← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

وَكَانَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ بُوَيْهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ أَثَرًا، وَكَانَ صَبِيًّا لَمْ تَنْبُتْ لِحْيَتُهُ، وَكَانَ عُمُرُهُ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةٍ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى السَّوَادِ، فَغَنِمُوا وَوَجَدُوا فِي سَوَادِهِ بَرَانِسَ لُبُودٍ عَلَيْهَا أَذْنَابُ الثَّعَالِبِ، وَوَجَدُوا قُيُودًا وَأَغْلَالًا، فَسَأَلُوا عَنْهَا، فَقَالَ أَصْحَابُ يَاقُوتٍ: إِنَّ هَذِهِ أُعِدَّتْ لَكُمْ لِتُجْعَلَ عَلَيْكُمْ، وَيُطَافَ بِكُمْ فِي الْبِلَادِ، فَأَشَارَ أَصْحَابُ ابْنِ بُوَيْهِ أَنْ يُفْعَلَ بِهِمْ (مِثْلُ ذَلِكَ) ، فَامْتَنَعَ وَقَالَ: إِنَّهُ بَغْيٌ، وَلُؤْمُ ظَفْرٍ، وَلَقَدْ لَقِيَ يَاقُوتٌ بَغْيَهُ. ثُمَّ أَحْسَنَ إِلَى الْأَسَارَى وَأَطْلَقَهُمْ، وَقَالَ: هَذِهِ نِعْمَةٌ، وَالشُّكْرُ عَلَيْهَا وَاجِبٌ يَقْتَضِي الْمَزِيدَ، وَخَيَّرَ الْأَسَارَى بَيْنَ الْمُقَامِ عِنْدَهُ وَاللُّحُوقِ بِيَاقُوتٍ، فَاخْتَارُوا الْمُقَامَ عِنْدَهُ، فَخَلَعَ عَلَيْهِمْ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ. وَسَارَ مِنْ مَوْضِعِ الْوَقْعَةِ حَتَّى نَزَلَ بِشِيرَازَ، وَنَادَى فِي النَّاسِ بِالْأَمَانِ، وَبَثَّ الْعَدْلَ، وَأَقَامَ لَهُمْ شِحْنَةً يَمْنَعُ مَنْ ظَلَمَهُمْ، وَاسْتَوْلَى عَلَى تِلْكَ الْبِلَادِ، وَطَلَبَ الْجُنْدُ أَرْزَاقَهُمْ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يُعْطِيهِمْ، فَكَادَ يَنْحَلُّ أَمْرُهُ، فَقَعَدَ فِي غُرْفَةٍ فِي دَارِ الْإِمَارَةِ بِشِيرَازَ يُفَكِّرُ فِي أَمْرِهِ، فَرَأَى حَيَّةً خَرَجَتْ مِنْ مَوْضِعٍ فِي سَقْفِ تِلْكَ الْغُرْفَةِ، وَدَخَلَتْ فِي ثُقْبٍ هُنَاكَ، فَخَافَ أَنْ تَسْقُطَ عَلَيْهِ، فَدَعَا الْفَرَّاشِينَ، فَفَتَحُوا الْمَوْضِعَ، فَرَأَوْا وَرَاءَهُ بَابًا، فَدَخَلُوهُ إِلَى غُرْفَةٍ أُخْرَى، وَفِيهَا عَشَرَةُ صَنَادِيقَ مَمْلُوءَةٌ مَالًا وَمَصُوغًا، وَكَانَ فِيهَا مَا قِيمَتُهُ خَمْسُمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، فَأَنْفَقَهَا، وَثَبَّتَ مُلْكَهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ قَدْ أَشْرَفَ عَلَى الزَّوَالِ. وَحُكِيَ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُفَصِّلَ ثِيَابًا، فَدَلُّوهُ عَلَى خَيَّاطٍ كَانَ لِيَاقُوتٍ، فَأَحْضَرَهُ، فَحَضَرَ خَائِفًا، وَكَانَ أَصَمَّ، فَقَالَ لَهُ عِمَادُ الدَّوْلَةِ: لَا تَخَفْ، فَإِنَّمَا أَحْضَرْنَاكَ لِتُفَصِّلَ ثِيَابًا، فَلَمْ يَعْلَمْ مَا قَالَ، فَابْتَدَأَ وَحَلَفَ بِالطَّلَاقِ وَالْبَرَاءَةِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ أَنَّ الصَّنَادِيقَ الَّتِي عِنْدَهُ لِيَاقُوتٍ مَا فَتَحَهَا، فَتَعَجَّبَ الْأَمِيرُ مِنْ هَذَا الِاتِّفَاقِ، فَأَمَرَهُ بِإِحْضَارِهَا، فَأَحْضَرَ ثَمَانِيَةَ صَنَادِيقَ فِيهَا مَالٌ وَثِيَابٌ قِيمَتُهُ ثَلَاثُمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ مِنْ وَدَائِعِ يَاقُوتٍ وَذَخَائِرِ يَعْقُوبَ وَعَمْرٍو ابْنَيِ اللَّيْثِ جُمْلَةٌ كَثِيرَةٌ، فَامْتَلَأَتْ خَزَائِنُهُ وَثَبَتَ مُلْكُهُ. فَلَمَّا تَمَكَّنَ مِنْ شِيرَازَ وَفَارِسَ، كَتَبَ إِلَى الرَّاضِي بِاللَّهِ، وَكَانَتْ قَدْ أَفْضَتْ إِلَيْهِ الْخِلَافَةُ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، وَإِلَى وَزِيرِهِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ مُقْلَةَ يُعَرِّفُهُمَا أَنَّهُ عَلَى الطَّاعَةِ،

стр. 3747

وَيَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يُقَاطِعَ عَلَى مَا بِيَدِهِ مِنَ الْبِلَادِ، وَبَذَلَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ، فَأَنْفَذُوا لَهُ الْخِلَعَ، وَشَرَطُوا عَلَى الرَّسُولِ أَنْ لَا يُسَلِّمَ إِلَيْهِ الْخِلَعَ إِلَّا بَعْدَ قَبْضِ الْمَالِ. فَلَمَّا وَصَلَ الرَّسُولُ، خَرَجَ عِمَادُ الدَّوْلَةِ إِلَى لِقَائِهِ، وَطَلَبَ مِنْهُ الْخِلَعَ وَاللِّوَاءَ، فَذَكَرَ لَهُ الشَّرْطَ، فَأَخَذَهُمَا مِنْهُ قَهْرًا، وَلَبِسَ الْخِلَعَ، وَنَشَرَ اللِّوَاءَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَدَخَلَ الْبَلَدَ، وَغَالَطَ الرَّسُولَ بِالْمَالِ، فَمَاتَ الرَّسُولُ عِنْدَهُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَعَظُمَ شَأْنُهُ، وَقَصَدَهُ الرِّجَالُ مِنَ الْأَطْرَافِ. وَلَمَّا سَمِعَ مَرْدَاوَيْجُ بِمَا نَالَهُ مِنِ ابْنِ بُوَيْهِ، قَامَ لِذَلِكَ وَقَعَدَ وَسَارَ إِلَى أَصْبَهَانَ لِلتَّدْبِيرِ عَلَيْهِ، وَكَانَ بِهَا أَخُوهُ وَشْمَكِيرُ ; لِأَنَّهُ لَمَّا خَلَعَ الْقَاهِرُ، وَتَأَخَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ يَاقُوتٍ عَنْهَا، عَادَ إِلَيْهَا وَشْمَكِيرُ بَعْدَ أَنْ بَقِيَتْ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا خَالِيَةً مِنْ أَمِيرٍ، فَلَمَّا وَصَلَهَا مَرْدَاوَيْجُ، رَدَّ أَخَاهُ وَشْمَكِيرَ إِلَى الرَّيِّ. ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ نَصْرِ بْنِ أَحْمَدَ عَلَى كَرْمَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ إِلْيَاسَ مِنْ نَاحِيَةِ كَرْمَانَ إِلَى بِلَادِ فَارِسَ، وَبَلَغَ إِصْطَخْرَ، فَأَظْهَرَ لِيَاقُوتٍ أَنَّهُ يُرِيدُ [أَنْ] يَسْتَأْمِنَ إِلَيْهِ حِيلَةً وَمَكْرًا، فَعَلِمَ يَاقُوتٌ مَكْرَهُ، فَعَادَ إِلَى كَرْمَانَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ السَّعِيدُ نَصْرُ بْنُ أَحْمَدَ صَاحِبُ خُرَاسَانَ، مَاكَانَ بْنَ كَالِي فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ، فَقَاتَلَهُ، فَانْهَزَمَ ابْنُ إِلْيَاسَ، وَاسْتَوْلَى مَاكَانُ عَلَى كَرْمَانَ، نِيَابَةً عَنْ صَاحِبِ خُرَاسَانَ. وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ إِلْيَاسَ هَذَا مِنْ أَصْحَابِ نَصْرِ بْنِ أَحْمَدَ، فَغَضِبَ عَلَيْهِ وَحَبَسَهُ، ثُمَّ شَفَعَ فِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْبَلْعَمِيُّ، فَأَخْرَجَهُ، وَسَيَّرَهُ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُظَفَّرِ إِلَى جُرْجَانَ، فَلَمَّا خَرَجَ يَحْيَى بْنُ أَحْمَدَ وَإِخْوَتُهُ بِبُخَارَى، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، سَارَ مُحَمَّدُ بْنُ

стр. 3748

إِلْيَاسَ إِلَيْهِ فَصَارَ مَعَهُ، فَلَمَّا أَدْبَرَ أَمْرُهُ سَارَ مُحَمَّدٌ مِنْ نَيْسَابُورَ إِلَى كَرْمَانَ، فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ، فَأَزَالَهُ مَاكَانُ عَنْهَا، فَسَارَ إِلَى الدِّينَوَرِ، وَأَقَامَ مَاكَانُ بِكَرْمَانَ، فَلَمَّا عَادَ عَنْهَا - عَلَى مَا نَذْكُرُهُ - رَجَعَ إِلَيْهَا مُحَمَّدُ بْنُ إِلْيَاسَ. ذِكْرُ خَلْعِ الْقَاهِرِ بِاللَّهِ وَفِيهَا خُلِعَ الْقَاهِرُ بِاللَّهِ فِي جُمَادَى الْأُولَى، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا عَلِيِّ بْنِ مُقْلَةَ كَانَ مُسْتَتِرًا مِنَ الْقَاهِرِ، وَالْقَاهِرُ يَتَطَلَّبُهُ، وَكَذَلِكَ الْحَسَنُ بْنُ هَارُونَ، فَكَانَا يُرَاسِلَانِ قُوَّادَ السَّاجِيَّةِ، وَالْحَجَرِيَّةِ، وَيُخَوِّفَانِهِمْ مِنْ شَرِّهِ، وَيَذْكُرَانِ لَهُمْ غَدْرَهُ وَنَكْثَهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، كَقَتْلِ مُؤْنِسٍ، وَبُلَيْقٍ، وَابْنِهِ عَلِيٍّ بَعْدَ الْأَيْمَانِ لَهُمْ، وَكَقَبْضِهِ عَلَى طَرِيفٍ السُّبْكَرِيِّ بَعْدَ الْيَمِينِ لَهُ، مَعَ نُصْحِ طَرِيفٍ لَهُ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَكَانَ ابْنُ مُقْلَةَ يَجْتَمِعُ بِالْقُوَّادِ لَيْلًا، تَارَةً فِي زِيِّ أَعْمَى، وَتَارَةً فِي زِيِّ مُكَدٍّ، وَتَارَةً فِي زِيِّ امْرَأَةٍ، وَيُغْرِيهِمْ بِهِ. ثُمَّ إِنَّهُ أَعْطَى مُنَجِّمًا كَانَ لِسِيمَا مِائَتَيْ دِينَارٍ، وَأَعْطَاهُ الْحَسَنُ مِائَةَ دِينَارٍ، وَكَانَ يَذْكُرُ لِسِيمَا أَنَّ طَالِعَهُ يَقْتَضِي أَنْ يَنْكُبَهُ الْقَاهِرُ وَيَقْتُلَهُ، (وَأَعْطَى ابْنَ مُقْلَةَ أَيْضًا) لِمُعَبِّرٍ كَانَ لِسِيمَا يَعَبِّرُ لَهُ الْمَنَامَاتِ، فَكَانَ يُحَذِّرُهُ أَيْضًا مِنَ الْقَاهِرِ، وَيُعَبِّرُ لَهُ عَلَى مَا يُرِيدُ، فَازْدَادَ نُفُورًا (مِنَ الْقَاهِرِ) . ثُمَّ إِنَّ الْقَاهِرَ شَرَعَ فِي عَمَلِ مَطَامِيرَ فِي الدَّارِ، فَقِيلَ لِسِيمَا وَلِجَمَاعَةِ قُوَّادِ السَّاجِيَّةِ وَالْحَجَرِيَّةِ: إِنَّمَا عَمَلُهَا لِأَجْلِكُمْ، فَازْدَادَا نُفُورًا، وَنَقَلَ إِلَى سِيمَا أَنَّ الْقَاهِرَ يُرِيدُ قَتْلَهُ،

стр. 3749

فَجَمَعَ السَّاجِيَّةَ، وَكَانَ هُوَ رَئِيسَهُمُ الْمُقَدَّمَ عَلَيْهِمْ، وَأَعْطَاهُمُ السِّلَاحَ، وَأَنْفَذُوا إِلَى الْحَجَرِيَّةِ: إِنْ كُنْتُمْ مُوَافِقِينَ لَنَا، فَجِيئُوا إِلَيْنَا حَتَّى نَحْلِفَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ، وَتَكُونَ كَلِمَتُنَا وَاحِدَةً، فَاجْتَمَعُوا جَمِيعُهُمْ، وَتَحَالَفُوا عَلَى اجْتِمَاعِ الْكَلِمَةِ وَقَتْلِ مَنْ خَالَفَ مِنْهُمْ. فَاتَّصَلَ ذَلِكَ بِالْقَاهِرِ وَوَزِيرِهِ الْخُصَيْبِيِّ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمُ الْوَزِيرُ: مَا الَّذِي حَمَلَكُمْ عَلَى هَذَا؟ فَقَالُوا: قَدْ صَحَّ عِنْدَنَا أَنَّ الْقَاهِرَ يُرِيدُ الْقَبْضَ عَلَى سِيمَا، وَقَدْ عَمِلَ مَطَامِيرَ لِيَحْبِسَ فِيهَا قُوَّادَنَا وَرُؤَسَاءَنَا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ لِسِتٍّ خَلَوْنَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى، اجْتَمَعَ السَّاجِيَّةُ وَالْحَجَرِيَّةُ عِنْدَ سِيمَا، وَتَحَالَفُوا عَلَى الِاجْتِمَاعِ عَلَى الْقَبْضِ عَلَى الْقَاهِرِ، فَقَالَ لَهُمْ سِيمَا: قُومُوا بِنَا السَّاعَةَ حَتَّى نُمْضِيَ هَذَا الْعَزْمَ، فَإِنَّهُ إِنْ تَأَخَّرَ عَلِمَ بِهِ، وَاحْتَرَزَ وَأَهْلَكَنَا. وَبَلَغَ ذَلِكَ الْوَزِيرَ، فَأَرْسَلَ الْحَاجِبَ سَلَامَةَ وَعِيسَى الطَّبِيبَ لِيُعْلِمَاهُ بِذَلِكَ، فَوَجَدَاهُ نَائِمًا قَدْ شَرِبَ أَكْثَرَ لَيْلَتِهِ، فَلَمْ يَقْدِرَا عَلَى إِعْلَامِهِ بِذَلِكَ. وَزَحَفَ الْحَجَرِيَّةُ وَالسَّاجِيَّةُ إِلَى الدَّارِ، وَوَكَّلَ سِيمَا بِأَبْوَابِهَا مَنْ يَحْفَظُهَا، وَبَقِيَ هُوَ عَلَى بَابِ الْعَامَّةِ، وَهَجَمُوا إِلَى الدَّارِ مِنْ سَائِرِ الْأَبْوَابِ، فَلَمَّا سَمِعَ الْقَاهِرُ الْأَصْوَاتَ وَالْجَلَبَةَ، اسْتَيْقَظَ مَخْمُورًا، وَطَلَبَ بَابًا يَهْرُبُ مِنْهُ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ الْأَبْوَابَ جَمِيعُهَا مَشْحُونَةً بِالرِّجَالِ، فَهَرَبَ إِلَى سَطْحِ حَمَّامٍ، فَلَمَّا دَخَلَ الْقَوْمُ لَمْ يَجِدُوهُ، فَأَخَذُوا الْخَدَمَ وَسَأَلُوهُمْ عَنْهُ، فَدَلَّهُمْ عَلَيْهِ خَادِمٌ صَغِيرٌ، فَقَصَدُوهُ، فَرَأَوْهُ وَبِيَدِهِ السَّيْفُ، فَاجْتَهَدُوا بِهِ فَلَمْ يَنْزِلْ لَهُمْ، فَأَلَانُوا لَهُ الْقَوْلَ، وَقَالُوا: نَحْنُ عَبِيدُكَ، وَإِنَّمَا نُرِيدُ أَنْ نَأْخُذَ عَلَيْكَ الْعُهُودَ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ، وَقَالَ: مَنْ صَعِدَ إِلَيَّ قَتَلْتُهُ. فَأَخَذَ بَعْضُهُمْ سَهْمًا، وَقَالَ: إِنْ نَزَلْتَ، وَإِلَّا وَضَعْتُهُ فِي نَحْرِكَ. فَنَزَلَ حِينَئِذٍ إِلَيْهِمْ، فَأَخَذُوهُ وَسَارُوا بِهِ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي فِيهِ طَرِيفٌ السُّبْكَرِيُّ، فَفَتَحُوهُ وَأَخْرَجُوهُ مِنْهُ، وَحَبَسُوا الْقَاهِرَ مَكَانَهُ، ثُمَّ سَلَّمُوهُ، وَهَرَبَ وَزِيرُهُ الْخُصَيْبِيُّ وَسَلَامَةُ حَاجِبُهُ. وَقِيلَ فِي سَبَبِ خَلْعِهِ وَقِيَامِ السَّاجِيَّةِ وَالْحَجَرِيَّةِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ أَنَّ الْقَاهِرَ لَمَّا تَمَكَّنَ مِنَ الْخِلَافَةِ، أَقْبَلَ يَنْقُصُ السَّاجِيَّةَ وَالْحَجَرِيَّةَ عَلَى مَمَرِّ الْأَيَّامِ، وَلَا يَقْضِي لِأَكَابِرِهِمْ حَاجَةً، وَيُلْزِمُهُمُ النَّوْبَةَ فِي دَارِهِ، وَيُؤَخِّرُ أُعْطِيَاتِهِمْ، وَيُغْلِطُ لِمَنْ يُخَاطِبُهُ مِنْهُمْ فِي أَمْرٍ، وَيَحْرِمُهُ، فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ يُنْذِرُ بَعْضًا، وَيَتَشَاكَوْنَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ إِنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِسَلَامَةَ

стр. 3750

حَاجِبِهِ: يَا سَلَامَةُ، أَنْتَ بَيْنَ يَدَيَّ كَنْزُ مَالٍ يَمْشِي، فَأَيُّ شَيْءٍ يَبِينُ فِي مَالِكَ لَوْ أَعْطَيْتَنِي أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ؟ فَيَحْمِلُ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى الْهَزْلِ. وَكَانَ وَزِيرُهُ الْخُصَيْبِيُّ أَيْضًا خَائِفًا لِمَا يَرَى مِنْهُ، ثُمَّ إِنَّهُ حَفَرَ فِي الدَّارِ نَحْوَ خَمْسِينَ مَطْمُورَةً تَحْتَ الْأَرْضِ، وَأَحْكَمَ أَبْوَابَهَا، فَكَانَ يُقَالُ: إِنَّهُ عَمِلَهَا لِمُقَدِّمِي السَّاجِيَّةِ وَالْحَجَرِيَّةِ، فَازْدَادَ نُفُورُهُمْ مِنْهُ وَخَوْفُهُمْ، ثُمَّ إِنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْقَرَامِطَةِ أَخَذُوا بِفَارِسَ وَأَرْسَلُوا إِلَى بَغْدَاذَ، كَمَا تَقَدَّمَ، فَحُبِسُوا فِي تِلْكَ الْمَطَامِيرِ، ثُمَّ تَقَدَّمَ سِرًّا بِفَتْحِ الْأَبْوَابِ عَلَيْهِمْ، وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، وَعَزَمَ عَلَى أَنْ يَقْوَى بِهِمْ عَلَى الْقَبْضِ عَلَى مُقَدِّمِي الْحَجَرِيَّةِ وَالسَّاجِيَّةِ، وَبِمَنْ مَعَهُ مِنْ غِلْمَانِهِ. وَأَنْكَرَ الْحَجَرِيَّةُ وَالسَّاجِيَّةُ حَالَ الْقَرَامِطَةِ، وَكَوْنِهِمْ مَعَهُ فِي دَارِهِ مُحْسِنًا إِلَيْهِمْ، وَقَالُوا لِوَزِيرِهِ الْخُصَيْبِيِّ، وَحَاجِبِهِ سَلَامَةَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَا لَهُ، فَأَخْرَجَهُمْ مِنَ الدَّارِ، فَسَلَّمَهُمْ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ يَاقُوتٍ، وَهُوَ عَلَى شُرْطَةِ بَغْدَاذَ، فَأَنْزَلَهُمْ فِي دَارٍ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، وَكَانَ يَدْخُلُ إِلَيْهِمْ مَنْ يُرِيدُ، فَعَظُمَ اسْتِيحَاشُهُمْ. ثُمَّ صَارَ يَذُمُّهُمْ فِي مَجْلِسِهِ، وَيُظْهِرُ كَرَاهَتَهُمْ، حَتَّى تَبَيَّنُوا ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ وَحَرَكَاتِهِ مَعَهُمْ، فَأَظْهَرُوا أَنَّ لِبَعْضِ قُوَّادِهِمْ عُرْسًا، فَاجْتَمَعُوا بِحُجَّتِهِ، وَقَرَّرُوا بَيْنَهُمْ مَا أَرَادُوا، وَافْتَرَقُوا، وَأَرْسَلُوا إِلَى سَابُوُرَ خَادِمِ وَالِدَةِ الْمُقْتَدِرِ، فَقَالُوا لَهُ: قَدْ عَلِمْتَ مَا فَعَلَهُ بِمَوْلَاتِكَ، وَقَدْ رَكِبَتْ فِي مُوَافَقَتِهِ كُلَّ عَظِيمٍ، فَإِنْ وَافَقْتَنَا عَلَى مَا نَحْنُ عَلَيْهِ، وَتَقَدَّمْتَ إِلَى الْخَدَمِ بِحِفْظِهِ، فَعَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ مِنْكَ، وَإِلَّا فَنَحْنُ نَبْدَأُ بِكَ، فَأَعْلَمَهُمْ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْخَوْفِ وَالْكَرَاهَةِ لِلْقَاهِرِ، وَأَنَّهُ مُوَافِقُهُمْ، وَكَانَ ابْنُ مُقْلَةَ مَعَ هَذَا يَصْنَعُ عَلَيْهِ وَيَسْعَى فِيهِ إِلَى أَنْ خُلِعَ، كَمَا ذَكَرْنَا، وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ سَنَةً وَاحِدَةً وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ. ذِكْرُ خِلَافَةِ الرَّاضِي بِاللَّهِ هُوَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ، وَلَمَّا قُبِضَ الْقَاهِرُ سَأَلُوا الْخَدَمَ عَنِ الْمَكَانِ الَّذِي فِيهِ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ الْمُقْتَدِرِ، فَدَلُّوهُمْ عَلَيْهِ، وَكَانَ هُوَ وَوَالِدَتُهُ مَحْبُوسِينَ، فَقَصَدُوهُ،

стр. 3751

وَفَتَحُوا عَلَيْهِ وَدَخَلُوا فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ بِالْخِلَافَةِ، وَأَخْرَجُوهُ وَأَجْلَسُوهُ عَلَى سَرِيرِ الْقَاهِرِ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِسِتٍّ خَلَوْنَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى، وَلَقَّبُوهُ بِالرَّاضِي بِاللَّهِ، وَبَايَعَهُ الْقُوَّادُ وَالنَّاسُ، وَأَمَرَ بِإِحْضَارِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى وَأَخِيهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَصَدَرَ عَنْ رَأْيِهِمَا فِيمَا يَفْعَلُهُ، وَاسْتَشَارَهُمَا وَأَرَادَ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى عَلَى الْوِزَارَةِ، فَامْتَنَعَ لِكِبَرِهِ، وَعَجْزِهِ، وَضَعْفِهِ، وَأَشَارَ بِابْنِ مُقْلَةَ. ثُمَّ إِنَّ سِيمَا قَالَ لِلرَّاضِي: إِنَّ الْوَقْتَ لَا يَحْتَمِلُ أَخْلَاقَ عَلِيٍّ، وَابْنَ مُقْلَةَ أَلْيَقُ بِالْوَقْتِ، فَكَتَبَ لَهُ أَمَانًا وَأَحْضَرَهُ وَاسْتَوْزَرَهُ، فَلَمَّا وَزَرَ، أَحْسَنَ إِلَى كُلِّ مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ، وَأَحْسَنَ سِيرَتَهُ، وَقَالَ: عَاهَدْتُ اللَّهَ عِنْدَ اسْتِتَارِي بِذَلِكَ، فَوَفَّى بِهِ، وَأَحْضَرَ الشُّهُودَ وَالْقُضَاةَ، وَأَرْسَلَهُمْ إِلَى الْقَاهِرِ ; لِيَشْهَدُوا عَلَيْهِ بِالْخَلْعِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، فَسُمِلَ مِنْ لَيْلَتِهِ، فَبَقِيَ أَعْمَى لَا يُبْصِرُ. وَأَرْسَلَ ابْنُ مُقْلَةَ إِلَى الْخُصَيْبِيِّ وَعِيسَى الْمُتَطَبِّبِ بِالْأَمَانِ، فَظَهَرَا وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمَا، وَاسْتَعْمَلَ الْخُصَيْبِيَّ وَوَلَّاهُ، وَاسْتَعْمَلَ الرَّاضِيَ بِاللَّهِ عَلَى الشُّرْطَةِ بَدْرًا الْخَرْشَنِيَّ، وَاسْتَعْمَلَ ابْنَ مُقْلَةَ أَبَا الْفَضْلِ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ الْفُرَاتِ، فِي جُمَادَى الْأُولَى، نَائِبًا عَنْهُ عَلَى سَائِرِ الْعُمَّالِ بِالْمَوْصِلِ، وَقَرْدَى، وَبَازَبْدِيِّ، وَمَارِدَيْنِ، وَطُورِ عَبْدِينَ، وَدِيَارِ الْجَزِيرَةِ، وَدِيَارِ بَكْرٍ، وَطَرِيقِ الْفُرَاتِ، وَالثُّغُورِ الْجَزْرِيَّةِ وَالشَّامِيَّةِ، وَأَجْنَادِ الشَّامِ، وَدِيَارِ مِصْرَ، يَصْرِفُ مَنْ يَرَى، وَيَسْتَعْمِلُ مَنْ يَرَى فِي الْخَرَاجِ، وَالْمُعَاوِنِ، وَالنَّفَقَاتِ، وَالْبَرِيدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَأَرْسَلَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ رَائِقٍ يَسْتَدْعِيهِ لِيُوَلِّيَهُ الْحَجَبَةَ، وَكَانَ قَدِ اسْتَوْلَى عَلَى الْأَهْوَازِ

стр. 3752

وَأَعْمَالِهَا، وَدَفَعَ عَنْهَا ابْنَ يَاقُوتٍ، (وَلَمْ يَبْقَ بِيَدِ ابْنِ يَاقُوتٍ) مِنْ تِلْكَ الْوَلَايَةِ إِلَّا السُّوسُ، وَجُنْدَيْسَابُورُ، وَهُوَ يُرِيدُ الْمَسِيرَ إِلَى أَصْبَهَانَ أَمِيرًا عَلَيْهَا، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَكَانَ ذَلِكَ آخَرَ أَيَّامِ الْقَاهِرِ، فَلَمَّا وَلِيَ الرَّاضِي، وَاسْتَحْضَرَهُ، سَارَ إِلَى وَاسِطَ، وَأَرْسَلَ مُحَمَّدَ بْنَ يَاقُوتٍ يَخْطُبُ الْحَجَبَةَ، فَأُجِيبُ إِلَيْهَا، فَسَارَ فِي أَثَرِ ابْنِ رَائِقٍ، وَبَلَغَ ابْنَ رَائِقٍ الْخَبَرُ، فَلَمْ يَقِفْ وَسَارَ مِنْ وَاسِطَ مُصْعِدًا إِلَى بَغْدَاذَ يُسَابِقُ ابْنَ يَاقُوتٍ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الْمَدَائِنِ، لَقِيَهُ تَوْقِيعُ الرَّاضِي يَأْمُرُهُ بِتَرْكِ دُخُولِ بَغْدَاذَ، وَتَقْلِيدِهِ الْحَرْبَ وَالْمُعَاوِنَ بِوَاسِطَ، مُضَافًا إِلَى مَا بِيَدِهِ مِنَ الْبَصْرَةِ وَغَيْرِهَا، فَعَادَ مُنْحَدِرًا فِي دِجْلَةَ، وَلَقِيَهُ ابْنُ يَاقُوتٍ مُصْعِدًا فِيهَا أَيْضًا، فَسَلَّمَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَأُصْعِدَ ابْنُ يَاقُوتٍ إِلَى بَغْدَاذَ فَتَوَلَّى الْحَجَبَةَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ. ذِكْرُ وَفَاةِ الْمَهْدِيِّ صَاحِبِ إِفْرِيقِيَّةَ، وَوَلَايَةِ وَلَدِهِ الْقَائِمِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، تُوُفِّيَ الْمَهْدِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ عُبَيْدُ اللَّهِ الْعَلَوِيُّ بِالْمَهْدِيَّةِ، وَأَخْفَى وَلَدُهُ أَبُو الْقَاسِمِ مَوْتَهُ سَنَةً لِتَدْبِيرٍ كَانَ لَهُ، وَكَانَ يَخَافُ أَنْ يَخْتَلِفَ النَّاسُ عَلَيْهِ إِذَا عَلِمُوا بِمَوْتِهِ، وَكَانَ عُمُرُ الْمَهْدِيِّ لَمَّا تُوُفِّيَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سَنَةً، وَكَانَتْ وَلَايَتُهُ مُنْذُ دَخَلَ رَقَّادَةَ وَدُعِيَ لَهُ بِالْإِمَامَةِ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَشَهْرًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا. وَلَمَّا تُوُفِّيَ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ أَبُو الْقَاسِمِ مُحَمَّدٌ، وَكَانَ أَبُوهُ قَدْ عَهِدَ إِلَيْهِ، وَلَمَّا أَظْهَرَ وَفَاةَ وَالِدِهِ كَانَ قَدْ تَمَكَّنَ وَفَرَغَ مِنْ جَمِيعِ مَا أَرَادَهُ، وَاتَّبَعَ سُنَّةَ أَبِيهِ، وَثَارَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ، فَتَمَكَّنَ مِنْهُمْ، وَكَانَ مِنْ أَشَدِّهِمْ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ ابْنُ طَالُوتَ الْقُرَشِيُّ فِي نَاحِيَةِ طَرَابُلُسَ، وَيَزْعُمُ أَنَّهُ وَلَدُ الْمَهْدِيِّ، فَقَامُوا مَعَهُ، وَزَحَفَ إِلَى مَدِينَةِ طَرَابُلُسَ، فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا، ثُمَّ تَبَيَّنَ لِلْبَرْبَرِ كَذِبُهُ، فَقَتَلُوهُ وَحَمَلُوا رَأْسَهُ إِلَى الْقَائِمِ. وَجَهَّزَ الْقَائِمُ أَيْضًا جَيْشًا كَثِيفًا مَعَ مَيْسُورِ الْفَتَى إِلَى الْمَغْرِبِ، فَانْتَهَى إِلَى فَاسَ، وَإِلَى تَكْرُورَ، وَهَزَمَ خَارِجِيًّا هُنَاكَ، وَأَخَذَ وَلَدَهُ أَسِيرًا، وَسَيَّرَ أَيْضًا جَيْشًا فِي الْبَحْرِ، وَقَدَّمَ

стр. 3753

عَلَيْهِمْ رَجُلًا اسْمُهُ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ إِلَى بَلَدِ الرُّومِ، فَسَبَى وَغَنِمَ فِي بَلَدِ جِنْوَةَ، وَسَيَّرَ جَيْشًا آخَرَ مَعَ خَادِمِهِ زَيْدَانَ، وَبَالَغَ فِي النَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ وَتَجْهِيزِهِمْ إِلَى مِصْرَ، فَدَخَلُوا الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ، فَأَخْرَجَ إِلَيْهِمْ مُحَمَّدٌ الْإِخْشِيدُ عَسْكَرًا كَثِيفًا، فَقَاتَلَهُمْ، وَهَزَمُوا الْمَغَارِبَةَ، وَقَتَلُوا فِيهِمْ وَأَسَرُوا، وَعَادَ الْمَغَارِبَةُ مَفْلُولِينَ. ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ مَرْدَاوَيْجَ عَلَى الْأَهْوَازِ لَمَّا بَلَغَ مَرْدَاوَيْجَ اسْتِيلَاءُ عَلِيِّ بْنِ بُوَيْهِ عَلَى فَارِسَ، اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَسَارَ إِلَى أَصْبَهَانَ لِلتَّدْبِيرِ عَلَى ابْنِ بُوَيْهِ، فَرَأَى أَنْ يُنْفِذَ عَسْكَرًا إِلَى الْأَهْوَازِ لِيَسْتَوْلِيَ عَلَيْهَا، وَيَسُدَّ الطَّرِيقَ عَلَى عِمَادِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ إِذَا قَصَدَهُ، فَلَا يَبْقَى لَهُ طَرِيقٌ إِلَى الْخَلِيفَةِ، وَيَقْصِدُهُ هُمْ مِنْ نَاحِيَةِ أَصْبَهَانَ، وَيَقْصِدُهُ عَسْكَرُهُ مِنْ نَاحِيَةِ الْأَهْوَازِ، فَلَا يَثْبُتُ لَهُمْ. سَارَتْ عَسَاكِرُ مَرْدَاوَيْجَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، حَتَّى بَلَغَتْ إِيذَجَ، فَخَافَ يَاقُوتٌ أَنْ يَحْصُلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ابْنِ بُوَيْهِ، فَسَارَ إِلَى الْأَهْوَازِ (وَمَعَهُ ابْنُهُ الْمُظَفَّرُ، وَكَتَبَ إِلَى الرَّاضِي لِيُقَلِّدَهُ أَعْمَالَ الْأَهْوَازِ) ، فَقَلَّدَهُ ذَلِكَ، وَصَارَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْبَرِيدِيُّ كَاتِبُهُ مُضَافًا لَهُ إِلَى مَا بِيَدِهِ مِنْ أَعْمَالِ الْخَرَاجِ بِالْأَهْوَازِ، وَصَارَ أَخُوهُ أَبُو الْحُسَيْنِ يَخْلُفُ يَاقُوتًا بِبَغْدَاذَ. ثُمَّ اسْتَوْلَى عَسْكَرُ مَرْدَاوَيْجَ عَلَى رَامَهُرْمُزَ، أَوَّلَ شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَسَارُوا نَحْوَ الْأَهْوَازَ، فَوَقَفَ لَهُمْ يَاقُوتٌ عَلَى قَنْطَرَةِ أَرْبَقَ، فَلَمْ يُمَكِّنْهُمْ مِنَ الْعُبُورِ لِشِدَّةِ جَرْيَةِ الْمَاءِ، فَأَقَامُوا بِإِزَائِهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ رَحَلُوا فَعَبَرُوا عَلَى الْأَطْوَافِ نَهْرَ الْمُسْرَقَانِ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى يَاقُوتٍ، وَقَدْ أَتَاهُ مَدَدٌ مِنْ بَغْدَاذَ قَبْلَ ذَلِكَ بِيَوْمَيْنِ، فَسَارَ بِهِمْ إِلَى قَرْيَةِ الرِّيخِ، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى وَاسِطَ، وَبِهَا حِينَئِذٍ مُحَمَّدُ بْنُ رَائِقٍ، فَأَخْلَى لَهُ غَرْبِيَّ وَاسِطَ، فَنَزَلَ فِيهِ يَاقُوتٌ.

стр. 3754

وَلَمَّا بَلَغَ عِمَادَ الدَّوْلَةِ اسْتِيلَاءُ مَرْدَاوَيْجَ عَلَى الْأَهْوَازِ، كَاتَبَ نَائِبَ مَرْدَاوَيْجَ يَسْتَمِيلُهُ، وَيَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَتَوَسَّطَ الْحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَرْدَاوَيْجَ، (فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَسَعَى فِيهِ، فَأَجَابَهُ مَرْدَاوَيْجُ) إِلَى ذَلِكَ عَلَى أَنْ يُطِيعَهُ وَيَخْطُبَ لَهُ، فَاسْتَقَرَّ الْحَالُ بَيْنَهُمَا، وَأَهْدَى لَهُ ابْنُ بُوَيْهِ هَدِيَّةً جَلِيلَةً، وَأَنْفَذَ أَخَاهُ رُكْنَ الدَّوْلَةِ رَهِينَةً، وَخَطَبَ لِمَرْدَاوَيْجَ فِي بِلَادِهِ، فَرَضِيَ مَرْدَاوَيْجُ مِنْهُ، وَاتُّفِقَ أَنَّهُ قُتِلَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، فَقَوِيَ أَمْرُ ابْنِ بُوَيْهِ. ذِكْرُ عَوْدِ يَاقُوتٍ إِلَى الْأَهْوَازِ وَلَمَّا وَصَلَ يَاقُوتٌ إِلَى وَاسِطَ، أَقَامَ بِهَا إِلَى أَنْ قُتِلَ مَرْدَاوَيْجُ، وَمَعَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَرِيدِيُّ يَكْتُبُ لَهُ، فَلَمَّا قُتِلَ مَرْدَاوَيْجُ عَادَ يَاقُوتٌ إِلَى الْأَهْوَازِ، وَاسْتَوْلَى عَلَى تِلْكَ الْوَلَايَةِ، وَلَمَّا وَصَلَ يَاقُوتٌ إِلَى عَسْكَرِ مُكْرَمٍ، بَعْدَ قَتْلِ مَرْدَاوَيْجَ، كَانَتْ عَسَاكِرُ ابْنِ بُوَيْهِ قَدْ سَبَقَتْهُ، فَالْتَقَوْا بِنَوَاحِي أَرَّجَانَ، وَكَانَ ابْنُ بُوَيْهِ قَدْ لَحِقَ بِأَصْحَابِهِ، وَاشْتَدَّ قِتَالُهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَانْهَزَمَ يَاقُوتٌ، وَلَمْ يُفْلِحْ بَعْدَهَا. وَرَاسَلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَرِيدِيُّ ابْنَ بُوَيْهِ فِي الصُّلْحِ، فَأَجَابَ إِلَى ذَلِكَ، وَكَتَبَ بِهِ إِلَى الرَّاضِي، فَأَجَابَ (إِلَى ذَلِكَ) ، وَقَرَّرَ بِلَادَ فَارِسَ عَلَى ابْنِ بُوَيْهِ، وَاسْتَقَرَّ بِشِيرَازَ، وَاسْتَقَرَّ يَاقُوتٌ بِالْأَهْوَازِ وَمَعَهُ ابْنُ الْبَرِيدِيِّ. وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ يَاقُوتٍ قَدْ سَارَ إِلَى بَغْدَاذَ وَتَوَلَّى الْحَجَبَةَ، وَخَلَعَ الرَّاضِيَ عَلَيْهِ، وَتَوَلَّى مَعَ الْحَجَبَةِ رِئَاسَةَ الْجَيْشِ، وَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي أَمْرِ الدَّوَاوِينِ، وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ بِأَنْ لَا يَقْبَلُوا تَوْقِيعًا بِوَلَايَةٍ وَلَا عَزْلٍ وَإِطْلَاقٍ إِلَّا إِذَا كَانَ خَطُّهُ عَلَيْهِ، وَأَمْرَهُمْ بِحُضُورِ مَجْلِسِهِ، فَصَبَرَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ مُقْلَةَ عَلَى ذَلِكَ، وَأَلْزَمَ نَفْسَهُ بِالْمَصِيرِ إِلَى دَارِ يَاقُوتٍ، فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، وَبَقِيَ كَالْمُتَعَطِّلِ. وَلَقَدْ كَانَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الْقَلِيلَةِ حَوَادِثُ عَظِيمَةٌ مِنْهَا: انْصِرَافُ وَشْمَكِيرَ أَخِي مَرْدَاوَيْجَ عَنْ أَصْبَهَانَ بِكِتَابِ الْقَاهِرِ، بَعْدَ أَنْ مَلَكَهَا، وَاسْتِعْمَالُ الْقَاهِرِ مُحَمَّدِ بْنِ يَاقُوتٍ عَلَيْهَا، وَخَلْعُ الْقَاهِرِ، وَخِلَافَةُ الرَّاضِي، وَأَمْرُ الْحُجَّةِ لِمُحَمَّدِ بْنِ رَائِقٍ، ثُمَّ انْفِسَاخُهُ، وَمَسِيرُ مُحَمَّدِ بْنِ يَاقُوتٍ مِنْ رَامَهُرْمُزَ إِلَى بَغْدَاذَ، وَوَلَايَتُهُ الْحَجَبَةَ، بَعْدَ أَنْ كَانَ سَائِرًا

