُ مَتٍّ إِلَى أَسْبِيجَابَ، وَمِنْهَا إِلَى نَاحِيَةِ طِرَازَ، فَكُوتِبَ دِهْقَانُ النَّاحِيَةِ الَّتِي نَزَلَهَا، وَأُطْمِعَ، وَقَبَضَ عَلَيْهِ وَقَتَلَهُ، وَأَنْفَذَ رَأْسَهُ إِلَى بُخَارَى.
وَكَانَ ابْنُ مَتٍّ شُجَاعًا، وَكَانَ قَدْ سَخَّرَ جِمَالًا عِنْدَ خُرُوجِهِ، فَجَاءَ أَصْحَابُهُ
стр. 3623
يَطْلُبُونَهَا مِنْهُ، فَقَالَ: سَأَرَدُّهَا عَلَيْكُمْ بِبَغْدَاذَ، يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيْئًا مِنْ بَغْدَاذَ، ثِقَةً بِكَثْرَةِ جَمْعِهِ وَقُوَّتِهِ، فَجَاءَتِ الْأَقْدَارُ بِمَا لَمْ يَكُنْ فِي الْحِسَابِ.
ثُمَّ عَادَ إِلْيَاسُ فَخَرَجَ مَرَّةً ثَالِثَةً، وَأَعَانَهُ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ أَبِي يُوسُفَ، صَاحِبُ الشَّاشِ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ مُحَمَّدَ بْنَ أَلْيَسَعَ، فَحَارَبَهُمْ، فَانْهَزَمَ إِلْيَاسُ إِلَى كَاشْغَرَ وَأُسِرَ أَبُو الْفَضْلِ، وَحُمِلَ إِلَى بُخَارَى فَمَاتَ بِهَا.
وَأَمَّا إِلْيَاسُ فَصَاهَرَ دِهْقَانُ كَاشْغَرَ طُغَانْتِكِينَ، وَاسْتَقَرَّ بِهَا، ثُمَّ وَلِيَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُظَفَّرِ فَرْغَانَةَ، فَرَجَعَ إِلَيْهَا ابْنُ إِسْحَاقَ مُعَانِدًا، فَحَارَبَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُظَفَّرِ، فَهَزَمَهُ مَرَّةً أُخْرَى، فَعَادَ إِلَى كَاشْغَرَ، فَكَاتَبَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُظَفَّرِ، وَاسْتَمَالَهُ، وَلَطَفَ بِهِ، فَأَمِنَ إِلْيَاسُ إِلَيْهِ، وَحَضَرَ إِلَى بُخَارَى، فَأَكْرَمَهُ السَّعِيدُ، وَصَاهَرَهُ، وَأَقَامَ مَعَهُ.
ذِكْرُ وَفَاةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، صَاحِبُ التَّارِيخِ، بِبَغْدَاذَ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَدُفِنَ لَيْلًا بِدَارِهِ، لِأَنَّ الْعَامَّةَ اجْتَمَعَتْ، وَمَنَعَتْ مِنْ دَفْنِهِ نَهَارًا، وَادَّعَوْا عَلَيْهِ الرَّفْضَ، ثُمَّ ادَّعَوْا عَلَيْهِ الْإِلْحَادَ، وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى يَقُولُ: وَاللَّهِ لَوْ سُئِلَ هَؤُلَاءِ عَنْ مَعْنَى الرَّفْضِ وَالْإِلْحَادِ مَا عَرَفُوهُ، وَلَا فَهِمُوهُ، هَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ مِسْكَوَيْهِ صَاحِبُ " تَجَارِبِ الْأُمَمِ "، وَحُوشِيَ ذَلِكَ الْإِمَامُ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ.
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ عَنْ تَعَصُّبِ الْعَامَّةِ، فَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ تَعَصَّبُوا عَلَيْهِ، وَوَقَعُوا فِيهِ، فَتَبِعَهُمْ غَيْرُهُمْ، وَلِذَلِكَ سَبَبٌ، (وَهُوَ أَنَّ الطَّبَرِيَّ جَمَعَ كِتَابًا ذَكَرَ فِيهِ اخْتِلَافَ الْفُقَهَاءِ، لَمْ يُصَنَّفْ مِثْلُهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ،
стр. 3624
فَقَالَ: لَمْ يَكُنْ فَقِيهًا، وَإِنَّمَا كَانَ مُحَدِّثًا، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الْحَنَابِلَةِ، وَكَانُوا لَا يُحْصُونَ كَثْرَةً بِبَغْدَاذَ، فَشَغِبُوا عَلَيْهِ، وَقَالُوا مَا أَرَادُوا) :
حَسَدُوا الْفَتَى إِذْ لَمْ يَنَالُوا سَعْيَهُ ... فَالنَّاسُ أَعْدَاءٌ لَهُ وَخُصُومُ
كَضَرَائِرِ الْحَسْنَاءِ قُلْنَ لِوَجْهِهَا ... حَسَدًا وَبَغْيًا إِنَّهُ لِدَمِيمُ
وَقَدْ ذَكَرْتُ شَيْئًا مِنْ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ فِي أَبِي جَعْفَرٍ يُعْلَمُ [مِنْهُ] مَحَلُّهُ فِي الْعِلْمِ، وَالثِّقَةِ، وَحُسْنِ الِاعْتِقَادِ.
فَمِنْ ذَلِكَ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ، بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ مَنْ رَوَى الطَّبَرِيُّ عَنْهُ، وَمَنْ رَوَى عَنِ الطَّبَرِيِّ، فَقَالَ: " وَكَانَ أَحَدَ أَئِمَّةِ الْعُلَمَاءِ يُحْكَمُ بِقَوْلِهِ، وَيُرْجَعُ إِلَى رَأْيِهِ لِمَعْرِفَتِهِ وَفَضْلِهِ، وَكَانَ قَدْ جَمَعَ مِنَ الْعُلُومِ مَا لَمْ يُشَارِكْهُ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِ، وَكَانَ حَافِظًا لِكِتَابِ اللَّهِ، عَارِفًا بِالْقِرَاءَاتِ، بَصِيرًا بِالْمَعَانِي، فَقِيهًا فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ، عَالِمًا بِالسُّنَنِ وَطُرُقِهَا، صَحِيحِهَا وَسَقِيمِهَا، نَاسِخِهَا وَمَنْسُوخِهَا، عَارِفًا بِأَقَاوِيلِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي الْأَحْكَامِ، وَمَسَائِلِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، خَبِيرًا بِأَيَّامِ النَّاسِ وَأَخْبَارِهِمْ، وَلَهُ الْكِتَابُ الْمَشْهُورُ فِي تَارِيخِ الْأُمَمِ وَالْمُلُوكِ، وَالْكِتَابُ الَّذِي فِي التَّفْسِيرِ لَمْ يُصَنَّفْ مِثْلُهُ، وَلَهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَفُرُوعِهِ كُتُبٌ كَثِيرَةٌ، وَأَخْبَارٌ مِنْ أَقَاوِيلِ الْفُقَهَاءِ، وَتَفَرَّدَ بِمَسَائِلَ حُفِظَتْ عَنْهُ ".
وَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ: أَوَّلُ مَا سَأَلَنِي الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ بْنُ خُزَيْمَةَ قَالَ لِي: كَتَبْتَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ؟ قُلْتُ: لَا! قَالَ: لِمَ؟ قُلْتُ: لَا يَظْهَرُ، وَكَانَتِ الْحَنَابِلَةُ تَمْنَعُ مِنَ الدُّخُولِ عَلَيْهِ.
стр. 3625
فَقَالَ بِئْسَ مَا فَعَلْتَ! لَيْتَكَ لَمْ تَكْتُبْ عَنْ كُلِّ مَنْ كَتَبْتَ عَنْهُ، وَسَمِعْتَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ.
وَقَالَ حُسَيْنُكَ، وَاسْمُهُ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ، عَنِ ابْنِ خُزَيْمَةَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ حِينَ طَالَعَ كِتَابَ التَّفْسِيرِ لِلطَّبَرِيِّ: مَا أَعْلَمُ عَلَى أَدِيمِ الْأَرْضِ أَعْلَمَ مِنْ أَبِي جَعْفَرٍ، وَلَقَدْ ظَلَمَتْهُ الْحَنَابِلَةُ.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الْفَرْغَانِيُّ، بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ تَصَانِيفَهُ: وَكَانَ أَبُو جَعْفَرٍ مِمَّنْ لَا يَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، وَلَا يَعْدِلُ، فِي عِلْمِهِ وَتِبْيَانِهِ، عَنْ حَقٍّ يَلْزَمُهُ لِرَبِّهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ، إِلَى بَاطِلٍ لِرَغْبَةٍ وَلَا رَهْبَةٍ، مَعَ عَظِيمِ مَا كَانَ يَلْحَقُهُ مِنَ الْأَذَى وَالشَّنَاعَاتِ مِنْ جَاهِلٍ، وَحَاسِدٍ، وَمُلْحِدٍ.
وَأَمَّا أَهْلُ الدِّينِ وَالْوَرَعِ فَغَيْرُ مُنْكِرِينَ عِلْمَهُ، وَفَضْلَهُ، وَزُهْدَهُ، وَتَرْكَهُ الدُّنْيَا مَعَ إِقْبَالِهَا عَلَيْهِ، وَقَنَاعَتِهِ بِمَا كَانَ يَرِدُ عَلَيْهِ مِنْ قَرْيَةٍ خَلَّفَهَا لَهُ أَبُوهُ بِطَبَرِسْتَانَ يَسِيرَةٍ، وَمَنَاقِبُهُ كَثِيرَةٌ لَا يُحْتَمَلُ هَاهُنَا أَكْثَرُ مِنْ هَذَا.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِيهَا أَطْلَقَ الْمُقْتَدِرُ يُوسُفَ بْنَ أَبِي السَّاجِ مِنَ الْحَبْسِ بِشَفَاعَةِ مُؤْنِسٍ الْخَادِمِ وَحُمِلَ إِلَيْهِ، وَدَخَلَ إِلَى الْمُقْتَدِرِ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ، ثُمَّ عَقَدَ لَهُ عَلَى الرَّيِّ، وَقَزْوِينَ، وَأَبْهَرَ، وَزَنْجَانَ، وَأَذْرَبِيجَانَ، وَقَرَّرَ عَلَيْهِ خَمْسَمِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ مَحْمُولَةً كُلَّ سَنَةٍ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ سِوَى أَرْزَاقِ الْعَسَاكِرِ الَّذِينَ بِهَذِهِ الْبِلَادِ وَخَلَعَ فِي هَذَا الْيَوْمِ عَلَى وَصِيفٍ الْبُكْتُمْرِيِّ، وَعَلَى طَاهِرٍ وَيَعْقُوبَ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ اللَّيْثِ.
стр. 3626
وَتَجَهَّزَ يُوسُفُ، وَضَمَّ إِلَيْهِ الْمُقْتَدِرُ بِاللَّهِ الْعَسَاكِرَ مَعَ وَصِيفٍ الْبُكْتُمْرِيِّ وَسَارَ عَنْ بَغْدَاذَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، وَأَمَرَ أَنْ يَجْعَلَ طَرِيقَهُ عَلَى الْمَوْصِلِ، وَيَنْظُرَ فِي أُمُورِ دِيَارِ رَبِيعَةَ، فَقَدِمَ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَنَظَرَ فِي الْأَعْمَالِ، وَسَارَ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، فَرَأَى غُلَامَهُ سُبُكًا قَدْ مَاتَ.
وَفِيهَا قُلِّدَ نَازُوكُ الشُّرْطَةَ بِبَغْدَاذَ.
وَفِيهَا وَصَلَتْ هَدِيَّةٌ إِلَى أَبِي زُقْبُورٍ الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ الْمَادِرَانِيِّ مِنْ مِصْرَ وَفِيهَا بَغْلَةٌ، وَمَعَهَا فِلْوٌ يَتْبَعُهَا، وَيَرْضَعُ مِنْهَا، وَغُلَامٌ طَوِيلُ اللِّسَانِ، يَلْحَقُ لِسَانُهُ أَرْنَبَةَ أَنْفِهِ.
وَفِيهَا قَبَضَ الْمُقْتَدِرُ عَلَى أُمِّ مُوسَى الْقَهْرَمَانَةِ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهَا زَوَّجَتِ ابْنَةَ أُخْتِهَا مِنْ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ الْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللَّهِ، وَكَانَ مُحْسِنًا، لَهُ نِعْمَةٌ ظَاهِرَةٌ، وَمُرُوءَةٌ حَسَنَةٌ، وَكَانَ يُرَشَّحُ لِلْخِلَافَةِ، فَلَمَّا صَاهَرَتْهُ أَكْثَرَتْ مِنَ النِّثَارِ وَالدَّعَوَاتِ، وَخَسِرَتْ أَمْوَالًا جَلِيلَةً، فَتَكَلَّمَ أَعْدَاؤُهَا، وَسَعَوْا بِهَا إِلَى الْمُقْتَدِرِ، وَقَالُوا إِنَّهَا قَدْ سَعَتْ لِأَبِي الْعَبَّاسِ فِي الْخِلَافَةِ، وَحَلَّفَتْ لَهُ الْقُوَّادَ، (وَكَثُرَ الْقَوْلُ عَلَيْهَا) ، فَقَبَضَ عَلَيْهَا، وَأَخَذَ مِنْهَا أَمْوَالًا عَظِيمَةً وَجَوَاهِرَ نَفِيسَةً.
(وَفِيهَا غَزَا الْمُسْلِمُونَ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، فَغَنِمُوا وَسَلِمُوا) .
стр. 3627
وَفِيهَا كَانَ بِالْمَوْصِلِ شَغَبٌ مِنَ الْعَامَّةِ، وَقَتَلُوا خَلِيفَةَ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ الْحَاجِبِ بِهَا، فَتَجَهَّزُ الْعَسْكَرُ مِنْ بَغْدَاذَ إِلَى الْمَوْصِلِ.
وَفِيهَا، فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، انْقَضَّ كَوْكَبٌ عَظِيمٌ لَهُ ذَنَبٌ فِي الْمَشْرِقِ فِي بُرْجِ السُّنْبُلَةِ، طُولُهُ نَحْوُ ذِرَاعَيْنِ.
وَفِيهَا سَارَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْحَاجِبُ مِنَ الْمَوْصِلِ إِلَى الْغَزَاةِ (عَلَى قَالِيقِلَا) ، فَغَزَا الرُّومَ مِنْ تِلْكَ النَّاحِيَةِ، وَدَخَلَ أَهْلُ طَرَسُوسَ مَلَطْيَةَ، فَظَفِرُوا، وَبَلَغُوا مِنْ بِلَادِ الرُّومِ وَالظَّفَرِ بِهِمْ مَا لَمْ يَظُنُّوهُ وَعَادُوا.
[الْوَفَيَاتُ] .
(وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْيَزِيدِيُّ الْأَدِيبُ، أَخَذَ الْعِلْمَ عَنْ ثَعْلَبٍ وَالرِّيَاشِيِّ) .
стр. 3628
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ]
٣١١ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
ذِكْرُ عَزْلِ حَامِدٍ وَوِلَايَةِ ابْنِ الْفُرَاتِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ، عَزَلَ الْمُقْتَدِرُ حَامِدَ بْنَ الْعَبَّاسِ عَنِ الْوِزَارَةِ، وَعَلِيَّ بْنَ عِيسَى عَنِ الدَّوَاوِينِ، وَخَلَعَ عَلَى أَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ الْفُرَاتِ، وَأُعِيدَ إِلَى الْوِزَارَةِ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُقْتَدِرَ ضَجِرَ مِنَ اسْتِغَاثَةِ الْأَوْلَادِ، وَالْحُرَمِ، وَالْخَدَمِ وَالْحَاشِيَةِ مِنْ تَأْخِيرِ أَرْزَاقِهِمْ، فَإِنَّ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى كَانَ يُؤَخِّرُهَا فَإِذَا اجْتَمَعَ عِدَّةُ شُهُورٍ أَعْطَاهُمُ الْبَعْضَ، وَأَسْقَطَ الْبَعْضَ، وَحَطَّ مِنْ أَرْزَاقِ الْعُمَّالِ فِي كُلِّ سَنَةٍ شَهْرَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَهُ رِزْقٌ، فَزَادَتْ عَدَاوَةُ النَّاسِ لَهُ.
وَكَانَ حَامِدُ بْنُ الْعَبَّاسِ قَدْ ضَجِرَ مِنَ الْمُقَامِ بِبَغْدَاذَ وَلَيْسَ إِلَيْهِ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ غَيْرَ لُبْسِ السَّوَادِ، وَأَنِفَ مِنَ اطِّرَاحِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى بِجَانِبِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ يُهِينُهُ فِي تَوْقِيعَاتِهِ بِالْإِطْلَاقِ عَلَيْهِ لِضَمَانِهِ بَعْضَ الْأَعْمَالِ، وَكَانَ يَكْتُبُ: لِيُطْلِقْ جِهْبَذٌ الْوَزِيرُ أَعَزَّهُ اللَّهُ، وَلْيُبَادِرْ نَائِبُ الْوَزِيرِ.
стр. 3629
وَكَانَ إِذَا شَكَا إِلَيْهِ بَعْضُ نُوَّابِ حَامِدٍ يَكْتُبُ عَلَى الْقِصَّةِ: إِنَّمَا عُقِدَ الضَّمَانُ عَلَى النَّائِبِ الْوَزِيرِيِّ، عَنِ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ السُّلْطَانِيَّةِ، فَلْيَتَقَدَّمْ إِلَى عُمَّالِهِ بِكَفِّ الظُّلْمِ عَنِ الرَّعِيَّةِ، فَاسْتَأْذَنَ حَامِدٌ، وَسَارَ إِلَى وَاسِطَ لِيَنْظُرَ فِي ضَمَانِهِ، فَأَذِنَ لَهُ، وَجَرَى بَيْنَ مُفْلِحٍ الْأَسْوَدِ وَبَيْنَ حَامِدٍ كَلَامٌ، قَالَ لَهُ حَامِدٌ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَشْتِرِيَ مِائَةَ خَادِمٍ أَسْوَدَ، وَأُسَمِّيهِمْ مُفْلِحًا، وَأَهَبُهُمْ لِغِلْمَانِي، فَحَقَدَهُ مُفْلِحٌ، وَكَانَ خِصِّيصًا بِالْمُقْتَدِرِ، فَسَعَى مَعَهُ الْمُحَسِّنُ بْنُ الْفُرَاتِ لِوَالِدِهِ بِالْوِزَارَةِ، وَضَمِنَ أَمْوَالًا جَلِيلَةً وَكَتَبَ عَلَى يَدِهِ رُقْعَةً يَقُولُ: إِنْ يُسَلَّمِ الْوَزِيرُ، وَعَلِيُّ بْنَ عِيسَى، وَابْنُ الْحَوَارِيِّ، وَشَفِيعٌ اللُّؤْلُؤِيُّ، وَنَصْرٌ الْحَاجِبُ، وَأُمُّ مُوسَى الْقَهْرَمَانَةُ، وَالْمَادِرَانِيُّونَ يُسْتَخْرَجْ مِنْهُمْ سَبْعَةُ آلَافِ أَلْفِ دِينَارٍ.