стр. 3755

إِلَى أَصْبَهَانَ لِيَتَوَلَّاهَا، وَإِعَادَةُ مَرْدَاوَيْجَ أَخَاهُ وَشْمَكِيرَ إِلَيْهَا، وَمَلَكَ عَلِيُّ بْنُ بُوَيْهِ أَرَّجَانَ، هَذَا جَمِيعُهُ فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ الْقَرِيبَةِ فِي سَبْعِينَ يَوْمًا، فَتَبَارَكَ اللَّهُ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَالْمَلَكُوتُ، يُصَرِّفُ الْأُمُورَ كَيْفَ يَشَاءُ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ. ذِكْرُ قَتْلِ هَارُونَ بْنِ غَرِيبٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ هَارُونُ بْنُ غَرِيبٍ، وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّهُ كَانَ - كَمَا ذَكَرْنَا - قَدِ اسْتَعْمَلَهُ الْقَاهِرُ عَلَى مَاهِ الْكُوفَةِ، وَقَصَبَتِهَا الدِّيْنَوَرِ، وَعَلَى مَاسَبَذَانَ وَغَيْرِهَا، فَلَمَّا خُلِعَ الْقَاهِرُ وَاسْتُخْلِفَ الرَّاضِي، رَأَى هَارُونُ أَنَّهُ أَحَقُّ بِالدَّوْلَةِ مِنْ غَيْرِهِ ; لِقَرَابَتِهِ مِنَ الرَّاضِي، حَيْثُ هُوَ ابْنُ خَالِ الْمُقْتَدِرِ، فَكَاتَبَ الْقُوَّادَ بِبَغْدَاذَ يَعِدُهُمُ الْإِحْسَانَ وَالزِّيَادَةَ فِي الْأَرْزَاقِ، ثُمَّ سَارَ مِنَ الدِّينَوَرِ إِلَى خَانِقَيْنَ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى ابْنِ مُقْلَةَ وَابْنِ يَاقُوتٍ وَالْحَجَرِيَّةِ وَالسَّاجِيَّةِ، وَاجْتَمَعُوا وَشَكَوْهُ إِلَى الرَّاضِي، فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ كَارِهٌ لَهُ، وَأَذِنَ لَهُمْ فِي مَنْعِهِ، فَرَاسَلُوهُ أَوَّلًا، وَبَذَلُوا لَهُ طَرِيقَ خُرَاسَانَ زِيَادَةً عَلَى مَا فِي يَدِهِ، فَلَمْ يَقْنَعْ بِهِ، وَتَقَدَّمَ إِلَى النَّهْرَوَانِ، وَشَرَعَ فِي جِبَايَةِ الْأَمْوَالِ، وَظَلَمَ النَّاسَ وَعَسَفَهُمْ، وَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُ. فَخَرَجَ إِلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَاقُوتٍ فِي سَائِرِ جُيُوشِ بَغْدَاذَ، وَنَزَلَ قَرِيبًا مِنْهُ، وَوَقَعَتِ الطَّلَائِعُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، وَهَرَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ مُحَمَّدِ بْنِ يَاقُوتٍ إِلَى هَارُونَ، وَرَاسَلَهُ مُحَمَّدُ يَسْتَمِيلُهُ، وَيَبْذُلُ لَهُ، فَلَمْ يُجِبْ إِلَى ذَلِكَ، وَقَالَ: لَا بُدَّ مِنْ دُخُولِ بَغْدَاذَ. فَلَمَّا كَانَ (يَوْمُ الثُّلَاثَاءِ) لِسِتٍّ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، تَزَاحَفَ الْعَسْكَرَانِ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، وَاسْتَظْهَرَ أَصْحَابُ هَارُونَ لِكَثْرَتِهِمْ، فَانْهَزَمَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ ابْنِ يَاقُوتٍ وَنُهِبَ أَكْثَرُ سَوَادِهِمْ، وَكَثُرَ فِيهِمُ الْجِرَاحُ وَالْقَتْلُ، فَسَارَ مُحَمَّدُ بْنُ يَاقُوتٍ حَتَّى قَطَعَ قَنْطَرَةَ نَهْرِ بِينَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ هَارُونَ، فَسَارَ نَحْوَ الْقَنْطَرَةِ مُنْفَرِدًا عَنْ أَصْحَابِهِ، طَمَعًا فِي قَتْلِ مُحَمَّدِ بْنِ

стр. 3756

يَاقُوتٍ، أَوْ أَسْرِهِ، فَتَقَنْطَرَ بِهِ فَرَسُهُ، فَسَقَطَ عَنْهُ فِي سَاقِيَةٍ، فَلَحِقَهُ غُلَامٌ لَهُ اسْمُهُ يُمْنٌ، فَضَرَبَهُ بِالطَّبَرْزَيْنِ حَتَّى أَثْخَنَهُ، وَكَسَّرَ عِظَامَهُ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَيْهِ فَذَبَحَهُ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ وَتَفَرَّقُوا، وَدَخَلَ بَعْضُهُمْ بَغْدَاذَ سِرًّا، وَنُهِبَ سَوَادُ هَارُونَ، وَقُتِلَ جَمَاعَةٌ مِنْ قُوَّادِهِ وَأُسِرَ جَمَاعَةٌ. وَسَارَ مُحَمَّدٌ إِلَى مَوْضِعِ جُثَّةِ هَارُونَ، فَأَمَرَ بِحَمْلِهَا إِلَى مَضْرِبِهِ، وَأَمَرَ بِغَسْلِهِ وَتَكْفِينِهِ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ وَدَفَنَهُ، وَأَنْفَذَ إِلَى دَارِهِ مَنْ يَحْفَظُهَا مِنَ النَّهْبِ، وَدَخَلَ بَغْدَاذَ وَرَأْسُ هَارُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَرُءُوسُ جَمَاعَةٍ مِنْ قُوَّادِهِ، فَنُصِبَ بِبَغْدَاذَ. ذِكْرُ ظُهُورِ إِنْسَانٍ ادَّعَى النُّبُوَّةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ ظَهَرَ بِبَاسِنْدَ مِنْ أَعْمَالِ الصَّغَانِيَانِ رَجُلٌ ادَّعَى النُّبُوَّةَ، فَقَصَدَهُ فَوْجٌ بَعْدَ فَوْجٍ، وَاتَّبَعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَحَارَبَ مَنْ خَالَفَهُ، فَقَتَلَ خَلْقًا كَثِيرًا مِمَّنْ كَذَّبَهُ، فَكَثُرَ أَتْبَاعُهُ مِنْ أَهْلِ الشَّاشِ خُصُوصًا. وَكَانَ صَاحِبُ حِيَلٍ وَمَخَارِيقَ، وَكَانَ يُدْخِلُ يَدَهُ فِي حَوْضٍ مَلْآنَ مَاءً، فَيُخْرِجُهَا مَمْلُوءَةً دَنَانِيرَ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَخَارِيقِ، فَكَثُرَ جَمْعُهُ، فَأَنْفَذَ إِلَيْهِ أَبُو عَلِيِّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُظَفَّرِ جَيْشًا، فَحَارَبُوهُ وَضَيَّقُوا عَلَيْهِ، وَهُوَ فَوْقَ جَبَلٍ عَالٍ، حَتَّى قَبَضُوا عَلَيْهِ وَقَتَلُوهُ، وَحَمَلُوا رَأْسَهُ إِلَى أَبِي عَلِيٍّ، وَقَتَلُوا خَلْقًا كَثِيرًا مِمَّنِ اتَّبَعَهُ وَآمَنَ بِهِ، وَكَانَ يَدَّعِي أَنَّهُ مَتَى مَاتَ، عَادَ إِلَى الدُّنْيَا، فَبَقِيَ بِتِلْكَ النَّاحِيَةِ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ عَلَى مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ مُدَّةً طَوِيلَةً، ثُمَّ اضْمَحَلُّوا وَفَنَوْا.

стр. 3757

ذِكْرُ قَتْلِ الشَّلْمَغَانِيِّ وَحِكَايَةِ مَذْهَبِهِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الشَّلْمَغَانِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ أَبِي الْعَزَاقِرِ، (وَشَلْمَغَانُ الَّتِي يُنْسَبُ إِلَيْهَا قَرْيَةٌ بِنُوَاحِي وَاسِطَ) . وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ مَذْهَبًا غَالِيًا فِي التَّشَيُّعِ وَالتَّنَاسُخِ، وَحُلُولِ الْإِلَهِيَّةِ فِيهِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْكِيهِ، وَأَظْهَرَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ أَبُو الْقَاسِمِ الْحُسَيْنُ بْنُ رَوْحٍ، الَّذِي تُسَمِّيهِ الْإِمَامِيَّةُ الْبَابَ، مُتَدَاوِلُ وِزَارَةِ حَامِدِ بْنِ الْعَبَّاسِ، ثُمَّ اتَّصَلَ أَبُو جَعْفَرٍ الشَّلْمَغَانِيُّ بِالْمُحْسِنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْفُرَاتِ فِي وِزَارَةِ أَبِيهِ الثَّالِثَةِ، ثُمَّ إِنَّهُ طَلَبَ فِي وِزَارَةِ الْخَاقَانِيِّ، فَاسْتَتَرَ وَهَرَبَ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَبَقِيَ سِنِينَ عِنْدَ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْدَانَ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْدَانَ، ثُمَّ انْحَدَرَ إِلَى بَغْدَاذَ وَاسْتَتَرَ، وَظَهَرَ عَنْهُ بِبَغْدَاذَ أَنَّهُ يَدَّعِي لِنَفْسِهِ الرُّبُوبِيَّةَ، وَقِيلَ إِنَّهُ اتَّبَعَهُ عَلَى ذَلِكَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ وَهْبٍ الَّذِي وَزَرَ لِلْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ، وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَأَبُو عَلِيٍّ ابْنَا بِسْطَامٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَوْنٍ، وَابْنُ شَبِيبٍ الزَّيَّاتُ، وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدُوسٍ، كَانُوا يَعْتَقِدُونَ ذَلِكَ فِيهِ، وَظَهَرَ ذَلِكَ عَنْهُمْ، وَطَلَبُوا أَيَّامَ وِزَارَةِ ابْنِ مُقْلَةَ لِلْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ، فَلَمْ يَجِدُوا.

стр. 3758

فَلَمَّا كَانَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، ظَهَرَ الشَّلْمَغَانِيُّ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ الْوَزِيرُ ابْنُ مُقْلَةَ وَسَجَنَهُ، وَكَبَسَ دَارَهُ فَوَجَدَ فِيهَا رِقَاعًا وَكُتُبًا مِمَّنْ يَدَّعِي عَلَيْهِ أَنَّهُ عَلَى مَذْهَبِهِ، يُخَاطِبُونَهُ بِمَا لَا يُخَاطَبُ بِهِ الْبَشَرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَفِيهَا خَطُّ الْحُسَيْنِ بْنِ الْقَاسِمِ، فَعُرِضَتِ الْخُطُوطُ فَعَرَفَهَا النَّاسُ، وَعُرِضَتْ عَلَى الشَّلْمَغَانِيِّ فَأَقَرَّ أَنَّهَا خُطُوطُهُمْ، وَأَنْكَرَ مَذْهَبَهُ، وَأَظْهَرَ الْإِسْلَامَ، وَتَبَرَّأَ مِمَّا يُقَالُ فِيهِ، وَأَخَذَ ابْنَ أَبِي عَوْنٍ، وَابْنَ عَبْدُوسٍ مَعَهُ، وَأُحْضِرَا مَعَهُ عِنْدَ الْخَلِيفَةِ، وَأُمِرَا بِصَفْعِهِ فَامْتَنَعَا، فَلَمَّا أُكْرِهَا مَدَّ ابْنُ عَبْدُوسٍ يَدَهُ وَصَفَعَهُ، وَأَمَّا ابْنُ أَبِي عَوْنٍ فَإِنَّهُ مَدَّ يَدَهُ إِلَى لِحْيَتِهِ وَرَأْسِهِ، فَارْتَعَدَتْ يَدُهُ، فَقَبَّلَ لِحْيَةَ الشَّلْمَغَانِيِّ وَرَأْسِهِ، ثُمَّ قَالَ: إِلَهِي، وَسَيِّدِي، وَرَازِقِي، فَقَالَ لَهُ الرَّاضِي: قَدْ زَعَمْتَ أَنَّكَ لَا تَدَّعِي الْإِلَهِيَّةَ، فَمَا هَذَا؟ فَقَالَ: وَمَا عَلَيَّ مِنْ قَوْلِ ابْنِ أَبِي عَوْنٍ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّنِي مَا قُلْتُ لَهُ إِنَّنِي إِلَهٌ قَطُّ. فَقَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ: إِنَّهُ لَمْ يَدَّعِ الْإِلَهِيَّةِ، وَإِنَّمَا ادَّعَى أَنَّهُ الْبَابُ إِلَى الْإِمَامِ الْمُنْتَظَرِ، مَكَانَ ابْنِ رَوْحٍ، وَكُنْتُ أَظُنُّ أَنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ تَقِيَّةً. ثُمَّ أُحْضِرُوا عِدَّةَ مَرَّاتٍ، وَمَعَهُمُ الْفُقَهَاءُ، وَالْقُضَاةُ، وَالْكُتَّابُ، وَالْقُوَّادُ، وَفِي آخِرِ الْأَيَّامِ أَفْتَى الْفُقَهَاءُ بِإِبَاحَةِ دَمِهِ، فَصُلِبَ ابْنُ الشَّلْمَغَانِيِّ، وَابْنُ أَبِي عَوْنٍ، فِي ذِي الْقِعْدَةِ فَأُحْرِقَا بِالنَّارِ. وَكَانَ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ إِلَهُ الْآلِهَةِ الْحَقُّ، وَأَنَّهُ الْأَوَّلُ الْقَدِيمُ، الظَّاهِرُ، الْبَاطِنُ، الرَّازِقُ، التَّامُّ، الْمُومَأُ إِلَيْهِ بِكُلِّ مَعْنًى، وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يَحِلُّ فِي كُلِّ شَيْءٍ عَلَى قَدْرِ مَا يَحْتَمِلُ، وَإِنَّهُ خَلَقَ الضِّدَّ لِيَدُلَّ عَلَى الْمَضْدُودِ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ حَلَّ فِي آدَمَ لَمَّا خَلَقَهُ، وَفِي إِبْلِيسِهِ أَيْضًا، وَكِلَاهُمَا ضِدٌّ لِصَاحِبِهِ لِمُضَادَّتِهِ إِيَّاهُ فِي مَعْنَاهُ، وَإِنَّ الدَّلِيلَ عَلَى الْحَقِّ أَفْضَلُ مِنَ الْحَقِّ، وَإِنَّ الضِّدَّ أَقْرَبُ إِلَى الشَّيْءِ مِنْ شَبَهِهِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا حَلَّ فِي جَسَدٍ نَاسُوتِيٍّ، ظَهَرَ مِنَ الْقُدْرَةِ وَالْمُعْجِزَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ، وَإِنَّهُ لَمَّا غَابَ آدَمُ، ظَهَرَ اللَّاهُوتُ فِي خَمْسَةِ نَاسُوتِيَّةٍ، كُلَّمَا غَابَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ، ظَهَرَ مَكَانَهُ

стр. 3759

آخَرُ، وَفِي خَمْسَةِ أَبَالِسَةَ أَضْدَادٍ لِتِلْكَ الْخَمْسَةِ، ثُمَّ اجْتَمَعَتِ اللَّاهُوتِيَّةُ فِي إِدْرِيسَ وَإِبْلِيسِهِ، وَتَفَرَّقَتْ بَعْدَهُمَا كَمَا تَفَرَّقَتْ بَعْدَ آدَمَ، وَاجْتَمَعَتْ فِي نُوحٍ ﵇ وَإِبْلِيسِهِ، وَتَفَرَّقَتْ عِنْدَ غَيْبَتِهِمَا، وَاجْتَمَعَتْ فِي هُودٍ وَإِبْلِيسِهِ، وَتَفَرَّقَتْ بَعْدَهُمَا، وَاجْتَمَعَتْ فِي صَالِحٍ ﵇ وَإِبْلِيسِهِ عَاقِرِ النَّاقَةِ، وَتَفَرَّقَتْ بَعْدَهُمَا، وَاجْتَمَعَتْ فِي إِبْرَاهِيمَ ﵇ وَإِبْلِيسِهِ نَمْرُوذَ، وَتَفَرَّقَتْ لَمَّا غَابَا، وَاجْتَمَعَتْ فِي هَارُونَ وَإِبْلِيسِهِ فِرْعَوْنَ، وَتَفَرَّقَتْ بَعْدَهُمَا، وَاجْتَمَعَتْ (فِي سُلَيْمَانَ وَإِبْلِيسِهِ، وَتَفَرَّقَتْ بَعْدَهُمَا، وَاجْتَمَعَتْ) فِي عِيسَى وَإِبْلِيسِهِ، فَلَمَّا غَابَا تَفَرَّقَتْ فِي تَلَامِيذِ عِيسَى وَأَبَالِسَتِهِمْ، ثُمَّ اجْتَمَعَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَإِبْلِيسِهِ. ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ يُظْهِرُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَكُلِّ مَعْنًى، وَإِنَّهُ فِي كُلِّ أَحَدٍ بِالْخَاطِرِ الَّذِي يَخْطِرُ بِقَلْبِهِ، فَيَتَصَوَّرُ لَهُ مَا يَغِيبُ عَنْهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ يُشَاهِدُهُ، وَإِنَّ اللَّهَ اسْمٌ لِمَعْنًى، وَإِنَّ مَنِ احْتَاجَ النَّاسُ إِلَيْهِ فَهُوَ إِلَهٌ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى يَسْتَوْجِبُ كُلُّ أَحَدٍ أَنْ يُسَمَّى إِلَهًا، وَإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ مِنْ أَشْيَاعِهِ يَقُولُ: إِنَّهُ رَبٌّ لِمَنْ هُوَ فِي دُونِ دَرَجَتِهِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ يَقُولُ: أَنَا رَبٌّ لِفُلَانٍ، وَفُلَانٌ رَبٌّ (لِفُلَانٍ وَفُلَانٌ رَبُّ) رَبِّي، حَتَّى يَقَعَ الِانْتِهَاءُ إِلَى ابْنِ أَبِي الْعَزَاقِرِ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّ الْأَرْبَابِ، لَا رُبُوبِيَّةَ بَعْدَهُ. وَلَا يَنْسُبُونَ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ ﵄ إِلَى عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ ; لِأَنَّ مَنِ اجْتَمَعَتْ لَهُ الرُّبُوبِيَّةُ لَا يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَا وَالِدٌ، وَكَانُوا يُسَمُّونَ مُوسَى وَمُحَمَّدًا ﷺ الْخَائِنِينَ ; لِأَنَّهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّ هَارُونَ أَرْسَلَ مُوسَى، وَعَلِيًّا أَرْسَلَ مُحَمَّدًا، فَخَانَاهُمَا، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ عَلِيًّا أَمْهَلَ مُحَمَّدًا عِدَّةَ سِنِي أَصْحَابِ الْكَهْفِ، فَإِذَا انْقَضَتْ هَذِهِ الْعِدَّةُ وَهِيَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَخَمْسُونَ سَنَةً، انْتَقَلَتِ الشَّرِيعَةُ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ كُلُّ مَنْ مَلَكَ

стр. 3760

نَفْسَهُ وَعَرَفَ الْحَقَّ، وَإِنَّ الْجَنَّةَ مَعْرِفَتُهُمْ وَانْتِحَالُ مَذْهَبِهِمْ، وَالنَّارُ الْجَهْلُ بِهِمْ وَالْعُدُولُ عَنْ مَذْهَبِهِمْ. وَيَعْتَقِدُونَ تَرْكَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْعِبَادَاتِ، وَلَا يَتَنَاكَحُونَ بِعَقْدٍ، وَيُبِيحُونَ الْفُرُوجَ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ بُعِثَ إِلَى كُبَرَاءِ قُرَيْشٍ وَجَبَابِرَةِ الْعَرَبِ، وَنُفُوسُهُمْ أَبِيَّةٌ، فَأَمَرَهُمْ بِالسُّجُودِ، وَإِنَّ الْحِكْمَةَ الْآنَ أَنْ يَمْتَحِنَ النَّاسَ بِإِبَاحَةِ فُرُوجِ نِسَائِهِمْ، وَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُجَامِعَ الْإِنْسَانُ مَنْ شَاءَ مِنْ ذَوِي رَحِمِهِ، وَحَرَمِ صَدِيقِهِ وَابْنِهِ، بَعْدَ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَذْهَبِهِ، وَإِنَّهُ لَا بُدَّ لِلْفَاضِلِ مِنْهُمْ أَنْ يَنْكِحَ الْمَفْضُولَ لِيُولِجَ النُّورَ فِيهِ، وَمَنِ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ قُلِبَ فِي الدَّوْرِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَ هَذَا الْعَالَمِ امْرَأَةً، إِذْ كَانَ مَذْهَبُهُمُ التَّنَاسُخَ، وَكَانُوا يَعْتَقِدُونَ إِهْلَاكَ الطَّالِبِيِّينَ وَالْعَبَّاسِيِّينَ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ وَالْجَاحِدُونَ عُلَّوًا كَبِيرًا. وَمَا أَشْبَهَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ بِمَقَالَةِ النُّصَيْرِيَّةِ، وَلَعَلَّهَا هِيَ هِيَ، فَإِنَّ النُّصَيْرِيَّةَ يَعْتَقِدُونَ فِي ابْنِ الْفُرَاتِ، وَيَجْعَلُونَهُ رَأْسًا فِي مَذْهَبِهِمْ. وَكَانَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ بِالرَّقَّةِ، فَأَرْسَلَ الرَّاضِيَ بِاللَّهِ إِلَيْهِ، فَقُتِلَ آخِرَ ذِي الْقِعْدَةِ، وَحُمِلَ رَأْسُهُ إِلَى بَغْدَاذَ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَرْسَلَ مُحَمَّدُ بْنُ يَاقُوتٍ حَاجِبُ الْخَلِيفَةِ رَسُولًا إِلَى أَبِي طَاهِرٍ الْقُرْمُطِيِّ يَدْعُوهُ إِلَى طَاعَةِ الْخَلِيفَةِ، لِيُقِرَّهُ عَلَى مَا بِيَدِهِ مِنَ الْبِلَادِ، وَيُقَلِّدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا شَاءَ مِنَ الْبُلْدَانِ، وَيُحْسِنَ إِلَيْهِ، وَيَلْتَمِسَ مِنْهُ أَنْ يَكُفَّ عَنِ الْحَاجِّ جَمِيعِهِمْ، وَأَنْ يَرُدَّ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ إِلَى مَوْضِعِهِ بِمَكَّةَ، فَأَجَابَ أَبُو طَاهِرٍ إِلَى أَنَّهُ لَا يَتَعَرَّضُ لِلْحَاجِّ، وَلَا يُصِيبُهُمْ بِمَكْرُوهٍ، وَلَمْ يُجِبْ إِلَى رَدِّ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ إِلَى مَكَّةَ، وَسَأَلَ أَنْ يُطْلِقَ لَهُ الْمِيرَةَ مِنَ الْبَصْرَةِ لِيَخْطُبَ فِي أَعْمَالِ هَجَرَ، فَسَارَ الْحَاجُّ إِلَى مَكَّةَ وَعَادَ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُمُ الْقَرَامِطَةُ.