وَكَانَ الْمُحَسِّنُ مُطْلَقًا، وَكَانَ يُوَاصِلُ السِّعَايَةَ بِهَؤُلَاءِ الْجَمَاعَةِ، وَذَكَرَ ابْنُ الْفُرَاتِ لِلْمُقْتَدِرِ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ ابْنُ الْحَوَارِيِّ كُلَّ سَنَةٍ مِنَ الْمَالِ، فَاسْتَكْثَرَهُ فَقُبِضَ عَلَى عَلِيِّ بْنِ عِيسَى فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ، وَسُلِّمَ إِلَى زَيْدَانَ الْقَهْرَمَانَةِ، فَحَبَسَتْهُ فِي الْحُجْرَةِ الَّتِي كَانَ ابْنُ الْفُرَاتِ مَحْبُوسًا فِيهَا، وَأُطْلِقَ ابْنُ الْفُرَاتِ، وَخُلِعَ عَلَيْهِ، وَتَوَلَّى الْوِزَارَةَ، وَخُلِعَ عَلَى ابْنِهِ الْمُحَسِّنِ، وَهَذِهِ الْوِزَارَةُ الثَّالِثَةُ لِابْنِ الْفُرَاتِ.
وَكَانَ أَبُو عَلِيِّ بْنِ مُقْلَةَ قَدْ سَعَى بِابْنِ الْفُرَاتِ، وَكَانَ يَتَقَلَّدُ بَعْضَ الْأَعْمَالِ أَيَّامَ حَامِدٍ، فَحَضَرَ عِنْدَ ابْنِ الْفُرَاتِ، وَكَانَ ابْنُ الْفُرَاتِ هُوَ الَّذِي قَدَّمَ ابْنَ مُقْلَةَ وَرَبَّاهُ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَلَمَّا قِيلَ عَنْهُ إِنَّهُ سَعَى بِهِ لَمْ يُصَدِّقْ ذَلِكَ، حَتَّى تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ. ثُمَّ إِنَّ حَامِدًا صَعِدَ مِنْ وَاسِطَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ ابْنُ الْفُرَاتِ مَنْ يَقْبِضُ عَلَيْهِ (فِي الطَّرِيقِ) وَعَلَى أَصْحَابِهِ، فَقُبِضَ عَلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ، وَسَمِعَ حَامِدٌ فَهَرَبَ وَاخْتَفَى بِبَغْدَاذَ، ثُمَّ إِنَّ حَامِدًا لَبِسَ زِيَّ رَاهِبٍ، وَخَرَجَ مِنْ مَكَانِهِ الَّذِي اخْتَفَى فِيهِ، وَمَشَى إِلَى نَصْرٍ الْحَاجِبِ، فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ، فَأَذِنَ لَهُ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ، وَسَأَلَهُ إِيصَالَ حَالِهِ إِلَى الْخَلِيفَةِ، فَاسْتَدْعَى نَصْرٌ مُفْلِحًا الْخَادِمَ، (وَقَالَ: هَذَا يَسْتَأْذِنُ إِلَى الْخَلِيفَةِ، إِذَا كَانَ عِنْدَ حَرَمِهِ) .
(فَلَمَّا حَضَرَ مُفْلِحٌ) فَرَأَى حَامِدًا قَالَ: أَهْلًا بِمَوْلَانَا الْوَزِيرِ، أَيْنَ مَمَالِيكُكَ
стр. 3630
السُّودَانُ الَّذِينَ سَمَّيْتَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُفْلِحًا؟ فَسَأَلَهُ نَصْرٌ أَنْ لَا يُؤَاخِذَهُ، وَقَالَ لَهُ: حَامِدٌ يَسْأَلُ أَنْ يَكُونَ مَحْبِسُهُ فِي دَارِ الْخَلِيفَةِ، وَلَا يُسَلَّمُ إِلَى ابْنِ الْفُرَاتِ.
فَدَخَلَ مُفْلِحٌ، وَقَالَ ضِدَّ مَا قِيلَ لَهُ، فَأَمَرَ الْمُقْتَدِرُ بِتَسْلِيمِهِ إِلَى ابْنِ الْفُرَاتِ فَأُرْسِلَ إِلَيْهِ فَحَبَسَهُ فِي دَارٍ حَسَنَةٍ، وَأَجْرَى عَلَيْهِ مِنَ الطَّعَامِ، وَالْكُسْوَةِ، وَالطِّيبِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مَا كَانَ لَهُ وَهُوَ وَزِيرٌ، ثُمَّ أَحْضَرَهُ وَأَحْضَرَ الْفُقَهَاءَ وَالْعُمَّالَ، وَنَاظَرَهُ عَلَى مَا وَصَلَ إِلَيْهِ مِنَ الْمَالِ، وَطَالَبَهُ بِهِ، فَأَقَرَّ بِجِهَاتِ تُقَارِبُ أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ وَضَمِنَهُ الْمُحَسِّنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْفُرَاتِ مِنَ الْمُقْتَدِرِ (بِخَمْسِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ) ، فَسَلَّمَهُ إِلَيْهِ، فَعَذَّبَهُ بِأَنْوَاعِ الْعَذَابِ، وَأَنْفَذَهُ إِلَى وَاسِطَ مَعَ بَعْضِ أَصْحَابِهِ لِيَبِيعَ مَا لَهُ بِوَاسِطَ، وَأَمَرَهُمْ بِأَنْ يَسْقُوهُ سُمًّا، فَسَقَوْهُ سُمًّا فِي بَيْضٍ مَشْوِيٍّ، وَكَانَ طَلَبَهُ، فَأَصَابَهُ إِسْهَالٌ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى وَاسِطَ أَفْرَطَ الْإِغْيَامُ بِهِ، وَكَانَ قَدْ تَسَلَّمَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَزَوْفَرِيُّ، فَلَمَّا رَأَى حَالَهُ أَحْضَرَ الْقَاضِيَ وَالشُّهُودَ لِيَشْهَدُوا عَلَيْهِ أَنْ لَيْسَ لَهُ فِي أَمْرِهِ صُنْعٌ فَلَمَّا حَضَرُوا عِنْدَ حَامِدٍ قَالَ لَهُمْ: إِنَّ أَصْحَابَ الْمُحَسِّنِ سَقَوْنِي سُمًّا فِي بَيْضٍ مَشْوِيٍّ فَأَنَا أَمُوتُ مِنْهُ، وَلَيْسَ لِمُحَمَّدٍ فِي أَمْرِي صُنْعٌ، لَكِنَّهُ قَدْ أَخَذَ قِطْعَةً مِنْ أَمْوَالِي وَأَمْتِعَتِي، وَجَعَلَ يَحْشُوهَا فِي الْمَسَاوِرِ، وَتُبَاعُ الْمِسْوَرَةُ فِي السُّوقِ بِمَحْضَرٍ مِنْ أَمِينِ السُّلْطَانِ بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ، وَوَضَعَ عَلَيْهَا مَنْ يَشْتَرِيهَا، وَيَحْمِلُهَا إِلَيْهِ، فَيَكُونُ فِيهَا أَمْتِعَةٌ تُسَاوِي ثَلَاثَةَ آلَافِ دِينَارٍ، فَاشْهَدُوا عَلَى ذَلِكَ.
وَكَانَ صَاحِبُ الْخَبَرِ حَاضِرًا، (فَكَتَبَ ذَلِكَ، وَسَيَّرَهُ) ، وَنَدِمَ الْبَزَوْفَرِيُّ عَلَى مَا فَعَلَ، ثُمَّ مَاتَ حَامِدٌ فِي رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، ثُمَّ صُودِرَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى بِثَلَاثِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، فَأَخَذَهُ الْمُحَسِّنُ بْنُ الْفُرَاتِ لِيَسْتَوْفِيَ مِنْهُ الْمَالَ، فَعَذَّبَهُ وَصَفَعَهُ فَلَمْ يُؤَدِّ إِلَيْهِ شَيْئًا.
стр. 3631
وَبَلَغَ الْخَبَرُ الْوَزِيرَ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ الْفُرَاتَ، فَأَنْكَرَ عَلَى ابْنِهِ ذَلِكَ، لِأَنَّ عَلِيًّا كَانَ مُحْسِنًا إِلَيْهِمْ أَيَّامَ وِلَايَتِهِ، وَكَانَ قَدْ أَعْطَى الْمُحَسِّنَ، وَقْتَ نَكْبَتِهِ، عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَأَدَّى عَلِيُّ بْنُ عِيسَى مَالَ الْمُصَادَرَةِ، وَسَيَّرَهُ ابْنُ الْفُرَاتِ إِلَى مَكَّةَ وَكَتَبَ إِلَى أَمِيرِ مَكَّةَ لِيُسَيِّرَهُ إِلَى صَنْعَاءَ، ثُمَّ قَبَضَ ابْنُ الْفُرَاتِ عَلَى أَبِي عَلِيِّ بْنِ مُقْلَةَ، ثُمَّ أَطْلَقَهُ، وَقَبَضَ عَلَى ابْنِ الْحَوَارِيِّ، وَكَانَ خِصِّيصًا بِالْمُقْتَدِرِ، وَسَلَّمَهُ إِلَى ابْنِهِ الْمُحَسِّنِ، فَعَذَّبَهُ عَذَابًا شَدِيدًا، وَكَانَ الْمُحَسِّنُ وَقِحًا، سَيِّئَ الْأَدَبِ، ظَالِمًا، ذَا قَسْوَةٍ شَدِيدَةٍ، وَكَانَ النَّاسُ يُسَمُّونَهُ الْخَبِيثَ ابْنَ الطَّيِّبِ، وَسَيَّرَ ابْنَ الْحَوَارِيِّ إِلَى الْأَهْوَازِ لِيَسْتَخْرِجَ مِنْهُ الْأَمْوَالَ الَّتِي لَهُ، فَضَرَبَهُ الْمُوَكَّلُ بِهِ حَتَّى مَاتَ، وَقَبَضَ أَيْضًا عَلَى الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَادِرَانِيَّيْنِ، وَكَانَ الْحُسَيْنُ قَدْ تَوَلَّى مِصْرَ وَالشَّامَ، فَصَادَرَهُمَا عَلَى أَلْفِ أَلْفِ دِينَارٍ وَسَبْعِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، ثُمَّ صَادَرَ جَمَاعَةً مِنَ الْكُتَّابِ وَنَكَبَهُمْ.
ثُمَّ إِنَّ ابْنَ الْفُرَاتِ خَوَّفَ الْمُقْتَدِرَ مِنْ مُؤْنِسٍ الْخَادِمِ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِأَنْ يُسَيِّرَهُ عَنِ الْحَضْرَةِ إِلَى الشَّامِ لِيَكُونَ هُنَالِكَ، فَسَمِعَ قَوْلَهُ، وَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ، وَكَانَ قَدْ عَادَ مِنَ الْغَزَاةِ، فَسَأَلَ أَنْ يُقِيمَ عِدَّةَ أَيَّامٍ بَقِيَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ، وَخَرَجَ فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْمَطَرِ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ مُؤْنِسًا لَمَّا قَدِمَ ذَكَرَ لِلْمُقْتَدِرِ مَا اعْتَمَدَهُ ابْنُ الْفُرَاتِ مِنْ مُصَادَرَاتِ النَّاسِ، وَمَا يَفْعَلُهُ ابْنُهُ مِنْ تَعْذِيبِهِمْ وَضَرْبِهِمْ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، فَخَافَهُ ابْنُ الْفُرَاتِ فَأَبْعَدَهُ عَنِ الْمُقْتَدِرِ، ثُمَّ سَعَى ابْنُ الْفُرَاتِ بِنَصْرٍ الْحَاجِبِ، وَأَطْمَعَ الْمُقْتَدِرَ فِي مَالِهِ وَكَثْرَتِهِ، فَالْتَجَأَ نَصْرٌ إِلَى أُمِّ الْمُقْتَدِرِ، فَمَنَعَتْهُ مِنِ ابْنِ الْفُرَاتِ.
ذِكْرُ الْقَرَامِطَةِ
وَفِيهَا قَصَدَ أَبُو طَاهِرٍ سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْهَجَرِيُّ الْبَصْرَةَ، فَوَصَلَهَا لَيْلًا فِي أَلْفٍ
стр. 3632
وَسَبْعِمِائَةِ رَجُلٍ، وَمَعَهُ السَّلَالِيمُ الشَّعْرُ، فَوَضَعَهَا عَلَى السُّورِ، وَصَعِدَ أَصْحَابُهُ فَفَتَحُوا الْبَابَ، وَقَتَلُوا الْمُوَكَّلِينَ بِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ. وَكَانَ عَلَى الْبَصْرَةِ سُبُكٌ الْمُفْلِحِيُّ، فَلَمْ يَشْعُرْ بِهِمْ إِلَّا فِي السَّحَرِ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُمُ الْقَرَامِطَةُ بَلِ اعْتَقَدَ أَنَّهُمْ عَرَبٌ تَجَمَّعُوا، فَرَكِبَ إِلَيْهِمْ، وَلَقِيَهُمْ، فَقَتَلُوهُ وَوَضَعُوا السَّيْفَ فِي أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَهَرَبَ النَّاسُ إِلَى الْكَلَإِ (وَحَارَبُوا الْقَرَامِطَةَ عَشْرَةَ) أَيَّامٍ، فَظَفِرَ بِهِمُ الْقَرَامِطَةُ، وَقَتَلُوا خَلْقًا كَثِيرًا وَطَرَحَ النَّاسُ أَنْفُسَهُمْ فِي الْمَاءِ، فَغَرِقَ أَكْثَرُهُمْ.
وَأَقَامَ أَبُو طَاهِرٍ سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا يَحْمِلُ مِنْهَا مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَالِ وَالْأَمْتِعَةِ، وَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، فَعَادَ إِلَى بَلَدِهِ، وَاسْتَعْمَلَ الْمُقْتَدِرُ عَلَى الْبَصْرَةِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْفَارِقِيَّ، فَانْحَدَرَ إِلَيْهَا وَقَدْ سَارَ الْهَجَرِيُّ عَنْهَا.
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ ابْنِ أَبِي السَّاجِ عَلَى الرَّيِّ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ يُوسُفُ بْنُ أَبِي السَّاجِ مِنْ أَذْرَبِيجَانَ إِلَى الرَّيِّ فَحَارَبَهُ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ أَخُو صُعْلُوكٍ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ أَحْمَدَ وَقُتِلَ هُوَ فِي الْمَعْرَكَةِ، وَأُنْفِذَ رَأْسُهُ إِلَى بَغْدَاذَ، وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ قَدْ فَارَقَ أَخَاهُ صُعْلُوكًا، وَسَارَ إِلَى الْمُقْتَدِرِ فَأُقْطِعَ الرَّيَّ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، ثُمَّ عَصَى، وَهَادَنَ مَاكَانَ بْنَ كَالِي وَأَوْلَادَ الْحَسَنِ بْنَ عَلِيٍّ الْأُطْرُوشِ،
стр. 3633
وَهُمْ بِطَبَرِسْتَانَ، وَجُرْجَانَ وَفَارَقَ طَاعَةَ الْمُقْتَدِرِ وَعَصَى عَلَيْهِ، وَوَصَلَ رَأْسُهُ إِلَى بَغْدَاذَ.
وَكَانَ ابْنُ الْفُرَاتِ يَقَعُ فِي نَصْرٍ الْحَاجِبِ، وَيَقُولُ لِلْمُقْتَدِرِ إِنَّهُ هُوَ الَّذِي أَمَرَ أَحْمَدَ بْنَ عَلِيٍّ بِالْعِصْيَانِ لِمَوَدَّةٍ بَيْنَهُمَا.
وَكَانَ قَتْلُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ آخَرَ ذِي الْقِعْدَةِ، وَاسْتَوْلَى ابْنُ أَبِي السَّاجِ عَلَى الرَّيِّ، وَدَخَلَهَا فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنَ السَّنَةِ، ثُمَّ سَارَ عَنْهَا فِي أَوَّلِ سَنَةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ إِلَى هَمَذَانَ، وَاسْتَخْلَفَ بِالرَّيِّ مُفْلِحًا، فَأَخْرَجَهُ أَهْلُ الرَّيِّ عَنْهُمْ فَلِحَقَ يُوسُفَ، وَعَادَ يُوسُفُ إِلَى الرَّيِّ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
وَفِيهَا غَزَا مُؤْنِسٌ الْمُظَفَّرُ بِلَادَ الرُّومِ، فَغَنِمَ وَفَتَحَ حُصُونًا، وَغَزَا ثَمِلٌ أَيْضًا فِي الْبَحْرِ، فَغَنِمَ مِنَ السَّبْيِ أَلْفَ رَأْسٍ، وَمِنَ الدَّوَابِّ ثَمَانِيَةَ آلَافِ رَأْسٍ، وَمِنَ الْغَنَمِ مِائَتَيْ أَلْفِ رَأْسٍ، وَمِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ شَيْئًا كَثِيرًا.
وَفِيهَا ظَهَرَ جَرَادٌ كَثِيرٌ بِالْعِرَاقِ فَأَضَرَّ بِالْغَلَّاتِ وَالشَّجَرِ وَعَظُمَ.
وَفِيهَا اسْتُعْمِلَ بُنِّيُّ بْنُ نَفِيسٍ عَلَى حَرْبِ أَصْبَهَانَ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ بَدْرٌ الْمُعْتَضِدِيُّ بِفَارِسَ، وَهُوَ أَمِيرُهَا، وَوَلِيَ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ مَكَانَهُ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو مُحَمَّدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْجُرَيْرِيُّ الصُّوفِيُّ، وَهُوَ مِنْ مَشَاهِيرِ مَشَايِخِهِمْ
стр. 3634
(الْجُرَيْرِيُّ بِضَمِّ الْجِيمِ) ، وَأَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السِّرِّيجِ الزَّجَّاجُ النَّحْوِيُّ، صَاحِبُ كِتَابِ مَعَانِي الْقُرْآنِ.