стр. 3761

وَفِيهَا فِي ذِي الْقِعْدَةِ عَزَمَ مُحَمَّدُ بْنُ يَاقُوتٍ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى الْأَهْوَازِ ; لِمُحَارَبَةِ عَسْكَرِ مَرْدَاوَيْجَ، فَتَقَدَّمَ إِلَى الْجُنْدِ الْحَجَرِيَّةِ وَالسَّاجِيَّةِ بِالتَّجَهُّزِ لِلْمَسِيرِ مَعَهُ، وَبَذَلَ مَالًا يَتَجَهَّزُونَ بِهِ، فَامْتَنَعُوا وَتَجَمَّعُوا وَقَصَدُوا دَارَ مُحَمَّدِ بْنِ يَاقُوتٍ، فَأَغْلَظَ لَهُمْ فِي الْخِطَابِ، فَسَبُّوا، وَرَمَوْا دَارَهُ بِالْحِجَارَةِ، وَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَصَدُوا دَارَهُ أَيْضًا، وَأَغْلَظُوا لَهُ فِي الْخِطَابِ، وَقَاتَلُوا مَنْ بِدَارِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَرَمَاهُمْ أَصْحَابُهُ وَغِلْمَانُهُ بِالنُّشَّابِ، فَانْصَرَفُوا وَبَطَلَتِ الْحَرَكَةُ إِلَى الْأَهْوَازِ. وَفِيهَا سَارَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي طَاهِرٍ الْقُرْمُطِيِّ إِلَى نُوَاحِي تَوَّجَ فِي مَرَاكِبَ، وَخَرَجُوا مِنْهَا إِلَى تِلْكَ الْأَعْمَالِ، فَلَمَّا بَعُدُوا عَنِ الْمَرَاكِبِ، أَرْسَلَ الْوَالِي فِي الْبِلَادِ إِلَى الْمَرَاكِبِ وَأَحْرَقَهَا، وَجَمَعَ النَّاسَ وَحَارَبَ الْقَرَامِطَةَ، فَقَتَلَ بَعْضًا، وَأَسَرَ بَعْضًا فِيهِمُ ابْنُ الْغَمْرِ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ دُعَاتِهِمْ، وَسَيَّرَهُمْ إِلَى بَغْدَاذَ (أَيَّامَ الْقَاهِرِ) ، فَدَخَلُوهَا مَشْهُورِينَ، وَسُجِنُوا، وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي خَلْعِ الْقَاهِرِ. وَفِيهَا قَتَلَ الْقَاهِرُ بِاللَّهِ إِسْحَاقَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ النُّوبَخْتِيَّ، وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ بِاسْتِخْلَافِهِ، فَكَانَ كَالْبَاحِثِ عَنْ حَتْفِهِ بِظِلْفِهِ، وَقَتَلَ أَيْضًا أَبَا السَّرَايَا بْنَ حَمْدَانَ، وَهُوَ أَصْغَرُ وَلَدِ أَبِيهِ، وَسَبَبُ قَتْلِهِمَا أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ مُغَنِّيَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَلِيَ الْخِلَافَةَ، فَزَادَ عَلَيْهِ فِي ثَمَنِهِمَا، فَحَقَدَ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا، فَلَمَّا أَرَادَ قَتْلَهُمَا اسْتَدْعَاهُمَا لِلْمُنَادَمَةِ، فَتَزَيَّنَا وَتَطَيَّبَا، وَحَضَرَا عِنْدَهُ، فَأَمَرَ بِإِلْقَائِهِمَا إِلَى بِئْرٍ فِي الدَّارِ وَهُوَ حَاضِرٌ، فَتَضَرَّعَا وَبَكَيَا، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِمَا وَأَلْقَاهُمَا فِيهَا وَطَمَّهَا عَلَيْهِمَا. وَفِيهَا أَحْضَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مِقْسَمٍ بِبَغْدَاذَ فِي دَارِ سَلَامَةَ الْحَاجِبِ، وَقِيلَ لَهُ إِنَّهُ قَدِ ابْتَدَعَ قِرَاءَةً لَمْ تُعْرَفْ، وَأَحْضَرَ ابْنَ مُجَاهِدٍ وَالْقُضَاةَ وَالْقُرَّاءَ وَنَاظَرُوهُ، فَاعْتَرَفَ بِالْخَطَأِ وَتَابَ مِنْهُ، وَأُحْرِقَتْ كُتُبُهُ.

стр. 3762

وَفِيهَا سَارَ الدُّمُسْتُقُ قَرْقَاشُ فِي خَمْسِينَ أَلْفًا مِنَ الرُّومِ، فَنَازَلَ مَلَطْيَةَ وَحَصَرَهَا مُدَّةً طَوِيلَةً، وَهَلَكَ أَكْثَرُ أَهْلِهَا بِالْجُوعِ، وَضَرَبَ خَيْمَتَيْنِ عَلَى إِحْدَاهُمَا صَلِيبٌ، وَقَالَ: مَنْ أَرَادَ النَّصْرَانِيَّةَ، انْحَازَ إِلَى خَيْمَةِ الصَّلِيبِ لِيَرُدَّ عَلَيْهِ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، وَمَنْ أَرَادَ الْإِسْلَامَ، انْحَازَ إِلَى الْخَيْمَةِ الْأُخْرَى، وَلَهُ الْأَمَانُ عَلَى نَفْسِهِ، وَنُبَلِّغُهُ مَأْمَنَهُ، فَانْحَازَ أَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْخَيْمَةِ الَّتِي عَلَيْهَا الصَّلِيبُ، طَمَعًا فِي أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَسَيَّرَ مَعَ الْبَاقِينَ بِطْرِيقًا يُبَلِّغُهُمْ مَأْمَنَهُمْ، وَفَتَحَهَا بِالْأَمَانِ مُسْتَهَلَّ جُمَادَى الْآخِرَةِ يَوْمَ الْأَحَدِ، وَمَلَكُوا سُمَيْسَاطَ، وَخَرَّبُوا الْأَعْمَالَ وَأَكْثَرُوا الْقَتْلَ، وَفَعَلُوا الْأَفَاعِيلَ الشَّنِيعَةَ، وَصَارَ أَكْثَرُ الْبِلَادِ فِي أَيْدِيهِمْ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَدِيٍّ أَبُو نُعَيْمٍ الْفَقِيهُ الْجُرْجَانِيُّ الْإِسْتِرَابَاذِيُّ وَأَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ الصُّوفِيُّ، وَاسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْقَاسِمِ، (وَقِيلَ: تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ) [وَثَلَاثِمِائَةٍ] . وَفِيهَا تُوُفِّيَ خَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّسَّاجُ الصُّوفِيُّ مِنْ أَهْلِ سَامَرَا، وَكَانَ مِنَ الْأَبْدَالِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ أَبُو بَكْرٍ الْكَتَّانِيُّ الصُّوفِيُّ الْمَشْهُورُ، وَهُوَ مِنْ

стр. 3763

أَصْحَابِ الْجُنَيْدِ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخَرَّازِ، (الْخَرَّازُ: بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ وَالزَّايِ) .

стр. 3764

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ] ٣٢٣ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ذِكْرُ قَتْلِ مَرْدَاوَيْجَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ مَرْدَاوَيْجُ (الدَّيْلَمِيُّ صَاحِبُ بِلَادِ الْجَبَلِ وَغَيْرِهَا) . وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّهُ كَانَ كَثِيرُ الْإِسَاءَةِ لِلْأَتْرَاكِ، وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ رُوحَ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ ﵇ حَلَّتْ فِيهِ، وَإِنَّ الْأَتْرَاكَ هُمُ الشَّيَاطِينُ وَالْمَرَدَةُ، فَإِنْ قَهَرَهُمْ وَإِلَّا أَفْسَدُوا، فَثَقُلَتْ وَطْأَتُهُ عَلَيْهِمْ وَتَمَنَّوْا هَلَاكَهُ. فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الْمِيلَادِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَهِيَ لَيْلَةُ الْوَقُودِ، أَمَرَ بِأَنْ يُجْمَعَ الْحَطَبُ مِنَ الْجِبَالِ وَالنَّوَاحِي، وَأَنْ يُجْعَلَ عَلَى جَانِبَيِ الْوَادِي الْمَعْرُوفِ بِزَنْدَرُوذَ كَالْمَنَابِرِ وَالْقِبَابِ الْعَظِيمَةِ، وَيُعْمَلُ مِثْلُ ذَلِكَ عَلَى الْجَبَلِ الْمَعْرُوفِ بِكَرِيمِ كَوْهَ الْمُشْرِفِ عَلَى أَصْبَهَانَ، مِنْ أَسْفَلِهِ إِلَى أَعْلَاهُ، بِحَيْثُ إِذَا اشْتَعَلَتْ تِلْكَ الْأَحْطَابُ، يَصِيرُ الْجَبَلُ كُلُّهُ نَارًا، وَعَمِلَ مِثْلَ ذَلِكَ بِجَمِيعِ الْجِبَالِ وَالتِّلَالِ الَّتِي هُنَاكَ، وَأَمَرَ فَجُمِعَ لَهُ النَّفْطُ وَمَنْ يَلْعَبُ بِهِ، وَعَمِلَ مِنَ الشُّمُوعِ مَا لَا يُحْصَى، وَصِيدَ لَهُ مِنَ الْغِرْبَانِ وَالْحَدَأِ زِيَادَةٌ عَلَى أَلْفَيْ طَائِرٍ لِيَجْعَلَ فِي أَرْجُلِهَا النَّفْطَ وَتُرْسَلُ لِتَطِيرَ بِالنَّارِ فِي الْهَوَاءِ، وَأَمَرَ بِعَمَلِ سِمَاطٍ عَظِيمٍ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَا فِيهِ: مِائَةُ فَرَسٍ، وَمِائَتَانِ مِنَ الْبَقَرِ مَشْوِيَّةٌ صِحَاحًا، سِوَى مَا شُوِيَ مِنَ الْغَنَمِ، فَإِنَّهَا كَانَتْ ثَلَاثَةُ آلَافِ رَأْسٍ، سِوَى الْمَطْبُوخِ، وَكَانَ فِيهِ مِنَ الدَّجَاجِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الطَّيْرِ زِيَادَةٌ عَلَى عَشَرَةِ آلَافِ عَدَدٍ، وَعُمِلَ مِنْ أَلْوَانِ الْحَلْوَاءِ مَا لَا يُحَدُّ، وَعَزَمَ عَلَى أَنْ يَجْمَعَ النَّاسَ عَلَى ذَلِكَ السِّمَاطِ، فَإِذَا فَرَغُوا قَامَ إِلَى مَجْلِسِ الشَّرَابِ وَيُشْعِلُ النِّيرَانَ فَيَتَفَرَّجُ.

стр. 3765

فَلَمَّا كَانَ آخِرُ النَّهَارِ، رَكِبَ وَحْدَهُ وَغِلْمَانُهُ رَجَّالَةً، وَطَافَ بِالسِّمَاطِ وَنَظَرَ إِلَيْهِ وَإِلَى تِلْكَ الْأَحْطَابِ، فَاسْتَحْقَرَ الْجَمِيعَ لِسِعَةِ الصَّحْرَاءِ، فَتَضَجَّرَ وَغَضِبَ، وَلَعَنَ مَنْ صَنَعَهُ وَدَبَّرَهُ، فَخَافَهُ مَنْ حَضَرَ، فَعَادَ وَنَزَلَ وَدَخَلَ خَرْكَاةً لَهُ فَنَامَ، فَلَمْ يَجْسُرْ أَحَدٌ [أَنْ] يُكَلِّمَهُ. وَاجْتَمَعَ الْأُمَرَاءُ وَالْقُوَّادُ وَغَيْرُهُمْ، وَأَرْجَفُوا عَلَيْهِ، فَمِنْ قَائِلٍ إِنَّهُ غَضِبَ لِكَثْرَتِهِ ; لِأَنَّهُ كَانَ بَخِيلًا، وَمِنْ قَائِلٍ إِنَّهُ قَدِ اعْتَرَاهُ جُنُونٌ، وَقِيلَ بَلْ أَوْجَعَهُ فُؤَادُهُ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَكَادَتِ الْفِتْنَةُ تَثُورُ. وَعَرَّفَ الْعَمِيدُ وَزِيرَهُ صُورَةَ الْحَالِ، فَأَتَاهُ وَلَمْ يَزَلْ حَتَّى اسْتَيْقَظَ وَعَرَّفَهُ مَا النَّاسُ فِيهِ، فَخَرَجَ وَجَلَسَ عَلَى الطَّعَامِ، وَأَكَلَ ثَلَاثَ لُقَمٍ، ثُمَّ قَامَ وَنَهَبَ النَّاسُ الْبَاقِيَ، وَلَمْ يَجْلِسْ لِلشَّرَابِ، وَعَادَ إِلَى مَكَانِهِ، وَبَقِيَ فِي مُعَسْكَرِهِ بِظَاهِرِ أَصْبَهَانَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا يَظْهَرُ. فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الرَّابِعُ، تَقَدَّمَ بِإِسْرَاجِ الدَّوَابِّ لِيَعُودَ مِنْ مَنْزِلَتِهِ (إِلَى دَارِهِ بِأَصْبَهَانَ) ، فَاجْتَمَعَ بِبَابِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَبَقِيَتِ الدَّوَابُّ مَعَ الْغِلْمَانِ، وَكَثُرَ صَهِيلُهَا وَلَعِبُهَا، وَالْغِلْمَانُ يَصِيحُونَ بِهَا لِتَسْكُنَ مِنَ الشَّغَبِ، وَكَانَتْ مُزْدَحِمَةً، فَارْتَفَعَ مِنَ الْجَمِيعِ أَصْوَاتٌ هَائِلَةٌ. وَكَانَ مَرْدَاوَيْجُ نَائِمًا، فَاسْتَيْقَظَ، فَصَعِدَ فَنَظَرَ فَرَأَى، فَسَأَلَ فَعَرَفَ الْحَالَ، فَازْدَادَ غَضَبًا، وَقَالَ: أَمَا كَفَى مِنْ خَرْقِ الْحُرْمَةِ مَا فَعَلُوهُ فِي ذَلِكَ الطَّعَامِ، وَمَا أَرَجَفُوا بِهِ، حَتَّى انْتَهَى أَمْرِي إِلىَ هَؤُلَاءِ الْكِلَابِ؟ ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَصْحَابِ الدَّوَابِّ، فَقِيلَ: إِنَّهَا لِلْغِلْمَانِ الْأَتْرَاكِ، وَقَدْ نَزَلُوا إِلَى خِدْمَتِكَ، فَأَمَرَ أَنْ تُحَطَّ السُّرُوجُ عَنِ الدَّوَابِّ وَتُجْعَلَ عَلَى ظُهُورِ أَصْحَابِهَا الْأَتْرَاكِ، وَيَأْخُذُوا بِأَرْسَانِ الدَّوَابِّ إِلَى الْإِسْطَبْلَاتِ،

стр. 3766

وَمَنِ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، ضَرَبَهُ الدَّيْلَمُ بِالْمُقَارِعِ حَتَّى يُطِيعَ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِمْ، وَكَانَتْ صُورَةً قَبِيحَةً، يَأْنَفُ مِنْهَا أَحْقَرُ النَّاسِ. ثُمَّ رَكِبَ هُوَ بِنَفْسِهِ مَعَ خَاصَّتِهِ، وَهُوَ يَتَوَعَّدُ الْأَتْرَاكَ، حَتَّى صَارَ إِلَى دَارِهِ قُرْبَ الْعِشَاءِ، وَكَانَ قَدْ ضَرَبَ قَبْلَ ذَلِكَ جَمَاعَةً مِنْ أَكَابِرِ الْغِلْمَانِ الْأَتْرَاكِ، فَحَقَدُوا عَلَيْهِ وَأَرَادُوا قَتْلَهُ، فَلَمْ يَجِدُوا أَعْوَانًا، فَلَمَّا جَرَتْ هَذِهِ الْحَادِثَةُ انْتَهَزُوا الْفُرْصَةَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَا وَجْهُ صَبْرِنَا عَلَى هَذَا الشَّيْطَانِ؟ فَاتَّفَقُوا وَتَحَالَفُوا عَلَى الْفَتْكِ بِهِ، فَدَخَلَ الْحَمَّامَ، وَكَانَ كُورَتِكِينُ يَحْرُسُهُ فِي خَلَوَاتِهِ وَحَمَّامِهِ، فَأَمَرَهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ أَنْ لَا يَتْبَعَهُ، فَتَأَخَّرَ عَنْهُ مُغْضَبًا، وَكَانَ هُوَ الَّذِي يَجْمَعُ الْحَرَسَ، فَلِشِدَّةِ غَضَبِهِ لَمْ يَأْمُرْ أَحَدًا أَنْ يَحْضُرَ حِرَاسَتَهُ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَمْرًا هَيَّأَ أَسْبَابَهُ. وَكَانَ لَهُ أَيْضًا خَادِمٌ أَسْوَدُ يَتَوَلَّى خِدْمَتَهُ بِالْحَمَّامِ، فَاسْتَمَالُوهُ فَمَالَ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا لِلْخَادِمِ: أَلَا يَحْمِلُ مَعَهُ سِلَاحًا؟ ، وَكَانَتِ الْعَادَةُ أَنْ يَحْمِلَ مَعَهُ خِنْجَرًا طُولُهُ نَحْوَ ذِرَاعٍ مَلْفُوفًا فِي مَنْدِيلٍ، فَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ لِلْخَادِمِ قَالَ: مَا أَجْسَرَ؛ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ كَسَرُوا حَدِيدَ الْخِنْجَرِ، وَتَرَكُوا النِّصَابَ فِي الْغِلَافِ بِغَيْرِ حَدِيدٍ، فَلَفُّوهُ فِي الْمَنْدِيلِ كَمَا جَرَتِ الْعَادَةُ لِئَلَّا يُنْكِرَ الْحَالَ. فَلَمَّا دَخَلَ مَرْدَاوَيْجُ الْحَمَّامَ، فَعَلَ الْخَادِمُ مَا قِيلَ لَهُ، وَجَاءَ خَادِمٌ آخَرُ وَهُوَ أُسْتَاذُ دَارِهِ، (فَجَلَسَ عَلَى بَابِ الْحَمَّامِ، فَهَجَمَ الْأَتْرَاكُ إِلَى الْحَمَّامِ، فَقَامَ أُسْتَاذُ دَارِهِ) لِيَمْنَعَهُمْ، وَصَاحَ بِهِمْ، فَضَرَبَهُ بَعْضُهُمْ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَ يَدَهُ، فَصَاحَ بِالْأَسْوَدِ وَسَقَطَ، وَسَمِعَ مَرْدَاوَيْجُ الضَّجَّةَ، فَبَادَرَ إِلَى الْخِنْجَرِ لِيَدْفَعَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، فَوَجَدَهُ مَكْسُورًا، فَأَخَذَ سَرِيرًا مِنْ خَشَبٍ كَانَ يَجْلِسُ عَلَيْهِ إِذَا اغْتَسَلَ، فَتَرَسَ بِهِ بَابَ الْحَمَّامِ مِنْ دَاخِلٍ، وَدَفَعَ الْأَتْرَاكُ الْبَابَ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى فَتْحِهِ، فَصَعِدَ بَعْضُهُمْ إِلَى السَّطْحِ، وَكَسَرُوا الْجَامَاتِ، وَرَمَوْهُ بِالنُّشَّابِ، فَدَخَلَ الْبَيْتَ الْحَارَّ، وَجَعَلَ يَتَلَطَّفَهُمْ وَيَحْلِفُ لَهُمْ عَلَى الْإِحْسَانِ، فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ، وَكَسَرُوا بَابَ الْحَمَّامِ وَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ.