стр. 3635
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَة]
٣١٢ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
ذِكْرُ حَادِثَةٍ غَرِيبَةٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ ظَهَرَ فِي دَارٍ كَانَ يَسْكُنُهَا الْمُقْتَدِرُ بِاللَّهِ إِنْسَانٌ أَعْجَمِيٌّ، وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ فَاخِرَةٌ، وَتَحْتَهَا مِمَّا يَلِي بَدَنَهُ قَمِيصُ صُوفٍ، وَمَعَهُ مِقْدَحَةٌ، وَكِبْرِيتٌ، وَمِحْبَرَةٌ، وَأَقْلَامٌ، وَسِكِّينٌ وَكَاغَدٌ، وَفِي كِيسٍ سَوِيقٌ، وَسُكَّرٌ، وَحَبْلٌ طَوِيلٌ مِنْ قُنَّبٍ، يُقَالُ إِنَّهُ دَخَلَ مَعَ الصُّنَّاعِ، فَبَقِيَ هُنَاكَ، فَعَطِشَ، فَخَرَجَ يَطْلُبُ الْمَاءَ فَأُخِذَ، فَأَحْضَرُوهُ عِنْدَ ابْنِ الْفُرَاتِ، فَسَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ، فَقَالَ: لَا أُخْبِرُ إِلَّا صَاحِبَ الدَّارِ، (فَرَفَقَ بِهِ) ، فَلَمْ يُخْبِرْهُ بِشَيْءٍ، وَقَالَ: لَا أُخْبِرُ إِلَّا صَاحِبَ الدَّارِ، فَضَرَبُوهُ لِيُقَرِّرُوهُ، فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ بَدَأْتُمْ بِالشَّرِّ؟ وَلَزِمَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ، ثُمَّ جَعَلَ يَقُولُ بِالْفَارِسِيَّةِ: نَدَانَمْ مَعْنَاهُ لَا أَدْرِي، فَأُمِرَ بِهِ فَأُحْرِقَ.
وَأَنْكَرَ ابْنُ الْفُرَاتِ عَلَى نَصْرٍ الْحَاجِبِ هَذِهِ الْحَالَ حَيْثُ هُوَ الْحَاجِبُ، وَعَظُمَ الْأَمْرُ بَيْنَ يَدَيِ الْمُقْتَدِرِ، وَنَسَبَهُ إِلَى أَنَّهُ أَخْفَاهُ لِيَقْتُلَ الْمُقْتَدِرَ، فَقَالَ نَصْرٌ: لِمَ أَقْتُلُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَقَدْ رَفَعَنِي مِنَ الثَّرَى إِلَى الثُّرَيَّا؟ إِنَّمَا يَسْعَى فِي قَتْلِهِ مَنْ صَادَرَهُ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُ، وَأَطَالَ حَبْسَهُ هَذِهِ السِّنِينَ، وَأَخَذَ ضِيَاعَهُ، وَصَارَ لِابْنِ الْفُرَاتِ بِسَبَبِ هَذَا حَدِيثٌ فِي مَعْنَى نَصْرٍ.
ذِكْرُ أَخْذِ الْحَاجِّ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ أَبُو طَاهِرٍ الْقَرْمَطِيُّ إِلَى الْهَبِيرِ فِي عَسْكَرٍ عَظِيمٍ لِيَلْقَى الْحَاجَّ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ فِي رُجُوعِهِمْ مِنْ مَكَّةَ، فَأَوْقَعَ بِقَافِلَةٍ تَقَدَّمَتْ مُعْظَمَ
стр. 3636
الْحَاجِّ، وَكَانَ فِيهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ بَغْدَاذَ وَغَيْرِهِمْ، فَنَهَبَهُمْ، وَاتَّصَلَ الْخَبَرُ بِبَاقِي الْحَاجِّ وَهُمْ بِفَيْدَ فَأَقَامُوا بِهَا حَتَّى فَنِيَ زَادُهُمْ، فَارْتَحَلُوا مُسْرِعِينَ.
وَكَانَ أَبُو الْهَيْجَاءِ بْنُ حَمْدَانَ قَدْ أَشَارَ عَلَيْهِمْ بِالْعَوْدِ إِلَى وَادِي الْقُرَى، وَأَنَّهُمْ لَا يُقِيمُونَ بِفَيْدَ، فَاسْتَطَالُوا الطَّرِيقَ، وَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ، وَكَانَ إِلَى أَبِي الْهَيْجَاءِ طَرِيقُ الْكُوفَةِ، وَكَثِيرُ الْحَاجِّ، فَلَمَّا فَنِيَ زَادُهُمْ سَارُوا عَلَى طَرِيقِ الْكُوفَةِ، فَأَوْقَعَ بِهِمُ الْقَرَامِطَةُ، وَأَخَذُوهُمْ، وَأَسَرُوا أَبَا الْهَيْجَاءِ، وَأَحْمَدَ بْنَ كُشْمُرْدَ، وَنِحْرِيرًا وَأَحْمَدَ بْنَ بَدْرٍ عَمَّ وَالِدَةِ الْمُقْتَدِرِ، وَأَخَذَ أَبُو طَاهِرٍ جِمَالَ الْحُجَّاجِ جَمِيعَهَا وَمَا أَرَادَ مِنَ الْأَمْتِعَةِ، وَالْأَمْوَالِ، وَالنِّسَاءِ، وَالصِّبْيَانِ، وَعَادَ إِلَى هَجَرَ وَتَرَكَ الْحَاجَّ فِي مَوَاضِعِهِمْ، فَمَاتَ أَكْثَرُهُمْ جُوعًا، وَمِنْ حَرِّ الشَّمْسِ.
وَكَانَ عُمْرُ أَبِي طَاهِرٍ حِينَئِذٍ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَانْقَلَبَتْ بَغْدَاذُ، وَاجْتَمَعَ حُرَمُ الْمَأْخُوذِينَ إِلَى حُرَمِ الْمَنْكُوبِينَ الَّذِينَ نَكَبَهُمُ ابْنُ الْفُرَاتِ، وَجَعَلْنَ يُنَادِينَ: الْقَرْمَطِيُّ الصَّغِيرُ، (أَبُو طَاهِرٍ) قَتَلَ الْمُسْلِمِينَ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، وَالْقَرْمَطِيُّ الْكَبِيرُ ابْنُ الْفُرَاتِ قَدْ قَتَلَ الْمُسْلِمِينَ بِبَغْدَاذَ.
وَكَانَتْ صُورَةً فَظِيعَةً شَنِيعَةً، وَكَسَرَ الْعَامَّةُ مَنَابِرَ الْجَوَامِعِ، وَسَوَّدُوا الْمَحَارِيبَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ لِسِتٍّ خَلَوْنَ مِنْ صَفَرٍ، وَضَعُفَتْ نَفْسُ ابْنِ الْفُرَاتِ، وَحَضَرَ عِنْدَ الْمُقْتَدِرِ لِيَأْخُذَ أَمْرَهُ فِيمَا يَفْعَلُهُ، وَحَضَرَ نَصْرٌ الْحَاجِبُ الْمَشُورَةَ فَانْبَسَطَ لِسَانُهُ عَلَى ابْنِ الْفُرَاتِ، وَقَالَ لَهُ: السَّاعَةَ تَقُولُ أَيَّ شَيْءٍ نَصْنَعُ، وَمَا هُوَ الرَّأْيُ بَعْدَ أَنْ زَعْزَعْتَ أَرْكَانَ الدَّوْلَةِ، وَعَرَّضْتَهَا لِلزَّوَالِ فِي الْبَاطِنِ بِالْمَيْلِ مَعَ كُلِّ عَدُوٍّ يَظْهَرُ وَمُكَاتَبَتِهِ، وَمُهَادَنَتِهِ، وَفِي الظَّاهِرِ بِإِبْعَادِكَ مُؤْنِسًا وَمَنْ مَعَهُ إِلَى الرَّقَّةِ، وَهُمْ سُيُوفُ الدَّوْلَةِ، فَمَنْ يَدْفَعُ الْآنَ هَذَا الرَّجُلَ إِنْ قَصَدَ الْحَضْرَةَ أَنْتَ أَوْ وَلَدُكَ؟ وَقَدْ ظَهَرَ الْآنَ أَنَّ مَقْصُودَكَ بِإِبْعَادِ مُؤْنِسٍ وَبِالْقَبْضِ
стр. 3637
عَلَيَّ وَعَلَى غَيْرِي أَنْ تَسْتَضْعِفَ الدَّوْلَةَ وَتُقَوِّيَ أَعْدَاءَهَا لِتَشْفِيَ، غَيْظَ قَلْبِكَ مِمَّنْ صَادَرَكَ وَأَخَذَ أَمْوَالَكَ، وَمَنِ الَّذِي سَلَّمَ النَّاسَ إِلَى الْقَرْمَطِيِّ غَيْرُكُ لِمَا يُجْمَعُ بَيْنَكُمَا مِنَ التَّشَيُّعِ وَالرَّفْضِ؟ وَقَدْ أَظْهَرَ أَيْضًا أَنَّ ذَلِكَ الْعَجَمِيَّ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْقَرْمَطِيِّ، وَأَنْتَ أَوْصَلْتَهُ.
فَحَلَفَ ابْنُ الْفُرَاتِ أَنَّهُ مَا كَاتَبَ الْقَرْمَطِيَّ، وَلَا هَادَاهُ، وَلَا رَأَى ذَلِكَ الْأَعْجَمِيَّ إِلَّا تِلْكَ السَّاعَةَ، وَالْمُقْتَدِرُ مُعْرِضٌ عَنْهُ، وَأَشَارَ نَصْرٌ عَلَى الْمُقْتَدِرِ أَنْ يُحْضِرَ مُؤْنِسًا وَمَنْ مَعَهُ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ بِالْحُضُورِ، فَسَارَ إِلَى ذَلِكَ وَنَهَضَ ابْنُ الْفُرَاتِ، فَرَكِبَ فِي طَيَّارَةٍ فَرَجَمَهُ الْعَامَّةُ حَتَّى كَادَ يَغْرَقُ.