стр. 3767

وَكَانَ الَّذِينَ أَلَّبُوا النَّاسَ عَلَيْهِ وَشَرَعُوا فِي قَتْلِهِ تُوزُونُ، وَهُوَ الَّذِي صَارَ أَمِيرَ الْعَسَاكِرِ بِبَغْدَاذَ وَيَارُوقُ، وَابْنُ بِغِرَا، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَنَالَ التُّرْجُمَانُ، وَوَافَقَهُمْ بُجْكُمُ، وَهُوَ الَّذِي وَلِيَ أَمْرَ الْعِرَاقِ قَبْلَ تُوزُونَ، وَسَيَرِدُ ذِكْرُ ذَلِكَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَلَمَّا قَتَلُوهُ بَادَرُوا فَأَعْلَمُوا أَصْحَابَهُمْ، فَرَكِبُوا وَنَهَبُوا قَصْرَهُ وَهَرَبُوا، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِمُ الدَّيْلَمُ ; لِأَنَّ أَكْثَرَهُمْ كَانُوا قَدْ دَخَلُوا الْمَدِينَةَ لِيَلْحَقَ بِهِمْ، وَتَخلَفَ الْأَتْرَاكُ مَعَهُ لِهَذَا السَّبَبِ. فَلَمَّا عَلِمَ الدَّيْلَمُ وَالْجِيلُ، رَكِبُوا فِي أَثَرِهِمْ، فَلَمْ يُلْحِقُوا مِنْهُمْ إِلَّا نَفَرًا يَسِيرًا وَقَفَتْ دَوَابُّهُمْ، فَقَتَلُوهُمْ، وَعَادُوا لِيَنْهَبُوا الْخَزَائِنَ، فَرَأَوُا الْعَمِيدَ قَدْ أَلْقَى النَّارَ فِيهَا، فَلَمْ يَصِلُوا إِلَيْهَا، فَبَقِيَتْ بِحَالِهَا. وَمِنْ عَجِبَ مَا يُحْكَى أَنَّ الْعَسَاكِرَ (فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لَمَّا رَأَوْا غَضَبَ مَرْدَاوَيْجَ) ، قَعَدُوا يَتَذَاكَرُونَ مَا هُمْ فِيهِ مَعَهُ مِنَ الْجَوْرِ، وَشِدَّةِ عُتُوِّهِ، وَتَمَرُّدِهِ عَلَيْهِمْ، وَدَخَلَ بَيْنَهُمْ رَجُلٌ شَيْخٌ لَا يَعْرِفُهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَهُوَ رَاكِبٌ، فَقَالَ: قَدْ زَادَ أَمْرُ هَذَا الْكَافِرِ، وَالْيَوْمَ تُكَفِّنُونَهُ وَيَأْخُذُهُ اللَّهُ، ثُمَّ سَارَ، فَلَحِقَتِ الْجَمَاعَةُ دَهْشَةٌ، وَنَظَرَ بَعْضُهُمْ فِي وُجُوهِ بَعْضٍ، وَمَرَّ الشَّيْخُ، فَقَالُوا: الْمَصْلَحَةُ أَنَّنَا نَتْبَعُهُ وَنَأْخُذُهُ وَنَسْتَعِيدُهُ الْحَدِيثَ، لِئَلَّا يَسْمَعَ مَرْدَاوَيْجُ مَا جَرَى، فَلَا نَلْقَى مِنْهُ خَيْرًا، فَتَبِعُوهُ فَلَمْ يَرَوْا أَحَدًا. وَكَانَ مَرْدَاوَيْجُ قَدْ تَجَبَّرَ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ وَعَتَا، وَعُمِلَ لَهُ كُرْسِيًّا مِنْ ذَهَبٍ يَجْلِسُ عَلَيْهِ، وَعُمِلَ كَرَاسِيُّ مِنْ فِضَّةٍ يَجْلِسُ عَلَيْهَا أَكَابِرُ قُوَّادِهِ، وَكَانَ قَدْ عَمِلَ تَاجًا مُرَصَّعًا عَلَى صِفَةِ تَاجِ كِسْرَى، وَقَدْ عَزَمَ عَلَى قَصْدِ الْعِرَاقِ وَالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ، وَبِنَاءِ الْمَدَائِنِ وَدَوْرِ كِسْرَى وَمَسَاكِنِهِ، وَأَنْ يُخَاطَبَ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ بِشَاهِنْشَاهْ، فَأَتَاهُ أَمْرُ اللَّهِ وَهُوَ غَافِلٌ عَنْهُ، وَاسْتَرَاحَ النَّاسُ مِنْ شَرِّهِ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُرِيحَ النَّاسَ مِنْ كُلِّ ظَالِمٍ سَرِيعًا. وَلَمَّا قُتِلَ مَرْدَاوَيْجُ، اجْتَمَعَ أَصْحَابُهُ الدَّيْلَمُ وَالْجِيلُ وَتَشَاوَرُوا، وَقَالُوا: إِنْ بَقِينَا بِغَيْرِ رَأْسٍ هَلَكْنَا، فَاجْتَمَعُوا عَلَى طَاعَةِ أَخِيهِ وَشْمَكِيرَ بْنِ زِيَارَ، وَهُوَ وَالِدُ قَابُوسٍ، وَكَانَ بِالرَّيِّ، فَحَمَلُوا تَابُوتَ مَرْدَاوَيْجَ وَسَارُوا نَحْوَ الرَّيِّ، فَخَرَجَ مَنْ بِهَا مِنْ أَصْحَابِهِ مَعَ أَخِيهِ وَشْمَكِيرَ،

стр. 3768

فَالْتَقُوهُ عَلَى أَرْبَعَةِ فَرَاسِخَ مُشَاةً حُفَاةً، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا. وَأَمَّا أَصْحَابُهُ الَّذِينَ كَانُوا بِالْأَهْوَازِ وَأَعْمَاِلِهَا، فَإِنَّهُمْ لَمَّا بَلَغَهُمُ الْخَبَرُ كَتَمُوهُ، وَسَارُوا نَحْوَ الرَّيِّ، فَأَطَاعُوا وَشْمَكِيرَ أَيْضًا، وَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ. وَلَمَّا قُتِلَ مَرْدَاوَيْجُ، كَانَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ بْنُ بُوَيْهِ رَهِينَةً عِنْدَهُ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، فَبَذَلَ لِلْمُوَكَّلِينَ مَالًا فَأَطْلَقُوهُ، فَخَرَجَ إِلَى الصَّحْرَاءِ لِيَفُكَّ قُيُودَهُ، فَأَقْبَلَتْ بِغَالٍ عَلَيْهَا تَبْنٌ، وَعَلَيْهَا أَصْحَابُهُ وَغِلْمَانُهُ، فَأُلْقِي التِّبْنُ، وَكَسَرَ أَصْحَابُهُ قُيُودَهُ وَرَكِبُوا الدَّوَابَّ، وَنَجَوْا إِلَى أَخِيهِ عِمَادِ الدَّوْلَةِ بِفَارِسَ. ذِكْرُ مَا فَعَلَهُ الْأَتْرَاكُ بَعْدَ قَتْلِهِ لَمَّا قَتَلَ الْأَتْرَاكُ مَرْدَاوَيْجَ، هَرَبُوا وَافْتَرَقُوا فِرْقَتَيْنِ، فَفِرْقَةٌ سَارَتْ إِلَى عِمَادِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ (مَعَ خَجْخَجَ الَّذِي سَلَّمَهُ تُوزُونُ فِيمَا بَعْدُ، وَسَنَذْكُرُهُ) . وَفِرْقَةٌ سَارَتْ نَحْوَ الْجَبَلِ مَعَ بُجْكُمَ، وَهِيَ أَكْثَرُهَا، فَجَبَوْا خَرَاجَ الدِّينَوَرِ وَغَيْرَهَا، وَسَارُوا إِلَى النَّهْرَوَانِ، فَكَاتَبُوا الرَّاضِيَ فِي الْمَسِيرِ إِلَى بَغْدَاذَ، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَدَخَلُوا بَغْدَاذَ، فَظَنَّ الْحَجَرِيَّةُ أَنَّهَا حِيلَةٌ عَلَيْهِمْ، فَطَلَبُوا رَدَّ الْأَتْرَاكِ إِلَى بَلَدِ الْجَبَلِ، فَأَمَرَهُمُ ابْنُ مُقْلَةَ بِذَلِكَ، وَأَطْلَقَ لَهُمْ مَالًا، فَلَمْ يَرْضَوْا بِهِ، وَغَضِبُوا، فَكَاتَبَهُمُ ابْنُ رَائِقٍ، وَهُوَ بِوَاسِطَ، وَلَهُ الْبَصْرَةُ أَيْضًا، فَاسْتَدْعَاهُمْ فَمَضَوْا إِلَيْهِ، وَقَدَّمَ عَلَيْهِمْ بُجْكُمَ، وَأَمَرَهُ بِمُكَاتَبَةِ الْأَتْرَاكِ وَالدَّيْلَمِ مِنْ أَصْحَابِ مَرْدَاوَيْجَ، فَكَاتَبَهُمْ، فَأَتَاهُ مِنْهُمْ عِدَّةٌ وَافِرَةٌ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، وَخَلَعَ عَلَيْهِمْ وَإِلَى بُجْكُمَ خَاصَّةً، وَأَمْرَهُ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى النَّاسِ بُجْكُمُ الرَّائِقِيُّ، فَأَقَامَ عِنْدَهُ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِمَا مَا نَذْكُرُهُ. ذِكْرُ حَالِ وَشْمَكِيرَ بَعْدَ قَتْلِ أَخِيهِ وَأَمَّا وَشْمَكِيرُ فَإِنَّهُ لَمَّا قُتِلَ أَخُوهُ، وَقَصَدَتْهُ الْعَسَاكِرُ الَّتِي كَانَتْ لِأَخِيهِ وَأَطَاعَتْهُ، وَأَقَامَ بِالرَّيِّ، فَكَتَبَ الْأَمِيرُ نَصْرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّامَّانِيُّ إِلَى أَمِيرِ جَيْشِهِ بِخُرَاسَانَ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُظَفَّرِ بْنِ مُحْتَاجٍ، بِالْمَسِيرِ إِلَى قُومِسَ، وَكَتَبَ إِلَى مَاكَانَ بْنِ كَالِي، وَهُوَ بِكَرْمَانَ، بِالْمَسِيرِ عَنْهَا إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْمُظَفَّرِ ; لِيَقْصِدُوا جُرْجَانَ وَالرَّيَّ.

стр. 3769

فَسَارَ مَاكَانُ إِلَى الدَّامَغَانَ عَلَى الْمَفَازَةِ، فَتَوَجَّهَ إِلَيْهِ بَانْجِينُ الدَّيْلَمِيُّ مِنْ أَصْحَابِ وَشْمَكِيرَ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ، وَاسْتَمَدَّ مَاكَانُ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُظَفَّرِ، وَهُوَ بِبِسْطَامٍ، فَأَمَدَّهُ بِجَمْعٍ كَثِيرٍ أَمَرَهُمْ بِتَرْكِ الْمُحَارِبَةِ إِلَى أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِمْ، فَخَالَفُوهُ وَحَارَبُوا بَانْجِينَ، فَلَمْ يَتَعَاوَنُوا وَتَخَاذَلُوا (فَهَزَمَهُمْ بَانْجِينُ) فَرَجَعُوا إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْمُظَفَّرِ، وَخَرَجُوا إِلَى جُرْجَانَ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ بَانْجِينُ لِيَصُدَّهُمْ عَنْهَا، فَانْصَرَفُوا إِلَى نَيْسَابُورَ وَأَقَامُوا بِهَا وَجُعِلَتْ وَلَايَتُهَا لِمَاكَانَ بْنِ كَالِي وَأَقَامَ بِهَا، وَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ سَنَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَأَوَّلَ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ. وَلَمَّا سَارَ مَاكَانُ عَنْ كَرْمَانَ، عَادَ إِلَيْهَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ إِلْيَاسَ فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، وَصَفَتْ لَهُ بَعْدَ حُرُوبٍ لَهُ مَعَ جُنُودِ نَصْرٍ بِكَرْمَانَ، وَكَانَ الظَّفَرُ لَهُ أَخِيرًا، وَسَنَذْكُرُ بَاقِيَ خَبَرِهِمْ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ. ذِكْرُ الْقَبْضِ عَلَى ابْنَيْ يَاقُوتٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي جُمَادَى الْأُولَى قَبَضَ الرَّاضِي بِاللَّهِ عَلَى مُحَمَّدٍ وَالْمُظَفَّرِ ابْنَيْ يَاقُوتٍ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَزِيرَ أَبَا عَلِيِّ بْنِ مُقْلَةَ كَانَ قَدْ قَلِقَ لِتَحَكُّمِ مُحَمَّدِ بْنِ يَاقُوتٍ فِي الْمَمْلَكَةِ بِأَسْرِهَا، وَأَنَّهُ هُوَ لَيْسَ لَهُ حُكْمٌ فِي شَيْءٍ، فَسَعَى بِهِ إِلَى الرَّاضِي، وَأَدَامَ السِّعَايَةَ، فَبَلَغَ مَا أَرَادَهُ. فَلَمَّا كَانَ خَامِسُ جُمَادَى الْأُولَى، رَكِبَ جَمِيعُ الْقُوَّادِ إِلَى دَارِ الْخَلِيفَةِ عَلَى عَادَتِهِمْ، وَحَضَرَ الْوَزِيرُ، وَأَظْهَرَ الرَّاضِي أَنَّهُ يُرِيدُ [أَنْ] يُقَلِّدَ جَمَاعَةً مِنَ الْقُوَّادِ أَعْمَالًا، وَحَضَرَ

стр. 3770

مُحَمَّدُ بْنُ يَاقُوتٍ لِلْحَجَبَةِ، وَمَعَهُ كَاتِبُهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْقَرَارِيطِيُّ، فَخَرَجَ الْخَدَمُ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ يَاقُوتٍ، فَاسْتَدْعَوْهُ إِلَى الْخَلِيفَةِ، فَدَخَلَ مُبَادِرًا، فَعَدَلُوا بِهِ إِلَى حُجْرَةٍ هُنَاكَ، فَحَبَسُوهُ فِيهَا ثُمَّ اسْتَدْعَوُا الْقَرَارِيطِيَّ، فَدَخَلَ فَعَدَلُوا بِهِ إِلَى حُجْرَةٍ (أُخْرَى، ثُمَّ اسْتَدْعَوُا الْمُظَفَّرَ بْنَ يَاقُوتٍ مِنْ بَيْتِهِ، وَكَانَ مَخْمُورًا، فَحَضَرَ) ، فَحَبَسُوهُ أَيْضًا. وَأَنْفَذَ الْوَزِيرُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ مُقْلَةَ إِلَى دَارِ مُحَمَّدٍ يَحْفَظُهَا مِنَ النَّهْبِ، وَكَانَ يَاقُوتٌ حِينَئِذٍ مُقِيمًا بِوَاسِطَ، فَلَمَّا بَلَغَهُ الْقَبْضُ عَلَى ابْنَيْهِ، انْحَدَرَ يَطْلُبُ فَارِسَ لِيُحَارِبَ ابْنَ بُوَيْهِ، وَكَتَبَ إِلَى الرَّاضِي يَسْتَعْطِفُهُ، وَيَسْأَلُهُ إِنْفَاذَ ابْنَيْهِ لِيُسَاعِدَاهُ عَلَى حُرُوبِهِ، فَاسْتَبَدَّ ابْنُ مُقْلَةَ بِالْأَمْرِ. ذِكْرُ حَالِ الْبَرِيدِيِّ وَفِيهَا قَوِيَ أَمْرُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَرِيدِيِّ، وَعَظُمَ شَأْنُهُ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ ضَامِنًا أَعْمَالَ الْأَهْوَازِ، فَلَمَّا اسْتَوْلَى عَلَيْهَا، عَسْكَرُ مَرْدَاوَيْجَ وَانْهَزَمَ يَاقُوتٌ، كَمَا ذَكَرْنَا، عَادَ الْبَرِيدِيُّ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَصَارَ يَتَصَرَّفُ فِي أَسَافِلِ أَعْمَالِ الْأَهْوَازِ، مُضَافًا إِلَى كِتَابَةِ يَاقُوتٍ، وَسَارَ إِلَى يَاقُوتٍ فَأَقَامَ مَعَهُ بِوَاسِطَ. فَلَمَّا قُبِضَ عَلَى ابْنَيْ يَاقُوتٍ، كَتَبَ ابْنُ مُقْلَةَ إِلَى ابْنِ الْبَرِيدِيِّ يَأْمُرُهُ أَنْ يُسَكِّنَ يَاقُوتًا، وَيُعَرِّفَهُ أَنَّ الْجُنْدَ اجْتَمَعُوا وَطَلَبُوا الْقَبْضَ عَلَى وَلَدَيْهِ، فَقُبِضَا تَسْكِينًا لِلْجُنْدِ، وَأَنَّهُمَا يَسِيرَانِ إِلَى أَبِيهِمَا عَنْ قَرِيبٍ، وَأَنَّ الرَّأْيَ أَنْ يَسِيرَ هُوَ لِفَتْحِ فَارِسَ، فَسَارَ يَاقُوتٌ مِنْ وَاسِطَ عَلَى طَرِيقِ السُّوسِ، وَسَارَ الْبَرِيدِيُّ عَلَى طَرِيقِ الْمَاءِ إِلَى الْأَهْوَازِ، وَكَانَ إِلَى أَخَوَيْهِ أَبِي الْحُسَيْنِ وَأَبِي يُوسُفَ ضَمَانُ السُّوسِ وَجُنْدُ يَسَابُورَ، وَادَّعَيَا أَنَّ دَخْلَ الْبِلَادِ لِسَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] أَخَذَهُ عَسْكَرُ مَرْدَاوَيْجَ، وَأَنَّ دَخْلَ سَنَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] لَا يُحَصَّلُ مِنْهُ شَيْءٌ ; لِأَنَّ نُوَّابَ مَرْدَاوَيْجَ ظَلَمُوا النَّاسَ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ مَا يَزْرَعُونَهُ. وَكَانَ الْأَمْرُ بِضِدِّ ذَلِكَ فِي السَّنَتَيْنِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْوَزِيرَ ابْنَ مُقْلَةَ، فَأَنْفَذَ نَائِبًا لَهُ لِيُحَقِّقَ

стр. 3771

الْحَالَ، فَوَاطَأَ ابْنَيِ الْبَرِيدِيِّ، وَكَتَبَ يُصَدِّقُهُمْ، فَحَصَّلَ لَهُمْ بِذَلِكَ مَالٌ عَظِيمٌ، وَقَوِيَتْ حَالُهُمْ، وَكَانَ مَبْلَغُ مَا أَخَذُوهُ أَرْبَعَةَ آلَافِ أَلْفِ دِينَارٍ. وَأَشَارَ ابْنُ الْبَرِيدِيِّ عَلَى يَاقُوتٍ بِالْمَسِيرِ إِلَى أَرَّجَانَ لِفَتْحِ فَارِسَ، وَقَامَ هُوَ بِجِبَايَةِ الْأَمْوَالِ مِنَ الْبِلَادِ، فَحَصَلَ مِنْهَا مَا أَرَادَ، فَلَمَّا سَارَ يَاقُوتٌ إِلَى فَارِسَ (فِي جُمُوعِهِ) لَقِيَهُ ابْنُ بُوَيْهِ بِبَابِ أَرَّجَانَ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ يَاقُوتٍ وَبَقِيَ إِلَى آخِرِهِمْ، ثُمَّ انْهَزَمَ وَسَارَ ابْنُ بُوَيْهِ خَلْفَهُ إِلَى رَامَهُرْمُزَ، وَسَارَ يَاقُوتٌ إِلَى عَسْكَرِ مَكْرَمٍ، وَأَقَامَ ابْنُ بُوَيْهِ بِرَامَهُرْمُزَ إِلَى أَنْ وَقَعَ الصُّلْحُ بَيْنَهُمَا. ذِكْرُ فِتْنَةِ الْحَنَابِلَةِ بِبَغْدَاذَ وَفِيهَا عَظُمَ أَمْرُ الْحَنَابِلَةِ، وَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُمْ، وَصَارُوا يَكْسِبُونَ مِنْ دُورِ الْقُوَّادِ وَالْعَامَّةِ، وَإِنْ وَجَدُوا نَبِيذًا أَرَاقُوهُ، وَإِنْ وَجَدُوا مُغَنِّيَةً ضَرَبُوهَا وَكَسَرُوا آلَةَ الْغِنَاءِ، وَاعْتَرَضُوا فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَمَشَى الرِّجَالُ مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، فَإِذَا رَأَوْا ذَلِكَ سَأَلُوهُ عَنِ الَّذِي مَعَهُ مَنْ هُوَ، فَأَخْبَرَهُمْ، وَإِلَّا ضَرَبُوهُ وَحَمَلُوهُ إِلَى صَاحِبِ الشُّرْطَةِ، وَشَهِدُوا عَلَيْهِ بِالْفَاحِشَةِ، فَأَرْهَجُوا بَغْدَاذَ. فَرَكِبَ بَدْرٌ الْخَرْشَنِيُّ، وَهُوَ صَاحِبُ الشُّرْطَةِ، عَاشِرَ جُمَادَى الْآخِرَةِ وَنَادَى فِي جَانِبَيْ بَغْدَاذَ، فِي أَصْحَابِ أَبِي مُحَمَّدِ الْبَرْبَهَارِيِّ الْحَنَابِلَةِ، أَلَا يَجْتَمِعُ مِنْهُمُ اثْنَانِ وَلَا يَتَنَاظَرُوا فِي مَذْهَبِهِمْ، وَلَا يُصَلِّي مِنْهُمْ إِمَامٌ إِلَّا إِذَا جَهَرَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَالْعِشَاءَيْنِ، فَلَمْ يُفِدْ فِيهِمْ، وَزَادَ شَرُّهُمْ وَفِتْنَتُهُمْ، وَاسْتَظْهَرُوا بِالْعُمْيَانِ الَّذِينَ كَانُوا يَأْوُونَ الْمَسَاجِدَ، وَكَانُوا إِذَا مَرَّ بِهِمْ شَافِعِيُّ الْمَذْهَبِ أَغْرَوْا بِهِ الْعُمْيَانَ، فَيَضْرِبُونَهُ بِعِصِيِّهِمْ، حَتَّى يَكَادَ يَمُوتُ. فَخَرَجَ تَوْقِيعُ الرَّاضِي بِمَا يُقْرَأُ عَلَى الْحَنَابِلَةِ يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ فِعْلَهُمْ، وَيُوَبِّخُهُمْ بِاعْتِقَادِ التَّشْبِيهِ وَغَيْرِهِ، فَمِنْهُ تَارَةً أَنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ صُورَةَ وُجُوهِكُمُ الْقَبِيحَةِ السَّمِجَةِ عَلَى مِثَالِ رَبِّ

стр. 3772

الْعَالَمِينَ، وَهَيْئَتَكُمُ الرَّذْلَةِ عَلَى هَيْئَتِهِ، وَتَذْكُرُونَ الْكَفَّ وَالْأَصَابِعَ وَالرِّجْلَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ الْمُذَهَّبَيْنِ، وَالشَّعْرَ الْقَطَطِ، وَالصُّعُودَ إِلَى السَّمَاءِ، وَالنُّزُولَ إِلَى الدُّنْيَا، تَبَارَكَ اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ وَالْجَاحِدُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، ثُمَّ طَعْنُكُمْ عَلَى خِيَارِ الْأَئِمَّةِ، وَنِسْبَتُكُمْ شِيعَةَ آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ (إِلَى الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ، ثُمَّ اسْتِدْعَاؤُكُمُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الدِّينِ بِالْبِدَعِ الظَّاهِرَةِ وَالْمَذَاهِبِ الْفَاجِرَةِ الَّتِي لَا يَشْهَدُ بِهَا الْقُرْآنُ، وَإِنْكَارُكُمْ زِيَارَةَ قُبُورِ الْأَئِمَّةِ، وَتَشْنِيعِكُمْ عَلَى زُوَّارِهَا بِالِابْتِدَاعِ) ، وَأَنْتُمْ مَعَ ذَلِكَ تَجْتَمِعُونَ عَلَى زِيَارَةِ قَبْرِ رَجُلٍ مِنَ الْعَوَامِّ لَيْسَ بِذِي شَرَفٍ وَلَا نَسَبٍ، (وَلَا سَبَبٍ) بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَأْمُرُونَ بِزِيَارَتِهِ، وَتَدَّعُونَ لَهُ مُعْجِزَاتِ الْأَنْبِيَاءِ، وَكَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ، فَلَعَنَ اللَّهُ شَيْطَانًا زَيَّنَ لَكُمْ هَذِهِ الْمُنْكَرَاتِ، وَمَا أَغْوَاهُ. وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يُقْسِمُ بِاللَّهِ قَسَمًا جَهْدًا إِلَيْهِ يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا عَنْ مَذْمُومِ مَذْهَبِكُمْ وَمُعْوَجِّ طَرِيقَتِكُمْ لَيُوسِعَنَّكُمْ ضَرْبًا وَتَشْرِيدًا، وَقَتْلًا وَتَبْدِيدًا، وَلَيَسْتَعْمِلَنَّ السَّيْفَ فِي رِقَابِكُمْ، وَالنَّارَ فِي مَنَازِلِكُمْ وَمَحَالِّكُمْ. ذِكْرُ قَتْلِ أَبِي الْعَلَاءِ بْنِ حَمْدَانَ وَفِيهَا قَتَلَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْدَانَ عَمَّهُ أَبَا الْعَلَاءِ بْنَ حَمْدَانَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا الْعَلَاءِ سَعِيدَ بْنَ حَمْدَانَ ضَمِنَ الْمَوْصِلَ وَدِيَارَ رَبِيعَةَ سِرًّا، وَكَانَ بِهَا نَاصِرُ الدَّوْلَةِ ابْنُ أَخِيهِ أَمِيرًا، فَسَارَ عَنْ بَغْدَاذَ فِي خَمْسِينَ رَجُلًا، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ مُتَوَجِّهٌ لِيَطْلُبَ مَالَ الْخَلِيفَةِ مِنِ ابْنِ أَخِيهِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الْمَوْصِلِ، خَرَجَ ابْنُ أَخِيهِ إِلَى تَلَقِّيهِ، وَقَصَدَ مُخَالَفَةَ طَرِيقِهِ، فَوَصَلَ أَبُو الْعَلَاءِ، وَدَخَلَ دَارَ ابْنِ أَخِيهِ، وَسَأَلَ عَنْهُ فَقِيلَ: إِنَّهُ خَرَجَ إِلَى لِقَائِكَ، فَقَعَدَ يَنْتَظِرُهُ، فَلَمَّا عَلِمَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ بِمَقَامِهِ فِي الدَّارِ، أَنْفَذَ جَمَاعَةً مِنْ غِلْمَانِهِ، فَقَبَضُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ أَنْفَذَ جَمَاعَةً غَيْرَهُمْ فَقَتَلُوهُ.

стр. 3773

ذِكْرُ مَسِيرِ ابْنِ مُقْلَةَ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَمَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ لَمَّا قَتَلَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ عَمَّهُ أَبَا الْعَلَاءِ وَاتَّصَلَ خَبَرُهُ بِالرَّاضِي، عَظُمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَأَنْكَرَهُ، وَأَمَرَ ابْنَ مُقْلَةَ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَسَارَ إِلَيْهَا فِي الْعَسَاكِرِ فِي شَعْبَانَ، فَلَمَّا قَارَبَهَا، رَحَلَ عَنْهَا نَاصِرُ الدَّوْلَةِ بْنُ حَمْدَانَ، وَدَخَلَ الزَّوْزَانَ، وَتَبِعَهُ الْوَزِيرُ إِلَى جَبَلِ التِّنِّينِ، ثُمَّ عَادَ عَنْهُ وَأَقَامَ بِالْمَوْصِلِ يَجْبِي مَالَهَا. وَلَمَّا طَالَ مَقَامُهُ بِالْمَوْصِلِ، احْتَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ ابْنِ حَمْدَانَ عَلَى وَلَدِ الْوَزِيرِ، وَكَانَ يَنُوبُ عَنْهُ فِي الْوِزَارَةِ بِبَغْدَاذَ، فَبَذَلَ لَهُ عَشَرَةَ آلَافِ دِينَارٍ لِيَكْتُبَ إِلَى أَبِيهِ يَسْتَدْعِيهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَقُولُ: إِنَّ الْأُمُورَ بِالْحَضْرَةِ قَدِ اخْتَلَّتْ، وَإِنْ تَأَخَّرَ لَمْ يَأْمَنْ حُدُوثَ مَا يُبْطِلُ بِهِ أَمْرَهُمْ، فَانْزَعَجَ الْوَزِيرُ لِذَلِكَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَوْصِلِ عَلِيَّ بْنَ خَلَفِ بْنِ طِيَّابٍ وَمَاكِرْدَ الدَّيْلَمَيَّ، وَهُوَ مِنَ السَّاجِيَّةِ، وَانْحَدَرَ إِلَى بَغْدَاذَ مُنْتَصَفَ شَوَّالٍ. فَلَمَّا فَارَقَ الْمَوْصِلَ، عَادَ إِلَيْهَا نَاصِرُ الدَّوْلَةِ بْنُ حَمْدَانَ، فَاقْتَتَلَ هُوَ وَمَاكِرْدُ الدَّيْلَمَيُّ، فَانْهَزَمَ ابْنُ حَمْدَانَ، ثُمَّ عَادَ وَجَمَعَ عَسْكَرًا آخَرَ، فَالْتَقَوْا عَلَى نَصِيبِينَ فِي ذِي الْحِجَّةِ، فَانْهَزَمَ مَاكِرْدُ إِلَى الرَّقَّةِ، وَانْحَدَرَ مِنْهَا إِلَى بَغْدَاذَ، وَانْحَدَرَ أَيْضًا ابْنُ طِيَّابٍ، وَاسْتَوْلَى ابْنُ حَمْدَانَ عَلَى الْمَوْصِلِ وَالْبِلَادِ، وَكَتَبَ إِلَى الْخَلِيفَةِ يَسْأَلُهُ الصَّفْحَ، وَأَنْ يَضْمَنَ الْبِلَادَ، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ وَاسْتَقَرَّتِ الْبِلَادُ عَلَيْهِ.

стр. 3774

ذِكْرُ فَتْحِ جَنَوَةَ وَغَيْرِهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَيَّرَ الْقَائِمُ الْعَلَوِيُّ جَيْشًا مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ فِي الْبَحْرِ إِلَى نَاحِيَةِ الْفِرِنْجِ، فَفَتَحُوا مَدِينَةَ جَنَوَةَ، وَمَرُّوا بِسَرْدَانِيَّةَ فَأَوْقَعُوا بِأَهْلِهَا، وَأَحْرَقُوا مَرَاكِبَ كَثِيرَةً، وَمَرُّوا بِقَرْقِيسِيَا، فَأَحْرَقُوا مَرَاكِبَهَا وَعَادُوا سَالِمِينَ. ذِكْرُ الْقَرَامِطَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ النَّاسُ إِلَى الْحَجِّ، فَلَمَّا بَلَغُوا الْقَادِسِيَّةَ اعْتَرَضَهُمْ أَبُو طَاهِرٍ الْقُرْمُطِيُّ ثَانِيَ عَشَرَ ذِي الْقِعْدَةِ، فَلَمْ يَعْرِفُوهُ، فَقَاتَلَهُ أَصْحَابُ الْخَلِيفَةِ، وَأَعَانَهُمُ الْحَجَّاجُ، ثُمَّ الْتَجَئُوا إِلَى الْقَادِسِيَّةِ، فَخَرَجَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعَلَوِيِّينَ بِالْكُوفَةِ إِلَى أَبِي طَاهِرٍ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَكُفَّ عَنِ الْحَجَّاجِ، فَكَفَّ عَنْهُمْ، وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَرْجِعُوا إِلَى بَغْدَاذَ، فَرَجَعُوا، وَلَمْ يَحُجَّ بِهَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْعِرَاقِ أَحَدٌ، وَسَارَ أَبُو طَاهِرٍ إِلَى الْكُوفَةِ فَأَقَامَ بِهَا عِدَّةَ أَيَّامٍ وَرَحَلَ عَنْهَا. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي الْمُحَرَّمِ قَلَّدَ الرَّاضِي بِاللَّهِ وَلَدَيْهِ أَبَا جَعْفَرٍ وَأَبَا الْفَضْلِ نَاحِيَتَيِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ مِمَّا بِيَدِهِ، وَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى الْبِلَادِ. وَفِيهَا فِي لَيْلَةِ الثَّانِيَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ، وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَوْقَعَ الْقُرْمُطِيُّ بِالْحَجَّاجِ، انْقَضَّتِ الْكَوَاكِبُ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ إِلَى آخِرِهِ انْقِضَاضًا دَائِمًا مُسْرِفًا جِدًّا لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ.

стр. 3775

وَفِيهَا مَاتَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ يَاقُوتٍ فِي الْحَبْسِ بِنَفْثِ الدَّمِ، فَأُحْضِرَ الْقَاضِي وَالشُّهُودُ (وَعُرِضَ عَلَيْهِمْ) ، فَلَمْ يَرَوْا بِهِ أَثَرَ ضَرْبٍ وَلَا خَنْقٍ، وَجَذَبُوا شَعْرَهُ فَلَمْ يَكُنْ مَسْمُومًا، فَسُلِّمَ إِلَى أَهْلِهِ، وَأَخَذُوا مَالَهُ وَأَمْلَاكَهُ وَمُعَامِلِيهِ وَوُكَلَاءَهُ وَكُلَّ مَنْ يُخَالِطُهُ. وَفِيهَا كَانَ بِخُرَاسَانَ غَلَاءٌ شَدِيدٌ، وَمَاتَ مِنْ أَهْلِهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْجُوعِ، فَعَجَزَ النَّاسُ عَنْ دَفْنِهِمْ، فَكَانُوا يَجْمَعُونَ الْغُرَبَاءَ وَالْفُقَرَاءَ فِي دَارٍ إِلَى أَنْ يَتَهَيَّأَ لَهُمْ تَكْفِينُهُمْ وَدَفْنُهُمْ. وَفِيهَا جَهَّزَ عِمَادُ الدَّوْلَةِ بْنُ بُوَيْهِ أَخَاهُ رُكْنَ الدَّوْلَةِ الْحَسَنَ إِلَى بِلَادِ الْجَبَلِ، وَسَيَّرَ مَعَهُ الْعَسَاكِرَ بَعْدَ عَوْدِهِ لَمَّا قُتِلَ مَرْدَاوَيْجُ، فَسَارَ إِلَى أَصْبَهَانَ، فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، وَأَنْزَلَ عَنْهَا وَعَنْ عِدَّةٍ مِنْ بِلَادِ الْجَبَلِ نُوَّابَ وَشْمَكِيرَ، وَأَقْبَلَ وَشْمَكِيرُ وَجَهَّزَ الْعَسَاكِرَ نَحْوَهُ، وَبَقِيَ هُوَ وَشْمَكِيرُ يَتَنَازَعَانِ تِلْكَ الْبِلَادَ، وَهِيَ أَصْبَهَانُ وَهَمَذَانُ، وَقُمُّ، وَقَاجَانُ، وَكَرَجُ، وَالرَّيُّ، وَكِنْكِوَرُ، وَقَزْوِينُ وَغَيْرُهَا. وَفِيهَا فِي آخِرِ جُمَادَى الْآخِرَةِ، شَغَبَ الْجُنْدُ بِبَغْدَاذَ، وَقَصَدُوا دَارَ الْوَزِيرِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ مُقْلَةَ وَابْنِهِ، وَزَادَ شَغَبُهُمْ، فَمَنَعَهُمْ أَصْحَابُ ابْنِ مُقْلَةَ، فَاحْتَالَ الْجُنْدُ وَنَقَبُوا دَارَ الْوَزِيرِ مِنْ ظَهْرِهَا وَدَخَلُوهَا، وَمَلَكُوهَا وَهَرَبَ الْوَزِيرُ وَابْنُهُ إِلَى الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، فَلَمَّا سَمِعَ السَّاجِيَّةُ بِذَلِكَ، رَكِبُوا إِلَى دَارِ الْوَزِيرِ، وَرَفَقُوا بِالْجُنْدِ فَرَدُّوهُمْ، وَعَادَ الْوَزِيرُ وَابْنُهُ إِلَى مَنَازِلِهِمَا. وَاتَّهَمَ الْوَزِيرُ بِإِثَارَةِ هَذِهِ الْفِتْنَةِ بَعْضَ أَصْحَابِ ابْنِ يَاقُوتٍ، فَأَمَرَ فَنُودِيَ أَنْ لَا يُقِيمَ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِمَدِينَةِ السَّلَامِ، ثُمَّ عَاوَدَ الْجُنْدُ الشَّغَبَ حَادِيَ عَشَرَ ذِي الْحِجَّةِ، وَنَقَبُوا دَارَ الْوَزِيرِ عِدَّةَ نَقُوبٍ، فَقَاتَلَهُمْ غِلْمَانُهُ وَمَنَعُوهُمْ، فَرَكِبَ صَاحِبُ الشُّرْطَةِ، وَحَفِظَ السُّجُونَ حَتَّى لَا تُفْتَحَ، ثُمَّ سَكَنُوا مِنَ الشَّغَبِ. (وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أُطْلِقَ الْمُظَفَّرُ بْنُ يَاقُوتٍ مِنْ حَبْسِ الرَّاضِي بِاللَّهِ بِشَفَاعَةِ الْوَزِيرِ ابْنِ مُقْلَةَ، وَحَلَفَ لِلْوَزِيرِ أَنَّهُ يُوَالِيهِ وَلَا يَنْحَرِفُ عَنْهُ، وَلَا يَسْعَى لَهُ وَلَا لِوَلَدِهِ بِمَكْرُوهٍ، فَلَمْ يَفِ لَهُ (وَلَا لِوَلَدِهِ) وَوَافَقَ الْحَجَرِيَّةَ عَلَيْهِ، فَجَرَى فِي حَقِّهِ مَا يَكْرَهُ.

стр. 3776

وَكَانَ الْمُظَفَّرُ حَقَدَ عَلَى الْوَزِيرِ حِينَ قُتِلَ أَخُوهُ لِأَنَّهُ اتَّهَمَهُ أَنَّهُ سَمَّهُ) . (وَفِيهَا أَرْسَلَ ابْنُ مُقْلَةَ رَسُولًا إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ رَائِقٍ بِوَاسِطَ، وَكَانَ قَدْ قَطَعَ الْحَمْلَ عَنِ الْخَلِيفَةِ، فَطَالَبَهُ بِارْتِفَاعِ الْبِلَادِ، وَاسْطُ وَالْبَصْرَةُ وَمَا بَيْنَهُمَا، فَأَحْسَنَ إِلَى الرُّسُلِ وَرَدَّهُمْ بِرِسَالَةٍ ظَاهِرَةٍ إِلَى ابْنِ مُقْلَةَ مُغَالَطَةً، وَأُخْرَى بَاطِنَةٍ إِلَى الْخَلِيفَةِ الرَّاضِي بِاللَّهِ وَحْدَهُ، مَضْمُونُهَا أَنَّهُ إِنِ اسْتُدْعِيَ إِلَى الْحَضْرَةِ وَفُوِّضَتْ إِلَيْهِ الْأُمُورُ وَتَدْبِيرُ الدَّوْلَةِ، قَامَ بِكُلِّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ نَفَقَاتِ الْخَلِيفَةِ وَأَرْزَاقِ الْجُنْدِ، فَلَمَّا سَمِعَ الْخَلِيفَةُ الرِّسَالَةَ، لَمْ يُعِدْ إِلَيْهِ جَوَابَهَا. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدَوَيْهِ بْنِ سَدُوسٍ الْهُذَلِيُّ مِنْ وَلَدِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ بِالْكُوفَةِ، وَهُوَ مِنْ نَيْسَابُورَ. وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرَفَةَ الْمَعْرُوفُ بِنَفْطَوَيْهِ النَّحْوِيِّ، وَلَهُ مُصَنَّفَاتٌ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ.