(وَتَقَدَّمَ الْمُقْتَدِرُ) إِلَى يَاقُوتٍ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْكُوفَةِ، (لِيَمْنَعَهَا مِنَ الْقَرَامِطَةِ فَخَرَجَ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، وَمَعَهُ وَلَدَاهُ الْمُظَفَّرُ وَمُحَمَّدٌ، فَخَرَجَ عَلَى ذَلِكَ الْعَسْكَرِ مَالٌ عَظِيمٌ، وَوَرَدَ الْخَبَرُ بِعَوْدِ الْقَرَامِطَةِ، فَعُطِّلَ مَسِيرُ يَاقُوتٍ) .
وَوَصَلَ مُؤْنِسٌ الْمُظَفَّرُ إِلَى بَغْدَاذَ، وَلَمَّا رَأَى الْمُحَسِّنُ ابْنُ (الْوَزِيرِ ابْنِ) الْفُرَاتِ انْحِلَالَ أُمُورِهِمْ، أَخَذَ كُلَّ مَنْ كَانَ مَحْبُوسًا (عِنْدَهُ مِنَ الْمُصَادَرِينَ) ، فَقَتَلَهُمْ لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ أَخَذَ مِنْهُمْ أَمْوَالًا جَلِيلَةً (وَلَمْ يُوصِلْهَا إِلَى الْمُقْتَدِرِ) ، فَخَافَ أَنْ يُقِرُّوا عَلَيْهِ.
ذِكْرُ الْقَبْضِ عَلَى الْوَزِيرِ ابْنِ الْفُرَاتِ وَوَلَدِهِ الْمُحَسِّنِ
ثُمَّ إِنَّ الْإِرْجَافَ كَثُرَ عَلَى ابْنِ الْفُرَاتِ، فَكَتَبَ إِلَى الْمُقْتَدِرِ يَعَرِّفُهُ ذَلِكَ، وَأَنَّ النَّاسَ إِنَّمَا عَادَوْهُ لِنُصْحِهِ وَشَفَقَتِهِ، وَأَخْذِ حُقُوقِهِ مِنْهُمْ، فَأَنْفَذَ الْمُقْتَدِرُ إِلَيْهِ يُسَكِّنُهُ وَيُطَيِّبُ (قَلْبَهُ
стр. 3638
فَرَكِبَ هُوَ وَوَلَدُهُ إِلَى الْمُقْتَدِرِ، فَأَدْخَلَهُمَا إِلَيْهِ فَطَيَّبَ) قُلُوبَهُمَا فَخَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ فَمَنَعَهُمَا نَصْرٌ الْحَاجِبُ مِنَ الْخُرُوجِ وَوَكَّلَ بِهِمَا، فَدَخَلَ عَلَى الْمُقْتَدِرِ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِتَأْخِيرِ عَزْلِهِ فَأَمَرَ بِإِطْلَاقِهِمَا، فَخَرَجَ هُوَ وَابْنُهُ الْمُحَسِّنُ، فَأَمَّا الْمُحَسِّنُ فَإِنَّهُ اخْتَفَى وَأَمَّا الْوَزِيرُ فَإِنَّهُ جَلَسَ عَامَّةَ نَهَارِهِ يُمْضِي الْأَشْغَالَ إِلَى اللَّيْلِ، ثُمَّ بَاتَ مُفَكِّرًا، فَلَمَّا أَصْبَحَ سَمِعَهُ بَعْضُ خَدَمِهِ يُنْشِدُ:
وَأَصْبَحَ لَا يَدْرِي وَإِنْ كَانَ حَازِمًا ... أَقُدَّامَهُ خَيْرٌ لَهُ أَمْ وَرَاءَهُ
فَلَمَّا أَصْبَحَ الْغَدُ، وَهُوَ الثَّامِنُ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَارْتَفَعَ النَّهَارُ أَتَاهُ نَازُوكُ، وَبُلَيْقٌ فِي عِدَّةٍ مِنَ الْجُنْدِ، فَدَخَلُوا إِلَى الْوَزِيرِ، وَهُوَ عِنْدَ الْحَرَمِ، فَأَخْرَجُوهُ حَافِيًا مَكْشُوفَ الرَّأْسِ، وَأُخِذَ إِلَى دِجْلَةَ، فَأَلْقَى عَلَيْهِ بُلَيْقٌ طَيْلَسَانًا غَطَّى بِهِ رَأَسَهُ، وَحُمِلَ إِلَى طَيَّارٍ فِيهِ مُؤْنِسٌ الْمُظَفَّرُ، وَمَعَهُ هِلَالُ بْنُ بَدْرٍ، فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ ابْنُ الْفُرَاتِ، وَأَلَانَ كَلَامَهُ، فَقَالَ لَهُ: أَنَا الْآنَ الْأُسْتَاذُ، وَكُنْتُ بِالْأَمْسِ الْخَائِنَ السَّاعِيَ فِي فَسَادِ الدَّوْلَةِ، وَأَخْرَجْتَنِي وَالْمَطَرُ عَلَى رَأْسِي وَرُءُوسِ أَصْحَابِي، (وَلَمْ تُمْهِلْنِي) .
ثُمَّ سُلِّمَ إِلَى شَفِيعٍ اللُّؤْلُؤِيِّ، فَحُبِسَ عِنْدَهُ، وَكَانَتْ مُدَّةُ وِزَارَتِهِ هَذِهِ عَشَرَةَ أَشْهُرٍ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَأُخِذَ أَصْحَابُهُ وَأَوْلَادُهُ وَلَمْ يَنْهَجْ مِنْهُمْ إِلَّا الْمُحَسِّنُ، فَإِنَّهُ اخْتَفَى، وَصُودِرَ ابْنُ الْفُرَاتِ عَلَى جُمْلَةٍ مِنَ الْمَالِ مَبْلَغُهَا أَلْفُ أَلْفِ دِينَارٍ.
стр. 3639
ذِكْرُ وِزَارَةِ أَبِي الْقَاسِمِ الْخَاقَانِيِّ
وَلَمَّا تَغَيَّرَ حَالُ ابْنِ الْفُرَاتِ سَعَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَاقَانَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي عَلِيٍّ الْخَاقَانِيُّ فِي الْوِزَارَةِ، وَكَتَبَ خَطَّهُ أَنَّهُ يَتَكَفَّلُ ابْنَ الْفُرَاتِ وَأَصْحَابَهَ بِمُصَادَرَةِ أَلْفَيْ أَلْفِ دِينَارٍ، وَسَعَى لَهُ مُؤْنِسٌ الْخَادِمُ، وَهَارُونُ بْنُ غَرِيبِ الْخَالِ، وَنَصْرٌ الْحَاجِبُ.
وَكَانَ أَبُو عَلِيٍّ الْخَاقَانِيُّ، وَالِدُ أَبِي الْقَاسِمُ، مَرِيضًا شَدِيدَ الْمَرَضِ، وَقَدْ تَغَيَّرَ عَلَيْهِ لِكِبَرِ سِنِّهِ، فَلَمْ يَعْلَمْ بِشَيْءٍ مِنْ حَالِ وَلَدِهِ، وَتَوَلَّى أَبُو الْقَاسِمِ الْوِزَارَةَ تَاسِعَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَكَانَ الْمُقْتَدِرُ يَكْرَهُهُ، فَلَمَّا سَمِعَ ابْنُ الْفُرَاتِ، وَهُوَ مَحْبُوسٌ، بِوِلَايَتِهِ قَالَ: الْخَلِيفَةُ هُوَ الَّذِي نُكِبَ لَا أَنَا، يَعْنِي أَنَّ الْوَزِيرَ عَاجِزٌ لَا يَعْرِفُ أَمْرَ الْوِزَارَةِ.
وَلَمَّا وَزَرَ الْخَاقَانِيُّ شَفَعَ إِلَيْهِ مُؤْنِسٌ الْخَادِمُ فِي إِعَادَةِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى (مِنْ صَنْعَاءَ) إِلَى مَكَّةَ، فَكَتَبَ إِلَى جَعْفَرٍ عَامِلِ الْيَمَنِ فِي الْإِذْنِ لِعَلِيِّ بْنِ عِيسَى فِي الْعَوْدِ إِلَى مَكَّةَ، وَأَذِنَ لِعَلِيٍّ فِي الِاطِّلَاعِ عَلَى أَعْمَالِ مِصْرَ وَالشَّامِ. وَمَاتَ أَبُو عَلِيٍّ الْخَاقَانِيُّ فِي وِزَارَةِ وَلَدِهِ هَذِهِ.