стр. 3777

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ] ٣٢٤ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ذِكْرُ الْقَبْضِ عَلَى ابْنِ مُقْلَةَ وَوِزَارَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عِيسَى لَمَّا عَادَ الرُّسُلُ مِنْ عِنْدِ ابْنِ رَائِقٍ بِغَيْرِ مَالٍ، رَأَى الْوَزِيرُ أَنْ يُسَيِّرَ ابْنَهُ، فَتَجَهَّزَ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ الْأَهْوَازَ، فَلَمَّا كَانَ مُنْتَصَفُ جُمَادَى الْأُولَى، حَضَرَ الْوَزِيرُ دَارَ الرَّاضِي لِيُنْفِذَ رَسُولًا إِلَى ابْنِ رَائِقٍ يُعَرِّفُهُ عَزْمَهُ عَلَى قَصْدِ الْأَهْوَازِ ; لِئَلَّا يَسْتَوْحِشَ لِحَرَكَتِهِ فَيَحْتَاطُ، فَلَمَّا دَخَلَ الدَّارَ، قَبَضَ عَلَيْهِ الْمُظَفَّرُ بْنُ يَاقُوتٍ وَالْحَجَرِيَّةُ، وَكَانَ الْمُظَفَّرُ قَدْ أُطْلِقَ مِنْ مَحْبَسِهِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ. وَوَجَّهُوا إِلَى الرَّاضِي يُعَرِّفُونَهُ ذَلِكَ، فَاسْتَحْسَنَ فِعْلَهُمْ، وَاخْتَفَى أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ مُقْلَةَ وَسَائِرُ أَوْلَادِهِ وَحَرَمِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَطَلَبَ الْحَجَرِيَّةُ وَالسَّاجِيَّةُ مِنَ الرَّاضِي أَنْ يَسْتَوْزِرَ وَزِيرًا، فَرَدَّ الِاخْتِيَارَ إِلَيْهِمْ، فَأَشَارُوا بِوِزَارَةِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى، فَأَحْضَرَهُ الرَّاضِي لِلْوِزَارَةِ، فَامْتَنَعَ وَأَشَارَ بِأَخِيهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَاسْتَوْزَرَهُ، وَسَلَّمَ إِلَيْهِ ابْنَ مُقْلَةَ فَصَادَرَهُ وَصَرَفَ بَدْرًا الْخَرْشَنِيَّ عَنِ الشُّرْطَةِ، ثُمَّ عَجَزَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ تَمْشِيَةِ الْأُمُورِ وَضَاقَ عَلَيْهِ، فَاسْتَعْفَى [مِنَ] الْوِزَارَةِ. ذِكْرُ الْقَبْضِ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَوِزَارَةِ أَبِي جَعْفَرٍ الْكَرْخِيِّ لَمَّا ظَهَرَ عَجْزُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لِلرَّاضِي وَوُقُوفُ الْأُمُورِ، قَبَضَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَخِيهِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى، فَصَادَرَهُ عَلَى مِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَصَادَرَ أَخَاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بِسَبْعِينَ أَلْفِ دِينَارٍ.

стр. 3778

ذِكْرُ قَتْلِ يَاقُوتٍ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ يَاقُوتٌ بِعَسْكَرِ مُكْرَمٍ. وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ ثِقَتُهُ بِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرِيدِيِّ فَخَانَهُ، وَقَابَلَ إِحْسَانَهُ بِالْإِسَاءَةِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ. وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ارْتَسَمَ بِكِتَابَةِ يَاقُوتٍ مَعَ ضَمَانِ الْأَهْوَازِ، فَلَمَّا كَتَبَ إِلَيْهِ، وَثِقَ بِهِ وَعَوَّلَ عَلَى مَا يَقُولُهُ، وَكَانَ إِذَا قِيلَ لَهُ شَيْءٌ فِي أَمْرِهِ وَخُوِّفَ مِنْ شَرِّهِ، يَقُولُ: إِنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ لَيْسَ كَمَا تَظُنُّونَ ; لِأَنَّهُ لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِالْإِمْرَةِ وَقَوْدِ الْعَسَاكِرِ، وَإِنَّمَا غَايَتُهُ الْكِتَابَةُ، فَاغْتَرَّ بِهَذَا مِنْهُ. وَكَانَ ﵀ سَلِيمَ الْقَلْبِ، حَسَنَ الِاعْتِقَادِ، فَلِهَذَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ طَاعَةِ الْخَلِيفَةِ حِينَ قَبَضَ عَلَى وَلَدَيْهِ بَلْ دَامَ عَلَى الْوَفَاءِ. فَأَمَّا حَالُهُ مَعَ الْبَرِيدِيِّ، فَإِنَّهُ لَمَّا عَادَ مَهْزُومًا مِنْ عِمَادِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ إِلَى عَسْكَرِ مُكْرَمٍ، كَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَنْ يُقِيمَ بِعَسْكَرِ مَكْرَمٍ لِيَسْتَرِيحَ، وَيَقَعَ التَّدْبِيرُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَانَ بِالْأَهْوَازِ، وَهُوَ يَكْرَهُ الِاجْتِمَاعَ مَعَهُ فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ، فَسَمِعَ يَاقُوتٌ قَوْلَهُ وَأَقَامَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَخَاهُ أَبَا يُوسُفَ الْبَرِيدِيَّ يَتَوَجَّعُ لَهُ وَيُهَنِّيهِ بِالسَّلَامَةِ، وَقَرَّرَ الْقَاعِدَةَ عَلَى أَنْ يَحْمِلَ لَهُ أَخُوهُ مِنْ مَالِ الْأَهْوَازِ خَمْسِينَ أَلْفِ دِينَارٍ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ عِنْدَهُ مِنَ الْجُنْدِ خَلْقًا كَثِيرًا مِنْهُمُ الْبَرْبَرُ، وَالشَّفِيعِيَّةُ، وَالنَّازُوكِيَّةُ، وَالْبَلْقِيَّةُ، وَالْهَارُونِيَّةُ. كَانَ ابْنُ مُقْلَةَ قَدْ مَيَّزَ هَذِهِ الْأَصْنَافَ مِنْ عَسْكَرِ بَغْدَاذَ وَسَيَّرَهُمْ إِلَى الْأَهْوَازِ ; لِيَخِفَّ عَلَيْهِ مَؤُونَتُهُمْ، فَذَكَرَ أَبُو يُوسُفَ أَنَّ هَؤُلَاءِ مَتَى رَأَوُا الْمَالَ يَخْرُجُ عَنْهُمْ إِلَيْكَ شَغَبُوا، وَيَحْتَاجُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ إِلَى مُفَارَقَةِ الْأَهْوَازِ، ثُمَّ يَصِيرُ أَمْرُهُمْ إِلَى أَنَّهُمْ يَقْصِدُونَكَ وَلَا نَعْلَمُ كَيْفَ يَكُونُ الْحَالُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: إِنَّ رِجَالَكَ مَعَ سُوءِ أَثَرِهِمْ يَقْنَعُونَ بِالْقَلِيلِ.

стр. 3779

فَصَدَّقَهُ يَاقُوتٌ فِيمَا قَالَ، وَأَخَذَ ذَلِكَ الْمَالَ وَفَرَّقَهُ، وَبَقِيَ عِدَّةَ شُهُورٍ لَمْ يَصِلْهُ مِنْهُ شَيْءٌ إِلَى أَنْ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ [وَثَلَاثِمِائَةٍ] ، فَضَاقَ الرِّزْقُ عَلَى أَصْحَابِ يَاقُوتٍ وَاسْتَغَاثُوا، وَذَكَرُوا مَا فِيهِ أَصْحَابُ الْبَرِيدِيِّ بِالْأَهْوَازِ مِنَ السِّعَةِ، وَمَا هُمْ فِيهِ مِنَ الضِّيقِ. وَكَانَ قَدِ اتَّصَلَ بِيَاقُوتٍ طَاهِرٌ الْجِيلِيُّ، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِ ابْنِ بُوَيْهِ، فِي ثَمَانِمِائَةِ رَجُلٍ، وَهُوَ مِنْ أَرْبَابِ الْمَرَاتِبِ الْعَالِيَةِ، وَمِمَّنْ يَسْمُو إِلَى مَعَالِي الْأُمُورِ. وَسَبَبُ اتِّصَالِهِ بِهِ خَوْفُهُ مِنِ ابْنِ بُوَيْهِ أَنْ يَقْبِضَ عَلَيْهِ خُوفًا مِنْهُ، فَلَمَّا رَأَى حَالَ يَاقُوتٍ انْصَرَفَ عَنْهُ إِلَى غَرْبَيْ تُسْتَرَ، وَأَرَادَ أَنْ يَتَغَلَّبَ عَلَى مَاهِ الْبَصْرَةِ، وَكَانَ مَعَهُ أَبُو جَعْفَرٍ الصَّيْمَرِيُّ، وَهُوَ كَاتِبُهُ، فَسَمِعَ بِهِ عِمَادُ الدَّوْلَةِ بْنُ عِمَادِ بْنِ بُوَيْهِ فَكَبَسَهُ، فَانْهَزَمَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَاسْتَوْلَى ابْنُ بُوَيْهِ عَلَى عَسْكَرِهِ وَغَنَمِهِ، وَأَسَرَ الصَّيْمَرِيَّ، فَأَطْلَقَهُ الْخَيَّاطُ وَزِيرُ عِمَادِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ، فَمَضَى إِلَى كَرْمَانَ، وَاتَّصَلَ بِالْأَمِيرِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ بُوَيْهِ، وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبُ إِقْبَالِهِ. فَلَمَّا سَارَ طَاهِرٌ مِنْ عِنْدِ يَاقُوتٍ، ضَعُفَتْ نَفْسُهُ وَاسْتَطَالَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ، فَخَافَهُمْ وَرَاسَلَ الْبَرِيدِيَّ وَعَرَّفَهُ مَا هُوَ فِيهِ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّ مُعَوَّلَهُ عَلَى مَا يُدَبِّرُهُ بِهِ، فَأَنْفَذَ إِلَيْهِ الْبَرِيدِيُّ يَقُولُ: إِنَّ عَسْكَرَكَ قَدْ فَسَدُوا، وَفِيهِمْ مَنْ يَنْبَغِي أَنْ يَخْرُجَ، وَالرَّأْيُ أَنْ يُنْفِذَهُمْ إِلَيْهِ لِيَسْتَصْلِحَهُمْ، فَإِنَّهُ لَهُ أَشْغَالٌ تَمْنَعُهُ أَنْ يَحْضُرَ عِنْدَهُ، وَلَوْ حَضَرَ عِنْدَهُ وَالْجُنْدُ مُجْتَمِعُونَ، لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الِانْتِصَافِ مِنْهُمْ ; لِأَنَّهُمْ يُظَاهِرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَإِذَا حَضَرُوا عِنْدَهُ بِالْأَهْوَازِ مُتَفَرِّقِينَ، فَعَلَ بِهِمْ مَا أَرَادَ وَلَا يُمْكِنُهُمْ خِلَافُهُ. فَفَعَلَ ذَلِكَ يَاقُوتٌ، وَأَنْفَذَ أَصْحَابَهُ إِلَيْهِ، فَاخْتَارَ مِنْهُمْ مَنْ أَرَادَ لِنَفْسِهِ، وَرَدَّ مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ إِلَى يَاقُوتٍ، (بَعْدَ أَنْ كَسَرَهُمْ وَأَسْقَطَ مِنْ أَرْزَاقِهِمْ، فَقِيلَ ذَلِكَ لِيَاقُوتٍ) ، فَأُشِيرَ عَلَيْهِ بِمُعَاجَلَةِ الْبَرِيدِيِّ قَبْلَ أَنْ يَسْتَفْحِلَ أَمْرُهُ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ وَقَالَ: جَعَلْتُهُمْ عِنْدَهُ عِدَّةً لِي.

стр. 3780

وَأَحْسَنَ الْبَرِيدِيُّ إِلَى مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْجُنْدِ، فَقَالَ أَصْحَابُ يَاقُوتٍ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَطَلَبُوا أَرْزَاقَهُمُ الَّتِي قَرَّرَهَا الْبَرِيدِيُّ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ فَلَمْ يُنْفِذْ شَيْئًا، فَرَاجَعَهُ فَلَمْ يُنْفِذْ شَيْئًا، فَسَارَ يَاقُوتٌ إِلَيْهِ جَرِيدَةً لِئَلَّا يَسْتَوْحِشَ مِنْهُ، فَلَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ خَرَجَ إِلَى لِقَائِهِ، وَقَبَّلَ يَدَهُ وَقَدَمَهُ، وَأَنْزَلَهُ دَارَهُ وَقَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَدَّمَ بِنَفْسِهِ الطَّعَامَ لِيَأْكُلَ. وَكَانَ قَدْ وَضَعَ الْجُنْدَ عَلَى إِثَارَةِ الْفِتْنَةِ، فَحَضَرُوا الْبَابَ وَشَغَبُوا وَاسْتَغَاثُوا، فَسَأَلَ يَاقُوتٌ عَنِ الْخَبَرِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ الْجُنْدَ بِالْأَبْوَابِ قَدْ شَغَبُوا، وَيَقُولُونَ: قَدِ اصْطَلَحَ يَاقُوتٌ وَالْبَرِيدِيُّ، وَلَا بُدَّ لَنَا مِنْ قَتْلِ يَاقُوتٍ، فَقَالَ لَهُ الْبَرِيدِيُّ: قَدْ تَرَى مَا دَفَعْنَا إِلَيْهِ، فَانْجُ بِنَفْسِكَ وَإِلَّا قُتِلْنَا جَمِيعًا، فَخَرَجَ مِنْ بَابٍ آخَرَ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ، وَلَمْ يُفَاتِحِ الْبَرِيدِيَّ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَعَادَ إِلَى عَسْكَرِ مُكْرَمٍ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْبَرِيدِيُّ يَقُولُ لَهُ: إِنَّ الْعَسْكَرَ الَّذِينَ شَغَبُوا قَدِ اجْتَهَدْتُ فِي إِصْلَاحِهِمْ وَعَجَزْتُ عَنْ ذَلِكَ، وَلَسْتُ آمَنُهُمْ أَنْ يَقْصِدُوكَ، وَبَيْنَ عَسْكَرِ مُكْرَمٍ وَالْأَهْوَازِ ثَمَانِيَةُ فَرَاسِخَ، وَالرَّأْيُ أَنْ تَتَأَخَّرَ إِلَى تُسْتَرَ لِتَبْعُدَ عَنْهُمْ، وَهِيَ حَصِينَةٌ، وَكَتَبَ لَهُ عَلَى عَامِلِ تُسْتَرَ بِخَمْسِينَ أَلْفِ دِينَارٍ. فَسَارَ يَاقُوتٌ إِلَيْهَا، وَكَانَ لَهُ خَادِمٌ اسْمُهُ مُؤْنِسٌ، فَقَالَ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ، إِنَّ الْبَرِيدِيَّ [يَحُزُّ مَفَاصِلَنَا] وَيَفْعَلُ بِنَا مَا تَرَى، وَأَنْتَ مُغْتَرٌّ بِهِ، (وَهُوَ الَّذِي وَضَعَ الْجُنْدَ بِالْأَهْوَازِ حَتَّى فَعَلُوا ذَلِكَ) ، وَقَدْ شَرَعَ فِي إِبْعَادِكَ بَعْدَ أَنْ أَخَذَ وُجُوهَ أَصْحَابِكَ، (وَقَدْ أَطْلَقَ لَكَ) مَا لَا يَقُومُ بِأَوَدِ أَصْحَابِكِ الَّذِينَ عِنْدَكَ، وَمَا أَعْطَاكَ ذَلِكَ أَيْضًا إِلَّا حَتَّى تَتَبَلَّغَ بِهِ، وَتَضِيقَ الْأَرْزَاقُ عَلَيْنَا، وَيَفْنَى مَا لَنَا مِنْ دَابَّةٍ وَعِدَّةٍ فَنَنْصَرِفَ عَنْكَ عَلَى أَقْبَحِ حَالٍ، فَحِينَئِذٍ يَبْلُغُ مِنْكَ مَا يُرِيدُهُ، فَاحْفَظْ نَفْسَكَ مِنْهُ وَلَا تَأْمَنْهُ، وَلَمْ يَثِقْ لِلْجُنْدِ الْحَجَرِيَّةِ بِبَغْدَاذَ شَيْخٌ غَيْرُكَ، وَقَدْ كَاتَبُوكَ فَسِرْ إِلَيْهِمْ، فَكُلُّ مَنْ بِبَغْدَاذَ يُسَلِّمُ إِلَيْكَ الرِّئَاسَةَ، فَإِنْ فَعَلْتَ، وَإِلَّا فَسِرْ بِنَا إِلَى الْأَهْوَازِ ; لِنَطْرُدَ الْبَرِيدِيَّ عَنْهَا، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنَّا، فَأَنْتَ أَمِيرٌ وَهُوَ كَاتِبٌ. فَقَالَ: لَا تَقُلْ فِي أَبِي عَبْدِ اللَّهِ هَذَا، فَلَوْ كَانَ لِي أَخٌ مَا زَادَ عَلَى مَحَبَّتِهِ.

стр. 3781

ثُمَّ إِنَّ يَاقُوتًا ظَهَرَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِهِ وَعَجْزِهِ عَنِ الْبَرِيدِيِّ، فَضَعُفَتْ نُفُوسُ أَصْحَابِهِ، وَصَارَ كُلُّ لَيْلَةٍ يَمْضِي مِنْهُمْ طَائِفَةٌ إِلَى الْبَرِيدِيِّ، فَإِذَا قِيلَ ذَلِكَ لِيَاقُوتٍ، يَقُولُ: إِلَى كَاتِبِي يَمْضُونَ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى بَقِيَ فِي ثَمَانِمِائَةِ رَجُلٍ. ثُمَّ إِنَّ الرَّاضِيَ قَبَضَ عَلَى الْمُظَفَّرِ بْنِ يَاقُوتٍ فِي جُمَادَى الْأُولَى، وَسَجَنَهُ أُسْبُوعًا ثُمَّ أَطْلَقَهُ وَسَيَّرَهُ إِلَى أَبِيهِ، فَلَمَّا اجْتَمَعَ بِهِ بِتُسْتَرَ أَشَارَ عَلَيْهِ بِالْمَسِيرِ إِلَى بَغْدَاذَ، فَإِنْ دَخَلَهَا، فَقَدْ حَصَلَ لَهُ مَا يُرِيدُ، وَإِلَّا سَارَ إِلَى الْمَوْصِلِ وَدِيَارِ رَبِيعَةَ فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، فَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ، فَفَارَقَهُ وَلَدُهُ إِلَى الْبَرِيدِيِّ، فَأَكْرَمَهُ وَجَعَلَ مُوَكَّلِينَ يَحْفَظُونَهُ. ثُمَّ إِنَّ الْبَرِيدِيَّ خَافَ مَنْ عِنْدِهِ مِنْ أَصْحَابِ يَاقُوتٍ أَنْ يُعَاوِدُوا الْمَيْلَ وَالْعَصَبِيَّةَ لَهُ، وَيُنَادُوا بِشِعَارِهِ فَيَهْلَكَ، فَأَرْسَلَ إِلَى يَاقُوتٍ يَقُولُ لَهُ: إِنَّ كِتَابَ الْخَلِيفَةِ وَرَدَ عَلَيَّ يَأْمُرُنِي أَنْ لَا أَتْرُكَكَ تُقِيمُ بِهَذِهِ الْبِلَادِ، وَمَا يُمْكِنُنِي مُخَالَفَةُ السُّلْطَانِ، وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُخَيِّرَكَ إِمَّا أَنْ تَمْضِيَ إِلَى حَضْرَتِهِ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ غُلَامًا، وَإِمَّا إِلَى بِلَادِ الْجَبَلِ لِيُوَلِّيَكَ بَعْضَ الْأَعْمَالِ، فَإِنْ خَرَجْتَ طَائِعًا، وَإِلَّا أَخْرَجْتُكَ قَهْرًا. فَلَمَّا وَصَلَتِ الرِّسَالَةُ إِلَى يَاقُوتٍ تَحَيَّرَ فِي أَمْرِهِ، وَاسْتَشَارَ مُؤْنِسَا غُلَامَهُ، فَقَالَ لَهُ: قَدْ نَهَيْتُكَ عَنِ الْبَرِيدِيِّ وَمَا سَمِعْتَ، وَمَا بَقِيَ لِلرَّأْيِ وَجْهٌ، فَكَتَبَ يَاقُوتٌ يَسْتَمْهِلُهُ شَهْرًا لِيَتَأَهَّبَ، وَعَلِمَ حِينَئِذٍ خُبْثَ الْبَرِيدِيِّ حَيْثُ لَا يَنْفَعُهُ عِلْمُهُ. فَلَمَّا وَصَلَ كِتَابُ يَاقُوتٍ يَطْلُبُ الْمُهْلَةَ، أَجَابَهُ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى الْمُهْلَةِ، وَسَيَّرَ الْعَسَاكِرَ مِنَ الْأَهْوَازِ إِلَيْهِ، فَأَرْسَلَ يَاقُوتٌ الْجَوَاسِيسَ لِيَأْتُوهُ بِالْأَخْبَارِ، فَظَفَرَ الْبَرِيدِيُّ بِجَاسُوسٍ، فَأَعْطَاهُ مَالًا عَلَى أَنْ يَعُودَ إِلَى يَاقُوتٍ وَيُخْبِرَهُ أَنَّ الْبَرِيدِيَّ وَأَصْحَابَهُ قَدْ وَافُوا عَسْكَرَ مُكْرَمٍ، وَنَزَلُوا فِي الدُّورِ مُتَفَرِّقِينَ مُطَمْئِنِينَ، فَمَضَى الْجَاسُوسُ وَأَخْبَرَ يَاقُوتًا بِذَلِكَ، فَأَحْضَرَ مُؤْنِسًا وَقَالَ: قَدْ ظَفِرْنَا بِعَدُوِّنَا وَكَافِرِ نِعْمَتِنَا، وَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ الْجَاسُوسُ، وَقَالَ: نَسِيرُ مِنْ تُسْتَرَ الْعَتَمَةَ، وَنُصْبِحُ عَسْكَرَ مُكْرَمٍ وَهُمْ غَارُّونَ، فَنَكْبِسَهُمْ فِي الدُّورِ، فَإِنْ وَقَعَ الْبَرِيدِيُّ فَاللَّهُ مَشْكُورٌ، وَإِنَّ هَرَبَ اتَّبَعْنَاهُ. فَقَالَ مُؤْنِسٌ: مَا أَحْسَنَ هَذَا إِنْ صَحَّ، وَإِنْ كَانَ الْجَاسُوسُ صَادِقًا، فَقَالَ يَاقُوتٌ: إِنَّهُ يُحِبُّنِي وَيَتَوَلَّانِي وَهُوَ صَادِقٌ، فَسَارَ يَاقُوتٌ فَوَصَلَ إِلَى عَسْكَرِ مُكْرَمٍ طُلُوعَ الشَّمْسِ، فَلَمْ يَرَ لِلْعَسْكَرِ أَثَرًا، فَعَبَرَ الْبَلَدَ إِلَى نِهَارِ جَارُودَ، وَخَيَّمَ هُنَاكَ، وَبَقِيَ يَوْمَهُ وَلَا يَرَى لِعَسْكَرِ الْبَرِيدِيِّ أَثَرًا، فَقَالَ لَهُ مُؤْنِسٌ: إِنَّ الْجَاسُوسَ كَذَبَنَا، وَأَنْتَ تَسْمَعُ كَلَامَ الْكَاذِبِينَ، وَإِنَّنِي خَائِفٌ عَلَيْكَ.