ذِكْرُ قَتْلِ ابْنِ الْفُرَاتِ وَوَلَدِهِ الْمُحَسِّنَ
وَكَانَ الْمُحَسِّنُ ابْنُ الْوَزِيرِ ابْنِ الْفُرَاتِ مُخْتَفِيًا، كَمَا ذَكَرْنَا، وَكَانَ عِنْدَ حَمَاتِهِ حُزَانَةَ، وَهِيَ وَالِدَةُ الْفَضْلِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الْفُرَاتِ، وَكَانَتْ تَأْخُذُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ إِلَى الْمَقْبَرَةِ، وَتَعُودُ بِهِ إِلَى الْمَنَازِلِ الَّتِي يَثِقُ بِأَهْلِهَا عِشَاءً وَهُوَ فِي زِيِّ امْرَأَةٍ، فَمَضَتْ يَوْمًا إِلَى مَقَابِرِ قُرَيْشٍ، وَأَدْرَكَهَا اللَّيْلُ، فَبَعُدَ عَلَيْهَا الطَّرِيقُ، فَأَشَارَتْ عَلَيْهَا امْرَأَةٌ مَعَهَا أَنْ تَقْصِدَ امْرَأَةً صَالِحَةً تَعْرِفُهَا بِالْخَيْرِ، تَخْتَفِي عِنْدَهَا، فَأَخَذَتِ الْمُحَسِّنَ وَقَصَدَتْ تِلْكَ الْمَرْأَةَ وَقَالَتْ
стр. 3640
لَهَا: مَعَنَا صَبِيَّةٌ بِكْرٌ نُرِيدُ بَيْتًا نَكُونُ فِيهِ فَأَمَرَتْهُمْ بِالدُّخُولِ إِلَى دَارِهَا، وَسَلَّمَتْ إِلَيْهِمْ قُبَّةً فِي الدَّارِ، فَأَدْخَلْنَ الْمُحَسِّنَ إِلَيْهَا، وَجَلَسَتِ النِّسَاءُ اللَّاتِي مَعَهُ فِي صُفَّةٍ بَيْنَ يَدَيْ بَابِ الْقُبَّةِ، فَجَاءَتْ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ، فَرَأَتِ الْمُحَسِّنَ فِي الْقُبَّةِ، فَعَادَتْ إِلَى مَوْلَاتِهَا، فَأَخْبَرَتْهَا أَنَّ فِي الدَّارِ رَجُلًا، فَجَاءَتْ صَاحِبَتُهَا فَلَمَّا رَأَتْهُ عَرَفَتْهُ.
وَكَانَ الْمُحَسِّنُ قَدْ أَخَذَ زَوْجَهَا لِيُصَادِرَهُ، فَلَمَّا رَأَى النَّاسَ فِي دَارِهِ يُجْلَدُونَ، وَيُشَقَّصُونَ، وَيُعَذَّبُونَ مَاتَ فَجْأَةً، فَلَمَّا رَأَتِ الْمَرْأَةُ الْمُحَسِّنَ وَعَرَفَتْهُ رَكِبَتْ فِي سَفِينَةٍ، وَقَصَدَتْ دَارَ الْخِلَافَةِ، وَصَاحَتْ: مَعِي نَصِيحَةٌ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ! فَأَحْضَرَهَا نَصْرٌ الْحَاجِبُ، فَأَخْبَرَتْهُ بِخَبَرِ الْمُحَسِّنِ، فَانْتَهَى ذَلِكَ إِلَى الْمُقْتَدِرِ، فَأَمَرَ نَازُوكَ، صَاحِبَ الشُّرْطَةِ، أَنْ يَسِيرَ مَعَهَا وَيُحْضِرَهُ، فَأَخَذَهَا مَعَهُ (إِلَى مَنْزِلِهَا) ، وَدَخَلَ الْمَنْزِلَ، وَأَخَذَ الْمُحَسِّنَ وَعَادَ بِهِ إِلَى الْمُقْتَدِرِ، فَرَدَّهُ إِلَى دَارِ الْوَزِيرِ، فَعُذِّبَ بِأَنْوَاعِ الْعَذَابِ لِيُجِيبَ إِلَى مُصَادَرَةٍ يَبْذُلُهَا، فَلَمْ يُجِبْهُمْ إِلَى دِينَارٍ وَاحِدٍ، وَقَالَ: لَا أَجْمَعُ لَكُمْ بَيْنَ نَفْسِي وَمَالِي، وَاشْتَدَّ الْعَذَابُ عَلَيْهِ بِحَيْثُ امْتَنَعَ عَنِ الطَّعَامِ.
فَلَمَّا عَلِمَ ذَلِكَ الْمُقْتَدِرُ أَمَرَ بِحَمْلِهِ مَعَ أَبِيهِ إِلَى دَارِ الْخِلَافَةِ، فَقَالَ الْوَزِيرُ أَبُو الْقَاسِمِ لِمُؤْنِسٍ، وَهَارُونَ بْنِ غَرِيبِ الْخَالِ، وَنَصْرٍ الْحَاجِبِ: إِنْ يُنْقَلِ ابْنُ الْفُرَاتِ إِلَى دَارِ الْخِلَافَةِ بَذَلَ أَمْوَالَهُ، وَأَطْمَعَ الْمُقْتَدِرَ فِي أَمْوَالِنَا، وَضَمِنَنَا مِنْهُ، وَتَسَلَّمَنَا فَأَهْلَكَنَا، فَوَضَعُوا الْقُوَّادَ وَالْجُنْدَ، حَتَّى قَالُوا لِلْخَلِيفَةِ: إِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ قَتْلِ ابْنِ الْفُرَاتِ وَوَلَدِهِ، فَإِنَّنَا لَا نَأْمَنُ عَلَى أَنْفُسِنَا مَا دَامَا فِي الْحَيَاةِ.
وَتَرَدَّدَتِ الرَّسَائِلُ فِي ذَلِكَ، وَأَشَارَ مُؤْنِسٌ، وَهَارُونُ بْنُ غَرِيبٍ، وَنَصْرٌ الْحَاجِبُ
стр. 3641
بِمُوَافَقَتِهِمْ وَإِجَابَتِهِمْ إِلَى مَا طَلَبُوا، فَأَمَرَ نَازُوكَ بِقَتْلِهِمَا، فَذَبَحَهُمَا كَمَا يُذْبَحُ الْغَنَمُ.
وَكَانَ ابْنُ الْفُرَاتِ قَدْ أَصْبَحَ يَوْمَ الْأَحَدِ صَائِمًا، فَأُتِيَ بِطَعَامٍ فَلَمْ يَأْكُلْهُ، فَأُتِيَ أَيْضًا بِطَعَامٍ لِيُفْطِرَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُفْطِرْ، وَقَالَ: رَأَيْتُ أَخِي الْعَبَّاسَ فِي النَّوْمِ يَقُولُ لِي: أَنْتَ وَوَلَدُكَ عِنْدَنَا يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ، وَلَا شَكَّ أَنَّنَا نُقْتَلُ، فَقُتِلَ ابْنُهُ الْمُحَسِّنُ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْآخَرِ، وَحُمِلَ رَأْسُهُ إِلَى أَبِيهِ، فَارْتَاعَ لِذَلِكَ شَدِيدًا، ثُمَّ عُرِضَ أَبُوهُ عَلَى السَّيْفِ فَقَالَ: لَيْسَ إِلَّا السَّيْفُ، رَاجِعُوا فِي أَمْرِي، فَإِنَّ عِنْدِي أَمْوَالًا جَمَّةً، وَجَوَاهِرَ كَثِيرَةً، فَقِيلَ لَهُ: جَلَّ الْأَمْرُ عَنْ ذَلِكَ! وَقُتِلَ وَكَانَ عُمْرُهُ إِحْدَى وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَعُمْرُ وَلَدِهِ الْمُحَسِّنِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، فَلَمَّا قُتِلَا حُمِلَ رَأْسَاهُمَا إِلَى الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ، فَأَمَرَ بِتَغْرِيقِهِمَا.
وَقَدْ كَانَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْفُرَاتِ يَقُولُ: إِنَّ الْمُقْتَدِرَ بِاللَّهِ يَقْتُلُنِي، فَصَحَّ قَوْلُهُ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ عَادَ مِنْ عِنْدِهِ يَوْمًا، وَهُوَ مُفَكِّرٌ كَثِيرُ الْهَمِّ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا خَاطَبْتُهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ إِلَّا قَالَ لِي نَعَمْ، فَقُلْتُ لَهُ الشَّيْءَ وَضِدَّهُ، فَفِي كُلِّ ذَلِكَ يَقُولُ نَعَمْ، فَقِيلَ لَهُ: هَذَا لِحُسْنِ ظَنِّهِ بِكَ، وَثِقَتِهِ بِمَا تَقُولُ، وَاعْتِمَادِهِ عَلَى شَفَقَتِكَ، فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ، وَلَكِنَّهُ أُذُنٌ لِكُلِّ قَائِلٍ، وَمَا يَؤْمِنِّي أَنْ يُقَالَ لَهُ بِقَتْلِ الْوَزِيرِ، فَيَقُولَ نَعَمْ وَاللَّهِ إِنَّهُ قَاتِلِي!
وَلَمَّا قُتِلَ رَكِبَ هَارُونُ بْنُ غَرِيبٍ مُسْرِعًا إِلَى الْوَزِيرِ الْخَاقَانِيِّ، وَهَنَّأَهُ بِقَتْلِهِ، فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، حَتَّى ظَنَّ هَارُونُ وَمَنْ هُنَاكَ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، وَصَرَخَ أَهْلُهُ وَأَصْحَابُهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ مِنْ غَشْيَتِهِ لَمْ يُفَارِقْهُ هَارُونُ حَتَّى أَخَذَ مِنْهُ أَلْفَيْ دِينَارٍ.
وَأَمَّا أَوْلَادُهُ (سِوَى الْمُحَسِّنِ) فَإِنَّ مُؤْنِسًا الْمُظَفَّرَ شَفَعَ فِي ابْنَيْهِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي
стр. 3642
نَصْرٍ، فَأُطْلِقَا لَهُ فَخَلَعَ عَلَيْهِمَا، وَوَصَلَهُمَا بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَصُودِرَ ابْنُهُ الْحَسَنُ عَلَى عِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَأُطْلِقَ إِلَى مَنْزِلِهِ.