стр. 3782

فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ الْعَصْرِ، أَقْبَلَتْ عَسَاكِرُ الْبَرِيدِيِّ، فَنَزَلُوا عَلَى فَرْسَخٍ مِنْ يَاقُوتٍ، وَحَجَزَ بَيْنِهِمُ اللَّيْلُ وَأَصْبَحُوا الْغَدَ، فَكَانَتْ بَيْنَهُمْ مُنَاوَشَةٌ، وَاتَّعَدُوا لِلْحَرْبِ الْغَدَ. وَكَانَ الْبَرِيدِيُّ قَدْ سَيَّرَ عَسْكَرًا مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى لِيَصِيرُوا وَرَاءَ يَاقُوتٍ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ، فَيَكُونُ كَمِينًا يَظْهَرُ عِنْدَ الْقِتَالِ فَهُمْ يَنْتَظِرُونَهُ، فَلَمَّا كَانَ الْمَوْعِدُ بَاكَرُوا بِالْقِتَالِ، فَاقْتَتَلُوا مِنْ بُكْرَةٍ إِلَى الظُّهْرِ، وَكَانَ عَسْكَرُ الْبَرِيدِيِّ قَدْ أَشْرَفَ عَلَى الْهَزِيمَةِ مَعَ كَثْرَتِهِمْ، وَكَانَ مُقَدِّمُهُمْ أَبَا جَعْفَرٍ الْحَمَّالَ. فَلَمَّا جَاءَ الظُّهْرُ، ظَهَرَ الْكَمِينُ مِنْ وَرَاءِ عَسْكَرِ يَاقُوتٍ، فَرَدَّ إِلَيْهِمْ مُؤْنِسًا فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ، فَقَاتَلَهُمْ وَهُمْ فِي ثَلَاثَةِ آلَافِ رَجُلٍ، فَعَادَ مُؤْنِسٌ مُنْهَزِمًا، فَحِينَئِذٍ انْهَزَمَ أَصْحَابُ يَاقُوتٍ، وَكَانُوا سِوَى الثَّلَاثِمِائَةِ خَمْسَمِائَةٍ، فَلَمَّا رَأَى يَاقُوتٌ ذَلِكَ نَزَلَ عَنْ دَابَّتِهِ، وَأَلْقَى سِلَاحَهُ، وَجَلَسَ بِقَمِيصٍ إِلَى جَانِبِ جِدَارِ رِبَاطٍ. وَلَوْ دَخَلَ الرِّبَاطَ وَاسْتَتَرَ فِيهِ لَخَفِيَ أَمْرُهُ، وَكَانَ أَدْرَكَهُ اللَّيْلُ، فَرُبَّمَا سَلِمَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ أَمْرًا هَيَّأَ أَسْبَابَهُ، وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا. فَلَمَّا جَلَسَ مَعَ الْحَائِطِ غَطَّى وَجْهَهُ بِكُمِّهِ، وَمَدَّ يَدَهُ كَأَنَّهُ يَتَصَدَّقُ وَيَسْتَحْيِي [أَنْ] يَكْشِفَ وَجْهَهُ، فَمَرَّ بِهِ قَوْمٌ مِنَ الْبَرْبَرِ مِنْ أَصْحَابِ الْبَرِيدِيِّ فَأَنْكَرُوهُ، فَأَمَرُوهُ بِكَشْفِ وَجْهِهِ فَامْتَنَعَ، فَنَخَسَهُ أَحَدُهُمْ بِمِزْرَاقٍ مَعَهُ، فَكَشَفَ وَجَّهَهُ وَقَالَ: أَنَا يَاقُوتٌ، فَمَا تُرِيدُونَ مِنِّي؟ احْمِلُونِي إِلَى الْبَرِيدِيِّ، فَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ، وَحَمَلُوا رَأْسَهُ إِلَى الْعَسْكَرِ، وَكَتَبَ أَبُو جَعْفَرٍ الْحَمَّالُ كِتَابًا إِلَى الْبَرِيدِيِّ عَلَى جَنَاحِ طَائِرٍ يَسْتَأْذِنُهُ فِي حَمْلِ رَأْسِهِ (إِلَى الْعَسْكَرِ) ، فَأَعَادَ الْجَوَابَ بِإِعَادَةِ الرَّأْسِ إِلَى الْجُثَّةِ وَتَكْفِينِهِ وَدَفْنِهِ، وَأَسْرِ غُلَامِهِ مُؤْنِسٍ وَغَيْرِهِ مِنْ قُوَّادِهِ فَقُتِلُوا، وَأَرْسَلَ الْبَرِيدِيُّ إِلَى تُسْتَرَ فَحَمَلَ مَا فِيهَا لِيَاقُوتٍ مِنْ جَوَارٍ وَمَالٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَلَمْ يَظْهَرْ لِيَاقُوتٍ غَيْرُ اثْنَيْ [عَشْرَ] أَلْفِ دِينَارٍ، فَحُمِلَ الْجَمِيعُ إِلَيْهِ، وَقُبِضَ عَلَى الْمُظَفَّرِ بْنِ يَاقُوتٍ، فَبَقِيَ فِي حَبْسِ الْبَرِيدِيِّ مُدَّةً ثُمَّ نَفَّذَهُ إِلَى بَغْدَاذَ.

стр. 3783

وَتَجَبَّرَ الْبَرِيدِيُّ بَعْدَ يَاقُوتٍ وَعَصَى، وَقَدْ أَطَلْنَا فِي ذِكْرِ هَذِهِ الْحَادِثَةِ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهَا عَلَى طُولِهَا لِمَا فِيهَا مِنَ الْأَسْبَابِ الْمُحَرِّضَةِ عَلَى الِاحْتِيَاطِ وَالِاحْتِرَازِ، فَإِنَّهَا مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا فِيهَا تَجَارِبُ وَأُمُورٌ يَكْثُرُ وُقُوعُ مِثْلِهَا. ذِكْرُ عَزْلِ أَبِي جَعْفَرٍ وَوِزَارَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْحَسَنِ لَمَّا تَوَلَّى الْوَزِيرُ أَبُو جَعْفَرٍ الْكَرْخِيُّ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ، رَأَى قِلَّةَ الْأَمْوَالِ وَانْقِطَاعَ الْمَوَادِّ، فَازْدَادَ عَجْزًا إِلَى عَجْزِهِ، وَضَاقَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ. وَمَا زَالَتِ الْإِضَاقَةُ تَزِيدُ، وَطَمَعُ مَنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْمُعَامِلِينَ فِيمَا عِنْدَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَقَطَعَ ابْنُ رَائِقٍ حِمْلَ وَاسِطَ وَالْبَصْرَةِ، وَقَطَعَ الْبَرِيدِيُّ حِمْلَ الْأَهْوَازِ وَأَعْمَالِهَا. وَكَانَ ابْنُ بُوَيْهِ قَدْ تَغَلَّبَ عَلَى فَارِسَ، فَتَحَيَّرَ أَبُو جَعْفَرٍ، وَكَثُرَتِ الْمُطَالَبَاتُ عَلَيْهِ، وَنَقُصَتْ هَيْبَتُهُ، وَاسْتَتَرَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَنِصْفٍ مِنْ وِزَارَتِهِ، فَلَمَّا اسْتَتَرَ اسْتَوْزَرَ الرَّاضِي أَبَا الْقَاسِمِ سُلَيْمَانَ بْنَ الْحَسَنِ، فَكَانَ فِي الْوِزَارَةِ كَأَبِي جَعْفَرٍ فِي وُقُوفِ الْحَالِ وَقِلَّةِ الْمَالِ. ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ ابْنِ رَائِقٍ عَلَى أَمْرِ الْعِرَاقِ وَتَفَرُّقِ الْبِلَادِ لَمَّا رَأَى الرَّاضِي وُقُوفَ الْحَالِ عِنْدَهُ، أَلْجَأَتْهُ الضَّرُورَةُ إِلَى أَنْ رَاسَلَ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ رَائِقٍ وَهُوَ بِوَاسِطَ، يَعْرِضُ عَلَيْهِ إِجَابَتَهُ إِلَى مَا كَانَ بَذَلَهُ مِنَ الْقِيَامِ بِالنَّفَقَاتِ وَأَرْزَاقِ الْجُنْدِ بِبَغْدَاذَ، فَلَمَّا أَتَاهُ الرَّسُولُ بِذَلِكَ فَرِحَ بِهِ، وَشَرَعَ يَتَجَهَّزُ لِلْمَسِيرِ إِلَى بَغْدَاذَ، فَأَنْفَذَ إِلَيْهِ الرَّاضِي السَّاجِيَّةَ، وَقَلَّدَهُ إِمَارَةَ الْجَيْشِ، وَجَعْلَهُ أَمِيرَ الْأُمَرَاءِ، وَوَلَّاهُ الْخَرَاجَ وَالْمُعَاوِنَ فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ وَالدَّوَاوِينِ، وَأَمَرَ بِأَنْ يُخْطَبَ لَهُ عَلَى جَمِيعِ الْمَنَابِرِ، وَأَنْفَذَ إِلَيْهِ الْخِلَعَ.

стр. 3784

وَانْحَدَرَ إِلَيْهِ أَصْحَابُ الدَّوَاوِينِ وَالْكُتَّابُ وَالْحُجَّابُ، وَتَأَخَّرَ الْحَجَرِيَّةُ عَنِ الِانْحِدَارِ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ الَّذِينَ انْحَدَرُوا إِلَى وَاسِطَ، قَبَضَ ابْنُ رَائِقٍ عَلَى السَّاجِيَّةِ سَابِعَ ذِي الْحِجَّةِ، وَنَهَبَ رَحْلَهُمْ وَمَالَهُمْ وَدَوَابَّهُمْ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِتَتَوَفَّرَ أَرْزَاقُهُمْ عَلَى الْحَجَرِيَّةِ، فَاسْتَوْحَشَ الْحَجَرِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ وَقَالُوا: الْيَوْمَ لِهَؤُلَاءِ وَغَدًا لَنَا، وَخَيَّمُوا بِدَارِ الْخَلِيفَةِ، فَأُصْعِدَ ابْنُ رَائِقٍ إِلَى بَغْدَاذَ وَمَعَهُ بُجْكُمُ، وَخَلَعَ الْخَلِيفَةُ عَلَيْهِ أَوَاخِرَ ذِي الْحِجَّةِ، وَأَتَاهُ الْحَجَرِيَّةُ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ، فَأَمَرَهُمْ بِقَلْعِ خِيَامِهِمْ، فَقَلَعُوهَا وَعَادُوا إِلَى مَنَازِلِهِمْ. وَبَطَلَتِ الدَّوَاوِينُ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ، (وَبَطَلَتِ الْوِزَارَةُ) ، فَلَمْ يَكُنِ الْوَزِيرُ يَنْظُرُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأُمُورِ، إِنَّمَا كَانَ ابْنُ رَائِقٍ وَكَاتِبِهِ يَنْظُرَانِ فِي الْأُمُورِ جَمِيعِهَا، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ تَوَلَّى إِمْرَةَ الْأُمَرَاءِ بَعْدَهُ، وَصَارَتِ الْأَمْوَالُ تُحْمَلُ إِلَى خَزَائِنِهِمْ فَيَتَصَرَّفُونَ فِيهَا كَمَا يُرِيدُونَ، وَيُطْلِقُونَ لِلْخَلِيفَةِ مَا يُرِيدُونَ، وَبَطَلَتْ بُيُوتُ الْأَمْوَالِ، وَتَغَلَّبَ أَصْحَابُ الْأَطْرَافِ، وَزَالَتْ عَنْهُمُ الطَّاعَةُ، وَلَمْ يَبْقَ لِلْخَلِيفَةِ غَيْرُ بَغْدَاذَ وَأَعْمَالِهَا، وَالْحُكْمُ فِي جَمِيعِهَا لِابْنِ رَائِقٍ لَيْسَ لِلْخَلِيفَةِ حُكْمٌ. وَأَمَّا بَاقِي الْأَطْرَافِ فَكَانَتِ الْبَصْرَةُ فِي يَدِ (ابْنِ رَائِقٍ، وَخُوزِسْتَانُ فِي يَدِ) الْبَرِيدِيِّ. وَفَارِسُ فِي يَدِ عِمَادِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ. وَكَرْمَانُ فِي يَدِ أَبِي عَلِيِّ مُحَمَّدِ بْنِ إِلْيَاسَ. وَالرَّيُّ وَأَصْبَهَانُ فِي يَدِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ وَيَدِ وَشْمَكِيرَ أَخِي مَرْدَاوَيْجَ يَتَنَازَعَانِ عَلَيْهَا، وَالْمَوْصِلُ وَدِيَارُ بِكْرٍ وَمُضَرَ وَرَبِيعَةَ فِي يَدِ بَنِي حَمْدَانَ، وَمِصْرُ وَالشَّامُ فِي يَدِ مُحَمَّدِ بْنِ طُغْجَ. وَالْمَغْرِبُ وَإِفْرِيقِيَّةُ فِي يَدِ أَبِي الْقَاسِمِ الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ بْنِ الْمَهْدِيِّ الْعَلَوِيِّ، وَهُوَ الثَّانِي مِنْهُمْ، وَيُلَقَّبُ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْأَنْدَلُسُ فِي يَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُلَقَّبِ بِالنَّاصِرِ الْأُمَوِيِّ،

стр. 3785

وَخُرَاسَانُ وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ فِي يَدِ نَصْرِ بْنِ أَحْمَدَ السَّامَانِيِّ. وَطَبَرِسْتَانُ وَجُرْجَانُ فِي يَدِ الدَّيْلَمِ. وَالْبَحْرَيْنِ وَالْيَمَامَةُ فِي يَدِ أَبِي طَاهِرٍ الْقُرْمُطِيِّ. ذِكْرُ مَسِيرِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ إِلَى كَرْمَانَ، وَمَا جَرَى عَلَيْهِ بِهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ بُوَيْهِ، الْمُلَقَّبُ بِمُعِزِّ الدَّوْلَةِ، إِلَى كَرْمَانَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ عِمَادَ الدَّوْلَةِ بْنَ بُوَيْهِ وَأَخَاهُ رُكْنُ الدَّوْلَةِ لَمَّا تَمَكَّنَّا مِنْ بِلَادِ فَارِسَ وَبِلَادِ الْجَبَلِ، وَبَقِيَ أَخُوهُمَا الْأَصْغَرُ أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بِغَيْرِ وَلَايَةٍ يَسْتَبِدُّ بِهَا، رَأَيَا أَنْ يُسَيِّرَاهُ إِلَى كَرْمَانَ، فَفَعَلَا ذَلِكَ، وَسَارَ إِلَى كَرْمَانَ فِي عَسْكَرٍ ضَخْمٍ شُجْعَانٍ، فَلَمَّا بَلَغَ السِّيرَجَانَ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا، وَجَبَى أَمْوَالَهَا وَأَنْفَقَهَا فِي عَسْكَرِهِ. وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سِيمَجُورَ الدَّوَاتِيُّ يُحَاصِرُ مُحَمَّدَ بْنَ إِلْيَاسَ بْنَ أَلِيَسَعَ بِقَلْعَةٍ هُنَاكَ بِعَسَاكِرِ نَصْرِ بْنِ أَحْمَدَ صَاحِبِ خُرَاسَانَ، فَلَمَّا بَلَغَهُ إِقْبَالُ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، سَارَ عَنْ كَرْمَانَ إِلَى خُرَاسَانَ، وَنَفَّسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِلْيَاسَ، فَتَخَلَّصَ مِنَ الْقَلْعَةِ، وَسَارَ إِلَى مَدِينَةِ بَمَّ، وَهِيَ عَلَى طَرَفِ الْمَفَازَةِ بَيْنَ كَرْمَانَ وَسِجِسْتَانَ، فَسَارَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ بْنُ بُوَيْهِ، فَرَحَلَ مِنْ مَكَانِهِ إِلَى سِجِسْتَانَ بِغَيْرِ قِتَالٍ، فَسَارَ أَحْمَدُ إِلَى جِيرَفْتَ، وَهِيَ قَصَبَةُ كَرْمَانَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى بَمَّ بَعْضَ أَصْحَابِهِ. فَلَمَّا قَارَبَ جِيرَفْتُ أَتَاهُ (رَسُولُ عَلِيِّ) بْنِ الزِّنْجِيِّ الْمَعْرُوفِ بَعَلِيٍّ كَلِوَيْهِ، وَهُوَ رَئِيسُ الْقَفَصِ، وَالْبُلُوصِ، وَكَانَ هُوَ وَأَسْلَافُهُ مُتَغَلِّبِينَ عَلَى تِلْكَ النَّاحِيَةِ، إِلَّا أَنَّهُمْ يُجَامِلُونَ كُلَّ سُلْطَانٍ يَرِدُ الْبِلَادَ وَيُطِيعُونَهُ، وَيَحْمِلُونَ إِلَيْهِ مَالًا مَعْلُومًا وَلَا يَطَئُونَ بِسَاطَهُ، فَبَذَلَ لِابْنِ بُوَيْهِ ذَلِكَ الْمَالَ، فَامْتَنَعَ أَحْمَدُ مِنْ قَبُولِهِ إِلَّا بَعْدَ دُخُولِ جِيرَفْتَ، فَتَأَخَّرَ عَلِيُّ بْنُ كُلِوَيْهِ نَحْوَ عَشَرَةِ فَرَاسِخَ، وَنَزَلَ بِمَكَانٍ صَعْبِ الْمَسْلَكِ، وَدَخَلَ أَحْمَدُ بْنُ بُوَيْهِ جِيرَفْتَ، وَاصْطَلَحَ هُوَ وَعَلَيٌّ، وَأَخَذَ رَهَائِنَهُ وَخَطَبَ لَهُ. فَلَمَّا اسْتَقَرَّ الصُّلْحُ وَانْفَصَلَ الْأَمْرُ، أَشَارَ بَعْضُ أَصْحَابِ ابْنِ بُوَيْهِ عَلَيْهِ بِأَنْ يَقْصِدَ عَلِيًّا وَيَغْدِرَ بِهِ، وَيَسْرِيَ إِلَيْهِ سِرًّا عَلَى غَفْلَةٍ، وَأَطْمَعَهُ فِي أَمْوَالِهِ، وَهَوَّنَ عَلَيْهِ أَمْرَهُ بِسُكُونِهِ إِلَى
следующие страницы →