وَكَانَ الْوَزِيرُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْفُرَاتِ كَرِيمًا، ذَا رِئَاسَةٍ وَكِفَايَةٍ فِي عَمَلِهِ حَسَنَ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ سَيِّئَةٌ إِلَّا وَلَدَهُ الْمُحَسِّنَ.
وَمِنْ مَحَاسِنِهِ أَنَّهُ جَرَى ذِكْرُ أَصْحَابِ الْأَدَبِ، وَطَلْبَةِ الْحَدِيثِ، وَمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْفَقْرِ وَالتَّعَفُّفِ، فَقَالَ: أَنَا أَحَقُّ مَنْ أَعَانَهُمْ، وَأَطْلَقَ لِأَصْحَابِ الْحَدِيثِ عِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَلِلشُّعَرَاءِ عِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَلِأَصْحَابِ الْأَدَبِ عِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَلِلْفُقَهَاءِ عِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَلِلصُّوفِيَّةِ عِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَذَلِكَ مِائَةُ أَلْفِ دِرْهَمٍ.
وَكَانَ إِذَا وَلِيَ الْوِزَارَةَ ارْتَفَعَتْ أَسْعَارُ الثَّلْجِ، وَالشَّمْعِ، وَالسُّكَّرِ، وَالْقَرَاطِيسِ، لِكَثْرَةِ مَا كَانَ يَسْتَعْمِلُهَا وَيُخْرِجُ مِنْ دَارِهِ لِلنَّاسِ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا يُعَابُ بِهِ إِلَّا أَنَّ أَصْحَابَهُ كَانُوا يَفْعَلُونَ مَا يُرِيدُونَ، وَيَظْلِمُونَ، فَلَا يَمْنَعُهُمْ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ بَعْضَهُمْ ظَلَمَ امْرَأَةً فِي مِلْكٍ لَهَا، فَكَتَبَتْ إِلَيْهِ تَشْكُو مِنْهُ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَهُوَ لَا يَرُدُّ لَهَا جَوَابًا، فَلَقِيَتْهُ يَوْمًا، وَقَالَتْ لَهُ: أَسْأَلُكَ بِاللَّهِ أَنْ تَسْمَعَ (مِنِّي كَلِمَةً) فَوَقَفَ لَهَا فَقَالَتْ: قَدْ كَتَبْتُ إِلَيْكَ فِي ظُلَامَتِي غَيْرَ مَرَّةٍ، وَلَمْ تُجِبْنِي، وَقَدْ تَرَكْتُكَ وَكَتَبْتُهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَلَمَّا (كَانَ بَعْدَ أَيَّامٍ) ، وَرَأَى تَغَيُّرَ حَالِهِ، قَالَ لِمَنْ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ: (مَا أَظُنُّ) إِلَّا جَوَابَ رُقْعَةِ
стр. 3643
تِلْكَ الْمَرْأَةِ الْمَظْلُومَةِ (قَدْ خَرَجَ) ، فَكَانَ كَمَا قَالَ.
ذِكْرُ دُخُولِ الْقَرَامِطَةِ الْكُوفَةَ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ دَخَلَ أَبُو طَاهِرٍ الْقَرْمَطِيُّ إِلَى الْكُوفَةِ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا طَاهِرٍ أَطْلَقَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنَ الْأَسْرَى الَّذِينَ كَانَ أَسَرَهُمْ مِنَ الْحُجَّاجِ، وَفِيهِمُ ابْنُ حَمْدَانَ وَغَيْرُهُ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْمُقْتَدِرِ يَطْلُبُ الْبَصْرَةَ وَالْأَهْوَازَ، فَلَمْ يُجِبْهُ إِلَى ذَلِكَ، فَسَارَ مِنْ هَجَرَ يُرِيدُ الْحَاجَّ.
وَكَانَ جَعْفَرُ بْنُ وَرْقَاءَ الشَّيْبَانِيُّ مُتَقَلِّدًا أَعْمَالَ الْكُوفَةِ وَطَرِيقَ مَكَّةَ، فَلَمَّا سَارَ الْحُجَّاجُ مِنْ بَغْدَاذَ سَارَ جَعْفَرٌ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ خَوْفًا مِنْ أَبِي طَاهِرٍ، وَمَعَهُ أَلْفُ رَجُلٍ مِنْ بَنِي شَيْبَانَ، وَسَارَ مَعَ الْحُجَّاجِ مِنْ أَصْحَابِ السُّلْطَانِ ثَمِلٌ صَاحِبُ الْبَحْرِ، وَجِنِّيٌّ الصَّفْوَانِيُّ، وَطَرِيفٌ السُّبْكَرِيُّ وَغَيْرُهُمْ، فِي سِتَّةِ آلَافِ رَجُلٍ، فَلَقِيَ أَبُو طَاهِرٍ الْقَرْمَطِيُّ (جَعْفَرًا الشَّيْبَانِيَّ، فَقَاتَلَهُ جَعْفَرٌ.
فَبَيْنَمَا هُوَ يُقَاتِلُهُ إِذْ طَلَعَ جَمْعٌ مِنَ الْقَرَامِطَةِ) عَنْ يَمِينِهِ، فَانْهَزَمَ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ فَلَقِيَ الْقَافِلَةَ الْأُولَى وَقَدِ انْحَدَرَتْ مِنَ الْعَقَبَةِ، فَرَدَّهُمْ إِلَى الْكُوفَةِ وَمَعَهُمْ عَسْكَرُ الْخَلِيفَةِ، وَتَبِعَهُمْ أَبُو طَاهِرٍ إِلَى بَابِ الْكُوفَةِ، فَقَاتَلَهُمْ، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُ الْخَلِيفَةِ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ، وَأَسَرَ جِنِّيًّا الصَّفْوَانِيَّ، وَهَرَبَ الْبَاقُونَ وَالْحُجَّاجُ مِنَ الْكُوفَةِ، وَدَخَلَهَا أَبُو طَاهِرٍ، وَأَقَامَ سِتَّةَ أَيَّامٍ بِظَاهِرِ الْكُوفَةِ يَدْخُلُ الْبَلَدَ نَهَارًا فَيُقِيمُ فِي الْجَامِعِ إِلَى اللَّيْلِ، ثُمَّ يَخْرُجُ يَبِيتُ فِي عَسْكَرِهِ، وَحَمَلَ مِنْهَا مَا قَدَرَ عَلَى حَمْلِهِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالثِّيَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَعَادَ إِلَى هَجَرَ.
стр. 3644
وَدَخَلَ الْمُنْهَزِمُونَ بَغْدَاذَ، فَتَقَدَّمَ الْمُقْتَدِرُ إِلَى مُؤْنِسٍ الْمُظَفَّرِ بِالْخُرُوجِ إِلَى الْكُوفَةِ، فَسَارَ إِلَيْهَا، فَبَلَغَهَا وَقَدْ عَادَ الْقَرَامِطَةُ عَنْهَا، فَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا يَاقُوتًا، وَسَارَ مُؤْنِسٌ إِلَى وَاسِطَ خَوْفًا عَلَيْهَا مِنْ أَبِي طَاهِرٍ، وَخَافَ أَهْلُ بَغْدَاذَ وَانْتَقَلَ النَّاسُ إِلَى الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، وَلَمْ يَحُجَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ (مِنَ النَّاسِ) أَحَدٌ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَلَعَ الْمُقْتَدِرُ عَلَى نَجَحٍ الطُّولُونِيِّ وَوَلِيَ أَصْبَهَانَ.
وَفِيهَا وَرَدَ رَسُولُ مَلِكِ الرُّومِ بِهَدَايَا كَثِيرَةٍ، وَمَعَهُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي فَطَلَبَا مِنَ الْمُقْتَدِرِ الْهُدْنَةَ وَتَقْرِيرَ الْفِدَاءِ فَأُجِيبَا إِلَى ذَلِكَ بَعْدَ غَزَاةِ الصَّائِفَةِ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خُلِعَ عَلَى جِنِّيِّ الصَّفْوَانِيِّ بَعْدَ عَوْدِهِ مِنْ دِيَارِ مِصْرَ. وَفِيهَا اسْتُعْمِلَ سَعِيدُ بْنُ حَمْدَانَ عَلَى الْمَعَاوِنِ وَالْحَرْبِ بِنَهَاوَنْدَ.
стр. 3645
وَفِيهَا دَخَلَ الْمُسْلِمُونَ بِلَادَ الرُّومِ فَنَهَبُوا، وَسَبَوْا، وَعَادُوا.
وَفِيهَا ظَهَرَ عِنْدَ الْكُوفَةِ رَجُلٌ ادَّعَى أَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَهُوَ رَئِيسُ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، وَجَمَعَ جَمْعًا عَظِيمًا مِنَ الْأَعْرَابِ وَأَهْلِ السَّوَادِ، وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُهُ فِي شَوَّالٍ فَسُيِّرَ إِلَيْهِ جَيْشٌ مِنْ بَغْدَاذَ، فَقَاتَلُوهُ، فَظَفِرُوا بِهِ وَانْهَزَمَ، وَقُتِلَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا، فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْحَاجِبُ وَقَدْ كَانَ اسْتُعْمِلَ عَلَى الْمَوْصِلِ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ شَفِيعٌ اللُّؤْلُؤِيُّ وَكَانَ عَلَى الْبَرِيدِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ، فَوَلِيَ مَا كَانَ عَلَيْهِ شَفِيعٌ الْمُقْتَدِرِيُّ.
следующие страницы →